← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

رواه أبوداود والترمذي والنسائي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ١٠٤٣- (١٣) وعن ابن عباس ﵄، قال: ((جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! رأيتني الليلة، وأنا نائم كأني أصلي خلف الشجرة، فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. ــ "فتبارك الله أحسن الخالقين" وزاد البيهقي "وصوره" بعد قوله: خلقه. ولمسلم نحوه من حديث علي في سجود الصلاة، وللنسائي أيضاً نحوه من حديث جابر في سجود الصلاة أيضاً. وفيه وفي الحديث الآتي دليل على مشروعية الذكر في سجود التلاوة بما اشتملا عليه، ويقول ذلك فيه، في الصلاة فريضة كانت أو نافلة وفي غير الصلاة. ولا حجة لمن حمله على خارج الصلاة، أو على النافلة. (رواه أبوداود والترمذي والنسائي) وأخرجه أيضاً الدارقطني والحاكم (ج١ ص٢٢٠) ، والبيهقي (ج٢ ص٢٢٥) ، وابن السكن، وسكت عنه أبوداود، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. (وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) نقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره. ١٠٤٣- قوله: (جاء رجل) هو أبوسعيد الخدري، كما جاء مصرحاً به، من روايته، عند أبي يعلى والطبراني في الأوسط، ذكرها الهيثمي، في مجمع الزوائد (ج٢ ص٢٨٤-٢٨٥) ، وقال: وفيه اليمان بن نصر، قال الذهبي: مجهول. (رأيتني ليلة) أي أبصرت ذاتي البارحة. (وأنا نائم) حال فاعل أو مفعول. وفي رواية البيهقي: رأيت البارحة فيما يرى النائم. (فسجدت) أي سجدة تلاوة في سورة "ص" كما في رواية البيهقي. (فسمعتها) أي الشجرة. (اكتب لي) أي أثبت لأجلي. (بها) أي بسبب هذه السجدة أو بمقابلتها. والضمير للسجدة المفهومة من سجدت. (عندك) ظرف لأكتب. (وضع) أي أحطط، كما في رواية ابن ماجه. وفي حديث أبي سعيد المذكور حط، ووقع في بعض نسخ المشكاة: حط، بدل وضع، وهو غلط، فإن الرواية بلفظ: ضع. وكذا وقع في المصابيح. (وزراً) أي ذنباً. (واجعلها لي عندك ذخراً) أي كنزاً. قيل: ذخراً بمعنى أجراً، وكرر لأن مقام الدعاء يناسب الإطناب. وقيل: الأول طلب كتابة الأجر، وهذا طلب بقائه سالماً من محبط ومبطل. قال القاري: هذا هو الأظهر. (كما تقبلتها من عبدك داود) فيه إيماء إلى أن سجدة "ص" للتلاوة. قال السيوطي في قوت المغتذي على جامع الترمذي: قال القاضي أبوبكر بن العربي: عسير علي في هذا الحديث أن يقول أحد ذلك، فإن فيه طلب قبول مثل ذلك القبول،

стр. 1367

قال ابن عباس: فقرأ النبي ﷺ سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول: مثل ما أخبره الرجل، عن قول الشجرة)) رواه الترمذي، وابن ماجه، إلا أنه لم يذكر: (وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود) . وقال الترمذي: هذا حديث غريب. ــ وأين ذلك اللسان، وأين تلك النية. قلت: ليس المراد المماثلة من كل وجه، بل في مطلق القبول، وقد ورد في دعاء الأضحية "وتقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك، ومحمد نبيك" وأين المقام من المقام، ما أريد بهذا إلا مطلق القبول. وفيه إيماء إلى الإيمان بهؤلاء الأنبياء. وإذا ورد الحديث بشيء اتبع، ولا إشكال- انتهى. قال السندي: ولا يخفى، أن اعتبار التشبيه في مطلق القبول، يجعل الكلام قليل الجدوى. ولو قيل: وتقبلها مني قبولاً، مثل ما تقبلتها من عبدك داود، في أن كلاً منهما فرد من أفراد مطلق القبول، لم يكن في التشبيه كثير فائدة، ولم يكن إلا تطويل بلا طائل. والأقرب أن يعتبر التشبيه في الكمال، ويعتبر الكمال في قبول، كل بحسب مرتبته- انتهى. (فقرأ النبي ﷺ سجدة) أي آية سجدة سورة "ص"، كما في حديث أبي سعيد الخدري. قال ابن حجر: يحتمل أنه قصدها ليبين مشروعية ما سمعه أبوسعيد بالفعل، الذي هو أبلغ من القول، وأن يكون قراءته وقعت اتفاقاً، فبين مشروعية ذلك فيها. (رواه الترمذي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً ابن حبان وابن خزيمة في صحيحهما، والحاكم (ج١ ص٢١٩-٢٢٠) والبيهقي (ج٢ ص٣٢٠) . (وقال الترمذي: هذا حديث غريب) وفي نسخة الشيخ محمد عابد السندي: هذا حديث حسن غريب، كما ذكره الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي. وفي سنده محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد. ومحمد بن يزيد هذا مقبول، قاله الحافظ في التقريب. وقال أبوحاتم: كان شيخاً صالحاً كتبنا عنه بمكة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من خيار الناس، ربما أخطا، يجب أن يعتبر بحديثه إذا بين السماع في خبره- انتهى. قلت: روى محمد بن يزيد هذا الحديث، عن الحسن بن محمد بلفظ التحديث عند الترمذي والحاكم. وأما الحسن بن محمد، فقال العقيلي لا يتابع على حديثه، وليس بمشهور النقل. وحكى الذهبي عمن لم يسمعه: أن فيه جهالة، ولم يرو عنه غير ابن خنيس. وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج هو وابن خزيمة حديثه في صحيحهما. وقال الخليلي لما ذكر حديثه: هذا حديث غريب صحيح من حديث ابن جريج، قصد أحمد بن حنبل محمد بن يزيد بن خنيس وسأل عنه، وتفرد به الحسن بن محمد المكي، وهو ثقة، نقل ذلك الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٢ ص٣١٩) . وقال الحاكم بعد إخراجه: هذا حديث صحيح، رواته مكيون، لم يذكر واحد منهم يخرج، وهو من شرط الصحيح، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح ما في رواته مجروح- انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن. وهو يدل على صحة ما في مخطوطة الشيخ محمد عابد السندي من قول الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

стр. 1368

﴿الفصل الثالث﴾ ١٠٤٤- (١٤) عن ابن مسعود: ((أن النبي ﷺ قرأ "والنجم" فسجد فيها، وسجد من كان معه، غير أن شيخاً من قريش أخذ كفاً من حصى- أو تراب- فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافراً)) متفق عليه. وزاد البخاري في روايته: وهو أمية بن خلف. ــ ١٠٤٤- قوله: (قرأ والنجم) أي سورة النجم إلى آخرها بمكة. (فسجد فيها) أي في آخرها، أو لما فرغ من قراءتها. (وسجد من كان معه) أي من كان حاضراً، قراءته من المسلمين والمشركين والجن والإنس، كما تقدم عن ابن عباس، حتى شاع أن أهل مكة أسلموا. (غير أن شيخاً من قريش) هو أمية بن خلف، كما يأتي. (أخذ كفاً من حصى) أي حجارة صغار. (أو تراب) شك ممن الراوي. (فرفعه) أي كفه. (إلى جبهته) وفي رواية للبخاري: فسجد عليه. (يكفيني) فإن المقصود من السجود، التواضع والانقياد والمذلة بين يدي الله، ووضع أشرف الأعضاء في أخس الأشياء، وهذا لما في رأسه من توهم الكبرياء والاستنكاف. (قال عبد الله) أي ابن مسعود. (فلقد رأيته) أي الشيخ المذكور. (بعد) أي بعد هذه القضية. (قتل كافراً) أي ببدر. والحديث فيه مشروعية السجود لمن حضر عند القاري للآية التي فيها السجدة: واستدل به على جواز السجود بلا وضوء، لأنه يبعد في العادة أن يكون جميع من حضر من المسلمين كانوا عند قراءته الآية على وضوء، لأنهم لم يتأهبوا لذلك، وإذا كان كذلك فمن بادر منهم إلى السجود بلا وضوء، وأقره النبي ﷺ على ذلك، دل ذلك على عدم وجوب الوضوء لسجود التلاوة. ويؤيده ما تقدم في رواية ابن عباس من التسوية، في السجود بين المسلمين والمشركين، وفيهم من لا يصح منه الوضوء، فيلزم أن يصح السجود ممن كان بوضوء، وممن لم يكن بوضوء. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والبيهقي. (وزاد البخاري وفي رواية) أي في تفسير سورة النجم. (وهو أمية بن خلف) أخو أبي بن خلف بن وهب. وقيل: الشيخ المذكور هو الوليد بن المغيرة، كما وقع في سيرة ابن إسحاق. وفيه نظر، لأنه لم يقتل. وقيل: هو عتبة بن ربيعة، كما في تفسير سنيد. وقيل: إنه أبوأحيحة سعيد بن العاص، رواه الطبري. وقيل: أبولهب، ذكره أبوحبان في تفسيره من غير مستند. وقيل: المطلب بن أبي وداعة، رواه النسائي والبيهقي (ج٢ ص٣١٤) وفي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي هريرة، سجدوا في النجم، إلا رجلين من قريش، أرادا بذلك الشهرة. قال القسطلاني والمنذري: الأول أصح، وهو الذي ذكره البخاري. وقال الحافظ

стр. 1369

١٠٤٥- (١٥) وعن ابن عباس، قال: ((إن النبي ﷺ سجد في "ص" وقال: سجدها داود توبة، ونسجدها شكراً)) رواه النسائي. (٢٢) باب أوقات النهي ــ في الفتح: ومهما ثبت من ذلك فلعل ابن مسعود لم يره، أو خص واحداً بذكره لاختصاصه بأخذ الكف من التراب دون غيره. ١٠٤٥- قوله: (سجد في ص) أي في سورة "ص" مكان سجدتها وهو ﴿أناب﴾ وقيل: ﴿حسن مآب﴾ [٣٨: ٤٠] (توبة) أي لأجل التوبة. (ونسجدها شكراً) منا على قبول توبته، وتوفيق الله تعالى إياه عليها، فحين يجري في القرآن، ذكر من الله تعالى لتلك التوبة، نشكره تعالى على تلك النعمة. وكون السجدة للشكر. لا يلزم منه أن لا يكون سجدة تلاوة. لأن سجدة التلاوة، لا شك أنها تتعلق بقراءة آية السجدة أو سماعها، وتقع السجدة عند ثبوتهما. وهذا هو معنى سجدة التلاوة، سواء يكون السبب فيها أمراً بإيقاعها أو شكراً أو غير ذلك. والحاصل: أن غاية ما في هذا الحديث، أنه بين السبب في حق داود والسبب في حقنا. وكونها للشكر في حقنا، لا ينافي كونها سجدة التلاوة. فالحق أنه يسجد فيها في الصلاة وغير الصلاة، خلافاً للشافعي. وقد تقدم شيء من الكلام في ذلك. (رواه النسائي) من طريق حجاج بن محمد عن عمر بن ذر عن أبي سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال الحافظ في الدراية: رواته ثقات. وقال ابن كثير: رجاله على شرط البخاري- انتهى. وأخرجه أيضاً الشافعي في الأم والدارقطني والبيهقي (ج٢ ص٣١٩) ، وصححه ابن السكن، وقال البيهقي روي مرسلاً وموصولاً، والمرسل هو المحفوظ، والموصول ليس بقوي. (باب أوقات النهي) مصدر بمعنى المنهي، أي باب الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. ومحصل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات، التي نهى عن الصلاة فيها، أنها خمسة: ١- عند طلوع الشمس، ٢- وعند غروبها، ٣- وبعد الصلاة الصبح، ٤- وبعد صلاة العصر، ٥- وعند الاستواء. وترجح بالتحقيق إلى ثلاثة: ١- وقت استواء الشمس، ٢- ومن بعد صلاة الصبح إلى أن ترتفع الشمس، فيدخل فيه الصلاة عند طلوع الشمس، ٣- ومن بعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، ويدخل فيه الصلاة عند غروب الشمس. واختلف العلماء من أوقات النهي في موضعين: أحدهما في عددها، والثاني في الصلوات التي يتعلق النهي عن فعلها فيها. وسبب الخلاف في الأول، أحد شيئين: إما معارضة أثر لأثر، وإما معارضة الأثر للعمل، عند من راعاه، أعني عمل أهل المدينة، وهو مالك بن أنس. وأما سبب الخلاف في الثاني فهو اختلافهم في الجمع، بين العمومات الواردة في ذلك، وأي يخص بأي. كما سنذكر ذلك مجملاً. وقد بسطه ابن الرشد في بداية المجتهد (ج١ ص٧٩)

стр. 1370

أحسن بسط، وإن كان فيه نوع من القصور في بيان مسالك الأئمة، وسبب اختلافهم، مع عدم ذكر مذهب الحنابلة رأساً، كما لا يخفى على من له إطلاع على كتب الفروع. قال القاضي البيضاوي: اختلفوا في جواز الصلاة بعد الصبح والعصر، وعند الطلوع والغروب، وعند الاستواء. فذهب داود إلى الجواز مطلقاً. وقد روي عن جمع من الصحابة، فلعلهم لم يسمعوا نهيه ﵇، أو حملوه على التنزيه دون التحريم. قلت: المحكي عن داود أنه ادعى كون أحاديث النهي منسوخة، وبذلك جزم ابن حزم، قال: وخالفهم الأكثرون، فقال الشافعي: لا يجوز فيها فعل صلاة لا سبب لها من النوافل. وأما الذي له سبب أي متقدم كالمنذورة والجنازة وتحية المسجد وسجود التلاوة والشكر وصلاة العيد والكسوف وقضاء الفائتة، فرضاً كانت أو نفلاً. فجائز لحديث كريب عن أم سلمة الآتي، واستثني أيضاً مكة واستواء الجمعة لحديثي جبير بن مطعم وأبي هريرة الآتيين في الفصل الثاني. وقال أبوحنيفة: يحرم فعل كل صلاة في الأوقات الثلاثة، سوى عصر يومه، ويحرم المنذورة والنافلة بعد صلاة الصبح. والعصر دون المكتوبة الفائتة وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة. وقال مالك: يحرم وقت طلوع والغروب، وبعد صلاة الصبح وبعد العصر، النوافل مطلقاً ذات سبب كانت أو غير ذات سبب دون الفرائض، إلا صلاة الجنازة وسجدة التلاوة بعد صلاة الصبح قبل الإسفار، وبعد صلاة العصر قبل الاصفرار، واستثنى وقت الاستواء فالأوقات المنهي عنها عنده أربعة الطلوع والغروب، وبعد صلاة الصبح، وبعد العصر. وقال أحمد: الأوقات المنهي عنها خمسة. (كما هي عند الشافعي وأبي حنيفة) ، قال يحرم فيها النوافل دون الفرائض والصلاة المنذورة وتحية المسجد حال خطبة الجمعة وركعتي الطواف، فرضاً كان الطواف أو نفلاً - انتهى بزيادة وأيضاًح. والراجح عندي أن الأوقات المنهي عنها خمسة، كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبوحنيفة، ويستثنى منها استواء الجمعة ومكة، كما قال به الشافعي: قال الشوكاني في الدرر البهية: أوقات الكراهة في غير مكة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، وعند الزوال غير يوم الجمعة، وبعد العصر حتى تغرب- انتهى. وأما الصلوات التي يتعلق النهي عنها فيها، فسيأتي بيان ما هو الراجح في ذلك. تنبيه: قال بعض العلماء المراد بحصر الكراهة في الأوقات الخمسة انما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية وإلا فقد ذكروا أنه يكره التنفل وقت إقامة الصلاة ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة، وفي حالة الصلاة المكتوبة، جماعة لمن لم يصلها، وعند المالكية كراهة التنفل بعد الجمعة حتى ينصرف الناس. وعند الحنفية كراهة التنفل قبل صلاة المغرب، وسيأتي ثبوت الأمر به. (في باب السنن) ، ذكره الحافظ في الفتح.

