← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

متفق عليه. ١٥٦٣- (٢٨) وعن أنس، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((قال الله : إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، ــ الأحاديث والآثار التي تدل على عدم جواز الفرار من الموضع الذي وقع فيه وباء الطاعون، وأفرز الجزء الثاني بذكر الأجوبة عن دلائل القائلين بالفرار ودفع شبهاتهم وأعذارهم، وهي عديم النظير في بابها فعليك أن تطالعها. هذا وقد ذكر العلماء في النهى عن الخروج حكماً بسطها الحافظ في الفتح (ج٢٣:ص٤١٥) والغزالي في الأحياء، وغيرهما في غيرهما، لا يخلوا واحد منها عن نظر. والظاهر أن النهى للتعبد، والله تعالى اعلم. قال العلامة الآلوسي في روح المعاني (ج٢٨:ص٩٨) واختلفوا في علة النهى فقيل: هي أن الطاعون إذا وقع في بلد مثلاً عم جميع من فيه بمداخلة سببه فلا يفيد الفرار منه، بل إن كان أجله قد حضر فهو ميت وإن رحل، وإلا فلا وإن أقام فتعينت الإقامة لما في الخروج من العبث الذي لا يليق بالعقلاء. واعترض بمنع عمومه إذا وقع في بلد جميع من فيه بمداخلة سببه، ولو سلم فالوباء مثله في أن الشخص الذي في بلده إن كان أجله قد حضر فهو ميت وإن رحل، وإلا فلا وإن أقام مع أنهم جوزوا الفرار منه. وقيل: هي أن الناس لو تواردوا على الخروج لضاعت المرضى العاجزون عن الخروج لفقد من يتعهدهم والموتى لفقد من يجهزهم، وأيضاً في خروج الأقوياء كسر قلوب الضعفاء عن الخروج، وأيضاً إن الخارج يقول: لو لم أخرج لمت، والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت، فيقعان في اللو المنهى عنه. واعترض كل ذلك بأنه موجود في الفرار عن الوباء أيضاً وكذا الداء الحادث ظهوره المعروف بين الناس بأبي زوعة الذي أعيا الأطباء علاجه، ولم ينفع فيه التحفظ والعزلة على الوجه المعروف في الطاعون. وقيل: هي أن للميت به وكذا للصابر المحتسب المقيم في محله وإن لم يمت به، أجر شهيد، وفي الفرار إعراض عن الشهادة، وهو محل التشبيه في حديث عائشة عند بعض. واعترض بأنه قد صح أنه ﷺ مر بحائط مائل فأسرع ولم يمنع أحد من ذلك، وكذا في الفرار من الحريق مع أن الميت بذلك شهيد أيضاً. وذهب بعض العلماء إلى أن النهى تعبدى، وكأنه لما رأى أنه لا تسلم علة له من الطعن قال ذلك، ولهم في ذلك رسائل عديدة فمن أراد استيفاء الكلام فيها فليرجع إليها- انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل وفي الطب وفي ترك الحيل، ومسلم في الطب، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥:ص٢٠١-٢٠٢-٢٠٦-٢٠٧-٢٠٨-٢٠٩-٢١٠) والترمذي في الجنائز، والبيهقي (ج٣:ص٣٧٦) . ١٥٦٣- قوله: (إذا ابتليت عبدي) المؤمن (بحبيبتيه) بالتثنية أي محبوبيه يعني يفقد بصر عينيه، وقيل أي أنزلت البلاء بعينيه حتى يصير أنه لا يرى بهما. قال الحافظ: المراد بالحبيبتين المحبوبتان، لأنهما أحب أعضاء

стр. 2207

ثم صبر، عوضته منهما الجنة يديد عينيه)) رواه البخاري. ((الفصل الثاني)) ١٥٦٤- (٢٩) عن علي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من مسلم يعود مسلماً غدوة ــ الإنسان إليه لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات روية ما يريد رؤيته من خير فيسر به أو شر فيجتنبه (ثم صبر) قال الطيبي: ثم ههنا لتراخي الرتبة. وفي البخاري: فصبر أي بالفاء يدل ثم، وزاد الترمذي وابن حبان في روايتهما عن أبي هريرة واحتسب، وكذا لابن حبان من حديث ابن عباس أيضاً. قال الحافظ: والمراد أنه يصبر مستحضراً ما وعد الله به الصابر من الثواب لا أن يصبر مجرداً عن ذلك، لأن الأعمال بالنيات، وابتلاء الله عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه، بل إما لدفع مكروه أو لكفارة ذنوب أو لرفع منزلة فإذا تلقى ذلك بالرضاء تم له المراد، وإلا يصبر كما جاء في حديث سلمان: أن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومستعتباً، وأن مرض الفاجر كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلا يدري لم عقل ولم أرسل أخرجه البخاري في الأدب المفرد (وابن أبي شيبة) موقوفاً (عوضته منهما) أي بدلهما أو من أجل فقدهما (الجنة) أي دخولها مع السابقين أو بغير عذاب أو منازل مخصوصة فيها، وقال الحافظ: هذا أعظم العوض، لأن الالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدنيا والالتذاذ بالجنة باق ببقاءها، وهو شامل لكل من وقع له ذلك بالشرط المذكور، ووقع في حديث أبي أمامة فيه قيد آخر أخرجه البخاري في الأدب المفرد بلفظ: إذا أخذت كريمتيك فصبرت عند الصدمة واحتسبت، فأشار إلى أن الصبر النافع هو ما يكون في وقوع البلاء فيفوض ويسلم، وإلا فمتى تضجر وتقلق في أول وهلة، ثم يئس فيصبر لا يكون حصل المقصود. وورد في حديث أنس (الآتي في باب البكاء على الميت) إنما الصبر عند الصدمة الأولى، وقد وقع في حديث العرباض بن سارية فيما صححه ابن حبان فيه بشرط آخر ولفظه: إذا سلبت من عبدي كريمتيه وهو بهما ضنين لم أرض له ثواباً دون الجنة، إذا هو حمدني عليهما ولم أر هذه الزيادة في غير هذه الطريق، وإذا كان ثواب من وقع له ذلك الجنة فالذي له أعمال صالحة أخرى يراد في رفع الدرجات- انتهى. (يريد) أي النبي ﷺ بحبيبتيه (عينيه) قال القاري: والظاهر أن هذا التفسير من أنس. وقال الحافظ: قد فسرهما آخر الحديث بقوله: يريد عينيه، ولم يصرح بالذي فسرهما (رواه البخاري) في المرضى، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في الزهد، والبيهقي (ج٣:ص٣٧٥) وفي الباب عن جماعة من الصحابة ذكرها أحاديثهم المنذري في الترغيب، والهيثمي في مجمع الزوائد. ١٥٦٤- قوله: (غدوة) بضم الغين ما بين صلاة الغداوة وطلوع الشمس، كذا قاله ابن الملك. والظاهر

стр. 2208

إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عادة عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة)) رواه الترمذي، وأبوداود. ١٥٦٥- (٣٠) وعن زيد بن أرقم، قال: عادني النبي ﷺ من وجع كان بعيني. ــ أن المراد به أول النهار ما قبل الزوال (إلا صلى عليه) أي دعا له بالمغفرة (حتى يمسى) بضم التحتية من الإمساء، أي يدخل في المساء. وقال القاري: أي يغرب بقرينة مقابلته (وإن عاده) إن نافية بدلالة إلا ولمقابلتها ما (عشية) أي ما بعد الزوال أو أول الليل (وكان له) أي للعائد (خريف) أي بستان. وهو في الأصل الثمر المجتنى أو مخروف من ثمر الجنة، فعيل بمعنى مفعول، قاله القاري. وقال الجزري: الخريف الثمر الذي يخترف أي يجنى ويقطف، فعيل بمعنى مفعول (رواه الترمذي وأبوداود) في الجنائز، واللفظ للترمذي. قال الترمذي: هذا حديث غريب حسن. وقد روى عن علي هذا الحديث من غير وجه ومنهم من وقفه ولم يرفعه- انتهى. قال المنذري في الترغيب. بعد إيراد الحديث ونقل كلام الترمذي. ما لفظه: ورواه أبوداود موقوفاً على علي، ثم قال وأسند هذا عن علي من غير وجه صحيح عن النبي ﷺ ، ثم رواه مسنداً بمعناه. ولفظ الموقوف: ما من رجل يعود مريضاً ممسياً إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة، ومن أتاه مصبحاً خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسى، وكان له خريف في الجنة، ورواه بنحو هذا أحمد وابن ماجه مرفوعاً، وزادا في أوله إذا عاد المسلم أخاه مشى في خرافة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة- الحديث. وليس عندهما خريف في الجنة، ورواه ابن حبان في صحيحه مرفوعاً أيضاً. ولفظه: ما من مسلم يعود مسلماً إلا يبعث إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه في أي ساعات النهار حتى يمسى وفي أي ساعات الليل حتى يصبح. ورواه الحاكم مرفوعاً بنحو الترمذي وقال صحيح على شرطهما- انتهى. قلت: في سند الترمذي ثوير بن أبي فاختة وهو ضعيف روى البخاري في الكبير والصغير عن الثوري قال: كان ثوير من أركان الكذب. ولعل الترمذي حسنه لتعدد طرقه، فقد رواه أحمد بطرق أخرى (ج١:ص٨١-٩٧-١١٨-١٢١) مرفوعاً وموقوفاً، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة (ج٤:ص٧٣) ، والبيهقي مرفوعاً وموقوفاً (ج٣:ص٣٨٠-٣٨١) . ١٥٦٥- قوله: (عادني النبي ﷺ من وجع) أي من رمد، كما في رواية أحمد، وفي حديث أنس عند الحاكم (كان بعيني) بفتح النون وتشديد الياء. قال ابن الملك: هذا يدل على أن من به وجع يجلس لأجله في بيته ولم يقدر أن يخرج منه فعيادته سنة. وقال في الأزهار: فيه بيان استحباب العيادة وإن لم يكن المرض مخوفاً

стр. 2209

رواه أحمد، وأبوداود. ١٥٦٦- (٣١) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ فأحسن الوضوء، وعاد أخاه المسلم محتسباً، بوعد من جهنم مسيرة ستين خريفاً)) رواه أبوداود. ــ كالصداع ووجع الضرس، وأن ذلك عيادة حتى يحوز بذلك أجر العيادة. وروى عن بعض الحنفية أن العيادة في الرمد ووجع الضرس خلاف السنة. والحديث يرده ولا أعلم من أين تيسر لهم الجزم بأنه خلاف السنة مع أن السنة خلافه نعوذ بالله من شرور أنفسنا. وقد ترجم عليه أبوداود في سننه، فقال "باب العيادة من الرمد" ثم أسند الحديث والله الهادي، ذكره ميرك. وأما ما أخرجه البيهقي والطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ثلاثة لا يعادون صاحب الرمد وصاحب الضرس وصاحب الدملة، ففيه مسلمة بن على الخشني البلاطي وهو ضعيف متروك. وقال الحافظ في الفتح: صحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير، وقال في تهذيب التهذيب في ترجمة مسلمة المذكور. أخرج له العقيلي من رواية سعيد بن أبي مريم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي جعفر عن أبي هريرة رفعه: ثلاثة لا يعادون صاحب الرمد والضرس والدمل، قال ورواه بقية عن الأوزاعي عن ابن أبي كثير من قوله، وقال هذا أولى. قال أبوحاتم: هذا باطل منكر- انتهى. (رواه أحمد) (ج٤ ص٣٧٥) (وأبوداود) في الجنائز وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد، والبيهقي (ج٣ ص٣٨١) والحاكم (ج١ ص٣٤٢) وقال صحيح على شرط الشيخين، قال: وله شاهد صحيح من حديث أنس بن مالك، فرواه بإسناده عن أنس قال: عاد رسول الله ﷺ زيد بن أرقم من رمد كان به، وقد وافقه الذهبي الحاكم على تصحيح الحديثين. ١٥٦٦- قوله: (فأحسن الوضوء) أي أتى به كاملاً (وعاد أخاه المسلم) قال الطيبي: فيه أن الوضوء سنة في العيادة، لأنه إذا دعا على الطهارة، كان أقرب إلى الإجابة. وقال زين العرب: ولعل الحكمة في الوضوء هنا أن العيادة عبادة، وأداء العبادة على وجه الأكمل أفضل (محتسباً) أي طالباً للأجر والثواب (بوعد) ماض مجهول من المباعدة والمفاعلة للمبالغة (خريفاً) أي عاماً سمي بذلك لاشتماله عليه إطلاقاً للبعض على الكل. والخريف في الأصل فصل بين الصيف والشتاء (رواه أبوداود) في الجنائز من طريق الفضل بن دلهم الواسطي البصري، وقد تفرد هو بزيادة الوضوء للعيادة. قال أبوداود فيما رواه أبوالحسن بن العبد عنه حديثه منكر، وليس هو برضي، كذا في تهذيب التهذيب. وقال المنذري: في إسناده الفضل بن دلهم. قال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، وقال مرة حديثه صالح. وقال أحمد: لا يحفظ وذكر أشياء مما أخطأ فيها، وقال مرة ليس به بأس. وقال ابن حبان:

стр. 2210

١٥٦٧- (٣٢) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يعود مسلماً فيقول سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا شفى، إلا أن يكون قد حضر أجله)) رواه أبوداود، والترمذي. ١٥٦٨- (٣٣) وعنه: ((أن النبي ﷺ كان يعلمهم من الحمى ومن الأوجاع كلها أن يقولوا: ــ كان ممن يخطئ فلم يفحش خطأه حتى يبطل الاحتجاج به ولا اقتضى أثر العدول فيسلك به سننهم فهو غير محتج به إذا انفرد- انتهى. ١٥٦٧- قوله: (ما من مسلم) ما للنفي ومن زائدة (يعود مسلماً) أي يزوره في مرضه. ولفظ الترمذي: ما من عبد مسلم يعود مريضاً لم يحضر أجله، ولفظ أبي داود من عاد مريضاً لم يحضر أجله (فيقول) أي العائد في دعاءه له (سبع مرات) هذا العدد من أسرار النبوة، فليس لأحد أن يطلب العلة لذلك أو يبحث عن السبب، وهكذا كل عدد يرد عن الشارع ﷺ (أسأل الله العظيم) أي في ذاته وصفاته (أن يشفيك) بفتح أوله مفعول ثان (إلا شفى) على بناء المجهول أي ذلك المسلم المريض. والحصر غالبي أو مبني على شروط لابد من تحققه. ولفظ الترمذي: إلا عوفي. ولفظ أبي داود: إلا عافاه الله من ذلك المرض (إلا أن يكون قد حضر أجله) أي فلا ينفعه شيء كما قال الشاعر: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألقيت كل تميمة لا تنفع. ويمكن أن يهون الله عليه الموت ببركة هذا الدعاء (رواه أبوداود) في الجنائز (والترمذي) في الطب واللفظ الذي ذكره المصنف ليس للترمذي ولا لأبي داود. وقد ذكره الجزري في جامع الأصول (ج٨:ص٣٥٥) بلفظ أبي داود وعزاه للترمذي وأبي داود والحديث أخرجه أيضاً ابن السني في اليوم والليلة (ص١٧٤) ، والحاكم (ج١:ص٣٤٢) و (ج٤:ص٢١٣) كلهم من طريق يزيد بن عبد الرحمن عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. والحديث قد حسنه الترمذي، وسكت عنه أبوداود، وصححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. وقال المنذري: في إسناده يزيد بن عبد الرحمن أبوخالد الدالاني وقد وثقه أبوحاتم الرازي وتكلم فيه غير واحد- انتهى. قلت: وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، والحاكم أيضاً عن طريق عبد ربه بن سعيد عن المنهال به. قال الحاكم: هذا شاهد صحيح غريب ووافقه الذهبي. والحديث أخرجه ابن حبان أيضاً كما في الترغيب. ١٥٦٨- قوله: (كان يعلمهم) أي أصحابه (من الحمى) أي من أجلها (أن يقولوا) أي المرضى أو عوادهم، وهذا لفظ ابن ماجه، وعند الترمذي وابن السني في عمل اليوم والليلة، والحاكم (ج٤:ص٤١٤) :

