الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول، القائلون: بمشروعية التأمين للإمام. بما يلي:
١- عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: “ إذا أمّن الإمام، فأمّنوا. فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدم من ذنبه “. قال ابن شهاب: ”وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين. “ ١. وقال ابن عبد البر في بيان وجه الاستدلال
стр. 37
منه: “في هذا الحديث أيضاً: أن الإمام يقول: آمين، لقول رسول الله ﷺ : “إذا أمّن الإمام، فأمّنوا “. ومعلوم أن تأمين المأموم قوله: آمين. فكذلك يجب أن يكون قول الإمام سواء، لأن رسول الله ﷺ قد سوّى بينهما في اللفظ، ولم يقل: إذا دعا الإمام، فأمّنوا”. وقال أيضاً: “ومعلوم أن قوله ﷺ : “ إذا أمن الإمام، فأمنوا “ لم يرد به فادعوا مثل دعاء الإمام ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة. وهذا ما لا يختلف فيه. وإنما أراد من المأموم قول: آمين، لا غير. وهذا إجماع من العلماء. فكذلك أراد من الإمام قول: آمين. لا الدعاء بالتلاوة، لأنه قد سوى بينهما في لفظه ﷺ بقوله: “ إذا أمّن الإمام، فأمنوا “ فالتأمين من الإمام، كهو من المأموم سواء. وهو قول: آمين. هذا ما يوجبه ظاهر الحديث. فكيف وقد ثبت عن النبي ﷺ “ أنه كان يقول آمين إذا فرغ من قراءة فاتحة الكتاب “ وهذا نص يرفع الإشكال، ويقطع الخلاف. وهو قول جمهور علماء المسلمين”١.
٢- وعن وائل بن حُجر ﵁ قال: “ كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين. ويرفع بها صوته “. وفي رواية “ ومدّ بها صوته “ ٢.
стр. 38
_________
الدارمي ١/٢٨٤، والدارقطني ١/٣٣٤، ٣٣٥ وقال: (هذا إسناد صحيح) . وابن حبان، كما في الإحسان ٣/١٤٦ (١٨٠٢) ، وابن أبي شيبة ٢/١٨٧ (٧٩٦٠) ، ٦/١٤١ (٣٠١٥٥) ، ٧/٣١٢ (٣٦٣٩٤) ، والبيهقي ٢/٥٧، والبغوي في شرح السنة ٣/٥٨. وقال: هذا حديث حسن. وابن حزم في المحلى ٣/٢٦٣. كلهم من طريق سفيان عن سلمة عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر ﵁ به. قال النووي في المجموع ٣/٣٦٩: (وإسناده حسن. كل رجاله ثقات إلا محمد بن كثير العبدي جرّحه ابن معين، ووثقه غيره. وقد روى له البخاري، وناهيك به شرفاً وتوثيقاً له) .
قلت: من طريق محمد بن كثير عند أبي داود، وقد تابعه آخرون: فتابعه عند الترمذي: يحي بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي. وتابعه وكيع عند أحمد، وابن أبي شيبة، والفريابي عند الدارقطني. ولذا قال ابن حجر في التلخيص ١/٢٣٦: (سنده صحيح) . قال الشوكاني في نيل الأوطار ٢/٢٤٧: (وصححه الدارقطني، وأعلّه ابن القطان بحجر بن عنبس. وقال: إنه لا يُعرف. وخطّأه. وقال: إنه ثقة معروف. قيل: وله صحبة. ووثقه يحي بن معين وغيره) . فالحديث حسَّنه: الترمذي، والبغوي، والنووي. وصححه: ابن حبان، والدارقطني، وابن حجر.
وأخرجه النسائي في افتتاح الصلاة، باب رفع اليدين حيال الأذنين (٤) ٢/١٢٢ (٨٧٩) ، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب الجهر بآمين ١/٢٧٨ (٨٥٥) ، والدارقطني ١/٣٣٤، وعبد الرزاق ٢/٩٥ (٢٦٣٣) ، وابن أبي شيبة ٢/١٨٧ (٧٩٥٩) ، والبيهقي ٢/٥٨ من طريق أبي إسحاق عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه. لفظ النسائي: “ صليت خلف رسول الله ﷺ ..” الحديث. وفيه “ ثم يقرأ بفاتحة الكتاب، فلما فرغ منها، قال: آمين. يرفع بها صوته “. ولفظ ابن ماجه: “ صلّيت مع رسول الله ﷺ فلما قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين. سمعناها “. ولفظ الدارقطني، والبيهقي: “ مدّ بها صوته “ وللبيهقي: “ رفع بها صوته “. وقال الدارقطني: هذا إسناد صحيح. قال النووي في المجموع ٣/١٠٤: (أئمة الحديث متفقون على أن عبد الجبار، لم يسمع من أبيه شيئاً. وقال جماعة منهم: إنما ولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر) .
