Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
...........................
ــ
فاكتفى بها ولو يصل أصلاً كان بياناً لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة ولا خلاف في جوازه وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة؛ لأنها زيادة علم، ولا معارضة بينهما، ثم ذكر النووي أنواع الاستسقاء التي ذكرنا في أول الباب، وقال ابن رشد بعد ذكر بعض الأحاديث والآثار التي ليس فيها ذكر الصلاة ما لفظه: والحجة للجمهور أنه من لم يذكر شيئاً فليس هو بحجة على من ذكره، والذي يدل عليه اختلاف الآثار في ذلك ليس عندي فيه شيء أكثر من أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء، إذ قد ثبت أنه ﷺ قد استسقى على المنبر لا أنها ليست من سنته كما ذهب إليه أبوحنيفة – انتهى. وأجاب العيني عن الأحاديث التي فيها الصلاة بأنه ﷺ فعلها مرة – أي واحدة – وتركها أخرى – أي في مرات أخرى – وذا لا يدل على السنية، وإنما يدل على الجواز – انتهى. وفيه أنه لم يرو في حديث صحيح أو ضعيف نفي الصلاة وعدم نقل الصلاة لا يستلزم عدم الوقوع، فدعوى أنه لم يصل إلا مرة واحدة وتركها أخرى مردودة، ولو سلم فصلاته في المصلى في الاستسقاء ولو مرة تدل على أنها سنة في حق أمته من غير شك، كما قال صاحب العرف الشذي: إن مطلق السنة والاستحباب لا يمكن إنكاره لما قال صاحب الهداية: أنه – ﵇ – صلى مرة، وكما قال الشاه ولي الله الدهلوي: إن النبي ﷺ استسقى لأمته مرات على أنحاء كثيرة، لكن الوجه الذي سنه لأمته أن خرج بالناس إلى المصلى متبذلاً متواضعاً متضرعاً فصلى بهم ركعتين ... إلى آخر ما تقدم من كلامه. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد: وأما ما ذكروا أن النبي ﷺ فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة فليس بشيء، فإنه لا ينكر ثبوت كليهما – أي على زعمه – مرة هذا ومرة هذا لكن يعلم من تتبع الطرق أنه لما خرج إلى الصحراء صلى فتكون الصلاة مسنونة في هذه الحالة بلا ريب ودعائه المجرد كان في غير هذه الصورة – انتهى. قال القسطلاني في شرح البخاري، وابن حجر المكي في شرح المشكاة، والشيخ عبد الحي في عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعله لم تبلغ أباحنيفة تلك الأحاديث، وإلا لم ينكر استنان الجماعة، قال شيخنا: هذا هو الظن به والله تعالى أعلم. قال الكاساني في البدائع: ما روي أنه ﷺ صلى بجماعة حديث شاذ، ورد في محل الشهرة لأن الاستسقاء يكون بملأ من الناس، ومثل هذا الحديث يرجح كذبه على صدقه أو وهمه على ضبطه، فلا يكون مقبولاً مع أن هذا مما تعم به البلوى في ديارهم، وما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته لا يقبل فيه الشاذ – انتهى. وكذا تفوه السرخسي، وقال في المحيط البرهاني والكافي: إنه لم يبلغنا عن النبي ﷺ في ذلك صلاة إلا حديث واحد شاذ لا يؤخذ به، قال ابن الهمام: ووجه الشذوذ أن فعله – ﵊ – لو كان ثابتاً لاشتهر نقله اشتهاراً واسعاً ولفعله عمر حين استسقى ولأنكروا عليه إذا لم يفعل؛ لأنها كانت بحضرة جميع الصحابة لتوفر
стр. 2137
جهر فيهما بالقراءة،
ــ
الكل في الخروج معه – ﵊ – للاستسقاء، فلما لم يفعل ولم ينكروا ولم تشتهر روايتها في الصدر الأول، بل هو عن ابن عباس وعبد الله بن زيد على اضطراب في كيفيتها عن ابن عباس وأنس كان ذلك شذوذاً فيما حضره الخاص والعام والصغير والكبير. واعلم أن الشذوذ يراد باعتبار الطرق إليهم، إذ لو تيقنا عن الصحابة المذكورين رفعه لم يبق إشكال – انتهى. كذا في المرقاة. قلت: قد روى صلاته ﷺ في الاستسقاء أربعة نفر من كبراء الصحابة: عبد الله بن زيد، وأبوهريرة، وابن عباس، وعائشة، والطرق إليهم صحيحة ثابتة قطعاً، لا يمكن إنكاره، وليس فيها اضطراب قادح أصلاً، كما لا يخفى على من تأمل في طرق هذه الأحاديث ومتونها، فالارتياب في كونها مرفوعة والتوهم بكونها كذباً أو وهماً ليس منشأه إلا التقليد الأجوف والعصبية العمياء وغمط الحق والنفور عن السنة، والخبر المذكور مشهور، قد عمل به الصحابة وغيرهم كابن الزبير وعبد الله بن يزيد والبراء بن عازب وزيد بن أرقم، وكذا عمل به من بعدهم، كما قال ابن قدامة في المغني (ج٢ ص٣٢٩، ٣٣٩) فتبين أن الحديث قد اشتهر بينهم واستفاض في الصدر الأول حديث عمل به الصحابة وغيرهم، وتلقوه بالقبول، فادعاء شذوذه باطل مردودة على من تفوه به، ولا يلزم من اقتصار عمر على الاستغفار عدم ثبوت الصلاة عن النبي ﷺ ، ولا يجوز تكذيب الرواة العدول الثقات لفعل عمر، والظاهر أن عمر إنما لم يزد على الاستغفار ليبين للناس أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء، كما قال ابن رشد، وأيضاً فقد أنكروا على عمر اقتصاره على الاستغفار، إذ قالوا: ما رأيناك استسقيت، أي على الوجه الذي استسقى به النبي ﷺ في حالة الخروج إلى الصحراء من الصلاة والدعاء والخطبة وتحويل الرداء، ولا يضر هذه الأحاديث كونها مما تعم به البلوى، فإن خبر الواحد مقبول في ذلك في قول الجمهور لعمل الصحابة والتابعين بأخبار الآحاد في عموم البلوى، فقد قبلوا خبر عائشة في الغسل من الجماع بغير الإنزال، وخبر رافع بن خديج في المخابرة، وقد أثبتت الحنفية تثنية الإقامة وانتقاض الوضوء بخروج النجاسة من غير السبيل، ورفع اليدين مع تكبيرات العيدين بأخبار الآحاد مع كون ذلك مما تعم به البلوى. (جهر فيهما بالقراءة) قال النووي في شرح مسلم: أجمعوا على استحباب الجهر بالقراءة، وكذا نقل الإجماع على استحبابه ابن بطال، كما في الفتح، قال الحافظ: لم يقع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة، ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدارقطني – والحاكم والبيهقي – من حديث ابن عباس أنه قال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين – الحديث، وفيه: وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، وقرأ في الثانية: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ ، وكبر فيها خمس تكبيرات، وفي إسناده مقال، فإن في سنده محمد بن عبد العزيز وقال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وضعفه أيضاً أبوحاتم
стр. 2138
واستقبل القبلة يدعو، ورفع يديه، وحول رداءه
ــ
وابن حبان وابن القطان، وأصله في السنن بلفظ: فصلى ركعتين، كما يصلي في العيد، فأخذ بظاهره الشافعي فقال: يكبر فيهما سبعاً وخمساً كالعيد، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو رواية عن أحمد، وذهب الجمهور مالك والأوزاعي وإسحاق وأبويوسف ومحمد وأحمد – في رواية – إلى أنه يكبر فيهما كسائر الصلوات تكبيرة واحدة للافتتاح؛ لأنه لم يذكر عبد الله بن زيد وأبوهريرة وعائشة تكبيرات الزوائد في رواياتهم، ولا ابن عباس فيما صح من روايته، وظاهرها أنه لم يكبر النبي ﷺ ، والزيادة تحتاج إلى دليل صحيح يؤيدها، وتأويل الجمهور قول ابن عباس: صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد، على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة، وكونهما قبل الخطبة، قال الزرقاني: لم يأخذ به مالك لضعف الرواية المصرحة بالتكبير، ولما يطرق الثانية من احتمال نقص التشبيه – انتهى. وقال ابن قدامة: كيفما فعل كان جائزاً حسناً – انتهى. (واستقبل القبلة) أي بعد الصلاة، واختلفوا في استقبال القبلة متى يكون؟ فقال محمد: يخطب خطبتين بعد الصلاة، ويتوجه إلى القبلة بعد الفراغ من الخطبة، ويشتغل بالدعاء رافعاً يديه. وقالت الشافعية: إذا مضى الثلث من الخطبة الثانية يتوجه إلى القبلة ويدعو، وبعد الدعاء يستقبل الناس ويكمل الخطبة، وقالت المالكية: يتوجه إلى القبلة بعد الفراغ من الخطبة الثانية ويدعو مستقبلاً للقبلة. قال الباجي: اختلف قول مالك في استقبال القبلة متى يكون، فروى عنه ابن القاسم أنه يفعل ذلك إذا فرغ من الخطبة، وقال عنه علي بن زياد: يفعل ذلك في أثناء خطبته يستقبل القبلة ويدعو ما شاء ثم ينصرف فيستقبل الناس ويتم خطبته، وجه الأول أنه خطبة مشروعة فلا يسن قطعها بذكر كخطبتي العيد، وجه الثاني: أن السنة فيها خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى بالدعاء مفرداً كان ذلك كالخطبة الثالثة – انتهى. وقالت الحنابلة: يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة ويدعو رافعاً يديه، ويجهر ببعض دعائه ليسمع الناس فيؤمنون على دعائه، ثم يستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويدعو حال استقباله، والراجح عندنا: أنه يخطب خطبة واحدة ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويدعو مستقبلاً للقبلة؛ لأن ظاهر الحديث يدل على هذا. (يدعو) حال (ورفع يديه) أي للدعاء، وكذا يرفع الناس أيديهم مع الإمام يدعون، وقد بوب البخاري في صحيحه: باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء، وأورد فيه حديث أنس في استسقاء النبي ﷺ في خطبة الجمعة عند شكوى الأعرابي، وفيه: فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو ورفع الناس أيديهم مع رسول الله ﷺ يدعون. (وحول رداءه) بحيث صار الأيمن إلى الجانب الأيسر وطرفه الأيسر إلى الجانب الأيمن، وصار باطنه ظاهراً وظاهره باطناً، وطريقة هذا القلب والتحويل أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساه وبيه اليسرى الطرف الأسفل من جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره حتى يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه
стр. 2139
حين استقبل القبلة.
ــ
الأعلى من جانب اليمين والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار، فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يساراً واليسار يميناً والأعلى أسفل وبالعكس، ذكر الواقدي أن طول ردائه ﷺ كان في ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر كان يلبسهما في الجمعة والعيد – انتهى. وفيه دليل على استحباب تحويل الرداء في هذه العبادة، وخالف أبوحنيفة في ذلك فأنكر استنانه واستحبابه، وقال: كان ذلك تفاؤلاً بتغيير الحال كما جاء مصرحاً عند الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر بلفظ: وحول رداءه ليتحول القحط. قال الحافظ: رجاله ثقات، ورجح الدارقطني إرساله، وفي الطوالات للطبراني من حديث أنس بلفظ: وقلب رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب. قلت: كون التحويل للتفاؤل لا ينافي استحبابه عند الدعاء في الاستسقاء في الصحراء، وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع. قال ابن دقيق العيد: وقال من احتج لأبي حنيفة: إنما قلب رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع اليدين في الدعاء أو عرف من طريق الوحي تغيير الحال عند تغيير ردائه. قلنا: القلب من جهة أخرى أو من ظهر إلى بطن لا يقتضي الثبوت على العاتق، بل أي حالة اقتضت الثبوت أو عدمه في إحدى الجهتين فهو موجود في الأخرى، وإن كان قد قرب من السقوط تلك الحال فيمكن تثبيته من غير قلب، والأصل عدم ما ذكر من نزول الوحي بتغير الحال عند تغيير الرداء، والاتباع لفعل رسول الله ﷺ أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص مع ما عرف من الشرع من صحة التفاؤل – انتهى. ويستحب أن يحول الناس بتحويل الإمام، وهو قول الجمهور: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، لما روى أحمد من حديث عبد الله بن زيد بلفظ: وحول الناس معه، وقال الليث وأبويوسف ومحمد وابن المسيب وعروة والثوري: يحول الإمام وحده، والحق ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن الظاهر أن تحويلهم كان عن علمه ﷺ ، فتقريره إياهم إذ حولوا على كونه سنة في حقهم أيضاً، واستثنى الشافعية والمالكية النساء، فقالوا: لا يستحب في حقهن، وظاهر قوله: وحول الناس معه أنه يستحب ذلك للنساء أيضاً. (حين استقبل القبلة) وفي رواية لمسلم: لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه، وفي أخرى له: فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله واستقبل القبلة وحول رداءه، وأفادت هذه الروايات أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء حال استقبال القبلة، وفي رواية للبخاري: فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه، قال الحافظ: ظاهره أن الاستقبال وقع سابقاً لتحويل الرداء، وهو ظاهر كلام الشافعي، ووقع في كلام كثير من الشافعية أنه يحوله حال الاستقبال – انتهى. وقيل: يحمل "ثم" في رواية البخاري على معنى "الواو" لتوافق الروايات الأخرى. واعلم أنه لم يرد في حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين التصريح بالخطبة، وإنما ذكر تحويل الظهر إلى
стр. 2140
........................
ــ
الناس واستقبال القبلة والدعاء وتحويل الرداء فاحتج به لأبي حنيفة على أنه لا خطبة في الاستسقاء، وإنما يدعو ويتضرع، وهي رواية عن أحمد، وهو الحق والصواب لما وقع من التصريح بالخطبة في حديث عبد الله بن زيد عند أحمد (ج٤ ص٤١) وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٣٧٤) والطحاوي (ص١٩٢) ، وفي حديث عائشة عند أبي داود والحاكم (ج١ ص٣٢٨) والبيهقي (ج٣ ص٣٤٩) واحتج أيضاً لمن لم يقل بالخطبة بقول ابن عباس: لم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير. أخرجه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم (ج١ ص٣٢٧) والبيهقي (ج٣ ص٣٤٧-٣٤٨) والطحاوي (ج١ ص١٩١) ، وأجيب عنه بأن ابن عباس إنما نفى وقوع خطبة منه ﷺ مشابهة لخطبة المخاطبين ولم ينف وقوع مطلق الخطبة منه ﷺ . قال شيخنا: النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد كما يدل على ذلك الأحاديث المصرحة بالخطبة. وفي رواية أبي داود: فرقى المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه، فقوله: فرقى المنبر أيضاً يدل على أن النفي متوجه إلى القيد، قال الزيلعي (ج٢ ص٢٤٢) : مفهوم قول ابن عباس أنه خطب لكنه لم يخطب خطبتين كما يفعل في الجمعة، ولكنه خطب خطبة واحدة، فلذلك نفى النوع ولم ينف الجنس، ولم يرو أنه خطب خطبتين، فلذلك قال أبويوسف: يخطب خطبة واحدة، ومحمد يقول: يخطب خطبتين، ولم أجد له شاهداً – انتهى. وقال ابن قدامة: قول ابن عباس نفي للصفة لا لأصل الخطبة أي لم يخطب كخطبتكم هذه إنما كان جل خطبته الدعاء والتضرع والتكبير – انتهى. قال بعض من كتب على سنن أبي داود من أهل عصرنا: ظاهر قوله: فلم يخطب خطبتكم هذه أن النفي راجع إلى القيد والمقيد جميعاً ولم يخطب ﷺ في هذه المرة قال: وقوله ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير كالصريح في أنه لم يخطب مطلقاً فإن الخطبة كانت مستقبل الناس مستدير الكعبة والدعاء بالعكس، قال: وأما قوله: فرقى المنبر فهو مختلف فيه، ذكره عثمان بن أبي شيبة عند أبي داود ومحمد بن عبيد بن محمد عند النسائي، وعثمان له مع كونه ثقة أوهام، ومحمد بن عبيد قال فيه النسائي ومسلمة: لا بأس به، ولم يذكر هذا اللفظ غيرهما. قلت: وقع عند أحمد والبيهقي من رواية وكيع عن سفيان عن هشام بن إسحاق عن أبيه عن ابن عباس: لم يخطب كخطبتكم هذه، وهذا صريح في أن ابن عباس إنما نفى الخطبة المشابهة لخطبتهم ولم ينف وقوع مطلق الخطبة، ولا يفهم منه غير ذلك، فهو ظاهر في أن النفي راجع إلى القيد فقط، وأما قوله: لكن لم يزل في الدعاء ... الخ فلا ينافي الخطبة؛ لأن معناه أن جل خطبته وأكثرها كان الدعاء والتضرع والتكبير، كما قال ابن قدامة، وأيضاً الدعاء يكون بعد فراغ الموعظة في آخر الخطبة وبعد الدعاء يستقبل الإمام الناس ويتم خطبته، وقوله: فرقى المنبر صريح في وقوع الخطبة في هذه المرة أيضاً؛
стр. 2141
.........................
