Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
رواه ابن ماجه، والبيهقي في شعب الإيمان.
١٦٠٢ - (٦٧) وعن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخلت على مريض فمره يدعوا لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة)) رواه ابن ماجه.
١٦٠٣- (٦٨) وعن ابن عباس، قال: من السنة تخفيف الجلوس
ــ
كان يعود. قلت: ويؤيد هذا ما رواه أبويعلى عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائباً دعا له وإن كان شاهداً زاره وإن كان مريضاً عاده- الحديث. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: فيه عباد بن كثير وكان رجلاً صالحاً، ولكنه ضعيف الحديث متروك لغفلته- انتهى. (رواه ابن ماجه) في الجنائز (والبيهقي) وفي سنده عندهما مسلمة بن علي الخشني. قال البخاري وأبوحاتم وأبوزرعة: منكر الحديث. وقال النسائي والدارقطني والبرقاني: متروك الحديث. قال الحافظ: ومن منكراته عن ابن جريج عن حميد عن أنس أن النبي ﷺ كان لا يعود مريضاً إلا بعد ثلاثة أيام- انتهى. وقال السخاوي في المقاصد: عيادة المريض بعد ثلاث، له طرق ضعاف يتقوى بعضها ببعض، ولهذا أخذ بمضمونها جماعة كالنعمان ابن أبي عياش الزرقي من فضلاء أبناء الصحابة فقال عيادة المريض بعد ثلاث، والأعمش ولفظه: كنا نقعد في المجالس فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيام سألنا عنه فإن كان مريضاً عدناه، وهذا يشعر بعدم انفراده، كذا قال ولا يخفى ما فيه.
١٦٠٢- قوله: (فمره يدعوا لك) أي التمس منه الدعاء. قال المناوي: قوله يدعو لك مفعول بإضمار "أن" أي مره بأن يدعو لك، قال الطيبي أي مره يدعو لك لأنه خرج عن الذنوب (فإن دعاءه كدعاء الملائكة) أي في قرب الاستجابة. وقال الطيبي: إنما يؤمر بالدعاء حينئذ، لأنه نقي من الذنوب كيوم ولدته أمه وصار معصوماً كالملائكة ودعاء المعصوم مقبول. وقال العلقمي: في الحديث استحباب طلب الدعاء من المريض، لأنه مضطر ودعاءه أسرع إجابة من غيره، ففي السنة أقرب الدعاء إلى الله إجابة دعوة المضطر (رواه ابن ماجه) في الجنائز وأخرجه أيضاً ابن السني في اليوم والليلة (١٧٨) قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع. قال العلائي في المراسيل والمزي في رواية ميمون بن مهران عن عمر ثلمة- انتهى. وقال النووي في الأذكار: ميمون لم يدرك عمر. وقال المنذري رواته ثقات مشهورون إلا أن ابن ميمون بن مهران لم يسمع من عمر- انتهى. وفي الباب عن أنس عند الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الرحمن بن قيس الضبي، وهو متروك الحديث.
١٦٠٣- قوله: (من السنة تخفيف الجلوس) هذا مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور، لأن مطلق
стр. 2242
وقلة الصخب في العيادة عند المريض، قال: وقال رسول الله ﷺ لما كثر لغطهم واختلافهم: ((قوموا عني)) . رواه رزين.
ــ
ذلك ينصرف بظاهره إلى من جب إتباع سنته وهو رسول الله ﷺ وأيضاً فالسنة في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته ﵇ في الشريعة (وقله الصخب) بفتحتين ويسكن الثاني أي رفع الصوت (في العيادة عند المريض) قال الطيبي: اضطراب الأصوات للخصام منهي من أصله لاسيما عند المريض فالقلة بمعنى العدم، وفيه دليل على أن الأدب في العيادة أن لا يطيل العائد الجلوس عند المريض حتى يضجره وأن لا يتكلم عنده بما يزعجه (قال) أي ابن عباس. قال القاري: كذا في أصل العفيف، وفي أكثر النسخ ليس بموجود. قلت: هو موجود في جامع الأصول (ج٧ص٤٠٤) (وقال رسول الله ﷺ لما كثر لغطهم) قال في النهاية: اللغط صوت وضجة لا يفهم معناه (واختلافهم قوموا عني) قال الطيبي: وكان ذلك عند وفاته روى ابن عباس أنه لما احتضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي ﷺ هلموا اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده فقال ـ عمر وفي رواية فقال بعضهم ـ رسول الله قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ ، ومنهم من يقول غير ذلك فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله ﷺ قوموا عني. متفق عليه. ويأتي هذا الحديث مطولاً في باب وفاة النبي ﷺ . قال ابن حجر: وكأنه ﵊ لما أراد الكتابة فوقع الخلاف ظهر له أن المصلحة في عدمها فتركها اختياراً منه كيف وهو ﵊ لو صمم على شيء لم يكن لأحد عمر أو غيره أن ينطق ببنت شفة ولقد بقي حياً بعد هذه القضية نحو ثلاثة أيام ليس عنده عمر ولا غيره بل أهل البيت كعلي والعباس فلو رأى المصلحة في الكتابة بالخلافة أو غيرها لفعل على أنه اكتفى في الخلافة بما كاد أن يكون نصاً جلياً، وهو تقديم أبي بكر ﵁ للإمامة بالناس أيام مرضه ومن ثم قال علي ﵁ لما خطب لمبايعة أبي بكر على رؤس الأشهاد رضية رسول الله ﷺ أرسل إليه أن صل بالناس وأنا جالس عنده ينظرني ويبصر مكاني، ونسبة علي ﵁ فارس الإسلام على التقية جهل بعظم مكانته- انتهى. (رواه رزين) لم أره في الأصول والله اعلم بحال إسناده، ويؤيده ما روى عن علي بن عمر بن علي عن أبيه عن جده رفعه قال أعظم العيادة أجراً أخفها والتعزية مرة. رواه البزار، وقال: أحسب ابن أبي فديك لم يسمع من علي، كذا في مجمع الزوائد (ج٢ص٢٩٦) .
стр. 2243
١٦٠٤- (٦٩) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العيادة فواق ناقة))
١٦٠٥- (٧٠) وفي رواية سعيد بن المسيب، مرسلاً، أفضل العيادة سرعة القيام. رواه البيهقي في شعب الإيمان.
١٦٠٦- (٧١) وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ عاد رجلاً، فقال له: ((ما تشتهي؟ قال أشتهي خبز بر، قال النبي ﷺ : من كان عنده خبز بر فليبعث إلى أخيه، ثم قال النبي ﷺ : إذا اشتهى مريض أحدكم شيئاً
ــ
١٦٠٤- قوله: (العيادة فواق ناقة) بفتح الفاء وضمها وبالرفع. قال القاري: وفي نسخة بالنصب خبر المبتدأ أي أفضل زمان العيادة مقدار فواقها، وهو قدر ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب يقال ما أقام عنده إلا فواقاً، وقبل هو ما بين فتح يد الحالب وقبضها على الضرع، والذي ذكره الجوهري في الصحاح الأول أعني الزمن الذي بين حلبتي الناقة فإنها إذا حلبت وشح لبنها أطلق ولدها ليرضعها ليدر اللبن ثم تحلب ثانياً.
١٦٠٥- قوله: (وفي رواية سعيد بن المسيب مرسلاً) أي بحسب الصحابي، وإسناد الحديث إلى النبي ﷺ (أفضل العيادة سرعة القيام) قال الطيبي أي أفضل ما يفعله العائد في العيادة أن يقوم سريعاً. قال ميرك: والأظهر أن يقال أفضل العيادة عيادة فيها سرعة القيام هذا ويستثنى منه ما إذا ظن أن المريض يؤثر التطويل لنحو صداقة أو تبرك أو قيام بما يصلحه ونحو ذلك (رواه) أي ما ذكر من الحديثين الموصول والمرسل (البيهقي في شعب الإيمان) ولم أقف على سنده.
١٦٠٦- قوله: (ما تشتهي) فيه أنه ينبغي سؤال المريض عن أحواله وعما يحتاج إليه (من كان عنده خبز برّ فليبعث) أي به (إلى أخيه) فيه أنه ينبغي إيثار المريض والمحتاج على نفسه وعياله فيخص به ما جاء من حديث ابدأ بنفسك إلا أن يقال المراد من كان عنده خبز بر زائد على قوته وقوت عياله (إذا اشتهى مريض أحدكم شيئاً) أي غير مخالف لمرضه، ويحتمل أن المراد ولو مخالفاً وكثيراً ما يجعل الله شفاءه فيما يشتهى وإن كان مخالفاً ظاهراً، قاله السندي. وقال في اللمعات: قوله إذا اشتهى مريض أحدكم أي اشتهاء صادقاً، فإنه علامة الصحة وقد لا يضر لبعض المرضى الأكل مما يشتهي إذا كان قليلاً ويقوي الطبيعة ويفضي إلى الصحة ولكن فيما لا يكون ضرره غالباً، وبالجملة ليس هذا الحكم كلياً بل جزئيا. وقال الطيبي: مبني على التوكل وأنه هو الشافي
стр. 2244
فليطعمه)) . رواه ابن ماجه.
١٦٠٧ - (٧٢) وعن عبد الله بن عمرو، قال: توفي رجل بالمدينة ممن ولد بها، فصلى عليه النبي ﷺ ، فقال: ((يا ليته مات بغير مولده، قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره
ــ
أو على اليأس من حياته لكونه قد شارف الموت. وقيل في الحديث حكمة لطيفة، وهي أن المريض إذا تناول ما يشتهيه وإن كان يضر قليلاً كان أنفع أو أقل ضرراً مما لا يشتهيه وإن كان نافعاً لاسيما إن كان ما يشتهيه غداء بلاغاً كالخبر والكعك فينبغي للطبيب الكيس أن يجعل شهوة المريض من جملة أدلته على الطبيعة وما يهتدي به إلى طريق علاجه (فليعمه) من الإطعام. قال المناوي: أي ما اشتهاه ندباً لأن المريض إذا تناول ما اشتهاه عن شهوة صادقة طبيعية وإن كان فيه ضرر ما فهو أنفع له مما لا يشتهيه وإن كان نافعاً لكن لا يطعم إلا قليلاً بحيث تنكسر حدة شهوته. قال بقراط: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع ووجود الشهوة في المريض علامة جيدة عند الأطباء. قال ابن سينا: مريض يشتهي أحب إلى من صحيح لا يشتهي، وأرجع لمزيد الكلام إلى زاد المعاد (ج٢:ص٩٠-٩١) (رواه ابن ماجه) في الجنائز، وفي الطب، وفي إسناده صفوان بن هبيرة العيشى. قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته: قال أبوحاتم شيخ، وروى له ابن ماجه حديثاً واحداً في الطب. وقال العقيلي لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به، وذكر البوصيري في الزوائد أن ابن حبان ذكره في الثقات. وقال الحافظ في التقريب. أنه لين الحديث، وفي الباب عن أنس قال دخل النبي ﷺ على مريض يعوده فقال أتشتهي شيئاً أتشتهي كعكاً قال نعم فطلبوا له. أخرجه ابن ماجه وابن السني، وفي سنده يزيد بن أبان الرقاشي، قال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي.
١٦٠٧- قوله: (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (توفي رجل) أي مات (ممن ولد بها) أي بالمدينة (يا ليته مات بغير مولده) لعله ﷺ لم يرو بذلك ياليته مات بغير المدينة بل أراد ياليته كان غريباً مهاجراً بالمدينة ومات بها فإن الموت في غير مولده فيمن مات بالمدينة كما يتصور بأن يولد في المدينة ويموت في غيرها كذلك يتصور بأن يولد في غير المدينة ويموت بها فليكن التمني راجعاً إلى هذا الشق حتى لا يخالف الحديث حديث فضل الموت بالمدينة المنورة (أن الرجل) يعني الإنسان (إذا مات بغير مولده) أي بغير المحل الذي ولد فيه بأن مات غريباً سواء كان في سفر أو في إقامة بغير وطنه (قيس له) أي أمر الله الملائكة أن تقيس له أي تذرع له (من مولده إلى منقطع) بفتح الطاء (أثره) أي إلى موضع قطع أجله، فالمراد بالأثر الأجل، لأنه يتبع العمر
стр. 2245
في الجنة)) . رواه النسائي، وابن ماجه.
١٦٠٨ - (٧٣) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((موت غربة شهادة)) رواه ابن ماجه.
ــ
قال زهير- والمرأ ما عاش ممدود له أجل- لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر. ذكره الطيبي. ويحتمل أن يكون المراد إلى موضع انقطع فيه سفره وانتهى إليه فمات فيه يعني إلى منتهي سفره ومشيه فالمراد أثر أقدامه (في الجنة) متعلق بقيس، وظاهره أنه يعطي له في الجنة هذا القدر لأجل موته غريباً يعني بفسح له في الجنة بقدر مسافة ما بين مولده ومنتهى سفره، وقيل هذا ليس بمراد فإن هذا القدر من المكان لا اعتبار له في جنب سعة الجنة إلا أن يقال المراد يعطي ثواب عمل عمله في مثل هذه المسافة. وقيل: منقطع أثره هو قبره، وفي الجنة متعلق بمحذوف، والمعنى يفسح له في قبره قدر ما بين مولده وبين قبره ويفتح له باب إلى الجنة ودلالة اللفظ على هذا المعنى خفية (رواه النسائي وابن ماجه) في الجنائز وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه.
١٦٠٨- قوله: (موت غربة) بضم الغين مصدر غريب بفتح الراء يغرب بضمها أي نزح عن وطنه، فالمراد بالغربة غربة بالجسم (شهادة) أي في حكم الآخرة، وهذا إذا لم يكن الغريب عاصياً بغربته، وفي الحديث دليل على فضيلة موت الغربة (رواه ابن ماجه) في الجنائز من رواية الهذيل بن الحكم الأزدي عن عبد العزيز بن أبي رواد عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه أيضاً البيهقي في الشعب من هذا الطريق وقال أشار البخاري إلى تفرد الهذيل به، وهو منكر الحديث، قال وروينا من حديث إبراهيم بن بكر الكوفي عن عبد العزيز بن أبي رواد وزعم ابن عدي أنه سرقه من الهذيل- انتهى كلام البيهقي. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: قال السيوطي أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات من وجه آخر عن عبد العزيز ولم يصب في ذلك، وقد سقت له طرقاً كثيرة في اللآلي المصنوعة. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: إسناد ابن ماجه ضعيف، لأن الهذيل منكر الحديث، وذكر الدارقطني في العلل الخلاف فيه على الهذيل وصحح قول من قال عن الهذيل عن عبد العزيز عن نافع عن ابن عمر واغتر عبد الحق بهذا وادعى أن الدارقطني صححه من حديث ابن عمر وتعقبه ابن القطان فأجاد وفي الزوائد هذا إسناد فيه الهذيل بن الحكم قال فيه البخاري منكر الحديث. وقال ابن عدي: لا يقيم الحديث. وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً. وقال ابن معين: هذا الحديث منكر ليس بشيء وقد كتبت عن الهذيل ولم يكن به بأس -انتهى. وقال المنذري في الترغيب: قد جاء في أن الموت الغريب شهادة جملة من الأحاديث لا يبلغ شيء منها درجة الحسن فيما أعلم - انتهى. وقد أطال الحافظ الكلام على طرق هذا الحديث في التلخيص (ص١٦٩) فعليك أن ترجع إليه.
стр. 2246
١٦٠٩- (٧٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من مات مريضاً مات شهيداً، أو وقى فتنة القبر، وغدى وريح عليه برزقه من الجنة)) رواه ابن ماجه، والبيهقي في شعب الإيمان.