تنبيه مهم: أخرج هذا الحديث: أحمد ٤/٣١٦، والترمذي (٢٤٩) ، والطيالسي ١٣٨
стр. 39
_________
(١٠٢٤) ، والحاكم ٢/٢٣٢، والدارقطني ١/٣٣٤، والبيهقي ٢/٥٧. وغيرهم من طريق شعبة عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيع. وفيه “ قال: آمين. يخفض بها صوته “ أو “ وخفض بها صوته “ أو “ أخفى بها صوته “ وقال الحاكم: على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: (سمعت محمداً ـ يعني البخاري ـ يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة هذا.، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث ... وزادا فيه عن علقمة بن وائل، وليس فيه عن علقمة، وإنما هو حُجْر ابن عنبس، عن وائل بن حجر. وقال: وخفض بها صوته. وإنما هو مدّ بها صوته. وقال الترمذي: سألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال: حديث سفيان في هذا أصح) . وقال الأثرم: (اضطرب فيه شعبة، في إسناده ومتنه. ورواه سفيان فضبطه، ولم يضطرب في إسناده ولا متنه) . وقال الدارقطني: (ويُقال إنه ـ أي شعبة ـ وهِم فيه، لأن سفيان الثوري، ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما. رووه عن سلمة، فقالوا: “ ورفع صوته بآمين “ وهو الصواب) . وأورد ابن القيم في إعلام الموقعين مرجحات أخر فقال: (وترجيح ثان: وهو متابعة العلاء بن صالح، ومحمد بن سلمة بن كهيل له. وترجيح ثالث: وهو أن أبا الوليد الطيالسي ـ وحسبك به ـ رواه عن شعبة بوفاق الثوري في متنه. فقد اختُلف على شعبة كما ترى. قال البيهقي: فيحتمل أن يكون تنبه لذلك، فعاد إلى الصواب في متنه وترك ذكر علقمة في إسناده. وترجيح رابع: وهو أن الروايتين لو تقاومتا، لكانت رواية الرفع متضمنة لزيادة وكانت أولى بالقبول. وترجيح خامس: وهو موافقتها وتفسيرها لحديث أبي هريرة: “ وإذا أمن الإمام، فأمنوا. فإن الإمام يقول: آمين. والملائكة تقول: آمين. فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له “. وترجيح سادس: وهو ما رواه الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته بآمين “ ولأبي داود بمعناه، وزاد بيانا فقال: ” قال: آمين. حتى يُسمع من يليه من الصف الأول “ وفي رواية عنه: ” كان النبي ﷺ إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين يرفع بها صوته ويأمر بذلك “. وترجيح سابع: نبّه عليه الزيلعي، فقال: (واعلم أن في الحديث علة أخرى ذكرها الترمذي في (علله الكبير) فقال: سألت محمد بن إسماعيل، هل سمع علقمة من أبيه؟ فقال: إنه ولد بعد موت أبيه لستة أشهر) .
(تنبيه آخر) في تنبيه الزيلعي بأن علقمة لم يسمع من أبيه، نظر، فإن ذلك في عبد الجبار. كما تقدم ذلك عن النووي، وهو الصحيح. قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٦/٣٠: (عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي. روى عن أبيه، مرسل، ولم يسمع منه) . وقال ٦/٤٠٥: (علقمة بن وائل الحضرمي، الكندي الكوفي، روى عن أبيه..) وقال البخاري في التاريخ الكبير ٦/١٠٦: (عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي، عن أخيه عن أبيه. قال محمد بن حجر: ولد بعد أبيه بستة أشهر) . وقال الذهبي في الكاشف ١/٦١٢: (عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي الكوفي، عن أبيه، وأخيه علقمة، وعنه ابن جحادة، ومسعر. قال ابن معين: ثقة، لم يسمع من أبيه. وقال غيره: سمع) .
وانظر: التاريخ الكبير ٣/٧٣، السنن الكبرى للبيهقي ٢/٥٧، ٥٨، المجموع ٣/٣٦٩، تنقيح التحقيق (١٣٩) ٢/٨٣٢، نصب الراية ١/٣٦٩، التلخيص ١/٢٣٦، ٢٣٧، التعليق المغني على الدارقطني ١/٣٣٤، ٣٣٥، تهذيب الكمال ١٦/ ٣٩٤،٣٩٣، تهذيب التهذيب ١٢/٣٩٨.
(تنبيه آخر) قال ابن حجر في فتح الباري ٢/٢٦٤: (فيه ردّ على من أومأ إلى النسخ. فقال: إنما كان يجهر بالتأمين في ابتداء الإسلام، ليُعلمهم. فإن وائل بن حجر إنما أسلم في أواخر الأمر) .
стр. 40
وفي رواية “ يجهر بها “ ١. وفي رواية “ رفع صوته بآمين، وطوّل بها”٢.
٣- وعن أبي ميسرة قال: لما أقرأ جبريل رسول الله ﷺ فاتحة الكتاب، فبلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: "قل آمين". فقال: "آمين “ ٣.
стр. 41
٤- وعن علي ﵁ قال: “ سمعت رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين “ ١.
٥- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : “ إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين. فإن الملائكة تقول: آمين. وإن الإمام يقول: آمين. فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفر له ما تقدّم من ذنبه “ ٢.
٦- وعن أبي هريرة ﵁ قال ترك الناس آمين. وكان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين. حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتج بها المسجد “ ٣.
стр. 42
٧- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: “ إذا أمّن القارئ فأمّنوا. فإن الملائكة تُؤمِّن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدم من ذنبه” ١.
٨- وعن أبي هريرة ﵁ قال: “كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من أم القرآن رفع صوته، فقال: آمين” ٢.
٩- وعن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين. فقال: آمين. وقال الناس: آمين. ويقول كلما سجد: الله أكبر. وإذا قام من الجلوس: قال الله أكبر. ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ “ ٣.
стр. 43
١٠- وقال بلال للنبي ﷺ : “ لا تسبقني بآمين “ ١.
١١- وقال عطاء: “ أمّن ابن الزبير ومن وراءه، حتى إن للمسجد لَلَجَّة “ ٢.
١٢- وقال عطاء: “ كنت أسمع الأئمة يقولون على إثر أم القرآن: آمين. هم أنفسهم، ومن وراءهم، حتى إن للمسجد للجة “ ٣.
١٣- وقال عطاء: “كان أبو هريرة ينادي الإمام: “لا تَفُتني بآمين “ ٤.
١٤-وقال عطاء:“ لقد كان لنا دوي في مسجدنا هذا بآمين. إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ “ ٥.
وقال عكرمة: “ لقد أدركت الناس ولهم ضجة في مساجدهم
стр. 44
١٥- بآمين. إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١.
