← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 8855

القول المبين في أخطاء المصلين

مشهور آل سلمان

Полный текст (452 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واختلف في السّدل على أقوال: قيل: أن يرسل الثّوب حتى يصيب الأرض. وهذا تفسير الشافعي (١) . وهو على هذا المعنى: يشترك في معنى الإسبال، المبحوث في الخطأ السّابق. وقيل: أن يرخي الرّجل ثوبه على عاتقه ثم لا يمسه. وهو على هذا المعنى: خوفاً من كشف العاتقين، وسيأتي بحثه، إن شاء الله تعالى. والتّفسير السّابق للإمام أحمد (٢) . وقال صاحب ((النهاية)) : ((هو: أن يلتحف بثوبه، ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد، وهو كذلك)) . قال: ((وهذا مطّرد في القميص وغيره من الثياب)) (٣) . قلت: وهو على هذا المعنى: يشترك في معنى ((اشْتمال الصَّمَّاء)) . عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن اشْتمال الصَّمَّاء)) (٤) .

стр. 37

قال أهل اللغة: هو أن يخّلل جسده بالثّوب، لا يرفع منه جانباً، ولا يبقي ما يخرج منه يده. قال ابن قتيبة: سمّيت صماء، لأنه يسدّ المنافذ كلّها، فتصير كالصّخرة الصمّاء، التي ليس فيها خرق (١) . وعلى هذا المعنى: [١/٥] تعلم خطأ كثير من المصلّين، عندما يصلون، و ((الجاكيت)) على كتفيهم من غير أن يدخلوا أيديهم في كمّها!! ويؤيّد هذا: ما قاله أبو عبيد: ((السّدل: هو إسبال الرّجل ثوبَه من غير أن يُضمّ جانبيه بين يديه، فإنْ ضمّه فليس بِسَدْلٍ)) (٢) . وظاهره: إن كان جانبا الثّوب مضمومين، مع عدم إدخال اليدين في الكمّين، فلا يعتبر إسدالاً، مثل: الصّلاة في ((القَباء)) و ((العباءة)) . قال السّفاريني:

стр. 38

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عن طرح ((البقاء)) (١) على الكتفين من غير أن يدخل يديه في كمّيه، هل هو مكروه أم لا؟ فأجاب: ((بأنه لا بأس بذلك باتّفاق الفقهاء، وليس هذا من السّدل المكروه، لأن هذه اللبسة، ليست لبسة اليهود)) (٢) انتهى. ودليله: ما رواه مسلم في ((صحيحه)) عن وائل بن حُجْر: ((أنه رأى النَّبيَّ ﷺ حين دخل في الصّلاة، كّبر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يديه اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثّوب، ثم رفعهما ... )) (٣) . [٢/٥] ويكره أن يصلّي الرّجل، وهو مُتَلَثِّم (٤) ، للحديث السّابق: ((أن يغطّي الرّجلُ فاه)) . ويكره أن يضع يده على فمه في الصّلاة، إلاّ إذا تثاءب، فإن السنّة: وضع اليد على فيه. عن أبي سعيد الخدري ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((إذا تثاوب أحدُكم، فَلْيُمْسِك بيده على فِيهِ، فإن الشّيطان يَدْخُلُ)) (٥) والمرأة

стр. 39

والخنثى كالرّجل في هذا. وهذه كراهة تنزيه، لا تمنع صحة الصّلاة (١) ، وأما التلثّم على الأنف، فعلى روايتين: إحداهما: يكره لأن عمر كرهه، والأُخرى: لا يكره، لأن تخصيص الفم بالنّهي عن تغطيته، يدّل على إباحة تغطية غيره (٢) ، ولا يُتصَوّر تغطية الأنف في الصّلاة، إلا بتغطية الفم، لأنه دونه، وعليه فالكراهة متحققة، في هذه المسألة، والله تعالى أعلم. وتستثنى كراهة التلثم في الصّلاة، إن كانت لعلّة (٣) . [٦] * كفّ الثّوب في الصّلاة ((تشميره)) : ومن أخطاء بعض المصلّين: أنهم يكفّون ـ أي: يشّمرون ـ ثيابهم، قبل دخولهم في الصّلاة. عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَمرتُ أن أسجد على سبعةٍ، ولا أكفّ شعراً ولا ثوباً)) (٤)

стр. 40

ترجم أبن خزيمة ـ رحمه الله تعالى ـ على هذا الحديث بـ: ((باب الزّجر عن كفّ الثّياب في الصّلاة)) (١) . قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ ((اتّفق العلماء على النّهي عن الصّلاة وثوبه مشمّر أو كمّه أو نحوه)) (٢) وقال الإمام مالك: فيمن صلّى مشمّراً كمّيه: ((إن كان ذلك لباسه قبل ذلك وهيئته، وكان يعمل عملاً، فشمّر لذلك العمل، فدخل في صلاته كما هو، فلا بأس بأن يصلّي بتلك الحال. وإن كان إنما فعل ذلك ليكفت شعراً أو ثوباً فلا خير فيه)) (٣) . قلت: وظاهر النّهي مطلق، سواء شمّر للصّلاة، أم كان مُشمِّراً قبلها، ودخل فيها، وهو على تلك الحالة. قال النووي بعد كلامه السّابق: ((وهو ـ أي: النهي عن تشمير الثّوب ـ كراهة تنزيه، فلو صلّى كذلك فقد

стр. 41

أساء وصحت صلاته. واحتجّ قي ذلك أبو جعفر محمد بن جرير الطّبري بإجماع العلماء. وحكى ابنُ المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصري)) (١) . ثم قال رحمته الله تعالى: ((ثم مذهب الجمهور: أنّ النّهي مطلق، لمن صلّى كذلك، سواء تعمّده للصّلاة أم كان قبلها كذلك، لا لها، بل لمعنى آخر. وقال الداودي: يختص النّهي بمن فعل ذلك للصّلاة. والمختار الصحيح هو الأوّل. وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم)) (٢) . [٧] * صلاة مكشوف العاتقين (٣) : عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لايصلين أحدكم في الثّوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء)) . متفق عليه (٤) . وفي رواية مسلم: ((على عَاتِقَيْهِ)) . ورواه أحمد باللفظين (٥) . قال ابن قدامة:

