← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

يقول ذلك، وهذا كما ترى مرفوع، وقد سكت عنه الزيلعي. وقال الهيثمي: رجاله موثقون. وقد استدل بالحديثين على إهداء ثواب قراءة القرآن للميت. وفيه نظر، فإنه ليس فيهما ذكر للإهداء وجعل ثواب القراءة للميت. والظاهر أن قراءة أول البقرة وخاتمتها عند القبر كانت ليأنس بها الميت فيختص ذلك بأن يكون عند القبر عقب الدفن لا مطلقاً. واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن وغيرها من العبادات البدنية للميت كالصلاة والصوم والذكر، بعد ما اتفقوا على أنه ينتفع الميت بما تسبب إليه في حياته، وبدعاء المسلمين، واستغفارهم له، والصدقة والحج. فذهب أحمد وأبوحنيفة إلى وصول ثواب القراءة وغيرها من العبادات البدنية. واستدل لهما بأحاديث ذكرها القاري في المرقاة نقلاً عن شرح الصدور للسيوطي، وقد نقلها شيخنا في شرح الترمذي (ج٢ ص٢٦) وفي كتاب الجنائز له (ص١٠٣-١٠٤) ، وهي ضعيفة كلها لا تصلح للاستدلال والاحتجاج، وبالقياس على الدعاء والصدقة والحج. وذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك لا يصل. واستدل لهما بدلائل ذكرها ابن القيم في كتاب الروح (ص١٩٦- ١٩٧) ثم بسط في الجواب عنها، ولبعض شيوخنا رسالة لطيفة في الأردوية في هذه المسألة رتبها على مقدمة ومقصد وخاتمة، وسماها "إهداء ثواب" وبسط الكلام في تحقيق المقام فأجاد، فعليك أن تطالعها، وقد اختار هو القول بعدم وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت، وإليه يميل قلبي، فإنه لم يقم على إهداء ثواب القراءة دليل شرعي لا من قرآن ولا من سنة صريحة صحيحة ولا من إجماع، ولا يكفي في مثل هذه المسألة حديث ضعيف أو أثر صحابي فضلاً عن القياس أو أثر التابعي ومن دونه. وقد صرح ابن القيم الذي هو قائل بوصول ثواب القراءة إلى الميت بأنه لم يصح عن السلف شيء في ذلك، واعتذر عن هذا بأنهم كانوا يخفون أعمال البر، واعترض عليه بأنه لو كان معروفاً لكان عن اعتقاد مشروعيته، وحينئذٍ يبلغونه ولا يكتمونه، بل لتوفرت الدواعي على نقله عنهم بالتواتر؛ لأنه من رغائب جميع الناس. هذا، وقد رد صاحب تفسير المنار (ج٨ ص٢٥٧- ٢٥٨) على ابن القيم رداً حسناً فيما طول له الكلام من إثبات إهداء الثواب إلى الأموات، فارجع إليه إن شئت. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩] ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته، ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقسية والآراء. فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما- انتهى. وفي الاختيارات لشيخ الإسلام تقى الدين بن تيمية: ولم يكن من

стр. 2417

رواه البيهقي في شعب الإيمان وقال: والصحيح أنه موقوف عليه. ١٧٣٢- (٢٦) وعن ابن أبي مليكة، قال: ((لما توفي عبدارحمن بن أبي بكر بالحبشى، وهو موضع، فحمل إلى مكة فدفن بها، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت: ... ... وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر، حتى قيل: لن يتصدعا ــ عادة السلف إذا صلوا تطوعاً أو صاموا تطوعاً أو حجوا تطوعاً أو قرؤوا القرآن، يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف، فإنه أفضل وأكمل- انتهى. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) ونقله الهيثمي عن الطبراني في الكبير، وقال: وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي. وهو ضعيف- انتهى. قلت: هو يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتى أبوسعيد الحراني ضعفه أبوزرعة وغيره. وقال أبوحاتم لا يعتد به. وقال ابن عدى: له أحاديث صالحة تفرد ببعضها، وأثر الضعف على حديثه بين. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف. وقال الخليلي: شيخ مشهور أكثر عن الأوزاعي، وطعنوا في سماعه عنه. قال ابن معين: لم يسمع والله من الأوزاعي شيئاً. (وقال) البيهقي. (والصحيح أنه موقوف عليه) أي على ابن عمر. ١٧٣٢- قوله: (وعن ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي ملكية بالتصغير تقدم ترجمته. (عبد الرحمن بن أبي بكر) أي الصديق أمه أم رومان والدة عائشة فهو شقيق عائشة، كان أسن ولد أبي بكر، أسلم قبيل الفتح، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة أو عبد العزى، فغيره النبي ﷺ وسماه عبد الرحمن، وكان امرأًً صالحاً لم يجرب عليه كذبه قط، وكان أشجع رجال قريش وأرماهم بسهم، وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد فقتل سبعة من كبارهم، وشهد الفتوح الأخرى وشهد الجمل مع أخته عائشة، وكان أخوه محمد يومئذٍ مع علي ﵃ أجمعين، وأبى عبد الرحمن على معاوية البيعة ليزيد، وبعث إليه معاوية بعد ذلك بمائة ألف درهم فردها عليه وأبى أن يأخذها، وقال: لا أبيع ديني بدنياي، فخرج إلى مكة فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد. وقيل: مات بطريق مكة فجأة سنة (٥٣) وقيل بعد ذلك، وتوفيت عائشة بعد ذلك بيسير سنة (٥٩) . (بالحبشى) بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف، موضع قريب بمكة على اثني عشر ميلاً من مكة. وقيل: على نحو عشرة أميال منها. وقال الجوهري: جبل بأسفل مكة. (وهو موضع) تفسير من الراوي. (فحمل) أي نقل من الحبشى. (فلما قدمت عائشة) أي إلى مكة حاجة. (فقالت) أي منشدة مشيرة إلى أن طول الاجتماع في الدنيا بعد زواله يكون كأقصر زمن وأسرعه، كما هو شأن الفاني جميعه. (وكنا كندماني جذيمة) قال الشمني في شرح المغني: هذا البيت لتميم بن نويرة يرثي أخاه مالكاً الذي قتله خالد بن الوليد في خلافة

стр. 2418

فلما تفرقنا، كأني ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك)) . ــ أبي بكر الصديق. وجذيمة بفتح الجيم وكسر الذال. قال الطيبي: جذيمة هذا كان ملكاً بالعراق والجزيرة وضم إليه العرب وهو صاحب الزباء- انتهى. وفي القاموس: الزباء ملكة الجزيرة وتعد من ملوك الطوائف، أي كنا كندمانى جذيمة وجليسيه، وهما مالك وعقيل كانا منادميه وجليسيه وأنيسيه مدة أربعين سنة. (حقبة) بالكسر أي المدة طويلة. (حتى قيل لن يتصدعا) أي إلى أن قال الناس لن يتفرقا. (فلما تفرقنا) أي بالموت. (كأني ومالكاً) هو أخو الشاعر الميت. (لطول اجتماع) قيل اللام بمعنى مع أو بعد كما في قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء:٧٨] ومنه: صوموا لرويته، أي بعد رؤيته. (لم نبت ليلة معاً) أي مجتمعين. (ثم قالت) أي عائشة: (لو حضرتك) أي وقت الدفن. (ما دفنت) بصيغة المجهول. (إلا حيث مت) أي منعتك أن تنقل من مكان إلى مكان، بل دفنت حيث مت، وقد سبق الكلام في نقل الميت فيما تقدم، وكأنها ذهبت إلى منع النقل مطلقاً. (ولو شهدتك) أي حضرت وفاتك. (ما زرتك) قال الطيبي: لأن النبي ﷺ لعن زوارات القبور-انتهى. ويرد عليه أن عائشة كيف زارت مع النهي وإن كانت لم تشهد وقت موته ودفنه، ويمكن أن يجاب عنه بأن النهي محمول على تكثير الزيارة؛ لأنه صيغة مبالغة، ولذا قالت: لو شهدتك ما زرتك؛ لأن التكرار ينبىء عن الإكثار. وفيه أنه ورد اللعن على مطلق الزيارة في بعض الروايات أي بغير صيغة المبالغة. فقد روى أحمد وأبوداود وغيرهما عن ابن عباس مرفوعاً: لعن الله زائرات القبور. وقد تقدم في باب المساجد مع الكلام عليه. وقيل: النهي محمول على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره مما اعتدنه. واختلف العلماء في زيارة القبر للنساء، فذهب الأكثر إلى الجواز. ومحله ما إذا أمنت الفتنة، ويؤيد الجواز حديث أنس الآتي في باب البكاء قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبرها، فقال: اتقي الله واصبري الخ. فإنه ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر وتقريره حجة. قال البيهقي: ليس في خبر أنس أنه نهاها إلى الخروج إلى المقبرة، ويؤيد الجواز أيضاً ما رواه مسلم من حديث عائشة قالت: كيف أقول يا رسول الله تعني إذا زرت القبور، قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين-الحديث. سيأتي في باب زيارة القبور، وممن حمل الإذن في زيارة القبور على عمومه للرجال والنساء عائشة، كما يدل عليه حديث الباب وأصرح منه ما روى الحاكم (ج١:ص٣٧٦) والبيهقي (ج٤:ص٧٨) والأثرم في سننه كلهم من طريق ابن أبي مليكة أنها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها، وسيأتي مزيد الكلام عليه في باب

стр. 2419

رواه الترمذي. ١٧٣٣- (٢٧) وعن أبي رافع، قال: ((سل رسول الله ﷺ سعداً ورش على قبره ماء)) . رواه ابن ماجه. ١٧٣٤- (٢٨) وعن أبي هريرة: ((أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى القبر فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثاً)) . رواه ابن ماجه. ــ زيارة القبور. (رواه الترمذي) ولم يحكم عليه بشيء من الصحة والضعف. قال شيخنا: ورجاله ثقات إلا أن ابن جريح مدلس، ورواه عن عبد الله بن أبي مليكة بالعنعنة. ١٧٣٣- قوله: (سلّ رسول الله ﷺ سعداً) أي ابن معاذ بأن وضع السرير في مؤخر القبر ثم حمل سعداً من قبل رأسه وأدخله في القبر، وهو الأفضل عند الشافعي وأحمد، وقد سبق الكلام فيه مفصلاً. (ورش على قبره ماء) فيه مشروعية رش القبر بالماء ولا خلاف فيها. (رواه ابن ماجه) بإسناد ضعيف. قال في الزوائد في إسناده مندل بن علي ضعيف، ومحمد بن عبيد الله بن أبي رافع متفق على ضعفه-انتهى. قلت: محمد بن عبيد الله هذا. قال البخاري فيه: منكر الحديث. وقال أبوحاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث جداً وذاهب. وقال الدارقطني: متروك، وله معضلات. وقال ابن معين: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في الثقات، كذا في تهذيب الحافظ. وقال الزيلعي في نصب الراية (ج٢:ص٣٠٠) بعد ذكر الحديث: ومندل بن علي ضعيف-انتهى. فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج بإنفراده، لكن قد تقدم في الرش والسل أحاديث أخرى، وهي تؤيد حديث أبي رافع هذا. ١٧٣٤- قوله: (فحثى عليه) أي رمى على قبره بالتراب. (ثلاثاً) أي ثلاث حثيات. (رواه ابن ماجه) قال الحافظ في التلخيص (ص١٦٥) بعد نقل هذا الحديث عن ابن ماجه: وقال أبوحاتم في العلل: هذا حديث باطل قلت: (قائله الحافظ) إسناده ظاهره الصحة. قال ابن ماجه: حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي ثنا يحيى بن صالح ثنا سلمة بن كلثوم ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة الخ، ليس لسلمة بن كلثوم في سنن ابن ماجه وغيرها إلا هذا الحديث الواحد، ورجاله ثقات، وقد رواه ابن أبي داود في كتاب "التفرد" له من هذا الوجه، وزاد في المتن أنه كبر عليه أربعاً، وقال بعده: ليس يروى في حديث صحيح أنه ﷺ كبر على جنازة أربعاً إلا هذا، فهذا حكم منه بالصحة على هذا الحديث، لكن أبوحاتم إمام لم يحكم عليه بالبطلان إلا بعد أن تبين له، وأظن العلة فيه عنعنة الأوزاعي وعنعنة شيخه، وهذا كله

стр. 2420

١٧٣٥- (٢٩) وعن عمرو بن حزم، قال: ((رآني النبي ﷺ متكئاً على قبر، فقال: لا تؤذ صاحب هذا القبر، أو لا تؤذه)) . رواه أحمد. (٧) باب البكاء على الميت ﴿الفصل الأول﴾ ١٧٣٦- (١) عن أنس، قال: ((دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف ــ إن كان يحيى بن صالح هو الوحاظي شيخ البخاري-انتهى كلام الحافظ. وقد نقل الشوكاني كلام الحافظ هذا في النيل وسكت عليه. ١٧٣٥- قوله: (وعن عمرو بن حزم) بفتح الحاء وسكون الزاي. (تؤذ صاحب القبر) أي لا تهنه فإن روح الميت لا يرضى بالإتكاء على قبره لتضمنه الإهانة. (أو لا تؤذه) أي بالضمير موضع لفظ صاحب القبر وهو شك من الراوي، ورواه النسائي بلفظ: لا تقعدوا على القبور، وكذا وقع في رواية لأحمد، كما قال الحافظ في الفتح. وفي الحديث دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته لا الحدث، وفيه بيان علة المنع من الجلوس وهو التأذى. (رواه أحمد) وأخرجه أيضاً النسائي. قال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح، وفي الباب عن عمارة بن حزم أخي عمرو بن حزم قال رآني رسول الله ﷺ جالساً على قبر فقال: أنزل من القبر لا تؤذ صاحب القبر. أخرجه أحمد من طريق نعيم بن زياد الحضرمي عن عمارة، ذكره الحافظ في الإصابة. (ج٢:ص٥١٤) وعزاه الهيثمي للطبراني، وقال: وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام، وقد وثق. (باب البكاء) بالمد على الأفصح أي جوازه. (على الميت) أي بدون نياحة. ١٧٣٦- قوله: (على أبي سيف) بفتح السين، قال عياض: اسمه البراء بن أوس الأنصاري، وأم سيف زوجته هي أم بردة واسمها خولة بنت المنذر الأنصارية. قال الحافظ في الفتح: جمع بذلك بين ما وقع في هذا الحديث الصحيح وبين قول الواقدي فيما رواه ابن سعد في الطبقات عنه عن يعقوب بن أبي صعصعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: لما ولد إبراهيم تنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه، فدفعه رسول الله ﷺ إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد من بني عدي بن النجار، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد من بني عدي بن النجار، فكانت ترضعه وكان رسول الله ﷺ يأتيه في بني النجار-انتهى. وما جمع به غير مستبعد، إلا أنه لم يأت عن أحد من الأئمة التصريح بأن البراء بن أوس يكنى أبا سيف، ولا أن أبا سيف يسمى البراء