وجه الاستدلال منها:
هذه الأحاديث والآثار ظاهرة الدلالة على مشروعية التأمين للإمام٢، وأنه يقول بعد الفراغ من قراءة الفتحة: (آمين) ٣. بل إن بعضها لصريحة في ذلك، إذ جاء فيها التصريح بأن الإمام يقول: آمين. فهي لا تحتمل التأويل، أو الصرف عما دلت عليه. ولذلك قال ابن حزم بعد أن ذكر جملة من الآثار الدالة على ذلك: “فهذه آثار متواترة عن رسول الله ﷺ بأن كان يقول: “آمين” وهو إمام في الصلاة، يسمعها من وراءه. وهو عمل السلف..”٤.
стр. 45
واستدل أصحاب القول الثاني، القائلون بعدم مشروعية التأمين للإمام، بما يلي:
١- بما رواه مالك في الموطأ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: “ إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين. فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غُفر له ما تقدم من ذنبه “ ١.
٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : “ إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقال من خلفه: آمين. فوافق ذلك قول أهل السماء: آمين. غُفر له ما تقدم من ذنبه “ ٢.
٣- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : “ إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين “ ٣.
وعن عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه: أن النبي ﷺ قال:
стр. 46
“ إذا قال الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين “ ١.
٥-وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فبيّن لنا سنتنا، وعلّمنا صلاتنا، فقال: “ إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمك أحدكم، فإذا كبّر، فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين. يُجبكم الله “ ٢.
٦-وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول: “ لا تبادروا الإمام، إذا كبّر، فكبروا. وإذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين.. “ الحديث ٣.
وجه الاستدلال منها:
هذه الأحاديث ظاهرة الدلالة في أن الإمام يقتصر في قراءته على قول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ وأنه لا يقول: آمين. وإنما يقولها من خلفه من المأمومين ٤.
وقالوا: الجمع بين الأحاديث يقتضي حمل قوله ﷺ : “ إذا أمّن الإمام، فأمّنوا “ على المجاز. أي: بلغ موضع التأمين. كما يُقال: أنجد. أي: بلغ نجداً، وإن لم يدخلها ٥.
стр. 47
١- وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان ينادي الإمام: “ لا تفتني بآمين “ ١.
وجه الاستدلال منه:
قالوا: إن معنى “ لا تفتني بآمين “ أي: لا تُنازعني بالتأمين. الذي هو وظيفة المأموم.
٢- وقالوا: إن الإمام يدعو في قراءته ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الآيات. فناسب أن يختص المأموم بالتأمين، لأنه جواب للدعاء ٢.
стр. 48
١- وقالوا: قول الإمام في قراءته: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، دعاء. والدعاء يُسمى تأميناً ١.
٢- وقالوا: إن القسمة تقتضي أن الإمام لا يقولها ٢. وجه ذلك: ما روى أبو موسى الأشعري، وأبو هريرة ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال: “ إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد “ قسم التحميد والتسميع بين الإمام والقوم، فجعل التحميد لهم، والتسميع له. وفي الجمع بين الذكرين من أحد الجانبين، إبطال هذه القسمة، وهذا لا يجوز، وكان ينبغي أن لا يجوز للإمام التأمين أيضاً بقضية هذا الحديث. وإنما عرفنا ذلك لما روينا من الحديث ٣.
стр. 49
سبب اختلافهم:
يتضح مما سبق أن سبب اختلاف العلماء ﵏ فيما ذهبوا إليه، هو ما يُظن من تعارض الآثار في المسألة. وقد نبّه على ذلك ابن رشد. فقال: “سبب اختلافهم: أن في ذلك حديثين متعارضي الظاهر: أحدهما، حديث أبي هريرة المتفق عليه في الصحيح أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ” إذا أمّن الإمام فأمّنوا”. والحديث الثاني، ما خرّجه مالك عن أبي هريرة أيضاً أنه قال: ﷺ : “ إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين “ ١.
فأما الحديث الأول، فهو نص في تأمين الإمام. وأما الحديث الثاني، فيُستدل منه على أن الإمام لا يؤمّن. وذلك أنه لو كان يؤمّن، لما أمر المأموم بالتأمين عند الفراغ من أم الكتاب قبل أن يؤمّن الإمام، لأن الإمام كما قال ﵊: “ إنما جعل الإمام ليؤتم به “. إلا أن يُخص هذا من أقوال الإمام. أعني: أن يكون للمأموم أن يؤمن معه، أو قبله. فلا يكون فيه دليل على حكم الإمام في التأمين. ويكون إنما تضمن حكم المأموم فقط.
ولكن الذي يظهر: أن مالكا ذهب مذهب الترجيح للحديث الذي رواه، لكون السامع هو المؤمّن، لا الداعي.
وذهب الجمهور لترجيح الحديث الأول، لكونه نصاً، ولأنه ليس فيه شيء من حكم الإمام. وإنما الخلاف بينه وبين الحديث الآخر في موضع تأمين المأموم فقط. لا في هل يؤمِّن الإمام، أو لا يؤمِّن؟ فتأمل هذا.
ويمكن أيضا أن يُتأول الحديث الأول، بأن يقال: إن معنى قوله: ” فإذا أمن الإمام فأمنوا “ أي: فإذا بلغ موضع التأمين. وقد قيل: إن التأمين، هو الدعاء. وهذا عدول عن الظاهر، لشيء غير مفهوم من الحديث إلا بقياس.
стр. 50
أعني: أن يُفهم من قوله: “ فإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فأمنوا “ أنه لا يؤمن الإمام”١.
* الرأي المختار:
ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، القائلون بمشروعية التأمين للإمام، هو الرأي المختار، وذلك لمما يلي:
١. قوّة ما استدلوا به من أدلة دالة على مشروعية التأمين للإمام. إذ أن منها نصوصاً صريحة في تأمين الإمام. وأنه يقول: آمين. بعد فراغه من قراءة الفاتحة، وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ .
٢. أكّد ابن شهاب الزهري ما صرّحت به النصوص والأدلة، موضحاً ما كان عليه حال النبي ﷺ في قراءته. إذ قال: “ وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين “. فلم يبق بعد ذلك أدنى احتمال في عدم تأمين النبي ﷺ عقب الفاتحة.
٣. إن ما استدل به أصحاب القول الثاني، وإن كان ظاهره اقتصار الإمام على قول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ وأنه لا يقول آمين، إلا أن هذا التعارض بين النصوص الصحيحة يقتضي الجمع والتوفيق بينها إذا كان ذلك ممكناً قبل المصير إلى الترجيح، لأن في الجمع إعمالاً للأدلة كلها. وأما الترجيح، فهو إعمال لبعض الأدلة، وإهمال لبعضها الآخر.
وبالنظر في تلك الأدلة السابقة يتبين:
أن ما استدل به أصحاب القول الثاني يمكن حمله على أن المراد به: التعريف بوقت تأمين المأموم، وبيان الموضع الذي يُقال فيه: آمين. وهو إذا قال الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ ليكون قولهما في آن واحد. فلا يتقدّم المأموم الإمام
стр. 51
بقول: آمين. ولا يتأخر عنه. بل قد جاء التصريح بذلك في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: “ إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين. فإن الملائكة تقول: آمين. والإمام يقول: آمين. فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه “ ١.
١. إن قوله ﷺ : “ فقولوا: آمين “ ليس خاصاً بالمأموم. بل يتناول عمومه جميع المصلين: من الإمام، والمأموم. وليس في الأحاديث ما يمنع ذلك. إذ ليس فيها التصريح بعدم تأمين الإمام، أو نهيه عن ذلك.
٢. إن تأويل قول أبي هريرة ﵁: “ لا تفتني بآمين “ بمعنى: لا تنازعني التأمين، الذي هو وظيفة المأموم. تأويل بعيد. إذ أن الأقرب لمعنى “ لا تفتني “ أي: لا تسبقني. إذ كان أبو هريرة ﵁ حريصاً على إدراكها مع الإمام، لما في إدراكها من فضيلة. وقد جاء هذا المعنى صريحاً في رواية عبد الرزاق: “ لا تسبقني بآمين “. وهو نحو قول بلال ﵁ للنبي ﷺ :“ لا تسبقني بآمين “ ٢.
٣. وأما استدلالهم بالآية على اختصاص الإمام بالدعاء، والمأموم بالتأمين. فقد كفانا أبو محمد، ابن حزم الجواب عليه، فقال ـ كما هي عادته في التعنيف أثناء ردوده ومناقشاته ـ:
“واحتج أيضا في أن لا يقول الإمام: آمين. إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، بأن موسى ﵇ إذا دعا، لم يؤمّن، وأمّن هارون ﵉. فسماهما تعالى داعيين بقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال أبو محمد: وفي هذا الاحتجاج من الغثاثة، والبرد،
стр. 52
والسقوط، والمجاهرة بالقبيح، ما فيه. لأنه يقال له، قبل كل شيء: من أخبرك أن موسى ﵇ دعا ولم يؤمِّن، وأن هارون أمَّن ولم يدع؟ وهذا شيء إنما قاله بعض المفسرين بغير إسناد إلى النبي ﷺ ١، ومثل هذا لا يؤخذ إلا عن النبي ﷺ أو عن كافة تنقل عن مثلها إلى ما هنالك. فمن فاته هذان الوجهان، فقد فاته الحق، ولم يبق بيده إلا المجاهرة بالكذب، وأن يقفو ما ليس له به علم، أو أن يروي ذلك عن إبليس الملعون فإنه قد أدرك لا محالة تلك المشاهد كلها، إلا أنه غير ثقة. ثم يقال له: هذا لو صح لك ما ادعيت من أن موسى دعا ولم يؤمن، وأن هارون أمن ولم يدع. فأي شيء في هذا مما يبطل قول النبي ﷺ عن الإمام: “ وإذا أمّن فأمنوا “ وقول الراوي: إن النبي ﷺ وهو الإمام، كان يقول إذا فرغ من أم القرآن في الصلاة: آمين. هذا ولعل موسى قد أمّن إذ دعا، ولعل هارون دعا إذ دعا موسى، وأمّنَا، أو أمّن أحدهما، أو لم يؤمّن واحد منهما. ونص القرآن يوجب أنهما دعوا معا بقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وليس في القرآن دليل على تأمين وقع منهما، ولا من أحدهما ... “ ٢.
١. أما قولهم: إن الدعاء تأمين. كما أن التأمين دعاء. فقد أجاب عنه ابن عبد البر، فقال:
“ما قالوه من هذا كله فليس فيه حجة. فليس في شيء من اللغات: أن الدعاء يسمى تأمينا٣. ولو صح لهم ما ادعوه وسلم لهم ما تأولوه لم يكن فيه إلا أن التأمين يسمى دعاء وأما أن الدعاء يقال له: تأمين، فلا. وإنما قال الله عزوجل: ﴿قَدْ
стр. 53
أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ ولم يقل: قد أجيب تأمينكما. فمن قال: الدعاء تأمين. فمغفل، لا رؤية له. على أن قوله عزوجل: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ إنما قيل لأن الدعوة كانت لهما، وكان نفعها عائدا عليهما بالانتقام من أعدائهما. فلذلك قيل: ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ ولم يقل: دعوتاكما. ولو كان التأمين دعاء، لقال: قد أجيبت دعوتاكما. وجائز أن يسمى المؤمّن داعياً، لأن المعنى في آمين: اللهم استجب لنا. على ما قدمنا ذكره. وهذا دعاء وغير جائز أن يسمى الدعاء تأمينا. والله أعلم “ ١.
