Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
فإن رسول الله ﷺ قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك، ثم حدث، فقال: صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء، فإذا هو يركب تحت ظل سمرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرت، فإذا هو صهيب، قال: فأخبرته، فقال: ادعه، فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحل فالحق أمير المؤمنين، فلما أن أصيب عمر دخل صهيب يبكي، يقول: وا أخاه، وا صاحباه،
ــ
مكانه ويجلس فيه للنهى عن ذلك. (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) زاد في رواية لمسلم وأحمد وقال: فأرسلها عبد الله مرسلة. قال النووي: معناه أن ابن عمر أطلق في روايته تعذيب الميت ببكاء الحي، ولم يقيده بيهودي كما قيدته عائشة، ولا بوصية كما قيده آخرون، ولا قال ببعض بكاء أهله كما رواه أبوعمر. (فقال ابن عباس) أي معترضاً على ابن عمر بأن عائشة خالفته كأبيه. (قد كان عمر يقول بعض ذلك) أي للعموم، وهو أن يكون بصوت أو ندبة أو يروى أي بعض ذلك الكلام؛ لأن في روايته: ببعض بكاء أهله كما سيأتي. (ثم حدث) أي روى ابن عباس ما سمعه من عمر (صدرت) أي رجعت. (مع عمر من مكة) قافلاً من حجه. (بالبيداء) بفتح الموحدة وسكون التحتية، مفازة بين مكة والمدينة، قاله العيني. وقال القاري: موضع قريب من ذي الحليفة. (فإذا هو) أي عمر "وإذا" للمفاجأة. (بركب) بفتح فسكون أي جماعة راكبين. (تحت ظل سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم، شجرة عظيمة من شجر الغضاة. (فقال) أي عمر. (اذهب فانظر) أي تحقق (صهيب) أي ومن معه بضم الصاد ابن سنان بن قاسط، وكان من السابقين الأولين المعذبين في الله. (قال) أي ابن عباس. (فأخبرته) أي أخبرت عمر بذلك. (ادعه) بضم الهاء أي اطلب صهيباً لي. (فقلت) أي لصهيب. (ارتحل) أي من مكانك. (فالحق) بفتح الحاء، أمر من اللحوق. (أمير المؤمنين) هذا توطئة للمصاحبة والخصوصية الخالصة والمؤاخاة السالفة بين عمر وصهيب. (فلما أن) زائدة. (أصيب عمر) أي بالجراحة التي مات بها، وكان ذلك عقب حجه المذكور، ففي رواية مسلم المذكورة: فلما قدمنا المدينة لم يلبث عمر أن أصيب. وفي رواية الحميدي: لم يلبث أن طعن. (يبكي) حال. (يقول) بدل اشتمال من يبكي، قاله القاري. وقال العيني "يبكي" جملة وقعت حالاً من صهيب، وكذلك يقول "حال"، ويجوز أن يكون من الأحوال المترادفة، وأن يكون من المتداخلة. (وا أخاه وا صاحباه) كلمة "وا" للندبة. والألف في آخره ليس مما يلحق الأسماء الستة لبيان الإعراب، بل هو مما يزاد في آخر المندوب لتطويل مد الصوت، والهاء ليست بضمير، بل هو هاء السكت، وشرط المندوب أن يكون معروفاً، فلا بد من القول بأن
стр. 2452
فقال عمر: يا صهيب! أتبكي علي! وقد قال رسول الله ﷺ : إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله ﷺ أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، ولكن إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه،
ــ
الأخوة والصاحبية له كانا معلومين معروفين حتى يصح وقوعهما للندبة. (أتبكي) بهمزة الاستفهام الإنكاري. (علي) أي بالصوت والندبة، وفي رواية النسائي. فقال عمر: يا صهيب: لا تبك. قال السندي: خاف أن يفضي بكاءه إلى البكاء بعد الموت، وإلا فالحديث في البكاء بعد الموت. (ببعض بكاء أهله عليه) قيده ببعض البكاء، فحمل على ما فيه نوح وندبة جمعاً بين الأحاديث. وقيل: المراد بالبعض ما يكون من وصيته. (فقالت: يرحم الله عمر) قال الطيبي: هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة:٤٣] ، فاستعربت من عمر ذلك القول فجعلت قولها "يرحم الله" تمهيداً ودفعاً لما يوحش من نسبته إلى الخطأ. (لا) أي ليس كذلك. (إن الميت) بكسر الهمزة وتفتح. (ليعذب ببكاء أهله عليه) في البخاري: إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه. وفي مسلم: إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، وفي أخرى له: ما قاله رسول الله ﷺ قط، إن الميت يعذب ببكاء أحد، قال القاري. أي مطلقاً ولا مقيداً، وهذا النفي المؤكد بالقسم منها بناء على ظنها وزعمها، أو مقيد بسماعها، وإلا فمن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمثبت مقدم على النافي. وكيف والحديث روي من طرق صحيحة بألفاظ صريحة، مع أنه بعمومه لا ينافي ما قالت بخصوصه. (ولكن) بإسكان النون أي الذي حدث به جملة إن الله الخ. قال القاري: وفي نسخة "ولكن" قال: وفي البخاري "ولكن رسول الله ﷺ قال"، وفي رواية لمسلم "ولكنه قال". (إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه) فحملت الميت على الكافر وأنكرت الإطلاق، وقد جاء فيه الزيادة كقوله تعالى: ﴿زدناهم عذاباً فوق العذاب﴾ [النحل:٨٨] وقوله: ﴿فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ [النبأ:٣٠] لكن قد يقال: زيادة العذاب بعمل الغير أيضاً مشكلة معارضة بقوله تعالى: ﴿ولا تزر﴾ الخ، فينبغي أن تحمل الباء في قوله "ببعض بكاء أهله" على المصاحبة لا السببية، وتخصيص الكافر حينئذٍ لأنه محل الزيادة، قاله السندي في حاشية النسائي، وقال في حاشية البخاري: كأنها فهمت أن معنى هذا الحديث هو أن الله يزيد الكافر عذاباً جزاء لكفره، كما قال تعالى: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ [النبأ:٣٠] إلا أن الله أجرى عادته بإظهار الزيادة عند البكاء، فصار كأن البكاء سبب للزيادة؛ لأن الزيادة جزاء للبكاء، ولا يتصور مثل ذلك في تعذيب المؤمن بسبب البكاء، فصار هذا الحديث بفهمها غير مخالف لقوله تعالى: ﴿ولا تزر﴾ بل هو موافق
стр. 2453
وقالت عائشة: حسبكم القرآن: ﴿ولا تزر وازرة أخرى﴾ ، قال ابن عباس عند ذلك: والله أضحك وأبكي،
ــ
لقوله تعالى: ﴿فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ بخلاف حديث تعذيب المؤمن، فلا يرد أن هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿ولا تزر﴾ الخ. فما بالها تثبته وتبطل الحديث الآخر بالمخالفة فافهم-انتهى. ولا يخفى ما فيه من التكلف. وقال القاري: فيه أن النفي منها ﵂ هنا مناقض لما قالت سابقاً من أن الحديث ورد في يهودية كانوا يبكون عليها، وهي تعذب في قبرها-انتهى. وقال الحافظ: هذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيها إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن. قال الداودي: رواية ابن عباس عن عائشة بينت ما نفته عمرة وعروة عنها، إلا أنها خصته بالكافر؛ لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذاباً ببكاء أهله، فأي فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء. (وقالت عائشة) أي تأكيداً لقولها أولاً: (حسبكم القرآن) بسكون السين المهملة، أي كافيكم أيها المؤمنون القرآن، أي في تأييد ما ذهبت إليه من رد الخبر: ﴿ولا تزر وازرة ورز أخرى﴾ الجملة بدل كل أو بعض من القرآن أو خبر مبتدأ محذوف هو هو. قال الطيبي: الوزر والوقر أخوان، وزر الشيء إذا حمله، والوازرة صفة النفس. والمعنى أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته. لا تؤخذ نفس بذنب نفس، كما تأخذ جبارة الدنيا الولي بالولي والجار بالجار-انتهى. (قال ابن عباس عند ذلك) أي عند انتهاء حديثه عن عائشة مؤيداً لها ومصداقاً لكلامها: (والله) بالرفع مع الواو، وهو حاصل معنى الآية في سورة النجم بلفظ: إنه هو ﴿أضحك وأبكى﴾ قال ميرك: أي إن العبرة لا يملكها ابن آدم ولا تسبب له فيها، فكيف يعاقب عليها فضلاً عن الميت-انتهى. وحاصله جواز عموم البكاء، وهو خلاف الإجماع. وقال الداودي: معناه أن الله تعالى أذن في الجميل من البكاء فلا يعذب على ما أذن فيه-انتهى. وهو خارج عن البحث كما لا يخفى. وقال الطيبي: غرضه تقرير قول عائشة أي أن بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله يظهرها فيه فلا أثر له في ذلك-انتهى. وفيه أن الكل من عند الله خلقاً ومن العبد كسباً كما هو مقرر، والشرع قد اعتبر ما يترتب عليه من الأثر كسائر أفعال البشر، ألا ترى أن التبسم والضحك في وجه المؤمن من الحسنات، وعلى المؤمن على وجه السخرية من السيئات، وكذا الحزن والسرور تارة يكونان من الأحوال السيئة، يثاب الشخص بهما، وتارة من الأفعال الدنية، يعاقب عليهما، كما هو مقرر في محله. ثم قال الطيبي: فإن قلت: كيف لم يؤثر ذلك في حق المؤمن وقد أثر في حق الكافر؟ قلت: لأن المؤمن الكامل لا يرضى بالمعصية مطلقاً، سواء صدرت منه أو من غيره بخلاف الكافر، ومن ثم قالت الصديقة ﵂: حسبكم القرآن أي كافيكم، أيها المؤمنون! من
стр. 2454
قال ابن أبي مليكة: فما قال ابن عمر شيئاً)) . متفق عليه.
١٧٥٧- (٢٢) وعن عائشة، قالت: ((لما جاء النبي ﷺ قتل ابن حارثة وجعفر
ــ
القرآن هذه الآية ﴿ولا تزر﴾ الخ إنها في شأنكم، وما ذكر رسول الله ﷺ إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه في شأن الكفار-انتهى. قال القاري: لا دلالة لقولها على هذه المدعى مع أن العبرة بعموم ألفاظ الآيات والأحاديث في المعنى لا لخصوص الأسباب في المبنى-انتهى. وقال الكرماني: لعل غرض ابن عباس من هذا الكلام في هذا المقام أن الكل بخلق الله وإرادته، فالأولى فيه أن يقال بظاهر الحديث، وأن له أن يعذبه بلا ذنب، ويكون البكاء عليه علامة لذلك أو يعذبه بذنب غيره، سيما وهو السبب في وقوع الغير فيه، ولا يسئل عما يفعل، وتخصص آية الوزر بيوم القيامة. (فما قال ابن عمر شيئاً) أي من القول أو شيئاً آخر. قال الطيبي: أي فعند ذلك سكت ابن عمر وأذعن. وقال الزين بن المنير: لا يدل سكوته على الإذعان، فلعله كره المجادلة في ذلك المقام. وقال القرطبي: ليس سكوته لشك طرأ له بعد ما صرح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلاً للتأويل، ولم يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم يتعين الحاجة إلى ذلك حينئذٍ. وقال الخطابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيل بالظن، وقد رواه عمر وابنه، ليس فيما حكت عائشة ما يرفع روايتهما الجواز أن يكون الخبران صحيحين معاً، ولا منافاة بينهما، فالميت إنما تلزم العقوبة بما تقدم من وصيته إليهم به وقت حياته، وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم، وهو موجود في أشعارهم. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٤١-٤٢) والنسائي والبيهقي (ج٤:ص٧٣) .
