Полный текст (4 545 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
١٤٣٢- (١٩) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أدرك من الجمعة
ركعة فليصل إليها أخرى، ومن فاتته الركعتان، فليصل أربعاً، أو قال: الظهر))
ــ
عن عطاء عن جابر بن عبد الله. وأخرجه البيهقي (ج٣ص٢١٨) من طريق معاذ بن معاذ عن ابن جريج. قال أبوداود: هذا يعرف مرسلاً، إنما رواه الناس عن عطاء عن النبي ﷺ أي مرسلاً. وقال البيهقي: ورواه عمرو بن دينار عن عطاء فأرسله، ثم ذكره. وأخرج المرسل ابن أبي شيبة أيضاً، ولم يتفرد مخلد بروايته موصولاً، بل تابعه على ذلك معاذ بن معاذ عند البيهقي، فلا يضر ذلك إرسال من أرسله.
١٤٣٢- قوله: (فليصل إليها) أي إلى تلك الركعة. (أخرى) أي ركعة أخرى بعد سلام الإمام. قال السندي: الظاهر أنه بتخفيف اللام من الوصل، لكن قال السيوطي بتشديد اللام أي فليصل أخرى ويضمها إليها. وقال القاري: ضبطه ابن حجر بضم ففتح فتشديد، وهو غير صحيح لوجود إليها، فالصواب بفتح فكسر وسكون لام مخففة؛ لأن الوصول يتعدى بإلى. (ومن فاتته الركعتان) أي صلاتها. وقيل: أي الركوعان. قال ابن حجر: بأن يدرك الإمام بعد ركوع الركعة الثانية. والفرق بينهما وبين سائر الصلوات أن الجمعة صلاة الكاملين، والجماعة شرط في صحتها، فأحتيط لها ما لم يحتط لغيرها فلم تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، كما صرح به في هذا الحديث. والحديث السابق-انتهى. قال القاري: وفيه أن هذا ليس من باب التصريح، بل من باب مفهوم المخالف المعتبر عندهم الممنوع عندنا على الصحيح-انتهى. (فليصل) بضم ففتح فتشديد. (أربعاً) أي الظهر. (أو قال) أي بدل أربعاً. قد استدل الشافعية ومن وافقهم بهذا الحديث على أن من فاته الركوع من الركعة الثانية من صلاة الجمعة ودخل في السجدة أو التشهد فهو يصلي الظهر وليس له أن يقتصر على ركعتي الجمعة، لكن الاستدلال به موقوف على أن المراد بالركعتين في الحديث الركوعان. وفيه نظر؛ لأن الركعة حقيقة لجميعها من القيام والركوع والسجود وغير ذلك وإطلاقها على الركوع، وما بعده مجاز لا يصار إليه إلا لقرينة، وههنا ليست قرينة تصرف عن حقيقة الركعة، بل قوله: ركعة في الجملة السابقة يعين المعنى الحقيقي ويأبى إرادة المجاز، ومفهوم قوله: "من فاتته الركعتان" أن من أدركهم جلوساً. (في التشهد قبل فوت الركعتين بالسلام) صلى ثنتين. واستدل له أيضاً بما رواه الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى فإن أدركهم جلوساً صلى أربعاً، وفيه أن مداره على صالح بن أبي الأخضر البصري. وقد ضعفه ابن معين وأحمد والبخاري والنسائي ويحي القطان وأبوزرعة وأبوحاتم وابن عدي والعجلي. وفيه أيضاً أن المراد بالجلوس فيه الجلوس الذي يكون بعد الفراغ من الصلاة، يدل عليه قوله: "ومن فاتته الركعتان" واستدل لهم أيضاً بما رواه الدارقطني عن أبي هريرة أيضاً مرفوعاً، إذا أدرك أحدكم الركعتين من يوم الجمعة فقد أدرك الجمعة، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى،
стр. 1962
رواه الدارقطني.
ــ
وإن لم يدرك ركعة فليصل أربعاً. وفيه أن مداره على ياسين بن معاذ الزيات، وهو متروك، قاله النسائي. وقال البخاري: منكر الحديث، وضعفه غير واحد، وبما رواه الدارقطني عن أبي هريرة أيضاً مرفوعاً: من أدرك الركوع من الركعة الآخرة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى ومن لم يدرك الركوع من الركعة الأخرى فليصل الظهر أربعاً. وفيه أن هذه الرواية أيضاً ضعيفة، فإن فيها سليمان بن أبي داود الحراني، ضعفه أبوحاتم. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان: لا يحتج به. (رواه الدارقطني) من طريق ياسين بن معاذ عن ابن شهاب عن سعيد، أو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وياسين ضعيف متروك، ولهذا الحديث طرق كلها معلولة. قال الحافظ في التلخيص (ص١٢٧) : بعد ذكرها. وقد قال ابن حبان في صحيحه: إنها كلها معلولة. وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه لا أصل لهذا الحديث إنما المتن من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في علله، وقال: الصحيح من أدرك من الصلاة ركعة، وكذا قال العقيلي. والله أعلم.
بعون الله وحسن توفيقه تم الجزء الرابع من مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح، ويليه الجزء الخامس إن شاء الله تعالى، وأوله "باب صلاة الخوف".
стр. 1963
مشكاة المصابيح
للعلامة الشيخ ولي الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب العمري التبريزي
مع شرحه
مرعاة المفاتيح
للشيخ أبي الحسن عبيد الله بن العلامة محمد عبد السلام المباركفوري حفظه الله
(الجزء الخامس)
стр. 1964
(٤٦) باب صلاة الخوف
ــ
(باب صلاة الخوف) أي أحكام الصلاة عند الخوف من الكفار، ولما كان لصلاة الخوف أحكام وصفة تختص بها بخلاف الصلوات التي عم الناس معرفتها دعت الحاجة إلى بيان صفتها وأحكامها، وههنا عدة أبحاث نوردها مجملاً؛ ليكون الطالب على بصيرة. الأول: أنهم اختلفوا في أي سنة نزل بيان صلاة الخوف؟ فقال الجمهور: إن أول ما صليت في غزوة ذات الرقاع، واختلف أهل السير في أي سنة كانت هي، فقال عامة أهل السير: ابن إسحاق وابن عبد البر وغيرهما أنها كانت بعد بني النضير والخندق في جمادى الأولى سنة أربع، وقال ابن سعد وابن حبان: في عاشر المحرم سنة خمس. وقال أبومعشر: بعد بني قريظة في آخر السنة الخامسة وأول التي تليها، وقال البخاري: بعد خيبر في السنة السابعة، وهو الراجح عند ابن القيم والحافظ، وذهب ابن القيم إلى أن أول صلاة صليت للخوف بعسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة سنة ست، وصليت بذات الرقاع أيضاً فعلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان، وقد بسط الكلام في الهدي في الاستدلال لذلك، وإليه جنح الحافظ في الفتح حيث قال بعد الاستدلال لهذا القول: وإذا تقرر أن أول ما صليت صلاة الخوف بعسفان وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة وقد صليت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد عسفان فتعين تأخرها عند الخندق وعن قريظة وعن الحديبية أيضاً فيقوى القول بأنها بعد خيبر؛ لأن غزوة خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية – انتهى. الثاني: أنهم اتفقوا على أن النبي ﷺ لم يصل صلاة الخوف بغزوة الخندق، واختلفوا في سبب ذلك، فقيل: كانت تلك الغزوة بعد نزول صلاة الخوف، وأنه أخر الصلاة يومئذٍ نسياناً، يدل عليه ما روى أحمد من حديث ابن لهيعة عن أبي جمعة حبيب بن سباع، قال: إن رسول الله ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال هل علم أحد منكم إني صليت العصر؟ قالوا: لا يا رسول الله! ما صليتها، فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر، ثم أعاد المغرب، قال الحافظ: وفي صحته نظر؛ لأنه مخالف لما في الصحيحين من قوله ﷺ لعمر: ((والله ما صليتها)) ، ويمكن الجمع بينهما بتكلف، وقيل: أخرها عمداً؛ لأنه كان مشغولاً بالقتال، والاشتغال بالقتال والمسايفة يمنع الصلاة، قاله صاحب الهداية والطحاوي وأبوبكر الجصاص الرازي، وقيل: لأنه لم يكن أمر
стр. 1965
...........................
ــ
حينئذٍ أن يصلي صلاة الخوف راكباً، فقد روي عن أبي سعيد الخدري قال: كنا مع رسول الله يوم الخندق، فشغلنا ... ، الحديث، وفي آخره: وذلك قبل أن ينزل عليه ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ ، أخرجه أحمد والنسائي والطيالسي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبويعلى والبيهقي في السنن والطحاوي، وقيل: لتعذر الطهارة، وقيل: لأنه كان في حضر، وحكم صلاة الخوف أن تكون في السفر، قاله ابن الماجشون. وقيل: أخرها عمداً؛ لأنه كانت قبل نزول صلاة الخوف، ذهب إليه الجمهور، كما قال ابن رشد، وبه جزم ابن القيم في الهدي، والحافظ في الفتح، والقرطبي في شرح مسلم، وعياض في الشفاء، والزيلعي في نصب الراية، وابن القصار. وهذا هو الراجح عندنا. الثالث: أن جمهور العلماء متفقون على أن حكمها باقٍ بعد النبي ﷺ ، وحكي عن المزني من الشافعية أنها منسوخة حيث لم يصلها النبي ﷺ يوم الخندق فتأخيره في غزة الخندق دال على نسخ صلاة الخوف، قال ابن القصار: هذا قول من لا يعرف السنن؛ لأن صلاة الخوف نزلت بعد الخندق، وحكي عن أبي يوسف: أنها كانت تختص برسول الله ﷺ لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم ... ﴾ الاية [٤: ١٠٢] . جوزت بشرط كونه ﷺ فيهم فإذا خرج من الدنيا انعدم الشرط؛ ولأنها لما فيها من كثرة ما ينافي الصلاة، كالذهاب والمجيء والأعمال الكثيرة شرعت لرغبة الناس إلى الصلاة خلفه ﷺ وميل كل أحد إلى بركة الاقتداء به، وأما بعده ﷺ ففيم يرغب، فصلاة الخوف بجماعة واحدة، وإمام واحد مقصورة على عهده ﷺ ، وأجيب عن الآية بأنها قيد واقعي نحو قوله تعالى: إن خفتم في صلاة المسافر وتخصيص النبي ﷺ بالخطاب لا يوجب تخصيصه بالحكم ما لم يقم دليل على اختصاصه به؛ ولأن الصحابة أنكروا على مانعي الزكاة قولهم إن الله تعالى خص نبيه بأخذ الزكاة بقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة ... ﴾ [٩: ١٠٣] ، وقال ابن العربي: شرط كونه فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده أي بين لهم بفعلك؛ لأنه أوضح من القول – انتهى. وأيضاً ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حقنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به، فإن الله تعالى أمر باتباعه، وأيضاً فإن الصحابة أجمعوا على صلاة الخوف، فروي أن علياً صلى صلاة الخوف ليلة الهرير، وصلاها أبوموسى الأشعري بأصبهان بأصحابه، وروي أن سعيد بن العاص كان أميراً على الجيش بطبرستان، فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فقدمه فصلى بهم، قال الزيلعي: دليل الجمهور وجوب الاتباع والتأسي بالنبي ﷺ ، وقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ، والأفعال المنافية إنما هي لأجل الضرورة، وهي موجودة بعده ﷺ ، وقد وردت صلاة الخوف من قوله – ﵊، كما رواه البخاري في صحيحه في تفسير سورة البقرة في باب قوله: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ [٢: ٢٣٩] بسنده عن نافع أن عبد الله بن عمر كان سئل عن صلاة الخوف قال:
стр. 1966
............................
ــ
يتقدم الإمام وطائفة من الناس ... الحديث، وفي آخره قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ . الرابع: أن صلاة الخوف جائزة في الحضر إذا احتيج إلى ذلك بنزول العدو قريباً من البلد، قال به الجمهور: الشافعي وأحمد وأبوحنيفة ومالك في المشهور عنه، وحكي عنه أنها لا تجوز في الحضر، وبه قال ابن الماجشون، وقال أصحابه: يجوز، كما قال الجمهور، وهو الحق؛ لأن قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ... ﴾ الآية [٤: ١٠٢] عام في كل حال. الخامس: أن الخوف لا يؤثر في عدد الركعات في حق الإمام والمأموم جميعاً في قول أكثر أهل العلم، منهم ابن عمر والنخعي ومالك والشافعي وأحمد وأبوحنيفة وأصحابه وسائر أهل العلم من علماء الأمصار لا يجيزون ركعة. وقال ابن عباس والحسن البصري وعطاء وطاؤس ومجاهد والحكم بن عتيبة وقتادة وإسحاق والضحاك والثوري: أنها ركعة عند شدة القتال يومئ إيماءً، واستدل لهم بما روي عن حذيفة أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. أخرجه أحمد وأبوداود والنسائي والأثرم، وصححه ابن حبان، ومثله عند النسائي وابن خزيمة عن ابن عباس، وعند النسائي والأثرم عن زيد بن ثابت، وبما روي عن ابن عباس قال: ((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة)) أخرجه أحمد ومسلم وغيرهما، قلت: وأول الجمهور بأن المراد به ركعة مع الإمام، وليس في نفي الثانية، وفيه أنه لا منافاة بين وجوب واحدة، والعمل باثنتين حتى يحتاج إلى التأويل للتوفيق لجواز أنهم عملوا بالأحب والأولى، وأيضاً يرد هذا التأويل قوله: لم يقضوا، وأما تأويلهم لم يقضوا بأن المراد منه أنهم لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن فبعيد جداً. السادس: ذكر أبوداود في سننه لصلاة الخوف ثمانية أوجه، وكذا ابن حبان في صحيحه، وزاد تاسعاً، وقال: ليس بينها تضاد، ولكنه ﷺ صلى صلاة الخوف مراراً، والمرء مباح له أن يصلي ما شاء عند الخوف من هذه الأنواع، وهي من الاختلاف المباح، وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجهاً، وبينها في جزء مفرد، وقال ابن العربي في القبس: جاء فيها روايات كثيرة أصحها ست عشرة رواية مختلفة ولم يبينها، وقال النووي في شرح مسلم نحوه ولم يبينها أيضاً، وقد بينها العراقي في شرح الترمذي، وزاد وجهاً آخر فصارت سبعة عشر وجهاً، لكن قال يمكن أن تتداخل، وقال ابن القيم: أصولها ست صفات بلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجهاً من فعل النبي ﷺ ، وإنما هو من اختلاف الرواة، قال الحافظ: وهذا هو المعتمد، وإليه أشار شيخنا (العراقي) بقوله: يمكن أن تتداخل، وحكى ابن القصار المالكي أن النبي ﷺ صلاها عشر مرات، وقال ابن العربي: صلاها أربعاً وعشرين مرة، وقال الزيلعي في نصب الراية (ج٢ ص٢٤٧) ذكر بعض الفقهاء: أن النبي ﷺ صلاها في عشر مواضع والذي استقر عند أهل السير
стр. 1967
......................................