١. أما قولهم: إن التأمين جواب للدعاء، فيختص به المأموم, أو قولهم: إن القسمة تقتضي أن الإمام لا يقولها. فالجواب عليه: إن سُلِّم هذا التعليل، فإنه لا تُعارض به النصوص الصحيحة الصريحة في تأمين النبي ﷺ ، وإخباره بأن الإمام يؤمِّن٢. وهو خبر بمعنى الأمر، لما فيه من الحث والترغيب٣. والله أعلم.
٢. أما قولهم: إن معنى “ إذا أمّن الإمام “ أي: إذا بلغ موضع التأمين، أو أراد التأمين. فالجواب عليه، كما قال ابن العربي: هذا بعيد لغة وشرعاً. وقال ابن دقيق العيد: “ هذا مجاز. فإن وُجِد دليل يُرجحه على ظاهر الحديث..، عُمِل به، وإلا فالأصل عدم المجاز “ ٤.
стр. 54
المطلب الثاني: مشروعية التأمين للمأموم
اختلف العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في مشروعية التأمين للمأموم، إذا جهر الأمام بالقراءة. على قولين:
القول الأول: يُشرع للمأموم التأمين مطلقاً. سواء كانت الصلاة جهرية، أم سرِّية.
وإلى هذا القول ذهب: جمهور العلماء، وَهَمُ القائلون بمشروعية التأمين للإمام, منهم: أصحاب المذاهب الأربعة: “ أبو حنيفة١، ومالك في رواية٢، والشافعي في الأصح٣، وأحمد في المشهور٤“) .
القول الثاني: يُشرع للمأموم التأمين مطلقاً في الصلاة السرية. وفي الجهرية إذا سمع إمامه يقول في قراءته: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٥.
стр. 55
وإلى هذا القول ذهب: مالك وأصحابه في المشهور ١.
القول الثالث: لا يُشرع للمأموم التأمين مطلقاً.
وإلى هذا القول ذهب: طائفة من العلماء ٢.
القول الرابع: لا يُشرع للمأموم التأمين، إذا جهر الإمام به.
وإلى هذا القول ذهب: الشافعي في الجديد ٣.
القول الخامس: لا يُشرع للمأموم التأمين في الصلاة السرية، ولو سمع
стр. 56
تأمين الإمام.
وإلى هذا القول ذهب: أبو حنيفة في قول ١.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول، القائلون بمشروعية التأمين للمأموم، بجملة الأدلة والأحاديث الواردة في الفرع السابق، ومنها:
١- عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: “ إذا أمَّن الأمام، فأمّنوا. فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدّم من ذنبه” قال ابن شهاب: “وكان رسول الله ﷺ يقول آمين “.
٢- وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ خطبنا فبيّن سنتنا، وعلّمنا صلاتنا..، وفيه: “ وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين. يُجبكم الله “.
٣- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين. فإنه من وافق قوله، قول الملائكة غُفِر له ما تقدّم من ذنبه “.
وجه الاستدلال منها:
الأدلة السابقة جميعها فيها أمر النبي ﷺ المأموم بالتأمين. وفي ذلك دلالة صريحة على مشروعية التأمين له. بل في حديث أبي موسى، وأبي هريرة دلالة على مشروعية التأمين للمأموم، ولو لم يؤمّن الإمام. قال ابن حجر: “ وقيل في الجمع
стр. 57
بينهما: المراد بقوله: “ إذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين “ أي: ولو لم يقل الإمام آمين “١.
واستدل القائلون بعدم مشروعية التأمين للمأموم. بما يلي:
بقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ قالوا: التأمين دعاء، فالمشروع إخفاؤه، لا إعلانه والجهر به. قال الجصاص: (فيه الأمر بالإخفاء للدعاء. قال الحسن: في هذه الآية علّمكم كيف تدعون ربكم. وقال لعبد صالح رضي دعاءه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ وروى مبارك عن الحسن قال: كانوا يجتهدون في الدعاء، ولا يسمع إلا همساً. وروى موسى الأشعري ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فسمعهم يرفعون أصواتهم. فقال: “ يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً “ ٢. وروى سعد بن مالك أن النبي ﷺ قال: “ خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي “ ٣. وروى بكر بن خنيس عن ضرار عن أنس قال رسول الله ﷺ : “ عمل البر كله نصف العبادة، والدعاء نصف العبادة “ ٤. وروى سالم عن أبيه عن
стр. 58
١- عمر ﵃ قال: “ كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لا يردّهما حتى يمسح بهما وجهه “ ١. قال أبو بكر: (في هذه الآية وما ذكرنا من الآثار دليل على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره. لأن الخفية، هي البر. روي ذلك عن ابن عباس، والحسن. وفي ذلك دليل على أن إخفاء آمين بعد قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة أفضل من إظهاره، لأنه دعاء..، وقال بعض أهل العلم: إنما كان إخفاء الدعاء أفضل، لأنه لا يشوبه رياء) ٢.
٢- وقال الحسن البصري: لقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض عمل يقدرون على أن يكون سراً، فيكون جهراً أبداً. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، فلا يُسمع إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ وذكر عبداً صالحاً رضي فعله، فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ ٣.
٣- قالوا والدليل على أنه دعاء، قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وقد كان هارون يؤمّن على دعاء موسى، فسمّاهما الله داعيَيْن ٤.
стр. 59
واحتج القائلون بعدم تأمين المأموم في الصلاة السرية. بما يلي:
١- بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: “ إذا أمّن الإمام، فأمّنوا “ الحديث. قالوا: علّق ﷺ تأمين المأموم على تأمين الإمام. وفي الصلاة السرّية لا يُعلم تأمين الإمام. فلا يُشرع له التأمين. ولو سمع تأمينه، أو تأمين غيره، لأن هذا الجهر لا عبرة به ١.
* الرأي المختار:
ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وأنه يُشرع للمأموم التأمين مطلقاً. سواء كانت الصلاة جهرية، أم سرِّية. هو الرأي المختار. وذلك لما يلي:
١. قوّة ما استدلوا به من أدلّة، إذ دلّت النصوص الصحيحة الصريحة، على أن المأمومين يؤمِّنون على قراءة الإمام. وأنهم يقولون خلفه: آمين.