١٧٥٧- قوله: (لما جاء النبي) بالنصب على المفعولية والفاعل. (قتل ابن حارثة) أي زيد وقد تقدم ترجمته. (وجعفر) هو ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الطيار، ذو الجناحين ابن عم النبي ﷺ وأحد السابقين إلى الإسلام وأخو علي شقيقه، وكان أكبر من علي بعشر سنين، هاجر إلى الحبشة فأسلم النجاشي ومن تبعه على يديه، وأقام جعفر عنده، ثم هاجر إلى المدينة فقدم والنبي ﷺ بخيبر، فقيل بين عينيه وقال: ما أدري أنا بقدوم جعفر أسر أو بفتح خيبر؟ وكان أشبه الناس خلقاً وخلقاً برسول الله ﷺ ، وكان أبوهريرة يقول: خير الناس للمساكين جعفر، ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى أن كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شيء فيشقها. وفي رواية: كان يحب المساكين ويجلس إليهم ويخدمهم ويخدمونه، فكان رسول الله ﷺ يكنيه أبا المساكين. وقال أبوهريرة: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب، استعمله رسول الله ﷺ على غزوة موتة،
стр. 2455
وابن رواحة، جلس يعرف فيه الحزن، وأنا أنظر من صائر الباب – تعني شق الباب- فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر، وذكر بكاءهن،
ــ
واستشهد بها سنة ثمان من الهجرة، قاتل فيها حتى قطعت يداه جميعاً، فقال رسول الله ﷺ : إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء، فمن هناك قيل: له جعفر الطيار وجعفر ذوالجناحين، وهو أول من عرقب فرساً في سبيل الله، نزل يوم مؤتة إذ رأى الغلبة، فعرقب فرسه. وقاتل حتى قتل، قال ابن عمر: كنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفراً فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعاً وتسعين بين طعنة ورمية، وكان سنه يوم قتل (٤١) سنة. (وابن رواحة) هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي الأنصاري الشاعر، أحد السابقين الأولين من الأنصار، وأحد النقباء ليلة العقبة، وثالث الأمراء بغزوة مؤتة، شهد بدراً وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة. قال ابن سعد: كان يكتب للنبي ﷺ ، وهو الذي جاء ببشارة بدر إلى المدينة. قال ابن عبد البر: هو أحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله ﷺ ، وفيه وفي صاحبه حسان، وكعب بن مالك نزلت: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيراً﴾ الآية [الشعراء:٢٣٧] ، ومناقبة كثيرة، وقصة غزوة مؤتة في الصحيحين. (جلس) هو جواب "لما" أي لما جاء النبي ﷺ خبر شهادتهم على لسان جبريل جلس أي في المسجد، كما في رواية أبي داود. وفيه دليل على جواز الجلوس للعزاء في المسجد. (يعرف) بصيغة المجهول. (فيه) أي في وجهه. (الحزن) أي أثره وهو بضم الحاء وسكون الزاي، والجملة حال أي جلس حزيناً، وعدل إلى قوله: يعرف، ليدل على أنه ﷺ كظم الحزن كظماً، وكان ذلك القدر الذي ظهر فيه من جبلة البشرية. (وأنا أنظر) جملة حالية أيضاً. وقائلها عائشة ﵂. (من صائر الباب) بالصاد المهملة المفتوحة والهمزة بعد الألف أي الشق الذي كان بالباب. قال المازري: كذا وقع في الصحيحين "صائر الباب"، والصواب صير الباب بكسر الصاد وسكون التحتية، وهو الشق. قال القسطلاني: وهو المحفوظ كما في المجمل والصحاح والقاموس، وقال ابن الجوزي صائر وصير بمعنى واحد. وفي كلام الخطابي نحوه. (تعني) أي تريد عائشة بصائر الباب. (شق الباب) بفتح الشين المعجمة أي الموضع الذي ينظر منه، وهذا لفظ البخاري في المغازي. قال العيني: وهذا التفسير إنما وقع في رواية القابسي، فيكون من الراوي. وفي رواية لهما "وأنا أنظر من صائر الباب شق الباب" أي بدون لفظ تعني. (فأتاه رجل) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وكأنه أبهم عمداً لما وقع في حقه من غض عائشة منه. (إن نساء جعفر) أي امرأته وهي أسماء بنت عميس الخثعمية ومن حضر عندها من النساء من أقاربها وأقارب جعفر ومن في معناها، ولم يذكر أهل العلم بالأخبار لجعفر امرأة غير أسماء. (وذكر) أي الرجل. (بكاءهن) الجملة في محل النصب على الحالية سادة مسد الخبر. قال الطيبي: هو حال عن المستتر في قوله "فقال"
стр. 2456
فأمره أن ينههن، ثم أتاه الثانية لم يطعنه، فقال: إنههن، فأتاه الثالثة، قال: والله غلبننا يا رسول الله! فزعمت أنه قال: فأحث في أفواههن التراب،
ــ
وحذفت ﵂ خبر "إن" من القول المحكي عن نساء جعفر لدلالة الحال عليه، يعني أن ذلك الرجل قال: إن نساء جعفر فعلن كذا وكذا مما حظره الشرع من البكاء المشتمل على رفع الصوت والنياحة-انتهى. وقد وقع عند النسائي "يبكين"، وعند أبي عوانة "قد كثر بكاؤهن"، وعند ابن حبان "قد أكثرن بكاءهن". (فأمره) ﵊. (أن ينهاهن) عن فعلهن. (فذهب) أي فنهاهن فلم يطعنه. (ثم أتاه) أي أتى الرجل النبي ﷺ (الثانية) أي المرة الثانية فقال: إنهن (لم يطعنه) أي في ترك البكاء. قال الطيبي: قوله لم يطعنه حكاية لمعنى قول الرجل، أي فذهب ونهاهن ثم أتى النبي ﷺ وقال: نهيتهن فلم يطعنني، يدل عليه قوله في المرة الثالثة: والله غلبننا، ووقع في رواية أبي عوانة: فذكر أنهن لم يطعنه. (انههن) بهمزة وصل مكسورة وفتح الهاء أمر من النهي. (فأتاه الثالثة) أي فذهب إليهن ونهاهن ولم يطعنه أيضاً، فأتاه المرة الثالثة. (غلبننا) بلفظ جمع المؤنث الغائبة، أي في عدم الامتثال لقوله؛ لكونه لم يصرح لهن بنهي الشارع، أو حملن الأمر على التنزيه، أو لشدة الحزن لم يستطعن ترك ذلك، وليس النهي عن البكاء فقط، بل الظاهر أنه على نحو النوح. (فزعمت) بالغيبة أي عائشة وهو مقول عمرة، والزعم قد يطلق على القول المحقق، وهو المراد هنا، قاله الحافظ. أي قالت عمرة: فزعمت أي قالت عائشة. (أنه) ﷺ (قال) للرجل لما لم ينتهين: (وأحث) بضم المثلثة أمر من حثاً يحثو وبكسرها أيضاً من حثي يحثى أي ارم. (في أفواههن التراب) بالنصب أي ليسد محل النوح فلا يتمكن منه، أو المراد به المبالغة في الزجر. قال القرطبي: هذا يدل على أنهن رفعن أصواتهن بالبكاء، فلما لم ينتهين أمره أن يسد أفواههن بذلك، وخص الأفواه بذلك لأنها محل النوح بخلاف الأعين مثلاً. وقيل: لم يرد بالأمر حقيقته. قال عياض: هو بمعنى التعجيز أي أنهن لا يسكتن إلا بسد أفواههن، ولا يسدها إلا أن تملأ بالتراب، فإن أمكنك فافعل. وقال القرطبي: يحتمل أنهن لم يطعن الناهي لكونه لم يصرح لهن بأن النبي ﷺ نهاهن، فحملن ذلك على أنه مرشد للمصلحة من قبل نفسه، أو علمن ذلك لكن غلب عليهن شدة الحزن لحرارة المصيبة، ثم الظاهر أنه كان في بكائهن زيادة على القدر المباح، فيكون النهي للتحريم، بدليل أنه كرره وبالغ فيه وأمر بعقوبتهن إن لم يسكتن، ويحتمل أن يكون بكاء مجرداً، والنهي للتنزيه، ولو كان للتحريم لأرسل غير الرجل المذكور لمنعهن؛ لأنه لم يقر على باطل، ويبعد تمادى الصحابيات بعد تكرار النهي على فعل الأمر المحرم. وفائدة نهيهن عن الأمر المباح خشية أن يسترسلن فيه، فيفضى بهن إلى الأمر لضعف صبرهن، فيستفاد منه جواز النهي عن المباح عند
стр. 2457
فقلت: أرغم الله أنفك، لم تفعل ما أمرك رسول الله ﷺ ولم تترك رسول الله ﷺ من العناء)) . متفق عليه.
١٧٥٨- (٢٣) وعن أم سلمة، قالت: ((لما مات أبوسلمة قلت: غريب، وفي أرض غربة، لأبكينه بكاء
ــ
خشية إفضائه إلى ما يحرم، كذا في الفتح. (فقلت) للرجل. (أرغم الله أنفك) بالراء والغين المعجمة، أي ألصق الله أنفك بالرغام بفتح الراء وهو التراب إهانة وإذلالاً. قال الحافظ: دعت عليه من جنس ما أمر أن يفعله بالنسوة لفهمها من قرائن الحال أنه أحرج النبي ﷺ بكثرة تردده إليه في ذلك. وقال الطيبي: أي أذلك الله فإنك آذيت رسول الله ﷺ وما كففتهن عن البكاء، وهذا معنى قولها ﵂: (لم تفعل ما أمرك رسول الله ﷺ ) أي على درجة الكمال في الزجر، وإلا فقد قام بالأمر حيث نهاهن عن الضجر، قاله القاري. وقال الكرماني: أي لم تبلغ النهي، ونفته وإن كان قد نهاهن لأنه لم يترتب على نهيه الامتثال، فكأنه لم يفعله، ويحتمل أن تكون أرادت لم تفعل أي الحثو بالتراب. (ولم تترك رسول الله ﷺ من العناء) بفتح العين المهملة والنون والمد أي المشقة والتعب، ومراد عائشة أن الرجل لا يقدر على ذلك، فإذا كان لا يقدر فقد أتعب نفسه ومن يخاطبه في شيء لا يقدر على إزالته، ولعل الرجل لم يفهم من الأمر المحتم. وقال النووي: معناه أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من الإنكار لنقصك وتقصيرك، ولا تخبر النبي ﷺ بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك ويستريح من العناء. وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً: جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار، وجواز نظر النساء المحتجبات إلى الرجال الأجانب، وتأديب من نهي عما لا ينبغي له فعله إذا لم ينته، قاله الحافظ: وقد ترجم البخاري في صحيحه على هذا الحديث. باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن، قال الزين بن المنير ما ملخصه: موقع هذه الترجمة من الفقة أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يفرط في الحزن حتى يقع في المحذور من اللطم والشق والنوح وغيرها، ولا يفرط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب، فيقتدي به ﷺ في تلك الحالة بأن يجلس المصاب جلسة خفيفة بوقار وسكينة تظهر عليه مخائل الحزن، ويؤذن بأن المصيبة عظيمة، كذا في الفتح. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائز وفي المغازي، ومسلم في الجنائز، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وأبوعوانة وابن حبان والبيهقي (ج٤:ص٥٩) .
١٧٥٨- قوله: (وعن أم سلمة) أم المؤمنين. (لما مات أبوسلمة) أي زوجها الأول. (غريب وفي أرض غربة) بالإضافة أي أنه من أهل مكة ومات بالمدينة. (لأبكينه) بتشديد النون، أي والله لأبكين عليه. (بكاء) أي
стр. 2458
يتحدث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء عليه، إذ أقبلت امرأة تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله ﷺ فقال: أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتاً أخرجه الله منه؟ مرتين، وكففت عن البكاء فلم أبك)) . رواه مسلم.
١٧٥٩- (٢٤) وعن النعمان بن بشير، قال: ((أغمى على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي:
ــ
شديداً. (يتحدث عنه) بصيغة المجهول، أي يتحدث الناس به ويتعجبون منه لكمال شدته، والظاهر أن هذا منها كان قبل علمها بتحريم النياحة. (فكنت قد تهيأت للبكاء عليه) أي بالقصد والعزيمة، وتهيئة أسباب الحزن من الثياب السود وغيرها. قال الطيبي: الفاء متصلة بقولها: قلت أي قلت عقيب ما تهيأت للبكاء، ولا يجوز أن يتصل بالقول إلا مع الواو ليكون حالاً-انتهى. وقال ابن حجر: هو عطف على قلت، أي عقب قولي ذلك وقع مني تمام التهيؤ. (إذ أقبلت امرأة) ظرف لتهيأت، وقيل: ظرف لقلت. وفي رواية للبيهقي: فلما تهيأت للبكاء عليه إذا امرأة تريد أن تأتيني، وفي أخرى له: فبينا أنا كذلك قد تهيأت للبكاء عليه إذ أتت امرأة. (تريد أن تسعدني) من الإسعاد وهو الإعانة، أي تساعدني في البكاء والنوح. (فاستقبلها) أي تلك المرأة. (فقال) أي بعد علمه بما هي قاصدة له. (أتريدين) أيتها المرأة بإعانتك على المعصية. (أن تدخلي الشيطان) أي أن تكوني سبباً لدخول الشيطان. (بيتاً أخرجه الله) أي الشيطان. (منه) أي من ذلك البيت وأبعده من إغواء أهله. (مرتين) الظاهر أنه متعلق بـ"قال" أي أعاد هذا الكلام لكمال الاهتمام مرتين. (وكففت) عطف على مقدر، أي فأنزجرت ومنعت نفسي. (عن البكاء فلم أبك) أي البكاء المذموم. قال البيهقي: هذا في بكاء يكون معه ندب أو نياحة –انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه البيهقي أيضاً (ج٤:ص٦٣) .
١٧٥٩- قوله: (عن النعمان) بضم النون. (أغمي على عبد الله) بصيغة المجهول يعني مرض، وحصل له الإغماء في مرضه، فلما رأت أخته عمرة هذه الحالة بكت وندبت. (أخته عمرة) بنت رواحة الأنصارية زوجة بشير بن سعد الأنصاري، ووالدة النعمان بن بشير، راوي هذا الحديث، وهي التي سألت بشيراً أن يخص ابنها منه بعطية دون إخوته، فرد النبي ﷺ ذلك، والحديث في الصحيحين. قال ابن عبد البر: لما ولدت النعمان بن بشير حملته إلى رسول الله ﷺ فدعا بتمرة، فمضغها ثم ألقاها في فيه فحنكه بها، فقالت: يا رسول الله ﷺ أدع الله أن يكثر ماله وولده، فقال: أما ترضين أن يعيش كما عاش خاله حميداً، وقتل شهيداً، ودخل الجنية. (تبكي)
стр. 2459
وا جبلاه! وا كذاه! تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً إلا قيل لي: أنت كذلك)) ؟ زاد في رواية: ((فلما مات لم تبك عليه)) رواه البخاري.
١٧٦٠- (٢٥) وعن أبي موسى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: وا جبلاه! وا سيداه! ونحو ذلك، إلا وكل الله به ملكين يلهزانه، ويقولان: أهكذا
ــ
عليه وتقول. (وا جبلاه) بالجيم والموحدة واللام، والواو فيه للندبة وهو حرف نداء، ولكنه يختص بالندبة. والهاء فيه للسكت. قال الطيبي: حال والقول محذوف أي قائلة وا جبلاه، أي أنه كان لها كالجبل تأوي إليه عند طروق الحوادث فتعتصم به، ومستنداً تستند إليه في أمورها. (وا كذا وا كذا) مرتين كنايتان عن نحو سيداه وسنداه. (تعدد عليه) بضم التاء من التعديد، وهو ذكر أوصاف الميت ومحاسنه في أثناء البكاء، يعني تذكر محاسنه، وذلك غير جائز، وعند أبي نعيم في المستخرج وا عضداه، وفي مرسل الحسن عند ابن سعد وا جبلاه وا عزاه، وفي مرسل أبي عمران الجوني عنده وا ظهراه، وزاد فيه أن رسول الله ﷺ كان عاده، فأغمي عليه فقال: اللهم إن كان أجله حضر فيسر عليه وإلا فاشفه، قال: فوجد خفة، فقال: كان ملك قد رفع مرزبة من حديد يقول: أنت كذا، فلو قلت نعم لقمعنى بها. (فقال) عبد الله. (حين أفاق) من الإغماء لأخته عمرة. (ما قلت شيئاً) مما سبق. (إلا قيل لي) استثناء مفرغ. (أنت كذلك) استفهام على سبيل الإنكار، أي قيل لي أنت لها جبل؟ أي كهف تلجيء إليك على سبيل الإيذاء والإهانة والتهكم والوعيد الشديد، وزاد أبونعيم في آخرها فنهاها عن البكاء عليه. قال الطيبي: هذا الحديث ينصر مذهب عمر ﵁ في حديث ابن أبي مليكة. وقال ابن حجر: فإن قلت: ما وجه توبيخه بهذا مع أنه لم يرض به ولا أمر؟ قلت: إخباره بذلك حتى ينزجر الناس عن فعل شيء من ذلك. (فلما مات) عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة وبلغها خبره. (لم تبك عليه) أي أخته لنهيه إياها عن ذلك في مرضه الذي أغمي عليه فيه ولم يمت منه، وقيل: لم تبك عليه مخافة أن يقال له بعد الموت أيضاً، كما قيل في حالة الإغماء. (رواه البخاري) في المغازي وأخرجه ابن سعد والبيهقي أيضاً (ج٤:ص٦٤) .
١٧٦٠- قوله: (ما من ميت) أي حقيقي أو مشرف على الموت. (يموت) قال الطيبي هو كقول ابن عباس يمرض المريض وتضل الضالة فسمي المشارف للموت والمرض والضلال ميتاً ومريضاً وضالة، وهذه الحالة هي الحالة التي ظهرت على عبد الله بن رواحة. (فيقوم) أي فيشرع. (يلهزانه) بفتح الهاء أي يضربانه ويدفعانه. وفي النهاية: اللهز الضرب بجمع اليد في الصدر، يقال: لهزه بالرمح أي طعنه في الصدر. (أهكذا كنت) أي توبيخاً وتقريعاً وتهكماً به،
стр. 2460
كنت؟)) . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب حسن.
١٧٦١- (٢٦) وعن أبي هريرة، قال: ((مات ميت من آل رسول الله ﷺ ، فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهن ويطردهن، فقال رسول الله ﷺ : دعهن يا عمر فإن العين دامعة، والقلب مصاب، والعهد قريب)) رواه أحمد، والنسائي.
ــ
كما في قوله: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ . وفيه حديث النعمان دليل على تحريم الندية والنياحة على الميت الحقيقي وعلى المشرف على الموت. (رواه الترمذي) وأخرجه أحمد (ج٤ص٤١٤) بلفظ: الميت يعذب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة: وا عضداه وا ناصراه وا كاسياه، جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسيها؟ وأخرجه ابن ماجه بلفظ: يتعتع به ويقال: أنت كذلك. وقوله: يتعتع على بناء المفعول من تعتعت الرجل إذا عنفه وأقلقته، كذا في الصحاح. والعنف هو الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهر. وأخرجه الحاكم بنحوه وقال: صحيح الإسناد. قال الحافظ في الفتح والتلخيص بعد ذكر حديث أبي موسى من رواية أحمد والترمذي والحاكم: وشاهده ما روى البخاري في المغازي من صحيحه من حديث النعمان بن بشير، فذكر لفظه، وفي الباب عن عبد الله بن عمر أخرجه الطبراني في الكبير، وعن معاذ بن جبل أخرجه الطبراني في الكبير، وعن معاذ بن جبل أخرجه الطبراني أيضاً، ذكرهما الهيثمي في الزوائد (ج٣ص١٤- ١٥) ، والمنذري في الترغيب وقالا: في الأول الأعمش لم يدرك ابن عمر، وفي الثاني الحسن لم يدرك معاذاً.
