← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

١٠٦٠- (٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب، فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال. وفي رواية: لا يشهدون الصلاة، ــ ١٠٦٠- قوله: (والذي نفسي) أي ذاتي أو روحي. (بيده) هو قسم كان النبي ﷺ كثيراً ما يقسم به، والمعنى أن أمر نفوس العباد بيد الله، أو بتقديره وتدبيره أو في ملكه وتحت تصرفه، وفيه جواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه، تنبيهاً على عظم شأنه. (لقد هممت) هو جواب القسم أكده باللام وقد، والهم العزم، وقيل دونه، والمعنى: لقد قصدت. وزاد مسلم في أوله أنه ﷺ فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: لقد هممت، فأفاد ذكر سبب الحديث. (أن آمر) بالمد وضم الميم، أي خدمي لما في رواية فتيتي. (بحطب) بفتحتين، ما أعد من الشجر وقوداً للنار. قال القاري: أي يجمع حطب عظيم. (فيحطب) بالفاء وضم المثناه التحتية مبنياً للمفعول منصوباً عطفاً على المنصوب المتقدم، وكذا الأفعال الواقعة بعده، أي فيجمع الحطب. قال الطيبي: يقال حطبت الحطب واحتطبته أي جمعته. قال المؤلف: فيحطب كذا وجدناه في صحيح البخاري والجمع للحميدى وجامع الأصول وشعب الإيمان. وفي المصابيح فيحتطب أي من الاحتطاب. قلت: وكذا وقع لأبي الوقت في رواية البخاري وللبيهقي (ج٣ ص٥٥) . وحطب واحتطب بمعنى واحد. (ثم آمر) بالمد وضم الميم. (بالصلاة) العشاء أو الفجر أو الجمعة أو مطلقاً، كلها روايات ولا تضاد لجواز تعدد الواقعة، قاله القسطلاني. قلت: عامة الروايات عن أبي هريرة على الإبهام، نعم يومئ آخر هذه الرواية أنها العشاء لقوله: لشهد العشاء. وفي رواية مسلم: لشهدها، يعني صلاة العشاء ولذلك فسرها القاري بالعشاء، قال: ويحتمل بقاءه على عمومه إن تعددت القصة. وقال النووي: جاء في رواية أن هذه الصلاة التي همّ بتحريقهم للتخلف عنها هي العشاء, وفي رواية أنها الجمعة، وفي رواية يتخلفون عن الصلاة مطلقاً، وكله صحيح، ولا منافاة بين ذلك أي لحمله على تعدد القضية. (فيؤذن) بفتح الذال المشددة. (لها) أي لأجلها. (ثم آمر رجلا فيؤم الناس) فيد دليل لجواز استخلاف الإمام وانصرافه لعذر. (ثم) أخالف إلى رجال أي آتيهم من خلفهم. وقال الجوهري: خالف إلى فلان أي أتاه إذا غاب عنه، أو المعنى أخالف المشتغلين بالصلاة قاصداً إلى بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة فأحرقها عليهم، وقيل: معناه: أذهب إليهم، وقيل: المعنى أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة فأتركه وأسير إليهم، أو أخالف ظنهم في أنى مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم. والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان، وهو منصوص في رواية لأحمد بلفظ: لولا ما في البيوت من النساء والذرية- الحديث. (وفي رواية) أي أخرى. (لا يشهدون الصلاة) أي لا يحضرون

стр. 1402

فأحرق عليهم بيوتهم ــ الجماعة من غير عذر. قال المؤلف: وليس في الصحيح في هذه الرواية لا يشهدون الصلاة بل في رواية أخرى، نقله الطيبي. قلت: هذا اعتراض من صاحب المشكاة على البغوي حيث ذكر سياق الحديث في المصابيح بلفظ: ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة الخ، فإن الظاهر منه أن قوله: لا يشهدون الصلاة، موجود في الرواية التي ساق البغوي لفظها، مع أن هذا اللفظ ليس في هذه الرواية بل في رواية أخرى، فكان عليه أن ينبه على ذلك، ويقول بعد قوله إلى رجال. وفي رواية. لا يشهدون الصلاة، كما قال المؤلف. وهذا الاعتراض متجه عندي كما لا يخفى، وفي رواية لأي داود: ثم آتى قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، فيكون الوعيد على ترك الجماعة بغير عذر لا على ترك الصلاة، وفيه دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة، ولو قلنا إنها فرض، وكذا الجمعة. (فأحرق) بتشديد الراء وفتح القاف وضمها كسابقه، وهو مشعر بالتكثير والمبالغة في التحريق. (عليهم) أي على المتخلفين عن الجماعة. (بيوتهم) بالنار عقوبة لهم، وفيه إشعار بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين وبيوتهم، وفي رواية لمسلم: ثم تحرق بيوتاً على من فيها. والحديث قد استدل به لأحمد ومن وافقه على أن الجماعة واجبة وجوب عين، وهو من أوضح أدلة القائلين بالوجوب. قال الحافظ في الفتح: الحديث ظاهر في كون الجماعة فرض عين؛ لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه. وأجاب الجمهور عنه بأجوبة: الأول أن نفس الحديث يدل على خلاف المدعى وهو عدم الوجوب، لكونه ﷺ هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه. وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه، وبأن تركها لحال التحريق لا يستلزم الترك مطلقاً؛ لإمكان أن يتداركها في جماعة آخرين قبل التحريق أو بعده. والثاني أن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقة غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك. وأجيب بأن ذلك وقع قبل تحريم التعذيب بالنار، فحمل التحديد على حقيقته غير ممتنع، على أنه لو فرض أن هذا التواعد وقع بعد التحريم لكان مخصصاً له، فيجوز التحريق في عقوبة تارك الصلاة بالجماعة. والثالث كونه ﷺ ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجباً ما عفا عنهم. وتعقب بأنه لا يهمّ إلا بما يجوز له فعله لو فعله، والترك لا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه جاء في رواية لأحمد بيان سبب الترك، وهو قوله ﷺ : لولا ما في البيوت من النساء والذرية أقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار، وسيأتي هذا الحديث. والرابع أن التهديد لقوم تركوا الصلاة رأساً لا مجرد الجماعة. وتعقب بما تقدم من رواية أبي داود بلفظ:

стр. 1403

ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، وبقوله: لا يشهدون الصلاة بمعنى لا يحضرون الجماعة، وفي رواية عند أحمد: لا يشهدون العشاء في الجميع أي في الجماعة، وفي حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجه مرفوعاً: لينتهين رجال عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم. والخامس أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل، وهو قريب من الوجه الثاني. والسادس أن الحديث ورد في حق المنافقين خاصة، فليس التهدد على ترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل. وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة، مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه ﷺ كان معرضاً عنهم وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم، وقال: لا يحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. وتعقب هذا التعقب بأنه لا يتم إلا أن ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجباً عليه ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخيراً فليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين، لقوله في رواية من حديث أبي هريرة هذا عند الشيخين: ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر- الحديث. لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر، يدل على ذلك ما في رواية أبي داود: ويصلون في بيوتهم ليست بهم علة، ففيه دليل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، وأيضاً قوله في رواية أحمد: لولا ما في البيوت من النساء والذرية، يدل على أنهم لم يكونوا كفاراً؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقاً إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر فلا يدل على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على عدم الوجوب من جهة المبالغة في ذم من تخلف عنها. قال الطيبي: خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم وعادتهم، وأنه مناف لأحوالهم؛ لأنه من صفات المنافقين، ولو دخلوا في هذا الوعيد ابتداء لم يكن بهذه المثابة. ويعضده ما روي عن ابن مسعود من قوله: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق قد علم نفاقه، رواه مسلم- انتهى كلامه. لا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه. (السادس) لأنتفاء أن يكون المؤمن قد تخلف، وإنما ورد الوعيد في حق م تخلف؛ لأني أقول: بل هذا يقوي ما ظهر لي أولاً أن المراد بالنفاق نفاق المعصية لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل لا العاصي الذي يجوز إطلاق النفاق عليه مجازاً لما دل عليه مجموع الأحاديث- انتهى كلام الحافظ. والسابع أن فريضة الجماعة كانت في أول

стр. 1404

والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)) ــ الإسلام لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين ثم نسخ، حكاه عياض. قال الحافظ: ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال- انتهى. قال النووي: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغال في الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما- انتهى. هذا، وههنا وجوه أخرى للجواب عن هذا الحديث تركناها للاختصار، وأقرب الأجوبة عندي هو الوجه الثاني، يني أن الحديث خرج مخرج الزجر لا الحقيقة، وإنما المراد المبالغة بدليل أنه لم يفعله ﷺ ، ولا دليل على أنهم انزجروا وتركوا التخلف، وكان يمكن له ﷺ أن يحرق ما في بيوتهم بعد إخراج النساء والذرية منها. (والذي نفسي بيده) أعاد القسم للمبالغة في التأكيد. (لو يعلم أحدهم) أي الذين لا يشهدون الصلاة. (أنه يجد) أي في المسجد. (عرقاً) بفتح العين المهملة وسكون الراء وبالقاف، العظم الذي عليه بقية لحم. قال الطيبي: العرق بالسكون العظم الذي أخذ منه اللحم أي معظمه وبقي عليه لحم رقيق، يقال: عرقت العظم إذا أخذت أكثر ما عليه من الحم نهشاً. وفي المحكم عن الأصمعي: العرق بسكون الراء قطعة لحم، قيل هو اللائق هنا، وقيل: الأول لأنه أشد مبالغة في إظهار الخساسة المقصودة. ولفظ الموطأ والنسائي عظماً قيل هو أنسب للوصف بقوله: (سميناً) قال ابن حجر قيد به؛ لأن العظم السمين فيه دسومة قد يرغب في مضغه لأجلها. (أو مرماتين) تثنية مرماة بكسر الميم وقد تفتح، ظلف الشاة أو ما بين ظلفيها من اللحم، قاله الخليل. وكذا قال البخاري فيما نقله المستملي في روايته في كتاب الأحكام عن الفربري. قال عياض: فالميم على هذا أصلية، وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنضال محددة يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب، وهي المرماة والمدحاة، قيل: ويبعد أن تكون هذه مراداً لحديث لأجل التثنية. وحكى الحربي عن الأصمعي: أن المرماة سهم الهدف، وقال ويؤيده ما روى عن أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ: لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة أو سهمان لفعل. وقيل: المرماة سهم يتعلم عليه الرمي، وهو سهم دقيق مستو غير محدد، وهو أحقر السهام وأرذلها. قال الزين بن المنير: ويدل على ذلك التثنية فإنها مشعرة بتكرر الرمي، بخلاف السهام المحددة الحربية فإنها لا يتكرر رميها. وقال الزمخشري: تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العرق معه، ووجهه ابن الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين وكان مما يؤكل أتبعه بالسهمين؛ لأنهما مما يتلهى به- انتهى. (حسنتين) بفتحتين أي جيدتين. قال الحافظ: إنما وصف العرق بالسمن والمرماة بالحسن ليكون ثم باعث نفساني على تحصيلهما. (لشهد العشاء) أي صلاتها، فالمضاف محذوف، والمعنى لو علم أنه لو حضر الصلاة يجد نفعاً دنيوياً وإن كان خسيساً

стр. 1405

رواه البخاري. ولمسلم نحوه. ١٠٦١- (٣) وعنه، قال: ((أتى النبي ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن ــ حقيراً لحضرها لقصور همته على الدنيا، ولا يحضرها لما لها من مثوبات الآخرة ونعيمها، ففيه توبيخ وإشارة إلى ذم المتخلفين بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم أو ملعوب به مع التفريط فيما يحصل به رفيع الدرجات ومنازل الكرامات. وفي الحديث من الفوائد تقديم التهديد والوعيد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزواجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة، فهو من باب الدفع بالأخف. وفيه جواز العقوبة بالمال، كذا استدل به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم. وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة؛ لأنه ﷺ هم بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة الجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد، وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل، وترجم عليه البخاري في كتاب الأشخاص وفي كتاب الأحكام: باب أخراج أهل المعاصي والريب من البيوت بعد المعرفة، يريد أن من طلب منهم بحق فاختفى أو امتنع في بيته لدداً ومطلاً أخرج منه بكل طريق يتوصل إليه بها، كما أراد النبي ﷺ إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم. وفيه الرخصة للإمام أو نائبة في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفى في بيته ويتركها، ولا بعد أن يلحق بذلك الجمعة فقد ذكروا من الأعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم في حق الإمام كالغرماء. واستدل به ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية، كما هو مذهب مالك. قال العيني: وكذلك روي عن بعض أصحابنا، وادعى الجمهور النسخ. (رواه البخاري) في الصلاة وفي كتاب الأشخاص وكتاب الأحكام، وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والنسائي والبيهقي. (ولمسلم نحوه) وكذا للترمذي وأبي داود وابن ماجه. ١٠٦١- قوله: (رجل أعمى) قال النووي وغيره: هو ابن أم مكتوم كما جاء مفسراً في سنن أبي داود وغيره، يعني بذلك رواية أبي داود والنسائي الآتية في الفصل الثالث. (ليس لي قائد) القائد هو الذي يمسك يد الأعمى ويأخذها ويذهب به حيث شاء ويجرة، من القود وهو ضد السوق فهو من أمام، وذاك من خلف، والمراد نفي القائد الملائم أي الموافق المساعد، لا نفي القائد مطلقاً، جمعاً بينه وبين ما وقع في الرواية الآتية عند أبي داود: ولى قائد لا يلائمني، إذا كان الأعمى المذكور في حديث أبي هريرة هذا هو ابن أم مكتوم، وقيل: هما واقعتان. (يقودني) أي يمسكني ويأتي معي. (إلى المسجد) لصلاة الجماعة وفي رواية النسائي إلى الصلاة. (أن

стр. 1406

يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال نعم. قال: فأجب)) رواه مسلم. ١٠٦٢- (٤) وعن ابن عمر: ((أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ــ يرخص له) أي في ترك الجماعة في المسجد. (فيصلي في بيته) إما جماعة أو منفرداً. (فرخص له) أولا. (فلما ولى) أي رجع وأدبر (هل تسمع النداء بالصلاة) أي التأذين بها. (فأجب) أمر من الإجابة أي أجب النداء واتبعه بالفعل، يعني فأت الجماعة، قيل: الترخيص في أول الأمر اجتهاد منه ﷺ ، والأمر بالإجابة بوحي جديد من الله تعالى نزل في الحال، أو أنه تغير اجتهاده ﷺ إذا قلنا بالصحيح، وقول الأكثرين أنه يجوز له الاجتهاد. وقيل: أطلق له الجواب أي رخص له أولاً مطلقاً ثم قيده بقيد عدم سماع النداء، ومفهومه أنه إذا لم يسمع النداء كان ذلك عذراً له، وإذا سمعه لم يكن له عذر من الحضور. وقيل الترخيص أولاً باعتبار العذر, والأمر بالإجابة للندب، فكأنه قال: الأفضل لك والأعظم لأجرك أن تجيب وتحضر فأجب، ويدل لكون الأمر للندب مع العذر حديث ابن عباس الآتي في الفصل الثاني، والحديث ظاهر في وجوب الجماعة وجوب عين، فيأثم المصلي بتركها. وأجاب الجمهور عن ذلك بأنه سأل هل له رخصة في أن يصلي في بيته وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره، فقيل لا. ويؤيد ها أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ومن جملة العذر العمى إذا لم يجد قائداً، كما في حديث عتبان بن مالك في الصحيحين أنه رخص له حيث شكا بصره أن يصلي في بيته. وتعقب بأن هذا التأويل ضعيف، لما تقدم أن المعذور لا ينقص أجره عما يفعله لولا العذر، كما يدل عليه حديث أبي موسى. وما ادعى أحد أن الجماعة فرض عين مع وجود العذر أيضاً، فتدبر. وحمل بعضهم حديث العمى على أن النبي ﷺ علم منه أنه يمشي بلا قائد لحذقه وذكائه كما هو مشاهد في بعض العميان يمشي بلا قائد، لاسيما إذا كان يعرف المكان قبل العمي أو بتكرر المشي إليه يستغنى عن القائد. وأجاب بعضهم بأن الدعوى وجوب الجماعة في المسجد عيناً سمع النداء أو لم يسمع، والحديث إنما يدل على وجوب الجماعة عيناً على من سمع النداء فقط لا مطلقاً، وهو أخص من الدعوى، فلا يتم التقريب. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً النسائي والبيهقي وغيرهما. ١٠٦٢- قوله: (وعن ابن عمر أنه أذن) عبارة البخاري هنا عن نافع أن ابن عمر أذن، وفي باب الأذان للبخاري أيضاً قال: (أي نافع) أذن ابن عمر، وهذا صريح في أن أذن على صيغة المعروف. (في ليلة ذات برد) بسكون الراء. (وريح) وكان ابن عمر إذ ذاك مسافراً فأذن في ليلة باردة بضجنان كما في رواية للبخاري، وهو