ــ
والمغازي أربعة مواضع: ذات الرقاع وبطن نخل وعسفان وذي قرد، فحديث ذات الرقاع أخرجه البخاري وغيره عن سهل بن أبي حثمة، وفي لفظ للبخاري عمن صلى مع النبي ﷺ ، وحديث بطن نخلة أخرجه النسائي عن جابر قال: ((كنا مع النبي ﷺ ببطن نخل والعدو بيننا وبين القبلة ... )) الحديث، وحديث عسفان أخرجه أبوداود والنسائي عن أبي عياش الزرق، وحديث ذي قرد أخرجه النسائي عن ابن عباس أنه ﷺ صلى بذي قرد ... الحديث. السابع: قال ابن قدامة: يجوز أن يصلى صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله ﷺ . قال أحمد: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز، وقال: ستة أوجه أو سبعة، يروى فيها كلها جائزة، وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله (الإمام أحمد) تقول بالأحاديث كلها، كل حديث في موضعه أو تختار واحداً منها؟ قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره، ثم بين ابن قدامة هذه الوجوه الستة وقال بعد ذكر الوجه السادس: وهو أن يصلي بكل طائفة ركعة ولا تقضي شيئاً ما لفظه فهذه الصلاة يقتضي عموم كلام أحمد جوازها؛ لأنه ذكر ستة أوجه ولا أعلم وجهاً سادساً سواها، وأصحابنا ينكرون ذلك – انتهى. قلت: الصفات الثابتة في الأحاديث الصحيحة كلها جائزة عند جميع العلماء، وإنما الاختلاف عندهم فيما هي أولى وأفضل إلا ثلاث صور، فإنه قد أولها من لا يقول بها على تقدير ثبوتها، كما سيأتي، قال السهيلي: اختلف العلماء في الترجيح، فقالت طائفة يعمل منها بما كان أشبه بظاهر القرآن، وقال طائفة: يجتهد في طلب الأخير منها فإنه الناسخ لما قبله، وقالت طائفة: يؤخذ بأصحها نقلاً وأعلاها رواة، وقالت طائفة: يؤخذ بجميعها على حسب اختلاف أحوال الخوف، فإذا اشتد الخوف أخذ بأيسرها مؤنة – انتهى. قلت: ورجح أحمد والشافعي ما روي عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله ﷺ ، وهو الحديث الثاني من هذا الباب لسلامة الصفة المذكورة فيه من كثرة المخالفة، ولكونها أحوط لأمر الحرب، واختار مالك ما روي عن ابن مسعود عند أبي داود بسند ضعيف، وما روي عن ابن عمر عند البخاري وغيره، وهو الحديث الأول من الباب، وفي دلالتهما على مذهب أبي حنيفة ومحمد خفاء، كما سيأتي، ولم يختر إسحاق شيئاً على شيء، وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر وسرد ثمانية أوجه، وأما الصور الثلاث المختلف فيها فالأول منها أن يصلي الإمام بكل طائفة صلاة منفردة ويسلم بها، فيكون الإمام في الثانية متنفلاً يؤم المفترضين، وأوله بعض الحنفية بما لا يلتفت إليه وأنكر بعضهم ثبوته، وهو مردود أيضاً، والثاني أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ولا يسلم ثم تسلم الطائفة، وتنصرف ولا تقضي شيئاً وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعتين ويسلم بها ولا تقضي شيئاً فيكون له أربع ركعات
стр. 1968
﴿الفصل الأول﴾
١٤٣٣- (١) عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: ((غزوت مع رسول الله – ﷺ – قبل نجد، فوازينا العدو، فصاففنا لهم، فقام رسول الله – ﷺ – يصلي لنا، فقامت طائفة معه،
ــ
بسلام واحد وللقوم ركعتان ركعتان فقط، وقد أوله الحنفية والمالكية والحنابلة بما هو غني عن الرد وارجع إلى المغني، والثالث: الاقتصار على ركعة، أنكره الشافعي ومالك وأبوحنيفة وأصحاب أحمد، وأولوه بما تقدم مع الجواب. والثامن: أن صلاة الخوف تجوز بشرائط، منها: أن يكون العدو مباح القتال، وأن لا يؤمن هجومه، ومنها: أن يكون هجوم من يريد صلاة الخوف مباحاً، فلو كانوا عصاة كالبغاة مثلاً لا يجوز لهم صلاة الخوف. ومنها: أن يكون في المصلين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين، كل طائفة ثلاثة فأكثر قاله أبوالخطاب، وقال القاضي: إن كانت كل فرقة أقل من ثلاثة كرهناه، وحكاه الحافظ عن الشافعي وعلل بأنه أعاد عليهم ضمير الجمع بقوله ﴿أسلحتهم﴾ ، قال ابن قدامة: والأولى أن لا يشترط هذا؛ لأن ما دون الثلاثة عدد تصح به الجماعة، فجاز أن يكون طائفة كالثلاثة، ومنها: أن لا يقاتل في الصلاة، وهذا عند الحنفية.
١٤٣٣- قوله (قال) أي ابن عمر (غزوت) أي الكفار، في القاموس: غزا العدو سار إلى قتالهم وأصل الغزو القصد (مع رسول الله – ﷺ ) حال (قبل نجد) بكسر القاف وفتح الموحدة، نصباً على الظرف أي جهة نجد، والنجد كل ما ارتفع من بلاد العرب من تهامة إلى العراق، وقال الأبهري: المراد هنا نجد الحجاز لا نجد اليمن، قال العيني والقسطلاني: وهذه الغزوة غزوة ذات الرقاع (فوازينا) بالزاي أي قابلنا بالموحدة وحاذينا من الموازاة، وهي المقابلة والمواجهة، وأصله من الإزاء بهمزة في أوله، قال الجوهري: يقال هو بإزائه أي بحذائه، وقد آزيته إذا حاذيته، ولا تقل: وازيته بالواو – انتهى. فعلى هذا أصل وازينا آزينا قلبت الهمزة واو. وقال القارئ بعد نقل كلام الجوهري: لكن رواية المحدثين مقدمة على نقل اللغويين مع أن المثبت مقدم على النافي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، لا سيما ووافقهم صاحب النهاية، أو هما لغتان كالمواكلة والمؤاخذة – انتهى. (فصاففنا) أي قمنا صفين، كما سيأتي (لهم) أي لحربهم، أو جعلنا نفوسنا صفين في مقابلتهم (يصلي لنا) أي لأجلنا أو يصلي بنا بالموحدة، وقال القارئ: أي يصلي بالجماعة إماماً لنا، والحديث من أقوى الحجج على وجوب الجماعة حيث ما ترك في تلك الحالة – انتهى. وكانت هذه الصلاة رباعية، قال الحافظ: وسيأتي في المغازي - من صحيح البخاري - ما يدل على أنها كانت صلاة العصر (فقامت طائفة معه) تصلي أي
стр. 1969
وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله – ﷺ – بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاؤا، فركع رسول الله – ﷺ – بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم، فركع لنفسه ركعة، وسجد سجدتين.
ــ
حيث لا تبلغهم سهام العدو (وركع) وفي رواية فركع (رسول الله – ﷺ – بمن معه) أي مع الذين قاموا معه (وسجد سجدتين) أي بمن معه ثم ثبت قائماً (ثم انصرفوا) أي الطائفة التي صلت تلك الركعة (مكان الطائفة التي لم تصل) أي فقاموا في مكانهم في وجه العدو (فجاؤا) أي الطائفة الأخرى التي كانت تحرس، وهو – ﵊ – قائم في الثانية منتظر لها (ثم سلم) أي النبي – ﷺ – وحده (فقام كل واحد منهم) أي من المأمومين من الطائفتين (فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين) قال الحافظ: ظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى، وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبوداود من حديث ابن مسعود، ولفظه: ((ثم سلم فقام هؤلاء أي الطائفة فقضوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا، ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا)) – انتهى. وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، ووقع في الرافعي تبعاً لغيره من كتب الفقه أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الطائفة الأولى فأتموا ركعة ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا ولم نقف على ذلك في شيء من الطرق، وبهذه الكيفية أخذ الحنفية واختار الكيفية التي في حديث ابن مسعود أشهب من المالكية والأوزاعي، ورجح ابن عبد البر الكيفية الواردة في حديث ابن عمر على غيرها لقوة الإسناد ولموافقة الأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه – انتهى مختصراً. وقال القرطبي في شرح مسلم: والفرق بين حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود أن في حديث ابن عمر كان قضاءهم في حالة واحدة ويبقى الإمام كالحارس وحده، وفي حديث ابن مسعود كان قضاءهم متفرقاً على صفة صلاتهم، وقد تأول بعضهم حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود، وبه أخذ أبوحنيفة وأصحابه غير أبي يوسف، وهو نص أشهب من أصحابنا خلاف ما تأوله ابن حبيب، والله أعلم – انتهى. قلت: حديث ابن مسعود ظاهر في أن الطائفة التي صلت مع الإمام آخراً هي بدأت بالقضاء قبل الطائفة الأولى، أي والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، وليس هذا في قول أبي حنيفة، وقال القارئ في شرح قوله: ((فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين)) ، تفصيله أن الطائفة الثانية ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الأولى إلى مكانهم وأتموا صلاتهم منفردين وسلموا وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الثانية وأتموا منفردين وسلموا، كما ذكره بعض الشراح من علماءنا، قال ابن الملك: كذا قيل، وبهذا أخذ أبوحنيفة
стр. 1970
وروى نافع نحوه، وزاد: فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالاً،
ــ
لكن الحديث لم يشعر بذلك – انتهى. قال القاري: وهو كذلك، لكن قال ابن الهمام: ولا يخفى أن هذا الحديث إنما يدل على بعض ما ذهب إليه أبوحنيفة، وهو مشي الطائفة الأولى وإتمام الطائفة الثانية في مكانها من خلف الإمام، وهو أقل تغييراً، وقد دل على تمام ما ذهب إليه ما هو موقوف على ابن عباس من رواية أبي حنيفة، ذكره محمد في كتاب الآثار، وساق إسناد الإمام، ولا يخفى أن ذلك مما لا مجال للرأي فيه، فالموقوف فيه كالمرفوع – انتهى. قلت: ومذهب أبي حنيفة كما سيأتي أن الطائفة الأولى تتم الركعة التي بقيت عليها بلا قراءة كاللاحق، الطائفة الثانية تقضيها بالقراءة كالمسبوق، وهذا شيء لم يرو عن رسول الله ﷺ أصلاً ولا عن أحد من أصحابه، بل ولا يعرف عن أحد من الأمة قبل أبي حنيفة، وأما أثر ابن عباس فليس فيه أدنى إشارة إلى ذلك فضلاً أن يكون نصاً في ذلك، قال محمد في كتاب الآثار (ص٣٥) : أخبرنا أبوحنيفة عن حماد عن إبراهم في صلاة الخوف قال: إذا صلى الإمام بأصحابه فلتقم طائفة منهم مع الإمام، وطائفة بإزاء العدو، فيصلي الإمام بالطائفة الذين معه ركعة ثم تنصرف الطائفة الذين صلوا مع الإمام من غير أن يتكلموا حتى يقوموا في مقام أصحابهم، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلون مع الإمام الركعة الأخرى، ثم ينصرفون من غير أن يتكلموا حتى يقوموا في مقام أصحابهم، وتأتي الطائفة الأولى حتى يصلوا ركعة وحداناً ثم ينصرفون فيقومون مقام أصحابهم، وتأتي الطائفة الأخرى حتى يقضوا الركعة التي بقيت عليهم وحداناً، قال محمد: أخبرنا أبوحنيفة حدثنا الحارث بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عباس – ﵃ – مثل ذلك قال: وبهذا كله نأخذ، وأما الطائفة الأولى فيقضون ركعتهم بغير قراءة؛ لأنهم أدركوا أول الصلاة مع الإمام فقراءة الإمام لهم قراءة، وأما الطائفة الأخرى فإنهم يقضون ركعتهم بقراءة؛ لأنهم فاتتهم مع الإمام، وهذا كله قول أبي حنيفة – انتهى.
(وروى نافع) أي عن ابن عمر أيضاً (نحوه) أي معنى ما رواه سالم عنه، ولفظ حديث نافع عند البخاري في تفسير سورة البقرة من طريق مالك عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس فيصلي بهم الإمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين، فيقوم كل واحد من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين فإن كان خوف....الخ (وزاد) أي نافع عن ابن عمر (فإن كان خوف) أي هناك أو وقع خوف شديد والتنوين للتعظيم (هو أشد من ذلك) الذي تقدم بأن لا يمكن معه الانقسام والاصطفاف وغير ذلك (صلوا) حينئذٍ بحسب الإمكان (رجالاً) بكسر الراء وتخفيف الجيم جمع راجل.
стр. 1971
قياماً على أقدامهم، أو ركباناً مستقبلي القبلة، أو غير مستقبلها، قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ .
ــ
قال الرازي في تفسيره: الراجل الكائن على رجله ماشياً كان أو واقفاً – انتهى. (قياماً) بكسر القاف جمع قائم، وقيل: إنه مصدر بمعنى اسم الفاعل أي قائمين، وهما حالان من فاعل صلوا، أي صلوا حال كونهم راجلين قائمين (على أقدامهم) زاد مسلم: ((يومئ إيماء)) ، وقوله ((قياماً على أقدامهم)) تفسير لقوله رجالاً، قال ابن حجر: فيه إشارة إلى ترك الركوع والسجود، والإيماء إليهما عند العجز عنهما لقوله ((قياماً على أقدامهم)) ، ويكون المراد قيامهم على أقدامهم في كل حالاتهم من صلاتهم (أو ركباناً) أي راكبين على دوابهم بضم الراء جمع راكب، وأو للتخيير أو الإباحة أو التنويع (مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها) أي بحسب ما يتسهل لهم، والحاصل أنه إذا اشتد الخوف ركباناً إلى القبلة وإلى غيرها يومئون بالركوع والسجود على قدر الطاقة ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها، وبه قالت الحنابلة، فيجوز عندهم الصلاة في شدة الخوف وحالة المسايفة والتحام القتال ماشياً وراكباً وطالباً ومطلوباً، وكذا عند الشافعية إلا لطالب عدو لا يخشى كرهم عليه أو انقطاعاً من رفقته، وكذا عند المالكية، لكنهم قالوا: لا يصنعون ذلك حتى يخشوا فوت الوقت، وأيضاً اختلفوا في الطالب فقال ابن عبد الحكم: لا يصلي - أي الطالب - إلا بالأرض صلاة الأمن، وقال ابن حبيب: هو في سعة من ذلك وإن كان طالباً، وحكي ذلك عن مالك، وقال القسطلاني: قال مالك: يصلي - أي الطالب – راكباً حيث توجهت دابته إذا خاف فوت العدو إن نزل – انتهى. وقالت الحنفية: لا يجوز الصلاة في حالة المسايفة والقتال ولا في حالة المشي مطلقاً أي لا طالباً ولا مطلوباً، ويجوز الصلاة راكباً للمطلوب، ولو كانت الدابة سائرة لا للطالب، وقيل: قول ابن عمر في هذا الحديث ((قياماً على أقدامهم)) يؤيد الحنفية في نفي الصلاة في حالة المشي، وإليه يظهر ميل البخاري حيث قال: باب صلاة الخوف رجالاً وركباناً راجل قائم، قال الحافظ: يريد به أن المراد به ههنا القائم، ويطلق على الماشي أيضاً، وهو المراد في سورة الحج: ﴿يأتوك رجالاً ... ﴾ الآية – انتهى. وفرق الحنفية بين المشي في الصلاة وبين الصلاة ماشياً، فجوزوا الأول قالوا: وهو المذكور في حديث ابن عمر دون الثاني، ولا يخفى ما فيه (قال نافع: لا أرى) بضم الهمزة أي لا أظن (ذكر ذلك) أي قوله (فإن كان خوف ... ) الخ (إلا عن رسول الله ﷺ ) هكذا أخرجه مالك عن نافع في موطئه بالشك، وكذا أخرجه البخاري في صحيحه من طريق مالك، قال ابن عبد البر: رواه عن نافع جماعة لم يشكوا في رفعه، منهم ابن أبي ذئب وموسى بن عقبة وأيوب بن موسى، وكذا رواه الزهري عن سالم عن ابن عمر مرفوعاً، ورواه خالد بن معدان عن ابن عمر مرفوعاً – انتهى. وقال الحافظ: قد أخرج مسلم حديث ابن عمر من طريق الثوري
стр. 1972
رواه البخاري.
