Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
عن غير واحد، ((إن رسول الله ﷺ أقطع لبلال بن الحارث المزني، معادن القبلية
ــ
المسيب والقاسم بن محمد ومكحول وغيرهم، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك وشعبة والسفيانان، وحماد ابن سلمة والليث والدراوردي وغيرهم. قال ابن سعد: كانوا يتقونه لموضع الرأي مات سنة (١٣٦) على الصحيح وقيل سنة (١٣٣) وقال الباجي: في رجال البخاري سنة (١٤٢) قال مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة. وقال الذهبي: كان ربيعة إماماً حافظاً فقيهاً مجتهداً بصيراً بالرأي، ولذلك يقال له ربيعة الرأي أخباره مستوفاة في تاريخ دمشق وتاريخ بغداد قال الخطيب: كان فقيهاً عالماً حافظاً للفقه والحديث - انتهى. (عن غير واحد) زاد رواية أبي والبيهقي من علماءهم (إن رسول الله ﷺ ) قال المنذري: هذا مرسل، وهكذا رواه مالك في الموطأ مرسلاً ولفظه عن غير واحد من علماءهم. وقال أبوعمر بن عبد البر: هكذا في الموطأ عند جميع الرواة مرسل، ولم يختلف فيه عن مالك، وذكر إن الدراوردي رواه عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه وقال أيضاً: وإسناد ربيعة فيه صالح حسن كذا في عون المعبود. قلت: وصله البزار وأبوعبيد (ص٢٩٠) والحاكم (ج١ ص٤٠٤) ومن طريقة البيهقي (ج٤ ص١٥٢) من رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه عن النبي ﷺ قال ابن عبد البر: ورواه أبوسبرة المديني عن مطرف عن مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن بلال موصولاً، لكن لم يتابع عليه، قال ورواه أبوأويس عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده وعن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس. قلت: أخرجه من الوجهين الآخرين أحمد (ج١ ص٣٠٦) وأبوداود وكثير بن عبد الله حسن حديثه البخاري والترمذي وتكلم فيه غيرهما، وأبوأويس عبد الله ابن عبد الله أخرج له مسلم الشواهد وضعفه غير واحد (أقطع) من الإقطاع وهذه رواية أبي داود، وفي الموطأ قطع بدون الهمزة، وكذا عند أبي عبيد (ص٣٣٨) والبيهقي (ج٤ ص١٥٢) والمعروف عند أهل اللغة، وفي الأحاديث والآثار هو الإقطاع. قال الحافظ في الفتح. تقول أقطعته أرضاً جعلتها له قطيعة، والمراد به ما يخص به الإمام بعض الرعية من الأرض الموات، فيختص به ويصير أولى بإحياءه ممن لم يسبق إلى أحياءه. واختصاص الإقطاع بالموات متفق في كلام الشافعية - انتهى. وقال الطيبي: الإقطاع ما يجعله الإمام لبعض الأجناد والمرتزقة من قطعة أرض ليرتزق من ريعها في النهاية، الإقطاع يكون تمليكاً وغير تمليك. وقال العيني: الإقطاع هو تسويغ الإمام من مال الله تعالى لمن يراه أهلاً لذلك، وأكثرها ما يستعمل في إقطاع الأرض، وهو أن يخرج منها شيئاً يجوزه، إما أن يملكه إياه فيعمره، أو يجعل له غلته ففي صورة التمليك الذي أقطع له، وهو الذي يسمى المقطع له رقبة الأرض فيصير ملكاً له، يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم، وفي صورة جعل الغلة لا يملك إلا منفعة الأرض دون رقبتها. فعلى هذا لا يجوز للجندي الذي يقطع له أن يوجر ما اقطع له، لأنه يملك منافعها وإن لم يملك رقبته (معادن القبيلة) بفتح القاف وفتح الموحدة وكسر اللام وبالياء المشددة المفتوحة
стр. 2662
وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا تؤخذ منها، إلا الزكاة إلى اليوم.
ــ
مجرورة بالإضافة، وهي منسوبة إلى قبل بفتحِ القاف والباء، وهي ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام. وقيل هو بكسر قاف ثم لام مفتوحة ثم باء. قال في النهاية: نسبة إلى قبل بفتح القاف والباء هذا هو المحفوظ في الحديث. وفي كتاب الأمكنة القلبة بكسر القاف وبعدها لام مفتوحة ثم باء- انتهى. قال ابن الملك: يعني أعطاه ليعمل فيها ويخرج الذهب والفضة لنفسه، وهذا يدل عل جواز إقطاع المعادن ولعلها كانت باطنة، فإن الظاهرة لا يجوز إقطاعها- انتهى. والمراد بالظاهرة ما يبدو جوهرها بلا عمل، وإنما السعي والعمل لتحصيله، وذلك كالنفطة الكبريت والقار والقطران، وأحجار الرحى وشبهها، وهذه لا يملكها أحد بالإحياء والعمارة، إن أراد بها النيل، ولا يختص بها المحتجر. وليس للإمام إقطاعها بل هي مشتركة بين الناس كالماء
والحطب، وبالباطنة ما لا يظهر جوهرها إلا بكدوح واعتمال واستخراج، كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والحديد وسائر الجواهر المبثوثة في الأرض. واختلفوا فيها هل يملكها بالإحياء؟ وفيه وجهان للشافعية: أظهرهما إنها كالظاهرة، والحق أنه يملكها بالإحياء ويجوز للإمام إقطاعها (وهي من ناحية الفرع) قال النووي في تهذيبه: بضم الفاء واسكان الراء قربة ذات نخل وزرع ومياه، جامعة بين مكة والمدينة على نحو أربع مراحل من المدينة وقال الزرقاني: بضم الفاء والراء كما جزم به السهيلي وعياض في المشارق، وقال في كتابه التنبيهات: هكذا قيده الناس، وكذا رويناه. وحكى عبد الحق عن الأحول إسكان الراء ولم يذكره غيره انتهى. فاقتصار النهاية
والنووي في تهذيبه على الإسكان مرجوح. قال في الروض: بضمتين من ناحية المدينة فيها عينان، يقال لهما الربض والنجف يسقيان، عشرين ألف نخلة- انتهى. وقال في معجم البلدان: والفرع قرية من نواحي الربذة عن يسار السقياء بينها وبين المدينة ثمانية برد عل طريق مكة. وقيل: أربع ليال وبها منبر ونخل ومياه كثيرة
(فتلك المعادن لا تؤخذ) بالتأنيث وفي الموطأ وسنن أبى داود والبيهقي والأموال لا يؤخذ بالتذكير
(منها إلا الزكاة إلى اليوم) أي لا يؤخذ منها الخمس كالركاز. قال المظهر: أي الأربع العشر كزكاة النقدين، قال الباجى:
هذا دليل واضح على أن المعدن يجب فيما يخرج منه الزكاة- انتهى. وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق وهو أحد أقوال الشافعي، واستدل لهم بحديث الباب. وبما تقدم من قوله ﵇ في الرقة ربع العشر ويقاس عليها غيرها، وبما ثبت عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله بأخذ ربع العشر من المعدن، وذهب أبو حنيفة والثورى ومكحول وأبو عبيد والزهري إلى أن الواجب في المعدن الخمس، لأنه يصدق عليه اسم الركاز. وقد تقدم الخلاف وتحقيق الحق في ذلك. قال في تحفة المنهاج: وهو قول للشافعي قياسا على الركاز يجامع الإخفاء.
والقول الثالث للشافعي: إن وجد بتعب ومؤنة كطحن ومعالجة بنار فربع العشر وإلا فالخمس. وأجاب
стр. 2663
رواه مالك، وأبو داود.
ــ
القائلون بوجوب الخمس في المعدن عن حديث الباب بوجوه. منها: ما قال أبو عبيد وابن حزم أنه حديث منقطع. ومنها: إن قوله فتلك المعادن تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم لا يوجد في الطرق الموصولة. ومنها: ما قال الشافعي ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ولو ثبتوه لم تكن فيه رواية عن النبي ﷺ إلا إقطاعه. فأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي ﷺ وقال أبو عبيد: ومع كون الحديث لا إسناد له لم يذكر فيه أن النبي ﷺ أمر بذلك، إنما قال: فهي تؤخذ منها الصدقة إلى اليوم. قال ابن الهمام: يعني فيجوز كون ذلك من أهل الولايات اجتهاداً منهم. وتعقب بما تقدم من أنه رواه البزار والطبراني وأبو عبيد والحاكم والبيهقي موصولا من طريق الدراوردى، وقد صرح في رواية الحاكم برفع الزيادة المذكورة ولفظه: إن رسول الله ﷺ أخذ من المعادن القبلية الصدقة، وأنه أقطع بلال بن الحارث العقيق أجمع، فلما كان عمر رضى الله عنه، قال لبلال: إن رسول الله ﷺ لم يقطعك لتحتجره عن الناس، لم يقطعك إلا لتعمل. قال: فاقطع عمر للناس العقيق قال الحاكم: قد احتج مسلم بالدراوردي، وهذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: بعد ذكر قول الشافعي المتقدم هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد روى عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة موصولا، ثم رواه البيهقي عن الحاكم باللفظ المتقدم، وتعقب العيني في البناية علي رفعه بما لا يلتفت إليه. ومنها: ما قال صاحب البدائع: انه يحتمل أنه إنما لم يأخذ منه ما زاد على ربع العشر لما علم من حاجته وذلك جائز عندنا- انتهى. وفى ذكر هذا غنى عن الرد فإنه لا دليل على هذا الاحتمال، وأيضا يبطله الحصر المذكور في الحديث والاستمرار
علي أخذ الزكاة فقط، على مرور الأزمان. ومنها: ما أجاب به الشاه ولى الله الدهلوى في المسوى حيث قال، بعد حكاية كلام الإمام الشافعي المتقدم، أقول ولو كانت الزكاة مروية عن النبى ﷺ ، فليس ذلك نصا في ربع العشر بل يحتمل معنيين آخرين أحدهما يؤخذ منه الخمس، وهو زكاة وهو قول للشافعي، والحصر بالنسبة إلى الكل.
والثاني إذا ملكه وحال عليه الحول تؤخذ منه الزكاة وهو قول جمع من المحدثين- انتهى. قلت: الظاهر المتبادر من لفظ الزكاة هو ربع العشر وإطلاق الزكاة على الخمس غير معروف، وأما الاحتمال الثاني فغير بعيد.
(رواه مالك) عن ربيعة الرأى (وأبو داود) عن عبد الله بن مسلمة عن مالك به وتقدم ذكر من أخرجه غيرهما مع بيان ما فيه من الكلام.
فوائد:
الأولى: إن ما يخرج من المعدن ثلاثة أنواع الأول ما يذوب بالنار وينطبع بالحلية كالذهب والفضة والحديد والرصاص ونحو ذلك. والثاني: ما لا يذوب بالإذابة كالياقوت والبلور والعقيق والزمرد والفير وزج والكحل والمغرة والزرنيخ والجص والنورة ونحوها. والثالث: ما يكون مائعا كالنفط والقار،
стр. 2664
.................................