стр. 1371

﴿الفصل الأول﴾ ١٠٤٦- (١) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها)) وفي رواية، ــ ١٠٤٦- قوله: (لا يتحرى) بثبوت حرف العلة المقتضية لخبرية الفعل، وكونه سابقة حرف نفي، لكنه بمعنى النهي. وقال في شرح التقريب (ج٢ ص١٨٢) لا يتحرى بإثبات الألف في الصحيحين والموطأ والوجه حذفها لتكون علامة للجزم لكن الإثبات إشباع، فهو كقوله تعالى: ﴿إنه من يتقي ويصبر﴾ ، فيمن قرأ بإثبات الياء. (فيصلي) بالنصب جواباً للنهي المتضمن لئلا يتحرى كالمضارع المقرون بالفاء في قوله: ما تأتينا فتحدثنا، فالمراد النهي عن التحري والصلاة كليهما. ويجوز الرفع من جهة النحو، أي لا يتحرى أحدكم الصلاة في وقت كذا، فهو يصلي فيه. وقال الطيبي: لا يتحرى هو نفي بمعنى النهي. و"يصلي" هو منصوب بأنه جوابه. ويجوز أن يتعلق بالفعل المنهي أيضاً، فالفعل المنهي معلل في الأول والفعل المعلل منهى في الثاني. والمعنى على الثاني لا يتحرى أحدكم فعلاً ليكون سبباً لوقوع الصلاة في زمان الكراهة، وعلى الأول كأنه قيل لا يتحرى، فقيل: لم ينهانا عنه، فأجيب عنه خيفة أن يصلي أن الكراهة. وقال ابن خروف: يجوز في "فيصلي" ثلاثة أوجه: الجزم على العطف، أي لا يتحر ولا يصل، والرفع على القطع. أي لا يتحرى، فهو يصلي، والنصب على جواب النهي. والمعنى لا يتحرى مصلياً- انتهى. قال التوربشتي: يقال فلان يتحرى الأمر أي يتوخاه ويقصده، ومنه قوله تعالى: ﴿فأولئك تحروا رشداً﴾ ، أي توخوا وعمدوا، ويتحرى فلان الأمر إذا طلب ما هو الأحرى. والحديث يحتمل الوجهين، أي لا يقصد الوقت الذي تطلع فيه الشمس، أو تغرب فيصلي فيه، أو لا يصلي في هذا الوقت ظناً منه أنه قد عمل بالأحرى. والأول أبلغ وأوجه في المعنى المراد - انتهى. (عند طلوع الشمس ولا عند غروبها) قال الحافظ: اختلف في المراد بالحديث، فمنهم من جعله تفسيراً للحديث السابق. (أي لحديث عمر: نهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب) ومبيناً للمراد به، فقال: لا تكره الصلاة بعد الصبح ولا بعد العصر إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها. وإلى ذلك جنح بعض أهل الظاهر، وقواه ابن المنذر، واحتج له بما رواه مسلم من طريق طاووس عن عائشة قالت: وهم ابن عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها. ويدل على ذلك أيضاً قول ابن عمر أصلي، كما رأيت أصحابي يصلون، لا أنهى أحداً يصلي بليل أو نهار ما شاء غير أن لا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها. وربما قوى ذلك بعضهم بحديث: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليضف إليها الأخرى، فأمر بالصلاة حينئذٍ، فدل على أن الكراهة مختصة بمن قصد الصلاة في ذلك الوقت لا من وقع له ذلك اتفاقاً، ومنهم من جعله نهياً مستقلاً، وكره الصلاة في تلك الأوقات،

стр. 1372

قال: إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز. وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب، ولا تحينوا بصلوتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني الشيطان)) متفق عليه. ١٠٤٧- (٢) وعن عقبة بن عامر، قال: ((ثلاث ساعات رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو نقبر فيهن ــ سواء قصد لها أو لم يقصد. وهو قول الأكثر، قال البيهقي: إنما قالت عائشة ذلك؛ لأنها رأت النبي ﷺ يصلي بعد العصر، فحملت نهيه على من قصد ذلك، لا على الإطلاق. وقد أجيب عن هذا بأنه ﷺ إنما صلى حينئذٍ قضاء. وأما النهي فهو ثابت من طريق جماعة من الصحابة غير عمر ﵁، فلا اختصاص له بالوهم- انتهى. (إذا طلع) أي ظهر. (حاجب الشمس) أي طرفها الأعلى من قرصها سمي به؛ لأنه أول ما يبدو منها، فيصير كحاجب الإنسان. (فدعوا) أي اتركوا. وفي رواية: فأخروا. (الصلاة) يحمل ذلك في الموضعين على ما عدا الفريضة المقضية أو المؤداة في هذين الوقتين؛ لقوله ﷺ من نام عن الصلاة أو سها عنها فوقتها حين يذكرها- الحديث. وقوله: من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس. ويستثنى منه أيضاً مكة لما سيأتي. (حتى) أي إلى أن (تبرز) أي تخرج وتظهر كلها، والمراد ترتفع، كما وقع في رواية للبخاري. قال النووي: المراد ببروز الشمس وكذا بطلوعها في الروايات الأخر هو ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها، لا مجرد ظهور قرصها للجمع بين الروايات. (حتى تغيب) أي تغرب بالكلية. (ولا تحينوا) بحذف إحدى التائين من تحين بمعنى حين الشيء إذا جعل له حيناً، أي لا تجعلوا ذلك حيناً للصلاة بصلاتكم فيه، والمعنى لا تنتظروا بصلاتكم حين طلوع الشمس، ولا حين غروبها. (فإنها تطلع) بضم اللام. (بين قرني الشيطان) أي جانبي رأسه؛ لأنه ينتصب قائماً في محاذاة مطلع الشمس حتى إذا طلعت كان طلوعها بين قرنيه، أي جانبي رأسه، فتقع السجدة له إذا عبدت عبدة الشمس للشمس، فنهى عن الصلاة في ذلك الوقت لئلا يتشبه بهم في العبادة. قال الحافظ: فيه إشارة إلى علة النهي. وزاد في حديث عمرو بن عبسة الآتي وحينئذٍ: يسجد لها الكفار، فالنهي حينئذٍ لترك مشابهة الكفار، وقد اعتبر الشرع ذلك في أشياء كثيرة. وفي هذا تعقب على البغوي حيث قال: إن النهي عن ذلك لا يدرك معناه، وجعله من قبيل التعبد الذي يجب الإيمان به. (متفق عليه) فيه أن قوله: لا تحينوا الخ من إفراد البخاري، وليس عند مسلم، والرواية الأولى أخرجها أيضاً مالك وأخرج النسائي والبيهقي (ج٢ ص٤٥٣) الروايتين بنحو ما وقع في مسلم. ١٠٤٧- قوله: (ثلاث ساعات) أي أوقات. (كان ينهانا أن نصلي فيهن) هو بإطلاقه يشمل صلاة الجنازة؛ لأنها صلاة. (أو نقبر فيهن) قال القرطبي: روي بأو وبالواو، وهي الأظهر. ويكون مراد النهي الصلاة على

стр. 1373

موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، ــ الجنازة والدفن؛ لأنه أنما يكون أثر الصلاة عليها. وأما رواية أو ففيها إشكال إلا إذا قلنا إن أو بمعنى الواو، كما قاله الكوفي. كذا في زهر الربي. وقوله: نقبر من قبر الميت من باب نصر، وضرب لغة أي ندفن. وفيه دليل على أن دفن الموتى في الأوقات الثلاثة منهي عنه من غير فرق بين العابد وغيره. وإليه ذهب أحمد. وهو الحق لظاهر الحديث. قال السندي ظاهر الحديث كراهة الدفن في هذه الأوقات، وهو قول أحمد وغيره. ومن لا يقول به يؤول الحديث بأن المراد صلاة الجنازة على الميت بطريق الكناية للملازمة بين الدفن والصلاة. ولا يخفى أنه تأويل بعيد لا ينساق الذهن إليه من لفظ الحديث، يقال: قبره إذا دفنه، ولا يقال قبره إذا صلى عليه، قال والأقرب أن الحديث يميل إلى قول أحمد وغيره: إن الدفن مكروه في هذه الأوقات- انتهى. وقال البيهقي: نهيه عن القبر في هذه الساعات لا يتناول الصلاة على الجنازة، وهو عند كثير من أهل العلم محمول على كراهية الدفن في تلك الساعات- انتهى. قلت حمله أبوداود على الدفن الحقيقي حيث بوب عليه في الجنائز: باب الدفن عند طلوع الشمس وغروبها. وإليه يظهر ميل النسائي حيث عقد عليه في أثناء أبواب الدفن: باب الساعات التي نهى عن إقبار الموتى فيها، وحمله ابن ماجه على الصلاة والدفن كليهما، فقد بوب عليه في الجنائز: باب الأوقات التي لا يصلي فيها على الميت ولا يدفن. وحمله الترمذي على الصلاة، ولذلك بوب عليه: باب كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وأيده بما نقل عن ابن المبارك، قال: معنى هذا الحديث أو أن نقبر فيهن موتانا يعني الصلاة على الجنازة- انتهى. وقد ضعف النووي هذا التأويل وزيفه، كالسندي، هذا وقد علمت مما قدمنا إن صلاة الجنازة مكروهة في هذه الأوقات عند مالك وأحمد وأبي حنيفة. واستدل هؤلاء بحديث عقبة هذا وغيره من الأحاديث المطلقة الدالة على كراهة الصلاة في هذه الساعات خلافاً للشافعي. والقول الأول هو الظاهر. قال الخطابي: قول الجماعة أولى لموافقه الحديث. (حين تطلع) بيان للساعات. (بازغة) أي طالعة ظاهرة لا يخفى طلوعها، حال مؤكدة. (حتى ترتفع) أي قدر رمح، كما في حديث عمرو بن عبسة عند أبي داود والنسائي. (وحين يقوم قائم الظهيرة) هي شدة الحر. وقيل: حد انتصاف النهار، أي يقف ويستقر الظل الذي يقف عادة حسب ما يبدو، فإن الظل عند الظهيرة لا يظهر له سويعة حركة حتى يظهر بمرأى العين أنه واقف، وهو سائر حقيقة. قال في المجمع: إذا بلغ الشمس وسط السماء أبطأت حركتها إلى أن تزول، فيحسب الناظر المتأمل أنها وقفت، وهي سائرة. ولا شك إن الظل تابع لها. والحاصل: أن المراد وعند الاستواء. وقيل: المراد بقائم الظهيرة الشخص القائم في الظهيرة، فإن الناس في السفر يقفون في هذا الوقت لشدة الحر ليستريحوا. وقال النووي: الظهيرة حال استواء الشمس، ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق ولا في المغرب. وقال ابن حجر: الظهيرة هي نصف النهار وقائمها، أما الظل وقيامه وقوفه من قامت به دابته وقفت، والمراد بوقوفه بطأ حركته

стр. 1374

حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب)) رواه مسلم. ــ الناشيء عن بطئ حركة الشمس حينئذٍ باعتبار ما يظهر للناظر ببادي الرأي، وإلا فهي سائرة على حالها، وأما القائم فيها؛ لأنه حينئذٍ لا يميل له ظل إلى جهة الشرق، ولا إلى جهة المغرب. وذلك كله كناية عن وقت استواء الشمس في وسط السماء. (حتى تميل الشمس) أي من المشرق إلى المغرب، وتزول عن وسط السماء إلى الجانب الغربي. وميلها هذا هو الزوال. قال ابن حجر: ووقت الاستواء المذكور, وإن كان وقتا ضيقاً لا يسع صلاة إلا أنه يسع التحريمة، فيحرم تعمد التحريم فيه. (وحين تضيف) بتشديد الياء بعد الضاد المفتوحة وضم الفاء صيغة المضارع. أصله تتضيف بالتائين، حذفت إحداهما، أي تميل. وقيل: هو بسكون الياء بعد الضاد المكسورة، من ضافت تضيف إذا مالت. في القاموس ضاف مال كتضيف وضيف واضفته، أملته وضيفته- انتهى. وقال التوربشتي: أصل الضيف الميل، يقال: ضفت إلى كذا، ملت إليه وسمي الضيف ضيفا لميله إلى الذي نزل عليه. (للغروب) وتشرع فيه. (حتى تغرب) قال الأمير اليماني: النهي عن هذه الأوقات الثلاثة عام بلفظه لفرض الصلاة ونفلها، والنهي للتحريم، كما عرفت من أنه أصله. وكذا يحرم قبر الموتى فيها، ولكن فرض الصلاة أخرجه حديث: من نام عن صلاته الحديث، وفيه فوقتها حين يذكرها ففي أي وقت ذكرها أو استيقظ من نومه أتى بها، وكذا من أدرك ركعة قبل غروب الشمس وقبل طلوعها لا يحرم عليه، فيخص النهي بالنوافل دون الفرائض. وقيل: بل يعمها بدليل أنه ﷺ لما نام في الوادي عن صلاة الفجر ثم استيقظ لم يأت بالصلاة في ذلك الوقت، بل أخرها إلى أن خرج وقت المكروه. وأجيب عنه أولاً بأنه ﷺ لم يستيقظ هو وأصحابه إلا حين أصابهم حر الشمس كما ثبت في الحديث، ولا يوقظهم حرها إلا وقد ارتفعت وزال وقت الكراهة، وثانياً: بأنه قد بين النبي ﷺ وجه تأخير أدائها عند الاستيقاظ بأنهم في واد حضر فيه الشيطان، فخرج ﷺ عنه وصلى في غيره. وهذا التعليل يشعر بأنه ليس التأخير لأجل وقت الكراهة، لو سلم أنهم استيقظوا، ولم يكن قد خرج الوقت. فتحصل من الأحاديث أنها تحرم النوافل في الأوقات الخمسة، وأنه يجوز أن تقضى النوافل بعد صلاة الفجر وصلاة العصر. أما صلاة العصر فلما سيأتي من صلاته ﷺ قاضياً لنافلة الظهر بعد العصر إن لم نقل أنه خاص به. وأما صلاة الفجر فلتقريره لمن صلى نافلة الفجر بعد صلاته، وإنها يتصلى الفرائض في أي الأوقات الخمسة لنائم وناس ومؤخر عمداً وإن كان آثماً بالتأخير والصلاة أداء في الكل مالم يخرج وقت العامل فهي قضاء في حقه- انتهى. وقال الشوكاني في السيل الجرار نحو كلام الأمير اليماني مع زيادة البسط. (رواه مسلم) في الصلاة وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود في الجنائز والنسائي والبيهقي في الصلاة وفي الجنائز وابن ماجه في الجنائز.

