← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 8855

القول المبين في أخطاء المصلين

مشهور آل سلمان

Полный текст (452 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

((وهو مما ابتلى به أهل مكة، حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها)) (١) وعلّق عليه الألباني: ((قلت: يعني في صلاة الفريضة، وهذا بلاء عام، قد تعدّاه إلى بلاد الشّام والأناضول وغيرها. وقد وقفنا منذ شهر على صورةٍ شمسيّةٍ، قبيحة جداً، تمثل صفّاً من المصلّين، ساجدين تجاه نعوش مصفوفة أمامهم، فيها جثث جماعة من الأتراك، كانوا ماتوا غرفاً في باخرة)) (٢) . وبهذه المناسبة نلفت النّظر إلى أن الغالب من هدية ﷺ ، هو الصّلاة على الجنائز في ((المصلّى)) خارج المسجد، ولعل من حكمة ذلك إبعاد المصلِّين عن الوقوع في مثل هذه المخالفة، التي نبّه عليها العلّامة القاري رحمه الله تعالى (٣) . فاقتد - أيها المسلم - إن كنت عبد الله، بسلفك الصالح، وتحقق بالتوحيد الخالص، فلا تعبد إلا الله، ولا تشرك بربك أحداً، كما أمر تعالى بقوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٤) . [١٤] * تخصيص مكان للصّلاة في المسجد: يكره لغير الإمام التزام مكان خاص من المسجد، لا يصلّي الفرض إلا به، بدليل حديث عبد الرحمن بن شبل قال: نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يُوَطّن الرَجل المكان في المسجد كما يوطّنُ البعير (٥)

стр. 72

ولا يعارضه: حديث يزيد بن أبي عبيد قال: كنت آتي سلمة بن الأكوع فيصلِّي، عند الأسطوانة، التي عند المصحف، فقلت: يا أبا مسلم أراك تتحرّى الصّلاة عند هذه الأسطوانة. قال: فإني رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها (١) . لأنه محمول على النّفل، أو للاقتداء برسول الله ﷺ في هذا الموطن في النّفل أيضاً (٢) ، فهو من مخصّصات الحديث السّابق، وقد صرح بذلك سلمة بن الأكوع، فقال: ((فإني رأيتُ النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها)) .

стр. 73

ففعل سلمة ما ترى، اقتداء بسيد الورى، لأنه هو أعلم وأدرى بالذي هو أولى وأحرى. ودل الحديث على أنه ينبغي مزيد التأسي بالنبي ﷺ حتى في الأزمنة والأمكنة، التي كان يتحرى وقوع العبادة فيها، واستحباب تتبع آثاره ﷺ . والأسطوانة المذكورة، قال فيها ابن حجر: ((حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة المكرمة، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين. قال: وروى عن عائشة أنها كانت تقول: ((لو عرفها الناس لاضطربوا عليها بالسّهام)) وأنها أسرّتها إلى ابن الزّبير، فكان يكثر الصلاة عندها. ثم وجدتُ ذلك في ((تاريخ المدينة)) لابن النجار. وزاد: ((إن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها)) وذكره قبله محمد بن الحسن في ((أخبار المدينة)) (١) . وقوله ﷺ في الحديث السابق: ((وأن يوطن الرجل المكان في المسجد، كما يوطن البعير)) . معناه: لا ينبغي للرجل أن يتخذ لنفسه مكاناً خاصاً من المسجد، لا يصلي إلا فيه، كالبعير لا يبرك إلا في مبرك اعتاده (٢) . قال صاحب ((كشاف القناع)) : ((ويكره اتخاذ غير الإمام مكاناً بالمسجد، لا يصلّي فرضه إلا فيه، لنهيه ﷺ

стр. 74

عن إيطان المكان، كإيطان البعير. ولا بأس باتخاذ مكان لا يصلي إلا فيه النفل، للجمع بين الأخبار (١) . قلت: ويدخل في النهى الإمام أيضاً لعموم النهى، ومنه يعلم خطأ كثير من الأئمة في تخطي رقاب الناس ليصلّوا صلاة السنة في المحراب، ولاسيما القبلية منها. والله اعلم وحكمه النهى عن ذلك: أولاً: انه قد يؤدّي إلى الشّهرة والرّياء والسمعة. ثانياً: فيه الحرمان من تكثير مواضع العبادة، التي تشهد له يوم القيامة. ثالثاً: لأن العبادة فيه تصير له طبعاً، وتثقل في غيره. والعبادات إذا صارت طبعاً، فسبيلها إلى الترك (٢) . [١٥] * أخطاء المصلّين في السترة: عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تصلّ إلا إلى سترة، ولا تدع أحداً يمرّ بين يديك، فإن أبى فلتقاتله، فإن معه القرين)) (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلّى أحدكم فليصلّ إلي سترة، وليدن منها، ولا يدع أحداً يمر بينه وبينها، فإن جاء أحد يمر فليقاتله، فإنه شيطان)) (٤) .

стр. 75

وفي رواية ((فإن الشيطان يمرّ بينه وبينها)) . وعن سهل ابن أبي حثمة ﵁: عن النبي ﷺ قال: ((إذا صلى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته)) (١) . وفي رواية: ((إذا صلى أحدكم فليستتر، وليقترب من السترة، فإن الشيطان يمرّ بين يديه)) (٢) . قال الشوكاني معلّقاً على حديث أبي سعيد السابق: ((فيه أن اتخاذ السترة واجب)) (٣) . وقال: ((وأكثر الأحاديث مشتملة على الأمر بها، وظاهر الأمر الوجوب، فإن وجد ما يصرف هذه الأوامر عن الوجوب إلى النّدب فذاك، ولا يصلح للصّرف قوله ﷺ فإنه لا يضره ما مر بين يديه)) لأن تجنب المصلّى لما يضرّه في صلاته، ويُذهِبُ بعضَ أجرها، واجب عليه)) (٤) .