ــ
لأن الظاهر أنه لا يرقاه إلا للخطبة، ولم يتفرد به عثمان ومحمد بن عبيد، بل قد تابعهما أبوثابت المدني محمد بن عبيد الله بن محمد عند البيهقي، وهو أيضاً ثقة، فهي زيادة صحيحة، رواها جماعة من الثقات ولا يضرها سكوت من سكت عنها، ولا دليل على كونها وهما فلابد من قبولها. ثم إنه اختلفت الأحاديث في وقت الخطبة للاستسقاء، ففي حديث عبد الله بن زيد عند أحمد (ج٤ ص٤١) وحديث أبي هريرة أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عائشة عند أبي داود وغيره أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، وكذا في حديث ابن عباس عند أبي داود ففيه خرج النبي ﷺ متبذلاً متواضعاً متضرعاً حتى أتى المصلى فرقى المنبر فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ثم صلى ركعتين، وقد استدل بها على أن الخطبة قبل الصلاة لكن ليس فيها التصريح بأنه خطب، واختلفوا في دفع هذا الاختلاف، فقال الزيلعي في نصب الراية (ج٣ ص٢٤٢) بعد ذكر الروايات المذكورة: ولعلهما واقعتان، وقال ابن قدامة: يحتمل أن النبي ﷺ فعل الأمرين، ورجح البيهقي رواية تقديم الصلاة على الخطبة من حديث عبد الله بن زيد، كما يظهر من كلامه في باب ذكر الأخبار التي تدل على أنه دعا أو خطب قبل الصلاة (ج٣ ص٣٤٨-٣٤٩) ، قال القرطبي: ويعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة، ورجح بعضهم تقديم الخطبة. قال ابن رشد في الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك بأنه ﷺ بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب فاقتصر بعض الرواة على شيء، وبعضهم على شيء، وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة، فلذلك وقع الاختلاف – انتهى. واختلف أيضاً مذاهب العلماء في محل الخطبة، واختلافهم إنما هو في الاستحباب لا في الجواز، فالمرجح عند مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد: الشروع بالصلاة، وهو المشهور عن أحمد. قال ابن عبد البر: وعليه جماعة الفقهاء. وقال النووي: وبه قال الجماهير، وذهب ابن حزم والليث وابن المنذر إلى أن الخطبة قبل الصلاة، وروي ذلك عن عمر – ﵁ – وابن الزبير وأبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كما في سنن الأثرم، وعن أحمد رواية كذلك، قال النووي: وكان مالك يقول به ثم رجع إلى قول الجماهير. قال أصحابنا: ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها، وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة – انتهى. وعن أحمد رواية ثالثة أنه مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها. قال ابن قدامة: لورود الأخبار بكلا الأمرين ودلالتها على كلتا الصفتين، فيحتمل أن النبي ﷺ فعل الأمرين – انتهى. وقال الشوكاني بعد ذكر القولين الأولين ما لفظه:
стр. 2142
متفق عليه.
١٥١١- (٢) وعن أنس قال: كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعاء إلا في الاستسقاء، فإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه.
ــ
وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحق – انتهى. وتقدم أنه روي عن أحمد نفي الخطبة أيضاً، قال ابن قدامة بعد ذكر الروايات الأربعة عنه: وأياً ما فعل من ذلك فهو جائز؛ لأن الخطبة غير واجبة على الروايات كلها، فإن شاء فعلها وإن شاء تركها، والأولى أن يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة لتكون كالعيد، وليكونوا قد فرغوا من الصلاة أن أجيب دعاءهم فأغيثوا فلا يحتاجون إلى الصلاة في المطر – انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الاستسقاء في مواضع، وأخرجه أيضاً في الدعوات، وأخرجه مسلم في الاستسقاء كلاهما بألفاظ مختلفة، ولفظ المشكاة بهذا السياق والنسق ليس لهما ولا لأحدهما، بل ولا لغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد والمعاجم، والجهر بالقراءة لم يذكره في رواية مسلم قد انفرد به البخاري، وليس في رواية الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد ذكر رفع اليدين أصلاً، نعم رواه الترمذي وأبوداود والنسائي، ولا أدري من أين نقل البغوي والمصنف هذا السياق؟ والظاهر أن هذا من تصرف البغوي، والعجب من المصنف إنه لم ينتبه لذلك، والحديث أخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
١٥١١- قوله (كان النبي ﷺ لا يرفع يديه) أي رفعاً بليغاً، يعني لا يبالغ في الرفع، وإلا فأصل الرفع ثابت في مطلق الدعاء، وآخر الحديث يشعر بهذا المعنى (في شي من دعاء إلا في الاستسقاء) أي في دعائه (فإنه يرفع) أي كان يرفع يديه (حتى يرى) بصيغة المجهول (بياض إبطيه) بكسر الهمزة وسكون الباء الموحدة وقد تكسر باطن المنكب يذكر ويؤنث، قال الحافظ: قوله: إلا في الاستسقاء، ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة في الرفع في غير الاستسقاء وهي كثيرة، فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، ورواية المثبت مقدمة على النافي، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع، بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة، إما على الرفع البليغ، ويدل عليه قوله: حتى يرى بياض إبطيه، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء، إنما المراد به مد اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وحينئذٍ يرى بياض إبطيه، وإما على صفة اليدين في ذلك كما في رواية مسلم التي تليه، ولأبي داود من حديث أنس أيضاً: كان يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه.
стр. 2143
متفق عليه.
١٥١٢- (٣) وعنه، أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء. رواه مسلم.
١٥١٣- (٤) وعن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: ((اللهم صيباً
ــ
(متفق عليه) ، وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٣٥٧) ، والحاكم (ص٣٢٧) ، وذكر المنذري والقسطلاني والعيني: ابن ماجه أيضاً فيمن خرجه في الاستسقاء، ولم أجده، ونسبه الجزري في جامع الأصول (ج٧ ص١٣٩) للبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي فقط، نعم روى ابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ استسقى حتى رأيت أو رؤي بياض إبطيه، أخرجه أيضاً أحمد (ج٢ ص٢٣٦) والبزار.
١٥١٢- قوله (إن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء) على عكس ما هو المتعارف في الدعاء، قيل: الحكمة في الإشارة بظهر الكفين في الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقليب الحال، كما قيل في تحويل الرداء، قال التوربشتي: معنى الحديث أنه كان يجعل بطن كفيه إلى الأرض وظهرهما إلى السماء، يشير بذلك إلى قلب الحال ظهر البطن وذلك مثل صنيعه في تحويل الرداء، ويحتمل وجهاً آخر، وهو أنه جعل بطن كفيه إلى الأرض إشارة إلى مسألته من الله تعالى بأن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصب ما فيه من المطر كما أن الكف إذا جعل وجهها أي بطنها إلى الأرض أنصب ما فيها من الماء – انتهى. وقال النووي: قال العلماء: السنة في كل دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلاً ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء – انتهى. وقد أخرج أحمد من حديث السائب بن خلاد عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا سأل جعل باطن كفيه إليه، وإذا استعاذ جعل ظاهرهما إليه، وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال مشهور. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود، وتقدم لفظه، وأخرجه البيهقي بكلا اللفظين (ج٣ ص٣٥٧) .
١٥١٣- قوله (كان إذا رأى المطر) يحتمل أن يكون المراد إذا رأى المطر بعد الاستسقاء، والمطر بفتح الطاء: ماء السحاب (صيباً) بفتح الصاد وتشديد الياء المكسورة أي منهمراً متدافعاً، أصله واو لأنه من صاب يصوب صوباً إذا نزل فأصاب الأرض وبناءه صيوب كفعيل، فأبدلت الواو ياءً وأدغمت كسيد، قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أو كصيب من السماء﴾ [البقرة: ١٩] : الصيب المطر، وبه قال الجمهور. قال الواحدي: هو المطر الكثير، وقيل: المطر الذي يجري ماؤه، وقال بعضهم: الصيب السحاب، ولعله أطلق ذلك مجازاً؛ لأنه من صاب المطر يصوب إذا نزل فأصاب الأرض، ويؤيد معنى المطر الكثير ما في الكشاف: الصيب المطر الذي يصوب، أي
стр. 2144
نافعاً)) رواه البخاري.
١٥١٤- (٥) وعن أنس قال: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال: فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لِمَ صنعتَ هذا؟ قال: ((لأنه حديث عهد بربه)) رواه مسلم.
ــ
ينزل ويقع، وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتكثير، فدل على أنه نوع من المطر شديد هائل، ولذا تممه بقوله: ((نافعاً)) صيانة عن الأضرار والفساد، وهو منصوب بفعل مقدر أي اجعله، كما في رواية النسائي وابن ماجه والبيهقي أو أسقنا أو أسألك. وقيل: على الحال، أي أنزله علينا حال كونه صيباً أي مطراً (نافعاً) صفة للصيب؛ ليخرج بذلك الصيب الضار أو ما لا يترتب عليه نفع أعم من أن يترتب عليه ضرر أم لا، قال في المصابيح: وهذا أي قوله ((صيباً نافعاً)) كالخبر الموطئ في قولك: زيد رجل فاضل، إذ الصفة هي المقصودة بالإخبار بها، ولولا هي لم تحصل الفائدة، هذا إن بنينا على قول ابن عباس: إن الصيب هو المطر، وإن بنينا على أنه المطر الكثير كما نقله الواحدي فكل من صيباً ونافعاً مقصود، والاقتصار عليه محصل للفائدة – انتهى. وفي الحديث دليل على استحباب الدعاء المذكور عند نزول المطر للازدياد من الخير والبركة، وفي رواية ابن ماجه والبيهقي والنسائي في عمل اليوم والليلة: هنيئاً، بدل نافعاً، وفي رواية ابن أبي شيبة، وكذا في رواية لابن ماجه: سيباً نافعاً – بفتح السين المهملة وإسكان الياء – مصدر بمعنى الفاعل صفة لمحذوف، أي اجعله مطراً جارياً، من ساب المطر يسيب سيباً إذا جرى، وذهب كل مذهب، وقيل: السيب العطاء (رواه البخاري) في الاستسقاء، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي في السنن، وفي عمل اليوم والليلة وابن ماجه في الدعاء والبيهقي (ج٣ ص٣٦١) وابن أبي شيبة.
١٥١٤- قوله (فحسر رسول الله ﷺ ثوبه) أي كشف بعض ثوبه عن بدنه (لم صنعت هذا) أي ما الحكمة فيه (قال: لأنه) أي المطر الجديد (حديث عهد بربه) أي جديد النزول بأمر ربه أو بإيجاد ربه وتكوينه إياه، يعني أن المطر رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها، وفيه دليل على أنه يستحب عند أول المطر أن يكشف بدنه ليناله المطر لذلك. وقال التوربشتي: أراد أنه قريب عهد بالفطرة، وأنه هو الماء المبارك الذي أنزله الله من المزن ساعتئذ فلم تمسه الأيدي الخاطئة ولم تكدره ملاقاة أرض عبد عليها غير الله. قال المظهر: فيه تعليم لأمته أن يتقربوا ويرغبوا فيما فيه خير وبركة – انتهى. ويسن الدعاء وطلب الإجابة عند نزول المطر، كما في حديث سهل بن سعد وحديث أبي أمامة رواهما البيهقي (ج٣ ص٣٦٠) (رواه مسلم) في الاستسقاء، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في الدعاء والبيهقي (ج٣ ص٣٥٩) .
стр. 2145
﴿الفصل الثاني﴾
١٥١٥- (٦) عن عبد الله بن زيد قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى، فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة، فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله، رواه أبوداود.
١٥١٦- (٧) وعنه أنه قال: استسقى رسول الله ﷺ وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها، فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقيه.
ــ
١٥١٥- قوله (فجعل عطافه) بكسر العين المهملة، أي طرف ردائه (الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن) قال في المجمع: العطاف والعطف الرداء، سمي عطافاً لوقوعه على عطفي الرجل، وهما ناحيتا عنقه، إنما أضاف العطاف إلى الرداء لأنه أراد أحد شقي العطاف، فالهاء ضمير الرداء، ويجوز أن يكون للنبي ﷺ ويريد بالعطاف جانب الرداء وطرفه (ثم دعا الله) أي لرفع القحط ونزول الغيث، وفي الحديث بيان المراد من تحويل الرداء، وهو أن يجعل الأيمن منه أيسر والأيسر منه أيمن، وليس فيه ذكر الصلاة، وهو محمول على نسيان الراوي أو أنه اختصره. (رواه أبوداود) وسكت عنه، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٣ ص٣٥٠) من طريق أبي داود.
١٥١٦- قوله (وعليه خميصة) أي كساء أسود مربع له علمان في طرفيه من صوف وغيره، فإن لم يكن معلماً فليس بخميصة (له) أي للنبي ﷺ (سوداء) صفة لخميصة، وفيه تجريد، وقال الجزري في النهاية: الخميصة ثوب خز أو صوف معلم. وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديماً، وجمعها الخمائص – انتهى. (فلما ثقلت) أي الخميصة يعني عسر عليه جعل أسفلها أعلاها (قلبها) أي الخميصة بتخفيف اللام. وقيل: بتشديدها (على عاتقيه) بأن جعل جانبها الأيمن على عاتقه الأيسر، والجانب الأيسر على عاتقه الأيمن. قال الطحاوي بعد رواية الأحاديث التي فيها ذكر صفة قلب الرداء ما لفظه: ففي هذه الآثار قلبه لردائه وصفة قلب الرداء كيف كان وإنه إنما جعل ما على يمينه منه على يساره، وما على يساره على يمينه لما ثقل عليه أن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، فكذلك نقول ما أمكن أن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، فقلبه كذلك هو وما لا يمكن ذلك فيه حوله فجعل الأيمن منه أيسر والأيسر منه أيمن – انتهى. قلت: اختلفوا في حكم التنكيس – وهو أن يجعل
стр. 2146
رواه أحمد وأبوداود.