стр. 1375

١٠٤٨- (٣) وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس)) متفق عليه. ١٠٤٩- (٤) وعن عمرو بن عبسة، قال: ((قدم النبي ﷺ المدينة، فقدمت المدينة، فدخلت عليه، فقلت: أخبرني عن الصلاة. فقال: صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حين تطلع الشمس، ــ ١٠٤٨- قوله: (لا صلاة) أي صحيحة أو حاصلة. وقيل: النفي بمعنى النهي. والتقدير لا تصلوا. وقال ابن دقيق العيد: صيغة النفي إذا دخلت في ألفاظ الشارع على فعل كان الأولى حملها على نفى الفعل الشرعي لا الحسي؛ لأنا لو حملناه على نفي الفعل الحسي لاحتججنا في تصحيحه إلى إضمار، والأصل عدمه، وإذا حملناه على الشرعي لم نحتج إلى إضمار. فهذا وجه الأولوية وعلى هذا فهو نفي بمعنى النهي. والتقدير لا تصلوا كما ورد التصريح به في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطبراني، وحديث على عند أبي داود والنسائي. (بعد الصبح) أي بعد صلاته؛ لأنه لا جائز أن يكون الحكم فيه معلقاً بالوقت، إذ لابد من أداء الصبح. فتعين التقدير المذكور. وأيضاً قد ورد التصريح بذلك في رواية مسلم، ولفظها: لا صلاة بعد صلاة الفجر (حتى ترتفع الشمس) قدر رمح في رأى العين. (ولا صلاة بعد العصر) أي بعد صلاته، كما في رواية مسلم (حتى تغيب الشمس) أي بالكلية. والحديث يدل على تحريم النفل في هذين الوقتين؛ لأن الأصل في النهي التحريم. وحمل الشافعية الحديث على غير ذات سبب، قالوا: تجوز ذات السبب في هذين الوقتين. وحمله الحنفية على العموم. واستثنوا منه الفريضة الفائتة وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة كما تقدم. واعترض عليه ابن الهمام بأن النهي في هذين الوقتين أيضاً مطلق كما في الأوقات الثلاثة المذكورة في حديث عقبة. وتخصيص النص بالرأي لا يجوز ابتداء. (متفق عليه) واللفظ للبخاري وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي. وفي الباب عن جماعة من الصحابة، ذكرهم الحافظ في التلخيص والشوكاني في النيل. ١٠٤٩- قوله: (عن عمرو بن عبسة) بعين مهملة وموحدة وسين مهملة مفتوحات، ابن عامر بن خالد السلمي، له في صحيح مسلم هذا الحديث، وقد ذكر في أوله قصة إسلامه. (قدم ﷺ المدينة، فقدمت المدينة) أي على قصد اللحوق به ﷺ . وفيه وضع الظاهر موضع الضمير، وإنما صار كذلك لاختصار الحديث. وهذا ظاهر عند من يرى سياقه عند مسلم. (أخبرني عن الصلاة) أي عن وقتها الجائزة فيه بدليل الجواب (صل صلاة الصبح) أي سننه وفرضه. (ثم أقصر عن الصلاة) من الإقصار أي انته عن الصلاة، وكف عنها. (حين تطلع الشمس)

стр. 1376

حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان. وحينئذٍ يسجد لها الكفار. ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ــ وفي بعض نسخ مسلم "حتى: بدل حين. (حتى ترتفع) فيه أن النهي عن الصلاة بعد الصبح لا يزول بنفس الطلوع، بل لابد من الارتفاع فالمراد بالطلوع والبروز المذكورين في بعض الأحاديث الطلوع المخصوص، وهو الارتفاع لا مجرد الظهور، وقد ورد مفسراً في رواية أبي داود والنسائي بارتفاعها "قيس رمح". (بين قرني شيطان) بلا ألف ولام. وهكذا هو في أصول مسلم، كما صرح به النووي. وكذا وقع في رواية أحمد وأبي داود والنسائي والبيهقي. قيل: تنكيره للتحقير. وفي المصابيح بين قرني الشيطان بالألف واللام. وكذا وقع في بعض نسخ المشكاة، وفي ابن ماجه. واختلف في المعنى المراد بقرني الشيطان على أقوال، ذكرها الخطابي في المعالم (ج١ ص١٣٠) ، أقواها: أن المراد به ناحيتا الرأس، وأنه على ظاهره. ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين لها في الصورة. (يسجد لها الكفار) أي الذين يعبدونها. (ثم) أي بعد ارتفاع الشمس قدر رمح (صل) أي ما شئت كما في رواية أبي داود. وفي ابن ماجه: ثم صل ما بدا لك. وقال القارئ: أي صلاة الإشراق فإنها مبدأ الضحى، أو صلاة الضحى فإنها منتهية إلى قرب الإستواء، أو صل ما شئت- انتهى. (فإن الصلاة) أي بعد ارتفاع الشمس، أو أن الصلاة المشروعة (مشهودة محضورة) قال النووي: أي تحضرها الملائكة، فهي أقرب إلى القبول، وحصول الرحمة. وقال القاري: أي يحضرها الملائكة ليكتبوا أجرها، ويشهدوا بها لمن صلاها. ويؤيده أن في رواية أبي داود مشهودة مكتوبة. وقال الطيبي: أي يحضرها أهل الطاعة من سكان السماء والأرض. وعلى معنيين فمحضورة تفسير مشهودة وتأكيد لها. ويمكن أن يحمل مشهودة على المعنى الأول، ومحضورة على الثاني، أو الأولى بمعنى الشهادة، والثانية بمعنى الحضور للتبرك، والتأسيس أولى من التأكيد- انتهى كلام القاري. (حتى يستقل الظل بالرمح) أي حتى يرتفع الظل مع الرمح أو في الرمح، ولم يبق على الأرض منه شيء من الاستقلال بمعنى الارتفاع. قال ابن الملك: يعني لم يبق ظل الرمح، وهذا بمكة والمدينة وحواليهما في أطول يوم في السنة، فإنه لا يبقى عند الزوال ظل على وجه الأرض، بل يرتفع عنها، ثم إذا مالت الشمس من جانب المشرق إلى جانب المغرب، وهو أول وقت الظهر يقع الظل على الأرض. وقيل: من القلة، يقال: استقله إذا رأه قليلاً، أي حتى يقل الظل الكائن بالرمح أدنى غاية القلة، وهو المسمى بظل الزوال. قال القاري: وروي: حتى يستقل الرمح بالظل، أي يرفع الرمح ظله. فالباء للتعدية. وعلى الروايتين هو مجاز عن عدم بقاء ظل الرمح على الأرض. وذلك يكون في وقت

стр. 1377

ثم أقصر عن الصلاة، فإن حينئذٍ تسجر جهنم. فإذا أقبل الفيء، ــ الإستواء. وتخصيص الرمح بالذكر؛ لأن العرب كانوا إذا أرادوا معرفة الوقت ركزوا رماحهم في الأرض، ثم نظروا إلى ظلها. وقال النووي: قوله: حتى يستقل الظل بالرمح أي يقوم مقابلة في جهة الشمال، ليس مائلاً إلى المغرب ولا إلى المشرق، وهو حالة الإستواء. وقال التوربشتي كذا في نسخ المصابيح، وفيه تحريف، وصوابه حتى يستقل الرمح بالظل، ووافقه صاحب النهاية حيث قال: حتى يبلغ ظل الرمح المغروز في الأرض أو في غاية القلة والنقص. فقوله: يستقل من القلة، لا من الإقلال والاستقلال الذي بمعنى الارتفاع والاستبداد. قال الطيبي: كيف ترد نسخ المصابيح مع موافقتها بعض نسخ مسلم وكتاب الحميدي، على أن لها محامل: منها أن معناه أن يرتفع الظل معه ولا يقع منه شيء على الأرض، من قولهم استقلت السماء ارتفعت. ومنها أن يقدر المضاف، أي يعلم قلة الظل بواسطة ظل الرمح. ومنها أن يكون من باب عرضت الناقة على الحوض، وطينت بالفدن السياعا. قال صاحب المفتاح: لا يشجع على القلب الإكمال البلاغة مع ما فيه من المبالغة من أن الرمح صار بمنزله الظل في القلة، والظل بمنزلة الرمح - انتهى. قلت: وقع في رواية لأحمد: حتى يستقل الرمح بالظل، وفي أخرى: حتى يقوم الظل قيام الرمح، وفي رواية أبي داود: حتى يعدل الرمح ظله. ولفظ النسائي حتى تعتدل الشمس اعتدال الرمح بنصف النهار. وفي رواية لأحمد، وهي عند ابن ماجه أيضاً: حتى يقوم العمود على ظله. قال السندي: العمود خشبة يقوم عليها البيت. والمراد حتى يبلغ الظل في القلة بحيث لا يظهر إلا تحت العمود قائم عليه، والمراد وقت الاستواء. (فإن حينئذٍ) أي حين يستقل الظل بالرمح. (تسجر جهنم) بالتشديد والتخفيف مجهولاً، أي يوقد عليها إيقاداً بليغاً، من سجرّ التنور بالتخفيف والتشديد، ملأه وقوداً وأحماه. قال ابن الملك: أي تملأ نيران جهنم وتوقد، ولعل تسجيرها حينئذٍ لمقارنة الشيطان الشمس وتهيئة عباد الشمس أن يسجدوا لها. وقال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٧٦) : ذكر تسجير جهنم، وكون الشمس بين قرني الشيطان، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تذكر على سبيل التعليل لتحريم شيء، أو لنهي عن شيء أمور لا تدرك معانيها من طريق الحس والعيان، وإنما يجب علينا الإيمان بها والتصديق بمخبوآتها، والانتهاء إلى أحكامها التي علقت بها - انتهى. قال ابن حجر: واسم "إن" أن المصدرية المقدرة على حد قوله تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ [٣٠: ٢٤] أو ضمير الشأن. وما قيل إنه لا يحذف؛ لأن القصد به التعظيم، وهو يفوت بحذفه، مردود بأن سبب دلالته على التعظيم إبهامه، وحذفه أدل على الإبهام. ومن ثم حذف في قوله تعالى: ﴿من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم﴾ [٩: ١١٧] . (فإذا أقبل الفيء) أي ظهر إلى جهة المشرق. والفيء مختص بما بعد الزوال. وأما الظل فيقع على ما قبل الزوال وما بعده، قاله النووي. وقال القاري: أي رجع بعد ذهابه من وجه الأرض، فهذا وقت الظهر. والفيء ما نسخ الشمس,

стр. 1378

فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار. قال: قلت: يا نبي الله! فالوضوء حدثني عنه. قال: ما منكم رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق فيستنثر، إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه ــ وذلك بالعشي. والظل ما نسخته الشمس وذلك بالغدوة. (فصل) أي صلاة تريدها. (حتى تصلي العصر) أي فرضه قال النووي: فيه دليل على أن النهي لا يدخل بدخول وقت العصر، ولا بصلاة غير المصلي، وإنما يكره لكل إنسان بعد صلاته العصر، حتى لو أخرها عن أول الوقت لم يكره التنفل قبلها. (حتى تغرب الشمس) أي بالكلية. (وحينئذٍ يسجد لها الكفار) أي فلا يشابه أهل النار في عبادتهم فضلاً عن غيرها. (فالوضوء) بالرفع. وقيل: بالنصب. (حدثني عنه) أي أخبرني عن فضله. (يقرب) بالتشديد على بناء الفاعل أو المفعول. (وضوءه) بفتح الواو، أي الماء الذي يتوضأ به. (فيمضمض) أي بعد غسل اليدين والتسمية والنية. (ويستنشق) أي يدخل الماء في الأنف. (فيستنثر) أي يخرج ما في الخيشوم من الأوساخ. (إلا خرت) استثناء مفرغ. قال الطيبي: قوله: إلا خرت خبر ما، والمستثنى منه مقدر، أي ما منكم رجل متصف بهذه الأوصاف، كائن على حال من الأحوال إلا على هذه الحالة. وعلى هذا المعنى ينزل سائر الاستثناءات وإن لم يصرح بالنفي فيها لكونها في سياق النفي بواسطة ثم العاطفة، أي سقطت. (خطايا وجهه) من الصغائر قال النووي: هكذا ضبطناه خرت بالخاء المعجمة. وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة إلا ابن أبي جعفر، فرواه جرت بالجيم - انتهى. أي جرت مع ماء الوضوء وذهبت ذنوب وجهه. (وفيه) أي خطايا فمه من جهة الكلام والطعام. (وخياشيمه) أي أنفه جمع خيشوم، وهو باطن الأنف من جهة رائحة طيب محرم على جهة القصد. والظاهر أن عطف "فيه" وما بعده على ما قبله تفسيري لقوله: (ثم إذا غسل وجهه) أي كله أو باقيه. (كما أمره الله) أن يبدأ بغسله. (إلا خرت خطايا وجهه) من ذنوب عينيه. (من أطراف لحيته) أي موضعها. (ثم يغسل يديه إلى المرفقين) أي منضمتين إليهما، أو إلى بمعنى مع. (من أنامله) هي رؤس أصابعه. (ثم يمسح رأسه) ظاهره الاستيعاب. (إلا خرت خطايا رأسه) ومنها

стр. 1379

من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين، إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء. فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه)) . رواه مسلم. ١٠٥٠- (٥) وعن كريب: أن ابن عباس، ــ خطايا الأذنين، فيكون قوله: (من أطراف شعره) بفتح العين وسكونها نظراً إلى الأصل أو التغليب. (فإن) شرطية. (هو) أي الرجل ورافعه فعل مضمر يفسره. (قام) ولحذفه برز ضميره المستكن فيه، أي فإن قام بعد فراغ الوضوء. (وأثنى عليه) أي ذكر الله ذكراً كثيراً وقيل فائدته الإعلام بأن لفظ الحمد غير متعين. (ومجده) أي عظمه بالقلب واللسان، فهو تعميم بعد تعميم، أو بعد تخصيص. وجعله ابن حجر لمزيد التأكيد والإطناب. (بالذي) أي بالتحميد الذي. (هو له أهل) أي مما يليق بعظمته وجلاله وكماله. وقدم الجار لإفادة الاختصاص والاهتمام قال ابن الملك: ضمير "هو" عائد إلى الموصول، وضمير "له" إلى الله. (وفرغ قلبه) من التفريغ، أي جعله حاضراً لله وغائبا عما سواه، أي في صلاته وحالة مناجاته. (لله) أي لا لغيره. (إلا انصرف من خطيئته) قيل: "هو" في قوله فإن هو فاعل محذوف وعائد إلى الرجل المذكور وتقديره: إن قام الرجل المذكور ففعل كذا، وكذا فليس إلا انصرف من خطيئته. وقيل: الأولى أن تكون إن فيه نافية. وقال ابن حجر: وجواب "إن" فلا ينصرف خارجاً من شيء من الأشياء إلا انصرف خارجاً من خطيئته أي صغائره، فيصير متطهرا منها. وقال الطيبي: فإن هو قام، إن شرطية، والضمير المرفوع بعدها فاعل فعل محذوف يفسره ما بعده، وجواب الشرط محذوف، وهو المستثنى منه، أي لا ينصرف في شيء من الأشياء إلا من خطيئته. وجاز تقدير النفي لما مر من أن الكلام في سياق النفي. وهذا على مذهب الزمخشري. وأما مذهب ابن الحاجب فيجوز في الإثبات نحو قرأت إلا يوم الجمعة. (كهيئتة) أي كصفته. (يوم ولدته أمه) بفتح ميم يوم. وفي نسخة: كهيئة يوم بالإضافة مع تنوين يوم وفتحه على البناء قاله القاري. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص١١٢) والبيهقي. ولأبي داود وأحمد أيضاً نحوه. وأخرجه النسائي وابن ماجه مختصراً بمعنى ما روى أبوداود. ١٠٥٠- قوله: (وعن كريب) بضم الكاف مصغراً، هو ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني، أبورشدين مولى ابن عباس ثقة من أوساط التابعين، مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك. (أن ابن عباس) يعني عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ فإنه المراد عند الإطلاق.

стр. 1380

لمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأزهر، أرسلوه على عائشة، فقالوا: اقرأ ﵍، وسلها عن الركعتين بعد العصر. قال: فدخلت على عائشة، فبلغتها ما أرسلوني. فقالت: سل أم سلمة، فخرجت إليهم، فردوني إلى أم سلمة، فقالت أم سلمة: سمعت النبي ﷺ ينهى عنها، ثم رأيته يصليهما، ثم دخل، ــ (والمسور) بكسر الميم. (بن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء، ابن نوفل الزهري الصحابي. قال في التقريب: له ولأبيه صحبة. وأمه الشفاء بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، روى عن النبي ﷺ والخلفاء الأربعة وغيرهم، وكان ممن يلزم عمر بن الخطاب، وكان من أهل الفضل والدين، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به المدينة في ذي الحجة بعد الفتح سنة ثمان، وهو غلام أيفع ابن ست سنين، ومات سنة أربع وستين أصابه حجر من حجارة المنجنيق، وهو يصلي في الحجر في حصار ابن الزبير الأول من الجيش الذي أرسله يزيد بن معاوية، فمكث خمسة أيام، ومات يوم أتى نعى يزيد بن معاوية، وهو ابن ثلاث وستين. (وعبد الرحمن بن الأزهر) على وزن أفعل ابن عوف القرشي الزهري الصحابي، يكنى أبا جبير ابن عم عبد الرحمن بن عوف، شهد حنيناً مع النبي ﷺ . قال ابن سعد: هو نحو ابن عباس في السن، وبقي إلى فتنة ابن الزبير. وقال ابن مندة: مات قبل الحرة. (أرسلوه) أي كريباً. (إلى عائشة) أم المؤمنين. (اقرأ ﵍ أي منا جميعاً في القاموس: قرأ ﵇ أبلغه كأقرأه. أو لا يقال أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوباً. (وسلها) أصله اسألها. (عن الركعتين) أي صلاة الركعتين. زاد في رواية: وقل لهما إنا أخبرنا أنك تصليهما، وقد بلغنا أن النبي ﷺ نهى عنهما. (قال) أي كريب. (فبلغتها ما أرسلوني) أي بتبليغه من السلام والكلام إليها. (سل أم سلمة) هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية. فيه أنه يستحب للعالم إذا طلب منه تحقيق أمر مهم، ويعلم إن غيره أعلم به أو أعرف بأصله أن يرشد إليه إذا أمكنه، وفيه الاعتراف لأهل الفضل بمزيتهم. (فخرجت إليهم) أي فأخبرتهم بقولها: فيه إشارة إلى أدب الرسول في حاجة وأنه لا يستقل فيها بتصرف لم يؤذن له فيه. ولهذا لم يستقل كريب بالذهاب إلى أم سلمة؛ لأنهم لم يرسلوه إليها. (فردوني إلى أم سلمة) أي بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة فجئت إليها فسألتها. (ينهى عنهما) أي عن الركعتين بعد العصر، تعني في ضمن نهيه عن الصلاة بعد صلاة العصر بقوله: لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس، أو سمعت النهي بالخصوص عنهما، ويؤيد الأول ما في رواية للبخاري، وفي بعض نسخ مسلم "عنها" بضمير المفرد، فإنها تدل على أن الحديث عند أم سلمة هو الحديث العام فقط. (ثم رأيته يصليهما ثم دخل) وفي رواية للبخاري: ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر ثم دخل علي، قال الحافظ: أي فصلاهما