ــ
١٦٠٩- قوله: (من مات مريضاً) قال السندي: هذا إن صح يحمل على مرض مخصوص كمرض البطن مثلاً-انتهى. وذكر ابن حجر أن القرطبي قال: هذا عام في جميع الأمراض لكن يقيد بالحديث الآخر من قتله بطنه لم يعذب في قبره. أخرجه النسائي وغيره، والمراد به الاستسقاء، وقيل: الإسهال، كذا في المرقاة. وقيل قوله مريضاً مصحف مرابطاً كما سيأتي (مات شهيداً أو وقى) أي حفظ، كذا في أكثر النسخ الموجودة عندنا وفي بعض النسخ مات شهيداً ووقى أي بالواو بدل أو، وكذا وقع في ابن ماجه (فتنة القبر) أي سؤال الملكين فيه فإنه اختبار وقيل أي عذابه (وغدى) بمعجمة ثم مهملة على بناء المفعول من الغدو (وريح) بلفظ المجهول من الرواح (عليه) حال (يرزقه) نائب الفاعل أي جئ له برزقه حال كونه نازلاً عليه (من الجنة) يعني يؤتى عنده برزقه أول النهار وآخره كالشهيد والتعدية بعلى لتضمين معنى الدر والإفاضة والإنزال ونحوها، والمراد بالغدو والرواح الدوام كما قال تعالى ﴿أكلها دائم﴾ [الرعد:٣٥] أو كناية عن التعميم كقوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ [مريم:٦٢] ويمكن أن يكون للوقتين المخصوصين رزق خاص لهم، ثم المراد بالرزق هنا حقيقته لعدم استحالته (رواه ابن ماجه) في الجنائز (والبيهقي) وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وكنى ابن جريج جده أباعطاء، والحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وتعقبه السيوطي فقال في تعقباته (ص٢٢) حديث أبي هريرة من مات مريضاً مات شهيداً- الحديث. قال ابن الجوزي: فيه إبراهيم بن محمد ابن أبي يحيى الأسلمي متروك. قلت (هو قول السيوطي) كان الشافعي يوثقه. والحديث أخرجه ابن ماجه، والحق فيه أنه ليس بموضوع وإنما وهم راويه في لفظه منه، فقد روى الدارقطني أن إبراهيم بن محمد أنكر على ابن جريج هذا الحديث عنه وقال إنما حدثته من مات مرابطاً فروى عني من مات مريضاً وما هكذا حدثته، وكذا قال أحمد بن حنبل إنما الحديث من مات مرابطاً فالحديث إذن من نوع المعلل أو المصحف- انتهى. ونقل السندي عن السيوطي: أنه قال أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات وأعله بإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي فإنه متروك قال وقال أحمد بن حنبل إنما هو من مات مرابطاً. قال الدارقطني: بإسناده عن إبراهيم بن أبي يحيى حدثت ابن جريج هذا الحديث من مات مرابطاً فروى عني من مات مريضاً وما هكذا حدثته. وفي الزوائد. في إسناده إبراهيم بن محمد كذبه مالك ويحيى بن سعيد القطان وابن معين. وقال أحمد بن حنبل: قدري معتزلي
стр. 2247
١٦١٠- (٧٥) وعن العرباض بن سارية، أن رسول الله ﷺ قال: ((يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا عزوجل في الذين يتوفون من الطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا قتلوا كما قتلنا، ويقول المتوفون: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقول ربنا: أنظروا إلى جراحتهم فإن أشبهت جراحهم جراح المقتولين، فإنهم منهم ومعهم، فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم))
ــ
جهمي كل بلاء فيه. وقال البخاري: جهمي، تركه ابن المبارك والناس، فقد كذبه مالك وابن معين- انتهى. قلت: وقال الشافعي لأن يخر إبراهيم من بعد أحب إليه من أن يكذب، وكان ثقة في الحديث، كذا في التهذيب.
١٦١٠- قوله: (وعن العرباض) بكسر أوله وسكون الراء بعدها موحدة وآخره معجمة (ابن سارية) بسين مهملة وكسر راء وبمثناة تحت (يختصم الشهداء) أي الذين قتلوا في سبيل الله (والمتوفون) بتشديد الفاء المفتوحة (إلى ربنا) أي رافعين اختصامهم إلى الله، فهو حال من المعطوف والمعطوف عليه (في الذين) متعلق بيختصم (يتوفون) على بناء المفعول (من الطاعون) أي بسببه (فيقول للشهداء) بيان الاختصام (أخواننا) خبر لمبتدأ هو هم أي المطعونون أخواننا (قتلوا كما قتلنا) بيان المشابهة، ولا شك أن مقصود الشهداء بذلك إلحاق المطعون معهم ورفع درجته إلى درجاتهم. وأما الأموات على الفرش فلعله ليس مقصودهم أصالة أن لا ترفع درجة المطعون إلى درجات الشهداء، فإن ذلك حسد مذموم، وهو منزوع عن القلوب في ذلك الدار. وإنما مرادهم أن ينالوا درجات الشهداء كما نال المطعون مع موته على الفراش، فمعنى قولهم أخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا أي فإن نالوا مع ذلك درجات الشهداء ينبغي أن ننالها أيضاً. وعلى هذا فينبغي أن يعتبر هذا الخصام خارج الجنة وإلا فقد جاء فيها ﴿ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم﴾ ، فينبغي أن ينال درجة الشهداء من يشتهيها في الجنة، والظاهر أن الله تعالى ينزع من قلب كل أحد في الجنة اشتهاه درجة من فوقه ويرضيه بدرجته والله تعالى أعلم، قاله السندي (ويقول المتوفون) أي على فرشهم (أخواننا) أي هم أمثالنا (كما متنا) بكسر الميم وضمها (أنظروا) أي تأملوا ليتبين لكم الحكم وأبصروا (إلى جراحتهم) بكسر الجيم وبفتح والخطاب للملائكة أو للفريقين المختصمين. وفي النسائي إلى جراحهم، وكذا نقله الجزري (ج٣:ص٣٤١) عن النسائي، وهكذا وقع في رواية لأحمد، وفي أخرى له: إلى جراحات المطعنين (فإن أشبهت جراحهم) جمع جراحة بالكسر (فإنهم منهم) أي ملحق بهم في ثوابهم (ومعهم) أي في حشرهم ومقامهم (فإذا) أي فنظروا فإذا (جراحهم) أي جراح المطعونين (قد أشبهت جراحهم) أي جراح المقتولين. زاد في رواية لأحمد: فيلحقون معهم. واستدل بالحديث على أستواء شهيد الطاعون وشهيد المعركة، ويدل عليه
стр. 2248
رواه أحمد، والنسائي.
١٦١١ - (٧٦) وعن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: ((الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه له أجر شهيد)) رواه أحمد.
(٢) باب تمنى الموت وذكره
﴿الفصل الأول﴾
١٦١٢- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يتمنى
ــ
أيضاً ما روى الطبراني في الكبير. وقال الحافظ: أخرجه أحمد بسند حسن عن عقبة بن عبد السملي رفعه يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون فيقول أصحاب الطاعون نحن شهداء فيقال أنظروا، فإن كان جراحهم كجراح الشهداء تسيل دماً وريحها كريح المسك فهم شهداء فيجدونهم كذلك (رواه أحمد) (ج٤:ص١٢٨-١٢٩) (والنسائي) في الجنائز. قال الحافظ: بسند حسن.
١٦١١- قوله: (الفار من الطاعون كالفار من الزحف) أي جهاد الكفار فكما يحرم الفرار من الزحف يحرم الخروج من بلد وقع فيها الطاعون بقصد الفرار والزحف في الأصل مصدر أطلق على الجيش العظيم، لأنه يرى لكثرته كأنه يزحف باسته أي دبره على الأرض. قال الطيبي: شبه به في ارتكاب الكبيرة والزحف الجيش الدهم الذي لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيباً من زحف الصبي إذا دب على أسته قليلاً قليلاً سمى بالمصدر (والصابر فيه) أي في الطاعون (له أجر شهيد) سواء مات به أو لا، لما في إثبات من الرضا والوقوف مع المقدور (رواه أحمد) بسند حسن، قاله المنذري. وقال الهيثمي: رجاله ثقات. وأخرجه أيضاً البزار والطبراني في الأوسط وابن خزيمة. قال الحافظ: وسنده صالح للمتابعات وله شاهد جيد من حديث عائشة مرفوعاً في أثناء حديث قلت يارسول الله فما الطاعون؟ قال غدة كغدة الإبل المقيم فيها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف أخرجه أحمد وابن خزيمة. قال الحافظ: بسند حسن، وأبويعلى والطبراني في الأوسط. قال الهيثمي رجال أحمد ثقات.
(باب تمنى الموت) أي حكم تمنيه (وذكره) أي فضل ذكر الموت.
١٦١٢- قوله: (لا يتمنى) قال الحافظ: كذا للأكثر بإثبات التحتية وهو لفظ نفي بمعنى النهى، ووقع في رواية الكشمهيني: لا يتمن على لفظ النهى أي بدون الياء، ووقع في رواية معمر في كتاب التمنى، بلفظ: لا يتمنى للأكثر،
стр. 2249
أحدكم الموت، إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً، وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب))
ــ
وبلفظ: لا يتمنين للكشمهيني بزيادة نون التأكيد بعد التحتية – انتهى. وقال الطيبي: الياء في قوله: لا يتمنى مثبتة في رسم الخط في كتب الحديث، فلعله نهى ورد على صيغة الخبر، أو المراد منه لا يتمن فأجرى مجرى الصحيح. وقيل: هو لفظ النهى وأشبعت الفتحة. قيل: والنفي بمعنى النهى أبلغ وآكد لإفادته أن من شأن المؤمن انتفاء ذلك عنه وعدم وقوعه عنه بالكلية أو لأنه قدر أن المنهى حين ورد النهى عليه انتهى عن المنهى عنه، وهو يخبر عن انتهائه ولو ترك على النهى المحض ما كان أبلغ (أحدكم) الخطاب للصحابة والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عموماً (الموت) قال التوربشتي: النهى عن تمنى الموت وإن أطلق في هذا الحديث، فالمراد منه المقيد، كما في حديث أنس الآتي، فعلى هذه يكره تمنى الموت من ضر أصابه في نفسه أو ماله، لأنه في معنى التبرم عن قضاء الله في أمر يضره في دنياه وينفعه في آخرته ولا يكره للخوف في دينه من فساد (إما محسناً) قال ابن الملك: بكسر الهمزة أصله "إن ما" فأدغمت، و"ما" زائدة عوضاً عن الفعل المحذوف أي إن كان محسناً. وقال المالكي: تقديره إما أن يكون محسناً، وإما أن يكون مسيئاً، فحذف يكون مع إسمها مرتين وأبقى الخبر وأكثر ذلك إنما يكون بعد أن، ولو قال زين العرب كقوله الناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وقال السندي: إما بكسر الهمزة بتقدير يكون أي لا يخلو التمنى إما يكون محسناً فليس له أن يتمنى فإنه لعله يزداد خيراً بالحياة وإما مسيئاً فكذلك ليس له أن يتمنى فإنه لعله أن يستعتب أي يرجع عن الإساءة ويطلب رضاءالله تعالى بالتوبة. وجملة إما محسناً إلخ بمنزلة التعليل للنهى، ويمكن أن يكون إما بفتح الهمزة، والتقدير إما إن كان محسناً فليس له التمنى لأنه لعله يزداد بالحياة خيراً فهو مثل قوله تعالى: ﴿فأما إن كان من المقربين﴾ [الواقعة:٨٨] والله تعالى أعلم – انتهى. (فلعله) جواب إن الشرطية (أن يزداد خيراً) أي من فعل الخير (وإما مسيئاً فلعله أي يستعتب) أي يرجع عن موجب العتب عليه. وقيل: أي يطلب العتبى وهو الرضا أي يطلب رضاءالله تعالى بالتوبة ورد المظالم وتدارك الفائت. وقال الحافظ: يستعتب أي يسترضى الله بالإقلاع والاستغفار والاستعتاب طلب الأعتاب. والهمزة للإزالة أي يطلب إزالة العتاب عاتبه لامه واعتبه أزال عتابه. قال الكرماني: وهو مما جاء على غير القياس إذ الاستفعال إنما ينبني من الثلاثي لا من المزيد. قال ابن الملك: لعل هنا بمعنى عسى. وقال القسطلاني: لعل في الموضعين للرجاء المجرد من التعليل وأكثر مجيئها في الرجاء إذا كان معه تعليل نحو ﴿وأتقو الله لعلكم تفلحون﴾ [آل عمران:٢٠٠،١٣٠] انتهى. قال الحافظ: وفيه إشارة إلى أن المعنى في النهى عن تمنى الموت والدعاء به هو انقطاع العمل وبالموت فإن الحياة يتسبب منها العمل وبالعمل يحصل زيادة الثواب ولو لم يكن إلا استمرار التوحيد، فهو أفضل الأعمال ولا يرد على هذا أنه يجوز أن يقع الارتداد عن الإيمان، لأن ذلك نادر والإيمان بعد أن تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وعلى تقدير وقوع ذلك وقد وقع لكن نادراً فمن سبق له في علم الله خاتمة السوء فلا بد من وقوعها
стр. 2250
رواه البخاري.
١٦١٣ - (٢) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات انقطع أمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً))
ــ
طال عمره أو قصر فتعجيله لطلب الموت لا خير له فيه- انتهى. (رواه البخاري) في المرضى، وفي التمني وأخرجه أيضاً أحمد في مواضع والنسائي في الجنائز، والدارمي والبيهقي (ج٣:ص٣٧٧) .
١٦١٣ – قوله: (لا يتمنى) وفي مسلم: لا يتمنين بزيادة نون التأكيد، وهكذا في جامع الأصول (ج٣:ص١٠٨) (أحدكم الموت) أي بقلبه (ولا يدع) أي بلسانه (به) أي بالموت. وقال الحافظ: الدعاء بالموت أخص من تمنى الموت وكل دعاء تمنى من غير عكس. قال ابن الملك: قوله: لا يدع بحذف الواو على أنه نهى. قال الزين: وجه صحة عطفه على النفي من حيث أنه بمعنى النهى. وقال ابن حجر: فيه إيماء إلى أن الأول نهى على بابه، ويكون قد جمع بين لغتي حذف حرف العلة وإثباته (من قبل أن يأتيه) قال الحافظ: وهو قيد في الصورتين، ومفهومه أنه إذا حل به لا يمنع من تمنيه رضا بلقاء الله ولا من طلبه من الله لذلك، وهو كذلك ولهذه النكتة عقب البخاري حديث أبي هريرة بحديث عائشة: اللهم اغفرلي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى، إشارة إلى أن النهى مختص بالحالة التي قبل نزول الموت، فلله دره ما كان استحضاره وإيثاره الأخفى على الأجلى تشحيذاً للأذهان (إنه) بكسر الهمزة والضمير للشأن وهو استئناف فيه معنى التعليل (إذا مات) أي أحدكم (انقطع أمله) أي رجاءه من زيادة الخير. قال الطيبي: بالهمزة في الحميدى وجامع الأصول، وفي شرح السنة بالعين- انتهى. قلت: وكذا وقع في النسخ الموجودة عندنا لصحيح مسلم عمله أي بالعين المهملة، وكذا ذكره المنذري في الترغيب، وكذا وقع في جامع الأصول (ج٣:ص١٠٨) وقال النووي: هكذا هو في بعض النسخ عمله، وفي كثير منها أمله، وكلاهما صحيح لكن الأول أجود وهو المكرر في الأحاديث (وإنه) أي الشأن (لا يزيد المؤمن عمره) بضم الميم ويسكن أي طول عمره (إلا خيراً) لصبره على البلاء وشكره على النعماء ورضاه بالقضاء وامتثاله أمر المولى. قال الحافظ: واستشكل بأنه قد يعمل السيئات فيزيد عمره شراً وأجيب بأجوبة: أحدها حمل المؤمن على الكامل، وفيه بعد. والثاني أن المؤمن بصدد أن يعمل ما يكفر ذنوبه إما من إجتناب الكبائر وإما من فعل حسنات أخر قد تقاوم بتضعيفها سيئاته ومادام الإيمان باق فالحسنات بصدد التضعيف والسيئات بصدد التكفير. والثالث يقيد ما أطلق في هذه الرواية بما وقع في الرواية المتقدمة من الترجي حيث جاء بقوله لعله والترجي مشعر بالوقوع غالباً لا جزماً، فخرج الخبر مخرج تحسين الظن بالله وأن المحسن يرجو من الله الزيادة بأن يوفقه للزيادة من
стр. 2251
رواه مسلم.