стр. 42

((يجب أن يضع المصلّي على عاتقه شيئاَ من اللباس، إن كان قادراً على ذلك. وهو قول ابن المنذر. وحكي عن أبي جعفر: أنّ الصّلاة لا تجزىء مَنْ لم يخمّر منكبيه. وقال أكثر الفقهاء: لا يجب ذلك، ولا يشترط لصحة الصّلاة به. وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، لأنهما ليسا بعورة، فأشبها بقيّة البدن)) (١) . والنهي الوارد في الحديث السّابق يقتضي التحريم، ويقدم على القياس. مذهب الجمهور: عدم البطلان، ولكنهم قالوا: ((هذا النهي للتنزيه، لا لتحريم، فلو صلى في ثوب واحد، ساترٍ لعورته، ليس على عاتقه منه شيء، صحت صلاته، مع الكراهة، سواء قدر على وضع شيء يجعله على عاتقه أم لا)) (٢) . وأخطأ الكرماني، فادّعى أن الإجماع منعقد على جواز تركه (٣) . وكلامه منقوص بمذهب أحمد وابن المنذر ـ كما بيّنا ـ و ((بعض السلف)) (٤) و ((طائفة قليلة)) (٥) و ((بعض أهل العلم)) (٦) قال أبن حجر متعقّباً الكرماني: ((كذا قال!! وغفل عما ذكره بعد قليل عن النووي من حكاية ما نقلناه عن أحمد، وقد نقل ابن المنذر عن محمد بن علي عدم الجواز، وكلام الترمذي يدلّ على ثبوت الخلاف أيضاً، وعقد الطحاوي له باباً في ((شرح المعاني)) (٧) ونقل

стр. 43

المنع عن ابن عمر ثم عن طاوس والنخعي، ونقله غيره عن ابن وهب وابن جرير. ونقل الشيخ تقيّ الدّين السبكي وجوب ذلك عن نص الشّافعي واختاره، لكن المعروف في كتب الشافعيّة خلافه)) (١) . قال القاضي: وقد نقل عن أحمد ما يدلّ على أنه ليس بشرط، وأخذه من رواية مثنى عن أحمد فيمن صلّى وعليه سراويل، وثوبه على أحد عاتقيه والآخر مكشوف: يكره. قيل له: يؤمر أن يعيد؟ فلم ير عليه إعادة. وهذا يحتمل: أنه لم ير عليه الإعادة، لستره بعض المنكبين، فاجتزىء بستر أحد العاتقين عن ستر الآخر، لامتثاله للفظ الخبر. ووجه اشتراط ذلك: أنه منهي عن الصلاة مع كشف المنكبين، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولأنها سترة واجبة في الصّلاة، فالإخلال بها يفسدها كستر العورة (٢) . ولا يجب ستر المنكبين جميعهما، بل يجزىء ستر بعضهما (٣) ، ويجزىء سترهما بثوب خفيف، يصفّ لون البشرة، لأن وجوب سترهما بالحديث، وهو يقع في هذه الحالة، والحالة التي قبلها، أعني: سواء عم ّ المنكبين أم لا (٤) ، وقد ذكرنا نص الإمام أحمد فيمن صلّى، وأحد منكبيه مكشوف، فلم يوجب

стр. 44

عليه الإِعادة. قال الفقهاء: إن طرح على كتفه حبلاً أو نحوه، فهل يجزئه؟ وظاهر كلام الخرقي: ((إذا كان على عاتقه شيء من اللباس)) لايجزئه، لقوله: ((شيء من اللباس)) ، وهذا لا يسمى لباساً، وهو قول القاضي، وصححه ابن قدامة. قال: ((والصحيح: أنه لايجزئه، لأن النبي ﷺ قال: ((إذا صلى أحدكم في ثوب واحد، فليخالف بين طرفيه على عاتقيه)) ، من الصحاح ورواه أبو داود. ولأن الأمر بوضعه على العاتقين للستر، ولا يحصل ذلك بوضع خيطٍ، ولا يسمّى سترة)) (١) . ومن هذا: تعلم خطأ بعض المصلّين، عندما يصلّون خصوصاً في فصل الصّيف ـ بـ ((الفنيلة)) ذات الحبل اليسير الذي يكون على الكتف. فصلاتهم على هذه الحالة باطلة عند الحنابلة وبعض السّلف، مكروهة عند الجمهور. هذا إذا لم يقع هؤلاء وهم على هذه الحالة في خطأ ((الصّلاة في الثّياب الحازقة التي تصفّ العورة)) أو ((الصّلاة في الثياب الرقيقة الشفّافة)) المبحوثْين سابقاً، والله المستعان لا ربّ غيره. [٨] * الصَّلاة في الثّوب الذي عليه صورة: عن عائشة ﵂ قالت: قام رسول الله يصلّي في خميصةٍ، ذات أعلام، فلما قضى صلاته قال:

стр. 45

اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة، وأتوني بأنْبِجَانيّة، فإنها ألهتني آنفاً في صلاتي (١) . والأنبجانيّة التي طلبها الرسول ﷺ ، هي كساء غليظ، لاعلم فيه، بخلاف الخميصة التي ردّها فهي ذات أعلام، ولعل كلمة أعلام أبلغ من الصّور. قال الطيبي: ((في حديث الأنبجانيّة: إيذان بأن للصّور والأشياء الظاهرة تأثيراً في القلوب الطّاهرة، والنّفوس الزّكيّة، فضلاً عمّا دونها)) (٢) . وعن أنس ﵁ قال: كان قِرام لعائشة، سترت به جانبَ بيتها، فقال لها النَّبيُّ ﷺ ((أميطي عنّي، فإنه لا تزال تصاويرُه تَعْرِضُ لي في صلاتي)) (٣) . واستشكل هذا بحديث عائشة الذي فيه: أن الرسول ﷺ لم يدخل البيت