стр. 1381

فأرسلت إليه الجارية، فقلت: قولي له: تقول أم سلمة: يا رسول الله! سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين، وأراك تصليهما؟ قال: يا ابنة أبي أمية! سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان)) . ــ حينئذٍ بعد الدخول. وفي رواية مسلم: ثم رأيته يصليهما أما حين صلاهما فإنه صلى العصر، ثم دخل عندي فصلاهما. (فأرسلت إليه الجارية) قال الحافظ: لم أقف على اسمها. ويحتمل أن تكون بنتها زينب، لكن في رواية البخاري في المغازي: فأرسلت إليه الخادم. وفيه قبول خبر الواحد رجلاً أو امرأة مع القدرة على اليقين بالسماع من لفظ رسول الله ﷺ لاكتفاء أم سلمة بأخبار الجارية. (تقول أم سلمة) كنت عن نفسها، ولم تقل هند باسمها؛ لأنها معروفة بكنيتها. ولا بأس للإنسان أن يذكر نفسه بالكنية إذا لم يعرف إلا بها أو اشتهر بها بحيث لا يعرف غالباً إلا بها، وكنيت بابنها سلمة من أبي سلمة وكان صحابياً. (تنهى عن هاتين الركعتين) هكذا بذكر الركعتين في بعض النسخ. وكذا في المصابيح ومسلم وللبخاري في المغازي. ووقع في بعض نسخ المشكاة والبخاري في الصلاة عن هاتين فقط، أي بحذف الركعتين. (وأراك تصليهما) أي فما السر فيهما. فيه أنه ينبغي للتابع إذا رأى من المتبوع شيئاً يخالف المعروف من طريقته، والمعتاد من حاله أن يسأله بلطف عنه، فإن كان ناسياً رجع عنه، وإن كان عامداً، وله معنى مخصص عرفه التابع واستفاده، وإن كان مخصوصاً بحال يعلمها، ولم يتجاوزها. وفيه المبادرة إلى معرفة الحكم المشكل فراراً من الوسوسة؛ لأنه بالسوال يسلم من إرسال الظن السيء بتعارض الأفعال أو الأقوال وعدم الارتباط بطريق واحد. (قال) أي للجارية بأن تقول لها في جوابها أو مخاطباً لها. (يا ابنة أبي أمية) هو والد أم سلمة. واسمه سهيل أو حذيفة بن المغيرة المخزومي. ويلقب زاد الراكب؛ لأنه كان أحد الأجواد، فكان إذا سافر لا يترك أحداً يرافقه، ومعه زاد، بل يكفي رفقته من الزاد. (وإنه أتاني ناس من عبد القيس) بالإسلام من قومهم. (فشغلوني عن الركعتين) اللتين. (بعد الظهر) فيه أنه إذا تعارضت المصالح والمهمات بديء بأهمها. ولهذا بدأ النبي ﷺ بحديث القوم في الإسلام، وترك سنة الظهر حتى فات وقتها؛ لأن الاشتغال بإرشادهم وهدايتهم إلى الإسلام أهم. (فهما هاتان) أي الركعتان اللتان صليتهما بعد العصر هما هاتان الركعتان اللتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلت عنهما، فصليتهما الآن، وقد كان من عادته ﵊ أنه إذا فعل شيئاً من الطاعات لم يقطعه فيما بعد. فقد ثبت في مسلم عن أبي سلمة أنه سأل عائشة عنهما فقالت: كان يصليهما قبل العصر، فشغل عنهما أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها، أي داوم عليها. ومن طريق عروة عنها: ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط. وفيه دليل على

стр. 1382

متفق عليه. ــ جواز قضاء سنة الظهر بعد صلاة العصر. فإن قيل: هذا من خصائصه ﷺ يدل عليه ما أخرجه أبوداود والبيهقي من طريقه عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال"، وما أخرجه أحمد (ج٦: ص٣١٥) والطحاوي وابن حبان عن أم سلمة أنها قالت: فقلت: يا رسول الله! أنقضيهما إذا فاتتا؟ فقال لا. قلنا: الأصل الإقتداء به ﷺ ، وعدم الاختصاص، حتى يقوم دليل صحيح صريح في الاختصاص به. وأما حديث عائشة ففي سنده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، ورواه عن محمد بن عمرو بالعنعنة، على أن الظاهر أن عائشة كانت ترى مواظبة النبي ﷺ عليهما من خصوصياته، لا أصل قضاء الصلاة في ذلك الوقت. وأما حديث أم سلمة ففي الاستدلال به على التخصيص به نظر أيضاً. قال البيهقي: الذي اختص به ﷺ المداومة على ذلك، لا أصل القضاء وأما ما روي عن ذكوان عن أم سلمة في هذه القصة أنها قالت: فقلت: يا رسول الله! أنقضيهما إذا فاتتا؟ فقال لا. فهي رواية ضعيفة لا تقوم بها حجة - انتهى. وقال الحافظ في الفتح: أخرجها الطحاوي، واحتج بها أن ذلك كان من خصائصه ﷺ ، وفيه ما فيه - انتهى. قلت: قد أفاض الكلام في تنقيد رواية ذكوان عن أم سلمة هذه العلامة العظيم آبادي في أعلام أهل العصر (ص٥٤- ٥٦) وحقق كونها ضعيفة، وأطال الكلام في هذه المسألة فأجاد، فعليك أن تراجعه. وقال الحافظ: ليس في رواية الإثبات معارضة للأحاديث الواردة في النهي؛ لأن رواية الإثبات لها سبب، فألحق بها ما له سبب، وبقي ما عدا ذلك على عمومه، والنهي فيه محمول على ما لا سبب له. وأما من يرى عموم النهي، ولا يخصه بما له سبب فيحمل الفعل على الخصوصية. ولا يخفى رجحان الأول - انتهى. وقال الشوكاني: واعلم أن الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة بعد صلاة العصر والفجر عامة، فما كان أخص منها مطلقاً كحديث يزيد بن الأسود (الآتي في باب من صلى صلاة مرتين) وحديث ابن عباس (عند الدارقطني في استثناء الطواف والصلاة عند البيت عن النهي) ، وحديث علي (عند أبي داود، بلفظ لا تصلوا بعد الصبح، ولا بعد العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة) . وقضاء سنة الظهر بعد العصر، وسنة الفجر بعده فلا شك أنها مخصصة لهذا العموم، وما كان بينه وبين أحاديث النهي عموم وخصوص من وجه كأحاديث تحية المسجد وأحاديث قضاء الفوائت والصلاة على الجنازة لقوله: ﷺ يا علي! ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت-الحديث. وقد تقدم. وصلاة الكسوف لقوله ﷺ : فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة والركعتين عقب التطهر وصلاة الاستخارة وغير ذلك، فلا شك أنها أعم من أحاديث الباب وأخص منها من وجه، وليس أحد العمومين أولى من الآخر يجعله خاصاً لما في ذلك من التحكم والوقف هو المتعين حتى يقع الترجيح بأمر خارج - انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والبيهقي.

стр. 1383

﴿الفصل الثاني﴾ ١٠٥١- (٦) عن محمد بن إبراهيم، عن قيس بن عمرو، قال: ((رأى النبي ﷺ رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : صلاة الصبح ركعتين. فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، فسكت رسول الله ﷺ )) . ــ ١٠٥١- قوله: (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي المدني، ثقة من صغار التابعين، مات سنة عشرين ومائة. (عن قيس بن عمرو) بن سهل بن ثعلبة الأنصاري الصحابي المدني جد يحيى بن سعيد التابعي المشهور وأخوته، ويقال: قيس بن قهد بفتح القاف وسكون الهاء، قاله مصعب الزبيري، وخطأه ابن أبي خيثمة في ذلك وقال: هما اثنان، يعني أن قيس بن عمرو غير قيس بن قهد. وذهب ابن حبان إلى أنهما واحد، وأن قهداً لقب عمرو وكأنه أخذ من قول البخاري: قيس بن عمرو جد يحيى بن سعيد له صحبة، قال: وقال بعضهم قيس بن قهد، وأرجع إلى تهذيب التهذيب (ج٨: ص٤٠١) والإصابة (ج٣: ص٢٥٥- ٢٥٦) . (رأى النبي ﷺ رجلاً) هو قيس بن عمرو، كما صرح به في رواية أحمد والترمذي والدارقطني وابن حبان والحاكم. (يصلي بعد صلاة الصبح) أي بعد فرض الصبح. (فقال رسول الله ﷺ : صلاة الصبح) بالنصب. (ركعتين) أي اجعل أوصل صلاة الصبح ركعتين. وقال الطيبي: ركعتين منصوب بفعل مضمر تقديره: أتصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، وليس بعدها صلاة؟ وتبعه ابن حجر فقال: أي أتصلي صلاة الصبح وتصلي بعدها ركعتين، وقد علمت أنه لا صلاة بعدها؟ فالاستفهام المقدر للإنكار، أي هذه صلاة الصبح صليتها، فكيف تصلي بعدها؟ انتهى. قلت: ولفظ أبي داود في النسخ الموجودة كلها: "صلاة الصبح ركعتان"، وكذا رواه البيهقي من طريق أبي داود، ومعناه ظاهر. (إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما) بضمير التثنية، أي قبل ركعتي الصبح. ووقع في بعض النسخ قبلها أي قبل صلاة الصبح، والأول هو الأولى لكونه مطابقاً لما في داود. (فصليتهما الآن) اعتذر الرجل بأنه قد أتى بالفرض وترك السنة؛ لأنه جاء والنبي ﷺ يصلي صلاة الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فدخل معه في الصلاة، فأتى بهما حينئذٍ. (فسكت رسول الله ﷺ ) قال السندي في حاشية ابن ماجه: هذا يدل على الإذن في الركعتين بعد صلاة الفجر لمن فاتهما قبل ذلك. وقال ابن الملك: سكوته يدل على قضاء سنة الصبح بعد فرضه لمن لم يصلها قبله. وبه قال الشافعي - انتهى. وكذا قال الشيخ حسين بن محمود الزيداني في المفاتيح حاشية المصابيح، والشيخ علي بن صلاح الدين في منهل الينابيع شرح المصابيح، والعلامة الزيني في شرح المصابيح. قلت: وزاد في رواية لأحمد

стр. 1384

رواه أبوداود. وروى الترمذي نحوه، وقال: إسناد هذا الحديث ليس بمتصل؛ لأن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو. ــ (ج٥: ص٤٤٧) ومضى ولم يقل شيئاً، ورواه ابن حبان بلفظ: فلم ينكر عليه. ورواه ابن حزم في المحلي (ج٣: ص١١٢-١١٣) بلفظ: فلم يقل له شيئاً. ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: فلم يأمره ولم ينهه. ورواه الترمذي بلفظ: فلا أذن. ومعناه إذا كان كذلك فلا بأس عليك أن تصليهما حينئذٍ، يدل على ذلك الروايات المتقدمة، فإن الروايات يفسر بعضها بعضاً، وبذلك فسرة الحنفية. قال أبوالطيب السندي في شرح الترمذي في شرح قوله: فلا إذن أي فلا بأس عليك حينئذٍ ولا شيء عليك ولا لوم عليك. وقال الشيخ سراج أحمد السرهندي في شرح الترمذي في ترجمة هذا اللفظ: "بس نه اين وقت منع ميكنم ترا اركذا دن سنت"- انتهى. وتعريبه: فلا أمنعك الآن عن أداء السنة. قال الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٧٥) : في الحديث بيان أن لمن فاتته الركعتان قبل الفريضة أن يصليهما بعدها قبل طلوع الشمس، وأن النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إنما هو فيما يتطوع به الإنسان إنشاء وابتداء، دون ما كان له تعلق بسبب. وقد اختلف الناس في وقت قضاء ركعتي الفجر، فروي عن ابن عمر أنه قال يقضيهما بعد صلاة الصبح، وبه قال عطاء وطاووس وابن جريج. وقالت طائفة يقضيها إذا طلعت الشمس، وبه قال القاسم بن محمد وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية. وقال أصحاب الرأي: إن أحب قضاهما إذا ارتفعت الشمس، فإن لم يفعل فلا شيء عليه؛ لأنه تطوع. وقال مالك: يقضيها ضحى إلى وقت زوال الشمس ولا يقضيهما بعد الزوال - انتهى. قلت: الصحيح من مذهب الشافعي أنهما يفعلان بعد الصبح ويكونان أداء، قاله العراقي. ومذهب الحنفية في ذلك أنه يستحسن قضاء سنة الفجر إذا فاتت مع الفرض، وأما إذا فاتت وحدها لا تقضى عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: تقضى إذا ارتفعت الشمس كذا في البدائع وغيره. والراجح عندنا هو قول الشافعي: أنها تقضى وإن فاتت وحدها، ويجوز قضاءها بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، لحديث الباب وهو حديث صحيح ثابت متصل السند، وله شواهد ومتابعات كما ستقف على ذلك. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥: ص٤٤٧) وابن ماجه والدارقطني (ص١٤٨) وابن أبي شيبة والحاكم (ج١: ص٢٧٥) والبيهقي (ج٢: ص٤٨٣) كلهم من طريق عبد الله بن نمير عن سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن قيس بن عمرو، إلا أنه قال الحاكم: في روايته قيس بن قهد، وكذا قال الشافعي، ومن طريقه البيهقي في روايته عن سفيان عن سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن قيس بن قهد. (وروى الترمذي) أي من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن قيس جد سعد. (نحوه) بالنصب. (وقال: إسناد هذا الحديث ليس بمتصل؛ لأن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو) وقال أيضاً:

стр. 1385

وإنما يروى هذا الحديث مرسلاً. قال: وروى بعضهم هذا الحديث عن سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم أن النبي ﷺ خرج قرأى قيساً، وهذا أصح من حديث عبد العزيز عن سعد بن سعيد - انتهى. وكذا أعله أبوداود بالإرسال، وادعى بعضهم لذلك أن هذا الحديث ضعيف لا يصلح للاستدلال لعلة الإرسال والانقطاع. قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات في ترجمة قيس بن قهد: ذكروا حديثه في الركعتين بعد الصبح، وهو حديث ضعيف، اتفقوا على ضعف حديثه المذكور. ورواه أبوداود والترمذي وغيرهما وضعفوه - انتهى. ملخصاً مختصراً. قلت: للحديث طريق آخر متصل، رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والدارقطني (ص١٤٨) والحاكم (ج١: ص٢٧٤-٢٧٥) والبيهقي (ج٢: ص٤٨٣) ، كلهم من طريق الربيع بن سليمان عن أسد بن موسى عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قيس، وهذا إسناد صحيح جداً، رجاله كلهم ثقات. قال الحاكم بعد روايته: قيس بن قهد الأنصاري صحابي، والطريق إليه صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي على تصحيحه. وقال الشوكاني في النيل: قول الترمذي: إنه مرسل ومنقطع ليس بجيد، فقد جاء متصلاً من رواية يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قيس، رواه ابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان من طريقه وطريق غيره، والبيهقي في سننه عن يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قيس المذكور، وقد قيل: إن سعيد بن قيس لم يسمع من أبيه. (كما في تهذيب التهذيب) فيصح ما قاله الترمذي من الانقطاع. وأجيب عن ذلك بأنه لم يعرف القائل بذلك - انتهى. فان قلت: قال الحافظ في الإصابة (ج٣: ص٢٥٦) : وأخرجه ابن مندة من طريق أسد بن موسى عن الليث عن يحيى عن أبيه عن جده، وقال: غريب تفرد به أسد موصولاً. وقال غيره عن الليث عن يحيى أن حديثه مرسل - انتهى. قلت: هذا التعليل لا يضعف به الإسناد؛ لأن أسد بن موسى ثقة، خلافاً لمن تكلم فيه بغير حجة، فتفرده لا يقدح في صحة الحديث. قال النووي في مقدمة شرح مسلم: إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلاً وبعضهم مرسلاً أو بعضهم موقوفاً وبعضهم مرفوعاً، أو وصله هو أو رفعه في وقت، وأرسله أو وقفه في وقت، فالصحيح الذي قاله المحققون من المحدثين وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول وصححه الخطيب البغدادي أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر أو أحفظ؛ لأنه زيادة ثقة، وهي مقبولة - انتهى. هذا، وقد ظهر بما ذكرنا أن المراد بقول الترمذي أنه مرسل منقطع هو الإرسال والانقطاع في السند المخصوص الذي ساقه بذلك السند لا مطلقاً، وإلا فقد جاء متصلاً بسند صحيح كما عرفت، ولا وجه لتضعيف الإسناد المتصل الصحيح بالمنقطع والمرسل، على أن للحديث شواهد. منها ما رواه الطبراني في الكبير من طريق أيوب بن سويد عن ابن جريج عن عطاء أن قيس بن سهل حدثه أنه دخل المسجد والنبي ﷺ يصلي، ولم يكن صلى الركعتين

