← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

يوم الجمعة، اتخذ جسراً إلى جهنم)) . ــ وجاوزهم. (يوم الجمعة) ظاهر التقييد بيوم الجمعة أن الكراهة مختصة به. ويحتمل أن يكون التقييد خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بكثرة الناس بخلاف سائر الصلوات فلا يختص ذلك بالجمعة، بل يكون حكم سائر الصلوات حكمها. ويؤيد ذلك التعليل بالأذية، كما في بعض الروايات. وظاهر هذا التعليل أن ذلك يجري في مجالس العلم وغيرها. ويؤيده أيضاً ما أخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي أمامة مرفوعاً: من تخطى حلق قوم بغير إذنهم فهو عاص، لكن في إسناده جعفر بن الزبير، وقد كذبه شعبة وتركه الناس، وقال العيني: تقييد التخطي بيوم الجمعة هو المذكور في الأحاديث، وكذلك قيده الترمذي في حكايته عن أهل العلم، وكذلك قيده الشافعية في كتب فقههم في أبواب الجمعة، وكذلك هو عبارة الشافعي في الأم، إذ قال: وأكره تخطى رقاب الناس يوم الجمعة لما فيه من الأذى وسوء الأدب-انتهى. لكن هذا التعليل يشمل الجمعة وغيرها سائر الصلوات في المساجد وغيرها، وسائر المجامع من حلق العلم وسماع الحديث ومجالس الوعظ، فيحمل التقييد بالجمعة على أنه خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بمكان الخطبة وكثرة الناس بخلاف غيره. ويؤيد ذلك ما رواه أبومنصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس فذكره. (اتخذ) على بناء المفعول أي يجعل يوم القيامة (جسراً) بفتح الجيم وسكون المهملة أي معبراً يمر عليه من يساق. (إلى جهنم) مجازاة له بمثل عمله. ويجوز بناءه للفاعل أي اتخذ لنفسه بصنيعه ذلك طريقا يؤديه إلى جهنم لما فيه من إيذاء الناس واحتقارهم. فكأنه جسرا اتخذه إلى جهنم، أو المعنى اتخذ نفسه جسراً الأهل جهنم، إلى جهنم بذلك العمل، والثالث أبعد الوجوه. وقال الطيبي: والشيخ التوربشتي ضعف المبني للمفعول رواية ودراية-انتهى. والحديث يدل على كراهة التخطي يوم الجمعة. واختلف في حكمه أنه للتحريم أو لا، فقال الترمذي حاكيا عن أهل العلم أنهم كرهوا ذلك وشددوا فيه. قال العيني: المتقدمون يطلقون الكراهة. ويريدون التحريم. وحكى الشيخ أبوحامد في تعليقه عن نص الشافعي التصريح بتحريمه، وصرح النووي في شرح المهذب أنه مكروه بكراهة تنزيه. وقال في زوائد الروضة: إن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة، واقتصر أصحاب أحمد على الكراهة فقط-انتهى كلام العيني. ويكره عند المالكية لغير فرجة قبل جلوس الإمام على المنبر، ويحرم بعده ولو لفرجة، ثم اختلفوا في أنه هل يستثنى أحد من كراهة التخطي أو لا، فقال الحنفية: يجوز التخطي بشرطين: عدم الإيذاء وعدم خروج الإمام؛ لأن الإيذاء حرام والتخطي عمل، والعمل بعد خروج الإمام حرام، فلا يرتكبه لفضيلة الدنو من الإمام، بل يستقر في موضعه من المسجد، ذكره الطحطاوي على المراقى. وقد تقدم مذهب المالكية. وقال الشافعية إنه مكروه إلا أن يكون قدامه فرجة لا يصلها إلا بالتخطي، فلا يكره حينئذٍ. وقال ابن المنذر: بكراهته مطلقاً، ونقل ذلك عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وكعب وابن المسيب وعطاء وأحمد بن حنبل. وفي فقه الحنابلة أنه يستثنى الإمام والمؤذن

стр. 1927

رواه الترمذي. وقال: هذا حديث غريب. ١٤٠٦- (١٤) وعن معاذ بن أنس، ((أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة ــ والتخطي إلى الفرجة. وقال العراقي: وقد استثنى من التحريم أو الكراهة الإمام أو من كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي. وهكذا أطلق النووي في الروضة، وقيد ذلك في شرح المهذب، فقال: إذا لم يجد طريقاً إلى المنبر والمحراب لا بالتخطي لم يكره؛ لأنه ضرورة. وروى نحو ذلك عن الشافعي، وحديث عقبة بن الحارث عند البخاري والنسائي قال: صليت وراء رسول الله ﷺ بالمدينة العصر، ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه-الحديث، يدل على جواز التخطي للحاجة في غير الجمعة. فمن خصص الكراهة بالجمعة فلا معارضة بينه وبين أحاديث الباب عنده. ومن عمم الكراهة لوجود العلة المذكورة سابقاً في الجمعة وغيرها فهو محتاج إلى الإعتذار عنه. وقد خص الكراهة بعضهم بغير من يتبرك الناس بمروره، ويسرهم ذلك، ولا يتأذون لزوال علة الكراهة التي هي التأذي، كذا في النيل. قلت: والراجح عندي أنه يحرم التخطي مطلقاً لإطلاق الأحاديث المقتضية للكراهة إلا لمن يتبرك الناس بمروره، ويسرهم ذلك، ولا يتأذون لحديث عقبة بن الحارث المذكور. (رواه الترمذي) وابن ماجه أيضاً كلاهما من طريق رشدين بن سعد، وهو صالح عابد سيء الحفظ، عن زبان بن فائد، وهو ضعيف الحديث مع صلاحه وعبادته، ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً يتفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنها موضوعة، لا يحتج به عن سهل بن معاذ. وقد تقدم أنه لا يعتبر بحديثه إذا كان من رواية زبان عنه. ورواه أحمد في مسنده (ج٣ص٤٣٧) وابن عبد الحكم في فتوح مصر. (٢٩٨) كلاهما من طريق ابن لهيعة عن زبان. وفي الباب عن جماعة من الصحابة ذكر أحاديثهم الشوكاني في النيل (ج٣ص١٢٨) والهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢ص١٧٨- ١٧٩) مع الكلام عليها وفي أكثرها ضعف. وأقوى ما ورد في ذلك حديث عبد الله بن بسر قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب فقال له رسول الله ﷺ : اجلس فقد آذيت. أخرجه أحمد وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج٣ص٢٣١) وسكت عنه أبوداود والمنذري، وصححه ابن خزيمة وغيرهم. ١٤٠٦- قوله: (نهى عن الحبوة) مثلثة الحاء، اسم من الاحتباء. قال القاضي عياض في المشارق (ج١ص١٧٦- ١٧٧) : الاحتباء هو أن ينصب الرجل ساقيه ويدير عليهما ثوبه، أو يعقد يديه على ركبتيه متعمداً على ذلك-انتهى. وقال التوربشتي في شرح المصابيح: الحبوة بضم الحاء وكسرها الاسم من الاحتباء، وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب وقد يحتبى بيديه. ووجدت الرواية بكسر الحاء، والحبوة بالفتح المرة من الاحتباء، ولا معنى لها ههنا ووجه النهي-والله اعلم- هو أنها مجلبة للنوم فيلهى عن الخطبة، ثم أنها هيئة

стр. 1928

يوم الجمعة والإمام يخطب)) . ــ لا يكون معها تمكن، فربما تفضي إلى انتفاض الطهارة فيمنعه الاشتغال بالطهارة عن استماع الخطبة وحضور الذكر إن لم تفته الصلاة، مع ما يتوقع منه من الافتتان في الصلاة لغلبة الحياء ممن يخلو عن علم يسوسه وورع يحجزه-انتهى. (يوم الجمعة، والإمام يخطب) قال القاري: هو قيد احترازي، والأول واقعي اتفاقي أو تأكيدي-انتهى. وقال الشوكاني: وقد ورد النهي عن الاحتباء مطلقاً غير مقيد بحال الخطبة ولا بيوم الجمعة؛ لأنه مظنة؛ لأنكشاف عورة من كان عليه ثوب واحد. وقد اختلف أهل العلم في كراهة الاحتباء يوم الجمعة، فقال بالكراهة قوم من أهل العلم، كما قال الترمذي، منهم عبادة بن نسي التابعي. قال العراقي: وورد عن مكحول وعطاء والحسن أنهم كانوا يكرهون أن يحتبوا، والإمام يخطب يوم الجمعة. رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: ولكنه قد اختلف عن الثلاثة، فنقل عنهم القول بالكراهة، ونقل عنهم عدمها. واستدل من قال بالكراهة بحديث معاذ بن أنس، وبحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند ابن ماجه، وفي سنده بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة عن شيخه عبد الله بن واقد. قال العراقي: لعله من شيوخه المجهولين. وقال الحافظ في التقريب: عبد الله بن واقد شيخ لبقية مجهول، يحتمل أن يكون الهروي يعني عبد الله بن واقد بن الحارث الحنفي الهروي، وهو ثقة موصوف بخصال من الخير، وبحديث جابر عند ابن عدي في الكامل، وفي إسناده عبد الله بن ميمون القداح، وهو ذاهب الحديث كما قال البخاري. وقال الشوكاني: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً. وذهب أكثر أهل العلم- كما قال العراقي-إلى عدم الكراهة، فروى أبوداود والطحاوي والبيهقي (ج٣ص٢٣٥) عن يعلى بن شداد قال: شهدت مع معاوية فتح بيت المقدس فجمع بنا، فإذا جل من في المسجد أصحاب النبي ﷺ ، فرأيتهم محتبين والإمام يخطب. روى الطحاوي وابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يحتبى يوم الجمعة والإمام يخطب. وذكر أبوداود عن أنس بن مالك وشريح القاضي وصعصعة بن صوحان التابعي المخضرم وابن المسيب والنخعي ومكحول وإسماعيل بن محمد بن سعد ونعيم بن سلامة أنهم كانوا يحتبون والإمام يخطب، قال أبوداود ولم يبلغني أن أحدا كرهها إلا عبادة ابن نسي. وقال ابن عبد البر: ولم يرو عن أحد من الصحابة خلافه، ولا روي عن أحد من التابعين كراهة الاحتباء إلا وقد روى عنه جوازه-انتهى. قلت: وإلى عدم الكراهة ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واعتذر هؤلاء عن أحاديث الباب بوجوه: منها أنها كلها ضعيفة. وفيه أن حديث معاذ قد حسنه الترمذي وسكت عليه أبوداود، وصححه الحاكم، وله شاهدان ضعيفان من حديث عبد الله بن عمرو وحديث جابر، كما تقدم. ومنها أنها منسوخة لعمل جل الصحابة بخلافها، وإليه يشير صنيع أبي داود حيث روى حديث يعلى المتقدم بعد حديث معاذ بن أنس، وذكر عن ابن عمر وغيره أنهم كانوا يحتبون يوم الجمعة، والإمام يخطب إلى آخر ما قال. وذكر

стр. 1929

رواه الترمذي، وأبوداود. ١٤٠٧- (١٥) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا نعس أحدكم يوم الجمعة، فليتحول ــ الطحاوي في مشكل الآثار: أن النهي محمول على إحداث الحبوة واستينافها في حالة الخطبة؛ لأنه عمل في الخطبة واشتغال بغير الخطبة وإقبال على ما سواها. وأما الحبوة التي كان الصحابة يفعلونها فكانت قبل الخطبة، أي ما كانوا يستأنفونها وإمامهم يخطب، بل كانوا يستعملونها قبل الخطبة. وقيل: النهي مختص بمن يجلب الاحتباء النوم له. وقال شيخنا في شرح الترمذي بعد ذكر الجواب الأول: أحاديث الباب، وإن كان ضعيفة، لكن يقوي بعضها بعضاً ولا شك في أن الحبوة جالبة لنوم، فالأولى أن يحترز عنها يوم الجمعة في حال الخطبة. هذا ما عندي والله أعلم بالصواب. (رواه الترمذي وأبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (ج١ص٢٨٩) والبيهقي (ج٣ص٢٣٥) وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص٢٩٧) كلهم من طريق أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ بن أنس عن معاذ. والحديث قد حسنه الترمذي وسكت عليه أبوداود وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي: وسهل بن معاذ ضعفه يحيى بن معين وتكلم فيه غيره، وأبومرحوم ضعفه ابن معين. وقال أبوحاتم الرازي: لا يحتج به-انتهى. قلت: قد تقدم أن سهل بن معاذ لا بأس به إلا في روايات زبان عنه، وهذا ليس من رواية زبان عنه، وأبومرحوم قد ذكره ابن حبان في الثقات. وقال النسائي: أرجو أنه لا بأس به. وقال ابن يونس: زاهد يعرف بالإجابة والفضل، فالظاهر أن الحديث لا ينحط عن درجة الحسن، لا سيما وقد تأيد بالشاهدين المذكورين. ١٤٠٧- قوله: (إذا نعس) بفتح العين من باب نصر ومنع، والنعاس الوسن وأول النوم، وهي ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ تغطي على العين ولا تصل إلى القلب، فإذا وصله كان نوماً. (أحدكم) في مجلسه. (يوم الجمعة) أي وهو في المسجد، كما في رواية أبي داود وأحمد (ج٢ص٣٢) . قال الشوكاني: لم يرد بيوم الجمعة جميع اليوم، بل المراد به إذا كان في المسجد ينتظر صلاة الجمعة، كما في رواية أحمد في مسنده (ج٢ص٣٢) بلفظ: إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة، وسواء فيه حال الخطبة أو قبلها، لكن حال الخطبة أكثر-انتهى. وقد استثنى الحنفية حال الخطبة، فقالوا: التحول في حالة الخطبة ممنوع؛ لأن العمل في الخطبة منهي عنه. فلا يدخل وقت الخطبة في عموم الحديث. قلت: ظاهر الحديث الإطلاق، ولذلك بوب عليه أبوداود باب الرجل ينعس والإمام يخطب. (فليتحول) أي فليتنقل؛ لأنه إذا تحول حصل له من الحركة ما ينفي الفتور المقتضي للنوم. قيل: فإن لم يجد

стр. 1930

من مجلسه ذلك)) . رواه الترمذي. ﴿الفصل الثالث﴾ ١٤٠٨- (١٦) عن نافع، قال: سمعت ابن عمر يقول: ((نهى رسول الله ﷺ أن يقيم الرجل الرجل من مقعده ويجلس فيه. ــ في الصفوف مكاناً يتحول إليه فليقم ثم يجلس. وقيل: يتحول إلى مكان صاحبه ويتحول صاحبه إلى مكانه. (من مجلسه ذلك) أي إلى غيره، كما في رواية أحمد وأبي داود. قال الشوكاني: والحكمة في الأمر بالتحول أن الحركة تذهب النعاس. ويحتمل أن الحكمة فيه انتقاله من المكان الذي أصابته فيه الغفلة بنومه وإن كان النائم لا حرج عليه، فقد أمر النبي ﷺ في قصة نومهم عن صلاة الصبح في الوادي بالانتقال منه، وأيضاً من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والنعاس في الصلاة من الشيطان، فربما كان الأمر بالتحول لإذهاب ما هو منسوب إلى الشيطان من حيث غفلة الجالس في المسجد عن الذكر أو سماع الخطبة أو ما فيه منفعة. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢ص٢٢، ٣٢، ١٣٥) وأبوداود وابن حبان في صحيحه، والبيهقي (ج٣ص٢٣٧) . وقد صححه الترمذي وسكت عليه أبوداود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وفي إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، لكن قدر صرح بالتحدث في رواية أحمد (ج٢ص١٣٥) وفي الباب عن سمرة عند البزار والطبراني في الكبير والبيهقي (ج٣ص٢٣٨) مرفوعاً بلفظ: إذا نعس أحدكم يوم الجمعة فليتحول إلى مكان صاحبه، ويتحول صاحبه إلى مكانه. قيل لإسماعيل. (راوي الحديث عن الحسن عن سمرة) والإمام يخطب، قال: نعم-انتهى. قال الهيثمي: وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. وقال البزار: إسماعيل لا يتابع على حديثه-انتهى. وفي سماع الحسن عن سمرة خلاف قد تقدم. ١٤٠٨- قوله: (نهى رسول الله ﷺ أن يقيم الرجل الرجل) أي نهى عن إقامة الرجل الرجل، فإن مصدرية. (من مقعده) بفتح الميم أي من موضع قعود الرجل الثاني. (ويجلس فيه) أي في مقعده النصب عطفاً على يقيم، أي وأن يجلس. والمعنى أن كل واحد منهما منهي عنه. ولو صحت الرواية بالرفع لكان الكل المجموعي منهياً عنه. وظاهر النهي التحريم فلا يصرف عنه إلا بدليل، فلا يجوز أن يقيم أحداً من مكانه ويجلس فيه؛ لأن من سبق إلى مباح فهو أحق به. قال ابن حجر: قوله "يجلس" بالنصب عطف على يقيم، فكل منهي عنه على حدته، وروي بالرفع فالجملة حالية، والنهي عن الجمع حتى لو أقامه ولم يقعد هو في مكانه لم يرتكب النهي. والوجه هو الرواية الأولى وما أفادته، لأن العلة الإيذاء، وهو حاصل بكل على الإنفراد فحرم؛ لأن ما سبق إلى المباح فهو