١٦١٤- (٣) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي)) متفق عليه.
ــ
عمله الصالح وأن المسيء لا ينبغي له القنوط من رحمة الله ولا قطع رجاءه (رواه مسلم) في الدعوات، وأخرجه أيضاً أحمد.
١٦١٤ – قوله: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضر) بضم الضاد وتفتح أي من أجل ضرر مالي أو بدني (أصابه) فإنه يدل على الجزع في البلاء وعدم الرضاء بالقضاء. قال الحافظ: قوله من ضر أصابه. حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي فإن وجد الضر الأخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهى، ويمكن أن يؤخذ من رواية ابن حبان لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا على أن في هذا الحديث سببية أي بسبب أمر من الدنيا وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب كما في الموطأ: اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. وعند أبي داود من حديث معاذ مرفوعاً فإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون (فإن كان) أي أحدكم (لا بد فاعلاً) ما ذكر من تمنى الموت، ففي رواية للبخاري فإن كان لا بد متمنياً للموت (فليقل إلخ) أي فلا يتمن صريحاً بل يعدل عنه إلى التعليق بوجود الخير فيه. قال الحافظ: هذا يدل على أن النهى عن تمنى الموت مقيد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة، لأن في التمنى المطلق نوع اعتراض ومراغمة للقدر المختوم، وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض وتسليم للقضاء، وقوله: فإن كان لا بد إلخ. فيه ما يصرف عن حقيقته من الوجوب والاستحباب، ويدل على أنه لمطلق الإذن لأن الأمر بعد الحظر لا يبقى على حقيقته (اللهم أحيني) أي أبقني على الحياة (ما كانت الحياة) أي مدة بقاءها (خيراً لي) أي من الموت، وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية والأزمنة خالية عن الفتنة والمحنة (وتوفني) أي أمتني (إذا كانت الوفاة خيراً لي) من الحياة بأن يكون لأمر عكس ما تقدم. قال العراقي في شرح الترمذي: لما كانت الحياة حاصلة وهو متصف بها حسن الإتيان بما أي ما دامت الحياة متصفة بهذا الوصف، ولما كانت الوفاة معدومة في حال التمنى لم يحسن أن يقول ما كانت بل أتى بإذا الشرطية فقال إذا كانت أي إذا آل الحال إلى أن تكون الوفاة بهذا الوصف (متفق عليه) أخرجه البخاري في المرضى والدعوات، ومسلم في الدعوات، وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي في الجنائز وابن ماجه في الزهد والبيهقي (ج٣:ص٣٧٧) .
стр. 2252
١٦١٥- (٤) وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه،
ــ
١٦١٥- قوله: (من أحب لقاء الله) أي المصير إلى الدار الآخرة بمعنى أن المؤمن عند الغرغرة يبشر برضوان الله فيكون موته أحب إليه من حياته، قيل: الحب هنا هو الذي يقتضيه الإيمان بالله والثقة بوعده دون ما يقتضيه حكم الجبلة. وقال الخطابي: معنى محبة العبد للقاء الله إيثاره الآخرة على الدنيا فلا يجب استمرار الإقامة فيها بل يستعد للارتحال عنها والكراهة بضد ذلك، واللقاء على وجوه منها الرؤية، ومنها البعث كقوله تعالى: ﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله﴾ [الأنعام: ٣١] أي بالبعث ومنها الموت كقوله: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾ . وقال الجزري في النهاية: المراد بلقاء الله هنا المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله (وعدم الركون إلى الدنيا والرضا بحياتها والاطمينان بها) وليس الغرض به الموت، لأن كلا يكرهه فمن ترك الدنيا، وأبغضها أحب لقاء الله ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله لأنه إنما يصل إليه بالموت، وقوله: والموت دون لقاء الله يبين أن الموت غير اللقاء لكنه معترض دون الغرض المطلوب، فيجب أن يصبر عليه، ويحتمل مشاقه حتى يصل بعده إلى الفوز باللقاء. قال الطيبي: يريد أن قول عائشة "إنا لنكره الموت" يوهم أن المراد بلقاء الله في الحديث الموت، وليس كذلك، لأن لقاء الله غير الموت. بدليل قوله: في الرواية الأخرى، والموت دون لقاء الله لكن لما كان الموت وسيلة إلى لقاء الله عبر عنه بلقاء الله. قال الحافظ: وقد سبق ابن الأثير إلى تفسير لقاء الله بغير الموت الإمام أبوعبيد القاسم بن سلام فقال: ليس وجهه عندي كراهة الموت وشدته، لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد، ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة قال ومما يبين ذلك أن الله تعالى عاب قوماً بحب الحياة فقال: ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾ . قلت: الصواب في معنى الحديث ما فسره به قائله ﷺ وهو أن هذه المحبة محمولة على حالة النزع والاحتضار والمعاينة. قال النووي: هذا الحديث يفسر آخره أوله وبين المراد بباقي الأحاديث المطلقة من أحب لقاء الله وكره لقاء الله، ومعنى الحديث أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل توبته ولا غيرها، فحينئذ يبشر كل إنسان بما هو صائر إليه وما أعد له ويكشف له عن ذلك فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعد لهم ويحب الله لقاءهم أي فيجزل لهم العطاء وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه ويكره الله لقاءهم أي يبعدهم عن رحمته وكرامته ولا يريد ذلك بهم- انتهى. (أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله) حين يرى ماله من العذاب عند الغرغرة (كره الله لقاءه) أي أبعده عن
стр. 2253
فقالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت
ــ
رحمته وأدناه من نقمته، فإن قيل: الشرط ليس سبباً للجزاء بل الأمر بالعكس. أجيب بأن المعنى فليفرح أو فأخبره بأن الله يحب لقاءه. قال الكرماني: مثله مؤل بالإخبار أي من أحب لقاء الله أخبره الله بأن الله أحب لقاءه، وكذلك الكراهة. قال الحافظ في قوله: أحب الله لقاءه. العدول عن الضمير إلى الظاهر تفخيماً وتعظيماً ودفعاً لتوهم عود الضمير على الموصول لئلا يتحد في الصورة المبتدأ والخبر، ففيه إصلاح اللفظ لتصحيح المعنى، وأيضاً فعود الضمير على المضاف إليه قليل. وقال ابن الصائغ في شرح المشارق: يحتمل أن يكون لقاء الله مضافاً للمفعول فأقامه مقام الفاعل ولقاءه إما مضاف للمفعول أو للفاعل الضمير أو للموصول، لأن الجواب إذا كان شرطاً فالأولى أن يكون فيه ضمير نعم هو موجود هنا ولكن تقديراً (فقالت عائشة أو بعض أزواجه) كذا في هذه الرواية بالشك، وجزم سعد بن هشام في روايته عن عائشة عند مسلم بأنها هي التي قالت ذلك ولم يتردد. قال الحافظ: وهذه الزيادة في هذا الحديث لا تظهر صريحاً هل هي من كلام عبادة والمعنى أنه سمع الحديث من النبي ﷺ وسمع مراجعة عائشة أو من كلام أنس (راوي الحديث عن عبادة) بأن يكون حضر ذلك فقد وقع في رواية حميد عن أنس عند أحمد وغيره بلفظ: فقلنا يا رسول الله فيكون أسند القول إلى جماعة وإن كان المباشر له واحداً وهي عائشة، ويحتمل أيضاً أن يكون من كلام قتادة (الراوي عن أنس عن عبادة) أرسله في رواية همام (الراوي عن قتادة) ووصله في رواية سعيد بن أبي عروبة عنه عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة (عند مسلم) فيكون في رواية همام إدراج، وهذا أرجح في نظري، فقد أخرجه مسلم عن هداب بن خالد عن همام مقتصراً على أصل الحديث دون قوله: فقالت عائشة إلخ ثم أخرجه من رواية سعد بن عروبة موصولاً تاماً، وكذا أخرجه هو وأحمد من رواية شعبة والنسائي من رواية سليمان التيمي كلاهما عن قتادة، وكذا جاء عن أبي هريرة وغير واحد من الصحابة بدون المراجعة. وقد أخرجه أبويعلى عن هدبة بن خالد عن همام تاماً، كما أخرجه البخاري عن حجاج عن همام، وهدبة هو هداب شيخ مسلم فكان مسلماً، حذف الزيادة عمداً لكونها مرسلة من هذا الوجه واكتفى بإيرادها موصولة من طريق سعيد بن أبي عروبة، وقد رمز البخاري إلى ذلك حيث علق رواية شعبة بقوله اختصره أبوداود وعمر وعن شعبة، وكذا أشار إلى رواية سعيد تعليقاً، وهذا من العلل الخفية جداً -انتهى كلام الحافظ. (إنا لنكره الموت) وفي رواية سعد بن هشام: فقلت. يا نبي الله أكراهية الموت فكلنا يكره الموت أي بحسب الطبع وخوفاً مما بعده (ليس ذلك) بكسر الكاف أي ليس الأمر كما ظننت يا عائشة إذ ليس كراهة المؤمن الموت لخوف شدته كراهة لقاء الله، بل تلك الكراهة هي كراهة الموت لإيثار الدنيا على الآخرة والركون إلى الحظوظ العاجلة إذا بشر بعذاب الله وعقوبته عند حضور الموت (ولكن المؤمن)
стр. 2254
بشر برضوان الله وكرامته، فليس أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه)) . متفق عليه.
ــ
بتشديد نون لكن، ولأبي ذر: ولكن المؤمن بالتخفيف ورفع المؤمن (بشر برضوان الله) بضم الموحدة وكسر الشين المعجمة المشددة (مما أمامه) بفتح الهمزة أي مما يستقبله بعد الموت (فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه) وفي حديث حميد عن أنس عند أحمد: ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله وليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه (وإن الكافر إذا حضر) على بناء المفعول أي حضره الموت (بشر) فيه تهكم نحو ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ ، أو مشاكلة للمقابلة، أو أريد المعنى اللغوي أي أخبر (بعذاب الله له) في القبر (وعقوبته) وهي أشد العذاب في النار (فليس شيء) يومئذ (أكره إليه مما أمامه) أي قدامة (فكره لقاء الله وكره الله لقاءه) وفي حديث عائشة عند عبد بن حميد مرفوعاً: إذا أراد الله بعبد خيراً قيض له قبل موته بعام ملكاً يسدده ويوفقه حتى يقال مات بخير ما كان فإذا حضر ورأى ثوابه اشتاقت نفسه فذلك حين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وإذا أراد الله بعبد شراً قيض له قبل موته بعام شيطاناً فأضله وفتنه حتى يقال مات بشر ما كان عليه فإذا حضر ورأى ما أعد له من العذاب جزعت نفس فذلك حين كره لقاء الله وكره الله لقاءه وفي الحديث فوائد: منها أن المحتضر إذا ظهر عليه علامات السرور كان ذلك دليلاً على أنه بشر بالخير، وكذا بالعكس. ومنها أن محبة لقاء الله لا تدخل في النهي عن تمني الموت، لأنها ممكنة مع عدم تمني الموت كأن تكون المحبة حاصلة لا يفترق حاله فيها بحصول الموت ولا بتأخره، وأن النهي عن تمني الموت محمول على حالة الحياة المستمرة، وأما عند الاحتضار والمعاينة فلا تدخل تحت النهي، بل هي مستحبة. ومنها أن في كراهة الموت في حال الصحة تفصيلاً فمن كرهه إيثاراً للحياة على ما بعد الموت من نعيم الآخرة كان مذموماً، ومن كرهه خشية أن يفضي إلى المؤاخذة كأن يكون مقصراً في العمل لم ستعد له بالأهبة بأن يتخلص من التبعات ويقوم بأمر الله كما يجب فهو معذور، لكن ينبغي لمن وجد ذلك أن يبادر إلى أخذ الأهبة حتى إذا حضره الموت لا يكرهه بل يحبه لما يرجو بعده من لقاء الله (متفق عليه) فيه نظر فإن الحديث من رواية عبادة مع الزيادة المذكورة. أعني قوله فقالت عائشة أو بعض أزواجه إلى آخره من أفراد البخاري، أخرجه في أواخر الرقاق، ورواه مسلم بدون هذه الزيادة، فإنه أخرجه أولاً عن هداب بن خالد عن همام عن قتادة عن أنس بن مالك عن عبادة مقتصراً على أصل الحديث دون قوله فقالت عائشة إلخ. وكذا أخرجه أحمد والترمذي في الجنائز والزهد، والنسائي في الجنائز من طرق أخرى عن
стр. 2255
١٦١٦- (٥) وفي رواية عائشة والموت قبل لقاء الله.
١٦١٧- (٦) وعن أبي قتادة: أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ مر عليه بجنازة، فقال: مستريح، أو مستراح منه،
ــ
قتادة بدون المراجعة، وكذا جاء عن أبي هريرة، ثم أخرجه مسلم من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقلت يا نبي الله أكراهية الموت فكلنا يكره الموت قال ليس كذلك ولكن المؤمن. فذكره. والحاصل أن المراجعة المذكورة ليست عند مسلم في حديث عبادة بل هي في حديث عائشة كما رأيت، فالصواب أن يعزو المصنف الحديث للبخاري فقط أو يذكر لفظ "متفق عليه" بعد قوله:"كره الله لقاءه" ثم يقول وزاد البخاري في رواية من طريق همام عن قتادة فقالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال ليس ذلك الخ، وحديث عائشة مع المراجعة المذكورة أخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي كلاهما في الجنائز، وابن ماجه في الزهد.
١٦١٦- قوله: (وفي رواية عائشة إلخ) هذه الرواية عند مسلم وحده أخرجها من رواية الشعبي عن شريح ابن هانيء عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه والموت قبل لقاء الله، وعزاها الحافظ في الفتح لمسلم والنسائي وذكرها بلفظ: والموت دون لقاء الله، قال وهذه الزيادة من كلام عائشة فيما يظهر لي ذكرتها استنباطاً مما تقدم- انتهى. (والموت قبل لقاء الله) يعني لا تمكن رؤية الله قبل الموت بل بعده، أو المراد أن من أحب لقاء الله أحب الموت، لأنه يتوصل به إلى لقاءه ولا يتصور وجوده قبله، وفيه دلالة على أن اللقاء غير الموت. وقال الحافظ: وفي الحديث إن الله تعالى لا يراه في الدنيا أحد من الأحياء وإنما يقع ذلك للمؤمنين بعد الموت أخذاً من قوله والموت دون لقاء الله وقد تقدم أن اللقاء أعم من الموت فإذا انتفى اللقاء انتفت الرؤية، وقد ورد بأصرح من هذا في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة مرفوعاً في حديث طويل وفيه: واعلموا أنكم لن تروه حتى تموتوا.
١٦١٧- قوله: (أن رسول الله ﷺ مر) بضم الميم وتشديد الراء على البناء المجهول من المرور (عليه بجنازة) قال الحافظ: لم أقف على اسم المار ولا المرور بجنازته (فقال) ﷺ (مستريح) أي هو مستريح. قال في النهاية: يقال أراح الرجل واستراح إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعباء (أو مستراح منه) أو للتنويع أو للترديد أي لا يخلو الميت عن أن يكون من أحد هذين القسمين، فعلى الأول يراد بالميت الجنس استطراداً، وعلى الثاني
стр. 2256
فقالوا: يا رسول الله! ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد، والبلاد، والشجر، والدواب)) .