стр. 46

الذي فيه السّتر المصوّر (١) ، وأُجب باحتمال أن تكون التصاوير في حديث عائشة ذات أرواح، وهذا الحديث من غيرها (٢) ، وحديث أنس يدلّ بدلالة الأولى على كراهة الصّلاة في الثوب الذي عليه صورة. ووجه الدلالة: ما قاله القسطلاني: ((وإذا كانت الصّور تلهي المصلّي، وهي مقابلة، فأولى إذا كان لابسها)) (٣) ، وعلّق العيني على تبويب البخاري: ((كراهية الصّلاة في التصاوير)) فقال: ((أي: هذا باب في بيان كراهية الصّلاة في البيت الذي فيه الثياب، التي فيها التصاوير، فإذا كرهت في مثل هذا، فكراهتها وهو لابسها أقوى وأشدّ)) (٤) . وبوّب البخاري على حديث أنس السابق: ((باب إنْ صلَّى في ثوبٍ مُصَلَّبٍ أو تصاويرَ هل تَفْسُدُ صلاتُه؟ وما ينهى عن ذلك)) (٥) . وأفاد ابن حجر والعيني أن معنى قول البخاري ((هل تَفْسُدُ صلاتُه؟)) بأنه استفهام على سبيل الاستفسار، جرى البخاريّ في ذلك على عادته، في ترك القطع في الشيء الذي فيه اختلاف، لأن العلماء اختلفوا في النّهي الوارد في الشيء، فإن كان لمعنى في نفسه، فهو يقتضي الفساد فيه، وإن كان لمعنى في

стр. 47

غيره، فهو يقتضي الكراهة أو الفساد، فيه خلاف (١) . ويستفاد مما سبق: أن خلافاً وقع في صلاة مَنْ على ثوبه صورٌ. لم يجزم البخاري ببطلانها، واستفسر بـ ((هل)) عليه، وهذا يدلّ على أنّ قولاً أو وجهاً فبه يقتضي بذلك، ومذهب جمهور الفقهاء الكراهة (٢) ، ويدل عليه ما روته السيّدة عائشة قالت: كان لي ثوب، فيه صورة، فكنت أبسطه، وكان رسول الله ﷺ يصلّي إليه، فقال لي: أخّريه عني، فجعلت منه وسادتين (٣) .

стр. 48

قال النووي بعد ذكر الحديث: ((وأما الثّوب الذي فيه صور أو صليب أوما يلهي، فتكره الصّلاة فيه وإليه وعليه الحديث)) (١) . واستكمالاً للفائدة، وإتماماً لهذا المبحث، نتكلم ـ بإيجازٍ ـ عن: * حكم صلاة حامل الصّور: سئل الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ عن الخاتم يكون فيه التماثيل، أيلبس ويصلّى به؟ قال: لا يلبس ولا يصلّى به (٢) . وقال البيهوتي: ((ويكره للمصّلي حمله فصّاً فيه صورة أو حمله ثوباً ونحوه كدينار أو درهم فيه صورة)) (٣) ، ورخص علماء الحنفيّة في صلاة الرّجل، ومعه دراهم يحملها، وعليها صور. قال السّمرقندي: ((إذا صلّى الرّجل، ومعه دراهم فيها تماثيل الملك!! فلا بأس به، لأن هذا يقلّ، ويصغر عن البصر)) (٤) . وأحاديث النّهي السّابقة متقاربة المعنى، ووقع التصريح فيها أن النهي عن الصلاة في الصّورة أو إليها، من أجل ((اشتغال القلب بها عن كمال الحضور في الصّلاة، وتدبّر أذكارها وتلاوتها ومقاصدها من الانقياد والخضوع)) (٥) وفيها: ((منع

стр. 49

النّظر من الامتداد إلى ما يشغل وإزالة ما يخاف اشتغال القلب به. وغير ذلك من الشّاغلات، لأن النبي ﷺ جعل العلّة في إزالة الخميصة هذا المعنى)) (١) . وهذه العلَّة غير متحققة في المصلّي حامل الصورة، ولاكن يبقى حكمه حكم حامل الصورة خارج الصّلاة، ولما كانت الصورة على الدّراهم ممتهنة، بالإنفاق والمعاملة، ووضعها في الجيب أو حملها، لا يعني تعظيمها، أرى أنه لاحرج على صلاة حامل الدّراهم التي عليها صور، والله تعلى أعلم. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ـ حفظه الله ـ عن الصلاة بالساعة التي فيها صليب أو بداخلها صورة لبعض الحيوانات، هل تجوز أم لا؟ فأجاب، بما نصه: إذا كانت الصور في الساعات مستورة، لا ترى، فلا حرج في ذلك. أما إذا كانت ترى في ظاهر الساعة أو في داخلها إذا فتحها، لم يجز ذلك، لما ثبت عنه ﷺ من قوله لعلي ﵁: ((لاتدع صورة إلا طمستها)) وهكذا الصليب لا يجوز لبس الساعة التي تشتمل عليه، إلا بعد حكّه أو طمسه بـ ((البوية)) ونحوها، لما ثبت عنه ﷺ ((أنه كان لايرى شيئاً فبه تصليب إلا نقضه ـ وفي لفظ ـ إلاقضبه)) (٢) . [٩] * الصَّلاة في الثَّوب المعَصْفَر: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ ، رأى عليه ثوبين معصفرين، فقال: ((إنّ هذه من ثياب الكفّار، فلا تَلْبَسْهَا)) (٣) .

стр. 50

وفي رواية قال له: ((أأمك أمرتك بهذا؟ قلت إغسلهما؟ قال بل إحرقهما)) وزاد في رواية: ((ففعلت)) (١) ، وفي رواية أنّ النّبيّ ﷺ رأى عليه رَيْطةً مُضَرَّجَةً بالعُصْفر، فقال: ما هذه الرَّيْطَة التي عليك؟ فعرفتُ ما كره، فأتيتُ أهلي، وهم يَسْجُرُونَ تنُّوراً لهم، فقذفتها فيه، ثم أتيتُه من الغَدّ، فقال: ((يا عبد الله ما فعلت الرَّيْطَة؟)) ، فأخبرتُه، فقال: ((هَلاَّ كَسَوْتَها بعضَ أهلك، فإنه لا بأس بها للنّساء)) (٢) .

стр. 51

وعن أنس ﵁ قال: نهى النّبيُّ ﷺ أن يتزعفر الرّجل (١) . وعن عليّ ﵁ قال: نهى النّبيُّ ﷺ عن لباس المُعَصْفَر (٢) . نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: أنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله، وأرخص في المعصفر، إلا ما قال علي: ((نهاني ولا أقول نهاكم)) . قال البيهقي: وقد ورد ذلك عن غير علي، وساق حديث عبد الله بن عمرو السابق، قال: فلو بلغ ذلك الشافعي لقال به، اتّباعاً للسنّة، كعادته (٣) .