стр. 1931

قيل لنافع: في الجمعة؟ قال: في الجمعة وغيرها)) . متفق عليه. ١٤٠٩- (١٧) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يحضر الجمعة ثلاثة نفر: فرجل حضرها بلغو، فذلك حظه ــ أحق به بنص الحديث الصحيح-انتهى. قلت: محط الإيذاء إنما هو الإقامة منه، وذكر الجلوس للسبب العادي، ولو قام الجالس باختياره وأجلس غيره فلا كراهة في جلوس غيره. وأما ما روى أحمد ومسلم من امتناع ابن عمر عن الجلوس في مجلس من قام له برضاه فهو محمول على أنه كان تورعاً منه؛ لأنه ربما استحيا منه إنسان فقام له بدون طيبة من نفسه لكن الظاهر أن من فعل ذلك فقد أسقط حق نفسه، وتجويز عدم طيبة نفسه بذلك خلاف الظاهر. ولو بعث من يقعد له في مكان ليقوم عنه إذا جاء هو جاز أيضاً من غير كراهة. ولو فرش له نحو سجادة فلغيره تنحيتها، والصلاة مكانها؛ لأنه لا حرمة لها، ولأن السبق بالأجسام لا بما يفرش. وقيل: لا يجوز لأنه سبق إليه فصار كحجر الموات. (قيل لنافع) هو مولى ابن عمر راوي الحديث عن ابن عمر، والقائل لنافع هو ابن جريج. (في الجمعة) أي هذا النهي في الجمعة خاصة أو مطلقاً. (قال) أي نافع. (في الجمعة وغيرها) يعني النهي عام في حق سائر الأيام في مواضع الصلوات، وقد ورد التقييد بيوم الجمعة في حديث جابر آخر أحاديث الفصل الأول، وتقدم الكلام عليه هناك، وقد بوب البخاري على حديث ابن عمر المطلق "باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد في مكانه". قال الحافظ: وكأن البخاري اغتنى عنه. (أي عن حديث جابر المقيد بيوم الجمعة) بعموم حديث ابن عمر المذكور في الباب. وبالعموم المذكور احتج نافع حين نافع حين سأله ابن جريج عن الجمعة-انتهى. وبالنظر إلى عمومه أورده المصنف في الجمعة، واستدل به على التبكير، كما تقدم بيان وجه المناسبة في شرح حديث جابر. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجمعة والاستيذان، ومسلم في الاستيذان، وأخرجه أيضاً أحمد في مواضع من مسنده، والبيهقي (ج٣ص٢٣٢) . ١٤٠٩- قوله: (ثلاثة نفر) يعني ثلاثة أصناف من الرجال. (فرجل) الفاء تفصيلية؛ لأن التقسيم حاصر، فإن حاضري الجمعة ثلاثة: فمن رجل لاغ مؤز يتخطى رقاب الناس، فحظه من الحضور اللغو والأذى، ومن ثان طالب حظه غير مؤذ، فليس عليه ولا له إلا أن يتفضل الله بكرمه، فيسعف مطلوبة، ومن ثالث طالب رضا الله عنه. متحر احترام الخلق فهو هو، ذكره الطيبي. (حضرها بلغو) بباء الجر في أوله، أي حضوراً متلبساً بكلام عبث أو فعل باطل حال الخطبة. وفي بعض النسخ: يلغو على المضارع، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج١٠ص٢٦٥) وهكذا وقع في رواية أحمد، وفي بعض النسخ من السنن الكبرى للبيهقي. وعلى هذا فيكون حالاً من الفاعل، أي يعبث ويتكلم بما لا يعينه. (فذلك) أي للغو. وفي أبي داود: وهو. (حظه) أي

стр. 1932

منها. ورجل حضرها بدعاء، فهو رجل دعا الله، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه. ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله يقول: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ رواه أبوداود. ١٤١٠- (١٨) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب، فهو كمثل الحمار ــ حظ ذلك الرجل. (منها) أي من الجمعة، أي ليس له نصيب من صلاة الجمعة وخطبتها وإن سقطت الفريضة عنه. وقال ابن حجر: أي لا حظ له كامل؛ لأن اللغو يمنع كمال ثواب الجمعة. ويجوز أن يراد باللغو ما يشمل التخطي والإيذاء بدليل نفيه عن الثالث أي فذلك الأذى حظه. (ورجل حضرها بدعاء) أي مشتغلاً به حال الخطبة حتى منعه ذلك من أصل سماعه أو كماله أخذاً من قوله: "في الثالث" بإنصات وسكوت. وفي أبي داود: يدعو بلفظ المضارع. (إن شاء أعطاه) أي مدعاة لسعة حلمه وكرمه. (وإن شاء منعه) عقاباً على ما أساء به من اشتغاله بالدعاء عن سماع الخطبة، فإنه مكروه عندنا حرام عند غيرنا، قاله ابن حجر. (ورجل حضرها بإنصات) أي مقترناً باستماع للخطبة. (وسكوت) عن اللغو. وقيل: هما بمعنى، وجمع بينهما للتأكيد ومحله إذا سمع الخطبة. (ولم يؤذ أحداً) أي بنوع آخر من الأذى كالإقامة من مكانه أو القعود على سجادته بغير رضاه. (فهي) أي جمعته الشاملة للخطبة والصلاة والأوصاف المذكورة. (كفارة) أي له، قاله الطيبي. يعني لذنوبه من حين انصرافه. (إلى الجمعة التي) أي إلى مثل تلك الساعة من الجمعة التي (تليها) أي تقربها. وهي التي قبلها على ما ورد منصوصا. (وزيادة ثلاثة أيام) بالجر عطف على الجمعة. (وذلك) أي ما ذكر من كفارة ما بين الجمعتين من السبعة وزيادة ثلاثة أيام. (رواه أبوداود) وسكت عليه. وقال العراقي: إسناده جيد. وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢ص١٨١، ٢١٤) وابن خزيمة في صحيحه، والبيهقي (ج٣ص٢١٩) وابن أبي حاتم وابن مردويه. ١٤١٠- قوله: (من تكلم) ظاهره المنع من جميع أنواع الكلام من غير فرق بين ما لا فائدة فيه وغيره لإطلاق الكلام فيه. ويؤيده أنه إذا جعل قوله: أنصت مع كونه أمراً بمعروف لغواً، كما تقدم، ومحبطاً لفضيلة الصلاة فغيره من الكلام أولى بأن يسمى لغواً. وقد ذهب إلى تحريم كل كلام الجمهور، ولكن قيد ذلك بعضهم بالسامع للخطبة، والأكثر لم يقيدوا. قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروف فليجعله بالإشارة. (والإمام يخطب) أي والمتكلم يعلم كراهة الكلام أو حرمته، وهذا لأجل قوله. (فهو كمثل الحمار) أي صفته كصفة أو مثله

стр. 1933

يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت، ليس له جمعة)) . رواه أحمد. ١٤١١- (١٩) وعن عبيد بن السباق مرسلاً، قال: قال رسول الله ﷺ في جمعة من الجمع: ((يا معشر المسلمين! ــ الغريب الشأن كمثل الحمار. (يحمل) صفة أو حال. (أسفاراً) جمع سفر بالكسر أي كتباً كباراً من كتب العلم، كناية عن العلم بلا عمل، وعن عدم نفع علمه مع تحمل التعب والمشقة في تحصيله. وقيل: إنما شبه من لم يمسك عن الكلام في حال الخطبة بالحمار الحامل للأسفار؛ لأنه فاته الانتفاع بأبلغ نافع، وقد تكلف المشقة وأتعب نفسه في حضور الجمعة، والمشبه به كذلك فاته الانتفاع فأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه، والحاصل أنه شبهه بالحمار يجامع عدم الانتفاع. وقال الطيبي: شبه المتكلم العارف بأن التكلم حرام؛ لأن الخطبتين قائمة مقام الركعتين بالحمار الذي حمل أسفاراً من الحكمة، وهو يمشي ولا يدري ما عليه. (والذي يقول) أي بالعبارة لا بالإشارة. (له) أي لهذا المشبه بالحمار. (أنصت) أي استمع. (ليس له جمعة) فيه دليل على أنه لا صلاة له، فإن المراد بالجمعة الصلاة، إلا أنها تجزئة إجماعاً، فلا بد من تأويل هذا بأنه نفي للفضيلة التي يحوزها من أنصت، وهو كما في حديث عبدلله بن عمرو: من لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً. قال ابن وهب أحد رواته: معناه أجزأته الصلاة وحرم فضيلة الجمعة. قال النووي: لا تبطل الجمعة بالكلام بلا خلاف وإن قلنا بحرمته. وخبر "فلا جمعة له" أي كاملة، يعني ن المراد بنفيها نفي كمال ثوابها لا نفي أصله. وقد احتج بالحديث على حرمة الكلام حال الخطبة، فإن تشبيهه بالمشبه به المستنكر، وملاحظة وجه الشبه يدل على قبح ذلك، وكذلك نسبته إلى فوات الفضيلة الحاصلة بالجمعة، ما ذاك إلا لما يلحق المتكلم من الوزر الذي يقاوم الفضيلة فيصير محبطاً لها. (رواه أحمد) (ج١ص٢٣٠) وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة في المصنف، والبزار في مسنده، والطبراني في الكبير، وفي إسناده مجالد بن سعيد، وقد ضعفه الناس، ووثقه النسائي في رواية، كذا في مجمع الزوائد (ج٢ص١٨٤) . قلت: وقال محمد بن المثنى: يحتمل حديثه لصدقه. وقال العجلي: جائز الحديث. وقال البخاري: صدوق. وقال يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه، وهو صدوق، ولذلك قال الحافظ في بلوغ المرام: لا بأس بإسناده، وله شاهد قوي في جامع حماد. وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده حسن. ١٤١١- قوله: (وعن عبيد) بضم العين بلا إضافة. (بن السباق) بفتح السين المهملة وتشديد الباء الموحدة الثقفي المدني، يكنى أبا سعيد، من ثقات الطبقة الوسطى من التابعين، روى له الستة، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة. (مرسلاً) أي بحذف الصحابي ورواه ابن ماجه موصولاً، كما سيأتي. (من الجمع) بضم الجيم وفتح الميم، جمع جمعة، وقد تجمع على جمعات. (يا معشر المسلمين) وفي بعض نسخ الموطأ: يا معاشر المسلمين

стр. 1934

إن هذا يوم جعله الله عيداً فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك)) . رواه مالك. ١٤١٢- (٢٠) ورواه ابن ماجه عنه، وهو عن ابن عباس متصلاً. ــ وهكذا وقع في رواية البيهقي. قال النووي: المعشر الطائفة التي يشملهم وصف، فالشباب معشر، والشيوخ معشر، والنساء معشر، والأنبياء معشر، وما أشبهها. (إن هذا يوم جعله الله عيداً) أي للمسلمين خاصة، ففي رواية ابن ماجه: إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين. (فاغتسلوا) فإن التنظيف والتجمل في الأعياد مطلوب ومندوب. وظاهر لفظ الموطأ أن الاغتسال لا يختص بمن يشهد الجمعة. ولفظ ابن ماجه: فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، يشير إلى أنه يختص بمن يحضرها. واختلف في أن الغسل لصلاة الجمعة أو ليومها، فذهب محمد وداود، وهي رواية عن أبي يوسف، أنه لليوم، فيشمل الصبيان والنساء والرجال والعبيد، ولا يختص بمن يشهد الصلاة. وذهب الجمهور إلى أنه للصلاة لا لليوم، فيختص بمن يحضر صلاة الجمعة. والظاهر أن ههنا اغتسالان: أحدهما لليوم، والثاني للصلاة. وقد ورد في كليهما الأحاديث، والأول مندوب، والثاني مؤكد بل واجب، فمن اغتسل قبل الجمعة حصل له فضل الغسلين، ومن اغتسل بعد الجمعة حصل له فضل غسل اليوم، ولم يحصل فضل غسل الصلاة الذي اختلف العلماء في أنه سنة مؤكدة أو واجب. (ومن كان عنده طيب) ولو من طيب امرأته. وقيل: أي من طيب الرجال، وهو ما ليس له لون وله رائحة. (فلا يضره أن يمس منه) قال الطيبي: فإن قيل: هذا إنما يقال فيما فيه مظنة ضرر وحرج، ومس الطيب، ولا سيما يوم الجمعة، سنة مؤكدة فما معناه؟ قلت: لعل رجالاً من المسلمين توهموا أن مس الطيب من عادة النساء، فنفي الحرج عنهم، كما هو الوجه في قوله: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ [٢: ١٥٨) مع أن السعي واجب أو ركن-انتهى. قال الزرقاني: عبره على شأن معنى الندب والترغيب، فهو بمنزله التصريح بأنه غير واجب، وأوجبه أبوهريرة، فإن لم يحمل على إيجاب سنة وندب فالجمهور على خلافه-انتهى. ولفظ ابن ماجه: وإن كان طيب فليمس منه. (وعليكم بالسواك) أي الزموه لتأكد استحبابه يوم الجمعة، خصوصاً عند الوضوء والغسل تكميلاً للطهارة والنظافة. (رواه مالك) عن ابن شهاب الزهري عن عبيد بن السباق أن رسول الله ﷺ الخ. ١٤١٢- قوله: (ورواه ابن ماجه) بسنده. (عنه) أي عن ابن السباق. (وهو) أي عبيد. (عن ابن عباس متصلاً) رواية ابن ماجه هذه تخالف لما روى البخاري في صحيحه من طريق شعيب عن الزهري، قال طاووس: قلت لابن عباس: ذكروا أن النبي ﷺ قال: اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤسكم وإن لم تكونوا جنباً، وأصيبوا من الطيب. قال ابن عباس: أما الغسل فنعم. وأما الطيب فلا أدري. وفي رواية: قال: لا أعلمه.