٢. القول: بأن التأمين دعاء، وأن إخفاءه أولى. الجواب عنه: إن إخفاء الدعاء إنما كان أفضل لما يدخله من الرياء، وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة، فشهودها إشهار شعار ظاهر، وإظهار حق. يُندب العباد إلى إظهاره. وقد نُدِب الإمام إلى إشهار قراءة الفاتحة المشتملة على الدعاء والتأمين في آخرها. فإذا كان الدعاء مما يُسن الجهر به، فالتأمين على الدعاء تابع له، وجار مجراه٢. والله أعلم.
стр. 60
المطلب الثالث: مشروعية التأمين للمنفرد
اختلف العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في مشروعية التأمين للمنفرد. على قولين:
القول الأول: يُشرع للمنفرد التأمين بعد الفاتحة.
وإلى هذا القول ذهب: جمهور العلماء. ومنهم: أصحاب المذاهب الأربعة: “ أبو حنيفة١، ومالك في المشهور٢، والشافعي٣، وأحمد٤ “.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: “فإذا فرغ من الفاتحة يقول: آمين. إماماً كان، أو مقتدياً، أو منفرداً. وهذا قول عامة العلماء”٥.
القول الثاني: لا يُشرع للمنفرد التأمين بعد الفاتحة.
وإلى هذا القول ذهب: مالك في رواية ٦.
стр. 61
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول، وهم الجمهور، القائلون: بمشروعية التأمين للمنفرد. بما يلي:
١- بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: “ إذا قال أحدكم: آمين. وقالت الملائكة في السماء: آمين..” الحديث ١.
وجه الاستدلال منه:
إن عموم الحديث يتناول كل مؤمّن. سواء أكان إماماً، أم مأموماً، أم منفرداً٢. قال الزيلعي: “في اللفظة ـ أي: هذه الرواية ـ فائدة أخرى، وهي: اندراج المنفرد فيه. وغير هذا اللفظ إنما هو في الإمام، أو في المأموم، أو فيهما “٣.
٢- وبحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: “ إذا أمّن الإمام، فأمّنوا. فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه “.
قالوا: والمنفرد في معناهما. ويجهر بها فيما يجهر به ٤.
واستدل أصحاب القول الثاني، القائلون: بعدم مشروعية التأمين للمنفرد بالأدلة الدالة على مشروعية التأمين للمأموم. وهي:
١- حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: “ إذا أمّن الإمام فأمّنوا..”
٢- وحديث أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعاً. وفيه: “.. وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين “.
٣- وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: “ إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين “.
стр. 62
٣- وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: “ إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين “.
وجه الاستدلال منها:
إن النبي ﷺ أمر المأموم بالتأمين. وعلّقه بتأمين الإمام، وفراغه من قراءته. وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فدلّ ذلك على اختصاص المأموم بالتأمين. وعدم مشروعية التأمين للمنفرد.
* الرأي المختار:
القول بمشروعية التأمين للمنفرد. هو الرأي المختار. لما يلي:
١. قوّة ما استدل به أصحاب هذا القول. إذ أن حديث أبي هريرة ﵁ “إذا قال أحدكم آمين“ يتناول عمومه المنفرد أيضاً.
٢. تنبيه الإمام في بعض الأحاديث على التأمين بعد الفراغ من قراءة الفاتحة. لا يقتضي اختصاصه بذلك الحكم. بل يتناول المنفرد أيضاً، لأنه في معناه في مشروعية القراءة، فيُشرع له التأمين مثله.
٣. إن القول باختصاص المأموم بالتأمين. قد مضى تقرير ضعفه في مشروعية التأمين للإمام. والله أعلم.
стр. 63
المطلب الرابع: المراد بمشروعية التأمين
لا خلاف بين العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ أن من ترك التأمين بعد فراغه من قراءة الفاتحة، فصلاته صحيحة، لأن التأمين ليس ركناً من أركان الصلاة ١.
ولا خلاف بين عامة العلماء أيضاً: أن (آمين) ليست من الفاتحة ٢. قال شيخ الإسلام: “ وهم ـ أي: الصحابة ﵃ قد جرّدوا المصحف عما ليس من القرآن حتى إنهم لم يكتبوا التأمين “٣. وحكاه بعضهم إجماعاً ٤.
واتفقوا: على أنه لا يسجد لتركها ٥. فعن ابن جريج أنه قال لعطاء: نسيتُ آمين. قال: لا تعد، ولا تسجد للسهو ٦.
وإنما اختلفوا في المراد بهذه المشروعية. وهل يختلف حكم التأمين بين الإمام والمأموم والمنفرد، أم يستوون في ذلك؟
اختلفوا في ذلك على أقوال عدة:
القول الأول: إن التأمين مستحب. فيندب للمصلي الذي يُشرع له التأمين. سواء كان إماماً، أم مأموماً، أم منفرداً، الإتيان بهذه السنة الثابتة عن النبي ﷺ والمحافظة عليها، اتباعاً واقتداءً برسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ في صلاتهم.
стр. 64
وإلى هذا القول ذهب: جمهور العلماء١. ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة: “ أبو حنيفة٢، ومالك٣، والشافعي٤، وأحمد ٥“) .
القول الثاني: إن التأمين واجب على كل مصلٍ.
وإلى هذا القول ذهب: الظاهرية ٦.
القول الثالث: إن التأمين واجب على المأموم وحده، دون الإمام.
стр. 65
وإلى هذا القول ذهب: بعض أهل العلم١. وابن حزم٢، واختاره الشوكاني إذا أمّن الإمام ٣.
القول الرابع: يكره التأمين لمن لا يُشرع في حقه التأمين، وهو الإمام.
وإلى هذا القول ذهب: المالكية في المشهور، وهي رواية ابن القاسم عن مالك ٤.