стр. 2421

القين، وكان ظئراً لإبراهيم، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟! ــ ابن أوس، وقال في الإصابة في ترجمة أبي سيف بعد ذكر رواية الواقدي ما لفظه: فإن كان ثابتاً احتمل أن تكون أم بردة أرضعته ثم تحول إلى أم سيف وإلا فالذي في الصحيح هو المعتمد-انتهى. وقال في ترجمة أم بردة: اسمها خولة، قاله ابن سعد، وهي التي أرضعت إبراهيم بن النبي ﷺ ، دفعه إليها لما وضعته مارية، فلم تزل ترضعه حتى مات عنها. وقال أبوموسى: المشهور أن التي أرضعته أم سيف، ولعلهما جميعاً أرضعتاه-انتهى. (القين) بفتح القاف وسكون الياء آخره نون صفة لأبي سيف أي الحداد، ويطلق على كل صانع، يقال: قان الشيء إذا أصلحه. (وكان) أي أبوسيف. (ظئراً) بكسر الظاء المعجمة وسكون الهمزة أي مرضعاً، وأطلق عليه ذلك؛ لأنه كان زوج المرضعة، وأصل الظئر من ظأرت الناقة إذا عطفت على غير ولدها، فقيل ذلك للتي ترضع ولد غيرها، وأطلق ذلك على زوجها؛ لأنه يشاركها في تربيته غالباً. قال ابن الجوزي: الظئر المرضعة ولما كان زوجها تكفله سمي ظئراً، وأصله عطف الناقة على غير ولدها ترضعه، وفي المحكم: الظئر العاطفة على ولد غيرها المرضعة من الناس والإبل الذكر والأنثى في ذلك سواء. (لإبراهيم) أي ابن رسول الله ﷺ . وفي رواية لمسلم: قال رسول الله ﷺ : ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم، ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة يقال له أبوسيف، فانطلق رسول الله ﷺ فاتبعته، فانتهى إلى أبي سيف، وهو ينفخ بكيره وقد امتلأ البيت دخاناً، فأسرعت المشى بين يدي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا أباسيف! امسك جاء رسول الله ﷺ . (فقبله وشمه) أي وضع أنفه ووجهه على وجهه كمن يشم رائحة. فيه أي محبة الأطفال والترحم بهم سنة. (ثم دخلنا عليه) أي على أبي سيف. (بعد ذلك) أي بأيام. (وإبراهيم يجود بنفسه) أي يخرجها ويدفعها، كما يدفع الإنسان ماله يجود به. (تذرفان) بالذال المعجمة وكسر الراء وبالفاء أي يجري دمعها. في النهاية: ذرفت العين إذا جرى دمعها. (وأنت يا رسول الله ﷺ ) فيه معنى التعجب، والواو تستدعى معطوفاً عليه، أي الناس لا يصبرون على المصائب ويتفجعون ويبكون، وأنت تفعل كفعلهم، أي لا ينبغي لك أن تنفجع، كأنه استغرب ذلك منه؛ لأنه يدل على ضعف النفس والعجز عن مقاومه المصيبة بالصبر، ويخالف ما عهده منه من الحث على الصبر والنهي عن الجزع، فأجاب بقوله: إنها رحمة، أي الحالة التي تشاهدها مني يا ابن عوف هي رقة ورحمة وشفقة على المقبوض، أي الولد، لا ما توهمت من الجزع وقلة الصبر، ووقع في حديث جابر عند الترمذي والبيهقي، وفي حديث عبد الرحمن نفسه عند ابن سعد والطبراني: فقلت: يا رسول الله! تبكي، أوَ لم تنه عن البكاء؟ وزاد

стр. 2422

فقال يا ابن عوف! إنها رحمة، ثم اتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)) متفق عليه. ١٧٣٧- (٢) وعن أسامة بن زيد، قال: ((أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه: أن ابناً لي قبض ــ فيه: إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان، قال: إنما هذا رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم. وفي رواية محمود بن لبيد عند ابن سعد فقال: إنما أنا بشر. وعند عبد الرزاق من مرسل مكحول: إنما أنهى الناس عن النياحة، أن يندب الرجل بما ليس فيه. (إنها) أي هذه الدمعة التي تراها في العين أو الحالة التي تشاهدها. (رحمة) أي أثر رحمة جعلها الله في قلوب عباده. (ثم اتبعها بأخرى) أي اتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى، وقيل: اتبع الكلمة الأولى المجملة، وهي قوله: "إنها رحمة" بكلمة أخرى مفصلة، وهي قوله: إن العين تدمع، والقلب يحزن. فكان هذه الكلمة الأخرى صارت مفسرة للكلمة الأولى. قال الحافظ: ويؤيد هذا التأويل ما تقدم من طريق عبد الرحمن ومرسل مكحول. (والقلب) بالنصب ويرفع. (يحزن) بفتح الزاي. (ولا نقول) أي مع ذلك. (إلا ما يرضى ربنا) قال القاري: وفي نسخة بضم الياء وكسر الضاد ونصب ربنا. (وإنا بفراقك) أي بسبب مفارقتك إيانا. (لمحزونون) وفي حديث عبد الرحمن ومحمود بن لبيد: ولا نقول ما يسخط الرب، وزاد في حديث عبد الرحمن في آخره: لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وسبيل تأتيه، وأن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليك حزناً هو أشد من هذا، ونحوه في حديث أسماء بنت يزيد عند ابن ماجه ومرسل مكحول، وفي آخر حديث محمود بن لبيد وقال: إن له مرضعاً في الجنة. ومات وهو ابن ثمانية عشر شهراً. قال ابن بطال وغيره: هذا الحديث يفسر البكاء المباح والحزن الجائز، وهو ما كان بدمع العين ورقة القلب من غير سخط لأمر الله، وهو أبين شيء وقع في هذا المعنى. وفيه مشروعية تقبيل الولد وشمه. ومشروعية الرضاع، وعيادة الصغير، والحضور عند المحتضر، ورحمة العيال، وجواز الأخبار عن الحزن وإن كان الكتمان أولى. وفيه وقوع الخطاب للغير، وإرادة غير بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة النبي ﷺ ولده مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب لوجهين: أحدهما صغره. والثاني نزعه، وإنما أراد بالخطاب غيره من الحاضرين، إشارة إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق. وفيه جواز الاعتراض على من خالف فعله ظاهر قوله ليظهر الفرق ذكره الحافظ في الفتح. (متفق عليه) وأخرجه أبوداود والبيهقي من وجه آخر بنحوه، وكذا مسلم، وقد ذكرنا أوله. ١٧٣٧- قوله: (أرسلت ابنة النبي ﷺ ) هي زينب كما عند ابن أبي شيبة وابن بشكوال. (أن ابناً لي قبض) أي قرب قبضه وموته. وقال القسطلاني: أي في حال القبض ومعالجة الروح، فأطلق القبض مجازاً باعتبار أنه في

стр. 2423

فأرسل يقرئ السلام، ويقول: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إليه تقسم عليه ــ حالة كحالة النزع. وفي النهاية: قبض المريض إذا توفي وإذا أشرف على الموت. قيل: الابن المذكور هو علي بن أبي العاص بن الربيع. واستشكل بأنه عاش حتى ناهز الحلم، وأن النبي ﷺ أردفه على راحلته يوم الفتح فلا يقال فيه صبي عرفاً وإن جاز من حيث اللغة. وقيل: هو عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنت النبي ﷺ ؛ لما روى البلاذري في الأنساب أنه لما توفي وضعه النبي ﷺ في حجرة وقال: إنما يرحم الله من عباده الرحماء. وقيل: هو محسن؛ لما روى البزار في مسنده عن أبي هريرة قال: ثقل ابن لفاطمة فبعث إلى النبي ﷺ ، فذكر نحو حديث الباب ولا ريب أنه مات صغيراً. وقيل: هي أمامة بنت زينب لأبي العاص بن الربيع، كما ثبت في مسند أحمد. وصوبه الحافظ، وأجاب عما استشكل من قوله "قبض" مع كون أمامة عاشت بعد النبي ﷺ حتى تزوجها علي بن أبي طالب وقتل عنها، بأن الظاهر أن الله أكرم نبيه ﵊ لما سلم الأمر ربه وصبر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة، بأن عافى الله ابنة ابنته في ذلك الوقت، فخلصت من تلك الشدة، وعاشت تلك المدة. وقال العيني: الصواب قول من قال ابني أي بالتذكير لا ابنتي بالتأنيث، كما نص عليه في حديث الباب، وجمع البرماوي بين ذلك باحتمال تعدد الواقعة في بنت واحد أو بنتين، أرسلت زينب في علي أو أمامة، أو رقية في عبد الله بن عثمان، أو فاطمة في ابنها محسن بن علي، كذا ذكر القسطلاني. (فأرسل) ﷺ . (يقرئ) بضم الياء أي عليها. (السلام ويقول) أي تسلية لها. (إن لله ما أخذ وله ما أعطى) أي فلا حيلة إلا الصبر، قدم ذكر الأخذ على الإعطاء وإن كان متأخراً في الواقع لما يقتضيه المقام، والمعنى أن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجزع؛ لأن مستودع الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه، وكلمة "ما" في الموضعين موصولة، ومفعول أخذ وأعطى محذوف؛ لأن الموصول لا بد له من صلة وعائد، ونكتة حذف المفعول فيهما الدلالة على العموم، فيدخل فيه أخذ الولد وإعطاءه وغيرهما، ويجوز أن تكون "ما" في الموضعين مصدرية، والتقدير إن لله الأخذ والإعطاء، وهو أيضاً أعم من إعطاء الولد وأخذه. (وكل) أي وكل واحد من الأخذ والإعطاء. (عند الله) أي في علمه. (بأجل مسمى) أي مقدر بأجل معلوم. (ولتحتسب) أي تنوى بصبرها طلب الثواب من ربها ليحسب لها ذلك من عملها الصالح. (فأرسلت) أي ابنته. (إليه) ﷺ . (تقسم) بضم التاء من الإقسام، وهي جملة حالية، ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف عند الطبراني أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة. أما ترك أجابته

стр. 2424

ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال فرفع إلى رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تتقعقع، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله! ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، فإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) . ــ ﷺ أولاً فيحتمل أنه كان في شغل في ذلك الوقت، أو كان امتناعه مبالغة في إظهار التسليم لربه. أو كان لبيان الجواز في أن من دعي لمثل ذلك لم تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة مثلاً، وأما إجابته ﷺ بعد إلحاحها عليه فكانت دفعاً لما يظنه بعض الجهلة أنها ناقصة المكان عنده، أو أنه لما رآها عزمت عليه بالقسم حن عليها بإجابته. (ليأتينها) بالنون المؤكدة. (فقام ومعه) بإثبات واو الحال. (ورجال) أي آخرون ذكر منهم في غير هذه الرواية عبادة بن الصامت وأسامة راوي الحديث وعبد الرحمن بن عوف. (فرفع) بضم الراء من الرفع، يعني فمشوا إلى أن وصلوا إلى بيتها فاستأذنوا فأذن لهم فرفع (إلى رسول الله ﷺ الصبي) أو الصبية، أي وضع في حجرة ﵊. (ونفسه) أي روحه (تتقعقع) أي تضطرب وتتحرك ولا تثبت على حالة واحدة، كذا في النهاية، والجملة اسمية حالية. (ففاضت) أي سالت. (عيناه) أي عينا النبي ﷺ بالبكاء. (فقال سعد) هو ابن عبادة المذكور. (ما هذا؟) أي البكاء منك. (فقال: هذه) أي الدمعة التي تراها. (رحمة) أي أثر رحمة أي أن الذي يفيض من الدمع من حزن القلب بغير تعمد من صاحبه ولا استدعاء، لا مؤاخذة عليه، وإنما المنهي عنه الجزع وعدم الصبر. قال النووي: ظن سعد أن جميع أنواع البكاء حرام، وأنه ﵊ نسي فاعلمه ﵊ أن مجرد البكاء ودمع العين ليس بحرام ولا مكروه، بل هو رحمة وفضيلة، وإنما المحرم النوح والندب والبكاء المقرون بهما أو بأحدهما. (فإنما) وفي بعض النسخ وإنما أي بالواو. (يرحم الله من عباده الرحماء) جمع رحيم بمعنى الراحم، أي وإنما يرحم الله من عباده من اتصف بأخلاقه ويرحم عباده، و "من" في عباده بيانية حال من المفعول وهو الرحماء، وقيل: الأظهر أن "من" تبعيضية أي إنما يرحم من جملة عباده الرحماء، فمن لا يرحم لا يُرحم، وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز استحضار ذوى الفضل للمحتضر لرجاء بركتهم ودعائهم، وجواز القسم عليهم لذلك. وفيه استحباب إبرار المقسم، وأمر صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع وهو مستشعر بالرضى مقاوماً للحزن بالصبر. وفيه تقديم السلام على الكلام، وعيادة المريض ولو كان مفضولاً أو صبياً صغيراً، وفيه أن أهل الفضل لا ينبغي أن يقطعوا الناس عن فضلهم ولو ردوا أول مرة، واستفهام التابع عما يشكل عليه مما يتعارض ظاهره، وفيه الترغيب في الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب وجمود العين، وجواز

стр. 2425

متفق عليه. ١٧٣٨- (٣) وعن عبد الله بن عمر، قال: ((اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غاشية، فقال: قد قضى؟ قالوا: لا، يا رسول الله! فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا، فقال: ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه ــ البكاء من غير نوح ونحوه. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائز والطب والنذور والتوحيد، ومسلم في الجنائز. وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي. ١٧٣٨- قوله: (اشتكى) أي مرض. (شكوى) بغير تنوين، مصدر أو مفعول به أي مرضاً. (له) أي حاصلاً له. (يعوده) حملة حالية أي يقصد عيادته. (في غاشية) بمعجمتين. قال الخطابي: هذا يحتمل وجهين أن يراد به القوم الحضور عنده الذين هم غاشيته، أي يغشونه للخدمة، وأن يراد ما يتغشاه من كرب الوجع الذي به. ويؤيده ما وقع في رواية مسلم: في غشية، وورد في بعض روايات البخاري: في غاشية أهله، وهذا يأبى المعنى الثاني، ولا يتأتى ذلك إلا على رواية العامة بإسقاط أهله. وقال التوربشتي في شرح المصابيح: الغاشية الداهية من شر أو مرض أو مكروه، والمراد به ههنا ما كان يتغشاه من كرب الوجع الذي فيه لا حال الموت؛ لأنه بريء من ذلك المرض وعاش بعده زماناً. (فقال) ﷺ . (قد قضي) على بناء المفعول بحذف همزة الاستفهام، أي أقد خرج من الدنيا، ظن أنه قد مات فسأل عن ذلك. (فبكى النبي ﷺ ) أي رحمة عليه. (فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ ) في نسبة البكاء إلى الروية إشارة إلى أنه لم يكن إلا الدمعة. (بكوا) في هذا إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم بن النبي ﷺ ؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه، ولم يعترضه بمثل ما اعترض به هناك، فدل على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضر. (ألا تسمعون، إن الله) بكسر الهمزة استئنافاً؛ لأن قوله "تسمعون" لا يقتضي مفعولاً؛ لأنه جعل كاللازم، فلا يقتضى مفعولاً، أي ألا توجدون السماع، كذا قرره البرماوي والحافظ، كالكرماني، وقد تعقبه العيني، فقال: ما المانع أن يكون بالفتح في محل المفعول لتسمعون، وهو الملائم لمعنى الكلام-انتهى. قال القسطلاني: لكن الذي في روايتنا بالكسر. قال الحافظ: وفيه إشارة إلى أنه فهم من بعضهم الإنكار، فبين لهم الفرق بين الحالتين. (ولكن يعذب بهذا) أي إن قال