ــ
واختلف الأئمة في حكم هذه الأنواع، فذهب الحنفية كما تقدم إلى أن وجوب الخمس يختص بالنوع الأول دون النوعين الأخيرين. قال الكاساني: أما ما لا يذوب بالإذابة فلا خمس فيه ويكون كله للواجد، لأن الجص والنورة ونحوهما من أجزاء الأرض، فكان كالتراب والياقوت والفص من جنس الأحجار غير أنها أحجار مضيئة، ولا خمس في الحجر. وقال مالك والشافعي وابن حزم وداود يجب الزكاة في الذهب والفضة خاصة. وأوجب أحمد الزكاة في الأنواع الثلاثة. قال في الرواض المربع: المعدن إن كان ذهباً أو فضة ففيه ربع عشره إن بلغ نصاباً، وإن كان غيرهما ففيه ربع عشر قيمته، إن بلغت نصاباً بعد سبك وتصفية - انتهى. واستدل ابن قدامة لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقال الشاه ولي الله الدهلوي في المصفى شرح الموطأ بالفارسية: الظاهر إن المعادن القبلية لم تكن من الذهب والفضة، فإنها لم يذكرها أهل التاريخ، ومن البعيد سكوت جميعهم عن ذكرها، وإهمالهم إياها أو خفاءها عليهم، مع كونها بقرب المدينة. فالظاهر إنها كانت من بقية المنطبعات أو من غير ما ينطبع كالمغرة والنورة وهذا الأخير أقرب، فالظاهر هو ما قال به أحمد: من أن الزكاة تجب في كل ما يخرج من المعدن، منطبعاً كان أو غير منطبع - انتهى معرباً. الثانية: اختلفوا هل يشترط النصاب في الوجوب فيما يخرج من المعدن أم لا، قال العيني: يجب الخمس في قليله وكثيره ولا يشترط فيه النصاب عندنا واشترط مالك والشافعي وأحمد لوجوب الزكاة فيه أن يكون الموجود نصاباً ولنا أن النصوص خالية عن اشتراط النصاب فلا يجوز اشتراطه بغير دليل شرعي - انتهى. وقال ابن قدامة: (ج٣ ص٢٥) وهو أي نصاب المعادن ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالاً، ومن الفضة مائتي درهم، أو قيمة ذلك من غيرهما، وهذا مذهب الشافعي. وأوجب أبوحنيفة الخمس في قليله وتكثيره من غير اعتبار نصاب، بناء على أنه ركاز لعموم الأحاديث التي احتجوا بها عليه؛ ولأنه لا يعتبر له حول فلم يعتبر له نصاب كالركاز. ولنا عموم قوله السلام: ليس فيما دون خمس أواق صدقة. وقوله: ليس في تسعين ومائة شيء، وقوله ﷺ : ليس عليكم في الذهب شيء، حتى يبلغ عشرين مثقالا. وقد تقدم إن هذا ليس بركاز، وأنه مفارق للركاز، حيث إن الركاز مال كافر أخذ في الإسلام فأشبه الغنيمة، وهذا وجب مواساة وشكر النعمة الغني فاعتبر له النصاب كسائر الزكوات، وإنما لم يعتبر له الحول لحصوله دفعة واحدة فأشبه الزروع والثمار - انتهى. الثالثة: قال ابن قدامة: (ج٣ ص٢٦) تجب الزكاة في ما يخرج من المعدن حين يتناوله ويكمل نصابه ولا يعتبر له حول، وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال إسحاق وابن المنذر: لا شيء في المعدن، حتى يحول عليه الحول لقول رسول الله ﷺ : لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول, ولنا أنه مال مستفاد من الأرض فلا يعتبر في وجوب حقه حول، كالزروع والثمار والركاز، ولأن الحول إنما يعتبر في غير هذا لتكميل النماء، وهو يتكامل نماءه دفعة واحدة، فلا يعتبر له
стр. 2665
﴿الفصل الثالث﴾
١٨٢٨- (٢٠) عن علي، أن النبي ﷺ قال: ((ليس صدقة،
ــ
حول كالزروع - انتهى. قال ابن رشد (ج١:ص٢٤٣) وسبب اختلافهم تردد شبهه بين ما تخرجه الأرض مما تجب فيه الزكاة، وبين التبر والفضة المقتنيين، فمن شبهه بما تخرجه الأرض لم يعتبر الحول فيه، ومن شبهه بالتبر والفضة المقتنيين أوجب الحول، وتشبيهه بالتبر والفضة أبين - انتهى. وقد اعترض أيضاً أبوعبيد (ص٣٤١-٣٤٢) على تشبيهه المعدن بالزرع، وابن حزم (ج٦:ص١١٠) على قياسه على الزرع والركاز، ووافق في ذلك إسحاق حيث قال (ج٦:ص١١١) : لا زكاة في مال غير الزرع إلا بعد الحول، والمعدن من جملة الذهب والفضة فلا شئ فيها إلا بعد الحول، وهذا قول الليث بن سعد وأحد أقوال الشافعي وقول أبي سليمان - انتهى.
١٨٢٨- قوله: (ليس في الخضروات) بفتح الخاء المعجمة جمع خضراء والمراد بها الرياحين والأوراد والبقول والخيار والقثاء والبطيخ والباذنجان وأشباه ذلك. قال يحيى بن آدم في الخراج: (ص١٤٦) الخضر عندنا الرطاب والرياحين والبقول والفاكهة مثل الكمثري والسفرجل والخوخ والتفاح والتين والأجاص والمشمش والرمان والخيار والقثاء والنبق والباقلي والجزر والموز والمقل والجوز واللوز والبطيخ وأشباهه - انتهى. وقال الأمير اليماني: الخضروات ما لا يكال ولا يقتات (صدقة) لأنها لا تقتات، والزكاة تختص بالقوت، وحكمته أن القوت ما يقوم به بدن الإنسان، لأن الأقتيات من الضروريات التي لا حياة بدونها، فوجب فيها حق لأرباب الضرورات قاله القاري. والحديث يدل على ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الزكاة في الخضروات، وقد ورد في هذا أحاديث أخرى مرفوعة عن عائشة ومحمد بن جحش وأنس ومعاذ وطلحة، لكنها كلها ضعيفة كحديث على هذا، وقد ذكرها مع بيان ضعفها الزيلعي في نصب الراية (ج٢:ص٣٨٦-٣٨٩) وقال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب أي في نفي زكاة الخضروات عن النبي ﷺ شيء- انتهى. وأقوى ما استدل به للجمهور إن الخضر كانت بالمدينة في زمن النبي ﷺ بحيث لا يخفى ذلك، ولم ينقل أنه أمر بإخراج شئ منها، ولا أن أحد أخذ منها زكاة ولا أنهم يؤدونها اليه، ولو كان ذلك لنقل كما نقل زكاة سائر ما أمر به النبي ﷺ فثبت أنه لا زكاة فيها. وذهب أبوحنيفة إلى أنه تجب الزكاة في كل ما تخرجه الأرض سواء كان من الحبوب أو الثمار أو الفواكه أو البقول أو غير ذلك بعد ما كان المقصود به استغلال الأرض، وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز وأبي بردة بن أبي موسى وحماد والنخعي، وهو قول داود الظاهري وقواه ابن العربي، واليه يظهر ميل الفخر الرازي وهو مختار شيخ مشائخنا العلامة الغازي فوري. واستدل لهم بعموم قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة:١٠٣] وقوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة:٢٦٧] وقوله: ﴿وآتوا حقه
стр. 2666
ولا في العرايا
ــ
يوم حصاده﴾ الأنعام:١٤١ قال الباجى: والحق ههنا هو الزكاة، لأنه لا خلاف إنه ليس فيه حق واجب غيره، والأمر يقتضى الوجوب- انتهى. وبعموم حديث فيما سقت السماء العشر ونحوه. قالوا: وحديث الخضراوات إن صح لم يصلح لتخصيص هذه العمومات لكونه من أخبار الآحاد فكيف، وهو ضعيف بجميع طرقه. قالوا وهو محمول على صدقه يأخذها العاشر لأنه، إنما يأخذ من مال التجارة، إذا حال عليه الحول وهذا بخلافه ظاهرا أو على أنه لا يأخذ من عينها بل يأخذ من قيمتها، لأنه يتضرر بأخذ العين في البراري حيث لم يجد من يشتريها، أو على أنه لا يأخذها الساعي بل يؤديها المالك بنفسه هذا، وقد تقدم شىء من البسط في زكاة المعشرات في شرح
حدث الأوساق مع ببان القول الراجح في ذلك. (ولا في العرايا) جمع عرية وهو عطية ثمر النخل دون الرقبة كان العرب في الجدب يتطوع أهل النخل بذلك على من لا ثمر له كما يتطوع صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة، وهي عطية اللبن دون الرقبة. قال في القاموس واعراه النخلة وذهب ثمرتها عاما، والعرية النخلة المعراة التي يؤكل ما عليها وما عزل عن المسومة عد بيع النخل- انتهى. والعرية فعلية بمعنى مفعولة أو فاعلة، يقال عرى النخل بفتح العين والراء بالتعدية يعروها إذا أفردها عن غيرها بأن أعطاها لآخر على سبيل المنحة ليأكل ثمرها، وتبقى رقبتها لمعطيها ويقال: عريت النخل بفتح العين وكسر الراء تعرى على أنه قاصر فكأنها عريت عن حكم أخواتها واستثبتت بالعطية واختلف في المراد بها شرعا. قال الحافظ في الفتح: تحت باب تفسير العرايا من كتاب البيوع إن صور العرية كثيرة منها أن يقول الرجل لصاحب حائط بمعنى ثمر نخلات بأعيانها يخرصها من التمر، فيخرصها ويبيعه ويقبض منه التمر ويسلم إليه النخلات بالنخلية فينتفع برطبها. ومنها أن يهب صاحب الحائط الرجل نخلات أو ثمر نخلات معلومة من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها، ويشتري منه رطبها بقدر خرصه بتمر يعجله له. ومنها
أن يهبه إياها فيضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمرا، ولا يجب أكلها رطبا لاحتياجة إلى التمر فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب، أو من غيره بتمر يأخذه معجلا. ومنها أن يبيع الرجل ثمر حائطه بعد بدو صلاحه ويستثنى منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله وهي التي عفى له عن. خرصها في الصدقة. وسميت عرايا لأنها اعريت من أن تخرص في الصدقة فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم، وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها. ومما يطلق عليه اسم عرية أن يعرى رجلا تمر نخلات يبيع له أكلها والتصرف فيها وهذه هبة مخصوصة. ومنها أن يعرى عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه
نخلات معلومة لا يخرصها في الصدقة،وهاتان الصورتان من العرايا لابيع فيهما، وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور. وقصر مالك العرية في البيع على الصورة الثانية وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة من صور البيع
стр. 2667
صدقة، ولا في أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا في العوامل صدقة، ولا في الجبهة صدقة، قال: الصقر الجبهة الخيل والبغل والعبيد)) رواه الدارقطني.
ــ
وزاد أنه رخص لهم أن يأكلوا الرطب ولا يشتروه لتجارة ولا ادخار، ومنع أبوحنيفة صور البيع كلها وقصر العرية على الهبة، وهو أن يعرى الرجل تمر نخلة من نخلة ولا يسلم ذلك، ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة، فرخص له أن يحتبس ذلك، ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمراً وحمله ذلك أخذه بعموم النهى عن بيع الثمر بالتمر. وتعقب: بالتصريح باستثناء العرايا في حديث ابن عمر وفي حديث غيره انتهى كلام الحافظ. وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في كتاب البيوع إنشاءالله تعالى (صدقة) ؛ لأنها تكون دون النصاب أو؛ لأنها خرجت عن ملك مالكها قبل الوجوب بطريق صحيح (ولا في أقل من خمسة أوسق صدقة) فيه بيان نصاب المعشرات، وإنه لا تجب الزكاة فيها حتى تبلغ خمسة أوسق. قال القاري: لأنه قليل فلا تتشرف الفقراء إلى المواساة منه (ولا في) الإبل أو البقر (العوامل) للمالك أو لغيره (صدقة) ؛ لأنها بالعمل صارت غير مقتناة للنماء (ولا في الجبهة) قال أبو عبيد: الجبهة الخيل (صدقة قال الصقر) أي أحد رواة الحديث وهو بفتح المهملة وسكون القاف ابن حبيب. ويقال: الصعق روى عن أبي رجاء العطاردي تكلم فيه ابن حبان. فقال: يأتي عن الثقات بالمقلوبات، وغمزه الدارقطني في الزكاة، ولا يكاد يعرف كذا في الميزان. قال الحافظ في اللسان: وبقية كلام ابن حبان يخالف الثقات. وقال إنه شيخ من أهل البصرة سلولي - انتهى. (الجبهة الخيل والبغال والعبيد) والذي في القاموس وغيره أنها الخيل. قال في الفائق: سميت بذلك؛ لأنها خيار البهائم كما يقال وجه السلعة لخيارها ووجه القوم وجبهتهم لسيدهم. وقال بعضهم: هي خيار الخيل ثم رأيت صاحب النهاية أشار إلى أن ما قاله الصقر فيه بعد وتكلف قاله القاري. قلت: روى البيهقي بسند ضعيف عن أبي هريرة مرفوعاً، عفوت لكم عن صدقة الجبهة والكسعة والنخة. قال بقية (أحد رواته) الجبهة الخيل والكسعة البغال والحمير والنخة المربيات في البيوت، ثم رواه البيهقي عن عبد الرحمن بن سمرة مرفوعاً. بلفظ: لا صدقة في الكسعة والجبهة والنخة فسره أبوعمر وعبد الله بن يزيد (راوي الحديث) الكسعة الحمير والجبهة الخيل والنخة العبيد. ثم ذكر تفصيل ذلك عن أبي عبيدة حيث قال: قال أبوعبيد قال عبيدة: الجبهة الخيل والنخة الرقيق والكسعة الحمير. قال الكسائي وغيره: في الجبهة والكسعة مثله. وقال الكسائي: والنخة برفع النون وفسره هو وغيره في مجلسه البقر العوامل - انتهى. (رواه الدارقطني) (ص٢٠٠) من حديث أحمد بن الحارث البصري ثنا الصقر بن حبيب. قال: سمعت أبارجاء العطاردي يحدث عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب. قال الزيلعي (ج٢:ص٣٥٧-٣٨٨) ومن طريق الدارقطني رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية والصقر ضعيف. قال ابن حبان في الضعفاء: ليس هو من كلام
стр. 2668
١٨٢٩- (٢١) وعن طاووس، إن معاذ بن جبل أتى بوقص البقر فقال: لم يأمرني فيه النبي ﷺ بشيء. رواه الدارقطني والشافعي.