стр. 1935

١٤١٣- (٢١) وعن البراء، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حقاً على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليس أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيب)) . رواه أحمد، والترمذي وقال: هذا حديث حسن. (٤٥) باب الخطبة والصلاة ــ وأجيب بأن في سنده عند ابن ماجه صالح بن أبي الأخضر الذي روى عن الزهري عن عبيد، وصالح ضعيف، وقد خالفه مالك فرواه عن الزهري عن عبيد مرسلاً. قال الحافظ: فإن كان صالح حفظ فيه ابن عباس احتمل أن يكون ذكره بعد ما نسيه أو عكس ذلك-انتهى. ورواه البيهقي (ج٣ص٢٤٣) من طريق الشافعي عن مالك عن ابن شهاب عن ابن السباق مرسلاً، ثم قال: هذا هو الصحيح مرسل، وقد روي موصولاً ولا يصح وصله-انتهى. وروى نحوه الطبراني في الأوسط والصغير من حديث أبي هريرة مرفوعاً، لكن ليس فيه ذكر الطيب. قال الهيثمي (ج٢ص١٧٢- ١٧٣) رجاله ثقات. ١٤١٣- قوله: (حقاً) بالنصب قال الطيبي: "حقاً" مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه اختصاراً. (أن يغتسلوا) فاعل حق المقدر. (يوم الجمعة) ظرف للاغتسال. (وليمس) بكسر اللام، ويسكن. قال الطيبي: عطف على ما سبق بحسب المعنى، إذ فيه سمة الأمر، أي ليغتسلوا أو ليمس. (من طيب أهله) أي بشرط أهله لقوله ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس أو من طيب له عند أهله. (فإن لم يجد) أي طيباً. (فالماء له طيب) قال العراقي: المشهور في الرواية بكسر الطاء وسكون المثناة من تحت، أي أنه يقوم مقام الطيب، قال الطيبي: أي عليه أن يجمع بين الماء والطيب، فإن تعذر الطيب فالماء كاف؛ لأن المقصود التنظيف وإزالة الرائحة الكريهة. وفيه تطيب لخاطر المساكين-انتهى. (رواه أحمد) (ج٤ص٢٨٢، ٢٨٣) . (والترمذي، وقال: هذا حديث حسن) قال شيخنا في شرح الترمذي في كونه حسناً كلام فإن مداره على يزيد بن أبي زياد الهاشمي الكوفي، وقد ضعفه جماعة. قال الذهبي في الميزان: قال يحيى: ليس بالقوي، وقال أيضاً لا يحتج به. وقال ابن المبارك. ارم به. وقال شعبة: كان يزيد بن أبي زياد رفاعاً. وقال أحمد: حديثه ليس بذلك، وخرج له مسلم مقروناً بآخر. وقال الحافظ في التقريب: إنه كبر فتغير، وصار يتلقن-انتهى. (باب الخطبة والصلاة) أي خطبة الجمعة وصلاتها وما يتعلق بصفاتهما وكمالاتهما وبيان أوقاتهما. والخطبة بالضم مصدر خطب يخطب خطابه وخطبة أي وعظ. ويطلق على الكلام الذي يخطب به، وهو الكلام

стр. 1936

﴿الفصل الأول﴾ ١٤١٤- (١) عن أنس، ((أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس)) . ــ المنثور المسجع ونحوه، كذا في القاموس. وفي عرف الشرع عبارة عن كلام يشتمل على الذكر والتشهد والصلاة والوعظ. واختلف هل هي شرط صحة صلاة الجمعة، وركن من أركانها أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنها شرط وركن. وقال أقوام: إنها ليست بفرض، وجمهور أصحاب مالك على أنها فرض إلا ابن الماجشون، ذكره ابن رشد. قلت: ذهب داود الظاهري وابن حزم والحسن البصري والجويني إلى أن خطبة الجمعة ليست فرضاً، بل هي مندوبة، وهو الظاهر؛ لأنه لم ينتهض دليل على إيجابها لا من كتاب ولا من سنة. وأما قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [٦٢: ٩] فليس فيه حجة على ذلك؛ لأن المراد بالذكر المأمور بالسعي إليه هو الصلاة. غاية الأمر أنه متردد بينها وبين الخطبة، وقد وقع الاتفاق على وجوب الصلاة، والنزاع في وجوب الخطبة، فلا ينتهض هذا الدليل للوجوب. قال ابن حزم: قد أقدم بعضهم فقال إن قول الله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ إنما مراده إلى الخطبة، وجعل هذا حجة في إيجاب فرضها. قال ابن حزم: من لهذا المقدم؟ إن الله تعالى أراد بالذكر المذكور فيها الخطبة، بل أول الآية وآخرها يكذبان ظنه الفاسد؛ لأن الله تعالى إنما قال: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ ، ثم قال عزوجل: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض، وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً﴾ فصح أن الله تعالى إنما افترض السعي إلى الصلاة إذا نودي لها، وأمر إذا قضيت بالانتشار، وذكره كثيراً، فصح يقيناً أن الذكر المأمور بالسعي له هو الصلاة، وذكر الله تعالى فيها بالتكبير والتسميع والتمجيد والقراءة والتشهد لا غير ذلك، فإن قالوا: لم يصلها ﵇ قط إلا بخطبة. قلنا: ولا صلاها ﵇ قط إلا بخطبتين قائماً يجلس بينهما، فاجعلوا كل ذلك فرضاً لا تصح الجمعة إلا به، ولا صلى ﵇ قط إلا رفع يديه في التكبيرة الأولى، فأبطلوا الصلاة بترك ذلك-انتهى. ١٤١٤- قوله: (حين تميل الشمس) أي تزول عن كبد السماء وعن استوائها، يعني بعد تحقق الزوال. قال الحافظ: في التعبير بـ"كان" إشعار بمواظبته ﷺ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس-انتهى. وفيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن أول وقت الجمعة إذا زالت الشمس كوقت الظهر، وأنها لا تصلى إلا بعد الزوال. ويدل له أيضاً ما رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء. قال النووي: قال مالك وأبوحنيفة والشافعي وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق، فجوزاها قبل الزوال.

стр. 1937

رواه البخاري. ١٤١٥- (٢) وعن سهل بن سعد، قال: ((ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة)) . ــ وروي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح منها شيء إلا ما عليه الجمهور-انتهى. واستدل لأحمد ومن وافقه بحديث سهل بن سعد الآتي، وسنذكر وجه الاستدلال مع الجواب عنه، ثم إنه اختلف أصحاب أحمد، فقال بعضهم: وقتها وقت صلاة العيد، فتجوز في أول النهار. وقال الخرقي: وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة أجزأتهم. وظاهره أنه لا يجوز صلاتها فيما قبل الساعة السادسة، وهو الذي صححه ورجحه ابن قدامة في المغني (ج٢ص٣٥٧) . والأولى والأفضل عندهم أن لا تصلى إلا بعد الزوال ليخرج من الخلاف، ويفعلها في الوقت الذي كان النبي ﷺ يفعلها فيه في أكثر أوقاته. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والبيهقي (ج٣ص١٩٠) . ١٤١٥- قوله: (ما كنا نقيل) بفتح النون، من قال يقيل قيلولة فهو قائل. قال في النهاية: المقيل والقيلولة الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم. (ولا نتغدى) بالغين المعجمة والدال المهملة من الغداء، وهو الطعام الذي يوكل أول النهار. زاد في رواية أحمد ومسلم والترمذي: في عهد النبي ﷺ . (إلا بعد الجمعة) أي بعد فراغ صلاتها. وفي رواية للبخاري: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم تكون القائلة. واستدل به لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال؛ لأن الغداء والقيلولة محلهما قبل الزوال، وحكي عن ابن قتيبة أنه قال لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال. وأجيب عنه بأنه لا دلالة فيه على أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال، بل فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة، ثم ينصرفون فيقيلون ويتغدون، فيكون قائلتهم وغداءهم بعد الجمعة عوضاً عما فاتهم في وقته من أجل بكورهم. والحاصل أن قائلتهم وغداءهم بعد الجمعة لما كانا قائمين مقام القيلولة والغداء، أطلق عليهما ذلك مجازاً، وهذا كما أطلق رسول الله ﷺ على السحور اسم الغداء فقال لعرباض ابن سارية: هلم إلى الغداء المبارك. أخرجه أبوداود والنسائي، فكما أنه لا يصح الاستدلال بقوله ﷺ هذا على جواز السحور وقت الغداء أي بعد طلوع الفجر إلى الزوال، كذلك لا يصح الاستدلال بلفظ القيلولة والتغدي على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال. وبالجملة حمل الجمهور حديث سهل على التبكير، وأنهم كانوا يشتغلون أول النهار بآلة الجمعة، فيؤخرون الغداء والقيلولة عن وقتهما. والحاصل أن ما كان غداء في غير يوم الجمعة يكون بعد صلاة الجمعة، فلا يبقى فيه غداء، وكذا القيلولة. وقال الأمير اليماني: ليس في حديث سهل دليل على الصلاة قبل الزوال؛ لأنهم في المدينة ومكة لا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد صلاة الظهر، كما قال تعالى: ﴿وحين تضعون ثيابكم

стр. 1938

من الظهيرة﴾ [٢٤: ٥٨] نعم كان النبي ﷺ يسارع بصلاة الجمعة في أول وقت الزوال بخلاف الظهر، فقد كان يؤخره بعده حتى يجتمع الناس-انتهى. واستدل لأحمد أيضاً بحديث سلمة: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به. وفي رواية: وما نجد فيئاً نستظل به. وجه الاستدلال أنه قد ثبت أنه ﷺ كان يخطب خطبتين، ويجلس بينهما، ويقرأ القرآن في الخطبة مثل سورة ﴿ق﴾ و ﴿تبارك﴾ ، ويذكر الناس، ويقرأ في صلاتها بسورة ﴿الجمعة﴾ و ﴿المنافقين﴾ ، ولو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال لما انصرف منها إلا وقد صار للحيطان ظل يستظل به. وأجيب عنه بأن خطبته ﷺ وصلاته كانتا قصداً، فلا يزيد شغله في الخطبة والصلاة على الساعة الواحدة العرفية، ومع مضى الساعة الواحدة لا يمكن أن يكون لجدران المدينة فيء يستظل به لقصر جدرانها، إذ ذاك قال الشوكاني: المراد نفي الظل الذي يستظل به لا نفي أصل الظل، كما هو الأكثر الأغلب من توجه النفي إلى القيود الزائدة. ويدل على ذلك قوله: "ثم نرجع نتبع الفيء" وإنما كان كذلك؛ لأن الجدران كانت في ذلك العصر قصيرة لا يستظل بظلها إلا بعد توسط الوقت، فلا دلالة في ذلك على أنهم كانوا يصلون قبل الزوال-انتهى. واستدل له أيضاً بحديث أنس قال: كنا نبكر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة، أخرجه البخاري. قال الحافظ: ظاهره أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، لكن طريق الجمع أولى من دعوى التعارض، وقد تقرر فيما تقدم أن التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته أو تقديمه على غيره، وهو المراد هنا. والمعنى أنهم كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر، فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد، واستدل له أيضاً بحديث جابر أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس، أخرجه أحمد ومسلم والنسائي. قيل: المتبادر منه أن صلاتهم كانت قبل الزوال؛ لأنه قد صرح بأن إراحتهم لنواضحهم بعد الجمعة كانت عند الزوال. وتعقب بأن قوله: "حين تزول الشمس" يحتمل أن يكون متعلقاً بقوله: "يصلي" فلا يتم الاستدلال به. واستدل له أيضاً بما روى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند، والدارقطني وأبونعيم في كتاب لصلاة، وابن أبي شيبة من رواية عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ولا أنكره. وأجيب عنه بأن عبد الله بن سيدان بسين مهملة مكسورة بعدها تحتية ساكنة. قيل: سندان بالنون بعد السين المطرودي السلمي غير معروف العدالة. قال ابن عدي: شبه المجهول، وقال ــ

стр. 1939

متفق عليه. ١٤١٦- (٣) وعن أنس، قال: ((كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة، يعني الجمعة)) ــ البخاري: لا يتابع على حديثه. وقال اللالكائي: مجهول لا خير فيه. وقال النووي في الخلاصة: اتفقوا على ضعف ابن سندان- انتهى. بل قد عارضه ما هو أقوى منه، فروى ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس. قال الحافظ: إسناده قوي. وقد ظهر بما ذكرنا أنه ليس في صلاة الجمعة قبل الزوال حديث صحيح صريح. فالقول الراجح هو ما قال به الجمهور. قال شيخنا في شرح الترمذي: والظاهر المعول عليه هو ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس. وأما ما ذهب إليه بعضهم من أنها تجوز قبل الزوال فليس فيه حديث صريح- انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والترمذي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٢٤١) . ١٤١٦- قوله: (إذا اشتد البرد) فيه نوع من المشاكلة. والمراد عدم اشتداد الحر. (بكر) أي تعجل وأسرع. (بالصلاة) أي صلاها في أول وقتها. (أبرد بالصلاة) أي صلاها بعد أن وقع ظل الجدار في الطريق كيلا يتأذى الناس بالشمس. كذا قال بعض الشراح من الحنفية. (يعني الجمعة) يعني أنه ليس الحديث في صلاة الجمعة، وإنما هو في صلاة الظهر إلا أن أنساً لما استدل به على صلاة الجمعة قياساً على الظهر حمله بعض الرواة عليها فقال يعني الجمعة، فليس دليل الإبراد بصلاة الجمعة في شدة الحر إلا القياس لا الحديث. قال الشوكاني: يحتمل أن يكون قوله: "يعني الجمعة" من كلام التابعي أو من دون أخذه قائله مما فهمه من التسوية بين الظهر والجمعة عند أنس حيث استدل لما سئل عن الجمعة بقوله:"كان يصلي الظهر" ويؤيده ما عند الإسماعيلي عن أنس من طريق أخرى، وليس فيه قوله:"يعني الجمعة"- انتهى. والحاصل أن الروايات تدل على أن الإبراد بالجمعة عند أنس إنما هو بالقياس على الظهر لا النص، لكن أكثر الأحاديث تدل على التفرقة في الظهر، وعلى التبكير في الجمعة مطلقاً من غير تفصيل. قال الكرماني. قال الفقهاء: ندب الإبراد إلا في الجمعة لشدة الخطر في فواتها، ولأن الناس يبكون إليها، فلا يأذون بالحر. وقال ابن قدامة في المغني (ج٢ ص٢٩٦) : ولا فرق في استحباب إقامة الجمعة عقيب الزوال بين الشدة والحر وغيره، فإن الجمعة يجتمع لها الناس، فلو انتظروا الإبراد شق عليهم، ولذلك كان النبي ﷺ يفعلها إذا زالت الشمس في الشتاء والصيف على ميقات واحد، وقال في (ج١ ص٣٩٠) : فأما الجمعة فيسن تعجيلها في كل وقت بعد الزوال من غير إبراد؛ لأن سلمة بن الأكوع قال: كنا نجمع مع رسول الله ﷺ -