стр. 1386

وفي "شرح السنة" ونسخ "المصابيح" عن قيس بن قهد نحوه. ١٠٥٢- (٧) وعن جبير بن مطعم، أن النبي ﷺ قال: ((يا بني عبدمناف! ــ فصلى مع النبي ﷺ الحديث. وفيه أيوب بن سويد الرملي، قال ابن حبان: رديء الحفظ. وقال النسائي: ليس بثقة. ومنها ما رواه ابن عبد البر في كتاب التمهيد بسنده عن سهل بن سعد قال: دخلت المسجد ورسول الله ﷺ في الصلاة، ولم أكن صليت الركعتين-الحديث. وفيه عمر بن قيس المعروف بسندل، قال ابن عبد البر: وهو ضعيف لا يحتج بمثله. ومنها ما رواه ابن حزم في المحلى (ج٣: ص١١٢- ١١٣) عن الحسن بن ذكوان عن عطاء بن أبي رباح عن رجل من الأنصار قال رأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي بعد الغداة-الحديث. قال العراقي: إسناده حسن. ومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن ثابت بن قيس بن شماس قال أتيت المسجد والنبي ﷺ في الصلاة-الحديث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص٢٢٨) : فيه راويان لم يسميا، وبقية بن الوليد عن الجراح بن منهال بالعنعنة، والجراح منكر الحديث، قاله البخاري - انتهى. ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن هشيم عن عبد الملك عن عطاء أن رجلاً صلى مع النبي ﷺ صلاة الصبح- الحديث. وهذه الروايات كلها تؤيد حديث قيس بن عمرو، فلا شبهة في صحته ولا التفات إلى تعليل من أعله. هذا، وأرجع لمزيد التفصيل إلى أعلام أهل العصر (ص٥٩-٦٢) فإنه قد أفاض القول في هذا وأجاد. (وفي شرح السنة ونسخ المصابيح عن قيس بن قهد) بالقاف المفتوحة والهاء الساكنة والدال المهملة. قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (ق١/٢/٦٣) : قيس بن قهد بفتح القاف وإسكان الهاء، الصحابي. ورواه أكثر المحدثين قيس بن عمرو، ولم يذكر أبوداود وآخرون من أهل السنن فيه إلا قيس بن عمرو، وذكر الترمذي الروايتين، ابن قهد وابن عمرو، وقال: الصحيح ابن عمرو. وهذا هو الصحيح عند جميع حفاظ الحديث. وذكروا حديثه في الركعتين بعد الصبح، قالوا: وهو جد يحيى بن سعيد الأنصاري: قال أحمد بن حنبل. ويحيى بن معين: والأكثرون قيس بن عمرو، وهو جد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري- انتهى ملخصاً. وقال الطيبي: أشار المؤلف إلى الاختلاف، وأن الصحيح هو الأول، وهو قيس بن عمرو الأنصاري النجاري وهو الصحابي. وقيل: هو قيس بن قهد من بني النجار. أيضاً- انتهى. (نحوه) بالنصب أي روى نحوه، وفي بعض النسخ نحوه بالرفع على أنه مبتدأ. ١٠٥٢- قوله: (جبير) بجيم مضمومة فموحدة مفتوحة وسكون ياء. (بن مطعم) بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين المهملة. (يا بني عبد مناف) بفتح الميم. قال الطيبي: إنما خصهم بالخطاب دون سائر بطون قريش لعلمه بأن ولاية الأمر والخلافة سيؤول إليهم مع أنهم كانوا رؤساء مكة وساداتهم وفيهم كانت السدانة

стр. 1387

لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)) ــ والحجابة والسقاية والرفادة- انتهى. قلت: يؤيد ذلك ما في رواية للدارقطني بلفظ: يا بني عبدمناف! إن وليتم من هذا الأمر شيئاً فلا تمنعن، وفي أخرى له يا بني عبد مناف يا بني هاشم إن وليتم هذا الأمر يوماً فلا تمنعن. وما في رواية ابن حبان في صحيحه: يا بني عبد المطلب! إن كان لكم من الأمر شيء فلا أعرفن أحد منكم يمنع من يصلي عند البيت أية ساعة شاء من ليل أو نهار. (لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت) يعني بيت الله. (وصلى) أي صلاة الطواف أو مطلقاً. قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بهذه الصلاة صلاة الطواف خاصة، وهو الأشبه بالآثار، ويحتمل جميع الصلوات- انتهى. وقال الزيلعي: قال الشيخ في الإمام: وقد ورد ما يشعر بأن هذا الاستثناء بمكة إنما هو في ركعتي الطواف فأخرج ابن عدي. (والبيهقي من طريقه ج٢ ص٦٢) من طريق سعيد بن أبي راشد عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، وزاد في آخره: من طاف فليصل أي حين طاف. قال ابن عدي: وسعيد هذا يحدث عن عطاء وغيره بما لا يتابع عليه، وكذا قال البخاري- انتهى. وقال الأمير اليماني في السبل: وليس هذا (أي الاستثناء) خاصاً بركعتي الطواف، بل يعم كل نافلة، لرواية ابن حبان في صحيحه: يا بني عبد المطلب إن كان لكم من الأمر شيء فلا أعرفن أحداً منكم يمنع من يصلي عند البيت أية ساعة شاء من ليل أو نهار- انتهى. قلت: الظاهر أن في رواية ابن حبان هذه اختصاراً من الراوي، وأنه ترك ذكر الطواف، والراجح أن الاستثناء مختص بصلاة الطواف ولا يعم الصلوات. وقال الخطابي في المعالم (ج٢ ص١٩٥) : وذهب بعضهم إلى تخصيص ركعتي الطواف من بين الصلوات، وقال إذا كان الطواف بالبيت غير محظور في شيء من الأوقات، وكان من سنة الطواف أن تصلى الركعتان بعده، فقد عقل أن النوع من الصلاة غير منهي عنه- انتهى. (أية ساعة شاء من ليل أو نهار) قال المظهر: فيه دليل على أن صلاة التطوع في أوقات الكراهة غير مكروهة بمكة لشرفها؛ لينال الناس من فصلها في جميع الأوقات، وبه قال الشافعي، وعند أبي حنيفة حكمها حكم سائر البلاد في الكراهة، ذكره الطيبي. قال الأمير اليماني في السبل: الحديث دال على أنه لا يكره الطواف بالبيت، ولا الصلاة فيه، في أية ساعة من ساعات الليل والنهار، وقد عارض ما سلف يعني أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة فالجمهور. (أي مالك وأبوحنيفة ومن وافقهما) عملوا بأحاديث النهي ترجيحاً لجانب الكراهة، ولأن أحاديث النهي ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وهي أرجح من غيرها، وذهب الشافعي وغيره إلى العمل بهذا الحديث، قالوا: لأن أحاديث النهي قد دخلها التخصيص بالفائتة والمنوم عنها والنافلة التي تقضى، فضعفوا جانب عمومها فتخصص أيضاً بهذا الحديث ولا تكره النافلة بمكة في أي من الساعات- انتهى. وقال ابن عبد البر: في حديث جبير ما يقوي القول بالجواز مع قول جمهور العلماء من المسلمين به، وذلك أن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن

стр. 1388

رواه الترمذي وأبوداود، والنسائي. ــ والحسين وطاؤساً ومجاهداً والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير كانوا يطوفون بعد العصر وبعضهم بعد الصبح أيضاً، ويصلون بأثر فراغهم من طوافهم ركعتين في ذلك الوقت. وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبوثور وداود بن على- انتهى. قلت: وإليه ذهب الطحاوي من الأئمة الحنفية حيث قال في شرح معاني الآثار بعد البحث والكلام في هذا المسألة ما لفظه: وإليه نذهب، يعني إلى الجواز، وهو قول سفيان، وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى- انتهى. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد (ص٢٠٩) ما لفظه: ولعل المصنف المحيط بأبحاث الطرفين يعلم أن هذا يعني جواز ركعتي الطواف بعد العصر وبعد الصبح قبل الطلوع والغروب هو الأرجح الأصح. قال: وعليه كان عملي بمكة، قال: ولما طفت طواف الوداع حضرت المقام مقام إبراهيم لصلاة ركعتي الطواف فمنعني المطوفون من الحنفية، فقلت لهم: الأرجح الجواز في هذا الوقت، وهو مختار الطحاوي من أصحابنا، وهو كافٍ لنا، فقالوا لم نكن مطلعين على ذلك، وقد استفدنا منك ذلك- انتهى. (رواه الترمذي) في كتاب الحج في باب الصلاة بعد العصر وبعد الصبح في الطواف لمن يطوف. (وأبوداود) في المناسك في باب الطواف بعد العصر. (والنسائي) في المواقيت في إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة، وأخرجه أيضاً الشافعي وأحمد (ج٤ ص٨٠) وابن ماجه في الصلاة في باب الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، والدارقطني (ص١٦٢) والطحاوي (ص٣٩٥) والحاكم (ج١ ص٤٤٨) والبيهقي (ج٢ ص٤٦١) والدارمي (ص) كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وسكت عنه أبوداود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الطيبي: قال المؤلف: ما ذكر في المصابيح بعد يا بني عبدمناف من قوله: من ولى منكم من أمر الناس شيئاً لم أجده في الترمذي ولا في أبي داود والنسائي- انتهى. وفي الباب عن ابن عباس أخرجه الدارقطني (ص١٦٢) والطحاوي (ص٣٩٦) من طريق أبي الوليد العدني عن رجاء أبي سعيد عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً: يا بني عبد المطلب أو يا بني عبدمناف لا تمنعوا أحداً يطوف بالبيت ويصلي فإنه لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا عند هذا البيت يطوفون ويصلون. قال صاحب التنقيح: وأبوالوليد العدني لم أر له ذكراً في الكنى لأبي أحمد الحاكم، وأما رجاء بن الحارث أبوسعيد المكي فضعفه ابن معين- انتهى. وقال الحافظ في التلخيص: ورواه الطبراني من رواية عطاء عن ابن عباس، ورواه أبونعيم في تاريخ أصبهان، والخطيب في التلخيص من طريق ثمامة بن عبيدة عن أبي الزبير عن على بن عبد الله عباس عن أبيه، وهو حديث معلول- انتهى. وعن أبي ذر وسيأتي، وعن جابر أخرجه الدارقطني (ص١٦٣) ، قال الحافظ: هو معلول فإن المحفوظ عن أبي الزبير عن عبد الله بن باباه

стр. 1389

١٠٥٣- (٨) وعن أبي هريرة: ((أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة)) رواه الشافعي. ١٠٥٤- (٩) وعن أبي الخليل: عن أبي قتادة، ــ عن جبير بن مطعم لا عن جابر. وعن أبي هريرة أخرجه ابن عدي، وقد تقدم لفظه مع الكلام فيه. وعن ابن عمر أخرجه الطبراني في الأوسط من رواية عبد الكريم عن مجاهد. قال الهيثمي: فإن كان هو الجزري فهو ثقة وإن كان ابن أبي المخارق فهو ضعيف- انتهى. ١٠٥٣- قوله: (نهى عن الصلاة نصف النهار) قال الطيبي: ظرف للصلاة على تأويل أن يصلي. (حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة) مستثنى من النهي، وعليه يحمل حديثا عقبة وعمرو بن عبسة المتقدمان وحديث عبد الله الصنابحي الآتي، ويقال: إن الاستثناء في هذه الأحاديث مقدر، وفيه دليل على أن صلاة النفل نصف النهار يوم الجمعة غير منهي عنها، وبه قال الشافعي وأبويوسف من الأئمة الحنفية لحديث أبي هريرة هذا، وهو وإن كان ضعيفاً لكن له شواهد إذا ضمت قوى الخبر، ويجوز به تخصيص أحاديث النهي وتقييدها به، ويأتي مزيد الكلام فيه في شرح حديث أبي قتادة الآتي. (رواه الشافعي) عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن اسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي (ج٢ ص٤٦٤) قال الحافظ في التلخيص: إسحاق وإبراهيم ضعيفان. ورواه البيهقي من طريق أبي خالد الأحمر عن عبد الله شيخ من أهل المدينة عن سعيد به. ورواه الأثرم بسند فيه الواقدي وهو متروك، ورواه البيهقي بسند آخر فيه عطاء بن عجلان وهو متروك أيضاً- انتهى. وفي الباب عن واثلة رواه الطبراني، قال الحافظ: بسند واهٍ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد _ج٢ ص٢٢٨) بعد عزوه إلى الطبراني في الكبير: وفيه بشير بن عون، قال ابن حبان: يروي مائة حديث كلها موضوعة- انتهى. وعن أبي سعيد رواه البيهقي، وفيه أيضاً عطاء بن عجلان وعن أبي قتادة وسيأتي. ١٠٥٤- قوله: (وعن أبي الخليل) اسمه صالح بن أبي مريم الضبعي مولاهم البصري، من رواة الستة، وثقة ابن معين وأبوداود والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وأغرب ابن عبد البر فقال في التمهيد: لا يحتج به. قال في تهذيب التهذيب (ج٤ ص٤٠٢) بعد ذكر جماعة من التابعين: روى عنهم وأرسل عن أبي قتادة وأبي سعيد وسفينة مولى رسول الله ﷺ . (عن أبي قتادة) بن ربعي الأنصاري الخزرجي السلمي، فارس رسول الله ﷺ ، شهد أحداً وما بعدها ولم يصح شهوده بدراً، ومات سنة أربع وخمسين، قيل سنة ثمان