ــ
رسول الله ﷺ إنما يعرف بإسناد منقطع فقلبه الصقر على أبي رجاء وهو يأتي بالمقلوبات - انتهى. وأحمد بن الحارث الراوي عن الصقر. قال أبوحاتم الرازي: هو متروك الحديث - انتهى.
١٨٢٩- قوله: (وعن طاووس) هو طاووس بن كيسان اليماني أبوعبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي يقال اسمه ذكوان وطاووس لقب ثقة ثبت فقيه فاضل من أوساط التابعين مات سنة ست ومائة. وقيل: بعد ذلك (أتى) بصيغة المجهول (بوقص) بفتح الواو والقاف ويجوز إسكانها وإبدال الصاد سيناً وهو ما بين الفرضين عند الجمهور واستعمله الشافعي فيما دون النصاب الأول (البقر فقال لم يأمرني فيه النبي ﷺ بشيء) أي بأخذ شيء ويؤيد هذا ما روى مالك في الموطأ عن حميد بن قيس عن طاووس، إن معاذاً أخذ من ثلاثين بقرة تبيعاً، ومن أربعين بقرة مسنة، وأتى بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئاً. وقال: لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئاً حتى ألقاه فأسأله فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ: وقد ورد ما يدل على رفع ذلك إلى النبي ﷺ فروى البزار والدارقطني (ص٢٠٢) والبيهقي (ج٤:ص٩٨) وابن حزم من طريق المسعودي عن الحكم عن طاووس عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن - الحديث. فلما رجع سأل النبي ﷺ عنه يعني الوقص. فقال: ليس فيها شيء. قال المسعودي: والأوقاص ما بين الثلاثين إلى الأربعين والأربعين إلى الستين. وأخرج أحمد (ج٥:ص٢٤٠) والطبراني من رواية سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم أن معاذاً قال: بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمن فذكر الحديث قال: فأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئاً وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها ورواه أبوعبيد (ص٣٨٣) من طريق سلمة بن أسامة، إن معاذاً قال: بعثني رسول الله ﷺ فذكر مثله. وروى أبو عبيد (ص٣٨٤) أيضاً من طريق سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم أن رسول الله ﷺ قال: إن الأوقاص لا صدقة فيها. وقد تقدم الكلام في رواية سلمة بن أسامة ورواية المسعودي عن الحكم عن طاووس عن ابن عباس، وروى الطبراني من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم عن رجل عن معاذ عن النبي ﷺ قال: ليس في الأوقاص شيء ووقفه ابن أبي شيبة (ج٣:ص١٣) من طريق ليث عن طاووس عن معاذ قال: ليس في الأوقاص شيء، وروى الدارقطني في المؤتلف والمختلف عن عبيد بن صخر بن لوذان الأنصاري قال: عهد رسول الله ﷺ إلى عمالة على اليمن في البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة وليس في الأوقاص شيء. قال الدارقطني: والأوقاص ما بين السنين اللذين يجب فيها الزكاة - انتهى. (رواه الدارقطني) (ص٢٠٢) (والشافعي) في الأم (ج٢:ص٧) كلاهما من حديث سفيان عن عمرو بن دينار
стр. 2669
وقال: الوقص ما لم يبلغ الفريضة.
(٢) باب صدقة الفطر
ــ
عن طاووس إن معاذ بن جبل إلخ. ورواه أبوعبيد (ص٣٨٣-٣٨٤) عن حجاج عن ابن جريج وحماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن طاووس. إن معاذ بن جبل قال باليمن: لست بآخذ من أوقاص البقر شيئاً حتى آتى رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ لم يأمرني فيها بشيء - انتهى. وروى ابن حزم (ج٦:ص١٢) من طريق الحجاج بن منهال عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس، إن معاذ أتى بوقص البقر والعسل فلم يأخذه فقال: كلاهما لم يأمرني فيه رسول الله ﷺ بشيء. ومن طريق الشافعي رواه البيهقي (ج٤:ص٩٨) وقد سبق إن رواية طاووس عن معاذ منقطعة. قال عبد الحق: طاووس لم يدرك معاذ- انتهى. وقال الشافعي: طاووس عالم بأمر معاذ، وإن كان لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذاً، وهذا مما لا أعلم عن أحد فيه خلافاً - انتهى. وقال البيهقي: طاووس وإن لم يلق معاذاً، إلا أنه يماني وسيرة معاذ بينهم مشهورة (وقال) أي الشافعي (الوقص ما لم يبلغ الفريضة) أي ما لم يجب فيه شيء ابتداء كأربع الإبل ودون ثلاثين البقر وأربعين الغنم، وعند الجمهور هو ما بين السنين اللذين يجب فيهما الزكاة كما بين الخمس والعشر في الأول، والثلاثين والأربعين في الثاني، والأربعين والمائة والإحدى والعشرين في الثالث، قال القاري: والأشهر إطلاقه على المعنى الثاني. وقيل: الوقص في البقر خاصة - انتهى.
(باب صدقة الفطر) أي هذا باب في ذكر الأحاديث التي تؤخذ منها أحكام صدقة الفطر. قال الله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى:١٤-١٥] روى عن ابن عمر وعمرو بن عوف زكاة الفطر، وروى عن أبي العالية وابن المسيب وابن سيرين وغيرهم. قالوا: يعطي صدقة الفطر. ثم يصلي، رواه البيهقي وغيره. والمراد بصدقة الفطر أي من رمضان فأضيفت الصدقة للفطر لكونها تجب بالفطر منه. وقيل: إضافة الصدقة إلى الفطر من إضافة الشيء إلى شرطه كحجة الإسلام. وقال ابن قتيبة المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس مأخوذ من الفطرة التي هي الخلقة المرادة بقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم:٣٠] والمعنى إنها وجبت على الخلقة تزكية للنفس أي تطهيراً لها. قال الحافظ: والأول أظهر ويؤيده قوله في بعض طرق الحديث زكاة الفطر من رمضان - انتهى. وقوله "باب صدقة الفطر، هكذا في كتب الحديث وأكثر كتب الفروع من المذهب المتبوعة، ووقع في بعض كتب فروع الحنفية كالوقاية والنقاية والدرر باب صدقة الفطرة بزيادة التاء في آخره وهكذا وقع في كلام الفقهاء، الفطرة نصف صاع من بر فقيل: لفظ الفطرة الواقع في كلامهم اسم مولد حتى عده بعضهم من لحن العوام أي إن الفطرة المراد بها الصدقة غير لغوية؛ لأنها لم تأت بهذا المعني.
стр. 2670
..............................
ــ
وقيل قول الفقهاء على حذف المضاف أي صدقة الفطر فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه واستغنى به في الاستعمال لفهم المعنى. وقيل: حذف المضاف وأقيمت الهاء في المضاف اليه لتدل على ذلك. وقال: ابن عابدين بعد بسط الكلام في اشتقاقه من الفطرة بمعنى الخلقة. والحاصل إن لفظ الفطرة بالتاء لا شك في لغويته. ومعناه الخلقة، وإنما الكلام في إطلاقه مراداً به المخرج فإن أطلق عليه بدون تقدير فهو إصطلاح شرعي (للفقهاء) مولد. وأما مع تقدير المضاف فالمراد بها المعنى اللغوي (كما تقدم في كلام ابن قتيبة) وأما لفظ الفطر بدون تاء فلا كلام في أنه معنى لغوي (مستعمل قبل الشرع؛ لأنه ضد الصوم) ويقال لها أيضاً زكاة الفطر وزكاة رمضان، وزكاة الصوم وصدقة رمضان، وصدقة الصوم، وتسمى أيضاً صدقة الرؤوس، وزكاة الأبدان سماها الإمام مالك ﵀. وكان فرضها في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان قبل العيد بيومين. واختلف في حكمها فقالت: طائفة هي فرض، وهم الشافعي ومالك وأحمد لقول ابن عمر وأبي سعيد وابن عباس. فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر. وقال الحنفية: هي واجبة بناء على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب. قال العيني: والنزاع لفظي؛ لأن الفريضة عند الشافعي (ومن وافقه) نوعان، مقطوع حتى يكفر جاحده، وغير مقطوع حتى لا يكفر جاحده، ومن جحد صدقة الفطر لا يكفر بالإجماع ولذا لا يكفر من قال إنها مستحبة، وأجاب ابن الهمام بأن الثابت بظني يفيد الوجوب وإنه لا خلاف في المعنى، لأن الافتراض الذي يثبته الشافعية ليس على وجه يكفر جاحده، فهو معنى الوجوب عندنا. وقد يجاب بأن قول الصحابي فرض، يراد به المعنى المصطلح عندنا للقطع به بالنسبة إلى من سمعه من النبي ﷺ بخلاف غيره ما لم يصل إليه بطريق قطعي فيكون مثله، ولذا قالوا إن الواجب لم يكن في عصره ﷺ انتهى. وقالت طائفة: هي سنة مؤكدة نقله المالكية عن أشهب وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية، وأولوا قوله "فرض" في الحديث بمعنى "قدر" قال ابن دقيق العيد: (ج٢:ص١٩٧) هو أصله في اللغة لكنه نقل في عرف الاستعمال إلى الوجوب فالحمل عليه أولى، لأن ما اشتهر في الاستعمال فالقصد إليه هو الغالب - انتهى. قال الحافظ: ويؤيده تسميتها زكاة، وقوله في الحديث "على كل حر وعبد" والتصريح بالأمر بها في حديث قيس بن سعد الآتي ولدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة:٤٣] فبين ﷺ تفاصيل ذلك، ومن جملتها زكاة الفطر- انتهى. وقالت طائفة: هي فعل خير مندوب إليه، كانت واجبة، ثم نسخت، قال به إبراهيم بن علية وأبوبكر بن كيسان الأصم. لما روى عن قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله، أخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي. قال الحافظ: وتعقب بأن في إسناده راوياً مجهولاً وعلى تقدير الصحة، فلا دليل فيه على النسخ الإحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط
стр. 2671
﴿الفصل الأول﴾
١٨٣٠- (١) عن ابن عمر، قال: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر
ــ
فرض آخر قلت: حديث قيس هذا سنده صحيح رواته ثقات، وقد صححه الحاكم والذهبي، والقول بأن في سنده راوياً مجهولاً خطأ فليس فيه مجهول قط. وقال الخطابي: حديث قيس هذا لا يدل على زوال وجوبها، وذلك أن الزيادة في جنس العبادة لا توجب نسخ الأصل المزيد عليه، غير أن محل سائر الزكوات الأموال، ومحل زكاة الفطر الرقاب - انتهى. وقال البيهقي: هذا لا يدل على سقوط فرضها، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط آخر. وقد أجمع أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، وإن اختلفوا في تسميتها فرضاً فلا يجوز تركها، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على فرضية صدقة الفطر. قلت: فيه نظر لما تقدم من الإختلاف في ذلك.