стр. 1407

ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ــ بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم وبينونين بينهما ألف على وزن فعلان، غير منصرف. قال الزمخشري في الفائق: جبل بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلاً. (ثم قال) أي ابن عمر بعد فراغ الأذان. (ألا) بتخفيف اللام التنبيه (صلوا) بصيغة الأمر. (في الرحال) بكسر الراء بعدها حاء مهملة جمع رحل، وهو مسكن الرجل وما فيه من أثاثه، أي صلوا في منازلكم. (كان يأمر المؤذن إذا كانت) أي وقعت. (ليلة) بالرفع. (ذات برد) صفتها والمراد البرد الشديد. (ومطر) أي كثير، وفي رواية للبخاري: في الليلة الباردة أو المطيرة أي الماطرة. وفي صحيح أبي عوانة: ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح. وقوله أو ليس للشك، بل للتنويع، وفيه رد على من قال إن ابن عمر قاس الريح على المطر بجامع المشقة العامة؛ لأنه نص فيه على الريح، وفيه أيضاً أن كل واحد من البرد والمطر والريح عذر بانفراده في التأخر عن الجماعة، وبه قال الجمهور. ونقل ابن بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية والمالكية والحنفية أن الريح عذر في الليل فقط، وأما المطر والبرد فقالوا إن كلا منهما عذر في الليل والنهار كليهما. وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، لكن في سنن أبي داود من طريق ابن إسحاق عن نافع في هذا الحديث: في الليلة والغداة القرة، وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه أنهم مطروا يوماً (أي يوم حنين) فرخص لهم، وكذا في حديث ابن عباس عند الشيخين أنه قال لمؤذنه في يوم مطير ... الحديث، قال الحافظ: ولم أر في شيء من الأحاديث الترخص بعذر الريح في النهار صريحاً لكن القياس يقتضى إلحاقه- انتهى. (يقول) أي بعد الفراغ من الأذان، ففي رواية للبخاري: كان يأمر مؤذناً يؤذن ثم يقول على أثره يعني أثر الأذان، فإنه صريح في أن قوله: ألا صلوا في الرحال. كان بعد فراغ الأذان. فإن قلت: في حديث ابن عباس عند الشيخين: فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة فأمره أن ينادي الصلاة في الرحال. وقال: فعل هذا من هو خير منه، وهو يقتضي أن ذلك يقال بدلاً عن الحيعلتين، وظاهر الحديث أنه يقال بعد الفراغ من الأذان، فما الجمع بينهما. أجيب بأن الأمرين جائزان، لأمره ﷺ بكل منهما لكن بعده أحسن لئلا ينخرم نظام الأذان، وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر أخرجه عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح، عن نعيم بن النحام قال: أذن مؤذن النبي ﷺ للصبح في ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قعد فلا حرج، فلما قال: الصلاة خير من النوم قالها، ولا منافاة بين الجمع بينهما، سواء زيد في أثناء الأذان بعد الحيعلتين أو زيد بعد فراغه؛ لأنه يمكن أن يقال أن المراد من قوله: الصلاة في الرحال الرخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى حي على صلاة أي هلموا إليها الندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولو بحمل المشقة. وفي حديث جابر عند مسلم ما يؤيد

стр. 1408

ألا صلوا في الرحال)) متفق عليه. ١٠٦٣- (٥) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة ــ ذلك ولفظه: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فمطرنا فقال ليصل من شاء منكم في رحله، وقد تبين بقوله: من شاء أن أمره ﵇ بقوله: ألا صلوا في الرحال، ليس أمر عزيمة، حتى لا يشرع له الخروج إلى الجماعة، وإنما هو راجع إلى مشيتهم، فمن شاء صلى في رحله، ومن شاء خرج إلى الجماعة. (ألا صلوا) أمر إباحة كما تقدم آنفاً. (في الرحال) العذر، والصلاة في الرحال أعم من أن تكون جماعة أو منفردة، لكنها مظنة الانفراد، والمقصود الأصلي في الجماعة إيقاعها في المسجد، وزاد البخاري في رواية: في السفر، قال الحافظ: ظاهره اختصاص ذلك بالسفر، ورواية مالك عن نافع الآتية يعني رواية الباب مطلقة، وبها أخذ الجمهور، لكن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقاً، ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضر دون من لا تلحقه- انتهى. قلت: في سنن أبي داود من طريق محمد بن إسحاق عن نافع في هذا الحديث: في المدينة في الليلة المطيرة والغداة القرة، فصرح بأن ذلك في المدينة ليس في سفر، لكن ابن إسحاق رواه عن نافع بالعنعنة، وهو مدلس، وقد خالفه الثقات، فإنهم قالوا فيه: في السفر. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي، وفي الباب عن ابن عباس، وقد تقدم لفظه، وعن سمرة أخرجه أحمد وعن أبي المليح عن أبيه، وعن جابر وتقدم لفظهما، وعن عبد الرحمن بن سمرة أخرجه الحاكم وعبد الله بن أحمد، قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده وأكبر علمي أنى قد سمعته منه ثنا على بن عبد الله الخ (ج٥ ص٦٢) وعن نعيم بن النحام، وعن عمرو بن أوس عن صحابي لم يسم أخرج حديثهما أحمد. ١٠٦٣- قوله: (إذا وضع) بصيغة المجهول. (عشاء أحدكم) بفتح العين في الموضعين، طعام آخر النهار، ويفهم منه أن تقديم الطعام إذا وضع بين يدي الآكل، لا إذا وجده مطبوخاً أو مغروفاً في الأوعية، ويدل عليه أيضاً ما في حديث أنس عند البخاري: إذا قدم العشاء، ولمسلم: إذا قرب العشاء، وعلى هذا فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء، ولكنه لم يقرب للأكل كما لو لم يقرب. (وأقيمت الصلاة) قيل: الألف واللام للعهد، والمراد بالصلاة المغرب، لقوله: فابدؤوا بالعشاء، ولقوله في حديث أنس عند البخاري: فابدوؤا به قبل أن تصلوا المغرب. وفي رواية ابن حبان والطبراني: إذا وضع العشاء وأحدكم صائم. وقيل: اللام لتعريف الماهية، والمراد حقيقة الصلاة. قال الفاكهاني: ينبغي حمله على العموم نظراً إلى العلة، وهي التشويش المفضي إلى ترك الخشوع، وذكر المغرب لا يقتضي الحصر فيها؛ لأن الجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصائم- انتهى. قال الحافظ بعد ذكر

стр. 1409

فابدؤوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه، وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، ــ هذين القولين: وحمله على العموم نظراً إلى العلة، إلحاقاً للجائع بالصائم وللغداء بالعشاء، لا بالنظر إلى اللفظ الوارد- انتهى. قلت: حديث عائشة الآتي يؤيد العموم. (فابدؤوا بالعشاء) أي بأكله، واختلفوا في هذا الأمر، فالجمهور على أنه للندب. وقيل: للوجوب، وبه قالت الظاهرية. واستدل الجمهور بفعله ﵇ من كونه ألقى الكتف أثناء أكله منها حين دعي إلى الصلاة. أخرجه البخاري من حديث عمرو بن أمية؛ لأنه لو كان تقديم الأكل واجباً لما قام إلى الصلاة. وتعقب بأنه يحتمل أن يكون اتفق في تلك الحالة أنه قضى حاجته من الأكل فلا تتم الدلالة به، ثم اختلف الجمهور، فمنهم من قيده بمن إذا كان محتاجاً إلى الأكل شديد التوقان إليه، وهو المشهور عن الشافعية، وزاد الغزالي ما إذا خشي فساد المأكول. ومنهم من قيده بما إذا كان الطعام خفيفاً أو مما يؤتى عليه مرة واحدة كالسويق واللبن، وإلا يبدأ بالصلاة، نقله ابن المنذر عن مالك. ومنهم من لم يقيده، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق، وعليه يدل فعل ابن عمر الآتي. وأفرط ابن حزم وقال: تبطل الصلاة. والراجح عندي ما قاله أحمد ومن وافقه، فيستحب تقديم العشاء مطلقاً أي سواء كان محتاجاً إليه أم لا، وسواء كان خفيفاً أم لا، وسواء خشي فساد المأكول أم لا. واستدل بعض الشافعية والحنابلة بقوله: فابدؤوا، على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل، وأما من شرع فيه ثم أقيمت الصلاة فلا يتمادى بل يقوم إلى الصلاة، لكن صنيع ابن عمر يبطل ذلك. قال النووي: وهو الصواب. وتعقب بأن صنيع ابن عمر اختيار له، وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه؛ لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما يدفع به شغل البال، ويؤيد ذلك حديث عمرو بن أمية الذي أشرنا إليه، نعم ينبغي أن يدار الحكم مع العلة وجوداً أو عدماً، ولا يتقيد بكل ولا بعض. (ولا يعجل) أي أحدكم إلى الصلاة. (حتى يفرغ منه) أي من أكل العشاء. قال الطيبي: أفرد قوله: "يعجل" نظراً إلى لفظ "أحد" وجمع قوله "فابدؤوا" نظراً إلى لفظ "كم". قال: والمعنى إذا وضع عشاء أحدكم فابدؤوا أنتم بالعشاء، ولا يعجل هو حتى يفرغ معكم منه- انتهى. وأجاب البرماوي بأن النكرة في الشرط تعم فيحتمل أن الجمع لأجل عموم أحد- انتهى. وقال القاري: الظاهر أن الخطاب بالجمع لإفادة عموم الحكم، وأنه غير مختص بأحد دون أحد، أو المراد به الموافقة معه، ثم أداء الصلاة جماعة، لينال الفضيلة. والحديث دليل على أن تقريب الطعام ووضعه بين يدي الآكل من أعذار ترك الجماعة. (وكان ابن عمر) هو موصول عطفاً على المرفوع السابق، مقولة نافع. (يوضع له الطعام) هو أعم من العشاء. (وتقام الصلاة) أي جماعة مغرباً أو غيرها، لكن رواه البيهقي والسراج بسندهما عن نافع بلفظ: وكان ابن عمر إذا حضر عشاءه. ورواه ابن حبان بسنده عن نافع أن ابن عمر كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس، وكان أحياناً يلقاه وهو صائم، فيقدم له عشاءه وقد نودي للصلاة، ثم تقام وهو يسمع، فلا يترك عشاءه ولا يعجل

стр. 1410

فلا يأتيها حتى يفرغ منه، وإنه ليسمع قراءة الإمام)) متفق عليه. ١٠٦٤- (٦) وعن عائشة، ﵂، أنها قالت: ((سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا ــ حتى يقضي عشاءه ثم يخرج فيصلي. (فلا يأتيها) أي الصلاة في المسجد. (حتى يفرغ منه) أي من أكله. وليس في صحيح البخاري لفظ "منه". (وأنه) الواو للحال. (ليسمع) بلام التأكيد. (قراءة الإمام) أي من قربه من المسجد. واستنبط من الحديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله لما فيه من ذهاب كمال الخشوع. قال النووي: ويلتحق به ما في معناه مما يشغل القلب، وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز التأخير. وحكى المتولي وجهاً أنه يبدأ بالأكل وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته - انتهى. وهذا إنما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثم فيه نظر؛ لأن المفسدتين إذا تعارضتا اختصر على أخفها، وخروج الوقت أشد من ترك الخشوع، بدليل صلاة الخوف وغير ذلك، وإذا صلى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة، وتستحب الإعادة عند الجمهور. واستدل به القرطبي على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب؛ لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل وإن فاتته الصلاة بالجماعة. وفيه نظر؛ لأن بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبان جعل حضور الطعام عذراً في ترك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذٍ على إسقاط الوجوب مطلقاً. وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت، فإنهما لما تزاحما قدم الشارع الوسيلة إلى حضور القلب على أداء الصلاة في أول الوقت. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والترمذي وابن ماجه والبيهقي، وليس في حديث مسلم القسم الموقوف على ابن عمر من فعله، بل هو عند البخاري فقط، وأخرج نحوه الترمذي وأبوداود وابن ماجه، وفي الباب عن عائشة وأنس عند الشيخين وعن أم سلمة عند أحمد وأبي يعلي والطبراني وعن سلمة بن الأكوع وابن عباس وأنس عند الطبراني. ١٠٦٤- قوله: (لا صلاة) أي كاملة، وقيل: هو نفي بمعنى نهي، ويؤيده رواية أبي داود: لا يصلي الرجل بحضرة الطعام. (بحضرة الطعام) وفي بعض النسخ "بحضرة طعام" كما في صحيح مسلم، أي بحضور طعام بين يدي من يريد أكله، وفيه دليل على أن حمل الصلاة في قوله: أقيمت الصلاة، في الحديث السابق على العموم أولى؛ لأن لفظ صلاة في هذا الحديث نكرة في سياق النفي، ولا شك أنها من صيغ العموم، ولأن لفظ الطعام مطلق غير مقيد بالعشاء، فالظاهر أن ذكر المغرب في حديث أنس من التنصيص على بعض أفراد العام وليس بتخصيص. (ولا) أي ولا

стр. 1411

هو يدافعه الأخبثان)) رواه مسلم. ١٠٦٥- (٧) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة ــ صلاة كاملة حاصلة. (هو يدافعه) ضمير "هو" مبتدأ خبره "يدافعه" والجملة وقعت حالاً بلا واو، وفي بعض النسخ: ولا وهو يدافعه، بالواو، كما في صحيح مسلم. (الأخبثان) وفي رواية أحمد والبيهقي: ولا وهو يدافع الأخبثين أي البول والغائط، ويلحق بهما ما كان في معناهما مما يشغل القلب، ويذهب كمال الخشوع، كالريح والقيء. قال الطيبي: أي ولا صلاة حاصلة للمصلي في حال يدافعه الأخبثان عنها، فاسم "لا" الثانية وخبرها محذوفان، وقوله: هو يدافعه الأخبثان، حال، ويؤيده رواية ابن حبان بلفظ: لا يصلي أحدكم وهو يدافع الأخبثين، وقيل في رواية الكتاب حذف تقديره: ولا صلاة حين هو يدافعه الأخبثان فيها، والمدافعة إما على حقيقتها، يعني الرجل يدفع الأخبثين حتى يؤدي الصلاة، والأخبثان يدفعانه عن الصلاة، وإما بمعنى الدفع مبالغة، وهذا مع المدافعة، وأما إذا كان يجد في نفسه ثقل ذلك، وليس هناك مدافعة فلا نهي عن الصلاة معه ومع المدافعة فهي مكروهة، قيل: تنزيهاً لنقصان الخشوع، فلو خشي خروج الوقت إن قدم التبرز وإخراج الأخبثين قدم الصلاة، وهي صحيحة مكروهة، ويستحب إعادتها. ولا تجب عند الجمهور، كما قال النووي: وعن الظاهرية أنها باطلة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والبيهقي. ١٠٦٥- قوله: (إذا أقيمت الصلاة) المراد بإقامة الصلاة الإقامة التي يقولها المؤذن عند إرادة الصلاة، وهو المعنى المتعارف. قال العراقي: وهو المتبادر إلى الأذهان من هذا الحديث، والأحاديث التي نذكرها في شرح الحديث تعين ذلك المعنى كما سيأتي. ثم المراد بإقامة المؤذن هو شروعه في الإقامة ليتهيأ المأمومون لإدراك التحريم مع الإمام. ومما يدل على ذلك رواية ابن حبان بلفظ: إذا أخذ المؤذن في الإقامة، وحديث أبي موسى عند الطبراني في الكبير والأوسط أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي ركعتي الغداة حين أخذ المؤذن يقيم، فغمز النبي ﷺ منكبه وقال: إلا كان هذا قبل هذا. قال: العراقي: إسناده جيد. وقال الهيثمي: رجاله موثقون. ويدل عليه أيضاً حديث ابن عباس قال: كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي ﷺ وقال: أتصلي الصبح أربعاً. أخرجه أبوداود الطيالسي والبيهقي والبزار وأبويعلي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، والطبراني في الكبير قال الهيثمي: رجاله ثقات. (فلا صلاة) يحتمل أن يتوجه النفي إلى الصحة أو إلى الكمال، والظاهر توجيهه إلى الصحة؛ لأنها أقرب المجازين إلى الحقيقة، ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهي، مثل قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جداًل في الحج﴾ [٢: ١٩٧] أي فلا تصلوا حينئذٍ،