١٧٦١- قوله: (مات ميت من آل رسول الله ﷺ ) هي زينب بنت رسول الله ﷺ كما سيأتي في الحديث الآتي. (يبكين عليه) أي على الميت من غير نياحة. (دعهن) أي اتركهن. (فإن العين دامعة) أي بالطبع والجبلة البشرية. قال السندي: فيه أن بكاءهن كان بدمع العين لا بالصياح، فلذلك رخص في ذلك، وبه يحصل التوفيق بين أحاديث الباب. (والقلب) بالنصب والرفع. (مصاب) أي أصابه المصيبة فلا بد له من أن يحزن، فهو السبب في بكاء العين. (والعهد) أي زمان المصيبة. (قريب) أي منهن فالصبر صعب عليهن. قال الطيبي: كان من الظاهر أن يعكس الترتيب؛ لأن قرب العهد مؤثر في القلب بالحزن، والحزن مؤثر في البكاء، ولكن قدم ما يشاهد، ويستدل به على الحزن الصادر من قرب، وفيه أنهن لم يكن يزدن على البكاء النياحة والجزع-انتهى. وقال القاري الظاهر أن بكاءهن كان بصوت لكن لا برفعه، فنهاهن عمر سداً لباب الذريعة حتى لا ينجر إلى النياحة المذمومة، فأمره ﵊ بتركهن، وأظهر عذراً لهن في أفعالهن-انتهى. والظاهر عندي هو ما قاله الطيبي والسندي. (رواه أحمد والنسائي) وأخرجه ابن ماجه وابن حبان والبيهقي (ج٤ص٧٠) أيضاً، ولفظ ابن ماجه: أن النبي ﷺ كان في جنازة فرأى عمر امرأة. (أي باكية) فصاح بها. (لتنتهي عنه) فقال النبي ﷺ :
стр. 2461
١٧٦٢- (٢٧) وعن ابن عباس، قال: ((ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ ، فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخره رسول الله ﷺ بيده، وقال: مهلاً يا عمر! ثم قال: إياكن ونعيق الشيطان، ثم قال: إنه مهما كان من العين ومن القلب، فمن الله عزوجل
ــ
دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب، ذكره الحافظ في التلخيص، وسكت عنه، ونقل السندي في حاشيته ابن ماجه عن الحافظ أنه قال في الفتح: رجاله ثقات.
١٧٦٢- قوله: (ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ ) وقع في رواية عند أحمد والبيهقي وابن سعد: رقية بنت رسول الله بدل زينب، وهو خطأ، والصواب زينب، وهي أكبر بناته ﷺ ، وأول من تزوج منهن، ولدت قبل البعثه بمدة. قيل: إنها عشر سنين، وتزوجها ابن خالتها أبوالعاص بن الربيع العبشمي، وأمه هالة بنت خويلد، أسلمت زينب وهاجرت حين أبى زوجها أبوالعاص أن يسلم، وولدت من أبي العاص غلاماً اسمه علي مات وقد ناهز الاحتلام ومات في حياته، وجارية اسمها أمامة عاشت حتى تزوجها علي بعد فاطمة، وتوفيت زينب في أول سنة ثمان من الهجرة، وكان سبب موتها أنها لما خرجت من مكة إلى رسول الله ﷺ عدلها هبار بن الأسود ورجل آخر، فدفعها أحدهما فيما ذكروا، فسقطت على صخرة، فأسقطت واهراقت الدماء، فلم يزل بها مرضها حتى ماتت سنة (٨) من الهجرة، وكان زوجها محباً فيها، وكانت وفاته بعدها بقليل. (فأخره رسول الله ﷺ بيده) . في المسند (ج١ص٢٣٨) : فأخذ رسول الله ﷺ بيده. (مهلاً) بسكون الهاء، أي أمهلهن مهلاً أو أعطهن مهلاً. قال السيد: "مهلا" مصدر عامله محذوف، وقيل المَهْل والمَهَل الرفق التؤدة والتباطؤ، ويقال مَهْلاً وعلى مَهْل أي امهِل، وهو مصدر نائب مناب فعله يستوي فيه المذكر والمؤنث مفرداً ومثنى وجمعاً. (يا عمر) والمعنى لا تبادر حتى يتبين لهن الحكم. وفي رواية لأحمد (ج١ص٣٣٥) : دعهن يبكين. (ونعيق الشيطان) أي صياحه بالنياحة، وأضيف إليه لحمله عليه، من نعق الراعي بغنمة دعاها لتعود إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿كمثل الذي ينعق﴾ [البقرة: ١٧١] . (ثم قال) أي النبي ﷺ مبيناً له أتم البيان. (إنه) أي الشأن. (مهما كان) في القاموس: مهما بسيط لا مركب من "مه وما" ولا من "ماما" خلافا لزاعميها-انتهى. واختلف في أنها اسم شرط أو حرف شرط، وهو في هذا المقام ظرف لفعل الشرط، أي مهما كان البكاء. (من العين) أي من الدمع. (ومن القلب) أي من الحزن. (فمن الله أي محمود ومرضي من جهة وصادر من خلقته. وقال الطيبي: "مهما" حرف الشرط تقول مهما تفعل افعل. قيل: إن أصلها "ماما" فقلبت الألف الأولى هاء،
стр. 2462
ومن الرحمة، وما كان من اليد ومن اللسان، فمن الشيطان)) . رواه أحمد.
١٧٦٣- (٢٨) وعن البخاري تعليقاً، قال: ((لما مات الحسن بن الحسن بن علي ضربت امرأته القبة على قبره سنة
ــ
ومحله رفع بمعنى أيما شيء كان من العين فمن الله. (ومن الرحمة) أي وناشئ من رحمة صاحبه. (وما كان) "ما" شرطية أيضاً. (من اليد) كالضرب على الخد وقطع الثوب ونتف الشعر. (ومن اللسان) أي بطريق الصياح وعلى وجه النياح، أو يقول مما لا يرضى به الرب. (فمن الشيطان) أي من إغوائه أو برضاه. قال الطيبي: وجه اختصاص البكاء بالله أن الغالب في البكاء أن يكون محموداً، فالأدب أن يسند إلى الله تعالى، بخلاف قول الخنا والضرب باليد عند المصيبات فإن ذلك مذموم. وقال ميرك: ولعل إسناد البكاء إلى الله تعالى لأجل أن الله تعالى راض به ولا يؤاخذ به، بخلاف ما صدر من اللسان واليد عند المصيبة فإن الشيطان راض بهما والرحمن يؤاخذ بهما. وقال القاري: بعضها مباح أو محمود فينسب إلى الله لإباحته أو لرضاه فيترتب عليه الثواب، وبعضها معصية فينسب إلى الشيطان حيث تسبب بالإغواء وحصل له به الرضا، فيستوجب عليه العذاب. (رواه أحمد) (ج١ص٢٣٧- ٢٣٨و ٣٣٥) ، وأخرجه البيهقي (ج٤ص٧٠) وابن سعد أيضاً، والحديث في إسناده علي بن زيد، وفيه كلام وهو موثق، وأشار إليه الحافظ في التلخيص وسكت عنه.
١٧٦٣- قوله: (وعن البخاري تعليقاً) أي بلا إسناد. قال القاري: كان من حق المصنف أن يذكر من يرويه البخاري عنه أولاً، وينسب الحديث إليه معنعناً، ثم يقول بعد تمام الحديث: رواه البخاري تعليقاً-انتهى. قلت: أورد البخاري هذا الأثر معلقاً بحذف كل السند، يعني ذكره غير معزو إلى من رواه حيث قال "باب ما يكره من اتخاذ المسجد على القبور"، ولما مات الحسن بن الحسن بن علي الخ. ثم روى بسنده عن عائشة عن النبي ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وعلى هذا فلا وجه للاعتراض على المصنف، وقد وصل هذا الأثر الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحاملي في أماليه من طريق جرير عن المغيرة بن مقسم، ووصله أيضاً ابن أبي الدنيا في كتاب القبور من طريق المغيرة. (لما مات الحسن بن الحسن بن علي) بن أبي طالب الهاشمي بفتح الحاء والسين في الاسمين، وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، وكانت وفاته سنة سبع وتسعين وله بضع وخمسون سنة، وهو من ثقات التابعين، وله ولد يسمى الحسن أيضاً فهم ثلاثة في نسق واحد. (ضربت امرأته) فاطمة بنت الحسين بن علي أبي طالب الهاشمية، وهي ابنة عمه تقدم ترجمتها. (القبة) بضم القاف، وتشديد الموحدة أي الخيمة، كما جاء في رواية المحاملي وابن أبي الدنيا بلفظ الفسطاط. (على قبره سنة)
стр. 2463
ثم رفعت، فسمعت صائحاً يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا)) .
١٧٦٤- ١٧٦٥- (٢٩- ٣٠) وعن عمران بن حصين، وأبي برزة، قالا: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأى قوماً قد طرحوا أرديتهم يمشون في قمص، فقال رسول الله ﷺ : أبفعل الجاهلية تأخذون؟ أو بصنيع الجاهلية
ــ
قال ابن المنير: إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه تعليلاً للنفس وتخييلاً باستصحاب المألوف من الأنس ومكابرة للحس، كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البالية ومخاطبة المنازل الخالية فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا. (ثم رفعت) بالبناء للفاعل أي أمرت المرأة برفعها أو للمفعول أي رفعت الخيمة. (فسمعت) أي المرأة، ويروى: فسمعوا أي المرأة ومن معها. (صائحاً) أي هاتفاً من مؤمني الجن أو الملائكة. (ألا) بالتخفيف للتنبيه. (ما فقدوا) بفتح القاف، ويروى: ما طلبوا. (فأجابه آخر) أي صائح آخر. (بل يئسوا فانقلبوا) أي رجعوا، وفي هذا الأثر دليل على كراهة ضرب القبة على القبر، وإليه ذهب أحمد وهو الحق. قال ابن قدامة: كره أحمد أن يضرب على القبر فسطاط، وأوصى أبوهريرة حين حضرته الوفاة أن لا يضربوا عليه فسطاطاً-انتهى. وذكر البخاري ذلك الأثر في الباب المذكور؛ لأنه يدل على كراهة ضرب القبة على القبر. قال القسطلاني: مطابقته للترجمة ومناسبته لحديث الباب من جهة أن المقيم في الفسطاط لا يخلوا من الصلاة فيه، فيستلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة، وإذا أنكر الصائح بناء زائلاً فالبناء الثابت أجدر، لكن لا يؤخذ من كلام الصائح حكم؛ لأن مسلك الأحكام الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا وحي بعده ﵊، وإنما هذا وأمثاله تنبيه على انتزاع الأدلة من مواضعها واستنباطها من مظانها-انتهى. وقال الحافظ: إنما ذكره البخاري لموافقته للأدلة الشرعية لا لأنه دليل برأسه.
١٧٦٤-١٧٦٥- قوله: (فرأى قوماً) أي من متبعي الجنازة. (قد طرحوا أرديتهم) قال السندي: أي غيروا لباسهم للحزن على الميت، وهذا من صنيع الجاهلية، لكن أهل الجاهلية يبالغون فيه فلذلك سمى هذا تشبيهاً بهم-انتهى. (يمشون) حال من فاعل طرحوا، أو صفة بعد صفة لقوماً. (في قمص) بضمتين جمع قميص. قال القاري: يؤخذ منه أن الشعار المعروف في ذلك الزمن هو الرداء فوق القميص. قال الطيبي: حال متداخلة؛ لأن يمشون حال من الواو في طرحوا، أو هو من الواو في يمشون. (أبفعل الجاهلية) أي من تغير الزي المألوف عند
стр. 2464
تشبهون؟ لقد هممت أن أدعو عليكم دعوة ترجعون في غير صوركم. قال: فأخذوا أرديتهم، ولم يعودوا لذلك)) . رواه ابن ماجه.
١٧٦٦- (٣١) وعن ابن عمر، قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن تتبع جنازة معها رانة)) رواه أحمد، وابن ماجه.
ــ
الموت. (تأخذون) الهمزة للإنكار، ومحله الفعل، وقدم الجار لبيان محط الإنكار. (أو بصنيع الجاهلية) أو للتنويع أو للشك. (تشبهون) أي تتشبهون فحذف إحدى التائين. (لقد هممت) أي قصدت. (دعوة) مفعول مطلق. (ترجعون) على بناء للفاعل أو للمفعول، أي تصيرون أو تردون بتلك الدعوة. (في غير صوركم) أي بالمسخ. قال الطيبي: هو محمول على تضمين الرجوع معنى صار، كما في قوله تعالى: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ [الأعراف: ٨٨] ، أو تحمل الصورة على الصفة والحالة، أي ترجعون إلى غير الفطرة كما كنتم عليه-انتهى. قال ميرك: ويحتمل أن يكون المراد ترجعون إلى بيوتكم في غير صوركم، وفي غير صوركم حال فلا حاجة إلى الوجهين-انتهى. (قال) أي الراوي، وفيه إبهام فإن الراوي اثنان، فيحتمل أن يكون المراد قال كل منهما، ويحتمل قال الراوي الشامل لهما أو لأحدهما. (ولم يعودوا) أي لم يرجعوا بعد ذلك. (لذلك) أي إلى ذلك الفعل أو لم يرجعوا في ذلك الفعل لأجل ذلك القول الصادر منه ﷺ . قال الطيبي: فإذا ورد في مثل أدنى تغيير من وضع الرداء عن المنكب هذا الوعيد البليغ فكيف ما يشاهد من الأمور الشنيعة. (رواه ابن ماجه) بإسناد ضعيف، فيه نفيع بن الحارث أبوداود الأعمى تركه غير واحد، ونسبه ابن معين وغيره للوضع، وفيه أيضاً علي بن الحزور كذلك متروك الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث عنده عجائب، وقال مرة: فيه نظر.
١٧٦٦- قوله: (أن تتبع) بالتخفيف وتشدد على بناء المجهول، أي تشيع (جنازة معها رانة) بالراء المهملة وبعد الألف نون مشددة بصيغة اسم الفاعل، أي نائحة صائحة. في القاموس: رنَّ يَرِنّ رنيناً صاح، وفي رواية أحمد: رَنَّة، وهي الصوت يريد به نواح النساء خلف الجنازة. وفيه دليل على تحريم اتباع الجنازة التي معها النائحة. قال القاري: وفي معناها إذا كان معها أمر آخر من المنكرات. وهذا أصل أصيل في عدم الحضور عند مجلس فيه المحظور. (رواه أحمد) (ج٢ص٩٢) . (وابن ماجه) في سنده عند ابن ماجه أبويحي القتات رواه عنه إسرائيل. قال أحمد: روى عنه إسرائيل أحاديث كثيرة مناكير جداً. وقال ابن معين: في حديثه ضعف. وقال يعقوب بن سفيان والبزار: لا بأس به. وقال الحافظ: لين الحديث. قلت: قد تابعه على روايته هذا الحديث عن مجاهد ليث بن أبي سليم عند أحمد، فصار الحديث حسناً بل صحيحاً لاعتضاده بالأحاديث التي تدل على تحريم النياحة.