١٨٣٠- قوله: (فرض) أي أوجب وألزم (رسول الله ﷺ ) وما أوجبه فبأمر الله ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم:٣] قال الطيبي: دل قوله "فرض" على أن صدقة الفطر فريضة، والحنفية على أنها واجبة. قال القاري: لعدم ثبوتها بدليل قطعي فهو فرض عملي لا اعتقادي. وقال السندي: الحديث من أخبار الآحاد فمؤداه الظن فلذلك قال بوجوبه دون افتراضه، من خص الفرض بالقطع والواجب بالظن - انتهى. وقال ابن حجر: في الحديث دليل لمذهبنا، ولما رأى الحنفية الفرق بين الفرض والواجب بأن الأول ما ثبت بدليل قطعي. والثاني: ما ثبت بظني. قالوا: إن الفرض هنا بمعنى الواجب. وفيه نظر؛ لأن هذا قطعي لمعا علمت أنه مجمع عليه فالفرض فيه باق على حاله حتى على قواعدهم فلا يحتاج لتأويلهم الفرض هنا بالواجب - انتهى. قال القاري: وفيه أن الإجماع على تقدير ثبوته إنما هو في لزوم هذا الفعل، وأما أنه على طريق الفرض أو الواجب بناء على إصطلاح الفقهاء المتأخرين فغير مسلم، وأما قوله: ووجوبها مجمع عليه كما حكاه المنذري والبيهقي فمنقوض بأن جمعاً حكوا الخلاف فيها (كما تقدم) . قلت: حمل اللفظ في كلام الشارع على الحقيقة الشرعية متعين، لكن حمله على المصطلح الحادث غير صحيح، والصحابة ﵃ ما كانوا يعرفون هذا الاصطلاح الحادث. والفرق الذي قال به الحنفية فالظاهر هو ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من أن صدقة الفطر فريضة (زكاة الفطر) زاد مسلم في رواية "من رمضان" ونصبها على المفعولية "وصاعاً" بدل منها أو حال أو تميز أو على نزع الخافض أي في زكاة رمضان والمفعول "صاعاً" وقيل: نصب "صاعاً" على أنه مفعول ثان. واستدل بقوله "زكاة الفطر" على أن وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر؛ لأنه وقت الفطر من رمضان. وقيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد؛ لأن الليل ليس محلاً للصوم، وإنما يتبين الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر، والأول: قول الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي في الجديد وإحدى الراويتين عن مالك. والثاني: قول أبي حنيفة والليث والشافعي في
стр. 2672
صاعاً من تمر،
ــ
القديم، والرواية الثانية عن مالك. قال الحافظ: ويقويه قوله في الحديث وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة. قال المازري قيل: إن الخلاف ينبني على أن قوله: الفطر من رمضان الفطر المعتاد في سائر الشهر، فيكون الوجوب بالغروب أو الفطر الطاريء بعد فيكون بطلوع الفجر. وقال ابن دقيق العيد (ج٢ ص١٩٨) ما محصله الاستدلال بذلك لهذا الحكم ضعيف، لأن إضافتها إلى الفطر من رمضان، لا يستلزم أنه وقت الوجوب بل يقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان. وأما وقت وجوب فيؤخذ من أمر آخر. وقال ابن قدامة: (ج٣ ص٦٧) أما وقت وجوب زكاة الفطر فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان، فمن تزوج أو ملك عبداً أو ولد له ولدا أو أسلم قبل غروب الشمس فعليه الفطرة، وإن كان بعد الغروب لم تلزمه، ولو كان حين الوجوب معسراً ثم أيسر في ليلته تلك أو فييومه لم يجب عليه شيء، ولو كان في وقت الوجوب موسراً ثم أعسر لم تسقط عنه اعتباراً بحالة الوجوب. ومن مات بعد غروب الشمس ليلة الفطر فعليه صدقة الفطر، نص عليه أحمد وبما ذكرنا في وقت الوجوب. قال الثوري وإسحاق ومالك في إحدى الروايتين عنه والشافعي في أحد قوليه. وقال الليث وأبوثور وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد وهو رواية عن مالك (صاعاً من تمر) وهو خمسة أرطال وثلث رطل بالبغدادي، ويقال له: الصاع الحجازي؛ لأنه كان مستعملا في بلاد الحجاز، وهو الصاع الذي كان مستعملاً في زمن النبي ﷺ ، وبه كانوا يخرجون صدقة الفطر. وزكاة المعشرات وغيرهما من الحقوق الواجبة المقدرة في عهد النبي ﷺ ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبويوسف وعلماء الحجاز. وقال أبوحنيفة ومحمد. بالصاع العراقي، وهو ثمانية أرطال بالرطل المذكور. وإنما قيل له العراقي، لأنه كان مستعملاً في بلاد العراق، وهو الذي يقال له الصاع الحجاجي؛ لأنه أبرزة الحجاج الوالي، وكان أبويوسف يقول كقول أبي حنيفة ثم رجع إلى قول الجمهور، لما تناظر مع مالك بالمدينة فأراه الصيعان التي توراثها أهل المدينة عن إسلافهم من زمن النبي ﷺ . فائدة قال القسطلاني: الرطل البغدادي مائة وثلاثون درهماً على الأصح عند الرافعي ومائة وثمانية وعشرون درهماً، وأربعة أسباع درهم على الأصح عند النووي، فالصاع على الأول ستمائة درهم وثلاثون وتسعون درهماً وثلث درهم، وعلى الثاني: ستمائة درهم وخمسة وثمانون درهماً وخمسة أسباع درهم والأصل الكيل. وإنما قدر بالوزن استظهاراً. قال في الروضة: وقد يشكل ضبط الصاع بالأرطال فإن الصاع المخرج به في زمن النبي ﷺ مكيال معروف، ويختلف قدره وزناً باختلاف جنس ما يخرج كالذرة والحمص وغيرهما. والصواب ما قاله أبوالفرج الدارمي من الشافعية، إن الاعتماد على الكيل بصاع معاير بالصاع الذي كان يخرج به في عصره ﷺ ، ومن لم يجده لزمه إخراج قدر يتيقن أنه لا ينقص عنه وعلى هذا فالتقدير بخمسة أرطال وثلاث رطل تقريب - انتهى. وقد سبق شيء من الكلام فيه في شرح حديث الأوساق ومن أراد
стр. 2673
أو صاعاً من شعير،
ــ
مزيد التفصيل فليرجع إلى طرح التثريب (ج٤ ص٥٣- ٥٤- ٥٥) . (أو صاعاً من شعير) قال الباجي: لفظة أو ههنا على قول جماعة أصحابنا لا يصح أن تكون للتخيير، وإنما هي للتقسيم، ولو كانت للتخيير لاقتصى أن يخرج الشعير من قوته غيره من التمر مع وجوده، ولا يقول هذا أحد منهم فتقديره صاعاً من تمر على من كان ذلك قوته، أو صاعا من شعير على من كان ذلك قوته - انتهى. وقال القاري: أو للتخيير بين النوعين وما في معناهما فليس ذكرهما لحصر إلا عطاء منها - انتهى. قلت: الظاهر إن "أو" للتخيير وإنه يخرج من أيهما شاء صاعاً وسيأتي مزيد الكلام عليه في شرح حديث أبي سعيد. قال الحافظ: لم تختلف الطرق عن ابن عمر في الاقتصار على هذين الشيئين إلا ما أخرجه أبوداود والنسائي وغيرهما من طريق عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع، فزاد فيه السلت والزبيب. فأما السلت فهو نوع من الشعير. وأما الزبيب فسيأتي ذكره في حديث أبي سعيد. وأما حديث ابن عمر فقد حكم مسلم في كتاب التمييز على عبد العزيز فيه بالوهم - انتهى. قلت: ظاهر رواية الكتاب إنه لا يجزيء غير التمر والشعير. وبذلك قال ابن حزم ومن وافقه: لكن ورد في روايات أخرى ذكر أجناس أخرى وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. قال العيني: يستفاد من الحديث إن صدقة الفطر من التمر والشعير صاع، ومذهب داود ومن تبعه أنه لا يجوز إلا من التمر والشعير، ولا يجزيء عنده قمح ولا دقيقة ولا دقيق شعير ولا سويق ولا خبز ولا زبيب ولا غير ذلك. واحتج في ذلك بهذا الحديث قال: لأنه ذكر فيه ابن عمر التمر والشعير ولم يذكر غيرهما - انتهى. وقال القسطلاني: يجب من غالب قوت بلده "فأو" ليست للتخيير بل لبيان الأنواع التي يخرج منها، وذكراً لأنهما الغالب في قوت أهل المدينة، وجاءت أحاديث أخرى بأجناس أخرى وسيأتي مزيد الكلام في هذه المسألة. واستدل بإطلاق الحديث على وجوب صدقة الفطر على أهل البادية والعمود والقرى، وعلى أن النصاب ليس بشرط، ويدل عليه أيضاً رواية مالك بلفظ: فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس. واختلف العلماء في ذلك. قال ابن رشد: (ج١ ص٢٥٠) أجمعوا على أن المسلمين مخاطبون بها ذكراناً كانوا أو إناثاً صغاراً أو كباراً عبيداً أو أحراراً لحديث ابن عمر إلا ما شذ فيه الليث. فقال: ليس على أهل العمود زكاة الفطر، وإنما هي على أهل القرى ولا حجة له. قال وليس من شرط هذه الزكاة الغناء عند أكثرهم ولا نصاب بل أن تكون فضلاً عن قوته وقوت عياله. وقال أبوحنيفة وأصحابه: لا يجب على من تجوز له الصدقة؛ لأنه لا يجتمع أنه تجوز له، وإن تجب عليه وذلك بين - انتهى. وقال ابن قدامة: (ج٣ ص٦٠) أكثر أهل العلم يوجبون صدقة الفطر على أهل البادية، روى ذلك عن ابن الزبير، وبه قال ابن النسيب والحسن ومالك والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي. وقال عطاء والزهري وربيعة: لا صدقة عليهم، ولنا عموم الحديث. ولأنها زكاة فوجبت عليهم كزكاة المال، ولأنهم مسلمون فيجب عليهم صدقة الفطر كغيرهم. وقال (ج٣ ص٧٣) تحت قول الخرقي إذا كان عنده فضل عن قوت يومه
стр. 2674
على العبد والحر
ــ
وليلته. صدقة الفطر واجبة على من قدر عليها، ولا يعتبر في وجوبها نصاب، وبهذا قال أبوهريرة وأبوالعالية والشعبي وعطاء وابن سيرين والزهري ومالك وابن المبارك والشافعي وأبوثور. وقال أصحاب الرأي: لا تجب إلا على من يملك مائتي درهم أو ما قيمته نصاب فاضل عن مسكنه لقول رسول الله ﷺ : لا صدقة إلا عن ظهر غني (أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعاً) والفقير لا غنى له فلا تجب عليه كمن لا يقدر عليها، ولنا ما روى ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه إن رسول الله ﷺ قال: أدوا صدقة الفطر- الحديث. وفيه غنى أو فقير. أما غنيكم فيزكيه الله. وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى. والذي قاسوا عليه عاجز فلا يصح القياس عليه وحديثهم محمول على زكاة المال - انتهى. وقال الشوكاني في النيل: قد اختلف في القدر الذي يعتبر ملكه لمن تلزمه الفطرة فقال أبوحنيفة وأصحابة: أنه يعبر أن يكون المخرج غنياً غنى شرعياً، واستدل لهم بقوله ﷺ : إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى (أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعاً) وبالقياس على زكاة المال. ويجاب بأن الحديث لا يفيد المطلوب؛ لأنه بلفظ: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى كما أخرجه أبوداود - انتهى. قلت: وأخرجه البخاري أيضاً بهذا اللفظ وهو مشعر، بأن النفي في رواية أحمد للكمال، لا للحقيقة. فالمعنى لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غني. قال الشوكاني: وأما الاستدلال بالقياس فغير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، إذ وجوب الفطرة متعلق بالأبدان. والزكاة بالأموال. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكاً لقوت يوم وليلة. لما روى أنه طهرة للصائم ولا فرق بين الغني والفقير في ذلك. ويؤيد ذلك ما روى من تفسيره ﷺ من لا يحل له السؤال بمن يملك ما يغديه ويعشيه وهذا هو الحق، لأن النصوص أطلقت ولم يخص غنياً ولا فقيراً ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكاً له ولاسيما والعلة التي شرعت لها الفطرة موجودة في الغني والفقير وهي التطهرة من اللغو والرفث واعتبار كونه وأجد القوت يوم وليلة أمر لابد منه، لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم كما أخرجه البيهقي والدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً وفيه: أغنوهم في هذا اليوم وفي رواية للبيهقي: أغنوهم عن طواف هذا اليوم، وأخرجه أيضاً ابن سعد في الطبقات من حديث عائشة وأبي سعيد فلو لم يعتبر في حق المخرج ذلك لكان ممن أمرنا بإغناءه في ذلك اليوم، لا من المأمورين بإخراج الفطرة وإغناء غيره. وبهذا يندفع ما اعترض به صاحب البحر عن أهل هذه المقالة من أنه يلزمهم إيجاب الفطرة على من لم يملك إلا دون قوت اليوم ولا قائل به - انتهى كلام الشوكاني. (على العبد) ظاهره إخراج العبد عن نفسه ولم يقل به إلا داود. فقال يجب على السيد إن يمكن العبد من الاكتساب لها كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة وخالفه أصحابة والناس. واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعاً: ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر أخرجه، مسلم ومقتضاه إنها ليست عليه بل على سيده. ثم افترقوا