стр. 76

ومما يؤكّد وجوبها: أنها سبب شرعي لعدم بطلان الصلاة بمرور المرأة البالغة، والحمار، والكلب الأسود، كما صحّ ذلك في الحديث، ولمنع المارّ من المرور بين يديه. وغير ذلك من الأحكام المرتبطة بالسّترة (١) . ولهذا حرص السّلف الصالح - رضوان الله عليهم - على السترة في صلاتهم، فجاءت أقوالهم وأفعالهم تترى في الحثّ عليها، والأمر بها، والإنكار على مَنْ لم يصل إليها. عن قرّة بن إياس قال: رآني عمر، وأنا أُصلي بين اسطوانتين، فأخذ بقفائي فأدناني إلى سترة، فقال: صل إليها (٢) . قال الحافظ ابن حجر: أراد عمر بذلك أن تكون صلاته إلى سترة (٣) . وعن ابن عمر قال: إذا صلى أحدكم، فليصلّ إلى سترة، وليدن منها، كيلا يمر الشيطان أمامه (٤) . وقال ابن مسعود: أربع من الخلفاء: أن يصلي الرّجل إلى غير سترة ... أو يسمع المنادي ثم

стр. 77

لا يجيبه (١) . ((فانظر - يا أخي القارىء، هداني الله وإياك - كيف أتت الأوامر من النبي ﷺ ، الذى طاعته طاعة الله ، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وكيف أمر أصحابُه بما أمر به، حتى إن عمر- ﵁ الخليفة الراشد، الذى هو مَنْ هو، يأتي لصحابي جليل، وهو يصلّي، فيأخذ بقفائه، ليدنيه إلى سترة، يصلي إليها، وانظر إلى ابن مسعود، كيف قرن صلاة الرجل إلى غير سترة مع سماع المؤذّن، ثم لا يجيبه السامع)) (٢) . وعن انس قال: لقد رأيتُ أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السّواري عند المغرب، حتى يخرج النبي ﷺ (٣) . وفي رواية: وهم كذلك يصلّون الرّكعتين قبل المغرب (٤) . فهذا أنس يحكي عن الصّحابة في الوقت الضّيق، كيف يبتدرون السواري لصلاة الركعتين قبل المغرب. وعن نافع قال: كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلاً إلي سارية من سواري المسجد، قال لي: ولّني ظهرك (٥) . وعنه أيضاً قال:

стр. 78

كان ابن عمر لا يصلّي إلا إلى سترة (١) . وكان سلمة بن الأكوع ينصب أحجاراً في البرية، فإذا أراد أن يصلِّي، ثم صلَّى إليها (٢) . في هذا الأثر: لافرق بين الصحاري والعمران، وظاهر الأحاديث السابقة، وفعل الرسول ﷺ ، يؤيّد ذلك، كما نص عليه الشوكاني (٣) . قال العلامة السفاريني -رحمه الله تعالى-: ((اعلم أنه يستحب صلاة المصلّى إلى سترة اتّفاقا، ولو لم يخش مارّاً، خلافاً لمالك، وأطلق في ((الواضح)) : يجب من جدار أو شيء شاخص، وعرض السترة أعجب إلى الإمام أحمد)) (٤) . والإطلاق اصح، لأن ((التعليل المذكور مجرد رأي، لا دليل عليه، وفيه إهدار بمجرد الرأي للنصوص الموجبة لاتخاذ السترة وقد سبق ذكر بعضها، وهذا لايجوز، وبخاصة أنه يمكن أن يكون المار من الجنس الذي لايراه الإنسي، وهو الشيطان، وقد جاء ذلك صريحاً من قوله ﷺ وفعله)) (٥) . قال ابن خزيمة بعد ذكره لبعض الأحاديث التي فيها الأمر باتّخاذ السّترة: ((فهذه الأخبار كلها صحاح، قد أمر النبي ﷺ المصلّي أن يستتر في صلاته. وزعم عبد الكريم عن مجاهد عن ابن عباس: أن النبي ﷺ صلّى إلى غير سترة، وهو في فضاء (٦) ، لأن عرفات، لم يكن

стр. 79

بها بناء على عهد رسول الله ﷺ ، يستتر به النبي ﷺ !! وقد زجر ﷺ أن يصلّي المصلي إلا إلى سترة، فكيف يفعل ما يزجر عنه ﷺ ؟!)) (١) . قلت: وعدم وجود البناء لا يمنع من اتخاذ السترة، وقد وقع التصريح بذلك في حديث ابن عباس ﵄. فعن ابن عباس قال: ((يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار)) (٢) . وورد عنه من طريق آخر صحيح أنه قال: ((ركزت العنزة بين يدي رسول الله ﷺ بعرفات، وصلّى إليها، والحمار من وراء العنزة)) (٣) . قال ابن التركماني: ((قلت: لا يلزم من عدم الجدار، عدم السترة، ولا أدري ما وجه الدليل في رواية مالك على أنه صلى إلى غير سترة)) (٤) . نقول بعد ما تقدم: [١/١٥] تبيّن لنا بوضوحٍ: خطأ مَنْ يصلّي ولم يستتر بسترةٍ بين يديه، حتى لو أمن مرور الناس، أو كان في فضاء، ولا فرق بين مكة وغيرها في أحكام السّترة على الإطلاق (٥)

стр. 80

[٢/١٥] واستحب بعض أهل العلم أن يجعل المصلّى السترة إلى يمينه قليلاً أو إلى شماله، ولا يستقبلها استقبالاً (١) ، ولا دليل يصح في ذلك (٢) ، وعليه فكلّ جائز (٣) . ومن الجدير بالذّكر: [٣/١٥] أن مقدار السترة المجزئة، التي تستر المصلّي، وتدفع عنه ضرر المارّ، طول مؤخّرة الرّحل، ولا يجوز أن يكتفي المصلّي في وقت السَّعة بما دون ذلك، ودليله: عن طلحة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخّرة الرحل، فليصل، ولا يبالي مَنْ مرّ وراء ذلك (٤) . وعن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ في غزوة تبوك عن سترة المصلّي، فقال: كمؤخرة الرحل (٥) . وعن أبي ذر قال:

стр. 81

قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود (١) . وأهل العلم يرون أن تأخير البيان، عن وقت الحاجة، لا يجوز، والنبي ﷺ إنما سئل عما يجزىء، فلو كان يجزىء أقل من ذلك، لما جاز أن يؤخّره عن وقت السؤال (٢) . والرّحل مقداره ذراع، كما صرح به عطاء وقتادة والثوري ونافع (٣) ، والذراع ما بين طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى (٤) ، ويقدر بـ (٢و٤٦) سم (٥) . وثبت أن النبي ﷺ صلى إلى العنزة والرمح ونحوهما، والمعلوم أنهما من الدّقة بمكان، وهذا يؤكّد أن المقصود ببلوغ السترة ذراعاً في الطول لا في العرض. قال ابن خزيمة: ((والدليل من أخبار النبي ﷺ أنه أراد مثل آخرة الرّحل، في الطول لا في العرض، قائم ثابت، منه أخبار النبي ﷺ أنه كان تركز له الحربة، يصلي إليها، وعرض الحربة لا يكون كعرض آخرة الرحل)) (٦) . وقال أيضاً:

стр. 82

((وفي أمر النبي ﷺ بالاستتار بالسهم في الصلاة، ما بان وثبت أنه ﷺ أراد بالأمر بالاستتار، بمثل آخرة الرحل في طولها، لا في طولها وعرضها جميعاً)) (١) (. وعليه: فلا يجوز اتخاذ الخط سترة، مع القدرة على اتخاذ غيره، ولو كان عصا أو متاعاً أو خشبة أو تراباً، حتى لو جمع حجارةً فوق بعضها بعضاً، كما فعل سلمةُ بن الأكوع ﵁. ومن الجدير بالذّكر: أنّ حديث اتّخاذ الخطّ سترة ضعيف، أشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي وغيرهم. وقال الدارقطني: لا يصح ولا يثبت. وقال الشافعي في ((سنن حرملة)) : ولا يخط المصلي بين يديه خطاً، إلا أن يكون ذلك في حديث ثابت، فيتّبع. وقال مالك في ((المدونة)) : ((الخط باطل)) . وضعّفه من المتأخرين ابن الصلاح والنووي والعراقي وغيرهم (٢) . بقي بعد هذا أن يقال: [٤/١٥] إن المأموم لا تجب عليه سترة، والسترة في صلاة الجماعة من مسؤولية الإمام، ولا يتوهم متوهم أن كلّ مصلّ سترته المصلّي الذي أمامه، فإن ذلك لا يكون في الصّف الأوّل، ثم إنه يقتضي منع المار بين الصفوف، والدّليل على خلافه: عن ابن عباس قال: جئت أنا والفضل على أتان، ورسول الله ﷺ بعرفة، فمررنا على بعض الصّفّ، فنزلنا، فتركناها ترتع، ودخلنا مع رسول الله ﷺ في الصّلاة، فلم يقل لنا

стр. 83

رسول الله ﷺ شيئاً (١) . وفي رواية: أن الأتان مرت بين يدي بعض الصف الأوّل (٢) . فهذا ابن عباس والفضل يمرّان على حمار أنثى، بين يدي الصف الأول، فلم يردهما أحد من الصحابة، ولم ترد الأتان أيضاً، ثم لم ينكر أحد عليهم ذلك، ولا النبي ﷺ . فإن قال قائل: من الممكن أن يكون النبي ﷺ لم يعلم بذلك!! فيقال له: إن لم رآهما النبي ﷺ بجانبه، فقد رآهما من خلفه، فقد قال ﷺ : ((هل ترون قبلتي ها هنا، فوالله لا يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري)) (٣) . قال ابن عبد البر: ((حديث ابن عباس هذا، يخص حديث أبي سعيد: ((إذا كان أحدكم يصلّي فلا يدع أحداً يمر بين يديه)) فإن ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد. فأما المأموم فلا يضرّه مَنْ مرّ بين يديه، لحديث ابن عباس هذا، قال: وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء)) (٤) . ومنه تعلم: أنّ صلاة الجماعة صلاة واحدة بالعدد، لا أنها صلوات بعدد مَنْ

стр. 84

فيها، ولذا اكتفي بها بسترة واحدة، ولو كانت صلوات لا حتاج كل مَنْ فيها إلى سترة (١) . [٥/١٥] فإن لم يتخذ الإمام سترة. فقد أساء، وكان التقصير منه، ولا يجب على كل مأموم أن يتخذ سترة لنفسه، وأن يمنع المار (٢) . [٦/١٥] مسألة: إذا قام المسبوق يقضي ما فاته مع الإمام، خرج عن كونه مأموماً، فماذا يفعل؟ قال الإمام مالك: ((ولا بأس أن ينحاز الذي يقضي بعد سلام الإمام إلى ما قرب منه من الأساطين بين يديه وعن يمينه وعن يساره، وإلى خلفه، يقهقر قليلاً، يستتر بها إذا كان ذلك قريباً، وإن بَعُد أقام، ودرأ المارَّ جهده)) (٣) . وقال ابن رشد: ((إذا قام لقضاء ما فاته من صلاته: فإن كانت بقربه سارية، سار إليها، وكانت سترةً له في بقيّة صلاته، وإن لم تكن بقربه سارية، صلى كما هو، ودرأ من يمر بين يديه ما استطاع، ومن مر بين يديه فهو آثم. أما من مر بين الصفوف، إذا كان القوم في الصلاة مع إمامهم، فلا حرج عليه في ذلك، لأن الإمام سترة لهم. وبالله التوفيق)) (٤) . وهذا الذي قاله الإمام مالك وتبعه عليه ابن رشد، الذي لا ينبغي خلافه، وذلك لأن المسبوق دخل في صلاته كما أُمر، وليس عليه في ذلك سترة، وحالته مشابهة لمن اتخذ دابة سترة فانفلتت، فليس مقصّراً في تلك الحالة. ولكن إن تيسّر له اتخاذ سترة، لئلا يوقع المارّين في الإثم، فعليه أن يفعل

стр. 85

ذلك، وإن لم يتيسر ردّ المارَّ بين يديه (١) . [١٦] * الانحراف عن القبلة: مما يحزّ في النفس أن أكثر مساجدنا القديمة ـ لعدم توفر الأدوات الدقيقة في تحديد القبلة _ تجدها منحرفة عنها، انحرافاً يكون فاحشاً أحياناً، مما اضطر بعض القائمين على أمرها إلى اتخاذ حبال خاصّة، مدوها في الأرض، ليحددوا بها القبلة تحديداً أقرب إلى الصواب. وهذه الحبال، هي غير الحبال التي اخترعت مؤخّراً، ومدّت في المساجد، بقصد تقويم الصف، وكأن المسلمين، وصل بهم الإِهمال في شأن تسوية الصفوف، والتزاحم بالأقدام والمناكب، إلى درجة أنهم احتاجوا إلى مثل هذه الحبال، التي يتعثر بها المارون في المسجد، والتي إنْ دلّت على شيء، فإنما تدل على مبلغ جهل المسلمين بالتحاذي الصحيح، والوقفة الصحيحة (٢) ، التي سيأتي التنبيه عليها ـ إن شاء الله تعالى ـ في ((جماع أخطاء المصلّين في صلاة الجماعة)) ، والله الموفّق، لا ربّ غيره.