стр. 2211

بسم الله الكبير، أعوذ بالله العظيم، من شر كل عرق نعار، ومن شر حز النار)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، لا يعرف إلا من حديث إبراهيم بن إسماعيل وهو يضعف في الحديث. ١٥٦٩- (٣٤) وعن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من اشتكى منكم شيئاً أو اشتكاه أخ له، ــ أن يقول أي المريض أو عائده (أعوذ بالله) كذا في الترمذي وابن ماجه وابن أبي شيبة ولفظ ابن السني والحاكم نعوذ بالله (من شر كل عرق) بكسر فسكون منوناً (نعار) بفتح النون وتشديد العين المهملة وبالراء المهملة أي الممتلى من الدم أو فوار الدم يقال: نعر العرق ينعر بالفتح فيهما إذا فار منه الدم استعاذ، لأنه إذا غلب لم يمهل. وقال الطيبي: نعر العرق بالدم إذا ارتفع وعلا وجرح نعار ونعور إذا صوت دمه عند خروجه. وقال القاضي أبوبكر ابن العربي في شرح الترمذي: النعار هو الذي يرتفع دمه ويزيد فيحدث فيه الحر. وفي رواية لابن ماجه: من شر عرق يعار بفتح المثناة التحتية وتشديد العين المهملة أي صوات بخروج الدم. وأصل اليعار صوت الغنم يقال: يعرت العنز تيعر بالكسر يعاراً بالضم أي صاحت (ومن شر حر النار) فمن قال ذلك ولازمه بنية صادقة نفعه من جميع الآلام والأسقام. وفي الحديث إشارة إلى أن الحمى تكون من فوران الدم في البدن، وأنها نوع من حر النار. وقد وردت أحاديث في أن الحمى من فيح النار، وأنها تبرد بالماء (رواه الترمذي) في الطب، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٢٩٩) ، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص١٨١) ، وابن ماجه في الطب، والحاكم (ج٤:ص٤١٤) ، وابن أبي شيبة والبيهقي في الدعوات الكبير، وابن أبي الدنيا (وقال) أي الترمذي (هذا حديث غريب لا يعرف) وفي الترمذي لا نعرفه (إلا من حديث إبراهيم بن إسماعيل) أي ابن أبي حبيبة الأنصاري الأشهلي (وهو يضعف في الحديث) ضعفه ابن معين والنسائي. وقال البخاري في التاريخ الكبير والضعفاء، وأبوحاتم: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك الحديث ووثقه أحمد والعجلي. وقال الحربي: شيخ مدني صالح له فضل ولا أحسبه حافظاً. وقال ابن سعد: كان مصلياً عابداً صام ستين سنة، وكان قليل الحديث. وقال العقيلي: له غير حديث لا يتابع على شيء منها، ثم ضرب المثل بهذا الحديث. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد (ج٤:ص٢٥٧) بعد ذكر أقوال الجارحين: والظاهر عندي أن من تكلم فيه إنما تكلم في حفظه وفي خطئه في بعض ما يروي، ثم ذكر كلام الحربي وابن سعد والعقيلي المذكور، ثم قال: ومثل هذا لا يقل حديثه عن درجة الحسن- انتهى. قلت: وقال الحاكم بعد روايته: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في تلخيصه: إبراهيم قد وثقه أحمد. ١٥٦٩- قوله: (من اشتكى منكم شيئاً) أي من الوجع في جسده (أو اشتكاه) قال القاري: الضمير عائد

стр. 2212

فليقل: ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، أغفرلنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك، على هذا الوجع، فيبرأ)) رواه أبوداود. ــ إلى شيئاً. وقيل: التقدير أي اشتكى إليه (ربنا الله) بالرفع فيهما على الابتداء والخبر (الذي في السماء) صفة وهو كقوله تعالى: ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾ [الأنعام:٣] وقوله: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ (تقدس إسمك) خبر بعد خبر أو استئناف. وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب أي تطهرت وتنزهت عما لا يليق بك. قال الطيبي: ربنا مبتدأ، الله خبره، الذي صفة مادحة عبارة عن مجرد العلو والرفعة، لأنه منزه عن المكان، ومن ثمة نزه اسمه عما لا يليق فيلزم منه تقديس المسمى بطريق الأولى (أمرك في السماء والأرض) أي نافذ وماض وجار (كما رحمتك) بالرفع على أن ما كافة مهيئة لدخول الكاف على الجملة (في السماء) أي لجميع من في السماء من الملائكة وأرواح الأنبياء والصلحاء. قال في الفائق: الأمر مشترك بين السماء والأرض، لكن الرحمة شأنها أن تخص بالسماء دون الأرض، لأنها مكان الطيبين المعصومين. قال ابن الملك: ولذلك أتى بالفاء الجزائية، فالتقدير إذا كان كذلك (فاجعل رحمتك في الأرض) أي لكل مؤمن من أهل الأرض، فالمراد الرحمة الخاصة المختصة بالمؤمنين، وإلا فالرحمة العامة شاملة للجميع. قال تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ [الأعراف:١٥٦] (أغفر لنا حوبنا) بضم الحاء المهملة وفتحها أي ذنبنا وإثمنا. وقال الجزري: حوبنا بضم الحاء الإثم وبالفتح مثله. وقيل: إن الضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة تميم- انتهى. والمراد الذنب الكبير. وفي رواية الحاكم ذنوبنا يدل حوبنا (وخطايانا) أي صغائرنا أو المراد بالحوب العمد، وبالخطأ ضده (أنت رب الطيبين) أي الطاهرين من المعاصي. والإضافة تشريفية. خصوا بالذكر لشرفهم وفضلهم، وإلا فهو رب كل شيء من الخبيث والطيب، ولا ينسب إلى الله إلا الطيب. قيل هذا بمنزلة العلة لطلب المغفرة أي أغفرلنا آثامنا لنكون طاهرين من الذنوب مستحقين لتربيتك ورحمتك الخاصة (أنزل) بفتح الهمزة. وفي رواية الحاكم: فأنزل، وكذا نقله الجزري (ج٧:ص٣٥١) عن أبي داود (رحمة) خاصة عظيمة (من رحمتك) الواسعة التي وسعت كل شيء. قال الطيبي: هذا إلى آخره تقرير للمعنى السابق (على هذا الوجع) بفتح الجيم أي المرض أو بكسر الجيم أي المريض (فيبرأ) بفتح الراء وضم الهمزة من البرء أي فهو يتعافى (رواه أبوداود) في الطب، وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١:ص٣٤٤) والنسائي في الكبرى، كما في تلخيص المنذري وتهذيب التهذيب (ج٣:ص٣٩٢) : وأول حديث الحاكم عن فضالة بن عبيد. أن رجلين أقبلا يلتمسان الشفاء من البول فانطلق بهما إلى أبي الدرداء، فذكرا وجع اثنيهما له.

стр. 2213

١٥٧٠- (٣٥) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا جاء الرجل يعود مريضاً فليقل: اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدواً أو يمشى لك إلى جنازة) رواه أبوداود. ــ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من اشتكى إلخ. وذكره الجزري في جامع الأصول (ج٨:ص٣٥١) بلفظ: أتاه (أي أباالدرداء) رجل يذكر أن أباه أصابه الأسر وهو احتباس البول فعلمه رقية سمعها من رسول الله ﷺ يقول من اشتكى منكم شيئاً أو اشتكى أخ له فليقل إلخ. قال الجزري: ولم يذكر مجيء الرجل إليه وما قال له – انتهى. والحديث قد سكت عنه أبوداود، وفي سنده زيادة بن محمد الأنصاري. قال البخاري والنسائي وابن حبان وأبوحاتم: منكر الحديث. وقال الحاكم في المستدرك: هو شيخ من أهل مصر قليل الحديث. قال الذهبي في التلخيص: قال البخاري وغيره منكر الحديث. ١٥٧٠- قوله: (ينكأ) بفتح الياء في أوله وبالهمزة في آخره مجزوماً على جواب الأمر. وروى بالرفع أي فهو ينكأ (لك) أي لمرضاتك (عدوا) أي يجرحهم ويقتلهم. والمعنى يغزو في سبيك، يقال: نكأ القرحة ينكأ من باب فتح نكأ قشرها قبل أن تبرأ فنديت ونكأ العدو في العدو قتل فيهم وجرح أثخن. وقال في النهاية: أو ينكى لك عدواً من نكيت في العدو وأنكى إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك. وقد يهمز لغة، يقال نكأت القرحة أنكأها إذا قشرتها. وقال في جامع الأصول (ج٧:ص٥٧٤) (ينكأك عدواً) نكأت العدو في الغزو إذا أثرت فيه أثراً بيناً من قتل أو نهب أو غير ذلك- انتهى. ولا يخفى أن قول الجزري في النهاية يدل على أن ينكأ من المعتل، وقد يهمز فيفيد الضبط بالهمزة والياء، والهمزة ضعيف بالنسبة إلى الناقص، لكن نسخ المشكاة وأبي داود والمستدرك على كتابة بالألف وضبطه بالهمز على خلاف في رفعه وجزمه فلو كان من الناقص اليائي كما ذكره صاحب النهاية لكان يكتب بالياء. ثم رأيت القاموس ذكر في الناقص اليائي نكى العدو وفيه نكاية قتل وجرح والقرحة نكأها، وقال في المهموز: نكأ القرحة كمنع قشرها قبل أن تبرأ فنديت والعدو نكأهم. وحاصل هذا أنهما لغتان، وأن الحديث من المهموز ورفعه أقوى لقوله: أو يمشي لك إلى جنازة. وقال الطيبي: ينكأ مجزوم على جواب الأمر، ويجوز الرفع أي فانه ينكأ (أو يمشي) بالرفع أي أو هو يمشي. قال ميرك: كذا ورد بالياء وهو على تقدير ينكأ بالرفع ظاهر، وعلى تقدير الجزم فهو وارد على قراءة من يتق ويصبر (لك) أي لأمرك وابتغاء وجهك أو لأجلك طلباً لرضاك وامتثالاً لأمرك (إلى جنازة) أي إلى إتباعها للصلاة لما جاء في رواية ابن السني والحاكم: إلى صلاة، وهذا توسع شائع. قال الطيبي: ولعله جمع بين النكاية وتشييع الجنازة، لأن الأول كدح في إنزال العقاب على عدو الله، والثاني سعى في إيصال الرحمة إلى ولي الله- انتهى. (رواه أبوداود)

стр. 2214

١٥٧١- (٣٦) وعن علي بن زيد، عن أمية أنها سألت عائشة عن قول الله عزوجل: ﴿إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ ــ في الجنائز، وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً ابن السني في اليوم والليلة (ص١٧٥) ، وابن حبان والحاكم (ج١:ص٣٤٤) وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي. ١٥٧١- قوله: (وعن علي بن زيد) هو علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري، أصله من مكة وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان بضم الجيم وإسكان الدال وفتح العين المهملتين، ينسب أبوه إلى جد جده. قال العجلي: لا بأس به. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صالح الحديث وإلى اللين ما هو. وقال الترمذي: صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره. وقال الساجي: كان من أهل الصدوق ويحتمل لرواية الجلة عنه، وليس يجرى مجرى من أجمع على ثبته، وضعفه آخرون، روى له مسلم مقروناً بغيره. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه (عن أمية) بالتصغير بنت عبد الله، ويقال أمينة وهي أم محمد إمرأة والد علي بن زيد بن جدعان وليست بأمه، ذكرها الذهبي في الميزان في فصل المجهولات. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: أمية بنت عبد الله عن عائشة وعنها ربيبها علي بن زيد بن جدعان وقيل: عن علي عن أم محمد وهي إمرأة أبيه واسمها أمينة. ووقع في بعض النسخ من الترمذي عن علي بن زيد بن جدعان عن أمه وهو غلط، فقد روى علي بن زيد عن إمرأة أبيه أم محمد عدة أحاديث- انتهى. (إن تبدوا) أي إن تظهروا (ما في أنفسكم) أي ما في قلوبكم من السوء بالقول أو الفعل (أو تخفوه) أي تضمروه مع الإصرار عليه، إذ لا عبرة بخطور الخواطر. وقال الآلوسي في تفسيره (ج٣:ص٦٤) : (إن تبدوا) أي تظهروا للناس (ما في أنفسكم) أي ما حصل فيها حصولاً أصلياً بحيث يوجب اتصافها به كالملكات الرديئة والأخلاق الذميمة كالحسد والكبر والعجب والكفران وكتمان الشهادة (أو تخفوه) بأن لا تظهروه ﴿يحاسبكم به الله﴾ أي يجازيكم به يوم القيامة. وأما تصور المعاصي والأخلاق الذميمة فهو لعدم إيجابه اتصاف النفس به لا يعاقب عليه ما لم يوجد في الأعيان. وإلى هذا الإشارة بقوله ﷺ : إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم أي إن الله تعالى لا يعاقب أمتي على تصور المعصية، وإنما يعاقب على عملها، فلا منافاة بين الحديث والآية، ولا يشكل على هذا أنهم قالوا إذا وصل التصور إلى حد التصميم والعزم يؤاخذ به لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة:٢٢٥] لأنا نقول المؤاخذة بالحقيقة على تصميم العزم على إيقاع المعصية في الأعيان، وهو أيضاً من الكيفيات النفسية التي تلحق بالملكات ولا كذلك سائر ما يحدث في النفس- انتهى. ﴿يحاسبكم به الله﴾ أي

