← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

ثم رفع، ثم سجد، ــ المصلي من القرآن ما شاء، وإن التطويل أولى، والله تعالى أعلم. قال الشوكاني: لا بد من القراءة بالفاتحة في كل ركعة لما تقدم من الأدلة الدالة على أنها لا تصح ركعة بدون الفاتحة. قال النووي: واتفق العلماء على أنه يقرأ الفاتحة في القيام الأول من كل ركعة، واختلفوا في القيام الثاني، فمذهبنا ومذهب مالك وجمهور أصحابه أنها لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فيه، وقال محمد بن مسلمة من المالكية: لا تتعين الفاتحة في القيام الثاني – انتهى. قال الباجي: يستفتح القراءة في الركعة الأولى والثالثة بأم القرآن، وأما الثانية والرابعة فإنه يقرأ فيهما بالسورة، وهل يقرأ الفاتحة أم لا؟ قال مالك: نعم، وقال محمد بن مسملة: لا، وجه الأول أنها ركعة بقراءة، فوجب الفاتحة كالأولى، ووجه الثاني: أن الركعتين في حكم الركعة الواحدة، بدليل أن المأموم يجزيه إدراك أحدهما، فالقراءتان في حكم القراءة الواحدة، فوجب أن لا يتكرر الفاتحة – انتهى. وقال ابن دقيق العيد في شرح العمدة (ج٢ ص١٣٩) : كأنه رآها ركعة واحدة زيد فيها ركوع، والركعة الواحدة لا تثنى الفاتحة فيها، وهذا يمكن أن يؤخذ من الحديث، كما سننبه عليه في موضعه – انتهى. وقال في شرح حديث عائشة بلفظ: فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات (ج٢ ص١٤٢) . أطلق الركعات على عدد الركوع، وجاء في موضع آخر في ركعتين، وهذا هو الذي أشرنا إلى أنه متمسك من قال من أصحاب مالك إنه لا يقرأ الفاتحة في الركوع الثاني من حيث أنه أطلق على الصلاة ركعتين، والله أعلم. (ثم رفع) أي رأسه من الركوع الثاني (ثم سجد) أي سجدتين، لم يذكر فيه تطويل الاعتدال الذي يتعقبه السجود، ووقع في حديث جابر عند مسلم تطويل هذا الاعتدال، ولفظه: ثم رفع فأطال ثم سجد. قال النووي: هي رواية شاذة مخالفة لرواية الأكثرين، فلا يعمل بها، أو المراد زيادة الطمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الركوع. وتعقب بما رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو أيضاً ففيه: ثم ركع فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فأطال حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد. لفظ ابن خزيمة من طريق الثوري عن عطاء بن السائب عن أبيه عنه. قال الحافظ: والثوري سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحديث صحيح – انتهى. قلت: قد صرح الشافعية والحنابلة في فروعهم بعدم تطويل الاعتدال الذي يلي السجود، وهو مقتضى مذهب الحنفية والمالكية، وكأنهم اتفقوا على عدم مشروعية هذا الاعتدال، وهذا ليس بشيء بعد ما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة، وعدم ذكره في باقي الروايات أي السكوت عنه لا يدل على شذوذه، ولم يذكر في حديث ابن عباس تطويل السجود، ولكنه مذكور في حديث عائشة وغيرها، وقد تقدم الكلام في هذا، قال الحافظ: ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في حديث عبد الله بن عمرو، وقد

стр. 2102

ثم قام فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، ــ نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام وإلا فهو محجوج بهذه الرواية – انتهى. وقال النووي في الأذكار: قال أصحابنا: لا يطول الجلوس بين السجدتين، بل يأتي به على العادة في غيرها، وهذا الذي قالوه فيه نظر، فقد ثبت في حديث صحيح إطالته، وقد ذكرت ذلك واضحاً في شرح المهذب، فالاختيار استحباب إطالته – انتهى. قال صاحب الأوجز: وهكذا ينبغي للحنفية أن يصرحوا باستحباب تطويله؛ لأن الرواية التي استدلوا بها في الكسوف صريحة في تطويله، وفي مسند أبي حنيفة من حديث ابن عمر: فكان جلوسه بين السجدتين قدر سجوده ... الحديث. (ثم قام) أي إلى الركعة الثانية (فقام قياما طويلاً) كذا في البخاري في باب كفران العشير من كتاب النكاح، وفي مسلم: ثم قام قياماً طويلاً، أي من غير تكرار قام، وكذا في البخاري في باب صلاة الكسوف جماعة. (وهو دون القيام الأول) يحتمل أن يراد منه القيام الأول من الركعة الأولى أو القيام الذي يليه. قال ابن عبد البر: أي ذلك كان فلا حرج إن شاء الله تعالى. وفي المدونة قال مالك: إنما يعني دون القيام الذي يليه، وكذلك قال في الركوع إنما يعني دون الركوع الذي يليه، وقال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعيها تكون أطول من الركعة الثانية بقيامها وركوعيها، وقال النووي: اتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيهما أقصر من القيام الأول وركوعه فيهما، واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه هل هما أقصر من القيام الثاني من الأولى وركوعه أو يكونان سواء؟ قيل: وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله: وهو دون القيام الأول، هل المراد به الأول من الثانية أو يرجع إلى الجميع؟ فيكون كل قيام دون الذي قبله، ورواية الإسماعيل لحديث عائشة بلفظ: الأولى فالأولى أطويل، تعين هذا الثاني ويرجحه أيضاً أنه لو كان المراد من قوله: القيام الأول، أول قيام من الأولى فقط لكان القيام الثاني والثالث مسكوتاً عن مقدارهما فالأول أكثر فائدة، كذا في الفتح. قلت: وقدر الشافعية هذه القيام الثالث بنحو سورة النساء، والرابع بنحو المائدة، وأشكل بأن الراجح المختار أن القيام الثالث أقصر من الثاني، والنساء أطول من آل عمران، وأجاب الزرقاني بأنه إذا أسرع بقراءتها ورتل آل عمران كانت أطول، وقال السبكي في شرح المنهاج: قد ثبت بالأخبار تقدير القيام الأول بنحو البقرة وتطويله على الثاني والثالث، ثم الثالث على الرابع. وأما نقص الثالث عن الثاني أو زيادته عليه فلم يرد فيه شيء فيما أعلم فلأجله لا بعد في ذكر سورة النساء فيه وآل عمران في الثاني، نعم إذا قلنا بزيادة ركوع ثالث فيكون أقصر من الثاني. ذكره القسطلاني. (ثم ركع ركوعاً) ثالثاً طويلاً (وهو دون الركوع الأول) قدروه بنحو سبعين آية (ثم رفع) رأسه من الركوع الثالث (فقام قياماً) رابعاً (طويلاً) وقدروه بنحو المائدة

стр. 2103

وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ــ (وهو دون القيام الأول) أي الثالث (ثم ركع ركوعاً) رابعاً (طويلاً) وقدروه بنحو خمسين آية تقريباً (وهو دون الركوع الأول) أي الثالث (ثم رفع) رأسه للقومة (ثم سجد) أي سجدتين كذلك (ثم انصرف) من الصلاة (وقد تجلت الشمس) بفوقية وشد لام أي انكشفت، وفي حديث جابر عند مسلم: فانصرف وقد آضت الشمس، وعند أبي داود: فقضى الصلاة وقد طلعت الشمس، وفي حديث قبيصة عند النسائي: فوافق انصرافه انجلاء الشمس، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود ففرغ من صلاته وقد امحصت الشمس، والمراد أنه انصرف من الصلاة بالسلام بعد التشهد، والحال أن الشمس انجلت بين جلوسه للتشهد والسلام، كما في حديث عبد الله بن عمر، وعند البخاري: ثم جلس ثم جلى عن الشمس، وفي حديث سمرة عند أبي داود والنسائي: فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية ثم سلم، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند النسائي: ثم رفع رأسه – أي من السجدة – وانجلت الشمس، وفي حديث أبي بن كعب الآتي: ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها، فهذه الروايات كلها تدل على أن الانجلاء كان في الجلوس آخر الصلاة، وحديث عبد الرحمن بن سمرة عند مسلم يدل بظاهره أن انجلاء الشمس وقع قبل الشروع في الصلاة، وأن النبي ﷺ ابتدأ صلاة الكسوف بعد الانجلاء، وهو خلاف جميع الروايات وخلاف ما ذهب إليه العلماء، وسيأتي توجيهه. (فقال) بإلفاء، وللأصيلي: وقال. ذكره القسطلاني يعني أنه خطب فقال في خطبته بعد الحمد والثناء على الله. (إن الشمس والقمر) فيه إيماء إلى أن حكم صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر واحد. (آيتان) أي علامتان (من آيات الله) أي الدالة على وحدانيته وقدرته وعظمته أو على تخويف عباده من بأسه وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً﴾ [الإسراء: ٥٩] ، وقوله ﷺ في حديث أبي بكرة وأبي موسى عند البخاري: يخوف الله بهما عباده)) أو أنهما مسخران لقدرة الله وتحت حكمه ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما. (لا يخسفان) بفتح فسكون فكسر على أنه لازم، ويجوز ضم أوله على متعدٍ أي لا يذهب الله نورهما، وأتى بالتذكير تغليباً للقمر طبق القمرين. (لموت أحد) من العظماء كما توهمه بعض الناس تبعاً لما كان يعتقده أهل الجاهلية أن كسوف الشمس والقمر لا يكون إلا لموت عظيم، وقد وقع في رواية للبخاري من حديث أبي بكرة بيان سبب هذا القول، ولفظها: وذلك أن ابناً للنبي ﷺ يقال له إبراهيم مات، فقال الناس في ذلك، وعند ابن حبان: فقال الناس: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم، وفي حديث النعمان بن بشير الآتي: ثم

стр. 2104

ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله، قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئاً في مقامك هذا، ثم رأيناك تعكعكت، فقال: إني رأيت الجنة، ــ قال: إن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم ... الخ، وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض، وهو نحو قوله في الحديث المشهور: ((يقولون مطرنا بنوء كذا ... )) ، قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما. (ولا لحياته) أي لولادته، وهي تتمة للتقسيم وإلا فلم يدع أحد أن الكسوف لحياة أحد أو ذكر لدفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سبباً للفقدان لا يكون سبباً للإيجاد، فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم. (فإذا رأيتم ذلك) أي الكسوف في أحد منهما لاستحالة كسوفهما معاً في وقت واحد عادة، واستدل به على مشروعية صلاة خسوف القمر (فاذكروا الله) بالصلاة والتسبيح والتكبير والدعاء والتهليل والاستغفار وسائر الأذكار (تناولت شيئاً) أي قصدت تناول شيء وأخذه كذا للأكثر: تناولت، بصيغة الماضي، وفي رواية الكشمهيني: تناول، بحذف إحدى التائين تخفيفاً وضم اللام بالخطاب من المضارع، ويروى تتناول على الأصل بإثباتها (في مقامك هذا) أي في الموضع الذي صليت فيه (تكعكعت) بتاء مثناة فوقية في أوله وكافين مفتوحتين ومهملتين ساكنتين بعد كل منهما، أي تأخرت أو تقهقرت، وفي رواية: كعكعت، بحذف التاء أوله، وهو يقتضي مفعولاً أي رأيناك كعكعت نفسك، قال أبوعبيد: كعكته فتكعكع، وهو يدل على أن كعكع متعدٍ وتكعكع لازم، واختلف في أنه ثلاثي مزيد أو رباعي مجرد، وقول الجوهري وغيره يدل على أنه ثلاثي مزيد فيه؛ لأنه نقل عن يونس كع يكع بالضم. وقال سيبويه: بالكسر أجود كمد وفر إذا نكص على عقيبه، وفي رواية مسلم: رأيناك كففت أي نفسك بفائين خفيفتين من الكف وهو المنع (فقال) أي النبي ﷺ (إني رأيت الجنة) أي رؤية عين بأن الحجب كسفت له دونها فرآها على حقيقتها وطويت المسافة بينهما حتى أمكنه أن يتناول منها كبيت المقدس حيث وصفه لقريش، وهذا أشبه بظاهر هذا الحديث، ويؤيده ما روى البخاري من حديث أسماء في أوائل صفة الصلاة بلفظ: ((دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها)) . ومنهم من حمله على أنه مثلت له في الحائط كما تنطبع الصورة في المرآة فرأى جميع ما فيها، ويؤيده حديث أنس عند البخاري في كتاب التوحيد: ((لقد عرضت علي الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط وأنا أصلي)) ، وفي رواية: ((لقد مثلت)) ، ولمسلم (لقد صورت)) ، ولا يقال: إن الانطباع إنما هو في الأجسام

стр. 2105

فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار ــ الصقيلة؛ لأن ذلك شرط عادي فيجوز أن تنخرق العادة خصوصاً للنبي ﷺ ، لكن هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر، ولا مانع أن يرى الجنة والنار مرتين بل مراراً على صور مختلفة، وأبعد من قال: إن المراد بالرؤية رؤية العلم، قال القرطبي: لا إحالة في بقاء هذه الأمور على ظواهرها، ولاسيما على مذهب أهل السنة أن الجنة والنار قد خلقتا، وهما موجودتان الآن، فيرجع إلى أن الله تعالى خلق لنبيه إدراكاً خاصاً به أدرك الجنة والنار على حقيقتهما (فتناولت) بين سعيد بن منصور في سننه من وجه آخر أن التناول كان حين قيامه الثاني من الركعة الثانية، ذكره الحافظ. (منها) أي من الجنة (عنقوداً) بضم العين، وهو من العنب ونحوه ما تراكم من حبه، وقيل: المراد قطعة من العنب (ولو أخذته) وفي رواية أخرى للبخاري: ((ولو أصبته)) ، واستشكل هذا مع قوله: ((فتناولت)) ، وأجيب بأنه يحمل التناول على تكلف الأخذ لا حقيقة الأخذ. وقيل: المراد تناولت لنفسي، ولو أخذته لكم وأعطيتكم، حكامه الكرماني وليس بجيد. وقيل: المراد بقوله: تناولت، وضعت يدي عليه بحيث كنت قادراً على تحويله، لكن لم يقدر لي قطفه ولو أخذته أي لو تمكنت من قطفه، يدل عليه قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة: أهوى بيده ليتناول شيئاً، وفي حديث أسماء المذكور: حتى لو اجترأت عليها، وكأنه لم يؤذن له في ذلك فلم يجترئ عليه. وقيل: الإرادة مقدرة، أي أردت أن أتناول ثم لم أفعل، ويؤيده حديث جابر عند مسلم: ((ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ثم بدا لي أن لا أفعل)) ، ومثله للبخاري من حديث عائشة في آخر الصلاة بلفظ: ((حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني جعلت أتقدم)) ، ولعبد الرزاق من طريق مرسلة: ((أردت أن آخذ منها قطفاً لأريكموه فلم يقدر)) ، ولأحمد من حديث جابر ((فحيل بيني وبينه)) ، كذا في الفتح (لأكلتم منه) أي من العنقود (ما بقيت الدنيا) وجه ذلك أنه يخلق الله تعالى مكان كل حبة تقتطف حبة أخرى كما هو المروي في خواص ثمر الجنة، والخطاب عام في كل جماعة يتأتى منهم السماع والأكل إلى يوم القيامة لقوله ((ما بقيت الدنيا)) ، وسبب تركه ﷺ تناول العنقود، قال ابن بطال: لأنه من طعام الجنة، وهو لا يفني والدنيا فانية لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. وقيل: لأنه لو تناوله ورآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب فيخشى أن يقع رفع التوبة والتكليف فلا ينفع نفساً إيمانها. وقيل: لأن الجنة جزاء الأعمال والجزاء بها لا يقع إلا في الآخرة. (ورأيت النار) كانت رؤيته ﷺ النار قبل رؤيته للجنة لما وقع في رواية عبد الرزاق المذكورة ((عرضت على النبي ﷺ النار فتأخر عن مصلاه حتى أن الناس ليركب بعضهم بعضاً، وإذا رجع عرضت عليه الجنة فذهب يمشي حتى وقف في مصلاه)) ، ولمسلم من حديث جابر: ((لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها)) ، وفيه: ((ثم جيء بالجنة