стр. 2675
والذكر والأنثى
ــ
فرقتين فقالت طائفة: تجب على السيد ابتداء، وكلمة "على" بمعنى عن وحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض وقال آخرون: تجب على العبد ثم يحملها سيده عنه فكلمة الاستعلاء جارية على ظاهرها وقال القاضي البيضاوي: جعل وجوب زكاة الفطر على السيد كالوجوب على العبد مجازاً، إذ ليس هو أهلاً، لأن يكلف بالواجبات المالية، ويؤيد ذلك عطف الصغير عليه. ولفظ "العبد" يعم عبد التجارة وغيره فتجب على السيد عن عبيده سواء كانوا لتجارة أو لغير تجارة، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة خلافا لأبي حنيفة والنخعي وعطاء. قال ابن قدامة: فأما العبيد فإن كانوا لغير التجارة فعلى سيدهم فطرتهم لا نعلم فيه خلافاً، وإن كانوا للتجارة فعليه أيضاً فطرتهم، وبهذا قال مالك والليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر. وقال عطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي: لا تلزمه فطرتهم؛ لأنها زكاة ولا تجب في مال واحد زكاتان وقد وجبت فيهم زكاة التجارة، فيمتنع وجوب الزكاة الأخرى. ولنا عموم الأحاديث. ولأن نفقتهم واجبة فوجبت فطرتهم كعبيد القنية، أو نقول مسلم تجب مؤنته فوجبت فطرته كالأصل وزكاة الفطر تجب على البدن، ولهذا تجب على الأحرار وزكاة التجارة عن القيمة وهي المال - انتهى. (والذكر والأنثى) ظاهر وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال الثوري وأبوحنيفة وابن المنذر. وقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق تجب على زوجها إلحاقاً بالنفقة، وفيه نظر، لأنهم قالوا: إن أعسر وكانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على السيد بخلاف النفقة فافترقا. واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزمه. وإنما احتج الشافعي بما رواه من طريق محمد بن علي بن الباقر مرسلاً نحو حديث ابن عمر، وزاد فيه ممن تمونون. وأخرجه البيهقي من هذا الوجه فزاد في سنده ذكر على وهو منقطع أيضاً. وأخرجه من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف كذا في الفتح. وقال ابن قدامة: (ج٣ ص٦٩) في شرح قول الخرقي "ويلزمه أن يخرج عن نفسه وعن عياله" عيال الإنسان من يعوله أي يمونه فتلزمه فطرتهم كما تلزمه مؤنتهم، ذا وجد ما يؤدي عنهم لحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض صدقة الفطر عن كل صغير وكبير وحر وعبد ممن تمونون. والذين يلزم الإنسان نفقتهم وفطرتهم ثلاثة أصناف. الزوجات، والعبيد، والأقارب. فأما الزوجات: فعليه فطرتهن، وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق. وقال أبوحنيفة والثوري وابن المنذر لا تجب عليه فطرة امرأته وعلى المرأة فطرة نفسها لقول النبي ﷺ : صدقة الفطر على كل ذكر وأنثى، ولأنها زكاة فوجبت عليها كزكاة مالها. ولنا الخير ولأن النكاح سبب تجب به النفقة فوجبت به الفطرة كالملك والقرابة بخلاف زكاة المال فإنها لا تتحمل بالملك والقرابة قال: وإن نشزت المرأة في وقت الوجوب ففطرتها على نفسها دون زوجها، لأن نفقتها لا تلزمه. واختار أبوالخطاب: إن عليه فطرتها لأن الزوجية ثابتة عليها فلزمته فطرتها والأول أصح، لأن هذه ممن لا تلزمه مؤنته فلا تلزمه فطرته كالأجنبية، وكذلك كل امرأة لا يلزمه نفقتها كغير المدخول بها إذا لم تسلم إليه. والصغيرة التي لا يمكن
стр. 2676
والصغير والكبير من المسلمين.
ــ
الاستمتاع بها فإنه لا تلزمه نفقتها ولا فطرتها؛ لأنها ليست من يمون - انتهى. قال ابن رشد: (ج١ ص٢٥١) اتفق الجمهور على أن هذه الزكاة ليست بلازمة لمكلف مكلف في ذاته فقط، كالحال في سائر العبادات، بل ومن قبل غيره لإيجابها على الصغير والعبيد، فمن فهم من هذا علة الحكم الولاية. قال الولي: يلزمه إخراج الصدقة عن كل ما يليه، ومن فهم من هذه النفقة قال المنفق يجب أن يخرج الزكاة عن كل من ينفق عليه بالشرع، وإنما عرض هذا الاختلاف لأنه اتفق في الصغير والعبد وهما اللذان نبها على أن هذه الزكاة ليست معلقة بذات المكلف فقط، بل ومن قبل غيره إن وجدت الولاية فيها. ووجوب النفقة فذهب مالك (ومن وافقه) إلى أن العلة في ذلك وجوب النفقة، وذهب أبوحنيفة إلى أن العلة في ذلك الولاية ولذلك اختلفوا في الزوجة - انتهى. (والصغير والكبير) ظاهره وجوبها على الصغير لكن المخاطب عنه وليه فوجوبها على هذا في مال الصغير فيخرج عنه وليه من ماله. وإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته من أب وغيره، وهذا قول الجمهور. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقاً، ولو كان للصغير مال لم تخرج عنه. فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه، وقال ابن حزم: هي في مال الصغير إن كان له مال. وإلا سقطت عنه، قال ابن قدامة: وعموم قوله الصغير والكبير يقتضي وجوبها على اليتيم، ولأنه مسلم فوجبت فطرته كما لو كان له أب. وقال الحسن وابن المسيب والشعبي: لا تجب إلا على من صام. لحديث ابن عباس الآتي صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث. وأجيب بأن ذكر التطهير خرج على الغالب كما أنها تجب على من لم يذنب كمتحقق الصلاح، أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة (من المسلمين) لأئمة الحديث كلام طويل في هذه اللفظة، لأنه لم يتفق عليها الرواة لهذا الحديث إلا أنها زيادة من عدل ثقة حافظ فتقبل، وهي تدل على اشتراط الإسلام في وجوب صدقة الفطر، وإنها لا تجب على الكافر عن نفسه وهذا متفق عليه. وهل يخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ فقال الجمهور: لا خلافاً لعطاء والنخعي وإسحاق ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والثوري وأبي حنيفة وأصحابة. واستدلوا بعموم قوله: ليس على المسلم في عبده إلا صدقة الفطر. وأجاب الآخرون بأن الخاص يقضي على العام. فعموم قوله: في عبده مخصوص بقوله: من المسلمين وفيه ما قال الشوكاني إن قوله من المسلمين أعم من قوله في عبده من وجه، وأخص من وجه فتخصيص أحدهما بالآخر تحكم ولكنه يؤيد اعتبار الإسلام ما عند مسلم بلفظ: على كل نفس من المسلمين حر أو عبد واحتج بعضهم على وجوب إخراجها عن العبد الكافر بما روى الدارقطني وغيره عن ابن عمر أنه كان يخرج عن عبده الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث وتعقب بأنه لو صح حمل على أنه كان يخرج عنهم تطوعاً ولا مانع واحتج بعضهم أيضاً بما
стр. 2677
وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة)) . متفق عليه.
ــ
روى الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً، أدوا صدقة الفطر عن كل صغير أو كبير ذكر أو أنثى يهودي أو نصراني حر أو مملوك - انتهى. وأجيب عنه بأنه حديث ضعيف جداً، فإن مسنده سلاماً الطويل وهو متروك وأجاب الطحاوي عن قوله من المسلمين بأنه صفة للمخرجين لا للمخرج عنهم. ورُدّ بأنه يأباه ظاهر الحديث؛ لأن فيه العبد وكذا الصغير، وهما ممن يخرج عنه فدل على أن الصفة الإسلام لا تختص بالمخرجين ويؤيده رواية مسلم بلفظ: على كل نفس من المسلمين حر أو عبد - الحديث. وقال في المصابيح: هو نص ظاهر في أن قوله من المسلمين صفة لما قبله من المنكرات المتعاطفات بأو فيندفع قول الطحاوي بأنه خطاب متوجه، معناه إلى السادة يقصد بذلك الاحتجاج لمن ذهب إلى إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر - انتهى. وأجاب بعض الحنفية بجواب آخر وهو أن قوله: من المسلمين لا يعتبر مفهومه المخالف عند الحنفية. قالوا: والنكتة في ذكر هذا القيد هي التنبيه على الأهم والأشراف حيث نص عليه بعد دخوله تحت الاسم المطلق. وفيه إن مسألة مفهوم المخالفة مبحث لغوي، واستعمال أهل اللغة والشرع لمفهوم الصفة وعلمهم به معلوم لكل من له علم بذلك. وأما النكنة المذكورة فلا تتمشي ههنا لما وقع في رواية لمسلم: فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حر أو عبد أو رجل أو امرأة صغير أو كبير.. الخ فافهم (وأمر) أي رسول الله ` ﷺ (بها) أي بصدقة الفطر (أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة) أي صلاة العيد. قال الطيبي: هذا أمر استجاب لجواز التأخير عن الخروج عند الجمهور إلى الغروب وحكى الخطابي الإجماع على هذا الاستحباب، وقال العيني: لم يحك الترمذي فيه خلافاً. وقال ابن حزم: الأمر فيه للوجوب فيحرم تأخيرها عن ذلك الوقت- انتهى. وقال الحافظ: استدل به على كراهة تأخيرها عن ذلك، وحمله ابن حزم على التحريم - انتهى. قلت: يدل الحديث على أن المادرة بها هي المطلوب المأمور بها فلو أخرها عن الصلاة أثم وخرجت عن كونها صدقة فطر، وصارت صدقة من الصدقات. وقد ورد ذلك مصرحاً عند أبي داود من حديث ابن عباس. قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصيام من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات - انتهى. قال القاري: هذا الخبر يفيد الوجوب إلا أن جماعة إدعوا إن إخراجه قبل صلاة العيد أفضل إجماعاً - انتهى. قلت ويؤكد كون الأمر للوجوب ما روى ابن عدي والدارقطني وغيرهما من حديث ابن عمر، أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم - انتهى. فإنه لا يحصل الغني للفقراء في هذا اليوم والاستراحة عن الطواف، إلا بإعطاءهم صدقة الفطر أول اليوم. فالحق عندي: هو إن الأمر في حديث الباب للوجوب لا للاستجاب والله تعالى أعلم. (متفق عليه)
стр. 2678
١٨٣١- (٢) وعن أبي سعيد، قال: ((كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام،
ــ
وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم مطولاً ومختصراً، من أحب الوقوف على اختلاف ألفاظه رجع إلى جامع الأصول (ج٥ ص٣٤٧- ٣٤٨- ٣٤٩) والتقريب مع طرح التثريب (ج٤ ص٤٣، ٤٨) .