стр. 52

قال ابن قدامة: ((وأما الصّلاة في الثّوب الأحمر، فقال أصحابنا: يكره للرّجال لبسه والصّلاة فيه)) (١) . وقال ابن القيم: ((وفي جواز لبس الأحمر من الثّياب والجوخ وغيرها، نظرٌ، وأما كراهته: فشديدة جدّاً، فكيف يُظنّ بالنّبيّ ﷺ أنه لبس الأحمر القاني، كلا، لقد أعاذه اللهُ منه، وإنما وقعت الشبهةُ من لفظ الحلّة الحمراء)) (٢) . وقال عند كلامه على حلّة النبي ﷺ الحمراء (٣) ما نصّه: ((وغلط مَنْ ظنّ أنها كانت حمَراء بحتاً، لا يخالطها غيره، وإنما الحلّة الحمراء: بردان يمانيان، منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود اليمنية، وهي معروفة بهذا الإسم، باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، وإلا فالأحمر البحتُ منهي عنه أشدّ النّهي)) (٤) . وردّه الشوكاني في ((شرح المنتقى)) بأن الصحابي قد وصف حلته ﷺ بأنها حمراء: وهو من أهل اللسان، والواجب الحمل على المعنى الحقيقي، وهو الحمراء البحت، والمصير إلى المجاز، أعني: كون بعضها أحمر دون بعض، لا يحمل ذلك الوصف عليه دون لموجب، فإن أراد إن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك، وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعة فيها، فالحقائق الشرعيّة لا تثبت بمجرد الدّعوى، والواجب حمل مقالة ذلك الصحابي

стр. 53

على لغة العرب لأنها لسانه ولسان قومه (١) . ولقد لخص الشوكاني هذه المسألة، فأفاد وأجاد، فقال رحمه الله تعالى: ((هذا المقام من المعارك، والحق: أنّه يتوجّه النّهي عن المعصفر إلى نوع خاص من الأحمر، وهو المصبوغ بالعصفر، لأن العصفر يصبغ صِباغاً أحمر، فما كان من الأحمر مصبوغاً بالعصفر، فالنهي متوجه إليه، وما كان من الأحمر غير مصبوغ بالعصفر فلبسه (٢) جائز)) (٣) . فالحذر الحذر ـ أخي المسلم ـ أن تقف بين يدي مولاك ـ جَلّ وعزّ ـ وأنت لابس ثوباً معصفراً، فعليك بالاهتداء والإتباع، وإياك والمخالفة والابتداع. وفّقنا الله وإياك لمحبّته ورضاه، إنه جواد كريم، سميع مجيب. [١٠] * صلاة مكشوف الرأس: تجوز صلاة حاسر الرأس إذا كان رجلاً، والرأس عورة من المرأة دون الرجل. ولكن يستحب أن يكون المصلي في أكمل اللباس اللائق به، ومنه غطاء الرأس بعمامة أو قلنسوة أو (طاقية أو عرقية) ، ونحوه ذلك مما اعتاد لبسه. فكشف الرأس لغير عذر مكروه، ولا سيما في صلاة الفريضة، ولا سيما مع الجماعة (٤) . قال الألباني: ((والذي أراه: أن الصلاة حاسر الرأس مكروهة، ذلك أنه من المسلَّم به: استحباب دخول المسلم في الصلاة في أكمل هيئة إسلاميّة للحديث:

стр. 54

((فإن الله أحق أن يُتَزَيَّن له)) (١) ، وليس من الهيئة الحسنة في عرف السّلف، اعتياد حسر الرأس، والسيّر كذلك في الطرقات والدخول كذلك في أماكن العبادات، بل هذه عادة أجنبيّة، تسرّبت إلى كثير من البلاد الإسلاميّة، حينما دخلها الكفار، وجلبوا إليها عاداتهم الفاسدة، فقلّدهم المسلمون فيها، فأضاعوا بها وبأمثالها من التقاليد شخصيتهم الإسلاميّة، فهذا العرض الطاري (٢) لا يصلح أن يكون مسوغاً لمخالفة العرف الإسلامي السابق، ولا إتخاذه حجة لجواز الدخول في الصّلاة حاسر الرأس. وأما استدلال بعض إخواننا من أنصار السّنة في مصر على جوازه، قياساً على حسر المحرم في الحج، فمن أبطل قياس قرأته عن هؤلاء الإخوان، كيف، والحسر في الحج شعيرة إسلامية، ومن مناسكه التي لا تشاركه فيه عبادة أخرى، ولو كان القياس المذكور صحيحاً، للزم القول بوجوب الحسر في الصلاة، لأنه واجب في الحج. وهذا إلزام لا انفكاك لهم عنه، إلا بالرجوع عن القياس المذكور، ولعلهم يفعلون)) (٣) . ولم يثبت أنه ﷺ صلّى ـ في غير الإحرام ـ وهو حاسر الرأس، دون عمامة، مع توفّر الدّواعي لنقله أو فعله. ومن زعم ثبوت ذلك، فعليه الدّليل، والحقّ أحق أن يتّبع (٤) .

стр. 55

ومن الجدير بالذّكر، أن صلاة الرجل حاسر الرأس مكروهة فقط، وإلا فهي صحيحة، كما أطلقه البغوي وكثيرون (١) ، فامتناع العوام عن الصلاة خلف حاسر الرأس، غير صحيح، نعم، هو أولى المصلين، بأن تتوافر فيه شروط التمام والكمال، وأن يكون وقّافاً ملتزماً بسنة النبي ﷺ . والله الموفق.

стр. 56

الفصل الثاني جماع أخطاء المصلّين في أماكن صلاتهم * السجود على تربة كربلاء، واتخاذ قرص منها للسجود عليه عند الصلاة، واعتقاد الأجر والفضل في ذلك * الصلاة إلى أماكن عليها صور أو على سجادة فيها صور ونقوش، أو في مكان فيه صور. * الصّلاة على القبور وإليها. * تخصيص مكان للصّلاة في المسجد. * أخطاء المصلّين في السترة. * الانحراف عن القبلة.