стр. 2215

وعن قوله: ﴿من يعمل سوء يجز به﴾ فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ فقال: هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة، حتى البضاعة يضعها في يد قميصه فيفقدها، فيفزع لها، حتى ــ يجازيكم بسركم وعلنكم أو يخبركم بما أسررتم وما أعلنتم (وعن قوله) تعالى ﴿من يعمل﴾ ظاهراً وباطناً ﴿سوء﴾ أي صغيراً أو كبيراً ﴿يجز به﴾ أي في الدنيا والعقبى إلا ما شاء ممن شاء (فقالت) عائشة (ما سألني عنها) أي عن هذه المسألة (منذ سألت رسول الله ﷺ أي عنها (فقال هذه) إشارة إلى مفهوم الآيتين المسؤل عنهما أي محاسبة العباد أو مجازاتهم بما يبدون وما يخفون من الأعمال (معاتبة الله العبد) أي مؤاخذة العبد بما اقترف من الذنب (بما يصيبه) أي في الدنيا، وهو صلة معاتبة ويصح كون الباء سببية (من الحمى) وغيرها مؤاخذة المعاتب، وإنما خصت الحمى بالذكر، لأنها من أشد الأمراض وأخطرها. قال في المفاتيح: العتاب أن يظهر أحد الخليلين من نفسه الغضب على خليله لسوء أدب ظهر منه مع أن في قلبه محبته، يعني ليس معنى الآية أن يعذب الله المؤمنين بجميع ذنوبهم يوم القيامة، بل معناها أنه يلحقهم بالجوع والعطش والمرض والحزن وغير ذلك من المكاره حتى إذا خرجوا من الدنيا صاروا مطهرين من الذنوب. قال الطيبي: كأنها فهمت أن هذه مؤاخذة عقاب أخروي فأجابها بأنها مؤاخذة عتاب في الدنيا صادرة عن مبدأ عناية ورحمة على ما هو معهود من ذي عاطفة وإشفاق على معطوف عليه يراقب أوقاته وأخواله وينبهه لطريق السعادة كلما ازورّ عن سواء الطريق يرده إليه لطفا وقهرا، فكأنه ﵊ يقول لها: لا تظني أن هذه المحاسبة مؤاخذة سخط وغضب وأنها مخصوصة بالآخرة إنما هي مؤاخذة عتاب يجرى بين المتعاتبتين، ولهذا جاء بصلة المعاتبة توضيحاً لها وتحقيقاً لمعناها في قوله: بما يصيبه من الحمى- انتهى. (والنكبة) بفتح النون أي المحنة وما يصيب الإنسان من حوادث الدهر (حتى البضاعة) بالجر عطفاً على ما قبلها وبالرفع على الابتداء، وهي بالكسر قطعة من المال تعين للتجارة والأصل فيها البضع وهو جملة من اللحم تبضع أي تقطع (يضعها في يد قميصه) أي كمه سمى باسم ما يحمل فيه، ووقع في بعض النسخ من الترمذي: في كم قميصه (فيفقدها) أي يتفقدها ويطلبها فلم يجدها لسقوطها أو أخذ سارق لها منه يقال فقدت الشيء أفقده فقداً أي طلبته بعد ما غاب قال الله تعالى: ﴿ماذا تفقدون﴾ [يوسف:٧١] (فيفزع لها) أي يحزن لضياع البضاعة، فيكون كفارة، كذا قاله ابن الملك. وقال الطيبي: يعني إذا وضع بضاعة في كمه، ووهم أنها غابت فطلبها وفزع لذلك كفرت عنه ذنوبه، وفيه من المبالغة ما لا يخفى يقال فزع له أي تغير وتحول من حال إلى حال. قال في النهاية: يقال: فزعت لمجئ فلان إذا تأهبت له متحولاً من حال إلى حال (حتى) أي لا يزال يكرر

стр. 2216

إن العبد ليخرج من ذنوبه، كما يخرج التبر الأحمر من الكير)) رواه البخاري. ١٥٧٢- (٣٧) وعن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله تعالى عنه أكثر، وقرأ ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ ــ عليه تلك الأحوال حتى (إن العبد) بكسر الهمزة. وفي بعض النسخ بالفتح: وأظهر العبد موضع ضميره إظهاراً لكمال العبودية المقتضي للصبر والرضا بأحكام الربوبية. وقال الطيبي: كأنه قيل: يخرج عبدي ومن هو تحت عنايتي ولطفي (ليخرج من ذنوبه) بسبب الابتلاء (كما يخرج التبر) بالكسر أي الذهب والفضة قبل أن يضربا دراهم ودنانير فإذا ضربا كانا عيناً. وفي رواية ابن أبي الدنيا: الذهب بدل التبر (من الكير) بكسر الكاف متعلق بيخرج (رواه الترمذي) في تفسير البقرة. وأخرجه أيضاً ابن جرير وابن أبي حاتم. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة- انتهى. قال ابن كثير وشيخه علي بن زيد بن جدعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن إمرأة أبيه أم محمد أمية بنت عبد الله عن عائشة وليس عنها في الكتب سواه - انتهى. ١٥٧٢- قوله: (لا يصيب عبداً) التنوين للتنكير (نكبة) أي محنة وأذى والتنوين للتقليل لا للجنس ليصح ترتب ما بعدها عليها بالفاء وهو (فما فوقها) أي في العظم (أو دونها) أي في المقدار. وقال ابن حجر: فما فوقها في العظم أو دونها في الحقارة ويصح عكسه (إلا بذنب) أي يصدر من العبد (وما يعفو الله) "ما" موصولة أي الذي يغفره ويمحوه (أكثر) مما يجازيه (وقرأ) أي النبي ﷺ ﴿وما أصابكم﴾ خطاب للمؤمنين، و "ما" شرطية أو موصولة متضمنة لمعنى الشرط ﴿من مصيبة﴾ أي بليه وشدة ﴿فبما كسبت أيديكم﴾ أي كسبتم من الذنوب وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها ﴿ويعفو عن كثير﴾ أي من الذنوب فلا يعاقب عليها بمصيبة عاجلاً قيل وآجلاً. قال ابن كثير: ﴿ويعفو عن كثير﴾ أي من السيئآت فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ -انتهى. وهذا في المذنبين، وأما غيرهم فما يصيبهم في الدنيا يكون لرفع درجاتهم في الآخرة أو لحكم أخرى خفيت علينا. وأما الأطفال والمجانين فغير داخلين في الخطاب، لأنه للمكلفين، وبفرض دخولهم أخرجهم للتخصيص بأصحاب الذنوب فما يصيبهم من المصائب فهو لحكم خفية. وقيل: في مصائب الطفل رفع درجته ودرجة أبويه أو من يشفق عليه بحسن الصبر ثم أن المصائب قد تكون عقوبة على الذنب وجزاء عليه بحيث لا يعاقب عليه يوم القيامة، ويدل على ذلك ما رواه أحمد

стр. 2217

رواه الترمذي. ١٥٧٣- (٣٨) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد إذا كان على طريقه حسنة من العبادة، ثم مرض، قيل للملك المؤكل به: أكتب له مثل عمله إذا كان طليقاً حتى أطلقه، أو أكتفه إلى)) . ١٥٧٤- (٣٩) وعن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا ابتلى المسلم ببلاء في جسده، قيل للملك: ــ (ج١:ص٨٥) وغيره من حديث علي قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول الله ﷺ ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيدكم ويعفو عن كثير﴾ ، وسأفسرها لك يا علي ما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله تعالى أكرم من أن يثنى عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا الله تعالى فمنه في الدنيا فالله سبحانه أكرم من أن يعود بعد عفوه، ولا استحالة في كون الدنيا دار تكليف ويقع فيها لبعض الأشخاص ما يكون جزاء له على ذنبه أي مكفراً له (رواه الترمذي) في تفسير سورة الشورى من طريق عبيد الله بن الوازع الكلابي عن شيخ من بني مرة عن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى به، وعبيد الله وشيخه مجهولان وبلال بن أبي بردة قاضي البصرة كان ظلوماً، وذكره أبوالعرب الصقلي في الضعفاء، وابن حبان في الثقات، فالحديث ضعيف، وله شاهد من حديث علي عند أحمد وغيره، وتقدم لفظه وفيه: أزهر بن راشد الكاهلي وهو ضعيف، ويؤيده حديث معاوية عند أحمد (ج٤:ص٩٨) وابن أبي شيبة (ج٤:ص٧١) وحديث أبي سعيد، وحديث ابن مسعود المتقدمان في الفصل الأول. ١٥٧٣- قوله: (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (إن العبد إذا كان على طريقه حسنة) أي على جهة المتابعة الشرعية (من العبادة) أي نوع من أنواعها من النوافل بعد قيامه بالفرائض (ثم مرض) ولم يقدر على تلك العبادة (قيل) أي قال الله تعالى، كما في رواية، ودل عليه قوله: هنا حتى أطلقه (إذا كان طليقاً) أي مطلقاً من المرض الذي عرض له غير مقيد به من أطلقه إذا رفع عنه القيد أي إذا كان صحيحاً لم يقيده المرض عن العمل، كذا ذكره ميرك (حتى أطلقه) بضم الهمزة أي أكتب إلى حين أرفع عنه قيد المرض (أو أكفته إلى) بفتح الهمزة وكسر الفاء بعدها تاء مثناة فوق أي أضمه إلى وأقبضه. قال في النهاية: أي أضمه إلى القبر، وكل ضممته إلى شيء فقد كفته، ومنه قيل للأرض كفأت. وقال المظهر: أي أميته. قيل: الكفت الضم والجمع وهنا مجاز عن الموت. ١٥٧٤- قوله: (إذا ابتلى المسلم ببلاء في جسده قيل للملك) وذكره الحافظ في الفتح، والمنذري في

стр. 2218

أكتب له صالح عمله الذي كان يعمل، فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه)) رواهما في شرح السنة. ١٥٧٥- (٤٠) وعن جابر بن عتيك، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الشهادة سبع، سوى القتل في سبيل الله، المطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، ــ الترغيب، والهيثمي في مجمع الزوائد نقلاً عن أحمد بلفظ: إذا ابتلى الله عزوجل العبد المسلم ببلاء في جسده قال الله عزوجل للملك: أي صاحب يمينه، وهو كاتب الحسنات (أكتب له صالح عمله) أي مثله (الذي كان يعمل) قال القاري: الظاهر من الحديث أنه يكتب له نفس العمل، وقيل ثوابه، والأول أبلغ فانه يشمل التضاعف (فإن شفاه) الله عزوجل (غسله) بالتشديد ويخفف أي نظفه (وطهره) من الذنوب؛ لأن المرض كفرها، والواو تفسيرية أو تأكيدية (وإن قبضه) أي أمر بقبضه وأماته (غفر له) من السيئآت (ورحمه) بقبول الحسنات أو تفضل عليه بزيادة المثوبات (رواهما) أي روى صاحب المصابيح الحديثين السابقين (في شرح السنة) الحديث الأول أخرجه أيضاً عبد الرزاق وأحمد (ج٢:ص٢٠٣-٢٠٥) والبيهقي (ج٣:ص٣٧٤) قال المنذري: إسناده حسن. وقال الهيثمي (ج٢:ص٣٠٣) إسناده صحيح، وأخرج أيضاً نحوه أحمد (ج٢:ص١٥٩-١٩٤-١٩٨) والدارمي وابن أبي شيبة والبزار والطبراني والحاكم (ج١:ص٣٤٨) وصححه. والحديث الثاني أخرجه أيضاً أبويعلى وأحمد وابن أبي شيبة (ج٤:ص٧٢) قال المنذري، والهيثمي: رجاله ثقات، وذكره الحافظ في الفتح، وسكت عنه. ١٥٧٥- قوله: (وعن جابر بن عتيك) بفتح العين المهملة وكسر التاء المثناة الفوقية. قال الحافظ في التقريب: جابر بن عتيك بن قيس الأنصاري صحابي جليل، اختلف في شهوده بدراً مات سنة (٦١) وهو ابن (٩١) سنة (الشهادة) أي الحكمية (سبع سوى القتل في سبيل الله) أي غير الشهادة الحقيقية، وقد تقدم أن العدد ليس للحصر (المطعون شهيد) قال الطيبي: هو إلى آخره بيان للسبع بحسب المعنى (والغريق) بالياء، وفي رواية: الغرق بفتح فكسر بلا ياء (وصاحب ذات الجنب) قال في النهاية: ذات الجنب الدبيلة والدمل الكبيرة التي تظهر في باطن الجنب وتنفجر إلى داخل وقلما يسلم صاحبها وذو الجنب الذي يشتكي جنبه بسبب الدبيلة إلا أن ذو للمذكر وذات للمؤنث وصارت ذات الجنب علماً لها وإن كانت في الأصل صفة مضافة- انتهى. وقال في جامع الأصول (ج٣:ص٣٧٦) : ذات الجنب دمل أو قرحة تعرض في جوف الإنسان تنفجر إلى داخل فيموت صاحبها وقد تنفجر إلى خارج. وقال القاري: هي قرحة أو قروح تصيب الإنسان داخل جنبه ثم تفتح ويسكن الوجع

стр. 2219

وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد)) رواه مالك، وأبوداود والنسائي. ١٥٧٦- (٤١) وعن سعد، قال: سئل النبي ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، ــ وذلك وقت الهلاك ومن علاماتها الوجع تحت الأضلاع وضيق النفس مع ملازمة الحمى والسعال وهي في النساء أكثر. وقال الحافظ ابن القيم: ذات الجنب عند الأطباء نوعان: حقيقي وغير حقيقي، فالحقيقي ورم حار يعرض في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع، وغير الحقيقي ألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية تحتقن بين الصفاقات فتحدث وجعاً قريباً من وجع ذات الجنب الحقيقي إلا أن الوجع في هذا القسم ممدود وفي الحقيقي ناخس، قال: ويلزم ذات الجنب الحقيقي خمسة أعراض: وهي الحمى، والسعال، والوجع الناخس، وضيق النفس، والنبض المنشاري- انتهى (وصاحب الحريق) أي المحرق وهو الذي يموت بالحرق، وهذا لفظ أبي داود، وعند النسائي، وصاحب الحرق. قال السندي: بفتحتين النار وصاحب النار من قتله النار، وفي الموطأ: والحرق شهيد، وهو بفتح فكسر بمعنى من يموت حريفاً في النار (والذي يموت تحت الهدم) بفتح الدال أي البناء المهدوم يعني الذي وقع عليه بناء أو حائط فمات تحته (والمرأة تموت بجمع) قال الجزري: قيل هي التي تموت وفي بطنها ولد، وقيل التي تموت بكراً، والجمع بالضم بمعنى المجموع كالذخير بمعنى المذخور، وكسر الكسائي الجيم، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة- انتهى (رواه مالك وأبوداود) في الجنائز واللفظ له (والنسائي) في الجنائز وفي الجهاد وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص٤٤٦) وابن ماجه في الجهاد، وابن حبان والحاكم (ج١ص٣٥٢) وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وقال النووي في شرح مسلم: هذا الحديث صحيح بلا خلاف وإن لم يخرجه الشيخان. ١٥٧٦- قوله: (وعن سعد) بن أبي وقاص (قال سئل النبي ﷺ ) وفي رواية لأحمد، والبيهقي، والحاكم قال: سألت رسول الله ﷺ . وفي رواية ابن ماجه: قال: قلت يا رسول الله (أي الناس أشد) أي أكثر أو أصعب (بلاء) أي محنة ومصيبة بدليل السياق وإن كان البلاء يطلق على المنحة للاختبار أيضاً فيعطي بعض الناس الصحة والعلم والسعة ليختبر هل يقوم بشكر تلك النعمة (قال الأنبياء) أي هم أشد في الابتلاء، لأنهم يتلذذون بالبلاء كما يتلذذ غيرهم بالنعماء، ولأنهم لو لم يبتلوا لتوهم فيهم الألوهية وليتوهن على الأمة الصبر على البلية، ولأن من كان أشد بلاء كان أشد تضرعاً والتجاء إلى الله تعالى (ثم الأمثل فالأمثل) أي الأفضل فالأفضل