١٨٣١- قوله: (كنا نخرج زكاة الفطر) وفي رواية للبخاري كنا نعطيتها في زمان النبي ﷺ . وفي أخرى له أيضاً كنا نخرج في عهد النبي ﷺ . وعند مسلم كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر. قال الحافظ: هذا حكمه الرفع لإضافته إلى زمنه ﷺ ، ففيه إشعار بإطلاعه ﷺ على ذلك وتقريره له، ولاسيما في هذه الصورة التي كانت توضع عنده وتجمع بأمره وهو الآمر بقبضها وتفريقها - انتهى. وفي هذا رد على ابن حزم في زعمه إن حديث أبي سعيد ليس مسنداً، لأنه ليس فيه إن رسول الله علم بذلك وأقره، وهذا لأن ألفاظ الحديث تدل على أن ذلك كان معلوماً معروفاً على عهد رسول الله ﷺ ، ولا يخفي مثل ذلك على رسول الله ﷺ (صاعاً من طعام) قال السندي في حاشية ابن ماجه: يحتمل إن صاعاً من طعام أريد به صاع من الحنطة فإن الطعام وإن كان يعم الحنطة وغيرها لغة لكن اشتهر في العرف إطلاقه على الحنطة، ويؤيده المقابلة بما بعده، ويحتمل أن يكون صاعاً من طعام مجملاً ويكون ما بعده بياناً له كأنه بين إن الطعام الذي كانوا يعطون منه الصاع، كان تمراً وشعيراً وإقطاً لا حنطة. ويؤيده ما روى البخاري عن أبي سعيد كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعاً من طعام وكان طعامنا يومئذ الشعير والزبيب والأقط والتمر، وكذا ما رواه ابن خزيمة عن ابن عمر قال: لم تكن الصدقة على عهد رسول الله ﷺ إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة فينبغي أن يتعين الحمل على هذا المعنى، بل يستعبد أن يكون المعلوم عندهم المعلوم فيما بينهم صاعاً من الحنطة فيتركونه إلى نصفه بكلام معاوية، بل لا يبقى لقول معاوية، إن النصف يعدل الصاع حينئذ وجه إلا بتكلف. وبالجملة فمعنى هذا الحديث أنه ما كان عندهم نص منه ﷺ في البر بصاع أو بنصفه، وإلا فلو كان عندهم حديث بالصاع، لما خالفوه، أو بنصفه لما احتاجوا إلى القياس، بل حكموا بذلك ويدل على هذا حديث ابن عمر في هذا الباب المروي في الصحاح - انتهى كلام السندي. قلت: اختلفوا في تعيين المراد من الطعام في هذا الحديث، قال الخطابي في المعالم (ج٢ ص٥٠- ٥١) : زعم بعض أهل العلم إن المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه عندهم اسم خاص للبر. قال: ويدل على صحة ذلك أنه ذكر في الخبر الشعير والأقط والتمر والزبيب وهي أقواتهم التي كانوا يقتاتونها في الحضر والبدو، ولم يذكر الحنطة وكانت أغلاها وأفضلها كلها، فلولا أنه أرادها بقوله"صاعاً من طعام" لكان يجري ذكرها عند التفصيل كما جرى ذكر غيرها من سائر الأقوات، ولاسيما حيث عطفت عليها بحرف
стр. 2679
..........................
ــ
أو الفاصلة. وقال ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢٠٠) : قد كانت لفظة الطعام تستعمل في البر عند الإطلاق حتى إذا قيل: أذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق البر، وإذا غلب العرف بذلك نزل اللفظ عليه، لأن ما غلب إطلاق اللفظ عليه فحطورة عند الإطلاق أقرب فينزل اللفظ عليه. قال الخطابي: وزعم الآخرون إن هذا جملة قد فصلت، والتفصيل لا يخالف الجملة. وإنما قال. في أول الحديث صاعاً من طعام، ثم فصله. فقال: صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير أو كذا أو كذا، واسم الطعام شامل لجميع ذلك - انتهى. وقال القاري: قال علماءنا: إن المراد بالطعام المعنى الأعم لا الحنطة بخصوصها، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام، واستدركه الكرماني فقال: لكن هذا العطف إنما هو فيما إذا كان الخاص أشرف وهذا بعكس ذلك. قال الحافظ: وقد رد ذلك أي حمل الطعام على البر ابن المنذر. وقال: ظن أصحابنا إن قوله في حديث أبي سعيد صاعاً من طعام حجة لمن قال صاعاً من حنطة وهذا غلط منه، وذلك إن أباسعيد أجمل الطعام ثم فسره، ثم أورد طريق حفص ابن ميسرة عند البخاري وغيره، إن أباسعيد قال: كنا نخرج في عهد النبي ﷺ يوم الفطر صاعاً من طعام. قال أبوسعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر وهي ظاهرة فيما قال. وأخرج الطحاوي نحوه من طريق أخرى. وقال: فيه "ولا يخرج غيره" وفيه قوله فلما جاء معاوية وجاءت السمراء دليل على أنها لم تكن قوتاً لهم قبل هذا، فدل على أنها لم تكن كثيرة ولا قوتاً فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجوداً - انتهى كلامه. وأخرج ابن خزيمة من طريق فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر قال: لم تكن الصدقة على عهد رسول الله ﷺ إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة، ولمسلم من وجه آخر عن عياض عن أبي سعيد كنا نخرج من ثلاثة أصناف صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة. وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة، فيتحمل أن تكون الذرة فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن وهي قوت غالب لهم، وقد روى الجوزقي من طريق ابن عجلان عن عياض في حديث أبي سعيد صاعاً من تمر، صاعاً من سلت أو ذرة - انتهى كلام الحافظ. وأجاب البرماوي عن رواية حفص بن ميسرة بأن الطعام فيها محمول على معناه اللغوي الشامل لكل مطعوم. قال: فلا ينافي تخصيص الطعام فيما سبق بالبر؛ لأنه قد عطف عليه الشعير وغيره فدل على التغاير، وهذا كالوعد فإنه عام في الخير والشر، وإذا عطف عليه الوعيد خص بالخير وليس هو من عطف الخاص على العام، نحو فاكهة ونخل ورمان وملائكته وجبريل. فإن ذلك إنما هو فيما إذا كان الخاص أشرف وهنا بالعكس. وقال الكرماني: فإن قلت قوله قال أبوسعيد: وكان طعامنا. الخ مناف لما تقدم من قولك إن الطعام هو الحنطة ثم أجاب بقوله: لا نزاع في أن الطعام بحسب اللغة عام لكل إنما البحث فيما يعطف عليه الشعير وسائر الأطعمة
стр. 2680
.........................
ــ
فإن العطف قرينة لإرادة المعنى العرفي منه وهو البر بخصوصه - انتهى. ولا يخفى ما فيه من التكلف والظاهر عندي: هو قول من قال إن الطعام في قوله صاعاً من طعام مجمل، وما ذكره بعده بيان له كما يدل عليه طريق حفص ابن ميسرة وحديث ابن عمر عندي ابن خزيمة، وأن الصحابة ما كانوا يخرجون البر في عهده ﷺ كما يدل عليه رواية النسائي والطحاوي، كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من أقط لا نخرج غيره. وإن أباسعيد ما أخرج البر في صدقة الفطر قط، لا في زمانه ﷺ ، ولا فيما بعده، لا صاعاً ولا نصفه، كما يدل عليه رواية مسلم إن معاوية لما جعل نصف الصاع من الحنطة عدل صاع من تمر، أنكر ذلك أبوسعيد. وقال: لا أخرج فيها إلا الذي كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من شعير أو صاعاً سن أقط وفي رواية. قال أبوسعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت وإن أباسعيد لما تحقق عنده إن الصحابة أخرجوا في زمنه ﷺ صاعاً من جميع ما أخرجوا من الشعير والأقط والتمر والزبيب. وغيرها ذهب إلى أن المقدار الواجب من كل شيء صاع، أو لما رأى أن النبي ﷺ شرع لهم صاعا من غير البر، ولم يبين لهم حال البر، فقاس عليه أبوسعيد حال البر، ورأى أن الواجب في البر أيضاً صاع. وقد روى أبوداود عن عياض قال سمعت أباسعيد يقول: لا أخرج أبداً إلا صاعاً (أي من كل شيء) إنا كنا نخرج على عهد رسول الله ﷺ صاع تمر أو شعير أو أقط أو زبيب وأخرج الطحاوي (ج١ ص٣١٩) عن عياض قال: سمعت أباسعيد وهو يسئل عن صدقة الفطر. قال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج على عهد رسول الله ﷺ صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب أو صاعا ًمن أقط فقال، له رجل أو مدين من قمح فقال لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها، ولا أعمل بها. وأخرجه أيضاً الدارقطني (ص٢٢٢) والحاكم (ص٤١١) وابن خزيمة والبيهقي (ج٤ ص١٦٦) وزاد فيه أو صاعاً من حنطة بعد قوله: صاعاً من تمر وقد صرح ابن خزيمة وأبوداود إن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ. وأما ما روى الطحاوي بسنده (ص٣١٩) عن أبي سعيد أنه قال: إنما علينا أن نعطي لكل رأس عند كل فطر صاعاً من تمر أو نصف صاع من بر، فلا يوازي الروايات المتقدمة فلا يلتفت إليه، والقول بأن حديث الباب يدل على أنهم كانوا يعطون من البر صاعاً، لكن على سبيل التبرع، يعني إن أباسعيد وغيره من الصحابة إنما كانوا يخرجون النصف الآخر تطوعاً واختياراً وفضلاً تأويل بعيد لا يخفى تكلفه وأما ما يذكر من الأحاديث المرفوعة في الصاع من القمح أو في نصفه فكلها مدخولة. قال البيهقي (ج٤ ص١٧٠) بعد إيراد أحاديث نصف الصاع من القمح. وقد وردت أخبار عن النبي ﷺ في صاع من بر، ووردت أخبار في نصف صاع، ولا يصح شيء من ذلك قد بينت علة كل واحد منها الخلافيات وروينا في حديث أبي سعيد وفي حديث أبي سعيد وفي حديث ابن عمر، إن تعديل نصف صاع من بر بصاع من شعير وقع بعد النبي ﷺ -
стр. 2681
.............................
ــ
وأما ما روى أبوداود وغيره من طريق عبد العزيز بن أبي داود عن نافع عن ابن عمر قال كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر أو زبيب فلما كان عمر وكثرت الحنطة فجعل عمر نصف صاع من حنطة مكان صاع من تلك الأشياء. فقال الحافظ: قد حكم مسلم في كتاب التمييز على عبد العزيز فيه بالوهم وأوضح الرد عليه. وقال ابن عبد البر: قول ابن عيينة: (أي في جعل معاوية نصف الصاع من الحنطة عدل صاع من تلك الأشياء) عندي أولى. وقال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي ﷺ يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا إن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة، إنهم رأوا إن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح - انتهى. قال الحافظ: وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك. وكذلك ابن عمر فلا إجماع في المسألة خلافا للطحاوي - انتهى. وتعقبه العيني فقال: أما أبوسعيد فإنه لم يكن يعرف في الفطرة إلا التمر والشعير والأقط والزبيب، والدليل عليه ما روى عنه في رواية، كنا نخرج على عهد رسول الله ﷺ صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير. الحديث - لا نخرج غيره. وأما روايته الأخرى كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، فقد بينت إن الطعام اسم لما يطعم مما يؤكل ويقتات فيتناول الأصناف التي ذكرها في حديثه، وجواب آخر إن أباسعيد إنما أنكر على معاوية على إخراجه المدين من القمح، لأنه ما كان يعرف القمح في الفطرة وكذلك ما نقل عن ابن عمر - انتهى. قلت: قد عرفت مما قدمنا إن أباسعيد كان يرى إن الواجب من كل شيء صاع خلافاً لمعاوية، ومن وافقه، ولكنه لم يخرج من البر قط لا صاعاً ولا نصفه لا؛ لأنه ما كان يعرف القمح في الفطرة بل إتباعاً لما كان يفعله الصحابة في زمانه ﷺ من إخراج غير البر، وكذا ابن عمر. فدعوى الإجماع على النصف من البر مع مخالفته أبي سعيد وابن عمر مردودة. وأعلم أن الواجب في صدقة الفطر عند مالك والشافعي وأحمد وإسحاق صاع عن كل إنسان لا يجزي أقل من ذلك من جميع الأجناس المخرج، وروى ذلك عن أبي سعيد الخدري والحسن وأبي العالية. وقال أبوحنيفة والثوري أنه يجزيء نصف صاع من البر خاصة. وروى ذلك عن عثمان وابن الزبير ومعاوية، وهو مذهب ابن المسيب وعطاء وطاووس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير وابن المبارك وغيرهم. واحتج لقول الأئمة الثلاثة بحديث أبي سعيد هذا، وذلك بوجوه. الأول إن الطعام في عرف أهل الحجاز اسم للحنطة خاصة لاسيما، وقد قرنه بباقي المذكورات قاله النووي. وقد تقدم الكلام على
стр. 2682
........................