стр. 2465
١٧٦٧- (٣٢) وعن أبي هريرة، أن رجلاً قال له: ((مات ابن لي فوجدت عليه، هل سمعت من خليلك صلوات الله عليه شيئاً يطيب بأنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم، سمعته ﷺ قال: صغارهم دعاميص الجنة، يلقى أحدهم أباه فيأخذ بناحية ثوبه، فلا يفارقه حتى يدخله الجنة)) رواه مسلم، وأحمد واللفظ له.
١٧٦٨- (٣٣) وعن أبي سعيد، قال: ((جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله!
ــ
١٧٦٧- قوله: (أن رجلاً) هو أبوحسان القيسي، ففي مسلم عن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة أنه قد مات لي ابنان الخ. واسم أبي حسان هذا خالد بن غلاق القيسي. (مات ابن لي) أي صغير. (فوجدت عليه) أي حزنت عليه حزناً شديداً. (يطيب بأنفسنا) بالتخفيف مع فتح أوله فالباء للتعدية، وبالتشديد فالباء للتأكيد، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] ، ﴿وهزي إليك بجزع النخلة﴾ [مريم: ٢٥] . وهذه الزيادة أعني زيادة الباء أمر مطرد عند أرباب العربية على ما ذكره المغني، قاله القاري. أي يسليها. وفي مسلم: فما أنت محدثي عن رسول الله ﷺ بحديث تطيب به أنفسنا. (عن موتانا) أي من الصغار. (صغارهم) أي صغار المسلمين. (دعاميص الجنة) بالدال والعين والصاد المهملات جمع دعموص بضم الدال أي صغار أهلها، وأصل الدعموص دويبة تكون في الماء لا تفارقه، أي أن هذا الصغير في الجنة لا يفارقها. وفي النهاية: جمع دعموص وهي دويبة تغوص في الماء، وتكون في مستنقع الماء، والدعموص أيضاً الدخال في الأمور، أي أنهم سياحون في الجنة دخالون في منازلها لا يمنعون من موضع، كما أن الصبيان في الدنيا لا يمنعون من الدخول على الحرم، ولا يحتجب منهم، قاله الطيبي: (يلقي أحدهم) أي أحد الصغار. (أباه) أي فكيف بأمه. وفي صحيح مسلم: يتلقى أحدهم أباه أو قال أبويه. (بناحية ثوبه) أي بطرفه. (فلا يفارقه حتى يدخله الجنة) ولفظ مسلم: فيأخذ بثوبه أو قال بيده كما آخذ أنا بضفة ثوبك هذا، فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة. وفيه دليل أن أطفال المؤمنين في الجنة، وكذا آباء هؤلاء الأطفال وأمهاتهم في الجنة إذا احتسبوهم. (رواه مسلم) في الأدب والبر والصلة. (وأحمد) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٤ص٦٧) . (واللفظ له) أي لأحمد. ولعل المصنف لهذا ذكر أحمد؛ لأنه ملتزم أنه لا يذكر بعد الشيخين أحداً من المخرجين؛ لظهور صحة الحديث إذا كان في الصحيحين أو في أحدهما.
١٧٦٨- قوله: (جاءت امرأة) قال الحافظ: لم أقف على اسمها. ويحتمل أن تكون هي أسماء بنت يزيد
стр. 2466
ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، فقال: اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا. فاجتمعن، فأتاهن رسول الله ﷺ فعلمهن مما علمه الله، ثم قال: ما منكن امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة، إلا كان لها حجاباً من النار، فقالت امرأة منهن: يا رسول الله! أو اثنين؟ فأعادتها مرتين. ثم قال: واثنين واثنين واثنين)) رواه البخاري.
ــ
ابن السكن. (ذهب الرجال بحديثك) قال الطيبي: أي أخذوا نصيباً وافراً من مواعظك. وقال القاري: أي فازوا وظفروا به. ونحن محرومات من اغتنامه واكتسابه-انتهى. وفي رواية: غلبنا عليك الرجال أي بملازمتهم لك كل الأيام يتعلمون الدين، ونحن نساء ضعفة لا نقدر على مزاحمتهم. (فاجعل) أي انظر لنا فعين (لنا من نفسك) أي من اختيارك لا من اختيارنا. (يوماً) من الأيام فـ"من" ابتدائية تتعلق بـ"اجعل"، و"يوما" مفعول به، يعني هذا الجعل منشؤه اختيارك لا اختيارنا. قال الكرماني: ويحتمل أن يكون المراد من أوقات نفسك بإضمار الوقت والظرف صفة لـ"يوما"، وهو ظرف مستقر على هذا الاحتمال-انتهى. يعني اجعل لنا وقتاً ما من الأوقات المختصة بذاتك الأشرف. (اجتمعن) بكسر الميم. (في يوم كذا) أي في نهار كذا (وكذا) أي في وقت كذا. (في مكان كذا) أي من المسجد أو البيت. (وكذا) أي من وصفه بمقدمه أو مؤخره. (فاجتمعن) بفتح الميم. (ما منكن امرأة تقدم) من التقديم. (بين يديها) أي إلى يوم القيامة. (إلا كان) أي التقديم أو تقدمهم وموتهم. (حجاباً) أي ستراً. (فقالت امرأة منهن) هي أم سليم أو أم مبشر أو أم أيمن. (أو اثنين) عطف على "ثلاثة"، ويقال لمثل هذا: عطف تلقين، كأنه يلقن المخاطب المتكلم بأن يعطفه على ما قبله. وفي رواية: واثنين، أي وما حكم اثنين أو ومن قدم اثنين. (فأعادتها) أي المرأة كلمة أو اثنين. (مرتين) وفي رواية مسلم: فقالت امرأة: واثنين واثنين واثنين. (ثم قال) أي النبي ﷺ . (واثنين واثنين واثنين) ثلاث مرات للتوكيد، والواو بمعنى أو. وفي الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعلم أمور الدين. وفيه أن أطفال المسلمين في الجنة: وأن من مات له ولدان حجباه من النار، ولا اختصاص لذلك بالنساء كما تقدم. (رواه البخاري) في العلم وفي الجنائز وفي الاعتصام، وأخرجه أيضاً مسلم في الأدب والبر والصلة، واللفظ للبخاري في الاعتصام، فكان من حق المصنف أن يقول: متفق عليه، واللفظ للبخاري، وأخرجه أحمد (ج٣ص٣٤، ٧٢) والبيهقي أيضاً.
стр. 2467
١٧٦٩- (٣٤) وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة، إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهما، فقالوا: يا رسول الله! أو اثنان؟ قال: أو اثنان. قالوا: أو واحد؟ قال: أو واحد. ثم قال: والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتبسته)) . رواه أحمد، وروى ابن ماجه من قوله: ((والذي نفسي بيده)) .
ــ
١٧٦٩- قوله: (ما من مسلمين) على صيغة التثنية أي من الوالدين. (ثلاثة) أي من الولد من البنين والبنات. (إلا أدخلهما) أي الوالدين المسلمين. (بفضل رحمته إياهما) أي بفضل رحمة الله تعالى للوالدين. وهذا صريح في أن المراد بقوله "إياهما" الأبوان لا الأولاد. وورد بعض الأحاديث بما يدل على أن المراد بفضل رحمة الله للأولاد، ففي حديث أنس عند ابن ماجه: ما من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله. (أي الأبوين والأولاد) بفضل رحمة الله إياهم. ورواه أحمد (ج٦ص٣٧٦) والطبراني في الكبير من حديث أم سليم، والنسائي من حديث أبي ذر، وفي حديث أبي ثعلبة الأشجعي عند أحمد (ج٦ص٣٩٦) والطبراني في الكبير برجال ثقات: من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهما. وفي حديث عمرو بن عبسة عند أحمد (ج٤ص٣٨٦) : من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث. أدخله الله الجنة برحمته إياهم. وللطبراني. إلا أدخله الله برحمته هو وإياهم. (أو اثنان) عطف على ثلاثة عطف التماس. (قال: أو واحد) هذا صريح في أن للواحد حكم الاثنين والثلاثة. (ثم قال) أي تتميماً ومبالغة في ثواب الولد. (إن السقط) بكسر السين أكثر وأشهر من الضم والفتح، وهو ولد يسقط من بطن أمه قبل تمامه. (ليجر أمه) بضم الجيم ليسحبها. (بسرره) بفتحتين وتكسر السين، هو ما تقطعه القابلة، وهو السر بالضم أيضاً. وأما السرة فهي ما يبقى بعد القطع. وقال الجزري في النهاية: السرر ما يبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة. (إلى الجنة) قال الطيبي: هذا تتميم ومبالغة للكلام السابق، ومن ثم صدره ﷺ بالقسم، أي إذا كان السقط الذي لا يؤبه به يجر الأم بما قد قطع من العلاقة بينهما، فكيف الولد المألوف الذي هو فلذة الكبد. (إذا احتبسته) أي صبرت عليه طلباً للأجر من الله تعالى. (رواه أحمد) أي من أول الحديث (ج٥ص٢٤١) ، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير. (وروى ابن ماجه من قوله: والذي نفسي بيده) أي إلى آخر الحديث، وفي سنده عندهم يحيى بن عبيد الله التيمي. قال الهيثمي: لم أجد من وثقه ولا جرحه-انتهى. ونقل السندي عن البوصيري أنه قال في الزوائد: في إسناده يحيى بن عبيد الله بن موهب، وقد اتفقوا على ضعفه، والله اعلم-انتهى. قلت يحيى بن عبيد الله بن موهب التيمي قال فيه يعقوب بن سفيان: لا بأس به إذا روى عن ثقة. وقال الساجي: فيجوز في الزهد وفي الرقائق،
стр. 2468
١٧٧٠- (٣٥) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث،
ــ
وليس هو بحجة في الأحكام. وقال الجوزجاني: أحاديثه متقاربة من حديث أهل الصدق، وضعفه غيرهم. وقال الحافظ في التقريب: إنه متروك-انتهى. وفي كونه هو المراد في سند هذا الحديث عندي نظر. والظاهر أن الراوي فيه رجل آخر لا يعرف، أو هو يحيى بن عبد الله الجابر، وهو لين الحديث. ذكر الحافظ في تهذيب التهذيب ترجمة يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب التيمي برقم الترمذي وابن ماجه: ثم قال تحت رقم ابن ماجه: يحيى بن عبيد الله عن عبيد الله بن مسلم الحضرمي، وعنه عبيدة بن حميد. وقيل: عن عبيدة عن يحيى بن عبد الله الجابر عن عبيد الله بن مسلم، وهو الصواب-انتهى. وقال الذهبي في الميزان: يحيى بن عبيد الله ق عن عبيد الله بن مسلم عن معاذ لا يعرف، روى عنه عبيدة بن حميد، وكأنه يحيى بن عبد الله الجابر-انتهى. وذكر الذهبي. أيضاً هذا الحديث في ترجمة يحيى الجابر، فقال: عبيدة بن حميد حدثنا يحيى الجابر عن عبد الله بن مسلم الحضرمي عن معاذ بن جبل مرفوعاً: ما من امرأين مسلمين يموت لهما ثلاثة-الحديث. وفيه: أن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبت-انتهى. وقال الحافظ في اللسان: يحيى بن عبيد الله عن عبيد الله بن مسلم وعنه عبيدة بن حميد، وقال إسرائيل وخالد الطحان: عن يحيى بن عبد الله الجابري-انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن حديث معاذ بن جبل هذا ضعيف لا يصلح للاحتجاج. وفي ثواب السقط أحاديث لا يصلح واحد منها للاستدلال، منها: حديث علي الآتي، ومنها حديث أبي هريرة عند ابن ماجه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي. قال في الزوائد: قال المزي في التهذيب والأطراف: يزيد بن رومان لم يدرك أبا هريرة، ويزيد بن عبد الملك النوفلي وإن وثقه ابن سعد فقد ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما، ومنها حديث سهل بن حنيف مرفوعاً: تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، وإن السقط ليرى محبنطئاً بباب الجنة يقال له: ادخل، يقول: حتى أدخل أبوي، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، كذا في مجمع الزوائد (ج٣:ص١١) . ومنها حديث معاوية بن حيدة عند ابن حبان في الضعفاء بنحو حديث سهل بن حنيف، ذكره العيني.
١٧٧٠- قوله: (من قدم ثلاثة من الولد) أي من قدمهم بالصبر على موتهم. قال القاري: معناه من قدم صبر ثلاثة من الولد عند فقدهم واحتسب ثوابهم عند ربهم، أو المراد بالتقديم لازمه وهو التأخر، أي من تأخر أي موته عن موت ثلاثة من أولاده المقدمين عليه. (لم يبلغوا الحنث) أي الذنب. والمراد أنهم لم يحتلموا. قال القاري: والظاهر أن هذا قيد للكمال؛ لأن الغالب أن يكون القلب عليهم أرق، والصبر عنهم أشق وشفاعتهم أرجى وأسبق. وقال السندي: يأبى عنه أي عن التعميم قوله. (في حديث عتبة بن عبد السلمي عند ابن ماجه) "إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل"، إذ لا يلزم في الكبير الإسلام ودخول الجنة فضلاً عن تلقيه إياه من الأبواب
стр. 2469
كانوا له حصناً حصيناً من النار، فقال أبوذر: قدمت اثنين. قال: واثنين. قال أبيّ بن كعب أبوالمنذر سيد القراء: قدمت واحدا. قال: وواحداً)) . رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
١٧٧١- (٣٦) وعن قرة المزني: ((أن رجلاً كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابن له. فقال له النبي ﷺ : أتحبه؟ فقال: يا رسول الله! أحبك الله كما أحبه. ففقده النبي ﷺ ، فقال: ما فعل ابن فلان؟ قالوا: يا رسول الله ﷺ ! مات. فقال رسول الله ﷺ : أما تحب أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته
ــ
الثمانية، وكذا ما يأتي عنه في قوله: بفضل الله إياهم، أي بفضل رحمة الله تعالى للأولاد، إذ لا يلزم في الكبير أن يكون مرحوماً فضلاً عن أن يرحم أبوه بفضل رحمته، نعم قد جاء دخول الجنة بسبب الصبر مطلقاً كما في بعض الأحاديث-انتهى. (حصناً حصيناً) أي ستراً قوياً. وقال القاري: أي حصاراً محكماً وحاجزاً ومانعاً. (قدمت اثنين) أي فما حكمه؟ (قال: واثنين) أي وكذا من قدم اثنين. وقال الطيبي: فقال أبوذر: زد يا رسول الله! في البشارة، فإني قدمت اثنين، قال: واثنين، أي ومن قدم اثنين. (أبوالمنذر) عطف بيان. (سيد القراء) إنما قيل له سيد القراء لقوله ﷺ : أقرأكم أبيّ. (قال: وواحد) زاد الترمذي: ولكن إنما ذلك عند الصدمة الأولى. (رواه الترمذي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٣٧٥،٤٢٩،٤٥١) وابن أبي شيبة، وإسناده ضعيف لانقطاعه؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود، وفيه أيضاً اختلاف على راويه العوام بن حوشب، ذكره الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد (ج٥:ص١٨٨) . (وقال الترمذي: هذا حديث غريب) ، وقال أيضاً: أبوعبيدة لم يسمع من أبيه.