стр. 1412

إلا المكتوبة)) . ــ ويؤيده ما رواه البخاري في تاريخه والبزار وغيرهما عن أنس قال: خرج رسول الله ﷺ حين أقيمت الصلاة فرأى ناساً يصلون ركعتي الفجر فقال: صلاتان معاً؟ ونهى أن تصليا إذا أقيمت الصلاة، وهو من رواية شريك ابن عبد الله بن أبي نمر عنه، واختلف عليه في وصله وإرساله، والنهي المذكور للتحريم؛ لأنه أصل فيه. (إلا المكتوبة) أي تلك الصلاة المفروضة، فالألف واللام ليست لعموم المكتوبات وإنما هي راجعة إلى الصلاة التي أقيمت، وقد ورد التصريح بذلك في رواية لأحمد والطحاوي بلفظ: فلا صلاة إلا التي أقيمت، والمعنى: إذا شرع المؤذن في الإقامة للصلاة التي لم تؤدوها فلا تصلوا حينئذٍ إلا التي أقيمت لها، فالنهي متوجه إلى الاشتغال بصلاة غير تلك المكتوبة لمن عليه تلك المكتوبة، وأما الشروع خلف الإمام في النافلة لمن أدى المكتوبة قبل ذلك فلا يشمله النهي؛ لأن المأمور بهذا الحكم ليس إلا من عليه تلك المكتوبة، كما هو ظاهر السياق. والحديث فيه دليل على أن الاشتغال بالرواتب وغيرها وقت إقامة الصلاة أو بعد الإقامة والإمام في الصلاة التي أقيمت لها ممنوع، سواء كانت الراتبة سنة الصبح أو غيرها، وسواء كان في المسجد في زاوية منه أو إلى أسطوانة أو في الصف أو خلفه أو كان خارج المسجد في مكان عند بابه. قال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٧٤) : في هذا بيان أنه ممنوع من ركعتي الفجر ومن غيرها من الصلوات إلا المكتوبة. وقال النووي في شرح مسلم (ج١: ص٢٤٧) : فيه النهي الصريح عن افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة، سواء كانت راتبة كسنة الصبح والظهر والعصر، أو غيرها - انتهى. وقال الحافظ في الفتح (ج٣: ص٣٦٨) : فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة، سواء كانت راتبة أم لا؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة. وزاد مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار في هذا الحديث "قيل يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر، قال ولا ركعتي الفجر" أخرجه ابن عدي في ترجمة يحي بن نصر ابن حاجب، وإسناده حسن - انتهى. قلت: وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٢: ص٤٨٣) وأما ما يذكر من زيادة الاستثناء في آخر الحديث بلفظ: إلا ركعتي الفجر فلا أصل لها، كما صرح به البيهقي. وقال الشوكاني في النيل (ج٢: ص٣٣٠) : الحديث يدل على أنه لا يجوز الشروع في النافلة عند إقامة الصلاة. من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما - انتهى. قال النووي: والحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقيب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام، وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها. واختلف العلماء فيمن لم يصل ركعتي الفجر، وقد أقيمت الصلاة: فذهب أهل الظاهر إلى أنه إذا سمع الإقامة لم يحل له الدخول في ركعتي الفجر ولا غيرهما من النوافل سواء كان في المسجد أو خارجه، فإن فعل فقد عصي. قال الشوكاني: وهو قول أهل الظاهر ونقله ابن حزم عن الشافعي وعن جمهور السلف. وحكى القرطبي في المفهم عن أبي هريرة

стр. 1413

وأهل الظاهر أنها لا تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة الفريضة. قال الخطابي: روي عن عمر بن الخطاب أنه كان يضرب الرجل إذا رأه يصلي الركعتين والإمام في الصلاة. وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود: قال أبوهريرة بظاهره، وروي عن عمر أنه كان يضرب على صلاة الركعتين بعد الإقامة، وذهب إليه بعض الظاهرية، ورأوا أنه يقطع صلاته إذا أقيمت عليه الصلاة، وكلهم يقولون: لا يبتدىء نافلة بعد الإقامة لنهيه ﷺ . قال الشوكاني بعد ذكر ما ذهب إليه أهل الظاهر من عدم جواز الدخول في النافلة بعد سماع الإقامة سواء كان في المسجد أو خارجه هذا القول هو الظاهر. وقال شيخنا في شرح الترمذي: هو القول الراجح المعول عليه، وذهب الشافعي وأحمد إلى أن ذلك مكروه. قال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٤٧) : روي الكراهية في ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة، وكره ذلك سعيد بن جبير وابن سيرين وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعطاء، وإليه ذهب الشافعي وأحمد - انتهى. وقال ابن رشد في البداية: وقال الشافعي إذا أقيمت الصلاة فلا يركعهما أصلاً لا داخل المسجد ولا خارجه. وقال ابن قدامة في المغني: إذا أقيمت الصلاة فلا يشغل بالنافلة، سواء خاف فوت الركعة أو لم يخف، وبه قال الشافعي - انتهى. قلت: الظاهر أن الشافعي وأحمد وافقا أهل الظاهر في عدم الجواز، هذا وقد ظهر من أقوالهم المذكورة أنهم متفقون على حمل الحديث على عمومه، وأنه غير مقصور على المسجد. فعلة النهي ومناط الكراهة ومثار المنع عندهم هو أداء السنة حال إقامة الصلاة، والاشتغال بالنافلة عن الفريضة، وقد تقدم ذلك في كلام النووي. وهذا هو الحق عندي، فإن هذه العلة قد جاءت منصوصة في بعض الروايات كحديث أنس عند البزار وغيره قال: خرج رسول الله ﷺ حين أقيمت الصلاة، فرأى ناساً يصلون ركعتي الفجر، فقال صلاتان معاً؟ نهى أن تصليا إذا أقيمت الصلاة، وكحديث أبي موسى الأشعري عند الطبراني في الكبير: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي ركعتي الغداة حين أخذ المؤذن يقيم، فغمز النبي ﷺ منكبه، وقال: ألا كان هذا قبل هذا، وكحديث ابن عباس عند أبي داود الطيالسي وغيره قال: كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي ﷺ فقال: أتصلي أربعا؟ ويدل عليه أيضاً تصديره بقوله: إذا أقيمت الصلاة، وقوله في رواية لأحمد: لا صلاة بعد الإقامة إلا المكتوبة، فهذه الروايات كلها نصوص صريحة في أن مناط النهي هو الاشتغال بالنافلة بعد الإقامة لا غير، وهي تدفع التأويلات الواهية الفاسدة الآتية التي تكلف لها الطحاوي وغيره من الحنفية، وذهب مالك إلى أنه إذا كان قد دخل المسجد ليصليهما فأقيمت الصلاة فليدخل مع الإمام في الصلاة ولا يركعهما في المسجد، وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف أن يفوته الإمام بركعة فليركعهما خارج المسجد، وإن خاف فوات الركعة الأولى فليدخل مع الإمام وقال أبوحنيفة: إن خشي فوت الركعتين معاً، وأنه

стр. 1414

لا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإلا فليركعهما يعني ركعتي الفجر خارج المسجد ثم يدخل مع الإمام، فوافق أبوحنيفة مالكاً في الفرق بين أن يدخل المسجد أو لا يدخله، وخالفه في الحد في ذلك، فقال: يركعهما خارج المسجد ما ظن أنه يدرك ركعة من الصبح مع الإمام، قال صاحب فيض الباري: هذا أي صلاتهما خارج المسجد بشرط إدراك ركعة هو المذهب. (أي مذهب أبي حنيفة) عندي، كما في الجامع الصغير والبدائع، واختاره صاحب الهداية، وصرحوا به في باب إدراك الفريضة، وصرح به علماء المذاهب الأخرى كالقسطلاني. (والخطابي) من الشافعية وابن رشد والباجي من المالكية، ولا رواية عنه في داخل المسجد - انتهى. قال ابن رشد: وإنما اختلف مالك وأبوحنيفة في القدر الذي يراعى من فوات صلاة الفريضة لاختلافهم في القدر الذي يفوت به فضل الجماعة، إذ فضل الجماعة عندهم أفضل من ركعتي الفجر، فمن رأى أنه يفوت بفوات ركعة قال يتشاغل بهما ما لم تفته ركعة من المفروضة، ومن رأى أنه يدرك الفضل بإدراك ركعة من الصلاة لقوله ﵊: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، قال: يتشاغل بهما ما ظن أنه يدرك ركعة منهما، ومالك وإنما يحمل هذا على من فاتته الصلاة دون قصد منه - انتهى. وقد ظهر من مذهبهما أنهما قصرا حكم الحديث على المسجد ولم يحملاه على عمومه. وهذا يدل على أن مناط النهي عندهما هو كونه مصلياً في المسجد غير المكتوبة التي أقيمت لها؛ لأن فيه المخالفة على الإمام. قال في الهداية: التقييد بالأداء عند باب المسجد يدل على الكراهة في المسجد إذا كان الإمام في الصلاة. قال ابن الهمام:؛ لأنه يشبه المخالفة للجماعة والانتباذ عنهم، فينبغي أن لا يصلي في المسجد إذا لم يكن عند باب المسجد مكان؛ لأن ترك المكروه مقدم على فعل السنة - انتهى. وقال ابن رشد: من قصر ذلك على المسجد فالعلة عنده أنما هو أن تكون صلاتان معاً في موضع واحد لمكان الاختلاف على الإمام - انتهى. واختصاص الحكم بالمسجد هو الذي فهمه ابن عمر، فقد قال الحافظ في الفتح: قد فهم ابن عمر اختصاص المنع بمن يكون في المسجد لا خارجاً عنه فصح عنه أنه كان يحصب من ينتفل في المسجد بعد الشروع في الإقامة، وصح عنه أنه قصد المسجد فسمع الإقامة فصلى ركعتي الفجر في بيت حفصة ثم دخل المسجد فصلى مع الإمام. ويؤيده ما روى عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة لمن دخل المسجد والإمام قائم يصلي فلا ينفرد وحده بصلاة ولكن يدخل مع الإمام في الصلاة. رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص٧٥) : وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي وهو ضعيف - انتهى. قلت: يحيى البابلتي هذا ابن امرأة الأوزاعي، ضعفه أبوزرعة وغيره. وقال ابن أبي حاتم: يأتي عن الثقات بأشياء معضلة بهم فيها فهو ساقط الاحتجاج فيما انفرد به. وقال أبوحاتم: لا يعتد به. وقال ابن عدي له أحاديث صالحة تفرد ببعضها، وأثر الضعف على حديثه بين، وقد أكثر عن الأوزاعي ولم يسمع منه شيئاً. وقال

стр. 1415

في التقريب في ترجمته: ضعيف، فحديث ابن عمر هذا ضعيف لا يصلح للاستدلال والتخصيص، والظاهر عندي أن الحديث موقوف من قول ابن عمر وفتياه، كما يدل عليه فعله، فوهم فيه يحيى البابلتي وجعله مرفوعاً من قول النبي ﷺ . وقوله ﷺ : إذا أقيمت الصلاة الخ مطلق غير مقيد بالمسجد بل هو عام للمسجد وغيره، فيجب حمله على عمومه ولا يجوز قصره على المسجد؛ لأن تخصيص النص بالرأي غير جائز ابتداء، فلا يخص إلا بدليل من الكتاب والسنة الصحيحة، ولا يجوز تخصيصه بقول أحد كائناً من كان، والحجة هي السنة دون فهم الصحابي وفعله أو قوله، وعلة النهي أنما هو الاشتغال بالنافلة عن الفريضة عند الإقامة أو بعدها وقد جاء ذلك مصرحاً في بعض الروايات، كما تقدم، ولا دخل للمسجد في العلية وأما ما قال ابن رشد في ذكر وجه الاختلاف بين مالك وأبي حنيفة في القدر الذي يراعي من فوات الفضيلة من أن أبا حنيفة قيد بإدراك الركعة؛ لأن فضل الجماعة إنما يحصل عنده بإدراك ركعة ففيه أن إدراك الفضل لا يتوقف عندهم على إدراك الركعة بل يحصل ذلك بإدراك التشهد أيضاً. قال الشامي (ج١: ص٦٧١) : المداد هنا على إدراك فضل الجماعة، وقد اتفقوا على إدراكه بإدراك التشهد، فيأتي بالسنة اتفاقاً أي لو رجا إدراك التشهد، كما أوضحه في الشرنبلالية أيضاً، وأقره في شرح المنية وشرح نظم الكنز وحاشية الدرر لنوح آفندي وشرحها للشيخ إسماعيل ونحوه في القهستاني، وجزم به الشارح في المواقيت - انتهى. قال صاحب الفيض: ثم وسع محمد (رح) في إدراك ركعة، وأجاز بهما عند إدراك القعدة أيضاً. ثم مشائخنا وسعوا بهما في المسجد أيضاً. (وحكاه النووي في شرح مسلم عن أبي حنيفة وأصحابه) ، وأظن أن أول من وسع بهما في المسجد هو الطحاوي فذهب إلى جوازهما في ناحية المسجد بشرط الفصل بينهما وبين المكتوبة حتى لا يعد واصلاً بينهما وبين المكتوبة، وهو مثار النهي عنده. ولعلك علمت أن القيدين الذين كان صاحب المذهب ذكرهما ارتفع أحدهما بتوسيع محمد، والآخر بتوسيع الطحاوي. أما أنا فأعمل بمذهب الإمام أبي حنيفة، وقد أفتى به الناس - انتهى. قلت: مناط النهي وعلته عند الطحاوي هو اختلاط الفرض والنفل، ومخالطة الصف، وعدم الفصل بين النافلة والفريضة في المكان، فقد قال في تأويل حديث أبي هريرة أنه قد يجوز أن يكون أراد بهذا النهي عن أن يصلى غيرها في موطنها الذي فيه، فيكون مصليها قد وصلها بتطوع فيكون النهي من أجل ذلك لا من أجل أن يصلى في آخر المسجد، ثم يتنحى الذي يصليها من ذلك المكان، فيخالط الصفوف ويدخل في الفريضة - انتهى. واستدل لذلك بما رواه هو وأحمد (ج٥: ص٣٤٥) عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن عبد الله بن مالك بن بحينة أن رسول الله ﷺ مر بعبد الله بن مالك بن بحينة وهو منتصب يصلي ثمة بين يدي نداء الصبح فقال: لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها، واجعلوا بينهما