١٥١٧- (٨) وعن عمير مولى آبي اللحم، أنه
ــ
أسفله أعلاه -، فقال الجمهور: مالك وأحمد باستحباب التحويل فقط، وروي ذلك عن أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز وهشام بن إسماعيل وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان يقول به الشافعي ثم رجع فاستحب فعل ما هم به ﷺ من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف، وتقدم مذهب الحنفية في كلام الطحاوي، وزعم القرطبي كغيره إن الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في كتاب الأم أنه اختار التنكيس مع التحويل. قال الحافظ في الفتح: ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط – انتهى. وذلك لأنه اختار الجمع بين التحويل والتنكيس كما تقدم، وإذا كان مذهبه ما ذكره عنه القرطبي فليس بأحوط، واستدل الجمهور بحديث العطاف. قال ابن قدامة: وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك والزيادة التي نقلوها – يعني في التنكيس – إن ثبتت فيه ظن الراوي لا يترك لها فعل النبي ﷺ ، وقد نقل تحويل الرداء جماعة لم ينقل أحد منهم أنه جعل أعلاه أسفله، ويبعد أن يكون النبي ﷺ ترك ذلك في جميع الأوقات لثقل الرداء – انتهى. قلت: الزيادة المذكورة لا تنحط عن درجة الحسن، بل هي صحيحة، وهي إخبار عن مشاهدة، وفيها الجمع بين الروايات، فالأحوط عندنا هو ما ذكره الشافعي في الأم من استحباب التنكيس مع التحويل، والله تعالى أعلم. (رواه أحمد) (ج٤ ص٤١-٤٢) ، (وأبوداود) وأخرجه الحاكم (ج١ ص٣٢٧) والبيهقي (ج٣ ص٣٥١) وأبوعوانة وابن حبان، وأخرجه النسائي مختصراً، أي إلى قوله: وعليه خميصة سوداء، والحديث قد سكت عنه أبوداود والمنذري، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال في الإلمام: إسناده على شرط الشيخين.
١٥١٧- قوله (وعن عمير) بالتصغير مولى آبي اللحم الغفاري، صحابي شهد خيبر مع مولاه، وعاش إلى نحو السبعين. (مولى آبى اللحم) بألف ممدودة اسم فاعل من أبى بمعنى امتنع. قال الحافظ: آبى اللحم – بالمد – بلفظ اسم الفاعل من الإباء، صحابي مشهور غفاري، يقال: إن اسمه خلف، وقيل غير ذلك، شهد حنيناً، ومعه مولاه عمير، وإنما لقب بآبي اللحم لأنه كان يأبى أن يأكل اللحم مطلقاً، وقيل: لأنه كان لا يأكل ما ذبح للأصنام في الجاهلية، قال ابن عبد البر: هو من قدماء الصحابة وكبارهم، ولا خلاف أنه شهد حنيناً وقتل بها، قيل: هو الذي يروي هذا الحديث ولا يعرف له حديث سواه، قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة آبي اللحم: له عن النبي ﷺ حديث واحد في الاستسقاء، روى عنه عمير مولاه (أنه) الضمير لعمير.
стр. 2147
رأى النبي ﷺ يستسقي عند أحجار الزيت، قريباً من الزوراء قائماً يدعو يستسقي، رافعاً يديه قِبَل وجهه لا يجاوزه بهما رأسه، رواه أبوداود، وروى الترمذي، والنسائي نحوه.
ــ
(رأى النبي ﷺ يستسقي عند أحجار الزيت) قال ياقوت الحموي: موضع بالمدينة، قريب من الزوراء، وهو موضع صلاة الاستسقاء، وقال العمراني: أحجار الزيت موضع بالمدينة داخلها، وقال القاري: موضع بالمدينة من الحرة، سمي بذلك لسواد أحجاره كأنها طليت بالزيت – انتهى. (قريباً) أي حال كونه قريباً أو في مكان قريب (من الزوراء) بفتح الزاء المعجمة وسكون الواو موضع عند سوق المدينة مرتفع كالمنارة قرب المسجد (قائماً) أي يستسقي قائماً (يدعو يستسقي) حالان أي داعياً مستسقياً (رافعاً يديه) وفي رواية لأحمد: رافعاً كفيه (قبل وجهه) بكسر القاف وفتح الموحدة أي قبالته (لا يجاوز بهما) أي بيديه حين رفعهما (رأسه) قال القاري: لا ينافي ما مر عن أنس أنه كان يبالغ في الرفع للاستسقاء لاحتمال أن ذلك كان أكثر أحواله، وهذا في نادر منها أو بالعكس – انتهى. وزاد أحمد في روايته: مقبل بباطن كفيه إلى وجهه، وهذا لا يخالف ما مر من حديثه أيضاً أنه كان يشير بظهر كفيه إلى السماء في الاستسقاء، أي يجعل بطون يديه مما يلي الأرض؛ لأنه يحتمل أنه كان يفعل تارة كذا وتارة كذا، والله تعالى أعلم. والحديث استدل به لأبي حنيفة على عدم استنان الصلاة في الاستسقاء؛ لأنه ليس فيه ذكر الصلاة، وقد تقدم الجواب عنه. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاًُ أحمد (ج٥ ص٢٢٣) وسكت عنه أبوداود. (وروى الترمذي والنسائي نحوه) أي معناه كلاهما عن قتيبة عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن عبد الله عن عمير مولى آبي اللحم عن آبي اللحم أنه رأى رسول الله ﷺ عند أحجار الزيت يستسقي، وهو مقنع بكفيه يدعو، قال الترمذي: كذا قال قتيبة في هذا الحديث "عن آبي اللحم" ولا نعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث الواحد، وعمير مولى آبي اللحم قد روى عن النبي ﷺ أحاديث، وله صحبة – انتهى. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: هكذا روى الترمذي والنسائي عن قتيبة أنه زاد في الإسناد "عن آبي اللحم"، ولكن رواه أحمد عن قتيبة نفسه من حديث عمير مولى آبي اللحم ولم يذكر عن آبي اللحم، وذكر الحديث في مسند عمير، فلعل قتيبة لم يحفظ هذا الحديث جيداً، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا، وقد أخطأ في إسناده خطأ آخر إذ جعل الرواية عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عمير مباشرة، والصواب أن يزيد رواه عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عمير كما في رواية أحمد وأبي داود من طريق حيوة وعمر بن مالك عن ابن الهاد – انتهى. قلت: ورواه الحاكم (ج١ ص٣٢٧) من طريق يحيى بن بكير عن الليث، فجعله من حديث عمير مولى آبي اللحم، ولم يذكر "عن آبي اللحم" وقال: صحيح الإسناد، وعمير مولى آبي اللحم له صحبة – انتهى. وهذا يؤيد أن الحديث
стр. 2148
١٥١٨- (٩) وعن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ يعني في الاستسقاء متبذلاً، متواضعاً، متخشعاً، متضرعاً، رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
ــ
من مسند عمير لا من مسند مولاه آبي اللحم، وأن قتيبة لم يحفظ جيداً، ووافق الذهبي الحاكم في تصحيح الحديث، لكن زاد في السند لفظ "عن آبي اللحم" وروى أحمد (ج٤ ص٣٦) وأبوداود من طريق شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن محمد بن إبراهيم قال: أخبرني من رأى النبي ﷺ يدعو عند أحجار الزيت باسطاً كفيه، اللفظ لأبي داود، قال الحافظ في مبهمات التقريب، وتهذيب التهذيب: محمد بن إبراهيم التيمي أخبرني من رأى النبي ﷺ عند أحجار الزيت، هو عمير مولى آبي اللحم – انتهى. وهو أيضاً يرجح كون الحديث من مسند عمير لا من مسند مولاه آبي اللحم.
١٥١٨- قوله (يعني في الاستسقاء) أي يريد ابن عباس أنه – ﵊ – خرج إلى المصلى في الاستسقاء، وهو من كلام البغوي، وأول الحديث قال إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة: أرسلني الوليد بن عتبة - وكان أمير المدينة – إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله ﷺ في الاستسقاء فأتيته فقال: خرج رسول الله ﷺ (متبذلاً) بمثناة فوقية ثم موحدة ثم ذال معجمة، أي لابساً ثياب البذلة، تاركاً لثياب الزينة، تواضعاً لله تعالى وإظهاراً للحاجة. قال في النهاية: التبذل ترك التزين والتهيء بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع (متواضعاً) في الظاهر (متخشعاً) في الباطن، وقال الشوكاني: قوله: متخشعاً، أي مظهراً للخشوع ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله ، زاد في رواية ابن ماجه والحاكم، وكذا في رواية لأحمد (ج١ ص٢٣٠) والبيهقي (ج٣ ص٣٤٤) : مترسلاً، أي متأنياً غير مستعجل في مشيه، يقال: ترسل الرجل في كلامه ومشيه: إذا لم يعجل (متضرعاً) أي مظهراً للضراعة، وهي التذلل عند طلب الحاجة والمبالغة في السؤال والرغبة، ووقع عند أبي داود فيما روى عن عثمان بن أبي شيبة: حتى أتى المصلى فرقى على المنبر، وكذا وقع ذكر الجلوس على المنبر عند النسائي من رواية أبي جعفر محمد بن عبيد بن محمد النحاس الكوفي المحاربي، وعند البيهقي من رواية أبي ثابت محمد بن عبيد الله بن محمد المدني، ووقع عند الثلاثة، وكذا عند الترمذي وغيره: فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيدين، ولفظ أبي داود: ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد، وقد تقدم الكلام على معناه (رواه الترمذي) ... الخ، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ ص٢٣٠، ٢٦٩، ٣٥٥) ، وأبوعوانة وابن حبان والحاكم (ج١ ص٣٢٦) ، والدارقطني والبيهقي (ج٣ ص٣٤٤) ، وصححه الترمذي وأبوعوانة وابن حبان.
стр. 2149
١٥١٩- (١٠) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان النبي ﷺ إذا استسقى قال: ((اللهم اسق عبادك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت)) رواه مالك وأبوداود.
١٥٢٠- (١١) وعن جابر قال: رأيت رسول الله ﷺ يواكيء
ــ
١٥١٩- قوله (عن أبيه) شعيب (عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص (كان النبي ﷺ إذا استسقى) أي طلب الغيث عند الحاجة (قال) أي في دعائه (اللهم اسق) بهمزة الوصل والقطع (عبادك) من الرجال والنساء والعبيد والإماء والصغير والكبير، وفي الإضافة إليه تعالى مزيد الاستعطاف (وبهيمتك) أي بهائمك من جميع دواب الأرض وحشراتها، قال في القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم، ولو في الماء، أو كل حي لا يميز – انتهى. وهذا لفظ مالك في الموطأ، وعند أبي داود: وبهائمك، بلفظ الجمع (وانشر) بضم الشين، أي ابسط وعمم (رحمتك) أي المطر ومنافعه وبركاته، قال تعالى: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته﴾ [الشورى: ٢٨] ، (وأحي) أمر من الإحياء (بلدك الميت) بتشديد الياء أن بإنبات الأرض بعد موتها أي جدبها ويبسها كأنه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها﴾ [الروم: ٥٠] وإلى قوله: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها﴾ [فاطر: ٩] ، وإلى قوله: ﴿وأحيينا به بلدة ميتاً﴾ [ق: ١١] ، قال الطيبي: يريد به بعض البلاد المبعدين عن مظان الماء الذي لا ينبت فيها عشب للجدب فسماه ميتاً على الاستعارة ثم فرع عليه الإحياء، والحديث دليل على استحباب الدعاء بما اشتمل عليه عند الاستسقاء (رواه مالك وأبوداود) ظاهر هذا أنهما روياه موصولاً، وليس كذلك، فإن حديث مالك مرسل، قال الزرقاني: رواه مالك وجماعة عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه أن رسول الله ﷺ مرسلاً، ورواه آخرون عن يحيى عن عمرو عن أبيه عن جده مسنداً، منهم الثوري عند أبي داود – انتهى. قلت: وأخرجه البيهقي (ج٣ ص٣٥٦) من طريق عبد الرحيم بن سليمان الأشل عن الثوري موصولاً، قال الحافظ في التلخيص (ص١٥١) : ورجح أبوحاتم إرساله – انتهى.
١٥٢٠- قوله (رأيت رسول الله ﷺ يواكئ) بضم الياء المثناة تحت وآخره همزة بصيغة المضارع من المواكأة، هكذا وقع في جميع النسخ من المصابيح والمشكاة، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٧ ص١٤٠) ، وهكذا ذكره الخطابي في معالم السنن (ج١ ص٢٥٤) ، ثم فسره فقال: معناه يتحامل على يديه إذا رفعهما ومدهما في الدعاء، ومن هذا التوكؤ على العصا وهو التحامل عليها – انتهى. قال القاري: المواكأة والتوكؤ والاتكاء: الاعتماد، والتحامل على الشيء في النهاية، أي يتحامل على يديه أي يرفعهما ويمدهما في الدعاء، ومنه
стр. 2150
فقال: ((اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً، مريعاً،
ــ
التوكؤ على العصا، وهو التحامل عليها، هكذا قال الخطابي في معالم السنن، والذي جاء في سنن أبي داود: "بواكئ" بالباء الموحدة، هكذا جاء في الكتاب فيما قرأناه، وبحثت عنه في نسخ أخرى فوجدته كذلك – انتهى. قلت: وهكذا وقع بالباء الموحدة المفتوحة عند الحاكم في المستدرك، أي جاءت عند النبي ﷺ نفوس باكية أو نساء باكيات لانقطاع المطر عنهم، ملتجئة إليه، قال في فتح الودود: هذه هي الرواية المعتمدة في سنن أبي داود، وقد صحف كثير منهم نسخ السنن بوجوه متعددة لا يظهر لبعضها معنى صحيح – انتهى. وقال المنذري: هكذا وقع في روايتنا وفي غيرها مما شاهدناه "بواكئ" بالباء الموحدة المفتوحة، وذكر الخطابي قال: رأيت النبي ﷺ يُواكئ – بضم الياء باثنتين من تحتها – انتهى. قال الحافظ في التلخيص: وقد تعقبه النووي في الخلاصة وقال: وهذا الذي ادعاه الخطابي لم تأت به الرواية ولا انحصر الصواب فيه، بل ليس هو واضح المعنى، وصحح بعضهم ما قال الخطابي. قال الحافظ: وقد رواه البزار بلفظ يزيل الإشكال، وهو عن جابر أن بواكي أتوا النبي ﷺ ، وقد أعله الدارقطني في العلل بالإرسال، وقال: رواية من قال عن زيد الفقير من غير ذكر جابر أشبه بالصواب، وكذا قال أحمد بن حنبل كما في البيهقي (ج٣ ص٣٥٥) ، وجرى النووي في الأذكار على ظاهره فقال: صحيح على مسلم – انتهى. قلت: وفي رواية للبيهقي: أتت النبي ﷺ هوازن بدل بواكي. (اللهم أسقنا) بالوصل والقطع (غيثاً) أي مطراً يغيثنا من الجدب، فقوله (مغيثاً) بضم الميم تأكيداً وتجريداً، وأريد به المنقذ من الشدة على ما في النهاية. قال الطيبي: عقب الغيث وهو المطر الذي يغيث الخلق من القحط على الإسناد المجازي وإلا فالمغيث في الحقيقة هو الله سبحانه – انتهى. وقال القاري: مغيثاً بضم أوله أي معيناً من الإغاثة بمعنى الإعانة، وقيل: أي مشبعاً (مريئاً) بفتح الميم وبالمد وبالهمزة أي هنيئاً محمود العاقبة لا ضرر فيه من الغرق والهدم، في النهاية: مرأني الطعام وامرأني: إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيباً، وقيل: بفتح الميم وتشديد الياء بغير همز، أبدلت الهمزة ياء ثم أدغمت، وقيل: هو ناقص، ومعناه: كثيراً غزيراً، المري والمرية: الناقة العزيرة الدر، من المري وهو الحلب، قال التوربشتي: في شرح المصابيح: مريئاً أي صالحاً كالطعام الذي يمرأ، ومعناه الخلو عن كل ما ينقصه كالهدم والغرق، ويحتمل أن يكون بغير همزة، ومعناه مدراراً، من قولهم: ناقة مري، أي كثير اللبن ولا أحققه رواية – انتهى. (مريعاً) بفتح الميم وسكون التحتية – أي ذا مراعة، وهي الخصب، فعيل من مرع الأرض – بالضم – مراعة، أي صارت كثيرة الماء والنبات، وقيل: بضم الميم وسكون التحتية أي أسقنا غيثاً كثير النماء ذا ريع، من أراعت الإبل إذا كثرت أولادها، ويقال: راع الطعام وأراع إذا صارت له زيادة في العجين والخبز، وروي مربعاً – بضم الميم وكسر الباء الموحدة – أي منبتاً للربيع، وهو النبات الذي يرعاه الشاء في الربيع من أرْبَع الغيث إذا أنبت الربيع، وقيل: معناه مقيماً للناس مغنياً لهم عن
стр. 2151
نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل)) ، قال: فأطبقت عليهم السماء. رواه أبوداود.