ــ
هذا الاستدلال. والثاني: إن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر صاعاً من طعام والبر مما يطلق عليه اسم الطعام إن لم يكن غالباً فيه، وتفسيره بغير البر إنما هو؛ لأنه لم يكن معهوداً عندهم، فلا يجزيء دون الصاع منه، قاله الشوكاني: وهذا إنما يتمشى لوورد الحديث بلفظ: فرض رسول الله ﷺ صاعاً من طعام، ولكنه لم يقع في رواية أصلاً. ولو سلمنا فيمكن أن يقال إن البر على تسليم دخوله تحت لفظ الطعام مخصص، والأحاديث المرفوعة التي جاءت بنصف الصاع من البر. قال الشوكاني في النيل وفي السيل الجرار: وهي تنتهض بمجموعها للتخصيص- انتهى. والثالث: إن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لما كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع اختلافها في القيمة، دل ذلك على أن المراد إخراج هذا المقدار أي الصاع من أي جنس كان، ولا نظر إلى قيمته فلا فرق بين الحنطة وغيرها واستدل لمن قال بنصف الصاع من البر بأحاديث مرفوعة ذكرها الزيلعي (ج٢ ص٤١٨ و٤٢٣) والعيني (ج٩ ص١١٤، ١١٥) وسيأتي بعضها في هذا الباب وكلها مدخولة ضعفها أهل العلم بالحديث واستدل لهم أيضاً بأنه صار الإجماع على نصف الصاع من البر في زمن الصحابة. ففي رواية لمسلم: قال أبو سعيد كنا نخرج إذا كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية حاجاً أو معتمراً فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس: أن قال إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر، فأخذ الناس بذلك الحديث. قال النووي: هذا الحديث هو الذي اعتمده أبوحنيفة وموافقوه. والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابي، وقد خالفه أبوسعيد وغيره ممن هو أطول صحبة وأعلم بأحوال النبي ﷺ . وقد صرح معاوية بأنه رأى رأه لا أنه سمعه من النبي ﷺ ، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع كثرتهم في تلك اللحظة علم في موافقته معاوية عن النبي ﷺ لذكره كما جرى لهم في غير هذه القضية - انتهى. وأجاب الزيلعي عن هذا بأنه قد وافق معاوية غيره من الصحابة الجم الغفير بدليل قوله "فأخذ الناس" بذلك ولفظ "الناس" للعموم فكان إجماعاً وكذلك قول ابن عمر فعدل الناس به مدين من حنطة ولا يضر مخالفة أبي سعيد لذلك؛ لأنه لا يقدح في الإجماع - انتهى. قلت: هذا عجيب فإن الأصوليين قد صرحوا بأن مخالفة الواحد تمنع انعقاد لإجماع فكيف تصح دعوى انعقاد الإجماع من مخالفة أبي سعيد. وقد تقدم قول الحافظ إن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر فلا إجماع في المسألة قال: ومن جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير فعل ذلك بالاجتهاد بناء منه على أن قيم ماعدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن، لكن يلزم على قولهم إن تعتبر القيمة في كل زمان فيختلف الحال، ولا ينضبط
стр. 2683
أو صاًعا من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط،
ــ
وربما لزم في بعض الأحيان إخراج آصع من حنطة ويدل على أنهم لحظوا ذلك ما روى جعفر الفريابي في كتاب صدقة الفطر إن ابن عباس لما كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر، ويبين لهم إنها صاع من تمر إلى أن قال أو نصف صاع من بر. قال: فلما جاء على ورأى رخص أسعارهم قال اجعلوها صاعاً من كل. فدل على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبوسعيد إلى الكيل - انتهى. قلت: الأحوط عندي هو أن يخرج صاع من البر أيضاً ولو أخرج أحد نصف صاع منه أجزأه إنشاء الله نظراً إلى الأحاديث الضعيفة وآثار الصحابة في ذلك (أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر) اختلفوا في أن "أو" للتقسيم أو للتخيير. قال ابن رشد (ج١ ص٢) وأما مما ذا تجب فإن قوماً ذهبوا إلى أنها تجب من البر أو التمر أو الشعير أو الزبيب أو الأقط على التخيير. وقوم ذهبوا إلى أن الواجب عليه هو غالب قوت البلد، أو قوت المكلف إذا لم يقدر على قوت البلد وهو الذي حكاه عبد الوهاب عن المذهب. والسبب في اختلافهم واختلافهم في مفهوم حديث أبي سعيد الخدري فمن فهم من هذا الحديث التخيير قال أي أخرج من هذه أجزأ عنه، ومن فهم منه إن اختلاف المخرج ليس سببه الإباحة. وإنما سببه اعتبار قوت المخرج أو قوت غالب البلد قال بالقول الثاني - انتهى. وقال القاري قال ميرك: نقلاً عن الأزهار اختلف العلماء في أن "أو" في هذا الحديث لتخيير المؤدي من هذه الأشياء أو لتعيين واحد منها وهو الغالب فيه قولان. أحدهما: إنه للتخيير وبه قال أبوحنيفة: والثاني: إنه لتعيين أحد هذه الأشياء بالغلبة وهو غالب قوت البلد على الأصح وبه قال الأكثرون. ومعناه كنا نخرج هذه الأنواع بحسب أقواتنا ومقتضي أحوالنا - انتهى. وقال ابن الملك: أو هذه للتنويع لا للتخيير فإن القوت الغالب لا يعدل عنه إلى ما دونه في الشرف - انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣ ص٦٤) ومن أي الأصناف المنصوص عليها أخرج جاز، وإن لم يكن قوتاً له. وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد. وقال الشافعي: أي قوت كان الأغلب على الرجل أدى الرجل زكاة الفطر منه يعني إن الاعتبار بغالب قوت المخرج. ولنا إن خبر الصدقة ورد بحرف التخيير بين هذه الأصناف فوجب التخيير فيه؛ ولأنه عدل إلى منصوص عليه فجاز كما لو عدل إلى الأعلى والغني يحصل بدفع قوت من الأجناس، ويدل على ما ذكرنا إنه خير بين التمر والزبيب والأقط ولم يكن الزبيب والأقط قوتاً لأهل المدينة، فدل على أنه لا يعتبر أن يكون قوتاً للمخرج - انتهى. وقال ولي الدين العراقي من قال بالتخيير فقد أخذ بظاهر الحديث، ومن قال بتعيين غالب قوت البلد فإنه حمل الحديث على ذلك - انتهى. قلت: الراجح عندي: في ذلك قول من ذهب إلى التخيير وهو ظاهر الحديث فلا يعدل عنه (أو صاعاً من أقط) بفتح الهمزة مع كسر القاف أو ضمها أو فتحها أو إسكانها وبكسر الهمزة مع كسر القاف وإسكانها وبضم الهمزة مع إسكان القاف فقط، وهو الشيء يتخذ من اللبن المخيض كأنه نوع من اللبن
стр. 2684
أو صاعاً من زبيب)) .
ــ
الجاف. وقيل: هو لبن مجفف يابس جامد مستحجر غير منزوع الزبد يطبخ به، وفيه دليل على أجزاء الأقط في صدقة الفطر كغيره مما قرن به. واختلف العلماء فيه: فقال مالك بالأجزاء: إذا كان من أغلب القوت. وللشافعي فيه قولان أحدهما: كقول مالك. والثاني أنه لا يجزىء قال الحافظ: وعند الشافعية فيه خلاف، وزعم الماوردي أنه يختص بأهل البادية. وأما الحاضرة فلا يجزىء عنهم بلا خلاف. وتعقبه النووي في شرح المهذب. وقال قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع - انتهى. والمذكور في فروع الشافعية الأجزاء إذا كان غالب أقوات المخرج. قال النووي في شرح مسلم: يجزىء الأقط على المذهب - انتهى. وقال الحنفية: لا يجزىء إلا بدلاً عن القيمة. قال الكاساني في البدائع: أما الأقط فتعتبر فيه القيمة لا يجزىء إلا باعتبار القيمة؛ لأنه غير منصوص عليه من وجه يؤثق به، وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا بالقيمة - انتهى. قلت: هذا عجيب فإن الأقط منصوص عليه ثابت في حديث أبي سعيد عند الشيخين وغيرهما. فإعتبار القيمة فيه مردود قال الخرقي: إن أعطى أهل البادية الأقط صاعاً أجزأ إذا كان قوتهم. قال ابن قدامة: (ج٢:ص٦٠) يجزىء أهل البادية اخراج الأقط إذا كان قوتهم وكذلك من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه فأما من وجد سواه فهل يجزىء على روايتين، إحداهما: يجزئه أيضاً لحديث أبي سعيد وفي بعض ألفاظه. قال: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط أخرجه النسائي. والثانية: لا يجزئه لأنه جنس لا تجب الزكاة فيه فلا يجزىء إخراجه لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها كاللحم. ويحمل الحديث على من هو قوت له أو لم يقدر على غيره، فإن قدر على غيره، مع كونه قوتاً له فظاهر كلام الخرقي جواز إخراجه سواء كان من أهل البادية أو لم يكن، لأن الحديث لم يفرق، وقول أبي سعيد كنا نخرج صاعاً من أقط وهم أهل الأمصار وإنما خص أهل البادية بالذكر لأن الغالب أنه لا يقتاته غيرهم - انتهى. قلت: الظاهر عندي أنه يجزىء إخراجه لأهل الأمصار ولمن قدر على غيره من الأشياء المنصوص عليها، وإن لم يكن قوتاً له، لأن الحديث لم يفرق ولم يفصل. قال الحافظ: أراد البخاري بتفريق التراجم على هذه الأشياء، الإشارة إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع. إلا أنه لم يذكر الأقط، وهو ثابت في حديث أبي سعيد، وكأنه لا يراه مجزئاً في حال وجدان غيره كقوله أحمد. وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك، أو لم يقدر على غيره وظاهر الحديث يخالفه - انتهى. (أو صاعاً من زبيب) فيه وفي الأقط خلاف الظاهرية حيث لا يجوز عندهم إلا من التمر. والشعير وأجمع غيرهم على جواز الزبيب إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا: إن الواجب منه صاع. وإليه ذهب أبويوسف ومحمد وهي رواية عن أبي حنيفة. قال بعض الحنفية وعليه الفتوى. وفي رواية أخرى عنه نصف صاع كالقمح، وهي خلاف نص الحديث، وأجاب ابن حزم عن هذا الحديث بوجهين. أحدهما: أنه غير
стр. 2685
.........................
ــ
مسند لأنه ليس في شيء من طرقه إن رسول الله ﷺ علم بذلك فأقره. والثاني: أنه مضطرب فيه فإن في بعض طرقه إثبات الزبيب وفي بعضها نفيه، وفي بعضها ذكر الدقيق. والسلت، وقد تقدم الجواب عن الوجه الأول. وأما الثاني: فقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المحلي (ج٦:ص١٢٥) ليس هذا من الاضطراب في شيء بل إن بعض الرواة يطيل وبعضهم يختصر، ومنهم من يذكر شيئاً ويسهو عن غيره وزيادة الثقة مقبولة، فالواجب جمع كل ما روى في الروايات الصحيحة إذ لا تعارض بينهما أصلاً فائدة اختلفوا في الأفضل من الأجناس المنصوص عليها. فقال القسطلاني: مذهب الشافعية إن البر خير من التمر والأرز، والشعير خير من التمر؛ لأنه أبلغ في الأقتيات. التمر خير من الزبيب - انتهى. وقال الخرقي: اختيار أبي عبد الله (أحمد بن حنبل) اخراج التمر. قال ابن قدامة (ج٣:ص٦١ وبهذا قال مالك: قال ابن المنذر. واستحب مالك اخراج العجوة منه، وأختار الشافعي وأبوعبيد إخراج البر، وقال بعض أصحاب الشافعي: يحتمل أن يكون الشافعي قال ذلك؛ لأن البر كان أعلى في وقته ومكانه، لأن المستحب أن يخرج أغلاها ثمناً وأنفسها. وإنما اختار أحمد إخراج التمر إقتداء بأصحاب رسول الله ﷺ فروى بإسناده عن أبي مجلز. قال: قلت لابن عمر إن الله قد أوسع والبر أفضل من التمر. قال: إن أصحابي سلكوا طريقاً وأنا أحب أن أسلكه، وظاهر هذا إن جماعة من الصحابة كانوا يخرجون التمر فأحب ابن عمر موافقتهم وسلوك طريقتهم، وأحب أحمد أيضاً الإقتداء بهم إتباعهم. وروى البخاري عن ابن عمر قال: فرض النبي ﷺ صدقة الفطر - الحديث. وفيه كان ابن عمر يعطي التمر فأعوز أهل المدينة من التمر، فأعطى شعيراً، قال الحافظ: فيه دلالة على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر. وقد روى جعفر الفريابي من طريق أبي مجلز قال: قلت لابن عمر قد أوسع الله والبر أفضل من التمر أفلا تعطي البر. قال: لا أعطي إلا كما كان يعطي أصحابي. ويستنبط من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يقتات بها؛ لأن التمر أعلى من غيره، مما ذكر في حديث أبي سعيد، وإن كان ابن عمر فهم منه خصوصية التمر بذلك - انتهى. قال ابن قدامة. والأفضل بعد التمر البر، وقال بعض أصحابنا الأفضل بعده الزبيب، لأنه أقرب تناولاً، وأقل كلفة فأشبه التمر. ولنا إن البر أنفع في الأقتيات وأبلغ في دفع حاجة الفقير إلى آخر ما قال. فائدة أخرى اختلفوا في الإخراج عن غير هذه الأصناف مع القدرة عليها. قال الخرقي: ومن قدر على التمر أو الزبيب أو البر أو الشعير أو الأقط فأخرج غيره لم يجزه، قال ابن قدامة: (ج٣:ص٦٢) ظاهر المذهب أنه لا يجوز له العدول عن هذه الأصناف مع القدرة عليها سواء كان المعدول إليه قوت بلده أو لم يكن. وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد. وقال الشافعي: أي قوت كان الأغلب على الرجل أدى الرجل زكاة الفطر منه. واختلف أصحابه فمنهم من قال بقول مالك، ومنهم من قال الاعتبار بغالب قوت المخرج، ثم إن
стр. 2686
متفق عليه.