стр. 1416

فصلاً. قال الطحاوي: فبيّن هذا الحديث أن الذي كرهه رسول الله ﷺ لابن بحينة هو وصله إياها بالفريضة في مكان واحد لم يفصل بينهما بشيء، وليس لأنه كره له أن يصليهما في المسجد إذا كان فرغ منها تقدم إلى لصفوف فصلى الفريضة مع الناس - انتهى. قلت: تأويل الطحاوي هذا ضعيف جداً بل باطل والاستدلال له بحديث محمد بن عبد الرحمن أبطل، فإنه لو كان المراد بالفصل فيه الفصل بالمكان أي بالتقدم أو التأخر للزم أن يكون ذلك الفصل مطلوباً في الظهر، ويجوز أداء سنة الظهر متصلاً بالفرض مخالطاً للصف من غير فصل بالتقدم، ولا يقول به أحد على أنه لا دليل على ما ذكر في حد الفصل بالمكان بأن يصلي في مؤخر المسجد ثم يمشي إلى أول المسجد ومقدمه ويخالط الصف فيدخل في الفريضة، فإن الفصل بين النفل والفرض بالمكان قد يحصل بالتقدم بخطوة بل بالكلام أيضاً، فلو صلى أحد ركعتي الفجر قريباً من الصف أو مخالطاً له ودخل في الفريضة بعد أن مشى خطوة فقد صدق عليه أنه جعل الفصل بين النفل والفرض بالمكان، فيلزم أن يكون هذا جائزاً عند من يقول بالفصل بالمكان. والحاصل أن جعل الصلاة في مؤخر المسجد ثم مشيه إلى مقدم المسجد والصف حدا للفصل بالمكان لا أثارة عليه من علم، وكذا لا دليل على كون علة النهي اختلاط الصلاتين ومخالطة الصفوف بل علة النهي هو أداء السنة حال إقامة الصلاة كما تقدم، وإذا عرفت هذا فاعلم أن المراد بالفصل في حديث محمد بن عبد الرحمن هو الفصل بالزمان لا غير، والمعنى: اجعلوا بين سنة الفجر وفرضه فصلاً أي بالزمان بأن تصلوها قبل الإقامة لا عندها ليحصل الفصل بين السنة والفرض، وهذا الفصل مطلوب في جميع المكتوبات، وإنما خص الفجر بالذكر؛ لأن هذه القصة وقعت عند الفجر، فإن ابن بحينة صلى ركعتي الفجر، حال إقامة الصلاة فأمره بالفصل ليجتنب فيما بعد عن التنفل حال الإقامة وبعدها، وهذا مشترك بين الفجر وغيره من المكتوبات، وليؤدي بعض المستحبات التابعة لسنة الفجر، كالاضطجاع على الشق الأيمن، فكأنه أمره بالفصل ليمكن له الاضطجاع بعد سنة الفجر قبل الإقامة، فإن حال الإقامة لا يمكنه الإتيان بهذا المستحب؛ لأن بعد إتمام السنة يدخل في الفريضة ولا يشتغل بأداء المستحب، وهذا مختص بصلاة الفجر. وأما قوله ﷺ : لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها أي فإن سنة الظهر قد تؤدي في المسجد بخلاف سنة الفجر، أو فإنها لا يشرع الاضطجاع بعدها بخلاف ركعتي الفجر، ولا يحصل هذا إلا إذا فصل بين ركعتي الفجر وفرضه بالزمان، وبذلك تنتفي المشابهة بين سنة الظهر وسنة الفجر، أو فإنه يجوز أداء سنة الظهر بحيث يفرغ منها متصلاً بالإقامة لفرضه من غير فصل أي بدون تقدم بالزمان والدليل على أن المراد بالفصل الفصل بالزمان ما ورد في بعض الأحاديث من علة النهي منصوصاً، وهي أداء السنة وقت إقامة الصلاة أو بعدها كما تقدم من حديث أبي موسى الأشعري وابن عباس وأنس بن مالك. ويدل على ذلك أيضاً ما روى مسلم وأبوداود والنسائي

стр. 1417

وابن ماجه، واللفظ لمسلم من حديث عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ في صلاة الغداة فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع رسول الله ﷺ فلما سلم رسول الله ﷺ قال: يا فلان! بأي الصلاتين اعتددت أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟ وأخرجه الطحاوي عنه بلفظ: أن رجلاً جاء ورسول الله ﷺ في صلاة الصبح، فركع ركعتين خلف الناس، ثم دخل مع النبي ﷺ في صلاة- الحديث. قال البيهقي في المعرفة بعد روايته: ما لفظه رواه مسلم في الصحيح عن زهير بن حرب عن مروان بن معاوية، ورواه عبد الواحد بن زياد عن عاصم، وقال: يصلي ركعتين قبل أن يصل إلى الصف. وهذا يرد قول من زعم أنه إنما أنكره لإيصاله بالصفوف في حال اشتغاله بالركعتين، أو لأنه لم يجعل بين النفل والفرض فصلاً بتقدم أو تكلم؛ لأن هذا قد أخبر بأنه صلاهما في جانب المسجد قبل أن يصل إلى الصف، ثم دخل مع النبي ﷺ انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج١ ص٢٧٤) : في هذا دليل على أنه إذا صادف الإمام في الفريضة لم يشتغل بركعتي الفجر وتركهما إلى أن يقضيهما بعد الصلاة. وقوله: أيتهما صلاتك. (في رواية أبي داود) مسألة إنكار يريد بذلك تبكيته على فعله وفيه دلالة على أنه يجوز له أن يفعل ذلك وإن كان الوقت يتسع للفراغ منهما قبل خروج الإمام من صلاته؛ لأن قوله: أو التي صليت معنا يدل على أنه قد أدرك الصلاة مع رسول الله ﷺ بعد فراغه من الركعتين- انتهى. وقال النووي في شرح مسلم (ج١ ص٢٤٧) : فيه دليل على أنه لا يصلي بعد الإقامة نافلة وإن كان يدرك الصلاة مع الإمام، ورد على من قال: إن علم أنه يدرك الركعة الأولى والثانية يصلي النافلة، وقال ابن عبد البر كل هذا إنكار منه لذلك الفعل، فلا يجوز لأحد أن يصلي في المسجد شيئاً من النوافل إذا قامت المكتوبة، كذا في شرح الموطأ للزرقاني، وأما ما قال الطحاوي تحت ما رواه من حديث ابن سرجس أنه قد يجوز أن يكون قوله: كان خلف الناس أي كان خلف صفوفهم لا فصل بينه وبينهم فكان شبيه المخالط، وهذا مكروه عندنا، وإنما يجب أن يصليهما في مؤخر المسجد، ثم يمشي من ذلك المكان إلى أول المسجد، فأما أن يصليهما مخالطاً لمن يصلي الفريضة فلا، فهو مردود عليه؛ لأن المراد من خلف الناس هو جانب المسجد، كما جاء مصرحاً في رواية مسلم: فصلى ركعتين في جانب المسجد، فإنه صريح في أنه صلى في جانب من جوانب المسجد وزاوية من زواياه، والروايات يفسر بعضها بعضاً، ومع ذلك نهاه النبي ﷺ ، فعلم أن أداء السنة حال إقامة الصلاة والاشتغال بالنافلة عن الفرض، سواء كان في مقدم المسجد أو مؤخره ممنوع. قال شيخ سلام الله الدهلوي في المحلى شرح الموطأ وهو من العلماء الحنفية من أولاد الشيخ عبد الحق الدهلوي صاحب اللمعات: ومن الحنفية من قال إنما أنكر النبي ﷺ ؛ لأن

стр. 1418

الرجل صلاها في المسجد بلا حائل فشوش على المصلين، ويرده ما في مسلم عن ابن سرجس دخل رجل المسجد وهو ﷺ في صلاة الغداة فصلى ركعتين في جانب المسجد- الحديث. فإنه يدل على أن أداء الرجل كان في جانب لا مخالطاً للصف بلا حائل- انتهى ملخصاً. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد (ص٨٦) : وحمل الطحاوي هذه الأخبار. (أي أحاديث ابن سرجس وابن بحينة وغيرهما) على أنهم صلوا في الصفوف لا فصل بينهم وبين المصلين بالجماعة، فلذلك زجرهم النبي ﷺ ، لكنه حمل من غير دليل معتد به، بل سياق بعض الروايات يخالفه، وقال فيه أيضاً ذكر الطحاوي أن معنى قوله: فلا صلاة إلا المكتوبة النهي عن أداء التطوع في موضع الفرض، فإنه يلزم حينئذٍ الوصل، وبسط الكلام فيه، لكن لا يخفى على الماهر أن الظاهر الأخبار المرفوعة هو المنع- انتهى. فإن قلت قال ابن الملك والعيني وغيرهما من الحنفية: إن قوله ﵇: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ليس على عمومه، بل خصت منه سنة الفجر لقوله ﵇: لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل، أخرجه أبوداود، فيكره أداء السنن عند الإقامة إلا سنة الفجر فيجوز أداؤها، ويجمع بين الفضيلتين، يعني فضيلة ركعتي الفجر وفضيلة الجماعة. قلت: لا يجوز تخصيصها من عموم قوله: إذا أقيمت الصلاة الخ؛ لأنه ورد النهي الصريح في أداء سنة الفجر عند الإقامة من غير احتمال ولا تأويل كحديث عبد الله بن سرجس وأبي موسى الأشعري وابن عباس وأنس بن مالك، وقد ذكرنا ألفاظهم، وكحديث عبد الله مالك بن بحينة قال: مر النبي ﷺ برجل وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله ﷺ لاث به الناس فقال: أالصبح أربعا؟ أالصبح أربعا؟ أخرجه البخاري ونسلم وابن ماجه والدارمي والطحاوي. ولفظ مسلم في رواية: أتصلي الصبح أربعا؟ قال النووي: هو استفهام إنكار ومعناه أنه لا يشرع بعد الإقامة للصبح إلا الفريضة، فإذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة ثم صلى معهم الفريضة صار في معنى من صلى الصبح أربعاً؛ لأنه صلى بعد الإقامة أربعاً. وقال العيني: والمراد أن الصلاة الواجبة إذا أقيم لها لم يصل في زمانها غيرها من الصلاة فإنه إذا صلى ركعتين مثلاً بعد الإقامة نافلة لها ثم صلى معهم الفريضة صار في معنى من صلى الصبح أربعاً؛ لأنه صلى بعد الإقامة أربعاً- انتهى. فأحاديث هؤلاء الصحابة كما ترى صريحة في أنه ﷺ نهى عن ركعتي الفجر عند الإقامة، فلا يصح تخصيصهما من عموم حديث أبي هريرة، ومن يخصصهما بعد هذا النهي الصريح فهو معاند للسنة ومتعصب مفرط، وأما الجمع بين الفضيلتين يعني فضيلة ركعتي الفجر وفضيلة الجماعة فهو ممكن بأن يدخل في الجماعة وبعد الفراغ من الفجر يؤدي الركعتين، فإن تلك الساعة وقت لها في حقه. وأما ما يذكر عن ابن مسعود أنه صلى ركعتي الفجر إلى أسطوانة من المسجد ثم دخل في الصلاة، وعن أبي الدرداء أنه كان يصلي الركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل

стр. 1419

رواه مسلم. ــ مع القوم في الصلاة، وعن ابن عباس أنه صلى ركعتين في المسجد ثم دخل مع الإمام، وعن مسروق وأبي عثمان النهدي والحسن البصري مثل ذلك. ففيه ما قال العلامة العظيم آبادي في أعلام أهل العصر: إن في طبقة الصحابة إن كان ابن مسعود وأبوالدرداء يريان جواز فعلمها فعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وأبوهريرة وأبوموسى الأشعري وحذيفة لا يرون ذلك، أما عمر فيضرب الناس لأجلها، وابنه عبد الله يحصب على من يصلي، وأبوهريرة ينكر على ذلك، وأبوموسى وحذيفة دخلا في الصف ولم يركعا كما ركع ابن مسعود. وأما ابن عباس فقد تعارض بين روايته وفعله، والحجة في روايته دون فعله. وأما في طبقة التابعين ومن بعدهم من الأئمة فإن كان مسروق والحسن ومجاهد ومكحول وحماد بن أبي سليمان وأبوحنيفة النعمان يرون ذلك. فسعيد ابن جبير وابن سيرين وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعطاء والشافعي وأحمد وابن المبارك وإسحاق وجمهور المحدثين لا يرون ذلك. ولنعم ما قال ابن عبد البر: والحجة عند التنازع السنة، فمن أدلى بها فقد أفلح. وترك التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى إتباع السنة. فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره. وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن على قال: كان النبي ﷺ يصلي ركعتين عند الإقامة، فهو حديث ضعيف جداً لا تقوم بمثله الحجة، فيه الحارث الأعور وهو ضعيف، بل قد رمى بالكذب. واختلف فيمن شرع في النافلة قبل الإقامة هل يقطع الصلاة أم يتمها. قال المنذري: ذهب بعض الظاهرية إلى أنه يقطع صلاته إذا أقيمت عليه الصلاة. وقال الحافظ في الفتح: واستدل بعموم قوله: "فلا صلاة إلا المكتوبة" لمن قال يقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة، وبه قال أبوحامد وغيره من الشافعية، وخص آخرون النهي بمن ينشأ النافلة عملاً بعموم قوله تعالى: ﴿لا تبطلوا أعمالكم﴾ [٤٧: ٣٣] . وقال العراقي: قال الشيخ أبوحامد من الشافعية: إن الأفضل خروجه من النافلة إذا أداه إتمامها إلى فوت فضيلة التحريم. وهذا واضح- انتهى. قلت: الراجح عندي أن يقطع صلاته عند الإقامة. إن بقيت عليه ركعة، فإن أقل الصلاة ركعة، وقد قال ﷺ لا صلاة بعد الإقامة إلا المكتوبة، فلا يجوز له أن يصلي ركعة بعد الإقامة. وأما إذا أقيمت الصلاة وهو في السجدة أو في التشهد فلا بأس لو لم يقطعها وأتمها؛ لأنه لا يصدق عليه أنه صلى صلاة أي ركعة بعد الإقامة. وأما قوله تعالى: ﴿لا تبطلوا أعمالكم﴾ فقد سبق في توجيهه ما لا يخدش هذا الاستدلال، فتذكر. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والدارمي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والطحاوي والبيهقي كلهم من رواية عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. واختلف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه. وقيل: إن ذلك هو السبب في كون البخاري لم يخرجه، والمرفوع أصح؛ لأن الرفع زيادة ثقة، ولا يقدح عدم إخراج البخاري في صحيحه في رفعه وصحته، كما لا يخفى على المنصف غير

стр. 1420

١٠٦٦- (٨) وعن ابن عمر، قال: قال النبي ﷺ : ((إذا استأذنت إمرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها)) ــ المتعسف قال الطحاوي: أصل الحديث عن أبي هريرة أي من قوله لا عن النبي ﷺ ، هكذا رواه الحفاظ عن عمرو بن دينار حدثنا أبوبكرة ثنا أبوعمر الضرير أنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة بذلك ولم يرفعه، فصار أصل هذا الحديث عن أبي هريرة لا عن النبي ﷺ . قلت كلام الطحاوي هذا مبني على فرط تعصبه، جعل المرفوع موقوفاً حمية لمذهبه. والحديث رواه جمع من الحفاظ مثل ورقاء بن عمر وزكريا بن إسحاق وابن جريج وأيوب وزياد بن سعد وإسماعيل بن مسلم ومحمد بن جحادة وإسماعيل بن إبراهيم بن مجمع، كلهم عن عمرو بن دينار مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، ورواه بعض الحفاظ كحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة عن عمرو بن دينار موقوفاً على أبي هريرة، لكن ذكر البيهقي في المعرفة بعد روايته من طريق سعيد بن منصور عن سفيان موقوفاً إلا أنه (أي سعيد بن منصور) قال في آخره قلت لسفيان مرفوعاً؟ قال نعم. وأما حماد بن سلمة فاختلف عليه: فروى مسلم بن إبراهيم عند أبي داود والدارمي، وموسى بن إسماعيل عند البيهقي عن حماد بن سلمة مرفوعاً، وروى أبوعمر الضرير عنه عند الطحاوي موقوفاً. فقد ظهر من هذا أن أكثر الرواة رفعوه، ومن المعلوم أن الرفع مقدم على الوقف، وإن كان عدد الرافعين أقل، فكيف إذا كان أكثر، فالحديث لا يشك من له أدنى عقل وخبرة في أن أصله من النبي ﷺ لا عن أبي هريرة، ولذا اتفق الحفاظ كالترمذي والبيهقي والنووي وغيرهم على أن الحديث المرفوع أصح. وأما ما وقع في صحيح مسلم من أنه قال حماد بن زيد (الراوي عن أيوب عن عمرو بن دينار مرفوعاً) : ثم لقيت عمراً فحدثني به ولم يرفعه، فلا يقدح في صحة الحديث ورفعه؛ لأن غاية ما فيه أنه يدل على أن عمرو بن دينار كان لا يرفعه تارة ووقفه مرة أو مرتين، لا يخرج الحديث من أن يكون مرفوعاً في الأصل؛ لأن أكثر الرواة رفعوه، والرفع مقدم، وإن كان عدد الرفع أقل فكيف إذا كان أكثر. ١٠٦٦- قوله: (إذا استأذنت إمرأة أحدكم) أي زوجها في الذهاب. (إلى المسجد) أو ما في معناه كشهود العيد وعيادة المريض. (فلا يمنعها) بالجزم والرفع. وفي بعض النسخ: فلا يمنعنّها بالنون الثقيلة المؤكدة. وفي الصحيحين: فلا يمنعها بغير النون كما في الكتاب، وهو عام يشمل الليل والنهار، فما وقع في بعض طرق حديث ابن عمر عند الشيخين قوله: بالليل من ذكر فرد من أفراد العام فلا يخصص على الأصح في الأصول كحديث: دباغها طهورها في شاة ميمونة مع حديث: أيما إهاب دبغ فقد طهر. وقيل: خص الليل بالذكر لما فيه من الستر بالظلمة. وقيل: التقييد بالليل من مفهوم الموافقة؛ لأنه إذا أذن لهن بالليل مع أنه مظنة الريبة فالإذن بالنهار بطريق الأولى. ثم مقتضى هذا النهي أن منع المرأة من الخروج إلى المسجد إما مطلقاً في الأزمان كما في هذه الرواية