﴿الفصل الثالث﴾
١٥٢١- (١٢) عن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه،
ــ
الارتياد والنجعة أي طلب الكلأ، فالناس يربعون حيث شاءوا أي يقيمون ولا يحتاجون إلى الانتقال في طلب الكلأ لعمومه جميع البلاد، من أربع بالمكان إذا أقام به، وروي مَرتعاً – بفتح الميم وبالباء المثناة من فوق – أي منبتاً ما ترتع فيه المواشي وترعاه، من الرتع وهو الاتساع في الخصب، فكل خصب مرتع، ومنه: ﴿يرتع ويلعب﴾ . (نافعاً) إجمال بعد تفصيل (غير ضار) تأكيد (عاجلاً) في الحال (غير آجل) مبالغة (قال) أي جابر (فأطبقت) على بناء الفاعل، وقيل بالمفعول (عليهم السماء) ، يقال: أطبق إذا جعل الطبق على رأس شيء وغطاه به، أي جعلت عليهم السحاب كطبق، قيل: أي ظهر السحاب في ذلك الوقت وغطاهم كطبق فوق رؤسهم بحيث لا يرون السماء من تراكم السحاب وعمومه الجوانب، وقيل: أطبقت بالمطر الدائم، يقال: أطبقت عليه الحمى أي دامت، وفي شرح السنة: أي ملأت، والغيث المطبق هو العام الواسع (رواه أبوداود) وأخرجه الحاكم (ج١ ص٣٢٧) والبيهقي (ج٣ ص٣٥٥) وسكت عنه أبوداود والمنذري، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال النووي: صحيح على شرط مسلم، وتقدم أن الدارقطني أعله في العلل بإرسال، وقد رويت بعض هذه الألفاظ وبعض معانيها عن جماعة من الصحابة مرفوعة، ذكرها الشوكاني في النيل.
١٥٢١- قوله (قحوط المطر) بضم القاف أي حبس المطر وفقده، قال الطيبي: القحوط مصدر كالقحط أو هو جمعه، وأضافه إلى المطر ليشير إلى عمومه في بلدان شتى، وقال المجد في القاموس: القحط احتباس المطر، قحط العام كمنع وفرح وعُني قحطاً وقحِط الناس كسمع وقُحطوا وأُقحطوا بضمهما لغتان (فأمر) رسول الله ﷺ (بمنبر فوضع له في المصلى) فيه أنه ﷺ أمر بإخراج المنبر في الاستسقاء إلى المصلى، وخالفه الحنفية فقالوا: لا يخرج (ووعد الناس يوماً) أي عينه لهم (يخرجون فيه) أي في ذلك اليوم، وفيه ما يدل على أنه يحسن تقديم تبيين اليوم للناس ليتأهبوا ويتخلصوا من المظالم ونحوها ويقدموا التوبة، وهذه الأمور واجبة مطلقاً إلا أنه مع حصول الشدة وطلب تفريجها من الله تعالى يتضيق ذلك، وقد ورد في الإسرائيليات: إن الله حرم قوماً من بني إسرائيل السقيا؛ لأنه كان فيهم فيهم عاصٍ واحد، وقال الله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾
стр. 2152
قالت عائشة: ((فخرج رسول الله ﷺ حين بدأ حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر، وحمد الله،
ــ
[الأعراف: ٩٦] ولفظ الناس يعم المسلمين وغيرهم، قيل: فيشرع إخراج أهل الذمة ويعتزلون المصلى. وقال ابن قدامة: لا يستحب إخراج أهل الذمة وإن خرجوا لم يمنعوا ويؤمروا بالانفراد عن المسلمين (حين بدا) بالألف لا بالهمز أي ظهر (حاجب الشمس) أي أولها أو ناحيتها. قال ميرك: الظاهر أن المراد بالحاجب ما طلع أولاً من جرم الشمس مستدقاً مشبهاً بالحاجب. وقال في المغرب: حاجب الشمس أول ما يبدو من الشمس، مستعار من حاجب الوجه. وقال في القاموس: حاجب الشمس ضوءها أو ناحيتها- انتهى. وإنما سمي الضوء حاجباً لأنه يحجب جرمها عن الإدراك، وفيه استحباب الخروج لصلاة الاستسقاء عند طلوع الشمس. قال القسطلاني بعد ذكر حديث عائشة هذا ما لفظه. وبهذا أخذ الحنفية والمالكية والحنابلة فقالوا: إن وقتها وقت صلاة العيد، والراجح عند الشافعية أنه لا وقت لها معين وإن كان أكثر أحكامها كالعيد بل جميع الليل والنهار وقت لها لأنها ذات سبب فدارت مع سببها كصلاة الكسوف لكن وقتها المختار وقت صلاة العيد كما صرح الماوردي وابن الصلاح لهذا الحديث- انتهى. قلت: ظاهر كلام العيني في شرح الهداية أن مذهب الحنفية التعميم فإنه قال: ثم الاستسقاء لا يختص بوقت صلاة العيد ولا بغيره ولا بيوم، وقيل يختص بوقت صلاة العيد والصحيح أنه لا يختص، وفي المدونة يصلي ركعتين ضحوة فقط. وقال ابن قدامة: ليس لصلاة الاستسقاء وقت معين إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف قال والأولى فعلها في وقت العيد لحديث عائشة عند أبي داود؛ ولأنها تشبهها في الموضع والصفة فكذلك في الوقت؛ لأن وقتها لا يفوت بزوال الشمس؛ لأنها ليس لها يوم معين فلا يكون لها وقت معين- انتهى. وهذا الاختلاف إنما هو في الاستسقاء الذي يكون معهوداً بالصلاة، وأما بمجرد الدعاء فلا وقت له بلا خلاف (فقعد على المنبر) فيه استحباب الصعود على المنبر لخطبة الاستسقاء، وإليه ذهب أحمد. قال ابن قدامة: قال أبوبكر اتفقوا عن أبي عبد الله إن في صلاة الاستسقاء خطبة وصعوداً على المنبر- انتهى. ومنعه الحنفية، قال في البدائع: لا يخرج المنبر في الاستسقاء ولا يصعده لو كان في موضع الدعاء منبر، لأنه خلاف السنة - انتهى. وحديث عائشة هذا نص في إخراج المنبر والصعود عليه، وهو حديث متصل جيد الإسناد كما قال أبوداود، وقد أقره المنذري، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وابن السكن، ويؤيده لفظ: فرقي المنبر في حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره فالظاهر ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه من استحباب إخراج المنبر والصعود عليه لخطبة الاستسقاء وهذا بخلاف العيد فإن إخراج المنبر فيه أمر منكر فقد عاب الناس على مروان عند إخراجه المنبر في العيدين ونسبوه إلى خلاف السنة كما تقدم ولا يخالفه ما روى البخاري وغيره أن عبد الله بن يزيد
стр. 2153
ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم واستيخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت الغني، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغاً إلى حين، ثم رفع يديه، فلم يترك الرفع حتى بدا
ــ
خرج ومعه البراء بن عازب وزيد بن أرقم فاستسقى فقام لهم على رجليه على غير منبر فاستسقى ثم صلى ركعتين- الحديث. لأن إخراج المنبر والصعود عليه لخطبة الاستسقاء ليس واجباً ولا سنة مؤكدة فلا يكون في تركه الأمر بإخراج المنبر وفي تركهم الإنكار عليه دليل على كونه خلاف السنة (إنكم شكوتم) إلى الله ورسوله (جدب دياركم) بفتح الجيم وسكون المهملة أي قحطها (وأستيخار المطر) أي تأخره. قال الطيبي: والسين للمبالغة يقال: استأخر الشيء إذا تأخر تأخراً بعيداً (عن إبان زمانه) بكسر الهمزة بعدها باء موحدة مشددة أي عن أول زمان المطر والإبان أول الشيء. قال في النهاية: قيل نونه أصلية فيكون فعالاً، وقيل زائدة فيكون فعلان من آب الشيء يؤب إذا تهيأ للذهاب، وفي القاموس: إبان الشيء بالكسر حينه أو أوله (عنكم) متعلق باستيخار (وقد أمركم الله) في كتابه (أن تدعوه) أي دائما خصوصا عند الشدائد. قال تعالى: ﴿أدعوني أستجب لكم﴾ [غافر:٦٠] (ووعدكم أن يستجيب لكم) كما في الآية الأولى، وفي قوله: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٦] (مالك يوم الدين) قال القاري: بالألف في جميع النسخ- انتهى. وكذا وقع في جامع الأصول (ج٧:ص١٣٧) وفي سنن أبي داود: ملك يوم الدين بقصر الميم أي بلا ألف بعد الميم، وكذا عند البيهقي قال أبوداود بعد رواية الحديث أهل المدينة يقرؤون ملك يوم الدين (بغير ألف) وأن هذا الحديث حجة لهم – انتهى. (ونحن الفقراء) أي إلى إيجادك وإمدادك (الغيث) أي المطر الذي يغيثنا من الضرر (ما أنزلت) أي من الخير المنزل (قوة) أي سبباً لقوتنا على الطاعة (وبلاغنا) أي زاداً يبلغنا (إلى حين) أي إلى زمان طويل يعني مده لنا مداً طويلاً ليكمل ويتم انتفاعنا به. قال الطيبي: البلاغ ما يتبلغ به إلى المطلوب. والمعنى اجعل الخير الذي أنزل علينا سبباً لقوتنا ومدداً لنا مدداً طوالاً، وفي بعض نسخ أبي داود "إلى خير" بدل "إلى حين" (ثم رفع يديه) (أي للدعاء (فلم يترك الرفع) بل بالغ، فيه كذا في جميع النسخ فلم يترك، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٧:ص١٣٧) وكذا وقع عند البيهقي. وفي أبي داود: فلم يزل في الرفع، وكذا وقع في المستدرك، وكذا نقله المجد في المنتقى والزيلعي في نصب الراية: والحافظ في بلوغ المرام (حتى بدا)
стр. 2154
بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل، فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: أشهد أن الله على كل شيءٍ قدير، وأني عبد الله ورسوله)) رواه أبوداود.
١٥٢٢- (١٣) وعن أنس، أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس
ــ
أي ظهر (بياض إبطيه) فيه استحباب المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، وقد تقدم بيانه (ثم حول إلى الناس ظهره) فاستقبل القبلة إشارة إلى الرجوع إلى الله والانقطاع عما سواه (وقلب) بالتشديد والتخفيف (أو حول) شك من الراوي (رداءه) فيه استحباب تحويل الرداء عند استقبال الخطيب القبلة (وهو رافع يديه) حال من قوله: حول إلى الناس ظهره، يعني هذه الحالة كانت موجودة في حال تحويل ظهره أيضاً (ثم أقبل على الناس) أي توجه إليهم بعد تحويل ظهره عنهم (ونزل) من المنبر (فأنشأ الله) أي أوجد وأحدث (فرعدت وبرقت) بفتح الراء أي ظهر فيها الرعد والبرق فالنسبة مجازية (ثم أمطرت بإذن الله) بالألف من الأمطار، وفيه دليل للمذهب المختار الذي عليه الأكثرون، والمحققون من أهل اللغة، أن أمطرت ومطرت لغتان في المطر، خلافاً لما قال بعض أهل اللغة أنه لا يقال أمطرت إلا في العذاب (فلم يأت) رسول الله ﷺ من المحل الذي استسقى فيه من الصحراء (مسجده) النبوي (حتى سالت السيول) من جميع الجوانب (فلما رأى سرعتهم) أي سرعة مشيهم والتجاءهم (إلى الكن) بكسر الكاف وتشديد النون وهو ما يرد به الحر والبرد من المساكن. وقال في القاموس: الكن وقاء كل شيء وستره كالكنة والكنان بكسرهما والبيت والجمع أكنان وأكنة- انتهى. (ضحك حتى بدت نواجذه) النواجذ على ما ذكره صاحب القاموس أقصى الأضراس، وهي أربعة أو هي الأنياب أو التي تلي الأنياب أو هي الأضراس كلها جمع ناجذ، والنجذ شدة العض بها- انتهى. قال الطيبي: كان ضحكه تعجباً من طلبهم المطر اضطراراً ثم طلبهم الكن عنه فراراً ومن عظيم قدرة الله وإظهار قربة رسوله ﷺ وصدقه بإجابة دعاءه سريعاً ولصدقه أتى بالشهادتين (رواه أبوداود) وقال: هذا حديث غريب إسناده جيد، وأخرجه أيضاً أبوعوانة وابن حبان والحاكم (ج١:ص٣٢٨) والبيهقي (ج٣:ص٣٤٩) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وصححه أيضاً أبوعلي بن السكن، كما في التلخيص.
١٥٢٢- قوله: (كان إذا قحطوا) بضم القاف وكسر الحاء المهملة أي أصابهم القحط (استسقى بالعباس)
стр. 2155
ابن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك نبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا فيسقون.
ــ
أي توسل عمر بدعائه وشفاعته في الاستسقاء. وقال القاري: أي تشفع به في الإستسقاء بعد استغفاره ودعائه (بن عبد المطلب) للرحم التي بينه وبين النبي ﷺ فأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه إلى من أمر بصلة الأرحام ليكون ذلك وسيلة إلى رحمة الله. قال الحافظ: وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناده أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس، وأخرج أيضاً من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فذكر الحديث وفيه فخطب الناس عمر فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا أيها الناس برسول الله ﷺ في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله، وفيه: فما برحوا حتى سقاهم الله، وذكر ابن سعد وغيره أن عام الرمادة كان سنة ثمان عشرة وكان ابتداءه مصدر الحاج منها ودام تسعة أشهر، والرمادة بفتح الراء وتخفيف الميم، سمي العام بها لما حصل من شدة الجدب فأغبرت الأرض جدا من عدم المطر- انتهى. وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان فلما صعد عمر ومعه العباس المنبر قال عمر: اللهم توجهنا إليك بعم نبيك وصنو أبيه فاسقينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ثم قال: قل يا أباالفضل فقال العباس: اللهم لم ينزل بلاء إلا بذنب إلخ (اللهم إنا كنا نتوسل إليك نبينا) أي بدعائه وشفاعته في حال حياته لا بذاته (فتسقينا) بفتح حرف المضارعة وضمها (وإنا) أي بعده (نتوسل إليك بعم نبينا) العباس أي بدعائه وشفاعته (فاسقنا) بالوجهين (فيسقون) في هذه القصة الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيها فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه، قاله الحافظ. وقد استدل القبوريون بهذا الحديث على التوسل المعهود فيما بينهم، وهو مردود، فإن التوسل المذكور في الحديث ليس هو التوسل بذات الحي أو الميت أو التوسل بذكر إسمه، بل إنما هو التوسل بدعاء الحي وشفاعته والذي فعله عمر، فعله مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين فتوسلوا بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي، كما توسل عمر بالعباس، وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم أنه يتوسل في الإستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح قالوا: وإن كان من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل إقتداء بعمر ولم يقل أحد من أهل العلم يسأل الله تعالى في ذلك بمخلوق لا بنبي ولا بغير نبي. قال ابن قدامة (ج٢:ص٤٣٩) ويستحب أن يستسقى بمن ظهر صلاحه؛ لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء ثم ذكر قصة
стр. 2156
رواه البخاري.