стр. 86

الفصل الثالث جماع أخطاء المصلّين في صفة صلاتهم * الجهر بالنيّة والقول بوجوب مقارنتها مع تكبيرة الإِحرام. * عدم تحريك اللسان في التكبير وقراءة القرآن وسائر أذكار الصَّلاة. * جملة من أخطائهم في القيام: (ترك رفع اليدين عند التحريمة والركوع وعند الرفع منه، إسبال اليدين وعدم وضعهما على الصّدر أو تحته وفوق السرّة، ترك دعاء الاستفتاح والاستعاذة قبل قراءة الفاتحة، تكرير الفاتحة، رفع البصر إلى السّماء أو النّظر إلى غير مكان السّجود، تغميض العينين في الصلاة، كثرة الحركة والعبث في الصّلاة) . * جملة من أخطائهم في الرّكوع والقيام منه: (عدم تعمير الأركان، عدم الطمأنينة في الركوع والاعتدال منه، القنوات الرّاتب وتركه عند النّوازل) . * جملة من أخطائهم في السّجود: (عدم تمكين أعضاء السجود من الأرض، عدم الطمأنينة في السجود، أخطاء في كيفية السجود، القول بوجوب كشف بعض أعضاء السجود أو

стр. 87

بوجوب السجود على الأرض أو على نوع منها، رفع شيء للمريض ليسجد عليه، قول ((سبحان من لا يسهو ولا ينام)) في السهو) . * جملة من أخطائهم في الجلوس والتّشهد والتسّليم: (غلط ((السلام عليك أيها النبي)) في التّشهد، زيادة لفظ ((سيدنا)) في التشهد أوفي الصّلاة على رسول الله ﷺ في الصّلاة، تنبيهات، الإنكارّ على من يحرك سبابته في الصّلاة ثلاثة أخطاء في التسليم

стр. 88

[١٧] * الجهر بالنيّة والقول بوجوب مقارنتها مع تكبيرة الإحرام: [١/١٧] الجهر بالنيّة لا يجب ولا يستحب باتّفاق علماء المسلمين، بل الجاهر بالنيّة مبتدع مخالف للشريعة، وإذا فعل ذلك معتقداً أنه من الشّرع فهو جاهل ضال يستحق التعزير، وإلا فالعقوبة على ذلك إذا أصرَّ عليه بعد التعريف والبيان له، لاسيّما إذا آذى مَنْ إلى جنبه برفع صوته، أو كرّر ذلك مرّة بعد مرّة. وقد أفتى غير واحد من علماء المسلمين بذلك، فمنهم: القاضي أبو الربيع سليمان بن الشافعي، قال: ((الجهر بالنّية وبالقراءة خلف الإمام ليس من السنّة، بل مكروه، فإن حصل به تشويش على المصلّين فحرام، ومن قال بإن الجهر بلفظ النيّة من السنّة فهو مخطئ، ولا يحلّ له ولا لغيره أن يقول في دين الله تعالى بغير علم)) . ومنهم: أبو عبد الله محمد بن القاسم التونسي المالكي، قال: ((النيّة من أعمال القلوب، فالجهر بها بدعة، مع ما في ذلك من التشويش على الناس)) .

стр. 89

ومنهم: الشيخ علاء الدّين بن العطّار قال: ورفع الصّوت بالنيّة مع التشويش على المصلّين حرام إجماعاً، ومع عدمه بدعة قبيحة، فإن قصد به الرّياء كان حراماً من وجهين، كبيرة من الكبائر، والمنْكِرُ على مَنْ قال بأن ذلك من السنّة مصيب، ومصوّبة مخطئ، ونسبته إلي دين الله اعتقاداً كفر، وغير اعتقاد معصية. ويجب على كل مؤمن تمكَّن مِن زجره، ومنعه وردعه، ولم ينقل هذا النقل عن رسول الله ﷺ ، ولاعن أحدٍ من أصحابه، ولا عن أحد ممن يقتدى به من علماء الإسلام)) (١) ١ (. وكذلك التلفّظ بالنيّة سرّاً لا يجب عند الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، فلم يقل أحد بوجوب ذلك، لا في الطهارة ولا في الصلاة ولا الصوم. سأل أبو داود الإمام احمد، فقال: بقول المصلّي قبل التكبير شيئاً؟ قال: لا (٢) ٢ (. قال السيوطي: ((ومن البدع أيضاً: الوسوسة في نيّة الصّلاة، ولم يكن ذلك من فعل النبي ﷺ ولا أصحابة، كانوا لا ينطقون بشيء من نية الصلاة بسوى التكبير. وقد قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة﴾ (٣) . وقال الشافعي ﵁:

стр. 90

الوسوسة في نية الصّلاة والطهارة من جهلٍ بالشرع، أو خبلٍ بالعقل)) (١) . وللتلفظ بالنيّة آثار سيّئة كثيرة، فترى المصلّي ينطق بنيّة الصلاة واضحة مفسّرة، ثم يهمُّ بالتكبير، فيظن أنه يستحضر النيّة. قال ابن الجوزي: ((ومن ذلك: تلبيسه عليهم في نية الصّلاة. فمنهم مَنْ يقول: أُصلّي صلاة كذا، ثم يعيد، هذا ظنّاً منه أنه قد نقض النية، والنية لا تنقض، وإن لم يرض اللفظ. ومنهم: مَنْ يكبّر ثم ينقض ثم يكبر ثم ينقض، فإذا ركع الإمام كبر الموسوس وركع معه، فليت شعري! ما الذي أحضر النية حينئذ؟! وما ذاك إلا لأن إبليس أراد أن يفوته الفضيلة. وفي الموسوسين مَنْ يحلف بالله لا كّبرتُ غير هذه المرّة. وفيهم مَنْ يحلف بالله بالخروج من ماله أو بالطلاق، وهذه كلها تلبيسات إبليس. والشريعة سمحة سهلة سليمة من هذه الآفات، وما جرى لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه شيء من هذا)) (٢) . وسبب هذا الوسواس: أن النيّة تكون حاضرةً في قلب هذا الموسوس، ويعتقد أنها ليست في قلبه، فيريد تحصيلها بلسانه، وتحصل الحاصل محال! وقد غلط أبو عبد الله الزّبيري من الشافعيّة على الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – إذ خرّج وجهاً من كلام الإمام زاعماً أنه يوجب التلفّظ بالنيّة في الصّلاة! والسبب في غلطه: سوءُ فهمه لعبارة الشافعي. فعبارة الشّافعي هذا نصّها: إذا نوى حجّاً وعمرة أجزأ، وإنْ لم يتلفّظ وليس كالصّلاة لا تصح إلا بالنّطق)) (٣) .