стр. 2426

أو يرحم، وإن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)) . متفق عليه. ١٧٣٩- (٤) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) . ــ سواء من الجزع والنوح. (أو يرحم) أي بهذا إن قال خيراً واستسلم لقضاء الله. ويحتمل أن يكون معنى قوله "أو يرحم" أي إن لم ينفذ الوعيد. (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) يأتي الكلام فيه في الفصل الثالث من هذا الباب. وفي هذا الحديث من الفوائد: استحباب عيادة المريض، وعيادة الفاضل للمفضول، والإمام لأتباعه مع أصحابه، وفيه النهي عن المنكر، وبيان الوعيد عليه، وجواز البكاء عند المريض، وجواز إتباع القوم للباكي. (متفق عليه) إلا أن قوله: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" في هذا الحديث من زيادات البخاري، والحديث أخرجه البيهقي أيضاً. ١٧٣٩- قوله: (ليس منا) أي من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، إذ المعاصي لا يكفر بها عند أهل السنة، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته لست منك ولست مني، أي ما أنت على طريقتي. وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل، أي أنه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله. قال الحافظ في الفتح: ويظهر لي أن هذا النفي يفسره التبرئ المذكور في حديث أبي موسى الآتي حيث قال: أنا بريء ممن حلق الخ. وأصل البراءة الانفصال من الشيء، وكأنه توعده بأن لا يدخله في شفاعته، وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره، وكان السبب في ذلك ما تضمنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح باستحلاله مع العلم بتحريم السخط مثلاً بما وقع فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين. قال: وحكي عن سفيان الثوري: أنه كان يكره الخوض في تأويله ويقول: ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر-انتهى. (من ضرب الخدود) خص الخد بذلك لكونه الغالب في ذلك وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك، وإنما جمع وإن كان ليس للإنسان إلا خدان فقط باعتبار إرادة الجمع، فإن من مفرد اللفظ مجموع المعنى فيكون من مقابلة الجمع بالجمع. وأما على قوله تعالى: ﴿وأطراف النهار﴾ [طه:١٣٠] . وقول العرب: شابت مفارقه، وليس إلا مفرق واحد. (وشق الجيوب) بضم الجيم جمع جيب بفتح الجيم، وهو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه في القميص ونحوه، من جابه أي قطعه. (ودعا بدعوى الجاهلية) في رواية مسلم بدعوى أهل الجاهلية وهي زمان الفترة قبل الإسلام، أي دعا بدعائهم بأن قال عند البكاء ما لا يجوز شرعاً مما يقول به أهل الجاهلية، كالدعاء بالويل والثبور وكواكهفاه واجبلاه. وعمومه يشمل الذكر والأنثى،

стр. 2427

متفق عليه. ١٧٤٠- (٥) وعن أبي بردة، قال: ((أغمي على أبي موسى، فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة، ثم أفاق، فقال: ألم تعلمي! وكان يحدثها أن رسول الله ﷺ قال: أنا بريء ممن حلق وصلق وخرق)) . متفق عليه. ــ وتخصيص الإناث في بعض الأحاديث خرج مخرج العادة، فإن هذه الأفعال إنما هي عادتهن لا عادة الذكور، والواو فيهما بمعنى أو، فالحكم في كل واحد لا المجموع؛ لأن كلاً منهما دال على عدم الرضاء والتسليم للقضاء. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائز، وفي مناقب قريش، ومسلم في الإيمان. وأخرجه أيضاً أحمد. (ج١:ص٣٨٦،٤٣٢،٤٤٢،٤٥٦،٤٦٥) والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي. ١٧٤٠- قوله: (أغمي على أبي موسى) الأشعري. وفي رواية: وجع أبو موسى وجعاً فغشي عليه. (فأقبلت) أي شرعت وجعلت وصارت. (امرأته أم عبد الله) أي بنت أبي دومة، كما في رواية النسائي، ويستفاد من تاريخ البصرة لعمر بن شبة أن اسمها صفية بنت دمون، وأنها والدة أبي بردة بن أبي موسى، وأن ذلك وقع حيث كان أبوموسى أميراً على البصرة من قبل عمر بن الخطاب ﵁، وهي صحابية هاجرت مع أبي موسى، ذكرها الحافظ وابن عبد البر في الكنى من الصحابيات. (تصيح برنة) بفتح الراء وتشديد النون، صوت مع البكاء فيه ترجيع. (ثم أفاق) أي أبوموسى. (ألم تعلمي) أي ما حدثتك. (وكان يحدثها) قال الطيبي: وكان يحدثها حال، والعامل قال، ومفعول "ألم تعلمي" مقول القول، أي ألم تعلمي أن رسول الله ﷺ قال: أنا بريء، فتنازعا فيه. (أنا بريء) قال عياض: أي من فعلهن أو مما يستوجبن من العقوبة أو من عهدة ما لزمني بيانه، وأصل البراءة الانفصال، وليس المراد التبري من الدين والخروج منه. قال النووي: ويحتمل أن يراد به ظاهره وهو البراءة من فاعل هذه الأمور. (ممن حلق) أي شعره عند المصيبة لأجلها كما هو عادة الهنادك في الهند. (وصلق) بالصاد المهملة والقاف، وفي المصابيح بالسين بدل الصاد وهو لغة، ومنه قوله تعالى: ﴿سلقوكم بألسنة حداد﴾ [الأحزاب:١٩] . أي رفع صوته بالبكاء عند المصيبة. وقيل: هو أن تصك المرأة وجهها وتخدشه. (وخرق) بالتخفيف أي شق ثوبه عند المصيبة، والحديث يدل على تحريم هذه الأفعال؛ لأنها مشعرة بعدم الرضا بالقضا، وكان الجميع من صنيع الجاهلية، وكان ذلك في أبلغ الأحوال من صنيع النساء. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائز معلقاً. وقيل موصولاً، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أحمد أيضاً. (ج٤:ص٣٩٦-٤٠٤-٤٠٥-٤١١-٤١٦)

стр. 2428

ولفظه لمسلم. ١٧٤١- (٦) وعن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها، ــ وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وابن حبان. (ولفظه لمسلم) ولفظ البخاري: قال (أي أبوبردة) وجع أبوموسى وجعاً فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً، فلما أفاق قال: أنا بريء ممن بريء منه رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. ١٧٤١- قوله: (أربع) أي أربع خصال كائنه. (في أمتي) حال كونهن. (من أمر الجاهلية) أي من أمورهم وخصالهم المعتادة. (لا يتركونهن) يعني أن هذه الخصال تدوم في الأمة لا يتركونهن بأسرهم تركهم لغيرها من سنن الجاهلية، فإنهن إن تتركهن طائفة جاءهن وتمسك بهن آخرون. (الفخر) أي الافتخار وهو المباهاة والتمدح بالخصال والمناقب والمكارم. إما فيه أو في أهله، قال في الفائق: الفخر تعداد الرجل من مآثره ومآثر آبائه. (في الأحساب) أي في شأنها وسببها، والحسب ما يعده الرجل من الخصال التي تكون فيه، كالشجاعة والفصاحة وغير ذلك، وقيل: الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، ومعنى الفخر في الأحساب هو التكبر والتعظم بعَدّ مناقبه ومآثر آبائه، وهذا يستلزم تفضيل الرجل نفسه على غيره ليحقره، وهو لا يجوز، وفي الحديث كرم الرجل دينه وحسبه وخلقه، وفي ذلك نفي ما كان عليه أهل الجاهلية، وفيه تنبيه على أن الحسب الذي يحمد به الإنسان ما تحلى به من خصال الخير في نفسه لا ما يعده من مفاخره ومآثر آبائه. (والطعن في الأنساب) أي إدخال العيب في أنساب الناس، وذلك يستلزم تحقير الرجل آباء غيره، وتفضيل آبائه على آباء غيره، وهو ممنوع. قال التوربشتي: الظاهر أن المراد منه الطعن فيمن ينتسب إليه حجيج الطاعن، فينسب آباءه وذويه عند المساجلة والمساماة إلى الخمول والخساسة والغموض والانحطاط؛ لأنه ذكر في مقابلة الفخر بالأحساب. (والاستسقاء) أي طلب السقيا. (بالنجوم) أي بسببها يعني توقع الأمطار عن وقوع النجوم في الأنواع، كما كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا، قال الطيبي: وقيل: المعنى سؤال المطر من الأنواء، فإن كان ذلك على جهة اعتقاد أنها المؤثرة في نزول المطر حقيقة فهو كفر. (والنياحة) بالرفع وهو الرابعة، وهو البكاء على الميت بصياح وعويل وجزع. والندبة عد شمائل الميت ومحاسنه مثل وا شجاعاه وا أسداه وا جبلاه. (والنائحة إذا لم تتب قبل موتها) أي قبل حضور موتها. قال التوربشتي:

стр. 2429

تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)) . رواه مسلم. ١٧٤٢- (٧) وعن أنس، قال: ((مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله ــ وإنما قيد به ليعلم أن من شرط التوبة أن يتوب التائب وهو يؤمل البقاء، ويمكن أن يتأتى منه العمل الذي يتوب منه، ومصداق ذلك في كتاب الله: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ [النساء:١٨] . (تقام) مجهول من الإقامة وهي الإيقاف. (يوم القيامة) بين أهل الموقف للفضيحة. قال الطيبي: تقام أي تحشر، ويحتمل أنها تقام على تلك الحالة بين أهل النار وأهل الموقف جزاء على قيامها في المناحة، وهو أمثل وأشبه. (وعليها سربال) بكسر السين أي قميص. (من قطران) بفتح القاف وكسر الطاء. قال ابن عياض: هو النحاس المذاب. وقيل: ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل، فيطبخ فيطلى به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحدته وحرارته الجلد، وقد تبلغ حرارته الجوف. (ودرع) عطف على سربال والدرع بكسر الدال قميص النساء، والسربال القميص مطلقاً. (من جرب) أي من أجل جرب كائن بها. قال الطيبي: أي يسلط على أعضائها الجرب والحكة بحيث يغطي جلدها تغطية الدرع ويلتزق بها التزاقه، فتطلى مواقعه بالقطران لتداوي، فيكون الدواء أدوى من الداء لاشتماله على لذع القطران وحدته وحرارته، وإسراع النار في الجلود واشتغالها ونتن الرائحة وسواد اللون الذي تشمئز عنه النفوس. قال التوربشتي: خصت بدرع من جرب؛ لأنها كانت تجرح بكلماتها المحرقة قلوب ذوات المصيبات وتحك بها بواطنهن، فعوقبت في ذلك المعنى بما يماثله في الصورة، وخصت أيضاً بسرابيل من قطران؛ لأنها كانت تلبس الثياب السود في المأتم، فألبسها الله قميصاً من قطران لتذوق وبال أمرها-انتهى. فإن قلت ذكر الخلال الأربع في الحديث، ولم يرتب عليها الوعيد سوى النياحة فما الحكمة فيه؟ قلت: النياحة مختصة بالنساء وهن لا ينزجرن انزجار الرجال فاحتجن إلى مزيد الوعيد، كذا في المرقاة.. (رواه مسلم) في الجنائز وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥:ص٣٤٢-٣٤٣-٣٤٤) والحاكم (ج١:ص٣٨٣) والبيهقي (ج٤:ص٦٣) وابن ماجه، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : النياحة على الميت من أمر الجاهلية، وأن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثياباً من قطران ودرعاً من لهب النار. ١٧٤٢- قوله: (مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر) لم يوقف على اسم المرأة ولا اسم صاحب القبر، لكن في رواية مسلم ما يشعر بأنه ولدها، ولفظه: تبكي على صبي لها، وصرح به في مرسل يحيى بن أبي كثير عند عبد الرزاق، ولفظه قد أصيبت بولدها. (فقال: اتقي الله) قال القرطبي: الظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد من نوح أو غيره، ولهذا أمرها بالتقوى. قلت: ويؤيده أن في مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور: فسمع منها ما يكره فوقف

стр. 2430

واصبري. قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت باب النبي ﷺ ، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) . ــ عليها. وقال الطيبي: قوله: اتقي الله، توطئه لقوله: (واصبري) كأنه قيل لها خافي غضب الله إن لم تصبري، ولا تجزعي ليحصل لك الثواب. (قالت) أي جاهلة بمن يخاطبها وظانة أنه من آحاد الناس. (إليك عني) اسم فعل أي أبعد وتنح. (لم تصب) على بناء المجهول. (بمصيبتي، ولم تعرفه) الواو فيه للحال أي خاطبته بذلك، والحال أنها لم تعرف أنه رسول الله ﷺ ، إذ لو عرفته لم تخاطبه بهذا الخطاب. (فقيل لها) أي للمرأة بعد ما ذهب النبي ﷺ . (أنه النبي ﷺ ) وفي رواية للبخاري: فمر بها رجل فقال لها: إنه رسول الله، فقالت: ما عرفته. وفي رواية أبي يعلى من حديث أبي هريرة قال: فهل تعرفينه؟ قالت: لا. وللطبراني في الأوسط من طريق عطية عن أنس: أن الذي سألها هو الفضل بن عباس. وزاد مسلم في رواية له: فأخذها مثل الموت، أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله ﷺ خجلاً منه ومهابة. وإنما اشتبه عليها ﷺ ؛ لأنه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى، كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء. (فلم تجد عنده) أي عند بابه. (بوابين) يمنعون الناس من الدخول عليه. وفي رواية للبخاري: بواباً بالإفراد. قال الطيبي: فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها أنه النبي ﷺ استشعرت خوفاً وهيبة في نفسها، فتصورت أنه مثل الملوك، له حاجب أو بواب يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته. (فقالت) معتذرة إليه مما سبق منها حيث قالت إليك عني. (لم أعرفك) فاعذرني من تلك الردة وخشونتها. (إنما الصبر عند الصدمة الأولى) وفي رواية للبخاري: عند أول صدمة، وهي مرة من الصدم، وهو ضرب الشيء الصلب بمثله، ثم استعمل في كل مكروه حصل بغتة. والمعنى الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ويصاب عليه فاعله بجزيل الأجر ما كان منه عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه على مدى الأيام يسلو أو ينسى. وقال الحافظ: المعنى إذا وقع الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع، فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر، وأصل الصدم ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب. قال الطيبي: صدر هذا الجواب منه ﷺ من قولها "لم أعرفك" على أسلوب الحكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار، فإن من شيمتي أن لا أغضب إلا لله، وانظري إلى تفويتك من نفسك الجزيل من الثواب بالجزع وعدم الصبر أول فجأة المصيبة، فاغتفر لها ﵇ تلك الجفوة لصدورها منها في حال مصيبتها وعدم معرفتها به، وبين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب عليه الثواب، بخلاف ما بعد ذلك، فإنه