стр. 57

[١١] * السجود على تربة كربلاء، واتخاذ قرص منها للسجود عليه عند الصّلاة، واعتقاد الأجر والفضل في ذلك: ليس في شيء من الأحاديث الصحيحة ما يدل على قداسة كربلاء، وفضل السجود على أرضها، واستحباب اتخاذ قرص منها للسجود عليه عند الصلاة، كما عليه الشّيعةُ اليوم، ولو كان ذلك مستحبّاً لكان أحرى به أن يتخذ من أرض المسجدين الشريفين: المكي والمدني، ولكنه من بدع الشّيعة، وغلوّهم في تعظيم أهل البيت وآثارهم، ومن عجائبهم: أنهم يرون أن العقل من مصادر التشريع عندهم، ولذلك فهم يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين، ومع ذلك فإنهم يرون في فضل السجود على ارض كربلاء، من الأحاديث ما يشهد العقل السليم ببطلانه بداهةً. قال العلّامة الألباني: فقد وقفت على رسالة لبعضهم، وهو المدعو السيد عبد الرضا (!!) المرعشي الشهرستاني بعنوان ((السجود على التربة الحسينيّة)) ومما جاء فيها: ((وورد أن السجود عليها أفضل، لشرفها وقداستها وطهارة مَنْ دفن فيها. فقد ورد الحديث عن أئمة العترة الطاهرة ﵈، أن السجود عليها

стр. 58

ينور إلى الأرض السابعة. وفي آخر: أنه يخرق الحجب السبعة، وفي آخر: يقبل الله صلاة من يسجد عليها ما لم يقبله من غيرها. وفي [آخر] : أن السجود على طين قبر الحسين ينوّر الأرضين)) (١) . قال (٢) : ومثل هذه الأحاديث ظاهر البطلان عندنا، وأئمة أهل البيت ﵃ براء منها، وليس لها أسانيد عندهم، ليمكن نقدها على نهج علم الحديث وأصوله، وإنما هي مراسيل ومعضلات!! ولم يكتف مؤلف الرسالة بتسويدها بمثل هذه النقول المزعومة عن أئمة أهل البيت، حتى راح يوهم القرّاء أنها مرويّة في كتبنا نحن أهل السنة، فها هو يقول: ((وليست أحاديث فضل هذه التربة الحسينية وقداستها منحصرة بأحاديث الأئمة ﵈، إذ أن أمثال هذه الأحاديث لها شهرة وافرة في أمهات كتب بقيّة الفرق الإسلامية، عن طريق علمائهم ورواتهم، ومنها ما رواه السيوطي في كتابه ((الخصائص الكبرى)) في ((باب إخبار النبي ﷺ بقتل الحسين ﵇) وروى فيه ما يناهز العشرين حديثاً عن أكابر ثقاتهم، كالحاكم والبيهقي وأبي نعيم والطبراني (٣) والهيثمي في ((المجمع)) (٤) وأمثالهم من مشاهير رواتهم)) (٥) . فاعلم أيها المسلم: أنه ليس عند السيوطي ولا الهيثمي، ولو حديث واحد، يدل على فضل التربة الحسينية وقداستها، وكل ما فيها مما اتفقت عليه مفرداتها إنما هو إخباره ﷺ بقتله فيها، فهل ترى فيها ما ادّعاه الشيعي في رسالته على السيوطي والهيثمي!! اللهم لا، ولكن الشيعة في سبيل تأييد ضلالاتهم وبدعهم، يتعلّقون بما هو

стр. 59

أوهى من بيت العنكبوت!! . ولم يقف أمره عند هذا التدليس على القرّاء، بل تعداه إلى الكذب على رسول الله ﷺ ، فهو يقول: ((وأوّل من اتخذ لوحة من الأرض للسجود عليها هو نبيّنا محمد ﷺ في السنة الثالثة من الهجرة، لما وقعت الحرب الهائلة بين المسلمين وقريش في أحد، وانهدم فيها أعظم ركن للإسلام، وهو حمزة بن عبد المطلب، عم رسول الله ﷺ ، أمر النبي ﷺ نساء المسلمين بالنّياحة عليه في كلّ مأتم، واتسع الأمر في تكريمه، إلى أن صاروا يأخذون من تراب قبره، فيتبركون به، ويسجدون عليه لله تعالى، ويعملون المسبحات منه، كما جاء في كتاب ((الأرض والتربة الحسينية)) وعليه أصحابه، ومنهم الفقيه ... )) (١) . والكتاب المذكور هو من كتب الشيعة، فتأمل أيها القارئ الكريم، كيف كذب على رسول الله ﷺ ، فادّعى أنه أوّل من اتخذ قرصاً للسجود عليه ثم لم يسق لدعم دعواه إلا أكذوبة أخرى، وهي أمره ﷺ النساء بالنياحة على حمزة في كل مأتم، ومع أنه لا ارتباط بين هذا ـ لو صحّ ـ، وبين اتخاذ القرص كما هو ظاهر، فإنه لا يصح عن النبي ﷺ ، كيف وهو قد صح عنه أنه أخذ على النساء في مبايعته إياهن ألا ينحن، كما رواه الشيخان وغيرهما عن أم عطية. ويبدو لي أنه بنى الأكذوبتين السابقتين على أكذوبة ثالثة، وهي قوله في أصحاب النبي ﷺ : ((واتسع الأمر في تكريمه إلى أن صاروا يأخذون من تراب قبره، فيتبركون به، ويسجدون عليه لله تعالى. . ... )) !! فهذا كذب على الصحابة ﵃ وحاشاهم مِنْ أن يقارفوا مثل هذه الوثنّية، وحسب القارئ دليلاً على افتراء هذا الشيعي على النبي ﷺ وأصحابه، أنه لم يستطع أن يعزو ذلك لمصدرٍ معروفٍ من مصادر المسلمين سوى

стр. 60

كتاب ((الأرض والتربة الحسينية)) وهو من كتب بعض متأخريهم، ولمؤلِّفٍ مغمورٍ منهم، ولأمر ما، لم يجرؤ الشيعي على تسميته، والكشف عن هويته، حتى لا يفتضح أمره بذكره إياه مصدراً لأكاذيبه!! ولم يكتف حضرته!! بما سبق من الكذب على السّلف الأول، بل تعداه إلى الكذب على مَنْ بعدهم، فاسمع إلى تمام كلامه السابق: ((ومنهم الفقيه الكبير، المتفق عليه: مسروق بن الأجدع، (المتوفّى سنة٦٢) ، تابعي عظيم، من رجال الصّحاح السّت، كان يأخذ في أسفاره لبنةً من تربة المدينة المنوّرة يسجد عليها (!!) كما أخرجه شيخ المشايخ الحافظ إمام السنّة أبو بكر ابن أبي شيبة في كتابه ((المصنف)) في المجلد الثاني في ((باب مَنْ كان يحمل في السفينة شيئاً يسجد عليه)) فأخرجه بإسنادين أن مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في