стр. 91

قال النووي: ((قال أصحابنا: غلط هذا القائل، وليس مراد الشافعي بالنّطق في الصّلاة هذا، بل مراده التكبير)) (١) . وقال بن أبي العزّ الحنفي: ((لم يقل أحد من الأئمة الأربعة، لا الشّافعيّ ولا غيره باشتراط التلفّظ بالنيّة، وإنما النيّة محلّها القلب باتّفاقهم، إلا أن بعض المتأخرين أوجب التلفّظ بها، وخرج وجهاً في مذهب الشافعي! قال النووي ﵀: وهو غلط، انتهى. وهو مسبوق بالإجماع قبله)) (٢) . وقال ابن القيم: ((كان ﷺ إذا قام إلى الصّلاة، قال: ((الله أكبر)) ولم يقل شيئاً قبلها، ولا تلفَّظ بالنيّة البتة. ولا قال: أصلي لله صلاة كذا مُستقبل القبلة أربع ركعات إماماً أو مأموماً، ولا قال: أداءً ولا قضاءً، ولا فرض الوقت، وهذه عشرُ بدع، لم يَنْقُل عنه أحد قط بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ ولا مسندٍ ولا مرسلٍ لفظةً واحدةً منها البتة، بل ولا عن أحدٍ من أصحابه، ولا استحسنه أحدٌ من التّابعين، ولا الأئمة الأربعة وإنما غَرَّ بعضَ المتأخرين قولُ الشافعي ﵁ - في الصّلاة: إنها ليست كالصّيام ولا يدخل فيها أحدُ إلا بذكر، فظنّ أن الذّكر تلفُّظُ المصلّي بالنّية وإنما أراد الشافعيُّ ﵀ بالذّكر: تكبيرة الإحرام، ليس إلا، وكيف يستحِبُّ الشافعيُّ أمراً لم يفعله النبي ﷺ في صلاة واحدة، ولا أحدٌ من خلفائه وأصحابه، وهذا هديُهم وسيرتُهم، فإن أَوْجَدَنا أحدٌ حرفاً واحداً عنهم في ذلك، قبلناه، وقابلناه بالتّسليم والقبول، ولا هديَ أكملُ من هديهم، ولا سنة إلا ما تلقَّوه عن صاحب الشّرع ﷺ )) (٣)

стр. 92

نخلص مما تقدّم إلى: أن نصوص العلماء على اختلاف الأمصار والأعصار على أن الجهر بالنيّة بدعة (١) ، ومن قال بسنّيته فقد غلط على الإمام الشافعي. وعلى هذا الأدلة من السنة النّبويّة. عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصَّلاة بالتّكبير (٢) . عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال للمسيء صلاته، عندما قال له: علّمني يا رسول الله. قال له: إذا قمت إلى الصّلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبّر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن (٣) . وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت النَّبيَّ ﷺ افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه (٤) . فهذه النصوص ومثلها كثير عن الرسول ﷺ تدلّ على افتتاح الصّلاة بالتكبير،

стр. 93

وأنه لم يقل قبلها شيئاً. ويؤكد ذلك: إجماع العلماء على أنه إذا خالف اللسان القلب، فالعبرة بما في القلب (١) ، فما الفائدة من النطق بالنيّة إذا كان الإجماع قد انعقد على أنه لا عبرة به إذا خالف ما استقرَّ في القلب؟ ! [٢/١٧] وتجدر الإشارة هنا إلى تناقض مَنْ يقول بوجوب مقارنة النية للتكبير مع استحباب أو وجوب التلفظ بها، إذ كيف سينطق بالنيّة في الوقت الذي يكون لسانه مشغولاً بالتكبير؟! هذا محال. قال ابن أبي العزّ الحنفي: ((قال الشافعي ﵀: لايجوز ما لم يكن الذّكر اللساني مقارناً للقلبي. وأكثر النّاس عاجزون عن ذلك باعترافهم. والذي يدّعي المقارنة، يدّعي ما يردّه صريح العقل. وذلك أن اللسان ترجمان ما يحضر بالقلب، والمترجم عنه سابق قطعاً على أن الحروف الملفوظ بها في النيّة، منطبقة إلى آخر الزّمان، وهي منقضية منصرمة، لا تتصور المقارنة بين أنفسها، فكيف تتصور مقارنتها لما يكون قبلها؟!)) (٢) . [١٨] * عدم تحريك اللسان في التكبير وقراءة القرآن وسائر أذكار الصّلاة: [١/١٨] من الأخطاء الشائعة في الصّلاة: عدم تحريك اللسان في التكبير وقراءة القرآن والأذكار والاكتفاء بتمريرها على القلب!! وكأن الصّلاة أفعال فحسب، وليس فيها أقوال ولا أذكار!! وإلى هذا ذهب ابو بكر الأصم وسفيان بن عيينة (٣) ، حتى قالا: يصح الشروع في الصلاة من غير تكبير!! وجه قولهما:

стр. 94

أن قوله تعالى: (وأقيموا الصّلاة) مجمل، بيّنة النَّبيُّ ﷺ بفعله، ثم قال: (( صلوا كما رأيتموني أُصلّي)) (١) والمرئي هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسماً للأفعال، ولهذا تسقط الصّلاة عن العاجز عن الأفعال، وإن كان قادراً على الأذكار، ولو كان على القلب لا يسقط، وهو الأخرس!! وهذا القول من الأقوال الشّاذة، التي تخالف النّصوص الشرعيّة: فقوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسّر من القرآن) (٢) يرده إذ مطلق الأمر للوجوب، وقد قيّد النبي ﷺ مطلق هذا الأمر، فقال: ((لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب)) (٣) . وأما قوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أُصلّي)) فالرؤية أُضيفت إلى ذاته لا إلى الصّلاة، على أنا نجمع بين الدلائل، فتثبت فرضية الأقوال بما ذكرنا. والقراءة فرض في الصلوات كلها عند عامة العلماء وعامة الصحابة ﵃ (٤) .

стр. 95

ولو كان تمرير الآيات على القلب مجزئاً في الصلاة - وهيهات - لما قال النبي ﷺ للمسيء صلاته: ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)) (١) إذ القراءة غير التمرير، ومن مقتضيات القراءة - في اللغة والشرع - تحريك اللسان، كما هو معلوم، ومنه: قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (٢) . ولهذا قرر العلماء المانعون الجنب من قراءة القرآن، جواز تمرير الآيات على القلب، إذ أن التمرير غير القراءة.. قال النووي رحمه الله تعالى: ((يجوز للجنب والحائض والنفساء إجراء القرآن على القلب من غير لفظ، وكذلك النظر في المصحف، وإمراره على القلب)) (٣) . ((أما قراءة الرّجل في نفسه، ولم يحرك بها لسانه، ليس بقراءة [على] الصحيح، لأن القراءة إنما هي النّطق باللسان، وعليها تقع المجازاة، والدّليل على ذلك: قول الله : ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٤) . وقول النبي ﷺ : ((تجاوز الله لأمتي عما حدّثت به أنفسها)) (٥) .