ــ
الشخص الحاضر. وفي الصحيحين والمؤطا والنسائي مستريح أو مستراح منه أي بالواو بدل أو. قال السندي: الواو بمعنى أو، والتقدير هذا الميت أو كل ميت إما مستريح أو مستراح منه، أو بمعناها على أن هذا الكلام بيان لمقدر يقتضيه الكلام كأنه قال: هذا الميت أو كل ميت أحد رجلين فقال مستريح ومستراح منه. وقال الحافظ: الواو فيه بمعنى أو، وهي للتقسيم على ما صرح بمقتضاه في جواب سؤالهم (فقالوا) أي الصحابة. قال الحافظ: ولم أقف على اسم السائل منهم بعينه إلا أن في رواية إبراهيم الحربي عند أبي نعيم قلنا فيدخل فيهم أبوقتادة، فيحتمل أن يكون هو السائل- انتهى. وهذا لفظ النسائي. وفي المؤطا والصحيحين قالوا بدون الفاء (ما المستريح والمستراح منه) أي ما معناهما. وفي رواية الدارقطني: ما المستراح منه بإعادة ما (فقال) كذا في جميع النسخ، وهكذا في جامع الأصول (ج١١ص٤٤٦) وفي الأصول قال بدون الفاء (العبد المؤمن) يحتمل أن يراد به التقى خاصة أي المؤمن الكامل، ويحتمل كل مؤمن (يستريح) أي يجد الراحة بالموت (من نصب الدنيا) بفتحتين أي من تعبها ومشقتها (وأذاها) من عطف العام على الخاص، كذا ذكره الحافظ قال السندي بعد نقله عن السيوطي: قلت وما أشبهه بعطف المتساويين (إلى رحمة الله) أي ذاهباً وواصلاً إليها، ومن ثم قال مسروق: ما غبطت شيئاً لشيء كمؤمن في لحده أمن من عذاب الله واستراح من الدنيا (والعبد الفاجر) أي الكافر أو ما يعمه والعاصي. قيل: الظاهر حمله على الكافر لمقابلته بالمؤمن، وعليه حمله النسائي حيث ترجم على الحديث بالاستراحة من الكفار. قلت: آخر الحديث أي الجملة الآتية يدل على أن المراد بالفاجر ما هو أعم من الكافر فإن الظلم والفساد والفجور يحصل من المسلم أيضاً كما يحصل من الكافر فيستريح العباد والبلاد من الفاجر المسلم كما تستريح من الفاجر الكافر، فالأولى حمل الفاجر هنا على العموم، كما قال القاري هو أعم من الكافر (يستريح منه) أي من شره (العباد) من جهة ظلمة عليهم ومن جهة أنه حين فعل منكراً أن منعوه آذاهم وعاداهم وإن سكتوا عنه أضر بدينهم ودنياهم (والبلاد) لما يأتي به من المعاصي فإنه يحصل به الجدب فيقتضي هلاك الحرث والنسل أو لما يقع له من غصبها ومنعها من حقها وصرفه في غير وجهه (والشجر) لقلعه إياها غصباً أو غصب ثمرها أو بما يحصل من الجدب لشوم معاصيه (والدواب) لاستعماله لها فوق طاقتها وتقصيره في علفها وسقيها أو للجدب بمعاصيه. قال النووي: معنى استراحة العباد من الفاجر اندفاع أذاه عنهم، وأذاه كون من وجوه منها ظلمة لهم، ومنه ارتكابه للمنكرات فإن أنكروها قاسوا مشقة من ذلك وربما نالهم ضرره وإن سكتوا عنه أثموا، وتعقب هذا
стр. 2257
متفق عليه.
١٦١٨- (٧) وعن عبد الله بن عمر، قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل،
ــ
بأن من ناله الأذى من أهل المنكر لا يأثم بترك الإنكار عليهم، ويكفيه أن ينكره بقلبه أو بوجه لا يناله به أذاه. قال النووي: واستراحة الدواب منه لأنه كان يؤذيها ويضربها ويحملها ما لا يطيقه ويجيعها في بعض الأوقات وغير ذلك واستراحة البلاد والشجر لأنها تمنع القطر بمعصية، ولأنها يغصبها ويمنعها حقها من الشرب. وقال الطيبي: أما استراحة البلاد والأشجار فإن الله تعالى بفقده يرسل السماء عليكم مدراراً ويحي به الأرض والشجر والدواب بعد ما حبس بشوم ذنوبه الأمطار (متفق عليه) أخرجه البخاري في آخر الرقاق، ومسلم في الجنائز، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص٣٠٢،٢٩٦،٣٠٤) ومالك، والنسائي في الجنائز والبيهقي (ج٣ ص٣٧٩) .
١٦١٨- قوله: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي) بكسر الكاف الموحدة وتخفيف التحتية مجمع العضد والكتف. قال الحافظ وضبط في بعض الأصول بمنكبتي بلفظ التثنية (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) قال الطيبي: أو يجوز أن تكون للتخيير والإباحة. والأحسن أن تكون بمعنى بل كما في قول الشاعر: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أو أنت في العين أملح، قال الجوهري: يريد بل أنت في العين أملح شبه النبي ﷺ الناسك السنالك أولاً بالغريب الذي ليس له مسكن يأويه ولا سكن يسلبه ثم ترقى وأضرب عنه بقوله أو عابر سبيل لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة ويقيم فيها بخلاف عابر السبيل القاصد للبلد الشاسع وبينه وبينها أودية مردية ومفاوز مهلكة وهو بمرصد من قطاع طريق، فهل له أن يقيم لحظة أو يسكن لمحة كلا، ومن ثم عقبه بقوله (عند أحمد والترمذي وابن ماجه) وعد نفسك في أهل القبور. وقال ابن عمر: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء أي سر دائماً ولا تفتر من السير ساعة فإنك إن قصرت في السير انقطعت عن المقصود وهلكت في تلك الأودية، وهذا معنى المشبه به، وأما المشبه فهو قوله وخذ من صحتك لمرضك يعني عمرك لا يخلو من الصحة والمرض فإذا كنت صحيحاً سر سيرك القصد بل لا تقنع به وزد عليه ما عسى أن يحصل لك الفتور بسبب المرض وفي قوله: ومن حياتك لموتك إشارة إلى أخذ نصيب الموت وما يحصل فيه من الفتور من السقم يعني لا تقعد بسبب المرض من السير كل القعود بل ما أمكنك منه فاجتهد فيه حتى تنتهي إلى لقاء الله وما عنده من الفلاح والنجاح وإلا خبت وخسرت- انتهى. وقال النووي: معنى الحديث لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطناً ولا تحدث نفسك بالبقاء
стр. 2258
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)) . رواه البخاري.
ــ
فيها ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه. وقيل: المراد أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا منزلة الغريب فلا يعلق قلبه بشيء من بلد الغربة بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه ويجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته وجهازه للرجوع إلى وطنه، وهذا شأن الغريب أو يكون كالمسافر لا يستقر في مكانه بعينه بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة ومن كانت هذه حاله في الدنيا فهمته تحصيل الزاد للسفر فليس له همة للاستكثار من طلب متاع الدنيا (وكان ابن عمر يقول) وفي رواية: ليث عن مجاهد عند الترمذي فقال لي ابن عمر إذا أصبحت إلخ وهو مقولة مجاهد أي قال ابن عمر مخاطباً لي (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء) وصية ابن عمر هذه مأخوذة من الحديث الذي رواه وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل وأن الإنسان إذا أمسى لم ينتظر الصباح وإذا أصبح لم ينتظر المساء بل يظن أن أجله يدرك قبل ذلك. قال القاري أي ليكن الموت في إمسائك وإصباحك نصب عينك مقصراً للأمل مبادراً للعمل غير مؤخر عمل الليل إلى النهار وعمل النهار إلى الليل (وخذ من صحتك) أي زمن صحتك (لمرضك) وفي رواية الترمذي: قبل سقمك أي خذ زاداً من وقت صحتك لوقت مرضك أي اغتنم صحتك واغتنم العمل فيها، والمعنى إشتغل في الصحة بالطاعة بحيث لو حصل تقصير في المرض لا تجبر بذلك (ومن حياتك لموتك) أي اغتنم الأعمال الصالحة في الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت. وزاد في رواية الترمذي: فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غداً يعني لعلك غداً من الأموات دون الأحياء أي لا يدري هل يقال لك حي أو ميت؟ وهذا القدر الموقوف من الحديث قد جاء معناه من حديث ابن عباس مرفوعاً أخرجه الحاكم: أن النبي ﷺ قال لرجل وهو يعظه اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وفي الحديث مس المعلم أعضاء المتعلم والموعوظ عند الموعظة، وذلك للتأنيس والتنبيه ولا يفعل ذلك غالباً إلا بمن يميل إليه، وفيه حرص النبي ﷺ على إيصال الخير لأمته والحض على ترك الدنيا والاقتصار على ما لابد منه (رواه البخاري) في الرقاق وأخرجه أيضاً الترمذي في الزهد، والبيهقي (ج٣ ص٣٦٩) وأخرجه أحمد (ج٢ ص٤١،٢٤،١٣٢) وابن ماجه في الزهد مقتصراً على الحديث المرفوع، وزاد أحمد، والترمذي، وابن ماجه: وعد نفسك في أهل القبور.
стр. 2259
١٦١٩- (٨) وعن جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)) رواه مسلم.
ــ
١٦١٩- قوله: (سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام) يفيد كمال ضبط الراوي وأحكام المروى (يقول لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) قال القاري: أي لا يموتن أحدكم في حال من الأحوال إلا في هذه الحالة، وهي حسن الظن بالله بأن يغفر له، فالنهي وإن كان في الظاهر عن الموت وليس إليه ذلك حتى ينتهي، لكن في الحقيقة عن حالة ينقطع عندها الرجاء لسوء العمل كيلا يصادفه الموت عليها، وفي الحديث حث على الأعمال الصالحة المقتضية لحسن الظن- انتهى. وقال السندي: أي دوموا على حسن الظن وأثبتوا عليه حتى يجيء الموت وأنتم عليه قيل الأمر بحسن الظن يستلزم الأمر بحسن العمل إذ لا يحسن الظن إلا عند حسن العمل. قال الخطابي: إنما يحسن الظن بالله من حسن عمله فكأنه قال أحسنوا أعمالكم بحسن ظنكم بالله تعالى إذ من ساء عمله ساء ظنه. وقد يكون أيضاً حسن الظن بالله من جهة الرجاء وتأميل عفوه عزوجل. وقال الطيبي: أي أحسنوا أعمالك الآن حتى يحسن ظنكم بالله عند الموت فإن من ساء عمله قبل الموت يسوء ظنه عند الموت. وقال النووي في شرح المهذب: معنى تحسين الظن بالله أن يظن إن الله تعالى يرحمه ويرجو ذلك بتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله تعالى وعفوه ورحمته وما وعد به أهل التوحيد وما يسره لهم من رحمته يوم القامة كما قال الله تعالى في الحديث الصحيح: أنا عند ظن عبدي بي. هذا هو الصواب في معنى الحديث، وهو الذي قاله جمهور العلماء، وشذ الخطابي فذكر تأويلاً آخر أن معناه أحسنوا أعمالكم حتى يحسن ظنكم بربكم فمن حسن عمله حسن ظنه ومن ساء عمله ساء ظنه، وهذا تأويل باطل نبهت عليه لئلا يغتر به، وقال في شرح مسلم هذا تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة، ومعنى إحسان الظن بالله أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه قالوا وفي حالة الصحة يكون خائفاً راجياً ويكونان سواء، وقيل: يكون الخوف أرجح فإذا دنت إمارات الموت غلب الرجاء أو محضه، لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال فاستحب إحسان الظن المتضمن الافتقار إلى الله تعالى والإذعان له، ويؤيده حديث يبعث كل عبد على ما مات عليه. قال العلماء: معناه يبعث على الحال التي مات عليها ومثله حديث ثم بعثوا على نياتهم- انتهى. وسيأتي شيء من الكلام على هذا في شرح أنس آخر أحاديث الفصل الثاني من هذا الباب (رواه مسلم) في صفة النار، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في الجنائز، وابن ماجه في الزهد، والبيهقي، (ج٣ ص٣٧٨) .
стр. 2260
﴿الفصل الثاني﴾
١٦٢٠- (٩) عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن شئتم أنبأتكم: ما أول ما يقول الله للمؤمنين يوم القيامة؟ وما أول يقولون له؟ قلنا نعم يا رسول الله! قال: إن الله يقول للمؤمنين: هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا! فيقول: لم؟ فيقولون: رجونا عفوك ومغفرتك، فيقول: قد وجبت لكم مغفرتي)) رواه في شرح السنة، وأبو نعيم في الحلية.
ــ
١٦٢٠- قوله: (إن شئتم أنبأتكم) أي أخبرتكم (ما) أي بالذي هو (أول ما يقول الله) وقال القاري: ما الأولى استفهامية والثانية موصولة (للمؤمنين) بلا واسطة أو بواسطة ملك (يوم القيامة وما أول ما يقولون) أي المؤمنون (له) أي لله تعالى (قلنا نعم) أخبرنا (يا رسول الله) وهذا توطئة للتهيؤ بالإصغاء للكلام ليحصل الإدراك على الوجه التام (هل أحببتم لقائي) قد تقدم أن المراد باللقاء المصير إلى دار الآخرة وطلب ما عند الله (فيقولون نعم يا ربنا) استعطاف لمزيد عطاءه ورضوانه (فيقول لم) أي لأي شيء أحببتم لقائي (رجونا عفوك ومغفرتك) فيه أن من حسن الظن بالله أحب لقاء الله، ولعل حكمة الاستفهام مع علمه تعالى ببواطنهم إعلام السامعين بسبب محبتهم للقاءه على حد أو لم تؤمن قال بلى (فيقول قد وجبت لكم مغفرتي) أي ثبتت لأن الله تعالى عند ظن عبده به (رواه) البغوي (في شرح السنة وأبونعيم) هو الحافظ الكبير محدث العصر أحمد بن عبد الله ابن أحمد بن إسحاق الأصبهاني الصوفي الأحول صاحب حلية الأولياء، كان من الأعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ الثقات أخذ عن الأفاضل وأخذوا عنه وانتفعوا به. قال المؤلف: هو من مشائخ الحديث الثقات المعمول بحديثهم المرجوع إلى قولهم كبير القدر ولد سنة (٣٣٤) وقيل (٣٣٦) ومات في صفر، وقيل: في العشرين من المحرم سنة (٤٣٠) بأصبهان وله من العمر (٩٦) سنة، وبسط الذهبي ترجمته في التذكرة (ج٣ ص٢٩١-٢٩٦) (في الحلية) قال ابن خلكان هو من أحسن الكتب. وقال السلفي: لم يصنف مثل كتاب حلية الأولياء. وقال حمزة بن العباس العلوي: كان أصحاب الحديث يقولون لما صنف أبونعيم كتاب الحلية حمل الكتاب في حياته إلى نيسابور فاشتروه بأربع مائة دينار، وله تصانيف أخرى مشهورة ككتاب معرفة الصحابة، والمستخرج على البخاري، والمستخرج على مسلم ودلائل النبوة، وفضائل الصحابة. وحديث معاذ بن جبل هذا أخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص٢٣٨) والطبراني في الكبير، وفيه عبيد الله بن زجر. قال الهيثمي: وهو ضعيف قلت: قال أبوزرعة الرازي صدوق، وقال النسائي لا بأس به، وحسن الترمذي غير ما حديث له.