١٥٢٣- (١٤) وعن أبي هريرة، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقى، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء، فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة)) رواه الدارقطني.
ــ
استسقاء عمر بدعاء العباس وقصة استسقاء معاوية والضحاك بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي. وقال صاحب فيض الباري: ليس في الحديث التوسل المعهود الذي يكون بالغائب حتى قد لا يكون به شعور أصلاً بل فيه توسل السلف، وهو أن يقدم رجلا ذا وجاهة عند الله تعالى ويأمره أن يدعو لهم ثم يحيل عليه في دعائه كما فعل بعباس ﵁ عم النبي ﷺ ، ولو كان فيه توسل المتأخرين (أي من الحنفية ومنهم القبوريون) لما احتاجوا إلى إذهاب العباس معهم ولكفى لهم التوسل بنبيهم بعد وفاته أيضاً أو بالعباس مع عدم شهوده معهم - انتهى. هذا وقد بسط الكلام في الرد على استدلال القبوريين بهذا الحديث الإمام تقي الدين بن تيمية في رسالته التوسل (ص٥٠-٥١ و٨٦-٨٧ و١١٠) والعلامة السهسواني في صيانة الإنسان (ص١٣١-٢١٠) فعليك أن ترجع إليهما (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٣:ص٣٥٢) وقد وقع في رواية الإسماعيلي رفع هذا الحديث ولفظه: قال أي أنس كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا به فيستسقى لهم فيسقون فلما كان في إمارة عمر- الحديث. وكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه، كما في الفتح.
١٥٢٣- قوله: (خرج نبي من الأنبياء) هو سليمان ﵇ (بالناس يستسقى) فيه دلالة على أن الإستسقاء شرع قديم والخروج له كذلك (فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال ارجعوا) إلخ. وفي لفظ لأحمد: خرج سليمان يستسقى فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم (من أجل هذه النملة) في السنن للدارقطني من أجل شأن هذه النملة، وفي الحديث إظهار عظمة الله تعالى وقدرته وغناه عما سواه، وفيه بيان رأفته ورحمته على كافة المخلوقات وإحاطة علمه بأحوال سائر الموجودات وأنه مسبب الأسباب وقاضي الحاجات وأن للبهائم إدراكاً يتعلق بمعرفة الله ومعرفة بذكره فتطلب الحاجات منه (رواه الدارقطني) وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (ج١:ص٣٢٥) وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وأخرجه الطحاوي من طرق منها من حديث أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان ﵇ فذكره، وفي آخره: ارجعوا فقد كفيتم بغيركم، وفي ابن ماجه
стр. 2157
(٥٣) باب في الرياح
﴿الفصل الأول﴾
١٥٢٤- (١) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نصرت بالصبا،
ــ
من حديث ابن عمر في أثناء حديث ولولا البهائم لم يمطروا، وفي إسناده خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، وهو ضعيف، وفي حديث أبي هريرة عند أبي يعلى والبزار والبيهقي، مهلاً عن الله مهلاً فاته لولا شباب خشع وبهائم رتع وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صباً، وفي إسناده إبراهيم بن خثيم بن عراك، وقد ضعفوه، وأخرجه أبونعيم والبيهقي وابن عدي من طريق مالك بن عبيدة بن مسافع عن أبيه عن جده ومالك بن عبيده قال: أبوحاتم وابن معين مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي ليس له غير هذا الحديث، وله شاهد مرسل أخرجه أبونعيم أيضاً. فائدة إذا تأخر المطلوب أي لم يسقوا بعد الخروج إلى الصحراء وصلاة الاستسقاء كرروا الخروج في اليوم الثاني والثالث لا أكثر، وهذا عند الحنفية والحنابلة، وأما عند الشافعية والمالكية فيكرروا الخروج ثانياً وثالثاً وأكثر حتى يسقوا وإذا سقوا قبل الخروج وقد كانوا تأهبوا للخروج خرجوا وصلوا شكراً لله تعالى وحمدوه ودعوه وسألوه المزيد من فضله، وكذلك إذا خرجوا وسقوا قبل أن يصلوا فائدة أخرى إذا كثر المطر بحيث يضرهم، أو مياه الأنهار والعيون دعوا الله تعالى أن يخففه ويصرف عنهم مضرته ويجعله في أماكن تنفع ولا تضر كدعاء النبي ﷺ : باللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، ولأن الضرر بزيادة المطر أحد الضررين فيستحب الدعاء لإزالته كإنقطاعه، وأما النداء بكلمات الأذان المشروعة للإعلام بأوقات الصلوات الخمس لرفع المطر أو تخفيفه عند الضرر بكثرته كما يفعله القبوريون فليس في شيء من السنة ولم يعرف في عهد السلف الصالح من الصحابة والتابعين ولم يؤثر من أتباعهم.
(باب في الرياح) وفي بعض النسخ: باب الرياح بالإضافة، وفي بعضها: باب من غير ترجمة، وهو بالسكون على الوقف أو بالرفع منوناً على أنه خبر مبتدأ محذوف، وعلى النسختين الأوليين ما ذكر فيه من الرياح وقع بطريق التبع فلذا لم يتعرض له بالترجمة، ووجه ذكر ترجمة للرياح عقب باب الاستسقاء إن المطلوب بالاستسقاء نزول المطر والريح في الغالب تعقبه.
١٢٥٤- قوله: (نصرت) بضم النون (بالصبا) بفتح المهملة وتخفيف الموحدة مقصورة هي الريح الشرقية
стр. 2158
وأهلكت عاد بالدبور)) .
ــ
(وأهلكت) بضم الهمزة وكسر اللام (عاد) قوم هود (بالدبور) بفتح الدال وتخفيف الموحدة المضمومة، هي الريح الغربية. قال الطيبي: الصبا الريح التي تجيئ من قبل ظهرك إذا استقبلت القبلة، ويقال لها: القبول بفتح القاف لأنها تقابل باب الكعبة إذ مهبهاً من مشرق الشمس ومطلعها، والدبور هي التي تجيئ من قبل وجهك إذا استقبلت القبلة أيضاً فهي تأتي من دبرها ومهبهاً من مغرب الشمس قيل هذا في ديار خراسان وما وراء النهر وما في حكمهما من الأماكن التي قبلتها السمت الغربي دون الروم والعرب. وقال ابن الأعرابي: الصبا مهبهاً من مطلع الثريا إلى بنات نعش، والدبور من مسقط النسر الطائر إلى سهيل، وفرق بين تفسير الطيبي وتفسير ابن الأعرابي: فإن الأول يشمل سعة المشرق والمغرب كلها، والثاني الناحية منها، قيل إن الصبا هي التي حملت ريح يوسف ﵇ إلى يعقوب قبل البشير إليه فإليها يستريح كل مخزون، والدبور هي الريح العقيم ونصرته ﷺ بالصبا كانت يوم الخندق الذي يقال له غزوة الأحزاب، وكانوا زهاء أثني عشر ألفاً أو أكثر حين حاصروا المدينة فأرسل الله عليهم ريح الصبا باردة في ليالي شاتية شديدة البرد فسقت التراب والحصى في وجوههم وأطفأت نيرانهم وقطعت خيامهم فانهزموا من غير قتال ﴿إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾ - الآية. ومع ذلك فلم يهلك منهم أحد ولم يتأصلهم لما علم الله من رأفة نبيه ﵊ بقومه رجاء أن يسلموا، وأما عاد فإنه ابن عوص بن أرم بن سام بن نوح ﵇ فتفرعت أولاده فكانوا ثلاث عشرة قبيلة ينزلون الأحقاف وبلادها وكانت ديارهم بالدهناء وعالج وبثرين ودبار وعمان إلى حضر موت وكانت أخصب البلاد وأكثرها جناناً، فلما سخط الله عليهم جعلها مفاوز فأرسل الله عليهم الدبور فأهلكتهم وكانت عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوماً أي متتابعة ابتدأت غدوة الأربعاء وسكنت في آخر الثامن واعتزل هو ونبي الله ﵇ ومن معه من المؤمنين، قيل:وكانوا أربعة آلاف في حظيرة لا يصيبهم منها إلا ما يلين الجلود وتلذ الأعين وكانت الريح تقلع الشجر وتهدم البيوت ومن لم يكن في بيته منهم أهلكته في البراري والجبال، وكان ترفع الظعينة بين السماء والأرض حتى ترى كأنها جرادة وترميهم بالحجارة فتدق أعناقهم، قيل: كان طول أحدهم أثني عشرة ذراعاً، وقيل: كان أكثر من عشرة، وقيل: غير ذلك، وفي التفسير: أن الريح كانت تحمل الرجل فترفعه في الهواء ثم تلقيه فتشدخ رأسه فيبقى جثة بلا رأس فذلك قوله: ﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾ [الحاقة:٦] ، وروى ابن أبي حاتم من حديث ابن عمر والطبراني من حديث ابن عباس رفعاه ما فتح الله على عاد من الريح إلا موضع الخاتم فمرت بأهل البادية فحلمتهم ومواشيهم وأموالهم بين السماء والأرض فرأهم الحاضرة فقالوا: هذا عارض ممطرنا فألقتهم عليهم فهلكوا جميعاً، والحديث قد استنبط منه ابن بطال تفضيل بعض المخلوقات على بعض يعني أن المقصود منه تفضيل الصبا على الدبور من جهة إضافة النصر للصبا والإهلاك للدبور وتعقب بأن كل واحدة منهما أهلكت أعداء الله ونصرت
стр. 2159
متفق عليه.
١٥٢٥- (٢) وعن عائشة، قالت: ((ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم، فكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف في وجهه))
ــ
أنبياءه وأولياءه، وقيل المقصود: بيان أن الأشياء والعناصر مسخرة تحت أمر الله تعالى وإرادته رداً على الطبيعيين والحكماء المتفلسفيين، فالريح مأمورة تجيئ تارة بأمره تعالى لنصرة قوم وتارة لإهلاك قوم، وفيه أيضاً إخبار المرأ عن نفسه بما فضله الله تعالى به على سبيل تحديث النعمة لا على الفخر، ومن الرياح الجنوب وهي التي مهبهاً من جهة يمين القبلة والشمال وهي التي تهب من جهة شمالها، فهذه الأربع تهب من الجهات الأربع ولكل من الأربعة طبع فالصبا حارة يابسة، والدبور باردة رطبة، والجنوب حارة رطبة، والشمال باردة يابسة وهي ريح الجنة التي تهب عليهم كما في صحيح مسلم (متفق عليه) أخرجه البخاري في الاستسقاء وبدأ الخلق والأنبياء والمغازي ومسلم في الاستسقاء، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٢٢٢-٢٢٨-٣٢٤-٣٤١-٣٥٥-٣٧٣) والنسائي في التفسير من السنن الكبرى والبيهقي (ج٣:ص٣٦٤) .
١٥٢٥- قوله: (ضاحكاً) حال أو مفعول ثان، وفي رواية للشيخين: مستجمعاً ضاحكاً. قال الحافظ في رواية الكشمهيني: مستجمعاً ضحكاً، أي مبالغاً في الضحك لم يترك منه شيئاً، يقال: استجمع السيل اجتمع من كل موضع واستجمعت للمرأ أموره اجتمع له ما يحبه، فعلى هذا قوله: ضاحكاً منصوب على التمييز وإن كان مشتقاً مثل لله دره فارساً، أي ما رأيته مستجمعاً من جهة الضحك بحيث يضحك ضحكاً تاماً مقبلاً بكليته على الضحك (حتى أرى) أي أبصر (منه لهواته) بفتح اللام والهاء جمع لهاة، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أعلى الحنك. قاله الأصمعي وقيل: هي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم وقيل: هي اللحمات في سقف أقصى الفم. وقيل: اللهاة قعر الفم قريب من أصل اللسان (إنما كان يتبسم) لا ينافي هذا الحديث ما جاء في الحديث الآخر: أنه ضحك حتى بدت نواجذه؛ لأن ظهور النواجذ وهي الأسنان التي في مقدم الفم أو الأنياب لا يستلزم ظهور اللهاة. قاله الحافظ: وقيل: كان التبسم على سبيل الأغلب وظهور النواجذ على سبيل الندرة (فكان) وفي الصحيحين قالت (أي عائشة) وكان (إذا رأى غيماً) أي سحاباً (عرف) بضم العين وكسر الراء مبنياً للمفعول أي التغيير (في وجهه) قال الطيبي: أي ظهر أثر الخوف في وجهه مخافة أن يحصل من ذلك السحاب أو الريح ما فيه ضرر الناس، دل نفي الضحك البليغ على أنه ﵊ لم يكن فرحاً لاهياً بطراً، ودل إثبات التبسم على طلاقة وجهه، ودل أثر خوفه من رؤية الغيم أو الريح على رأفته ورحمته على الخلق وهذا هو الخلق العظيم، كذا في المرقاة. وهذا
стр. 2160
متفق عليه.
١٥٢٦- (٣) وعنها، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال: ((اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، وإذا تخيلت السماء، تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سرى عنه، فعرفت ذلك عائشة، فسألته، فقال: لعله يا عائشة
ــ
القدر المذكور من حديث عائشة طرف من حديث طويل. أخرجه البخاري في تفسير سورة الأحقاف، ومسلم في الإستسقاء وبعده قالت يا رسول الله الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاءً أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية فقال يا عائشة: ما يؤمني أن يكون فيه عذاب عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا، وارجع لشرح هذا إلى الفتح من سورة الأحقاف (متفق عليه) أخرجه البخاري في التفسير مطولاً وفي الأدب مختصراً إلى قوله: إنما كان يبتسم. وأخرجه أيضاً مطولاً أبوداود في الأدب، والبيهقي في الاستسقاء (ج٣:ص٣٦٠) .
١٥٢٦- قوله: (إذا عصفت الريح) أي اشتد هبوبها (اللهم إني أسألك خيرها) أي خبر ذاتها (وخير ما فيها) أي من منافعها (وخير ما أرسلت به) أي بخصوصها في وقتها، وهو بصيغة المفعول، ويجوز أن يكون بصيغة الفاعل. قال الطيبي: يحتمل الفتح على الخطاب وشرما أرسلت على بناء المفعول ليكون من قبيل أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم، وقوله ﷺ : الخير بيديك والشر ليس إليك (وإذا تخيلت السماء) أي تهيأت السحاب للمطر. قال الطيبي: السماء هنا بمعنى السحاب وتخيلت السماء إذا ظهر في السماء أثر المطر. وقال أبوعبيدة: تخيلت من المخيلة بفتح الميم وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة، وهي سحابة فيها رعد وبرق يخيل إليه أنها ماطرة يعني سحابة يخال فيها المطر وتكون مظنة للمطر. وقال الجزري: المخيلة السحابة التي يظن أن فيها مطراً وتخيلت السماء إذا تغيمت (تغير لونه) من خشية الله ومن رأفته على أمته وتعليماً لهم في متابعته (وخروج) من البيت تارةً (ودخل) أخرى (وأقبل وأدبر) فلا يستقر في حال من الخوف (فإذا مطرت) أي السحاب. وفي رواية البخاري: فإذا أمطرت السماء من الأمطار. قال الحافظ: فيه رد على من زعم أنه لا يقال أمطرت إلا في العذاب، وأما الرحمة فيقال مطرت- انتهى. ومطر السحاب وأمطرت بمعنى (سري عنه) بضم المهملة وتشديد الرأي بلفظ المجهول، أي كشف عنه الخوف والحزن وأزيل (فعرفت ذلك) أي التغيير (فسألته) أي عن سببه (لعله) أي لعل هذا
стр. 2161
كما قال قوم عاد: ﴿فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارضٌ ممطرنا﴾ )) . وفي رواية: ويقول إذا رأى المطر رحمة - متفق عليه.