стр. 96

فكما لا يؤاخذ الإنسان بما حدّثت به نفسه من الشر، ولا يضره، فكذلك لا يجازى على ما حدّث به نفسه من القراءة أو الخير، المجازاة التي يجازي بها على تحريك اللسان بالقراءة وفعل الخير)) (١) . وقال النووي: ((. . . وأما غير الإمام، فالسنّة الإسرار بالتكبير، سواء المأموم والمنفرد، وأدنى الإِسرار: أن يسمع نفسه، إذا كان صحيح السّمع، ولا عارض عنده من لغطٍ وغيره، وهذا عام في القراءة، والتكبير، والتسبيح في الركوع وغيره، والتشهد، والسلام، والدعاء، سواء واجبها ونفلها، لا يحسب شيء منها حتى يسمع نفسه، إذا كان صحيح السمع ولا عارض، فإن لم يكن كذلك، رفع، بحيث يسمع لو كان كذلك، لا يجزئه غير ذلك. هكذا نصّ عليه الشافعي. واتّفق عليه الأصحاب. قال أصحابنا: ويستحب أن لا يزيد على إسماع نفسه. قال الشافعي في «الأم» : يسمع نفسه ومن يليه، لا يتجاوزه)) (٢) . وقد نص الشافعيّة على أن الطارئ خرسه، يجب عليه أن يحرك لسانه بالتكبير والقراءة والتشهد وغيرهما، لأن ذلك يتضمن نطقاً وتحريك اللسان، فما تعذّر فهو عفو، وما يقدر عليه ، فلا بدّ من الإِتيان به (٣) . واشتراط إسماع القارئ نفسه - حيث لا مانع - ذهب إليه الجمهور، ويكفي عند المالكية أن يحرك بالقراءة لسانه، والأولى أن يسمع نفسه، مراعاةً للخلاف (٤) . وإذا تقرر هذا:

стр. 97

[٢/١٨] عُلِمَ خطأ ذلك الرأي الفقهي القائل: أنه يجوز لمن نام عند صاحبه أو قريبه، واستيقظ جنباً، أن يصلّي بالحركات، دون تحريك اللسان والتلفظ بشئ، خوفاً من الريبة، التي ربما ستلحق بالضّيف!! وهذا رأي لبعض أئمة الحنفية، فالمروي عن أبي يوسف ﵀ أنه أجاز للمسافر والضيف، الذي خاف الريبة، الصلاة مع عدم وجوب الغسل، إذا احتلم وأمسك ذكره، عندما أحسّ بالاحتلام، إلى أن فترت شهوته، ثم أرسله. قال ابن عابدين: ((قوله هذا خلاف الراجح في المذهب)) (١) . [١٩] * جملة من أخطائهم في القيام: تتعدّد أخطاءُ المصلّين في حالة وقوفهم بين يدي ربهم ، فتارة يتركون السنن، ويعرضون عن الحق والصواب وصفة صلاة رسول الله ﷺ ، وتارة أُخرى يقتحمون المكروهات، ويحسبونها من السنة، أو هكذا وجدوا آباءهم يفعلون!! [١/١٩] (ترك رفع اليدين عند التحريمة والركوع وعند الرفع منه: فبعضهم يترك رفع اليدين عند التحريمة (تكبيرة الإحرام) ، وعند الركوع والرفع منه، وبعد القيام من التشهد الأول، وربما تجد قسماً من هؤلاء التّاركين هذه السنة في صلاتهم، يفعلونها حال كون رفعها من الأخطاء، مثل: رفع اليدين في تكبيرات الصّلاة على الميت (٢) ، والتكبيرات الزوائد في صلاة العيد (٣) !! وبعضهم يحتجّ بأحاديث ليس لها أصل، أو على غير وجهها، في تركهم رفع اليدين عند الركوع والقيام منه. من مثل: ((من رفع يديه في الصّلاة، فلا صلاة له)) (٤)

стр. 98

ومن مثل: قول ابن عمر ﵄: أرأيتم رفعكم أيديكم في الصّلاة هكذا، والله إنها لبدعة، وما زاد رسول الله ﷺ على هذا شيئاً قط، وأومأ حماد إلى ثديية (١) . فهو فضلاً عن ضعفه لا يصلح الاحتجاج به في المسألة، قال ابن حبان: ((وقد تعلق بهذا جماعة ممن ليس الحديث صناعتهم، فزعموا أن رفع اليدين في الصّلاة عند الركوع، وعند رفع الرأس منه، بدعة، وإنما قال ابن عمر: أرأيتم رفعكم أيديكم في الدعاء بدعة يعني إلى أذنيه، ما زاد رسول الله ﷺ على هذا - يعني ثدييه- هكذا فسره حماد بن زيد، وهو ناقل الخبر)) ثم ذكر الحديث، وزاد:

стр. 99

((والعرب تسمّي الصّلاة دعاء، فخبر حماد هذا، أراد به الدّعاء، والدليل على صحة ما قلتُ، ثم ذكر عن الحسن بن سفيان بسنده عن ابن عمر قال: والله ما رفع نبيُّ الله ﷺ يديه فوق صدره في الدعاء. جوّد الحسين بن واقد - أحد رواته - حفظه، وأتى الحديث على جهته، كما ذكرنا)) (١) . ومما يجعل قول أبن حبان متعيّناً، أن الثّابت عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصّلاة، رفع يديه حذْوَ منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أيضاً كذلك (٢) . ورواه من الصّحابة نحو خمسين رجلاً، منهم: العشرة المبشرون بالجنّة (٣) . قال الإمام البخاري: ((قال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم، لم يستثن أحداً من أصحاب النبي ﷺ دون أحد)) (٤) .

стр. 100

وقال: ولم يثبت عند أهل النظر ممن أدركنا من أهل الحجاز وأهل العراق، منهم: الحميدي وابن المديني وابن معين واحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وهؤلاء أهل العلم من بين أهل زمانهم، فلم يثبت عند احد منهم، علم في ترك رفع الأيدي عن النبي ﷺ ، ولا عن احد من الصحابة، أنه لم يرفع يديه (١) . وقال ابن القيم: ((وانظر إلى العمل في زمن رسول الله ﷺ والصحابة خلفه، وهم يرفعون أيديهم في الصلاة عند الركوع والرفع منه، ثم العمل في زمن الصحابة بعد، حتى كان عبد الله بن عمر إذا رأى من لا يرفع حصبه. وهو عمل كأنه رأي عين)) (٢) . وقال المروزي: ((أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة)) (٣) . وقال الإمام الشافعي: ((لا يحل لأحد سمع حديث رسول الله ﷺ في رفع اليدين في افتتاح الصلاة وعند الركوع والرفع من الركوع، أن يترك الاقتداء بفعله ﷺ )) (٤) . وعن عبد الملك بن سليمان قال: سألت سعيد بن جبير عن رفع اليدين في الصّلاة، فقال: هو شئ تزيّن به

стр. 101

صلاتك (١) . وقال الكشميري: ((واعلم أن الرفع متواتر إسناداً وعملاً، ولم ينسخ منه ولا حرف)) (٢) . فاحرص - أخي المصلّي - على سنّة نبيّك، وهي ((سنة متواترة)) على حد تعبير الإمام الذهبي (٣) - ودع عنك القيل والقال، وكثرة المراء والجدال، فقد وصل الخلاف في هذه المسألة عند الهمج الرّعاع أن همّوا بقتل فاضل من العلماء، وعالم من الفضلاء!! قال ابن العربي المالكي: ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع، وعند رفع رأسه منه، فحضر عندي يوماً بمحرس ابن الشوّاء بالثّغر، موضع تدريسي عند صلاة الظهر، ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدّم إلى الصف الأول، وأنا في مؤخره قاعد على طاقات البحر، اتنسم الرّيح من شدّة الحر، ومعه في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر وقائده مع نفرٍ من أصحابه، ينتظر الصلاة. فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه، قال أبو ثمنة لأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقي، كيف دخل مسجدنا؟! فقوموا إليه فاقتلوه، وارموا به البحر، فلا يّراكم أحد. فطار قلبي من بين جوانحي، وقلت: سبحان الله هذا الطُّرطُوشي، فقيه الوقت!! فقالوا لي: ولم يرفع يديه؟ فقلت: كذلك كان النبي ﷺ يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدنية عنه (٤) ، وجعلت أسكنهم وأسكتهم حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى

стр. 102

المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي فأنكره، وسألني، فأعلمتُه، فضحك، وقال: من أين لي أن أقتل على سنة؟ فقلت له: لا يحل لك هذا، فإنك بين قومٍ إن قمت بها قاموا عليك، وربما ذهب دمك ! فقال: دع هذا الكلام، وخذ في غيره (١) . والسنّة رفع الأيدي ممدودة الأصابع، لايفرج بينها ولا يضمّها، وكان ﷺ يجعلهما حذو منكبيه، وربما كان يرفعهما حتى يحاذي بهما فروع أذنيه، وكان يرفع يديه تارة مع التكبير، وتارة بعد التكبير، وتارة قبله (٢) . [٢/١٩] (إسبال اليدين وعدم وضعهما على الصّدر أو تحته وفوق السرّة: عن سهل بن سعد قال: كان النّاس يؤمرون أن يضع الرجل اليمنى على ذراعه اليسرى في الصَّلاة (٣) . وعن ابن عباس – ﵄ – أن رسول الله ﷺ قال: إنا معشر الأنبياء أمِرنا أن نُؤخّر سحورنا، ونُعجِّل فطرنا، وأن نُمسِك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا (٤) .

стр. 103

من هذين الحديثين: يتبين لنا خطأ من يرسل يديه، إذ أن وضع اليد اليمنى على اليسرى من هدي نبينا ﷺ ، وهدي الأنبياء قبله (١) . قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي ﷺ فيه خلاف، وهو قول الجمهور من الصحابة والتّابعين، وهو الذي ذكره مالك في ((الموطأ)) ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره، وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثرُ أصحابه، وعنه التفرقة بين الفريضة والنّفل (٢) ، ومنهم من كره الإمساك. ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث يمسك معتمداً لقصد الرّاحة (٣) . وذكر المالكية في رواية سنيّة القبض في الفرض والنفل: أنها ((الأظهر، لأن الناس كانوا يؤمرون به في الصّدر الأول)) (٤) . والمشهور في كتب المتأخرين من المالكيّة: أن وضع اليدين تحت الصدر، فوق السرة، مندوب للمصلّي المتنفل، وكذا للمفترض، إن قصد بالوضع الاتباع، أو لم يقصد شيئاً، أما إن قصد الاعتماد والاتكاء على يده بوضعهما كره له ذلك. قال الباجي من كبار المالكية: ((وقد يحمل قول مالك بكراهة قبض اليدين على خوفه من اعتقاد العوام، أن ذلك ركن من أركان الصلاة، تبطل الصلاة بتركه)) . فلعل من يتأمل جميع هذه الآراء في هذه المسألة، يعلم علماً قاطعاً أنهم جميعاً يعترفون بأن سنّة النبي ﷺ هي وضع اليدين أمام المصلي، لا إرسالهما بجنبه، وأن الإمام مالك قال بإرسالهما - إنْ صَحَّ هذا عنه - ليحارب عملاً غير مسنون، وهو قصد الاعتماد، أو اعتقاداً فاسداً، وهو ظنّ العامي

стр. 104

وجوب ذلك، وإلا فهو - على التحقيق - لم يقل بالإرسال البتة، وهذا غلط عليه في فهم عبارة ((المدونة)) ، وخلاف منصوصه المصرّح به في ((الموطأ)) القبض، وقد كشف عن هذا جمع من المالكية وغيرهم في مؤلَّفات مفردة، تقارب ثلاثين كتاباً، سوى الأبحاث التابعة في الشروح والمطولات (١) () . وبعد ... أليس اللائق بعد كلّ ما سبق أن يترك إخواننا المالكيّون إرسال أيديهم، ظنّاً منهم أنهم يحافظون على سنّة! وبذلك يتفقون مع بقيّة إخوانهم المسلمين (٢) . ومن السنّة: وضع اليدين على الصّدر، ووضع اليد اليمنى على ظهر كفّه اليسرى والرّسغ والسّاعد. عن وائل بن حجر قال: لأنظرنّ إلى رسول الله ﷺ كيف يصلّي، قال: فنظرتُ إليه، قام فكبّر، ورفع يديه، حتى حاذتا أُذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفّه اليسرى والرسغ والسّاعد (٣) . والمراد: أنه وضع يده اليمنى على كفّ يده اليسرى ورسغها وساعدها (٤) . وثبت عنه ﷺ أنه كان – أحياناً – يقبض باليمنى على اليسرى (٥) . ففي هذا الحديث دليل على أن من السنّة القبض، وفي الحديث الأول الوضع، فكل سنة، ومن أخطاء بعض المصلين: الجمع بين القبض والوضع،

стр. 105

وصورته: أن يضع يمينه على يساره، آخذاً رسغها بخنصره وإبهامه، ويبسط الأصابع الثلاث، كما في بعض كتب المتأخرين (١) . ودلّ الحديثان السّابقان: أن وضع اليدين على الصّدر هو الذي ثبت في السنة، وخلافه إما ضعيف وإما لا أصل له (٢) ، وقد عمل بهذه السنة الإمام إسحاق بن راهويه، فقال المروزي في ((المسائل)) (٣) : ((كان إسحاق يوتر بنا.. ويرفع يديه في القنوت، ويقنت قبل الركوع، ويضع يديه على ثدييه أو تحت الثديين)) وقريب منه ما روى عبد الله بن أحمد في ((مسائله)) (٤) قال: ((رأيت أبي إذا صلى وضع يديه إحداهما على الأُخرى فوق السرّة)) (٥) . قال العلامة ابن أمير الحاج الذي تبع شيخه ابن الهمام في التحقيق وسعة الاطلاع في ((شرح المنية)) : إن الثابت من السنّة: وضع اليمين على الشمال، ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن إلاَّ حديث وائل المذكور، وهكذا قال صاحب ((البحر الرائق)) كذا في ((فتح الغفور)) (٦) . وقال الشوكاني:

стр. 106

((ولا شئ في الباب أصح من حديث وائل المذكور، وهو المناسب لما أسلفنا من تفسير علي وابن عباس لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ بأن النحر وضع اليمين على الشمال في محلّ النحر والصدر)) (١) . والحكمة في هذه الهيئة: أنه صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع، ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النيّة، والعادة أن من احترز على حفظ شئ جعل يديه عليه (٢) . (ترك دعاء الاستفتاح والاستعاذة قبل قراءة الفاتحة. كثير من عوامّ المصلّين يتركون دعاء الاستفتاح للصّلاة والاستعاذة، وذلك من مستحبات الصّلاة. والظاهر مشروعية الاستعاذة في كلّ ركعة، لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ (٣) . وهو الأصح في مذهب الشافعية، ورجحه ابن حزم (٤) . [٣/١٩] (تكرير الفاتحة: يكره للمصلّي تكرير الفاتحة، كلاً أو بعضاً، لأنه لم ينقل عنه ﷺ ولا أصحابه، وهذا مذهب جمهور العلماء، وعليه الأئمة الأربعة، وفي بطلان الصلاة به خلاف، ولا أعلم له دليلاً، وهو قول عند الحنابلة، وإن كررها سهواً سجد للسهو عند الحنفية والشافعية، وكذا إن كررها عمداً عند الشافعية، ويأثم عند الحنفية، وعليه إعادة الصّلاة لرفع الإثم. ويحرم تكريرها عمداً عند المالكية، ولا تبطل به الصلاة، وإن كررها سهواًً سجد للسهو، ولعله الراجح (٥) .

стр. 107

[٤/١٩] (رفع البصر إلى السّماء أو النظر إلى غير مكان السجود: ومن أخطاء المصلّين: رفع البصر إلى السماء، أو النظر إلى الأمام، أو عن اليمين والشّمال، مما يسبب السّهو وحديث النّفس، وقد ورد الأمر بخفض البصر، والنّظر إلى موضع السجود (١) ، إلا في حالة الجلوس للتشهد، فإن النّظر يكون إلى الإشارة بالسبابة لا يتجاوزها، فقد ثبت في هديه ﷺ في الصلاة: ((لا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إشَارتَهُ)) (٢) . وسئل العز بن عبد السلام: إي حجة لمن يقول: يستحب للمصلّي أن ينظر في ركوعه إلى قدمه، وفي سجوده إلى أنفه، وفي قعوده إلى حجره من حديث أو أثر أو حكمة؟ فأجاب في ((الفتاوى)) : (ص ٦٨) ما نصه: ((ليس هذا قولاً صحيحاً، ولا حجة لقائله من كتاب ولا سنّة، والله أعلم)) . عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصّلاة، قال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد (٣)

стр. 108

٣) . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السّماء في صلاتهم، فاشتدّ قوله في ذلك، حتى قال: لينتهُنَّ عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم (١) . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدّعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم (٢) . وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم (٣) . في هذه الأحاديث: النهي الأكيد، والوعيد الشديد، عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، وقد نقل الإجماع في النهي عن ذلك (٤) . ويكره أن يلتفت المصلّي في صلاته لغير حاجة (٥) ، للحديث الأول، إذ

стр. 109

أضيف الالتفات إلى الشيطان، لأن فيه انقطاعاً من ملاحظة التوجّه إلى الحق سبحانه، وسمي فعله ذلك: ((اختلاساً)) وهو ما يؤخذ سلباً مكابرة، أو الذي يخطف من غير غلبة ويهرب ولو مع معاينة المالك له، والناهب يأخذ بقوّة، والسارق يأخذ في خفية، فلما كان الشيطان قد يشغل المصلي عن صلاته بالالتفات إلى شيء ما بغير حجة يقيمها، أشبه المختلس، وسمي ((اختلاساً)) تصويراً لقبح تلك الفعلة بالمختلس، لأن المصلي يقبل عليه الربّ والشيطان مرتصد له، ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة (١) . ولا تبطل الصلاة بالالتفات، إلا أن يستدير بجملته عن القبلة أو يستدبر القبلة، قال ابن عبد البر: وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصّلاة إذا كان يسيراً. ويكره أيضاً أن يصلّي على شيء يلهيه أو في مكان صور، أو على سجادة فيها صور ونقوش، أو إلى مكان عليه صور، كما تقدم في ((جماع أخطاء المصلّين في أماكن صلاتهم)) خوفا من نقص الخشوع، أو ترك استقبال القبلة ببعض البدن. [٥/١٩] (تغميض العينين في الصّلاة. قال ابن القيم: ((ولم يكن من هديه ﷺ تغميضُ عينيه في الصّلاة، وقد تقدّم انه كان في التشهد يُومئ ببصره إلى أصبعه في الدّعاء، ولا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إشارَتَهُ)) (٢) . وقال الفيروز آبادي: ((كان ﷺ يفتح عينه المباركة في الصَّلاة، ولم يكن يغمضها كما يفعله بعض المتعبّدين)) (٣) .

стр. 110

ودلّت كثير من الأحداث على أنه لم يكن يغمض عينيه في لصّلاة، مثل: مدّ يده في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنّة، وكذلك رؤيته النار وصاحبة الهرة فيها، وحديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمرّ بين يديه، وردّه الغلام والجارية، وكذلك أحاديث ردّ السلام بالإشارة على مَنْ سلّم عليه وهو في الصّلاة، فإنه كان يشير إلى من يراه، وكذلك حديث تعرُّض الشيطان له، فأخذه فخنقه، وكان ذلك رؤية عين، فهذه الأحاديث وغيرها، يستفادُ من مجموعها بأنه لم يكن يُغْمِضُ عينيه في الصلاة. وقد اختلف الفقهاء في كراهته، فكرهه الإِمامُ أحمد وغيره، وقالوا: هو فعل اليهود، وأباحه جماعة ولم يكرهوه، وقالوا: قد يكون أقربَ إلى تحصيل الخشوع الذي هو روحُ الصّلاة وسرُّها ومقصودُها. والصّواب أن يُقال: إنْ كان تفتيح العين لا يُخِلُّ بالخشوع، فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتّزويق أو غيره مما يُشوش عليه قلبه، فهنالك لا يُكره التغميضُ قطعاً، والقول باستحبابه في هذا الحال أقربُ إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة، والله أعلم (١) . [٦/١٩] (كثرة الحركة والعبث في الصّلاة. ومن أخطاء المصلّين: الحركة الزّائدة في الصّلاة التي لا حاجة لها، سوى العبث واللهو والإعراض عن الخشوع في الصّلاة، كتشبيك الأصابع، وتنظيف الأظافر، والتحريك المستمر للقدمين، وتسوية العمامة أو العقال، والنظر في الساعة، وربط الإزار، ونحو ذلك مما يبطل أجرها. ((والخشوع هو لبّ الصّلاة وروحها، فالمشروع للمؤمن أن يهتم بذلك،
следующие страницы →