стр. 2106

فلم أر كاليوم منظراً قط أفظع، ــ وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي)) ، وزاد فيه ((ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاته هذه)) ، واللام في النار للعهد أي رأيت نار جهنم (فلم أر كاليوم) أي مثل اليوم، والمراد من اليوم الوقت الذي هو في (منظراً) منصوب بلم أر (قط) بتشديد الطاء ظرف للماضي أي أبداً، قال القاري: أي لم أر منظراً مثل منظر اليوم، فقوله كاليوم صفة منظراً فلما قدم نصب على الحال (أفظع) أي أقبح وأبشع وأشنع وأسوأ، كذا وقع في جميع النسخ الموجودة للمشكاة، وكذا في النسخ الموجودة للموطأ من طبعات الهند، ولفظ المصابيح فلم أر كاليوم منظراً أفظع قط منها، ولفظ البخاري في النكاح من طريق عبد الله بن يوسف عن مالك عن زيد بن أسلم والنسائي من طريق ابن القاسم عن مالك ومسلم من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ: فلم أر كاليوم منظراً قط أي بدون لفظ أفظع، وكذا وقع في نسخ الموطأ من طبعات مصر، ورواه البيهقي من طريق القعنبي بلفظ: فلم أر كاليوم منظراً أفظع منها، قال البيهقي: ورواه الشافعي أي عن مالك ولم يذكر قوله أفظع منها والباقي سواء – انتهى. ورواه البخاري في صلاة الكسوف من طريق القعنبي بلفظ: فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٧ ص١١٦) قال الحافظ: أي لم أر منظراً مثل منظر رأيته اليوم فحذف المرئي وأدخل التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى فيه وبعده عن النظر المألوف، وقيل: الكاف اسم، والتقدير: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظراً، وقال القسطلاني: منظراً نصب بأر وأفظع صفة للمنصوب وكاليوم قط اعتراض بين الصفة والموصوف، وأدخل كاف التشبيه عليه لبشاعة ما رأى فيه، وجوز الخطابي في أفظع وجهين: أن يكون بمعنى فظيع كأكبر بمعنى كبير، وأن يكون أفعل تفضيل على بابه على تقدير منه فصفة فعل التفضيل محذوفة. قال ابن السيد: العرب تقول: ما رأيت كاليوم رجلاً، وما رأيت كاليوم منظراً، والرجل والمنظر لا يصح أن يشبها باليوم، والنحاة تقول معناه ما رأيت كرجل أراه اليوم رجلاً وما رأيت كمنظر رأيته اليوم منظراً، وتلخيصه: ما رأيت كرجل اليوم رجلاً وكمنظر اليوم منظراً، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وجازت إضافة الرجل والمنظر إلى اليوم لتعلقهما به وملابستهما له باعتبار رؤيتهما فيه، وقال غيره: الكاف هنا اسم، وتقديره: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظراً، ومنظراً تمييز، ومراده باليوم الوقت الذي هو فيه، ذكره الدماميني والبرماوي، لكن تعقب الدماميني الأخير وهو قوله وقال غيره ... الخ بأن اعتباره في الحديث يلزم منه تقديم على عامله، والصحيح منعه. فالظاهر في إعرابه أن منظراً مفعول أرَ وكاليوم ظرف مستقر صفة له، وهو بتقدير مضاف محذوف، كما تقدم أي كمنظر اليوم، وقط ظرف لأر وأفظع حال من اليوم على

стр. 2107

ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ــ ذلك التقدير، والمفضل عليه، وجارٌ ومجرور محذوفان، أي كمنظر اليوم حال كونه أفظع من غيره – انتهى. (ورأيت أكثر أهلها النساء) استشكل مع حديث أبي هريرة أن أدنى أهل الجنة منزلة من له زوجتان من الدنيا، ومقتضاه أن النساء ثلثا أهل الجنة، وأجيب بحمل حديث أبي هريرة على ما بعد خروجهن من النار، وما قيل: إنه خرج مخرج التغليظ والتخويف فهو لغو؛ لأنه إخبار عن الرؤية الحاصلة، وفي حديث جابر: ((وأكثر من رأيت فيها النساء اللاتي إن اؤتمنّ أفشين، وإن سئلن بخلن، وإن سألن إلحفن، وإن أعطين لم يشكرن)) فدل على أن المرئى في النار منهم من اتصف بصفات ذميمة، قال الحافظ: حديث ابن عباس يفسر وقت الرؤية في قوله ﷺ لهن في خطبة العيد: ((تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار)) ، قال النووي: فيه دليل على أن بعض الناس اليوم معذب في جهنم. (قالوا) أي الصحابة (بم) كذا في البخاي في صلاة الكسوف بالباء أصله بما بالألف وحذفت تخفيفاً، أي بسبب أي شيء من الأعمال، وللبخاري في النكاح ((لم)) باللام، وكذا في مسلم والنسائي (قيل: يكفرن) بحذف همزة الاستفهام، والقائل أسماء بنت يزيد بن السكن التي تعرف بخطيبة النساء كما يدل عليه رواية البيهقي والطبراني من طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد (قال يكفرن العشير) قال الحافظ: كذا للجمهور عن مالك بلا واو، وكذا عند مسلم من رواية حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم، ووقع في موطأ يحيى بن يحيى قال: ويكفرن العشير بزيادة واو، وقال ابن عبد البر: هكذا ليحيى وحده بالواو، ولم يزدها غيره، والمحفوظ عن مالك من رواية سائر الرواة بلا واو، قال الحافظ: ورواية يحيى وإن كانت شاذة، لكن معناها صحيح؛ لأن الجواب طابق السوال وزاد، وذلك أنه أطلق لفظ النساء فعم المؤمنة والكافرة، فلما قيل: أيكفرن بالله؟ فأجاب ويكفرن العشير ... الخ، وكأنه قال: نعم، يقع منهن الكفر بالله وغيره؛ لأن منهن من يكفر بالله، ومنهن من يكفر الإحسان، وقال ابن عبد البر: وجه رواية يحيى أن يكون الجواب لم يقع على وفق سؤال السائل لإحاطة العلم بأن من النساء من يكفر بالله فلم يحتج إلى جوابه؛ لأن المقصود في الحديث خلافه – انتهى. والعشير الزوج وحمله بعضهم على العموم، وقال: أراد به كل من يعاشرها من زوج أو غيره، والألف واللام على الأول للعهد، وعلى الثاني للجنس، قيل: لم يعد كفر العشير بالباء كما عدى الكفر بالله؛ لأن كفر العشير لا يتضمن معنى الاعتراف بخلاف الكفر مبينة للجملة الأولى على طريق أعجبني زيد وكرمه، وكفر الإحسان تغطيته وعدم الاعتراف به أو جحده وإنكاره، كما يدل عليه قوله (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر) بالنصب على الظرفية، زاد في رواية البخاري في صلاة

стр. 2108

ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط)) متفق عليه. ١٤٩٧- (٤) وعن عائشة نحو حديث ابن عباس، وقالت: ثم سجد فأطال السجود، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، ــ الكسوف كله أي تمام عمر الرجل أو الزمان جميعه لقصد المبالغة والخطاب في أحسنت لكل من يصلح لذلك من الرجال فهو خطاب خاص لفظاً عام معنى (شيئاً) أي ولو حقيراً لا يوافق هواها من أي نوع كان، وقيل: التنوين فيه للتقليل أي شيئاً قليلاً لا يوافق غرضها (خيراً) قليلاً (قط) أي في جميع ما مضى من العمر، وفي الحديث المبادرة إلى الطاعة عند رؤية ما يحذر منه واستدفاع البلاء بذكر الله وأنواع طاعته وتحريم كفران الحقوق ووجوب شكر المنعم وغير ذلك من الفوائد الكثيرة التي ذكرت في شرحي البخاري للحافظ والعيني وشرح مسلم للنووي (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ ص٢٩٨، ٣٥٨) ومالك وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٣٢١) . ١٤٩٧- قوله (وعن عائشة نحو حديث ابن عباس) برفع نحو أي مثل حديثه في المعنى (ثم سجد فأطال السجود) كالركوع (ثم انصرف) عن الصلاة بالسلام بعد التشهد (وقد انجلت الشمس) بنون بعد ألف الوصل أي صفت وانكشفت (فخطب الناس) هذا ظاهر في الدلالة على أن لصلاة الكسوف خطبة، قال العيني: حديث الباب صريح في الخطبة، وبها قال الشافعي وإسحاق وابن جرير وفقهاء أصحاب الحديث، وقال أبوحنيفة ومالك وأحمد: لا خطبة فيها. قالوا: لأن النبي ﷺ أمرهم بالصلاة والتكبير والصدقة ولم يأمرهم بالخطبة، ولو كانت سنة لأمرهم بها، وإنما خطب ﷺ بعد الصلاة ليعلمهم حكمها فكأنه مختص به. وقيل: خطب بعدها لا لها بخصوصها بل ليردهم عن قولهم: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم وليخبرهم بما رأى في الصلاة من الجنة والنار وغيرهما من الآيات، كما في الحديث، ولذا خطب بعد الانجلاء، ولو كانت سنة لخطب قبله كالصلاة والدعاء. وأجيب عن الأول بأن المشروعية والسنية لا تتوقف على البيان بالقول بل تثبت بفعله ﷺ أيضاً، وههنا قد ورد ذكر الخطبة بعد صلاة الكسوف في أحاديث كثيرة صحيحة فلا شك في مشروعيتها واستحبابها، وعن الثاني بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف والإخبار بما رأى من الجنة والنار وغيرهما من الآيات، كما لا يخفى على من تأمل في حديث أسماء وحديث عائشة متفق عليهما، وحديث جابر عند مسلم وحديث سمرة عند أحمد والحاكم، والأصل مشروعية الاتباع والخصائص لا تثبت إلا بدليل، وقال ابن دقيق العيد: العذر المذكور

стр. 2109

فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا ــ ضعيف؛ لأن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معين بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من الحمد والثناء والموعظة، وقد يكون بعض هذه الأمور داخلاً في مقاصدها مثل ذكر الجنة والنار وكونهما من آيات الله، بل هو كذلك جزماً – انتهى. قال الحافظ: وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره هو من مقاصد خطبة الكسوف فينبغي التأسي بالنبي ﷺ فيذكر الإمام ذلك في خطبة الكسوف – انتهى. وذكر الزيلعي كلام ابن دقيق العيد بتمامه ولم يتعقبه بشيء. قال صاحب الهداية من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة؛ لأنه لم ينقل. وتعقب بأن الأحاديث قد ثبتت فيه، وهي ذات كثرة، قال الزيلعي في نصب الراية (ج٢ ص٢٣٦) بعد ذكر كلام صاحب الهداية المذكور: هذا غلط، ثم ذكر أحاديث أسماء وابن عباس وعائشة متفق عليها، وحديث جابر عند مسلم، وحديث سمرة عند أحمد وحديث عمرو بن العاص عند ابن حبان، وكلها مشتمل على ذكر الخطبة، وما قال فيها، وقال الحافظ في الدراية (ص١٣٨) بعد ذكر كلام صاحب الهداية: وهذا النفي مردود بما في الصحيحين عن أسماء: ثم انصرف بعد أن تجلت الشمس فقام فخطب الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه....الحديث، وفي المتفق أيضاً عن ابن عباس وعائشة، ولمسلم عن جابر ولأحمد والحاكم عن سمرة ولابن حبان عن عمرو بن العاص – انتهى. قال بعض الحنفية: لعل مراد صاحب الهداية بقوله: "لم ينقل" أي الأمر بها كما نقل الأمر بالصلاة والذكر والدعاء وغير ذلك. قلت: صاحب الهداية قد نفى نقل الخطبة مطلقاً، وهو الذي فهمه الزيلعي والحافظ، ولذلك اتفقا على تغليطه والرد عليه، والاحتمال الذي ذكره هذا البعض خلاف الظاهر فهو مردود. واحتج بعض أصحاب مالك على ترك الخطبة بأنه لم ينقل في الحديث أنه صعد المنبر. وقد زيفه ابن المنير بأن المنبر ليس شرطاً، ثم لا يلزم من أنه لم يذكر أنه لم يقع، قلت: ورد ذكر صعود المنبر صريحاً في حديث عائشة عند النسائي وحديث أسماء عند أحمد (ج٦ ص٣٥٤) ، قال الحافظ: صرح أحمد والنسائي وابن حبان في روايتهم بأنه صعد المنبر، وكذا قال الزيلعي في نصب الراية (فحمد الله وأثنى عليه) زاد النسائي والبيهقي والحاكم في حديث سمرة وشهد أنه عبد الله ورسوله. (فإذا رأيتم ذلك) أي الكسوف في أحدهما (فادعوا الله) قال القسطلاني: وللحموي والمستملي: ((فاذكروا الله)) ، بدل رواية الكشمهيني ((فادعوا الله)) انتهى. قال ابن الملك: إنما أمر بالدعاء لأن النفوس عند مشاهدة ما هو خارق للعادة تكون معرضة عن الدنيا ومتوجهة إلى الحضرة العلياء فتكون أقرب إلى الإجابة (وكبروا) أي عظموا الرب أو قولوا: الله أكبر (وصلوا) أي صلاة الكسوف والخسوف كما صليتم الآن، وروى البخاري عن أبي مسعود قال: قال النبي ﷺ :

стр. 2110

وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، ــ إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد من الناس ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموها (أي الآية) فقوموا فصلوا، قال الحافظ: استدل به على أنه لا وقت لصلاة الكسوف معين؛ لأن الصلاة علقت برؤية الكسوف، وهي ممكنة في كل وقت من النهار، وبهذا قال الشافعي ومن تبعه، واستثنى الحنفية أوقات الكراهة، وهو مشهور مذهب أحمد، وعن المالكية وقتها من حل النافلة إلى الزوال، وفي رواية إلى صلاة العصر. ورجح الأول بأن المقصود إيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء، وقد اتفقوا على أنها لا تقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله فيفوت المقصود، ولم أقف في شيء من الطرق مع كثرتها على أنه ﷺ صلاها الأضحى لكن ذلك وقع اتفاقاً، ولا يدل على منع ما عداه، واتفقت الطرق على أنه بادر إليها – انتهى. (وتصدقوا) لأن الصدقة تطفئ غضب الرب، وفي الحديث المبادرة بالصلاة وسائر ما ذكر من الدعاء والتكبير والصدقة عند الكسوف، قال الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله: الأصل فيها إن الآيات إذا ظهرت انقادت لها النفوس والتجأت إلى الله تعالى وانفكت عن الدنيا نوع انفكاك، فتلك الحالة غنيمة للمؤمن ينبغي أن يبتهل في الدعاء والصلاة وسائر أعمال البر، وأيضاً فإنها وقت قضاء الله الحوادث في عالم المثال، ولذلك يستشعر فيها العارفون الفزع وفزع رسول الله ﷺ عندها لأجل ذلك، وهي أوقات سريان الروحانية في الأرض، فالمناسب للمحسن أن يتقرب إلى الله في تلك الأوقات، وهو قوله ﷺ في حديث النعمان: ((فإذا تجلى الله لشيء من خلقه خشع له)) ، وأيضاً فالكفار يسجدون للشمس والقمر فكان من حق المؤمن إذا رأى آية عدم استحقاقهما العبادة أن يتضرع إلى الله ويسجد له، وهو قوله تعالى: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن﴾ [فصلت: ٣٧] ليكون شعاراً للدين وجواباً مسكتاً لمنكريه – انتهى. (يا أمة محمد) فيه ذكر الباعث لهم على الامتثال وهو نسبتهم إليه ﷺ ، قاله القاري، وقيل: خاطبهم بذلك إظهاراً لمعنى الشفقة، كما يقول أحد: يا بني، وعدل عن يا أمتي لأن المقام مقام تخويف وتحذير، وفي قوله: ((أمتي)) إشعار بالتكريم (والله) أتى باليمين لإرادة التأكيد لخبره، وإن كان لا يرتاب في صدقه (ما من أحد أغير) أي أشد غيرة (من الله أن يزني عبده أو تزني أمته) أي على زنا عبده أو أمته، قال القسطلاني: برفع أغير صفة لأحد باعتبار المحل، والخبر محذوف منصوب أي موجوداً على أن ما حجازية – وهي تعمل عمل ليس -، أو يكون أحد مبتدأ وأغير خبره على أن ما تميمية، ويجوز نصب أغير على أنه خبر ما الحجازية، و"من" زائدة للتأكيد وأن يكون مجروراً بالفتحة على الصفحة للمجرور باعتبار اللفظ والخبر المحذوف مرفوع على أن ما تميمية، وقوله ((أن يزني)) متعلق بأغير