стр. 1421

أو مقيداً بالليل كما في بعض الروايات من حديث ابن عمر يكون محرماً على الزوج. وقال النووي: النهي محمول على كراهة التنزيه. قال البيهقي: وبه قال كافة العلماء. ومقتضى الحديث أن جواز الخروج يحتاج إلى إذن الزوج. وقال السندي: الحديث مقيد بما علم من الأحاديث الأخر من عدم استعمال طيب وزينة، فينبغي أن لا يأذن لها إلا إذا خرجت على الوجه الجائز، وينبغي للمرأة أن لا تخرج بذلك الوجه للصلاة في المسجد إلا على قلة لما علم أن صلاتها في البيت أفضل، نعم إذا أرادت الخروج بذلك الوجه فينبغي أن لا يمنعها الزوج. وقول الفقهاء بالمنع مبني على النظر في حال الزمان، لكن المقصود يحصل بما ذكرنا من التقييد المعلوم من الأحاديث، فلا حاجة إلى القول بالمنع- انتهى. وقال النووي: الحديث ظاهر في أنها لا تمنع المسجد لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث وهي أن لا تكون متطيبة ولا متزينة ولا ذات خلاخل يسمع صوتها ولا ثياب فاخرة ولا مختلطة بالرجال ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها. وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها- انتهى. وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث عام في النساء، إلا أن الفقهاء خصوه بشروط وحالات: منها أن لا تتطيب، قال ويلحق بالطيب ما في معناه، فإن الطيب إنما منع لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم، وربما يكون سبباً لتحريك شهوة المرأة أيضاً، فما أوجب هذا المعنى التحق به كحسن الملبس ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة، وكذا الاختلاط بالرجال. قال الحافظ: وفرّق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها. وفيه نظر إلا أن أخذ الخوف عليها من جهتها؛ لأنها إذا عريت مما ذكر وكانت مستترة حصل الأمن عليها، ولاسيما إذا كان ذلك بالليل. وقد ورد في بعض الأحاديث ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد. ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة- ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة، ومن ثم قالت عائشة ما قالت. (يشير بذلك إلى ما رواه الشيخان عن عمرة عن عائشة قالت: لو أن رسول الله ﷺ رأى من النساء ما أحدثن لمنعهن من المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل ... الحديث) . وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقاً. وفيه نظر إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم؛ لأنها علقته على شرط لم يوجد بناء على ظن ظنته فقالت: لو رأى لمنع، فيقال عليه لم يرد ولم يمنع، فاستمر الحكم حتى أن عائشة لم تصرح بالمنع وإن كان كلامها يشعر بأنها ترى المنع وأيضاً فقد علم الله سبحانه تعالى ما سيحدثن فما أوحى إلى نبيه بمنعهن. ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى. وأيضاً فالأحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن، فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت. والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإسارته ﷺ إلى ذلك بمنع التطيب

стр. 1422

متفق عليه. ١٠٦٧- (٩) وعن زينب إمرأة عبد الله بن مسعود، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : ((إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً)) ــ والزينة، وكذلك التقييد بالليل- انتهى كلام الحافظ مختصراً. قلت: حمل الحنفية الأحاديث الدالة على جواز خروج النساء إلى المساجد للجماعة على العجائز الغير المشتهاة، وقيدوها بالليل أي بصلاة الفجر والمغرب والعشاء، وأفتى المتأخرون منهم بمنع العجائز أيضاً كالشواب، وقالوا: خروج النساء للجماعة في زماننا مكروه لفساده، واحتجوا لذلك بأثر عائشة المذكور. وفيه أنه لا دليل على حمل أحاديث الباب على العجائز، بل يرده ويبطله عموم هذه الأحاديث وإطلاقها، وتعامل الصحابة بعده ﷺ . والقول بكراهة الخروج ومنعه مطلقاً أبطل وأبطل، وليس في أثر عائشة حجة لجواز منعهن المساجد كما سلف في كلام الحافظ أخذاً من المحلى لابن حزم. قال الشيخ أحمد محمد شاكر: الشريعة استقرت بموته ﷺ ، وليس لأحد أن يحدث بعده حكما يخالف ما ورد عنه أو علة استحسنها. وكما قال الشافعي في الرسالة: ومن وجب عليه إتباع سنة رسول الله ﷺ لم يكن خلافها، ولم يقم مقام أن ينسخ شيئاً منه- انتهى. والله سبحانه أنزل على عبده محمد ﷺ شريعة كاملة بينة، وهو سبحانه يعلم ما يكون فلو شاء أن يمنع النساء المساجد لما قالت عائشة لأوحى بذلك إلى رسوله، ولكنه أذن بخروجهن إلى المساجد، وحرم منعهن شهود الجماعة، ونهاهن عن التبرج وإظهار زينتهن، وكلا الأمرين واجب إتباعه لا يعارض أحدهما الآخر وعلى الناس الطاعة. (متفق عليه) للحديث عند الشيخين وغيرهما طرق وألفاظ، واللفظ المذكور "أحدها" لكن ليس في البخاري في الطريق الذي ذكر المصنف لفظه التقييد بالمسجد، وأخرجه باللفظ المذكور أحمد والنسائي والبيهقي أيضاً. ١٠٦٧- قوله: (وعن زينب إمرأة عبد الله بن مسعود) هي زينب بنت معاوية. وقيل: بنت أبي معاوية. وقيل: بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب بن الأسود الثقفية زوج ابن مسعود، صحابية، روت عن النبي ﷺ وعن زوجها عبد الله بن مسعود وعن عمر بن الخطاب، لها أحاديث اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث بحديث ومسلم بآخر، وروى عنها ابنها أبوعبيدة بن عبد الله بن مسعود وابن أخيها ولم يسم وعمرو بن الحارث بن ضرار وغيرهم. (إذا شهدت إحداكن المسجد) أي إذا أرادت شهود المسجد وحضوره. (فلا يمس) بالفتح بغير النون. (طيباً) بكسر الطاء أي لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم، ولذلك ورد في حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود: وليخرجن تفلات، وهو بفتح التاء وكسر الفاء أي غير متطيبات، ويقال: إمرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح، ولحديث زينب هذا طرق وألفاظ عند أحمد ومسلم والنسائي. وقد بسط السيوطي طرقه في تنوير الحوالك ولفظه

стр. 1423

رواه مسلم. ١٠٦٨- (١٠) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما إمرأة أصابت بخوراً، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)) رواه مسلم. ﴿الفصل الثاني﴾ ١٠٦٩- (١١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تمنعوا نسائكم المساجد، وبيوتهن خير لهن)) ــ في رواية لمسلم: إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة. قال النووي: معناه إذا أرادت شهودها، وأما من شهدتها ثم عادت إلى بيتها فلا تمنع من التطيب بعد ذلك- انتهى. ولعل التخصيص بالعشاء؛ لأن الخوف عليهن في الليل أكثر، ووقوع الفتنة فيه أقرب، أو لأن عادتهن استعمال الطيب في الليل لأزواجهن، والله تعالى أعلم. وفي الحديث دليل على أن الخروج من النساء إلى المساجد إنما يجوز إذا لم يصحب ذلك ما فيه فتنة كما تقدم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٦ ص٣٦٣) والنسائي في الزينة والبيهقي في الصلاة (ج٣ ص١٣٣) وأخرجه مالك بلاغاً عن بسر بن سعيد مرسلاً. ١٠٦٨- قوله: (أيما إمرأة أصابت بخوراً) بفتح الباء الموحدة وخفة الخاء المعجمة أخذ دخان المحروق. وقيل: هو ما يبتخر به ويتعطر كالسحور والفطور، والمراد هنا الرائحة الطيبة التي فاحت بإحراق البخور، ويلحق بالبخور ما في معناه من محركات الشهوة، وما كان ي تحريك الشهوة فوق البخور فهو داخل بالأولى. (فلا تشهد) بسكون الدال أي لا تحضر. (معنا العشاء الآخرة) ؛ لأنها وقت الظلمة، والعطر يهيج الشهوة فلا تأمن المرأة حينئذٍ من كمال الفتنة، فالتخصيص بالعشاء الآخرة لمزيد التأكيد، وقد تقدم أن مس الطيب يمنع المرأة من حضور المسجد مطلقاً. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود في الترجل والنسائي في الزينة والبيهقي في الصلاة كلهم من طريق عبد الله بن محمد أبي فروة عن يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبي هريرة، قال النسائي: لا أعلم أحداً تابع يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد على قوله عن أبي هريرة، وقد خالفه يعقوب بن عبد الله بن الأشج، رواه عن زينب الثقفية، ثم ساق حديث بسر عن زينب الثقفية من طرق - انتهى. وقد ذكر المنذري كلام النسائي هذا في مختصر السنن وأقرّه. ١٠٦٩- قوله: (وبيوتهن خير لهن) أي صلاتهن في بيوتهن خير لهن من صلاتهن في المساجد لو علمن

стр. 1424

رواه أبوداود. ١٠٧٠- (١٢) وعن ابن مسعود قال: قال النبي ﷺ : ((صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها)) . رواه أبوداود. ١٠٧١- (١٣) وعن أبي هريرة قال: إني سمعت حبي أبا القاسم ﷺ قال: ((لا تقبل صلاة إمرأة تطيبت للمسجد ــ ذلك لكنهن لم يعلمن فيسألن الخروج إلى الجماعة يعتقدن أن أجرهن في المساجد أكثر، وجه كون صلاتهن في البيوت أفضل تحقيق الأمن من الفتنة. (رواه أبوداود) في الصلاة وسكت عنه هو والمنذري وأصله في الصحيحين بدون قوله: "وبيوتهن خير لهن"، وهذه الزيادة أخرجها ابن خزيمة والحاكم (ج١ ص٢٠٩) وصححه والبيهقي (ج٣ ص١٣١) وللطبراني بإسناد نحوها. ١٠٧٠- قوله: (صلاة المرأة في بيتها) أي الداخلاني لكمال سترها. (أفضل من صلاتها في حجرتها) أي صحن الدار. قال ابن الملك: أراد بالحجرة ما تكون أبواب البيوت إليها وهي أدنى حالاً من البيت. (وصلاتها في مخدعها) بضم الميم وتفتح وتكسر مع فتح الدال في الكل وهو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير، يحفظ فيه الأمتعة النفيسة من الخدع، وهو إخفاء الشيء أي خزانتها. (أفضل من صلاتها في بيتها) ؛ لأن مبنى أمرها على التستر، وحاصل الأحاديث الواردة في خروج النساء إلى المساجد أن الإذن للنساء من الرجال إلى المساجد إذا لم يكن في خروجهن ما يدعوا إلى الفتنة من طيب أو حلي أو أي زينة، واجب على الرجال أو مندوب على اختلاف القولين، وأنه لا يجب مع يدعوا إلى ذلك، ولا يجوز ويحرم عليهن الخروج لقوله: فلا تشهدن وصلاتهن على كل حال في بيوتهن أفضل من صلاتهن في المساجد لحديث ابن مسعود هذا، ولما روى أحمد والطبراني والبيهقي من حديث أم حميد الساعدية: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك فقال ﷺ : قد علمت وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجد الجماعة، قال الحافظ: إسناده حسن. وقال الهيثمي يعد غزوة لأحمد: رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري، وثقة ابن حبان، وأخرج أحمد وأبويعلى عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ قال: خير مساجد النساء قعر بيوتهن، وفي إسناده ابن لهيعة. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه والحاكم (ج١ ص٢٠٩) والبيهقي (ج٣ ص١٣١) . ١٠٧١- قوله: (سمعت حبي) بكسر الحاء المهملة أي محبوبي. (تطيبت للمسجد) أي للخروج إلى المسجد

стр. 1425

حتى تغتسل غسلها من الجنابة)) رواه أبوداود، وروى أحمد والنسائي نحوه. ١٠٧٢- (١٤) وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل عين زانية، ــ وفي المصابيح: لهذا المسجد كما في أبي داود. وقال ابن الملك: إشارة إلى جنس المسجد لا إلى مسجد مخصوص. (حتى تغتسل) وفي المصابيح: حتى ترجع فتغتسل وكذا وقع في أبي داود. (غسلها) أي مثل غسلها. (من الجنابة) بأن تبالغ في الغسل من الطيب كما تبالغ في غسل الجنابة حتى يزول عنها الطيب بالكلية، ثم تخرج إن شاءت، وقال القاري: بأن تعم جميع بدنها بالماء إن كانت طيبت جميع بدنها ليزول عنها الطيب، وأما إذا أصاب موضعاً مخصوصاً فتغسل ذلك الموضع. قلت: الحديث ساكت عن هذا التفصيل. قال ابن الملك: وهذا مبالغة في الزجر؛ لأن ذلك يهيج الرغبات وتفتح باب الفتن. وقيل: شبه خروجها من بيتها متطيبة مهيجة لشهوات الرجال التي هي رائد الزنا بالزنا، وحكم عليها بما يحكم على الزاني من الاغتسال من الجنابة مبالغة وتشديداً. (رواه أبوداود) في الترجل من طريق الثوري عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري عن عبيد مولى أبي رهم عن أبي هريرة، وقد سكت عنه أبوداود، لكن إسناده ضعيف لضعف عاصم بن عبيد الله، ولكنه لم ينفرد برواية هذا الحديث، كما ستعرف فمعناه صحيح لثبوته من وجه آخر، فقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي من طريق موسى بن يسار عن أبي هريرة، ورواه أحمد خمس مرات في أربعة: منها عاصم بن عبيد الله، والخامسة من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الكريم عن مولى أبي رهم، وأخرجه النسائي من طريق صفوان بن سليم عن رجل ثقة عن أبي هريرة، وقد بوب له ابن خزيمة: باب إيجاب الغسل على المطيبة للخروج إلى المسجد ونفي قبول صلاتها إن صليت قبل أن تغتسل إن صح الخبر، ولفظه عن موسى بن يسار قال: مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف فقال لها: أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد، قال: وتطيبت؟ قالت: نعم قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله يقول: لا يقبل الله من امرأة صلاة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع وتغتسل. قال المنذري في الترغيب بعد عزوة لابن خزيمة: إسناده متصل ورواته ثقات، وعمرو بن هاشم البيروتي ثقة، وفيه كلام لا يضر، ورواه أبوداود وابن ماجه من طريق عاصم بن عبيد الله العمري، وقد مشاه بعضهم ولا يحتج به، وإنما أمرت بالغسل لذهاب رائحتها - انتهى. (وروى أحمد والنسائي) وكذا البيهقي الطيالسي. (نحوه) ولفظ النسائي: إذا خرجت المرأة إلى المسجد فلتغتسل من الطيب كما تغتسل من الجنابة، أخرجه في كتاب الزينة من طريق صفوان بن سليم عن رجل ثقة عن أبي هريرة به. ١٠٧٢- قوله: (كل عين زانية) أي كل عين نظرت إلى أجنبية عن شهوة فهي زانية؛ لأن زناها