стр. 1390

قال: ((كان النبي ﷺ كره الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة)) رواه أبوداود، وقال: أبوالخليل لم يلق أبا قتادة. ــ وثلاثين. والأول أصح وأشهر، كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب (ج١٢ ص٢٠٤و٢٠٥) قال الواقدي: توفي بالكوفة سنة أربع وخمسين وهو ابن سبعين سنة، ولم أر بين علمائنا اختلافاً في ذلك. قال وروى أهل الكوفة أنه مات بالكوفة وعلي بها وصلى عليه. حكى خليفة أن ذلك كان سنة ثمان وثلاثين، وهو شاذ، ولأكثر على أنه مات سنة أربع وخمسين، قال الحافظ: ومما يؤيد ذلك أن أن البخاري ذكره في الأوسط في فصل من مات بعد الخمسين إلى الستين. ثم روى بإسناده إلى مروان بن الحكم قال: كان والياً على المدينة من قبل معاوية، أرسل إلى أبي قتادة ليريه مواقف النبي ﷺ وأصحابه فانطلق معه فأراه. وقال البيهقي: أجمع أهل التاريخ على أن أبا قتادة بقي إلى بعد الخمسين. وقال في الاصابة (ج٤ ص١٥٩) : ويدل على تأخره أيضاً ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن معاوية لما قدم المدينة تلقاه الناس، فقال لأبي قتادة تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار- انتهى. (قال كان النبي ﷺ كره الصلاة) في أبي داود عن النبي ﷺ أنه كره الصلاة، وفي جامع الأصول (ج٦ ص١٨٢) أن رسول الله ﷺ كان يكره الصلاة. (نصف النهار حتى تزول الشمس) قال السيد جمال الدين: قوله حتى تزول الشمس كذا في أصل سماعنا، وليس في أبي داود ولا في المصابيح. (إلا يوم الجمعة) مستثنى من الكراهة يدل كالحديث السابق على أن الصلاة النافلة نصف النهار يوم الجمعة قبل الزوال غير مكروهة، وبه قال الشافعي، وهي رواية عن الأوزاعي وأهل الشام. قال الحافظ في الفتح: قد استثنى الشافعي ومن وافقه من ذلك يوم الجمعة، وحجتهم أنه ﷺ ندب الناس إلى التكبير يوم الجمعة ورغب في الصلاة إلى خروج الإمام وجعل الغاية خروج الإمام وهو لا يخرج إلا بعد الزوال فدل على عدم الكراهة، وجاء فيه حديث عن أبي قتادة مرفوعاً يعني حديث الباب، وفي إسناده انقطاع، وقد ذكر له البيهقي شواهد ضعيفة إذا ضمت قوي الخبر- انتهى. واستدل به لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، خلافاً للأئمة الثلاثة، ويأتي الكلام فيه في محله إن شاء الله. (إن جهنم تسجر) مشدداً ومخففاً أي توقد. (إلا يوم الجمعة) أي فإنها لا تسجر فلا تكره النافلة يوم الجمعة وقت الاستواء قبل الزوال. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً الأثرم والبيهقي (ج٢ ص٤٦٤) (ج٣ ص١٩٣) قال أبوداود: هو مرسل أي منقطع، أبوالخليل لم يسمع من أبي قتادة. وفيه أيضاً ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، إلا أنه اعتضد بمجيئه من طريق أخرى موصولاً كما تقدم، وأيضاً أيده فعل أصحاب النبي ﷺ ، فإنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة، ولأنه ﷺ حث على التكبير ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء. قال الحافظ في التلخيص: قال صاحب الإمام وقوى الشافعي

стр. 1391

﴿الفصل الثالث﴾ ١٠٥٥- (١٠) عن عبد الله الصنابحي قال: قال ﷺ : ((إن الشمس تطلع ــ ذلك بما رواه عن ثعلبة بن أبي مالك عن عامة أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة- انتهى. قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد (ج١ ص١٠٣) في خصائص يوم الجمعة الحادي عشر: أنه لا يكره فعل الصلاة. فيه وقت الزوال عند الشافعي ومن وافقه، وهو اختيار شيخنا ابن تيمية، وحديث أبي قتادة هذا قال أبوداود: هو مرسل؛ لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة، والمرسل إذا اتصل به عمل وعضده قياس أو قول صحابي أو كان مرسله معروفاً باختيار الشيوخ ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين ونحو ذلك مما يقتضي قوته عمل به- انتهى مختصراً. وقال البيهقي بعد ذكر رواية أبي قتادة هذا مرسل، أبوالخليل لم يسمع من أبي قتادة، ورواية أبي هريرة وأبي سعيد في إسنادهما من لا يحتج به، ولكنها إذا انضمت إلى رواية أبي قتادة أخذت بعض القوة، وروينا الرخصة في ذلك عن طاووس ومكحول- انتهى. وتقدم كلام الحافظ أن في إسناد حديث أبي قتادة، انقطاعاً، وقد ذكر له البيهقي شواهد ضعيفة، إذا ضمت قوي الخبر. ١٠٥٥- قوله: (عن عبد الله الصنابحي) بضم الصاد المهملة وفتح النون وكسر الموحدة فحاء مهملة، نسبة إلى صنابح بطن من مراد، قال ابن عبد البر: هكذا قال جمهور الرواة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن الصنابحي أي بلا أداة الكنية. وقال مطرف وإسحاق بن الطباع وغيرهما عن مالك بهذا عن أبي عبد الله الصنابحي بزيادة أداة الكنية، وهو الصواب. وهو عبد الرحمن بن عسيلة، وهو تابعي كبير ثقة ليست له صحبة قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٦ ص٩١) : لكن المشهور عن مالك عبد الله أي بغير أداة الكنية. وقال في الإصابة (ج٢ ص٣٨٤) : رواية مطرف وإسحاق بن الطباع عن مالك بزيادة أداة الكنية شاذة، وعلى هذا فالمحفوظ في رواية مالك هو عبد الله بغير أداة الكنية، ونقل الترمذي عن البخاري أن مالكاً وهم في قوله: عن عبد الله الصنابحي، وإنما هو أبوعبد الله، وهو عبالرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من النبي ﷺ ، وقال يعقوب بن شيبة: هؤلاء الصنابحيون الذين يروى عنهم في العدد ستة، وإنما هما اثنان فقط. الصنابحي الأحمسي وهو الصنابح. (بن الأعسر) الأحمسي، هذان واحد من قال فيه الصنابحي فقد أخطأ، وهو الذي يروي عنه الكوفيون. والثاني عبد الرحمن بن عسيلة كنيته أبوعبد الله، لم يدرك النبي ﷺ بل أرسل عنه، وروى عن أبي بكر وغيره. فمن قال عن عبد الرحمن الصنابحي فقد أصاب اسمه. ومن قال عن أبي عبد الله الصنابحي فقد أصاب كنيته، وهو رجل واحد، ومن قال عن أبي عبد الرحمن فقد أخطأ، قلب اسمه فجعله كنيته، ومن قال عن عبد الله الصنابحي فقد اخطأ، قلب كنيته فجعلها اسمه، هذا قول على بن المديني ومن تابعه. قال يعقوب: وهو

стр. 1392

ومعها قرن الشيطان، ــ الصواب عندي، وظاهر أن عبد الله الصنابحي وهم عند البخاري ويعقوب بن شيبة وعلى بن المديني وابن عبد البر ومن تبعهم ولا وجود له عندهم، بل هو أبوعبد الله عبد الرحمن بن عسيلة التابعي، والرواية مرسلة. وفيه نظر؛ لأن مالكاً لم ينفرد بذلك بل تابعه حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الشمس تطلع الخ، وكذا زهير بن محمد عند أحمد (ج٤ ص٣٤٩) وابن مندة. قال ابن مندة وكذا تابعه محمد بن جعفر بن أبي كثير وخارجه بن مصعب الأربعة عن زيد بن أسلم بهذا. وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق إسماعيل بن أبي الحارث، وابن مندة من طريق إسماعيل الصائغ كلاهما عن مالك وزهير بن محمد عن زيد بن أسلم بهذا مصرحاً فيه بالسماع، وكذا أخرجه أحمد (ج٤ ص٣٤٩) عن روح بن عبادة عن مالك وزهير عن زيد به مصرحاً بالسماع، وروى زهير بن محمد وأبوغسان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء عن عبد الله الصنابحي عن عبادة حديثاً آخر في الوتر، أخرجه أبوداود. فورود عبد الله الصنابحي في حديث الوتر من رواية زهير وأبي غسان عن زيد بن أسلم شيخ مالك بمثل روايته، ومتابعة الأربعة أي حفص بن ميسرة وزهير ومحمد بن جعفر وخارجه لمالك وتصريح اثنين أي حفص بن ميسرة وزهير ابن محمد منهم بالسماع يدفع الجزم بوهم مالك فيه. وقال يحيى بن معين: عبد الله الصنابحي الذي روى عنه المدنيون يشبه أن يكون له صحبة. وقال ابن السكن: يقال له صحبة معدود في المدنيين، روى عنه عطاء بن يسار وأبوعبد الله الصنابحي مشهور روى عن أبي بكر ليست له صحبة، هذا ملخص ما ذكره الحافظ في الاصابة (ج٢ ص٣٨٤، ٣٨٥) و (ج٣ ص٩٦) وفي تهذيب التهذيب (ص٩١) و (ج٦ ص٢٢٩) . وقد ظهر بما ذكرنا أن عبد الله الصنابحي مختلف في صحبته بل في وجوده، وأن الراجح وجود عبد الله الصنابحي الصحابي، وإليه ذهب الترمذي والحاكم، وإليه مال ابن معين وابن السكن كما عرفت، والذهبي في التجريد (ج١ ص٣٤٢) حيث قال: عبد الله الصنابحي روى عنه عطاء بن يسار كذا سماه فلعله غير عبد الرحمن خرج له أبويعلى- انتهى. وابن ألأثير في رجال جامع الأصول، وكذا المصنف في الإكمال حيث ذكر عبد الله الصنابحي في فصل الصحابة وقال: الصنابحي الصحابي، قد أخرج حديثه مالك في الموطأ والنسائي في سننه- انتهى. وذكر المنذري في الترغيب قول الحاكم: عبد الله الصنابحي صحابي مشهور، وسكت عليه. وعلى هذا فلا وهم في السند، والحديث صحيح موصول لا مرسل، كما زعم ابن عبد البر ومن وافقه، وقد تقدم شيء من الكلام في هذا في كتاب الطهارة. (ومعها قرن الشيطان) جملة حالية أي اقترانه أو أن الشيطان يدنوا منها بحيث يكون طلوعها بين قرني الشيطان أي جانبي رأسه، وغرض اللعين أن يقع سجود من يسجد للشمس له فينبغي لمن يعبد ربه تعالى أن

стр. 1393

فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها. ــ لا يصلي في هذه الساعات احتراز من التشبه بعبده الشيطان. (فإذا ارتفعت فارقها) بالقاف قبل الهاء. (ثم إذا استوت قارنها) بنون تليها الهاء، وهذا زائد على ما مر من أنه في الطلوع والغروب، وهي علة أخرى للنهي عن الصلاة عند استواء الشمس، فقد تقدم في حديث عمرو بن عبسة تعليل النهي بتسجير جهنم إذ ذاك، ولا منافاة بينهما، كما لا يخفى. قال الحافظ في الفتح تحت باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر بعد بيان الأوقات الأربعة ما لفظه: وبقى خامس وهو الصلاة وقت استواء الشمس، وكأنه لم يصح عند المؤلف أي البخاري على شرطه فترجم على نفيه وفيه أربعة أحاديث، حديث عقبة بن عامر، وحديث عمرو بن عبسة، كلاهما عند مسلم. (وقد تقدما) وحديث أبي هريرة وهو عند ابن ماجه والبيهقي، ولفظه: حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح فإذا زالت فصل. وحديث الصنابحي، وهو حديث مرسل مع قوة رجاله، وفي الباب أحاديث أخرى ضعيفة، وبقضية هذه الزيادة قال عمر بن الخطاب، فنهى عن الصلاة نصف النهار. وعن ابن مسعود قال: كنا ننهى عن ذلك. وعن أبي سعيد المقبري قال: أدركت الناس وهم يتقون ذلك. وهو مذهب الأئمة الثلاثة والجمهور، وخالف مالك فقال: ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار. قال ابن عبد البر: وقد روى مالك حديث الصنابحي، فأما أنه لم يصح عنده، وأما أنه رده بالعمل الذي ذكره- انتهى. قال الزرقاني: والثاني أولى أو متعين، فإن الحديث صحيح بلا شك، ورواته ثقات مشاهير، وعلى تقدير أنه مرسل فقد اعتضد بأحاديث كثيرة- انتهى. وقال الباجي: أما عند الزوال فالظاهر من مذهب مالك وغيره من الفقهاء إباحة الصلاة في ذلك الوقت، وفي المبسوط عن ابن وهب سئل مالك عن الصلاة نصف النهار فقال: أدركت الناس وهم يصلون يوم الجمعة نصف النهار. وجاء في بعض الحديث نهي عن ذلك فأنا لا أنهى عنه للذي أدركت الناس عليه ولا أحبه للنهي عنه، فعلى هذا القول بعض الكراهة وجه القول الأول ما استدل به من صلاتهم يوم الجمعة والناس بين مصل وناظر إلى مصل وغير منكر، ومحمل النهي في الحديث يحتمل أن يراد به الأمر بإبراد الظهر، ويحتمل أن يتوجه النهي إلى تحرى تلك الأوقات بالنافلة، ويحتمل أن يكون النهي منسوخاً، هذا إن حملناه على النهي عن النافلة، وإن حملناه على الفريضة فله وجه صحيح، وذلك أنه لا خلاف في منع تأخير الصبح إلى أن تطلع، وفي منع تقديم الظهر قبل الزوال حين الاستواء، وفي صلاة المغرب حين الغروب حتى تغرب، ويحتمل أن يراد بذلك تحري تلك ألأوقات بالفريضة- انتهى. قلت: هذه التأويلات كلها بعيدة بل باطلة تردها الأحاديث الواردة في النهي فإنها نص في معناها. (فإذا دنت للغروب) بأن اصفرت وقربت من سقوط طرفها

стр. 1394

ونهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات)) . رواه مالك، وأحمد، والنسائي. ١٠٥٦- (١١) وعن أبي بصرة الغفاري، قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ بالمخمص صلاة العصر، فقال: إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ــ بالأرض. (ونهى رسول الله ﷺ ) نهى التحريم. (عن الصلاة) الفريضة أو النافلة على ما تقدم من اختلاف الأئمة. (في تلك الساعات) الثلاث كلها. (رواه مالك) في أواخر الصلاة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي. (وأحمد) (ج٤ ص٣٤٩) عن روح عن مالك وزهير عن زيد. (والنسائي) عن قتيبة عن مالك عن زيد، وأخرجه أيضاً الشافعي عن مالك والبيهقي (ج٢ ص٤٥٤) من طريق الشافعي وابن قعنب وابن بكير عن مالك والدارقطني في غرائب مالك من طريق إسماعيل بن أبي الحارث وابن مندة من طريق إسماعيل الصائغ كلاهما عن مالك وزهير بن محمد عن زيد عن عطاء عن عبد الله الصنابحي بلا أداة الكنية عند الجميع، وأخرجه أحمد في (ج٤ ص٣٤٨) وابن ماجه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن زيد عن عطاء عن أبي عبد الله الصنابحي بزيادة أداة الكنية، والمحفوظ هو الأول كما تقدم. ١٠٥٦- قوله: (عن أبي بصرة) بفتح الموحدة وسكون الصاد المهملة. (الغفاري) بكسر الغين المعجمة نسبة إلى غفار، اختلف في اسمه فقيل حميل: بفتح الحاء المهملة، قاله الدراوردي في روايته. وذكر ابن المديني عن بعض الغفاريين أنه تصحيف، وذكر البخاري أنه وهم، وقيل: حميل بالضم وعليه الأكثر وصححه ابن المديني وابن حبان وابن عبد البر وابن ماكولا. ونقل الاتفاق عليه وغيرهم. وقيل: جميل بالجيم، قاله مالك في حديث أبي هريرة حين خرج إلى الطور، وذكر البخاري وابن حبان أنه وهم. وقيل: زيد حكاه الباوردي ابن بصرة ابن أبي بصرة بن وقاص بن حبيب بن غفار. قال مصعب الزبيري: الحميل وبصرة وجده أبي بصرة صحبة. قال ابن يونس شهد حميل فتح مصر واختط بها ومات بها ودفن في مقبرتها، كذا في تهذيب التهذيب (ج٣ ص٥٦) والإصابة (ج٤ ص٢١) و (ج١ ص١٦٢) . (بالمخمص) بميم مضمومة وخاء معجمة مفتوحة ثم ميم مفتوحة مشددة، وقيل: بميم مفتوحة وخاء ساكنة وميم مكسورة بعدها وفي آخره صاد مهملة، اسم موضع. (فقال) أي بعد فراغه منها. (أن هذه) أي صلاة العصر. (على من كان قبلكم) أي من اليهود والنصارى، قاله القاري. (فضيعوها) أي ما قاموا بحقها وما حافظوا على مراعاتها. وفي رواية لأحمد: فتوانوا فيها وتركوها. (فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين) إحداهما للمحافظة عليها خلافاً لمن قبلهم، وثانيتهما أجر عمله كسائر الصلوات، قاله