١٤٣٤- (٢) وعن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول الله ﷺ
ــ
عن موسى بن عقبة فذكر صلاة الخوف نحو سياق الزهري عن سالم، وقال في آخره: قال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فليصل راكباً أو قائماً يومئ إيماءً، ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة موقوفاً كله، لكن قال في آخره: وأخبرنا نافع أن عبد الله بن عمر كان يخبر بهذا عن النبي ﷺ فاقتضى ذلك رفعه كله، ثم ذكر الحافظ رواية الموطأ والبخاري ثم قال: ورواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً كله بغير شك. أخرجه ابن ماجه ولفظه قال رسول الله ﷺ في صلاة الخوف أن يكون الإمام يصلي بطائفة، فذكر نحو سياق سالم عن أبيه، وقال في آخره: فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالاً أو ركباناً، وإسناده جيد، والحاصل أنه اختلف في قوله ((فإن كان خوف أشد من ذلك)) هل هو مرفوع أو موقوف على ابن عمر، والراجح وقفه، والله أعلم – انتهى. (رواه البخاري) حديث سالم عن أبيه أخرجه الجماعة والبيهقي (ج٣ ص٢٦٠) ، وحديث نافع عن ابن عمر أخرجه مالك في موطئه والبخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ [البقرة: ٢٩٢] ، والبيهقي (ج٣ ص٢٥٦، ٢٦٠-٢٦١) .
١٤٣٤- قوله (وعن يزيد بن رومان) - بضم الراء المهملة - المدني، مولى آل الزبير بن العوام، ثقة من صغار التابعين، مات سنة (١٣٠) ، (عن صالح بن خوات) بفتح المعجمة وتشديد الواو، وآخره تاء مثناة من فوق أي ابن جبير - بضم الجيم - ابن النعمان الأنصاري، المدني، تابعي مشهور، عزيز الحديث، ثقة، روى له الجماعة هذا الحديث، وأبوه خوات بن جبير، صحابي جليل، أول مشاهده أحد، وقيل: شهد بدراً، مات بالمدينة سنة (٤٠) أو بعدها، وله (٧٤) وقيل (٧١) سنة. (عمن صلى مع رسول الله ﷺ ) ولفظ البخاري (عمن شهد مع رسول الله ﷺ ) ، قيل: إن اسم هذا المبهم سهل بن أبي حثمة؛ لأن القاسم بن محمد روى حديث صلاة الخوف عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة، وهذا هو الظاهر من رواية البخاري، ولكن الراجح أنه أبوه خوات بن جبير؛ لأن أبا أويس رواه عن يزيد بن رومان شيخ مالك فيه فقال: عن صالح بن خوات عن أبيه، أخرجه ابن منده في معرفة الصحابة من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقي من طريق عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه، وجزم النووي في تهذيبه بأنه خوات بن جبير، وقال: إنه محقق من رواية مسلم وغيره، وسبقه لذلك الغزالي، ويؤيده أيضاً تعيين كونها ذات الرقاع، فإنه إنما يصح ذلك في روايته عن أبيه، إذ ليس في رواية صالح عن سهل أنه صلاها مع النبي ﷺ ، ويؤيده أيضاً أن سهلاً لم يكن في سن من يخرج تلك الغزوة لصغره، لكن لا يلزم منه أن سهلاً لا يرويها، فيحتمل أن
стр. 1973
يوم الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم)) .
ــ
صالحاً سمعه منهما، ورواية سهل تكون مرسل صحابي (يوم ذات الرقاع) بكسر الراء – جمع الرقعة بمعنى الخرقة، وهي القطعة من الثوب، وسميت هذه الغزوة ذات الرقاع لأن الظهر كان قليلاً وأقدام المسلمين نقبت من الحفاء فلفوا عليها الخرق، وهي الرقاع، رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري، وهو الصحيح في تسميتها، وقيل: سميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: بشجر ذلك الموضع، يقال له ذات الرقاع، وقيل: بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حبان، وقال الواقدي: سميت بحبل هناك فيه بقع، وهذا لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحف جبل بخيل، وقد رجح السهيلي والنووي السبب الذي ذكره أبوموسى، ثم قال النووي: ويحتمل أن تكون سميت بالمجموع، وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، كذا في الفتح، وسبب وقوعها أن أعرابياً جاء بجلب إلى المدينة فقال: إني رأيت ناساً من بني ثعلبة وبني أنمار قد جمعوا لكم جموعاً وأنتم في غفلة عنهم، فخرج النبي ﷺ إليهم واستعمل على المدينة أباذر الغفاري، وقيل: عثمان بن عفان، وخرج في أربعمائة، وقيل: في سبعمائة، فلقي جمعاً من بني ثعلبة، فتوافقوا ولم يكن بينهم قتال، وقيل: لم يلق كيداً؛ لأن العدو تفرق في الجبال، إلا أنه ﷺ صلى بهم صلاة الخوف؛ لأنه كان يخاف أن يجتمعوا فيحملوا على المسلمين، وقد تقدم اختلاف أهل العلم في تاريخ هذه الغزوة، وأن الراجح عند أهل السير أنها كانت في جمادى الأولى سنة أربع، وعند البخاري أنها بعد خيبر سنة سبع (صلاة الخوف) مفعول صلى (أن طائفة) قال الطيبي: متعلق بما يتعلق به عمن أي عمن صلى مع رسول الله ﷺ أن طائفة (صفت معه) أي للصلاة (وطائفة) بالنصب للعطف، وقيل: بالرفع على الابتداء أي وطائفة أخرى (وجاه العدو) بكسر الواو وبضم، أي محاذيهم ومواجههم، ونصبه على الظرفية بفعل مقدر (فصلى بالتي معه) أي بالطائفة التي معه ﷺ (ثم) أي لما قام إلى الركعة الثانية (ثبت) حال كونه (قائماً وأتموا) أي الطائفة التي صلى بها الركعة الأولى (لأنفسهم) الركعة الأخرى (ثم) أي بعد سلامهم (انصرفوا) إلى وجه العدو (فصفوا وجاه العدو) أي في غير حالة الصلاة (وجاءت الطائفة الأخرى) التي كانت وجاه العدو إلى مكان الطائفة الأولى فاقتدوا به (فصلى بهم الركعة) الثانية (التي بقيت من صلاته) ﷺ (ثم ثبت جالساً) في التشهد ولم يخرج من صلاته بالسلام (وأتموا) أي الطائفة التي جاءت بعد (لأنفسهم) الركعة الأخرى، وجلسوا معه في التشهد (ثم سلم بهم) أي بالطائفة
стр. 1974
متفق عليه.
ــ
الأخيرة، أي معهم ليحصل لهم فضيلة التسليم معه ﷺ ، كما حصل للطائفة الأولى فضيلة التحريم معه ﷺ ، وقد صلى كل طائفة ركعة مع النبي ﷺ وركعة لأنفسهم وحداناً، وهذه الكيفية اختارها الشافعي وأحمد، وقال مالك: يتشهد الطائفة الثانية مع الإمام، فإذا سلم الإمام قاموا فقضوا ما فاتهم كالمسبوق، واستدل بحديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة، قال ابن قدامة: والأول أولى لقول الله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾ [النساء: ١٠٢] ، وهذا يدل على أن صلاتهم كلها معه، ولأنه روي أنه ﷺ سلم بالطائفة الثانية، ولأن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام، فينبغي أن يسلم بالثانية ليسوي بينهم، ثم ذكر مذهب أبي حنيفة، ثم قال: ولنا ما روى صالح بن خوات عمن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، فذكر الحديث وقال: العمل بهذا أولى؛ لأنه أشبه بكتاب الله تعالى وأحوط للصلاة والحرب، أما موافقة الكتاب فإن قول الله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾ يقتضي أن جميع صلاتها معه، وعند أبي حنيفة تصلى معه ركعة فقط، وعندنا جميع صلاتها معه، إحدى الركعتين توافقه في أفعاله وقيامه، والثانية تأتي بها قبل سلامه ثم تسلم معه ومن مفهوم قوله: لم يصلوا، أن الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها، وعلى قولهم لم تصل إلا بعضها – انتهى. قلت: الظاهر أن الله تعالى ذكر في الآية صفة الركعة الأولى وسكت عن حال الركعة الثانية، وكانت هي موضع الفصل، وفعل ذلك للتوسع والمتبادر من تعبير صلاة الطائفة الأولى بالسجدة في قوله: ﴿فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم﴾ أنهم بعد أداء الركعة ينصرفون إلى وجه العدو ولا يتمون لأنفسهم الركعة الأخرى، ولو أتموها لأطلق عليها الصلاة، فذكر لفظ السجدة يؤيد الحنفية في أن الطائفة الأولى تنصرف إلى وجه العدو بعد الركعة؛ لأنه يدل على عدم تمام صلاتها، وعلى مذهب الشافعية ومن وافقهم كان الأولى أن يقال: فإذا صلوا، والمتبادر من ذكر لفظ الصلاة في ذكر الطائفة الثانية في قوله: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾ أنهم يتمون لأنفسهم في ذلك المكان، وهذا أوفق للشافعية، فحملوا قوله: فإذا سجدوا، على معنى: فإذا فعلوا، بقرينة قوله: فليصلوا، وحملت الحنفية قوله: فليصلوا، على معنى فليسجدوا، لقوله: فإذا سجدوا، وقد ظهر من هذا أن الآية لا توافق واحداً من المذهبين بتمامه للإجمال في حال الركعة الثانية، نعم تنطبق على الصفة المذكورة في حديث ابن مسعود، فإن حاصلها أن الطائفة الأولى تذهب إلى وجه العدو بعد ركعة، وتجيء الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام ركعة ثم تتم لنفسها ركعة أخرى هناك ثم ترجع إلى وجه العدو، وهذه الصفة هي ظاهر الآية كذا ذكر بعد الحنفية، وقد بسط ابن قدامة الكلام في كون الصفة المختارة عند الأئمة الثلاثة أحوط للصلاة والحرب، فعليك أن ترجع إلى المغني. (متفق عليه) أخرجه البخاري في المغازي من طريق قتيبة عن مالك، ومسلم في الصلاة من طريق يحيى بن يحيى عن مالك عن يزيد بن رومان، وأخرجه أيضاً مالك وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٢٥٢) .
стр. 1975
١٤٣٥- (٣) وأخرج البخاري بطريق آخر عن القاسم، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﷺ .
ــ
١٤٣٥- قوله (وأخرج البخاري بطريق آخر) أي من طريق مسدد عن يحيى القطان عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم (عن القاسم) أي ابن محمد بن أبي بكر الصديق (عن سهل بن أبي حثمة عن النبي ﷺ ) أي نحوه، وهذه الرواية مرسل صحابي؛ لأن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن سهلاً كان صغيراً في زمن النبي ﷺ ، فمات النبي ﷺ وهو ابن ثمان سنين، فلم يكن إذ ذاك في سن من يخرج في تلك الغزوة، وعلى هذا فتكون روايته لقصة صلاة الخوف مرسلة، ويتعين أن يكون مراد صالح بن خوات ممن صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف غيره، والذي يظهر أنه أبوه كما تقدم، واعلم أن البخاري روى أولاً حديث سهل بن أبي حثمة موقوفاً عليه قوله من طريق مسدد عن يحيى القطان عن يحيى الأنصاري عن القاسم عن صالح عن سهل بن أبي حثمة قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه وطائفة من قبل العدو وجوههم إلى العدو فيصلي بالذين معه ركعة، ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثم رواه مرفوعاً قال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة عن النبي ﷺ مثله، أي مثل المتن الموقوف من رواية يحيى عن يحيى، وقد أورده مسلم وأبوداود والنسائي من هذا الطريق بلفظ: أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه في الخوف فصفهم خلفه صفين، فذكر الحديث، وهو مما يقوي أن سهل بن أبي حثمة لم يشهد ذلك، وأن المراد بقول صالح بن خوات ممن شهد أبوه لا سهل، والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي موقوفاً ومرفوعاً، وأخرجه مالك موقوفاً، قال ابن عبد البر: هذا الحديث موقوف عند رواة الموطأ، ومثله لا يقال بالرأي، وقد جاء مرفوعاً مسنداً – انتهى. قال الزرقاني: وتابع مالكاً على وقفه يحيى القطان وعبد العزيز بن أبي حازم، كلاهما عن يحيى الأنصاري، ورفعه يحيى القطان في روايته عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح عن سهل أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه صلاة الخوف ... الحديث، قال ابن عبد البر: وعبد الرحمن بن القاسم أسنّ من يحيى بن سعيد وأجل – انتهى. هذا ورواية البخاري والنسائي والترمذي وابن ماجه ساكتة عن بيان سلام الإمام، ورواية أحمد ومسلم وأبي داود صريحة في أنه يسلم الإمام بالطائفة الثانية بعد أدائهم الركعة الثانية، كما هو منطوق رواية يزيد بن رومان عن صالح، وهو مختار الشافعي وأحمد كما تقدم، ورواية مالك صريحة في أن الإمام يسلم منفرداً قبل أن تأتي الطائفة الثانية بالركعة الأخرى، وقال الدارقطني بعد ما روى حديث
стр. 1976
١٤٣٦- (٤) وعن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع، قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ ، قال: فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله ﷺ معلق بشجرة، فأخذ سيف نبي الله ﷺ فاخترطه، فقال لرسول الله ﷺ : أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك،
ــ
يزيد بن رومان: قال ابن وهب: قال مالك: أحب إلي هذا ثم رجع، وقال: قضاؤهم يكون بعد السلام أحب إلي – انتهى. وقال ابن عبد البر: وهذا الذي رجع إليه مالك بعد أن قال بحديث يزيد بن رومان، وإنما اختاره ورجع إليه للقياس على سائر الصلوات أن الإمام لا ينتظر المأموم، وأن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام – انتهى. والراجح عندي: مختار الشافعية والحنابلة للوجوه التي تقدمت في كلام ابن قدامة، ولم تفرق المالكية والحنفية بين أن يكون العدو في جهة القبلة أم لا، وفرق الشافعي والجمهور، فحملوا حديث سهل على أن العدو كان في غير جهة القبلة، فلذلك صلى بكل طائفة وحدها جميع الركعة، وأما إذا كان العدو في جهة القبلة فعلى ما في حديث ابن عباس أن الإمام يحرم بالجميع ويركع بهم، فإذا سجد سجد معه صف وحرس صف ... إلى آخره، ويأتي حديث جابر: صفنا صفين والعدو بيننا وبين القبلة.