стр. 2261
١٦٢١- (١٠) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت) رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
١٦٢٢- (١١) وعن ابن مسعود، أن النبي ﷺ قال ذات يوم لأصحابه: استحيوا من الله حق الحياء،
ــ
١٦٢١- قوله: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) بالذال المعجمة بمعنى قاطعها أو بالمهملة من هدم البناء، والمراد الموت وهو هاذم اللذات إما لأن ذكره يزهد فيها أو لأنه إذا جاء ما يبقى من لذائذ الدنيا شيئاً. قال ميرك: وصحح الطيبي بالدال المهملة حيث قال شبه اللذات الفانية والشهوات العاجلة، ثم زوالها ببناء مرتفع ينهدم بصدمات هائلة ثم أمر المنهمك فيها بذكر الهادم لئلا يستمر على الركون إليها ويشتغل عما يجب عليه من التزود إلى دار القرار- انتهى كلامه. لكن قال الأسنوي في المهمات: الهاذم بالذال المعجمة هو القاطع، كما قاله الجوهري. وهو المراد هنا، وقد صرح السهيلي في الروض الأنف: بأن الرواية بالذال المعجمة ذكر في غزوة أحد في الكلام على قتل وحشي لحمزة. وقال الجزري: هادم يروي بالدال المهملة أي دافعها أو مخربها وبالمعجمة أي قاطعها، وأختاره بعض من مشائخنا، وهو الذي لم يصحح الخطابي غيره وجعل الأول من غلط الرواة، كذا في المرقاة. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٥٢) ذكر السهيلي في الروض أن الرواية فيه بالذال المعجمة، ومعناه القاطع، وأما بالمهملة فمعناه المزيل للشيء وليس ذلك مراداً هنا وفي هذا النفي نظر لا يخفى- انتهى كلام الحافظ. قال الأمير اليماني: يريد أن المعنى على الدال المهملة صحيح فإن الموت يزيل اللذات كما يقطعها ولكن العمدة الرواية والحديث دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يغفل عن ذكر أعظم المواعظ وهو الموت (الموت) بالجر عطف بيان وبالرفع خبر مبتدأ محذوف هو هو وبالنصب على تقدير أعني يعني أذكروه ولا تنسوه لأنه أزجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة وهذا تفسير من بعض الرواة ففي الترمذي وابن ماجه يعني الموت (رواه الترمذي) في الزهد وحسنه (والنسائي) في الجنائز (وابن ماجه) في الزهد، وأخرجه أحمد، وصححه ابن حبان والحاكم (ج٤ ص٣٢١) وابن السكن وابن طاهر كلهم من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأعله الدارقطني بالإرسال، كذا في التلخيص وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط بإسناد حسن والبيهقي في شعب الإيمان، وفي الباب عن أنس وابن عمرو أبي سعيد ذكرهم المنذري في الترغيب (ج٤ ص٧٠-٧١) والمتقي في الكنز (ج٨ ص٧٠-٧١) .
١٦٢٢- قوله: (ذات يوم) قيل: ذات مقحم. وقيل: صفة لمدة. وقيل: غير ذلك (لأصحابه) ليس هذا اللفظ في مسند الإمام أحمد ولا في الترمذي (استحيوا من الله حق الحياء) أي حياء ثابتاً لازماً صادقاً، قاله المناوي. وقيل:
стр. 2262
قالوا: إنا نستحي من الله يا نبي الله! والحمد لله، قال: ليس ذلك، ولكن من استحي من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحي من الله حق الحياء))
ــ
أي اتقوا الله حق تقاته (قالوا إنا نستحي من الله يا نبي الله) وفي المسند: قال قلنا يا رسول الله إنا نستحي، وفي الترمذي: قلنا يا نبي الله إنا لنستحي. قال القاري: لم يقولوا حق الحياء اعترافاً بالعجز عنه (والحمد لله) على توفيقنا به (قال ليس ذلك) أي ليس حق الحياء من الله تعالى ما تحسبونه (فليحفظ الرأس) أي عن استعماله في غير طاعة الله بأن لا تسجد لغيره ولا تصلي للرياء ولا تخضع به لغير الله ولا ترفعه تكبراً على عباد الله (وما وعى) من الوعي وهو الحفظ أي ما جمعه الرأس من اللسان والعين والأذن عما لا يحل (وليحفظ البطن) أي عن أكل الحرام (وما حوى) أي ما اتصل اجتماعه به من الفرج والرجلين واليدين والقلب، فإن هذه الأعضاء متصلة بالجوف وحفظها بأن لا تستعملها في المعاصي بل في مرضاة الله تعالى. قال الطيبي: أي ليس حق الحياء من الله ما تحسبونه بل أن يحفظ نفسه بجميع جوارحه، وقوله: عما لا يرضاه فليحفظ رأسه وما وعاه من الحواس الظاهرة والباطنة من السمع والبصر واللسان حتى لا يستعملها إلا في ما يحل والبطن وما حوى أي لا يجمع فيها إلا الحلال ولا يأكل إلا الطيب، وقوله: ليس ذلك رد لحملهم الحياء على ما تعورف مطلقاً لما ضم إليه من التقييد بقوله حتى الحياء ولذلك أعادها في الجواب يعني حق الحياء، أن لا يترك شيئاً منها وما يتصل بها وما يتفرغ عليها إلا أن يتحرى ويقام به كما قال الله تعالى ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال صاحب الكشاف: أي واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام بالواجب واجتناب المحارم ونحوه فاتقوا الله ما استطعتم يريد بالغوا بالتقوى حتى لا تتركوا في المستطاع منها شيئاً- انتهى. (وليذكروا الموت والبلى) بكسر الباء من بلى الشيء إذا صار خلقاً متفتتاً يعني وليذكر صيرورته في القبر عظاماً بالية، لأن من ذكر هذا هان عليه ما فاته من اللذات العاجلة وأهمه ما يجب عليه من طلب الآجلة (ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا) فإنهما لا يجتمعان على وجه الكمال حتى للأقوياء، قاله القاري. وقال المناوي: لأنهما ضرتان فمتى أرضيت أحديهما أغضبت الأخرى، واللفظ المذكور لأحمد، ولفظ الترمذي: ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ويذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى (فمن فعل ذلك) أي جميع ما ذكر (فقد استحي من الله حق الحياء) قال الطيبي: المشار إليه جميع ما سبق فمن أهمل من ذلك شيئاً لم يخرج من عهدة الاستحياء فظهر من هذا أن جبلة الإنسان وخلقته من رأسه إلى قدمه ظاهره وباطنه معدن العيب ومكان المخازي وأن الله سبحانه وتعالى
стр. 2263
رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
١٦٢٣ - (١٢) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تحفة المؤمن الموت)) رواه البيهقي في شعب الإيمان.
ــ
هو العالم والواقف على ما ينشأ منها من القبائح فحق الحياء أن يستحي منه ويصونها عما يعاب فيها (رواه أحمد) (ج١ص٣٨٧) (والترمذي) في الزهد (وقال) أي الترمذي (هذا حديث غريب) إنما نعرفه من حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد - انتهى. قلت: أبان بن إسحاق الأسدي ثقة تكلم فيه الأزدي بلا حجة. وثقة العقيلي، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن معين: ليس به بأس، والصباح بن محمد البجلي الأحمسي ضعيف، أفرط فيه ابن حبان. وقال العقيلي: في حديثه وهم، ويرفع الموقوف. وقال الذهبي في الميزان: رفع حديثين هما من قول عبد الله يعني هذا، والذي رواه أحمد في مسنده (ج١ص٣٨٧) بلفظ إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم- الحديث. وحديث الباب رواه الحاكم في المستدرك (ج٤ص٣٢٣) ولكن سمي رواية الصباح بن محارب. قال الشيخ أحمد شاكر: وهو خطأ عجيب فليس للصباح بن محارب رواية في هذا الحديث ولا هو من هذه الطبقة بل هو متأخر عن الصباح بن محمد ثم الحديث حديث الصباح بن محمد دون شك وأعجب منه أن يوافقه الذهبي على ذكر الصباح بن محمد وعلى تصحيح الحديث- انتهى. والحاصل أن سنده ضعيف، ويؤيده ما روى عن عائشة مرفوعاً بنحوه عند الطبراني في الأوسط، ذكره المنذري في الترغيب (ج٤ص٧١) .
١٦٢٣- قوله: (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (تحفة المؤمن الموت) لما كانت الدنيا دار همّ وبالموت يستريح الشخص من مشقة مجاهدة النفس وغيرها، وبه يصل المحبوب إلى محبة والحياة سجن كأن الموت تحفة، وهي اسم لما كان به العبد من النفائس. وقيل: التحفة البر واللطف والطرفة، فالمراد أن الموت لطف من الله تعالى للمؤمن وبر منه ونعمة هنيئة له يوصله إلى جنته وقربه ويذهب عنه مشقة الدنيا وشدتها. وقال الطيبي: اعلم أن الموت ذريعة إلى وصول السعادة الكبرى ووسيلة إلى نيل الدرجات العلى وهو أحد الأسباب الموصلة إلى النعيم المقيم وهو انتقال من دار إلى دار، فهو وإن كان في الظاهر فناء واضمحلالاً ولكنه في الحقيقة ولادة ثانية وهو باب من أبواب الجنة منه يتوصل إليها ولو لم يكن الموت لم يكن الجنة. وفي النهاية: التحفة طرفة الفاكهة وقد تفتح الحاء ثم تستعمل في غير الفاكهة من الألطاف. قال الأزهري: أصلها وحفة فأبدلت الواو تاء يريد به ماله عند الله من الخير الذي لا يصل إليه إلا بالموت- انتهى. (رواه البيهقي إلخ) وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير، وأبونعيم في الحلية، والحاكم في المستدرك كما في الجامع الصغير، ونسبه المنذري في الترغيب والهيثمي في مجمع
стр. 2264
١٦٢٤- (١٣) وعن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن يموت بعرق الجبين)) رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
١٦٢٥- (١٤) وعن عبيد الله بن خالد، قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
الزوائد إلى الطبراني. قال المنذري: إسناده جيد. وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وفي الباب عن جابر عند الدارقطني كما في الكنز (ج٨ص٧٧) .
١٦٢٤ – قوله: (المؤمن يموت بعرق) بفتح العين المهملة والراء (الجبين) أي متلبساً بعرق الجبين، والحديث قد اختلف في معناه، فقيل: إن عرق الجبين يكون لما يعالج من شدة الموت فقد تبقى عليه بقية من الذنوب فيشدد عليه وقت الموت ليخلص منها أو يكون ذلك لما يشدد عليه عند الموت لتزيد درجته، والمعنى أن حالة الموت ونزوع الروح شديد عليه فهو صفة لكيفية الموت وشدته على المؤمن وقيل هو من الحياء فإنه إذا جاءته البشرى مع ما كان قد اقترف من الذنوب حصل له بذلك خجل وحياء من الله تعالى فيعرق لذلك جبينه وقيل يحتمل أن عرق الجبين علامة جعلت لموت المؤمن وإن لم يعقل معناه وقيل كناية عن كده في طلب الحلال وتضييقه على النفس بالصوم والصلاة إلى وقت الموت، والمعنى أنه يدركه الموت في حال كونه على هذه الحالة الشديدة التي يعرق منها الجبين فهو صفة للحال التي يفاجئه الموت عليها (رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه) في الجنائز، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص٣٥٠، ٣٥٧، ٣٦٠) والحاكم في المستدرك (ج١ص٣٦١) وقال على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال بعض أهل الحديث: لا نعرف لقتادة سماعاً من عبد الله بن بريدة- انتهى. قلت: قتادة بن دعامة السدوسي حافظ ثقة ثبت، لكنه مدلس ولم يصرح هنا بالتحديث. وقال البخاري: لا نعرف له سماعاً من ابن بريدة، وذكره الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٨ص٣٥٥) وعبد الله بن بريدة من ثقات التابعين إلا أنه تكلم في روايته عن أبيه بريدة. قال البغوي: عن محمد بن علي الجوزجاني عن أحمد أنه ضعفه فيما يروي عن أبيه. وقال إبراهيم الحربي: عبد الله أشهر من أخيه سليمان ولم يسمعا من أبيهما وفيما روى عبد الله عن أبيه أحاديث منكرة وسليمان أصح حديثاً- انتهى. وله في البخاري من روايته عن أبيه فرد حديث ووافقه مسلم على إخراجه، وفي الباب عن ابن مسعود أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات ورجال الصحيح، قاله الهيثمي (ج٢ص٣٢٠) .
١٦٢٥- قوله: (وعن عبيد الله بن خالد) كذا في جميع النسخ، وهو غلط، والصواب عبيد بن خالد وهو عبيد بن خالد السلمي البَهْزي، صحابي مهاجري، يكنى أباعبد الله، سكن الكوفة. وروى عنه جماعة من
стр. 2265
((موت الفجاءة أخذة الأسف)) رواه أبوداود،
ــ
الكوفيين، منهم سعد بن عبيدة، وتميم بن سلمة، شهد صفين مع علي، وبقي إلى إمرة الحجاج (موت الفجاءة) بضم الفاء والمد، أو بفتح الفاء وسكون الجيم بلا مد أي الموت بغتة. قال الجزري في النهاية: يقال فَجِئَه الأمر وَفَجأهُ فَجاءة بالضم والمد، وفاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب، وقيده بعضهم بفتح الفاء وسكون الجيم من غير مد- انتهى. (أخذة الأسف) هكذا في جميع النسخ. وفي أبي داود: أخذة أسف بدون اللام، وكذا في مسند الإمام أحمد والبيهقي، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج١١ص٣٩٨) والسيوطي في الجامع الصغير، وعلى المتقى في الكنز، والأسف روى بفتح المهملة بمعنى السخط والغضب، وبكسرها ككتف بمعنى الساخط والغضبان. قيل وهذه الإضافة فيه بمعنى من نحو خاتم فضة. قال الزين: لأن اسم الغضب يقع على الأخذة وقوع اسم الفضة على الخاتم يعني أن موت الفجاءة من آثار غضب الله وسخطه حيث لم يتركه، لأن يستعد للآخرة بالتوبة والعمل ولم يمرضه ليكون كفارة لذنوبه، وهذا للكافر ولمن ليس على طريقة محمودة (أي الفاسق الغير المتأهب للموت) بدليل الرواية الأخرى. قال التوربشتي: والمعنى أن موت الفجاءة من آثار غضب الرب. لأنه أخذ بغتة فلم يتفرغ لأن يستعد لمعاده على سنة من درج من عصاة الأولين. قال الله تعالى: ﴿أخذناهم بغتة﴾ [الأنعام: ٤٤] قال: والحديث مخصوص بالكفار للحديث الآخر، والظاهر أن موت الفجاءة مما لا يحمد ويستعاذ منه بالله- انتهى. قلت: روى الطبراني في الأوسط عن أبي أمامة قال: كان النبي ﷺ يتعوذ من موت الفجاءة وكان يعجبه أن يمرض قبل أن يموت. قال الهيثمي: وفيه عثمان بن عبد الرحمن القرشي، وهو متروك، وروى أحمد والبزار والطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ استعاذ من سبع موتات موت الفجاءة ومن لدغ الحية- الحديث. قال الهيثمي: وفيه ابن لهيعة (رواه أبوداود) في الجنائز وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣ص٤٢٤) والبيهقي (ج٣ص٣٧٨) واختلف فيه على شعبة عن منصور، فرواه يحيى بن سعيد عن شعبة مرة مرفوعاً مرة أخرى موقوفاً من قول عبيد بن خالد، ورواه عنه روح بن عبادة فرفعه، كما في البيهقي، ورواه محمد بن جعفر عنه فوقفه، كما في مسند الإمام أحمد، والبيهقي. قال المنذري في مختصر السنن: قد روى هذا الحديث من حديث عبد الله بن مسعود (عند البيهقي واختلف في رفعه ووقفه) وأنس بن مالك وأبي هريرة وعائشة (حديث عائشة أخرجه أحمد والبيهقي والطبراني في الأوسط، وذكر البيهقي الاختلاف في رفعه ووقفه، وفيه أيضاً عبيد الله بن الوليد الوصافي. قال الهيثمي: متروك) وفي كل منها مقال. وقال الأزدي: ولهذا الحديث طرق عن رسول الله ﷺ . قال المنذري: وحديث عبيد هذا رجال إسناده ثقات والوقف فيه لا يؤثر فإن مثله لا يؤخذ بالرأي وكيف وقد أسنده مرة الراوي- انتهى.