стр. 2431

متفق عليه. ١٧٤٣- (٨) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد ــ على طول الأيام يسلو، كما يقع لكثير من أهل المصائب. وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز زيارة القبور للنساء؛ لأنه لم ينه المرأة المذكورة عن زيارة قبر ميتها، وإنما أمرها بالصبر والتقوى لما رأى من جزعها، فدل على جوازها. وفيه ما كان فيه ﵊ من التواضع والرفق بالجاهل ومسامحة المصاب وقبول اعتذاره، وملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيه أن القاضي لا ينبغي له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس. وأن من أمر بمعروف ينبغي له أن يقبل ولو لم يعرف الآمر. وفيه أن الجزع من المنهيات لأمره لها بالتقوى مقروناً بالصبر، وفيه الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة ونشر الموعظة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي. ١٧٤٣- قوله: (لا يموت لمسلم) رجل أو امرأة، ففي هذه اللفظة عموم تشمل الذكر والأنثى، بخلاف الرواية الآتية فإنها مقيدة بالنساء، وليس لها مفهوم لما في بقية الروايات من التعميم، وقيد الإسلام شرط؛ لأنه لا نجاة للكافر بموت أولاده، فقيده به ليخرج الكافر فهو مخصوص بالمسلم، وهل يدخل في ذلك من مات له ولد فأكثر في حالة الكفر ثم أسلم بعد ذلك أو لا بد أن يكون موتهم في حالة إسلامه، قد يدل للأول حديث: أسلمت على ما أسلفت من خير، لكن جاءت أحاديث فيها تقييد ذلك بكونه في الإسلام، فالرجوع إليها أولى، فمنها حديث أبي ثعلبة الأشجعي المروي في مسند أحمد والمعجم الكبير للطبراني، قلت: يا رسول الله، مات لي ولدان في الإسلام، فقال: من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة، وحديث عمرو بن عبسة عند أحمد وغيره مرفوعاً: من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخل الله الجنة بفضل رحمته إياهم. (ثلاثة) وهل هو حكم ما سوى الثلاثة، سيأتي في شرح الحديث الآتي. (من الولد) بفتحتين يشمل الذكر والأنثى، والظاهر أن المراد من ولد الرجل حقيقة، أي الأولاد الصلبية، يدل عليه حديث أنس عند النسائي رفعه: من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة، وكذا حديث عقبة بن عامر عند أحمد والطبراني رفعه: من أثكل ثلاثة من صلبه فاحتسبهم على الله-الحديث، وحديث عمرو بن عبسة عند الطبراني وحديث عثمان بن أبي العاص عند أبي يعلى والبزار والطبراني أيضاً، وفيه عبد الرحمن ابن إسحاق أبوشيبة وهو ضعيف. وأما أولاد الأولاد ففي دخولهم بحث. قال الحافظ: والذي يظهر أن أولاد الأولاد الصلب يدخلون ولا سيما عند فقد الوسائط بينهم وبين الأب، والتقييد بكونهم من الصلب يدل على إخراج

стр. 2432

فيلج النار إلا تحلة القسم)) . ــ أولاد البنات، وزاد في الرواية الآتية: لم يبلغوا الحنث، وسيأتي الكلام فيه. (فيلج النار) أي فيدخلها من الولوج وهو الدخول، وهو منصوب بأن المقدرة، تقديره فإن يلج النار؛ لأن الفعل المضارع ينصب بعد النفي بأن المقدرة بعد الفاء، لكن حكى الطيبي منعه عن بعضهم معللا بأن شرط ذلك أن يكون ما قبل الفاء سبباً لما بعدها، ولا سببية هنا؛ لأنه ليس موت الأولاد، ولا عدمه سبباً لولوج أبيهم النار بل سبباً للنجاة منها وعدم الدخول فيها، وبيان ذلك أنك تعمد إلى الفعل الذي هو غير موجب فتجعله موجباً، وتدخل عليه إن الشرطية وتجعل الفاء وما بعدها من الفعل جواباً، كما تقول في قوله تعالى: ﴿ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي﴾ [طه:٨١] أن تطغوا فيه، فحلول الغضب حاصل، وفي قوله: "ما تأتينا فتحدثنا أن تأتنا"، فالحديث واقع وهنا إذا قلت: إن يمت لمسلم ثلاثة من الولد فولوج النار حاصل لم يستقم. قال الطيبي: فالفاء هنا بمعنى الواو التي للجمع، وهي تنصب المضارع بعد النفي كالفاء، والمعنى لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من أولاده وولوجه النار إلا تحلة القسم لا محيد عن ذلك إن كانت الرواية بالنصب، وإن كانت الرواية بالرفع على أن الفاء عاطفة للتعقيب فمعناه: لا يوجد ولوج النار عقب موت الأولاد إلا تحلة القسم أي مقداراً يسيراً، ومعنى فاء التعقيب كمعنى الماضي في قوله تعالى: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ [الأعراف: ٤٤] في أن ما سيكون بمنزلة الكائن وأن ما أخبر به الصادق عن المستقبل كالواقع. وقال الحافظ: أن السببية. (أي في صورة النصب) حاصلة بالنظر إلى الاستثناء؛ لأن الاستثناء بعد النفي إثبات، فكان المعنى أن تخفيف الولوج مسبب عن موت الأولاد وهو ظاهر؛ لأن الولوج عام تخفيفه يقع بأمور منها موت الأولاد بشرطه-انتهى. وتعقبه السندي في حاشية البخاري بما فيه تأمل. وأجاب ابن الحاجب والدماميني عن الإشكال المذكور بوجه آخر، ذكره القسطلاني. (إلا تحلة القسم) بفتح المثناة الفوقية وكسر المهملة وتشديد اللام، والقسم بفتح القاف والسين أي ما تنحل به اليمين، وهو مصدر حلل اليمين أي كفرها. قال أهل اللغة: يقال فعلته تحلة القسم، أي لم أفعله إلا بقدر ما حللت به يميني ولم أبالغ. وقال الخطابي: حللت القسم تحلة أي أبررتها. وقال الجزري في النهاية: تقول العرب ضربه تحليلاً ضربه تعزيراً إذا لم يبالغ في ضربه، وهذا مثل في القليل المفرط في القلة، وهو أن يباشر من الفعل الذي يقسم عليه المقدار الذي يبر به قسمه، مثل أن يحلف على النزول بمكان، فلو وقع به وقعة خفيفة أجزأته، فتلك تحلة قسمه، فالمعنى لا بدخل النار إلا دخولاً يسيراً مثل تحلة قسم الحالف، ويريد بتحلته الورود على النار والاجتياز بها، والتاء في التحلة زائدة-انتهى. قال القرطبي: اختلف في المراد بهذا القسم، فقيل هو معين، وقيل غير معين، فالجمهور على الأول، والمراد قسم الله تعالى على ورود جميع الخلق النار، فيردها بقدر ما يبر الله تعالى قسمه ثم ينجو، وقيل: لم يعن به قسم بعينه، وإنما معناه التقليل لأمر ورودها، وهذا

стр. 2433

متفق عليه. ١٧٤٤- (٩) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ لنسوة من الأنصار: ــ اللفظ يستعمل في هذا، تقول: لا ينام هذا إلا لتحليل الإلية، وتقول: ما ضربته إلا تحليلاً، إذا لم تبالغ في الضرب، أي قدراً يصيبه منه مكروه، وقيل: الاستثناء بمعنى الواو، أي لا تمسه النار قليلاً ولا كثيراً ولا تحلة القسم، وقد جوز الفراء والأخفش مجيء إلا بمعنى الواو، والأول قول الجمهور، وبه جزم أبوعبيد وغيره قالوا: المراد به قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم:٧١] قال الخطابي: معناه لا يدخل النار ليعاقب بها، ولكنه يدخلها مجتازاً، ولا يكون ذلك الجواز إلا قدر ما يحلل به الرجل يمينه، ويدل ذلك ما وقع عند عبد الرزاق في آخر هذا الحديث: إلا تحلة القسم يعني الورود، وذكر الحافظ في الفتح روايات أخرى تدل على هذا، أي على كون المراد بالقسم قول الله تعالى المذكور، وبالورود الجواز والعبور، فعليك أن ترجع إلى الفتح. واختلف في موضع القسم من الآية، فقيل: هو مقدر أي والله إن منكم، وقيل: معطوف على القسم الماضي في قوله: ﴿فوربك لنحشرنهم﴾ [مريم:٦٨] ، أي وربك إن منكم، وقيل: هو مستفاد من قوله تعالى: ﴿حتماً مقتضياً﴾ أي قسماً واجباً. وقال الطيبي: يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دل على القطع والبت من السياق، فإن قوله: ﴿كان على ربك﴾ تذييل وتقرير لقوله: ﴿وإن منكم﴾ ، فهذا بمنزلة القسم بل أبلغ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات. واختلف في المراد بالورود في الآية، فقيل: هو الدخول، رواه عبد الرزاق عن ابن عباس، وروى أحمد والنسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعاً: الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، وقيل: المراد بالورود الممر عليها. رواه الطبري عن أبي هريرة وابن مسعود. وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما؛ لأن من عبر بالدخول تجوز به عن المرور، ووجهه أن المار عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارة باختلاف أعمالهم، ويؤيد صحة هذا التأويل ما رواه مسلم من طريق أم مبشر أن حفصة قالت للنبي ﷺ لما قال: "لا يدخل أحد شهد الحديبية النار": أليس الله يقول: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ ؟ فقال: أليس الله تعالى يقول: ﴿ثم ننجي الذين اتقو﴾ الآية [مريم:٧٢] . وفي هذا بيان ضعف من قال: إن الورود مختص بالكفار، ومن قال: الورود الدنو منها، ومن قال: معناه الإشراف عليها، ومن قال: معنى ورودها ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: أن أولاد المسلمين في الجنة؛ لأنه يبعد أن الله تعالى يغفر الآباء بفضل رحمته للأبناء ولا يرحم الأبناء، وكونهم في الجنة مذهب الجمهور، ووقف طائفة قليلة، وتقدم البحث في ذلك. (متفق عليه) ، وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي. ١٧٤٤- قوله: (قال لنسوة) اسم جمع. (من الأنصار) أي من نسائهم. قال القاري: وفائدة ذكره كمال

стр. 2434

((لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه، إلا دخلت الجنة. فقالت امرأة منهن: أو اثنان يا رسول الله! قال: أو اثنان)) . ــ استحضار القضية لا أن هناك خصوصية. (من الولد) بفتحتين وهو يشمل الذكر والأنثى والمفرد والجمع. (فتحتسبه) وفي رواية البيهقي: فتحتسبهم. قال القاري: بالرفع لا غير، أي تطلب بموته ثواباً عند الله بالصبر عليه. قال الطيبي: أي فتصبر راجية لرحمة الله وغفرانه. وليس هذه الفاء كما في "فيلج" بل هي للتسبب بالموت، وحرف النفي منصب على السبب والمسبب معاً-انتهى. قال الباجي: بيان لصفة من يؤجر بمصابه في ولده، وهو أن تحتسبهم، وأما من لم يحتسبهم ولم يرض بأمر الله فيه فإنه غير داخل في هذا الوجه-انتهى. والاحتساب عند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر، وتحصيله بالتسليم والصبر، وذكر المصنف هذا الحديث لقوله: فتحتسبه، فجعله تفسيراً للحديث قبله. وقد ورد التقييد بذلك في أحاديث أخرى، ذكرها الحافظ في الفتح، ثم قال: وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب إلا على النية، فلابد من قيد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة-انتهى. (إلا دخلت الجنة) أي دخولاً أولياً، وهو لا ينافي الولوج تحلة القسم، والاستثناء من أعم الأحوال. (فقالت امرأة منهن) الظاهر أنها أم سليم الأنصارية والدة أنس بن مالك، كما رواه الطبراني بإسناد جيد عنها أو أم مبشر الأنصارية. رواه الطبراني أيضاً من حديث جابر، ويحتمل أن يكون كل منهما سأل عن ذلك في ذلك المجلس، ويحتمل التعدد، والله تعالى أعلم. وجاءت روايات أخرى نسب فيها السؤال إلى غيرهما كأم أيمن وعائشة وأم هاني وجابر وعمر ﵃. (أو اثنان) عطف تلقين، أي هل يمكن أن تقول أو اثنان. وفي رواية: واثنان. قال العيني عطف على ثلاثة، ومثله يسمى بالعطف التلقيني، أي قل يا رسول الله: واثنان، ونظيره قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿ومن ذريتي﴾ [البقرة:١٢٤] . وقال الحافظ: أي وإذا مات اثنان ما الحكم؟ فقال: واثنان، أي وإذا مات اثنان فالحكم كذلك. (قال: أو اثنان) قال العيني: أي أو إن وجد اثنان فكالثلاثة، وفيه التسوية بين حكم الثلاثة والاثنين. قال ابن بطال: وكأنه أوحي إليه بذلك في الحال، ولا يبعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين، ويحتمل أن يكون كان العلم عنده حاصلاً لكنه أشفق عليهم أن يتكلوا؛ لأن موت الاثنين غالباً أكثر من موت الثلاثة، ثم لما سئل عن ذلك لم يكن بد من الجواب، وهل يدخل في الحكم المذكور الولد الواحد؟ فالظاهر أنه نعم؛ لما ورد في ذلك من الأحاديث الصريحة كحديث ابن عباس في الفصل الثاني من هذا الباب، وحديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعاً: صغارهم دعاميص الجنة، يلقى أحدهم أباه فيأخذ بناحية ثوبه فلا يفارقه حتى يدخله الجنة، وحديث قرة المزني عند أحمد، وحديث علي عند ابن ماجه، وحديث معاذ بن جبل عند أحمد، وحديث ابن مسعود عند الترمذي، وابن ماجه وستأتي هذه الأحاديث في الفصل الثالث، وكحديث جابر بن سمرة عند الطبراني، وفيه ناصح بن عبد الله وهو ضعيف جداً، قاله الحافظ في

стр. 2435

رواه مسلم. وفي رواية لهما: ((ثلاثة لم يبلغوا الحنث)) . ١٧٤٥- (١٠) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقول الله: ما لعبدي المؤمن عند جزاء إذا قضبت صفيه من أهل الدنيا ــ الفتح. وقال الهيثمي: هو متروك، وقد سرد العيني في باب فضل من مات له ولد فاحتسب أحاديث أخرى، وكذا الهيثمي في مجمع الزوائد في باب من مات له واحد، ويدل على ذلك أيضاً حديث أبي هريرة الذي بعد هذا، فإن قوله "صفية" يدخل فيه الواحد فما فوقه، وهو أصح ما ورد في ذلك. (رواه مسلم) في البر والصلة وأخرجه أيضاً البيهقي. (وفي رواية لهما) أي للشيخين (ثلاثة لم يبلغوا الحنث) يعني في اللفظ المتقدمة ثلاثة مطلق، وفي رواية لهما ثلاثة مقيدة بهذا الوصف، والحنث بكسر المهملة وسكون النون آخره مثلثة: الإثم والذنب، قال تعالى: ﴿وكانوا يصرون على الحنث العظيم﴾ [الواقعة:٤٦] ، يعني لم يبلغوا سن التكليف الذي يكتب فيه الإثم والذنب، وقيل: المعنى لم يبلغوا مبلغ الرجال حتى يجري عليهم القلم فيكتب عليهم الحنث والإثم. قال الخليل: بلغ الغلام الحنث إذا جرى عليه القلم والحنث الإثم، وقيل: المراد بلغ إلى زمان يؤخذ بيمينه إذا حنث. وقال الراغب: عبر بالحنث عن البلوغ لما كان الإنسان يؤخذ بما ارتكبه فيه بخلاف ما قبله، وخص الإثم بالذكر لأنه الذي يحصل بالبلوغ؛ لأن الصبي قد يثاب، وخص الصغير بذلك لأن الشفقة عليه أعظم والحب له أشد والرحمة له أوفر، وعلى هذا فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة، وبهذا صرح كثير من العلماء وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصور منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، بخلاف الصغير فإنه لا يتصور منه ذلك إذ ليس بمخاطب، لكن قال الزين بن المنير والعراقي في شرح تقريب الأسانيد: بل يدخل البالغون في ذلك بطريق الفحوى؛ لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كَلٌّ على أبويه فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي! ولا ريب أن التفجع على فقد الكبير أشد والمصيبة أعظم، لا سيما إذا كان نجيباً يقوم عن أبيه بأموره ويساعده في معيشته، وهذا معلوم مشاهد. قال الحافظ ويقوي الأول قوله في آخر حديث أنس: بفضل رحمته إياهم؛ لأن الرحمة للصغار أكثر لعدم حصول الإثم منهم-انتهى. ١٧٤٥- قوله: (ما لعبدي) أي ليس لعبدي (جزاء) أي ثواب. (إذا قبضت صفيه) بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد التحتانية، وهو الحبيب المصافي، كالولد والأخ، وكل من يحبه الإنسان. قال في النهاية: صفي الرجل الذي يصافيه الود ويخلصه له، فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت. (من أهل الدنيا) قال الطيبي: إنما قيده بذلك ليؤذن بأن الصفي إذا كان من أهل الآخرة كان جزاؤه وراء الجنة وهو رضوان