стр. 1426

وإن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس، فهي كذا وكذا يعني زانية)) . رواه الترمذي، ولأبي داود والنسائي نحوه. ١٠٧٣- (١٥) وعن أبيّ بن كعب قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح، فلما سلم قال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموها ــ النظر، أو لأنه من مقدمات الزنا. (إذا استعطرت) أي استعملت العطر. (فمرت بالمجلس) أي مجلس الرجال وهو أعم من المسجد (فهي كذا وكذا) كناية عن كونها زانية. (يعني زانية) بالنصب على أنه مفعول يعني وقيل: بالرفع يعني هي زانية؛ لأنها قد هيجت شهوة الرجال بعطرها وحملتهم على النظر إليها، ومن نظر إليها فقد زنى بعينه، فإذا هي سبب زناه بالعين فتكون آثمة بإثم الزنا. (رواه الترمذي) في الاستيذان وقال: حديث حسن صحيح. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. (ولأبي داود والنسائي نحوه) أخرجه أبوداود في الترجل والنسائي في الزينة. قال المنذري في الترغيب بعد عزوه لأبي داود والترمذي: ورواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ولفظهم: قال النبي ﷺ أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية، ورواه الحاكم أيضاً وقال: صحيح الإسناد. ١٠٧٣- قوله: (صلى بنا رسول الله ﷺ ) أي أمّنا فالباء للتعدية. (الصبح) أي صلاته. (أشاهد) بهمزة الاستفهام أي أحاضر صلاتنا هذه. (أشاهد فلان) أي آخر. (إن هاتين الصلاتين) أي العشاء والصبح، والإشارة إليهما لحضور الصبح، واتصال العشاء بها مما تقدم. وقال القاري: أي صلاة الصبح ومقابلتها باعتبار الأول والآخر، يعني الصبح والعشاء. وقال ابن حجر: وأشار إلى العشاء لحضورها بالقوة؛ لأن الصبح مذكرة بها نظراً إلى أن هذه مبتدأ النوم وتلك منتهاه. (أثقل الصلوات على المنافقين) فيه أن الصلاة كلها عليهم ثقيلة ومنه قوله تعالى: ﴿إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ [٤: ١٤٢] ، ولكن الأثقل عليهم صلاة العشاء؛ لأنها في وقت الراحة والسكون وصلاة الفجر؛ لأنها في وقت لذة النوم، وليس لهم داع ديني ولا تصديق بأجرهما حتى يبعثهم على اتيانهما، ويخف عليهم الإتيان بهما، ولأنهما في ظلمة الليل وداعي الرياء الذي لأجله يصلون منتف؛ لعدم مشاهدة من يراؤونه من الناس إلا القليل، فانتفى الباعث الديني منهما كما انتفى في غيرهما، ثم انتفى الباعث الدنيوي الذي في غيرهما، ولذا قال ناظراً إلى انتفاء الباعث الديني عندهم: ولو يعلمون ما فيهما، كما في رواية أحمد والنسائي والبيهقي. (ولو تعلمون) أنتم أيها المؤمنون. (ما فيهما) من الأجر والثواب الزائد؛ لأن الأجر على قدر المشقة. (لأتيتموها) أي إلى

стр. 1427

ولو حبوا على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، ــ المسجد لأجلهما. وهذا لفظ أبي داود، ورواية أحمد والنسائي والبيهقي: ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما، أي بلفظ الغيبة. قيل: عدل عن الغيبة في رواية أبي داود تغليباً. (ولو حبوا على الركب) بضم الراء وفتح الكاف جمع الركبة، والحبو بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة هو أن يمشي على يديه وركبتيه أو أسته، وحبا البعير إذا برك ثم زحف من الأعياء، وحبا الصبي إذا زحف على أتسه، أي تزحفون إذا منعكم مانع من المشي كما يزحف الصغير، ولابن أبي شيبة من حديث أبي الدرداء. ولو حبواً على المرافق والركب. وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني: ولو حبواً على يديه ورجليه، وفيه حث بليغ على الإتيان إليهما، وأن المؤمن إذا علم ما فيهما أتى إليهما على أي حال، فإنه ما حال بين المنافق وبين هذا الإتيان إلا عدم تصديقه بما فيهما. قال الطيبي: حبواً خبر كان المحذوف أي: ولو كان الإتيان حبوا ويجوز أن يكون التقدير أتيتموها حبواً أي حابين تسمية بالمصدر مبالغة. (وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة) أي على أجر أو فضل هو مثل أجر صف الملائكة أو فضله، وظاهره أن الملائكة أكثر أجراً وفضلاً من بني آدم. وقال الطيبي: شبه الصف الأول في قربهم من الإمام بصف الملائكة من الله تعالى، والجار والمجرور خبر "إن" والمتعلق كائن أو مقاس. (ولو علمتم) هذا لفظ أبي داود، ولفظ أحمد والنسائي والبيهقي: ولو تعلمون (ما فضيلة) أي الصف الأول. (لابتدرتموه) أي سبق كل منكم على آخر لتحصيله. قال الطيبي: وفي قوله: "ولو تعلمون" مبالغة من حيث عدل من الماضي إلى المضارع إشعاراً بالاستمرار. (وأن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده) أي أكثر أجراً وأبلغ في تطهير المصلي وتكفير ذنوبه من صلاته منفرداً، لما في الإجتماع من الرحمة والسكينة دون الإنفراد. قال الطيبي: الزكاة بمعنى النمو فيكون المعنى أن الصلاة مع الجماعة أكثر ثواباً، أو بمعنى الطهارة فيكون المعنى أن المصلي مع الجماعة أمن من رجس الشيطان وتسويله، وفيه أن الرجل مع الرجل جماعة كما رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي أنه قال: الرجل مع الرجل جماعة، لهما التضعيف خمساً وعشرين - انتهى. وقد بوب عليه النسائي باب الجماعة إذا كانوا اثنين والبيهقي (ج٣: ص٦٧) بلفظ: باب الاثنين فما فوقهما جماعة. قال الأمير اليماني: فيه دلالة على أن أقل صلاة الجماعة إمام ومأموم، ويوافقه حديث أبي موسى الآتي في الفصل الثالث بلفظ: اثنان فما فوقهما جماعة. (وصلاته) بالنصب أو بالرفع. (مع الرجلين أزكى) أي أفضل. (من صلاة مع الرجل) أي الواحد. (وما كثر فهو أحب إلى الله) قال ابن الملك: "ما" هذه موصولة والضمير عائد إليها، وهي عبارة عن الصلاة، أي الصلاة التي كثر المصلون فيها فهو أحب، وتذكير "هو" باعتبار لفظ

стр. 1428

وما كثر فهو أحب إلى الله)) رواه أبوداود، والنسائي. ١٠٧٤- (١٦) وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ ((ما من ثلاثة في قرية ولا بد ولا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، ــ ما–انتهى. ولفظ النسائي: وما كانوا أكثر فهو أحب إلى الله. قال السندي: أي قدر كانوا أكثر فذلك القدر أحب مما دونه. وفي رواية لأحمد: وما كان أكثر فهو أحب إلى الله، وذكره المنذري في الترغيب بلفظ: كذا كثر فهو أحب إلى الله، وفيه أن ما كثر جمعه فهو أفضل مما قل جمعه، وأن الجماعات تتفاوت في الفضل وإن كونها تعدل سبعاً وعشرين صلاة يحصل لمطلق الجماعة، وأحاديث التضاعف إلى هذا المقدار لا ينفي الزيادة في الفضل. لما كان أكثر لاسيما مع وجود النص المصرح بذلك، كما في هذا الحديث، ففيه رد على من ذهب إلى القول بتساوى الجماعات في الفضل سواء كثرت الجماعة أو قلت واستدل بقوله "أزكى" على عدم وجوب الجماعة؛ لأنه صيغة أفعل تدل على الاشتراك في أصل الزكاء، والمشترك ههنا لا بد أن يكون هو الإجزاء والصحة، وإلا فلا صلاة فضلاً عن الزكاء؛ لأن ما لا يصح لا زكاء فيه وقد تقدم الكلام في ذلك مبسوطاً. (رواه أبوداود) وسكت عنه. (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥: ص١٤٠) وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم (ج١: ص٢٤٧) والبيهقي (ج٣: ص٦١-٦٨ و١٠٢) قال المنذري في الترغيب وقد جزم يحيى بن معين والذهلي بصحة هذا الحديث. وقال الشوكاني: صححه ابن السكن والعقيلي والحاكم وأشار ابن المديني على صحته. وقال الحافظ: وله شاهد قوي في الطبراني من حديث قباث بن أشيم ولفظه: قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة يؤم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى. قال المنذري في الترغيب: رواه البزار والطبراني بإسناد لا بأس به. وقال الهيثمي بعد عزوه إلى البزار والطبراني في الكبير: ورجال الطبراني موثقون - انتهى. وأخرجه أيضاً البخاري في تاريخه والبيهقي (ج٣: ص٦١) . ١٠٧٤- قوله: (ما من ثلاثة) أي رجال، وتقييده بالثلاثة المفيد ما فوقهم بالأولى نظراً إلى أقل أهل القرية غالباً، ولأنه أقل الجمع، وأنه أكمل صور الجماعة وإن كان يتصور باثنين، قاله القاري. (في قرية ولا بدو) بفتح الباء وسكون الدال أي بادية. قال في القاموس: البدو والبادية والباداة والبداوة خلاف الحضر. (لا تقام فيهم الصلاة) أي الجماعة. (إلا قد استحوذ عليهم الشيطان) أي غلبهم واستولى عليهم وحولهم إليه فأنساهم ذكر الله، وهذه كلمة مما جاء على أصله بلا إعلال خارجة عن أخواتها كاستقال واستقام. (فعليك بالجماعة)

стр. 1429

فإنما يأكل الذئب القاصية)) رواه أحمد، وأبوداود، والنسائي. ١٠٧٥- (١٧) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر. قالوا: وما العذر؟ قال: خوف ــ أي الزمها فإن الشيطان بعيد عن الجماعة ويستولى على من فارقها. قال الطيبي: قوله فعليك من الخطاب العام تفخيماً للأمر، والفاء مسببة عن قوله "قد استحوذ" والفاء في قوله: (فإنما) مسببة عن الجميع يعني إذا عرفت هذه الحالة فأعرف مثاله في الشاهد. (يأكل الذئب القاصية) أي الشاة المنفردة عن القطيع البعيدة عنه لبعدها عن راعيها، فإن عين الراعي تحمي الغنم المجتمعة. قيل: المراد أن الشيطان يتسلط على من يخرج عن عقيدة أهل السنة والجماعة. وقيل: عن طاعة الإمام المجتمع على أمره وإطاعته والأوفق بالحديث أن المنفرد ما ذكره السائب بن حبيش أحد رواة هذا الحديث عند النسائي والبيهقي بقوله: يعني بالجماعة الجماعة في الصلاة، أي يتسلط على من يعتاد الصلاة بالانفراد ولا يصلي مع الجماعة، وهو الذي فهمه أبوداود والنسائي حيث بوبا عليه: باب التشديد في ترك الجماعة، وبوب عليه البيهقي: باب فرض الجماعة في غير الجمعة على الكفاية. والحديث استدل به على وجوب الجماعة؛ لأن استحواذ الشيطان وهو غلبته إنما يكون بما يكون معصية كترك الواجب دون السنة. قال القاري: ظاهر الحديث يدل على أن الجماعة فرض عين أو واجب على مختار مذهبنا، ولا يدل على أنها فرض كفاية وإنما قيد بالثلاثة؛ لأنها أقل كمال الجماعة في غير الجمعة - انتهى. (رواه أحمد وأبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. (والنسائي) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم (ج١: ص٢٤٦) وصححه، والبيهقي (ج٣: ص٥٤) وقال النووي: إسناده صحيح قال المنذري في الترغيب، وزاد رزين في جامعه: وإن ذئب الإنسان الشيطان إذا خلا به أكله. ١٠٧٥- قوله: (من سمع المنادي) أي نداء المؤذن للصلاة المكتوبة. (فلم يمنعه) أي السامع- قال ابن الملك: فيه حذف اعتماداً على المعنى أي فلم يتبعه ولم يمنعه. (من اتباعه) أي اتباع المنادي بحضور المسجد للجماعة. قال ابن حجر: أي من إتيانه إلى الجماعة التي دعي إليها، والتقييد بسماع النداء بالجماعة التي يسمع مؤذنها جرى على الغالب؛ لأن الإنسان إنما يذهب إلى الجماعة التي يسمع مؤذنها، وإلا فلو ذهب لجماعة لم يسمع مؤذنها فقد أتى بالفرض، ولو لم يسمع المؤذن ولا عذر له لم يسقط عنه الفرض، إذ عدم سماعه المؤذن ليس من الأعذار، والحاصل أن المراد من لزمه حضور الجماعة ولم يمنعه من المجيء إليها. (عذر) أي نوع من الأعذار. (قالوا) أي الصحابة للنبي ﷺ . (قال) أي النبي ﷺ . (خوف) أي هو خشية على نفسه أو عرضه أو ماله-.

стр. 1430

أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى)) رواه أبوداود، والدارقطني. ١٠٧٦- (١٨) وعن عبد الله بن أرقم، ــ وقيل: خوف ظلمه، وقد سبق أن من الأعذار المطر والبرد والريح وحضور الطعام ومدافعته الأخبثين. (لم تقبل منه) أي من السامع القاعد في بيته من غير عذر. قال الطيبي: من سمع مبتدأ ولم تقبل خبره، يعني وقع السؤال والجواب معترضين بين الشرط والجزاء. (الصلاة التي صلى) كذا في سنن أبي داود وسنن الدارقطني، وفي نسخ المصابيح "صلاها" قال في شرح السنة: اتفقوا على أن لا رخصة في ترك الجماعة لأحد إلا من عذر لهذا الحديث والحديث الذي سبق، ولقوله ﵇ لإبن أم مكتوم: فأجب، قال الحسن: إن منعته أمه عن العشاء الآخرة في الجماعة شفقة عليه لم يطعها. وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات سمع النداء أو لم يسمع، قال النووي: في حديث الكهان والعراف معنى عدم قبول الصلاة أن لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه كالصلاة في الدار المغصوبة تسقط الفرض ولا ثواب فيها. (رواه أبوداود والدارقطني) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١: ص٢٤٥، ٢٤٦) والبيهقي (ج٣: ص٧٥) كلهم من طريق أبي جناب الكلبي عن مغراء العبدي عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأبوجناب بجيم ونون خفيفتين يحيى بن أبي حية الكلبي، ضعيف ومدلس وقد عنعن. قال الحافظ: وقد رواه قاسم بن أصبغ في مسنده موقوفاً ومرفوعاً من حديث شعبة عن عدي بن ثابت به، ولم يقل في المرفوع: إلا من عذر - انتهى. ورواه بقي بن مخلد وابن ماجه وابن حبان من طريق هشيم بن بشير عن شعبة والدارقطني (ص١٦١) والحاكم (ج١: ص٢٤٥) ومن طريقه البيهقي (ج٣: ص٥٧) ومن طريق قراد أبي نوح عبد الرحمن بن غزوان وهشيم بن بشير عن شعبة مرفوعاً، وزادوا في رواياتهم: إلا من عذر، وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد أوقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة، وهشيم وقراد أبونوح ثقتان، فإذا وصلاه فالقول فيه قولهما، ثم ذكر لهما متابعتين وهما سيعد بن عامر وداود بن الحاكم عن شعبة، ثم أخرج رواية مغراء العبدي متابعة لشعبة، ثم أخرج له شواهد منها عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً بلفظ: من سمع النداء فارغاً صحيحاً فلم يجب فلا صلاة له، ورواه البزار مرفوعاً وموقوفاً، وصحح البيهقي وقفه، وقال بعد رواية حديث ابن عباس من طريق قراد أبي نوح عن شعبة مرفوعاً، وكذلك رواه هشيم بن بشير عن شعبة، ورواه الجماعة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً على ابن عباس، ورواه مغراء العبدي عن عدي بن ثابت مرفوعاً، وروي عن أبي موسى الأشعري مسنداً وموقوفاً، والموقوف أصح - انتهى. ١٠٧٦- قوله: (عن عبد الله بن أرقم) بن عبد يغوث بن وهب بن عبدمناف بن زهرة القرشي الزهري صحابي معروف، أسلم يوم الفتح، وكتب للنبي ﷺ ثم لأبي بكر وعمر، وكان على بيت المال أيام عمر ثم عثمان،