стр. 2266
وزاد البيهقي في شعب الإيمان، ورزين في كتابه: أخذة الأسف للكافر ورحمة للمؤمن.
١٦٢٦- (١٥) وعن أنس، قال: دخل النبي ﷺ على شاب وهو في الموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله يا رسول الله! وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : ((لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف)) . رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
ــ
(وزاد البيهقي في شعب الإيمان ورزين في كتابه) التجريد، وقول المصنف زاد إلخ. يدل بظاهره على أن الزيادة "للكافر ورحمة للمؤمن" وقع عند البيهقي ورزين في حديث عبيد بن خالد، وفيه نظر، فإن الرواية مع الزيادة المذكورة حديث آخر مستقل مروي عن عائشة. أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن الكبرى (ج٣ص٣٧٩) وقد تقدم الكلام فيه آنفاً (أخذة الأسف) وفي بعض النسخ: أخذة أسف، كما في البيهقي وغيره، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (للكافر) وعند البيهقي وأحمد والطبراني الفاجر وهو يعم الكافر والفاسق الغير المتأهب للموت (ورحمة) بالرفع (للمؤمن) أي المتأهب المراقب له.
١٦٢٦- قوله: (وهو في الموت) أي في سكراته (كيف تجدك) قال ابن الملك: أي كيف تجد قلبك أو نفسك في الانتقال من الدنيا إلى الآخرة أراجياً رحمة الله أو خائفاً من غضب الله (أرجو الله) أي أجدني أرجو رحمته (وإني) أي مع هذا (أخاف ذنوبي) قال الطيبي: علق الرجاء بالله والخوف بالذنب، وأشار بالفعلية إلى أن الرجاء حدث عند السياق (النزع) وبالاسمية والتأكيد بأن إلى أن خوفه كان مستمراً محققاً (لا يجتمعان) أي الرجاء والخوف (في مثل هذا الموطن) أي في هذا الوقت، وهو زمان سكرات الموت ومثله كل زمان يشرف على الموت حقيقة أو حكماً كوقت المبارزة وزمان القصاص ونحوهما. فلا يحتاج إلى القول بزيادة المثل. وقال الطيبي: مثل زائدة، والموطن إما مكان أو زمان كمقتل الحسين رضي الله تعالى عنه (ما يرجو) أي من الرحمة (وآمنه مما يخاف) أي من العقوبة بالعفو والمغفرة. قال السندي: والحديث يدل على أنه ينبغي وجود الأمرين (الرجاء والخوف) على الدوام حتى في ذلك الوقت (أي وقت الإشراف على الموت) وأنه لا ينبغي أن يغلب في ذلك الوقت بحيث لا يبقي من الخوف شيء- انتهى. فالحديث مؤيد لمن قال لا يهمل عند الإشراف على الموت جانب الخوف أصلاً بحيث يجزم أنه آمن، وفيه رد على من استحب الاقتصار على الرجاء في ذلك الوقت. والله تعالى اعلم (رواه الترمذي) في الجنائز (وابن ماجه) في الزهد، وأخرجه أيضاً ابن السني
стр. 2267
﴿الفصل الثالث﴾
١٦٢٧- (١٦) عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله عزوجل الإنابة)) رواه أحمد.
١٦٢٨- (١٧) وعن أبي أمامة، قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ ، فذكرنا ورققنا،
ــ
في اليوم والليلة (ص١٧٢) وابن أبي الدنيا كلهم من رواية جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس. قال الترمذي: حديث غريب. وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي ﷺ مرسلاً- انتهى. وقال المنذري في الترغيب: إسناده حسن، فإن جعفراً صدوق صالح، احتج به مسلم، وتكلم فيه الدارقطني وغيره- انتهى.
١٦٢٧- قوله: (لا تمنوا الموت) بحذف إحدى التائين (فإن هول المطلع) بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام موضع الإطلاع من إشراف إلى انحدار، والمراد ما يطلع عليه العبد من أهوال الآخرة في مواقف القيامة، أو أمور بطلع عليها عقب الموت من أحوال البرزخ (شديد) أي لا فائدة في تمني الموت إلا تمني الشدائد والآلام، وليس هذا من شأن العاقل (وإن من السعادة) أي العظمى (أن يطول عمر العبد) بضم الميم ويسكن (ويرزقه الله عزوجل الإنابة) أي الرجوع والإقبال إليه. قال في النهاية: المطلع مكان الإطلاع من موضع عال يقال مطلع هذا الجبل من موضع كذا أي ماتأه ومصعده يريد به ما يشرف عليه من سكرات الموت وشدائده، فشبهه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال. قال الطيبي: علل النهي عن تمني الموت أولاً بشدة المطلع، لأنه إنما يتمناه من قلة صبر وضجر فإذا جاءه متمناه يزداد ضجراً على ضجر فيستحق مزيد سخط، وثانياً بحصول السعادة في طول العمر لأن الإنسان إنما خلق لاكتساب السعادة السرمدية ورأس ماله العمر، وهل رأيت تاجراً يضيع رأس ماله فإذا بم يربح إذا ضيعه- انتهى. وقال ميرك: يجوز أن يكون المراد من المطلع زمان إطلاع ملك الموت أو المنكر والنكير أو زمان إطلاع الله تعالى بصفة الغضب في القيامة أو زمان الإطلاع على أمور تترتب على الموت (رواه أحمد) (ج٣ص٣٣٢) بإسناد حسن، وأخرجه أيضاً البيهقي وابن منيع وعبد بن حميد، وعزاه الهيثمي (ج١٠ص٢٠٣) لأحمد والبزار، وقال: إسناده حسن.
١٦٢٨- قوله: (جلسنا إلى رسول الله ﷺ ) أي متوجهين إليه (فذكرنا) بالتشديد من التذكير أي العواقب أو وعظنا (ورققنا) من الترقيق أي رقق أفئدتنا بالتذكير، قاله الطيبي. وقيل: أي زهدنا في الدنيا
стр. 2268
فبكا سعد بن أبي وقاص، فأكثر البكاء، فقال: يا ليتني مت، فقال النبي ﷺ : ((يا سعد! أعندي تتمنى الموت؟! فردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: يا سعد! إن كنت خلقت للجنة فما طال عمرك وحسن من عملك، فهو خير لك)) . رواه أحمد.
١٦٢٩- (١٨) وعن حارثة بم مضرب،
ــ
ورغبنا في الأخرى (يا ليتني مت) بضم الميم وكسرها أي في الصغر أو قبل ذلك مطلقاً حتى استريح مما اقترفت (أعندي) بهمزة الاستفهام للإنكار (تتمنى الموت) يعني لتمنيه بعدي وجه في الجملة، وأما مع وجودي فكيف يطلب العدم، قاله القاري. وقيل تتمنى الموت وقد نهيت عن تمنيه لما فيه من النقص من الأجر والدرجات التي تحصل بسبب كثرة العمل وحسنه في طول العمر. وقيل: المراد بحضرتي وحياتي تتمنى الموت وحضورك عندي ومشاهدتك لجمالي وكمالي خير لك من الموت وإن حصل لك بعد الموت درجات فكل ذلك لا يوازي النظر إلى وجهي (فردد) أي النبي ﷺ (ذلك) أي يا سعد إلخ (ثلاث مرات) لتأكيد الإنكار (إن كنت) أي لا وجه لتمني الموت فإنك إن كنت (خلقت للجنة فما طال عمرك) قال الطيبي: ما مصدرية والوقت مقدر، ويجوز أن تكون موصولة والمضاف محذوف أي الزمان الذي طال فيه عمرك (وحسن من عملك) قال الطيبي: "من" زائدة على مذهب الأخفش أو تبعيضية أي حسن بعض عملك (فهو) أي ما ذكر من طول العمر وحسن العمل قال الطيبي: الفاء داخلة على الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط (خير لك) زاد الطبراني فيه، وإن كنت خلقت للنار فبئس الشيء تتعجل إليه. قال الطيبي: فإن قيل هو من العشرة المبشرة فكيف قال إن كنت أجيب بأن المقصود التعليل لا الشك أي كيف تتمنى الموت عندي وأنا بشرتك بالجنة، أي لا تتمن لأنك من أهل الجنة وكلما طال عمرك زادت درجتك. ونظيره في التعليل قوله تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٣٩] فقيل له: الشهادة خير لك مما طلبت، وهي إنما تحصل بالجهاد، ويعضده ما ورد في المتفق عليه عن سعد أنه قال أخلف بعد أصحابي قال ﷺ إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون- انتهى. وقيل: يحتمل أن هذا الحديث وقع البشارة (رواه أحمد) (ج٥ص٢٦٧) وأخرجه أيضاً الطبراني وابن عساكر، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف لكن الحديث يؤيده ما جاء من الأحاديث في طول عمر المؤمن والنهي عن تمنيه الموت.
١٦٢٩- قوله: (وعن حارثة) بالحاء المهملة والثاء المثلثة (بن مضرب) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة العبدى الكوفي، ثقة من كبار التابعين غلط من نقل عن ابن المديني أنه تركه
стр. 2269
قال: دخلت على خباب وقد اكتوى سبعاً، فقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يتمن أحدكم الموت لتمنيته، ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ ما أملك درهماً، وإن في كل جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم، قال: ثم أتى بكفنه، فلما رآه بكى، وقال: لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء
ــ
(دخلت على خباب) بالموحدتين الأولى مثقلة ابن الأرت بهمزة وراء مفتوحتين، وشدة مثناة فوق تميمي سبى في الجاهلية وبيع بمكة ثم حالف بني زهرة وأسلم قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم. قيل: إنه أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، فعذب عذاباً شديداً لذلك ذكر أن عمر بن الخطاب سأله عما لقي في ذات الله فكشف عن ظهره فقال عمر ما رأيت كاليوم قال خباب لقد أوقدت لي نار وسحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري، شهد بدراً والمشاهد كلها وكان قيناً في الجاهلية يعمل السيوف، ونزل الكوفة، ومات بها سنة (٣٧) منصرف علي ﵁ من صفين وصلى عليه علي ﵁، وقيل: لما رجع على من صفين مر على قبر خباب فقال رحم الله خباباً، أسلم راغباً وهاجر طائعاً وعاش مجاهداً وابتلى في جسمه أحوالاً ولن يضيع الله أجره (وقد اكتوى) من الكي، وهو إحراق الجلد بحديدة ونحوها (سبعاً) أي في سبع مواضع من بدنه. وفي رواية الترمذي: وقد اكتوى في بطنه. قال الطيبي: الكي علاج معروف في كثير من الأمراض، وقد ورد النهي عن الكي، فقيل النهي لأجل أنهم كانوا يرون أن الشفاء منه. وأما إذا اعتقد أنه سبب ,ان الشافي هو الله فلا بأس به، ويجوز أن يكون النهي من قبل التوكل، وهو درجة أخرى غير الجواز- انتهى. ويؤيده حديث لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون (لا يتمن) بصيغة النهي وفي رواية أخرى لأحمد: لا يتمنى (أحدكم الموت) أي لضر نزل به (لتمنيته) أي لأستريح من شدة المرض الذي من شأن الجبلة البشرية أن تنفرد منه ولا تصبر عليه (لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ ما أملك درهماً) كأكثر الصحابة لأن الفتوحات العظيمة لم تقع إلا بعد ألا ترى أن عبد الله بن أبي السرح لما افتتح افرقية في زمن عثمان بلغ سهم الفارس فيه ثلاثة آلاف دينار (قال) أي حارثة (ثم أتى) على بناء المفعول (بكفنه) وكان نفيساً من الأقمشة (فلما رآه) أي ما هو عليه من الحسن والبهاء (بكى) قال الطيبي: كأنه اضطر إلى تمنى الموت إما من ضر أصابه فاكتوى بسببه أو غنى خاف منه والظاهر الثاني، ولذا عقبه بالجملة القسمية، وبين فيها تغير حالتيه حالة صحبته مع رسول الله ﷺ وحالته يومئذ ثم قال حاله في جودة الكفن على حال عم رسول الله ﷺ من تكفينه و (لكن حمزة) عم رسول الله ﷺ (لم يوجد له كفن إلا بردة) بالرفع على البدلية (ملحاء) بفتح الميم وسكون اللام أي فيها خطوط بيض وسود
стр. 2270
إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مدت على رأسه، وجعل على قدميه الإذخر)) . رواه أحمد، والترمذي، إلا أنه لم يذكر: ثم أتى بكفنه إلى آخره.
(٣) باب ما يقال عند من حضره الموت
﴿الفصل الأول﴾
١٦٣٠- ١٦٣١- (١- ٢) عن أبي سعيد، وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((لقنوا موتاكم
ــ
(إذ جعلت) أي البردة (على رأسه قلصت) بفتحتين أي قصرت وانكشفت واجتمعت وانضمت (حتى مدت) بضم الميم أي وضعت ممدودة (وجعل على قدميه الإذخر) حشيشة معروفة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب وتجعل في القبور. قال الطيبي: لكن تستدعى المخالفة بالنفي والإثبات بين الكلامين لفظاً أو معنى، فأين المخالفة بينهما. قلت: المعنى إني تركت متابعة أولئك السعادة الكرام وما اقتفيت أثرهم حيث هيأت لكفني مثل هذا الثوب النفيس لكن حمزة سار بسيرهم فما وجد ما يواريه حيث جعل على قدميه الإذخر- انتهى. (رواه أحمد) (ج٥ص١١١وج٦ص٣٩٥- ٣٩٦) (والترمذي) في الجنائز (إلا أنه) أي الترمذي (لم يذكر ثم أتى بكفنه إلى آخره) لحديث حارثة بن مضرب ثلاث طرق: الأولى طريق شريك عن أبي إسحاق عن حارثة عند أحمد (ج٥ص١٠٩) اقتصر فيها على ذكر النهي عن تمني الموت. والثانية طريق شعبة عن أبي إسحاق، وهي عند الترمذي، وكذا عند أحمد (ج٥ص١١٠) . والثالثة طريق إسرائيل عن أبي إسحاق، وهي عند أحمد (ج٦ص٣٩٥- ٣٩٦) وهي التي ذكر لفظها في المشكاة.
(باب ما يقال عند من حضره الموت) أي علامته.
١٦٣٠- ١٦٣١- قوله: (لقنوا) أي ذكروا (موتاكم) أي الذين هم في سياق الموت سماهم الموتى، لأن الموت قد حضر لهم. قال الطيبي: أي من قرب منكم الموت سماه باعتبار ما يؤل إليه مجازاً، وعليه يحمل قوله ﵊: اقرؤا على موتاكم يس- انتهى. ويدل عليه أن ابن حبان روى هذا الحديث عن أبي هريرة
стр. 2271
لا إله إلا الله)) رواه مسلم.