١٤٣٦- قوله (حتى إذا كنا بذات الرقاع) أي بالمكان الذي كانت به غزوة ذات الرقاع، فسميت البقعة باسم الوقعة (قال) أي جابر (كنا) أي معشر الصحابة عند إرادة نزول المنزل (إذا أتينا) أي مررنا (على شجرة ظليلة) أي مظللة أي ذات ظل كثيف، يعني كثيرة الظل (تركناها لرسول الله ﷺ ) لينزل تحتها ويستظل بها، يعني فكذا فعلنا بذات الرقاع، ونزل رسول الله ﷺ تحت شجرة للاستراحة، فيه تفريق الناس عن الإمام في الغزو عند القائلة والاستظلال بالشجر، وهذا محله إذا لم يكن هناك ما يخافون منه. (قال) أي جابر (فجاء رجل من المشركين) اسمه غورث – وزن جعفر – بن الحارث، وقيل: اسمه دعثور، وقيل: غويرث (وسيف رسول الله ﷺ معلق بشجرة) أي بشجرة كان النبي ﷺ تحت ظلها. فيه تعليق السيف بالشجرة في السفر عند النوم وقت القائلة (فأخذ) أي المشرك (سيف نبي الله ﷺ ) لكونه نائماً (فاخترطه) بالخاء المعجمة والمثناة الفوقية والراء آخره طاء مهملة – أي سله من غمده، وهو غلافه (قال) أي المشرك (فمن يمنعك مني) بضم العين، و"من" استفهام يتضمن معنى النفي، كأنه قال: لا مانع لك مني، وكرر ذلك في رواية للبخاري ثلاث مرات. (قال) أي رسول الله ﷺ (الله) أي هو الذي سلطك علي (يمنعني منك) أي يخلصني منك
стр. 1977
قال: فتهدده أصحاب رسول الله ﷺ ، فغمد السيف وعلقه، قال: فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان)) .
ــ
إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، قال الطيبي: كان يكفي في الجواب أن يقول رسول الله ﷺ : الله، فبسط اعتماداً على الله واعتضاداً بحفظه وكلاءته، قال الله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] انتهى. وهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنه عدو متمكن بيده سيف مشهور فلم يحصل للنبي ﷺ روع ولا جزع، قال الحافظ: فيه فرط شجاعته ﷺ وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهال (قال) أي جابر (فتهدده) أي هدده وخوفه (أصحاب رسول الله ﷺ ) ظاهره يشعر بأنهم حضروا القصة، وأنه إنما رجع عما كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، فإنه وقع في رواية للبخاري بعد قوله (فعلق بها سيفه) : قال جابر فنمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله ﷺ : إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتاً، فقال لي: من يمنعك؟ قلت: الله، فها هو ذا جالس ثم لم يعاقبه رسول الله ﷺ )) ، فقد بينت هذه الرواية أن هذا القدر لم يحضره الصحابة، وإنما سمعوه من النبي ﷺ بعد أن دعاهم واستيقظوا، ووقع في رواية أخرى للبخاري بعد قوله: قلت الله فشام السيف، والمراد أغمده وكان الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم وعرف أنه حيل بينه وبين تحقق صدقه وعلم أنه لا يصل إليه فألقى السلاح، وأمكن من نفسه (فغمد السيف) بفتح الميم المخففة وتشدد أي أدخله في غلافه، وفي صحيح مسلم: فأغمد أي من الإغماد (وعلقه) أي في مكانه، ووقع في رواية ابن إسحاق بعد قوله: قال الله فدفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه النبي ﷺ فقال: من يمنعك أنت مني؟ قال: لا أحد، قال: قم فاذهب لشأنك، فلما ولى قال: أنت خير مني، فقال ﷺ : أنا أحق بذلك، ثم أسلم بعد، وفي لفظ: قال: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام، ويجمع بين قوله: ((فها هو ذا جالس ثم لم يعاقبه)) وبين رواية ابن إسحاق بأن قوله: ((فاذهب لشأنك)) كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته، فمن عليه لشدة رغبة النبي ﷺ في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام ولم يؤاخذه بما صنع بل عفا عنه، وقد تقدم أنه أسلم بعد ذلك وأنه رجع إلى قومه واهتدى به خلق كثير. (قال) أي جابر (فنودي) أي أذن وأقيم للظهر (فصلى بطائفة ركعتين) ثم سلم وسلموا (ثم تأخروا) أي إلى جهة العدو (وصلى) وفي مسلم: فصلى أي النبي ﷺ متنفلاً (بالطائفة الأخرى) التي كانت في جهة العدو بعد مجيئها إليه – ﵊ – (ركعتين) ثم سلم وسلموا (قال) أي جابر (فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات) أي بتسليمتين فرضاً ونفلاً (وللقوم ركعتان) فرضاً، واستدل به على جواز صلاة المفترض
стр. 1978
متفق عليه.
ــ
خلف المتنفل، كذا قرره النووي في شرح مسلم جمعاً بينه وبين حديث جابر الآتي في الفصل الثاني، وحديث أبي بكرة قال: ((صلى النبي ﷺ في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو، فصلى ركعتين ثم سلم، وانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين ثم سلم ... )) الحديث، أخرجه أبوداود والنسائي وابن حبان وغيرهم بإسناد صحيح، قال الزيلعي في نصب الراية (ج٢ ص٢٤٦) حديث أبي بكرة صريح في أنه – ﵊ – سلم من الركعتين، وحديث جابر ليس صريحاً، فلذلك حمله بعضهم على حديث أبي بكرة، ومنهم النووي، ومنهم من لم يحمله عليه، ومنهم القرطبي، وقال في (ج٢ ص٥٦) لفظ الصحيحين من حديث جابر قد يفهم منه أنه لم يسلم من الركعتين، وهو الأقرب، كما فهمه القرطبي في شرح مسلم. وقد يفهم منه أنه سلم من الركعتين ويفسره حديث أبي بكرة كما فهمه النووي، بل قد جاء مفسراً من رواية جابر أنه سلم من الركعتين، كما رواه البيهقي في المعرفة من طريق الشافعي. قلت: الأقرب عندي هو ما فهمه النووي، بل هو المتعين لحديث أبي بكرة، وهو حديث صحيح، ولرواية جابر المفسرة عند النسائي وابن خزيمة والدارقطني والبيهقي، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، قال الزيلعي: وعلى كل حال فالاستدلال على الحنفية بحديث جابر صحيح وإن لم يسلم من الركعتين؛ لأن فرض المسافر عندهم ركعتان والقصر عزيمة، فإن صلى المسافر أربعاً وقعد في الأولى صحت صلاته وكانت الأخريان له نافلة، وقد ذهل عن هذا جماعة من شراح الحديث، ومنهم النووي، وقالوا: لا يحسن الاستدلال عليهم إلا بحديث أبي بكرة أو بحديث جابر على تقدير أنه سلم في الركعتين – انتهى. وقد رد بمثل ذلك ابن حزم في المحلى (ج٤ ص٢٢٨) ، فارجع إليه إن شئت، ويأتي بقية الكلام في شرح حديث جابر في الفصل الثاني، ثم الكيفية المذكورة في حديث جابر مخالفة للكيفية التي في حديث يزيد بن رومان، مع أن الموضع واحد، وذلك لاختلاف الزمان، فيحمل على أنه – ﵊ – صلى في هذا الموضع مرتين، مرة كما رواه يزيد بن رومان، ومرة كما رواه جابر، أو يحمل على تعدد غزوة ذات الرقاع، فقد قيل: إنها وقعت مرتين: مرة في السنة الخامسة، ومرة في السنة السابعة، والله أعلم. (متفق عليه) فيه نظر، فإن البخاري لم يسنده في صحيحه أصلاً، بل ذكره معلقاً في المغازي في غزوة ذات الرقاع، فقال: وقال أبان: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال: ((أقبلنا ... )) الحديث، ورواه أيضاً متصلاً بإسناده لكن لم يذكر فيه قصة الصلاة، ووهم مجد الدين ابن تيمية في المنتفى حيث قال بعد ذكره باللفظ المذكور: متفق عليه. قال الزيلعي (ج٢ ص٢٤٦) : لم يصل البخاري سنده به، ووهم شيخنا علاء الدين مقلداً لغيره فقال: أخرجاه، وقد نص على ذلك الحميدي، وعبد الحق في كتابيهما الجمع بين الصحيحين، مع أن البخاري وصل سنده به في مواضع لكن ليس فيه قصة الصلاة، قال: ووهم
стр. 1979
١٤٣٧- (٥) وعنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصففنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعاً، ثم ركع وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود،
ــ
النووي في الخلاصة، فذكره باللفظ المذكور وقال: متفق عليه – انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٣ ص٣٦٤) ، والبيهقي (ج٣ ص٢٥٩) .
١٤٣٧- قوله (وعنه) أي عن جابر (قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف) في صحيح مسلم قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف (فصففنا) وفي بعض النسخ من صحيح مسلم ((فصفنا)) (خلفه) أي خلف رسول الله ﷺ (صفين والعدو بيننا وبين القبلة) قد ورد في رواية لمسلم عن جابر تعيين القوم الذين حاربوهم، ولفظها: ((غزونا مع رسول الله ﷺ قوماً من جهينة، فقاتلونا قتالاً شديداً، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليه ميلة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر قال: صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة ... )) الحديث، وروى أحمد وأبوداود والنسائي والبيهقي وابن حبان وصححه من حديث أبي عياش الزرقي مثل حديث جابر، وزاد تعيين محل الصلاة أنها كانت بعسفان، فالظاهر أن جابراً روى القصتين معاً، أي قصة صلاة الخوف بغزوة ذات الرقاع وكان العدو فيها في غير جهة القبلة، وقصة الخوف بغزوة عسفان، وكان العدو فيها وجاه القبلة، والله تعالى أعلم. (فكبر النبي ﷺ ) أي للتحريم (وكبرنا جميعاً) أراد به الصفين (ثم ركع) أي بعد القراءة (ثم انحدر بالسجود) أي انهبط إليه وانخفض له، وقال القاري: أي نزل متلبساً بالسجود أو بسببه (والصف الذي يليه) أي وانحدر الصف الذي يقرب منه، وهو عطف على الضمير المتصل من دون تأكيد؛ لأنه قد وقع الفصل، والإفراد باعتبار لفظ الصف المراد به القوم (وقام) أي بقي قائماً (الصف المؤخر) أي الذين تأخروا للحراسة لمن أمامهم في سجودهم (في نحر العدو) أي في مقابلتهم، ونحر كل شيء أوله (فلما قضى النبي ﷺ السجود) أي أداه، والمعنى: فلما فرغ من السجدتين (وقام الصف الذي يليه) يعني رفعوا رؤوسهم من السجود، وقاموا معه – ﵊ – (انحدر الصف المؤخر بالسجود) أي سجد الآخرون الذين كانوا خلف الصف
стр. 1980
ثم قاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود، والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعاً)) .
ــ
الأول (ثم) أي لما فرغوا من سجدتهم (قاموا) وفي مسلم: وقاموا (ثم تقدم الصف المؤخر) ووقفوا مكان الصف الأول، أي بعد أن استووا مع الأولين في القيام خلفه ﷺ في الركعة الثانية (وتأخر المقدم) قيل: الحكمة في التقدم والتأخر حيازة فضيلة المعية في الركعة الثانية جبراً لما فاتهم من المعية في الركعة الأولى (ثم ركع النبي ﷺ ) أي قام وقرأ الفاتحة والسورة ثم ركع، قاله الطيبي. (الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى) صفة ثانية للصف، وقدر ابن حجر لفظ "وهو" قبل هذا الموصول الثاني (وقام الصف المؤخر) هو الذي كان مقدماً في الركعة الأولى (في نحر العدو) وفي بعض النسخ من صحيح مسلم: في نحور العدو أي بلفظ الجمع (انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعاً) وفي رواية لمسلم: فلما سجد الصف الثاني، ثم جلسوا جميعاً سلم عليهم رسول الله ﷺ . والحديث دليل على أنه إذا كان العدو في جهة القبلة فإنه يخالف ما إذا لم يكن كذلك، فإنها تمكن الحراسة مع دخولهم جميعاً في الصلاة، وذلك أن الحاجة إلى الحراسة إنما تكون في حال السجود فقط؛ لأن حال الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدو، فيتابعون الإمام جميعاً في القيام والركوع، ويحرس الصف المؤخر في حال السجدتين بأن يتركوا المتابعة للإمام، ثم يسجدون عند قيام الصف الأول، ويتقدم الصف المؤخر إلى محل الصف المقدم، ويتأخر المقدم ليتابع المؤخر الإمام في السجدتين الأخيرتين، فيصح مع كل من الطائفين المتابعة في سجدتين، قال النووي: وحديث ابن عباس – عند البخاري وغيره – نحو حديث جابر، لكن ليس فيه تقدم الصف وتأخر الآخر، وبهذا الحديث قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبويوسف إذا كان العدو في جهة القبلة، ويجوز عند الشافعي تقدم الصف الثاني وتأخر الأول كما في رواية جابر، ويجوز بقاءهما على حالهما، كما هو ظاهر حديث ابن عباس – انتهى. والصفة المذكورة في حديث جابر لا توافق ظاهر الآية، ولا توافق الرواية الأولى عن ابن عمر، ولا رواية يزيد بن رومان، ولا رواية جابر في غزوة ذات الرقاع إلا أنه قد يقال: إنها تختلف الصفات باختلاف الأحوال، وقال الطحاوي: ليس هذا
стр. 1981
رواه مسلم.
﴿الفصل الثاني﴾
١٤٣٨- (٦) عن جابر أن النبي ﷺ كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخل، فصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، ثم جاء طائفة أخرى، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم.
ــ
بخلاف القرآن لجواز أن يكون قوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى﴾ [النساء: ١٠٢] إذا كان العدو في غير القبلة، وذلك ببيانه ﷺ ثم بين كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة، والله أعلم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣ ص٣١٩) ، والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٢٥٧) .
١٤٣٨- قوله (كان) قال القاري: ليس للاستمرار، بل لمجرد الربط والدلالة على المضي (يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف) أي في حالة الخوف (ببطن نخل) بفتح النون وسكون الخاء المعجمة، وهو موضع من المدينة على يومين، وهو بواد يقال له "شدخ" بالشين المعجمة والدال المهملة والخاء المعجمة، وفيه طوائف من قيس وبني فزارة وأشجع وأنمار، وقال ابن حجر: اسم موضع بين مكة والطائف، ذكره القاري، وغفل من قال إن المراد نخل بالمدينة، واستدل به على مشروعية صلاة الخوف في الحضر، وليس كما قال؛ لأنه لم يحفظ عنه – ﵇ – أنه صلى صلاة خوف قط في حضر، ولم يكن له حرب قط في حضر إلا يوم الخندق، ولم يكن آية الخوف نزلت بعد، فالصحيح أن المراد به موضع من نجد من أراضي غطفان كما تقدم، (فصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم) هذا صريح في أنه – ﵇ – سلم من الركعتين، ومثله حديث أبي بكرة عند أبي داود والنسائي وغيرهما، وقد تقدم (ثم جاء طائفة أخرى، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم) فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات بتسليمتين فرضاً ونفلاً، ولكل طائفة ركعتان ركعتان فرضاً، وبهذا قال الحسن والشافعي وأحمد، قال القاري: لا إشكال في ظاهر الحديث على مقتضى مذهب الشافعي، فإنه محمول على حالة القصر، وقد صلى بالطائفة الثانية نفلاً، وعلى قواعد مذهبنا مشكل جداً، فإنه لو حمل على السفر لزم اقتداء المفترض خلف المتنفل، وهو غير صحيح عندنا، فلا يحمل عليه فعله – ﵊، وإن حمل على الحضر يأباه السلام على رأس كل ركعتين، اللهم إلا أن يقال: هذا من خصوصياته، وأما القوم فأتموا ركعتين أخريين بعد سلامه، واختار الطحاوي أنه كان في وقت كانت الفريضة تصلى مرتين – انتهى كلام القاري، قلت: لا شك أن الحديث مشكل على الحنفية جداً، وقد عجزوا عن جوابه، ولذلك قال السندي: فيه اقتداء المفترض بالمتنفل، ولم أر لهم عنه جواباً شافياً – انتهى. فأما قولهم: إن هذا خاص برسول الله ﷺ لفضيلة الصلاة خلفه، فإن في الائتمام به من البركة في
стр. 1982
رواه في شرح السنة.