стр. 1395

ولا صلاة بعدها حتى تطلع الشاهد)) والشاهد: النجم. رواه مسلم. ١٠٥٧- (١٢) وعن معاوية، قال: ((إنكم لتصلون صلاة، لقد صحبنا رسول الله ﷺ فما رأيناه يصليهما، ولقد نهي عنهما. يعني الركعتين بعد العصر)) رواه البخاري. ١٠٥٨- (١٣) وعن أبي ذر، قال- وقد صعد على درجة ــ الطيبي. (ولا صلاة بعدها) أي بعد صلاة العصر. (حتى يطلع الشاهد) كناية عن غروب الشمس؛ لأن بغروبها يظهر الشاهد. (والشاهد النجم) سمي شاهداً لأنه يشهد بالليل ويحضر، ومنه قيل لصلاة المغرب صلاة الشاهد. ويجوز أن يحمل على الاستعارة، شبه النجم عند طلوعه على وجود الليل بالشاهد الذي يثبت به الدعاوي، قاله الطيبي. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٦ ص٣٩٧) والنسائي والبيهقي. ١٠٥٧- قوله: (إنكم لتصلون) بفتح اللام للتأكيد. (فما رأيناه يصليهما) أي الركعتين، وللحموي يصليها أي الصلاة. (ولقد نهى عنهما) بضمير التثنية، ولأبي ذر عنها بالضمير المفرد، أي عن الصلاة. قال الحافظ: وقع الخلاف بين الرواة في قوله: ولقد نهى عنها أو عنهما، كما وقع في قوله: يصليهما أو يصليها. قلت: وقع في رواية البيهقي يصليها وعنها بالضمير المفرد، وهي تدل على أنه ليس عند معاوية حديث مستقل في النهي عن خصوص هاتين الركعتين، بل هو الحديث العام فقط، فذكر النهي عنهما تمسكاً بالعموم، وأما رواية عنهما أي بتثنية الضمير فيحتمل أن يكون عنده حديث خاص في النهي عن الركعتين، ويحتمل أن يكون هو الحديث العام فقط، ثم أدخلهما هو في عمومه، وذكر النهي عنهما تمسكاً بالعموم، وهذا هو ظاهر لرواية عنها، فإنها نص في أنه ليس عنده إلا الحديث العام. قال الحافظ: وكلام معاوية مشعر بأن من خاطبهم كانوا يصلون بعد العصر ركعتين على سبيل التطوع الراتب لها كما يصلى بعد الظهر، وما نفاه من رؤية صلاة النبي ﷺ لهما قد أثبته غيره، والمثبت مقدم على النافي، وسيأتي قول عائشة: كان لا يصليهما في المسجد، لكن ليس في رواية الإثبات معارضة للأحاديث الواردة في النهي؛ لأن رواية الإثبات لها سبب. (كما تقدم) فألحق بها ماله سبب وبقي ما عدا ذلك على عمومه، والنهي فيه محمول على ما لا سبب له، وأما من يرى عموم النهي ولا يخصه بما له سبب فيحمل إنكار معاوية على من يتطوع، ويحمل الفعل على الخصوصية، ولا يخفى رجحان الأول- انتهى. (يعني) أي يريد معاوية بهما. (الركعتين بعد العصر) أي بعد صلاة العصر. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤ ص٩٩، ١٠٠) والبيهقي. ١٠٥٨- قوله: (قال) أي أبوذر. (وقد صعد) حال من ضمير قال، أي طلع أبوذر. (على درجة

стр. 1396

الكعبة-: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة، إلا بمكة، إلا بمكة)) رواه أحمد، ورزين. ــ الكعبة) قال القاري: الدرجة بفتحتين هي الآن خشب يلصق بباب الكعبة ليرقى فيه إليها من يريد دخولها، فإذا قفلت حول لمحل آخر قريب من الطواف بجنب زمزم، فيحتمل أن يكون في ذلك الزمان كذلك، ويحتمل أن يكون بكيفية أخرى، ولا يبعد أن يكون المراد بالدرجة عتبة الكعبة، ويؤيد هذا رواية البيهقي بلفظ: قام فأخذ بحلقة باب الكعبة. (من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب) بضم الدال وبفتح. قال الطيبي: اتحاد الشرط والجزاء للإشعار بشهرة صدق لهجته، والشرطية الثانية تستدعى مقدراً، أي ومن لم يعرفني فليعلم إني جندب. (لا صلاة بعد الصبح) أي بعد فرض الصبح. (ولا صلاة بعد العصر) أي فرضه. (إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة) ثلاث مرات للتأكيد. (رواه أحمد ورزين) بن معاوية العبدري، أخرجه أحمد (ج٥: ص١٦٥) عن يزيد عن عبد الله بن المؤمل عن قيس بن سعد عن مجاهد عن أبي ذر، وأخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي كلاهما من طريقه عن عبد الله بن المؤمل عن حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد، فزادوا حميداً في سندهم، وأخرجه ابن عدي في الكامل وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي من حديث سعيد بن سالم عن عبد الله بن المؤمل عن حميد عن مجاهد عن أبي ذر فلم يذكروا فيه قيساً، وأخرجه ابن عدي والبيهقي من طريقه من حديث اليسع بن طلحة القرشي: سمعت مجاهداً يقول بلغنا أن أبا ذر فذكره. قال البيهقي واليسع بن طلحة ضعفوه، وعبد الله أيضاً ضعيف، والحديث منقطع، مجاهد لم يدرك أباذر. ويقال إن عبد الله تفرد به، ولكن تابعه إبراهيم بن طهمان في ذلك عن حميد، وأقام إسناده، ثم ساقه بسنده إلى خلاد بن يحيى، قال حدثنا إبراهيم بن طهمان ثنا حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد، قال: جاءنا أبوذر فأخذ بحلقة الباب-الحديث. قال البيهقي: وحميد الأعرج ليس بالقوى. قال أبوحاتم الرازي: لم يسمع مجاهد من أبي ذر، وكذا أطلق ذلك ابن عبد البر والبيهقي والمنذري وغير واحد. قال البيهقي: قوله في رواية ابن طهمان جاءنا أبوذر أي جاء بلدنا. قال الزيلعي: قال الشيخ في الإمام حديث أبي ذر هذا معلول بأربعة أشياء: أحدها انقطاع ما بين مجاهد وأبي ذر. والثاني اختلاف في إسناده. والثالث ضعف ابن المؤمل. ضعفه ابن معين والنسائي. وقال أحمد أحاديثه مناكير. والرابع ضعف حميد مولى عفراء - انتهى مختصراً. لكن قال ابن عبد البر في التمهيد: وهذا حديث وإن لم يكن بالقوي لضعف حميد مولى عفراء ولأن مجاهدا لم يسمع من أبي ذر. ففي حديث جبير بن مطعم. (المتقدم) ما يقويه مع قول جمهور العلماء من المسلمين به - انتهى. قلت: الظاهر أن حميد هذا هو حميد بن قيس الأعرج المكي أبوصفوان

стр. 1397

(٢٣) باب الجماعة وفضلها ــ القارئ الأسدي مولاهم، وقيل: مولى عفراء، من رجال الجماعة، وثقه الترمذي والبخاري وأحمد في رواية أبي طالب عنه وابن معين وأبوزرعة وأبوداود ويعقوب بن سفيان والعجلي وابن خراش. وقال أبوحاتم والنسائي وابن عدي: ليس به بأس: وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: ليس بالقوى، فتعليل الحديث بضعف حميد ليس مما يلتفت إليه. وههنا حميد آخر، وهو حميد الأعرج الكوفي القاص الملائي، واختلف في اسم أبيه، فقيل: حميد بن عطاء وقيل. . . . . . . ابن علي، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن عبيد، وهو من رجال الترمذي ضعيف بالاتفاق. (باب الجماعة) أي أحكامها وآدابها. (وفضلها) أي زيادة ثوابها. اعلم أنهم اختلفوا في بدأ مشروعية صلاة الجماعة، فجزم ابن حجر المكي في تحفة المحتاج في شرح المنهاج للنووي أنه شرعت بالمدينة، وفي روضة المحتاجين للشيخ رضوان العدل أصل مشروعيتها بمكة بدليل صلاة جبريل بالنبي ﷺ أيضاً بخديجة وبعلي، لكنها لم تظهر ولم يواظب عليها إلا بالمدينة، ولذا قيل إنها شرعت بالمدينة، وكانت الصحابة بمكة يصلون في بيوتهم لتسلط المشركين عليهم وقهرهم - انتهى. واختلفوا أيضاً في حكمها من الندب والوجوب، فقال الحافظ في الفتح: ذهب إلى القول بأنه فرض عين عطاء والأوزاعي وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر، وبالغ داود ومن تبعه فجعلها شرطاً لصحة الصلاة. (وروى مثل ذلك عن أحمد والمشهور عنه أنها واجبة غير شرط) وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وقال به كثير من الحنفية والمالكية، والمشهور عند الباقين أنه سنة مؤكدة - انتهى. وفي شرح الهداية: عامة مشائخنا أنها واجبة، وفي المفيد: الجماعة واجبة وتسميتها سنة لوجوبها بالسنة، وقيل: فرض كفاية، وهو اختيار الطحاوي والكرخي وغيرهما - انتهى. واختار البخاري وجوبها وجوب عين حيث بوب علي حديث أبي هريرة ثاني أحاديث الباب بقوله: باب وجوب صلاة الجماعة، وذكر فيه قول الحسن أن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها، وقد عرف من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها وتكميلها وتعيين أحد الاحتمالات في حديث الباب، فأثر الحسن هذا يشعر بكونه يريد أن صلاة الجماعة واجبة وجوب عين. وأقرب الأقوال عندي أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة قريبة من الواجب، وبهذا تجتمع الأحاديث المشعرة بالوجوب، والأحاديث المقتضية لعدم الوجوب. هذا، وقد ذكر الشاه ولي الله الدهلوي في حجته (ج٢: ص١٩) كلاماً جيداً في حكمة تشريع الجمعة والجماعات، فارجع إليه.

стр. 1398

﴿الفصل الأول﴾ ١٠٥٩- (١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين ــ ١٠٥٩- قوله: (صلاة الجماعة) الإضافة لأدنى ملابسة أي صلاة أحدكم مع الجماعة، أو بحذف المضاف أي صلاة آحاد الجماعة، وإلا فليس المطلوب تفضيل صلاة الجماعة كلها على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الواحد على صلاته باعتبار الحالين؛ لأنه لا فائدة في كون صلاة الجماعة كلها فاضلة هذا الفضل. (تفضل) بفتح التاء والسكون الفاء وضم الضاد المعجمة، أي تزيد في الأجر والثواب (صلاة الفذ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة، أي الفرد بمعنى المنفرد، وفي رواية لمسلم: صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده. (بسبع وعشرين) ، قال الترمذي: عامة من روى عن النبي ﷺ إنما قالوا: خمس وعشرين إلا ابن عمر، فإنه قال بسبع وعشرين، قال الحافظ: لم يختلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري عن نافع فقال فيه خمس وعشرين، لكن العمري ضعيف، ووقع عند أبي عوانة في مستخرجه من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع فإنه قال بخمس وعشرين، وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله وأصحاب نافع، وإن كان راويها ثقة، وأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك بن عثمان عن نافع بلفظ: بضع وعشرين. فليست مغايرة لرواية الحفاظ، لصدق البضع على السبع، وأما غير ابن عمر فصح عن أبي سعيد وأبي هريرة كما في هذا الباب. (أى باب فضل الجماعة عند البخاري بلفظ خمس وعشرين) وعن ابن مسعود عند أحمد وابن خزيمة وعن أبي بن كعب عند ابن ماجه والحاكم وعن عائشة وأنس عند السراج، وورد أيضاً من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت، وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين، سوى رواية أبي فقال: ربع أو خمس على الشك، أو سوى رواية أبي هريرة عند أحمد قال فيها: سبع وعشرون، وفي إسنادها شريك القاضي، وفي حفظه ضعف، وفي رواية لأبي عوانة بضعا وعشرين، وليست مغائرة أيضاً لصدق البضع على الخمس، فرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع، إذ لا أثر للشك - انتهى. واختلف في توجيه هذا الاختلاف، فمنهم من حاول الترجيح فقيل: رواية الخمس أرجح لكثرة رواتها، وإليه مال الترمذي كما يشير إليه كلامه المتقدم، وقيل: رواية السبع؛ لأن فيها زيادة من عدل حافظ، ومنهم ما مال إلى الجمع بين هذين العددين، وذلك بوجوه: منها: أن ذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد غير مراد، فرواية الخمس داخلة تحت رواية السبع. ومنها: أنه ﷺ لعله أخبر بالخمس أولاً ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فالزائد متأخر عن

стр. 1399

درجة)) ــ الناقص؛ لأن الله تعالى يزيد عباده من فضله ولا ينقصهم من الموعود شيئاً. ومنها: الفرق بقرب المسجد وبُعده. ومنها: الفرق بحال المصلى كأن يكون أعلم أو أخشع. ومنها: الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره. ومنها: الفرق بإدراك كلها أو بعضها. ومنها: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم. ومنها: أن السبع مختصة بالفجر والعشاء، وقيل: بالفجر والعصر لاجتماع الملائكة، والخمس بما عدا ذلك. ومنها: أن السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية، ورجحه الحافظ في الفتح، ورجح الشوكاني الأول. واعلم أن التخصيص بهذا العدد من أسرار النبوة التي تقصر العقول عن إدراكها. قال التوربشتي: أما وجه قصر الفضيلة على خمس وعشرين تارة، وعلى سبع وعشرين أخرى، فمرجعه إلى العلوم النبوية التي لا يدركها العقلاء إجمالاً فضلاً عن التفصيل، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة النبوة هي اجتماع المسلمين على إظهار شعار الإسلام - انتهى. وقد تعرض جماعة منهم الكرماني والبلقيني للكلام على وجه الحكمة في هذا العدد الخاص، وذكروا مناسبات وتعليلات، وهي أقوال تخمينية ليس عليها نص، وقد طول الكلام في ذلك الحافظ في الفتح، من أحب الوقوف على ذلك رجع إليه. (درجة) هو مميز العدد المذكور، وفي الروايات كلها التعبير بقوله درجة، أو حذف المميز إلا طرق حديث أبي هريرة، ففي بعضها ضعاً، وفي بعضها جزء، وفي بعضها درجة، وفي بعضها صلاة، ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة. قال ابن سيد الناس: هل هذه الدرجات والأجزاء بمعنى الصلوات، فيكون صلاة الجماعة بمثابة خمس وعشرين أو سبع وعشرين صلاة؟ أو يقال إن لفظ الدرجة والجزء لا يلزم منهما أن يكون بمقدار الصلاة، الظاهر الأول، ففي حديث لأبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: صلاة الجماعة تعدل خمساً وعشرين صلاة من صلاة الفذ، رواه السرج. وفي لفظ له: صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده، إسنادهما صحيح، وفي حديث ابن مسعود بخمس وعشرين صلاة - انتهى. قلت: حديث أبي هريرة أخرجه أيضاً مسلم بكلا اللفظين، وحديث ابن مسعود أخرجه أحمد بإسناد رجاله ثقات. قال الحافظ: معنى الدرجة أو الجزء حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للجمع، وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن بعضهم زعم خلاف ذلك، قال: والأول أظهر؛ لأنه قد ورد مبيناً في بعض الروايات - انتهى. وكأنه يشير إلى ما ذكرنا من الروايات. ثم ظاهر قوله: تفضل، وكذا قوله: تزيد في رواية لمسلم، وكذا قوله: تضعف في حديث أبي هريرة عند البخاري أن صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد وتزيد عليها العدد المذكور، فيكون لمصلي الجماعة ثواب ست أو ثمان وعشرين من صلاة الفذ. قال الباجي: يقتضي هذا أن صلاة المأموم تعدل ثمانية وعشرين درجة من صلاة الفذ؛ لأنه تزيد سبعاً وعشرين درجة - انتهى. وهل هذا التضعيف يختص بالتجمع في المسجد أو لا يختص به؟ الظاهر الأول، قال الحافظ: وهو الراجح في نظري.