ــ
المطر. وقيل: لعل هذا السحاب (كما قال قوم عاد) الإضافة للبيان، أي مثل الذي قال في حقه قوم عاد هذا عارض ممطرنا قال تعالى: ﴿فلما رأوه﴾ أي السحاب ﴿عارضاً﴾ أي سحاباً عرض ﴿مستقبل أوديتهم﴾ أي صحاريهم ومحال مزارعهم. قال الجزري: العارض السحاب الذي يعرض في السماء (قالوا) ظناً أنه سحاب ينزل منه المطر ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ ، أي سحاب عرض ليمطر قال تعالى رداً عليهم: ﴿بل هو ما استعجلتم به﴾ أي من العذاب ﴿ريح فيها عذاب أليم﴾ ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين﴾ [الأحقاف:٢٥] فظهرت منه ريح فأهلكتهم فلا يجوز لأحد أن يأمن من عذاب الله تعالى. قال النووي: في الحديث الاستعداد بالمراقبة لله والالتجاء إليه عند إختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه، وكان خوفه ﷺ أن يعاقبوا بعصيان العضاة، وفيه تذكر ما يذهل المرأ عنه مما وقع للأمم الخالية والتحذير من السير في سبيلهم خشية من وقوع مثل ما أصابهم. وفيه شفقته ﷺ على أمته ورأفته بهم كما وصفه الله تعالى، فإن قيل كيف يخشى النبي ﷺ أن يعذب القوم وهو فيهم مع قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال:٣٣] ، والجواب إن في الآية احتمال التخصيص بالمذكورين أو بوقت دون وقت أو مقام الخوف يقتضي غلبة عدم الأمن من مكر الله، (ويقول إذا رأى المطر رحمة) بالنصب أي اجعله رحمة لا عذاباً وبالرفع أي هذا رحمة (متفق عليه) فيه نظر؛ لأن لفظ الرواية الأولى بالسياق المذكور من رواية ابن وهب عن ابن جريج عن عطاء عن عائشة من إفراد مسلم والرواية الثانية أيضاً من إفراده أخرجها من طريق جعفر بن محمد عن عطاء عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك في وجهه وأقل وأدبر فإذا مطرت سربه، وذهب عنه ذلك قالت عائشة: فسألته فقال: إني خشيت أن يكون عذاباً سلط على أمتي ويقول إذا رأى المطر رحمة، وأما البخاري فأخرجه في أوائل بدء الخلق عن مكي بن إبراهيم عن ابن جريج عن عطاء عن عائشة مختصراً بلفظ: كان النبي ﷺ إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه فإذا مطرت سري عنه فعرفته عائشة ذلك فقال النبي ﷺ : وما أدري لعله كما قال قوم ﴿فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم﴾ الآية، فظهر بهذا أن قوله متفق عليه لا يخلو عن نظر اللهم إلا أن يقال إن المراد اتفاق الشيخين على أصل الحديث، ومعناه وقد أخرجه بسياق المشكاة البيهقي (ج٣:ص٣٦٠) وأخرجه الترمذي في الدعوات مختصراً إلى قوله وشر ما أرسلت به وأخرجه ابن ماجه في الدعاء بنحو رواية البخاري.
стр. 2162
١٥٢٧- (٤) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مفاتيح الغيب خمس، ثم قرأ ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث﴾ الآية))
ــ
١٥٢٧- قوله: (مفاتيح الغيب) بوزن مصابيح جمع مفتاح، وهو الآلة التي يفتح بها (خمس) يعني العلوم التي يتوصل بها إلى الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وروى مفاتح بوزن مساجد، وهو جمع مفتح بفتح الميم، وهو المخزن أي مخازن الغيب جعل للأمور الغيبية مخازن يخزن فيها على طريق الاستعارة أو جمع مفتح بكسر الميم، وهو المفتاح جعل للأمور الغيبية مفاتيح يتوصل بها إلى ما في المخازن منها على طريق الاستعارة أيضاً وقد عقد البخاري على هذا الحديث في تفسير سورة الأنعام باب قوله: ﴿وعند مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ [الأنعام: ٥٩] وأراد بذلك أن يبين أن النبي ﷺ قد فسر آية الأنعام بتلك الخمس المذكورة في سورة لقمان. قال الحافظ: المفاتح جمع مفتح بكسر الميم الآلة التي يفتح بها مثل منجل ومناجل، وهي لغة قليلة في الآلة، والمشهور مفتاح بإثبات الألف وجمعه مفاتيح بإثبات الياء، وقد قرئ بها في الشواذ قرأ ابن السميفع وعنده مفاتيح الغيب وقيل: بل هو جمع مفتح بفتح الميم وهو المكان، ويؤيده تفسير السدي فيما رواه الطبري مفاتح الغيب خزائنة-انتهى. قال القسطلاني: وعلى الأول قد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة؛ لأن المفاتيح هي التي يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالإغلاق فمن علم كيف يفتح بها ويتوصل إلى ما فيها فهو عالم، وكذلك ههنا لما كان الله تعالى عالماً بجميع المعلومات ما غاب منها وما لم يغب عبر عنه بهذه العبارة إشارة إلى أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده لا يتوصل إليها غيره وهذا هو الفائدة في التعبير بعند- انتهى. وقال في النهاية: المفاتيح والمفاتح جمع مفتاح ومفتح وهما في الأصل كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها والمعنى لا يعلم كلياتها غير الله وقد يطلع بعض أصفيائه على جزئيات منهن، والغيب ما غاب عن الخلق وسواء كان محصلاً في القلوب أو غير محصل ولا غيب عند الله عزوجل ذكره العيني. وقال البيضاوي: الغيب هو الأمر الخفي الذي لا يدركه الحس ولا يقتضيه بداهة العقل، وهو قسمان: قسم لا دليل عليه وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ [الأنعام:٥٩] ، وقسم نصب عليه دليل عقلي أو نقلي كالصانع وصفاته واليوم الآخر وأحواله وهو المراد في قوله: ﴿يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة:٣]- انتهى. (ثم قرأ) أي بياناً لتلك الخمس (إن الله عنده) أي لا عند غيره (علم الساعة) أي علم وقت قيامها فلا يعلم ذلك نبي مرسل ولا ملك مقرب، لا يجليها لوقتها إلا هو (وينزل) بالتشديد (الغيث) أي يرسل المطر الذي يغيث البلاد والعباد في وقته المقدر له والمحل المعين له في علمه وبالكمية والكيفية المقررتين عنده لا يعلم ذلك إلا هو (الآية) بالنصب أي اقرأ، أو أذكر بقية الآية وبالجر أي إلى آخر الآية وهو ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾ مما يريد أن يخلقه من ذكر أو أنثى تام
стр. 2163
رواه البخاري.
١٥٢٨- (٥) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليست السنة
ــ
أو ناقص أبيض أو أسود طويل أو قصير سعيد أو شقي وغير ذلك مما لا يعلم تفصيله إلا هو. قال القاري: ولا يعلم مجملة بحسب خرق العادة إلا من قبله تعالى. وقال القسطلاني: لكن إذا أمر به علمته ملائكته المؤكلون به ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غداً﴾ في الدنيا من الخير والشر والطاعة والمعصية، وفي الآخرة من الثواب والعقاب ﴿وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت﴾ أي في بلدها أم في غيرها فليس أحد من الناس يدري أين مضجعة من الأرض أفي بر أو بحر سهل أو جبل (إن الله عليم) أي بما ذكر وغيره من الكليات والجزئيات إلا يعلم من خلق (خبير) أي مطلع على خفايا الأمور، فإن قيل الغيوب التي لا يعلمها إلا الله كثيرة ولا يعلم مبلغها إلا الله تعالى، وقال الله تعالى: ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ [المدثر:٣١] فما وجه التخصيص بالخمس. قلت: أجيب عنه بوجوه: الأول: أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد، والثاني: أن ذكر هذا العدد في مقابلة ما كان القوم يعتقدون أنهم يعرفون من الغيب هذه الخمس، والثالث: أنهم كانوا يسألونه عن هذه الخمس، والرابع: أن أمهات الأمور هذه لأنها إما أن تتعلق بالآخرة، وهو علم الساعة وإما بالدنيا وذلك إما متعلق بالجماد أو بالحيوان، والثاني إما يحسب مبدأ وجوده أو بحسب معاده أو بحسب معاشه. قال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس لهذا الحديث (يعني حديث أبي هريرة في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وفيه خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلى النبي ﷺ ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ الآية [لقمان:٣٤] وقد فسر النبي ﷺ قول الله تعالى: ﴿وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ [الأنعام:٥٩] بهذه الخمس، وهو في الصحيح قال فمن أدعى علم شئ منها غير مسنده إلى رسول الله ﷺ كان كاذباً في دعواه قال: وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعلم، كذا في الفتح (رواه البخاري) أي هكذا مختصراً في تفسير سورة الأنعام على رواية أبي ذر، وفي تفسير سورة لقمان وأخرجه أيضاً في الاستسقاء وتفسير سورة الرعد والتوحيد بألفاظ، وقد بسط الشيخ أبومحمد بن جمرة في شرح هذا الحديث وأجاد ولخص كلامه الحافظ في الفتح في شرح باب قوله: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلخ. من كتاب التوحيد من أحب الوقوف عليه رجع إلى الفتح، والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٢:ص٢٤و٥٨-٨٥-١٢٢) والطبري (ج٢:ص٥٦) وأخرجه ابن حبان (ج١:ص٢٢٨-٢٢٩) وأحمد أيضاً (ج٢:ص٥٢) بتفصيل الأنواع الخمسة بدل تلاوة الآية.
١٥٢٨- قوله: (ليست السنة) بفتح السين الجدب والقحط، ومنه قوله تعالى: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين﴾ [الأعراف:١٣٠] قال في النهاية: السنة الجدب، وهي من الأسماء الغالبة، ويقال: أسنتوا إذا أجدبوا، قلبوا
стр. 2164
بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا ولا تنبت الأرض شيئاً)) رواه مسلم.
﴿الفصل الثاني﴾
١٥٢٩- (٦) عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها، وسلوا الله من خيرها، وعوذوا به من شرها)) .
ــ
لامها تاء (بأن لا تمطروا) أي لا ينزل عليكم المطر يعني عدم المطر فالباء زائدة (ولكن) بالتخفيف (السنة) أي قد تكون (أن تمطروا وتمطروا) التكرير للتأكيد والتكثير أي تمطروا المرة بعد الأخرى مطراً كثيراً (ولا تنبت الأرض شيئاً) أي لإمساكه تعالى لها من الإنبات والمعنى لا تظنوا أن الرزق والبركة من المطر بل الرزق من الله تعالى فرب مطر لا ينبت منه شيء فالقحط الشديد ليس بأن لا يمطر بل بأن يمطر ولا ينبت لأن حصول الشدة بعد توقع الرخاء وظهور مخائله وأسبابه أفظع مما إذا كان اليأس حاصلاً من أول الأمر (رواه مسلم) في الفتن وأشراط الساعة وأخرجه أيضاً أحمد والشافعي والبيهقي (ج٣:ص٣٦٣) .
١٥٢٩- قوله: (الريح) أي الهواء المسخر بين السماء والأرض (من روح الله) قيل: الروح بفتح الراء النفس والفرج والرحمة أي من رحمته تعالى يريح بها عباده ومنه قوله تعالى ﴿فروح وريحان﴾ [الواقعة:٨٩] وقوله ﴿ولا تيأسوا من روح الله﴾ [يوسف:٨٧] فإن قيل: كيف يكون الريح من رحمته مع أنها تجيء بالعذاب؟ قلت: إذا كان عذاباً للظلمة فيكون رحمة للمؤمنين حيث يتخلصون من الكفار الفجار، وأيضاً الروح بمعنى الرائح أي الجائي من حضرة الله بأمره تارة للكرامة وأخرى للعذاب فلا يعيب فإنه تأديب والتأديب حسن (تأتي بالرحمة) من إنشاء سحاب ماطر مثلا لمن أراد الله تعالى أن يرحمه (وبالعذاب) لمن أراد أن يهلكه (فلا تسبوها) أي بلحوق ضرر منها فإنها مأمورة مقهورة مسخرة (وسلوا الله) وروى واسألوا (من خيرها) أي خير ما أرسلت به (وعوذوا به) بفتح العين وتشديد الواو من التعويذ يقال عوذ الرجل إذا دعا له بالحفظ، وقال له أعيذك بالله، ولفظ أبي داود استعيذوا، وابن ماجه تعوذوا يقال تعوذ واستعاذة بالله فأعاذه وعوذه أي حفظه (من شرها) أي من شر ما أرسلت به. قال المظهر: فإن قيل: كيف تكون الريح من روح الله أي رحمته مع أنها تجيء بالعذاب فجوابه من وجهين: الأول أنه عذاب لقوم ظالمين رحمة لقوم مؤمنين. قال الطيبي: يؤيده قوله تعالى: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ [الأنعام:٤٥] الكشاف، فيه إيذان بوجوب الحمد عند إهلاك الظلمة، وهو من أجل النعم، الثاني بأن الروح مصدر بمعنى الفاعل أي الرائح. فالمعنى أن الريح من روائح الله تعالى أي من الأشياء التي تجيء من حضرته بأمره ليس لأحد مدخل في مجيئها فتارة تجيء بالرحمة وأخرى
стр. 2165
رواه الشافعي، وأبوداود، وابن ماجه، والبيهقي في الدعوات الكبير.
١٥٣٠- (٧) وعن ابن عباس، أن رجلاً لعن الريح عند النبي ﷺ ، فقال: ((لا تلعنوا الريح، فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئاً له بأهل رجعت اللعنة عليه)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
١٥٣١- (٨) وعن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون
ــ
بالعذاب فلا يجوز سبها بل تجب التوبة عند التضرر بها وهو تأديب من الله تعالى وتأديبه رحمة للعباد- انتهى. (رواه الشافعي) في الأم (ج١:ص٢٢٤) وفي المسند (ج٦:ص١١٤) (وأبوداود) في الأدب وسكت عليه هو والمنذري (وابن ماجه) في الدعاء وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢:ص٢٥٠-٢٦٨) والبخاري في الأدب المفرد (ص١٣٢) والحاكم في المستدرك (ج٤:ص٢٨٥) وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وعزاه المنذري في تلخيص السنن للنسائي والشوكاني في تحفة الذاكرين لابن حبان أيضاً، ولعل النسائي أخرجه في السنن الكبرى.
١٥٣٠- قوله: (إن رجلاً لعن الريح عند النبي ﷺ ) الحديث. رواه أبوداود أيضاً ولفظه في رواية: إن رجلاً نازعته الريح رداءه على عهد النبي ﷺ فلعنها (لا تلعنوا الريح) لفظ الترمذي وأبي داود: لا تلعن الريح (فإنها مأمورة) إما بالرحمة أو بالنقمة، وقيل: أي بأمر منا والمنازعة من خاصيتها ولوازم وجودها عادة أو فإنها مأمورة حتى بهذه المنازعة أيضاً ابتلاء لعباده (وإنه) أي الشأن (من لعن شيئاً ليس) أي ذلك الشيء (له) أي اللعن (بأهل) أي بمستحق (رجعت اللعنة عليه) أي على اللاعن لأن اللعنة، وكذا الرحمة تعرف طريق صاحبها. قال الطيبي: ليس له صفة شيئاً واسمه ضمير راجع إليه والضمير في "له" راجع إلى مصدر لعن، وفي عليه إلى من على تضمين رجعت معنى استقلت يعني استقلت اللعنة عليه راجعة لأن اللعن طرد عن رحمة الله فمن طرد ما هو أهل لرحمة الله عن رحمته جعل مطروداً (رواه الترمذي) في باب اللعنة من أبواب البر والصلة (وقال هذا حديث غريب) وفي بعض نسخ الترمذي: حديث حسن غريب وبعده لا نعلم أحداً أسنده غير بشر بن عمر- انتهى. والحديث أخرجه أبوداود في الأدب وسكت عنه، وقال المنذري بعد نقل كلام الترمذي المذكور ما لفظه وبشر بن عمر هذا هو الزهراني احتج به البخاري ومسلم- انتهى.