стр. 61

السفينة لبنه من تربة المدينة يسجد عليها)) (١) قلت (الألباني) : وفي هذا الكلام عديد من الكذبات: الأولى: قوله: ((كان يأخذ في أسفاره)) فإنه بإطلاقه يشمل السفر براً، وهو خلاف الأثر الذي ذكره!! الثانية: جزمه بأنه كان يفعل ذلك، يعطي أنه ثابت عنه، وليس كذلك، بل ضعيف منقطع، كما يأتي بيانه. الثالثة: قوله: (( ... بإسنا دين)) كذب، وإنما هو إسناد واحد، مداره على محمد بن سيرين، اختلف عليه فيه، فرواة ابن أبي شيبة في ((المصنف)) : (٢/٤٣/٢) من طريق يزيد بن إبراهيم عن ابن سيرين قال: نبئتُ أن مسروقاً كان يحمل معه لبنة في السفينة، يعني: يسجد عليها. ومن طريق ابن عون عن محمد: أن مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها. فأنت ترى: أن الإسناد الأول من طريق ابن سيرين، والآخر من طريق محمد، وهو ابن سيرين، فهو في الحقيقة إسناد واحد، ولكن يزيد بن إبراهيم قال عنه: ((نبئت)) ، فأثبت أن ابن سيرين أخذ ذلك بالواسطة عن مسروق، ولم يثبت ذلك ابنُ عون، وكل منهما ثقة فيما روى، إلا أن يزيد بن إبراهيم قد جاء بزيادةٍ في السّند، فيجب أن تقبل كما هو مقرر في ((المصطلح)) لأن من حفظ حجّة على مَنْ لم يحفظ، وبناء عليه: فالإسناد بذلك إلى مسروق ضعيف، لا تقوم به حجة، لأن مداره على راوٍ لم يسم مجهول، فلا يجوز الجزم بنسبة ذلك إلى مسروق ﵁ ورحمه ـ كما صنع الشيعي. الرابعة: لقد أدخل الشيعي في هذا الأثر زيادة، ليس لها أصل في ((المصنف)) وهي قوله: ((من تربة المدينة المنوّرة)) ! فليس لها ذكر في كل من الروايتين عنده، كما رأيت. فهل تدري لِمَ افتعل الشيعي هذه الزّيادة في هذا الأثر؟ لقد تبيّن له أنه ليس فيه دليل مطلقاً على اتخاذ القرص من الأرض المباركة (المدينة المنوّرة) للسجود عليه، إذا ما تركه، على ما رواه ابن أبي شيبة، ولذلك ألحق به هذه الزّيادة، ليوهم القراء أن مسروقاً- ﵀ اتخذ القرص من المدينة، للسجود عليه تبركاً، فإذا ثبت له ذلك، ألحق به جواز اتخاذ القرص من أرض كربلاء، بجامع اشتراك الأرضين في القداسة!! وإذا علمت أن المقيس عليه باطل، لا اصل له، وإنما هو من اختلاق الشيعي، عرفت أن المقيس باطل أيضا، لأنه كما قيل: وهل يستقيم الظّل، والعود أعوج؟! فتأمل أيها القارئ الكريم، مبلغ جرأة الشيعة على الكذب، حتى على النبي ﷺ في سبيل تأييد ما هم عليه من الضلال، يتبيّن لك صدق مَنْ وصفهم مِنَ الأئمة:

стр. 62

((أكذب الطوائف الرافضة)) (١) . قال الشيخ علي القاري رحمه الله تعالى: ((يستحب ترك موافقة الرافضة فيما ابتدعوه وصار شعاراً لهم، كما هو مقرر في المذهب، كوضع الحجر فوق السجادة، فإنه وإن كانت السجدة على جنس الأرض باتفاق الأئمة مع جوازها على البساط والغرف ونحوهما عند أهل السنة، لكن وضع نحو الحجر والمدر فوق السجادة بدعة ابتدعوها، وصار علامة لمعشرهم، فينبغي الاجتناب عن فعلهم للسببين: أحدهما: نفس موافقتهم في البدعة. وثانيهما: رفع التهمة)) (٢) . [١٢] * الصلاة إلى أماكن فيها صور، أو على سجّادةٍ فيها صور ونقوش، أو في مكان فيه صور: عن عائشة ﵂ قالت: قام رسول الله ﷺ يصلّي في خميصةٍ، ذات أعلام، فلما قضى صلاته، قال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة، وأتوني بأَنْبِجَانيّة (٣) ، فإنها ألهتني آنفاً في صلاتي (٤) قال الصنعاني:

стр. 63

((وفي الحديث: دليل على كراهة ما يشغل عن الصّلاة من النقوش، ونحوها مما يشغل القلب)) (١) وقال العز بن عبد السلام: ((تكره الصلاة على السجادة المزخرفة الملمّعة، وكذلك على الرفيعة الفائقة، لأن الصلاة حال تواضع وتمسكن، ولم يزل الناس في مسجد مكة والمدينة يصلون على الأرض والرّمل والحصى تواضعاً لله)) . ثم قال ﵀: ((فالأفضل إتباع الرسول ﷺ في دقّ أفعاله وأقواله، وجلّها، من أطاعه اهتدى وأحبّه الله ، ومن خرج عن طاعته والإقتداء به، بَعُد عن الصّواب بقَدْر تباعده عن إتباعه)) (٢) . وعن انس ﵁ قال: كان قِرام لعائشة، سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي ﷺ : أميطي عني، فإنه لا تزال تصاويره، تعرض لي في صلاتي (٣) . في هذا الحديث دلالة على كراهة الصلاة بمكان فيه تصاوير، وعلى وجوب إزالة ما يشغل بال المصلى، سواء كان صوراً أم غير صور، والحديث يدل أيضاً على أن الصّلاة لا تفسد مع وجود الصور، لأنه ﵊ لم يقطعها، ولم يعبها، ولم يعدها (٤) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((والمذهب الذي عليه عامة الأصحاب: كراهة دخول الكنيسة المصوّرة،