﴿الفصل الثالث﴾
١٤٣٩- (٧) عن أبي هريرة، ((أن رسول الله ﷺ نزل بين ضجنان وعسفان،
ــ
النافلة ما ليس في الائتمام بغيره في الفريضة، ففيه أنه لا يثبت الخصوص بالادعاء، وقد قال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ، وأمرنا باتباعه، فما ثبت في حقه ثبت فيه حقنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به، وأما قول الطحاوي: إنه يجوز أن يكون ذلك كان من رسول الله ﷺ ، والفريضة حينئذٍ تصلى مرتين، فيكون كل واحدة منهما فريضة، وقد كان ذلك يفعل في أول الإسلام ثم نسخ، ففيه أنه يرده ما قال ابن حزم في المحلى (ج٤ ص٢٢٧) فهذا آخر فعل رسول الله ﷺ ؛ لأن أبابكرة شهده، وإنما كان إسلامه يوم الطائف بعد فتح مكة وبعد حنين، ولم يغز – ﵇ – بعد الطائف غير تبوك فقط، وأيضاً قد روى ابن حزم بسنده (ج٤ ص٢٢٦) عن أبي بكرة أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصلى بالذين خلفه ركعتين، والذين جاءوا بعد ركعتين، فكانت للنبي ﷺ أربعاً ولهؤلاء ركعتين، وأجاب بعضهم بأن المراد بالسلام السلام الذي في التشهد، وهو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وهذا غني عن الرد لكونه ظاهر البطلان، فإن المتبادر منه سلام التحلل من الصلاة، وهو المعروف، وهو الذي يدل عليه سياق الروايات في ذلك فالحمل عليه متعين. (رواه) أي البغوي صاحب المصابيح (في شرح السنة) وأخرجه أيضاً النسائي والشافعي في كتاب الأم (ج١ ص١٥٣) ، والدارقطني (ص١٨٦-١٨٧) ، وابن خزيمة والبيهقي في المعرفة وفي السنن (ج٣ ص٢٥٩) كلهم من طريق الحسن عن جابر، وقال البزار: روى الحسن عن جابر بن عبد الله أحاديث، ولم يسمع منه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي سمع الحسن عن جابر؟ قال: ما أرى، ولكن هشام بن حسان يقول عن الحسن ثنا جابر، وأنا أنكر هذا، إنما الحسن عن جابر كتاب، مع أنه أدرك جابراً – انتهى. قلت: وذلك لا يقتضي الانقطاع، وأخرج ابن جرير وأحمد والطحاوي (ج١ ص١٨٧) من طريق قتادة عن سليمان اليشكري عن جابر مثله، وأشار إليه أبوداود في السنن، ونقل الحافظ عن البخاري وابن معين أن قتادة لم يسمع من اليشكري.
١٤٣٩- قوله (نزل بين ضجنان) بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم وبنونين بينهما ألف، قال الجزري: هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة (عسفان) بضم مهملة أولى وسكون ثانية، موضع على مرحلتين من مكة، قاله في القاموس، وقال الجزري: هي قرية جامعة بين مكة والمدينة – انتهى. وزاد النسائي: محاصراً
стр. 1983
فقال المشركون: لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم، فتميلوا عليهم ميلة واحدة، وإن جبريل أتى النبي ﷺ فأمره أن يقسم أصحابه شطرين، فيصلي بهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، فتكون لهم ركعة، ولرسول الله ﷺ ركعتان)) ، رواه الترمذي والنسائي.
ــ
المشركين (فقال المشركون) أي بعضهم لبعض (لهؤلاء) أي للمسلمين (من آبائهم وأبنائهم) وفي النسائي: من أبنائهم وأبكارهم (وهي العصر) لما وقع من تأكيد المحافظة على مراعاتها في قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ، (فأجمعوا) بفتح الهمزة وكسر الميم من الإجماع (أمركم) أي أمر القتال، والمعنى فأعزموا عليه (فتميلوا) بالنصب على جواب الأمر أي فتحملوا، ولفظ الترمذي: فميلوا، وعند النسائي: ثم ميلوا أي بصيغة الأمر (وإن جبريل أتى النبي ﷺ ) قال الطيبي: حال من قوله ((فقال المشركون)) على نحو جاء زيد والشمس طالعة (شطرين) أي نصفين، كما في رواية النسائي، وفي بعض النسخ من سنن النسائي: بصفين (فيصلي) بالنصب (بهم) وفي رواية النسائي: فيصلي بطائفة منهم (وتقوم) بالنصب (طائفة أخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) وفي رواية النسائي: وطائفة مقبلون على عدوهم قد أخذوا حذرهم وأسلحتهم، قال الطيبي: أي ما فيه الحذر، وفي الكشاف: جعل الحذر، وهو التحرز والتيقظ، آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ دلالة على التيقظ التام والحذر الكامل، ومن ثَمَّ قدمه على أخذ الأسلحة (فتكون لهم) أي لكل طائفة منهم (ركعة) وقع في الترمذي والنسائي لفظ "ركعة" مكرراً أي مع النبي ﷺ ، ويصلي كل طائفة منهم ركعة أخرى لأنفسهم؛ لتكون لكل منهما ركعتان، وقال قوم: هو محمول على ظاهره، وعدوه من خصائص صلاة الخوف (ولرسول الله ﷺ ركعتان) تابعه في الركعة الأولى الطائفة الأولى، وفي الثانية الطائفة الأخرى، ولا يخفى أن قوله "فتكون لهم ركعة، ولرسول الله ركعتان" لا يصح ترتبه على ما وقع في المشكاة قبله من لفظ الحديث، ووقع عند الترمذي قبل ذلك، ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة واحدة، ولفظ النسائي: ثم يتأخر هؤلاء، ويتقدم أولئك، فيصلي بهم ركعة، تكون لهم مع النبي ﷺ ركعة ركعة ... الخ، والظاهر أن المصنف ذكر ذلك السياق تقليداً لما نقله الجزري في جامع الأصول (ج٦ ص٤٧٣-٤٧٤) ، ولم يراجع جامع الترمذي والنسائي، ولم يتأمل في ما في السياق المذكور من الخلل، والله تعالى أعلم. (رواه الترمذي) في تفسير سورة النساء وصححه (والنسائي) في الصلاة، وأخرجه أيضاً أحمد وابن جرير، كلهم من طريق عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة،
стр. 1984
(٤٧) باب صلاة العيدين
ــ
وأشار إليه أبوداود في "باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون"، فقال بعد رواية حديث حذيفة بلفظ: ((فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا)) ، وكذا رواه عبيد الله بن عبد الله ومجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، وعبد الله بن شقيق عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ... الخ. تنبيه: قال الحافظ: لم يقع في شيء من الأحاديث المروية في صلاة الخوف تعرض لكيفية صلاة المغرب، وقد أجمعوا على أنه لا يدخلها قصر، واختلفوا هل الأولى أن يصلي بالأولى ثنتين والثانية واحدة أو العكس – انتهى كلام الحافظ، قلت: روى الدارقطني (ص١٨٧) ، والحاكم (ص٣٣٧) ، والبيهقي (ج٣ ص٢٦٠) من طريق عمرو بن خليفة البكراوي عن الأشعث بن عبد الملك عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي ﷺ صلى بالقوم في الخوف صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات، قال الحاكم: سمعت أباعلي الحافظ يقول: هذا حديث غريب، قال الحاكم: وإنه صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، وقال أبوداود بعد رواية حديث أبي بكرة في صلاة الخوف في الظهر: وكذلك في المغرب، يكون للإمام ست ركعات، وللقوم ثلاثاً ثلاثاً، وهذا يدل على أنه ليس عنده في المغرب إلا القياس، قال الشوكاني: وهو قياس صحيح، وقال البيهقي بعد ذكر كلام أبي داود هذا: وقد رواه بعض الناس عن أشعث في المغرب مرفوعاً، ولا أظنه إلا واهماً في ذلك، ثم ذكر الحديث من الطريق المذكور، وقد تفرد بروايته عمرو بن خليفة البكراوي، وقال في اللسان في ترجمته: ربما كان في روايته بعض المناكير، وذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه، وارجع لاختلاف العلماء في كيفية صلاة المغرب في الخوف إلى المغني (ج٢ ص٤١٠-٤١١) .
(باب صلاة العيدين) أي الفطر والأضحى، وأصل العيد عود؛ لأنه مشتق من عاد يعود عوداً، هو الرجوع، قلبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها، كما في الميزان والميقات، وجمعه أعياد للزوم الياء في الواحد أو للفرق بينه وبين أعواد الخشب، وسميا عيدين لكثرة عوائد الله تعالى فيهما، أو لأنهم يعودون إليهما مرة بعد أخرى، أو لتكرارهما وعودهما كل عام، أو لعود السرور بعودهما، قال في الأزهار: كل اجتماع للسرور فهو عند العرب عيد، يعود السرور بعوده، وقيل: لأن الله تعالى يعود على العباد بالمغفرة والرحمة، وقيل: تفاؤلاً بعوده على من أدركه، كما سميت القافلة تفاؤلاً برجوعها، وقيل: لعود بعض المباحات فيهما واجباً كالفطر، وقيل: لأنه يعاد فيهما التكبيرات مرات، والله تعالى أعلم. وارجع لحكمة مشروعيتهما إلى حجة الله البالغة (ج٢ ص٢٣) لمحدث الهند الشاه ولي الله الدهلوي، فإنه قد بسط الكلام فيها فأجاد وأحسن، واتفقوا على أن أول عيد صلاة النبي ﷺ عند الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي التي فرض رمضان في شعبانها، ثم داوم عليه
стр. 1985
﴿الفصل الأول﴾
١٤٤٠- (١) عن أبي سعيد الخدري قال: ((كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى،
ــ
النبي ﷺ إلى أن توفاه الله عزوجل، وقيل: شرع عيد الأضحى أيضاً في السنة الثانية من الهجرة، واختلفوا في حكم صلاة العيدين؛ قال المرتضى الزبيدي الحنفي في شرح الإحياء: قال أصحابنا: صلاة العيدين واجبة على من تجب عليه الجمعة نصاً عن أبي حنيفة في روايته على الأصح، وبه قال الأكثرون، وهو المذهب، ونقل ابن هبيرة في الإفصاح رواية ثانية عن الإمام بأنها سنة، قال ابن عابدين: الأول قول الأكثرين، كما في المجتبى ونص على تصحيحه في الخانية والبدائع والهداية والمحيط والمختار والكافي وغيرهما – انتهى. ورجح السرخسي في المبسوط كونها سنة، وقال مالك والشافعي: سنة مؤكدة لرواية الأعرابي إلا أن تطوع، وقال أحمد: هي فرض على الكفاية كالجنائز إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، والراجح عندي ما ذهب إليه أبوحنيفة من أنها واجبة على الأعيان لقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢] ، والأمر يقتضي الوجوب، ولمداومة النبي ﷺ على فعلها من غير ترك، ولأنها من أعلام الدين الظاهرة، فكانت واجبة، ولا يخالف ذلك حديث الأعرابي؛ لأن المراد نفي وجوب ما عدا الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، وصلاة العيد ليست مما تجب وتتكرر في كل يوم وليلة. واختلفوا في شروطها، فقال الحنفية: يشترط لها جميع ما يشترط للجمعة وجوباً وأداءً إلا الخطبة، فإنها ليست بشرط لها، بل هي سنة بعدها، وأجاز مالك والشافعي أن يصليها منفرداً من شاء من الرجال والنساء والعبيد والمسافرين، وعن أحمد روايتان كالقولين، كما في المغني (ج٢ ص٣٩٢-٣٩٣) ، والمرجح عند الحنابلة هو القول الأول، والراجح عندي هو ما ذهب إليه مالك والشافعي لعدم ما يدل على ما ذهب إليه الحنفية من كون شروط الجمعة شروطاً للعيد، والله تعالى أعلم.
١٤٤٠- قوله (يخرج يوم الفطر والأضحى) أي يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى (إلى المصلى) أي مصلى العيد، وهو موضع معروف خارج باب المدينة، بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، قاله عمر بن شبة في أخبار المدينة عن أبي غسان الكتاني صاحب مالك، واستدل به على استحباب الخروج إلى الصحراء لأجل صلاة العيد، وأن ذلك أفضل من صلاتها في المسجد ولو كان واسعاً، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة والمالكية، وقال الشافعية: فعلها في المسجد الحرام وبيت المقدس أفضل من الصحراء تبعاً للسلف والخلف، ولشرفهما ولوسعهما وفعلها في سائر المساجد إن اتسعت أولى؛ لأنها خير البقاع وأطهرها، ولسهولة الحضور إليها، فلو صلى في الصحراء كان تاركاً للأولى، قال الشافعي في الأم: بلغنا أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة، وكذا من بعده إلا من عذر مطر ونحوه، وكذلك عامة أهل البلدان إلا أهل مكة،
стр. 1986
فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم،
ــ
ثم أشار إلى أن سبب ذلك سعة المسجد وضيق أطراف مكة، قال: فلو عمر بلد فكان مسجد أهله يسعهم في الأعياد لم أر أن يخرجوا منه، فإن كان لا يسعهم كرهت الصلاة فيه ولا إعادة، قال الحافظ: ومقتضى هذا أن العلة تدور على السعة والضيق لا لذات الخروج إلى الصحراء؛ لأن المطلوب حصول عموم الاجتماع، فإذا حصل في المسجد مع أفضليته كان أولى – انتهى. قال الشوكاني: وفيه أن كون العلة الضيق والسعة مجرد تخمين لا ينتهض للاعتذار عن التأسي به ﷺ في الخرج إلى الجبنانة بعد الاعتراف بمواظبته ﷺ على ذلك. وأما الاستدلال على أن ذلك هو العلة بفعل الصلاة في مسجد مكة فيجاب عنه باحتمال أن يكون ترك الخروج إلى الجبانة لضيق أطرف مكة لا للسعة في مسجدها – انتهى. والراجح عندي ما ذهب إليه الحنفية من أن الخروج إلى الصحراء أفضل ولو كان مسجد البلد واسعاً؛ لأنه قد واظب النبي ﷺ على الخروج إلى الجبانة وترك المسجد، وكذلك الخلفاء بعده، ولا يترك النبي ﷺ الأفضل مع قربه، ويتكلف فعل الناقص مع بُعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل، ولأننا قد أمرنا باتباع النبي ﷺ والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلى العيد بمسجده إلا من عذر كما سيأتي؛ ولأن هذا إجماع المسلمين، فإن الناس في كل عصر ومصر يخرجون إلى المصلى، فيصلون العيد في المصلى مع سعة المسجد وضيقه، وكان النبي ﷺ يصلي في المصلى مع شرف مسجده، وصلاة النفل في البيت أفضل منها في المسجد مع شرفه. (فأول شيء يبدأ) أي النبي ﷺ (به الصلاة) برفع "أول" على أنه مبتدأ، وقوله "الصلاة" خبره، ولفظ "أول" وإن كان نكرة فقد تخصص بالإضافة، والأولى جعل أول خبراً مقدماً والصلاة مبتدأ؛ لأنه معرفة وإن تخصص أول، فلا يخرج عن التنكير، وجملة "يبدأ به" في محل الجر صفة لشيء. وفيه أن السنة تقديم الصلاة على الخطبة، وسيأتي الكلام عليه مبسوطاً (ثم ينصرف) أي من الصلاة (فيقوم مقابل الناس) بكسر الباء حال أي مواجهاً لهم، وفي رواية ابن حبان: فينصرف إلى الناس قائماً في مصلاه، ولابن خزيمة في رواية مختصرة خطب يوم علي على رجليه، وهذا مشعر بأنه لم يكن إذ ذاك في المصلى منبر، وفيه أن السنة كون الخطبة على الأرض عن قيام في المصلى، والفرق بينه وبين المسجد أن المصلي يكون بمكان فيه فضاء فيتمكن من رؤيته كل من حضر بخلاف المسجد، فإنه يكون في مكان محصور فقد لا يراه بعضهم، ووقع في آخر الحديث ما يدل على أن أول من خطب الناس في المصلى على المنبر مروان، وسيأتي الكلام عليه في آخر الباب (والناس جلوس) جملة اسمية حالية، و"جلوس" جمع جالس (على صفوفهم) أي مستقبلين له على حالتهم التي كانوا في الصلاة عليها (فيعظهم) أي يخوفهم عواقب الأمور، وقيل: يذكرهم بالعواقب بشارة مرة، ونذارة
стр. 1987
ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف)) متفق عليه.