стр. 1940

رواه البخاري. ١٤١٧- (٤) وعن السائب بن يزيد، قال: ((كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس، زاد النداء الثالث ــ إذا زالت الشمس، متفق عليه. ولم يبلغنا أنه أخرها، بل كان يعجلها، حتى قال سهل بن سعد: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة، أخرجه البخاري، ولأن السنة التبكير بالسعي إليها ويجتمع الناس لها، فلو أخرها لتأذى الناس بتأخير الجمعة- انتهى. قلت: وقد نحا البخاري إلى مشروعية الإبراد بالجمعة، وإليه ميل الحنفية. والراجح عندنا التعجيل من غير فرق بين الحر والبرد لعدم النص في الإبراد بالجمعة. والله تعالى أعلم. (رواه البخاري) وللحديث قصة وحاصلها أن الحكم بن أبي عقيل الثقفي كان نائباً على البصرة عن ابن عمه الحجاج بن يوسف، وكان الحكم على طريقة ابن عمه في تطويل الخطبة يوم الجمعة حتى يكاد الوقت أن يخرج، فأنكر ذلك على الحكم بعضهم، وسأل الحكم من أنس كيف كان النبي ﷺ يصلي الظهر؟ فأجاب أنس بما ذكر من الحديث. والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد أيضاً، وأخرجه أبويعلى في مسنده مع القصة، والبيهقي (ج٣ ص٢٩١، ١٩٢) معها وبدونها. ١٤١٧- قوله: (كان النداء) الذي ذكره الله في القرآن. (أوله) بالرفع بدل من اسم، كان وخبرها "إذا جلس الإمام". وفي رواية لابن خزيمة: كان ابتداء النداء الذي ذكره الله في القرآن يوم الجمعة. (إذا جلس الإمام على المنبر) أي قبل الخطبة، وثانيه وهو الإقامة، إذا فرغ من الخطبة ونزل. (على عهد رسول الله ﷺ ) أي في زمانه. (وأبي بكر وعمر) يعني في خلافتهما. وفي رواية لابن خزيمة: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة. قال ابن خزيمة: قوله: "أذانين" يريد الأذان والإقامة يعني تغليباً أو لاشتراكهما في الإعلام. (فلما كان عثمان) أي زمن خلافته. قال الطيبي: "كان" تامة أي حصل عهده. وقيل: يصح كونها ناقصة، والخبر محذوف أي خليفة. (وكثر الناس) أي المؤمنون بالمدينة عن أن يسمعوا الأذان عند باب المسجد. (زاد) أي عثمان بعد مضي مدة من خلافته. (النداء الثالث) أول الوقت عند الزوال قبل خروجه وصعوده على المنبر ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت، وإنما سماه ثالثاً بالنسبة إلى إحدائه؛ لأنه زيد على النداءين الذين كانا على عهد رسول الله ﷺ وزمن الشيخين، وهما الأذان بعد صعود الإمام على المنبر قبل قراءة الخطبة، وهو المراد بالنداء الأول والإقامة بعد فراغه من الخطبة عند نزوله، وهو المراد بالنداء الثاني. وفي بعض روايات الحديث: فأمر عثمان بالأذان الأول، وهو الموافق للواقع فعلاً؛ لأنه

стр. 1941

على الزوراء)) . ــ يبدأ به قبل خروج الإمام. وفي بعض رواياته أيضاً تسميته الثاني باعتبار أنه زيد على الأذان الذي كان قبل، وعدم اعتبار الإقامة في العدد؛ لأنها ليست أذاناً وإن كانت من النداء للصلاة، والحاصل أنه باعتبار كونه مزيداً يسمى ثالثاً، وباعتبار كونه جعل مقدماً على الأذان والإقامة يسمى أولاً، وبالنظر إلى الأذان الحقيقي دون الإقامة يسمى ثانياً، قال الطيبي: إنما زاد عثمان ذلك لكثرة الناس فرأى هو أن يؤذن المؤذن قبل الوقت. (يعني المعتاد، وهو صعوده على المنبر بعد الزوال) لينتهي الصوت إلى نواحي المدينة، ويجتمع الناس قبل خروج الإمام لئلا يفوت عنهم أوائل الخطبة. (على الزوراء) بفتح الزاي وسكون الواو بعدها راء ممددة موضع بالسوق بالمدينة، قاله البخاري في جامعه الصحيح. وفي رواية ابن خزيمة وابن ماجه: زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها الزوراء، وزاد في رواية للبخاري وغيره: فثبت الأمر على ذلك. قال الحافظ: والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الأمر، لكن ذكر الفاكهاني: أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج، وبالبصرة زياد، وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة. وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار. ويحتمل أنه يريد لم يكن في زمن النبي ﷺ ، وكل ما لم يمكن في زمنه يسمى بدعة لكن منها ما يكون حسناً، ومنها ما يكون بخلاف ذلك، وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياساً على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب- انتهى كلام الحافظ. وقد ذكر الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي (ج٢ ص٣٩٣) هنا كلاماً حسناً أحببنا إيراده لعل الله ينفع بها الطالبين، قال: "فائدة" في رواية عند أبي داود في هذا الحديث: كان يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد، فظن العوام بل كثير من أهل العلم أن هذا الأذان يكون أمام الخطيب مواجهة، فجعلوا مقام المؤذن في مواجهة الخطيب. (قريباً من المنبر) على كرسي أو غيره، وصار هذا الأذان تقليداً صرفاً لا فائدة له في دعوة الناس إلى الصلاة وإعلامهم حضورها، كما هو الأصل في الأذان والشأن فيه، وحرصوا على ذلك، حتى لينكرون على من يفعل غيره، وإتباع السنة أن يكون على المنارة عند باب المسجد ليكون إعلاماً لمن لم يحضر، وحرصوا على إبقاء الأذان قبل خروج الإمام، وقد زالت الحاجة إليه؛ لأن المدينة لم يكن بها (مسجد جامع) إلا المسجد النبوي وكان الناس كلهم يجمعون فيه، وكثروا عن أن يسمعوا الأذان عند باب المسجد، فزاد عثمان الأذان الأول ليعلم من بالسوق ومن حوله حضور الصلاة، أما الآن وقد كثرت المساجد، وبنيت فيها المنارات، وصار الناس يعرفون وقت الصلاة بأذان المؤذن على المنارة فإنا نرى أن يكتفي بهذا الأذان، وأن يكون عند خروج الإمام إتباعاً للسنة أو يؤمر المؤذنون

стр. 1942

رواه البخاري. ١٤١٨- (٥) وعن جابر بن سمرة، قال: ((كانت للنبي ﷺ خطبتان، يجلس بينهما ــ عند خروج الإمام أن يؤذنوا على أبواب المساجد- انتهى. قلت: إذا وقعت اليوم الحاجة إلى النداء العثماني في بلد كما وقعت بالمدينة في عهد عثمان ﵁ فلا بأس بأن يؤذن على موضع مرتفع كالمنار أو سطح البيت خارج المسجد قبل خروج الإمام كما كان في زمن عثمان ﵁. وأما بغير الحاجة وعند عدم الضرورة فالاكتفاء بالأذان عند خروج الإمام هو المتعين عندي. وأما كون هذا الأذان أمام الخطيب مواجهة قريباً من المنبر فليس في شيء من السنة، فإن السنة أن يؤذن عند باب المسجد ليحصل فائدة الأذان لا داخل المسجد عند المنبر، والله تعالى أعلم. (رواه البخاري) بألفاظ وأسانيد. وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ص١٩٢، ٢٠٥) . ١٤١٨- قوله: (كانت للنبي ﷺ خطبتان) فيه أن المشروع خطبتان، وقد ذهب إلى وجوبهما الشافعي وأحمد. قال ابن قدامة: يشترط للجمعة خطبتان، وهذا مذهب الشافعي. وقال مالك والأوزاعي وإسحاق وأبوثور وابن المنذر وأصحاب الرأي: يجزيه خطبة واحدة، وقد روى عن أحمد ما يدل عليه، فإنه قال لا تكون الخطبة إلا كما خطب النبي ﷺ أو خطبة تامة-انتهى. وقال الشوكاني: قد ذهب إلى وجوبهما العترة الشافعي. وحكى العراقي في شرح الترمذي عن مالك وأبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر وأحمد بن حنبل في رواية أن الواجب خطبة واحدة، قال: وإليه ذهب جمهور العلماء، ولم يستدل من قال بالوجوب إلا بمجرد الفعل مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"-الحديث. وقد عرفت ألا ذلك ينتهض لإثبات الوجوب، يعني لأن مجرد الفعل لا يفيد الوجوب. وأما قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فهو مع كونه غير صالح للاستدلال به على الوجوب ليس فيه إلا الأمر بإيقاع الصلاة على الصفة التي كان يوقعها عليها، والخطبة ليست بصلاة. (يجلس بينهما) أي بين الخطبتين. وفيه إشارة إلى أن خطبته كانت حالة القيام، وقد ورد ذلك مصرحا عن جابر نفسه، وعن ابن عمر وكعب بن عجرة، كما سيأتي، قال الشوكاني في شرح حديث ابن عمر وجابر: فيه أن القيام حال الخطبة المشروع. قال ابن المنذر: وهو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار. واختلف في وجوبه، فذهب مالك والشافعي إلى الوجوب، غير أن مالكاً قال: إنه واجب لو تركه أساء، وصحت الجمعة. وقال الشافعي: إنه شرط في صحة الخطبة، وإنه متى خطب قاعداً لغير عذر لم تصح. قال ابن قدامة ويحتمله كلام أحمد. وذهب أبوحنيفة إلى أن القيام سنة وليس بواجب، قال ابن قدامة: قال القاضي: يجزيه الخطبة قاعداً، وقد نص عليه أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة. واستدل الأولون بحديث جابر وابن عمر وبغيرهما من الأحاديث الصحيحة: قال الشوكاني:

стр. 1943

يقرأ القرآن، ويذكر الناس، ــ لاشك أن الثابت عنه ﷺ وعن الخلفاء الراشدين هو القيام حال الخطبة، ولكن الفعل بمجرده لا يفيد الوجوب. وفي الحديث مشروعية الجلوس بين الخطبتين. واختلف في وجوبه، فذهب الشافعي إلى أنه فرض، وشرط لصحة الخطبة. وذهب الجمهور مالك وأحمد وأبوحنيفة إلى أنه غير واجب. استدل من أوجب ذلك بفعله ﷺ ، وقوله: "صلوا كما رأيتموني"، وقد تقدم الجواب عن مثل هذا الاستدلال. قال ابن المنذر: لم أجد للشافعي دليلاً، والفعل، وإن اقتضى الوجوب عند الشافعي، لا يدل على بطلان الجمعة بتركه، وأي فرق بين الجلوس قبلهما وبينهما، مع أن كلا منهما ثابت عنه ﵊. قال جمع من الشافعية وهو كما قال، والعجب إيجاب هذا دون الاستقبال، قاله القاري. (يقرأ القرآن) تفسير الخطبة. وقال القاضي: هو صفة ثانية للخطبتين. والراجح محذوف، والتقدير يقرأ فيهما. وقوله: (ويذكر الناس) عطف عليه داخل في حكمه-انتهى. والتذكير هو الوعظ والنصيحة، وذكر ما يوجب الخوف والرجاء من الترهيب والترغيب. واستدل به على مشروعية القراءة والوعظ في الخطبة، ولا خلاف فيه وإنما الخلاف في الوجوب، فذهب الشافعي إلى أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقراءة، قال النووي: قال الشافعي: لا تصح الخطبتان إلا بحمد الله تعالى والصلاة على رسول الله ﷺ فيهما والوعظ، وهذه الثلاثة واجبات في الخطبتين، وتجب قراءة آية من القرآن في إحداهما على الأصح، ويجب الدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح. وقال مالك وأبوحنيفة والجمهور: يكفي من الخطبة ما يقع عليه الاسم. وقال أبوحنيفة وأبويوسف ومالك في رواية عنه: يكفي تحميدة أو تسبيحة أو تهليلة، وهذا ضعيف؛ لأنه لا يسمى خطبة. ولا يحصل به مقصودها مع مخالفته ما ثبت عنه ﷺ -انتهى. قلت: الراجح عندي أنه يجب في خطبة الجمعة شيء سوى حمد الله والموعظة؛ لأن ذلك يسمى خطبة ويحصل به المقصود فأجزأ، وما عداه من الصلاة على النبي ﷺ وقراءة القرآن والدعاء لإنسان ليس على اشتراطه ووجوبه في الخطبة دليل، ولا يجب أن يخطب على صفة خطبة النبي ﷺ بالاتفاق؛ لأنه قد روى أنه كان يقرأ آيات، ولا يجب قراءة آيات، ولكن يستحب أن يقرأ آيات كذلك، ولما روت أم هشام قالت: ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا من في رسول الله ﷺ ، يخطب بها في كل جمعة. وفي حديث الشعبي أن النبي ﷺ كان يقرأ سورة. وقوله: "يذكر الناس" دليل صريح على أن الخطبة وعظ وتذكير للناس، وأنه ﷺ كان يعلم أصحابه في خطبة الجمعة قواعد الإسلام وشرائعه ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي، وكان يأمرهم بمقتضى الحال، فلا بد للخطيب من أن يعظ الناس، ويذكرهم ويبين لهم ما يحتاجون إليه. فإن كان السامعون من غير العرب وعظهم بلغتهم، فإن التذكير

стр. 1944

فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً)) . رواه مسلم. ١٤١٩- (٦) وعن عمار، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته، مئنة من فقهه، ــ والوعظ في بلاد العجم لا يفيد، ولا يحصل أثره إلا إذا كان بلغتهم. وحديث جابر هذا هو أول دليل على هذا. (فكانت صلاته قصداً) أي متوسطة بين الإفراط والتفريط من التقصير والتطويل بفتح القاف وسكون الصاد، وآخره دال، وهو الوسط بين الطرفين، وهو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي التفريط والإفراط. (وخطبته قصداً) قال الطيبي: أصل القصد الاستقامة في الطريق، استعير للتوسط في الأمور والتباعد عن الإفراط، ثم للتوسط بين الطرفين كالوسط، أي كانت صلاته ﷺ متوسطة، لم تكن غاية الطول، ولا في غاية القصر، وكذلك الخطبة. وذلك لا يقتضى مساواة الخطبة للصلاة، إذ توسط كل يعتبر في بابه، فلا يخالف حديث عمار الآتي. (رواه مسلم) هما حديثان عند مسلم رواهما عن جابر بن سمرة، تم الأول على قوله "ويذكر الناس" وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ص٢١٠) ولفظ الثاني: قال جابر: كنت أصلي مع رسول الله ﷺ ، فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً. ونسب المجد هذا في المنتقى للجماعة إلا البخاري وأبا داود. قلت: وأخرجه البيهقي (ج٣ص٢٠٧) أيضاً. ١٤١٩- قوله: (إن طول صلاة الرجل) أي إطالتها. (وقصر خطبته) بكسر القاف وفتح الصاد أي تقصيرها. (مئنة) بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة. (من فقهه) أي علامة يتحقق بها فقهه، مفعلة بنيت من، إن المكسورة المشددة وحقيقتها مظنة ومكان لقول القائل: إنه فقيه؛ لأن الصلاة مقصودة بالذات، والخطبة توطئة لها، فتصرف العناية إلى الأهم، كذا قيل، أو لأن حال الخطبة توجهه إلى الخلق وحال الصلاة مقصده الخالق. فمن فقاهة قلبه إطالة معراج ربه، أو لأن الصلاة هي الأصل، والخطبة هي الفرع، ومن القضايا الفقهية أن يؤثر الأصل على الفرع بزيادة. وقال الطيبي: قوله "من فقهه" صفة "مئنة" أي مئنة ناشئة من فقهه، في النهاية: أي ذلك مما يعرف به فقه الرجل، فكل شيء دل على شيء فهو مئنة له. وحقيقتها أنها مفعلة من معنى أن التي للتحقيق غير مشتقة من لفظها؛ لأن الحروف لا يشتق منها، وإنما ضمن حروفها دلالة على أن معناها فيها. قال النووي: قال الأزهري والأكثرون: الميم فيها زائدة، وهي مفعلة، قال الأزهري: غلط أبوعبيد في جعله الميم أصلية. وقال القاضي عياض: قال شيخنا ابن سراج: هي أصلية-انتهى. قال الشوكاني: وإنما كان اقتصار الخطبة علامة من فقه الرجل؛ لأن الفقيه هو المطلع على جوامع الألفاظ، فيتمكن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن

стр. 1945

فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحراً)) . رواه مسلم. ١٤٢٠- (٧) وعن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، ــ المعاني الكثيرة. (فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة) قال النووي: الهمزة في "أقصروا" همزة وصل، وليس هذا الحديث مخالفاً للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة، ولقوله في الرواية المتقدمة: "كانت صلاته قصداً وخطبته قصداً"؛ لأن المراد بحديث عمار أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلاً يشق على المأمومين، وهي حينئذٍ قصد أي معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها. وقال العراقي: أو حيث احتيج إلى التطويل لإدراك بعض من تخلف، قال: وعلى تقدير تعذر الجمع بين الحديثين يكون الأخذ في حقنا بقوله؛ لأنه أدل بفعله لاحتمال التخصيص. وقال القاري: لا تنافي بينهما، فإن الأول أي حديث جابر دل على الاقتصار فيهما، والثاني أي حديث عمار على اختيار المزية في الثانية منهما، ثم لا ينافي هذا ما ورد في مسلم من حديث أبي زيد، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن-انتهى. لوردوه نادراً اقتضاه الوقت، ولكونه بياناً للجواز، وكأنه كان واعظاً، والكلام في الخطب المتعارفة-انتهى. (وإن من البيان سحراً) أي من البيان ما يصرف قلوب المستمعين إلى قبول ما يستمعون فشبه الكلام العامل في القلوب الجاذب للعقول بالسحر لأجل ما اشتمل عليه من الجزالة وتناسق الدلالة وإفادة المعاني الكثيرة. والظاهر أنه من عطف الجمل، ذكره استطراداً. وقال الطيبي: الجملة حال من "اقصروا" أي اقصروا الخطبة وأنتم تأتون بها معاني جمة في ألفاظ يسيرة، وهي من أعلى طبقات البيان، ولذلك قال ﷺ : أوتيت جوامع الكلم. قال النووي: قال القاضي: فيه تأويلان أحدهما أنه ذم؛ لأنه إمالة للقلوب، وصرفها بمقاطع الكلام إليه، حتى يكسب من الإثم به، كما يكتسب بالسحر، وأدخله مالك في الموطأ في "باب ما يكره من الكلام" وهو مذهبه في تأويل الحديث. والثاني أنه مدح؛ لأن الله تعالى امتن على عباده بتعليمهم البيان. وشبه بالسحر لميل القلوب إليه. وأصل السحر الصرف، فالبيان يصرف القلب ويميله إلى ما يدعو إليه. قال النووي: وهذا التأويل الثاني هو الصحيح. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤ص٢٦٣) والبيهقي (ج٣ص٢٠٨) . ١٤٢٠- قوله: (وعن جابر) أي ابن عبد الله. (إذا خطب) أي للجمعة كما في رواية لمسلم. (احمرت عيناه وعلا صوته) بالرفع أي ارتفع صوته. (واشتد غضبه) يفعل ذلك لإزالة الغفلة من قلوب الناس ليتمكن فيها

стр. 1946

حتى كأنه منذر جيش، ويقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه: السبابة والوسطى)) . رواه مسلم. ١٤٢١- (٨) وعن يعلى بن أمية، قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر. ﴿ونادوا يا مالك ــ كلامه ﷺ فضل تمكن، أو لأنه يتوجه فكره إلى الموعظة، فيظهر عليه آثار الهيبة الإلهية. واستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته وكلامه، ليكون مطابقاً للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب أو ترهيب. ولعل اشتداد غضبه ﷺ كان عند إنذاره أمراً عظيماً. (كأنه منذر جيش) هو الذي يجيء مخبرا للقوم بما قد دهمهم من عدو أو غيره، أي كمن ينذر قوماً من قرب جيش عظيم قصدوا الإغارة عليهم. (يقول) ضميره عائد لمنذر، والجملة صفته (صبحكم) بتشديد الباء، وفاعله ضمير يعود إلى العدو المنذر منه، ومفعوله يعود إلى المنذرين، أي نزل بكم العدو صباحاً. والمراد سينزل، وصيغة الماضي للتحقق مثل حال الرسول ﷺ في خطبته وإنذاره بمجيء القيامة، وقرب وقوعها، وتهالك الناس فيما يرديهم بحال من ينذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم، يقصد الإحاطة بهم بغتة من كل جانب. فكما أن المنذر يرفع صوته، وتحمر عيناه، ويشتد غضبه على تغافلهم، كذلك حال رسول الله ﷺ . وإلى قرب المجيء أشار بإصبعيه. ونظيره ما روى أنه لما نزل: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ صعد الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عدي-الحديث. (مساكم) بتشديد السين مثل "صبحكم" ويحتمل أن ضمير يقول للنبي ﷺ ، والجملة حال. وضمير "صبحكم" للعذاب والمراد به قرب منكم إن لم تطيعوني. (ويقول) أي النبي ﷺ عطف على احمرت. (بعثت أنا والساعة) روى برفعها ونصبها، والمشهور نصبها على المفعول معه، والرفع عطفاً على الضمير، وأكد بالضمير المنفصل ليصح العطف، أي بعثني قريباً من القيامة. (ويقرن) بضم الراء على المشهور الفصيح، وحكر كسرها. (السبابة) بالجر على البدلية وجوز الرفع أي المسبحة. (رواه مسلم) في الجمعة، وكذا البيهقي (ج٣ص٢٠٦، ٢١٣) وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه في السنة، وهذا طرف من حديث طويل عندهم. ١٤٢١- قوله: (وعن يعلى بن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية. (ونادوا) أي أهل النار الداخلون فيها، وهم الكفار. (يا مالك) بإثبات الكاف، وهي قراءة الجمهور. وقرأ الأعمش "ونادوا يا مال" بالترخيم، ورويت عن علي، وهي قراءة ابن مسعود، وفيه إشعار بأنهم لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بالتمام، فإن قلت: كيف قال ونادوا يا مالك بعد ما وصفهم بالابلاس؟ أجيب بأنها أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف

стр. 1947

ليقض علينا ربك﴾ متفق عليه. ١٤٢٢- (٩) وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان، قالت: ما أخذت ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ ، يقرأها في كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس)) . ــ بهم الأحوال، فيسكتون أوقاتاً لغلبة اليأس عليهم، ويستغيثون أوقاتاً لشدة ما بهم. (ليقض علينا ربك) أي بالموت قال الطيبي: من قضي عليه أماته. ومنه قوله: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ [٢٨: ١٥] أي أماته. ومعنى الآية يقول الكفار لمالك خازن النار سل ربك أن يقضي علينا، يقولون هذا لشدة ما بهم، فيجابون بقوله: ﴿إنكم ماكثون﴾ أي خالدون. وفيه نوع استهزاء بهم دل هذا الحديث وما قبله. وقوله تعالى: ﴿إن أنت إلا نذير﴾ [٣٥: ٢٣] ، وقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [٣٥: ٢٤] ، وقوله تعالى: ﴿ليكون للعالمين نذيراً﴾ [٢٥: ١] ، على أن الناس إلى الإنذار والتخويف أحوج منهم إلى التبشير لتماديهم في الغفلة وانهماكهم في الشهوات. (متفق عليه) أخرجه البخاري في ذكر الملائكة وصفة النار من بدء الخلق، وفي تفسير سورة الزخرف، ومسلم في الصلاة وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤ص٢٢٣) والترمذي في الصلاة وأبوداود في القراءات والنسائي في السنن الكبرى والبيهقي (ج٣ص٢١١) . ١٤٢٢- قوله: (وعن أم هشام بنت حارثة النعمان) هي أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها، الأنصارية النجارية. قال أحمد بن زهير: سمعت أبي يقول: أم هشام بنت حارثة بايعت بيعة الرضوان، ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب، ولم يذكر اسمها. وذكرها الحافظ في الإصابة والتهذيب والتقريب "ولم يسمها" أيضاً، وقال في التقريب صحابية مشهورة. (قالت: ما أخذت) أي ما حفظت (ق والقرآن المجيد) أي هذه السورة. (يقرأها) قال الطيبي: نقلاً عن المظهر، وتبعه ابن الملك: إن المراد أول السورة لا جميعها؛ لأنه ﵊ لم يقرأها جميعها في الخطبة. وقال ابن حجر: أي كلها وحملها على أول السورة صرف للنص عن ظاهره-انتهى. وقال القاري: الظاهر أنه كان يقرأ في كل جمعة بعضها، فحفظت الكل في الكل. قلت: الظاهر عندي ما قاله ابن حجر. والله تعالى أعلم. (كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس) فيه دليل على مشروعية قراءة سورة ق في الخطبة كل جمعة. قال العلماء: وسبب اختياره ﷺ هذه السورة لما اشتملت عليه من ذكر البعث والموت والمواعظ الشديدة والزواجر الأكيدة. وفيه دلالة لقراءة شيء من القرآن في الخطبة كما سبق، وقد قام الإجماع على عدم وجوب قراءة السورة المذكورة ولا بعضها في الخطبة، وكانت محافظته على هذه السورة اختيارا منه لما هو الأحسن في الوعظ والتذكير. وفيه دلالة على ترديد الوعظ، كذا في السبل. قال الشوكاني بعد ذكر أحاديث ورد فيها ذكر قراءة القرآن في الخطبة. وقد استدل بحديث الباب وما ذكرناه من الأحاديث على مشروعية قراءة شيء من القرآن

стр. 1948

رواه مسلم. ١٤٢٣- (١٠) وعن عمرو بن حريث، ((أن النبي ﷺ خطب وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه يوم الجمعة)) . رواه مسلم. ١٤٢٤- (١١) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ وهو يخطب: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين، ــ في الخطبة، ولا خلاف في الاستحباب، وإنما الخلاف في الوجوب، كما تقدم، قال: والظاهر من أحاديث الباب أن النبي ﷺ كان لا يلازم قراءة سورة أو آية مخصوصة في الخطبة، بل كان يقرأ مرة هذه السورة ومرة هذه، ومرة هذه الآية ومرة هذه-انتهى. وعلى هذا فالمراد بكل جمعة في حديث الباب جمعات حضرت أم هشام فيها. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٦ص٤٣٥- ٤٣٦، ٤٦٣) وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج٣ص٢١١) والحاكم (ج١ص٢٨٤) . ١٤٢٣- قوله: (وعن عمرو بن حريث) بالتصغير القرشي المخزومي، صحابي صغير مات سنة (٨٥) وقيل: قبض النبي ﷺ ، وله (١٢) سنة. (خطب) وفي رواية: خطاب الناس. (وعليه عمامة) بكسر العين. (سوداء) فيه لباس الثوب الأسود في الخطبة وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح: خير ثيابكم البياض. وأما لباس الخطباء السوداء في حال الخطبة فجائز، ولكن الأفضل البياض كما ذكرنا، وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بياناً للجواز. (قد أرخى) أي سدل وأرسل. (طرفيها) بالتثنية أي طرفي عمامته. قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا وغيرها طرفيها بالتثنية، وكذا هو في الجمع بين الصحيحين للحميدي. وذكر القاضي عياض أن الصواب المعروف طرفها بالإفراد. وإن بعضهم رواه طرفيها بالتثنية، والله أعلم-انتهى. (بين كتفيه يوم الجمعة) فيه أن إرسال طرفي العمامة بين الكتفين ولبس الزينة يوم الجمعة سنة. قال الأمير اليماني. من آداب العمامة إرسال العذبة بين الكتفين، ويجوز تركها بالأصالة. قلت: سيأتي بسط الكلام فيه في كتاب اللباس. ومن أحب التفصيل رجع إلى تحفة الأحوذى (ج٣ص٤٨- ٥٠) وشرح الشمائل (ص٦٦- ٦٧) للبيجوري، والمرقاة (ج٢ص٢٣٢) . (رواه مسلم) في الحج، وأخرجه أبوداود والنسائي في الزينة، والترمذي في الشمائل، وابن ماجه في الصلاة، والبيهقي (ج٣ص٢٤٦) . ١٤٢٤- قوله: (وهو يخطب) جملة حالية أي يوم الجمعة. (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب فليركع ركعتين) أي ندباً. وفيه دليل مشروعية تحية المسجد واستحبابها حال الخطبة للداخل بتلك الحالة.

стр. 1949

وليتجوز فيهما)) ــ وإلى ذلك ذهب الحسن وابن عيينة والشافعي وأحمد وإسحاق ومكحول وأبوثور وابن المنذر. وحكاه النووي عن فقهاء المحدثين. وحكى ابن العربي أن محمد بن الحسن حكاه عن مالك. (وليتجوز) بكسر اللام ويسكن أي ليخفف. فيه مشروعية التخفيف لتلك الصلاة ليتفرغ لسماع الخطبة، ولا خلاف في ذلك بين القائلين بأنها تشرع صلاة التحية حال الخطبة. والحديث حجة على مالك وأبي حنيفة في منع الداخل عن صلاة التحية في أثناء الخطبة، وقد أجاب من تبعهما عن هذا الحديث بأجوبة: منها المعارضة بقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [٧: ٢٠٤] وبقوله ﷺ : إذا قلت لصاحبك أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت، قالوا فإذا امتنع الأمر بالمعروف، وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه، فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى، وبقوله ﷺ وهو يخطب للذي دخل يتخطى رقاب الناس: اجلس، فقد آذيت. أخرجه أبوداود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وغيره من حديث عبد الله بن بسر، قالوا: فأمره بالجلوس، ولم يأمره بالتحية. وروى الطبراني من حديث ابن عمر رفعه إذا دخل أحدكم، والإمام على المنبر، فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام. والجواب عن ذلك كله أن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط أحد الدليلين إنما يعمل بها عند تعذر الجمع، والجمع ههنا ممكن. أما الآية فليست الخطبة كلها قرآناً. وأما ما فيها من القرآن فالجواب عنه كالجواب عن الحديث، وهو تخصيص عمومه بالداخل. وأيضاً فمصلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت لحديث أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ فأطلق على القول سراً السكوت. وأما حديث ابن بُسر فهو أيضاً واقعة عين لا عموم فيها، فيحتمل أن يكون ترك أمره بالتحية قبل مشروعيتها. ويحتمل أن يجمع بينهما بأن يكون قوله: "اجلس" أي بشرطه، وقد عرف قوله للداخل. فلا تجلس حتى تصلي ركعتين. فمعنى قوله: "اجلس" أي لا تتخط، أو ترك أمره بالتحية لبيان الجواز فإنها ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع في أواخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحية، وقد اتفقوا على استثناء هذه الصورة. ويحتمل أن يكون صلى التحية في مؤخر المسجد، ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة فوقع منه التخطي فأنكر عليه. والجواب عن حديث ابن عمر بأنه ضعيف فيه أيوب بن نهيك، وهو منكر الحديث، قاله أبوزرعة وأبوحاتم. والأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله كذا في الفتح. قال بعض الحنفية. حديث جابر مبيح للصلاة، وحديث الإنصات محرم لها، فاجتمع المبيح والمحرم فترجح-انتهى. وفيه أن الترجيح للمحرم إنما يكون إذا لم يمكن الجمع، والجمع ههنا ممكن، كما تقدم. وقال الأمير اليماني: هذا أمر الشارع، وهذا أمر الشارع، فلا تعارض بين أمريه، بل القاعد ينصت، والداخل يركع التحية. وقال الشوكاني: حديث الإنصات وارد في