стр. 1431

قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء)) رواه الترمذي، وروى مالك ــ ثم استعفى عثمان فأعفاه، وكان جده عبد يغوث خال النبي ﷺ كانت آمنة بنت وهب أمه ﷺ عمة أبيه الأرقم، قال السائب بن يزيد وعبد الله بن عتبة: ما رأيت أخشى لله من عبد الله بن أرقم. وقال عبد الله بن الزبير: أن النبي ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم، وكان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويختم ولا يقرأه لأمانته عنده. قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٥: ص١٤٦) : روى له الأربعة حديثاً واحداً في البداءة بالخلاء لمن أراد الصلاة، ويقال ليس له مسند غيره، قال ذلك البزار في مسنده. وقال الخزرجي في الخلاصة: له أحاديث وعندهم، أي عند الأربعة فرد حديث. وقال المنذري في مختصر السنن: روى عن النبي ﷺ حديثاً واحداً، ليس له في هذه الكتب سوى هذا الحديث. توفي في خلافة عثمان، وكذا ذكره البخاري في التاريخ الصغير، ووقع في ثقات ابن حبان: أنه توفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وهو وهم فاحش. (ووجد أحدكم الخلاء) أي وجد أحدكم احتياجه إلى البزار. (فليبدأ بالخلاء) أي فليبدأ بما احتاج إليه من قضاء الحاجة فيفرغ نفسه ثم يرجع فيصلي؛ لأنه إذا صلى قبل ذلك تشوش خشوعه واختل حضور قلبه، فيجوز له ترك الجماعة لهذا العذر، ولفظ الشافعي: ووجد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط. ولفظ مالك: إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة. ولفظ أبي داود: إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء. والحديث فيه دليل على أنه لا يقوم إلى الصلاة وهو يجد شيئاً من الغائط والبول. قال في الشرح الكبير (ص) : يكره أن يصلي وهو حاقن سواء خاف فوت الجماعة أو لا، لا نعلم فيه خلافاً وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأى، لرواية عائشة عند مسلم. (يعني التي تقدمت في الفصل الأول) ولأن ذلك يشغله عن خشوع الصلاة فإن خالف وفعل صحت صلاته. (أي إن أكملها ولم يترك شيئاً من فرائضها) وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وقال ابن أبي موسى: إن من به من مدافعة الأخبثين ما يزعجه ويشغله عن الصلاة أعاد في الظاهر من قوله. وقال مالك: أحب إلى أن يعيد إذا شغله ذلك لظاهر الخبر. ولنا أنه أن صلى بحضرة الطعام وقلبه مشغول بشيء من الدنيا صحت صلاته كذا ههنا، وخبر عائشة أريد به الكراهة، بدليل ما لو صلى بحضرة الطعام. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته أن صلاته تجزئة، فكذلك إذا صلى حاقناً - انتهى. واختلفوا في تعليل هذا الحكم فقيل؛ لأنه يشغل القلب ولا يوفي الصلاة حقها من الخشوع. وقيل: العلة فيه انتقال الحدث، وانتقال الحدث سبب لخروجه، فلا يكون أقل من مس الذكر. وقيل:؛ لأنه حامل للنجاسة؛ لأنها متدافعة للخروج، فإذا أمسكها قصداً فهو كالحامل لها، والظاهر هو الأول. (رواه الترمذي) وقال حديث حسن صحيح.

стр. 1432

وأبوداود والنسائي نحوه. ١٠٧٧- (١٩) وعن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن: لا يؤمن رجل قوماً فيخص ــ (وروى مالك وأبوداود الخ) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣: ص٤٨٣، ج٤: ص٣٥) والشافعي والدارمي والبيقهي (ج٣: ص٧٢) وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج١: ص١٦٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وفيه قصة كما سيأتي كلهم من طريق هشام عن عروة عن عبد الله بن أرقم، ورواه بعضهم عن هشام عن عروة عن رجل عن عبد الله، ورجح البخاري فيما حكاه الترمذي في العلل المفرد رواية من زاد فيه عن رجل، ومال الترمذي إلى ترجيح الرواية الأولى أي رواية من قال عن عروة عن عبد الله، حيث قال بعد رواية الحديث من طريق أبي معاوية عن هشام عن عروة عن ابن أرقم هذا حديث حسن صحيح، هكذا روى مالك ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن أرقم، وروى وهيب وغيره عن هشام عن أبيه عن رجل عن عبد الله بن أرقم - انتهى. وحكي نحوه أبوداود أيضاً قال بعد روايته من طريق زهير عن هشام عن أبيه عن ابن أرقم: روى وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق وأبوضمرة هذا الحديث عن هشام ابن عروة عن أبيه عن رجل حدثه عن عبد الله بن أرقم، والأكثر الذي رووه عن هشام قالوا كما قال زهير - انتهى. وقال الزرقاني في شرح الموطأ (ج١: ص٢٨٨) قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في هذا الإسناد. (أي في روايته عن هشام عن عروة عن ابن أرقم) وتابعه زهير بن معاوية وسفيان بن عيينة وحفص بن غياث ومحمد بن إسحاق وشجاع بن الوليد وحماد بن زيد ووكيع وأبومعاوية والمفضل بن فضالة ومحمد بن كنانة كلهم رووه عن هشام، كما رواه مالك. ورواه وهيب بن خالد وأنس بن عياض وشعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل حدثه عن عبد الله بن الأرقم، فأدخلوا بين عروة وبين عبد الله بن الأرقم رجلاً، ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن أيوب بن موسى عن هشام بن عروة عن أبيه قال: خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم الزهري، فأقام الصلاة ثم قال: صلوا وذهب لحاجته، فلما رجع قال إن رسول الله ﷺ قال: إذا أقيمت الصلاة وأراد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط، فهذا الإسناد يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه متصلة لتصريحه بأن عروة سمعه من عبد الله بن الأرقم، وابن جريج وأيوب ثقتان حافظان - انتهى. ١٠٧٧- قوله: (ثلاث) أي ثلاث خصال بالإضافة ثم حذف المضاف إليه ولهذا جاز الإبتداء بالنكرة. (لا يحل أن يفعلهن) المصدر المنسبك من "أن" والفعل فاعل "يحل" أي لا يجوز فعلهن. (لا يؤمن) بنون التأكيد في جميع النسخ وهكذا في جامع الأصول (ج٦: ص٣٨٧) ووقع في المصابيح: "لا يؤم" بغير النون كما في أبي داود. وقوله: "لا يؤم" بالرفع نفي بمعنى النهي، ويجوز أيضاً فتح الميم على الجزم بالنهي. (فيخص) بالنصب

стр. 1433

نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل ذلك فقد خانهم. ــ للجواب. وقال المناوي: منصوب بأن المقدرة لوروده بعد النفي على حد: ﴿لا يقضي عليهم فيموتوا﴾ . قيل: ويجوز الرفع عطفاً على لا يؤم. (نفسه) مفعول ليخص. (بالدعاء دونهم) أي دون مشاركتهم في دعائه. (فإن فعل ذلك فقد خانهم) وفي المصابيح: فإن فعل فقد خانهم أي بدون لفظ ذلك، وكذا في أبي داود وجامع الأصول. قال الطيبي: نسب الخيانة إلى الإمام؛ لأن شرعية الجماعة ليفيض كل من الإمام والمأموم الخير على صاحبه ببركة قربه من الله تعالى، فمن خص نفسه فقد خان صاحبه. قال القاري: وإنما خص الإمام بالخيانة فإنه صاحب الدعاء، وإلا فقد تكون الخيانة من جانب المأموم، وفيه دليل على كراهة أن يخص الإمام نفسه بالدعاء في الصلاة ولا يشارك المأمومين فيه، فإن قلت: قد ثبت أنه ﷺ كان يدعو في صلاته وهو إمام بلفظ الأفراد، كما في دعاء الافتتاح والركوع والسجود والتشهد وغير ذلك. قلت: ذكروا في دفع هذا الاختلاف وجوهاً: منها ان حديث ثوبان هذا موضوع. قال ابن خزيمة في صحيحه وقد ذكر حديث: اللهم باعد بيني وبين خطاياى-الحديث. قال في هذا دليل على رد الحديث الموضوع: لا يؤم عبد قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم، حكى ذلك عنه ابن القيم في زاد المعاد. وفيه أن الحكم على هذا الحديث بأنه موضوع ليس بصحيح، بل هو حسن كما سيأتي. ومنها أنه مختص بالقنوت ونحوه. قال ابن القيم سمعت شيخ الاسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث عندي في الدعاء الذي يدعو به الإمام لنفسه وللمأمومين ويشتركون فيه كدعاء القنوت ونحوه - انتهى. وقال العزيزي: هذا في دعاء القنوت خاصة بخلاف دعاء الافتتاح والركوع والسجود والجلوس بين السجدتين والتشهد - انتهى. ولذلك استحب الشافعية والحنابلة للإمام أن يقول في دعاء القنوت المروي عن الحسن بن علي: اللهم اهدنا فيمن هديت، بضمير الجمع مع أن المشهور في حديثه: اللهم اهدني بإفراد الضمير، إلا في روية للبيهقي في قنوت الصبح، فإن فيها اللهم اهدنا بضمير الجمع. ومنها أن معناه تخصيص نفسه بالدعاء في الصلاة والسكوت عن المقتدين. ومنها أن المراد نفيه عنهم كارحمني محمداً ولا ترحم معنا أحداً، ولا شك أن هذا ممنوع. ومنها أن المراد بالتخصيص المنهي عنه هو أن ينوي الإمام بالأدعية الواردة بلفظ الإفراد نفسه خاصة ولا ينوي بها العموم والشمول لنفسه وللمقتدين. قال شيخنا في شرح الترمذي: قول الشافعية وغيرهم أنه يستحب للإمام أن يقول: اللهم اهدنا بجمع الضمير فيه أنه خلاف المأثور، والمأثور إنما هو بإفراد الضمير، فالظاهر أن يقول الإمام بإفراد الضمير أي في دعاء القنوت وغيره كما ثبت لكن لا ينوي به خاصة نفسه، بل ينوي به العموم والشمول لنفسه ولمن خلفه من المقتدين - انتهى. قد ورد دعاء القنوت بضمير الجمع من حديث ابن عباس عند البيهقي في السنن الكبرى (ج٢: ص٢١٠)

стр. 1434

ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن، فإن فعل ذلك فقد خانهم. ولا يصل وهو حقن حتى يتخفف)) . ــ فقد روى من طريق الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن ابن هرمز عن يزيد بن أبي مريم عن عبد الله بن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت من صلاة الصبح: اللهم اهدنا فيمن هديت الخ، لكن الأكثر الأشهر هو إفراد الضمير في هذا الدعاء، وفي صحة حديث ابن عباس عندي نظر. (ولا ينظر) بالرفع ويجوز الجزم. (في قعر بيت) بفتح القاف وسكون العين أي داخل مكان مستور للغير. (قبل أن يستأذن) بالبناء للفاعل أي أهله فيؤذن. قال ابن الملك: احترازاً أن يقع نظره على العورة. (فإن فعل) أي فإن نظر فيه قبل الاستيذان من جحر أو غيره. (فقد خانهم) قال الطيبي: شرعية الاستيذان لئلا يهجم قاصد على عورات البيت، فالنظر في قعر البيت خيانة. قلت: وفي المصابيح وأبي داود وجامع الأصول "فقد دخل" بدل قوله "فقد خانهم" أي فقد ارتكب إثم من دخل البيت بغير استئذان. قال ابن العربي: الإطلاع على الناس حرام بالإجماع فمن نظر داره فهو بمنزلة من دخل داره. (ولا يصل) بكسر اللام المشددة وحذف حرف العلة للجزم. وفي بعض النسخ ولا يصلي أي بإثبات الياء، وكذا وقع في المصابيح وأبي داود وجامع الأصول. (وهو حقن) بفتح الحاء المهملة وكسر القاف، أي وهو يؤذيه الغائط أو البول، والجملة حال. قال الجزري: الحاقن والحقن بحذف الألف بمعنى، والحاقن هو الذي حبس بوله مع شدته، والحاقب هو الحابس للغائط، والمراد هنا بالحاقن ما يعم حبس الغائط، وهو من باب الاكتفاء. (حتى يتخفف) بمثناه تحتية مفتوحة ففوقية أي يخفف نفسه بخروج الفضلة ويزيل ما يؤذيه من ذلك. قلت: فإن فعل ذلك فقد خان نفسه. قال الطيبي: الصلاة مناجاة وتقرب إلى الله سبحانه واشتغال عن الغير، والحاقن كأنه يخون نفسه في حقها، ولعل توسيط الاستيذان بين حالتي الصلاة للجمع بين مراعاة حق الله تعالى وحق العباد، وخص الاستيذان أي من حقوق العباد؛ لأن من راعى هذه الدقيقة فهو بمراعاة ما فوقها أحرى- انتهى. والحديث قد استدل به من ذهب إلى فساد صلاة من صلى وهو حاقن وإن أكمل صلاته ولم يترك فرضاً من فرائضها خلافاً للجمهور. قال ابن رشد: والسبب في اختلافهم، اختلافهم في النهي هل يدل فساد المنهى عنه أم ليس يدل على فساده وإنما يدل على تأثيم من فعله فقط إذا كان أصل الفعل الذي تعلق النهي به واجباً أو جائزاً، وقد تمسك القائلون بفساد صلاته بحديث رواه الشاميون منهم من يجعله عن ثوبان، ومنهم من يجعله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحل لمؤمن أن يصلي وهو حاقن جداً. قال أبوعمر ابن عبد البر: وهو ضعيف السند لا حجة فيه- انتهى. قلت: حديث ثوبان هذا ليس بضعيف بل صحيح أو حسن كما ستعرف، فهو حجة بلا شك، لكن في الاستدلال به على فساد صلاة الحاقن نظر، وأما كراهة صلاة الحاقن وكونه آثما فلا خفاء فيه.