стр. 2220

يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاءه، وإن كان في دينه رقة هوّن عليه، فما زال كذلك حتى يمشي على الأرض ماله ذنب)) . رواه الترمذي. وابن ماجه، والدارمي، ــ على ترتيبهم في الفضل، فكل من كان أفضل فبلاءه أشد. قال الحافظ: الأمثل أفعل من المثالة، والجمع أماثل وهم الفضلاء. وقال الخطابي: الأمثل يعبر به عن الأشبه بالفضل والأقرب إلى الخير، وأماثل القوم كناية عن خيارهم. وقال ابن الملك: أي الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة يعني من هو أقرب إلى الله بلاءه أشد ليكون ثوابه أكثر. قال الطيبي: ثم فيه للتراخي في الرتبة، والفاء للتعاقب على سبيل التوالي تنزلاً من الأعلى إلى الأسفل، واللام في الأنبياء للجنس. قال القاري: ويصح كونها للاستغراق إذ لا يخلو واحد منهم من عظيم محنة وجسيم بلية بالنسبة لأهل زمنه، ويدل عليه قوله (يبتلى) بالبناء للمفعول (الرجل) وفي رواية ابن ماجه، العبد (على حسب) بالتحريك (دينه) أي مقداره ضعفاً وقوة ونقصاً وكمالاً يعني بقدر قوة إيمانه وضعفه. قال الطيبي: الجملة بيان للجملة الأولى، واللام في الرجل للاستغراق في الأجناس المتوالية (فإن كان) تفصيل للابتلاء وقدره (في دينه صلباً) بضم فسكون أي قوياً شديداً، وهو خبر كان، واسمه ضمير راجع إلى الرجل، والجار متعلق بالخبر (اشتد بلاءه) أي كمية وكيفية (وإن كان) أي هو (في دينه رقة) أي ضعف ولين، والجملة خبر كان، ويحتمل أن يكون رقة اسم كان. قال الطيبي: جعل الصلابة صفة له والرقة صفة لدينه مبالغة وعلى الأصل. وقال القاري: وكان الأصل في الصلب أن يستعمل في الجثث، وفي الرقة أن تستعمل في المعاني، ويمكن أن يحمل على التفنن في العبارة- انتهى. (هون) على بناء المفعول أي سهل (عليه) أي البلاء، وفي رواية لأحمد: فإن كان في دينه صلابة زيد في بلاءه وإن كان في دينه رقة خفف عنه- انتهى. والسر في ذلك أن البلاء في مقابلة النعمة فمن كانت النعمة عليه أكثر فبلاءه أغزر (فما زال) أي الرجل المبتلى. قال الطيبي: الضمير راجع إلى اسم كان الأول (كذلك) أي أبدا يصيب الصالح البلاء ويغفر ذنبه بإصابته إياه (حتى يمشي على الأرض ماله) أي عليه (ذنب) كناية عن خلاصة من الذنوب فكأنه كان محبوساً ثم أطلق وخلى سبيله يمشي ما عليه بأس، ولفظ الحديث من قوله: هون عليه إلى آخره ليس لواحد ممن نسب إليه الحديث. والظاهر أن البغوي ذكر معنى آخر الحديث اختصاراً، ولفظ الترمذي: ابتلى على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة، وعند ابن ماجه: ابتلى على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه من خطيئة، ونحوه في رواية لأحمد والحاكم والبيهقي، ولفظ الدارمي: فإن كان في دينه صلابة زيد صلابة وإن كان في دينه رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ماله خطيئة، وفي رواية ابن حبان: فمن ثخن دينه اشتد بلاءه ومن ضعف دينه ضعف بلاءه إلخ (رواه الترمذي) في الزهد (وابن ماجه) في الفتن (والدارمي) في

стр. 2221

وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ١٥٧٧- (٤٢) وعن عائشة، قالت: ما أغبط أحداً بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ . رواه الترمذي، والنسائي. ١٥٧٨- (٤٣) وعنها، قالت: رأيت النبي ﷺ ، وهو بالموت، ــ الرقاق، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص١٧٢، ١٧٤، ١٨٠، ١٨٥) والنسائي في الكبرى، وابن حبان والحاكم (ج١ص٤١) وابن أبي شيبة (ج٤ص٧٢) وابن أبي الدنيا، والبيهقي (ج١ص٣٧٢) (وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح) وصححه أيضاً الحاكم، والبغوي في المصابيح، وله شاهد من حديث أبي سعيد عند ابن ماجه، وابن أبي الدنيا، والحاكم (ج١ص٤٠) والبيهقي (ج٣ص٣٧٢) بلفظ: قال الأنبياء قال ثم من قال العلماء قال ثم من قال الصالحون- الحديث. وليس فيه ما في آخر حديث سعد، وفي الباب أيضاً عن فاطمة بنت اليمان أخت حذيفة عند أحمد (ج٦ص٣٦٩) والنسائي في الكبرى وقد صححه الحاكم (ج٤ص٤٠٤) وحسنه الهيثمي. ١٥٧٧- قوله: (ما أغبط) بكسر الباء يقال غبطت الرجل أغبطه إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله وأن يدوم عليه ما هو فيه أي ما أحسد (أحداً) ولا أتمنى ولا أفرح لأحد (بهون الموت) الهون بالفتح الرفق واللين أي بسهولة موت، والإضافة فيه إضافة الصفة إلى الموصوف، وفي جامع الأصول (ج١١ص٣٨٥) يهون عليه الموت (بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ ) أي لما رأيت شدة وفاته علمت أن ذلك ليس من المنذرات الدالة على سوء عاقبة المتوفى وأن هون الموت وسهولته ليس من المكرمات وإلا لكان ﷺ أولى الناس به فلا أكره شدة الموت لأحد ولا أغبط أحداً يموت من غير شدة (رواه الترمذي والنسائي) أي في الجنائز، واللفظ للترمذي أخرجه من طريق عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه عن ابن عمر عن عائشة به، وقال: إنما أعرفه من هذا الوجه-انتهى. قال شيخنا: لم يحكم (الترمذي) عليه بشيء من الصحة والضعف، والظاهر أنه حسن- انتهى. ولفظ النسائي، وقد أخرجه من غير طريق الترمذي: مات رسول الله ﷺ وأنه لبين حاقنتني وذاقنتني ولا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعد ما رأيت رسول الله ﷺ . وقد تقدم في الفصل الأول من رواية البخاري، وسياق الكتاب نسبه النابلسي في ذخائر المواريث (ج٤ص٢٠٢) للترمذي فقط. ١٥٧٨- قوله: (وهو بالموت) أي مشغول أو ملتبس به، وفي رواية ابن ماجه: وهو يموت

стр. 2222

وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه، ثم يقول: ((اللهم اعني على منكرات الموت أو سكرات الموت)) . رواه الترمذي، وابن ماجه. ١٥٧٩- (٤٤) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أراد الله تعالى بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه يوم القيامة)) . ــ (وعنده قدح) بفتحتين معروف (وهو يدخل) وعند ابن ماجه: فيدخل (ثم يمسح وجهه) أي بالماء كما في الترمذي وابن ماجه وسقط لفظ "بالماء" من نسخ المشكاة والمصابيح وكان ﷺ يمسح تخفيفاً للحرارة أعنى ما سأل دفع تلك المكروهات عنه بل سأل الإعانة على حملها، ففيه أن ذاك خير لرفع الدرجات، قاله السندي. وقيل: أو دفعاً للغشيان وكربه (اللهم اعني على منكرات الموت أو سكرات الموت) قال القاري: قيل أو للشك، وبه جزم ابن حجر، ويحتمل أن تكون للتنويع، ويراد من منكرات الموت ما يقع من تقصير في تلك الحال من المريض أو وساوس الشيطان وخطراته وتزيين خطراته ومن سكرات الموت شدائده التي لا يطيقها المحتضر فيموت جزعاً فزعاً، والمطلوب أنه لا يموت إلا أنه مسلم ومسلم محسن للظن بربه، وفي هذا تعليم منه ﵊ لأمته- انتهى. قلت: هكذا وقع في المصابيح والمشكاة على منكرات الموت أو سكرات الموت، والذي في الترمذي على غمرات الموت وسكرات الموت، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج١١ص٣٨٥) قال في مجمع البحار: غمرات الموت شدائده. وقال في القاموس: غمرة الشيء شدته ومزدحمة ج غمرات وغمار- انتهى. وسكرات جمع سكرة بفتح السين وسكون الكاف وهي شدة الموت. قال سراج أحمد في شرح الترمذي: هو عطف بيان لما قبله، والظاهر أن يراد بالأولى الشدة وبالأخرى ما يترتب عليها من الدهشة والحيرة الموجبة للغفلة، وقال القاضي في تفسير قوله تعالى: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾ [ق: ١٩] أن سكرته شدته الذاهبة بالعقل-انتهى. (رواه الترمذي وابن ماجه) في الجنائز، وأخرجه أيضاً النسائي في اليوم والليلة، وفي سنده موسى بن سرجس، وهو مستور. ١٥٧٩- قوله: (عجل) بالتشديد أي أسرع (له بالعقوبة) أي الابتلاء بالمكاره (في الدنيا) ليخرج منها وليس عليه ذنب ومن فعل ذلك معه فقد أعظم اللطف به والمنية عليه (أمسك) أي أخر (عنه) ما يستحقه من العقوبة (بذنبه) أي بسببه (حتى يوافيه) أي يجازيه جزاءً وافياً (به) أي بذنبه (يوم القيامة) قال الطيبي الضمير المرفوع راجع إلى الله تعالى. والمنصوب إلى العبد، ويجوز أن يعكس- انتهى. قال القاري: ولعل الموافاة حينئذ بمعنى الملاقاة قال: والمعنى لا يجازيه بذنبه حتى يجيء في الآخرة متوافر الذنوب وافيها فيستوفي حقه من

стр. 2223

١٥٨٠- (٤٥) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله عزوجل إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)) رواه الترمذي، وابن ماجه. ١٥٨١- (٤٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة ــ العقاب - انتهى. قلت: وفي الترمذي حتى يوافي به أي بدون الضمير المنصوب أي حتى يأتي العبد بذنبه يوم القيامة ونقله الجزري هكذا "حتى يوافي يوم القيامة" (رواه الترمذي) في الزهد، وهو حديث حسن، وأخرجه الحاكم في الجنائز (ج١ص٣٤٩) والحدود (ج٤ص٣٧٧) من حديث عبد الله بن مغفل وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. ١٥٨٠- قوله: (إن عظم الجزاء) أي عظمة الأجر وكثرة الثواب (مع عظم البلاء) بكسر العين المهملة وفتح الظاء فيهما، ويجوز ضمها مع سكون الظاء فمن كان ابتلاءه أعظم فجزاءه أعظم (ابتلاهم) أي اختبرهم بالمحن والرزايا (فمن رضي) أي بما ابتلاه الله به (فله الرضا) منه تعالى وجزيل الثواب. قال السندي: قوله: فمن رضي فله الرضا أي رضا الله تعالى عنه جزاء لرضاه أو فله جزاء رضاه، وكذا قوله فله السخط، ثم الظاهر أنه تفصيل لمطلق المبتلين لا لمن أحبهم فابتلاهم إذا الظاهر أنه تعالى يوفقهم للرضا فلا يسخط منهم أحد- انتهى. (ومن سخط) بكسر الخاء أي كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضاءه (فله السخط) منه تعالى وأليم العذاب ﴿ومن يعمل سوء يجز به﴾ ، والمقصود الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه لا الترغيب في طلبه للنهي عنه (رواه الترمذي) في الزهد بسند الحديث الذي قبله وقال: حديث حسن غريب (وابن ماجه) في الفتن، وفي الباب عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن صبر فله الرضا ومن جزع فله الجزع. أخرجه أحمد قال المنذري، والهيثمي: رواته ثقات، ومحمود بن لبيد رأى النبي ﷺ ، واختلف في سماعه منه. ١٥٨١- قوله: (لا يزال) في الترمذي ما يزال، وكذا وقع في رواية الحاكم (ج٤ص٣١٤) وهكذا نقله المنذري في الترغيب والجزري في جامع الأصول (ج١١ص٣٥٧) عن الترمذي نعم وقع في رواية أحمد والحاكم (ج١ص٣٤٦) وابن أبي شيبة والبيهقي لا يزال (البلاء بالمؤمن) أي ينزل بالمؤمن الكامل (أو المؤمنة)

стр. 2224

في نفسه وماله وولده، حتى يلقي الله تعالى وما عليه من خطيئة)) رواه الترمذي، وروى مالك نحوه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ١٥٨٢- (٤٧) وعن محمد بن خالد السلمي، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : ــ قال القاري: أو للتنويع، ووقع في أصل ابن حجر: بالواو فقال الواو بمعنى أو بدليل إفراد الضمير أي في نفسه وماله وولده، وهو مخالف للنسخ المصححة والأصول المعتمدة يعني من المشكاة. قلت: وفي نسخ الترمذي الموجودة عندنا وقع بالواو وكذا في الترغيب للمنذري وجامع الأصول للجزري، وهكذا رواه البيهقي وابن أبي شيبة ووقع عند أحمد بلفظة "أو" (وولده) بفتح الواو واللام وبضم فسكون أي أولاده (حتى يلقي الله) أي يموت (وما عليه من خطيئة) وفي الترمذي: وما عليه خطيئة أي بحذف من، وهكذا في الترغيب وجامع الأصول، وكذا في رواية الحاكم (ج٤ص٣١٤) ووقع عند أحمد والحاكم (ج١ص٣٤٦) والبيهقي وابن أبي شيبة من خطيئة. قال القاري: بالهمز والإدغام أي وليس عليه سيئة لأنها زالت بسبب البلاء. وقال الباجي: يحتمل أن يريد أنه يحط لذلك عنه خطاياه حتى لا يبقى له خطيئة، ويحتمل أن يريد أنه يحصل له على ذلك من الأجر ما يزن جميع ذنوبه فيلقي الله تعالى وليس له ذنب يزيد على حسناته فهو بمنزلة من لا ذنب له وإنما هذا لمن صبر واحتسب، وأما من سخط ولم يرض بقدر الله تعالى فإنه أقرب إلى أن يأثم لتسخطه فيكثر بذلك سائر آثامه (رواه الترمذي) في الزهد، وأخرجه أيضاً أحمد وابن أبي شيبة (ج٤ص٧١) والبزار والحاكم (ج١ص٣٤٦ج٤ص٣١٤، ٣١٥) والبيهقي (ج٣ص٣٧٤) (وروى مالك) في الجنائز (نحوه) أي بمعناه، ولفظه ما يزال المؤمن يصاب في ولده وحامته حتى يلقي الله وليست له خطيئة (وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) وصححه أيضاً البغوي في المصابيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ١٥٨٢- قوله: (وعن محمد بن خالد السلمي) بضم السين وفتح اللام مجهول من طبقة كبار أتباع التابعين (عن أبيه) خالد وهو مجهول أيضاً من أوساط التابعين. قال الهيثمي: محمد بن خالد وأبوه لم أعرفهما (عن جده) أي جد محمد بن خالد، زاد في روايات من خرج حديثه هذا وكانت له (أي لجد محمد بن خالد) صحبة، يقال اسمه اللجلاج بجيمين وفتح اللام الأولى. زيد، ويكنى أباخالد. قال الحافظ في الأسماء من الإصابة: اللجلاج بن حكيم السلمي أخو الجحاف، ذكره ابن مندة وقال له صحبة عداده في أهل الجزيرة، وقال في الكنى منه أبوخالد السلمي جد محمد بن خالد، أورده البغوي في الكنى، وأورد من طريق أبي المليح عن محمد بن خالد