١٥٣١- قوله: (لا تسبوا الريح) فإن المأمور معذور (فإذا رأيتم ما تكرهون) أي ريحاً تكرهونها
стр. 2166
فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به)) رواه الترمذي.
١٥٣٢- (٩) وعن ابن عباس، قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه، وقال: ((اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً)) . قال ابن عباس في كتاب الله تعالى:
ــ
لشدة حرارتها أو برودتها أو تأذيتم لشدة هبوبها (فقولوا) أي راجعين إلى خالقها وآمرها (اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح) أي باعتبار ذاتها (وخير ما فيها) أي باعتبار صفاتها (وخير ما أمرت به) على بناء المفعول أي من خالقها لطفاً وجمالاً (رواه الترمذي) في الفتن وصححه وأخرجه أيضاً ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص٩٨) .
١٥٣٢- قوله: (ما هبت ريح) أي ثارت وهاجت يعني اشتدت (إلا جثا) بالألف من الجثو بمعنى القعود على الركب فقوله (على ركبتيه) تأكيد أو تجريد وكان هذا منه ﷺ تواضعاً لله تعالى وخوفاً على أمته وتعليماً لهم في تبعيته. قال الأمير اليماني: أي برك على ركبتيه وهي قعدة المخافة لا يفعلها في الأغلب إلا الخائف، ورواه الطبراني بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا هاجت ريح استقبلها بوجهه وجثا على ركبتيه ومد يديه، وقال: اللهم إني أسألك من خير هذه الريح وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به اللهم اجعلها رحمة إلخ (اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً) وجه هذا إن العرب تقول لا تلقح الشجر إلا من الرياح المختلفة ولا تلقح من ريح واحدة فهو ﷺ دعاء بأن يجعلها رياحاً تلقح ولا يجعلها ريحاً لا تلقح. قال الخطابي: إن الرياح إذا كثرت جلبت السحاب وكثرت الأمطار فزكت الزروع والأشجار وإذا لم تكثر وكانت ريحاً واحدة فإنها تكون عقيمة والعرب تقول لا تلقح السحاب إلا من رياح. وقيل: إن الرياح هي المذكورة في آيات الرحمة والريح هي المذكورة في آيات العذاب كقوله عزوجل ﴿الريح العقيم﴾ ﴿وريحاً صرصراً﴾ لكن قد عرف مما تقدم من حديث عائشة وأبي هريرة وأبي بن كعب، ومن رواية الطبراني لهذا الحديث إن الريح قد تأتي بالخير وقد تأتي بالشر، فلعل وجه قوله في هذا الحديث اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً أن الرياح لا تأتي إلا بالخير والريح تأتي تارة بهذا وتارة بهذا فسأل الله أن يجعلها رياحاً لأنها خير محض ولا يجعلها ريحاً تحتمل الخير والشر وسيأتي مزيد الكلام في ذلك (قال ابن عباس في كتاب الله تعالى) أورد المؤلف قول ابن عباس تائيداً لقوله عليه الصلاة
стр. 2167
﴿إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً﴾ و ﴿أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ و ﴿أرسلنا الرياح لواقح﴾ و ﴿أن يرسل الرياح مبشرات﴾
ــ
والسلام رياحاً وريحاً فقوله في كتاب الله خبر مقدم وقوله: ﴿إنا أرسلنا عليهم﴾ مبتدأ بتقدير هذه الآيات الدالة على أن الرياح للخير والريح بالأفراد للشر والجملة مقول القول ﴿ريحاً صرصراً﴾ أي شديدة البرد والهبوب والآية من سورة القمر ﴿وأرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ أي ما ليس فيه خير سميت عقيماً؛ لأنها أهلكت قوم عاد وقطعت دابرهم والمرأة العقيم التي لا تلد ولا تلقح والآية من سورة الذاريات ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ يعني تُلقِح الأشجار وتجعلها حاملة بالأثمار، قيل: أصله مَلاقح جمع مُلقِحة فحذفت الميم تخفيفاً وزيدت الواو بعد اللام وهو من النوادر، وهذا قول أبي عبيدة يقال اَلقَحَ الفَحلُ الناقة احبلها واَلقَحتِ الريحُ الشجر أو السحاب اَحمَلَتها، وقيل: هي جمع لاقحة بمعنى حاملة. قال البغوي في تفسيره: لواقح أي حوامل؛ لأنها تحمل الماء إلى السحاب، وهي جمع اللاقحة - انتهى. وقال البيضاوي: أي حوامل شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه مالا يكون كذلك بالعقيم، وقيل: اللواقح بمعنى الملقحات للشجر أو السحاب، ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات- انتهى. وإطلاق اللواقح على الملقحات إما على الإسناد المجازي بأن يوصف الرياح بصفة ما هي أسباب له أو المجاز اللغوي بإعتبار السببية؛ لأن لقح الرياح سبب لالقاحها أو بإعتبار ما كان فإن الملقح كان أولاً لاقحاً أو من باب النسبة (أي ذات اللقاح) كلابن وتامر على حذف الزوائد نحو أثقل فهو ثاقل كذا قيل ذكره في اللمعات، وقيل اللواقح من الرياح التي تحمل اللقاح (ما تلقح به النخلة) إلى الشجر والتي تحمل الندى ثم تمجه في السحاب فإذا اجتمع في السحاب صار مطراً والآية من سورة الحجر ﴿وأن يرسل الرياح مبشرات﴾ بالمطر كقوله : ﴿بشراً بين يدي رحمته﴾ [الأعراف: ٥٧] والآية من سورة الروم. قال الأمير اليماني: قول ابن عباس بيان أنها جاءت مجموعة في الرحمة ومفردة في العذاب فاستشكل ما في الحديث من طلب أن تكون رحمة وأجيب بأن المراد لا تهلكنا بهذه الريح لأنهم لو هلكوا بهذه الريح لم تهب ريح أخرى فتكون ريحاً لا رياحاً- انتهى. قال الطيبي: معظم الشارحين على أن تأويل ابن عباس غير موافق للحديث نقل التوربشتي عن أبي جعفر الطحاوي أنه ضعف هذا الحديث جداً وأبى أن يكون له أصل في السنن وأنكر على أبي عبيدة تفسيره كما فسره ابن عباس، ثم استشهد أي الطحاوي بقوله تعالى: ﴿وجرين بهم بريح طيبةٍ وفرحوا بها جاءتها ريحٌ عاصف﴾ الآية [يونس: ٢٢] . وبالأحاديث الواردة في هذا الباب فإن جل استعمال الريح المفردة في الباب في الخير والشر، ثم قال التوربشتي: والذي قاله أبوجعفر وإن كان قولاً متيناً فإنا نرى أن
стр. 2168
رواه الشافعي، والبيهقي في الدعوات الكبير.
ــ
لا نتسارع إلى رد هذا الحديث، وقد تيسر لنا تأويله على وجه لا يكون مخالفاً للنصوص المذكورة ثم ذكره بنحو ما تقدم عن الأمير اليماني من شاء الوقوف عليه رجع إلى شرح المصابيح للتوربشتي وشرح المشكاة للقاري. وقال الطيبي: معنى كلام ابن عباس في كتاب الله معناه إن هذا الحديث مطابق لما في كتاب الله تعالى فإن استعمال التنزيل دون أصحاب اللغة إذا حكم على الريح والرياح مطلقين كان إطلاق الريح غالباً في العذاب والرياح في الرحمة، فعلى هذا لا ترد تلك الآية على ابن عباس؛ لأنها مقيدة بالوصف ولا تلك الأحاديث؛ لأنها ليست من كتاب الله وإنما قيدت الآية بالوصف ووحدت؛ لأنها في حديث الفلك وجريانها في البحر فلو جمعت لأوهمت اختلاف الرياح وهو موجب للعطب أو الاحتباس ولو أفردت ولم تقيد بالوصف لآذنت بالعذاب والدمار؛ ولأنها أفردت وكررت ليناط به مرة طيبة وأخرى عاصف ولو جمعت لم يستقم التعلق- انتهى. وقال السيوطي في الإتقان (ج١ص١٩٢) ذكرت الريح مجموعة ومفردة فحيث ذكرت في سياق الرحمة جمعت أو في سياق العذاب أفردت أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن أبي بن كعب قال كل شيء في القرآن من الرياح فهي رحمة وكل شيء فيه من الريح فهو عذاب، لهذا ورد في الحديث: اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً، وذكر في حكمة ذلك أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والهيآت والمنافع وإذا هاجت منها ريح أثير لها من مقابلها ما يكسر سورتها فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات فكانت في الرحمة رياحاً، وأما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد ولا معارض لها ولا دافع، وقد أخرج عن هذه القاعدة قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وجرين بهم بريح طيبة﴾ وذلك لوجهين: لفظي وهو المقابلة في قوله: ﴿جاءتها ريح عاصف﴾ ، ورب شيء يجوز في المقابلة، ولا يجوز استقلالاً نحو ﴿ومكروا ومكر الله﴾ . ومعنوي وهو أن تمام الرحمة هناك أنما يحصل بوحدة الريح لا باختلافها فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد فإذا اختلف عليها الرياح كانت سبب الهلاك فالمطلوب هناك ريح واحدة ولهذا أكد هذا المعنى بوصفها بالطيب وعلى ذلك أيضاً جرى قوله: ﴿إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد﴾ [الشورى: ٣٣] وقال ابن المنير: إنه على القاعدة لأن سكون الريح عذاب وشدة على أصحاب السفن- انتهى. (رواه الشافعي) في الأم (ج١ص٢٢٤) وفي المسند (ج٦ص١١٤) قال أخبرني من لا أتهم عن العلاء بن راشد عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه أبويعلى والطبراني في الدعاء وفي الكبير من طريق حسين ابن قيس الرحبي الواسطي عن عكرمة وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠ص١٣٥- ١٣٦) للطبراني فقط وقال: فيه حسين بن قيس الرحبي الملقب بحنش، وهو متروك، وقد وثقه حصين بن نمير وبقية رجاله رجال الصحيح- انتهى. وفي تهذيب التهذيب (ج٢ص٣٦٥) زعم أبومحصن حصين بن نمير أنه أي حصين بن قيس شيخ صدوق- انتهى. وقد ضعفه جميع من عداه.
стр. 2169
١٥٣٣- (١٠) وعن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا أبصر ناشئاً من السماء ـ تعني السحاب ـ ترك عمله واستقبله، وقال: ((اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه، فإن كشفه حمد الله، وإن مطرت، قال: اللهم سقياً نافعاً)) . رواه أبوداود، والنسائي، وابن ماجه، والشافعي، واللفظ له.
١٥٣٤- (١١) وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا سمع صوت الرعد
ــ
١٥٣٣- قوله: (كان النبي ﷺ إذا أبصر ناشئاً) أي سحاباً خارجاً يعني حادثاً مرتفعاً ظاهراً (من السماء) قال التوربشتي: سمي السحاب ناشئاً؛ لأنه ينشأ من الأفق يقال: نشأ أي خرج أو ينشأ في الهواء أي يظهر، أو لأنه ينشأ من الأبخرة المتصاعدة من البحار والأراضي النزه ونحو ذلك. وقال الجزري: الناشى من السحاب هو الذي لم يتكامل اجتماعه واصطحابه فهو في أول أمره (تعني) أي تريد عائشة بقولها ناشئاً (السحاب) جملة معترضة لتفسير اللغة بين الشرط وجزاءه وهو قولها ترك. ولفظ أبي داود: كان إذا رأى ناشئاً في أفق السماء. ولفظ النسائي وابن ماجه: كان إذا رأى سحاباً مقبلاً من أفق من الآفاق أي من ناحية من النواحي (ترك) أي النبي ﷺ (عمله) المشتغل به من الأمور المباحة، قاله القاري. وفي رواية أبي داود: ترك العمل وإن كان في صلاة. ولفظ النسائي وابن ماجه ترك ما هو فيه وإن كان في صلاته (واستقبله) أي السحاب. وفي رواية النسائي وابن ماجه: حتى يستقبله. وليس عند أبي داود شيء منهما (من شر ما فيه) وعند النسائي وابن ماجه، من شر ما أرسل به وانتهت رواية النسائي إلى هذا (فإن كشفه) أي أذهب الله ذلك السحاب ولم يمطر (حمد الله) أي على النجاة مما كان يخاف من العذاب. وقيل: أي من حيث أن الخير فيما اختاره الله، ولعل الشر كان في ذلك السحاب فيجب الحمد على دفع الشر، كأنه ﷺ تذكر قوله تعالى في قوم عاد: ﴿فلما رأوه عارضاً﴾ الآية [الأحقاف: ٢٤] . وليست هذه الجملة عند أبي داود (وإن مطرت قال اللهم سقياً نافعاً) قال القاري: بفتح السين وضمها أي اسقنا سقياً أو أسألك سقياً، فهو مفعول مطلق أو مفعول به. ولفظ ابن ماجه: إن أمطر قال: اللهم سيباً نافعاً مرتين أو ثلاثة. وعند أبي داود: إن مطر قال: اللهم صيباً هنيئاً ودعا بذلك خوفاً من الضرر الذي قد يكون في المطر (رواه أبوداود) في الأدب وسكت عنه هو والمنذري (والنسائي) في عمل اليوم والليلة (وابن ماجه) في الدعاء (والشافعي) في الأم (ج١ص٢٢٤) والمسند (ج٦ص١١٤) (والفظ له) أي لفظ الحديث للشافعي وللباقين معناه.