стр. 2111

يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) . ــ وحذف الجار من أن قياس مستمر. قال الحافظ: أغير أفعل تفضيل من الغيرة بفتح الغين المعجمة، وهي في اللغة تغير يحصل من الحمية والأنفة، وأصلها في الزوجين والأهلين وكل ذلك محال على الله تعالى؛ لأنه منزه عن كل تغير ونقص فيتعين حمله على المجاز، فقيل: لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعم وزجر من يقصد إليهم أطلق عليه ذلك لكونه منع من فعل ذلك وزجر فاعله وتوعده فهو من باب تسمية الشيء بما يترتب عليه. وقال ابن فورك: المعنى ما أحد أكثر زجراً عن الفواحش من الله تعالى. وقال غيره: غيرة الله ما يغير من حال العاصي بانتقامه منه في الدنيا والآخرة أو في أحدهما، ومنه قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد: ١١] ، وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين إما ساكت وإما مؤول، على أن المراد بالغيرة شدة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة، وقال الطيبي: وجه اتصال هذا المعنى بما قبله من قوله: ((فادعوا الله وكبروا ... )) الخ، من جهة أنهم لما أمروا باستدفاع البلاء بالدعاء والذكر والتكبير والصلاة والتصدق ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء وخص منها الزنا؛ لأنه أعظمها في ذلك. وقيل: لما كانت هذه المعصية من أقبح المعاصي وأشدها تأثيراً في إثارة النفوس وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة رب الغيرة وخالقها . ولعل تخصيص العبد والأمة بالذكر رعاية لحسن الأدب مع الله تعالى لتنزيهه عن الزوجة والأهل ممن يتعلق بهم الغيرة غالباً – انتهى كلام الحافظ، وقيل: الغيرة من صفات الكمال، فتثبت لله تعالى كما هو مدلول اللغة، ولا دليل على صرفه عن ظاهر معناه، وما ذكروه من حقيقته فهو بالنسبة إلينا، والله جل وعلا منزه عن مماثلة المخلوقات، فكما إن ذاته ليست كذواتنا فصفاته ليست كصفاتنا ولله المثل الأعلى. (لو تعلمون ما أعلم) قال الباجي: يريد أنه – ﵊ – خصه الله تعالى بعلم لا يعلمه غيره، ولعله ما أراه في مقامه من النار وشناعة منظرها. وقال النووي: لو تعلمون من عظم انتقام الله تعالى من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة وما بعدها ما علمت، وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيراً ولقل ضحككم لفكركم فيما علمتموه – انتهى. ولا يخفى أنهم علموا بواسطة خبره إجمالاً، فالمراد التفصيل كعلمه ﷺ ، فالمعنى لو تعلمون ما أعلم كما أعلم، وقيل: المعنى لو دام علمكم كما دام علمي، فإن علمه ﷺ متواصل بخلاف علم غيره. (لضحكتم قليلاً) أي زماناً قليلاً أو مفعول مطلق، وقيل: القلة ههنا بمعنى العدم كما في قوله: قليل التشكي أي عديمه، والتقدير لتركتم الضحك ولم يقع منكم إلا نادراً لغلبة الخوف واستيلاء الحزن. (ولبكيتم كثيراً) خوفاً من الله تعالى أو لتفكركم فيما علمتموه، وقيل: المعنى لو علمتم من سعة

стр. 2112

متفق عليه. ١٤٩٨- (٥) وعن أبي موسى قال: خسفت الشمس، فقام النبي ﷺ فزعاً يخشى أن تكون الساعة، ــ رحمة الله وحلمه وغير ذلك ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك، وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم الزجر عن كثرة الضحك والحث على كثرة البكاء والاعتبار بآيات الله، وفيه الرد على من زعم أن للكواكب تأثيراً في الأرض لانتفاء ذلك عن الشمس والقمر فكيف بما دونهما. ومن حكمة وقوع الكسوف، تبيين أنموذج ما سيقع في القيامة، وصورة عقاب من لم يذنب فكيف بمن له ذنب، والتنبيه على سلوك طريق الخوف مع الرجاء لوقع الكسوف بالكوكب ثم كشف ذلك عنه؛ ليكون المؤمن من ربه على خوف ورجاء، والإشارة إلى تقبيح من يعبد الشمس أو القمر (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٦ ص١٦٤) ومالك والنسائي والبيهقي، وأخرجه أبوداود مختصراً على قوله: ((الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد – إلى قوله – وتصدقوا)) . ١٤٩٨- قوله (خسفت الشمس) بفتح الخاء والسين (فقام النبي ﷺ فزعاً) بكسر الزاي صفة مشبهة أو بفتحها مصدر بمعنى الصفة أو مفعول مطلق لفعل مقدر (يخشى) بالبناء للفاعل في محل النصب على الحال (أن تكون) في موضع النصب مفعول يخشى (الساعة) بالرفع على أن تكون تامة أو على أنها ناقصة، والخبر محذوف أن أن تكون الساعة قد حضرت أو نصب على أنها ناقصة واسمها محذوف أي تكون هذه الآية الساعة أي علامة حضورها. قال ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى دوام المراقبة لفعل الله وتجريد الأسباب العادية عن تأثيرها لمسبباتها، وفيه جواز الإخبار بما يوجبه الظن من شاهد الحال؛ لأن سبب الفزع يخفى عن المشاهدة لصورة الفزع فيحتمل أن يكون الفزع لغير ما ذكر، فعلى هذا فيشكل هذا الحديث من حيث أن للساعة مقدمات كثيرة لم تكن وقعت كفتح البلاد واستخلاف الخلفاء وخروج الخوارج ثم الأشراط كطلوع الشمس من مغربها والدابة والدجال والدخان وغير ذلك. ويجاب عن هذا بأجوبة: منها أن غلبة الخشية والدهشة وفجاءة الأمور العظام تذهل الإنسان عما يعلم. ومنها احتمال أن يكون الأمور المعلومة وقوعها بينه وبين الساعة كانت مقيدة بشرط يعني أن حالة استحضار إمكان القدرة غلبت على استحضار ما تقدم من الشروط؛ لاحتمال أن تكون تلك الأشراط كانت مشروطة بشرط لم يتقدم ذكره، فيقع المخوف بغير أشراط لفقد الشرط، ومنها أن النبي ﷺ قدر وقوع الممكن لولا ما أعمله الله تعالى بأنه لا يقع قبل الأشراط، وجعل ما سيقع كالواقع إظهاراً لتعظيم شأن الكسوف

стр. 2113

فأتى المسجد، فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته قط يفعله، وقال: ــ وتنبيهاً لأمته أنه إذا وقع بعده يخشون أمر ذلك، لاسيما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط أو أكثر ويفزعون إلى ذكر الله والصلاة والصدقة ليدفع عنهم البلايا. ومنها أن راويه ظن أنه ﷺ خشي أن تكون الساعة، وليس يلزم من ظنه أن يكون النبي ﷺ خشي ذلك حقيقة، بل خرج النبي ﷺ مستعجلاً مهتماً بالصلاة وغيرها من أمر الكسوف مبادراً إلى ذلك، وربما خاف أن يكون نوع عقوبة تحدث كما كان يخاف عند هبوب الريح، فظن الراوي خلاف ذلك ولا اعتبار بظنه. وفيه أن تحسين الظن بالصحابي يقتضي أنه لا يجزم ذلك إلا بتوقيف. ومنها لعله خشي أن يكون ذلك بعض المقدمات يعني خشي أن يكون الكسوف مقدمة لبعض الأشراط كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن يتخلل بين الخسوف والطلوع المذكور أشياء مما ذكر، وتقع متتالية بعضها أثر بعض مع استحضار قوله تعالى: ﴿وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب﴾ [النحل: ٧٧] ، ومنها أن هذا تخييل من الراوي وتمثيل منه كأنه قال فزع فزعاً كفزع من يخشى أن تكون الساعة، وإلا فالنبي ﷺ كان عالماً بأن الساعة لا تقوم وهو فيهم، وقد وعده الله مواعد لم تتم ولم تقع بعد، وإنما كان فزعه عند ظهور الآيات كالخسوف والزلازل والريح الصواعق شفقاً على أهل الأرض أن يأتيهم عذاب الله كما أتى من قبلهم من الأمم لا عن قيام الساعة (فأتى المسجد) أي مسجد المدينة، قال ابن دقيق العيد: في الحديث دليل على أن سنة صلاة الكسوف في المسجد وهو المشهور عن العلماء، وخير بعض أصحاب مالك بين المسجد والصحراء، والصواب: المشهور الأول، فإن هذه الصلاة تنتهي بالانجلاء، وذلك مقتض لأن يعتني بمعرفته ويراقب حال الشمس، فلولا أن المسجد أرجح لكانت الصحراء أولى؛ لأنها أقرب إلى إدراك حال الشمس في الانجلاء وعدمه، وأيضاً فإنه يخاف من تأخيرها فوات إقامتها بأن يشرع الانجلاء قبل اجتماع الناس وبروزهم – انتهى. (ما رأيته قط يفعله) أي ما رأيت النبي ﷺ يفعل مثله، كذا في جميع النسخ الموجودة للمشكاة بذكر كلمة ما قبل رأيته، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٧ ص١١٨) وفي نسخ البخاري من طبعات الهند ومصر الحاضرة عندنا رأيته قط يفعله أي بدون حرف النفي قبل رأيته، لكن قال العيني في كثير من النسخ أي للبخاري وقعت على الأصل وهو ما رأيته قط يفعله – انتهى. ولفظ مسلم والنسائي والبيهقي: ما رأيته يفعله في صلاة قط، قال العيني: كلمة "قط" لا تقع إلا بعد الماضي المنفي، ووجه النسخة التي هي بغير لفظ ما أن يقدر حرف النفي كما في قوله تعالى: ﴿تالله تفتؤ تذكر يوسف﴾ [يوسف ٨٥] ، أي لا تفتؤ ولا تزال تذكره تفجعاً، فحذف لا أو أن لفظ أطول فيه معنى عدم المساواة أي بما لم يساو قط قياماً رأيته يفعله، أو قط بمعنى حسب أي صلى في تلك اليوم فحسب بأطول قيام رأيته يفعله أو تكون بمعنى أبداً لكن إذا كانت بمعنى حسب تكون القاف مفتوحة والطاء ساكنة (وقال) أي في خطبته بعد فراغه من

стр. 2114

هذه الآيات التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، ــ صلاة الكسوف (هذه الآيات) أي كسوف النيرين والزلزلة وهبوب الريح الشديدة (ولكن يخوف الله بها) أي بالآيات (عباده) قال الله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً﴾ قال القسطلاني: فالكسوف من آياته تعالى المخوفة، إما أنه آية من آيات الله فلأن الخلق عاجزون عن ذلك، وإما أنه من الآيات المخوفة فلأن تبديل الطاعا بعد الإيمان الصلاة. وفيه رد على أهل الهيئة حيث قالوا: إن الكسوف أمر عادي لا تأخير فيه ولا تقديم؛ لأنه لو كان كما زعموا لم يكن فيه تخويف ولا فزع، ولم يكن للأمر بالصلاة والصدقة معنى. ولئن سلمنا ذلك فالتخويف باعتبار أنه يذكر القيامة لكونه أنموذجاً قال الله تعالى: ﴿فإذا برق البصر. وخسف القمر﴾ الآية [القيامة: ٧] ، ومن ثم قام – ﵇ – فزعاً فخشي أن تكون الساعة، وكان – ﵇ – إذا اشتد هبوب الرياح تغير ودخل وخرج خشية أن تكون الريح كريح عاد، وإن كان هبوب الرياح أمراً عادياً، وقد كان أرباب الخشية والمراقبة يفزعون من أقل من ذلك، إذ كل ما في العالم علويه وسفليه دليل على نفوذ قدرة الله تعالى وتمام قهره. وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعمه أهل الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة والحاكم بلفظ: ((إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، وإن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له)) ، وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة، وقال: إنها غير صحيحة نقلاً، فيجب تكذيب ناقلها، وبنى ذلك على أن قول الفلاسفة في باب الكسوف والخسوف حق لما قام عليه من البراهين القطعية، وهو أن خسوف القمر عبارة عن انمحاء ضوئه بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث أنه يقتبس نوره من الشمس والأرض كرة، والسماء محيطة بها من الجوانب، فإذا وقع القمر في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس، وأن كسوف الشمس معناه وقوع جرم القمر بين الناظر والشمس، وذلك عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقة واحدة. قال ابن القيم: إسناد هذه الرواية لا مطعن فيه ورواته ثقات حفاظ، ولكن لعل هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام بعض الرواة، ولهذا لا توجد في سائر أحاديث الكسوف، فقد روى حديث الكسوف عن النبي ﷺ بضعة عشر صحابياً فلم يذكر أحد منهم في حديثه هذه اللفظة، فمن ههنا نشأ احتمال الإدراج، وقال السبكي: قول الفلاسفة صحيح كما قال الغزالي، لكن إنكار الغزالي هذه الزيادة غير جيد، فإنه مروي في النسائي وغيره، وتأويله ظاهر فأي بعد في أن العالم بالجزئيات ومقدر الكائنات سبحانه يقدر في أزل الأزل خسوفهما بتوسط الأرض بين الشمس والقمر، ووقوف جرم القمر بين الناظر والشمس

стр. 2115

فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره)) متفق عليه. ١٤٩٩- (٦) وعن جابر قال: انكسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، ــ ويكون ذلك وقت تجليه عليهما، فالتجلي سبب لكسوفهما، قضت العادة بأنه يقارن توسط الأرض ووقوف جرم القمر، لا مانع من ذلك ولا ينبغي منازعة الفلاسفة فيما قالوا إذا دلت عليه براهين قطعية – انتهى. قال السندي: ويحتمل أن المراد إذا بدا – هذا لفظ أحمد والنسائي – أي بدو الفاعل للمفعول أي إذا تصرف في شيء من خلقه بما يشاء خشع له أي قبل ذلك ولم يأب عنه – انتهى. وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: ((يخوف الله بهما عباده)) وليس بشيء؛ لأن لله أفعالاً على حسب الأسباب العادية، وأفعالاً خارجة عن تلك الأسباب، وقدرته حاكمة على كل سبب ومسبب، فيقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فأصحاب المراقبة لله ولأفعاله الذين عقدوا أبصار قلوبهم بوحدانيته وعموم قدرته على خرق العادة واقتطاع المسببات عن أسبابها وأنه يفعل ما يشاء، إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة اعتقادهم المذكور، وذلك لا يمنع أن يكون ثمة أسباب تجرى عليها العادة إلى يشاء الله تعالى خرقها، ولهذا كان النبي ﷺ عند اشتداد هبوب الريح يتغير ويدخل ويخرج خشية أن تكون كريح عاد، وإن كان هبوب الريح موجوداً في العادة، وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقاً في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفاً لعباد الله تعالى، وذكر ابن القيم في كتاب مفتاح السعادة توجيهاً آخر لذلك، وقد نقله السيوطي في حاشية النسائي فارجع إليها. (فإذا رأيتم شيئاً من ذلك) أي مما ذكر من الآيات (فافزعوا) بفتح الزاي أي التجأوا من عذابه أو توجهوا (إلى ذكره) ومنه الصلاة (ودعاء واستغفاره) يقال: فزعت إلى الشيء أي لجأت إليه، ويقال: فزعت إلى فلان فأفزعني أي لجأت إليه فألجأني واستعنت به فأعانني، في الحديث إشارة إلى المبادرة إلى ما أمر به، وتنبيه على الالتجاء إلى الله تعالى عند المخاوف بالدعاء والاستغفار، وإشارة إلى أن الذنوب سبب البلايا والعقوبات العاجلة أيضاً، وأن الاستغفار والتوبة سببان للمحو يرجى بهما زوال المخاوف. قال الحافظ: استدل بالحديث على أن الأمر لمبادرة إلى الذكر والدعاء والاستغفار وغير ذلك لا يختص بالكسوفين؛ لأن الآيات أعم من ذلك، ولم يقع في هذه الرواية ذكر الصلاة، فلا حجة فيه لمن استحبها عند كل آية، وقال العيني: قوله ((فافزعوا إلى ذكر الله)) حجة لمن قال ذلك؛ لأن الصلاة يطلق عليها ذكر الله؛ لأن فيها أنواعاً من ذكر الله تعالى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً النسائي والبيهقي (ج٣ ص٣٤٠) . ١٤٩٩- قوله (انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ ) وأمه