стр. 2225

((إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صبره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله)) رواه أحمد، وأبوداود. ١٥٨٣- (٤٨) وعن عبد الله بن شخير، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع ــ السلمي عن أبيه عن جده وكانت له صبحة، فذكر حديثاً وسماه ابن مندة اللجلاج. وقال ابن الأثير: أبوخالد السلمي له صحبة سكن الجزيرة حديثه عند أولاده روى أبوالمليح عن محمد بن خالد عن أبيه عن جده وكانت له صحبة قال سمعت رسول الله ﷺ فذكر هذا الحديث. وقال أخرجه ابن مندة وأبونعيم (إن العبد إذا سبقت له) أي في علم الله أو في قضاءه وقدره (من الله منزلة) أي مرتبة عالية في الجنة (لم يبلغها بعمله) لعجزه عن العمل الموصل إليها. قال القاري: وفيه دليل على أن الطاعات سبب للدرجات، قيل ودخول الجنة بفضل الله تعالى وإيمان العبد والخلود بالنية. وقال الطيبي: فيه إشعار بأن للبلاء خاصية في نيل الثواب ليس للطاعة ولذا كان الأمثل فالأمثل أشد بلاء (ابتلاءه الله في جسده أو في ماله أو في ولده) أو في الموضعين للتنويع باعتبار الأوقات أو بإختلاف الأشخاص (ثم صبره) بالتشديد أي رزقه الصبر (حتى يبلغه) الله بالتشديد، وقيل: بالتخفيف. قال الطيبي: "حتى" هذه إما للغاية وإما بمعنى كي، والمعنى حتى يوصله الله تعالى (المنزلة) أي المرتبة العليا (التي سبقت له) أي إرادتها (من الله) تعالى شأنه (رواه أحمد) (وأبوداود) في الجنائز وسكت عنه، قال في عون المعبود: والحديث ليس من رواية اللؤلؤي، ولذا لم يذكره المنذري في مختصره. وقال المزي في الأطراف: هذا الحديث في رواية ابن العبد وابن داسة، ولم يذكره أبوالقاسم- انتهى. وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٣ص٣٧٤) من طريق أبي داود وأبويعلى والطبراني في الكبير والأوسط. قال المنذري في الترغيب: محمد بن خالد لم يرو عنه غير أبي المليح الرقي ولم يرو عن خالد إلا ابنه محمد- انتهى. وله شاهد جيد من حديث أبي هريرة بلفظ: إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمله فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغها، وفي رواية يكون له عند الله المنزلة الرفيعة. أخرجه أبويعلى. قال الهيثمي: ورجاله ثقات، وابن حبان في صحيحه من طريقه وغيرهما. ١٥٨٣- قوله: (مثل) بضم الميم وتشديد المثلثة أي صور وخلق (ابن آدم) بالرفع نائب الفاعل، وقيل: مثل ابن آدم بفتحتين وتخفيف المثلثة، ويريد به صفته وحاله العجيبة الشأن، وهو مبتدأ خبره الجملة التي بعده أي الظرف وتسعة وتسعون مرتفع به أي حال ابن آدم أن تسعة وتسعين منية متوجهة إلى نحوه منتهية إلى جانبه، وقيل: خبره محذوف والتقدير مثل ابن آدم مثل الذي يكون إلى جنبه تسعة وتسعون منية، ولعل الحذف من بعض الرواة (وإلى جنبه) الواو للحال أي بقربه (تسع) وفي المصابيح: تسعة، وكذا في جامع الترمذي

стр. 2226

وتسعون منية، إن أخطأته المنايا وقع في الهرم حتى يموت)) . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. ١٥٨٤- (٤٩) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطي أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض)) ــ (وتسعون) أراد به الكثرة لا الحصر (منية) بفتح الميم أي بلية مهلكة. وقال بعضهم: أي سبب موت (إن أخطأته المنايا) قال الطيبي: المنايا جمع منية، وهي الموت لأنها مقدرة بوقت مخصوص من المنى، وهو التقدير سمي كل بلية من البلايا منية لأنها طلائعها ومقدماتها- انتهى. أي أسباب الموت كثيرة متعددة كالأمراض والجوع والغرق والحرق والهدم وغير ذلك، فإن جاوزه واحد وقع في الآخر فإن جاوزه فرضاً الجميع مرة بعد أخرى (وقع في الهرم) قال في القاموس: الهرم محركة أقصى الكبر (حتى يموت) أي وقع في السبب الذي يفضى إلى الموت ولا محالة وهو الهرم. وقال بعضهم: يريد أن أصل خلقة الإنسان من شأنه أن لا تفارقه المصائب والبلايا والأمراض والأدواء كما قيل البرايا أهداف البلايا، وكما قال صاحب الحكم ابن عطاء: ما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع إلا كدار فإن أخطأته تلك النوائب على سبيل الندرة أدركه من الأدواء الداء الذي لا دواء له وهو الهرم، وحاصله أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر والمصائب كفارة لذنوبه، فينبغي للمؤمن أن يكون صابراً على حكم الله راضياً بما قدره الله تعالى وقضاه (رواه الترمذي) في أواخر القدر وقال: حديث حسن غريب، وأعاده في أواخر الزهد سنداً ومتناً، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ولعله صححه ههنا لشواهد رويت في ذلك والله اعلم. والحديث أخرجه أيضاً الضياء المقدسي في المختارة، كما في الجامع الصغير. ١٥٨٤- قوله: (يود) أي يتمنى (أهل العافية) أي في الدنيا (يوم القيامة) ظرف يود (حين يعطي) بالبناء للمفعول (الثواب) مفعول ثان أي كثيرا وبلا حساب لقوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠] (قرضت) بالتخفيف، ويحتمل التشديد للمبالغة والتأكيد أي قطعت (في الدنيا) قطعة قطعة (بالمقاريض) جمع المقراض ليجدوا ثواباً كما وجد أهل البلاء. قال الطيبي: الود محبة الشيء وتمنى كونه له، ويستعمل في كل واحد من المعنيين من المحبة والتمني، وفي الحديث هو من المودة التي هي بمعنى التمني وقوله لو أن إلخ منزلة مفعول يود كأنه قيل يود أهل العافية ما يلازم لو أن جلودهم كانت مقرضة في الدنيا وهو الثواب المعطي. قال ميرك: ويحتمل أن مفعول يود الثواب على طريق التنازع وقوله لو أن جلودهم حال أي متمنين أن جلودهم إلخ أو قائلين لو أن جلودهم على طريقة الالتفات من التكلم إلى الغيبة- انتهى. قلت: ورواه

стр. 2227

رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. ١٥٨٥ - (٥٠) وعن عامر الرام، قال: ذكر رسول الله ﷺ الأسقام، فقال: ((إن المؤمن إذا أصابه السقم، ثم عافاه الله عزوجل منه، كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة له فيما يستقبل، وإن المنافق إذا مرض ثم أعفي، كان كالبعير عقله أهله ــ البيهقي بلفظ: يود أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم قرضت بالمقاريض مما يرون من ثواب أهل البلاء (رواه الترمذي) في الزهد، وأخرجه أيضاً ابن أبي الدنيا والبيهقي (ج٣ص٣٧٥) كلهم من طريق عبد الرحمن بن مغراء عن الأعمش عن أبي الزبير عن جابر، وابن مغراء هذا صدوق تكلم في حديثه عن الأعمش. وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي وابن أبي الدنيا من رواية عبد الرحمن بن مغراء، وبقية رجاله ثقات. وقال الترمذي: حديث غريب، ورواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود موقوفاً عليه، وفيه رجل لم يسم. قال الهيثمي: وبقية رجاله ثقات، وفي الباب عن ابن عباس أخرجه الطبراني في الكبير، وفيه مجاعة بن الزبير. قال الهيثمي (ج٢ص٣٠٥) وثقة أحمد وضعفه الدارقطني. ١٥٨٥- قوله: (وعن عامر الرام) بحذف الياء تخفيفاً كما في المتعال، ويقال الرامي لأنه كان ارمي العرب صحابي، روى له أبوداود وحده. قال الحافظ في تهذيبه: عامر الرام، وقيل: الرامي أخو الخضر بن محارب عداده في الصحابة روى عن النبي ﷺ : إن المؤمن إذا ابتلى ثم عافاه الله كان كفارة لذنوبه- الحديث. وقال في الإصابة: عامر الرامي أخو الخضر بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين المحاربي من ولد مالك بن مطرف ابن خلف بن محارب وكان يقال لولد مالك الخضر لأنه كان شديد الأدمة وكان عامر رامياً حسن الرمي فلذلك قيل له الرامي (ذكر رسول الله ﷺ الأسقام) جمع سقم أي الأمراض وثوابها (إذا أصابه السقم) بضم فسكون وبفتحتين أي المرض (ثم عافاه الله) من المعافاة وفي أبي داود أعفاه الله أي من الإعفاء، وكذا في الترغيب للمنذري وجامع الأصول للجزري (ج٥ص٢٧٧) يقال أعفا الله فلاناً أي عافاه وأعفاه من الأمر برأه (منه) أي من ذلك السقم (كان) أي السقم (وموعظة له) أي تنبيهاً للمؤمن فيتوب ويتقي (فيما يستقبل) من الزمان. قال الطيبي: أي إذا مرض المؤمن ثم عوفي تنبه وعلم أن مرضه كان مسبباً عن الذنوب الماضية فيندم ولا يقدم على ما مضى فيكون كفارة لها (وإن المنافق) وفي معناه الفاسق المصر (إذا مرض ثم أعفي) بمعنى عوفي كما تقدم، والاسم منه العافية (كان) أي المنافق في غفلته (كالبعير عقله أهله) أي شدوه وقيدوه، يقال: عقل البعير أي ثنى وظيفة مع ذراعه فشدهما معا بحبل هو العقال، وهو كناية عن المرض استئناف مبين

стр. 2228

ثم أرسلوه، فلم يدر لم عقلوه ولم أرسلوه. فقال رجل: يا رسول الله! وما الأسقام؟ والله ما مرضت قط، فقال: قم عنا فلست منا)) . رواه أبوداود. ١٥٨٦- (٥١) وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله، فإن ذلك لا يرد شيئاً، ويطيب ــ لوجه الشبه (ثم أرسلوه) أي أطلقوه من عقاله، وهو كناية عن العافية (فلم يدر) أي لم يعلم (لم) أي لأي سبب (عقلوه ولم أرسلوه) يعني أن المنافق لا يتعظ بما حصل له ولا يستيقظ من غفلته ولا يتوب فلا يفيد مرضه لا فيما مضى ولا فيما يستقبل (وما الأسقام) قال الطيبي: عطف على مقدر أي عرفنا ما يترتب على الأسقام وما الأسقام (قم عنا) أي تنح وأبعد (فلست منا) أي لست من أهل طريقتنا حيث لم تبتل ببلية ومصيبة، وشأن المؤمن أن يبتلى بالبلايا حتى يطهر من الذنوب في الدنيا، وقيل: الظاهر أن هذا الرجل كان منافقاً (رواه أبوداود) في أول الجنائز، وأخرجه أيضاً أحمد وابن السكن وابن أبي شيبة وغيرهم كلهم من طريق ابن إسحاق عن أبي منظور عن عمه عن عامر الرامي، وأبومنظور وعمه مجهولان. قال الحافظ في التقريب في ترجمة عامر الرامي: صحابي له حديث يروي بإسناد مجهول. ١٥٨٦- قوله: (إذا دخلتم على المريض) أي لعيادته (فنفسوا له في أجله) من التنفيس، وأصله التفريج يقال: نفس الله عنه كربته أي فرجها، وتعديته بفي لتضمين معنى التطمع أي طمعوه في طول عمره، واللام بمعنى عن وقال الطيبي: اللام للتأكيد وهذا التنفيس إما أن يكون بالدعاء بطول العمر أو بنحو يشفيك الله وإما الجزم فلا يمكن. وقال القاري: أي اذهبوا حزنه فيما يتعلق بأجله بأن تقولوا لا بأس طهوراً ويطول الله عمرك ويشفيك ويعافيك أو وسعوا له في أجله فينفس عنه الكرب، والتنفيس التفريج. وقال الجزري: نفست عن المريض إذا منيته طول الأجل وسألت الله أن يطيل عمره. وقال في اللمعات: التنفيس التفريج أي فرجوا له واذهبوا كربه فيما يتعلق بأجله بأن تدعوا له بطول العمر وذهاب المرض، وأن تقولوا لا بأس طهور ولا تخف سيشفيك الله وليس مرضك صعباً وما أشبه ذلك فإنه وإن لم يرد شيئاً من الموت المقدر ولا يطول عمره لكن يطيب نفسه ويفرحه ويصير ذلك سببا لانتعاش طبيعته وتقويتها فيضعف المرض- انتهى. (فإن ذلك) أي تنفيسكم له (لا يرد شيئاً) أي من القدر والقضاء قيل: قوله فإن ذلك تعليل لما يفهم من المقام كأنه قيل: هل يزيد بذلك العمر أو ماذا فائدته، فقال: لا، فإن التنفيس لا يرد شيئاً مما أريد بالمريض (ويطيب) من طاب يطيب والباء في قوله

стр. 2229

بنفسه)) رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. ١٥٨٧ - (٥٢) وعن سليمان بن صرد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قتله بطنه لم يعذب في قبره)) رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث غريب. ــ (بنفسه) للتعدية أو زائدة على الفاعل، كما قيل: ويحتمل أنه من طيب بالتشديد والباء زائدة. وفي الترمذي: ويطيب نفسه أي بدون الباء، وهكذا نقله الجزري (ج٧:ص٤٠٢) ولفظ ابن ماجه: وهو يطيب بنفس المريض. قال المناوي: يعني لا بأس عليكم بتنفيسكم له فإن ذلك التنفيس لا أثر له إلا في تطيب نفسه فلا يضركم ذلك ومن ثم عدوا من آداب العيادة تشجيع العليل بلطيف المقال وحسن الحال- انتهى. وارجع لمزيد الكلام إلى زاد المعاد (ج٢:ص٩٤) (رواه الترمذي) في الطب (وابن ماجه) في أول الجنائز وأخرجه أيضاً ابن السني في اليوم والليلة وابن أبي شيبة (ج٤:ص٧٤) (وقال الترمذي هذا حديث غريب) لم يحكم الترمذي عليه بشيء من الصحة والضعف، وفي إسناده موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني. قال البخاري: وأبوزرعة والنسائي وأبوحاتم وأبوأحمد الحاكم منكر الحديث، فالحديث ضعيف. ١٥٨٧- قوله: (وعن سليمان بن صرد) بضم المهملة وفتح الراء ابن الجون الخزاعي أبومطرف الكوفي صحابي. قال ابن عبد البر: كان خيراً فاضلاً وكان اسمه في الجاهلية يسار فسماه النبي ﷺ سليمان سكن الكوفة وكان له سن عالية وشرف وقدر وكلمة في قومه وشهد مع علي صفين وهو الذي قتل حوشب ذا ظليم الألهاني بصفين مبارزة وكان فيمن كتب إلى الحسين يسأله القدوم إلى الكوفة فلما قدمها ترك القتال معه فلما قتل الحسين ندم هو والمسيب بن نجية الفزاري في آخرين إذ لم يقاتل معه ثم قالوا مالنا من توبة مما فعلنا إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه فخرجوا فعسكروا بالنخيلة وولوا أمرهم سليمان بن صرد وسموه أمير التوابين ثم ساروا فالتقوا بمقدمة عبيد الله بن زياد في أربعة آلاف بموضع يقال له عين الوردة فقتل سليمان والمسيب في ربيع الآخر سنة (٦٥) وقيل رماه يزيد بن الحصين بن نمير بسهم فقلته وحمل رأسه ورأس المسيب إلى مروان بن الحكم وكان سليمان يوم قتل ابن (٩٣) سنة (من قتله بطنه) إسناده مجازي أي من مات من مرض بطنه، وهو يحتمل الإسهال والاستسقاء والنفاس (لم يعذب في قبره) وفي رواية لأحمد "فلن يعذب في قبره" لأنه لشدته كان كفارة لسيئته. قال المناوي: وإذا لم يعذب في قبره لم يعذب في غيره لأنه أول منازل الآخرة فإن كان سهلاً فما بعده أسهل. وصح في مسلم وغيره أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين أي إلا حقوق الآدميين (رواه أحمد) (ج٤:ص٢٦٢) (والترمذي) في الجنائز وأخرجه أيضاً النسائي في الجنائز، وابن حبان (وقال هذا حديث غريب) وفي