١٤٤١- (٢) وعن جابر بن سمرة قال: ((صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة)) .
ــ
أخرى، وبالوعد في الثواب، وبالوعيد في العقاب لئلا يستلذهم فرط السرور في هذا اليوم، فيغفلون عن الطاعة ويقعون في المعصية، وقيل: ينذرهم ويخوفهم ليتقوا من عقاب الله (ويوصيهم) بسكون الواو، وقيل: من التوصية أي بالتقوى لقوله تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ [النساء: ١٣١] ، وقيل: أي بما تنبغي الوصية به، وقيل: أي في حق الغير لينصحوا له، وقيل: بإدامة الطاعات، والتحرز عن السيئات، وبرعاية حقوق الله وحقوق عباده، ومنها النصح التام لكل مسلم (ويأمرهم) أي وينهاهم يعني بما يظهر له من الأمر والنهي المناسب للمقام فيكون الاختصار على يأمرهم من باب الاكتفاء. وقيل: يأمرهم بالحلال وينهاهم عن الحرام (وإن كان يريد) أي في ذلك الوقت (أن يقطع) أي يرسل (بعثاً) بفتح الباء وسكون العين مصدر بمعنى المبعوث يعني طائفة من الجيش إلى جهة من الجهات للغزو (قطعه) أي أرسله، وقيل: "قطعه" بمعنى وزعه على القبائل وقسمه بأن يقول يخرج من بني فلان كذا، ومن بني فلان كذا، وفي النهاية: أي لو أراد أن يفرد قوماً من غيرهم يبعثهم إلى الغزو لأفردهم وبعثهم (أو يأمر) بالنصب (بشيء) أي وإن كان يريد أن يأمر بشيء مما يتعلق بالبعث وقطعه من الحرب والاستعداد لها، وليس هذا بتكرار؛ لأن معناه غير معنى الأول على ما لا يخفى (أمر به) أي لأمر بما أراد به الأمر (ثم ينصرف) أي ثم هو يرجع إلى بيته (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، وفي آخره: فقال أبوسعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان، وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال: يا أباسعيد! قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة – انتهى. وأصل الحديث أخرجه أحمد والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٢٨٠) وغيرهم.
١٤٤١- قوله (صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين) قال الطيبي: حال أي كثيراً (بغير أذان ولا إقامة) فيه دليل على عدم شرعية الأذان والإقامة في صلاة العيدين، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن لا يؤذن لصلاة العيدين ولا لشيء من النوافل، وقال العراقي: وعليه
стр. 1988
رواه مسلم.
١٤٤٢- (٣) وعن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ وأبوبكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة.
ــ
عمل العلماء كافة، وقال ابن قدامة في المغني (ج٢ ص٣٧٨) : ولا نعلم في هذا خلافاً لمن يعتد بخلافه إلا أنه روي عن ابن الزبير أنه أذن وأقام، وقيل: أول من أذن في العيدين ابن زياد – انتهى. وروى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح قال: أول من أحدث الأذان في العيد معاوية، وقد زعم ابن العربي أنه رواه عن معاوية من لا يوثق به، قال ابن قدامة: وقال بعض أصحابنا: ينادى لها الصلاة جامعة، وهو قول الشافعي، وسنة رسول الله ﷺ أحق أن يتبع – انتهى. قلت: استدل الشافعي لذلك بما روى عن الثقة عن الزهري أنه ﷺ كان يأمر المؤذن في العيدين فيقول: الصلاة جامعة، قال الحافظ: وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة الكسوف لثبوت ذلك فيها – انتهى. قال الأمير اليماني: وفيه تأمل، قلت: ويخالفه ما روى مسلم عن عطاء عن جابر قال: لا أذان للصلاة يوم العيد ولا إقامة ولا شيء، فإن هذا يدل على أنه لا يقال أمام صلاتها شيء من الكلام، قال الزبيدي: والاعتبار في ذلك أنه لما توفرت الدواعي على الخروج في هذا اليوم إلى المصلى من الصغير والكبير سقط حكم الأذان والإقامة؛ لأنهما للإعلام لتنبيه الغافل، والتهيؤ ههنا حاصل، فحضور القلب مع الله يغني عن إعلام الملك بلمته الذي هو بمنزلة الأذن والإقامة للإسماع، والذي أحدثه معاوية مراعاة للنادر، وهو تنبيه الغافل، فإنه ليس ببعيد أن يغفل عن الصلاة بما يراه من اللعب – انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والترمذي والبيهقي (ج٣ ص٢٨٤) .
١٤٤٢- قوله (كان رسول الله ﷺ وأبوبكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة) قال التوربشتي: ذكر الشيخين مع النبي ﷺ فيما يقرره من السنة إنما يكون على وجه البيان لتلك السنة بأنها ثابتة معمول بها قد عمل الشيخان بها بعده، ولم ينكر عليهما ولم يغير، وكان ذلك بمحضر من مشيخة أصحاب النبي ﷺ ، وليس ذكرهما على سبيل الاشتراك في التشريع معاذ الله أن يظن فيه ذلك – انتهى. قلت: روى الجماعة إلا الترمذي عن ابن عباس قال: شهدت العيد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة، وفي الحديثين دليل على أن تقديم صلاة العيد على الخطبة هو الأمر الذي داوم عليه النبي ﷺ وخلفاؤه، واستمروا على ذلك، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن صلاة العيدين قبل الخطبة، وقيل: إن أول من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكم، وقال ابن قدامة (ج٢ ص٣٨٤) : لا نعلم فيه خلافاً بين المسلمين إلا عن بني أمية، وروي عن عثمان وابن الزبير أنهما فعلاه، ولم يصح ذلك عنهما.
стр. 1989
......................
ــ
ولا يعتد بخلاف بني أمية؛ لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنة رسول الله ﷺ الصحيحة، وقد أنكر عليهم فعلهم، وعد بدعة ومحالفاً للسنة – انتهى. فلو خطب قبل الصلاة فهو كمن لم يخطب؛ لأنه خطب في غير محل الخطبة فيعيد الخطبة بعد الصلاة فإن لم يفعل صحت الصلاة، وقد أساء لترك السنة، وإليه ذهب المالكية والحنابلة، قال الباجي: وما روي عن أبي سعيد من إنكاره على مروان تقديم الخطبة إنما كان على وجه الكراهة، ولذلك شهد مع مروان العيد، ولو كان أمراً محرماً أو شرطاً في صحة الصلاة لما شهده، وحكى القاري عن ابن الهمام لو خطب قبل الصلاة خالف السنة، ولا يعيد الخطبة، وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنها بعد الصلاة، ولا يجزئ التقديم، وأما الصلاة فصحيحة اتفاقاً – انتهى. وفي مختصر المزني عن الشافعي ما يدل على عدم الاعتداد بالصلاة مع تقديم الخطبة، وكذا قال النووي في شرح المهذب: إن ظاهر نص الشافعي أنه لا يعتد بها، وقال: وهو الصواب، وهذا يدل على أن تقديم الخطبة على صلاة العيد حرام عند الشافعي، وهو مذهب الشافعية، كما هو مصرح في كتب فروعهم، قيل: وجه الفرق بين الجمعة وغيرها في تقديم الخطبة وتأخيرها أن خطبة الجمعة فريضة، فلو قدمت الصلاة على الخطبة ربما يتفرق جماعة من الناس إذا صلوا الصلاة، ولا ينتظرون الخطبة فيأثمون، وأما خطبة العيد فسنة، فلو صلى بعض القوم فلم ينتظروا استماع الخطبة لا إثم عليهم، واختلف في أول من خطب قبل الصلاة، فروي عن عمر أنه فعل ذلك، قال عياض ومن تبعه كابن العربي والعراقي: لا يصح عنه، قال الحافظ: وفيما قالوه نظر؛ لأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة روياه جميعاً بإسناد صحيح، لكن يعارضه حديث ابن عباس وحديث ابن عمر المذكوران، فإن جمع بوقوع ذلك منه نادراً، وإلا فما في الصحيحين أصح، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم يعني على العادة، فرأى ناساً لم يدركوا الصلاة، ففعل ذلك أي صار يخطب قبل الصلاة، قال الحافظ: يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحياناً، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري قال: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية، وروى مسلم عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، وقد أخرج الشافعي عن عبد الله بن يزيد نحو حديث ابن عباس المذكور، وزاد: حتى قدم معاوية فقدم الخطبة، فهذا يشير إلى أن مروان إنما فعل ذلك تبعاً لمعاوية؛ لأنه كان أمير المدينة من جهته، وروى ابن المنذر عن ابن سيرين أن أول من فعل ذلك زياد بالبصرة، قال عياض: ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان؛ لأن كلاً من مروان وزياد كان عاملاً لمعاوية، فيحمل على أنه ابتدأ ذلك وتبعه عماله، والله أعلم. وقد ظهر بما قدمنا أن العلة التي ذكرت لتقديم عثمان الخطبة على الصلاة غير التي اعتل بها مروان؛ لأن عثمان راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأما مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون
стр. 1990
متفق عليه.
١٤٤٣- (٤) وسئل ابن عباس: أشهدت مع رسول الله ﷺ العيد؟ قال: نعم، خرج رسول الله ﷺ فصلى، ثم خطب،
ــ
ترك سماع خطبته لما فيها من سب من لا يستحق السب والإفراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه، قال الحافظ: يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحياناً بخلاف مروان، فواظب عليه، فلذلك نسب إليه – انتهى. وقال العراقي: الصواب أن أول فعله مروان بالمدينة في خلافة معاوية، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، قال: ولم يصح فعله عن أحد من الصحابة لا عن عمر ولا عثمان ولا معاوية ولا ابن الزبير – انتهى. وقد عرفت صحة بعض ذلك، فالمصير إلى الجمع أولى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص (٢٩٦) .
١٤٤٣- قوله (وسئل) بصيغة المجهول (ابن عباس) وعند البخاري في آخر كتاب النكاح، عن عبد الرحمن بن عابس: سمعت ابن عباس سأله رجل (أشهدت) أي أحضرت؟ وفي المصابيح: بحذف حرف الاستفهام موافقاً لما في رواية البخاري المذكورة، ووقع في بعض نسخ البخاري: هل شهدت، وفي بعض الروايات: أشهدت، بذكر همزة الاستفهام، وهكذا ذكر الجزري رواية عبد الرحمن بن عابس (ج٧ ص٩١) ، (العيد) أي صلاته (قال) أي ابن عباس (نعم) أي شهدته، وفي البخاري بعده: ولولا مكاني منه ما شهدته يعني من صغره، قال: خرج ... الخ (خرج رسول الله ﷺ ) أي إلى المصلى (فصلى) بالناس العيد (ثم خطب) فيه دليل على مشروعية خطبة العيد، وليس فيه أنها خطبتان كالجمعة، وأنه يقعد بينهما، ولم يثبت ذلك من فعله ﷺ بسند معتبر، وإنما صنعه الناس قياساً على الجمعة واستدلالاً بما روى ابن ماجه عن يحيى بن حكيم عن أبي بحر عن عبيد الله بن عمرو الرقي عن إسماعيل بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ يوم فطر أو أضحى فخطب قائماً، ثم قعد قعدة ثم قام، قال البوصيري: رواه النسائي في الصغرى من حديث جابر إلا قوله: ((يوم فطر أو أضحى)) ، وإسناد ابن ماجه فيه إسماعيل بن مسلم، وقد أجمعوا على ضعفه، وأبوبحر ضعيف – انتهى. وبما روى البزار في مسنده عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ صلى العيد بغير أذان ولا إقامة، وكان يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢ ص٢٠٣) : رواه البزار وجادة، وفي إسناده من لم أعرفه – انتهى. وقال النووي في الخلاصة: وروي عن ابن مسعود أنه قال: من السنة أن يخطب في العيدين خطبتين، فيفصل بينهما بجلوس، ضعيف غير متصل، ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء، ولكن المعتمد فيه القياس على الجمعة – انتهى.