стр. 1435

رواه أبوداود، وللترمذي نحوه. ١٠٧٨- (٢٠) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا لغيره)) ــ (رواه أبوداود وللترمذي نحوه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص٢٨٠) وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص١٨٠) وحديث ابن ماجه مختصر كلهم من طريق يزيد بن شريح الحضرمي عن أبي حي المؤذن عن ثوبان، وقد سكت عليه أبوداود. وقال الترمذي: حديث حسن. واختلف فيه على يزيد بن شريح فرواه حبيب بن صالح عن يزيد عن أبي حي عن ثوبان. أخرجه أحمد والترمذي وأبوداود وابن ماجه والبيهقي، وروى ثور بن يزيد الكلاعي عن يزيد عن أبي حي عن أبي هريرة، أخرجه أبوداود والبيهقي، وروى معاوية بن صالح عن السفر بن نسير عن يزيد عن أبي أمامة. أخرجه أحمد (ج٥ ص٢٥٠، ٢٦٠، ٢٦١) وفي رواية الأخيرة زيادة نصها، فقال شيخ لما حدثه يزيد أنا سمعت أبا أمامة يحدث بهذا الحديث. أخرجه أيضاً الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (ج٢ ص٧٩، ٨٩ ج٨ ص٤٣) ورواه ابن ماجه والبيهقي مختصراً. ومدار الحديث في طرقه كلها على يزيد بن شريح كما ترى، وهو ثقة فقيل يحتمل أن يكون سمعه من الطرق الثلاث وحفظه وقيل: بل اضطراب حفظه فيها ونسي فيكون الحديث ضعيفاً بطرقه الثلاث للاضطراب في السند. وقيل: طريق ثوبان أرجح. قال الترمذي بعد ذكر طريق أبي أمامة وأبي هريرة تعليقاً: وكان حديث يزيد بن شريح عن أبي حي الموذن عن ثوبان في هذا أجود إسناداً وأشهر- انتهى. ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره. وقيل: رواية السفر بن نسير عنه عن أبي أمامة أرجح لما جاء عند أحمد (ج٥ ص٢٦١) من المتابعة من شيخ مبهم يحكي أنه سمعه من أبي أمامة كما تقدم، وفيه أن السفر بن نسير ضعيف كما صرح به الحافظ في التقريب، والهيثمي في مجمع الزوائد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: لا يعتبر به، والمتابع له عند أحمد مبهم، ففي كون رواية السفر أرجح من رواية حبيب بن صالح وثور بن يزيد نظر قوي، وسكوت أبي داود عن حديثي ثوبان وأبي هريرة بعد روايتهما يدل على أن هذين الطريقتين محفوظان صالحان للاحتجاج عنده، وإليه قلبي، وفي كون حديث ثوبان أجود سنداً من حديث أبي هريرة كلام عندي، فإن ثور بن يزيد أوثق وأثبت من حبيب بن صالح. والله أعلم. ١٠٧٨- قوله: (لا تؤخروا الصلاة) أي عن وقتها. (لطعام ولا لغيره) كالحقن، قال التوربشتي: المعنى لا تؤخروها عن وقتها، وإنما حملناه على ذلك دون التأخير على الاطلاق لقوله ﷺ : إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة- الحديث. فجعل له تأخير الصلاة مع بقاء الوقت. وعلى هذا فلا اختلاف بين الحديثين. قال الطيبي: ويمكن أن يكون المعنى لا تؤخروا الصلاة لغرض الطعام لكن إذا حضر الطعام أخروها للطعام قدمت للاشتغال

стр. 1436

رواه في شرح السنة. ﴿الفصل الثالث﴾ ١٠٧٩- (٢١) عن عبد الله بن مسعود، قال: ((لقد رأيتنا ــ بها عن الغير تبجيلاً لها، وأخرت تفريغاً للقلب عن الغير تعظيما لها. قال القاري: حاصله أن الصلاة مقدمة على جميع الأمور بالذات وغاية الأمور يتقدم عليها لتحصيل كمالها إذا وسع الوقت، وأما عند ضيق الزمان فيجب تقديمها، فيكون في تقديم الأمور وتأخيرها تقديم لأمر الصلاة تبجيلاً لها. قال الطيبي: والوجه أن النهي في الحقيقة وارد على إحضار الطعام قبل أداء الصلاة، أي لا تتعرضوا لما أن حضرت الصلاة تؤخروها لجله من إحضار الطعام والاشتغال بغيرها- انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج٤ ص٢٤٢، ٢٤١) وجه الجمع بين الحديثين أن حديث ابن عمر إنما جاء فيمن كانت نفسه تنازعه شهوة الطعام وكان شديد التوقان إليه، فإذا كان كذلك وحضر الطعام وكان في نفس الوقت فضل بدأ بالطعام لتسكن شهوة نفسه فلا يمنعه عن توفية الصلاة حقها، وكان الأمر يخف عندهم في الطعام وتقرب مدة الفراغ منه، إذ كانوا لا يستكثرون منه ولا ينصبون الموائد ولا يتناولون الألوان، وإنما هو مذقة من لبن أو شربة من سويق أو كف من تمر أو نحو ذلك، ومثل هذا لا يؤخر الصلاة عن زمانها ولا يخرجها عن وقتها. وأما حديث جابر فهو فيما كان بخلاف ذلك من حال المصلي وصفة الطعام ووقت الصلاة، وإذا كان الطعام لم يوضع وكان الإنسان متماسكاً في نفسه وحضرت الصلاة وجب أن يبدأ بها ويؤخر الطعام. وهذا وجه بناء أحد الحديثين على الآخر- انتهى. (رواه) أي البغوي. (في شرح السنة) وأخرجه أيضاً أبوداود في الأطعمة، وسكت عنه. وقال المنذري: في إسناده محمد بن ميمون أبوالنضر الكوفي الزعفراني المفلوج. قال أبوحاتم الرازي: لا بأس به. وقال ابن معين ثقة. وقال الدارقطني: ليس به بأس. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبوزرعة الرازي: كوفي لين. وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات فكيف إذا انفرد بأوابده- انتهى. قلت: ووثقه أبوداود، وقال النسائي: منكر الحديث. وقال الحاكم أبوأحمد: حديثه ليس بالقائم له عند أبي داود هذا الحديث الواحد. وقال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام. فالظاهر أن حديثه هذا ليس مما لا يعتبر به. وأخرجه البيهقي (ج٣ ص٧٤) كان رسول الله ﷺ لا يؤخر الصلاة لطعام، ولا لغيره. وفيه أيضاً محمد بن ميمون. ١٠٧٩- قوله: (لقد رأيتنا) أي معاشر الصحابة أو جماعة المسلمين. قال في اللمعات: الرؤية ههنا بمعنى العلم، ولذا اتحد ضمير الفاعل والمفعول وإن كانا مختلفين بالإفراد والجمع وما يتخلف ساد مسد المفعول الثاني،

стр. 1437

وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض. إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة. وقال: إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. وفي رواية قال: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً، فليحافظ على هذه الصلوات الخمس، حيث ينادي بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكن صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ــ والضمير الراجع إلى المفعول الأول محذوف- انتهى. وقال في أشعة اللمعات: كفت ابن مسعود هر آئينه بتحقيق دانستم خودرا وصحابه ديكر راكه حكم ميكرديم باين كه بس نمى ماند از نماز باجماعت مكر منافقي كه بتحقيق معلوم بود وظاهر بود نفاق وى. وقال الطيبي: قد تقرر أن إتحاد الفاعل والمفعول إنما يسوغ في أفعال القلوب وأنها من داخل المبتدأ والخبر، والمفعول الثاني الذي هو بمنزلة الخبر محذوف ههنا، وسد قوله: (وما يتخلف عن الصلاة) أي بالجماعة من غير عذر وهو حال مسده وتبعه ابن حجر، لكن في كون إتحاد الفاعل والمفعول ههنا بحث، إذ المراد بالفاعل المتكلم وحده وبالمفعول هو وغيره، قاله القاري. (إلا منافق قد علم نفاقه) فيه حجة لمن خص التواعد بالتحريق بالنار المتقدم في حديث أبي هريرة بالمنافقين المبطنين للكفر المظهرين للإسلام، وتقدم هناك أن الحافظ حمله على المنافقين نفاق المعصية لا نفاق الكفر. قال الشمني: ليس المراد بالنفاق ههنا من يبطن الكفر ويظهر الإسلام وإلا لكانت الجماعة فريضة؛ لأن من يبطن الكفر كافر ولكان آخر الكلام مناقضاً لأوله، وفيه أن مراده أن النفاق سبب التخلف لا عكسه وأن الجماعة واجبة على الصحيح لا فريضة للدليل الظني وأن المناقضة غير ظاهر، قاله القاري. (إن كان) إن مخففة من الثقيلة. (المريض ليمشي بين رجلين) أي يتوكأ عليهما لشدة ما به من قوة المرض وضعف البدن. (وقال) أي ابن مسعود. (علمنا سنن الهدى) روى بضم السين وفتحها حكاهما القاضي وهما بمعنى متقارب أي طرائق الهدى والصواب، ولم يرد السنة المتعارفة بين الفقهاء. (وإن من سنن الهدى الصلاة) أي بالجماعة كما هو صريح السياق. (في المسجد الذي يؤذن فيه) لإمام معين أو غير معين. (مسلماً) أي كاملا. (حيث ينادي بهن) أي في المساجد مع الجماعات. (وإنهن) أي الصلوات الخمس بالجماعة. (ولو أنكم صليتم في بيوتكم) يعني ولو جماعة. (كما يصلي هذا المتخلف) قال الطيبي: تحقير للمتخلف وتبعيد عن مظان الزلفى، كما أن اسم الإشارة في قوله الآتي هذه المساجد ملوح على تعظيمها وبعد مرتبتها في الرفعة. (ولو تركتكم سنة نبيكم لضللتم) قال الطيبي: يدل على أن المراد بالسنة العزيمة. قال ابن الهمام:

стр. 1438

وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ورفعه بها درجة، وحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف)) رواه مسلم. ١٠٨٠- (٢٢) وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((لولا ما في البيوت من النساء والذرية، أقمت صلاة العشاء، ــ وتسميتها سنة على ما في حديث ابن مسعود لا حجة فيه للقائلين بالنسبة إذ لا تنافى الوجوب في خصوص ذلك الإطلاق؛ لأن سنن الهدى أعم من الواجب لغة كصلاة العيد- انتهى. وقد يقال لهذا الواجب سنة لكونه ثبت بالسنة أي الحديث، وقوله: "لضللتم" يعطي الوجوب ظاهرا. وفي رواية أبي داود "لكفرتم" وهو على التغليظ أو على الترك تهاوناً وقلة مبالاة وعدم اعتقادها حقاً، أو لفعلتم فعل الكفرة. وقال الخطابي: معناه أنه يؤديكم إلى الكفر بأن تتركوا عرى الإسلام شيئاً فشيئاً حتى تخرجوا من الملة- انتهى. (فيحسن الطهور) بضم الطاء أي يأتي بواجباًته ومكملاته. (ثم يعمد) بكسر الميم أي يقصد ويتوجه. (من هذه المساجد) أي مساجد المسلمين. (بكل خطوة) بفتح الخاء أو ضمها. (وحط) أي وضع ومحا. (وما يتخلف عنها) أي عن صلاة الجماعة في المسجد. (معلوم النفاق) وفي رواية أبي داود: بين النفاق أي ظاهره. (ولقد كان الرجل) أي المريض. (ويؤتى به) إلى الصلاة. (يهادي بين الرجلين) على بناء المفعول أي يؤخذ من جانبيه فيمشي به إلى المسجد من ضعفه وتمايله. وقال النووي: أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضدية يعتمد عليها. (حتى يقام في الصف) قال النووي: في هذا كله تأكيد أمر الجماعة وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها - انتهى. قال الشوكاني: والأثر استدل به على وجوب صلاة الجماعة. وفيه أنه قول صحابي ليس فيه إلا حكاية المواظبة على الجماعة وعدم التخلف عنها ولا يستدل بمثل ذلك على الوجوب - انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي مختصراً ومطولاً. ١٠٨٠- قوله: (لولا ما في البيوت من النساء والذرية) أي الصغار. وفي معناهما أصحاب الأعذار. قال الطيبي: من بيان لما عدل من "من" إلى "ما"، إما لإرادة الوصفية وبيان أن النساء والذرية بمنزلة ما لا يعقل، وأنه مما لا يلزمه حضور الجماعة، وإما لأن البيوت محتوية على الأمتعة والأثاث، فخصتا بالذكر للاعتناء بشأنهما، وما تستعمل عاماً في ما يعقل وما لا يعقل. (أقمت صلاة العشاء) أي أمرت باقامة صلاة العشاء الآخرة للجماعة،

стр. 1439

وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار)) روا أحمد. ١٠٨١- (٢٣) وعنه، قال: ((أمرنا رسول الله ﷺ : إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي)) ــ وتخصيصها لكثرة تخلف المتخلفين فيها. (وأمرت فتياني) بكسر الفاء جمع فتى أي غلماني وخدمي. وقيل: أي أقوياء أصحابي. (يحرقون) بالتشديد ويخفف. (ما في البيوت) فيه تغليب غير ذوي العقول أو تنزيلهم منزلتهم فإنهم لو كانوا من ذوي العقول لما تخلفوا. (بالنار) فيه تأكيد ووعيد وتهديد. وفيه بيان سبب ترك ما هّم به ﷺ من تحريق المتخلفين وبيوتهم. (رواه أحمد) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص٤٢) : في إسناده أبومعشر وهو ضعيف. قلت: أبومعشر هذا اسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني مولى بني هاشم مشهور بكنيته من رواة الأربعة. قال في التقريب: ضعيف أسن واختلط، مات سنة سبعين ومائة - انتهى. وضعفه أيضاً ابن معين ويحيى بن سعيد القطان وأبوداود والنسائي وابن المديني والدارقطني وابن سعد. وقال البخاري وغيره: منكر الحديث. وقال الترمذي: قد تكلم بعض أهل العلم من قبل حفظه. قال محمد: لا أروي عنه شيئاً. وقد روى عنه الناس. قلت: ومع ضعفه يكتب حديثه في الرقاق والتفسير والتاريخ والقصص. قال الأثرم عن أحمد: حديث عندي مضطرب لا يقيم الإسناد ولكن أكتب حديثه أعتبر به. وقال أبوحاتم: كان أحمد يرضاه ويقول كان بصيراً بالمغازي قال: وقد كنت أهاب حديثه حتى رأيت أحمد يحدث عن رجل عنه فتوسعت بعد فيه. قيل له: فهو ثقة؟ قال: صالح لين الحديث محله الصدق. قيل: أعدل الأقوال فيه أنه صدوق في الحديث، وأن ضعفه من قبل حفظه، وقد تأيد حديثه هذا بما تقدم من حديث أبي هريرة في الفصل الأول. ١٠٨١- قوله: (أمرنا رسول الله ﷺ ) قال الطيبي: المأمور به محذوف وقوله: (إذا كنتم الخ) مقول للقول، وهو حال بيان للمحذوف، والمعنى أمرنا أن لا نخرج من المسجد إذا كنا فيه وسمعنا الأذان حتى نصلي قائلاً إذا كنتم الخ. وقال ابن حجر: أي أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نخرج من المسجد بعد سماع أذانه. لكن ليس بصيغة أمر بل بما يدل عليه، وهو قوله إذا كنتم الخ. والحديث يدل على أنه لا يجوز الخروج من المسجد بعد ما أذن فيه، لكنه مخصوص بمن ليس له ضرورة، يدل عليه حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره أن رسول الله ﷺ خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلنا الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف قال على مكانكم فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينظف رأسه ماء وقد اغتسل، ففيه دليل على أن النهي عن الخروج عن المسجد بعد الأذان مخصوص بمن ليس له ضرورة، فيلتحق بالجنب المحدث والراعف والحاقن

стр. 1440

رواه أحمد. ١٠٨٢- (٢٤) وعن أبي الشعثاء، قال: ((خرج رجل من المسجد بعد ما أذن فيه. فقال أبوهريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ )) ــ ونحوهم، وكذا من كان إماما لمسجد آخر ومن في معناه. قال ابن رسلان في شرح السنن: الخروج مكروه عند عامة أهل العلم إذا كان لغير عذر من طهارة أو نحوها وإلا جاز بلا كراهة - انتهى. قلت: ويدل على جواز الخروج لحاجة حديث عثمان الآتي، وحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عند الطبراني في الأوسط قال: قال رسول الله ﷺ لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وقال المنذري: رواته محتج بهم في الصحيح. (رواه أحمد) من طريق شريك عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن أبي هريرة وزاد في أوله من طريق المسعودي وشريك قال: (أي أبوالشعثاء) خرج رجل بعد ما أذن المؤذن فقال: (أي أبوهريرة) أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ثم قال: (أي أبوهريرة) أمرنا رسول الله ﷺ الخ. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح: وقال المنذري: إسناده صحيح. ورواه مسلم وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه دون قوله: أمرنا رسول الله ﷺ الخ - انتهى. يعني به الحديث الذي ذكره المصنف بعد هذا. ١٠٨٢- قوله: (عن أبي الشعثاء) اسمه سليم بن أسود بن حنظلة المحاربي الكوفي، ثقة باتفاق من كبار أوساط التابعين، مات في زمن الحجاج، وأرخه ابن قانع سنة ثلاث وثمانين. (أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ) كأنه علم أن خروجه ليس لضرورة تبيح له الخروج كحاجة الوضوء مثلاً. قال الطيبي: أما للتفصيل يقتضي شيئين فصاعداً، والمعنى أما من ثبت في المسجد وأقام الصلاة فيه فقد أطاع أبا القاسم ﷺ ، وأما هذا فقد عصى - انتهى. وفيه دليل على تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان وهو محمول على من خرج بغير ضرورة كما تقدم. قال القرطبي: هذا محمول على أنه حديث مرفوع إلى رسول الله ﷺ بدليل نسبته إليه وكأنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان، فأطلق لفظ المعصية عليه - انتهى. قلت: حديث مسلم هذا أخرجه أحمد من طريق المسعودي وشريك كلاهما عن أشعث عن أبي الشعثاء بنحوه، وزاد في آخره ما نصه قال: وفي حديث شريك ثم قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي. وهو الحديث السابق ففي هذه الرواية التصريح برفع الحديث إلى النبي ﷺ ، وكذا ورد التصريح برفعه عند الطبراني من طريق
следующие страницы →