стр. 2116

فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات. ــ مارية قبطية سرية رسول الله ﷺ ، قد أهداها إليه المقوقس صاحب الاسكندرية ومصر، ولد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتوفي وهو ابن ستة عشر شهراً، وقيل: سبعة عشر، وقيل: ثمانية عشر، وهو أصح، ودفن بالبقيع، وقال النبي ﷺ : ((إن له مرضعاً يتم رضاعه في الجنة)) ، وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات بالمدينة في السنة العاشرة من الهجرة، ثم اختلفوا، فقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان، وقيل: في ذي الحجة، قيل: في عاشر الشهر، وعليه الأكثر، وقيل: في رابعه، وقيل: في رابع عشرة، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة؛ لأن النبي ﷺ كان إذ ذاك بمكة في الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته وكانت بالمدينة بلا خلاف، نعم قيل: إنه مات سنة تسع، فإن ثبت يصح، وذكر الواقدي أنه مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، وتقدم قول ابن تيمية: أنه من نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب، وتقدم أيضاً الإشارة إلى تحقيق المرحوم محمود باشا الفلكي ليوم الكسوف الذي حصل في السنة العاشرة يوم مات فيه إبراهيم – ﵇. وحاصله أن الشمس كسفت بالمدينة في الساعة ٨ والدقيقة ٣٠ صباحاً يوم الاثنين ٢٩ شوال سنة ١٠ الموافق ليوم ٢٧ يناير سنة ٦٣٢ ميلادية، وعلى هذا يكون ولادته في جمادى الأولى سنة ٩، وعمره ثمانية عشر شهراً أو سبعة عشر أو ستة عشر على اختلاف في الروايات بإدخال شهري الميلاد والوفاة على الأول وإخراجهما على الثالث وإدخال أحدهما على الثاني (فصلى بالناس ست ركعات) أي ركوعات إطلاقاً للكل وإرادة الجزء (بأربع سجدات) أي في ركعتين فيكون في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان، قال الطيبي: أي صلى ركعتين كل ركعة بثلاث ركوعات – انتهى. والحديث قد اختلف فيه على جابر، فروى عنه عطاء كما ترى فصلى بالناس ست ركعات، وروى عنه أبوالزبير أنه صلى ركعتين بأربع ركوعات، أخرجه مسلم وأحمد والنسائي، ورواية عطاء مع كونها في صحيح مسلم قد أعلها البيهقي، إذ قال (ج ٣ ص٣٢٦) بعد رواية حديث جابر من طريق عطاء مطولاً ما لفظه: من نظر في هذه القصة وفي القصة التي رواها أبوالزبير عن جابر علم أنه قصة واحدة، وأن الصلاة التي أخبر عنها إنما فعلها يوم توفي إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، وقد اتفقت رواية عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر، ورواية عطاء بن يسار وكثيرة بن عباس عن ابن عباس، ورواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر، ورواية أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ إنما صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعين، وفي حكاية أكثرهم قوله ﷺ يومئذٍ: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ... )) الخ دلالة على أنه صلاها يوم توفي ابنه فخطب، وقال هذه المقالة رداً لقولهم: إنما كسفت لموته، وفي اتفاق هؤلاء العدد مع فضل حفظهم دلالة على أنه لم يزد في كل ركعة على ركوعين، كما ذهب إليه الشافعي ومحمد بن إسماعيل البخاري – رحمهما الله تعالى – انتهى. وحاصله أن رواية أبي الزبير عن جابر أرجح لاتفاق الشيخين على

стр. 2117

رواه مسلم. ١٥٠٠- (٧) وعن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ حين كسفت الشمس ثمان ركعات في أربع سجدات. وعن علي مثل ذلك. ــ تخريجها، ورواية عطاء مرجوحة لانفراد مسلم بها، وقد تقدم منا أن رواية تثليث الركوع وتربيعه في كل ركعة صحيحة، لكن رواية الركوعين في كل ركعة أصح وأكثر وأشهر فيجب ترجيحها وتتعين هي للعمل؛ لأنه إنما يؤخذ بالأصح، فالأصح من أمر رسول الله ﷺ (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والبيهقي (ج٣ ص٣٢٦) . ١٥٠٠- قوله (ثمان ركعات) أي ركوعات (في أربع سجدات) يعني ركع ثمان مرات كل أربع في ركعة وسجد في كل ركعة سجدتين، وقد رواه مسلم من طريق آخر بلفظ: أنه صلى في كسوف قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ركع ثم قرأ ثم ركع ثم سجد، قال: والأخرى مثلها، والحديث يدل على أنه من جملة صفات صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات، وهو مع كونه في صحيح مسلم قد أعله البيهقي فقال (ج٣ ص٣٢٧) بعد روايته: وأما محمد بن إسماعيل البخاري فإنه أعرض عن هذه الروايات التي فيها خلاف رواية الجماعة، وقد روينا عن عطاء بن يسار وكثير بن عباس عن النبي ﷺ أنه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان، وحبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلس – وصفه بذلك ابن خزيمة والدارقطني وابن حبان وغيرهم -، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس، قال: وقد روى سليمان عن طاوس عن ابن عباس من فعله أنه صلاها ست ركعات في أربع سجدات، فخالفه في الرفع والعدد جميعاً – انتهى. وفيه أن إخراج مسلم لحديث حبيب بن أبي ثابت في صحيحه دليل على أنه ثبت عنده أنه متصل وأنه لم يدلس فيه. قال النووي: ما في الصحيحين عن المدلس بعن ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، فالحديث صحيح، وأما رواية سليمان الموقوفة فلا تعلل بها الرواية المرفوعة الصحيحة؛ لأن العبرة لما روى الراوي لا لما رأى كذا قيل، وقد تقدم كلام ابن تيمية أن الصواب مع من أنكر على مسلم ونازعه في إخراجه حديث صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأربع ركوعات، وأن هذا من المواضع المنتقدة بلا ريب، وبالجملة هذا الحديث وإن كان مخرجاً في صحيح مسلم لكن العمل على روايات الركوعين لكونها أكثر وأصح وأشهر وأرجح، والله تعالى أعلم. (وعن علي مثل ذلك) أي وروي عنه مثل رواي ابن عباس، كذا أحاله على حديث ابن عباس ولم يذكر لفظه. وقد أسلفنا أن حديث علي في تربيع الركوع أخرجه أحمد والبيهقي عنه مرفوعاً من طريق

стр. 2118

رواه مسلم. ١٥٠١- (٨) وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: كنت أرتمي بأسهم لي بالمدينة في حياة رسول الله ﷺ ، إذ كسفت الشمس، فنبذتها، فقلت: والله لأنظرن إلى ما حدث لرسول الله ﷺ في كسوف الشمس؟ قال: فأتيته وهو قائم في الصلاة، رافع يديه، فجعل يسبح ويهلل ويكبر ويحمد ويدعو ــ الحسن بن حر عن الحكم عن حنش عن علي، وقيل: المراد من قوله: وعن علي مثل ذلك، أي من فعله؛ لأنه لو كان من فعل النبي ﷺ لجعله حديثاً على حدة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٣٢٧) . ١٥٠١- قوله (وعن عبد الرحمن بن سمرة) - بفتح السين المهملة وضم الميم وسكونها - ابن حبيب بن عبد شمس العبشمي يكنى أباسعيد، أسلم يوم فتح مكة، وصحب النبي ﷺ ، يقال: كان اسمه عبد كلال، وقيل غير ذلك، فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن، وشهد غزوة تبوك مع النبي ﷺ ، ثم شهد فتوح العراق، وهو الذي افتتح سجستان وكابل وغيرهما في خلافة عثمان، ثم نزل البصرة ومات بها سنة (٥٠) أو بعدها. (كنت أرتمي) افتعال من الرمي، أي أرمي كما وقع في رواية أخرى لمسلم: كنت أرمي أي باب ضرب، وفي أخرى له: بينما أتَرَمّى أي من باب التفعل، وفي بعض النسخ: أترامي، أي من باب التفاعل، قال في المجمع (ج٢ ص٤٠) : خرجت أرتمي بأسهمي، وروي أترامى رميت بالسهم، وارتميت وتراميت وراميت إذا رميت به عن القسي، وقيل: خرجت أرتمي إذا رميت القنص، وأترمى إذا خرجت ترمي في الأهداف ونحوها – انتهى. وقال النووي: قوله: كنت أرتمي بأسهم، أي أرمي، كما قاله في الرواية الأولى، يقال: أرمي وأرتمي وأترامي وأترَمّى كما قاله في الرواية الأخيرة (بأسهم) جمع سهم (في حياة رسول الله ﷺ ) أي امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ [الأنفال: ٤٠] ، فإنه صح أن النبي ﷺ فسرها بالرمي، وقال: ((من تعلم الرمي فتركه فليس منا)) ، (فنبذتها) أي وضعت السهام وألقيتها (فقلت) أي في نفسي (لأنظرن) أي لأبصرن (إلى ما حدث) أي تجدد من السنة (لرسول الله ﷺ في كسوف الشمس) زعم عبد الرحمن أنه لابد أن يقرر النبي ﷺ في الكسوف شيئاً من السنن، فأراد أن ينظره (وهو قائم في الصلاة رافع يديه) قال النووي: فيه دليل لأصحابنا في رفع اليدين في القنوت، ورد على من يقول لا ترفع الأيدي في دعوات الصلاة

стр. 2119

حتى حسر عنها، فلما حسر عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين، رواه مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن سمرة. ــ (حتى حسر عنها) على بناء المفعول أي أزيل الكسوف عن الشمس، ويحتمل أن لا يكون في "حسر" ضمير، ويكون مسنداً إلى الجار والمجرور، أي أزيل وكشف ما بها (فلما حسر عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين) هذا صريح في أنه شرع في الصلاة بعد الانجلاء، وهو خلاف لسائر الروايات، فقال بعضهم: إن هذه الصلاة كانت تطوعاً مستقلاً بعد انجلاء الكسوف، لا أنها صلاة الكسوف، وهذا مخالف لظاهر قوله: فأتيته وهو قائم في الصلاة ... الخ، وقال في اللمعات: صلى ركعتين، أي أتم صلاته التي كان شرع فيها وحسر عنها في أثنائها، وقال الطيبي: يعني دخل في الصلاة ووقف في القيام الأول وطول التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد حتى ذهب الخسوف، ثم قرأ القرآن وركع ثم سجد، ثم قام في الركعة الثانية وقرأ فيها القرآن وركع وسجد وتشهد وسلم – انتهى. وقال النووي بعد ذكر رواية مسلم بلفظ: فانتهيت إليه وهو رافع يديه يدعو ويكبر ويحمد ويهلل حتى جلي عن الشمس، فقرأ سورتين وركع ركعتين ما لفظه: هذا مما يستشكل ويظن أن ظاهره أنه ابتدأ صلاة الكسوف بعد انجلاء الشمس، وليس كذلك، فإنه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد انجلائها، وقوله: فانتهيت إليه وهو رافع يديه، محمول على أنه وجده في الصلاة، كما في الرواية الأخرى: فأتيته وهو قائم في الصلاة، ثم جمع الراوي جميع ما جرى في الصلاة من دعاء وتكبير وتهليل وتحميد وتسبيح وقراءة سورتين في القيامين الأخيرين للركعة الثانية، وكانت السورتان بعد الانجلاء تتميماً للصلاة فتمت جملة الصلاة ركعتين، أولها في حال الكسوف، وآخرها بعد الانجلاء، وهذا الذي ذكرته من تقديره لابد منه جمعاً بين الروايتين؛ لأنه مطابق للرواية الثانية ولقواعد الفقه ولروايات باقي الصحابة – انتهى. لكن هذا الجواب لا يوافق رواية النسائي لحديث عبد الرحمن بن سمرة بلفظ: فأتيته مما يلي ظهره وهو في المسجد، فجعل يسبح ويكبر ويدعو حتى حسر عنها، قال: ثم قام فصلى ركعتين وأربع سجدات – انتهى. وعلى هذا فالترجيح لسائر الروايات التي تدل على أن انجلاء كان في جلوس التشهد بعد الركعة الثانية وقبل السلام، وظاهر هذا الحديث أنه صلى ركعتين كل ركعة بركوع، وهو أيضاً مستبعد بالنظر إلى سائر الروايات، وتأوله المازري على أنها كانت صلاة تطوع بعد الانجلاء لا صلاة كسوف فإنه إنما صلى بعد الانجلاء وابتداءها بعد الانجلاء لا يجوز، وضعفه النووي بمخالفة لقوله: فأتيته وهو قائم في الصلاة ... الخ، فتأوله هو على أن قوله: صلى ركعتين يعني في كل ركعة قيامان وركوعان – انتهى. وقال القرطبي: يحتمل أنه إنما أخبر عن حكم ركعة واحدة وسكت عن الركعة الأخرى – انتهى. وهذا يرده لفظ النسائي: فصلى ركعتين أو أربع سجدات، فالصواب أن يقال: إن الترجيح لروايات الركوعين في كل ركعة لكونها صريحة، ولكونها أصح وأشهر وأكثر، والله تعالى أعلم. (رواه مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن سمرة) وأخرجه أيضا أحمد

стр. 2120

وكذا في شرح السنة عنه، وفي نسخ المصابيح عن جابر بن سمرة. ١٥٠٢- (٩) وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس، رواه البخاري. ﴿الفصل الثاني﴾ ١٥٠٣- (١٠) عن سمرة بن جندب قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في كسوف لا نسمع له صوتاً. ــ (ج٥ ص٦١-٦٢) وأبوداود والنسائي والحاكم (ج١ص١٢٩) ، والبيهقي (ج٣ ص٣٣٢) ، (وكذا في شرح السنة) للبغوي صاحب المصابيح (عنه) أي عن عبد الرحمن بن سمرة (وفي نسخ المصابيح عن جابر بن سمرة) أي بدل عبد الرحمن بن سمرة، فالظاهر أن ما في المصابيح من خطأ الناسخ وسهوه، ويؤيد ذلك رواية صاحب المصابيح هذا الحديث في شرح السنة عن عبد الرحمن بن سمرة، قال المؤلف: وجدت حديث عبد الرحمن بن سمرة في صحيح مسلم وكتاب الحميدي والجامع وفي شرح السنة بروايته، ولم أجد لفظ المصابيح في الكتب المذكورة برواية جابر بن سمرة، ذكره الطيبي، كذا في المرقاة. ١٥٠٢- قوله (لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة) بفتح العين المهملة أي الإعتاق يعني فك الرقاب من العبودية (في كسوف الشمس) فيه مشروعية الإعتاق عند الكسوف، والأمر محمول على الاستحباب دون الوجوب بالإجماع، والإعتاق وسائر الخيرات مأمور بها في خسوف الشمس والقمر؛ لأن الخيرات تدفع العذاب (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد ((ج٦ ص٣٤٥) وأبوداود والحاكم (ج١ ص٣٣٢) والبيهقي (ج٣ ص٣٤٠) . ١٥٠٣- قوله (في كسوف) أي للشمس كما في رواية أبي داود والنسائي وغيرهما (لا نسمع له صوتاً) قال القاري وغيره: هذا يدل على أن الإمام لا يجهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس – انتهى. وقال السندي: يمكن أنه حكاية لحال من كان مع سمرة في الصفوف البعيدة، ولا يلزم من عدم سماعهم نفي الجهر – انتهى. وكذا قال المجد بن تيمية في المنتقى، وابن حبان في صحيحه، لكن في رواية سمرة المطولة عند أبي داود والنسائي والبيهقي وغيرهم ما يدفع هذا الاحتمال كما لا يخفى على المتأمل، والصواب أن يقال: إن أحاديث الجهر – حديث عائشة المتقدم في أول الباب وحديث أسماء عند البخاري على ما ذكره الزيلعي في نصب الراية، وابن الهمام في فتح القدير، وحديث علي عند ابن خزيمة والطحاوي – نصوص صريحة في الجهر، وحديث سمرة وما في معناه إن ثبت

стр. 2121

رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه. ١٥٠٤- (١١) وعن عكرمة قال: قيل لابن عباس: ماتت فلانة – بعض أزواج النبي ﷺ فخر ساجداً، فقيل له: تسجد في هذه الساعة؟ ــ ليس بنص في السر ونفي الجهر ولا يوازي أحاديث الجهر في الصحة، فيتعين تقديم أحاديث الجهر لكونها أصح، ولكونها متضمنة للزيادة ولكونها مثبتة (رواه الترمذي) وصححه (وأبوداود) وسكت عنه هو والمنذري (والنسائي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص١٦) وابن حبان والبيهقي (ج٣ ص٣٣٩) والطحاوي والحاكم (ج١ ص٣٣١، ٣٣٤) وصححه، وقال ابن حزم في المحلى (ج٥ ص١٠٢) : هذا لا يصح؛ لأنه لم يروه – عن سمرة – إلا ثعلبة بن عبّاد وهو مجهول – انتهى. وقال الحافظ في التهذيب (ج٢ ص٢٤) في ترجمة ثعلبة: هذا ذكره ابن المديني في المجاهيل الذين يروي عنهم الأسود بن قيس، وأما الترمذي فصحح حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حزم: مجهول، وتبعه ابن القطان، وكذا نقل ابن المواق عن العجلي – انتهى. وقال في التلخيص: وأعله ابن حزم بجهالة ثعلبة بن عباد راويه عن سمرة، وقد قال ابن المديني: إنه مجهول، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، مع أنه لا راوي له إلا الأسود بن قيس – انتهى. والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه مختصراً، وأبوداود وابن حبان مطولاً وأحمد والنسائي والحاكم والبيهقي مطولاً ومختصراً. ١٥٠٤- قوله (وعن عكرمة) مولى ابن عباس (ماتت فلانة) هي صفية زوج النبي ﷺ ، ففي رواية للبيهقي (ج٣ ص٣٤٣) قال عكرمة: سمعنا صوتاً بالمدينة، فقال لي ابن عباس يا عكرمة! انظر ما هذا الصوت؟ قال: فذهبت فوجدت صفية بنت حيي امرأة النبي ﷺ قد توفيت....الحديث، وفي تهذيب الكمال للحافظ المزي عن عكرمة قال: توفيت بعض أزواج النبي ﷺ . قال إسحاق بن راهويه: أظنه سماها صفية بنت حيي بالمدينة، فأتيت ابن عباس فأخبرته ... الخ، كذا في حاشية تهذيب التهذيب (ج٤ ص١٢٨) . (بعض أزواج النبي ﷺ ) الظاهر أن الراوي نسي اسمها فكنى عنها بلفظ فلانة، ثم بين أن المراد بقوله فلانة بعض أزواج النبي ﷺ ، وهو بالرفع بدل أو بيان أو خبر مبتدأ محذوف والنصب بتقدير يعني (فخر) أي سقط ووقع (ساجداً) أي آتياً بالسجود (فقيل له تسجد) بحذف الاستفهام (في هذه الساعة) وفي الترمذي وأبي داود والبيهقي: تسجد هذه الساعة، أي بحذف حرف الجر قبل هذه الساعة، وكان الوقت وقت كراهة الصلاة، فقاسوا عليها كراهة السجدة، ففي رواية البيهقي المذكورة: قال عكرمة: فجئت إلى ابن عباس فوجدته ساجداً ولما تطلع الشمس، فقلت: سبحان الله تسجد ولم تطلع الشمس