стр. 2436

ثم احتسبه إلا الجنة)) . رواه البخاري. ﴿الفصل الثاني﴾ ١٧٤٦- (١١) عن أبي سعيد الخدري قال: ((لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة)) رواه أبوداود. ــ الله تعالى ورضوان من الله أكبر-انتهى. قال القاري: وتعقبه ابن حجر بما لا طائل تحته، وجعله بياناً للواقع. (ثم احتسبه) ، أي صبر على فقد صفيه وقبض روحه راجياً الأجر من الله تعالى على ذلك، وأصل الحسبة بالكسر الأجر، والاحتساب طلب الأجر من الله تعالى خالصاً. (إلا الجنة) متعلق بقوله "ما لعبدي المؤمن". قال القاري: بالنصب والرفع أي ماله جزاء إلا الجنة، ويؤخذ من هذا الحديث أن الثواب المترتب على الثلاثة والاثنين مرتب على الواحد، كما في رواية أخرى-انتهى. قال الحافظ: استدل به ابن بطال على أن من مات له ولد واحد يلتحق بمن مات له ثلاثة، وكذا اثنان، وأن قول الصحابي في بعض الروايات: ولم نسأله عن الواحد، لا يمنع من حصول الفضل لمن مات له واحد، فلعله ﷺ سئل بعد ذلك عن الواحد فأخبر بذلك، أو أعلم بأن حكم الواحد حكم ما زاد عليه. قال الحافظ: وجه الدلالة من الحديث أن الصفي أعم من أن يكون ولداً أم غيره. وقد أفرد ورتب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه، ويدخل في هذا ما أخرجه أحمد والنسائي من حديث قرة بن إياس: أن رجلاً كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابن له، فقال: أتحبه؟ قال: نعم، ففقده، فقال: ما فعل فلان؟ قالوا: يا رسول الله! مات ابنه، فقال: ألا تحب أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟ فقال رجل: يا رسول الله! أله خاصة أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم، وسنده على شرط الصحيح، وقد صححه ابن حبان والحاكم-انتهى. وسيأتي هذا الحديث في الفصل الثالث. (رواه البخاري) في باب العمل الذي يبتغى به وجه الله تعالى من أوائل الرقاق، والحديث من إفراده. ١٧٤٦- قوله: (لعن رسول الله ﷺ النائحة) النوح هو رفع الصوت بتعديد شمائل الميت ومحاسن أفعاله، والحديث دليل على تحريم ذلك، وهو مجمع عليه. قال القاري: يقال: ناحت المرأة على الميت إذا ندبته، أي بكت عليه وعددت محاسنه. وقيل: النوح بكاء مع الصوت. والمراد بها التي تنوح على الميت أو على ما فاتها من متاع الدنيا، فإنه ممنوع منه في الحديث. وأما التي تنوح على معصيتها فذلك نوع من العبادة. وخص النائحة لأن النوح يكون من النساء غالباً. (والمستمعة) أي التي تقعد السماع ويعجبها، كما أن المستمع والمغتاب شريكان في الوزر، والمستمع والقاري مشتركان في الأجر. (رواه أبوداود) وأخرجه أحمد والبيهقي (ج٤:ص٦٣) قال

стр. 2437

١٧٤٧- (١٢) وعن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجب للمؤمن: إن أصابه خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر، والمؤمن يؤجر في كل أمره حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته)) . ــ المنذري: في إسناده محمد بن الحسن بن عطية العوفي عن أبيه عن جده، وثلاثتهم ضعفاء-انتهى. وقال الحافظ في التلخيص بعد عزوه لأحمد ما لفظه: واستنكره أبوحاتم في العلل، ورواه الطبراني والبيهقي من حديث عطاء عن ابن عمر، ورواه ابن عدي من حديث الحسن عن أبي هريرة، وكلها ضعيفة. ١٧٤٧- قوله: (عجب) أي أمر غريب وشأن عجيب. (للمؤمن) أي الكامل، وقال الطيبي: أصله أعجب عجباً. فعدل من النصب إلى الرفع للثبات، كقولك: سلام عليك. قيل: ومن ثم كان سلام إبراهيم في قوله: ﴿قالوا سلاماً قال سلام﴾ [هود:٦٩] أبلغ من سلام الملائكة، كذا في المرقاة. وذكر السيوطي هذا الحديث في الجامع الصغير بلفظ: عجبت للمسلم، وعزاه للطيالسي والبيهقي في الشعب. ثم بين وجه العجب بقوله: (إن أصابه خير) كصحة وسلامة، ومال وولد وجاه. (حمد الله وشكر) على نعمة الخير ودفع الشر. (وإن أصابته مصيبة) أي بلية ومحنة. (حمد الله وصبر) على حكم ربه واحتسب. قال القاري: وفيه إشارة إلى أن الإيمان نصفه صبر، ونصفه شكر، قال تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ [إبراهيم:٥] . وقال ابن الملك: قوله "إن أصابته مصيبة حمد الله" أي حمده عندها لعلمه بما يثاب عليه من الثواب العظيم، والثواب نعمة، فحمد الله لذلك يدل على أن الحمد محمود عند النعمة وعند المصيبة-انتهى. وقد يقال: معناه حمده على سائر نعمه، ولذلك ذكره في الحالين لقوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم:٣٤] . أو حمده على أن المصيبة ليست في دينه، أو على أنه ما دفع أكبر أو أكثر منها. قال المظهر: وتحقق الحمد عند المصيبة؛ لأنه يحصل بسببها ثواب عظيم، وهو نعمة تستوعب الشكر عليها. قال الطيبي: وتوضيحه قول القائل: فإن مس بالنعماء عم سرورها وإن مس بالضراء أعقبه الأجر ويحتمل أن يراد بالحمد الثناء على الله بقوله: ﴿إن لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة:١٥٦] انتهى. (والمؤمن يؤجر) بالهمزة ويبدل فيهما، أي المؤمن الكامل يثاب. (في كل أمره) أي شأنه من الصبر والشكر وغيرهما حتى في أمور المباح. قيل: المراد بالأمر هنا الخير، فالمباح ينقلب خيراً بالنية والقصد. (حتى اللقمة يرفعها إلى في امرأته) أي فمها. في الحديث دليل على أن المباحات وإن كان يرى كل واحد منها في الظاهر من قبيل حظ النفس، لكنها باشتمالها على نية التقريب إلى الله تصير عبادات، ويؤجر فاعلها على حسب نيته ببركة إيمانه. قال الطيبي: الفاء جزاء شرط مقدر، يعني إذا أصابته نعمة فحمد أجر،

стр. 2438

رواه البيهقي في شعب الإيمان. ١٧٤٨- (١٣) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مؤمن إلا وله بابان: باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، ــ وإذا أصابته مصيبة فصبر أجر، فهو مأجور في كل أموره حتى في الشهوانية ببركة إيمانه، وإذا قصد بالنوم زوال التعب للقيام إلى العبادة عن نشاط كان النوم طاعة، وعلى هذا الأكل وجميع المباحات. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وأخرجه النسائي في اليوم والليلة، وفيه عمر بن سعد بن أبي وقاص وهو صدوق، لكنه مقته الناس، لكونه كان أميراً على الجيش الذي قتلوا الحسين بن علي. قال القاري: قد يقال: إنه لم يباشر قتله، ولعل حضوره مع العسكر كان بإكراه، أو ربما حسن حاله وطاب مآله. والحديث ظاهر صحته مبنى ومعنى، ولا يتعلق به حكم من الأحكام ديناً ودنياً. قلت: وللحديث شواهد: منها ما رواه أحمد ومسلم من حديث صهيب الرومي مرفوعاً: عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له، ومنها ما رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري عن أبي الدرداء مرفوعاً: إن الله عزوجل قال: ياعيسى! إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا الله، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم، فقال: يا رب! كيف يكون هذا؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي. ١٧٤٨- قوله: (وله) أي مختص به. (بابان) أي من السماء. (يصعد) بفتح الياء وتضم أي يطلع ويرفع. (عمله) أي الصالح إلى مستقر الأعمال. وهو محل كتابتها في السماء بعد كتابتها في الأرض. وفي إطلاقه العمل إشعار بأن عمله كله صالح. (ينزل) بصيغة الفاعل أو المفعول. (رزقه) أي الحسي أو المعنوي إلى مستقر الأرزاق من الأرض. (بكيا) أي البابان. (عليه) أي على فراقه؛ لأنه انقطع خيره منهما، بخلاف الكافر، فإنهما يتأذيان بشره فلا يبكيان عليه، قاله ابن الملك. وهو ظاهر موافق لمذهب أهل السنة على ما نقله البغوي أن للأشياء كلها علماً بالله، ولها تسبيح ولها خشية وغيرها. وقيل: أي بكى عليه أهلهما من الملائكة والناس، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقال الطيبي: الكشاف هذا تمثيل وتخييل مبالغة في فقدان من درج وانقطع خيره، وكذلك ما روي عن ابن عباس من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في الأرض ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل، ونفي ذلك في قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ [الدخان:٢٩] تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده، فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض-انتهى. وهو مخالف لظاهر الآية والحديث، ولا وجه للعدول لمجرد

стр. 2439

فذلك قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ ) . رواه الترمذي. ١٧٤٩- (١٤) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة، فقالت عائشة: فمن كان له فرط من أمتك؟ قال: ومن كان له فرط يا موفقة! فقالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: فأنا فرط أمتي، لن يصابوا بمثلي)) . رواه الترمذي. ــ مخالفته لظاهر العقول، كذا في المرقاة. (فذلك) أي مفهوم الحديث أو مصداقه (قوله تعالى) في سورة الدخان: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ بقية الآية ﴿وما كانوا منظرين﴾ [الدخان:٢٩] . قال ابن كثير: أي لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم، فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم. (رواه الترمذي) في تفسير سورة الدخان، وقال: حديث غريب، وأخرجه أبويعلى وابن أبي حاتم وغيرهما، وفي سنده عندهم موسى بن عبيدة الربذي ويزيد بن إبان الرقاشي، قال الترمذي: يضعفان في الحديث-انتهى. وفي الباب عن شريح بن عبيد الحضرمي مرسلاً مرفوعاً عند ابن جرير، وعن علي عند ابن أبي حاتم، وعن ابن عباس عند ابن جرير موقوفاً من قولهما، ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره. ١٧٤٩- قوله: (من كان له فرطان) بفتحتين أي ولدان لم يبلغا أوان الحلم بل ماتا قبله، يقال: فرط إذا تقدم وسبق فهو فارط. والفرط هنا الولد الذي مات قبله، فإنه يتقدم يهنئ لوالديه نزلاً ومنزلاً في الجنة، كما يتقدم فراط القافلة إلى المنازل، فيعدون لهم ما يحتاجون إليه من الماء والمرعى وغيرهما. قال الطيبي: الفرط بالتحريك من يتقدم القافلة، فيطلب الماء والمرعى، ويهيئ لهم ما يحتاجون إليه في المنزل، فعل بمعنى فاعل يستوي فيه الواحد والجميع مثل تبع وتابع. المعنى الطفل المتوفى يتقدم والديه، فيهئ لهما في الجنة منزلاً ونزلاً، كما يتقدم فراط القافلة، فيعدون لهم ما يفتقرون إليه من الأسباب، ويهيئون لهم المنازل. (من أمتي) بيان لمن. (فمن كان له فرط من أمتك) أي فما حكمه أو فهل له هذا الثواب؟ (قال: ومن كان له فرط) أي فكذلك. (يا موفقة) أي في الخيرات وللأسئلة الواقعة موقعها شفقة على الأمة. وقيل: أي الحريصة على تعلم الشرائع. وقال الطيبي: يعني وفقك الله تعالى للسؤال، حتى تفضل على العباد، وسهل عليهم حصول ذلك المعنى من ولد واحد، حتى يفضل من لا ولد له بفرط مثلي، ونعم الفارط أنا. (فمن لم يكن له فرط من أمتك) أي فما حاله. (فأنا فرط أمتي) أي سابقهم وإلى الجنة بالشفاعة سائقهم، بل أنا أعظم من كل فرط، فإن الأجر على قدر المشقة. (لن يصابوا) أي أمتي. (بمثلي) أي بمثل مصيبتي لهم، فإن مصيبتي أشد عليهم من سائر المصائب، فأكون أنا فرطهم. (رواه الترمذي)

стр. 2440

وقال هذا حديث غريب. ١٧٥٠- (١٥) وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ما قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله. ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد)) رواه أحمد، والترمذي. ــ وأخرجه أحمد (ج١:ص٣٣٤٠٣٣٥) والبيهقي. (وقال: هذا حديث غريب) في نسخ الترمذي الموجودة عندنا: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد ربه بن بارق، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة-انتهى. قلت: عبد ربه هذا قال في تهذيب التهذيب في ترجمته: قال أحمد: ما به بأس، وأثنى عليه عمرو بن علي الفلاس خيراً، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال في التقريب: إنه صدوق يخطئ، فالحديث لا ينزل عن درجة الحسن، والله تعالى أعلم. ١٧٥٠- قوله: (إذا مات ولد العبد) أي المؤمن. (قال الله تعالى لملائكته) أي ملك الموت وأعوانه. (قبضتم) بتقدير الاستفهام. (ولد عبدي) أي روحه، فيقول (قبضتم ثمرة فؤاده) أي يقول ثانياً إظهاراً لكمال الرحمة كما أن الوالد العطوف يسأل الفصاد، هل فصدت ولدي، مع أنه بأمره ورضاه. قيل: سمي الولد ثمرة فؤاده؛ لأنه نتيجة الأب كالثمرة للشجرة. (واسترجع) أي قال: إنا لله وإن إليه راجعون. (وسموه بيت الحمد) قال القاري: أضاف البيت إلى الحمد الذي قاله عند المصيبة؛ لأنه جزاء ذلك الحمد. قال الطيبي: مرجع السؤال إلى تنبيه الملائكة على ما أراد الله تعالى من التفضيل على عبده الحاضر لأجل تصبره على المصائب، أو عدم تشكيه، بل إعداده إياها من جملة النعماء التي تستوجب الشكر عليها، ثم استرجاعه وأن نفسه ملك لله، وإليه المصير في العاقبة. قال أولاً: ولد عبدي أي فرع شجرته، ثم ترقى إلى ثمرة فؤاده أي نقاوة خلاصته، فإن خلاصة الإنسان الفؤاد، والفؤاد إنما يعتد به لما هو مكان اللطيفة التي خلق لها وبها شرفه وكرامته، فتحقيق لمن فقد مثل تلك النعمة الخطيرة وتلقاها بمثل ذلك الحمد، أن تكون محموداً حتى المكان الذي يسكن فيه، ولذلك سمي بيت الحمد، والله أعلم-انتهى. (رواه أحمد) (ج٤:ص٤١٥) . (والترمذي) واللفظ له. ولفظ أحمد: قال الله تعالى: يا ملك الموت قبضت ولدي، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم، قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع. قال: ابنوا له بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد. والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه، والبيهقي وحسنه الترمذي.