ــ
باللفظ المذكور وزاد فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة يوماً من الدهر وإن أصابه ما أصاب قبل ذلك، ذكره الحافظ في التلخيص. وقال فيه: وروى من حديث عطاء بن السائب عن أبيه عن جده بلفظ: من لقن عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة- انتهى. والتلقين أن يذكره عنده ويقوله بحضرته ويتلفظ به عنده حتى يسمع ليتفطن فيقوله لا أن أن يأمره به ويقول قل لا إله إلا الله إلا أن يكون كافراً فيقول له قل كما قال رسول الله ﷺ لعمه أبي طالب وللغلام اليهودي. والمقصود من هذا التلقين أن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله كما في الحديث الآتي في الفصل الثاني من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، ولذلك قالوا إذا قال مرة لا تعاد عليه إلا أن يتكلم بكلام آخر. وفي الترمذي: روى عن ابن المبارك أنه لما حضرته الوفاة جعل رجل يلقنه لا إله إلا الله ويكثر عليه فقال له عبد الله إذا قلت ذلك مرة فإنا على ذلك ما لم أتكلم بكلام. قال النووي: والأمر بهذا التلقين أمر ندب، وأجمع العلماء على هذا التلقين وكرهوا الإكثار عليه والموالاة لئلا يضجر بضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق - انتهى. وقال القاري: الجمهور على أنه يندب هذا التلقين، وظاهر الحديث يقتضي وجوبه وذهب إليه جمع بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه- انتهى. (لا إله إلا الله) قيل: أي ومحمد رسول الله، فالمراد كلمتا الشهادة. قال الزين بن المنير: قول لا إله إلا الله لقب جري على النطق بالشهادتين شرعاً- انتهى. وقال الدميري: نقل في الروضة عن الجمهور الاقتصار على لا إله إلا الله، ونقل جماعة من الأصحاب أنه يضيف إليها محمد رسول الله، لأن المراد ذكر التوحيد، والمراد موته مسلماً ولا يسمى مسلماً إلا بهما والأول أصح. أما إذا كان المحتضر كافراً فينبغي الجزم بتلقين الشهادتين لأنه لا يصير مسلماً إلا بهما، كذا في السراج المنير. قلت: كلمة لا إله إلا الله كلمة إسلام وكلمة ذكر فإذا قالها الكافر ليدخل في الإسلام، فهي كلمة إسلام وكلمة الإسلام هي كلمتا الشهادة جميعاً، وإذا ذكر بها المسلم فهي ذكر كسائر الأذكار، كما قال ﷺ أفضل الذكر لا إله إلا الله، والظاهر أن المراد في حديث الباب تلقينها من حيث أنها كلمة ذكر فلا يشترط قول محمد رسول الله عند المحتضر فإنه ليس بذكر وإن كان ركن الإسلام، والمراد بموتاكم موتى المسلمين. وأما موتى غيرهم فيعرض عليهم الإسلام كما عرضه ﵇ على عمه عند السياق وعلى الغلام الذمي الذي كان يخدمه. قال في المجموع: يذكر عند المحتضر لا إله إلا الله بلا زيادة عليها فلا تسن زيادة محمد رسول الله لظاهر الأخبار وقيل: تسن زيادته لأن المقصود بذلك التوحيد، ورد بأن هذا موحد، ويؤخذ من هذه العلة ما بحثه الأسنوي: أنه لو كان كافراً لقن الشهادتين وأمر بهما، قال القسطلاني (رواه مسلم) في الجنائز، والحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير. وقال: رواه أحمد، ومسلم والأربعة (الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه)
стр. 2272
١٦٣٢- (٣) وعن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا حضرتم المريض، أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)) رواه مسلم.
١٦٣٣- (٤) وعنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به
ــ
عن أبي سعيد ومسلم وابن ماجه عن أبي هريرة والنسائي عن عائشة- انتهى. وفي الباب عن جماعة من الصحابة، كما في مجمع الزوائد والنيل. قال العقيلي: روى في الباب أحاديث صحاح عن غير واحد من الصحابة.
١٦٣٢- قوله: (وعن أم سلمة) أم المؤمنين (إذا حضرتم المريض أو الميت) أي الحكمي، وهو المحتضر فأو للشك أو الحقيقي فأو للتنويع، قاله القاري. وفي أبي داود والبيهقي: إذا حضرتم الميت من غير ذكر المريض (فقولوا خيراً) قال السندي: أي أدعوا له بالخير لا بالشر أو أدعوا بالخير مطلقاً لا بالويل ونحوه والأمر للندب، ويحتمل أن المراد فلا تقولوا شراً فالمقصود النهي عن الشر بطريق الكناية لا الأمر بالخير- انتهى. وقال المظهر: أي ادعوا للمريض بالشفاء وقولوا: اللهم اشفه وللميت بالرحمة والمغفرة وقولوا اللهم اغفر له وارحمه (فإن الملائكة) أي ملك الموت وأعوانه أو غيره (يؤمنون) بالتشديد من التأمين أي يقولون آمين (على ما تقولون) أي من الدعاء خيراً أو شراً ودعاء الملائكة مستجاب، وفي الحديث الندب إلى قول الخير حينئذ من الدعاء والاستغفار وطلب اللطف به والتخفيف عنه ونحوه، وفيه حضور الملائكة حينئذ وتأمينهم، قاله النووي. (رواه مسلم) في الجنائز مطولاً. وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٣٨٤) وابن أبي شيبة (ج٤ ص٧٤) .
١٦٣٣- قوله: (ما من مسلم تصيبه مصيبة) أي مصيبة كانت لقوله ﷺ كل شيء ساء المؤمن فهو مصيبة رواه ابن السني، قاله الزرقاني. (فيقول ما أمره الله به) المراد بالأمر الندب بالترغيب فيه وترتيب الأجر فإنه بمنزلة الندب وإلا فلا أمر في قوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين﴾ الآية [البقرة:١٥٥﴾ وقال الآبي: يحتمل الأمر أنه بوحي في غير القرآن، ويحتمل أن الأمر مفهوم من الثناء على قائل ذلك، لأن المدح على الفعل يستلزم الأمر به. وقال الباجي: لم يرد لفظ الأمر بهذا القول، لأنه إنما ورد القرآن بتبشير من قاله والثناء عليه، ويحتمل أن يشير إلى غير القرآن فيخبر ﷺ عن أمر الباري لنا بذلك، ولذا وصله بقوله اللهم أجرني إلخ. وقال الطيبي: فإن قلت أين الأمر في الآية؟ قلت: لما أمره بالبشارة وأطلقها ليعم كل مبشر به، وأخرجه مخرج الخطاب ليعم كل أحد نبه على تفخيم الأمر وتعظيم شأن هذا القول، فنبه بذلك على كون القول مطلوباً وليس الأمر
стр. 2273
إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها. فلما مات أبوسلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ
ــ
إلا طلب الفعل. وأما التلفظ بذلك مع الجزع فقبيح وسخط للقضاء. وقال القاري: والأقرب أن كل ما مدح الله تعالى في كتابه من خصلة يتضمن الأمر بها، كما أن المذمومة فيه تقتضي النهي عنها (إنا) بدل من ما أي إن ذواتنا وجميع ما ينسب إلينا (لله) ملكاً وخلقاً (وإنا إليه راجعون) في الآخرة (اللهم) ظاهره أنه من جملة ما أمره الله به، كما تقدم عن الباجي. قال ابن حجر: الظاهر أن الله تعالى أعلم نبيه ﷺ أن يعلم أمته أنه أمرهم أن يقولوا ذلك كله بخصوصه (أجرني) بسكون الهمزة وضم الجيم وبالمد وكسر الجيم على أنه من باب الأفعال. قال في النهاية: أجره يوجره إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء، وكذلك اَجَره يأجُرُه والأمر منها آجِرني وأجُرني (في مصيبتي) قال القاري: الظاهر أن في بمعنى باء السببية (واخلف لي خيراً منها) أي اجعل لي خلفاً مما فات عني في هذه المصيبة خيراً من الفائت فيها، ففي الكلام تجوز وتقدير. قال في النهاية: يقال خلف الله لك خلفاً بخير واخلف عليك خيراً أي أبدلك بما ذهب منك وعوضك عنه. وقيل: إذا اذهب للرجل ما يخلفه مثل المال والولد. قيل: أخلف الله لك وعليك وإذا ذهب له ما لا يخلفه غالباً كالأب والأم. قيل: خلف الله عليك، وقد يقال: خلف الله عليك إذا مات لك ميت أي كان الله خليفة عليك وأخلف الله عليك أي أبدلك- انتهى. وقال النووي: قوله ﷺ : واخلف لي هو بقطع الهمزة وكسر اللام، قال أهل اللغة: يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو قريب أو شيء يتوقع حصول مثله أخلف الله عليك أي رد عليك مثله فإن ذهب ما لا يتوقع مثله بأن ذهب والد أو عم أو أخ لمن لا جد له ولا والد له. قيل: خلف الله عليك بغير ألف كان الله خليفة منه عليك - انتهى. (فلما مات أبوسلمة) تعني زوجها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي (قلت) في نفسي أو باللسان تعجباً (أي المسلمين خير) وفي رواية لمسلم: مَن خير من أبي سلمة. قال الطيبي: تعجب من تنزيل قوله ﷺ : إلا أخلف الله خيراً منها على مصيبتها استعظاماً لأبي سلمة انتهى يعني على زعمها (أول بيت) استئناف فيه بيان للتعجب وتعليل له، والتقدير فإنه أول بيت أي أول أهل بيت (هاجر) أي مع عياله، قاله القاري. وقال الآبي: تعجبت أم سلمة لاعتقادها أنه لا أخير من أبي سلمة ولم تطمع أن يتزوجها رسول الله ﷺ فهو خارج من هذا العموم وتعني بقولها من خير من أبي سلمة بالنسبة إليها فلا يكون خيراً من أبي بكر، لأن الأخير في ذاته قد لا يكون خيراً لها، ويحتمل أن تعني أنه خير مطلقاً والإجماع على أفضلية أبي بكر إنما هو على من تأخرت وفاته
стр. 2274
ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ ) . رواه مسلم.
١٦٣٤- (٥) وعنها، قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه سلم على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله،
ــ
عن رسول الله ﷺ ، وهل هو أفضل ممن تقدمت وفاته، فيه خلاف فلعلها أخذت بأحد القولين وقولها أول بيت هاجر يدل على أنه أرادت أنه أفضل مطلقاً بالنسبة إليها- انتهى. والظاهر أن الخيرية بالنسبة إليها وباعتبار نفسها والله اعلم. (ثم إني قلتها) أي كلمة الاسترجاع والدعاء المذكور بعدها (فأخلف الله لي رسول الله ﷺ ) أي بأني جعلني زوجته وكان عوض خير لي من زوجي أبي سلمة (رواه مسلم) في الجنائز، وأخرجه أيضاً مالك وأبوداود فيه، والنسائي في اليوم والليلة، وأخرجه الترمذي في الدعوات وابن ماجه في الجنائز عن أم سلمة عن أبي سلمة عن النبي ﷺ .
١٦٣٤- قوله: (وقد شق بصره) أي بقي بصره منفتحاً. قال النووي: هو بفتح الشين ورفع بصره، وهو فاعل شق، هكذا ضبطناه وهو المشهور، وضبطه بعضهم بصره بالنصب وهو صحيح أيضاً والشين مفتوحة بلا خلاف قال القاضي: قال صاحب الأفعال يقال شق بصر الميت وشق بصر الميت وشق الميت بصره، ومعناه شخص، كما في حديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعاً: ألم تروا أن الإنسان إذا مات شخص بصره قالوا بلى قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه. وقال ابن السكيت في الإصلاح، والجوهري حكاية عن ابن السكيت: يقال شق بصر الميت ولا يقال شق الميت بصره (يعني أن شق ههنا لازم لا متعد بمعنى انفتح لا فتح) وهو الذي حضره الموت وصار ينظر إلى الشيء لا يرتد إليه طرفه- انتهى. (فأغمضه) أي غمض رسول الله ﷺ عيني أبي سلمة لئلا يقبح منظره، والإغماض بمعنى التغميض والتغطية (إن الروح إذا قبض تبعه البصر) يحتمل أن يكون علة للإغماض كأنه قال أغمضته لأن الروح إذا خرج من الجسد تبعه البصر في الذهاب فلم يبق لانفتاح بصره فائدة، وأن يكون بياناً لسبب الشق، والمعنى أن المحتضر يتمثل له ملك الموت فينظر إليه ولا يرتد طرفه حتى تفارقه الروح ويضمحل بقايا قوى البصر فيبقى البصر على تلك الهيئة. قال التوربشتي: يحتمل هذا وجهين: أحدهما أن الروح إذا قبض تبعه البصر أي في الذهاب، فلهذا أغمضته لأن فائدة الانفتاح ذهبت بذهاب البصر عند ذهاب الروح، والوجه الآخر أن روح الإنسان إذا قبضها الملائكة نظر إليها الذي حضره الموت نظراً شزراً لا يرتد إليه طرفه حتى يضمحل بقية القوة الباصرة الباقية بعد مفارقة الروح الإنساني التي يقع لها الإدراك والتمييز دون الحيواني الذي به الحس والحركة وغير مستنكر من قدرة الله تعالى أن يكشف عنه الغطاء ساعتئذ حتى يبصر مالم يكن يبصره وهذا الوجه في حديث أبي هريرة (يعني الذي تقدم في كلام النووي) أظهر (فضج) بالجيم المشددة أي رفع الصوت بالبكاء وصاح (ناس من أهله) أي من أهل أبي سلمة
стр. 2275
فقال: ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه)) . رواه مسلم.
١٦٣٥- (٦) وعن عائشة، قالت: إن رسول الله ﷺ حين توفي سجى ببرد حبرة. متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
١٦٣٦- (٧) وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان آخر كلامه
ــ
(لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير) أي لا تدعوا بالويل والثبور على عادة الجاهلية (فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) أي في دعائكم من خير أو شر (وارفع درجته في المهديين) بتشديد الياء الأولى، أي الذين هداهم الله إلى الإسلام سابقاً (واخلفه) بهمزة الوصل وضم اللام من خلف يخلف إذا قام مقام غيره في رعاية أمره وحفظ مصالحه أي كن خليفة له (في عقبه) بكسر القاف، قال الطيبي: أي أولاده، وقيل: أي من يعقبه ويتأخر عنه من ولد وغيره، ولذا أبدل عن عقبه بقوله (في الغابرين) بإعادة الجار، وقال الطيبي: أي الباقين في الأحياء من الناس فقوله: في الغابرين حال من عقبه أي أوقع خلافتك في عقبه كائنين في جملة من الباقين من الناس (وافسح) أي وسع (له في قبره) دعاء بعدم الضغطة، قاله القاري. (ونور له فيه) أي في قبره أراد به دفع الظلمة، وفي الحديث دليل لمن يقول إن الأرواح أجسام لطيفة متحللة في البدن وتذهب الحياة من الجسد بذهابها وليس عرضاً كما يقوله آخرون، وفيه دليل على أنه يدعى للميت عند موته ولأهله ولعقبه بأمور الآخرة والدنيا، وفيه دلالة على أن الميت ينعم في قبره أو يعذب (رواه مسلم) الأخصر أن يجمل ويقول روى الأحاديث الأربعة مسلم. وحديث أم سلمة هذا أخرجه أيضاً أبوداود، وابن ماجه، والبيهقي (ج٣ص٣٨٤) .
١٦٣٥- قوله: (إن رسول الله ﷺ حين توفي) بصيغة المجهول (سجى) بضم السين وبعدها جيم مشددة مكسورة أي غطى وستر بعد الموت قبل الغسل (ببرد حبرة) بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها راء مهملة فتاء تأنيث وزن عتبة، وهي برد قطن يماني موشي مخطط، والبرد يجوز إضافته إليها ووصفه بها. وفيه استحباب تسجية الميت قبل الغسل. قال النووي: وهو مجمع عليه، وحكمته صيانة الميت عن الانكشاف وستر صورته المتغيرة عن الأعين (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد، وأبوداود، والنسائي، وللبيهقي (ج٣ص٣٨٥) .