стр. 2122

فقال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم آية فاسجدوا)) ، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﷺ ؟، رواه أبوداود، والترمذي. ﴿الفصل الثالث﴾ ١٥٠٥- (١٢) عن أبي بن كعب قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى بهم، فقرأ بسورة من الطول، ــ بعد ... الخ، وفي رواية تهذيب الكمال: فأتيت ابن عباس فأخبرته فسجد، فقلت له: أتسجد ولما تطلع الشمس ... الخ، (إذا رأيتم آية) أي علامة مخوفة، قال الطيبي: قالوا: المراد بها العلامات المنذرة بنزول البلايا والمحن التي يخوف الله بها عباده، ووفاة أزواج النبي ﷺ من تلك الآيات؛ لأنهن ضممن إلى شرف الزوجية شرف الصحبة، وقد قال ﷺ : ((أنا أمنة أصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة أهل الأرض ... )) الحديث، فهن أحق بهذا المعنى من غيرهن، فكانت وفاتهن سالبة للأمن، وزوال الأمنة موجب الخوف (فاسجدوا) قال الطيبي: هذا مطلق، فإن أريد بالآية خسوف الشمس والقمر فالمراد بالسجود الصلاة، وإن كانت غيرها كمجيء الريح الشديدة والزلزلة وغيرهما، فالسجود هو المتعارف، ويجوز الحمل على الصلاة أيضاً لما ورد: ((كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)) – انتهى. قلت: قد ثبت عن ابن عباس أنه صلى في زلزلة بالبصرة، كما روى البيهقي (ج٣ ص٣٤٣) . (وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﷺ ) ؛ لأن لهن فضل الصحبة مع فضل خاص ثابت للزوجية ليس لأحد من الأصحاب، وأيضاً بذهابهن يذهب ما تفردن من العلم بأحواله ﷺ ، قال القاري: لأنهن ذوات البركة فبحياتهن يدفع العذاب عن الناس ويخاف العذاب بذهابهن، فينبغي الالتجاء إلى ذكر الله والسجود عند انقطاع بركتهن ليندفع العذاب ببركة الذكر والصلاة – انتهى. ولفظ البيهقي في الرواية التي ذكرنا أولها فقال - أي ابن عباس -: يا لا أم لك، أليس قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم آية فاسجدوا)) ، فأي آية أعظم من أن يخرجن أمهات المؤمنين من بين أظهرنا ونحن أحياء؟ (رواه أبوداود) وسكت عنه (والترمذي) وقال: هذا حديث غريب، وأخرجه أيضاً البيهقي. قال المنذري: في إسناده سلم بن جعفر – البكراوي، أبوجعفر الأعمى -، قال يحيى بن كثير العنبري: صاحبه كان ثقة، وقال الموصلي: يعني أباالفتح الأزدي: متروك الحديث لا يحتج به، وذكر هذا الحديث – انتهى. قلت: وثقه أيضاً ابن المديني، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق تكلم فيه الأزدي بغير حجة. ١٥٠٥- قوله (فصلى بهم) أي صلاة الكسوف (فقرأ بسورة من الطول) بضم الطاء وتكسر وبفتح

стр. 2123

وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام الثانية فقرأ بسورة من الطول، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها. رواه أبوداود. ــ الواو. قال الطيبي: جمع الطولي كالكبرى والكبر (وركع خمس ركعات) أي ركوعات (ثم قام الثانية) بالنصب على نزع الخافض، كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا في جامع الأصول (ج٧ ص١٢٥) قال القاري: وفي نسخة أي من المشكاة: إلى الثانية – انتهى. وعند البيهقي: ثم قام في الثانية (ثم جلس كما هو) أي كائناً على الهيئة التي هو عليها (مستقبل القبلة) بالنصب أي جلس بعد الصلاة كجلوسه فيها يعني مستقبل القبلة (حتى انجلى كسوفها) أي انكشف وارتفع، والحديث دليل على أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة خمس ركوعات، لكنه معلول كما ستعرف، فلا يعارض أحاديث الركوعين (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً عبد الله بن أحمد في زيادات المسند (ج٥ ص١٤٣) ، والحاكم (ج١ ص٣٣٣) والبيهقي (ج٣ ص٣٢٩) ، وقد سكت عنه أبوداود، وقال المنذري: في إسناده أبوجعفر واسمه عيسى بن عبد الله بن ماهان الرازي، وفيه مقال، واختلف فيه قول ابن معين وابن المديني – انتهى. وقال الزيلعي: أبوجعفر الرازي فيه مقال، قال النووي في الخلاصة: لم يضعفه أبوداود، وهو حديث في إسناده ضعف – انتهى. وقال البيهقي: هذا إسناد لم يحتج بمثله صاحبا الصحيح، وهذا توهين منه للحديث بأن سنده مما لا يصلح للاحتجاج به، وقال الحاكم: الشيخان قد هجرا أباجعفر الرازي ولم يخرجا عنه، وحاله عند سائر الأئمة أحسن الحال، وهذا الحديث فيه ألفاظ ورواته صادقون – انتهى. وتعقبه الذهبي فقال: خبر منكر، وعبد الله بن أبي جعفر – الراوي عن أبي جعفر عند أبي داود والحاكم – ليس بشيء، وأبوه فيه لين – انتهى. وقال النيموي: في إسناده لين، وقال الشوكاني: وروي عن ابن السكن تصحيح هذا الحديث – انتهى. قلت: في تصحيحه نظر قوي، فإن أباجعفر الرازي قد تفرد بهذا الحديث عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب، وأبوجعفر مختلف فيه وثقه ابن معين في رواية إسحاق بن منصور والدوري، ووثقه أيضاً ابن المديني في رواية وابن عمار الموصلي وأبوحاتم وابن سعد والحاكم وابن عبد البر، وقال أحمد - في رواية – والنسائي والعجلي: ليس بالقوي، وقال عمرو بن علي الفلاس وابن خراش: هو من أهل الصدق سيء الحفظ، وقال أبوزرعة: شيخ يهم كثيراً، وقال ابن حبان: كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير لا يعجبني الاحتجاج بحديثه إلا فيما وافق الثقات، وقال الحافظ في التقريب: صدوق سيء الحفظ – انتهى. والربيع بن أنس ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه؛ لأن في أحاديثه عنه اضطراباً كثيراً – انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن من وثق أباجعفر الرازي فإنما وثقه لكونه من أهل الصدق والستر والصلاح، ومن تكلم فيه إنما تكلم لسوء حفظه، ومن المعلوم أن الراوي إذا كان سيء الحفظ لا يحتج بحديثه إذا تفرد به، والله أعلم.

стр. 2124

١٥٠٦- (١٣) وعن النعمان بن بشير قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها، حتى انجلت الشمس، ــ ١٥٠٦- قوله (فجعل يصلي ركعتين ركعتين) أي ركوعين ركوعين في كل ركعة (ويسأل عنها) أي يسأل الله بالدعاء أن يكشف عنها أو يسأل الناس عن انجلائها، أي كلما صلى ركوعين يسأل بالإشارة هل انجلت؟ قال الحافظ: إن كان هذا الحديث محفوظاً احتمل أن يكون معنى قوله: ركعتين أي ركوعين، وقد وقع التعبير عن الركوع بالركعة في حديث الحسن البصري: خسف القمر وابن عباس بالبصرة فصلى ركعتين في كل ركعة ركعتان ... الحديث، أخرجه الشافعي، وأن يكون السؤال وقع بالإشارة، فلا يلزم التكرار، وقد أخرج عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي قلابة أنه ﷺ كان كلما ركع ركعة أرسل رجلاً ينظر هل انجلت؟ فتعين الاحتمال المذكور، وإن ثبت تعدد القصة زال الإشكال – انتهى. وقال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي الحنفي في معنى هذا الحديث: قوله: "فجعل يصلي ركعتين ركعتين" كلمة جعل توهم أن المعنى أخذ في صلاة ركعتين ثم ركعتين، وهو ينافي سائر ما نقل عنه ﷺ في صلاة الكسوف، إذ لم يرو أحد منهم زيادة على ركعتين، فالصحيح أن ركعتين بمعنى ركوعين تأكيد للأولى منهما، وعلى هذا فالمعنى ظاهر، وبذلك يظهر إيراد أبي داود هذا الحديث في باب من قال يركع ركعتين، وإنما افتقر إلى تأكيد في أمر الركوعين لمزيد الاختلاف قوله ويسأل عنها أي يدعو الله في شأنها وشأن أنفسهم أن ينجي كلامنا عما يؤخذ فيه – انتهى. قال صاحب البذل: يؤيد ذلك رواية الطحاوي بلفظ: فجعل يصلي ركعتين ويسلم ويسأل حتى انجلت، فإنه ليس فيها لفظ عنها بل فيها ويسأل، وكذلك يؤيده حديث أحمد في مسنده (ج٤ ص٢٦٧، ٢٦٩) ، فإنه ليس فيه لفظ عنها، وكذلك يؤيده ما أخرجه الحاكم من طريق معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير: إن الشمس انكسفت، فصلى النبي ﷺ ركعتين، فإنه ليس فيه تكرار ركعتين ولا ذكر السؤال، قال: لكن يخالف ما قال الشيخ حديث أحمد، فإن فيه: كان يصلي ركعتين ثم يسأل ثم يصلي ركعتين ثم يسأل حتى انجلت، فإنه صريح في أنه يصلي ركعتين ثم ركعتين – انتهى. قلت: في كون حديث النعمان بن بشير محفوظاً نظر، فإنه مخالف لجميع الروايات الصحيحة في حكاية صلاة النبي ﷺ لكسوف الشمس، فإنها صريحة في الاقتصار على ركعتين وصريحة في الزيادة على الركوع، ولذا أعل البيهقي وغيره حديث النعمان وإن صححه ابن حزم وغيره فيتعين تقديم الأحاديث التي فيها أنه صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان، قال ابن قدامة في المغني (ج٣ ص٤٢٤) : فأما أحاديث الحنفية فمتروكة غير معمول بها باتفاقنا، فإنهم قالوا: يصلي ركعتين، وحديث النعمان أنه يصلي ركعتين ثم ركعتين حتى انجلت الشمس، وحديث قبيصة فيه أنه يصلي كأحدث صلاة صليتموها، وأحد الحديثين يخالف الآخر ثم حديث قبيصة

стр. 2125

رواه أبوداود، وفي رواية النسائي: أن النبي ﷺ صلى حين انكسفت الشمس مثل صلاتنا يركع ويسجد، وله في أخرى: أن النبي ﷺ خرج يوماً مستعجلاً إلى المسجد، وقد انكسفت الشمس، ــ مرسل، ثم يحتمل أنه صلى ركعتين في كل ركعة ركوعين، ولو قدر التعارض لكان الأخذ بأحاديثنا أولى لصحتها وشهرتها واتفاق الأئمة على صحتها، والأخذ بها واشتمالها على الزيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ثم هي نافلة عن العادة، وقد روي عن عروة أنه قيل له: إن أخاك صلى ركعتين، فقال: إنه أخطأ السنة – انتهى. (رواه أبوداود) وسكت عنه، وأخرجه أيضاً وأحمد والطحاوي (ص١٩٥) والبيهقي (ج٣ ص٣٣٢) ، وهو عند أحمد (ج٤ ص٢٦٩) وأبي داود والطحاوي من طريق أبي قلابة عن النعمان بن بشير، وعند البيهقي من طريق أبي قلابة عن رجل عن النعمان بن بشير، وكذا عند أحمد في رواية أخرى (ج٤ ص٢٦٧) وأخرجه النسائي عن أبي قلابة عن قبيصة الهلالي، وأخرجه البيهقي عن أبي قلابة عن هلال بن عامر عن قبيصة الهلالي، قال الزيلعي: تكلموا في سماع أبي قلابة من النعمان، قال ابن أبي حاتم في علله: قال أبي: قال يحيى بن معين: قد أدرك أبوقلابة النعمان بن بشير ولا أعلم أسمع منه أو لا؟ وقد رواه عفان – عند أحمد – عن عبد الوارث عن أيوب عن أبي قلابة عن النعمان، وروي عنه عن قبيصة بن مخارق الهلالي، وروي عنه عن هلال بن عامر عن قبيصة – انتهى. وقال النووي في الخلاصة بعد ذكر رواية أبي داود: إسناده صحيح، إلا أنه بزيادة رجل بين أبي قلابة والنعمان، ثم اختلف في ذلك الرجل – انتهى. وقال ابن حزم في المحلى (ج٥ ص٩٨) : أبوقلابة قد أدرك النعمان، فروى هذا الخبر عنه، ورواه أيضاً عن آخر فحدث بكلنا روايتيه، ولا وجه للتعلل بمثل هذا أصلاً ولا معنى له – انتهى. وصححه ابن عبد البر في التمهيد، وقال البيهقي بعد بسط الاختلاف في إسناده ومتنه ما لفظه: فألفاظ هذه الأحاديث تدل على أنها راجعة إلى الإخبار عن صلاته يوم توفي ابنه – ﵉، وقد أثبت جماعة من أصحاب الحفاظ عدد ركوعه في كل ركعة، فهو أولى بالقبول من رواية من لم يثبته – انتهى. (وفي رواية النسائي) من حديث أبي قلابة عن النعمان، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤ ص٢٧١، ٢٧٧) . (أن النبي ﷺ ) وفي النسائي: أن رسول الله ﷺ (صلى حين انكسفت الشمس مثل صلاتنا) أي المعهودة فيفيد اتحاد الركوع، أو مثل ما نصلي في الكسوف فيلزم توقفه على معرفة تلك الصلاة، قاله السندي، قلت: الحديث بظاهره يؤيد الحنفية لكونه يفيد اتحاد الركوع، لكن أحاديث الركوعين في كل ركعة أصح وأشهر (وله) أي للنسائي (في أخرى) أي في رواية أخرى يعني من طريق الحسن عن النعمان عن النعمان بن بشير (خرج يوماً مستعجلاً) يجر رداءه