стр. 2441

١٧٥١- (١٦) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عزى مصاباً، فله مثل أجره)) . رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث علي بن عاصم الراوي، وقال: رواه بعضهم عن محمد بن سوقة بهذا الإسناد موقوفاً. ــ ١٧٥١- قوله: (من عزى) من التعزية أي سلى. (مصاباً) أي بأي شيء كان أعم من فقد الولد وغيره. قال القاري: من عزى مصاباً أي ولو بغير موت بالمأتي لديه أو بالكتابة إليه بما يهون المصيبة عليه، ويحمله على الصبر بوعد الأجر أو بالدعاء له بنحو: أعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقك الشكر. (فله) أي للمعزي. (مثل أجره) أي نحو المصاب على صبره؛ لأن الدال على الخير كفاعله. وقيل: إن من حمله على العزاء بالمد وهو الصبر فله لأجل هذه التعزية ثواب مثل ثواب المصاب لأجل صبره في المصيبة. (رواه الترمذي وابن ماجه) وأخرجه البيهقي في السنن (ج٤:ص٥٩) كلهم من طريق علي بن عاصم عن محمد بن سوقة عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله، وأخرجه أيضاً الحاكم والخطيب وغيرهما من طرق عن ابن سوقة. (وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث علي بن عاصم) . وقال البيهقي: تفرد به علي بن عاصم، وهو أحد ما أنكر عليه واعترض عليه بأنه قد تابعه عن ابن سوقة عبد الحكيم بن منصور وشعبة وإسرائيل ومحمد بن الفضل بن عطية وعبد الرحمن بن مالك بن مغول والحارث بن عمران وغيرهم، لكن قال الخطيب: ليس شيء منها ثابتاً، ولذلك قال الزركشي في تخريج أحاديث الرافعي: وهذه المتابعات لا ترد على البيهقي لضعف أسانيدها. (الراوي) بسكون الياء. وعلي بن عاصم هذا هو علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، أبوالحسن التيمي مولاهم، صدوق يخطئ ويصر، مات سنة (٢٠١) وقد جاوز التسعين، كذا في التقريب، وسيأتي ذكر شيء من الكلام عليه في شرح كلام الترمذي الآتي. (وقال) أي الترمذي: (رواه بعضهم عن محمد بن سوقة) بضم المهملة، الغنوي الكوفي، ثقة مرضي عابد. (بهذا الإسناد موقوفاً) أي على ابن مسعود. وتمام كلام الترمذي: ويقال: أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم، بهذا الحديث نقموا عليه. وقال الخطيب: هذا الحديث مما أنكر الناس على علي بن عاصم، وكان أكثر كلامهم فيه بسببه، وقال يعقوب بن شيبة: هذا حديث كوفي منكر، يرون أنه لا أصل له، لا نعلم أحداً أسنده، ولا أوقفه غير علي بن عاصم، وقد رواه أبوبكر النهشلي، وهو صدوق ضعيف الحديث عن محمد بن سوقة فلم يجاوز به محمداً، وقال: يرفع الحديث، قال يعقوب: وهذا الحديث من أعظم ما أنكره الناس على علي بن عاصم، وتكلموا فيه مع ما أنكر عليه سواه-انتهى. ويحكى عن أبي داود قال: عاتب يحيى بن سعيد القطان علي بن عاصم في وصل هذا

стр. 2442

الحديث. وإنما هو عدهم منقطع. وقال: إن أصحابك الذين سمعوه معك لا يسندونه، فأبى أن يرجع. والحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وقال: تفرد به علي بن عاصم عن محمد بن سوقة، وقد كذبه شعبة ويحيى بن معين ويزيد بن هارون. قال السيوطي في تعقباته (ص٢٤-٢٥) : أخرجه الترمذي وابن ماجه من طريقه. وقال الترمذي: أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم، بهذا الحديث نقموا عليه. وقال الذهبي: أبلغ ما شنع به عليه هذا الحديث، وهو مع ضعفه صدوق في نفسه، وله صورة كبيرة في زمانه، وقد تابعه على هذا الحديث ضعفاء، وقد وثقه جماعة، فقال يعقوب بن شيبة: كان من أهل الدين والصلاح والخير البارع، وكان شديد التوقي، أنكر عليه كثرة الغلط مع تماديه على ذلك. وقال وكيع: ما زلنا نعرفه بالخير، فخذوا الصحاح من حديثه، ودعوا الغلط. وقال أحمد بن حنبل: أما أنا فأحدث عنه، كان فيه لجاج ولم يكن متهماً. وقال الفلاس: صدوق. وقد أخرجه الحاكم والبيهقي في الشعب من طريق معمر بن عن ابن سوقة، وأخرجه البيهقي أيضاً من طريق عبد الحكيم بن منصور الخزاعي عن ابن سوقة، وعبد الحكيم من رجال الترمذي، وهو ضعيف أيضاً. وأخرجه ابن أبي الدنيا في العزاء من طريق عبد الرحمن بن مالك بن مغول عن ابن سوقة، وعبد الرحمن متروك. وقال الخطيب: تابع علي بن عاصم على هذا الحديث جماعة، منهم الحارث بن عمران الجعفري. وقال الحافظ في تخريج أحاديث الرافعي: كل المتابعين له أضعف منه بكثير، وليس فيها رواية يمكن التعلق بها إلا طريق إسرائيل، فقد ذكره صاحب الكمال من طريق وكيع عنه. ولم أقف على إسنادها بعد-انتهى. وقال الصلاح العلائي: علي بن عاصم أحد الحفاظ المكثرين، ولكن له أوهام كثيرة تكلموا فيه بسببها، ومن جملتها هذا الحديث، وقد تابعه عليه عن ابن سوقة: عبد الحكيم بن منصور، لكنه ليس بشيء. قال فيه ابن معين والنسائي: متروك. وقد رواه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن وكيع عن قيس بن الربيع عن محمد بن سوقة، وإبراهيم بن مسلم هذا ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يتكلم فيه أحد، وقيس بن الربيع صدوق متكلم فيه، لكن حديثه يؤيد رواية علي بن عاصم، ويخرج به عن يكون ضعيفاً واهياً فضلاً عن أن يكون موضوعاً-انتهى. وقال الزركشي في تخريج أحاديث الرافعي بعد ذكر المتابعات المذكورة: وهذا كله يرد على ابن الجوزي حيث ذكر الحديث في الموضوعات-انتهى. وللحديث شواهد: منها حديث جابر بهذا اللفظ، وهو أضعف منه، رواه ابن عدي وابن أبي الدنيا من طريق محمد بن عبيد الله العزرمي عن أبي الزبير عن جابر، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وأعله بالعزرمي، ومنها حديث عمرو بن حزم مرفوعاً: ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبته إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة، أخرجه ابن ماجه، وحسنه النووي. ومنها حديث أبي برزة الآتي: هذا. وقد بسط السيوطي الكلام على حديث ابن

стр. 2443

١٧٥٢- (١٧) وعن أبي برزة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عزى ثكلى كسي برداً في الجنة)) . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. ١٧٥٣- (١٨) وعن عبد الله بن جعفر، قال: ((لما جاء نعي جعفر، قال النبي ﷺ : اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم)) ــ مسعود في اللآلئ المصنوعة (ج٢:ص٢٢٥-٢٢٦) من أحب الاطلاع عليه رجع إليه. ١٧٥٢- قوله: (من عزى ثكلى) بفتح المثلثة مقصوراً أي المرأة التي فقدت ولدها. (كسي) بصيغة المجهول. (برداً) بضم الباء أي ثوباً عظيماً مكافأة له على تعزيتها. قال المناوي في شرح الجامع الصغير: لا يعزى المرأة الشابة إلا زوجها أو محرمها. (رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب) وليس إسناده بالقوي؛ لأن فيه مسنية ابنة عبيد بن أبي برزة، وهي مجهولة، قال الحافظ في التقريب: لا يعرف حالها. ١٧٥٣- قوله: (وعن عبد الله بن جعفر) أي ابن أبي طالب. (لما جاء نعي جعفر) بفتح النون وسكون العين، أي خبر موته بموتة، وهي موضع عند تبوك، سنة ثمان. (اصنعوا لآل جعفر طعاماً) فيه أنه ينبغي للأقرباء أن يرسلوا إلى أهل الميت طعاماً لاشتغالهم عن أنفسهم يما دهمهم من المصيبة. قال الترمذي. وقد كان بعض أهل العلم يستحب أن يوجه إلى أهل الميت بشيء لشغلهم بالمصيبة، وهو قول الشافعي. (ما يشغلهم) بفتح الياء والغين. وقيل: بضم الأول وكسر الثالث. قال في القاموس: شغله كمنعه شغلاً ويضم، وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة. والمعنى جاءهم ما يمنعهم من الحزن تهيئة الطعام لأنفسهم، فيحصل لهم الضرر وهم لا يشعرون. قال الطيبي: دل على أنه يستحب للأقارب والجيران تهيئة طعام لأهل الميت-انتهى. قال ابن العربي في شرح الترمذي: والحديث أصل في المشاركات عند الحاجة، وصححه الترمذي. والسنة فيه أن يصنع في اليوم الذي مات فيه، لقوله ﷺ : "فقد جاءهم ما يشغلهم عن حالهم، فحزن موت وليهم اقتضى أن يتكلف لهم عيشهم"، وقد كانت للعرب مشاركات ومواصلات في باب الأطعمة باختلاف أسباب وفي حالات جماعها-انتهى. قال القاري: والمراد طعام يشبعهم يومهم وليلتهم، فإن الغالب أن الحزن الشاغل عن تناول الطعام لا يستمر أكثر من يوم، ثم إذا صنع لهم ما ذكر سن أن يلح عليهم في الأكل لئلا يضعفوا بتركه استحياء أو لفرط جزع-انتهى. وقال ابن المهام: ويستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم؛ لقوله ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعاماً"، وقال: يكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت؛ لأنه شرع في السرور لا في الشرور، وهي بدعة مستقبحة-انتهى. وقال القاري: واصطناع أهل الميت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروه، بل صح عن جرير

стр. 2444

رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه. ــ ﵁، كنا نعده من النياحة، وهو ظاهر في التحريم-انتهى. قلت: حديث جرير بن عبد الله البجلي هذا أخرجه أحمد وابن ماجه بلفظ: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. قال السندي: قوله "كنا نعد" الخ. هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير النبي ﷺ ، وعلى الثاني فحكمه الرفع على التقديرين فهو حجة، ثم نقل عن البوصيري أنه قال في الزوائد: إسناده صحيح-انتهى. فإن قيل: حديث جرير هذا مخالف لما سيأتي في آخر باب المعجزات من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة. فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه، فلما رجع استقبله داعي امرأته فأجاب، ونحن معه، فجيء بالطعام فوضع يده، ثم وضع القوم، فأكلوا-الحديث. رواه أبوداود والبيهقي في دلائل النبوة. فقوله: "فلما رجع استقبله داعي امرأته" الخ صريح في أن رسول الله ﷺ أجاب دعوة أهل بيت الميت، واجتمع هو وأصحابه بعد دفنه، وأكلوا مما صنعه أهل الميت له ولأصحابه، فإن الضمير المجرور في امرأته راجع إلى ذلك الميت الذي خرج رسول الله ﷺ في جنازته، فما وجه التوفيق بين هذين الحديثين؟ قلت: منشأ المخالفة بين الحديثين هو قوله: "داعى امرأته" أي بإضافة لفظ امرأة إلى الضمير المجرور، وهو غلط. والصواب داعي امرأة منوناً أي بغير الإضافة وإسقاط الضمير المجرور. والدليل عليه أنه وقع في سنن أبي داود "داعي امرأة" بغير الإضافة، أي بإسقاط الضمير، وهكذا ذكره الجزري في جامع الأصول (ج١٢:ص٦٥) نقلاً عن سنن أبي داود، وروى هذا الحديث أحمد في مسنده (ج٥:ص٢٩٣) ، وقد وقع فيه أيضاً "داعي امرأة" بغير الإضافة" بل زاد فيه بعد "داعي امرأة" لفظ "من قريش"، وهكذا وقع في السنن للدارقطني (ص٥٤٥) ولفظه: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة، فلما انصرف تلقاه داعي امرأة من قريش. وفي رواية له عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من مزينة قال: صنعت امرأة من المسلمين من قريش لرسول الله ﷺ طعاماً فدعته وأصحابه الخ. ورواه البيهقي في السنن الكبرى (ج٦:ص٩٧) بلفظ: صنعت امرأة من قريش لرسول الله ﷺ طعامه، فدعته وأصحابه. ورواه الطحاوي في شرح الآثار (ج٢:ص٣٢٠) بلفظ: إن رجلاً من الأنصار كان مع النبي ﷺ في جنازة، فلقيه رسول امرأة من قريش يدعوه إلى الطعام، وهذا كله يدل على أن الصحيح في حديث عاصم بن كليب هذا لفظ "داعي امرأة" منوناً، أي بغير إضافة امرأة إلى الضمير المجرور، بل بإسقاط الضمير، وعلى هذا فلا مخالفة بين الحديثين، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى التفكر والتأمل. (رواه الترمذي) وحسنه. (وأبوداود) وسكت عنه، ونقل المنذري عن الترمذي أنه قال: هذا حديث حسن صحيح، وأقر تصحيحه. (وابن ماجه) وأخرجه

стр. 2445

﴿الفصل الثالث﴾ ١٧٥٤- (١٩) عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله ﷺ يقول: ((من نيح عليه، فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة)) . ــ أيضاً الشافعي وأحمد (ج١:ص٢٠٥) والدارقطني (ص١٩٤) والحاكم (ج١:ص٣٧٢) وصححه ابن السكن والحاكم وأقره الذهبي، وأخرجه أحمد (ج٦:ص٣٧٠) والطبراني وابن ماجه من حديث أسماء بنت عميس، وهي والدة عبد الله بن جعفر، وفي سنده امرأتان مجهولتان. ١٧٥٤- قوله: (من نيح عليه) بكسر النون وسكون التحتية وفتح الحاء مبنياً للمفعول من الماضي. (بما نيح عليه) الباء سببية و"ما" مصدرية أي بسبب النياحة عليه، ويؤيده رواية الطبراني بلفظ: إذا نيح على الميت عذب بالنياحة عليه، ورواه أحمد (ج٤:ص٢٤٥) عن علي بن ربيعة الأسدي. قال: مات رجل من الأنصار يقال له قرظة بن كعب فنيح عليه. (وهو أول من نيح عليه بالكوفة) ، فخرج المغيرة بن شعبة فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال النوح في الإسلام، ثم قال: ألا إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن كذباً علي ليس ككذب على أحد، ألا ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ألا وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من يُنَح عليه يعذب بما يناح به عليه. وفي الحديث دليل على أن المراد من البكاء في حديث ابن عمر هو النوح والندب لا مطلق البكاء. وفيه دليل على تحريم النياحة. قيل: ويحتمل أن يكون الجار والمجرور حالاً، "وما" موصولة أي يعذب متلبساً بما يندب عليه من الألفاظ كياجبلاه وياكهفاه ونحوهما على سبيل التهكم، كما في حديث النعمان الآتي. ويحتمل أن الباء للآلة، و"ما" موصولة، وتلك الألفاظ تجعل آلة للعذاب حيث تذكر له توبيخاً وتقريعاً عليه. (يوم القيامة) فيه رد على من ذهب إلى التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة، فحمل قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الإسراء:١٥] على يوم القيامة. وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ خاصة. وظاهر حديث المغيرة وحديث عمر وابنه المذكور بعده أن الميت يعذب بسبب النياحة عليه. واختلف العلماء في ذلك على مذاهب: أحدها: أنه على ظاهره مطلقاً، ذهب إليه جماعة من السلف، منهم عمر، وهو بين من قصته مع صهيب، كما سيأتي في حديث عبد الله بن أبي مليكة، ومنهم عبد الله بن عمر، كما رواه عبد الرزاق. الثاني: لا مطلقاً، فرد أهل هذا القول حديث المغيرة وما أشبهه، وعارضوه بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وممن روي عنه الإنكار مطلقاً أبوهريرة، كما رواه أبويعلى من طريق بكر بن عبد الله المزني قال: قال أبوهريرة: والله! لئن انطلق مجاهد في سبيل الله فاستشهد، فعمدت إمرأته سفهاً وجهلاً فبكت عليه ليعذب هذا الشهيد بذنب