стр. 2230

﴿الفصل الثالث﴾ ١٥٨٨- (٥٣) عن أنس، قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ ، فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: ((أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار)) ــ نسخ الترمذي الموجودة عندنا: هذا حديث حسن غريب في هذا الباب، وقد روى من غير هذا الوجه- انتهى. قلت: روى أحمد والنسائي من غير طريق الترمذي. والحديث لا ينحط عن درجة الحسن. ١٥٨٨ – قوله: (كان غلام يهودي) لم يقف الحافظ على اسمه نعم نقل عن ابن بشكوال أن صاحب العتبية حكى عن زياد أن اسمه عبد القدوس قال وهو غريب ما وجدته عند غيره (يخدم النبي ﷺ بكسر الدال وضمها (فأتاه النبي ﷺ حال كونه (يعوده فقعد) النبي ﷺ (عند رأسه) أي رأس الغلام وهو من مستحبات العيادة (فقال) النبي ﷺ (له) أي للغلام (أسلم) بكسر اللام فعل أمر من الإسلام، والظهر أن الغلام كان عاقلاً (فنظر) أي الغلام (إلى أبيه وهو) أي أبوالغلام (عنده) وفي رواية أبي داود عند رأسه (فقال) له أبوه (أطع أبا القاسم) ﷺ (فأسلم) بفتح اللام أي الغلام، وفي رواية النسائي: فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ (فخرج النبي ﷺ من عنده (وهو) أي النبي (يقول الحمد لله الذي أنقذه) بالذال المعجمة أي خلصة ونجاه (من النار) أي لو مات كافراً، في رواية أبي داود: أنقذه بي من النار أي أنقذه الله بسببي من النار. قال الحافظ في الفتح: وفي الحديث جواز استخدام المشرك وعبادته إذا مرض، وفيه حسن العهد واستخدام الصغير وعرض الإسلام على الصبي ولولا صحته منه ما عرضه عليه، وفي قوله: أنقذه بي من النار، دلالة على أنه صح إسلامه وعلى أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه أنه يعذب- انتهى. قيل: هذا يحمل على أنه كان قبل أن يعلمه الله تعالى أن أطفال المشركين في الجنة، كما هو مذهب الأكثرين، وعلى تقدير تسليم أن هذا الحديث وقع بعد تقرر أن الأطفال في الجنة، فالمراد من قوله: من النار الكفر المسمى ناراً لأنه سببها أو يؤول إليها. والله تعالى أعلم. قيل: إنما تشرع عيادة غير المسلم ليدعى إلى الإسلام إذا رجى أن يجيب إلى الدخول في الإسلام ألا ترى أن اليهودي أسلم حين عرض عليه النبي ﷺ الإسلام فأما إذا لم يطمع في إسلام الكافر ولا يرجى إنابته فلا ينبغي

стр. 2231

رواه البخاري. ١٥٨٩ - (٥٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عاد مريضاً نادى منادى من المساء: طبت وطاب ممشاك، وتبؤت من الجنة منزلاً)) . رواه ابن ماجه. ١٥٩٠- (٥٥) وعن ابن عباس، قال: ((إن علياً خرج من عند النبي ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أباالحسن! كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً)) ــ عيادته. قال الحافظ: والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى. قال الماوردي: عيادة الذمي جائزة، والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة- انتهى. (رواه البخاري) في الجنائز، وفي المرضى، وأخرجه أيضاً أبوداود في الجنائز، والنسائي والبيهقي (ج٣:ص٣٨٣) . ١٥٨٩- قوله: (من عاد مريضاً) أي محتسباً (نادى مناد) أي ملك (طبت) بكسر الطاء أي طاب حالك (وطاب ممشاك) مصدر أي كثر ثواب مشيك إلى هذه العبادة، وقيل: مكان أو زمان مبالغة (وتبوأت) أي تهيأت (من الجنة) أي من منازلها العالية (منزلاً) أي منزلة عظيمة بما فعلت. وقيل: أي ثبت وتحقق دخولك الجنة بسبب هذه العبادة. وقال الطيبي: طبت دعاء له بأن يطيب عيشه في الدنيا، وطيب الممشى كناية عن سيره وسلوكه طريق الآخرة بالتعري عن رذائل الأخلاق والتحلي بمكارمها، وقوله: تبوأت دعاء له بطيب العيش في الآخرة، وإنما أخرجت الأدعية في صورة الإخبار إظهاراً للحرص على وقوعها كأنها حاصلة وهو يخبر عنها كما تقول رحمك الله وعصمك الله من الآفات ((رواه ابن ماجه) في الجنائز، وأخرجه أيضاً الترمذي في باب زيارة الأخوان من أبواب البر والصلة بلفظ: ما عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه مناد الخ. وأخرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ: إذا عاد الرجل أخاه أو زاره قال الله تعالى طبت إلخ. ذكر المنذري في الترغيب: إن الترمذي حسنه، وفيه أنه ليس في نسخ الترمذي الموجودة عندنا لفظ: حسن، بل فيها حديث غريب، وفي سنده عندهم أبوسنان عيسى بن سنان القسملي، وهو لين الحديث. ١٥٩٠- قوله: (في وجعه) أي في زمن مرضه (الذي توفي فيه) أي قبض روحه فيه (فقال الناس) أي لعلي (يا أباالحسن) كنية علي (أصبح بحمد الله) أي مقروناً بحمده أو متلبساً بموجب حمده وشكره (بارئاً)

стр. 2232

رواه البخاري. ١٥٩١ - (٥٦) وعن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ﷺ ! إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله، فقال: ((إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. ــ بالهمزة إسم فاعل من برأ المريض إذا أفاق من المرض. قال القاري: خبر بعد خبر أو حال من ضمير أصبح، والمعنى قريباً من البرء بحسب ظنه أو للتفاؤل أو بارئاً من كل ما يعترى المريض من القلق والغفلة. وفي الحديث استحباب السؤال عن حال المريض بلفظ: كيف أصبح، والجواب عنه بقوله أصبح بحمد الله بارئاً (رواه البخاري) مطولاً في باب مرض النبي ﷺ ووفاته من أواخر المغازي، وفي باب المعانقة من الاستيذان، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٢٦٣-٣٢٥) . ١٥٩١- قوله: (ألا) بتخفيف اللام قبلها همزة مفتوحة (أريك) بضم الهمزة وكسر الراء (هذه المرأة السوداء) إسمها سعيرة بالمهملات مصغراً الأسدية، كما في رواية جعفر المستغفري في كتاب الصحابة، وأخرجه أبوموسى في الذيل من طريقه، ووقع في رواية ابن مندة بقاف بدل العين، وفي أخرى للمستغفري بالكاف، وذكر ابن سعد وعبد الغني في المبهمات من طريق الزبير أن هذه المرأة هي ماشطة خديجة التي كانت تتعاهد النبي ﷺ بالزيادة (أتت النبي ﷺ استئناف بيان لكونها من أهل الجنة (إن أصرع) بصيغة المجهول، قيل: الصرع علة تمنع الأعضاء الرئيسة عن انفعالها منعاً غير تام، وسببه ريح غليظ يحتبس في منافذ الدماغ أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء وقد يتبعه تشنج في الأعضاء فلا يبقى الشخص معه منتصباً بل يسقط ويقذف بالزيد لغلظ الرطوبة، وقد يكون الصرع من الجن ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذية به، وأنكر ذلك كثير من الأطباء، وقد رد عليهم ابن القيم في زاد المعاد رداً حسناً، فعليك أن تراجعه (وإني أتكشف) بفتح المثناة الفوقية والشين المعجمة المشددة من التكشف. قال الحافظ: وبالنون الساكنة بدل الفوقية وكسر المعجمة مخففاً من الانكشاف، والمراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر (فادع الله) لي أي يشفيني من ذلك الصرع (فقال) ﷺ مخبراً لها (إن شئت صبرت) على ذلك (ولك الجنة) فيه إيماء إلى جواز ترك الدواء بالصبر على البلاء والرضاء بالقضاء بل ظاهره أن إدامة

стр. 2233

فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها)) متفق عليه. ١٥٩٢- (٥٧) وعن يحيى بن سعيد، قال: إن رجلا جاءه الموت في زمن رسول الله ﷺ ، فقال رجل، هنيئاً له، مات ولم يبتل بمرض، فقال رسول الله ﷺ : ((ويحك! ــ الصبر مع المرض أفضل من العافية لكن بالنسبة إلى بعض الأفراد وأن ترك التداوى أفضل وإن كان يسن التداوى (فقالت أصبر) على الصرع. قال ابن القيم: من حدث له الصرع، وله خمس وعشرون سنة وخصوصاً بسبب دماغي أيس من برءه، وكذلك إذا استمر به إلى هذا السن قال: فهذه المرأة التي جاء في الحديث أنها كانت تصرع وتنكشف، يجوز أن يكون صرعها من هذا النوع فوعدها ﷺ بصبرها على هذا المرض بالجنة ودعا لها أن تنكشف وخيرها بين الصبر والجنة وبين الدعاء لها بالشفاء من غير ضمان فاختارت الصبر والجنة - انتهى. قال الحافظ: وفي الحديث فضل من يصرع وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوى، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير وأن تأثير ذلك وإنفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل، وهو صدق القصد والآخر من جهة المداوى، وهو قوة توجهه، وقوة قلبه بالتقوى والتوكل والله اعلم (متفق عليه) أخرجه البخاري في المرضى ومسلم في الأدب وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص٣٤٦- ٣٤٧) والنسائي في الكبرى في الطب. ١٥٩٢- قوله: (وعن يحيى بن سعيد) هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني أبوسعيد القاضي ثقة ثبت من صغار التابعين سمع أنس بن مالك والسائب بن يزيد وخلقاً سواهما روى عنه هشام بن عروة ومالك ابن أنس وشعبة والثوري وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم كان يتولى القضاء بالمدينة زمن بني أمية وأقدمه منصور العراق وولاه القضاء بالهاشمية مات سنة (١٤٣) وقيل (١٤٤) وقيل بعدها. قال المؤلف: كان إماماً من أئمة الحديث والفقه عالماً ورعاً زاهداً صالحاً مشهوراً بالفقه والدين (إن رجلاً جاءه الموت) أي فجأة من غير مرض (هنيئاً له) مصدر لفعل محذوف (مات ولم يبتل بمرض) استئناف مبين لموجب التهنئة، والواو حالية (ويحك) كلمة ترحم وتوجع يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها وهي منصوبة بإضمار فعل كأنه قيل ألزمك الله ويحاً

стр. 2234

ما يدريك لو أن الله ابتلاه بمرض فكفر عنه من سيئاته)) . رواه مالك مرسلاً. ١٥٩٣- (٥٨) وعن شداد بن أوس، والصنابحى، ــ يعني لا تمدح عدم المرض وإنما ترحم عليه لعذره في ظنه أن عدم المرض مكرمة (ما يدريك) أيّ أي شيء يعلمك أن عدم المرض خير ومكرمة (لو أن الله ابتلاه بمرض) قال الطيبي: لو للتمني لأن الامتناعية لا تجاب بالفاء أي لا تقل هنيئاً له ليت أن الله ابتلاه بمرض، ويجوز أن يقدر لو ابتلاه الله لكان خيراً له فكفر. قال القاري: وعلى الأول ما يدريك معترضة وعلى الثاني متصلة بما بعدها (فكفر عنه من سيئاته) وفي نسخ الموطأ الموجودة عندنا: يكفر به عنه من سيئاته. قال في المحلى: لو أن الله إلخ. جملة شرطية والجزاء قوله يكفر أو هو صفة لمرض والجزاء محذوف أي لكان خيراً له، ويحتمل أن يكون لو للتمني بمعنى ليت وعلى هذا يتعين قوله: يكفر صفة- انتهى. وفي الحديث أن الابتلاء بالمصائب طب الهي يداوي به الإنسان من أمراض الذنوب فإن غير المعصوم لا يخلو غالباً من السيئات فالمرض مكفر لها أو رافع للدرجات وكاسر لشماخة النفس (رواه مالك) في كتاب الجامع من الموطأ عن يحيى بن سعيد (مرسلا) لأن يحيى بن سعيد تابعي. قال ابن المديني في العلل: لا أعلمه سمع من صحابي غير أنس، ذكره الحافظ في تهذيبه، وقد اعتضد هذا المرسل بما في الباب من الأحاديث المسندة الدالة على كون المرض كفارة للذنوب. ١٥٩٣- قوله: (وعن شداد بن أوس) تقدم ترجمته (والصنابحى) عطف على شداد، وهذا يدل على أن الراوي، وهو أبوالأشعث الصنعاني، روى القصة عن شداد والصنابحى، وفيه نظر، فإن الرواية في مسند الإمام أحمد هكذا قال عبد الله حدثني أبي ثنا هيثم بن خارجة ثنا إسماعيل بن عياش عن راشد بن داود الصنعاني عن أبي الأشعث الصنعاني أنه راح إلى مسجد دمشق وهجر بالرواح فلقي شداد بن أوس والصنابحى معه فقلت أين تريد أن يرحمكما الله قالا نريد ههنا إلى أخ لنا مريض نعوده فانطلقت معهما حتى دخلا على ذلك الرجل فقالا له كيف أصبحت إلخ والظاهر أن هذا التقصير إنما وقع من اختصار المصنف وكان الأولى أن يذكر الرواية من قوله: عن أبي الأشعث الصنعاني أنه راح إلخ كما صنع الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢ص٣٠٣) والمنذري في الترغيب (ج٤ص٩٠) والصنابحى هذا هو عبد الرحمن بن عسيلة بمهملة مصغرا المرادي أبوعبد الله الصنابحى بضم الصاد المهملة وتخفيف النون والباء الموحدة المكسورة والحاء المهملة نسبة إلى صنابح بن زاهر بطن من مراد ثقة من كبار التابعين قدم المدينة بعد موت النبي ﷺ بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك بن مروان روى عن النبي ﷺ مرسلاً وعن أبي بكر وعمر وعلي وبلال وسعد بن عبادة وعمرو بن عبسة وشداد بن أوس

стр. 2235

أنهما دخلا على رجل مريض يعودانه، فقالا له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بنعمة، قال شداد: أبشر بكفارات السيئات، وحط الخطايا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله عزوجل يقول: إذا أنا ابتليت عبداً من عبادي مؤمناً، فحمدني على ما ابتليته، فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول رب ﵎: أنا قيدت عبدي وابتليته، فأجروا له ما كنتم تجرون له وهو صحيح)) . رواه أحمد. ١٥٩٤- (٥٩) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها من العمل، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه)) ــ وغيرهم، وروى عنه أسلم مولى عمر ومحمود بن لبيد الأنصاري وجماعة (أنهما دخلا على رجل مريض يعودانه فقالا له كيف أصبحت) استدل به على أن العيادة في أول النهار أفضل (أصبحت بنعمة) أي مصحوباً بنعمة عظيمة وهي نعمة الرضا والتسليم للقضاء (أبشر) أمر من الابشار، ويجوز أن يكون من باب ضرب وسمع (بكفارات السيئات) أي المعاصي (وحط الخطايا) أي وضع التقصيرات في الطاعات والعبادات (مؤمناً) نعت أو حال (فحمدني على ما ابتليته) أي به من مرض أو وجع (فإنه يقوم من مضجعه) أي مرقده (ذلك) أي الذي هو فيه، والمراد من مرضه سمي باسم ملازمه غالباً وهو متجرد باطناً عن ذنوبه (كيوم ولدته أمه) بفتح الميم، وفي نسخة بالجر أي كتجرده ظاهراً في وقت ولدته أمه من الخطايا (أنا قيدت عبدي) أي حبسته بالمرض (وابتليته) أي امتحنته ليظهر منه الشكر أو الكفر (فاجروا له) أمر من الإجراء (ما كنتم تجرون له) أي من كتابة الأعمال، وفي المسند كما كنتم تجرون له، وكذا نقله الهيثمي، والمنذري (وهو صحيح) حال (رواه أحمد) (ج٤ص١٢٣) وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير والأوسط كلاهما من رواية إسماعيل بن عياش عن راشد ابن داود الصنعاني، وهو ضعيف في غير الشاميين، وهذا الحديث قد رواه عن راشد الصنعاني صنعاء دمشق الشام فهو من أحاديثه المستقيمة. قال المنذري: وله شواهد كثيرة. ١٥٩٤- قوله: (إذا كثرت ذنوب العبد) أي الإنسان المسلم (ما يكفرها من العمل) أي الصالح لفقده أو لقلته (ابتلاه الله بالحزن) أي بأسبابه وهو بضم فسكون وبفتحتين (ليكفرها) أي الذنوب (عنه) أي عن