стр. 2126

فصلى حتى انجلت، ثم قال: ((إن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم من عظماء أهل الأرض، وإن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما خليقتان من خلقه، يحدث الله في خلقه ما شاء، فأيهما انخسف فصلوا حتى ينجلي، أو يحدث الله أمراً)) . ــ كما رواية البيهقي (فصلى) زاد في رواية الحاكم وعند ابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٢٣٣) والنسائي في رواية: فلم يزل يصلي (إلا لموت عظيم من عظماء أهل الأرض وإن الشمس) وفي رواية البيهقي وابن ماجه والنسائي المذكورة وليس كذلك، إن الشمس (ولكنهما خليقتان من خلقه) قال الطيبي: أي مخلوقتان ناشئتان من خلق الله تعالى المتناول لكل مخلوق على التساوي، ففيه تنبيه على أنه لا أثر لشيء منهما في الوجود، قال في نهاية: الخلق الناس، والخليقة البهائم، وقيل: هما بمعنى واحد، يعني المعنى الأعظم. قال الطيبي: والمعنى الأول أنسب في هذا المقام؛ لأنه رد لزعم من يرى أثرهما في هذا العالم بالكون والفساد أي ليس كما يزعمون، بل هما مسخران كالبهائم، دائبان مقهوران تحت قدرة الله تعالى، وفي هذا تحقير لشأنهما مناسب لهذا المقام (يحدث الله في خلقه ما شاء) وفي النسائي، وكذا البيهقي ((ما يشاء)) من من الكسوف والنور والظلمة، قال الطيبي: ((ما شاء)) مفعول المصدر المضاف إلى الفاعل، و"من" ابتدائية على ما تقدم بيانه – انتهى. يعني في قوله من خلقه (فأيهما انخسف فصلوا) وفي رواية البيهقي والنسائي المذكورة: ((إن الله عزوجل إذا بدأ لشيء من خلقه خشع له، فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)) ، قال البيهقي: هذا مرسل أبوقلابة لم يسمعه من النعمان، إنما رواه عن رجل عن النعمان، وليس فيه هذه اللفظة الأخيرة – انتهى. (حتى ينجلي أو يحدث الله أمراً) تفوت به الصلاة كقيام الساعة أو وقوع فتنة مانعة من الصلاة، قال الطيبي: غاية لمقدر أي صلوا من ابتداء الانخساف منتهين إما إلى الإنجلاء أو إلى إحداث الله تعالى أمراً، وهذا القدر يربط الشيء بالجزاء لما فيه من العائد إلى الشرط – انتهى. ورواية النسائي هذه أخرجها أيضاً البيهقي من طريق الحسن عن النعمان (ج٣ ص٣٣٣-٣٣٤) ، قال البيهقي: هذا أشبه أن يكون محفوظاً، وأخرجها الحاكم من طريق أبي قلابة عن النعمان وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وأقره الذهبي، وهذا يدل على أنهما وافقا من قال بسماع أبي قلابة من النعمان بن بشير. فائدة: إن فرغ من الصلاة قبل انجلاء الشمس أي تمت الصلاة والكسوف قائم لا تعاد الصلاة ولا تكرر، بل يشتغل بالذكر والدعاء حتى تنجلي؛ لأن السنة في صلاة

стр. 2127

(٥١) باب في سجود الشكر ــ الكسوف قد فرغوا عنها، ولم يزد النبي ﷺ على ركعتين، وهو مذهب المالكية والحنابلة، وكذلك في ظاهر الرواية عند الحنفية، وإن انجلت الشمس كلها في أثناء الصلاة بعد تمام ركعة بركوعيها وسجدتيها أو قبل تمام الركعة الأولى بسجدتيها أتمها على سنتها وخففها ولا ينقص أحد الركوعين اللذين نواهما، وإليه ذهبت الحنابلة والشافعية، وإذا اجتمع صلاتان كالكسوف مع غيره من الجمعة أو صلاة مكتوبة أو الوتر أو التراويح، قال ابن قدامة: الصحيح عندي أن الصلوات الواجبة التي تصلى في الجماعة مقدمة على الكسوف بكل حال؛ لأن تقديم الكسوف عليها يفضي إلى المشقة لإلزام الحاضرين بفعلها مع كونها ليست واجبة عليهم وانتظارهم للصلاة الواجبة، مع أن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، وقد أمر النبي ﷺ بتخفيف الصلاة الواجبة كيلا يشق على المأمومين، فإلحاق المشقة بهذه الصلاة الطويلة الشاقة مع أنها غير واجبة أولى، وكذلك الحكم إذا اجتمعت مع التراويح قدمت التراويح لذلك، وإن اجتمعت مع الوتر في أول وقت الوتر قدمت؛ لأن الوتر لا يفوت، وإن خيف فوات الوتر قدم؛ لأنه يسير يمكن فعله وإدارك وقت الكسوف وإن لم يبق إلا قدر الوتر فلا حاجة بالتلبس بصلاة الكسوف؛ لأنها إنما تقع في وقت النهي، وإن اجتمع الكسوف وصلاة الجنازة قدمت الجنازة وجهاً؛ لأن الميت يخاف عليه - انتهى. (باب في سجود الشكر) قال في اللمعات: السجدة المنفردة خارج الصلاة على عدة أقسام: منها سجدة الشكر على حصول نعمة واندفاع بلية، وفيها اختلاف: فعند الشافعي وأحمد سنة، وهو قول محمد، والأحاديث والآثار كثيرة في ذلك، وعند أبي حنيفة ومالك ليس بسنة، بل هي مكروهة، وهم يقولون: إن المراد بالسجدة الواقعة في تلك الأحاديث والآثار الصلاة، عبر عنها بالسجدة، وهو كثير إطلاقاً للجزء على الكل، أو منسوخ، وقالوا: نعم الله لا تعد ولا تحصى، والعبد عاجز عن أداء شكرها، فالتكليف بها يؤدي إلى التكليف بما لا يطاق هذا، ولكن العاملين بها يريدون النعم العظيمة - انتهى. وقال القاري: سجدة الشكر عند حدوث ما يسر به من نعمة عظيمة وعند اندفاع بلية جسيمة سنة عند الشافعي، وليست بسنة عند أبي حنيفة خلافاً لصاحبيه - انتهى. وقال السندي: ظاهر الأحاديث أن سجود الشكر مشروع، كما قال محمد من علمائنا وغيره، وكونه ﷺ صلى شكراً ركعتين يوم بشر بقطع رأس أبي جهل في بدر لا ينافي شرع السجود شكراً كما جاء، وقال الشوكاني في النيل بعد ذكر أحاديث سجود الشكر ما لفظه: وهذه الأحاديث تدل على مشروعية سجود الشكر، وإلى ذلك ذهب أحمد والشافعي، وقال مالك، وهو مروي عن أبي حنيفة: إنه يكره، إذ لم يؤثر عنه ﷺ مع تواتر النعم عليه ﷺ ، وفي رواية عن أبي حنيفة: أنه مباح؛ لأنه لم يؤثر، وإنكار ورود سجود الشكر عن النبي ﷺ من

стр. 2128

وهذا الباب خال من الفصل الأول والثالث ﴿الفصل الثاني﴾ ١٥٠٧- (١) عن أبي بكرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا جاءه أمر سروراً - أو يسر به - ــ مثل هذين الإمامين مع وروده عنه ﷺ من هذه الطرق التي ذكرها المصنف وذكرناها من الغرائب، ومما يؤيد ثبوت سجود الشكر قوله ﷺ في حديث سجدة ص: ((هي لنا شكر، ولداود توبة)) انتهى. (وهذا الباب خال عن الفصل الأول) اعتذار عن صاحب المصابيح (والثالث) اعتذار عن نفسه، قال الشيخ الجزري: لم يذكر - أي صاحب المصابيح - من الصحاح حديثاً فيه، أي في هذا الباب، وكل ما أورده فيه من الحسان، وقد وجدت منه في الصحاح عن كعب بن مالك أنه سجد لله شكراً لما بشر بتوبة الله عليه، وقصته مشهورة متفق عليها، كذا في المرقاة. (١٥٠٧) - قوله (عن أبي بكرة) صحابي، اسمه نفيع بن الحارث (كان رسول الله ﷺ إذا جاء أمر) بالتنوين للتعظيم، ولفظ ابن ماجه: ((كان إذا أتاه أمر)) ، قال السندي: أي عظيم جليل القدر رفيع المنزلة من هجوم نعمة منتظرة أو غير منتظرة مما يندر وقوعها لا ما يستمر وقوعها، إذ لا يقال في المستمر: إذا أتاه، فلا يرد قول من قال: لو ألزم العبد السجود عند كل نعمة متجددة عظيمة الموقع عند صاحبها لكان عليه أن لا يغفل عن السجود طرفة عين؛ لأنه لا يخلو عنها أدنى ساعة، فإن من أعظم نعمه على العباد نعمة الحياة، وذلك يتجدد عليه بتجدد الأنفاس عليه، على أنه لم يقل أحد بوجوب السجود ولا دليل عليه، وإنما غاية الأمر أن يكون السجود مندوباً، ولا مانع منه، فليتأمل. والله تعالى أعلم. (سروراً) نصب على تقدير يوجب أو حال بمعنى سارّاً، وقال القاري: بالنصب على نزع الخافض، أي لأجل حصوله أو على التمييز من النسبة أو بتقدير أعني يعني أمر سرور، وفي نسخة: أمر سرور على الوصفية للمبالغة أو على أن المصدر بمعنى الفاعل أو المفعول به أو على المضاف المقدر أي أمر ذو سرور، وفي نسخة: أمر سرور على الإضافة. قلت: وكذا وقع في أبي داود، قال في العون: أمر سرور بالإضافة - انتهى. وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٦ ص٣٦٧) ، قال القاري: وقال ابن حجر: قوله ((إذا جاءه أمر سرور)) أي إذا جاءه أمر عظيم حال كونه سروراً - انتهى. وهو لا يتم إلا بتقدير مضاف، أو يكون المصدر بمعنى الفاعل أو المفعول، أو على طريق المبالغة كرجل عدل (أو يسر به) بصيغة المضارع المجهول من السرور شك من الراوي، وفي بعض نسخ أبي داود: ((أو بشر به)) على بناء الماضي المجهول من التبشير، ولفظ ابن ماجه: ((إذا أتاه أمر يَسُرُّه

стр. 2129

خر ساجداً شاكراً لله تعالى)) رواه أبوداود، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب". ــ أو يُسَرُّ به)) (خر ساجداً شاكراً) وفي بعض النسخ: شاكراً بالنصب للعلة، وكذا نقله الجزري، والحديث صريح في مشروعية سجود الشكر، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، رأوا سجدة الشكر – انتهى. وحمل هذا الحديث وأمثاله على الصلاة بعيد غاية البعد، بل هو باطل جداً؛ لأنه لا دليل عليه. واعلم أنه قد اختلف هل يشترط لسجدة الشكر الطهارة أم لا؟ فقيل: يشترط قياساً على الصلاة، وقيل: لا يشترط، قال الأمير اليماني: وهو الأقرب، أي لأن الأصل أنه لا يشترط الطهارة إلا بدليل، وأدلة وجوب الطهارة ودرت للصلاة، والسجدة الفردة لا تسمى صلاة، فلا دليل على من شرط ذلك، وليس في أحاديث الباب ما يدل على اشتراطها، وليس فيها أيضاً ما يدل على التكبير. (رواه أبوداود) في الجهاد (والترمذي) في أبواب السير، وأخرجه أيضاً ابن ماجه والدارقطني (ص١٥٧) والحاكم (ص٢٧٦) والبيهقي (ج٢ ص٣٧٠) ، وأخرجه أحمد (ج٥ ص٤٥) بلفظ: أنه شهد النبي ﷺ أتاه بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة – ﵂، فقام فخر ساجداً ... الحديث، والحديث سكت عنه أبوداود وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وقال المنذري: في إسناده بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، وفيه مقال، قلت: ذكره العقيلي في الضعفاء، وقال يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم: ضعيف، وقال ابن معين في رواية الدوري: ليس بشيء، وفي رواية إسحاق بن منصور: صالح، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، وقال البزار: ليس به بأس، وقال مرة: ضعيف، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في التقريب: صدوق يهم، وقال الحاكم: صدوق عند الأئمة، ولهذا الحديث شواهد يكثر ذكرها، ثم ذكر أربعة منها، قلت: في الباب أحاديث كثيرة، منها حديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد والحاكم والبزار والبيهقي وغيرهم، قال الهيثمي: رجاله ثقات، ومنها حديث أنس عند ابن ماجه بنحو حديث أبي بكرة، وفي سنده ضعف واضطراب، ومنها حديث البراء بن عازب، أخرجه البيهقي بإسناد صحيح في المعرفة، وفي السنن الكبرى (ج٣ ص٣٦٩) ، ومنها حديث كعب بن مالك متفق عليه، ومنها حديث سعد بن أبي وقاص الآتي، ومنها حديث حذيفة عند أحمد، وفيه ابن لهيعة، ومنها حديث ابن عمر عند الطبراني في الأوسط والصغير، ومنها حديث أبي قتادة عند الطبراني أيضاً، ومنها حديث ابن عمر عند الطبراني في الأوسط بسند ضعيف، ومنها حديث أبي موسى عند الطبراني في الكبير، وفيه ضعف، ومنها حديث جابر عند ابن حبان في الضعفاء، ومنها حديث جرير بن عبد الله عند الطبراني في الكبير، وفي الحسن بن عمارة ضعفه جماعة كثيرة، ومنها حديث أبي جحيفة أشار إليه البيهقي، ومنها حديث عرفجة عند البيهقي والطبراني في الأوسط، ومنها حديث أبي

стр. 2130

١٥٠٨- (٢) وعن أبي جعفر: أن النبي ﷺ رأى رجلاً من النغاشين فخر ساجداً، رواه الدارقطني مرسلاً، وفي شرح السنة: لفظ المصابيح. ــ جعفر الباقر الآتي، وفي الباب آثار عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعلي، ذكرها البيهقي، من أحب الاطلاع على ألفاظ هذه الأحاديث رجع إلى مجمع الزوائد (ج٢ ص٢٨٧، ٢٨٩) ، والسنن الكبرى للبيهقي (ج٢ ص٣٦٩، ٣٧١) . ١٥٠٨- قوله (وعن أبي جعفر) أي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر (رأى رجلاً من النغاشين) بضم النون والغين والشين معجمتان، واحده نغاش، هو والنغاشي القصير جداً أقصر ما يكون من الرجال، وزاد في النهاية: الضعيف الحركة الناقص الخلق، كذا في اللمعات، وقال القاري: النغاشين بضم النون وتخفيف الياء، وفي نسخة بتشديدها، قال ميرك النغاشي بتشديد الياء، والنغاش بحذفها: هو القصير جداً الضعيف الحركة الناقص الخلقة – انتهى. وفي المصابيح رأى رجلاً نغاشياً فسجد شكراً لله. قال القاري: قال بعض الشراح: وروي نغاشياً بتشديد الياء (فخر ساجداً) فيه دليل على شرعية سجدة الشكر على العافية إذا رأى مبتلى بمرض سيء أو زمانة، قال المظهر: السنة إذا رأى مبتلى أن يسجد شكراً لله على أن عافاه الله تعالى من ذلك البلاء وليكتم والسجود، وإذا رأى فاسقاً فليظهر السجود لينتبه ويتوب – انتهى. (رواه الدارقطني) (ص١٥٧) (مرسلاً) ؛ لأن أباجعفر لم يدرك النبي ﷺ ، وفي إسناده جابر الجعفي، وفيه كلام مشهور، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٣ ص٣٧١) وقال: هذا منقطع، ورواية جابر الجعفي، ولكن له شاهد من وجه آخر، يعني ما رواه عن عرفجة أن النبي ﷺ أبصر رجلاً به زمانة فسجد، قال: ويقال: هذا عرفجة السلمي، ولا يرون له صحبة، فيكون مرسلاً شاهداً لما تقدم – انتهى. وقال الحافظ في التلخيص (ص١١٥) : حديث إن النبي ﷺ رأى رجلاً نغاشياً فخر ساجداً ثم قال أسأل الله العافية، هذا الحديث ذكره الشافعي في المختصر بلفظ: فسجد شكراً لله، ولم يذكر إسناده، وكذا صنع الحاكم في المستدرك واستشهد به على حديث أبي بكرة وأسنده الدارقطني والبيهقي من حديث جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي مرسلاً، وزاد أن اسم الرجل زنيم، وكذا هو في مصنف ابن أبي شيبة من هذا الوجه، ووصله ابن حبان في الضعفاء في ترجمة يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر – انتهى. ولعل الحافظ يريد بحديثه ما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢ ص٢٨٩) بلفظ: إن النبي ﷺ كان إذا رأى رجلاً متغيراً الخلق سجد، وعزاه للطبراني وقال: فيه يوسف بن محمد بن المنكدر، وثقه أبوزرعة، وضعفه جماعة. (وفي شرح السنة لفظ المصابيح) وفي بعض النسخ بلفظ المصابيح يعني نغاشياً بدل من النغاشين، وكذا عند البيهقي: رأى رجلاً نغاشياً.