١٦٣٦- قوله: (من كان آخر كلامه) أي عند خروجه من الدنيا. قال القاري: برفع آخر. وقيل: بنصبه
стр. 2276
لا إله إلا الله، دخل الجنة)) رواه أبوداود.
١٦٣٧ - (٨) وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اقرأوا سورة يس على موتاكم))
ــ
وقوله (لا إله إلا الله) محله النصب أو الرفع على الخبرية أو الاسمية. وقال القسطلاني: وآخر بالنصب لأبي ذر خبر كان تقدم على اسمها وهو لا إله إلا الله، وساغ كونها مسنداً إليها مع أنها جملة، لأن المراد بها لفظها فهي في حكم المفرد. ولغير أبي ذر آخر بالرفع اسم كان- انتهى. قيل: المراد بقول: لا إله إلا الله الشهادتان؛ لأنه علم لهما. قال الحافظ: والمراد بقول: لا إله إلا الله في هذا الحديث وغيره كلمتا الشهادة، فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة. قال الزين بن المنير: قول لا إله إلا الله لقب جري على المنطق بالشهادتين شرعاً- انتهى. قلت: الظاهر أن المراد به كلمة التوحيد فقط، أي من غير زيادة محمد رسول الله، لأن المطلوب قولها عند الموت من حيث أنها كلمة ذكر لا من حيث أنها كلمة إسلام كما سبق تحقيقه في شرح حديث التلقين (دخل الجنة) أي قبل العذاب دخولاً خاصاً أو بعد أن عذب بقدر ذنوبه والأول الأظهر ليتميز عن غيره من المؤمنين الذين لم يكن آخر كلامهم هذه الكلمة، قاله القاري. وقال ابن رسلان: معنى ذلك أنه لابد له من دخول الجنة فإن عاصياً غير تائب فهو في أول أمره في خطر المشيئة. يحتمل أن يغفر الله له، ويحتمل أن يعاقبه ويدخل الجنة بعد العقاب، ويحتمل أن يكون من وفق لأن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله، يكون ذلك علامة على أن الله تعالى يعفو عنه فلا يكون في خطر المشيئة تشريفاً له على غيره ممن لم يوفق أن يكون آخر كلامه ذلك- انتهى. قلت: الاحتمال الثاني أي احتمال أن قول ذلك عند الموت علامة على عفو الله تعالى عنه ومسقط لما تقدم له، هو الراجح عندي، فيدخل قائلها عند الموت الجنة قبل العذاب مع السابقين والله تعالى اعلم، ولأجل ذلك يستحب أن تذكر هذه الكلمة عند من حضره الموت ليتفطن لها ويتكلم بها فتكون آخر كلامه ويدخل الجنة (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (ج١ص٣٥١) وسكت عنه أبوداود، والمنذري، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في التلخيص: وأعله ابن القطان بصالح بن أبي عريب، وأنه لا يعرف وتعقب بأنه روى عن جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات-انتهى. وفي الباب عن علي رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبوبلال الأشعري، ضعفه الدارقطني. وفي الباب أيضاً أحاديث أخرى، ذكرها الحافظ في التلخيص، والهيثمي في مجمع الزوائد.
١٦٣٧- قوله: (وعن معقل) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر القاف (بن يسار) المزني صحابي أسلم قبل الحديبية وشهد بيعة الرضوان، وكنيته أبوعلي المشهور وهو الذي حفر وفجر نهر معقل بالبصرة بأمر عمر فنسب إليه ونزل البصرة وبنى بها داراً ومات بها في آخر خلافته معاوية، وقيل في ولاية يزيد وذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات بين الستين إلى السبعين (اقرؤا سورة يس على موتاكم) أي على من حضره مقدمات الموت، لأن الميت
стр. 2277
رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه.
ــ
لا يقرأ عليه. وقيل لأن سورة يس مشتملة على أصول العقائد من البعث والقيامة فيتقوى بسماعها التصديق والإيمان حتى يموت. وقيل: المراد به من قضى نحبه، وهو في بيته أو دون مدفنه أو في القبر، لأن اللفظ نص في الأموات وتناوله للحي المحتضر مجاز فلا يصار إليه إلا لقرينة. وقيل: الأولى الجمع عملاً بالقولين. والراجح عندي هو الأول، لما روى أحمد (ج٤ص١٠٥) عن أبي المغيرة ثنا صفوان حدثني المشيخة: أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالي حين اشتد سوقه فقال: هل منكم أحد يقرأها يس؟ قال: فقرأها صالح بن شريح السكوني فلما بلغ أربعين منها قبض، قال: فكان المشيخة يقولون إذا قرئت عند الميت خفف عنه بها. قال الحافظ في التلخيص: وأسنده صاحب الفردوس (الديلمي) من طريق مروان بن سالم عن صفوان بن عمرو عن شريح عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول الله ﷺ : ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس إلا هون الله عليه- انتهى. قال الأمير اليماني بعد ذكر الحديثين: وهذان يؤيدان ما قاله ابن حبان من أن المراد به المحتضر، وهما أصرح في ذلك مما استدل به. وقال في اللمعات: الظاهر أن المراد المحتضر، وعليه العمل. وقال ابن القيم في كتاب الروح (ص١٤) : حديث معقل يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله: لقنوا موتكم لا إله إلا الله، ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر والأول أظهر لوجوه: أحدها: أنه نظير قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله. الثاني: انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله: ﴿يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾ . فيستبشر الروح بذلك فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه، فإن هذه السورة قلب القرآن، ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند المحتضر. الثالث: أن هذا عمل الناس وعادتهم قديماً وحديثاً يقرؤن يس عند المحتضر. الرابع: أن الصحابة لو فهموا من قوله ﷺ اقرؤا يس عند موتاكم قراءتها عند القبر لما أخلوا به وكان ذلك أمرا معتاداً مشهوراً بينهم. الخامس: أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود، وأما قراءتها عند القبر فإنه لا يثاب على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل وقد انقطع من الميت- انتهى. (رواه أحمد) (ج٥ص٢٦- ٢٧) (وأبوداود وابن ماجه) وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم (ج١ص٥٦٥) والبيهقي (ج٣ص٣٨٣) وابن أبي شيبة (ج٤ص٧٤) كلهم من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان غير النهدي عن أبيه عن معقل بن يسار، وعزاه الحافظ في التلخيص وبلوغ المرام والمنذري في تلخيص السنن للنسائي أيضاً. قال الحافظ: ولم يقل النسائي عن أبيه، ونقل في العون عن المزي أن الحديث أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة. والحديث قد سكت عنه أبوداود. وقال المنذري أبوعثمان وأبوه ليسا بمشهورين. وقال الحافظ: أعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبحهالة حال أبي عثمان وأبيه، ونقل أبوبكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث - انتهى. وقال النووي
стр. 2278
١٦٣٨- وعن عائشة، قالت: ((إن رسول الله ﷺ قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي حتى سال دموع النبي ﷺ على وجه عثمان)) رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه.
١٦٣٩- وعنها، قالت: ((إن أبابكر قبل النبي ﷺ
ــ
في الأذكار: إسناده ضعيف. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: أبوعثمان وليس بالنهدي. قيل: اسمه سعد روى عن معقل بن يسار. وقيل: عن أبيه عن معقل روى عنه سليمان التيمي. قال ابن المديني: ولم يرو عنه غيره، وهو مجهول. وقال الآجري عن أبي داود: هو ابن عثمان السكنى، وذكره ابن حبان في الثقات- انتهى. وقال في التقريب: أبوعثمان شيخ لسليمان التيمي، قال في روايته عنه وليس بالنهدي. قيل اسمه سعد مقبول.
١٦٣٨- قوله: (قبل) من التقبيل (عثمان بن مظعون) بالظاء المعجمة أي بعد ما غسل وكفن، كما في الاستيعاب (وهو ميت) حال من المفعول (وهو) أي النبي ﷺ (يبكي حتى سال دموع النبي ﷺ على وجه عثمان) لفظ الترمذي: وهو يبكي أو قالت عيناه تذرفان، وعند أبي داود: حتى رأيت الدموع تسيل، ولفظ ابن ماجه: فكأني أنظر إلى دموعه تسيل على خديه. ورواه البيهقي بلفظ: بكى حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه. وعند الحاكم: وهو يبكي قال وعيناه تهرقان. وذكر المجد بن تيمية في المنتقى بلفظ: قبل رسول الله ﷺ عثمان بن مظعون، وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل على وجهه، وعزاه لأحمد وابن ماجه والترمذي. وهذه الروايات كما ترى ليس فيها تصريح أنه سال الدموع على وجه عثمان بل هي تحتمل أنه سال الدموع على خدي النبي ﷺ أو على خدي عثمان، ولم أقف على رواية تعين الاحتمال الثاني أو تؤيده، والحديث يدل على أن تقبيل المسلم بعد الموت والبكاء عليه جائز (رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (ج١ص٣٦١) والبيهقي (ج٣ص٤٠٧) وسكت عنه أبوداود، وصححه الترمذي. وقال المنذري بعد نقل تصحيح الترمذي، وفي إسناد الحديث عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة- انتهى. ورواه البزار من حديث عامر بن ربيعة قال الهيثمي: إسناده حسن.
١٦٣٩- قوله: (إن أبابكر قبل النبي ﷺ أي بين عينيه، كما في رواية النسائي، والترمذي في الشمائل. وفي رواية للبخاري: كشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله. وفي رواية لأحمد: أتاه من قبل رأسه فحدر فاه فقبل جبهته ثم قال: وانبياه ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: واصفياه ثم رفع رأسه وحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: واخليلاه. ولابن أبي شيبة عن ابن عمر: فوضع فاه على جبين رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 2279
وهو ميت)) رواه الترمذي، وابن ماجه.
١٦٤٠- (١١) وعن حصين بن وحوح، أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال: ((إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله)) . .
ــ
فجعل يقبله ويبكي ويقول: بأبي وأمي طبت حياً وميتاً: وللطبراني من حديث جابر: أن أبابكر قبل جبهته (وهو ميت) قال الحافظ: فيه جواز تقبيل الميت تعظيماً وتبركاً. قال الشوكاني: لأنه لم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبي بكر فكان إجماعاً- انتهى. (رواه الترمذي) أي موصولاً في شمائله بلفظ: أن أبابكر قبل النبي ﷺ بعد ما مات. وأما في جامعه، فذكره معلقاً حيث قال بعد رواية حديث عائشة المتقدم، وفي الباب عن ابن عباس وجابر وعائشة قالوا: إن أبابكر قبل النبي ﷺ وهو ميت (وابن ماجه) في الجنائز، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي والبيهقي (ج٣ص٤٠٦) وأخرجه البخاري في باب مرض النبي ﷺ ووفاته عن عائشة وابن عباس أن أبابكر قبل النبي ﷺ بعد موته، فالأولى بل الصواب إيراد هذا الحديث في الصحاح أي الفصل الأول.
١٦٤٠- قوله: (وعن حصين) بضم حاء وفتح صاد مهملتين (بن وحوح) بفتح واوين وسكون حاء مهملة أولى، الأنصاري الأوسي المدني، صحابي، له حديث واحد في ذكر طلحة بن البراء، ذكر ابن الكلبي: أنه استشهد بالقادسية، كذا في تهذيب التهذيب (أن طلحة بن البراء) البلوى الأنصاري، صحابي، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ إذ مات وصلى عليه: اللهم الق طلحة وأنت تضحك إليه وهو يضحك إليك، وكان لقي رسول الله ﷺ وهو غلام فجعل يلصق برسول الله ﷺ ويقبل قدميه ويقول مرني بما أحبَبْتَ يا رسول الله فلا أعصي لك أمراً فسر رسول الله ﷺ وأعجب به ثم مرض ومات فصلى رسول الله ﷺ على قبره وذلك أنه توفي البراء ليلاً فقال: أدفنوني وألحقوني بربي ولا تدعوا رسول الله ﷺ فإني أخاف عليه اليهود وأن يصاب في سببي فأخبر رسول الله ﷺ حين أصبح فجاء حتى وقف على قبره وصف الناس معه فصلى ودعا له (إني لا أرى) بضم الهمزة أي أظن (إلا قد حدث به الموت) أي ظهرت فيه آثار الموت ومقدماته (فآذنوني) بالمد وكسر الذال (به) أي إذا مات فأخبروني بموته حتى أصلي عليه (وعجلوا) أي تجهيزه وتكفينه (فإنه) أي الشأن (لا ينبغي لجيفة مسلم) أي جئته. وفي رواية: لجسد مسلم (أن تحبس) أي تقام وتوقف (بين ظهراني أهله) أي بين أهله والظهر مقحم أي لا تتركوا الميت زماناً طويلاً لئلا ينتن ويزيد حزن أهله عليه. قال الطيبي: أن المؤمن عزيز كريم فإذا استحال جيفة ونتناً استقذرته النفوس وينفر عنه الطباع، فينبغي أن
стр. 2280
رواه أبوداود.
﴿الفصل الثالث﴾
١٦٤١- (١٢) عن عبد الله بن جعفر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، قالوا: يا رسول الله! كيف للأحياء؟ قال: أجود وأجود)) رواه ابن ماجه.
ــ
يسرع فيما يواريه فذكر الجيفة ههنا كذكر السوأة في قوله تعالى: ﴿كيف يواري سوأة أخيه﴾ [المائدة: ٣١] قال ميرك: وليس في قوله جيفة مسلم دليل على نجاسته- انتهى. والحديث يدل على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع في تجهيزه، وتشهد له أحاديث الإسراع بالجنازة، قاله الشوكاني: (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٣ص٣٨٦) والطبراني وابن شاهين وابن أبي عاصم وابن أبي خيثمة والبغوي وغيرهم، وسكت عنه أبوداود، وفيه عروة بن سعيد الأنصاري، ويقال عزرة بن سعيد عن أبيه، وهو وأبوه مجهولان. وقال الحافظ في الإصابة في ترجمة حصين بن وحوح، وعلى ما ذكر ابن الكلبي من أنه قتل بالقادسية يكون هذا الحديث مرسلاً، لأن سعيداً والد عروة لم يدرك زمن القادسية، فإما أن يكون حصين بن وحوح آخر ممن أدركهم سعيد، وإما أن يكون لم يقتل بالقادسية، كما قال ابن الكلبي- انتهى.
١٦٤١- قوله: (عن عبد الله بن جعفر) أي ابن أبي طالب القرشي الهاشمي، يكنى أباجعفر، ولدته أمه أسماء بنت عميس بأرض الحبشة، وهو أول مولود، ولد في الإسلام بها وقدم مع أبيه المدينة وحفظ عن رسول الله ﷺ ، وروى عنه كان جواداً ظريفاً خليقا عفيفاً حليماً يسمى بحر الجود، ويقال: أنه لم يكن في الإسلام أسخى منه وأخباره في الكرم شهيرة. وقال ابن حبان: كان يقال له قطب السخاء، روى عنه خلق كثير، توفي بالمدينة سنة (٨٠) وهو ابن (٨٠) سنة وقيل ابن (٩٠) وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو يومئذ أمير المدينة، وذلك العام يعرف بعام الجحاف لسيل كان بمكة أجحف بالحاج وذهب بالإبل وعليها الحمولة (لقنوا موتاكم) أي المشرفين على الموت (العظيم) صفة للرب أو العرش، والثاني أبلغ ووصفه بالعظمة؛ لأنه أكبر المخلوقات ومحيط بالمكونات (الحمد الله) أي على الحياة والممات (كيف) أي هذا التلقين (للأحياء) أي للأصحاء أيحسن أم لا (أجود وأجود) أي أحسن وأحسن كرر للتأكيد والمبالغة. قال الطيبي: التكرار للاستمرار أي جودة وهذا معنى الواو فيه (رواه ابن ماجه) وفي سنده إسحاق بن عبد الله بن
следующие страницы →