стр. 2236

رواه أحمد. ١٥٩٥- (٦٠) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عاد مريضاً لم يزل يخوض الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس اغتمس فيها)) رواه مالك، وأحمد. ١٥٩٦- (٦١) وعن ثوبان، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا أصاب أحدكم الحمى، فإن الحمى قطعة من النار، فليطفئها عنه بالماء، فليستنقع في نهر جار ــ العبد بسبب الحزن (رواه أحمد) قال الهيثمي: وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. وقال المنذري: رواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم. ١٥٩٥ – قوله: (لم يزل يخوض الرحمة) أي يدخل فيها من حين يخرج من بيته بنية العيادة (حتى يجلس) أي عنده (اغتمس فيها) أي غاص فيها وغطس، وفي رواية البخاري في الأدب المفرد: استقر فيها. قال الطيبي: شبه الرحمة بالماء إما في الطهارة أو في الشيوع والشمول ثم نسب إليها ما هو منسوب إلى المشبه به من الخوض ثم عقب الاستعارة بالانغماس ترشيحاً (رواه مالك) أي في كتاب الجامع من الموطأ بلاغاً ففيه "مالك أنه بلغه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: إذا عاد الرجل المريض خاض في الرحمة حتى إذا قعد عنده قرت فيه أو نحو هذا" (وأحمد) أي مسنداً. قال الزرقاني: برجال الصحيح، وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد، وقاسم بن أصبغ والبزار وابن حبان في صحيحه والحاكم (ج١ص٣٥٠) وصححه البيهقي (ج٣ص٣٨٠) قال الهيثمي والمنذري: رجال أحمد رجال الصحيح، وفي الباب عن أنس وأبي هريرة وكعب بن مالك وعمرو بن حزم وأبي أمامة وابن عباس وصفوان بن عسال وأبي الدرداء ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢ص٢٩٧- ٢٩٨) والمنذري في الترغيب. ١٥٩٦- قوله: (إذا أصاب أحدكم الحمى) أي أخذته (فإن الحمى قطعة من النار) أي لشدة ما يلقي المريض فيها من الحرارة الظاهرة والباطنة، وفي حديث رافع بن خديج عند الشيخين: الحمى من فيح جهنم. وسيأتي الكلام عليه في الطب. وقال الطيبي: جواب إذا فليعلم أنها كذلك (فليطفئها عنه بالماء) أي البارد قال ويحتمل أن يكون الجواب فليطفئها وقوله. فإن الحمى معترضة قالوا هذا خاص ببعض أنواع الحمى الحادثة من الحرارة التي يعتادها أهل الحجاز ولما كان بيانه ﷺ لعلاج الأمراض البدنية تبعاً لم يستفض في تعميم أنواعها واقتصر على علاج ما هو أعم وأغلب وقوعها (فليستنقع في نهر جار) بيان للإطفاء. قال في القاموس:

стр. 2237

- وليستقبل جريته، فيقول: بسم الله، اللهم أشف عبدك، وصدق رسولك ـ بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، وليغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ في ثلاث فخمس، فإن لم يبرأ في خمس فسبع، فإن لم يبرأ في سبع فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعاً بإذن الله عزوجل)) ــ استنقع في الغدير نزل واغتسل ثبت فيه ليتبرد (وليستقبل جريته) بكسر الجيم. قال الطيبي: يقال: ما أشد جرية هذا الماء بالكسر، وهو مصدر بمعنى السيلان كالجري والجريان يقال نهر سريع الجرية (فيقول) أي حال الاستقبال (وصدق رسولك) أي اجعل قوله هذا صادقاً بأن تشفيني، ذكره الطيبي (بعد صلاة الصبح) ظرف ليستنقع، وكذا قوله قبل طلوع الشمس (وليغمس) بفتح الياء وكسر الميم (فيه) أي في النهر أو في ماءه (ثلاث غمسات) بفتحتين (ثلاثة أيام) قال الطيبي: قوله وليغمس بيان لقوله فليستنقع جيء به لتعلق المرات (فإن لم يبرأ) بفتح الراء (في ثلاث) أي ثلاث غمسات أو في ثلاثة أيام (فخمس) بالرفع. قال الطيبي: أي فالأيام التي ينبغي أن ينغمس فيها أو فالمرات (فسبع) بالرفع كما تقدم آنفاً (فتسع) كذلك (فإنها) أي الحمى (لا تكاد) أي تقرب (تجاوز تسعاً) أي بعد هذا العمل (بإذن الله) أي بإرادته أو بأمره لها بالذهاب وعدم العود. قال ابن القيم في زاد المعاد في بحث علاج الحمى بالماء بعد ذكر حديث ابن عمر بلفظ: إنما الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء. ما لفظه خطابه ﷺ في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز وما والاهم إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى العرضية الحادثة عن شدة حرارة الشمس وهذه ينفعها الماء البارد شرباً واغتسالاً إلخ. وقال بعد تقسيم الحمى إلى عرضية ومرضية، فيجوز أن يكون مراد الحديث من أقسام الحميات العرضية (وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس أو القيظ الشديد ونحو ذلك) فإنها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد وسقي الماء البارد المثلوج ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر فإنها مجرد كيفية حادة متعلقة بالروح فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة تسكنها وتخمد لهبها من غير حاجة إلى استفراغ مادة أو انتظار نضج، ويجوز أن يراد به جميع أنواع الحميات وقد اعترف جالينوس بأن الماء البارد ينفع فيها، قال في كتاب حيلة البرء: ولو أن رجلاً شاباً حسن اللحم خصب البدن في وقت القيظ وفي وقت منتهى الحمى وليس في احشاءه ورم استحم بماء بارد أو سبح فيه لا تنفع بذلك قال ونحن نأمر بذلك بلا توقف. وقال الرازي في كتابة الكبير: إذا كانت القوي قوية والحمى حادة جداً والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق ينفع الماء البارد شرباً وإن كان العليل خصب البدن والزمان حار وكان معتاد الاستعمال الماء البارد من خارج فليؤذن له فيه- انتهى. وقد نزل ابن القيم حديث ثوبان على هذه القيود فقال بعد ذكره: وهذه الصفة تنفع في فصل الصيف

стр. 2238

رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. ١٥٩٧ - (٦٢) وعن أبي هريرة، قال: ذكرت الحمى عند رسول الله ﷺ ، فسبها رجل، فقال النبي ﷺ : ((لا تسبها فإنها تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد)) . رواه ابن ماجه. ١٥٩٨- (٦٣) وعنه، قال: إن رسول الله ﷺ عاد مريضاً فقال: ((أبشر فإن الله تعالى يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن ــ في البلاد الحارة على الشرائط التي تقدمت (أي الحمى العرضية أو الغب الخالصة التي لا ورم معها ولا شيء من الأعراض الرديئة والمواد الفاسدة) فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لعبده عن ملاقاة الشمس ووفور القوى في ذلك الوقت لكونه عقب النوم والسكون وبرد الهواء قال والأيام التي أشار إليها هي التي يقع فيها بحران الأمراض الحادة غالباً ولاسيما في البلاد الحارة- انتهى. ويأتي مزيد الكلام عليه في كتاب الطب إنشاء الله تعالى (رواه الترمذي) في الطب وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص٢٨١) وابن السني (ص١٨٢) كلهم من رواية سعيد بن زرعة الشامي الحمصى، الجرار الخزاف عن ثوبان. قال الحافظ في التقريب في ترجمة سعيد أنه مستور، وقال في الفتح: وفي سنده سعيد بن زرعة، مختلف فيه. وقال في تهذيب التهذيب: قال أبوحاتم مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات. ١٥٩٧- قوله: (ذكرت الحمى) على صيغة المجهول أي وصفت شدتها (لا تسبها) بفتح الباء (تنفي الذنوب) من النفي أي تزيل وهو أبلغ من تمحو (كما تنفي النار خبث الحديد) كناية عن المبالغة في تمحيصها من الذنوب وخبث الحديد بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة هو ما تلقيه النار من وسخه إذا أذيب، والمعنى أن الحمى من هذه الحيثية توجب الصبر والشكر لا السب (رواه ابن ماجه) في الطب. قال البوصيري في الزوائد: وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف- انتهى. ويؤيده ما تقدم من حدث جابر في الفصل الأول في نهيه ﷺ أم السائب عن سب الحمى وقد جاء في معناه أحاديث أخرى. ١٥٩٨- قوله: (إن رسول الله ﷺ عاد مريضاً) وبعده في ابن ماجه وغيره من وعك كان به ومعه أبوهريرة (هي) أي الحمى كما يفيده السباق والسياق (ناري أسلطها على عبدي المؤمن) قال الطيبي: في إضافة النار إشارة إلى أنها لطف ورحمة منه ولذلك صرح بقوله عبدي، ووصفه بالمؤمن وقوله أسلطها خبر بعد خبر أو

стр. 2239

في الدنيا لتكون حظه من النار يوم القيامة)) رواه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي في شعب الإيمان. ١٥٩٩ - (٦٤) وعن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الرب يقول: وعزتي وجلالي لا أخرج أحداً من الدنيا أريد أغفر له، حتى استوفي كل خطيئة في عنقه بسقم في بدنه، وإقتار في رزقه)) رواه رزين. ــ استئناف (في الدنيا) متعلق بأسلطها (لتكون) أي الحمى (حظه) أي نصيبه بدلاً (من النار) مما اقترف من الذنوب، ويحتمل أنها نصيب من الحتم المقضي في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١] قال الطيبي: والأول هو الظاهر، وقيل: المعنى أن الحمى تسهل عليه الورود حتى لا يشعر به ولا يحس (يوم القيامة) وعند ابن ماجة وابن السني والحاكم "في الآخرة" (رواه أحمد) (وابن ماجه) في الطب (والبيهقي) وأخرجه أيضاً ابن السني (ص١٧٣) والحاكم (ج١ص٣٤٥) وصححه ووافقه الذهبي، وفي الباب عن أبي ريحانة عند ابن أبي الدنيا والطبراني وعن أبي أمامة عند أحمد بإسناد لا بأس به، وعن عائشة عند البزار بإسناد حسن، وعن أنس عند الطبراني في الأوسط ذكرهم المنذري في الترغيب (ج٤ص٩٤) والهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢ص٣٠٦) والسيوطي في الجامع الصغير، وعلى المتقي في الكنز (ج٢ص٦٦) . ١٥٩٩- قوله: (وعزتي) أي غلبتي وقوتي (وجلالي) أي عظمتي وقدرتي (أريد أغفر له) قال القاري بالرفع. وفي نسخة بالنصب. قال الطيبي: أي أريد أن أغفر فحذف أن والجملة إما حال من فاعل أخرج أو صفة للمفعول، وفي جامع الأصول (ج١٠ص٣٥٨) نقلاً عن رزين أريد أن أغفر له (حتى استوفي) يقال استوفى حقه أي أخذه تاماً وافياً (كل خطيئة) أي جزاء كل سيئة اقترفها وكنى عنه بقوله (في عنقه) بضمتين في ذمته حيث لم يتب عنها أي كل خطيئة باقية (بسقم) بفتحتين وضم وسكون متعلق باستوفي، والباء سببية فلا تحتاج إلى تضمين استبدل كما اختاره ابن حجر (في بدنه) إشارة على سلامة دينه (وإقتار) أي تضييق (في رزقه) أي نفقته. قال ميرك: الإقتار التضييق على الإنسان في الرزق يقال اقتر الله رزقه أي ضيقه وقلله وقد اقتر الرجل فهو مقتر وقتر فهو قتور، كذا في الطيبي، فعلى هذا الإقتار مستعمل في جزء معناه على سبيل التجريد (رواه رزين) أي ابن معاوية العبدري السرقسطي، والحديث أورده المنذري في الترغيب، وقال ذكره رزين (يعني في كتاب التجريد الذي جمع فيه ما في الصحاح الخمسة والموطأ) ولم أره. وقال ميرك: لم أره في الأصول - انتهى. فلا يعرف حال إسناده لكنه يؤيده ما في هذا الباب من الأحاديث في كون المصائب والبلايا كفارة للسيئات.

стр. 2240

١٦٠٠- (٦٥) وعن شقيق، قال: مرض عبد الله بن مسعود، فعدناه، فجعل يبكي، فعوتب، فقال: إني لا أبكي لأجل المرض، لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((المرض كفارة، وإنما أبكي أنه أصابني على حال فترة، ولم يصبني في حال اجتهاد، لأنه يكتب للعبد من الأجر إذا مرض ما كان يكتب له قبل أن يمرض فمنعه منه المرض)) . رواه رزين. ١٦٠١- (٦٦) وعن أنس، قال: ((كان النبي ﷺ لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث)) ــ ١٦٠٠- قوله: (وعن شقيق) أي ابن أبي سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي تقدم ترجمته (فعوتب) أي في البكاء فإنه مشعر بالجزع من المرض، وهو ليس من أخلاق الأكابر (وإنما أبكي أنه) أي لأجل أنه (أصابني) أي المرض (على حال فترة) أي على حال فتور وضعف في الجسم من الكبر لا أقدر على عمل كثير. وقال القاري: على حال فترة أي ضعف في العبادة (ولم يصبني في حال اجتهاد) أي في الطاعة البدنية فلو وقعت الإصابة حال الاجتهاد في العبادة والقوة في الجسم لكانت سبباً للزيادة (لأنه) أي الشأن (يكتب للعبد) المؤمن (من الأجر إذا مرض ما كان) أي مثل جميع ما كان من الأعمال (يكتب له قبل أن يمرض) بفتح الياء والراء (فمنعه منه المرض) أي لا مانع آخر من الشغل والكبر (رواه رزين) لم أقف على هذا الأثر في شيء من الأصول، ويؤيده ما تقدم من حديث شداد بن أوس عند أحمد، وحديث عبد الله بن عمرو وأنس عند البغوي في الفصل الثاني، وحديث أبي موسى عند البخاري في الفصل الأول. ١٦٠١- قوله: (كان النبي ﷺ لا يعود مريضاً إلا بعد ثلاث) قال الشوكاني: هذا يدل على أن عيادة المريض إنما تشرع بعد مضي ثلاثة أيام من ابتداء مرضه فتقيد به مطلقات الأحاديث الواردة في العيادة ولكنه غير صحيح أو حسن (كما ستعرف) فلا يصلح لذلك- انتهى. قلت: ذهب الجمهور إلى أن العيادة لا تتقيد بزمان يمضي من ابتداء مرضه بل هي سنة من أول المرض لإطلاق قوله ﷺ عودوا المريض، وجزم الغزالي في الأحياء بأنه لا يعاد إلى بعد مضي ثلاث ليال، مستند الحديث أنس، وتعقب بأنه ضعيف جداً لأنه تفرد به مسلمة ابن علي الخشني، وهو متروك، وقد سئل عنه أبوحاتم فقال: هو حديث باطل وله شاهد من حديث أبي هريرة عند الطبراني في الأوسط مرفوعاً لا يعاد المريض إلا بعد ثلاث، وفيه نصر بن حماد، وهو متروك أيضاً. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: لعل حديث أنس إن صح يحمل على أنه لتحقق مرضه أي يؤخر حتى يتحقق عنده أنه مرض. وقال القاري: يمكن حمل الحديث على أنه ما كان يسأل عن أحوال من يغيب عنه إلا بعد ثلاث فبعد العلم بها