стр. 2446

هذه السفيهة. الثالث: أن الباء للحال، أي إنه يعذب حال بكائهم عليه، والتعذيب عليه من ذنبه لا بسب البكاء، يعني أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أن شدة بكائهم غالباً إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يسأل ويبتدأ به عذاب القبر، فكان معنى الحديث: أن الميت يعذب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاءهم سبباً لتعذيبه. قال العيني: حكى الخطابي عن بعض أهل العلم أنه ذهب إلى أنه مخصوص ببعض الأموات الذين وجب عليه العذاب بذنوب اقترفوها، وجرى من قضاء الله سبحانه فيهم أن يكون عذابه وقت البكاء عليهم. ومعنى قوله: "يعذب ببكاء أهله" أي عند بكائهم عليه لاستحقاقه ذلك بذنبه، ويكون ذلك حالاً لا سبباً. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلف، ولعل قائله إنما أخذه من قول عائشة: إنما قال رسول الله ﷺ : إنه ليعذب بمعصيته أو بذنبه، وإنه ليبكون عليه الآن، أخرجه مسلم، وعلى هذا يكون خاصاً ببعض الموتى. الرابع: أنه خاص بالكافر، وأن المؤمن لا يعذب بذنب غيره أصلاً، وهو بين من رواية ابن عباس عن عائشة حيث قالت: يرحم الله عمر، والله! ما حدث رسول الله ﷺ أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، ولكن إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه. الخامس: أن المراد بالميت ميت معهود معين. قال الحافظ: ومنهم من أوله على أن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لمعهود معين، كما جزم به القاضي أبوبكر الباقلاني وغيره. وحجتهم ما سيأتي في رواية عمرة عن عائشة. قال الحافظ بعد ذكر هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة ما لفظه: وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم ترد حديث أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه بحديث آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن. قال الداودي: رواية ابن عباس عن عائشة بلفظ: إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، بينت ما نفته عمرة وعروة عنها إلا أنها خصته بالكافر؛ لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذاباً ببكاء أهله، فأي فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء. وقال القرطبي: إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضاً ولم يسمع بعضاً بعيد؛ لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح، وقد جمع كثير من أهل العلم بين حديثي عمر وعائشة بضروب من الجمع، كما ستعرف. السادس: أنه خاص بمن كان النوح من سنته وطريقته، وهذا أحد وجوه الجمع، وعليه البخاري حيث قال في صحيحه: باب قول النبي ﷺ : يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته، لقول الله تعالى: ﴿قو أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ [التحريم:٦] . وقال النبي ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) ، فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة: ﴿ولا تزر وازرة وزرا أخرى﴾ الخ. السابع أنه فيمن أوصى به أهله وهو أخص من الذي قبله، وهذا قول

стр. 2447

الجمهور، كما قال النووي.، قالوا كان ذلك معروفاً من العرب، فإنهم كانوا يوصون أهليهم بالبكاء والنوح عليهم، وهو موجود في أشعارهم، كقول طرفة بن العبد: إذا مت فابكيني بما أنا أهله ... وشق علي الجيب يا ابنة معبد ومثل هذا كثير في أشعارهم، وإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة بما تقدم في ذلك من أمره إياهم بذلك وقت حياته، واعترض بأن ذنب الميت الأمر بذلك، فلا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه وأجيب بأن الذنب على السبب يعظم بوجود المسبب. شاهده حديث: من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها. الثامن: أنه فيمن لم يوص بتركه، فتكون الوصية بذلك واجبة إذا علم أن من شأن أهله أن يفعلو ذلك، وهو قول داود وطائفة. قال ابن المرابط: إذا علم المرء ما جاء في النهي عن النوح، وعرف أن أهله من شأنهم أن يفعلوا ذلك، ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده. التاسع: أن المراد بالتعذيب توبيخ الملائكة بما يندبه أهله به، كما روى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعاً: الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: وا عضداه، وا ناصراه، وا كاسياه، جبذ الميت. وقيل له: أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها. ورواه ابن ماجه بلفظ: يتعتع به، ويقال: أنت كذلك. ورواه الترمذي بلفظ آخر كما سيأتي. وشاهده حديث النعمان بن بشير، وسيأتي أيضاً. العاشر: معنى التعذيب تألم الميت مما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهذا اختيار أبي جعفر الطبري وابن المرابط وعياض ومن تبعه، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستدلوا لذلك بما أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة، والطبراني وغيرهم من حديث قَبْلَة، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليبكي فيسعتبر إليه صويحبه، فيا عباد الله! لا تعذبوا موتاكم. قال الحافظ: هو حسن الإسناد. قال الطبراني: ويؤيده ما قال أبوهريرة: إن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم ثم ساقه بإسناد صحيح إليه، وشاهده حديث النعمان بن بشير مرفوعاً، أخرجه البخاري في تاريخه، وصححه الحاكم. قال ابن المرابط: حديث قيلة نص في المسألة فلا يعدل عنه واعترضه ابن رشيد بأنه ليس نصاً، وإنما هو محتمل، فإن قوله "فيستعير إليه صويحبه" ليس نصاً في أن المراد به الميت، بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحي، وأن الميت يعذب حينئذٍ ببكاء الجماعة عليه. الحادي عشر: أن المراد التعذيب بالصفات التي يبكون بها عليه، وهي مذمومة شرعاً، كما كان أهل الجاهلية يقولون: يأمر مل النسوان، يا مُيَتّم الأولاد، يا مخرب الدور. قال الحافظ: ومن وجوه الجمع أن معنى قوله: يعذب ببكاء أهله عليه أن بنظير ما يبكيه أهله به، وذلك أن الأفعال التي يعدون بها عليه غالباً تكون من الأمور المنهية، فهم يمدحونه بها، وهو يعذب بصنيعه ذلك، وهو عين ما يمدحونه، وهذا إختيار ابن حزم وطائفة. واستدل له بحديث ابن عمر يعني الذي

стр. 2448

متفق عليه. ــ تقدم في الفصل الأول من هذا الباب في قصة شكوى سعد بن عبادة، وفيه "ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه". قال ابن حزم: فصح أن البكاء الذي يعذب به الإنسان ما كان منه باللسان. إذ يندبونه برياسته التي جاء فيها، وشجاعته التي صرفها في غير طاعة الله، وجوده الذي لم يضعه في الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخرة، وهو يعذب بذلك. وقال الإسماعيلي: كثر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال: كل مجتهد على حسب ما قدر له، ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يغيرون ويسبون ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكية بتلك الأفعال المحرمة. فمعنى الخبر أن الميت يعذب بذلك الذي يبكى عليه أهله به؛ لأن الميت يندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر، وهي زيادة ذنب في ذنوبه يستحق العذاب عليها. قال الحافظ بعد ذكر هذه الوجوه الستة الأخيرة للجمع بين الحديثين ما لفظه: ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات، فينزل على اختلاف الأشخاص بأن يقال: مثلاً من كانت طريقته النوح، فمشى أهله على طريقته، أو بالغ فأوصاهم بذلك عذب بصنعه، ومن كان ظالماً فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به. ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها. فإن كان راضياً بذلك إلتحق بالأول، وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية، ثم خالفوه وفعلوا ذلك. كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم، والله تعالى أعلم بالصواب. الثاني عشر: التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الإسراء:١٥] على يوم القيامة، وحديث التعذيب بالبكاء على البرزخ، ذكره الكرماني وحسنه، قال: ويؤيد ذلك أن مثل ذلك يقع في الدنيا، والإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال:٢٥] فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون الحال في البرزخ بخلاف يوم القيامة –انتهى. وفي هذا الجمع نظر، فإنه ينافيه لفظ يوم القيامة في حديث المغيرة بن شعبة فتفكر، وأرجع الأقوال وأحسن المذاهب في ذلك عندي هو قول من قال: إن الحديث المذكور في حق من له في بكاء غيره تسبب، بأن يكون البكاء من طريقته، أو أوصى به في حياته، أو عرف أن أهله يفعلون ذلك وأهمل النهي عن ذلك، وترك الزجر عنه. وأما إذا لم يكن له فيه تسبب أصلاً، فهو كما قالت عائشة: ﴿لا تزر وازرة وزر أخرى﴾ والله تعالى أعلم. (متفق عليه) واللفظ لمسلم. وأخرجه أحمد (ج٤:ص٢٤٥) والترمذي والطبراني والبيهقي (ج:ص٧٢) وفي الباب عن عمر وابن عمر، وسيأتيان، وعن أبي موسى الأشعري عند أحمد، وقد ذكرنا لفظه وعن عمران بن حصين عند ابن عبد البر، وعن سمرة عند أحمد والبزار.

стр. 2449

١٧٥٥- (٢٠) وعن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها قالت: سمعت عائشة، وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: ((إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه، تقول: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها، فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها)) . ــ ١٧٥٥- قوله: (وعن عمرة) بفتح العين المهملة وسكون الميم. (بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، ثقة من أوساط التابعين، كانت في حجر عائشة، أكثرت عنها. قال ابن المديني: عمرة أحد الثقات العلماء بعائشة، الأثبات فيها. وقال ابن حبان: كانت من أعلم الناس بحديث عائشة. وقال سفيان: أثبت حديث عائشة حديث عمرة والقاسم وعروة، ماتت قبل المائة، وقيل بعدها. (وذكر) بصيغة المجهول. (لها) أي لعائشة. (إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه) أي سواء كان الباكي من أهل الميت أم لا، فليس الحكم مختصاً بأهله، وقوله "ببكاء أهله عليه" في الرواية الآتية خرج مخرج الغالب؛ لأن المعروف أنه إنما يبكي على الميت أهله. ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة "من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه"، فرواية الباب عامة في البكاء، وهذه الرواية خاصة في النياحة، فيحمل المطلق على المقيد، وتكون الرواية التي فيها مطلق البكاء محمولة على البكاء بنوح. ويؤيد ذلك إجماع العلماء على حمل ذلك على البكاء بنوح. ومما يدل على أنه ليس المراد عموم البكاء قوله ﷺ في حديث عمر: إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه. فقيد ببعض البكاء، فحمل على ما فيه نياحة جمعاً بين الأحاديث. قال الشوكاني: حكى النووي إجماع العلماء على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء الذي يعذب الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين. (تقول) حال من عائشة. وقيل: مفعول ثان لـ"سمعت" وما بينهما جملة معترضة. (يغفر الله لأبي عبد الرحمن) كنية عبد الله بن عمر، قدمته تمهيداً أو دفعاً لمن يوحش من نسبته إلى النسيان والخطأ، قال الله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة:٤٣] ، فمن استغرب من غيره شيئاً ينبغي أن يوطئ ويمهد له بالدعاء إقامة لعذره فيما وقع منه، وإنه لم يتعمد، ومن ثم زادت على ذلك بياناً واعتذاراً بقولها: (أما) بالتخفيف للتنبيه أو للافتتاح، يؤتي بها لمجرد التأكيد. (أنه) أي ابن عمر. (ولكنه نسي) أي مورده الخاص. (أو أخطأ) أي في إرادته العام. (يبكى عليها) بصيغة المجهول وفي رواية: يبكي عليها أهلها. (إنهم) أي اليهود. (وإنها) أي اليهودية. (لتعذب في قبرها) أي لكفرها في حال بكاء أهلها عليها لا بسبب البكاء. قال القاري: ولا يخفى أن هذا الاعتراض وارد لو لم يسمع

стр. 2450

متفق عليه. ١٧٥٦- (٢١) وعن عبد الله بن أبي مليكة، قال: ((توفيت بنت لعثمان بن عفان بمكة، فجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عباس، فإني لجالس بينهما، فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان وهو مواجهه: ألا تنهى عن البكاء؟ ــ الحديث إلا في هذا المورد، وقد ثبت بألفاظ مختلفة وبروايات متعددة عنه وعن غيره غير مقيدة بل مطلقة، دخل هذا الخصوص تحت ذلك العموم، فلا منافاة ولا معارضة، فيكون اعتراضها بحسب اجتهادها-انتهى. وتقدم قول القرطبي: إن إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان، أو على أنه سمع بعضاً ولم يسمع بعضاً بعيد؛ لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح-انتهى. (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه مالك والترمذي والنسائي وأبوعوانة والبيهقي. ١٧٥٦- قوله: (وعن عبد الله بن أبي مليكة) بالصغير. (بنت لعثمان بن عفان) هي أم أبان، كما صرح به في مسند أحمد وصحيح مسلم والنسائي. (لنشهدها) أي لنحضر صلاتها ودفنها. (وحضرها ابن عمر) بن الخطاب. (وابن عباس) أي وقد حضراها أيضاً، وفي رواية لمسلم: فحضرها ابن عمر وابن عباس. (فإني لجالس بينهما) أي بين ابن عمر وابن عباس. قال الطيبي: الظاهر أن يقال "وإني لجالس" ليكون حالاً، والعامل حضر، والفاء تستدعي الاتصال بقوله: "فجئنا لنشهدها" نقله السيد جمال الدين. قلت: قوله: "فإني لجالس" كذا في جميع النسخ الموجودة الحاضرة عندنا، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج١١:ص٣٩٩) . ووقع في الصحيحين "وإني لجالس" بالواو. وقال ابن حجر: قوله "فإني لجالس" عطف على "فجئنا". وقال القاري: الأظهر أن الفاء دخلت على مقدر، تقديره فبعد حضورها إني لجالس بينهما إشعاراً بكمال الاطلاع على ما نقل عنهما. (لعمرو بن عثمان) أخيها، وهو عمرو بن عثمان بن عفان الأموي يكنى أبا عثمان، مدني ثقة من كبار التابعين. قال الزبير بن بكار: كان أكبر ولد عثمان الذي أعقبوا، وإن معاوية زوجه لما ولي الخلافة ابنته رملة. (وهو) أي ابن عمر. (مواجهه) أي مقابل ابن عثمان. (ألا تنهى) النساء. (عن البكاء) أي بالصياح والنياح. وفي رواية لمسلم وأحمد عن ابن مليكة قال: كنت جالساً إلى جنب ابن عمر، ونحن ننتظر جنازة أم أبان بنت عثمان، وعنده عمرو بن عثمان، فجاء ابن عباس يقوده قائد، فأراه أخبره بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي فكنت بينهما، فإذا صوت من الدار. وفي رواية النسائي والحميدي: فبكى النساء، فظهر السبب في قول ابن عمر لعمرو بن عثمان ما قال. والظاهر أن المكان الذي جلس فيه ابن عباس كان أوفق له من الجلوس يجنب ابن عمر، أو اختار أن لا يقيم ابن أبي مليكة من