стр. 2131

١٥٠٩- (٣) وعن سعد بن أبي وقاص قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريباً من عزوزاء، نزل ثم رفع يديه، فدعا الله ساعة، ثم خر ساجداً، فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجداً، فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجداً، قال: ((إني سألت ربي، وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجداً لربي شكراً، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجداً لربي شكراً، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي لأمتي، فأعطاني الثلث الآخر، ــ ١٠٥٩- قوله (نريد) بصيغة المتكلم مع الغير (فلما كنا قريباً) أي في موضع قريب أو قريبين أو ذوي قرب (من عزوزاء) هكذا في جميع النسخ الحاضرة للمشكاة، بفتح العين المهملة والزائين المعجمتين بينهما واو مفتوحة وبعد الزاي الثانية ألف ممدودة، والأشهر حذف الألف، هكذا صحح هذه اللفظة شراح المصابيح، وقالوا: هي موضع بين مكة والمدينة، والعزازة – بفتح العين – الأرض الصلبة، وقال صاحب المغرب والشيخ الجزري في تصحيح المصابيح: عزوراء – بفتح العين المهملة وزاي ساكنة ثم واو وراء مهملة مفتوحتين وألف، وضبط بعضهم بحذف الألف، وهي ثنية عند الجحفة خارج مكة، قال الشيخ الجزري: ولا ينبغي أن يلتفت إلى ما ضبطه شراح المصابيح مما يخالف ذلك، فقد اضطربوا في تقييدها، ولم أر أحداً منهم ضبطها على الصواب – انتهى. كذا في المرقاة، قلت: وفي أبي داود عزوراء، قال في العون: بفتح العين المهملة وسكون الزاي وفتح الواو وفتح الراء المهملة بالقصر، ويقال فيها: عزور – أي بحذف الألف مثل قسور، وكذا وقع في البيهقي -، ثنية بالجحفة عليها الطريق من المدينة إلى مكة، كذا في النهاية، وفي المراصد: عزور بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح الواو وآخره راء مهملة موضع أو ماء قريب من مكة، وقيل: ثنية المدينتين إلى بطحاء مكة، وقيل: هي ثنية الجحفة عليها الطريق بين مكة والمدينة – انتهى. (نزل) نزول النبي ﷺ في هذا الموضع لم يكن لخاصية البقعة، بل لوحي أوحي إليه في النهي والأمر، قاله الطيبي. (فمكث) بفتح الكاف وضمها (طويلاً) أي مكثاً طويلاً أو زماناً كثيراً (إني سألت ربي) أي دعوته أو طلبت رحمته (وشفعت لأمتي) هو بيان للمسؤول أو بعضه (فخررت) بفتح الراء (ساجداً لربي شكراً) أي لهذه النعمة وطلباً للزيادة، قال تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ... ﴾ [إبراهيم: ٧] . (فأعطاني الثلث الآخر) بكسر الخاء، وقيل: بفتحها، قال التوربشتي: أي فأعطانيهم فلا يجب عليهم الخلود، وتنالهم شفاعتي فلا يكونون كالأمم السالفة، فإن من عذب منهم وجب عليه الخلود، وكثير منهم لعنوا لعصيانهم الأنبياء، فلم تنلهم الشفاعة، والعصاة من هذه الأمة من عوقب منهم نقي وهذب، ومن مات منهم على الشهادتين يخرج من النار وإن عذببها، وتناله الشفاعة

стр. 2132

فخررت ساجداً لربي شكراً)) ، رواه أحمد، وأبوداود. (٥٢) باب الاستسقاء ــ وإن اجترح الكبائر ويتجاوز عنهم ما وسوست به صدورهم ما لم يعلموا أو يتكلموا إلى غير ذلك من الخصائص التي خص الله تعالى هذه الأمة كرامة لنبيه ﷺ انتهى. وقال المظهر: ليس معنى الحديث أن يكون جميع أمته مغفورين بحث لا تصيبهم النار؛ لأنه يناقض كثيراً من الآيات والأحاديث الواردة في تهديد آكل مال اليتيم والربا ولزاني وشارب الخمر وقاتل النفس بغير حق وغير ذلك، بل معناه أنه سال أن يخص أمته من سائر الأمم بأن لا يمسخ صورهم بسبب الذنوب، وأن لا يخلدهم في النار بسبب الكبائر، بل يخرج من النار من مات في الإسلام بعد تطهيره من الذنوب وغير ذلك من الخواص التي خص الله تعالى أمته – ﵇ – من بين سائر الأمم. قال الطيبي: يفهم من كلام المظهر: إن الشفاعة مؤثرة في الصغائر وفي عدم الخلود في حق أهل الكبائر بعد تمحيصهم بالنار، ولا تأثير للشفاعة في حق أهل الكبائر قبل الدخول في النار، وقد روينا عن الترمذي وأبي داود عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) ، وعند الترمذي عن جابر: ((من لم يكن من أهل الكبائر فما له للشفاعة)) ، والأحاديث فيها كثيرة، نعم يتعلق ذلك بالمشيئة والإذن، فإذا تعلقت المشيئة بأن تنال بعض أصحاب الكبائر قبل دخول النار وإذن فيها فذاك وإلا كانت بعد الدخول، والله أعلم بحقيقة الحال – انتهى. والحديث يدل على مشروعية سجود الشكر ورفع اليدين في الدعاء. (رواه أحمد وأبوداود) كذا في جميع النسخ، لكن لم أجده في مسند الإمام أحمد في مسند سعد بن أبي وقاص، والحديث ذكره المجد بن تيمية في المنتقى، وعزاه لأبي داود فقط، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (ج٢ ص٣٧٠) من طريق أبي داود، وقد سكت عليه أبوداود، وقال المنذري: في إسناده موسى بن يعقوب الزمعي، وفيه مقال – انتهى. قلت: وثقه ابن معين وابن القطان، وقال أبوداود: هو صالح، وقال ابن عدي: لا بأس به عندي ولا برواياته، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه ابن المديني، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أحمد: لا يعجبني حديثه، كذا في التهذيب، وقال في التقريب: صدوق سيء الحفظ. (باب الاستسقاء) أي هذا باب في بيان أحكام الاستسقاء، قال القاري: وفي نسخة صحيحة: باب صلاة الاستسقاء، وهو لغة: طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير، وشرعاً: طلبه من الله عند حصول الجدب على الوجه المبين في الأحاديث، قال الجزري في النهاية: هو استفعال من طلب السقيا، أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم، والاسم: السقيا – بالضم -، واستسقيت فلاناً، إذا طلبت منه أن يسقيك – انتهى. قال القسطلاني: الاستسقاء ثلاثة أنواع: أحدها – وهو أدناها – أن يكون بالدعاء مطلقاً – أي من غير صلاة – فرادى

стр. 2133

﴿الفصل الأول﴾ ١٥١٠- (١) عن عبد الله بن زيد قال: خرج رسول الله ﷺ بالناس إلى المصلى يستسقي، فصلى بهم ركعتين، ــ ومجتمعين. وثانيها – وهو أفضل من الأول – أن يكون بالدعاء، خلف الصلوات ولو نافلة كما في البيان وغيره عن الأصحاب، خلافاً لما وقع للنووي في شرح مسلم من تقييده بالفرائض، وفي خطبة الجمعة. وثالثها – وهو أفضلها وأكملها – أن يكون بصلاة ركعتين والخطبتين. قال النووي: يتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة وإقبال على الخير ومجانبة الشر ونحو ذلك من طاعة الله تعالى. قال الشاه ولي الله الدهلوي: قد استسقى النبي ﷺ لأمته مرات على أنحاء كثيرة، لكن الوجه الذي سنه لأمته أن خرج بالناس إلى المصلى متبذلاً متواضعاً متضرعاً، فصلى بهم ركعتين، جهر فيهما بالقراءة، ثم خطب واستقبل فيها القبلة يدعو ويرفع يديه، وحول رداءه، وذلك لأن لاجتماع المسلمين في مكان واحد راغبين في شيء واحد بأقصى هممهم واستغفارهم وفعلهم الخيرات أثراً عظيماً في استجابة الدعاء، والصلاة أقرب أحوال العبد من الله، ورفع اليدين حكاية من التضرع التام، والابتهال العظيم تنبه النفس على التخشع، وتحويل ردائه حكاية عن تقلب أحوالهم كما يفعل المستغيث بحضرة الملوك – انتهى. ١٥١٠- قوله (عن عبد الله بن زيد) بن عاصم المازني، لا عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري الأذان كما زعم ابن عيينة (خرج رسول الله ﷺ بالناس) في شهر رمضان سنة ست من الهجرة، أفاده ابن حبان، قاله الحافظ. وهذا يدل على أن بدأ مشروعية صلاة الاستسقاء كان في رمضان سنة (٦) من الهجرة. (إلى المصلى) أي في المدينة، وفيه دليل على أن سنة الاستسقاء البروز إلى المصلى، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على استحباب الخروج إلى الاستسقاء، والبروز إلى ظاهر المصر. (يستسقي) حال أي حال كونه يريد الاستسقاء، أو استئناف فيه معنى التعليل (فصلى بهم ركعتين) فيه دليل على أن الصلاة في الاستسقاء في جماعة في حالة البروز سنة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وهو قول أبي يوسف ومحمد، قال محمد في موطأه: أما أبوحنيفة فكان لا يرى في الاستسقاء صلاة، وأما في قولنا: فإن الإمام يصلي بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه – انتهى. كذا ذكر شيخنا في شرح الترمذي. قلت: اختلفوا في حكم صلاة الاستسقاء جداً، فقال أبويوسف ومحمد: هي سنة، وقالت المالكية والشافعية والحنابلة: إنها سنة مؤكدة، واضطربت الحنفية في بيان مذهب إمامهم، فقال بعضهم: إنه إنما أنكر سنية صلاة الاستسقاء في جماعة ولم ينكر مشروعيتها وجوازها، قال صاحب الهداية: قال أبوحنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، وإن صلى الناس وحداناً جاز، وإنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار، قال: فعله مرة وتركه أخرى، فلم يكن سنة، قال ابن الهمام: وإنما يكون سنة ما واظب عليه، وقال بعضهم: أنكر أبوحنيفة مشروعية صلاة

стр. 2134

..................... ــ الاستسقاء بجماعة، قال صاحب البدائع: وأما صلاة الاستسقاء فظاهر الرواية عن أبي حنيفة أنه قال: لا صلاة في الاستسقاء، وإنما هو الدعاء، وأراد بقوله: لا صلاة في الاستسقاء: الصلاة بجماعة، أي لا صلاة فيه بجماعة، بدليل ما روي عن أبي يوسف أنه قال: سألت أباحنيفة عن الاستسقاء هل فيه صلاة أو دعاء مؤقت أو خطبة؟ فقال: أما صلاة بجماعة فلا، ولكن الدعاء والاستغفار، وإن صلوا وحداناً فلا بأس به، والدليل له قوله: ﴿واستغفروا ربكم إنه كان غفاراً﴾ [نوح: ١٠] ، والمراد منه الاستغفار في الاستسقاء، فمن زاد عليه الصلاة فلا بد له من دليل، ولم ينقل عن النبي ﷺ في الروايات المشهورة أنه صلى في الاستسقاء ... إلى آخر ما قال. وقال بعضهم: لم ينكر أبوحنيفة استنان صلاة الاستسقاء بجماعة واستحبابها، وإنما أنكر كونها سنة مؤكدة، قال بعض من كتب على المشكاة من أهل عصرنا ما لفظه: صلاة الاستسقاء سنة عند أبي حنيفة، لكنها غير مؤكدة؛ لأن النبي ﷺ فعلها مرة وتركها مرة، واقتصر على الاستغفار فقط، قال: فقد استسقى رسول الله ﷺ في خطبة الجمعة، كما في حديث أنس في الصحيحين ولم يصل له، وثبت أن عمر بن الخطاب استسقى ولم يصل ولو كانت سنة – أي مؤكدة – لما تركها؛ لأنه كان أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله ﷺ ، وتأويل ما رواه أنه ﷺ فعله مرة وتركه أخرى، والسنة لا تثبت بمثله بل بالمواظبة، كذا في التبيين – انتهى. وقال صاحب العرف الشذي: قال في الهداية: لأنه – ﵇ – صلى مرة لا أخرى، فلا تكون سنة ... الخ. أقول: لا تكون سنة مؤكدة، وإلا فمطلق السنة والاستحباب لا يمكن إنكاره لما قال صاحب الهداية أنه – ﵇ – صلى مرة. وقال المحقق ابن أمير الحاج: نسب البعض إلينا أن الصلاة عندنا منفية، وهذا غلط، والصحيح أن الصلاة عندنا مستحبة ... الخ – انتهى كلام صاحب العرف. ولعلك قد عرفت بما ذكرنا وجه تخبط الحنفية في بيان مذهب إمامهم، وهو أنه قد نفى الصلاة في الاستسقاء مطلقاً كما هو مصرح في كلام أبي يوسف ومحمد في بيان مذهب أبي حنيفة، ولا شك أن قوله هذا مخالف ومنابذ للسنة الصحيحة الثابتة الصريحة، فاضطربت الحنفية لذلك وتخبطوا في تشريح مذهبه وتعليله حتى اضطر بعضهم إلى الاعتراف بأن الصلاة في الاستسقاء بجماعة سنة، وقال: لم ينكر أبوحنيفة سنيتها واستحبابها، وإنما أنكر كونها سنة مؤكدة، وهذا كما ترى من باب توجيه الكلام بما لا يرضى به قائله؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لم يكن بينه وبين صاحبيه خلاف، مع أنه قد صرح جميع الشراح وغيرهم ممن كتب في اختلاف الأئمة بالخلاف بينه وبين الجمهور في هذه المسألة. قال شيخنا في شرح الترمذي: قول الجمهور هو الصواب والحق؛ لأنه قد ثبت صلاته ﷺ ركعتين في الاستسقاء من أحاديث كثيرة صحيحة. منها: حديث عبد الله بن زيد – الذي نحن بصدد شرحه -، وهو حديث متفق عليه. ومنها: حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد وابن ماجه وأبوعوانة والطحاوي والبيهقي في السنن

стр. 2135

.......................... ــ (ج٣ ص٣٤٧) وقال تفرد به النعمان بن راشد. وقال في الخلافيات: رواته ثقات. ومنها حديث ابن عباس أخرجه أحمد وأصحاب السنن وأبوعوانة وابن حبان والحاكم والبيهقي والدارقطني، وصححه الترمذي وأبوعوانة وابن حبان. ومنها: حديث عائشة أخرجه أبوداود وقال: إسناده جيد، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وأبوعوانة والبيهقي، وصححه الحاكم وابن السكن، وسيأتي في الفصل الثالث. قال الشيخ: فهذه الأحاديث حجة بينه لقول الجمهور، وهي حجة على الإمام أبي حنيفة – انتهى. ويدل لقول الجمهور أيضاً ما روى البخاري ومسلم والبيهقي عن أبي إسحاق قال: خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري – وقد كان رأى النبي ﷺ وكان خروجه إلى الصحراء بأمر عبد الله بن الزبير حين كان أميراً على الكوفة من جهته -، وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم فاستسقى فقام لهم على رجليه على غير منبر فاستسقى ثم صلى ركعتين يجهر بالقراءة ولم يؤذن ولم يقم. قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في تعليقه (ص١٥٥) على موطأ الإمام محمد بعد ذكر الأحاديث الأربعة المرفوعة ما نصه: وبه ظهر ضعف قول صاحب الهداية في تعليل مذهب أبي حنيفة أن رسول الله ﷺ استسقى، ولم ترو عنه الصلاة – انتهى. فإنه إن أراد أنه لم يرو بالكلية، فهذه الأخبار تكذبه، وإن أراد أنه لم يرو في بعض الروايات – أو في كثير من الروايات – فغير قادح – انتهى. قال العيني في شرح البخاري (ج٧ ص٣٥-٣٦) قال أبوحنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلى الناس وحداناً جاز، إنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار لقوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً. يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ [نوح: ١٠-١١] ، علق نزول الغيث بالاستغفار لا بالصلاة، فكان الأصل فيه الدعاء دون الصلاة، ويشهد لذلك أحاديث، ثم ذكر أحاديث الاستسقاء وآثاره التي ليس فيها ذكر الصلاة، ثم قال: فهذه الأحاديث والآثار كلها تشهد لأبي حنيفة أن الاستسقاء دعاء واستغفار – انتهى. وأجيب عن الآية بأنها لا تنافي سنية الصلاة في الاستسقاء، إذ ليس فيها نفيها، وكذا ليس فيها حصر الاستسقاء في الدعاء والاستغفار، بل هي ساكتة عن ذكر الصلاة نفياً وإثباتاً، وقد ثبت بأحاديث صحيحة أنه ﷺ صلى مع الناس في الاستسقاء فالاستدلال لأبي حنيفة بالآية ليس بصحيح، ولذلك خالفه صاحباه الإمام أبويوسف ومحمد وغيرهما، وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي: الفتوى على قول صاحبيه. وأما الأحاديث التي ذكرها العيني ونقلها عنه صاحب الأوجز فليس فيها أنه ﷺ استسقى ولم يصل بل غاية ما فيها ذكر الاستسقاء بدون ذكر الصلاة ولا يلزم من عدم ذكر الشيء عدم وقوعه فالاستشهاد بها لأبي حنيفة على عدم كون الصلاة في الاستسقاء سنة غير صحيح. قال النووي: أما الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة فبعضها محمول على نسيان الراوي، وبعضها كان في الخطبة للجمعة، ويتعقبه الصلاة للجمعة