стр. 1991
ولم يذكر أذاناً ولا إقامة، ثم أتى النساء فوعظهن، وذكرهن، وأمرهن بالصدقة، فرأيتهن يهوين إلى آذانهن وحلوقهن يدفعن إلى بلال، ثم ارتفع
ــ
(ولم يذكر) أي ابن عباس في بيان كيفية صلاته ﷺ (أذاناً ولا إقامة) وهذه الجملة معترضة (ثم أتى النساء) أي بعد الخطبة، ومعه بلال، وهذا يشعر بأن النساء كن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم (فوعظهن) أي أنذرهن العقاب أو نصحهن بالخصوص لبعدهن وعدم سماعهن الخطبة (وذكرهن) بتشديد الكاف من التذكير، تفسير لسابقه أو تأكيد له، وقيل: تأسيس والمعنى ذكرهن بالأوامر والنواهي المختصة بهن (وأمرهن بالصدقة) الظاهر أن المراد بها مطلق الصدقة، وقيل: المراد الزكاة خاصة وفيه استحباب وعظ النساء وتعليمهن أحكام الإسلام وتذكيرهن بما يجب عليهن ويستحب حثهن إلى الصدقة، وتخصيص بذلك في مجلس منفرد. ومحل ذلك كله إذا أمن الفتنة والمفسدة (يهوين) بفتح أوله وكسر الواو من الهُوِيّ وبضم أوله من الأهواء أي يقصدن (إلى آذانهن) بالمد جمع أذن، وقيل: المراد يهوين بأيديهن إلى آذانهن أي يمددن أيديهن إليها (وحلوقهن) جمع حلق بفتح الحاء وسكون اللام، وهو الحلقوم أي إلى ما فيها من القرط والقلادة (يدفعن) أي حال كونهن يدفعن ما أخذن من آذانهن وحلوقهن (إلى بلال) أي بإلقائه في ثوبه، وفي رواية: يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال، أي يمددن أيديهن بالصدقة حال كونهن يرمين المتصدق به في ثوب بلال، يقال: أهوى بيده إليه أي مدها نحوه وأمالها إليه، ويقال: أهوى بيده إلى الشيء ليأخذه، أي مدّ يده إليه، وقيل: الباء زائدة. وحقيقته أهوى يده إليه أي جعلها هاوية بمعنى ذاهبة قاصدة، ثم الأقرب أن الحلي كانت ملكاً لهن، واستدل به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها، وعلى مقدار معين من مالها كالثلث خلافاً لبعض المالكية، ووجه الدلالة من القصة ترك الاستفصال عن ذلك كله، فإنه ﷺ لم يسألهن هل استأذن أزواجهن في ذلك أم لا، وهل هو خارج من الثلث أم لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل، لا يقال: إن الغالب حضور أزواجهن فتركهم الإنكار يكون رضاً بفعلهن؛ لأنا نقول: إن النساء كن معتزلات لا يعلم الرجال من المتصدقة منهن من غيرها، ولا قدر ما يتصدق به، ولو علموا فسكوتهم ليس إذناً، وقال القرطبي: ليس فيه تسليم أزواجهن لهن ذلك؛ لأن من ثبت له الحق فالأصل بقاءه حتى يصرح بإسقاطه، ولم ينقل أن القوم صرحوا بذلك – انتهى. وأما قوله ﷺ لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها، فهو محمول على الأولى، وخص منه أمر المولى، أو محمول على العطية العرفية من الهبة للأجنبية بناءً على المعاشرة الزوجية، أو على الصدقات التطوعية دون الواجبات والفرضية، وقيل: لا يقاوم هذا أحاديث الجواز فلا حاجة إلى الجمع والتوفيق (ثم ارتفع) أي ذهب وأسرع من ارتفع البعير في سيره أي أسرع
стр. 1992
هو وبلال إليه بيته)) . متفق عليه.
١٤٤٤- (٥) وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما)) .
ــ
وقال القسطلاني: أي رجع (هو) أي النبي ﷺ (وبلال إلى بيته) أي إلى بيت النبي ﷺ . وفي الحديث خروج النساء والصبيان إلى المصلى في الأعياد وإن لم يصلوا. (متفق عليه) أخرجه البخاري في مواضع بألفاظ متقاربة، واللفظ المذكور له في باب "والذين لم يبلغوا الحلم منكم" من كتاب النكاح، وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٣٠٧) .
١٤٤٤- قوله (صلى يوم الفطر) صلاة العيد (ركعتين) هو دليل على أن صلاة العيد ركعتان وهو إجماع فيمن صلى مع الإمام في الجبانة، وأما إذا فاتته صلاة الإمام فصلى وحده، فكذلك عند الأكثر، وذهب أحمد والثوري إلى أنه يصلي أربعاً، وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود من فاتته صلاة العيد مع الإمام فليصل أربعاً، وهو إسناد صحيح، وقال إسحاق: إن صلاها في الجبانة فركعتين، وإلا فأربعاً، وقال أبوحنيفة: إذا قضى صلاة العيد فهو مخير بين اثنين وأربع (لم يصل قبلهما) أي قبل الركعتين، وروي "قبلها وبعدها" بإفراد الضمير نظراً إلى الصلاة (ولا بعدهما) أي في المصلى؛ لحديث أبي سعيد الخدري أنه ﷺ كان لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين، أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه، وحسنه الحافظ في الفتح، وفي بلوغ المرام. وأما "قبل الركعتين" فيحتمل الإطلاق والتقييد. قال السندي: لم يصل قبلها أن مطلقاً أو في المصلى. وأما قوله: "ولا بعدها" فلابد من تقييده بالمصلى – انتهى. قلت: حديث أبي سعيد الخدري يشهد لكراهة الصلاة قبل الركعتين مطلقاً أي في المصلى وفي غيره؛ لأنه نفي مطلق بخلاف حديث ابن عباس فإنه أخبر أنه شاهده في المصلى لم يصل شيئاً، وقد يكون صلى في منزله، ففيه احتمال أن يكون مختصاً بالمصلى دون البيت، ولذلك قلنا: إن قوله "لم يصل قبلهما" يحتمل الإطلاق والتقييد، واختلف العلماء في التطوع قبل صلاة العيد وبعدها، فذهب أحمد إلى أنه يكره التنفل قبلها وبعدها للإمام والمأموم في موضع الصلاة سواء كان في المصلى أو المسجد، وهو مذهب ابن عباس وابن عمر، وروي ذلك عن غير واحد من الصحابة، وقال مالك: إن كانت الصلاة في المصلى فإنه لا يتنفل قبلها ولا بعدها، سواء كان إماماً أو مأموماً، وإن كانت في المسجد ففيه روايتان: إحداهما المنع كالمصلى، والأخرى يتنفل قبل الجلوس وبعد الصلاة، وقال الشافعي: يكره للإمام بعد الحضور التنفل قبلها وبعدها لاشتغاله بغير الأهم، ولمخالفة فعله ﷺ ؛ لأنه صلى عقب حضوره، وخطب عقب صلاته، وأما المأموم فلا يكره له ذلك قبلها مطلقاً
стр. 1993
متفق عليه.
١٤٤٥- (٦) وعن أم عطية قالت: ((أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين،
ــ
في غير الوقت المنهي عنه ولا بعدها إن لم يسمع الخطبة؛ لأنه لم يشتغل بغير الأهم بخلاف من يسمعها، فإنه معرض عن الخطيب بالكلية، وقال الحنفية: لا يتنفل قبلها مطلقاً وكذا بعدها في مصلاها، فإن تنفل بعدها في البيت جاز، قال ابن العربي: التنفل في المصلى لو فعل لنقل، ومن أجازه رأى أنه وقت مطلق للصلاة، ومن تركه رأى أن النبي ﷺ لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى – انتهى. قال الحافظ: والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافاً لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام – انتهى. وكذا قال العراقي في شرح الترمذي , قال الشوكاني: وهو كلام صحيح جارٍ على مقتضى الأدلة، فليس في الباب ما يدل على منع مطلق النفل ولا على منع ما ورد فيه دليل يخصه كتحية المسجد إذا أقيمت صلاة العيد في المسجد – انتهى. قلت: القول الراجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد من كراهة التنفل للإمام والمأموم في موضع الصلاة قبلها وبعدها؛ لحديث ابن عباس، ولما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يكبر في صلاة العيد سبعاً وخمساً، ويقول لا صلاة قبلها ولا بعدها، حكى ابن عقيل أن الإمام ابن بطة رواه بإسناده، ذكره ابن قدامة في المغني، وقال الحافظ في التلخيص: روى أحمد من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: لا صلاة يوم العيد لا قبلها ولا بعدها، فإن صح هذا كان دليلاً على المنع مطلقاً؛ لأنه نفي في قوة النهي، وقد سكت عليه الحافظ فينظر فيه. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٢٩٥، ٣٠٢) وغيرهم.
١٤٤٥- قوله (وعن أم عطية) بفتح العين وكسر الطاء اسمها نسيبة – بضم النون وفتح السين المهملة وسكون الياء وفتح الباء الموحدة، وقيل: بفتح أولها مكبراً – بنت الحارث، وقيل: بنت كعب الأنصارية، بايعت النبي ﷺ ، وكانت من كبار الصحابيات، وكانت تغزو مع رسول الله ﷺ كثيراً، تداوي الجرحى، وتمرض المرضى، تعد في أهل البصرة، وكانت جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت؛ لأنها شهدت غسل بنت رسول الله ﷺ ، فحكت ذلك وأتقنت، فحديثها أصل في غسل الميت، ويأتي حديثها هذا في كتاب الجنائز (أمرنا) مبني للمجهول للعلم بالآمر، وإنه رسول الله ﷺ ، وفي رواية للبخاري: أمرنا نبينا (أن نخرج) بضم النون وكسر الراء من الإخراج أي إلى المصلى (الحيض) بالنصب على المفعولية، وهو بضم الحاء وتشديد الياء المفتوحة – جمع حائض أي المباشرات بالحيض (يوم العيدين) قال المالكي: فيه إفراد اليوم، وهو المضاف إلى العيدين، وهو في المعنى مثنى، ونحو قوله: "ومسح أذنيه
стр. 1994
وذوات الخدور، فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، وتعتزل الحيض عن مصلاهن، قالت امرأة: يا رسول الله! إحدانا ليس لها جلباب؟
ــ
ظاهرهما وباطنهما، يعني حيث أفرد الظاهر والباطن، قال ابن حجر: فلو روى الحديث بلفظ التثنية على الأصل لجاز أي جاز أن يقول يومي العيدين أو يومي العيد (وذوات الخدور) منصوب بالكسر كمسلمات عطفاً على الحيض والخدور – بضم الخاء المعجمة والدال المهملة – جمع خدر بكسرها وسكون الدال، وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه. وقال الجزري: الخدر ناحية في البيت، يكون عليها ستر، فتكون فيها الجارية البكر، وهي المخدرة أي خدرت في الخدر، وفي رواية: نخرج العواتق وذوات الخدور والحيض، والعواتق جمع عاتق، وهي الشابة أول ما تدرك، وقيل: هي التي قاربت البلوغ، وقيل: هي الجارية التي قد أدركت وبلغت، فخدرت في بيت أهلها ولم تتزوج، سميت بذلك لأنها عتقت عن خدمة أبويها، ولم يملكها زوج بعد (فيشهدن) أي يحضرن (جماعة المسلمين ودعوتهم) أي دعائهم وفي رواية: يشهدن الخير ودعوة المسلمين، قيل: المراد بشهود الخير هو الدخول في فضيلة الصلاة لغير الحيض، وقوله: "دعوة المسلمين" يعم الجميع، واستدل بقوله: "دعوة المسلمين" على مشروعية الدعاء بعد صلاة العيد، كما يدعى دبر الصلوات الخمس، وفيه نظر؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ دعاء صلاة العيدين، ولم ينقل أحد الدعاء بعدها بل الثابت عنه ﷺ أنه كان يخطب بعد الصلاة من غير فصل بشيء آخر، فلا يصح التمسك بإطلاق قوله "دعوة المسلمين" والظاهر أن المراد بها الأذكار التي في الخطبة وكلمات الوعظ والنصح، فإن لفظ الدعوة عام والله تعالى أعلم. (وتعتزل الحيض عن مصلاهن) أي عن مكان صلاة النساء اللاتي لسن بحيض يعني تنفصل وتقف في موضع منفردات غير مختلطات بالمصليات خوف التنجيس والإخلال بتسوية الصفوف، وهو خبر بمعنى الأمر، قال في الفتح: حمله الجمهور على الندب؛ لأن المصلى ليس بمسجد فيمتنع الحيض من دخوله، وقال ابن المنير: الحكمة في اعتزالهن أي في وقوفهن وهن لا يصلين مع المصليات إظهار استهانة بالحال، فاستحب لهن اجتناب ذلك – انتهى. وفي رواية: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها حتى نخرج الحيض، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته، وفي رواية: فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهد الخير ودعوة المسلمين، وفيه أن الحائض لا تهجر ذكر الله ولا مواطن الخير كمجالس العلم والذكر سوى المساجد، قال الخطابي: أمر جميع النساء بحضور المصلى يوم العيد لتصلي من ليس لها عذر وتصل بركة الدعاء إلى من لها عذر، وفيه ترغيب الناس في حضور الصلوات ومجالس الذكر ومقاربة الصلحاء لينالهم بركتهم. (قالت امرأة) هي أم عطية نفسها، كما تدل عليه رواية الشيخين (إحدانا) أي ما حكم واحدة منا (ليس لها جلباب) وقال القسطلاني: قوله: "إحدانا" أي بعضنا مبتدأ
стр. 1995
قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها
ــ
خبره "ليس لها جلباب" أي كيف تشهد ولا جلباب لها وذلك بعد نزول الحجاب، وفي رواية: أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ والجلباب بكسر الجيم وسكون اللام وبموحدتين بينهما ألف، كساء تستتر النساء به إذا خرجن من بيتهن، وقال في القاموس: الجلباب كسِرْداب وسنَمار: القميص وثوب واسع للمرأة دون الملحفة، أو ما يغطى به ثيابها من فوق كالملحفة، أو هو الخمار – انتهى. (لتلبسها) بضم التاء وسكون اللام وكسر الموحدة وجزم المهملة، أمر من الإلباس على سبيل الندب (صاحبتها) بالرفع على الفاعلية (من جلبابها) قال الحافظ: يحتمل أن يكون للجنس، أي تعيرها من جنس ثيابها يعني تعيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه، ويؤيده رواية ابن خزيمة من جلابيبها، وللترمذي: فلتعرها أختها من جلابيبها، والمراد بالأخت الصاحبة، ويحتمل أن يكون المراد تشركها معها في ثوبها الذي عليها، ويؤيده رواية أبي داود: تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها، يعني إذا كان واسعاً، ويحتمل أن يكون المراد بقوله "ثوبها" جنس الثياب، فيرجع للأول، ويؤخذ منه جواز اشتمال المرأتين في ثوب واحد عند التستر، وقيل: إنه ذكر على سبيل المبالغة أي يخرجن على كل حال ولو اثنتين في جلباب – انتهى. وفي الحديث من الفوائد أن من شأن العواتق المخدرات عدم البروز إلا فيما أذن لهن فيه، وفيه استحباب إعداد الجلباب للمرأة، ومشروعية عارية الثياب، وفيه امتناع خروج المرأة بغير جلباب، وفيه استحباب خروج النساء إلى شهود العيدين، سواء كن شواب أم لا، وذوات هيئات أم لا، قال الشوكاني: حديث أم عطية وما في معناه من الأحاديث قاضية بمشروعية خروج النساء في العيدين إلى المصلى من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض وغيرها ما لم تكن معتدة أو كان في خروجها فتنة، أو كان لها عذر، وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال: أحدها أن ذلك مستحب، وحملوا الأمر فيه على الندب، ولم يفرقوا بين الشابة والعجوز، وهذا قول أبي حامد من الحنابلة والجرجاني من الشافعية، وهو ظاهر إطلاق الشافعي. القول الثاني: التفرقة بين الشابة والعجوز، قال العراقي: وهو الذي عليه جمهور الشافعية تبعاً لنص الشافعي في المختصر. والقول الثالث: أنه جائز غير مستحب لهن مطلقاً، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد فيما نقله عنه ابن قدامة في المغني (ج٢ ص٣٧٥-٣٧٦) . والرابع: أنه مكروه، وقد حكاه الترمذي عن الثوري وابن المبارك، وهو قول مالك وأبي يوسف، وحكاه ابن قدامة عن النخعي ويحيى بن سعيد الأنصاري، وروى ابن أبي شيبة عن النخعي أنه كره للشابة أن تخرج إلى العيدين، والقول الخامس: أنه حق على النساء الخروج إلى العيد، حكاه القاضي عياض عن أبي بكر وعلي وابن عمر، وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي بكر وعلي أنهما قالا: حق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين. قال الحافظ: وقد ورد هذا مرفوعاً بإسناد لا بأس به، أخرجه أحمد وأبويعلى وابن المنذر من طريق امرأة من عبد القيس عن أخت عبد الله بن
стр. 1996
متفق عليه.