١٧٧١- قوله: (وعن قرة) بضم القاف وتشديد المهملة ابن إياس. (المزني) بضم الميم وفتح الزاي. (أتحبه) أي حباً بالغاً حيث يصحبك دائماً. (أحبك الله كما أحبه) دعاء له بزيادة محبة الله له ﷺ ، يريد أنه يحب ولده حباً شديداً، يطلب لك مثله من الله تعالى. (ففقده) أي الابن أو الأب، وهو الأليق بما وقع في رواية للنسائي من قوله: فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه فحزن عليه، ففقده النبي ﷺ ، فقال: مالي لا أرى فلاناً؟ الحديث. وقيل: فقده أي ابنه معه. (ما فعل) بصيغة الفاعل. (ابن فلان) أي ما جرى له من الفعل. (مات) أي ابنه. (فقال رسول الله ﷺ ) أي فقال له حين لقيه في الطريق. (إلا وجدته)
стр. 2470
ينتظرك؟ فقال رجل: يا رسول الله! له خاصة، أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم)) . رواه أحمد.
١٧٧٢- (٣٧) وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن السقط ليراغم ربه إذا أدخل أبويه النار، فيقال: أيها السقط المراغم ربه! أدخل أبويك الجنة، فيجرهما بسرره حتى يدخلهما الجنة)) . رواه ابن ماجه.
١٧٧٣- (٣٨) وعن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: ((يقول الله ﵎: ابن آدم! إن صبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى لم أرض لك ثواباً دون الجنة)) رواه ابن ماجه.
١٧٧٤- (٣٩) وعن الحسين بن علي، عن النبي ﷺ قال: ((ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها،
ــ
أي ابنك. (ينتظرك) ليشفعك وليدخلها معك. وقال الطيبي: ينتظرك أي مفتحاً لك مهيئاً لدخولك، كما قال تعالى: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ [ص:٥٠] فاستعير للفتح الانتظار مبالغة-انتهى. وفي رواية للنسائي: إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك، وفي أخرى له: إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك. (له خاصة) أي هذا الحكم. (أم لكلنا) أي أم هو عامة لجميعنا معشر المسلمين. (بل لكلكم) أي كافة. (رواه أحمد (ج٣:ص٤٣٦) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وأخرجه أيضاً النسائي. قال الحافظ: بإسناد صحيح، والحاكم (ج١:ص٣٨٤) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي (ج٤:ص٦٠،٥٩) وابن أبي شيبة (ج٤: ص١٤٥) .
١٧٧٢- قوله: (وعن علي) أي ابن أبي طالب. (ليراغم ربه) أي يحاجه ويخاصمه ويعارضه. والمراد أنه يبالغ في شفاعته ويجتهد حتى تقبل شفاعته. (إذا أدخل أبويه) أي إذا أراد أن يدخلهما. (رواه ابن ماجه) من طريق مندل بن علي العنزي عن الحسن بن الحكم النخعي عن أسماء بنت عابس بن ربيعة عن أبيها عن علي، ومندل ضعيف، وأسماء بنت عابس مجهولة لا يعرف حالها. قال في الزوائد: إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف مندل بن علي-انتهى. والحديث نسبه العيني في شرح البخاري إلى ابن أبي شيبة، وقال: ورواه أبويعلى أيضاً.
١٧٧٣- قوله: (ابن آدم) منادى بتقدير حرف النداء. (إن صبرت) أي على البلاء. (واحتسبت) أي طلبت به الأجر والثواب من الله تعالى. (دون الجنة) أي دخولها ابتداء، وإلا فأصل الدخول يكفي فيه الإيمان، قاله السندي. (رواه ابن ماجه) قال في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
١٧٧٤- قوله: (وعن الحسين) بضم الحاء مصغراً. (بن علي) بن أبي طالب. (وإن طال عهدها) أي بَعُدَ
стр. 2471
فيحدث لذلك استرجاعاً، إلا جدد الله ﵎ له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها)) رواه أحمد، والبيهقي في شعب الإيمان.
١٧٧٥- (٤٠) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا انقطع شسع أحدكم فليسترجع، فإنه من المصائب)) .
ــ
زمانها و"إن" وصلية. (فيحدث) أي يحدد. (لذلك) أي عند تذكر تلك المصيبة، فاللام للتوقيت. (استرجاعاً) بالقول أي يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون قولاً جديداً وقت التذكر. (إلا جدد الله ﵎ له عند ذلك) أي أثبت الله له عند الاسترجاع ثواباً جديداً، بينه قوله: ﴿فأعطاه مثل أجرها﴾ أي مثل ثواب تلك المصيبة. (يوم أصيب بها) أي وقت ابتلائه بتلك المصيبة ابتداء وصبره وتسليمه بقضائه تعالى. وفيه دليل على أن استرجاع المصاب عند ذكر المصيبة يكون سبباً لاستحقاقه لمثل الأجر الذي كتبه الله له في الوقت الذي أصيب فيه بتلك المصيبة، وإن تقادم عهدها ومضت عليها أيام طويلة، وهذا فضل من الله تعالى ورحمة. (رواه أحمد) (ج١:ص٢٠١) . (والبيهقي) وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط وابن ماجه ولفظه: من أصيب بمصيبة، فذكر مصيبته، فأحدث استرجاعاً وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب. والحديث إسناده ضعيف جداً فيه هشام بن زياد وهو هشام بن أبي هشام أبوالمقدام البصري، متروك. رواه عن أمه، ولا يعرف من هي. ونقل السندي عن الزوائد قال: "قد اختلف الشيخ هل هو (أي هشام) روى عن أبيه أو أمه"، وذكره ابن كثير في التفسير، وأشار إلى رواية ابن ماجه، ثم قال: "وقد رواه إسماعيل بن علية ويزيد بن هارون عن هشام بن زياد عن أبيه".
١٧٧٥- قوله: (إذا انقطع شسع أحدكم) أي شسع نعله بكسر الشين المعجمة وسكون المهملة، زمام للنعل بين الإصبع الوسطى والتي تليها. وقال في النهاية: الشسع أحد سيور النعل، وهو ما يدخل بين الإصبعين. (الوسطى والتي تليها) ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام السير الذي يعقد فيه الشسع. (فليسترجع) أي يقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، وهو أمر ندب. (فإنه) أي انقطاع الشسع. وفي مجمع الزوائد والجامع الصغير نقلاً عن البزار "فإنها" أي بضمير المؤنث، وكذا وقع في الميزان. قال المناوي: أي هذه الحادثة التي هي انقطاع شسع النعل. (من المصائب) أي من جملتها. قال القاري: وروي أنه ﷺ استرجع حين انطفأ سراج له: ولعل المراد من انقطاع الشسع أقل أفراد المصيبة. وقال ابن حجر: نبه بالشسع على ما فوقه بالأولى، وعلى ما دونه بطريق التساوي، فيسن ذكر الاسترجاع في الجميع.
стр. 2472
١٧٧٦- (٤١) وعن أم الدرداء، قالت: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: ((إن الله ﵎ قال: يا عيسى! إني باعث من بعدك أمة إذا أصابهم ما يحبون حمدوا الله، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا عقل. فقال: يا رب! كيف يكون هذا لهم ولا حلم ولا عقل؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي)) رواهما البيهقي في شعب الإيمان.
ــ
١٧٧٦- قوله: (وعن أم الدرداء) هي أم الدرداء الصغرى، هجيمة الأوصابية الدمشقية الفقيهة التابعية، لا أم الدرداء الكبرى الصحابية. (إني باعث) أي خالق ومظهر. (أمة) أي جماعة عظيمة. والمراد بهم صلحاء أمة محمد ﷺ . (حمدوا الله) أي على إصابتهم ما يحبون. (احتسبوا) أي طلبوا الثواب من الله. (ولا حلم) أي الحال أنهم لا حلم لهم. (ولا عقل) أي كسبيان أو كاملان قبل ذلك يحملهم على ما سبق منهم، قاله القاري. وفي مسند الإمام أحمد (ج٦:ص٤٥٠) والمستدرك (ج١:ص٣٤٨) "ولا علم" بدل "ولا عقل" في الموضعين، وكذا في مجمع الزوائد والترغيب. (فقال) أي عيسى: (كيف يكون هذا) أي ما ذكر من الحمد حال السراء والصبر حال الضراء. (ولا حلم ولا عقل) ؛ لأن الحلم هي الصفة المعتدلة تمنع الإنسان عن العجلة وتبعثه على التأمل في القضايا والأحكام حتى يقوم بمقتضى المقام، فيشكر عند الإنعام ولا يبطر، ويصبر على المحنة، ولا يجزع عند المصيبة. والعقل يمنعه ويعقله عما لا ينبغي، فيكون مانعاً له من الكفران وحاملاً وباعثاً له على حمد الله تعالى، وبه يعلم الإنسان أن الأمر كله بيد الله، والخير فيما اختاره الله، فيصبر على ما قدر وقضاه. وأما إذا لم يكن لهم حلم ولا عقل فأمرهم غريب وحالهم عجيب. (أعطيهم من حلمي وعلمي) أي اللدنيين عند المنحة والمحنة ليشكروا حال السراء ويصبروا حال الضراء على وجه الكمال، قاله القاري. وقال الطيبي: قوله "لا حلم ولا عقل" قيل: هو مؤكد لمفهوم احتسبوا وصبروا؛ لأن الاحتساب أن يحمله على العمل والإخلاص وابتغاء مرضاة الله لا الحلم والعقل، وحينئذٍ يتوجه السؤال أي كيف يصبر ويحتسب من لا حلم ولا عقل له؟ فأجاب بأنه إن فنى حلمه وعقله يتحلم ويتعقل بحلم الله وعلمه. وفي وضع علمي موضع العقل إشارة إلى عدم جواز نسبة العقل إليه، تعالى عن صفات المخلوقين علواً كبيراً، وهو القوة المتهيئة لقبول العلم-انتهى. والحديث يدل على الترغيب في الصبر سيما لمن ابتلى في نفسه وماله، وعلى فضل الأمة المحمدية. (رواهما) أي هذا الحديث والذي قبله. (البيهقي) الحديث الأول أخرجه البزار وابن عدي أيضاً، كما في الجامع الصغير، ونسبه الهيثمي (ج٢:ص٣٣١) للبزار. وقال: فيه بكر بن خنيس، وهو ضعيف، وروى البزار أيضاً عن شداد بن أوس مثله، وفيه خارجة بن مصعب، وهو متروك. وفي الباب أيضاً عن أبي أمامة عند الطبراني في الكبير، وفيه العلاء بن كثير، وهو متروك، وله حديث آخر عند
стр. 2473
(٨) باب زيارة القبور
﴿الفصل الأول﴾
١٧٧٧- (١) عن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها،
ــ
الطبراني أيضاً، وسنده ضعيف. والحديث الثاني أخرجه أيضاً أحمد (ص٤٥٠) والحاكم (ج١:ص٣٤٨) والبزار والطبراني في الكبير والأوسط. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي (ج١٠:ص٦٨) بعد عزوه لأحمد والبزار والطبراني: ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن سوار وأبي حلبس يزيد بن مسيرة، وهما ثقتان-انتهى.
(باب زيارة القبور) أي جوازها وفضلها وآدابها.
١٧٧٧- قوله: (وعن بريدة) بضم الباء أي ابن الحصيب الأسلمي. (نهيتكم) أي قبل هذا، وفي صحيح مسلم: كنت نهيتكم، وكذا وقع في حديث أبي سعيد عند أحمد والبزار والحاكم، وفي حديث ثوبان عند الطبراني، وفي حديث ابن مسعود عند ابن ماجه، وسيأتي. (عن زيارة القبور فزوروها) قال القاري: الأمر للرخصة أو للاستحباب، وعليه الجمهور، بل ادعى بعضهم الإجماع، بل حكى ابن عبد البر عن بعضهم وجوبها-انتهى. وقال الحافظ في الفتح: في الحديث تصريح بجواز زيارة القبور. وفيه نسخ النهي عن ذلك. قال النووي تبعاً للعبدري والحازمي وغيرهما: اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة، كذا أطلقوا، وفيه نظر؛ لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي الكراهة مطلقاً، حتى قال الشعبي: لولا نهى النبي ﷺ لزرت قبر ابنتي، فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء، وكان هؤلاء لم يبلغهم النسخ، والله أعلم. ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به. قال الشوكاني: وهذا يتنزل على الخلاف في الأمر بعد النهي هل يفيد الوجوب أو مجرد الإباحة فقط. والكلام في ذلك مستوفى في الأصول-انتهى. واختلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الإذن. وقيل: هو مخصوص بالرجال، كما هو الظاهر من الخطاب، لكن عموم علة التذكير الواردة في الأحاديث قد تؤيد عموم الحكم، إلا أن يمنع كونه تذكرة في حق النساء لتمكن غفلتهن، وسيأتي تفصيل الكلام عليه في الفصل الثالث. قيل: سبب النهي عن زيارة القبور في أول الأمر كانوا حديث عهد بالجاهلية وقريب عهد بعبادة الأوثان ودعاء الأصنام، فنهوا عن زيارة القبور خشية أن يقولوا أو يفعلوا عندها ما كانوا يعتادونه في الجاهلية، وخوفاً من أن يكون ذلك ذريعة لعبادة أهل القبور
стр. 2474
ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما بدالكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكراً)) . رواه مسلم
ــ
ودعائهم لكشف الشدائد وقضاء الحوائج، ولما استحكموا في التوحيد أذن لهم في ذلك. قال العيني في شرح البخاري (ج٨:ص٧٠) : معنى النهي عن زيارة القبور إنما كان في أول الإسلام عندهم قربهم بعبادة الأوثان واتخاذ القبور مساجد، فلما استحكم الإسلام وقوي في قلوب الناس وأمنت عبادة القبور والصلاة إليها، نسخ النهي عنها؛ لأنها تذكر الآخرة وتزهد في الدنيا-انتهى. وقال الطيبي: الفاء في قوله "فزوروها" متعلق بمحذوف، أي كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فإن المباهاة بتكثير الأموات فعل الجاهلية. وأما الآن فقد دار رحى الإسلام وهدم قواعد الشرك فزوروها، فإنها تورث رقة القلب وتذكر الموت والبلى وغير ذلك من الفوائد-انتهى. ويؤيده ما في رواية الترمذي من زيادة "فإنها تذكر الآخرة"، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد وحديث أم سلمة عند الطبراني "فإن فيها عبرة"، وفي حديث ابن مسعود الآتي "فإنها تزهد في الدنيا"، وفي حديث أبي هريرة الآتي "فإنها تذكر الموت"، وفي حديث أنس عند الحاكم "ترق القلب وتدمع العين فلا تقولوا هجراً" أي كلاماً فاحشاً أو ما ينبغي من الكلام، وهو بضم الهاء وسكون الجيم. (ونهيتكم عن لحوم الأضاحي) بتشديد الياء أي عن ادخارها وإمساكها، وكان النهي لأجل الفقراء المحتاجين من أهل البادية الذين دخلوا المدينة. (فوق ثلاث) أي ليال. وفي رواية للنسائي: فوق ثلاثة أيام. (فأمسكوا) أي لحومها مطلقاً، فالأمر للرخصة، وهو الظاهر من إطلاق الحديث. (ما بدا) بالألف أي ظهر. (لكم) أي مدة بدو الإمساك. قال الطيبي: نهاهم أن يأكلوا ما بقي من لحوم أضاحيهم فوق ثلاث ليال، وأوجب عليهم التصدق به، فرخص لهم الإمساك ما شاء-انتهى. وفي رواية للنسائي: فكلوا وأطعموا وادخروا ما بدالكم. (ونهيتكم عن النبيذ) أي عن إلقاء التمر والزبيب ونحوهما في الماء. (إلا في سقاء) بكسر السين أي قربة، وذلك أن السقاء يبرد الماء فلا يشتد ما يقع فيه اشتداد ما في الظروف والأواني، فيصير خمراً، قاله الطيبي. وقال القاري: فإن السقاء جلد رقيق لا يجعل الماء حاراً، فلا يصير مسكراً عن قريب، بخلاف سائر الظروف، فإنها تجعل الماء حاراً، فيصير النبيذ مسكراً، فرخص لهم في شرب النبيذ من كل ظرف ما لم يصر مسكراً، فقال: (فاشربوا في الأسقية) أي الظروف والأواني وإلا لا يصح المقابلة، وفيه تغليب لما عرف من تعريف السقاء. (ولا تشربوا مسكراً) قال الطيبي: حاصله أن المنهي هو المسكر لا الظروف بعينها، كما قال: نهاهم عن أربع الحنتم والدباء والنقير والمزفت-انتهى. وسيأتي بسط الكلام في ذلك في الأشربة إن شاءالله تعالى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي وغيرهم.