стр. 1950

المنع من المكالمة للغير، ولا مكالمة في الصلاة، ولو سلم أنه يتناول كل كلام حتى الكلام في الصلاة لكان عموماً مخصصاً بأحاديث الباب. وقال السندي: لا دليل على المنع من الركعتين عند الحنفية إلا حديث: إذا قلت لصاحبك أنصت. الخ. وذلك؛ لأن الأمر بالمعروف أعلى من تحية المسجد، فإذا منع منه منها بالأولى. وفيه بحث أما أولاً فلأنه استدلال بالدلالة أو القياس في مقابلة النص، فلا يسمع. وأما ثانياً فلأن المضي في الصلاة لمن شرع فيها قبل الخطبة جائز، بخلاف المضي في الأمر بالمعروف لمن شرع فيه قبل. فكما لا يصح قياس الصلاة على الأمر بالمعروف بقاء لا يصح ابتداء-انتهى. ومنها أن حديث جابر هذا أصله قصة سليك الغطفاني جعله الراوي قولاً كلياً وتشريعاً عاماً وضابطة من جانب نفسه، فهو إدراج من الراوي. وتوضيح ذلك أنه روي عن جابر في هذه المسألة حديثان: فعلي وقولي. أما الفعلي، وهي قصة سليك، فهو أنه قال: دخل رجل (وهو سليك الغطفاني) يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فقال صليت؟ قال لا، قال فصل ركعتين، رواه الجماعة. وأما الثاني أي القولي فهو قوله ﷺ : إذا جاء أحدكم يوم الجمعة الخ. وكلاهما يدل على جواز صلاة التحية حال الخطبة للداخل بتلك الحالة خلافاً لمالك وأبي حنيفة. وقد حمل المانعون قصة سليك على أعذار، وأجابوا عنها بأجوبة تزيد على عشرة كلها مردودة، سردها الحافظ في الفتح مع الرد عليها. وقد تعقب العيني على كلام الحافظ ههنا كعادته بما لا يلتفت إليه. ومن أحب الوقوف على ذلك رجع إلى الفتح والعمدة. وأما الحديث القولي فتصدوا للجواب عنه أيضاً مع اعترافهم بأن التفصي عنه مشكل لكونه تشريعاً عاماً، فقال بعضهم قد تكلم الدارقطني في هذا المتن وأعله، فقال إن أصله واقعة جعله الراوي ضابطة، فالصواب أنه مدرج من الراوي. قلت: لم يقل الدارقطني بكون الحديث القولي مدرجاً، بل أشار إلى شذوذه، ولو سلم فلا يثبت الإدراج بالادعاء والوجدان، بل لا بد لذلك من وجود ما يدل على ذلك واضحة، كما ذكره أهل الأصول وليس ههنا شيء يدل على كونه مدرجاً. وأما قول بعضهم: أن القرينة عليه أن النبي ﷺ لو كان قاله في تلك القصة، يعني أنه لو كان الفعل والقول منه ﵇ مسلسلاً، فلِمَ أمسك عن الخطبة إذن. ولَمِ أمهلها؟ فإن سنة التحية حينئذٍ أن تؤدى خلال الخطبة أيضاً، فلا حاجة إلى الإمساك مع ثبوته قطعاً. ففيه أنه لم يثبت الإمساك عن الخطبة أصلاً، فإن ما روي في ذلك مرسل أو معضل، والمرسل ليس بحجة على القول الصحيح. ويرده أيضاً حديث أبي سعيد عند الترمذي بلفظ: فأمره فصلى ركعتين، والنبي ﷺ يخطب. وقد أجاب الحافظ في مقدمة الفتح عن إعلال الدارقطني لهذا الحديث حيث قال: قال الدارقطني وأخرجا جميعاً حديث شعبة عن عمرو عن جابر: إذا جاء أحدكم، والإمام يخطب، فليصل ركعتين، وقد رواه ابن جريج وابن عيينة وحماد بن زيد وأيوب وورقاء وحبيب بن يحيى كلهم عن عمرو: أن رجلاً دخل المسجد، فقال له: صليت؟ قال الحافظ:

стр. 1951

أراد الدارقطني أن شعبة خالف هؤلاء الجماعة في سياق المتن واختصروه، وهم إنما أوردوه على حكاية قصة الداخل، وأمر النبي ﷺ له بالصلاة ركعتين، والنبي ﷺ يخطب، وهي قصة محتملة للخصوص. وسياق شعبة يقتضي العموم في حق كل داخل. قال الحافظ: فهي مع اختصارها أزيد من روايتهم، وليست بشاذة، فقد تابعه على ذلك روح بن القاسم عن عمرو بن دينار، أخرجه الدارقطني في السنن، فهذا يدل على أن عمرو بن دينار حدث به على الوجهين-انتهى. قلت: وقد تابعه على ذلك أيضاً ابن عيينة عن عمرو عند الدارقطني، وطلحة عن جابر عند أحمد وأبي داود، وأبوسفيان عن جابر عند أحمد ومسلم والدارقطني. فدعوى التفرد والشذوذ أو الإدراج باطلة مردودة. ومنها أن هذا الحديث مضطرب حيث ورد عند مسلم والنسائي في رواية شعبة عن عمرو بلفظ: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام فليصل ركعتين، وهذا يدل على أن الأمر بالصلاة ركعتين عند خروج الإمام، وقبل الشروع في الخطبة. وورد في بعض الروايات: إذا جاء أحدكم والإمام يخطب. وهذا يدل على أن الأمر بالتحية للداخل حال الخطبة. وورد عند البخاري والدارقطني في رواية شعبة عن عمرو: إذا جاء أحدكم والإمام يخطب أو قد خرج أي بالشك. فما دام لم ينفصل لفظ النبي ﷺ لا تبني عليه المسألة. قلت: أكثر الروايات الصحيحة وأشهرها بلفظ: إذا جاء أحدكم والإمام يخطب، فيقدم على غيره على أنه لا اختلاف بين هذه الروايات، فإن حاصلها أنه يستحب صلاة التحية للداخل بعد خروج الإمام مطلقاً سواء شرع في الخطبة أو لم يشرع. و"أو" في رواية البخاري والدارقطني للتنويع لا للشك من الراوي. ومنها أن معنى قوله "والإمام يخطب" أي يريد ويقرب أن يخطب، يدل عليه قوله في رواية مسلم: وقد خرج الإمام، ففيه أن الأمر فيما لم يخطب بعد، وهو بصدد أن يخطب. قلت: فيه ارتكاب المجاز من غير حاجة وضرورة، فإنه لا منافاة بين اللفظين حتى يأول أحدهما إلى الآخر، فيشرع التحية لمن دخل حال كون الإمام قد خرج للخطبة شرع فيها أم لا. وفيه أيضاً أنه يقتضي جواز التحية للداخل في ابتداء قعود الإمام على المنبر، وهو خلاف مذهبهم، فإنهم صرحوا بأن خروج الإمام يقطع الصلاة والكلام، فلا يمهل الإمام اليوم أحداً أن يصلي شيئاً، ولا ينتظر له، ولا يمسك له عن الشروع في الخطبة. ومنها أن عمل أهل المدينة خلفاً عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقاً، وهذا الجواب للمالكية، وهو أقوى ما اعتمدوه في هذه المسألة، كما صرح به القرطبي وغيره. قال الحافظ: وتعقب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك. فقد ثبت فعل التحية عن أبي سعيد الخدري، روى ذلك عنه الترمذي وابن خزيمة وصححاه، وهو من فقهاء الصحابة من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضاً، ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحاً ما يخالف ذلك. وأما ما نقله ابن بطال

стр. 1952

رواه مسلم. ١٤٢٥- (١٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة)) . ــ عن عمر وعثمان واحد من الصحابة من المنع مطلقاً، فاعتماده في ذلك على روايات عنهم فيها احتمال كقول ثعلبية بن أبي مالك: أدركت عمر وعثمان، وكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة. وجه الاحتمال أن يكون ثعلبة عنى بذلك من كان داخل المسجد خاصة. قال شيخنا الحافظ العراقي في شرح الترمذي: كل من نقل عنه يعني من الصحابة منع الصلاة، والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد؛ لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحية، وقد ورد فيها حديث يخصها فلا تترك بالاحتمال-انتهى. وللمانعين أجوبة أخرى مستبشعة مستكرهة لا ينبغي الاشتغال بذكرها. والصحيح عندنا ما ذهب إليه الشافعي وأحمد من أنه يشرع صلاة التحية حال الخطبة للداخل بتلك الحالة لحديث الباب، والله تعالى أعلم. (رواه مسلم) من طريق أبي سفيان عن جابر قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب فجلس، فقال له: يا سليك! قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما، ثم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب الخ. وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والدارقطني والبيهقي (ج٣ص١٩٤) وأخرج مسلم أيضاً من طريق شعبة عن عمرو بن دينار عن جابر مختصراً بغير قصة سليك أن النبي ﷺ خطب فقال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصل ركعتين، وأخرجه البخاري والدارقطني أيضاً وقد ذكرنا لفظهما. ١٤٢٥- قوله: (من أدرك ركعة من الصلاة) قال ابن الملك: يعني صلاة الجمعة. وقال الطيبي: هذا مختص بالجمعة، بينه حديث أبي هريرة في الفصل الثالث-انتهى. وإليه يشير صنيع البغوي حيث أورد هذا الحديث في باب صلاة الجمعة. والظاهر حمله على العموم. قال البيهقي بعد روايته (ج٣ص٢٠٣) : قال الزهري. (راوي الحديث) والجمعة من الصلاة هذا هو الصحيح، وهو رواية الجماعة عن الزهري. وفي رواية معمر. (عن الزهري) دلالة على أن لفظ الحديث في الصلاة مطلق وأنها بعمومها تتناول الجمعة، كما تتناول غيرها من الصلوات-انتهى. قلت: ورواه الحاكم من حديث الأوزاعي وأسامة بن زيد الليثي ومالك بن أنس وصالح بن أبي الأخضر كلهم عن الزهري في الجمعة نصاً، وهذا لا ينافي الروايات المطلقة؛ لأن ذكر فرد من أفراد العام لا يقتضى نفي ما عداه، على أن ما روى في خصوص الجمعة مخدوش كله. (مع الإمام) تفرد بهذا اللفظ مسلم. (فقد أدرك الصلاة) ليس على ظاهره بالإجماع؛ لأنه لا يكون بالركعة الواحدة مدركاً لجميع الصلاة، بحيث تحصل براءة ذمته من الصلاة، فإذاً فيه إضمار، تقديره

стр. 1953

"فقد أدرك وقت الصلاة أو حكم الصلاة" ويلزمه إتمام بقيتها. وقيل: التقدير "فقد أدرك وجوب الصلاة" يعني من لم يكن أهلاً للصلاة ثم صار أهلاً، وقد بقي من وقت الصلاة قدر ركعة أو أقل وجبت عليه الصلاة ولزمته، فهو محمول على أن معنى إدراك الصبي البلوغ والحائض الطهارة والكافر الإسلام. وقيل: التقدير "فقد أدرك فضل الصلاة" أي يحصل له أجر صلاة الجماعة وثوابها. والراجح عندنا تقدير الوقت أو الحكم، يعني مدرك الركعة مدرك لحكم الصلاة كله من سهو الإمام ولزوم الإتمام وغير ذلك، ويؤيده قوله مع الإمام. والحديث عام لكنهم حملوه على صلاة الجمعة بقرينة الحديث الآتي في آخر الباب. قال الشافعي: فقد أدرك الصلاة أي لم تفته ومن لم تفته الجمعة صلاها ركعتين. قال ابن الملك: فيقوم بعد تسليم الإمام ويصلي ركعة أخرى-انتهى. والظاهر حمله على العموم، كما تقدم، وقد ظهر من إطلاق لفظ الصلاة حكم الجمعة أن مدرك ركعة من صلاة الجمعة مع الإمام مدرك الجمعة، فيلزمه إتمامها وهو قول أكثر أهل العلم، منهم ابن مسعود وابن عمر وأنس وابن المسيب والحسن والزهري والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي حنيفة وصاحبيه، وقال عطاء وطاووس ومجاهد ومكحول: من لم يدرك الخطبة صلى أربعاً؛ لأن الخطبة شرط للجمعة، فلا تكون جمعة في حق من لم يوجد في حقه شرطها وهذا ليس بشيء؛ لأنه لم يقم دليل على اشتراط الخطبة، ولأن الحديث يرده، ولأن الأول قول من ذكرنا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم. بقي حكم من أدرك أقل من ركعة من صلاة الجمعة بأن دخل في السجدة أو التشهد قبل سلام الإمام. واختلف فيه أيضاً فذهب الحكم وحماد وأبوحنيفة وأبويوسف وداود إلى أنه يكون مدركاً للجمعة فيصلي ركعتين لا أربعاً؛ لإطلاق حديث: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. قال ابن حزم في المحلى (ج٥ص٧٤) : فأمره رسول الله ﷺ بأن يصلي مع الإمام ما أدرك وعم ﵇ ولم يخص، وسماه مدركاً لما أدرك من الصلاة، فمن وجد الإمام جالساً أو ساجداً فإن عليه أن يصير معه في تلك الحال ويلتزم إمامته ويكون بذلك بلا شك داخلاً في صلاة الجماعة، فإنما يقضى ما فاته ويتم تلك الصلاة ولم تفته إلا ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان فلا يصلي إلا ركعتين-انتهى. وقال الشافعي وأحمد ومالك ومحمد: من لم يدرك ركعة مع الإمام بل أدركه في السجدة أو التشهد لا يكون مدركاً للجمعة ويصلي ظهراً أربعاً، ثم اختلفوا: فقال الشافعي، كما في كتب فروعه: يتم بعد سلامه ظهراً، وينوي وجوباً في إقتداءه جمعة موافقة مع الإمام. وقال مالك: إذا قام يكبر تكبيرة أخرى. وقال الثوري: إذا أدرك الإمام جالساً لم يسلم صلى أربعاً، ينوي الظهر وأحب إلي أن يستفتح الصلاة. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: قعد بغير تكبيرة فإذا سلم الإمام قام فكبر ودخل في صلاة نفسه، وإن قعد مع الإمام بتكبيرة سلم إذا فرغ الإمام ثم قام فكبر للظهر. وقال أحمد، كما في كتب فروعه: نوي ظهراً عند إحرامه إن كان دخل وقت الظهر، وإلا بأن لم يكن دخل وقت الظهر عند إحرامه، ونوي الجمعة فإنه يتم صلاته نفلاً، واستدل هؤلاء بحديث الباب

стр. 1954

متفق عليه. ﴿الفصل الثاني﴾ ١٤٢٦- (١٣) عن ابن عمر، قال: ((كان النبي ﷺ يخطب خطبتين كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ أراه المؤذن، ــ فإنه بإطلاقه يشمل الجمعة، فيلزم أن مدرك ركعة من الجمعة مدرك لها، وبمفهومه يدل على أن من لم يدرك ركعة بل دونها، فهو غير مدرك، ومن لم يدرك الجمعة يصلي أربعاً. وأجاب الحنفية بأن الحديث مطلق، فيفيد أن حكم جميع الصلوات واحد، وحكم سائر الصلوات أنه إذا أدرك شيئاً منها مع الإمام، ولو في التشهد يصلي ما أدرك معه ويتم الباقي ولا يزيد على ذلك، فكيف يزيد في الجمعة بإطلاق الحديث، والمفهوم عندهم لا عبرة به ولو كان معتبرا لا يقدم على الصريح، واستدل الشافعي ومن وافقه أيضاً بحديث أبي هريرة الآتي في آخر الباب، وأجيب عنه بأنه حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، كما ستعرف. والراجح عندي ما ذهب إليه أبوحنيفة: من أن من أدرك مع الإمام شيئاً من صلاة الجمعة ولو في التشهد يصلي ما أدرك معه ويتم الباقي بعد سلامة ولا يصلي ظهراً أربعاً لإطلاق ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. وأما ما ذهب إليه الشافعي وغيره فلم أجد حديثاً صحيحاً صريحاً يدل عليه. ويقوي قول أبي حنيفة: إن المسافر إذا أدرك المقيم في التشهد لزمه الإتمام وكان بمنزلة مدرك المقيم في التحريمة فوجب مثله في الجمعة إذ الدخول في كل واحدة منهما بغير الفرض. قيل: ويرد على مذهب الشافعي ومن وافقه مخالفة الأصول في إقتداء مصلى الظهر بمن يصلي الجمعة إن دخل بنية الظهر، فإنه يلزم الاختلاف على الإمام في النية. وقد قال ﵇: لا تختلفوا على الإمام، ولذا لا يجوز صلاة الظهر خلف من يصلي العصر أو بناء الظهر على الجمعة إن دخل بنية الجمعة وهما صلاتان مستقلتان، فكيف يبني الظهر على الجمعة، ولذا ترى القائلين ببناء الظهر اختلفوا فيما بينهم جداً، كما تقدم فتأمل. (متفق عليه) قد تقدم أن قوله مع الإمام مما تفرد به مسلم دون البخاري. والحديث أخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم. ١٤٢٦- قوله: (يخطب خطبتين) أي يوم الجمعة، كما في رواية مسلم وغيره وهذا إجمال وتفصيله: (كان يجلس) أي على المنبر استئناف مبين. (إذا صعد المنبر) قال العلماء: يستحب الخطبة على المنبر. (حتى يفرغ أراه) بضم الهمزة. (المؤذن) بالنصب على المفعولية لأراه، وبالرفع على الفاعلية ليفرغ. وزاد لفظ: "أراه" لأنه لم يقل شيخه لفظ المؤذن، فيقول الراوي أظن أنه أراد بفاعل يفرغ المؤذن. وقال الطيبي: أي قال الراوي أظن