стр. 2136

........................... ــ فاكتفى بها ولو يصل أصلاً كان بياناً لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة ولا خلاف في جوازه وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة؛ لأنها زيادة علم، ولا معارضة بينهما، ثم ذكر النووي أنواع الاستسقاء التي ذكرنا في أول الباب، وقال ابن رشد بعد ذكر بعض الأحاديث والآثار التي ليس فيها ذكر الصلاة ما لفظه: والحجة للجمهور أنه من لم يذكر شيئاً فليس هو بحجة على من ذكره، والذي يدل عليه اختلاف الآثار في ذلك ليس عندي فيه شيء أكثر من أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء، إذ قد ثبت أنه ﷺ قد استسقى على المنبر لا أنها ليست من سنته كما ذهب إليه أبوحنيفة – انتهى. وأجاب العيني عن الأحاديث التي فيها الصلاة بأنه ﷺ فعلها مرة – أي واحدة – وتركها أخرى – أي في مرات أخرى – وذا لا يدل على السنية، وإنما يدل على الجواز – انتهى. وفيه أنه لم يرو في حديث صحيح أو ضعيف نفي الصلاة وعدم نقل الصلاة لا يستلزم عدم الوقوع، فدعوى أنه لم يصل إلا مرة واحدة وتركها أخرى مردودة، ولو سلم فصلاته في المصلى في الاستسقاء ولو مرة تدل على أنها سنة في حق أمته من غير شك، كما قال صاحب العرف الشذي: إن مطلق السنة والاستحباب لا يمكن إنكاره لما قال صاحب الهداية: أنه – ﵇ – صلى مرة، وكما قال الشاه ولي الله الدهلوي: إن النبي ﷺ استسقى لأمته مرات على أنحاء كثيرة، لكن الوجه الذي سنه لأمته أن خرج بالناس إلى المصلى متبذلاً متواضعاً متضرعاً فصلى بهم ركعتين ... إلى آخر ما تقدم من كلامه. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد: وأما ما ذكروا أن النبي ﷺ فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة فليس بشيء، فإنه لا ينكر ثبوت كليهما – أي على زعمه – مرة هذا ومرة هذا لكن يعلم من تتبع الطرق أنه لما خرج إلى الصحراء صلى فتكون الصلاة مسنونة في هذه الحالة بلا ريب ودعائه المجرد كان في غير هذه الصورة – انتهى. قال القسطلاني في شرح البخاري، وابن حجر المكي في شرح المشكاة، والشيخ عبد الحي في عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعله لم تبلغ أباحنيفة تلك الأحاديث، وإلا لم ينكر استنان الجماعة، قال شيخنا: هذا هو الظن به والله تعالى أعلم. قال الكاساني في البدائع: ما روي أنه ﷺ صلى بجماعة حديث شاذ، ورد في محل الشهرة لأن الاستسقاء يكون بملأ من الناس، ومثل هذا الحديث يرجح كذبه على صدقه أو وهمه على ضبطه، فلا يكون مقبولاً مع أن هذا مما تعم به البلوى في ديارهم، وما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته لا يقبل فيه الشاذ – انتهى. وكذا تفوه السرخسي، وقال في المحيط البرهاني والكافي: إنه لم يبلغنا عن النبي ﷺ في ذلك صلاة إلا حديث واحد شاذ لا يؤخذ به، قال ابن الهمام: ووجه الشذوذ أن فعله – ﵊ – لو كان ثابتاً لاشتهر نقله اشتهاراً واسعاً ولفعله عمر حين استسقى ولأنكروا عليه إذا لم يفعل؛ لأنها كانت بحضرة جميع الصحابة لتوفر

стр. 2137

جهر فيهما بالقراءة، ــ الكل في الخروج معه – ﵊ – للاستسقاء، فلما لم يفعل ولم ينكروا ولم تشتهر روايتها في الصدر الأول، بل هو عن ابن عباس وعبد الله بن زيد على اضطراب في كيفيتها عن ابن عباس وأنس كان ذلك شذوذاً فيما حضره الخاص والعام والصغير والكبير. واعلم أن الشذوذ يراد باعتبار الطرق إليهم، إذ لو تيقنا عن الصحابة المذكورين رفعه لم يبق إشكال – انتهى. كذا في المرقاة. قلت: قد روى صلاته ﷺ في الاستسقاء أربعة نفر من كبراء الصحابة: عبد الله بن زيد، وأبوهريرة، وابن عباس، وعائشة، والطرق إليهم صحيحة ثابتة قطعاً، لا يمكن إنكاره، وليس فيها اضطراب قادح أصلاً، كما لا يخفى على من تأمل في طرق هذه الأحاديث ومتونها، فالارتياب في كونها مرفوعة والتوهم بكونها كذباً أو وهماً ليس منشأه إلا التقليد الأجوف والعصبية العمياء وغمط الحق والنفور عن السنة، والخبر المذكور مشهور، قد عمل به الصحابة وغيرهم كابن الزبير وعبد الله بن يزيد والبراء بن عازب وزيد بن أرقم، وكذا عمل به من بعدهم، كما قال ابن قدامة في المغني (ج٢ ص٣٢٩، ٣٣٩) فتبين أن الحديث قد اشتهر بينهم واستفاض في الصدر الأول حديث عمل به الصحابة وغيرهم، وتلقوه بالقبول، فادعاء شذوذه باطل مردودة على من تفوه به، ولا يلزم من اقتصار عمر على الاستغفار عدم ثبوت الصلاة عن النبي ﷺ ، ولا يجوز تكذيب الرواة العدول الثقات لفعل عمر، والظاهر أن عمر إنما لم يزد على الاستغفار ليبين للناس أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء، كما قال ابن رشد، وأيضاً فقد أنكروا على عمر اقتصاره على الاستغفار، إذ قالوا: ما رأيناك استسقيت، أي على الوجه الذي استسقى به النبي ﷺ في حالة الخروج إلى الصحراء من الصلاة والدعاء والخطبة وتحويل الرداء، ولا يضر هذه الأحاديث كونها مما تعم به البلوى، فإن خبر الواحد مقبول في ذلك في قول الجمهور لعمل الصحابة والتابعين بأخبار الآحاد في عموم البلوى، فقد قبلوا خبر عائشة في الغسل من الجماع بغير الإنزال، وخبر رافع بن خديج في المخابرة، وقد أثبتت الحنفية تثنية الإقامة وانتقاض الوضوء بخروج النجاسة من غير السبيل، ورفع اليدين مع تكبيرات العيدين بأخبار الآحاد مع كون ذلك مما تعم به البلوى. (جهر فيهما بالقراءة) قال النووي في شرح مسلم: أجمعوا على استحباب الجهر بالقراءة، وكذا نقل الإجماع على استحبابه ابن بطال، كما في الفتح، قال الحافظ: لم يقع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة، ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدارقطني – والحاكم والبيهقي – من حديث ابن عباس أنه قال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين – الحديث، وفيه: وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، وقرأ في الثانية: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ ، وكبر فيها خمس تكبيرات، وفي إسناده مقال، فإن في سنده محمد بن عبد العزيز وقال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وضعفه أيضاً أبوحاتم

стр. 2138

واستقبل القبلة يدعو، ورفع يديه، وحول رداءه ــ وابن حبان وابن القطان، وأصله في السنن بلفظ: فصلى ركعتين، كما يصلي في العيد، فأخذ بظاهره الشافعي فقال: يكبر فيهما سبعاً وخمساً كالعيد، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو رواية عن أحمد، وذهب الجمهور مالك والأوزاعي وإسحاق وأبويوسف ومحمد وأحمد – في رواية – إلى أنه يكبر فيهما كسائر الصلوات تكبيرة واحدة للافتتاح؛ لأنه لم يذكر عبد الله بن زيد وأبوهريرة وعائشة تكبيرات الزوائد في رواياتهم، ولا ابن عباس فيما صح من روايته، وظاهرها أنه لم يكبر النبي ﷺ ، والزيادة تحتاج إلى دليل صحيح يؤيدها، وتأويل الجمهور قول ابن عباس: صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد، على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة، وكونهما قبل الخطبة، قال الزرقاني: لم يأخذ به مالك لضعف الرواية المصرحة بالتكبير، ولما يطرق الثانية من احتمال نقص التشبيه – انتهى. وقال ابن قدامة: كيفما فعل كان جائزاً حسناً – انتهى. (واستقبل القبلة) أي بعد الصلاة، واختلفوا في استقبال القبلة متى يكون؟ فقال محمد: يخطب خطبتين بعد الصلاة، ويتوجه إلى القبلة بعد الفراغ من الخطبة، ويشتغل بالدعاء رافعاً يديه. وقالت الشافعية: إذا مضى الثلث من الخطبة الثانية يتوجه إلى القبلة ويدعو، وبعد الدعاء يستقبل الناس ويكمل الخطبة، وقالت المالكية: يتوجه إلى القبلة بعد الفراغ من الخطبة الثانية ويدعو مستقبلاً للقبلة. قال الباجي: اختلف قول مالك في استقبال القبلة متى يكون، فروى عنه ابن القاسم أنه يفعل ذلك إذا فرغ من الخطبة، وقال عنه علي بن زياد: يفعل ذلك في أثناء خطبته يستقبل القبلة ويدعو ما شاء ثم ينصرف فيستقبل الناس ويتم خطبته، وجه الأول أنه خطبة مشروعة فلا يسن قطعها بذكر كخطبتي العيد، وجه الثاني: أن السنة فيها خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى بالدعاء مفرداً كان ذلك كالخطبة الثالثة – انتهى. وقالت الحنابلة: يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة ويدعو رافعاً يديه، ويجهر ببعض دعائه ليسمع الناس فيؤمنون على دعائه، ثم يستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويدعو حال استقباله، والراجح عندنا: أنه يخطب خطبة واحدة ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويدعو مستقبلاً للقبلة؛ لأن ظاهر الحديث يدل على هذا. (يدعو) حال (ورفع يديه) أي للدعاء، وكذا يرفع الناس أيديهم مع الإمام يدعون، وقد بوب البخاري في صحيحه: باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء، وأورد فيه حديث أنس في استسقاء النبي ﷺ في خطبة الجمعة عند شكوى الأعرابي، وفيه: فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو ورفع الناس أيديهم مع رسول الله ﷺ يدعون. (وحول رداءه) بحيث صار الأيمن إلى الجانب الأيسر وطرفه الأيسر إلى الجانب الأيمن، وصار باطنه ظاهراً وظاهره باطناً، وطريقة هذا القلب والتحويل أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساه وبيه اليسرى الطرف الأسفل من جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره حتى يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه

стр. 2139

حين استقبل القبلة. ــ الأعلى من جانب اليمين والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار، فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يساراً واليسار يميناً والأعلى أسفل وبالعكس، ذكر الواقدي أن طول ردائه ﷺ كان في ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر كان يلبسهما في الجمعة والعيد – انتهى. وفيه دليل على استحباب تحويل الرداء في هذه العبادة، وخالف أبوحنيفة في ذلك فأنكر استنانه واستحبابه، وقال: كان ذلك تفاؤلاً بتغيير الحال كما جاء مصرحاً عند الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر بلفظ: وحول رداءه ليتحول القحط. قال الحافظ: رجاله ثقات، ورجح الدارقطني إرساله، وفي الطوالات للطبراني من حديث أنس بلفظ: وقلب رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب. قلت: كون التحويل للتفاؤل لا ينافي استحبابه عند الدعاء في الاستسقاء في الصحراء، وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع. قال ابن دقيق العيد: وقال من احتج لأبي حنيفة: إنما قلب رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع اليدين في الدعاء أو عرف من طريق الوحي تغيير الحال عند تغيير ردائه. قلنا: القلب من جهة أخرى أو من ظهر إلى بطن لا يقتضي الثبوت على العاتق، بل أي حالة اقتضت الثبوت أو عدمه في إحدى الجهتين فهو موجود في الأخرى، وإن كان قد قرب من السقوط تلك الحال فيمكن تثبيته من غير قلب، والأصل عدم ما ذكر من نزول الوحي بتغير الحال عند تغيير الرداء، والاتباع لفعل رسول الله ﷺ أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص مع ما عرف من الشرع من صحة التفاؤل – انتهى. ويستحب أن يحول الناس بتحويل الإمام، وهو قول الجمهور: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، لما روى أحمد من حديث عبد الله بن زيد بلفظ: وحول الناس معه، وقال الليث وأبويوسف ومحمد وابن المسيب وعروة والثوري: يحول الإمام وحده، والحق ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن الظاهر أن تحويلهم كان عن علمه ﷺ ، فتقريره إياهم إذ حولوا على كونه سنة في حقهم أيضاً، واستثنى الشافعية والمالكية النساء، فقالوا: لا يستحب في حقهن، وظاهر قوله: وحول الناس معه أنه يستحب ذلك للنساء أيضاً. (حين استقبل القبلة) وفي رواية لمسلم: لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه، وفي أخرى له: فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله واستقبل القبلة وحول رداءه، وأفادت هذه الروايات أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء حال استقبال القبلة، وفي رواية للبخاري: فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه، قال الحافظ: ظاهره أن الاستقبال وقع سابقاً لتحويل الرداء، وهو ظاهر كلام الشافعي، ووقع في كلام كثير من الشافعية أنه يحوله حال الاستقبال – انتهى. وقيل: يحمل "ثم" في رواية البخاري على معنى "الواو" لتوافق الروايات الأخرى. واعلم أنه لم يرد في حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين التصريح بالخطبة، وإنما ذكر تحويل الظهر إلى

стр. 2140

........................ ــ الناس واستقبال القبلة والدعاء وتحويل الرداء فاحتج به لأبي حنيفة على أنه لا خطبة في الاستسقاء، وإنما يدعو ويتضرع، وهي رواية عن أحمد، وهو الحق والصواب لما وقع من التصريح بالخطبة في حديث عبد الله بن زيد عند أحمد (ج٤ ص٤١) وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٣٧٤) والطحاوي (ص١٩٢) ، وفي حديث عائشة عند أبي داود والحاكم (ج١ ص٣٢٨) والبيهقي (ج٣ ص٣٤٩) واحتج أيضاً لمن لم يقل بالخطبة بقول ابن عباس: لم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير. أخرجه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم (ج١ ص٣٢٧) والبيهقي (ج٣ ص٣٤٧-٣٤٨) والطحاوي (ج١ ص١٩١) ، وأجيب عنه بأن ابن عباس إنما نفى وقوع خطبة منه ﷺ مشابهة لخطبة المخاطبين ولم ينف وقوع مطلق الخطبة منه ﷺ . قال شيخنا: النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد كما يدل على ذلك الأحاديث المصرحة بالخطبة. وفي رواية أبي داود: فرقى المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه، فقوله: فرقى المنبر أيضاً يدل على أن النفي متوجه إلى القيد، قال الزيلعي (ج٢ ص٢٤٢) : مفهوم قول ابن عباس أنه خطب لكنه لم يخطب خطبتين كما يفعل في الجمعة، ولكنه خطب خطبة واحدة، فلذلك نفى النوع ولم ينف الجنس، ولم يرو أنه خطب خطبتين، فلذلك قال أبويوسف: يخطب خطبة واحدة، ومحمد يقول: يخطب خطبتين، ولم أجد له شاهداً – انتهى. وقال ابن قدامة: قول ابن عباس نفي للصفة لا لأصل الخطبة أي لم يخطب كخطبتكم هذه إنما كان جل خطبته الدعاء والتضرع والتكبير – انتهى. قال بعض من كتب على سنن أبي داود من أهل عصرنا: ظاهر قوله: فلم يخطب خطبتكم هذه أن النفي راجع إلى القيد والمقيد جميعاً ولم يخطب ﷺ في هذه المرة قال: وقوله ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير كالصريح في أنه لم يخطب مطلقاً فإن الخطبة كانت مستقبل الناس مستدير الكعبة والدعاء بالعكس، قال: وأما قوله: فرقى المنبر فهو مختلف فيه، ذكره عثمان بن أبي شيبة عند أبي داود ومحمد بن عبيد بن محمد عند النسائي، وعثمان له مع كونه ثقة أوهام، ومحمد بن عبيد قال فيه النسائي ومسلمة: لا بأس به، ولم يذكر هذا اللفظ غيرهما. قلت: وقع عند أحمد والبيهقي من رواية وكيع عن سفيان عن هشام بن إسحاق عن أبيه عن ابن عباس: لم يخطب كخطبتكم هذه، وهذا صريح في أن ابن عباس إنما نفى الخطبة المشابهة لخطبتهم ولم ينف وقوع مطلق الخطبة، ولا يفهم منه غير ذلك، فهو ظاهر في أن النفي راجع إلى القيد فقط، وأما قوله: لكن لم يزل في الدعاء ... الخ فلا ينافي الخطبة؛ لأن معناه أن جل خطبته وأكثرها كان الدعاء والتضرع والتكبير، كما قال ابن قدامة، وأيضاً الدعاء يكون بعد فراغ الموعظة في آخر الخطبة وبعد الدعاء يستقبل الإمام الناس ويتم خطبته، وقوله: فرقى المنبر صريح في وقوع الخطبة في هذه المرة أيضاً؛
следующие страницы →