ــ
رواحة والمرأة لم تسم، والأخت اسمها عمرة صحابية، وقوله "حق" يحتمل الوجوب، ويحتمل تأكد الاستحباب – انتهى. قال الشوكاني: والقول بكراهة الخروج على الإطلاق رد للأحاديث الصحيحة بالآراء الفاسدة، وتخصيص الشواب يأباه صريح الحديث المتفق عليه وغيره – انتهى. قلت: ذهب الحنفية إلى كراهة الخروج للعيدين للشواب دون العجائز، قال ابن الهمام: وتخرج العجائز للعيد لا الشواب – انتهى. قال القاري بعد نقل كلام ابن الهمام ما لفظه: وهو قول عدل، لكن لابد أن يقيد بأن تكون غير مشتهاة ي ثياب بذلة بإذن حليلها مع الأمن من المفسدة، بأن لا يختلطن مع الرجال، ويكن خاليات من الحلي والحلل البخور والشموم والتبختر والتكشف ونحوهما مما أحدثن في هذا الزمان من المفاسد، وقد قال أبوحنيفة: ملازمات البيوت لا يخرجن – انتهى. قلت: لا دليل على منع الخروج للعيد للشواب وذوات الهيئات مع الأمن من المفاسد مما أحدثن في هذا الزمان، بل هو مستحب لهن، وهو القول الراجح، وأما الاستدلال على كراهة خروج النساء إلى العيدين مطلقاً بقول عائشة: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن من الخروج كما منعت نساء بني إسرائيل، فمردود لوجوه ثمانية سردها ابن حزم في المحلى (ج٤ ص٢٠٠) ، وقد أوردنا بعضها في باب فضل الجماعة نقلاً عن الفتح، قال الحافظ: وقد ادعى بعضهم النسخ فيه، قال الطحاوي: وأمره – ﵇ – بخروج الحيض وذوات الخدور إلى العيد يحتمل أن يكون في أول الإسلام، والمسلمون قليل، فاريد التكثير بحضورهن إرهاباً للعدو، وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، قال الكرماني: تاريخ الوقت لا يعرف، قال الحافظ: بل هو معروف بدلالة حديث ابن عباس أنه شهد خروجهن، وهو صغير، وكان ذلك بعد فتح مكة، ولا حاجة إليهن لقوة الإسلام حينئذٍ، فلم يتم مراد الطحاوي، وقد صرح في حديث أم عطية بعلة الحكم، وهو شهودهن الخير ودعوة المسلمين ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أم عطية بعد وفاة النبي ﷺ بمدة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك، وأما قول عائشة: لو رأى النبي ﷺ ما أحدث النساء ... الخ فلا يعارض ذلك لندوره إن سلمنا أن فيه دلالة على أنها أفتت بخلافه مع أن الدلالة منه بأن عائشة أفتت بالمنع ليست صريحة، وفي قوله: "إرهاباً للعدو" نظر؛ لأن الاستنصار بالنساء والتكثر بهن في الحرب دال على الضعف، والأولى أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة ولا يترتب على حضورها محذور ولا تزاحم الرجال في الطريق ولا في المجامع – انتهى. وقال ابن قدامة بعد ذكر قول عائشة المذكور: وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع، وقول عائشة مختص بمن أحدثت دون غيرها، ولا شك بأن ذلك يكره لها الخروج، وإنما يستحب لهن الخروج غير متطيبات ولا يلبسن ثوب شهرة ولا زينة ويخرجن في ثياب البذلة؛ لقول رسول الله ﷺ : ((وليخرجن تفلات)) ، ولا يخالطن الرجال، بل يكن ناحية منهن – انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في مواضع ومسلم في العيدين بألفاظ مختلفة، واللفظ الذي أتى به
стр. 1997
١٤٤٦- (٧) وعن عائشة قالت: إن أبابكر دخل عليها وعند جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان، وفي رواية: تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث،
ــ
المصنف للبخاري في باب "وجوب الصلاة في الثياب" من أوائل الصلاة، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٣٠٥-٣٠٦) وغيرهم.
١٤٤٦- قوله (جاريتان) دون البلوغ من جوار الأنصار، إحداهما لحسان بن ثابت، كما في حديث أم سلمة عند الطبراني، أو كلاهما لعبد الله بن سلام، كما في الأربعين للسلمي، وفي العيدين لابن أبي الدنيا من طريق فليح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: دخل علي أبوبكر، والنبي ﷺ متقنع، وحمامة وصاحبتها تغنيان عندي، قال الحافظ: إسناده صحيح، ولم أقف على تسمية الأخرى، ولم يذكر أحد من مصنفي أسماء الصحابة حمامة هذه، نعم ذكر الذهبي في التجريد حمامة أم بلال اشتراها أبوبكر وأعتقها (في أيام منى) بعدم الانصراف، وقيل: ينصرف يعني الثلاثة بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، والمراد أيام عيد الأضحى بالمدينة لا بمنى (تدففان) بفائين من التدفيف أي تضربان بالدف يعني مع الغناء، وفي رواية لمسلم: تلعبان بدف، وللنسائي: تصربان بدفين، والدف: بضم الدال وفتحها، والضم أفصح وأشهر، ويقال له أيضاً: الكربال – بكسر الكاف -، وهو الذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه فهو المزهر. (وتضربان) أي بالدف، فيكون عطفاً تفسيرياً، قال الطيبي: هذا تكرار لزيادة الشرح (وفي رواية) أي للشيخين (تغنيان) أي ترفعان أصواتهما بإنشاد الشعر، وهو قريب من الحداء (بما تقاولت الأنصار) أي قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء، وفي رواية: بما تعازفت – بعين مهملة وزاي وفاء – من العزف، وهو الصوت الذي له دويّ، وفي رواية: بما تقاذفت بقاف بدل الغين وذال معجمة بدل الزاي من القذف، وهو هجاء بعضهم لبعض (يوم بعاث) بضم الباء الموحدة وتخفيف العين المهملة، وفي آخره ثاء مثلثة بالصرف وعدمه، وقال صاحب المطالع: الأشهر فيه ترك الصرف، قال البكري: هو موضع من المدينة على ليلتين، وقال صاحب النهاية: هو اسم حصن للأوس، وقيل: هو موضع في ديار بني قريظة فيه أموالهم، وكان موضع الوقعة في مزرعة لهم هناك، ولا منافة بين القولين، قال الخطابي: يوم بعاث يوم مشهور من أيام العرب، وكانت فيه مقتلة عظيمة بين الأوس والخزرج، وكانت النصرة للأوس، واستمرت المقتلة مائة وعشرين سنة حتى جاء الإسلام فألف الله بينهم ببركة النبي ﷺ على ما ذكره ابن إسحاق وغيره، وتبعه على هذا جماعة من شراح الصحيحين، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه يوهم أن الحرب التي وقعت يوم بعاث دامت هذه المدة، وليس كذلك، فسيأتي في أوائل الهجرة قول عائشة: كان يوم بعاث يوماً قدمه الله لرسوله، فقدم المدينة، وقد افترق ملؤهم وقتلت سراتهم، وقد روى ابن سعد بأسانيده أن النفر الستة أو الثمانية الذين لقوا النبي ﷺ بمنى أول من
стр. 1998
والنبي ﷺ متغشّ بثوبه، فانتهرهما أبوبكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه فقال: ((دعهما يا أبابكر، فإنها أيام عيد – وفي رواية -: يا أبابكر، إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)) .
ــ
لقيه من الأنصار وكانوا قد قدموا مكة ليحالفوا قريشاً كان في جملة ما قالوا له لما دعاهم إلى الإسلام والنصر له وأعلم أنما كانت وقعة بعاث عام الأول، فموعدك الموسم القابل، فقدموا في السنة التي تليها، فبايعوه، وهي البيعة الأولى، ثم قدموا الثانية فبايعوه، وهم سبعون نفساً، وهاجر النبي ﷺ في أوائل التي تليها، فدل ذلك على أن وقعة بعاث كانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وهو المعتمد، نعم دامت الحرب بين الحيين الأوس والخزرج المدة التي ذكرها في أيام كثيرة شهيرة – انتهى. وزاد في الرواية المذكورة: وليستا بمغنيتين، أي ليس الغناء عادة لهما، ولا هما معروفتان به، قال في شرح السنة: كان الشعر الذي تغنيان به في وصف الحرب والشجاعة، وفي ذكره معونة لأمر الدين، وأما الغناء بذكر الفواحش والمنكرات من القول فهو المحظور من الغناء، وحاشا أن يجري شيء من ذلك بحضرته – ﵊. (متغشّ بثوبه) أي متغطّ وملتفّ به (فانتهرهما أبوبكر) أي زجر الجاريتين، وفي رواية: فانتهرني، ويجمع بأنه شرك بينهن في الانتهار والزجر، أما عائشة فلتقريرها لهما على الغناء وضرب الدف، وأما الجاريتان فلفعلهما ذلك في بيت النبي ﷺ ، وزاد في رواية وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله ﷺ ؟ بكسر الميم آخره هاء التأنيث، يعني الغناء أو الدف، وهي مشتقة من الزمير، وهو الصوت الذي له صفير، ويطلق على الصوت الحسن والغناء، وسميت به الآلة التي يزمر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهي، فقد تشغل القلب عن ذكر الله تعالى، وهذا من الشيطان، وهذا من أبي بكر إنكار لما سمع معتمداً على ما تقرر عنده من منع الغناء واللهو مطلقاً، ولم يعلم أنه ﷺ أقرهن على هذا التقرير اليسير لكونه دخل فوجده مضطجعاً، فظنه نائماً فتوجه له الإنكار (فكشف النبي ﷺ عن وجهه) أي الثوب، وفي رواية: فكشف رأسه (دعهما) أي أترك الجاريتين (فإنها) أي هذه الأيام (أيام عيد) أي أيام سرور وفرح شرعي لأهل الإسلام (وفي رواية) أي للشيخين (يا بابكر إن لكل قوم) أي إن لكل طائفة من الأمم المختلفة (عيداً) يسمونه باسم النيروز والمهرجان (وهذا) أي هذا الوقت أو هذا اليوم (عيدنا) أي يوم عيدنا معاشر الإسلام، وهو يوم سرور شرعي، فلا ينكر مثل هذا، قال الحافظ: قوله: ((إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)) فيه تعليل الأمر بتركهما وإيضاح خلاف ما ظنه الصديق من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه ﷺ ؛ لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه، فظنه نائماً فتوجه له الإنكار على ابنته من هذه الأوجه مستصحباً لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو، فبادر إلى إنكار ذلك قياماً عن النبي ﷺ بذلك مستنداً إلى ما ظهر له، فأوضح له النبي ﷺ الحال،
стр. 1999
...........................
ــ
وعرفه الحكم مقروناً ببيان الحكمة بأنه يوم عيد، أي يوم سرور شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في الأعراس، وبهذا يرتفع الإشكال عمن قال: كيف ساغ للصديق إنكار شيء أقره النبي ﷺ ، وتكلف جواباً لا يخفى تعسفه – انتهى. وقال الطيبي: وهذا اعتذار منه – ﵊ – بأن إظهار السرور في يوم العيدين شعار أهل الدين، وليس كسائر الأيام. قال النووي: اختلف العلماء في الغناء، فأباحه جماعة من أهل الحجاز، وهي رواية عن مالك، وحرمه أبوحنيفة وأهل العراق، ومذهب الشافعي كراهته، وهو المشهور من مذهب مالك، واحتج المجوزون بهذا الحديث، وأجاب الآخرون بأن هذا الغناء إنما كان في الشجاعة والقتل والحذق في القتال ونحو ذلك مما لا مفسدة فيه، بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر، ويحملها على البطالة والقبيح، قال القاضي: إنما كان غناهما بما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور والغلبة، وهذا لا يهيج الجواري على شر، ولا إنشادهما كذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد، ولهذا قالت: وليستا بمغنيتين، أي ليستا ممن يغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى، والتعريض بالفواحش، والتشبيب بأهل الجمال وما يحرك النفوس ويبعث الهوى، والغزل كما قيل: "الغناء رقية الزنا"، وليستا أيضاً ممن اشتهر وعرف بإحسان الغناء الذي فيه تمطيط وتكسير، وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسباً، والعرب تسمى الإنشاد غناء، وليس هو من الغناء المختلف فيه، بل هو مباح، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذي هو مجرد الإنشاد والترنم، وأجازوا الحداء وفعلوه بحضرة النبي ﷺ ، وفي كل هذا إباحة مثل هذا وما في معناه، وهذا أو مثله ليس بحرام – انتهى كلام النووي. وقال الحافظ في الفتح: استدل جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة بقولها: "وليستا بمغنيتين" فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم الذي تسميه العرب النصب – بفتح النون وسكون المهملة – وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنياً، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير، وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح. قال القرطبي: قولها "ليستا بمغنيتين" أي ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وإن ذلك يثمر سنتي الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل المخرفة، والله المستعان – انتهى. قال الحافظ: وينبغي أن يعكس مرادهم ويقرأ سيّء عوض النون
стр. 2000
متفق عليه.
١٤٤٧- (٨) وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات،
ــ
الخفيفة المكسورة بغير همز بمثناة تحتية ثقيلة مهموزاً، وأما الآلات فقد حكى قوم الإجماع على تحريمها، وحكى بعضهم عكسه، وقد بسط الكلام في ذلك الشوكاني في النيل في آخر أبواب السبق، والعلامة البوفالي في دليل الطالب وهداية السائل، وسنذكر تفصيل المسألة في كتاب النكاح، وفي الموضع الذي يليق بذلك إن شاء الله تعالى، ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه، كما سنبينه في كتاب النكاح، قال الحافظ: وأم التفافه ﷺ بثوب ففيه إعراض عن ذلك لكون مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره، إذ لا يقرر على باطل، والأصل التنزه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتاً وكيفية تقليلاً لمخالفة الأصل. وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم به بسط النفس وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى، وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين، وفيه جواز دخول الرجل على ابنته وهي عند زوجها إذا كان له بذلك عادة، وتأديب الأب بحضرة الزوج وإن تركه الزوج، إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء. وفيه أن مواضع أهل الخير تنزه عن اللهو واللغو، وإن لم يكن فيه إثم إلا بإذنهم. وفيه أن التلميذ إذا رأى عند شيخه ما يستكره مثله بادر إلى إنكاره، ولا يكون في ذلك إفتيات على شيخه، بل هو أدب منه ورعاية لحرمته، وإجلال لمنصبه. وفيه فتوى التلميذ بحضرة شيخه بما يعرف من طريقته، ويحتمل أن يكون أبوبكر ظن أن النبي ﷺ نام فخشي أن يستيقظ، فيغضب على ابنته، فبادر إلى سدر هذه الذريعة، واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء ولو لم تكن مملوكة؛ لأنه ﷺ لم ينكر على أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره واستمرتا إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج، ولا يخفى أن محل الجواز ما إذا أمنت الفتنة بذلك، واستنبط من تسمية أيام منى بأنها أيام عيد مشروعية قضاء صلاة العيد فيها لمن فاتته – انتهى كلام الحافظ. (متفق عليه) واللفظ للخاري في باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين، والحديث أخرجه أيضاً أحمد والنسائي.
١٤٤٧- قوله (لا يغدو) أي لا يخرج إلى المصلى لصلاة العيد (يوم الفطر) أي يوم عيد الفطر (حتى يأكل تمرات) ولفظ الإسماعيلي وابن حبان والحاكم: ما خرج يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، أو أقل من ذلك أو أكثر وتراً، وهي أصرح في المداومة على ذلك، قال المهلب: الحكمة في الأكل قبل الصلاة أن
следующие страницы →