стр. 64

والصلاة فيها، وفي كل مكان فيه تصاوير، أشدّ كراهة، وهذا هو الصواب، الذي لا ريب فيه ولاشك)) (١) . وذكر المرغيناني الحنفي مراتب كراهة الصلاة في المكان فيه صور من حيث أماكنها، فقال: ((وأشدها كراهة أن تكون أمام المصلّي، ثم من فوق رأسه، ثم عن يمينه ثم عن شماله، ثم خلفه)) (٢) . وجامع المسألة: التعظيم والانشغال، ولذا كرهت الصلاة إلى التصاوير، لأنها تشغل المصلي بالنّظر إليها، وتذهله عن الصلاة، بل يكره استقبال ما يلهي أيضاً. وبناء على الجامع المذكور، ذهب الفقهاء على الصحيح من قولهم إلى كراهية الصلاة إلى صورة منصوبة، سواء كانت في جدار أم غير جدار، ولأن فيه تشبهاً بعبادة الأوثان والأصنام أيضاً (٣) . وكذلك الصلاة على سجادة فيها صورة، ففيه تشبه بعبادة الأصنام والصور، والسجود عليها فيه معنى التعظيم (٤) ، بل نص بعض الفقهاء على كراهة الصلاة على السجادة التي فيها صورة، ولو كانت تداس (٥) . ومن الأدلة على ما سبق: أولاً: قوله ﷺ :

стр. 65

((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة)) (١) . قال النووي: ((قال العلماء: سبب امتناعهم من بيت فيه صورة، كونها معصيةً فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى)) (٢) . ثانياً: امتناع الرسول ﷺ عن دخول الكعبة، حتى محيت كل صورة فيها. عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح، وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة، فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي ﷺ حتى محيت كلّ صورةٍ فيها (٣) . ثالثاً: فعل الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فقد كانوا يصلّون في الكنيسة عند عدم وجود الصور. قال عمر بن الخطاب: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور (٤) . وكان ابن عباس يصلّي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل (٥) . والمراد بالصور هنا هو صورة الأرواح.

стр. 66

قال ابن القيم: ((فأما الصور فهي كل ما تصور من الحيوان، سواء في ذلك الصورة المنصوبة القائمة التي لها أشخاص، وما لا شخص لها من المنقوشة في الجدر، والمصوّر فيها، وفي الفرش والأنماط)) (١) . وأخرج بعضهم من النهي صورة الشجر ونحوه (٢) . والذي أراه أن الصلاة على صورة الشّجر ونحوه مكروهة أيضاً، لأنها تشغل بال المصلي، أخذاً من حديث الأنْبجانية السّابق، والله أعلم. [١٣] * الصّلاة على القبور وإليها: عن جندب بن عبد الله البجليّ ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: إني أبرأ إلى الله منكم، أن يكون لي خليل، فإن الله قد اتّخذني خليلاًً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً خليلاً، لاتّخذتُ أبا بكر خليلاً، ألا وإن مَنْ كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك (٣) . وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٤) .

стр. 67

وعن عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١) . وعن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: إن مِنْ شرار الناس مَنْ تدركهم الساعة، وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد (٢) . أفادت هذه الأحاديث: [١/١٣] حرمة اتخاذ القبور مساجد. وصرح عامة علماء الطوائف بالنهي عن ذلك، متابعة للأحاديث الواردة في النهي عن ذلك، ولا ريب في القطع بتحريمه. وتتعيّن إزالة المساجد المبنيّة على القبور، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف. ولا تصح عند الإمام أحمد في ظاهر مذاهبه، لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك. وكذلك الصّلاة عندها مكروهة , وإنْْْ لم يُبْْنَ عليها مسجد، فإن كلّ موضعٍٍ

стр. 68

يُصلَّى فيه فهو مسجد، وإن لم يكن هناك بناء، والنبي ﷺ قد نهى عن ذلك بقوله: ((ولا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها)) (١) وقال: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً)) (٢) أي: كما أن القبور لا يصلى عندها ولا إليها ولا عليها، فلا تجعلوا بيوتكم كذلك. ولا تصح الصّلاةُ بين القبور في مذهب الإمام احمد، وتكره عند غيره. واعلم أن مِنَ الفقهاء، مَن اعتقد أن سبب كراهة الصّلاة في المقبرة، ليس إلا كونها مظنّة النجاسة، ونجاسة الأرض مانع من الصّلاة عليها، سواء كانت مقبرة أم لم تكن، وليس ذلك كل المقصود بالنهي، وإنما المقصود الأكبر بالنهي هو مظنّة اتخاذها أوثاناً. كما ورد عن الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قال: ((وأكره أن يُعظَّم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجداً، مخافة الفتنة عليه من بعده، من الناس)) (٣) وقد نص النبيُّ ﷺ على العلّة بقوله: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)) (٤)

стр. 69

وأخبر ﷺ أنّ الكفّار إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوّروا فيه تلك التصاوير، أولئك شر الخلق عند الله يوم القيامة (١) . فجمع ﷺ بين التماثيل وبين القبور (٢) إذا تقرر ما تقدم، تبيّن لك ما يلي: [٢/١٣] أولاً: أن الصحيح المنع من الصلاة حتى على القبر الفَذّ، وإنْ لم يكن عنده قبر آخر. ذكر شيخ الإسلام في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) خلاف أصحاب الإمام أحمد في المقبرة المجردة عند مسجد، هل حدّها ثلاثة أقبر أو ينهى عن الصلاة عند القبر، وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين. والوجه الثاني هو الذي رجّحه في ((الاختيارات العلميّة)) فقال: ((وليس في كلام أحمد وعامّة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصّلاة عند قبرٍ واحدٍ من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر. وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور، لا يصلّى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولاً لحرمة القبر المنفرد، وفنائه المضاف إليه)) (٣) .

стр. 70

[٣/١٣] ثانياً: أن الصحيح المنع من الصلاة في المسجد الذي بين القبور، حتى يكون بين حائط المسجد وبين المقبرة حائل آخر، وأن جدار المسجد لا يكفي حائلاً بينه وبين المقبرة (١) . [٤/١٣] ثالثاً: أن كراهة الصلاة في المساجد المبنيّة على القبور، مضطردة في كلّ حال، سواء كان القبر أمامه أم خلفه، يمينه أم يساره، فالصلاة فيها مكروهة على كل حال، ولكن الكراهة تشتدّ إذا كانت الصّلاة إلى القبر، لأن المصلّي في هذه الحالة، يرتكب مخالفتين، الأولى: الصلاة في هذه المساجد، والأخرى: الصلاة إلى القبر، وهي منهي عنها مطلقاً، سواء كان في المسجد، أم غير المسجد، بالنّص الصحيح عن رسول الله ﷺ (٢) . [٥/١٣] رابعاً: العبرة في المنع من الصّلاة على القبور أو إليها، إنما هي في القبور الظاهرة، وأن ما في بطن الأرض من القبور، لا يرتبط به الحكم الشرعي السابق، بل الشريعة تتنزّه عن مثل هذا الحكم، لأننا نعلم بالضرورة والمشاهدة أن الأرض كلها مقبرة الأحياء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا﴾ (٣) . قال الشعبي: ((بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم)) (٤) [٦/١٣] خامساُ: في معنى ما تقدّم من صور الكراهة: الصلاة على الجنازة، وهي في القبلة المصلّين. قال الشيخ القاري:

стр. 71

((وهو مما ابتلى به أهل مكة، حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها)) (١) وعلّق عليه الألباني: ((قلت: يعني في صلاة الفريضة، وهذا بلاء عام، قد تعدّاه إلى بلاد الشّام والأناضول وغيرها. وقد وقفنا منذ شهر على صورةٍ شمسيّةٍ، قبيحة جداً، تمثل صفّاً من المصلّين، ساجدين تجاه نعوش مصفوفة أمامهم، فيها جثث جماعة من الأتراك، كانوا ماتوا غرفاً في باخرة)) (٢) . وبهذه المناسبة نلفت النّظر إلى أن الغالب من هدية ﷺ ، هو الصّلاة على الجنائز في ((المصلّى)) خارج المسجد، ولعل من حكمة ذلك إبعاد المصلِّين عن الوقوع في مثل هذه المخالفة، التي نبّه عليها العلّامة القاري رحمه الله تعالى (٣) . فاقتد - أيها المسلم - إن كنت عبد الله، بسلفك الصالح، وتحقق بالتوحيد الخالص، فلا تعبد إلا الله، ولا تشرك بربك أحداً، كما أمر تعالى بقوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٤) . [١٤] * تخصيص مكان للصّلاة في المسجد: يكره لغير الإمام التزام مكان خاص من المسجد، لا يصلّي الفرض إلا به، بدليل حديث عبد الرحمن بن شبل قال: نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يُوَطّن الرَجل المكان في المسجد كما يوطّنُ البعير (٥)

стр. 72

ولا يعارضه: حديث يزيد بن أبي عبيد قال: كنت آتي سلمة بن الأكوع فيصلِّي، عند الأسطوانة، التي عند المصحف، فقلت: يا أبا مسلم أراك تتحرّى الصّلاة عند هذه الأسطوانة. قال: فإني رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها (١) . لأنه محمول على النّفل، أو للاقتداء برسول الله ﷺ في هذا الموطن في النّفل أيضاً (٢) ، فهو من مخصّصات الحديث السّابق، وقد صرح بذلك سلمة بن الأكوع، فقال: ((فإني رأيتُ النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها)) .

стр. 73

ففعل سلمة ما ترى، اقتداء بسيد الورى، لأنه هو أعلم وأدرى بالذي هو أولى وأحرى. ودل الحديث على أنه ينبغي مزيد التأسي بالنبي ﷺ حتى في الأزمنة والأمكنة، التي كان يتحرى وقوع العبادة فيها، واستحباب تتبع آثاره ﷺ . والأسطوانة المذكورة، قال فيها ابن حجر: ((حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة المكرمة، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين. قال: وروى عن عائشة أنها كانت تقول: ((لو عرفها الناس لاضطربوا عليها بالسّهام)) وأنها أسرّتها إلى ابن الزّبير، فكان يكثر الصلاة عندها. ثم وجدتُ ذلك في ((تاريخ المدينة)) لابن النجار. وزاد: ((إن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها)) وذكره قبله محمد بن الحسن في ((أخبار المدينة)) (١) . وقوله ﷺ في الحديث السابق: ((وأن يوطن الرجل المكان في المسجد، كما يوطن البعير)) . معناه: لا ينبغي للرجل أن يتخذ لنفسه مكاناً خاصاً من المسجد، لا يصلي إلا فيه، كالبعير لا يبرك إلا في مبرك اعتاده (٢) . قال صاحب ((كشاف القناع)) : ((ويكره اتخاذ غير الإمام مكاناً بالمسجد، لا يصلّي فرضه إلا فيه، لنهيه ﷺ

стр. 74

عن إيطان المكان، كإيطان البعير. ولا بأس باتخاذ مكان لا يصلي إلا فيه النفل، للجمع بين الأخبار (١) . قلت: ويدخل في النهى الإمام أيضاً لعموم النهى، ومنه يعلم خطأ كثير من الأئمة في تخطي رقاب الناس ليصلّوا صلاة السنة في المحراب، ولاسيما القبلية منها. والله اعلم وحكمه النهى عن ذلك: أولاً: انه قد يؤدّي إلى الشّهرة والرّياء والسمعة. ثانياً: فيه الحرمان من تكثير مواضع العبادة، التي تشهد له يوم القيامة. ثالثاً: لأن العبادة فيه تصير له طبعاً، وتثقل في غيره. والعبادات إذا صارت طبعاً، فسبيلها إلى الترك (٢) . [١٥] * أخطاء المصلّين في السترة: عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تصلّ إلا إلى سترة، ولا تدع أحداً يمرّ بين يديك، فإن أبى فلتقاتله، فإن معه القرين)) (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلّى أحدكم فليصلّ إلي سترة، وليدن منها، ولا يدع أحداً يمر بينه وبينها، فإن جاء أحد يمر فليقاتله، فإنه شيطان)) (٤) .

стр. 75

وفي رواية ((فإن الشيطان يمرّ بينه وبينها)) . وعن سهل ابن أبي حثمة ﵁: عن النبي ﷺ قال: ((إذا صلى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته)) (١) . وفي رواية: ((إذا صلى أحدكم فليستتر، وليقترب من السترة، فإن الشيطان يمرّ بين يديه)) (٢) . قال الشوكاني معلّقاً على حديث أبي سعيد السابق: ((فيه أن اتخاذ السترة واجب)) (٣) . وقال: ((وأكثر الأحاديث مشتملة على الأمر بها، وظاهر الأمر الوجوب، فإن وجد ما يصرف هذه الأوامر عن الوجوب إلى النّدب فذاك، ولا يصلح للصّرف قوله ﷺ فإنه لا يضره ما مر بين يديه)) لأن تجنب المصلّى لما يضرّه في صلاته، ويُذهِبُ بعضَ أجرها، واجب عليه)) (٤) .
следующие страницы →