стр. 1955

ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس ولا يتكلم، ثم يقوم فيخطب)) . رواه أبوداود. ١٤٢٧- (١٤) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((كان النبي ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا. ــ أن ابن عمر أراد بإطلاق قوله: حتى يفرغ تقييده بالمؤذن. والمعنى كان رسول الله ﷺ يجلس على المنبر مقدار ما يفرغ المؤذن من أذانه-انتهى. وفيه مشروعية الجلوس على المنبر قبل الخطبة الأولى، واتفقوا على أنه سنة. (ثم) أي بعد ما يفرغ المؤذن من الأذان. (يقوم) أي رسول الله ﷺ . (فيخطب) أي الخطبة الأولى. (ثم يجلس) أي جلسة خفيفة. قال شيخنا في شرح الترمذي: لم يرد تصريح مقدار الجلوس بين الخطبتين في حديث الباب، وما رأيته في حديث غيره، وذكر ابن التين أن مقداره كالجلسة بين السجدتين، وعزاه لابن القاسم، وجزم الرافعي وغيره أن يكون بقدر سورة (الإخلاص) -انتهى. (ولا يتكلم) وفي سنن أبي داود: فلا يتكلم، وكذا نقله الجزري أي في تلك الجلسة بغير الذكر أو الدعاء أو القراءة سراً، والأولى القراءة لرواية ابن حبان كان رسول الله ﷺ يقرأ في جلوسه كتاب الله، والأولى قراءة (الإخلاص) ، كذا في شرح الطيبي، ذكره القاري. وقال الحافظ في الفتح: واستفيد من قوله: فلا يتكلم أن حال الجلوس بين الخطبتين لا كلام فيه، لكن ليس فيه نفي أن يذكر الله أو يدعوه سراً-انتهى. قلت: لكن لم يثبت في ذلك دعاء مأثور أو ذكر مخصوص أو قراءة آية أو سورة معينة أو غير معينة. وأما رواية ابن حبان التي أشار إليها القاري نقلاً عن شرح الطيبي، فلم أجدها. (ثم يقوم فيخطب) أي الخطبة الثانية. (رواه أبوداود) ومن طريق البيهقي (ج٣ص٢٠٥) وفي سنده العمري، وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وفيه مقال. قلت: وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي من طريق عبيد الله بن عمر. (المصغر وهو ثقة) عن نافع عن عبد الله بن عمر بلفظ: كان يخطب قائماً ثم يقعد ثم يقوم، كما تفعلون اليوم. ١٤٢٧- قوله: (استقبلناه بوجوهنا) قال ابن الملك: أي توجهناه، فالسنة أن يتوجه القوم الخطيب والخطيب القوم-انتهى. قال أبوطيب المدني في شرح الترمذي: أي لا بالتحلق حول المنبر، لما ورد من المنع عنه يوم الجمعة، بل بالتوجه إليه في الصفوف، ويؤيده ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري في خطبة العيد ولفظه: فأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم. وأما حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ جلس يوماً على المنبر وجلسنا حوله، رواه البخاري، فيمكن حمله على غير الجمعة والعيد. والحديث يدل على مشروعية استقبال الناس الخطيب. ويدل عليه أيضاً ما رواه ابن ماجه عن

стр. 1956

رواه الترمذي، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث محمد بن الفضل، وهو ضعيف، ذاهب الحديث. ــ عدي بن ثابت عن أبيه قال: كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم. قال في الزوائد: رجال إسناده ثقات إلا أنه مرسل. وقال الحافظ في التلخيص: قال ابن ماجه أرجو أن يكون متصلاً، كذا قال، ووالد عدي لا صحبة له إلا أن يراد بأبيه جده أبوأبيه فله صحبة على رأي بعض الحفاظ من المتأخرين-انتهى. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمة ثابت والد عدي بعد ذكر الاختلاف في اسم جد عدي بن ثابت ما لفظه: ولم يترجح لي في اسم جده إلى الآن شيء من هذه الأقوال كلها، إلا أن أقربها إلى الصواب أن جده هو جده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي، والله أعلم. بقي المصنف (صاحب تهذيب الكمال) أن ينبه على ما وقع عند ابن ماجه من رواية عدي بن ثابت عن أبيه قال: كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم. قال ابن ماجه أرجو أن يكون متصلاً. قلت. (قائلة الحافظ) : لا شك ولا ارتياب في كونه مرسلاً أو يكون سقط منه عن جده-انتهى. وفي الباب أيضاً عن مطيع أبي يحيى المدني عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام على المنبر استقبلناه بوجوهنا. أخرجه الأثرم. ومطيع هذا قال ابن حبان في الثقات بعد ذكر الحديث من طريقة: لست أعرفه ولا أباه. وفي الباب أيضاً عن البراء أخرجه ابن خزيمة ومن طريقة البيهقي (ج٣ص١٩٨) وممن كان يستقبل الإمام ابن عمر. أخرجه البيهقي (ج٣ص١٩٩) وأنس أخرجه ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبونعيم والبيهقي. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، يستحبون استقبال الإمام إذا خطب، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. قال العراقي وغيرهم عطاء وشريح ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: هذا كالإجماع. وقال في المحلى شرح الموطأ: قال الشمس الأئمة الحلواني من كان أمام الإمام يواجهه، ومن كان يميناً ويساراً انحرف إلى الإمام، قال: والرسم في زماننا استقبال القبلة وترك استقبال الخطيب لما يلحقهم من الحرج بتسوية الصفوف بعد الخطبة لكثرة الزحام-انتهى. قال صاحب الأوجز: بل لشيوع الجهل، فإن كثرة الزحام كان في الزمن الأول أيضاً-انتهى. قال القسطلاني: ومن لازم استقبال الإمام استدباره، هو القبلة واغتفر لئلا يصير مستدبر القوم الذين يعظهم، وهو قبيح خارج عن عرف المخاطبات، ومن حكمة استقبالهم للإمام التهيؤ لسماع كلامه وسلوك الأدب معه في استماع كلامه فإذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه كان ادعى لتفهيم موعظته وموافقته فيما شرع له القيام لأجله. (هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث محمد بن فضل) أي ابن عطية الكوفي نزيل بخاري. (وهو ضعيف ذاهب الحديث) كناية عن سوء حفظه. قال الطيبي: أي ذاهب حديثه غير حافظ

стр. 1957

﴿الفصل الثالث﴾ ١٤٢٨- (١٥) عن جابر بن سمرة، قال: ((كان النبي ﷺ يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله صليت معه، أكثر من ألفي صلاة)) . رواه مسلم. ١٤٢٩- (١٦) وعن كعب بن عجرة، أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً، ــ للحديث، وهو عطف بيان لقوله ضعيف-انتهى. قلت: محمد بن الفضل هذا رماه الأئمة بالكذب منهم أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم. مات سنة (١٨٠) . قال الحافظ في التلخيص (ص١٣٦) قد تفرد بهذا الحديث، وضعفه به الدارقطني وابن عدي وغيرهما. قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء يعني صريحاً. قلت: أحاديث الباب وإن كانت ضعيفة فقد شد عضدها عمل السلف والخلف على ذلك، كما تقدم. ١٤٢٨- قوله: (كان النبي ﷺ يخطب) يوم الجمعة. (قائماً) على المنبر. (ثم يجلس) بعد الخطبة الأولى على المنبر جلسة خفيفة. قال في اللمعات: ثم ههنا للتراخي باعتبار المبدأ، والثاني للمشاكلة. (فمن نبأك) بتشديد الموحدة أي أخبرك. وفي رواية أبي داود: فمن حدثك. (فقد والله صليت) قال الطيبي: "والله" قسم اعترض بين "قد ومتعلقه" وهو دال على جواب القسم، والفاء في "فمن" جواب شرط محذوف، وفي "فقد كذب" جواب من وفي "فقد والله" سببية، والمعنى أنه كاذب ظاهر الكذب بسبب أني صليت. (معه أكثر من ألفي صلاة) أي من الجمعة وغيرها، أو أراد التكثير لا التحديد؛ لأنه ﵊ لم يقم بالمدينة إلا عشر سنين، وأول جمعة صلاها هي الجمعة التي تلي قدومه المدينة، فلم يصل ألفي جمعة بل نحو خمسمائة، قاله القاري. وقال السندي في فتح الودود: ظاهر المقام يفيد أنه أراد صلاة الجمعة، فالعدد مشكل إلا أن يراد به الكثرة والمبالغة، فإن حمل على المطلق الصلاة فالأمر سهل-انتهى. والحديث يدل على مواظبته ﷺ على القيام حال الخطبتين، واستدل به للشافعي ومالك ومن وافقهما على وجوب القيام في خطبة الجمعة، وفيه أن النبي ﷺ كان يواظب على الشيء الفاضل مع جواز غيره ونحن نقول به. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي والبيهقي (ج٣ص١٩٧) . ١٤٢٩- قوله: (عن كعب بن عجرة) بضم العين وسكون الجيم. (أنه دخل المسجد) في الكوفة. (وعبد الرحمن بن أم الحكم) بفتحتين، هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب من

стр. 1958

فقال: أنظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً، وقد قال الله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً﴾ رواه مسلم. ١٤٣٠- (١٧) وعن عمارة بن رويبة: ــ بني أمية، استعمله معاوية أميراً على الكوفة. (فقال) أي كعب من غاية الغضب. (انظروا إلى هذا الخبيث) قال ابن حجر: فيه جواز التغليظ على من ارتكب حراماً عند من قال به أو مكروها عند غيره؛ لأن إظهار خلاف ما داوم ﵊ على رؤس الأشهاد ينبىء عن خبث أيّ خبث. (وقد قال الله تعالى) وفي بعض النسخ: وقال بغير لفظ "قد" كما في صحيح مسلم، وكذا نقله الجزري (ج٦ص٤٣٣) . (إذا رأوا) أي أبصروا أو عرفوا. (تجارة) أي بيعاً وشراء. (أو لهواً) أي طبلاً. (انفضوا) أي تفرقوا. (إليها) أي إلى التجارة وما ذكر معها فيكون من باب الاكتفاء ومراعاة أقرب المذكورين، أو اختصت بالذكر لأنها المقصود الأعظم من الأمرين، فإن الطبل كان لإعلام مجيء أسباب التجارة. قال الطيبي: قوله: قد قال الله حال مقررة لجهة الإنكار أي كيف يخطب قاعدا ورسول الله ﷺ كان يخطب قائماً بدليل قوله تعالى: ﴿وتركوك قائماً﴾ [٦٢: ١١] وذلك أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء، فقدم تجارة من زيت الشام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائماً فتركوه قائماً وما بقي معه إلا يسير-انتهى. وهم اثنا عشر منهم أبوبكر وعمر، كما في صحيح مسلم. قال النووي: كلام ابن عجرة يتضمن إنكار المنكر والإنكار على ولاة الأمور إذا خالفوا السنة. ووجه استدلاله بالآية إن الله تعالى أخبر أن النبي ﷺ كان يخطب قائماً. وقد قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [٣٣: ٢١] مع قوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ وقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [٥٩: ٦٠] مع قوله ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي-انتهى. قلت: استدل الشافعية بهذا الحديث على اشتراط القيام في الخطبة وفيه أن إنكار كعب على عبد الرحمن إنما هو لتركه السنة، ولو كان شرطاً لما صلوا معه مع تركه له. قال ابن الهمام: لم يحكم هو أي كعب ولا غيره بفساد تلك الصلاة، فعلم أنه ليس بشرط عندهم، فيكون كالإجماع وأجيب بأنه إنما صلى خلفه مع تركه القيام الذي هو شرط خوف الفتنة، أو أن الذي قعد إن لم يكن معذوراً فقد يكون قعوده نشأ عن اجتهاد منه، كما قالوه في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر ذلك ابن مسعود، ثم أنه صلى خلفه فأتم معه واعتذر بأن الخلاف شر ولا يخفى ما في هذا الجواب. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً النسائي وابن خزيمة والبيهقي (ج٣ص١٩٦- ١٩٧) ، وفي رواية ابن خزيمة: ما رأيت كاليوم قط إماماً يؤم المسلمين يخطب، وهو جالس، يقول ذلك مرتين. ١٤٣٠- قوله: (وعن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم. (بن رويبة) بضم الراء وفتح الواو وسكون التحتية

стр. 1959

أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه، فقال: قبح الله هاتين اليدين، ــ وفتح الباء الموحدة. (أنه رأى بشر) بكسر الباء وسكون الشين المعجمة. (بن مروان) بن الحكم الأموي القرشي، أخو عبد الملك بن مروان، كان والياً على الكوفة من قبل أخيه. (رافعا يديه) زاد أحمد (ج٤ص٢٦١) يشير بإصبعيه يدعو. وفي رواية له (٤ص١٣٦) قال حصين: كنت إلى جنب عمارة وبشر يخطبنا فلما دعا رفع يديه، ولفظ الترمذي: فرفع يديه في الدعاء، وكذا رواه البيهقي. ولفظ أبي داود: رأى عمارة بن رويبة بشر بن مروان، وهو يدعو في يوم جمعة. واعلم أنه اختلف في المراد عن رفع اليدين المذكور، ففهم البيهقي والنووي والشوكاني أن المراد به الرفع الذي يكون عند الدعاء. قال النووي في شرحه: فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة، وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم. وحكى القاضي عن بعض السلف، وبعض المالكية إباحته؛ لأن النبي ﷺ رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى، وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض-انتهى. وترجم البيهقي (ج٣ص٢١٠) على حديث عمارة هذا، وحديث سهل بن سعد. (قال: ما رأيت رسول الله ﷺ شاهراً يديه قط يدعو على منبره ولا على غيره، ولكن رأيته يقول هكذا، وأشار بالسبابة، وعقد الوسطى بالإبهام) باب ما يستدل به على أنه يدعو في خطبته، وقال بعد روايتهما: والقصد من الحديثين إثبات الدعاء في الخطبة، ثم فيه من السنة أن لا يرفع يديه في حال الدعاء في الخطبة ويقتصر على أن يشير بإصبعه، وثابت عن أنس عن النبي ﷺ أنه مد يديه ودعا، وذلك حين استسقى في خطبة الجمعة، روينا عن أنس عن النبي ﷺ أنه كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه، وروينا عن الزهري أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب يوم الجمعة دعا فأشار بإصبعه وأمن الناس-انتهى. وفهم النسائي وابن أبي شيبة والطيبي: أن المراد به الرفع الذي يكون عند التكلم وخطاب الناس، كما هو عادة الخطباء والوعاظ أنهم يرفعون أيديهم يميناً وشمالاً ينبهون الناس على الاستماع، وبوب الترمذي وأبوداود بما يحتمل المعنيين. والراجح عندي: هو المعنى الأول لرواية أحمد والترمذي والبيهقي، فإن فيها زيادة على رواية مسلم والنسائي، فيكره رفع اليدين والإشارة بالإصبعين عند الدعاء في خطبة الجمعة في غير الاستسقاء. والله تعالى أعلم. (فقال) عمارة. (قبح الله) قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: قبح ثلاثي من باب منع أي أبعده الله ونحاه عن الخير. قال أبوعمرو: قبحت له وجهه مخففة، والمعنى قلت قبحه الله، وهو من قوله تعالى: ﴿ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ [٢٨: ٤٢] أي من المبعدين الملعونين، وهو من القبح وهو الإبعاد، هذا هو المعروف في كتب اللغة، والمشهور على ألسنة الناس تشديد الباء، وقد وجهه في المصابيح والمعيار بأنه للمبالغة-انتهى. (هاتين اليدين) زاد الترمذي القُصيرَتَيْن. والظاهر أنه دعاء عليه بالقبح؛ لأن هذا