стр. 2475
١٧٧٨- (٢) وعن أبي هريرة، قال: ((زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي،
ــ
١٧٧٨- قوله: (زار النبي ﷺ قبر أمه) أي بالأبواء بين مكة والمدينة، وذلك كان عام الفتح. قال القاضي عياض: سبب زيارته ﷺ قبرها أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها. ويؤيده قوله ﷺ في آخر الحديث: فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت. وقيل: زيارته ﷺ قبرها مع أنها كافرة تعليم منه للأمة حقوق الوالدين والأقارب، فإنه لم يترك قضاء حقها مع كفرها. (فبكى) قال القاضي: بكاؤه ﷺ على ما فاتها من إدراكه والإيمان به. وقيل: على عذابها، وفيه دليل على جواز البكاء عند حضور المقابر. (فلم يؤذن لي) قال ابن الملك: لأنها كافرة، والاستغفار للكافرين لا يجوز؛ لأن الله لا يغفر لهم أبداً. وقال الشوكاني: فيه دليل على عدم جواز الاستغفار لمن مات على غير ملة الإسلام. وقال النووي: فيه النهي عن الاستغفار للكفار. (فأذن لي) بصيغة المجهول مراعاة لقوله: "فلم يؤذن لي"، ويجوز أن يكون بصيغة الفاعل. قال النووي: فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، ففي الحياة أولى، وقد قال الله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ [لقمان:١٥] انتهى. قلت: الحديث بظاهره يدل على أن أمه ﷺ ماتت على غير الإسلام، وهو مذهب جمهور العلماء في شأن أبويه ﷺ ، وقد ترجم النسائي وابن ماجه لهذا الحديث "باب زيارة قبر المشرك". قال السندي في حاشية النسائي: كأنه أخذ ما ذكر في الترجمة من المنع عن الاستغفار، أو من مجرد أنه الظاهر على مقتضى وجودها في وقت الجاهلية، لا من قوله: بكى وأبكى، إذ لا يلزم من البكاء عند الحضور في ذلك المحل العذاب أو الكفر، بل يمكن تحققه مع النجاة والإسلام أيضاً، لكن من يقول بنجاة الوالدين لهم ثلاث مسالك في ذلك: مسلك أنهما ما بلغتهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة؛ لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين﴾ [الإسراء:١٥] الخ، فلعل من سلك هذا المسلك يقول في تأويل الحديث: إن الاستغفار فرع تصور الذنب لهم، وذلك في أوان التكليف، ولا يعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن أنه ما شرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة لا لغيرهم، وإن كانوا ناجين. وأما من يقول بأنهما أحييا له ﷺ فآمنا به، فيحمل هذا الحديث على أنه كأنه قبل الإحياء. وأما من يقول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهو يقول بمنع الاستغفار لهما قطعاً، فلا حاجة له إلى تأويل، فاتضح وجه الحديث على جميع المسالك-انتهى كلام السندي. ولا يخفى ما في الوجوه الثلاثة من الضعف؛ لأن حديث إحياء أبويه ﷺ ضعيف جداً، حتى حكم عليه بعض الأئمة بالوضع كالدارقطني والجوزقاني وابن الجوزي وابن دحية، وصرح بضعفه فقط غير واحد كابن شاهين والخطيب وابن عساكر والسهلي والمحب الطبري وابن سيد الناس، وقد اعترف
стр. 2476
فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)) . رواه مسلم.
ــ
بضعفه السيوطي أيضاً حيث قال: وروى ابن شاهين حديثاً مسنداً في ذلك لكن الحديث مضعف. وأما الآية الكريمة ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ فهي مكية، وزيارته ﷺ لقبر أمه كانت عام الفتح. وقيل: عام الحديبية سنة ست من الهجرة. وقيل: الآية في حق الأمم السالفة السابقة خاصة. وقيل: المنفي فيها عذاب الاستئصال في الدنيا لا عذاب الآخرة. وقيل: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع من أنواع العبادات والحدود. وأما القول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان في يوم القيامة فهي دعوى مجردة من غير برهان. فلا يلتفت إليه. قال النووي في شرح حديث أنس "إن رجلاً قال يا رسول الله! أين أبي؟ قال: في النار، قال: فلما قفى دعاه. فقال: إن أبي وأباك في النار، فيه أن من مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة. فإن هؤلاء قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم-انتهى. وهذا يدل على أن النووي يكتفي في وجوب الإيمان على كل أحد ببلوغه دعوة من قبله من الرسل، وإن لم يكن مرسلاً إليه، وإلى ذلك ذهب الحليمي، كما صرح به في منهاجه. وقال القاري: الجمهور على أن والديه ﷺ ماتا كافرين، وهذا الحديث أصح ما ورد في حقهما. وأما قول ابن حجر: وحديث إحيائهما حتى آمنا به ثم توفيا حديث صحيح، وممن صححه الإمام القرطبي والحافظ ابن ناصر الدين، فعلى تقدير صحته لا يصلح أن يكون معارضاً لحديث مسلم، مع أن الحفاظ طعنوا فيه ومنعوا جوازه أيضاً بأن إيمان اليأس غير مقبول إجماعاً، كما يدل عليه الكتاب والسنة، وبأن الإيمان المطلوب من المكلف إنما هو الإيمان الغيبي. وقد قال تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام:٢٨] . وهذا الحديث الصحيح صريح أيضاً في رد ما تثبت به بعضهم بأنهما كانا من أهل الفترة ولا عذاب عليهم مع اختلاف في المسألة. واعلم أن هذه المسألة كثير النزاع والخلاف بين العلماء، فمنهم من نص على عدم نجاة الوالدين كما رأيت في كلام القاري والنووي، وقد بسط الكلام في ذلك القاري في شرح الفقه الأكبر، وفي رسالة مستقلة له، ومنهم من شهد لهما بالنجاة كالسيوطي، وقد ألف في هذه المسألة سبع رسائل بسط الكلام فيها وذكر الأدلة من الجانبين. من شاء رجع إليها. والأسلم والأحوط عندي هو التوقف والسكوت. (فزوروا القبور فإنها) أي القبور أو زيارتها. (تذكر الموت) في مسلم: تذكركم الموت يعني وذكر الموت يزهد في الدنيا ويرغب في العقبى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه والحاكم (ج١:ص٣٧٥) والبيهقي (ج٤:ص٧٦) وعزاه المجد ابن تيمية في المنتقى إلى الجماعة بدون استثناء، وهو وهم منه، فإن هذا الحديث من أفراد مسلم، ولم أجده في الترمذي أيضاً، ولا عزاه إليهما غيره كالجزري في جامع الأصول (ج١١:ص٤٣٩)
стр. 2477
١٧٧٩- (٣) وعن بريدة، قال: ((كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر: السلام عليكم أهل الديار
ــ
والمنذري في مختصر السنن، والنابلسي في الذخائر (ج٤:ص٩١) والنووي في شرح مسلم. قال ميرك: حديث أبي هريرة في زيارة النبي ﷺ قبر أمه ذكره الحافظ الكبير أبوالحجاج المزي في الأطراف، وهو لم يوجد في نسخ رواياتنا بالصحيح المشرقية. قال النووي في شرحه: هذا الحديث وجد في رواية أبي العلاء ابن ماهان لأهل المغرب، ولا يوجد في نسخة بلادنا من طريق عبد الغافر بن محمد الفارسي-انتهى. وقد رواه محي السنة من طريق عبد الغافر من صحيح مسلم، فلعله يوجد في بعض النسخ، ولولا ذلك لم يذكره المزي في الأطراف-انتهى.
١٧٧٩- قوله: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم) أي الصحابة. (إذا خرجوا إلى المقابر) أي للزيارة أن يقولوا عند وصولهم إليها: (السلام عليكم) قال الطيبي: في محل النصب على أنه مفعول ثان لـ"يعلم"، أي يعلمهم كيفية التسليم على أهل المقابر، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يؤخرون السلام. قال الحماسي:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ... ورحمته ما شاء أن يترحما
فخالفهم وقدم السلام. قال الخطابي: فيه أن السلام على الموتى كما هو على الأحياء في تقديم الدعاء على الاسم أي في ابتداء السلام، ولا يقدم الاسم على الدعاء كما يفعله العامة، وكذلك في كل دعاء بخير. قال الله تعالى: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ [هود:٧٣] وقال ﴿سلام على إلياسين﴾ [صافات:١٣٠] . ولا يعارض هذا حديث جابر بن سليم عند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: عليك السلام، فقال: لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت؛ لأن فيه إشارة إلى ما جرت به العادة منهم في تحية الأموات وإخباراً عن الواقع لا المشروع، أي أن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه اللفظة، فكره النبي ﷺ أن يحيا بتحية الأموات، والسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات. وسيأتي بسط الكلام عليه في شرح حديث جابر بن سليم في باب فضل الصدقة. والذي في مسلم: كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم ... الخ. وفي ابن ماجه: كان قائلهم يقول، أي بغير الفاء. قال السندي: قوله "كان قائلهم يقول" بدل من قوله "كان رسول الله ﷺ يعلمهم" للتنبيه على أنهم كانوا يعلمون بما يعلمهم رسول الله ﷺ . والمراد أنه كان يعلمهم هذا الذكر، وكانوا يأتون به-انتهى. وذكره الجزري (ج١١:ص٤٤٢) نقلاً عن مسلم والنسائي بلفظ: كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم. (أهل الديار) بالنصب بتقدير حرف النداء. ويؤيده ما في الرواية الآتية بياء النداء. وقيل: نصبه على الاختصاص أفصح، وبالجر على البدل من الضمير. قال الطيبي: سمى ﷺ موضع القبور داراً تشبيهاً له بدار الأحياء
стр. 2478
من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)) . رواه مسلم.
﴿الفصل الثاني﴾
١٧٨٠- (٤) عن ابن عباس، قال: ((مر النبي ﷺ بقبور بالمدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا
ــ
لاجتماع الموتى فيها. (من المؤمنين) بيان لأهل الديار. (والمسلمين) قال النووي: فيه أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين. فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ [الذاريات:٣٥] ولا يجوز أن يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن؛ لأن المؤمن إن كان منافقاً لا يجوز السلام عليه والترحم-انتهى. (وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) التقييد بالمشيئة على سبيل التبرك والتفويض وامتثال قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف:٢٣] وقيل: المشيئة عائدة إلى الكون معهم في تلك التربة بعينها، يعني أن التعليق باعتبار اللحوق بخصوص أهل المقبرة. وقيل: أتى به لأن الموت على الإيمان والإسلام مشكوك فيه، فعلى هذا يكون خاصاً بالأمة، وأتى به ﷺ تعليماً لهم، أو "إن" فيه بمعنى "إذ" كما في ﴿وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران:١٧٥] . (نسأل الله لنا ولكم العافية) أي الخلاص من المكاره. في الحديث دليل على استحباب التسليم على أهل القبر والدعاء لهم بالعافية. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٤:ص٧٩) وزاد في رواية النسائي "أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع"، وفي حديث عائشة عند ابن ماجه "اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم".
١٧٨٠- قوله: (فأقبل عليهم بوجهه) أي على أهل القبور. قال القاري: فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت، وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضاً، وعليه عمل عامة المسلمين، خلافاً لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه حالة الدعاء يستقبل القبلة، كما علم من أحاديث في مطلق الدعاء-انتهى. وفيه أن كثيراً من مواضع الدعاء ما وقع استقباله ﵊ للقبلة. منها ما نحن فيه، ومنها حالة الطواف والسعي، ودخول المسجد وخروجه، وحال الأكل والشرب، وعيادة المريض وأمثال ذلك، فيتعين أن يقتصر الاستقبال وعدمه على المورد إن وجد، وإلا فخير المجالس ما استقبل كما ورد به الخبر-انتهى كلام القاري. (أنتم سلفنا) بفتحتين في النهاية هو من سلف المال، كأنه أسلفه وجعله ثمناً للأجر على الصبر عليه.
стр. 2479
ونحن بالأثر)) رواه الترمذي، قال: هذا حديث حسن غريب.
﴿الفصل الثالث﴾
١٧٨١- (٥) عن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين! وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون،
ــ
وقيل: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من الآباء وذوي القرابة، ولذا سمي صدر الأول من التابعين بالسلف الصالح-انتهى. (ونحن بالأثر) بفتحتين يعني تابعون لكم من وراءكم، لاحقون بكم. (رواه الترمذي) لم أجد من رواه غيره، ونسبه العيني في شرح البخاري (ج٨ص٦٩) إلى أحمد. (وقال) أي الترمذي. (هذا حديث حسن غريب) في سنده قابوس بن أبي ظبيان، وهو مختلف فيه.
١٧٨١- قوله: (كلما كان ليلتها) أي في آخر عمره بعد حجة الوداع، قاله السندي. (من رسول الله ﷺ ) "من" متعلق بالليلة بمعنى النصيب، أو المحذوف أي التي تخصها منه. قال الطيبي: "كلما" ظرف فيه معنى الشرط والعموم وجوابه. (يخرج) وهو العامل فيه. وهذا حكاية معنى قولها لا لفظها، أي كان من عادته أنه إذا بات عندها أن يخرج. (من آخر الليل) أي في آخره. (إلى البقيع) أي بقيع الغرقد، وهو موضع بظاهر المدينة فيه قبور أهلها. في النهاية: هو المكان المتسع، ولا يسمى بقيعاً إلا وفيه شجر أو أصولها، والغرقد شجر، والآن بقيت الإضافة دون الشجرة. وقال النووي: البقيع مدفن أهل المدينة، سمي بقيع لغرقد كان فيه، وهو ما عظم من العوسج. وفي الحديث فضيلة الدعاء آخر الليل وفضيلة زيارة قبور البقيع. (دار قوم) دار منصوب على النداء. والتقدير: يا أهل دار قوم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل الدار مقحم. (وأتاكم) بالقصر أي جاءكم. قال ابن الملك: وإنما قال أتاكم؛ لأن ما هو آت كالحاضر-انتهى. أو لتحققه كأنه وقع. (ما توعدون) أي ما كنتم توعدون به من الثواب أو أعم منه ومن العذاب. (غداً) هو متعلق بما قبله، ويحتمل تعلقه بما بعده وهو قوله: (مؤجلون) أي أنتم مؤخرون وممهلون إلى غد باعتبار أجوركم استيفاء واستقصاء، فالجملة مستأنفة مبينة أن ما جاءهم من الموعود أمور إجمالية لا أجور تفصيلية. قال الطيبي: إعرابه مشكل إن حمل على الحال المؤكدة من واو توعدون على حذف الواو والمبتدأ كان فيه شذوذان. قال ابن حجر: وهو سائغ إذا دل عليه السياق، كما هنا. قال الطيبي: ويجوز حمله على الإبدال من "ما توعدون" أي أتاكم ما تؤجلونه أنتم، والأجل الوقت
стр. 2480
اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)) رواه مسلم.