стр. 1400

متفق عليه. ــ والحديث حث على الجماعة، وفيه دليل على عدم وجوبها وأنها ليست شرطاً لصحة الصلاة. قال الباجي: والاستدلال منه بمعنيين: الأول بلفظ: تفضل، فلو لم تكن صلاة الفذ مجزئة لما وصفت بأنها تفضل؛ لأنه لا تفاضل بين صلاة الجماعة وبين ما ليس بصلاة. والثاني بالدرجات، فلو لم تكن لصلاة الفذ درجة لما جاز أن يقال إن صلاة الجماعة تزيد عليها سبعاً وعشرين درجة- انتهى. ويدل عليه أيضاً ما ورد في رواية لمسلم من حديث ابن عمر بلفظ: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل الفضل، فإن ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصح لا فضيلة فيه. وقال الشوكاني: والمشترك ههنا لابد أن يكون هو الإجزاء والصحة، وإلا فلا صلاة فضلاً عن الفضل. وقال السندي: استدلوا بهذا الحديث وأمثاله على عدم وجوب الجماعة؛ لأن تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بتلك الدرجات فرع صحة صلاة الفذ، وهذا ليس بشيء؛ لأن معنى وجوب الجماعة عند غالب من يقول به من العلماء هو أنها واجبة على المصلي حالة الصلاة يأتم المصلي بتركها بلا عذر، لا أنها من واجبات الصلاة، بمعنى أنها شرط في صحتها، تبطل الصلاة بانتفائها، فإنه ما قال بالمعنى الثاني إلا شرذمة قليلون- انتهى. وأجيب أيضاً بأن المراد من الحديث إنما هو الترغيب في الجماعة ببيان زيادة ثوابها على صلاة المنفرد لا غير، وأما الوجوب فله دليل آخر، والحاصل أن الحديث إنما سيق لبيان فضل الجماعة والترغيب فيها، لا لبيان السنية أو الوجوب، وإنما ذكر صلاة الفذ وقابل بها ليظهر فضل صلاة الجماعة، فهو لتعقل صورة الحساب فقط كما في حديث الزكاة عند أبي داود: في كل أربعين درهماً درهم، فإنه لم يرد به بيان النصاب ليجب درهم على من كان عنده أربعون درهماً، إنما أراد به بيان الحساب بأن الخمسة في المأتين كالدرهم في الأربعين. هكذا حديث ابن عمر هذا وما شابهه إنما سيق لبيان الحساب لا لصحة صلاة المنفرد بمعنى عدم نقصان فيها، فتأمل. وقال بعضهم: إن صيغة أفعل قد ترد لإثبات صفة الفضل في إحدى الجهتين، كقوله تعالى: ﴿وأحسن مقيلاً﴾ [٢٥: ٢٤] . وتعقب بأنه إنما يقال ذلك على قلة حيث ترد صيغة أفعل مطلقة غير مقيدة بعدد معين، فإذا قلنا هذا العدد أزيد من هذا بكذا فلابد من وجود أصل العدد. وقال بعضهم: يحمل الفذ في الحديث على المعذور أي المنفرد لعذر. وتعقب بأن قوله: صلاة الفذ، صيغة عموم، فيشمل من صلى منفردا بعذر وبغير عذر فحمله على المعذور يحتاج إلى دليل. وأيضاً ففضل الجماعة حاصل للمعذور؛ لأن الأحاديث قد دلت على أن أجره لا ينقص عما يفعله لولا العذر، فروى أبوموسى عن النبي ﷺ : إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً. رواه أحمد والبخاري وأبوداود، وعن أبي هريرة مرفوعاً: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي.

стр. 1401

١٠٦٠- (٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب، فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال. وفي رواية: لا يشهدون الصلاة، ــ ١٠٦٠- قوله: (والذي نفسي) أي ذاتي أو روحي. (بيده) هو قسم كان النبي ﷺ كثيراً ما يقسم به، والمعنى أن أمر نفوس العباد بيد الله، أو بتقديره وتدبيره أو في ملكه وتحت تصرفه، وفيه جواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه، تنبيهاً على عظم شأنه. (لقد هممت) هو جواب القسم أكده باللام وقد، والهم العزم، وقيل دونه، والمعنى: لقد قصدت. وزاد مسلم في أوله أنه ﷺ فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: لقد هممت، فأفاد ذكر سبب الحديث. (أن آمر) بالمد وضم الميم، أي خدمي لما في رواية فتيتي. (بحطب) بفتحتين، ما أعد من الشجر وقوداً للنار. قال القاري: أي يجمع حطب عظيم. (فيحطب) بالفاء وضم المثناه التحتية مبنياً للمفعول منصوباً عطفاً على المنصوب المتقدم، وكذا الأفعال الواقعة بعده، أي فيجمع الحطب. قال الطيبي: يقال حطبت الحطب واحتطبته أي جمعته. قال المؤلف: فيحطب كذا وجدناه في صحيح البخاري والجمع للحميدى وجامع الأصول وشعب الإيمان. وفي المصابيح فيحتطب أي من الاحتطاب. قلت: وكذا وقع لأبي الوقت في رواية البخاري وللبيهقي (ج٣ ص٥٥) . وحطب واحتطب بمعنى واحد. (ثم آمر) بالمد وضم الميم. (بالصلاة) العشاء أو الفجر أو الجمعة أو مطلقاً، كلها روايات ولا تضاد لجواز تعدد الواقعة، قاله القسطلاني. قلت: عامة الروايات عن أبي هريرة على الإبهام، نعم يومئ آخر هذه الرواية أنها العشاء لقوله: لشهد العشاء. وفي رواية مسلم: لشهدها، يعني صلاة العشاء ولذلك فسرها القاري بالعشاء، قال: ويحتمل بقاءه على عمومه إن تعددت القصة. وقال النووي: جاء في رواية أن هذه الصلاة التي همّ بتحريقهم للتخلف عنها هي العشاء, وفي رواية أنها الجمعة، وفي رواية يتخلفون عن الصلاة مطلقاً، وكله صحيح، ولا منافاة بين ذلك أي لحمله على تعدد القضية. (فيؤذن) بفتح الذال المشددة. (لها) أي لأجلها. (ثم آمر رجلا فيؤم الناس) فيد دليل لجواز استخلاف الإمام وانصرافه لعذر. (ثم) أخالف إلى رجال أي آتيهم من خلفهم. وقال الجوهري: خالف إلى فلان أي أتاه إذا غاب عنه، أو المعنى أخالف المشتغلين بالصلاة قاصداً إلى بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة فأحرقها عليهم، وقيل: معناه: أذهب إليهم، وقيل: المعنى أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة فأتركه وأسير إليهم، أو أخالف ظنهم في أنى مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم. والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان، وهو منصوص في رواية لأحمد بلفظ: لولا ما في البيوت من النساء والذرية- الحديث. (وفي رواية) أي أخرى. (لا يشهدون الصلاة) أي لا يحضرون

стр. 1402

فأحرق عليهم بيوتهم ــ الجماعة من غير عذر. قال المؤلف: وليس في الصحيح في هذه الرواية لا يشهدون الصلاة بل في رواية أخرى، نقله الطيبي. قلت: هذا اعتراض من صاحب المشكاة على البغوي حيث ذكر سياق الحديث في المصابيح بلفظ: ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة الخ، فإن الظاهر منه أن قوله: لا يشهدون الصلاة، موجود في الرواية التي ساق البغوي لفظها، مع أن هذا اللفظ ليس في هذه الرواية بل في رواية أخرى، فكان عليه أن ينبه على ذلك، ويقول بعد قوله إلى رجال. وفي رواية. لا يشهدون الصلاة، كما قال المؤلف. وهذا الاعتراض متجه عندي كما لا يخفى، وفي رواية لأي داود: ثم آتى قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، فيكون الوعيد على ترك الجماعة بغير عذر لا على ترك الصلاة، وفيه دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة، ولو قلنا إنها فرض، وكذا الجمعة. (فأحرق) بتشديد الراء وفتح القاف وضمها كسابقه، وهو مشعر بالتكثير والمبالغة في التحريق. (عليهم) أي على المتخلفين عن الجماعة. (بيوتهم) بالنار عقوبة لهم، وفيه إشعار بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين وبيوتهم، وفي رواية لمسلم: ثم تحرق بيوتاً على من فيها. والحديث قد استدل به لأحمد ومن وافقه على أن الجماعة واجبة وجوب عين، وهو من أوضح أدلة القائلين بالوجوب. قال الحافظ في الفتح: الحديث ظاهر في كون الجماعة فرض عين؛ لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه. وأجاب الجمهور عنه بأجوبة: الأول أن نفس الحديث يدل على خلاف المدعى وهو عدم الوجوب، لكونه ﷺ هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه. وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه، وبأن تركها لحال التحريق لا يستلزم الترك مطلقاً؛ لإمكان أن يتداركها في جماعة آخرين قبل التحريق أو بعده. والثاني أن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقة غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك. وأجيب بأن ذلك وقع قبل تحريم التعذيب بالنار، فحمل التحديد على حقيقته غير ممتنع، على أنه لو فرض أن هذا التواعد وقع بعد التحريم لكان مخصصاً له، فيجوز التحريق في عقوبة تارك الصلاة بالجماعة. والثالث كونه ﷺ ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجباً ما عفا عنهم. وتعقب بأنه لا يهمّ إلا بما يجوز له فعله لو فعله، والترك لا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه جاء في رواية لأحمد بيان سبب الترك، وهو قوله ﷺ : لولا ما في البيوت من النساء والذرية أقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار، وسيأتي هذا الحديث. والرابع أن التهديد لقوم تركوا الصلاة رأساً لا مجرد الجماعة. وتعقب بما تقدم من رواية أبي داود بلفظ:

стр. 1403

ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، وبقوله: لا يشهدون الصلاة بمعنى لا يحضرون الجماعة، وفي رواية عند أحمد: لا يشهدون العشاء في الجميع أي في الجماعة، وفي حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجه مرفوعاً: لينتهين رجال عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم. والخامس أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل، وهو قريب من الوجه الثاني. والسادس أن الحديث ورد في حق المنافقين خاصة، فليس التهدد على ترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل. وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة، مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه ﷺ كان معرضاً عنهم وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم، وقال: لا يحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. وتعقب هذا التعقب بأنه لا يتم إلا أن ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجباً عليه ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخيراً فليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين، لقوله في رواية من حديث أبي هريرة هذا عند الشيخين: ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر- الحديث. لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر، يدل على ذلك ما في رواية أبي داود: ويصلون في بيوتهم ليست بهم علة، ففيه دليل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، وأيضاً قوله في رواية أحمد: لولا ما في البيوت من النساء والذرية، يدل على أنهم لم يكونوا كفاراً؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقاً إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر فلا يدل على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على عدم الوجوب من جهة المبالغة في ذم من تخلف عنها. قال الطيبي: خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم وعادتهم، وأنه مناف لأحوالهم؛ لأنه من صفات المنافقين، ولو دخلوا في هذا الوعيد ابتداء لم يكن بهذه المثابة. ويعضده ما روي عن ابن مسعود من قوله: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق قد علم نفاقه، رواه مسلم- انتهى كلامه. لا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه. (السادس) لأنتفاء أن يكون المؤمن قد تخلف، وإنما ورد الوعيد في حق م تخلف؛ لأني أقول: بل هذا يقوي ما ظهر لي أولاً أن المراد بالنفاق نفاق المعصية لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل لا العاصي الذي يجوز إطلاق النفاق عليه مجازاً لما دل عليه مجموع الأحاديث- انتهى كلام الحافظ. والسابع أن فريضة الجماعة كانت في أول

стр. 1404

والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)) ــ الإسلام لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين ثم نسخ، حكاه عياض. قال الحافظ: ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال- انتهى. قال النووي: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغال في الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما- انتهى. هذا، وههنا وجوه أخرى للجواب عن هذا الحديث تركناها للاختصار، وأقرب الأجوبة عندي هو الوجه الثاني، يني أن الحديث خرج مخرج الزجر لا الحقيقة، وإنما المراد المبالغة بدليل أنه لم يفعله ﷺ ، ولا دليل على أنهم انزجروا وتركوا التخلف، وكان يمكن له ﷺ أن يحرق ما في بيوتهم بعد إخراج النساء والذرية منها. (والذي نفسي بيده) أعاد القسم للمبالغة في التأكيد. (لو يعلم أحدهم) أي الذين لا يشهدون الصلاة. (أنه يجد) أي في المسجد. (عرقاً) بفتح العين المهملة وسكون الراء وبالقاف، العظم الذي عليه بقية لحم. قال الطيبي: العرق بالسكون العظم الذي أخذ منه اللحم أي معظمه وبقي عليه لحم رقيق، يقال: عرقت العظم إذا أخذت أكثر ما عليه من الحم نهشاً. وفي المحكم عن الأصمعي: العرق بسكون الراء قطعة لحم، قيل هو اللائق هنا، وقيل: الأول لأنه أشد مبالغة في إظهار الخساسة المقصودة. ولفظ الموطأ والنسائي عظماً قيل هو أنسب للوصف بقوله: (سميناً) قال ابن حجر قيد به؛ لأن العظم السمين فيه دسومة قد يرغب في مضغه لأجلها. (أو مرماتين) تثنية مرماة بكسر الميم وقد تفتح، ظلف الشاة أو ما بين ظلفيها من اللحم، قاله الخليل. وكذا قال البخاري فيما نقله المستملي في روايته في كتاب الأحكام عن الفربري. قال عياض: فالميم على هذا أصلية، وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنضال محددة يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب، وهي المرماة والمدحاة، قيل: ويبعد أن تكون هذه مراداً لحديث لأجل التثنية. وحكى الحربي عن الأصمعي: أن المرماة سهم الهدف، وقال ويؤيده ما روى عن أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ: لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة أو سهمان لفعل. وقيل: المرماة سهم يتعلم عليه الرمي، وهو سهم دقيق مستو غير محدد، وهو أحقر السهام وأرذلها. قال الزين بن المنير: ويدل على ذلك التثنية فإنها مشعرة بتكرر الرمي، بخلاف السهام المحددة الحربية فإنها لا يتكرر رميها. وقال الزمخشري: تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العرق معه، ووجهه ابن الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين وكان مما يؤكل أتبعه بالسهمين؛ لأنهما مما يتلهى به- انتهى. (حسنتين) بفتحتين أي جيدتين. قال الحافظ: إنما وصف العرق بالسمن والمرماة بالحسن ليكون ثم باعث نفساني على تحصيلهما. (لشهد العشاء) أي صلاتها، فالمضاف محذوف، والمعنى لو علم أنه لو حضر الصلاة يجد نفعاً دنيوياً وإن كان خسيساً

стр. 1405

رواه البخاري. ولمسلم نحوه. ١٠٦١- (٣) وعنه، قال: ((أتى النبي ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن ــ حقيراً لحضرها لقصور همته على الدنيا، ولا يحضرها لما لها من مثوبات الآخرة ونعيمها، ففيه توبيخ وإشارة إلى ذم المتخلفين بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم أو ملعوب به مع التفريط فيما يحصل به رفيع الدرجات ومنازل الكرامات. وفي الحديث من الفوائد تقديم التهديد والوعيد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزواجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة، فهو من باب الدفع بالأخف. وفيه جواز العقوبة بالمال، كذا استدل به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم. وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة؛ لأنه ﷺ هم بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة الجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد، وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل، وترجم عليه البخاري في كتاب الأشخاص وفي كتاب الأحكام: باب أخراج أهل المعاصي والريب من البيوت بعد المعرفة، يريد أن من طلب منهم بحق فاختفى أو امتنع في بيته لدداً ومطلاً أخرج منه بكل طريق يتوصل إليه بها، كما أراد النبي ﷺ إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم. وفيه الرخصة للإمام أو نائبة في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفى في بيته ويتركها، ولا بعد أن يلحق بذلك الجمعة فقد ذكروا من الأعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم في حق الإمام كالغرماء. واستدل به ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية، كما هو مذهب مالك. قال العيني: وكذلك روي عن بعض أصحابنا، وادعى الجمهور النسخ. (رواه البخاري) في الصلاة وفي كتاب الأشخاص وكتاب الأحكام، وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والنسائي والبيهقي. (ولمسلم نحوه) وكذا للترمذي وأبي داود وابن ماجه. ١٠٦١- قوله: (رجل أعمى) قال النووي وغيره: هو ابن أم مكتوم كما جاء مفسراً في سنن أبي داود وغيره، يعني بذلك رواية أبي داود والنسائي الآتية في الفصل الثالث. (ليس لي قائد) القائد هو الذي يمسك يد الأعمى ويأخذها ويذهب به حيث شاء ويجرة، من القود وهو ضد السوق فهو من أمام، وذاك من خلف، والمراد نفي القائد الملائم أي الموافق المساعد، لا نفي القائد مطلقاً، جمعاً بينه وبين ما وقع في الرواية الآتية عند أبي داود: ولى قائد لا يلائمني، إذا كان الأعمى المذكور في حديث أبي هريرة هذا هو ابن أم مكتوم، وقيل: هما واقعتان. (يقودني) أي يمسكني ويأتي معي. (إلى المسجد) لصلاة الجماعة وفي رواية النسائي إلى الصلاة. (أن
следующие страницы →