стр. 1960

لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة)) . رواه مسلم. ١٤٣١- (١٨) وعن جابر، قال: ((لما استوى رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر، قال: اجلسوا، فسمع ذلك ابن مسعود، فجلس على باب المسجد، فرآه رسول الله ﷺ فقال: تعال يا عبد الله بن مسعود)) . رواه أبوداود. ــ الرفع كان على خلاف السنة وما كان مخالفاً للسنة فهو مردود مقبوح. وقيل إخبار عن قبح صنعه. (ما يزيد على أن يقول) أي يشير. (بيده هكذا وأشار) أي الراوي أو عمارة لأراءة الإشارة المذكورة. (بإصبعه المسبحة) بالجر، قال الطيبي: قوله يقول أي يشير عند التكلم في الخطبة بإصبعه يخاطب الناس وينبههم على الاستماع. والحديث يدل على كراهة رفع اليدين على المنبر في خطبة الجمعة للدعاء أو لتنبيه السامعين على الاستماع، كما هو دأب الخطباء والوعاظ على ما فهمه الطيبي. ويدل على جواز الإشارة بالإصبع أي السبابة للدعاء أو لتنبيه الناس. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج٣ص٢١٠) . ١٤٣١- قوله: (لما استوى) أي استقر. (رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر) أي ورأى بعض الحاضرين أنهم قاموا ليصلوا. (قال: اجلسوا) فيه دليل على جواز التكلم للخطيب على المنبر عند الحاجة، وقد بوب عليه أبوداود: الإمام يكلم الرجل في خطبته، وكذا البيهقي في سننه (ج٣ص٢١٧) ، ويؤيد ذلك قصة الرجل الداخل وأمر النبي ﷺ له بصلاة التحية. قال ابن حجر: الظاهر أنه رأى أحداً من الحاضرين قام ليصلي فأمره بالجلوس لحرمة الصلاة على الجالس بجلوس الإمام على المنبر إجماعاً. (فسمع ذلك) أي أمره ﷺ بالجلوس. (ابن مسعود) وكان على باب المسجد. (فجلس على باب المسجد) مبادرة إلى امتثال أمره ﷺ . (فرآه) أي ابن مسعود. (فقال) رسول الله ﷺ . (تعال) أي تقدم. وقال القاري: أي ارتفع عن صف النعال إلى مقام الرجال وهلم إلى المسجد. وقال الراغب: أصله أن يدعى الإنسان على مكان مرتفع ثم جعل للدعاء إلى كل مكان، وتعالى ذهب صاعداً يقال عليته فتعالى. (يا عبد الله بن مسعود) ولعله دعاه النبي ﷺ ؛ لأنه كان من فقهاء الصحابة، وقد قال: ليليني منكم أولو الأرحام والنهى، ولا يلزم منه التخطي المنهي عنه فإنه لم يذكر أن الصفوف وصلت إلى باب المسجد حتى يلزم التخطي. وقد كان ابن مسعود على الباب يريد أن يتقدم فلما سمع أمره ﷺ بالجلوس جلس من فوره امتثالاً لأمره الشريف. (رواه أبوداود) من طريق مخلد بن يزيد، وهو من رجال الصحيحين عن ابن جريج

стр. 1961

١٤٣٢- (١٩) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى، ومن فاتته الركعتان، فليصل أربعاً، أو قال: الظهر)) ــ عن عطاء عن جابر بن عبد الله. وأخرجه البيهقي (ج٣ص٢١٨) من طريق معاذ بن معاذ عن ابن جريج. قال أبوداود: هذا يعرف مرسلاً، إنما رواه الناس عن عطاء عن النبي ﷺ أي مرسلاً. وقال البيهقي: ورواه عمرو بن دينار عن عطاء فأرسله، ثم ذكره. وأخرج المرسل ابن أبي شيبة أيضاً، ولم يتفرد مخلد بروايته موصولاً، بل تابعه على ذلك معاذ بن معاذ عند البيهقي، فلا يضر ذلك إرسال من أرسله. ١٤٣٢- قوله: (فليصل إليها) أي إلى تلك الركعة. (أخرى) أي ركعة أخرى بعد سلام الإمام. قال السندي: الظاهر أنه بتخفيف اللام من الوصل، لكن قال السيوطي بتشديد اللام أي فليصل أخرى ويضمها إليها. وقال القاري: ضبطه ابن حجر بضم ففتح فتشديد، وهو غير صحيح لوجود إليها، فالصواب بفتح فكسر وسكون لام مخففة؛ لأن الوصول يتعدى بإلى. (ومن فاتته الركعتان) أي صلاتها. وقيل: أي الركوعان. قال ابن حجر: بأن يدرك الإمام بعد ركوع الركعة الثانية. والفرق بينهما وبين سائر الصلوات أن الجمعة صلاة الكاملين، والجماعة شرط في صحتها، فأحتيط لها ما لم يحتط لغيرها فلم تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، كما صرح به في هذا الحديث. والحديث السابق-انتهى. قال القاري: وفيه أن هذا ليس من باب التصريح، بل من باب مفهوم المخالف المعتبر عندهم الممنوع عندنا على الصحيح-انتهى. (فليصل) بضم ففتح فتشديد. (أربعاً) أي الظهر. (أو قال) أي بدل أربعاً. قد استدل الشافعية ومن وافقهم بهذا الحديث على أن من فاته الركوع من الركعة الثانية من صلاة الجمعة ودخل في السجدة أو التشهد فهو يصلي الظهر وليس له أن يقتصر على ركعتي الجمعة، لكن الاستدلال به موقوف على أن المراد بالركعتين في الحديث الركوعان. وفيه نظر؛ لأن الركعة حقيقة لجميعها من القيام والركوع والسجود وغير ذلك وإطلاقها على الركوع، وما بعده مجاز لا يصار إليه إلا لقرينة، وههنا ليست قرينة تصرف عن حقيقة الركعة، بل قوله: ركعة في الجملة السابقة يعين المعنى الحقيقي ويأبى إرادة المجاز، ومفهوم قوله: "من فاتته الركعتان" أن من أدركهم جلوساً. (في التشهد قبل فوت الركعتين بالسلام) صلى ثنتين. واستدل له أيضاً بما رواه الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى فإن أدركهم جلوساً صلى أربعاً، وفيه أن مداره على صالح بن أبي الأخضر البصري. وقد ضعفه ابن معين وأحمد والبخاري والنسائي ويحي القطان وأبوزرعة وأبوحاتم وابن عدي والعجلي. وفيه أيضاً أن المراد بالجلوس فيه الجلوس الذي يكون بعد الفراغ من الصلاة، يدل عليه قوله: "ومن فاتته الركعتان" واستدل لهم أيضاً بما رواه الدارقطني عن أبي هريرة أيضاً مرفوعاً، إذا أدرك أحدكم الركعتين من يوم الجمعة فقد أدرك الجمعة، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى،

стр. 1962

رواه الدارقطني. ــ وإن لم يدرك ركعة فليصل أربعاً. وفيه أن مداره على ياسين بن معاذ الزيات، وهو متروك، قاله النسائي. وقال البخاري: منكر الحديث، وضعفه غير واحد، وبما رواه الدارقطني عن أبي هريرة أيضاً مرفوعاً: من أدرك الركوع من الركعة الآخرة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى ومن لم يدرك الركوع من الركعة الأخرى فليصل الظهر أربعاً. وفيه أن هذه الرواية أيضاً ضعيفة، فإن فيها سليمان بن أبي داود الحراني، ضعفه أبوحاتم. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان: لا يحتج به. (رواه الدارقطني) من طريق ياسين بن معاذ عن ابن شهاب عن سعيد، أو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وياسين ضعيف متروك، ولهذا الحديث طرق كلها معلولة. قال الحافظ في التلخيص (ص١٢٧) : بعد ذكرها. وقد قال ابن حبان في صحيحه: إنها كلها معلولة. وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه لا أصل لهذا الحديث إنما المتن من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في علله، وقال: الصحيح من أدرك من الصلاة ركعة، وكذا قال العقيلي. والله أعلم. بعون الله وحسن توفيقه تم الجزء الرابع من مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح، ويليه الجزء الخامس إن شاء الله تعالى، وأوله "باب صلاة الخوف".

стр. 1963

مشكاة المصابيح للعلامة الشيخ ولي الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب العمري التبريزي مع شرحه مرعاة المفاتيح للشيخ أبي الحسن عبيد الله بن العلامة محمد عبد السلام المباركفوري حفظه الله (الجزء الخامس)

стр. 1964

(٤٦) باب صلاة الخوف ــ (باب صلاة الخوف) أي أحكام الصلاة عند الخوف من الكفار، ولما كان لصلاة الخوف أحكام وصفة تختص بها بخلاف الصلوات التي عم الناس معرفتها دعت الحاجة إلى بيان صفتها وأحكامها، وههنا عدة أبحاث نوردها مجملاً؛ ليكون الطالب على بصيرة. الأول: أنهم اختلفوا في أي سنة نزل بيان صلاة الخوف؟ فقال الجمهور: إن أول ما صليت في غزوة ذات الرقاع، واختلف أهل السير في أي سنة كانت هي، فقال عامة أهل السير: ابن إسحاق وابن عبد البر وغيرهما أنها كانت بعد بني النضير والخندق في جمادى الأولى سنة أربع، وقال ابن سعد وابن حبان: في عاشر المحرم سنة خمس. وقال أبومعشر: بعد بني قريظة في آخر السنة الخامسة وأول التي تليها، وقال البخاري: بعد خيبر في السنة السابعة، وهو الراجح عند ابن القيم والحافظ، وذهب ابن القيم إلى أن أول صلاة صليت للخوف بعسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة سنة ست، وصليت بذات الرقاع أيضاً فعلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان، وقد بسط الكلام في الهدي في الاستدلال لذلك، وإليه جنح الحافظ في الفتح حيث قال بعد الاستدلال لهذا القول: وإذا تقرر أن أول ما صليت صلاة الخوف بعسفان وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة وقد صليت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد عسفان فتعين تأخرها عند الخندق وعن قريظة وعن الحديبية أيضاً فيقوى القول بأنها بعد خيبر؛ لأن غزوة خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية – انتهى. الثاني: أنهم اتفقوا على أن النبي ﷺ لم يصل صلاة الخوف بغزوة الخندق، واختلفوا في سبب ذلك، فقيل: كانت تلك الغزوة بعد نزول صلاة الخوف، وأنه أخر الصلاة يومئذٍ نسياناً، يدل عليه ما روى أحمد من حديث ابن لهيعة عن أبي جمعة حبيب بن سباع، قال: إن رسول الله ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال هل علم أحد منكم إني صليت العصر؟ قالوا: لا يا رسول الله! ما صليتها، فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر، ثم أعاد المغرب، قال الحافظ: وفي صحته نظر؛ لأنه مخالف لما في الصحيحين من قوله ﷺ لعمر: ((والله ما صليتها)) ، ويمكن الجمع بينهما بتكلف، وقيل: أخرها عمداً؛ لأنه كان مشغولاً بالقتال، والاشتغال بالقتال والمسايفة يمنع الصلاة، قاله صاحب الهداية والطحاوي وأبوبكر الجصاص الرازي، وقيل: لأنه لم يكن أمر

стр. 1965

........................... ــ حينئذٍ أن يصلي صلاة الخوف راكباً، فقد روي عن أبي سعيد الخدري قال: كنا مع رسول الله يوم الخندق، فشغلنا ... ، الحديث، وفي آخره: وذلك قبل أن ينزل عليه ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ ، أخرجه أحمد والنسائي والطيالسي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبويعلى والبيهقي في السنن والطحاوي، وقيل: لتعذر الطهارة، وقيل: لأنه كان في حضر، وحكم صلاة الخوف أن تكون في السفر، قاله ابن الماجشون. وقيل: أخرها عمداً؛ لأنه كانت قبل نزول صلاة الخوف، ذهب إليه الجمهور، كما قال ابن رشد، وبه جزم ابن القيم في الهدي، والحافظ في الفتح، والقرطبي في شرح مسلم، وعياض في الشفاء، والزيلعي في نصب الراية، وابن القصار. وهذا هو الراجح عندنا. الثالث: أن جمهور العلماء متفقون على أن حكمها باقٍ بعد النبي ﷺ ، وحكي عن المزني من الشافعية أنها منسوخة حيث لم يصلها النبي ﷺ يوم الخندق فتأخيره في غزة الخندق دال على نسخ صلاة الخوف، قال ابن القصار: هذا قول من لا يعرف السنن؛ لأن صلاة الخوف نزلت بعد الخندق، وحكي عن أبي يوسف: أنها كانت تختص برسول الله ﷺ لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم ... ﴾ الاية [٤: ١٠٢] . جوزت بشرط كونه ﷺ فيهم فإذا خرج من الدنيا انعدم الشرط؛ ولأنها لما فيها من كثرة ما ينافي الصلاة، كالذهاب والمجيء والأعمال الكثيرة شرعت لرغبة الناس إلى الصلاة خلفه ﷺ وميل كل أحد إلى بركة الاقتداء به، وأما بعده ﷺ ففيم يرغب، فصلاة الخوف بجماعة واحدة، وإمام واحد مقصورة على عهده ﷺ ، وأجيب عن الآية بأنها قيد واقعي نحو قوله تعالى: إن خفتم في صلاة المسافر وتخصيص النبي ﷺ بالخطاب لا يوجب تخصيصه بالحكم ما لم يقم دليل على اختصاصه به؛ ولأن الصحابة أنكروا على مانعي الزكاة قولهم إن الله تعالى خص نبيه بأخذ الزكاة بقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة ... ﴾ [٩: ١٠٣] ، وقال ابن العربي: شرط كونه فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده أي بين لهم بفعلك؛ لأنه أوضح من القول – انتهى. وأيضاً ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حقنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به، فإن الله تعالى أمر باتباعه، وأيضاً فإن الصحابة أجمعوا على صلاة الخوف، فروي أن علياً صلى صلاة الخوف ليلة الهرير، وصلاها أبوموسى الأشعري بأصبهان بأصحابه، وروي أن سعيد بن العاص كان أميراً على الجيش بطبرستان، فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فقدمه فصلى بهم، قال الزيلعي: دليل الجمهور وجوب الاتباع والتأسي بالنبي ﷺ ، وقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ، والأفعال المنافية إنما هي لأجل الضرورة، وهي موجودة بعده ﷺ ، وقد وردت صلاة الخوف من قوله – ﵊، كما رواه البخاري في صحيحه في تفسير سورة البقرة في باب قوله: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ [٢: ٢٣٩] بسنده عن نافع أن عبد الله بن عمر كان سئل عن صلاة الخوف قال:
следующие страницы →