١٧٨٢- (٦) وعنها، قالت: ((كيف أقول يا رسول الله؟ تعني في زيارة القبور، قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون)) رواه مسلم.
١٧٨٣- (٧) وعن محمد بن النعمان، يرفع الحديث إلى النبي ﷺ ، قال: ((من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة، غفر له وكتب براً))
ــ
المضروب والمحدود في المستقبل؛ لأن ما هو آت بمنزلة الحاضر-انتهى. قال القاري: وهو كما قال ابن حجر بعيد تكلف جداً، بل السياق ينبو عنه-انتهى. ورواه النسائي بلفظ: وإنا وإياكم متواعدون غداً ومتواكلون. قال السندي: متواعدون أي كان كل منا ومنكم وعد صاحبه حضور غد، أي يوم القيامة، ومتواكلون أي متكل بعضهم على بعض في الشفاعة والشهادة، والله تعالى أعلم. (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) أي مقبرة المدينة، وفيه الدعوة الإجمالية على وجه العموم كافية. (رواه مسلم) وأخرجه النسائي والبيهقي أيضاً.
١٧٨٢- قوله: (تعني) أي تريد عائشة ﵂ بالسؤال كيفية المقال، وهذا تفسير من المصنف. (من المؤمنين والمسلمين) فيه تغليب الرجال على النساء. (المستقدمين) أي الذين تقدموا علينا بالموت. (منا) أي معشر المؤمنين. (والمستأخرين) أي المتأخرين في الموت، والسين فيها لمجرد التأكيد لا للطلب، أي الأموات منا والإحياء، وفي الحديث دليل لمن جوز للنساء زيارة القبور عند وجود الشروط المعتبرة في حقهن. (رواه مسلم) وأخرجه النسائي والبيهقي أيضاً.
١٧٨٣- قوله: (وعن محمد بن النعمان) الظاهر أنه محمد بن النعمان بن بشير الأنصاري أبوسعيد، ثقة من كبار التابعين. (يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ ) أي بإسقاط الصحابي أو من دونه. (أو أحدهما) عطف على أبويه أي أو قبر أحدهما. (في كل جمعة) أي في كل يوم جمعة أو في كل أسبوع، ويؤيد الأول رواية ابن عدي من حديث أبي بكر بلفظ: من زار قبر والديه أو أحدهما يوم الجمعة. (غفر له) ذنوبه الصغائر. (وكتب براً) بفتح الباء أي كان باراً بهما غير عاق بتضييع حقهما، فعدل منه إلى قوله "كتب" لمزيد الإثبات، وأنه من الراسخين ثبت في ديوان الأبرار، ومنه قوله تعالى: ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ [آل عمران: ٥٣] . وفيه استحباب زيارة قبر الوالدين في
стр. 2481
رواه البيهقي في شعب الإيمان مرسلاً.
١٧٨٤- (٨) وعن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة)) رواه ابن ماجه.
١٧٨٥- (٩) وعن أبي هريرة: ((أن رسول الله ﷺ لعن زوّارات القبور)) .
ــ
يوم الجمعة لكن الحديث مرسل، وكل ما يروي في ذلك ضعيف. (رواه البيهقي في شعب الإيمان مرسلاً) تقدم معنى المرسل، ولم أقف على إسناد هذا الحديث، فلا أدري كيف حاله. وفي الباب عن أبي بكر عند ابن عدي بإسناد ضعيف، وعن أبي هريرة عند الحكيم الترمذي وإسناده أيضاً ضعيف، قاله العزيزي في شرح الجامع الصغير. وحديث أبي هريرة عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٤ص٥٩) إلى الطبراني في الأوسط والصغير وقال: وفيه عبد الكريم أبوأمية وهو ضعيف-انتهى. وروى الحاكم (ج١ص٣٧٧) والبيهقي (ج٣ص٧٨) من حديث الحسين، أن فاطمة كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة. قال الحاكم: رواته ثقات، وتعقبه الذهبي فقال: هذا منكر جداً، وسليمان بن داود ضعيف.
١٧٨٤- قوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور) خوفاً عليكم من فعل الجاهلية من الجزع والنوح وذكر ما لا ينبغي في ابتداء إسلامكم، والآن استحكم فيكم الإسلام وصرتم أهل التقوى. (فزوروها) ندباً، ففيه جمع بين الناسخ والمنسوخ. (فإنها) أي زيارة القبور أو القبور أي رؤيتها. (تزهد في الدنيا) أي ترغب عنها وتحمل على التقليل منها. (وتذكر الآخرة) وتعين على الاستعداد لها. (رواه ابن ماجه) قال المنذري في الترغيب: بإسناد صحيح، وقال الحافظ في التلخيص: في إسناده أيوب بن هانىء، وهو مختلف فيه، وقال في الزوائد: إسناده حسن، وأيوب بن هانىء قال ابن معين: ضعيف، وقال أبوحاتم: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات-انتهى. وأخرجه الحاكم (ج١ص٣٧٥) والبيهقي (ج٤ص٧٧) وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي: أيوب ضعفه ابن معين-انتهى. والظاهر أن الحديث حسن الإسناد، كما قال البوصيري.
١٧٨٥- قوله: (زوّرات القبور) قال القاري: لعل المراد كثيرات الزيارة، وقال القرطبي: حمل بعضهم حديث الترمذي في اللعن على من يكثر الزيارة منهن؛ لأن زوّارات للمبالغة، ويمكن أن يقال أن النساء إنما يمنعن من إكثار الزيارة لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهرة، والتشبه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولما يخاف عليها من الصراخ وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يفرق بين الزائرات والزوارات، ذكره العيني.
стр. 2482
رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال: قد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن برخص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء.
ــ
وقال السيوطي: زوّارات جمع زوارة بمعنى زائرة. قلت: ويؤيده حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود والنسائي بلفظ "زائرات القبور"، فإنه يدل على أنه لا فرق بين الزائرات والزوارات، وأن الزوارات بمعنى الزائرات، وعلى هذا يمكن أن يقال: إن اللعن محمول على زيارتهم بما لا يجوز كالتبرج والجزع والصياح وغير ذلك مما لا ينبغي، وأما إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن؛ لأن الزيارة عللت بتذكير الموت، ويحتاج إليه الرجال والنساء جميعاً. قال القاري بعد ذكر الأحاديث التي وردت في الرخصة في زيارة القبور: وقد عللت الزيارة فيها بأنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة والموت، وبأن فيها عبرة ما لفظه هذه الأحاديث بتعليلاتها تدل على أن النساء كالرجال في حكم الزيارة إذا زرن بالشروط المعتبرة في حقهن، وأما خبر: لعن الله زوّارات القبور، فمحمول على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره مما اعتدنه-انتهى. وقال القرطبي: وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك (أي تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك) فلا مانع من الإذن لهن؛ لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء-انتهى. قال الشوكاني: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر-انتهى. (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه) وأخرجه ابن حبان والبيهقي (ج٤ص٧٨) أيضاً. وفي الباب عن ابن عباس، وقد تقدم في باب المساجد. وعن حسان بن ثابت، أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي. (وقال) أي الترمذي. (قد رأى) أي اعتقد. (بعض أهل العلم أن هذا) أي اللعن. (كان قبل أن يرخص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء) ، قال الحافظ في الفتح: وهو قول الأكثر، ومحله ما إذا أمنت الفتنة، وممن حملهن الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة عنه كما تقدم في آخر باب دفن الميت. قال الشوكاني: استدل القائلون بالجواز بأدلة منها: دخولهن تحت الإذن العام بالزيارة، ويجاب عنه بأن الإذن العام مخصص بهذا النهي الخاص المستفاد من اللعن، إما على مذهب الجمهور فمن غير فرق بين تقدم العام وتأخره ومقارنته وهو الحق، وإما على مذهب البعض القائلين بأن العام المتأخر ناسخ فلا يتم الاستدلال به إلا بعد معرفة تأخره منها-انتهى. وقال شيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (ج٢ص١٣٨) : النهي ورد خاصاً بالنساء، والإباحة لفظها عام، والعام لا ينسخ الخاص، بل الخاص حاكم عليه ومقيد له. قال الشوكاني: ومنها ما رواه مسلم عن عائشة قالت: كيف أقول يا رسول الله إذا زرت القبور؟ قال: قولي السلام على
стр. 2483
وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن. تم كلامه.
١٧٨٦- (١٠) وعن عائشة، قالت: ((كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله ﷺ وإني واضع ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم، فوالله ما دخلته إلا أنا مشدودة عليّ ثيابي حياءً من عمر)) .
ــ
أهل الديار الخ. (وهو ثاني أحاديث الفصل الثالث من هذا الباب) ، ومنها ما أخرجه البخاري: إن النبي ﷺ مرّ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري، قالت: إليك عني-الحديث. (وقد تقدم في باب البكاء) ، ومنها ما رواه الحاكم أن فاطمة بنت محمد ﷺ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة الخ. قلت: هذا حديث ضعيف منكر كما تقدم عن الذهبي. (وقال بعضهم: إنما كره) أي النبي ﷺ ، وروي بصيغة المجهول، قاله القاري. (زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن) يعني بقيت النساء تحت النهي لقلة صبرهن وكثرة جزعن، قال السندي: وهو الأقرب إلى تخصيصهن بالذكر في أحاديث اللعن. وأجاب القائلون بالجواز عن هذه الأحاديث بأنها محمولة على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره، كما تقدم عن القرطبي والشوكاني والقاري. وبهذا تجمع الأحاديث المتخالفة في الظاهر، وهو الراجح عندي. والله تعالى أعلم. (تم كلامه) أي قال المصنف: تم كلام الترمذي.
١٧٨٦- قوله: (بيتي الذي فيه رسول الله ﷺ ) أي قبره أو دفن فيه رسول الله ﷺ ، وفي مسند الإمام أحمد (ج٦ص٢٠٢) : بيتي الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي. (وإني واضع) بالتنوين، والظاهر واضعة، فكأنه نزل منزلة الحائض، أو التذكير باعتبار الشخص، ويجوز إضافته إلى قولها: (ثوبي) أي بعض ثيابي، ولذا أفرد هنا وجمع فيما سيأتي، وفي المسند: فأضع ثوبي، بلفظ المتكلم من المضارع. (وأقول) وفي المسند: فأقول، أي في نفسي لبيان عذر الوضع. وقال الطيبي: القول بمعنى الاعتقاد، وهو كالتعليل لوضع الثوب. (إنما هو) أي الكائن هنا. (زوجي وأبي) أي إنما هو زوجي والآخر أبي، والضمير للشأن، أي إنما الشأن زوجي وأبي مدفونان فيه، أو الضمير للبيت، أي إنما هو مدفن زوجي وأبي على تقدير مضاف. (فلما دفن عمر معهم) فيه اختيار أن أقل الجمع اثنان. (فوالله ما دخلته إلا وأنا مشدودة عليّ ثيابي حياءً من عمر) فيه أنه ينبغي احترام الميت عند زيارة قبره كاحترامه حياً. قال الطيبي: في الحديث دليل بيّن على أنه يجب احترام أهل القبور، وتنزيل كل منزلته ما هو عليه في حياته من مراعاة الأدب معهم على قدر مراتبهم، والله أعلم- انتهى. وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن سليم بن غفر أنه مر على مقبرة وهو حاقن قد غلبه البول، فقيل له: لو نزلت فبلت، قال: سبحان الله، والله إني لأستحي
стр. 2484
رواه أحمد.
ــ
من الأموات كما أستحي من الأحياء، ذكره القاري. (رواه أحمد) (ج٦ص٢٠٢) قال: ثنا حماد بن أسامة قال: أنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: كنت أدخل الخ. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٨ص٢٦) : رجاله رجال الصحيح.
هذا آخر كتاب الجنائز، وقد بقيت أحكام ومسائل كثيرة تتعلق بالميت والمحتضر محل ذكرها وبسطها كتب الفقه والفتاوى، من شاء الوقوف عليها رجع إلى المغني لابن قدامة وغيره من الكتب المؤلفة في الجنائز والمحتضر خاصة، ولشيخنا الأجل المباركفوري تأليف متوسط في هذا الموضوع في الأردوية سماه كتاب الجنائز، وقد رتبه على مقدمة وعشرة أبواب، قد استوعب فيها أحكام الجنائز ومسائلها، وهو مفيد جداً، لم يصنف مثله في اللغة الأردوية، وقد طبع مرتين.
بعون الله وحسن توفيقه تم الجزء الخامس من مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح،
ويليه الجزء السادس إن شاء الله تعالى، وأوله "كتاب الزكاة".