стр. 66
المبحث الخامس: صفة التأمين
مدخل
...
المبحث الخامس: صفة التأمين
المراد بصفة التأمين: بيان حال التأمين من الجهر ورفع الصوت به، أو إخفائه والإسرار به.
والمراد بالجهر بالقراءة: إظهارها، والإعلان بها. يُقال: جهر بقراءته، وأجهر بها. ويُعدَّ ى بنفسه، وبالباء. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ ١. وأقل الجهر عند المالكية لرجل: أن يسمع نفسه، ومن يليه. وجهر المرأة إسماعها نفسها فقط.
والإسرار بها: إخفاؤها، وعدم إظهارها. ويُعدَّ ى بنفسه، وبالباء أيضاً. فيُقال: أسرّ الفاتحة، وأسرّ بها. وأقله عند المالكية لرجل: حركة لسان بدون إسماع نفسه. وأعلاه إسماع نفسه فقط. وقالوا: إذا اقتصر على القراءة القلبية، لم يكن قارئاً بالكلية.
واتفق العلماء على أنه: يُجهر بالقراءة في: صلاة الصبح، والجمعة، والعيد، والاستسقاء، والكسوف، وأولتي المغرب، والعشاء.
ويُسر في: صلاة الظهر، والعصر، وآخرة المغرب، وآخرتي العشاء.
واختلفوا في حكم الإسرار في موضعه: فذهب الجمهور (من: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) إلى أنه سنة. إلا أن المالكية يرون مشروعية سجود السهو، لتركه على المشهور. وهذا منهم على أصلهم في التفريق بين السنة والمستحب. قال ابن جزي: “ من أسر فيما يجهر فيه، سجد قبل السلام في المشهور. وقيل: بعده. ومن جهر فيما يسر فيه، سجد بعد السلام في المشهور. وقيل: قبله. وهذا في السهو. فإن تعمّد ترك الجهر والسر، ففيه ثلاثة
стр. 67
أقوال: البطلان، والسجود، والإجزاء دون سجود “١.
واختلف العلماء في قراءة المرأة على أقوال:
القول الأول: يُشرع للمرأة الجهر في الصلاة الجهرية، مع المحارم والنساء، إن لم يسمع صوتها أجنبي. وبه قال: الشافعية، وأحمد في رواية.
القول الثاني: تجهر إن صلت بنساء، ولا تجهر إن صلت وحدها. قاله شيخ الإسلام ابن تيمية.
القول الثالث: لا تجهر المرأة، ولو لم يسمع صوتها أجنبي، بل يحرم. ولا تبطل صلاتها بالجهر. قال ابن الهمام: “ ولو قيل: إذا جهرت بالقراءة في الصلاة، فسدت. كان متجهاً”. وبه قال: الحنفية، والمالكية، وأحمد في المشهور، والشافعية في وجه ٢.
فهل يرفع المصلي صوته بقول: (آمين) حال جهره، أو جهر إمامه بالقراءة، أو يخفض صوته بذلك؟
ولا تداخل بين هذا المبحث، والذي قبله، فإن المراد بالحكم: بيان مشروعية التأمين، أو عدمها. ثم بيان نوع تلك المشروعية من عدمها من جهة: الوجوب، أو الندب، أو غيرهما من الأحكام التكليفية. فلا تلازم ولا تداخل بين المبحثين. بل هما جانبان مختلفان، ومسألتان متغايرتان, وقد نبّه على نحو ذلك ابن عابدين، إذ قال: “الإسرار بها سنة أخرى. فعلى هذا سنية الإتيان بها تحصل
стр. 68
ولو مع الجهر بها “ ١.
وقد اتفق العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ القائلون بمشروعية التأمين، على أنه لا يُشرع الجهر بالتأمين حال الإسرار بالقراءة. قال النووي: “ إن كانت الصلاة سرّية، أسرّ الإمام وغيره بالتأمين تبعاً للقراءة “٢.
وإنما اختلفوا في صفة التأمين حال الجهر بالقراءة. هل الأفضل والسنة الجهر به، أم السنة إخفاؤه والإسرار به؟ وهل تختلف صفة تأمين المأموم عن الإمام والمنفرد، أم يستوون في ذلك؟
هذا ما سأتناوله في المطالب التالية:
المطلب الأول: صفة تأمين الإمام.
المطلب الثاني: صفة تأمين المأموم.
المطلب الثالث: صفة تأمين المنفرد.
стр. 69
المطلب الأول: صفة تأمين الإمام
اختلف العلماء القائلون بمشروعية التأمين للإمام في صفة تأمينه. هل يجهر به أم يُسر؟ اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنه يَجْهر به فيما يجهر فيه بالقراءة، ويُخْفيه فيما يخفي فيه.
وإلى هذا القول ذهب: جمهور أهل الحديث، وهم القائلون بمشروعية التأمين له. منهم: مالك في رواية المدنيين١، والشافعي٢، وأحمد٣، وداود٤. وهو مروي عن أبي هريرة، وابن الزبير ﵃ ٥.
القول الثاني: إنه لا يجهر بالتأمين. بل السنة إخفاؤه.
وإلى هذا القول ذهب: أبو حنيفة٦،
стр. 70
ومالك في المشهور١، وأحمد في رواية٢، وعطاء٣، والثوري٤، والطبري٥. وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود ﵃ ٦.
القول الثالث: أنه مخير بين الجهر وعدمه.
وإلى هذا القول ذهب: ابن بكير من المالكية ٧.
стр. 71
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول، القائلون: إن الإمام يجهر بالتأمين، بأدلة مضى جُلُّها في مشروعية التأمين للإمام. منها:
١- عن وائل بن حُجر ﵁ قال: “ كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين. ويرفع بها صوته “. وفي رواية “ ومدّ بها صوته “. وفي رواية “ يجهر بها “. وفي رواية “ رفع صوته بآمين، وطوّل بها “ ١.
٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: “ كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من أم القرآن، رفع صوته فقال: آمين “.
٣- وعنه ﵁ قال: ترك الناس آمين. وكان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين. حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتج بها المسجد “.
٤- وعن أم الحصين أنها صلت خلف رسول الله ﷺ فلما قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين. فسمعته، وهي في صفّ النساء “ ٢.
٥- وقال ابن شهاب: ” وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين. “ ٣.
وجه الاستدلال منها:
هذه الأحاديث نصوص صحيحة صريحة في أن النبي ﷺ كان يجهر
стр. 72
بالتأمين، ويرفع بها صوته. فدلّ ذلك على أن السنة للإمام الجهر بقول: آمين. ورفع الصوت بها ١.
١- وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: “ إذا أمّن الإمام، فأمّنوا. فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدّم “.
٢- وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: “ إذا أمّن القارئ، فأمنوا. فإن الملائكة تؤمّن. فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه “.
وجه الاستدلال منهما:
إن النبي ﷺ أمر بالتأمين عند تأمين الإمام. فلو كان الإمام لا يجهر به، لم يُعلِّق النبي ﷺ تأمين المأمومين بتأمين الإمام، ولكان حالة الجهر بالقراءة، كحالة الإخفاء. فدلّ ذلك على أن الإمام يجهر بالتأمين – حال جهره بالقراءة – بحيث يسمعه المأمومون ٢. قال ابن عبد البر في هذا الحديث: (دليل على أن الإمام يجهر بآمين ... ، ولولا جهر الإمام بها ما قيل لهم: “إذا أمّن الإمام، فأمّنوا”. ومن لا يجهر، لا يُسمع. ولا يُخاطب أحد بحكاية من لا يَسمع قوله) ٣.
٣- وقال عطاء: “ كنت أسمع الأئمة يقولون على إثر أم القرآن: آمين. هم أنفسهم. ومن وراءهم. حتى إن للمسجد للجة “ ٤.
وقال منصور بن ميسرة: “ صلّيت مع أبي هريرة ﵁ فكان إذا قال: ﴿غَيْرِ
стр. 73
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين. حتى يُسمعنا. فيؤمّن من خلفه..” ١.
١٠- وقالوا: إن التأمين تابع للفاتحة، فيكون حكمه حكمها في الجهر والإسرار، كالسورة ٢.
واستدل أصحاب القول الثاني. القائلون بأنه لا يجهر بها. بما يلي:
١١-بقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ قالوا: التأمين دعاء، فالمشروع إخفاؤه، لا إعلانه، والجهر به ٣.
٢- وبحديث وائل بن حُجْر ﵁ قال: “ كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين. وخفض بها صوته “ ٤.
٣- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : “ إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين. فإن الملائكة تقول: آمين. وإن الإمام يقول: آمين. فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه “ ٥.
стр. 74
وجه الاستدلال من حديث أبي هريرة:
قالوا: دلّ الحديث على أن الإمام لا يجهر بالتأمين. وإنما يُسرِّه ويُخافت به. إذ لو كان الإمام يجهر بالتأمين، لكان مسموعاً، ولما احتيج إلى التنبيه إلى ذلك، والإعلام به ١.
١- وبحديث: “ خير الدعاء الخفي، وخير الرزق ما يكفي “ ٢.
٢- وبأثر ابن مسعود ﵁: “ أربع يُخفيهن الإمام: التعوذ، والتسمية، وآمين، وربنا لك الحمد “ ٣.
٣- وقالوا: إن التأمين دعاء، فيُستحب إخفاؤه، لا الجهر به، كالتشهد ٤.
٤- قالوا: والدليل على أنه دعاء، قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وقد كان هارون يؤمّن على دعاء موسى. فسمّاهما الله داعِيَيْن ٥.
وقالوا: إن ما جاء في بعض الأحاديث أنه رفع بها صوته. فالجواب عليه: إنه كان اتفاقاً، لا قصداً. أو كان لتعليم الناس أن الإمام يؤمّن كما يؤمّن القوم٦.
стр. 75
١- قال الكاساني: “حديث وائل طعن فيه النخعي، وقال: أشَهِد وائل، وغاب عبد الله ـ ثم قال: ـ ولا حجة في الحديث الآخر، لأن مكانه معلوم، وهو ما بعد الفراغ من الفاتحة، فكان التعليق صحيحاً “ ١.
* الرأي المختار:
هو القول: بأن الإمام يجهر بالتأمين. وهذا ما رجّحه بعض المحققين من المالكية أيضاً، كابن العربي إذ قال: “والصحيح عندي: تأمين الإمام جهراً”٢. وذلك لما يلي:
١. قوّة ما استدل به أصحاب هذا القول، فإن الأدلة التي استدلوا بها نصوص صريحة صحيحة في أن الإمام يجهر بالتأمين.
٢. إن هذه السنة الثابتة إن خفيت على بعض الفقهاء، وتركها بعض الناس في وقت متقدم، فقد كان من يعلم بها من الصحابة، يعمل بها، ويُعلنها، ويدعو الناس إليها، ويُذكِّرهم بها. يدلّ لذلك:
أ - قول أبي هريرة ﵁: ترك الناس آمين ...
ب - وقول عطاء: “أمّن ابن الزبير ومن وراءه، حتى إن للمسجد لَلَجَّة”.
أما قولهم: إن التأمين دعاء، وإن إخفاءه أولى. فالجواب عليه: إن إخفاء الدعاء إنما كان أفضل لما يدخله من الرياء. وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة، فشهودها، إشهارٌ، وشعار ظاهر، وإظهار حق. يُندب العباد إلى إظهاره. وقد نُدِب الإمام إلى إشهار قراءة الفاتحة المشتملة على الدعاء، والتأمين في آخرها. فإذا كان الدعاء مما يُسن الجهر به، فالتأمين على التأمين تابع