стр. 2451

فإن رسول الله ﷺ قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك، ثم حدث، فقال: صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء، فإذا هو يركب تحت ظل سمرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرت، فإذا هو صهيب، قال: فأخبرته، فقال: ادعه، فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحل فالحق أمير المؤمنين، فلما أن أصيب عمر دخل صهيب يبكي، يقول: وا أخاه، وا صاحباه، ــ مكانه ويجلس فيه للنهى عن ذلك. (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) زاد في رواية لمسلم وأحمد وقال: فأرسلها عبد الله مرسلة. قال النووي: معناه أن ابن عمر أطلق في روايته تعذيب الميت ببكاء الحي، ولم يقيده بيهودي كما قيدته عائشة، ولا بوصية كما قيده آخرون، ولا قال ببعض بكاء أهله كما رواه أبوعمر. (فقال ابن عباس) أي معترضاً على ابن عمر بأن عائشة خالفته كأبيه. (قد كان عمر يقول بعض ذلك) أي للعموم، وهو أن يكون بصوت أو ندبة أو يروى أي بعض ذلك الكلام؛ لأن في روايته: ببعض بكاء أهله كما سيأتي. (ثم حدث) أي روى ابن عباس ما سمعه من عمر (صدرت) أي رجعت. (مع عمر من مكة) قافلاً من حجه. (بالبيداء) بفتح الموحدة وسكون التحتية، مفازة بين مكة والمدينة، قاله العيني. وقال القاري: موضع قريب من ذي الحليفة. (فإذا هو) أي عمر "وإذا" للمفاجأة. (بركب) بفتح فسكون أي جماعة راكبين. (تحت ظل سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم، شجرة عظيمة من شجر الغضاة. (فقال) أي عمر. (اذهب فانظر) أي تحقق (صهيب) أي ومن معه بضم الصاد ابن سنان بن قاسط، وكان من السابقين الأولين المعذبين في الله. (قال) أي ابن عباس. (فأخبرته) أي أخبرت عمر بذلك. (ادعه) بضم الهاء أي اطلب صهيباً لي. (فقلت) أي لصهيب. (ارتحل) أي من مكانك. (فالحق) بفتح الحاء، أمر من اللحوق. (أمير المؤمنين) هذا توطئة للمصاحبة والخصوصية الخالصة والمؤاخاة السالفة بين عمر وصهيب. (فلما أن) زائدة. (أصيب عمر) أي بالجراحة التي مات بها، وكان ذلك عقب حجه المذكور، ففي رواية مسلم المذكورة: فلما قدمنا المدينة لم يلبث عمر أن أصيب. وفي رواية الحميدي: لم يلبث أن طعن. (يبكي) حال. (يقول) بدل اشتمال من يبكي، قاله القاري. وقال العيني "يبكي" جملة وقعت حالاً من صهيب، وكذلك يقول "حال"، ويجوز أن يكون من الأحوال المترادفة، وأن يكون من المتداخلة. (وا أخاه وا صاحباه) كلمة "وا" للندبة. والألف في آخره ليس مما يلحق الأسماء الستة لبيان الإعراب، بل هو مما يزاد في آخر المندوب لتطويل مد الصوت، والهاء ليست بضمير، بل هو هاء السكت، وشرط المندوب أن يكون معروفاً، فلا بد من القول بأن

стр. 2452

فقال عمر: يا صهيب! أتبكي علي! وقد قال رسول الله ﷺ : إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله ﷺ أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، ولكن إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، ــ الأخوة والصاحبية له كانا معلومين معروفين حتى يصح وقوعهما للندبة. (أتبكي) بهمزة الاستفهام الإنكاري. (علي) أي بالصوت والندبة، وفي رواية النسائي. فقال عمر: يا صهيب: لا تبك. قال السندي: خاف أن يفضي بكاءه إلى البكاء بعد الموت، وإلا فالحديث في البكاء بعد الموت. (ببعض بكاء أهله عليه) قيده ببعض البكاء، فحمل على ما فيه نوح وندبة جمعاً بين الأحاديث. وقيل: المراد بالبعض ما يكون من وصيته. (فقالت: يرحم الله عمر) قال الطيبي: هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة:٤٣] ، فاستعربت من عمر ذلك القول فجعلت قولها "يرحم الله" تمهيداً ودفعاً لما يوحش من نسبته إلى الخطأ. (لا) أي ليس كذلك. (إن الميت) بكسر الهمزة وتفتح. (ليعذب ببكاء أهله عليه) في البخاري: إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه. وفي مسلم: إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، وفي أخرى له: ما قاله رسول الله ﷺ قط، إن الميت يعذب ببكاء أحد، قال القاري. أي مطلقاً ولا مقيداً، وهذا النفي المؤكد بالقسم منها بناء على ظنها وزعمها، أو مقيد بسماعها، وإلا فمن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمثبت مقدم على النافي. وكيف والحديث روي من طرق صحيحة بألفاظ صريحة، مع أنه بعمومه لا ينافي ما قالت بخصوصه. (ولكن) بإسكان النون أي الذي حدث به جملة إن الله الخ. قال القاري: وفي نسخة "ولكن" قال: وفي البخاري "ولكن رسول الله ﷺ قال"، وفي رواية لمسلم "ولكنه قال". (إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه) فحملت الميت على الكافر وأنكرت الإطلاق، وقد جاء فيه الزيادة كقوله تعالى: ﴿زدناهم عذاباً فوق العذاب﴾ [النحل:٨٨] وقوله: ﴿فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ [النبأ:٣٠] لكن قد يقال: زيادة العذاب بعمل الغير أيضاً مشكلة معارضة بقوله تعالى: ﴿ولا تزر﴾ الخ، فينبغي أن تحمل الباء في قوله "ببعض بكاء أهله" على المصاحبة لا السببية، وتخصيص الكافر حينئذٍ لأنه محل الزيادة، قاله السندي في حاشية النسائي، وقال في حاشية البخاري: كأنها فهمت أن معنى هذا الحديث هو أن الله يزيد الكافر عذاباً جزاء لكفره، كما قال تعالى: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ [النبأ:٣٠] إلا أن الله أجرى عادته بإظهار الزيادة عند البكاء، فصار كأن البكاء سبب للزيادة؛ لأن الزيادة جزاء للبكاء، ولا يتصور مثل ذلك في تعذيب المؤمن بسبب البكاء، فصار هذا الحديث بفهمها غير مخالف لقوله تعالى: ﴿ولا تزر﴾ بل هو موافق

стр. 2453

وقالت عائشة: حسبكم القرآن: ﴿ولا تزر وازرة أخرى﴾ ، قال ابن عباس عند ذلك: والله أضحك وأبكي، ــ لقوله تعالى: ﴿فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ بخلاف حديث تعذيب المؤمن، فلا يرد أن هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿ولا تزر﴾ الخ. فما بالها تثبته وتبطل الحديث الآخر بالمخالفة فافهم-انتهى. ولا يخفى ما فيه من التكلف. وقال القاري: فيه أن النفي منها ﵂ هنا مناقض لما قالت سابقاً من أن الحديث ورد في يهودية كانوا يبكون عليها، وهي تعذب في قبرها-انتهى. وقال الحافظ: هذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيها إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن. قال الداودي: رواية ابن عباس عن عائشة بينت ما نفته عمرة وعروة عنها، إلا أنها خصته بالكافر؛ لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذاباً ببكاء أهله، فأي فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء. (وقالت عائشة) أي تأكيداً لقولها أولاً: (حسبكم القرآن) بسكون السين المهملة، أي كافيكم أيها المؤمنون القرآن، أي في تأييد ما ذهبت إليه من رد الخبر: ﴿ولا تزر وازرة ورز أخرى﴾ الجملة بدل كل أو بعض من القرآن أو خبر مبتدأ محذوف هو هو. قال الطيبي: الوزر والوقر أخوان، وزر الشيء إذا حمله، والوازرة صفة النفس. والمعنى أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته. لا تؤخذ نفس بذنب نفس، كما تأخذ جبارة الدنيا الولي بالولي والجار بالجار-انتهى. (قال ابن عباس عند ذلك) أي عند انتهاء حديثه عن عائشة مؤيداً لها ومصداقاً لكلامها: (والله) بالرفع مع الواو، وهو حاصل معنى الآية في سورة النجم بلفظ: إنه هو ﴿أضحك وأبكى﴾ قال ميرك: أي إن العبرة لا يملكها ابن آدم ولا تسبب له فيها، فكيف يعاقب عليها فضلاً عن الميت-انتهى. وحاصله جواز عموم البكاء، وهو خلاف الإجماع. وقال الداودي: معناه أن الله تعالى أذن في الجميل من البكاء فلا يعذب على ما أذن فيه-انتهى. وهو خارج عن البحث كما لا يخفى. وقال الطيبي: غرضه تقرير قول عائشة أي أن بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله يظهرها فيه فلا أثر له في ذلك-انتهى. وفيه أن الكل من عند الله خلقاً ومن العبد كسباً كما هو مقرر، والشرع قد اعتبر ما يترتب عليه من الأثر كسائر أفعال البشر، ألا ترى أن التبسم والضحك في وجه المؤمن من الحسنات، وعلى المؤمن على وجه السخرية من السيئات، وكذا الحزن والسرور تارة يكونان من الأحوال السيئة، يثاب الشخص بهما، وتارة من الأفعال الدنية، يعاقب عليهما، كما هو مقرر في محله. ثم قال الطيبي: فإن قلت: كيف لم يؤثر ذلك في حق المؤمن وقد أثر في حق الكافر؟ قلت: لأن المؤمن الكامل لا يرضى بالمعصية مطلقاً، سواء صدرت منه أو من غيره بخلاف الكافر، ومن ثم قالت الصديقة ﵂: حسبكم القرآن أي كافيكم، أيها المؤمنون! من

стр. 2454

قال ابن أبي مليكة: فما قال ابن عمر شيئاً)) . متفق عليه. ١٧٥٧- (٢٢) وعن عائشة، قالت: ((لما جاء النبي ﷺ قتل ابن حارثة وجعفر ــ القرآن هذه الآية ﴿ولا تزر﴾ الخ إنها في شأنكم، وما ذكر رسول الله ﷺ إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه في شأن الكفار-انتهى. قال القاري: لا دلالة لقولها على هذه المدعى مع أن العبرة بعموم ألفاظ الآيات والأحاديث في المعنى لا لخصوص الأسباب في المبنى-انتهى. وقال الكرماني: لعل غرض ابن عباس من هذا الكلام في هذا المقام أن الكل بخلق الله وإرادته، فالأولى فيه أن يقال بظاهر الحديث، وأن له أن يعذبه بلا ذنب، ويكون البكاء عليه علامة لذلك أو يعذبه بذنب غيره، سيما وهو السبب في وقوع الغير فيه، ولا يسئل عما يفعل، وتخصص آية الوزر بيوم القيامة. (فما قال ابن عمر شيئاً) أي من القول أو شيئاً آخر. قال الطيبي: أي فعند ذلك سكت ابن عمر وأذعن. وقال الزين بن المنير: لا يدل سكوته على الإذعان، فلعله كره المجادلة في ذلك المقام. وقال القرطبي: ليس سكوته لشك طرأ له بعد ما صرح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلاً للتأويل، ولم يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم يتعين الحاجة إلى ذلك حينئذٍ. وقال الخطابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيل بالظن، وقد رواه عمر وابنه، ليس فيما حكت عائشة ما يرفع روايتهما الجواز أن يكون الخبران صحيحين معاً، ولا منافاة بينهما، فالميت إنما تلزم العقوبة بما تقدم من وصيته إليهم به وقت حياته، وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم، وهو موجود في أشعارهم. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٤١-٤٢) والنسائي والبيهقي (ج٤:ص٧٣) . ١٧٥٧- قوله: (لما جاء النبي) بالنصب على المفعولية والفاعل. (قتل ابن حارثة) أي زيد وقد تقدم ترجمته. (وجعفر) هو ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الطيار، ذو الجناحين ابن عم النبي ﷺ وأحد السابقين إلى الإسلام وأخو علي شقيقه، وكان أكبر من علي بعشر سنين، هاجر إلى الحبشة فأسلم النجاشي ومن تبعه على يديه، وأقام جعفر عنده، ثم هاجر إلى المدينة فقدم والنبي ﷺ بخيبر، فقيل بين عينيه وقال: ما أدري أنا بقدوم جعفر أسر أو بفتح خيبر؟ وكان أشبه الناس خلقاً وخلقاً برسول الله ﷺ ، وكان أبوهريرة يقول: خير الناس للمساكين جعفر، ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى أن كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شيء فيشقها. وفي رواية: كان يحب المساكين ويجلس إليهم ويخدمهم ويخدمونه، فكان رسول الله ﷺ يكنيه أبا المساكين. وقال أبوهريرة: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب، استعمله رسول الله ﷺ على غزوة موتة،

стр. 2455

وابن رواحة، جلس يعرف فيه الحزن، وأنا أنظر من صائر الباب – تعني شق الباب- فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر، وذكر بكاءهن، ــ واستشهد بها سنة ثمان من الهجرة، قاتل فيها حتى قطعت يداه جميعاً، فقال رسول الله ﷺ : إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء، فمن هناك قيل: له جعفر الطيار وجعفر ذوالجناحين، وهو أول من عرقب فرساً في سبيل الله، نزل يوم مؤتة إذ رأى الغلبة، فعرقب فرسه. وقاتل حتى قتل، قال ابن عمر: كنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفراً فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعاً وتسعين بين طعنة ورمية، وكان سنه يوم قتل (٤١) سنة. (وابن رواحة) هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي الأنصاري الشاعر، أحد السابقين الأولين من الأنصار، وأحد النقباء ليلة العقبة، وثالث الأمراء بغزوة مؤتة، شهد بدراً وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة. قال ابن سعد: كان يكتب للنبي ﷺ ، وهو الذي جاء ببشارة بدر إلى المدينة. قال ابن عبد البر: هو أحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله ﷺ ، وفيه وفي صاحبه حسان، وكعب بن مالك نزلت: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيراً﴾ الآية [الشعراء:٢٣٧] ، ومناقبة كثيرة، وقصة غزوة مؤتة في الصحيحين. (جلس) هو جواب "لما" أي لما جاء النبي ﷺ خبر شهادتهم على لسان جبريل جلس أي في المسجد، كما في رواية أبي داود. وفيه دليل على جواز الجلوس للعزاء في المسجد. (يعرف) بصيغة المجهول. (فيه) أي في وجهه. (الحزن) أي أثره وهو بضم الحاء وسكون الزاي، والجملة حال أي جلس حزيناً، وعدل إلى قوله: يعرف، ليدل على أنه ﷺ كظم الحزن كظماً، وكان ذلك القدر الذي ظهر فيه من جبلة البشرية. (وأنا أنظر) جملة حالية أيضاً. وقائلها عائشة ﵂. (من صائر الباب) بالصاد المهملة المفتوحة والهمزة بعد الألف أي الشق الذي كان بالباب. قال المازري: كذا وقع في الصحيحين "صائر الباب"، والصواب صير الباب بكسر الصاد وسكون التحتية، وهو الشق. قال القسطلاني: وهو المحفوظ كما في المجمل والصحاح والقاموس، وقال ابن الجوزي صائر وصير بمعنى واحد. وفي كلام الخطابي نحوه. (تعني) أي تريد عائشة بصائر الباب. (شق الباب) بفتح الشين المعجمة أي الموضع الذي ينظر منه، وهذا لفظ البخاري في المغازي. قال العيني: وهذا التفسير إنما وقع في رواية القابسي، فيكون من الراوي. وفي رواية لهما "وأنا أنظر من صائر الباب شق الباب" أي بدون لفظ تعني. (فأتاه رجل) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وكأنه أبهم عمداً لما وقع في حقه من غض عائشة منه. (إن نساء جعفر) أي امرأته وهي أسماء بنت عميس الخثعمية ومن حضر عندها من النساء من أقاربها وأقارب جعفر ومن في معناها، ولم يذكر أهل العلم بالأخبار لجعفر امرأة غير أسماء. (وذكر) أي الرجل. (بكاءهن) الجملة في محل النصب على الحالية سادة مسد الخبر. قال الطيبي: هو حال عن المستتر في قوله "فقال"
следующие страницы →