стр. 2241

رواه ابن ماجه، والبيهقي في شعب الإيمان. ١٦٠٢ - (٦٧) وعن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخلت على مريض فمره يدعوا لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة)) رواه ابن ماجه. ١٦٠٣- (٦٨) وعن ابن عباس، قال: من السنة تخفيف الجلوس ــ كان يعود. قلت: ويؤيد هذا ما رواه أبويعلى عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائباً دعا له وإن كان شاهداً زاره وإن كان مريضاً عاده- الحديث. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: فيه عباد بن كثير وكان رجلاً صالحاً، ولكنه ضعيف الحديث متروك لغفلته- انتهى. (رواه ابن ماجه) في الجنائز (والبيهقي) وفي سنده عندهما مسلمة بن علي الخشني. قال البخاري وأبوحاتم وأبوزرعة: منكر الحديث. وقال النسائي والدارقطني والبرقاني: متروك الحديث. قال الحافظ: ومن منكراته عن ابن جريج عن حميد عن أنس أن النبي ﷺ كان لا يعود مريضاً إلا بعد ثلاثة أيام- انتهى. وقال السخاوي في المقاصد: عيادة المريض بعد ثلاث، له طرق ضعاف يتقوى بعضها ببعض، ولهذا أخذ بمضمونها جماعة كالنعمان ابن أبي عياش الزرقي من فضلاء أبناء الصحابة فقال عيادة المريض بعد ثلاث، والأعمش ولفظه: كنا نقعد في المجالس فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيام سألنا عنه فإن كان مريضاً عدناه، وهذا يشعر بعدم انفراده، كذا قال ولا يخفى ما فيه. ١٦٠٢- قوله: (فمره يدعوا لك) أي التمس منه الدعاء. قال المناوي: قوله يدعو لك مفعول بإضمار "أن" أي مره بأن يدعو لك، قال الطيبي أي مره يدعو لك لأنه خرج عن الذنوب (فإن دعاءه كدعاء الملائكة) أي في قرب الاستجابة. وقال الطيبي: إنما يؤمر بالدعاء حينئذ، لأنه نقي من الذنوب كيوم ولدته أمه وصار معصوماً كالملائكة ودعاء المعصوم مقبول. وقال العلقمي: في الحديث استحباب طلب الدعاء من المريض، لأنه مضطر ودعاءه أسرع إجابة من غيره، ففي السنة أقرب الدعاء إلى الله إجابة دعوة المضطر (رواه ابن ماجه) في الجنائز وأخرجه أيضاً ابن السني في اليوم والليلة (١٧٨) قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع. قال العلائي في المراسيل والمزي في رواية ميمون بن مهران عن عمر ثلمة- انتهى. وقال النووي في الأذكار: ميمون لم يدرك عمر. وقال المنذري رواته ثقات مشهورون إلا أن ابن ميمون بن مهران لم يسمع من عمر- انتهى. وفي الباب عن أنس عند الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الرحمن بن قيس الضبي، وهو متروك الحديث. ١٦٠٣- قوله: (من السنة تخفيف الجلوس) هذا مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور، لأن مطلق

стр. 2242

وقلة الصخب في العيادة عند المريض، قال: وقال رسول الله ﷺ لما كثر لغطهم واختلافهم: ((قوموا عني)) . رواه رزين. ــ ذلك ينصرف بظاهره إلى من جب إتباع سنته وهو رسول الله ﷺ وأيضاً فالسنة في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته ﵇ في الشريعة (وقله الصخب) بفتحتين ويسكن الثاني أي رفع الصوت (في العيادة عند المريض) قال الطيبي: اضطراب الأصوات للخصام منهي من أصله لاسيما عند المريض فالقلة بمعنى العدم، وفيه دليل على أن الأدب في العيادة أن لا يطيل العائد الجلوس عند المريض حتى يضجره وأن لا يتكلم عنده بما يزعجه (قال) أي ابن عباس. قال القاري: كذا في أصل العفيف، وفي أكثر النسخ ليس بموجود. قلت: هو موجود في جامع الأصول (ج٧ص٤٠٤) (وقال رسول الله ﷺ لما كثر لغطهم) قال في النهاية: اللغط صوت وضجة لا يفهم معناه (واختلافهم قوموا عني) قال الطيبي: وكان ذلك عند وفاته روى ابن عباس أنه لما احتضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي ﷺ هلموا اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده فقال ـ عمر وفي رواية فقال بعضهم ـ رسول الله قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ ، ومنهم من يقول غير ذلك فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله ﷺ قوموا عني. متفق عليه. ويأتي هذا الحديث مطولاً في باب وفاة النبي ﷺ . قال ابن حجر: وكأنه ﵊ لما أراد الكتابة فوقع الخلاف ظهر له أن المصلحة في عدمها فتركها اختياراً منه كيف وهو ﵊ لو صمم على شيء لم يكن لأحد عمر أو غيره أن ينطق ببنت شفة ولقد بقي حياً بعد هذه القضية نحو ثلاثة أيام ليس عنده عمر ولا غيره بل أهل البيت كعلي والعباس فلو رأى المصلحة في الكتابة بالخلافة أو غيرها لفعل على أنه اكتفى في الخلافة بما كاد أن يكون نصاً جلياً، وهو تقديم أبي بكر ﵁ للإمامة بالناس أيام مرضه ومن ثم قال علي ﵁ لما خطب لمبايعة أبي بكر على رؤس الأشهاد رضية رسول الله ﷺ أرسل إليه أن صل بالناس وأنا جالس عنده ينظرني ويبصر مكاني، ونسبة علي ﵁ فارس الإسلام على التقية جهل بعظم مكانته- انتهى. (رواه رزين) لم أره في الأصول والله اعلم بحال إسناده، ويؤيده ما روى عن علي بن عمر بن علي عن أبيه عن جده رفعه قال أعظم العيادة أجراً أخفها والتعزية مرة. رواه البزار، وقال: أحسب ابن أبي فديك لم يسمع من علي، كذا في مجمع الزوائد (ج٢ص٢٩٦) .

стр. 2243

١٦٠٤- (٦٩) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العيادة فواق ناقة)) ١٦٠٥- (٧٠) وفي رواية سعيد بن المسيب، مرسلاً، أفضل العيادة سرعة القيام. رواه البيهقي في شعب الإيمان. ١٦٠٦- (٧١) وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ عاد رجلاً، فقال له: ((ما تشتهي؟ قال أشتهي خبز بر، قال النبي ﷺ : من كان عنده خبز بر فليبعث إلى أخيه، ثم قال النبي ﷺ : إذا اشتهى مريض أحدكم شيئاً ــ ١٦٠٤- قوله: (العيادة فواق ناقة) بفتح الفاء وضمها وبالرفع. قال القاري: وفي نسخة بالنصب خبر المبتدأ أي أفضل زمان العيادة مقدار فواقها، وهو قدر ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب يقال ما أقام عنده إلا فواقاً، وقبل هو ما بين فتح يد الحالب وقبضها على الضرع، والذي ذكره الجوهري في الصحاح الأول أعني الزمن الذي بين حلبتي الناقة فإنها إذا حلبت وشح لبنها أطلق ولدها ليرضعها ليدر اللبن ثم تحلب ثانياً. ١٦٠٥- قوله: (وفي رواية سعيد بن المسيب مرسلاً) أي بحسب الصحابي، وإسناد الحديث إلى النبي ﷺ (أفضل العيادة سرعة القيام) قال الطيبي أي أفضل ما يفعله العائد في العيادة أن يقوم سريعاً. قال ميرك: والأظهر أن يقال أفضل العيادة عيادة فيها سرعة القيام هذا ويستثنى منه ما إذا ظن أن المريض يؤثر التطويل لنحو صداقة أو تبرك أو قيام بما يصلحه ونحو ذلك (رواه) أي ما ذكر من الحديثين الموصول والمرسل (البيهقي في شعب الإيمان) ولم أقف على سنده. ١٦٠٦- قوله: (ما تشتهي) فيه أنه ينبغي سؤال المريض عن أحواله وعما يحتاج إليه (من كان عنده خبز برّ فليبعث) أي به (إلى أخيه) فيه أنه ينبغي إيثار المريض والمحتاج على نفسه وعياله فيخص به ما جاء من حديث ابدأ بنفسك إلا أن يقال المراد من كان عنده خبز بر زائد على قوته وقوت عياله (إذا اشتهى مريض أحدكم شيئاً) أي غير مخالف لمرضه، ويحتمل أن المراد ولو مخالفاً وكثيراً ما يجعل الله شفاءه فيما يشتهى وإن كان مخالفاً ظاهراً، قاله السندي. وقال في اللمعات: قوله إذا اشتهى مريض أحدكم أي اشتهاء صادقاً، فإنه علامة الصحة وقد لا يضر لبعض المرضى الأكل مما يشتهي إذا كان قليلاً ويقوي الطبيعة ويفضي إلى الصحة ولكن فيما لا يكون ضرره غالباً، وبالجملة ليس هذا الحكم كلياً بل جزئيا. وقال الطيبي: مبني على التوكل وأنه هو الشافي

стр. 2244

فليطعمه)) . رواه ابن ماجه. ١٦٠٧ - (٧٢) وعن عبد الله بن عمرو، قال: توفي رجل بالمدينة ممن ولد بها، فصلى عليه النبي ﷺ ، فقال: ((يا ليته مات بغير مولده، قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره ــ أو على اليأس من حياته لكونه قد شارف الموت. وقيل في الحديث حكمة لطيفة، وهي أن المريض إذا تناول ما يشتهيه وإن كان يضر قليلاً كان أنفع أو أقل ضرراً مما لا يشتهيه وإن كان نافعاً لاسيما إن كان ما يشتهيه غداء بلاغاً كالخبر والكعك فينبغي للطبيب الكيس أن يجعل شهوة المريض من جملة أدلته على الطبيعة وما يهتدي به إلى طريق علاجه (فليعمه) من الإطعام. قال المناوي: أي ما اشتهاه ندباً لأن المريض إذا تناول ما اشتهاه عن شهوة صادقة طبيعية وإن كان فيه ضرر ما فهو أنفع له مما لا يشتهيه وإن كان نافعاً لكن لا يطعم إلا قليلاً بحيث تنكسر حدة شهوته. قال بقراط: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع ووجود الشهوة في المريض علامة جيدة عند الأطباء. قال ابن سينا: مريض يشتهي أحب إلى من صحيح لا يشتهي، وأرجع لمزيد الكلام إلى زاد المعاد (ج٢:ص٩٠-٩١) (رواه ابن ماجه) في الجنائز، وفي الطب، وفي إسناده صفوان بن هبيرة العيشى. قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته: قال أبوحاتم شيخ، وروى له ابن ماجه حديثاً واحداً في الطب. وقال العقيلي لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به، وذكر البوصيري في الزوائد أن ابن حبان ذكره في الثقات. وقال الحافظ في التقريب. أنه لين الحديث، وفي الباب عن أنس قال دخل النبي ﷺ على مريض يعوده فقال أتشتهي شيئاً أتشتهي كعكاً قال نعم فطلبوا له. أخرجه ابن ماجه وابن السني، وفي سنده يزيد بن أبان الرقاشي، قال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي. ١٦٠٧- قوله: (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (توفي رجل) أي مات (ممن ولد بها) أي بالمدينة (يا ليته مات بغير مولده) لعله ﷺ لم يرو بذلك ياليته مات بغير المدينة بل أراد ياليته كان غريباً مهاجراً بالمدينة ومات بها فإن الموت في غير مولده فيمن مات بالمدينة كما يتصور بأن يولد في المدينة ويموت في غيرها كذلك يتصور بأن يولد في غير المدينة ويموت بها فليكن التمني راجعاً إلى هذا الشق حتى لا يخالف الحديث حديث فضل الموت بالمدينة المنورة (أن الرجل) يعني الإنسان (إذا مات بغير مولده) أي بغير المحل الذي ولد فيه بأن مات غريباً سواء كان في سفر أو في إقامة بغير وطنه (قيس له) أي أمر الله الملائكة أن تقيس له أي تذرع له (من مولده إلى منقطع) بفتح الطاء (أثره) أي إلى موضع قطع أجله، فالمراد بالأثر الأجل، لأنه يتبع العمر

стр. 2245

في الجنة)) . رواه النسائي، وابن ماجه. ١٦٠٨ - (٧٣) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((موت غربة شهادة)) رواه ابن ماجه. ــ قال زهير- والمرأ ما عاش ممدود له أجل- لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر. ذكره الطيبي. ويحتمل أن يكون المراد إلى موضع انقطع فيه سفره وانتهى إليه فمات فيه يعني إلى منتهي سفره ومشيه فالمراد أثر أقدامه (في الجنة) متعلق بقيس، وظاهره أنه يعطي له في الجنة هذا القدر لأجل موته غريباً يعني بفسح له في الجنة بقدر مسافة ما بين مولده ومنتهى سفره، وقيل هذا ليس بمراد فإن هذا القدر من المكان لا اعتبار له في جنب سعة الجنة إلا أن يقال المراد يعطي ثواب عمل عمله في مثل هذه المسافة. وقيل: منقطع أثره هو قبره، وفي الجنة متعلق بمحذوف، والمعنى يفسح له في قبره قدر ما بين مولده وبين قبره ويفتح له باب إلى الجنة ودلالة اللفظ على هذا المعنى خفية (رواه النسائي وابن ماجه) في الجنائز وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه. ١٦٠٨- قوله: (موت غربة) بضم الغين مصدر غريب بفتح الراء يغرب بضمها أي نزح عن وطنه، فالمراد بالغربة غربة بالجسم (شهادة) أي في حكم الآخرة، وهذا إذا لم يكن الغريب عاصياً بغربته، وفي الحديث دليل على فضيلة موت الغربة (رواه ابن ماجه) في الجنائز من رواية الهذيل بن الحكم الأزدي عن عبد العزيز بن أبي رواد عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه أيضاً البيهقي في الشعب من هذا الطريق وقال أشار البخاري إلى تفرد الهذيل به، وهو منكر الحديث، قال وروينا من حديث إبراهيم بن بكر الكوفي عن عبد العزيز بن أبي رواد وزعم ابن عدي أنه سرقه من الهذيل- انتهى كلام البيهقي. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: قال السيوطي أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات من وجه آخر عن عبد العزيز ولم يصب في ذلك، وقد سقت له طرقاً كثيرة في اللآلي المصنوعة. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: إسناد ابن ماجه ضعيف، لأن الهذيل منكر الحديث، وذكر الدارقطني في العلل الخلاف فيه على الهذيل وصحح قول من قال عن الهذيل عن عبد العزيز عن نافع عن ابن عمر واغتر عبد الحق بهذا وادعى أن الدارقطني صححه من حديث ابن عمر وتعقبه ابن القطان فأجاد وفي الزوائد هذا إسناد فيه الهذيل بن الحكم قال فيه البخاري منكر الحديث. وقال ابن عدي: لا يقيم الحديث. وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً. وقال ابن معين: هذا الحديث منكر ليس بشيء وقد كتبت عن الهذيل ولم يكن به بأس -انتهى. وقال المنذري في الترغيب: قد جاء في أن الموت الغريب شهادة جملة من الأحاديث لا يبلغ شيء منها درجة الحسن فيما أعلم - انتهى. وقد أطال الحافظ الكلام على طرق هذا الحديث في التلخيص (ص١٦٩) فعليك أن ترجع إليه.
следующие страницы →