١٥٣٤- قوله: (كان إذا سمع صوت الرعد) بإضافة العام إلى الخاص للبيان، فإن الرعد هو الصوت
стр. 2170
والصواعق،
ــ
الذي يسمع من السحاب، كذا قاله ابن الملك. والصحيح أن الرعد ملك مؤكل بالسحاب، فقد روى عن ابن عباس أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن الرعد، فقال: ملك من الملائكة مؤكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله، وسألوا عن الصوت الذي يسمع من السحاب، فقال زجرة بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر، أخرجه الترمذي وصححه. ونقل الشافعي عن الثقة عن مجاهد أن الرعد ملك والبرق أجنحته يسوق السحاب بها، ثم قال: وما أشبه ما قاله بظاهر القرآن. قال بعضهم: وعليه فيكون المسموع صوته أو صوت سوقه على اختلاف فيه. ونقل البغوي عن أكثر المفسرين أن الرعد ملك يسوق السحاب، والمسموع تسبيحه. وقيل: البرق لمعان سوط الرعد يزجر به السحاب. وأما قول الفلاسفة: إن الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب، البرق ما يقدح من اصطكاكها فهو من حرزهم وتخمينهم فلا يعول عليه، كذا في المرقاة. وقال الآلوسي: للناس في الرعد والبرق أقوال: والذي عول عليه أن الأول صوت زجر الملك المؤكل بالسحاب، والثاني لمعان مخاريقه التي هي من نار، والذي اشتهر عند الحكماء أن الشمس إذا أشرقت على الأرض اليابسة حللت منها أجزاء نارية يخالطها أجزاء أرضية فيركب منهما دخان ويختلط بالبخار، وهو الحادث بسبب الحرارة السماوية إذا أثرت في البلة، ويتصاعدان معاً إلى الطبقة الباردة، وينعقد ثمة سحاب ويحتقن الدخان فيه، ويطلب الصعود إن بقي على طبعه الحار، والنزول إن ثقل وبرد وكيف كان يمزق السحاب بعنفه، فيحدث منه الرعد وقد تشتعل منه لشدة حركته ومحاكته نار لامعة، وهي البرق إن لطفت، والصاعقة إن غلظت. وربما كان البرق سبباً للرعد، فإن الدخان المشتعل ينطفيء في السحاب، فيسمع لإنطفاءه صوت، كما إذا أطفأنا النار بين أيدينا، والرعد والبرق يكونان معاً إلا أن البرق يرى في الحال، لأن الأبصار لا يحتاج إلا إلى المحاذاة من غير حجاب، والرعد يسمع بعد، لأن السماع إنما يحصل بوصول تموج الهواء إلى القوة السامعة، وذلك يستدعى زماناً كذا قالوه، وربما يختلج في ذهنك قرب هذا، ولا تدري ماذا تصنع بما ورد عن حضرة من أسرى به ليلاً بلا رعد ولا برق على ظهر البراق، وعرج إلى ذي المعارج فرجع، وهو أعلم خلق الله على الإطلاق، فأنا بحول الله تعالى أوفق لك بما يزيل الغين عن العين وسر جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﷺ ثم ذكر الآلوسي توجيهاً لذلك يشبه طريق الصوفية من كان له ذوق بذلك فليرجع إلى روح المعاني (ج١ص١٧١) (والصواعق) جمع صاعقة. والظاهر أنها في الأصل صفة من الصعق وهي الصراخ. وتاؤها للتأنيث إن قدرت صفة لمؤنث، أو للمبالغة إن لم تقدر كرواية، أو للنقل من الوصفية إلى الاسمية كحقيقة. وقيل: إنها مصدر كالعافية والعاقبة، وهي اسم لكل هائل مسموع أو مشاهد. والمشهور أنها الرعد الشديد معه قطعة من نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه، وقد يكون معه جرم حجري أو حديدي، كذا قال الآلوسي. وفي الجلالين: الصاعقة شدة صوت الرعد
стр. 2171
((قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك)) . رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
﴿الفصل الثالث﴾
١٥٣٥- (١٢) عن عبد الله بن الزبير،
ــ
فهي مأخوذة من الصعق، وهي شدة الصوت. وقيل: هي نار تخرج من السحاب فيقدر له فعل أي ورأى الصواعق، فهو من باب علفته تبناً وماءاً بارداً لمجاورة الصاعقة غالباً صوت الرعد مسموعاً. ولعل إعتبار الجمع موافقة للآية المراد فيها التعدد المحيط بهم زيادة للنكال، قاله القاري في شرح الحصن. وقال في المرقاة: والصواعق بالنصب، فيكون التقدير وأحس الصواعق من باب علفتها تبناً وماءاً بارداً، أو أطلق السمع وأريد به الحس من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، وفي نسخة بالجر عطفاً على الرعد، وهو إنما يصح على بعض الأقوال في تفسير الصاعقة. قال بعضهم: هي نار تسقط من السماء في رعد شديد، فعلى هذا لا يصح عطفه على شيء مما قبله. وقيل: الصاعقة صيحة العذاب أيضاً وتطلق على صوت شديد غاية الشدة يسمع من الرعد، وعلى هذا يصح عطفه على صوت الرعد أي صوت السحاب، فالمراد بالرعد السحاب بقرينة إضافة الصوت إليه، أو الرعد صوت السحاب ففيه تجريد. وقال الطيبي هي قعقعة رعد ينقض معها قطعة من نار يقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق أي مات إما لشدة الصوت وإما بالإحراق- انتهى. (وعافنا) أي أمتنا بالعافية (قبل ذلك) أي قبل نزول عذابك (رواه أحمد) (ج٢ص١٠٠) (والترمذي) في الدعوات، وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد، والدولابي في الكي، وابن السني في عمل اليوم والليلة، والحاكم في المستدرك (ج٤ص٢٨٦) والبيهقي (ج٣ص٣٦٢) قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وقال ميرك نقلاً عن التصحيح: إسناده جيد وله طرق. وقال الشوكاني في تحفة الذاكرين: ضعف النووي إسناد الترمذي- انتهى. قلت: حديث ابن عمر هذا قد تفرد به أبومطر عند الجميع. وقال الحافظ في التقريب: أبومطر شيخ الحجاج بن أرطاة مجهول، وقال في التهذيب في ترجمته: ذكره ابن حبان في الثقات.
١٥٣٥- قوله: (عن عبد الله بن الزبير) كذا في جميع النسخ، وهو يدل على أن هذا الأثر موقوف على عبد الله بن الزبير. ورواية البيهقي نص في ذلك حيث رواه بسنده إلى مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد إلخ وفي النسخ الهندية من الموطأ "مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير أنه كان" إلخ هكذا وقع في نسخة الزرقاني والتنوير للسيوطي والمنتقى للباجي، ولم يبين الزرقاني والسيوطي مرجع
стр. 2172
أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: ((سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته)) . رواه مالك.
ــ
ضمير قوله "أنه كان" وقال الباجي: قوله" إن ابن الزبير" يريد عبد الله كان إذا سمع الرعد ترك الحديث إلخ. وهذا يدل على أن الأثر عنده موقوف على عبد الله بن الزبير، وعليه يدل ما وقع في تفسير ابن كثير وتحفة الذاكرين وحاشية الحصن الحصين وهو الظاهر عندنا، وعامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبوالحارث المدني ثقة عابد تابعي مات سنة إحدى وعشرين ومائة. (كان إذا سمع الرعد) أي صوته (ترك الحديث) أي الكلام مع الأنام. قال الباجي: يريد- والله أعلم. ارتياعاً منه وإقبالاً على ذكر الله عزوجل والتسبيح والإخبار بأن الرعد يسبح بحمده عزوجل. ويحتمل أن يكون الرعد ملكاً يزجر السحاب- انتهى. قلت: ويؤيد هذا ما تقدم من حديث ابن عباس مرفوعاً: أن الرعد ملك مؤكل بالسحاب معه مخاريق من نار (يسبح الرعد) أي ينزهه حال كونه متلبساً (بحمده) له تعالى، وقد تقدم أن الرعد ملك، فنسبة التسبيح إلى حقيقة، وهو الصحيح. وقيل: إسناده مجازي، لأن الرعد بمعنى الصوت سبب؛ لأن يسبح الله السامع حامداً له خائفاً راجياً (والملائكة من خيفته) أي من أجل خوف الله تعالى. وقيل: من خوف الرعد، فإنه رئيسهم. وبعده في الموطأ: ثم يقول (أي ابن الزبير) : أن هذا الوعيد لأهل الأرض شديد. وروى ابن جرير عن أبي هريرة مرفوعاً أنه كان إذا سمع الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده. وروى عن علي أنه كان إذا سمع الرعد يقول: سبحان من سبحت له، وكذا روى عن ابن عباس وطاؤس والأسود بن يزيد أنهم كانوا يقولون كذلك، وكأنهم يذهبون إلى قوله تعالى: ﴿ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته﴾ [الرعد: ١٣] وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله تعالى، فإنه لا يصيب ذاكراً، وفي إسناده يحيى بن أبي كثير أبوالنضر وهو ضعيف (رواه مالك) في الموطأ في باب القول إذا سمعت الرعد من كتاب الجامع عن عامر ابن عبد الله بن الزبير أنه كان إلخ وقد صحح النووي إسناده، وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد، والبيهقي (ج٣ص٣٦٢) .
стр. 2173
(٥) كتاب الجنائز
(١) باب عيادة المريض وثواب المرض
﴿الفصل الأول﴾
١٥٣٦- (١) عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أطعموا الجائع، وعودوا المريض،
ــ
(كتاب الجنائز) بفتح الجيم لا غير، جمع جنازة بالفتح والكسر، والكسر أفصح، اسم للميت في النعش أو بالفتح، اسم لذلك وبالكسر اسم للنعش وعليه الميت. وقيل: عكسه. وقيل: هما لغتان فيهما، فإن لم يكن عليه ميت فهو سرير ونعش، وهي من جنزه يجنزه من باب ضرب إذا ستره، ذكره ابن فارس وغيره. أورد كتاب الجنائز بعد الصلاة كأثر المصنفين من المحدثين والفقهاء، لأن الذي يفعل بالميت من غسل وتكفين وغير ذلك لهمه الصلاة عليه لما فيها من فائدة الدعاء له بالنجاة من العذاب لاسيما عذاب القبر الذي سيدفن فيه. وقيل: لأن للإنسان حالتين: حالة الحياة وحالة الممات. ويتعلق بكل منهما أحكام العبادات وأحكام المعاملات، وأهم العبادات الصلاة، فلما فرغوا من أحكامها المتعلقة بالأحياء ذكروا ما يتعلق بالموتى من الصلاة وغيرها. قيل: شرعت صلاة الجنازة بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة، فمن مات بمكة قبل الهجرة لم يصل عليه.
(باب عيادة المريض) أي وجوباً وثواباً. وأصل عيادة عِوادة بالواو فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها، يقال: عُدتُ المريض أعوده عياداً وعيادةً وعُوادةً إذا زرته وسألت عن حاله (وثواب المرض) الذي يصيب الإنسان إذا صبر عليه.
١٥٣٦- قوله: (أطعموا الجائع) ندباً أو وجوباً إن كان مضطراً. قال في اللمعات: هو سنة إن لم يصل حد الاضطرار، وفرض إن وصل على الكفاية إن لم يتعين أحد، وعين إن يتعين (وعودوا) أمر من العيادة (المريض) وهي سنة إن كان له متعهد، وواجب إن لم يكن، وجزم البخاري بالوجوب لظاهر الأمر، فقد ترجم عليه في كتاب المرضى بلفظ "باب وجوب عيادة المريض" قال الحافظ: قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل والألفة. وجزم الداودى بالأول فقال هي فرض يحمله بعض الناس عن بعض. وقال الجمهور: هي في الأصل للندب، وقد
стр. 2174
وفكوا العاني)) . رواه البخاري.
١٥٣٧ - (٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حق المسلم على المسلم خمس:
ــ
تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض. وعن الطبري تتأكد في حق من ترجى بركته، وتسن فيمن يراعي حاله، وتباح فيما عدا ذلك. وفي الكافر خلاف كما سيأتي في أول الفصل الثالث. ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب يعني على الأعيان. واستدل بعموم قوله عودوا المريض على مشروعية العيادة في كل مريض واستثنى بعضهم الأرمد لكون عائدة قد يرى ما لا يراه هو. وتعقب بأنه قد يتأتى مثله في بقية الأمراض كالمغمى عليه، وقد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم عند أبي داود وغيره، وقد ذكره المصنف في الفصل الثاني، وسيأتي الكلام عليه هناك مفصلاً، ويؤخذ من إطلاقه أيضاً عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه وهو قول الجمهور، وجزم الغزالي في الأحياء بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث، واستند إلى حديث أنس الآتي في الفصل الثالث، وهو حديث ضعيف جداً وسيجيء الكلام عليه هناك، وفي إطلاق الحديث أيضاً أن العيادة لا تتقيد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها في طرفي النهار، ونقل ابن الصلاح عن الفراوى: أن العيادة تستحب في الشتاء ليلاً وفي الصيف نهاراً وهو غريب ومن آدابها أن لا يطيل الجلوس حتى يضجر المريض أو يشق على أهله، فإن اقتضت ذلك ضرورة فلا بأس ويلتحق بعيادة المريض تعهده وتفقد أحواله والتلطف به وربما كان ذل في العادة سبباً لوجود نشاطه وانتعاش قوته (وفكوا) بضم الفاء وتشديد الكاف أي خلّصوا (العاني) بالعين المهملة والنون المكسورة المخففة، وزن القاضي أي الأسير، وفكه تخليصه بالفداء أي أخلصوا الأسير المسلم في أيدي الكفار أو المحبوس ظلماً بغير حق، قال ابن بطال: فكاك الأسير واجب على الكفاية، وبه قال الجمهور. وقال إسحاق بن راهوية: من مال ببيت المال. وقيل: المعنى أعتقوا الأسير أي الرقيق، وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنى (رواه البخاري) في الأطعمة والنكاح والأحكام والجهاد والمرضى، وأخرجه أيضاً أحمد، وأبوداود والبيهقي (ج٣ص٣٧٩) .
١٥٣٧- قوله: (حق المسلم على المسلم خمس) أي خصال كلهن فروض على الكفاية. وقال القسطلاني: هذا يعم وجوب العين والكفاية والندب. وقال الشوكاني: المراد بحق المسلم أنه لا ينبغي تركه ويكون فعله إما واجباً أو مندوباً ندباً مؤكداً شبيهاً بالواجب الذي لا ينبغي تركه، ويكون استعماله في المعنيين من باب استعمال المشترك في معنييه، فإن الحق يستعمل في معنى الواجب، كذا ذكره ابن الأعرابي، وكذا يستعمل في معنى الثابت
стр. 2175
رد السلام، وعيادة المريض، وإتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس)) متفق عليه.
١٥٣٨ - (٣) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حق المسلم على المسلم ست. قيل: ما هن يا رسول الله؟
ــ
ومعنى اللازم ومعنى الصدق وغير ذلك- انتهى. قلت وفي رواية لمسلم، وكذا عند أبي داود: وخمس تجب للمسلم على أخيه. وقد تبين بهذه الرواية أن معنى الحق هنا الوجوب. قال الحافظ: والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية. ثم العدد قد جاء في الروايات مختلفاً، فيدل على أنه لا عبرة لمفهوم العدد، ولا يقصد به الحصر. ويؤتي به أحياناً على حسب ما يليق بالمخاطب (رد السلام) أي جوابه. وهو فرض عين من الواحد، وفرض كفاية من جماعة يسلم عليهم. وأما السلام فسنة، فقد نقل ابن عبد البر وغيره إجماع المسلمين على أن ابتداء السلام سنة، وأن رده فرض وصفة الرد أن يقول وعليكم السلام. ويأتي الكلام عليه في باب السلام من كتاب الآداب (واتباع الجنائز) أي المضي معها والمشي خلفها إلى حين دفنها بعد الصلاة عليها، وهو من الواجبات على الكفاية (وإجابة الدعوة) بفتح الدال فيه مشروعية إجابة الدعوة، وهذا إذا لم يكن هناك مانع شرعي أو عرفي، وهي أعم من الوليمة. ويأتي الكلام عليها في باب الوليمة من كتاب النكاح (وتشميت العاطس) أي جوابه بـ "يرحمك الله" إذا قال الحمد لله. قال في النهاية: التشميت بالشين المعجمة والسين المهملة الدعاء للعاطس بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما. واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم، كأنه دعاء للعاطس بالثبات على طاعة الله. وقيل: الأصل فيه المهملة فقلبت معجمة. وقال صاحب المحكم: تشميت العاطس معناه الدعاء له بالهداية إلى السمت الحسن. وفيه دليل على مشروعية تشميت العاطس. ويأتي الكلام عليه في باب العطاس والتثاؤب من كتاب الآداب. قال في شرح السنة هذه الخصال كلها في حق الإسلام يستوي فيها جميع المسلمين برهم وفاجرهم غير أن يخص البر بالبشاشة والمسألة والمصافحة دون الفاجر المظهر لفجوره. قال المظهر: إذا دعا المسلم المسلم إلى الضيافة والمعاونة يجب عليه طاعته إذا لم يكن ثمة ما يتضرر به في دينه من الملاهي ومفارش الحرير ورد السلام واتباع الجنائز فرض على الكفاية. وأما تشميت العاطس إذا حمد الله وعيادة المريض فسنة إذا كان له متعهد، وإلا فواجب. ويجوز أن يعطف السنة على الواجب إن دل عليه القرينة كما يقال: صم رمضان وستة من شوال، ذكره الطيبي (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائز ومسلم في كتاب الآداب، وأخرجه أيضاً أبوداود في الأدب والنسائي في اليوم والليلة، وأخرجه ابن ماجه في الجنائز بغير هذا السياق.
١٥٣٨- قوله: (حق المسلم على المسلم ست) من الخصال. ومفهوم العدد لا يفيد الحصر، فللمسلم
следующие страницы →