стр. 2485
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٦) كتاب الزكاة
ــ
(كتاب الزكاة) قال الحافظ: هي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها، كما تقدم في كتاب الإيمان، وهو أمر مقطوع به في الشرع، يستغنى عن تكلف الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعها. وأما أصل فرضية الزكاة فمن جحدها كفر- انتهى. وهي في اللغة: النماء أي الزيادة والتطهير. والزكاة موجبة لنماء المال وطيبه وطهارته، ونماء أجر صاحبه وطهارته من الذنوب. وتطلق على المال المؤدي، وعلى أدائه على الوجه المخصوص المعتبر في الشرع. والأصل في شرعية الزكاة والصدقة: مرعاة الفقراء ومواساتهم. قال ابن دقيق العيد: الزكاة في اللغة لمعنيين: أحدهما النماء، والثاني الطهارة، فمن الأول قولهم: زكى الزرع، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وتزكيهم بها﴾ [التوبة:١٠٣] وسمي هذا الحق زكاة بالاعتبارين: أما الأول فبمعنى أن يكون إخراجها سبباً للنماء في المال كما صح ما نقص مال من صدقة وجه الدليل منه أن النقصان محسوس بإخراج القدر الواجب، فلا يكون غير ناقص إلا بزيادة تبلغه إلى ما كان عليه على المعنيين جميعاً أعنى المعنوي والحسي في الزيادة أو بمعنى أن متعلقها الأموال ذات النماء (كالتجارة والزراعة) أو بمعنى تضعيف أجورها، كما جاء أن الله يربي الصدقة حتى تكون كالجبل وأما بالمعنى الثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، أو لأنها تطهر من الذنوب، وهذا الحق أثبته الشارع لمصلحة الدافع والآخذ معا. أما في حق الدافع فتطهيره وتضعيف أجوره. وأما في حق الآخذ فلسد خلته- انتهى. وقال الشامي: ولها معان آخر: البركة. يقال: زكت البقعة إذا بورك فيها، والمدح يقال: زكى نفسه إذا مدحها، والثناء الجميل يقال: زكى الشاهد إذا أثنى عليه، وكلها توجد في المعنى الشرعي، لأنها تطهر مؤديها من الذنوب ومن صفة البخل، والمال بإنفاق بعضه، ولذا كان المدفوع مستقذراً فحرم على آل البيت خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وتنميه بالخلف، وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه ويربي الصدقات، وبها تحصل البركة، لا ينقص مال من صدقة، ويمدح بها الدافع ويثنى عليه بالجميل والذين هم للزكاة فاعلون، قد أفلح من تزكى وهي شرعاً على مذهب الحنفية. تمليك جزء مال عينه الشارع من مسلم فقير غير هاشمي ولا مولاه مع قطع المنفعة عن المملك من كل وجه لله تعالى، كذا في الدر المختار. وقال ابن العربي: تطلق الزكاة على الصدقة (الواجبة والمندوبة) وعلى الحق والنفقة والعفو عند اللغويين، وهي شرعاً إيتاء جزء من النصاب الحولي
стр. 2486
إلى فقير ونحوه غير هاشمي. ثم لها ركن وسبب وشرط، وحكم حكمة، فركنها جعلها الله تعالى بالإخلاص وسببها المال. وشرطها نوعان: شرط السبب، وشرط من تجب عليه، فالأول ملك النصاب الحولي، والثاني العقل والبلوغ والحرية. وحكمها سقوط الواجب في الدنيا، وحصول الثواب في الآخرة. وحكمتها كثيرة: منها التطهير من أدناس الذنوب والبخل، ومنها ارتفاع الدرجة والقربة، ومنها الإحسان إلى المحتاجين، ومنها استرقاق الأحرار، فإن الإنسان عبيد الإحسان- انتهى. قال الحافظ: هو جيد، لكن في شرط من تجب عليه الاختلاف- انتهى. وإن شئت الوقوف على مصالح فرضية الزكاة والحكم المرعية في وجوبها في الأصناف الأربعة دون غيرها من المال، واختلاف مقاديرها وتعيين النصاب في أنواع المال، فعليك أن ترجع إلى كتب أسرار الشريعة مثل حجة الله البالغة (ج٢:ص٣٠،٢٩) للشاه ولي الله الدهلوي، والهدى (ج١:ص١٥٢،١٥١) والإعلام (ج١:ص١٨٢، ١٨٣) للإمام ابن القيم. وأسرار الشريعة الإسلامية للشيخ إبراهيم أفندي. وأعلم أنه اختلف في أول وقت فرض الزكاة، فذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة، وقال ابن خزيمة في صحيحة: إن فرضها كان قبل الهجرة. واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبر به عن النبي ﷺ : ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قال الحافظ: في استدلاله بذلك نظر، لأن الصلوات الخمس لم تكن فرضت بعد ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من قصة الصلاة والصيام وبلغ ذلك جعفراً، فقال: يأمرنا بمعنى يأمر به أمته، وهو بعيد جداً. وأولى ما حمل عليه حديث أم سلمة هذا إن سلم من قدح في إسناده: أن المراد بقوله يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام أي في الجملة ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة والصلوات الخمس، ولا بالصيام صيام رمضان، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول-انتهى. واختلف الأولون فقيل: كان فرضها في السنة الثانية قبل فرض رمضان، أشار إليه النووي في الروضة، وجزم ابن الأثير في التاريخ بأن ذلك كان في التاسعة. قال الحافظ: وفيه نظر، لأنها ذكرت في حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد القيس، وفي عدة أحاديث، وكذا في مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة. وقال فيها يأمرنا بالزكاة، ووقع في تاريخ الإسلام في السنة الأولى فرضت الزكاة. قلت: قال الحافظ ابن كثير في تفسير المزمل تحت قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [المزمل:٢٠] وهذا يدل لمن قال بأن فرض الزكاة نزل بمكة لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة- والله أعلم. وقال القاري: المعتمد أن الزكاة فرضت بمكة إجمالاً، وبينت بالمدينة تفصيلاً، جمعا بين الآيات التي تدل على
стр. 2487
﴿ الفصل الأول﴾
١٧٨٧- (١) عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن،
ــ
فرضيتها بمكة وغيرها من الآيات والأدلة- انتهى. قلت: وهذا هو الراجح، بل هو المتعين عندي، والله تعالى أعلم: قال الشيخ محمد الخضري في تاريخ الأمم الإسلامية: مما فرض بمكة الزكاة، فأنا قلما نجد من الأوامر المكية ذكر الصلاة إلا وبجانبه إيتاء الزكاة وطلبت زكاة ما يخرج من الأرض في سورة الأنعام ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١] إلا أن هذه الحقوق الواجبة لم تفصل بمكة، فقد كان ذلك موكولا لما في النفوس من الجود وبحسب حاجة الناس. وقال صاحب تفسير المنار فرضت الزكاة المطلقة بمكة في أول الإسلام، وترك أمر مقدارها ودفعها إلى الشعور المؤمنين وأريحتهم ثم فرض مقدارها من كل أنواع الأموال في السنة الثانية من الهجرة على المشهور. وقيل: في الأولى، ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، وكانت تصرف للفقراء، كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ : [٢٧١] وقد نزلت في السنة الثانية، وكما قال النبي ﷺ لمعاذ: تؤخذ من أغنياءهم فترد على فقراءهم، ثم نزلت هذه المصارف السبع أو الثمان في سنة تسع، فتوهم بعض العلماء أن فرض الزكاة كانت في هذه السنة، قال: والحكمة فيما ذكر: أن تعيين المقادير، وقيام أولى الأمر بتحصيلها وتوزيعها على من فرضت لهم، وتعدد أصنافهم: كل ذلك إنما وجد بوجود حكومة إسلامية تناطيها مصالح الأمة في دينها ودنياها في دار تسمى دار الإسلام، لأن أحكامها تنفيذ فيها بسلطانه، وكانت أول دار الإسلام دار الهجرة، إذا كانت مكة دار كفر وحرب لا ينفذ فيها للإسلام حكم، بل لم يكن لأحد من أهله فيها حرية الجهر بالصلاة إلا بحماية قريب أو جار من المشركين- انتهى.
١٧٨٧-قوله: (بعث معاذاً) بضم الميم (إلى اليمن) كان بعثه إليها سنة عشر قبل حجة الوداع، كما ذكره البخاري في أواخر المغازي. وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند إنصرافه ﷺ من تبوك، رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك وأخرجه ابن سعد في الطبقات عنه، ثم حكي ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر. وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان. واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها. واختلف هل كان معاذ والياً أو قاضياً؟ فجزم الغساني بالأول، وابن عبد البر بالثاني. قال في الاستيعاب: بعثه رسول الله ﷺ قاضياً إلى الجند باليمن يعلم الناس القرآن وشعائر الإسلام ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وكان رسول الله ﷺ قد قسم اليمن على خمسة رجال، خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أمية على كندة، وزياد بن لبيد على حضر موت،
стр. 2488
فقال: ((إنك تأتي قوم أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإن هم أطاعوا لذلك،
ــ
ومعاذ بن جبل على الجند، وأبي موسى الأشعري على زبيد وزمعة وعدن والساحل- انتهى. قال الحافظ: ولمعاذ بالجند مسجد مشهور إلى اليوم (إنك تأتي قوما أهل كتاب) بنصب "أهل" بدلا من "قوما" لا صفة، وروى أحمد (ج٥:ص٢٣٥) عن معاذ قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، خرج معه رسول الله ﷺ يوصيه ومعاذ راكب الخ. فقوله إنك تأتي قوماً أهل كتاب كالتوطئة والتمهيد للوصية لتستجمع وتقوى همته في الدعاء لهم لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان، وليس فيه أن جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خصهم بالذكر تفضيلاً لهم أو تغليًا على غيرهم (فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) وقعت البداءة في المطالبة بالشهادتين، لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شئ من فروعه إلا بهما، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق، فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحداً فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر به من التوحيد وبين الإقرار بالرسالة وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه كمن يقول بنبوة عزيز أو يعتقد التشبيه، فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم، واستدل بذلك على أنه لا يكفي في الإسلام الإقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله حتى يضيف الشهادة لمحمد بالرسالة وهو قول الجمهور (فإن هم أطاعوا) أي انقادوا (لذلك) أي للإتيان بالشهادتين. ولابن خزيمة: فإن هم أجابوا لذلك. واستدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع. حيث أمر بالدعاء أولاً إلى الإيمان فقط، وجعل الدعاء إلى الفروع بعد إجابتهم إلى الإيمان. وتعقب بأن الترتيب في الدعاء لا يلزم منه الترتيب في الوجوب. ألا ترى أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب وقد قدمت الصلاة على الزكاة في هذا الحديث، وأخر الإخبار بوجوب الزكاة عن الطاعة بالصلاة مع أنهما مستويتان في الخطاب للوجوب. وقال السندي: قوله: فادعهم إلى شهادة الخ. أي فأدعهم بالتدريج إلى ديننا شيئاً فشيئاً ولا تدعهم إلى كله دفعة لئلا يمنعهم من دخولهم فيه ما يجدون فيه من كثرة مخالفة لدينهم فإن مثله قد يمنع من الدخول ويورث التنفر لمن أخذ قبل على دين آخر بخلاف من لم يأخذ على آخر، فلا دلالة في الحديث على أن الكافر غير مكلف بالفروع، كيف! ولو كان ذاك مطلوبا للزم أن التكليف بالزكاة بعد الصلاة، وهذا باطل بالإتفاق- انتهى. قال النووي: أعلم أن المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهى عنه، هذا قول المحققين والأكثرين. وقيل: ليسوا مخاطبين. وقيل: مخاطبون بالمنهى دون المأمور. وقال العيني
стр. 2489
فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك،
ــ
قال شمس الأئمة في كتابه في فصل بيان موجب الأمر في حق الكفار: لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان، ولا خلاف أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات، ولا خلاف أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم أيضاً، ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة. فأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا، فمذهب العراقيين من أصحابنا: أن الخطاب يتناولهم أيضاً، والأداء واجب عليهم، ومشائخ ديارنا يقولون أنه لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات- انتهى. وقال ابن عابدين في رد المختار في بحث الجزية نقلا عن شرح المنار لصاحب البحر إن الكفار مخاطبون بالإيمان وبالعقوبات سوى حد الشرب والمعاملات. وأما العبادات فقال السمرقنديون: إنهم غير مخاطبين أداء واعتقاداً. وقال البخاريون: إنهم غير مخاطبين بهما أداء فقط. وقال العراقيون: إنهم مخاطبون بهما فيعاقبون عليهما، وهو المعتمد- انتهى. قال صاحب فتح الملهم بعد ذكر هذا كله: ويؤيد هذا الأخير قوله تعالى: ﴿وويلٌ المشركين الذي لا يؤتون الزكاة﴾ : [حم السجدة:٦] و ﴿قالوا لم نكن من المصلين﴾ : [المدثر: ٤٣] الآيتين، فتحصل من هذا كله أن الكفار يعاقبون على ترك اعتقاد الصلاة مثلاً وترك أداءها كليهما عند من قال بتعلق الخطاب بهم في الدنيا اعتقاداً وأداءاً، وإن لم يجب عليهم قضاء الصلوات بعد الإسلام عند أحد ويعاقبون على ترك الاعتقاد فقط عند من قال بتعلق الخطاب اعتقاداً لا أداءاً، ولا يعاقبون على ترك واحد منهما عند الشرذمة القائلة بعدم تعلق الخطاب بهم أصلاً إلا بسبب ترك الإيمان بالتوحيد والرسالة، فالنزاع تحققه بحسب تعلق الخطاب في الدنيا وتبينه وظهور آثاره في الآخرة- انتهى. (فأعلمهم) بفتح الهمزة من الإعلام بمعنى الأخبار (أن الله) بفتح الهمزة لأنها في محل نصب، مفعول ثان للإعلام، والضمير مفعول أول (خمس صلوات) قال السندي، هذا يدل على عدم وجوب الوتر، كما عليه الجمهور والصاحبان من علمائنا الحنفية. قلت: وهذا ظاهر، لأن بعث معاذ إلى اليمن كان قبل وفاته ﷺ بقليل. والقول بأنه يحتمل أنه ثبت وجوب الوتر بعد ذلك مما لا يلتفت إليه، لأنه احتمال ناشي من غير دليل (فإن هم أطاعوا لذلك) بأن أقروا بوجوب الخمس عليهم أو فعلوها. قال ابن دقيق العيد: طاعتهم في الصلاة يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها عليهم وإلتزامهم لها. والثاني أن يكون المراد الطاعة بالفعل وأداء الصلاة. وقد يرجح الأول بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفرضية، فتعود الإشارة إليها. ويترجح الثاني بأنهم لو أخبروا بالوجوب فبادروا إلى الإمتثال بالفعل لكفى، ولم يشترط التلفظ بالإقرار بخلاف الشهادتين، فالشرط عدم الإنكار، والإذعان للوجوب - انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار أو بالفعل كفاه أو بهما فأولى وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصلاة فإذا صلوا، وبعد ذكر الزكاة، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم
стр. 2490
فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنياءهم فترد على فقراءهم
ــ
(فأعلمهم) أي فأخبرهم (أن الله قد فرض عليهم صدقة) أي زكاة في أموالهم. قيل: الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة: أنهم إذا أجابوا إلى الشهادتين ودخلوا بذلك في الإسلام، ولم يطيعوا لوجوب الصلاة بل جحدوها، كان ذلك كفراً وردة عن الإسلام بعد دخولهم فيه، فصار ما لهم فيئاً، فلا يؤمرون بالزكاة، بل يقتلون. وقال الخطابي: أخر ذكر الصدقة عن ذكر الصلاة، لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، وإنما لا تكرر تكرر الصلاة. قال الحافظ: هذا حسن. وتمامه أن يقال: بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب، لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة (تؤخذ من أغنياءهم) قال الحافظ: استدل به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه، فمن امتنع منها أخذت منه قهراً. وقال ابن دقيق العيد: قد يستدل به على وجوب إعطاء الزكاة للإمام، لأنه وصف الزكاة بكونها مأخوذة من الأغنياء، فكل ما أقتضى خلاف هذه الصفة فالحديث ينفيه- انتهى. وقيل، حديث معاذ في صدقة السوائم وفي العشر ونحوهما. وأما الذهب والورق فإن أدى زكاتهما خفية يجزئه. قال الحافظ: قد أطبق الفقهاء بعد ذلك على أن لأرباب الأموال الباطنة مباشرة الإخراج. وشذ من قال بوجوب الدفع إلى الإمام - انتهى. قلت: يحتاج إلى الفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة في ذلك إلى دليل قوى يعتمد عليه. والظاهر عندي أن ولاية أخذ الزكاة إلى الإمام ظاهرة وباطنة، فإن لم يكن إمام فرقها المالك في مصارفها. وقد حقق ذلك الشوكاني في السيل الجرار بما لا مزيد عليه فليرجع إليه (فترد على فقراءهم) خصم بالذكر، وإن كان مستحق الزكاة أصنافا أخر لمقابلة الأغنياء ولاحتمال أن يكون الفقراءهم الأغلب. واستدل به من لا يرى جواز نقل الزكاة عن بلد المال، لأن الضمير في فقراءهم يعود على أهل اليمن فيدل على وجوب صرف الزكاة إلى فقراء من أخذت منهم، وعدم جواز إخراجها إلى غيرهم إلا لضرورة كعدم فقير فيهم. قال الإسماعيلي: ظاهر الحديث أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنياءهم-انتهى. وقد ترجم البخاري لهذا الحديث "باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا " قال ابن المنير: اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال لعموم قوله: فترد في فقراءهم، لأن الضمير يعود للمسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة، في أي جهة كان، فقد وافق عموم الحديث - انتهى. قال الحافظ: والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث عدم النقل، وأن الضمير يعود على المخاطبين، فيختص بذلك فقراءهم. لكن رجح ابن دقيق العيد الأول، وقال: وإنه وإن لم يكن الأظهر إلا أنه يقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر في الزكاة، كما لا تعتبر في الصلاة، فلا يختص بهم الحكم وإن اختص بهم خطاب المواجهة -انتهى.
следующие страницы →