ــ
عدل عن الواجب إلى أعلى منه جاز، وإن عدل إلى ما دونه ففيه قولان. (أي للشافعي) أحدهما: يجوز لقوله ﵇ أغنوهم عن الطلب، والغني يحصل بالقوت. الثاني: لا يجوز؛ لأنه عدل عن الواجب إلى أدنى منه فلم يجزئه ولنا أن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر أجناساً معدودة فلم يجز العدول عنها كما لو اخراج القيمة وذلك؛ لأن ذكر الأجناس بعد ذكره الفرض تفسير للمفروض فما أضيف إلى المفسر يتعلق بالتفسير فتكون هذه الأجناس مفروضة فيتعين الإخراج منها. قال: والسلت نوع من الشعير فيجوز إخراجه لدخوله في المنصوص عليه، وقد صرح بذكره في بعض ألفاظ حديث ابن عمر، وحديث أبي سعيد عند النسائي، ويجوز إخراج الدقيق نص عليه أحمد، وكذلك السويق وقال مالك والشافعي: لا يجزىء إخراجهما لحديث ابن عمر، ولأن منافعه نقصت فهو كالخبر، ولنا حديث أبي سعيد وقوله فيه أو صاعاً من دقيق - انتهى. قلت: حديث أبي سعيد هذا أخرجه أبوداود والنسائي والدارقطني والبيهقي. قال أبوداود زاد سفيان بن عيينة فيه أو صاعاً من دقيق. قال حامد: (شيخ أبي داود) فأنكروا عليه فتركه سفيان. قال: أبوداود فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة. وقال الدارقطني: قال أبوالفضل: فقال له علي بن المدينى يعني لسفيان وهو معنا يا أبامحمد أحد لا يذكر في هذا الدقيق. قال: بلى هو فيه - انتهى. ولعل سفيان ذكر الدقيق أولا وتيقن به ثم شك فيه فتركه والله أعلم. وإذا عجز عن الأجناس المنصوص فقال الخرقي. أجزأه كل مقتات من كل حبة وتمرة. قال ابن قدامة: ظاهر هذا أنه لا يجزئه من غيرها كاللحم واللبن وقال أبوبكر يعطي ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها عند عدمها الإخراج مما يقتتاته كالذرة والدخن ولحوم الحيتان والأنعام، ولا يردون إلى أقرب قوت الأمصار - انتهى. ويجوز إخراج اللبن واللحم والجبن ممن هو قوته عند الشافعية والمالكية على المشهور (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والشافعي والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم مطولاً ومختصراً بألفاظ، من شاء الإطلاع عليها رجع إلى جامع الأصول (ج٥:ص٣٤٩-٣٥٠-٣٥١) . تنبيه اختلفوا في جواز إعطاء القيمة في صدقة الفطر، فمنعه الأئمة الثلاثة. وأجازه أبوحنيفة وأصحابه. قال الخرقي: من أعطى القيمة لم تجزئه. قال ابن قدامة: (ص٦٥) قال أبوداود: قيل لأحمد وأنا أسمع أعطى دراهم يعني في صدقة الفطر. قال: أخاف أن لا يجزئه خلاف سنة رسول الله ﷺ . وقال أبوطالب قال لي أحمد: لا يعطي قيمته، قيل له قوم يقولون عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمته، قال يدعون قول رسول الله ﷺ ويقولون قال فلان. قال ابن عمر: فرض رسول الله ﷺ وقال الله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ [المائدة:٩٢] وقال قوم يردون السنن قال فلان، قال فلان، وظاهر مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات، وبه قال مالك والشافعي، وقال الثوري وأبوحنيفة يجوز. وقد روى ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن، وروى عن أحمد مثل قولهم فيما عدا الفطرة، وقال
стр. 2687
﴿الفصل الثاني﴾
١٨٣٢- (٣) عن ابن عباس، قال: ((في آخر رمضان أخرجوا صدقة صومكم، فرض رسول الله ﷺ : هذه الصدقة صاعاً من تمر، أو شعير، أو نصف صاع من قمح
ــ
أبوداود: سئل أحمد عن رجل باع ثمر نخلته قال عشرة على الذي باعه قيل له فيخرج ثمراً أو ثمنه. قال إن شاء أخرج تمراً وإن شاء أخرج من الثمن، وهذا دليل على جواز إخراج القيم. ووجهه قول معاذ لأهل اليمن إيتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة. وقال سعيد: حدثنا سفيان عن عمرو عن طاووس قال لما قدم معاذ اليمن. قال ائتوني بعرض الثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. قال: وحدثنا جرير عن ليث عن عطاء. قال: كان عمر بن الخطاب يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم، ولأن المقصود دفع الحاجة ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر المالية باختلاف صور المال، ولنا قول ابن عمر فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، فإذا عدل عن ذلك فقد ترك المفروض وقال النبي ﷺ : في أربعين شاة، شاة. وفي مائتي درهم، خمسة دراهم، وهو وارد لبيان مجمل قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣] فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها والأمر للوجوب إلى آخر ما بسطه ووافق البخاري في ذلك الحنفية فقال بجواز إخراج العروض في الزكاة، إذا كانت بقيمتها إذ ترجم بقوله باب العرض في الزكاة وذكر فيه أثر طاووس المتقدم وغيره من الأحاديث. وقد أجاب الجمهور عن جميع ذلك كما بسطه الحافظ في الفتح. والراجح عندي: أنه لا يجوز القيمة في صدقة الفطر، وزكاة الأموال بل يتعين إخراج ما سماه النبي ﷺ إلا عند العذر. قال الشوكاني: في السيل الجرار في شرح قول صاحب حدائق الأزهار، إنما تجزيء القيمة للعذر. أقول هذا صحيح لأن ظاهر الأحاديث الواردة بتعين قدر الفطرة من الأطعمة إن إخراج ذلك مما سماه النبي ﷺ متعين، وإذا عرض مانع من إخراج العين كانت القيمة مجزئة لأن ذلك هو الذي يمكن من عليه الفطرة، ولا يجب عليه ما لا يدخل تحت إمكانه- انتهى.
١٨٣٢- قوله: (قال) أي ابن عباس والمعنى أنه قال للناس (أخرجوا) أي أدوا (صدقة صومكم) أي صدقة الفطر. والحديث رواه أبوداود والنسائي وغيرهما من طريق حميد الطويل عن الحسن البصري. قال: خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة. فقال: أخرجوا صدقة صومكم لفظ أبي داود، وللنسائي في رواية عن الحسن، قال: قال ابن عباس وهو أمير البصرة في آخر الشهر أخرجوا زكاة صومكم وفي أخرى له عن الحسن إن ابن عباس، خطب بالبصرة فقال: أدوا زكاة صومكم. ورواه البيهقي (ج٤ ص١٦٨) بلفظ، قال: أي الحسن خطبنا ابن عباس بالبصرة في آخر رمضان، فقال: "أدوا صدقة صومكم (أو نصف صاع من قمح)
стр. 2688
على كل حر أو مملوك ذكر أو أنثى صغير أو كبير)) . رواه أبوداود، والنسائي.
ــ
بفتح القاف وسكون الميم أي بر وبه قال أبوحنيفة، خلافاً للأئمة الثلاثة. والحديث منقطع كما اعترف به ابن التركماني (رواه أبوداود والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ ص٢٢٨) مختصراً و (ج١ ص٣٥١) مطولاً والدارقطني (ص٢٢٥) والبيهقي (ج٤ ص١٦٨) كلهم من رواية الحسن عن ابن عباس. وقد تكلموا في سماعه من عباس، وجزم كثير من أئمة الحديث كالنسائي وأحمد بن حنبل وابن المديني وأبي حاتم وبهز بن أسد والبزار، بأنه لم يسمع منه أنظر مختصر السنن للمنذري (ج٢ ص٢٢١) ونصب الراية (ج١ ص٩٠، ج٢ ص٤١٨) والتهذيب في ترجمة الحسن، والمراسيل لابن أبي حاتم (ص١٢، ١٣) والسنن الكبرى للبيهقي (ج٤ ص١٦٨) قال ابن المديني: لم يسمع الحسن من ابن عباس وما رآه قط كان الحسن بالمدينة أيام ابن عباس بالبصرة وقال أيضاً: في قول الحسن خطبنا ابن عباس بالبصرة قال إنما أراد خطب أهل البصرة كقول ثابت قدم علينا عمران بن حصين ومثل قول مجاهد، خرج علينا علي وكقول الحسن إن سراقة بن مالك حدثهم، وإنما حدث من حدثه وكذا قال أبوحاتم. وقال البزار: في مسنده بعد أن رواه لا يعلم روى الحسن عن ابن عباس غير هذا الحديث ولم يسمع الحسن من ابن عباس، وقوله "خطبنا" أي خطب أهل البصرة ولم يكن الحسن شاهد لخطبته ولا دخل البصرة بعد لأن ابن عباس خطب يوم الجمل، والحسن دخل أيام صفين - انتهى. وقال البزار: أيضاً في مسنده في آخر ترجمة ابن المسيب، أما قول الحسن خطبنا ابن عباس بالبصرة فقد أنكر عليه، لأن ابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحسن أيام صفين فلم يدركه بالبصرة، وتأول قوله خطبنا أي خطب أهل البصرة - انتهى. وقال ابن القيم في تهذيب السنن قال الترمذي: سألت البخاري عن حديث الحسن خطبنا ابن عباس فقال إن رسول الله ﷺ : فرض صدقة الفطر، فقال روى غير يزيد بن هارون عن حميد عن الحسن، خطب ابن عباس فكأنه رأى هذا أصح. قال الترمذي: وإنما قال البخاري هذا لأن ابن عباس كان بالبصرة في أيام علي والحسن البصري في أيام عثمان وعلي كان بالمدينة- انتهى. وقال البيهقي كذا قال محمد بن أبي بكر في روايته عن سهل بن يوسف عن حميد خطبنا. ورواه محمد بن المثنى عن سهل بن يوسف. فقال: خطب وهو أصح- انتهى. قلت: وكذا رواه يزيد بن هارون عند الدارقطني (ص٢٢٥) وخالفهم العلامة الشيخ أحمد شاكر حيث قال في تعليقه على المنذري، القول بعدم سماع الحسن من ابن عباس وعدم رويته إياه وهم، فإن الحسن عاصر ابن عباس يقيناً ولا يمنع كونه بالمدينة أيام ابن عباس على البصرة سماعه من ابن عباس قبل ذلك أو بعده ويقطع بسماعه منه ولقائه إياه، ما رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح (ج١ ص٣٣٧) عن ابن سيرين إن جنازة مرت بالحسن وابن عباس، فقام الحسن ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن لابن عباس أقام لها رسول الله ﷺ . فقال: قام وقعد. وقال في شرح هذا الحديث (ج٥ ص٤٩، ٥٠) إسناده
стр. 2689
١٨٣٣- (٤) وعنه، قال: ((فرض رسول الله ﷺ : زكاة الفطر طهراًً لصيام من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين)) .
ــ
صحيح وهو قاطع في صحة سماع الحسن من ابن عباس فإنه صريح في أنه لقي ابن عباس وسأله وسمع منه - انتهى. قلت: ويدل أيضاً على سماع الحسن منه ما جاء في مسند أبي يعلى الموصلي في حديث عن الحسن. قال: أخبرني ابن عباس. قال صاحب التنقيح: هذا إن ثبت دل على سماعه منه - انتهى. قلت: طرق حديث ابن عباس تدل على أن ابن عباس إنما يريد يبن حكم صدقة الفطر حين ما كان أميراً على البصرة من جهة على، وكان الحسن إذ ذاك بالمدينة لا بالبصرة كما تقدم ابن المديني، إن الحسن كان بالمدينة أيام ابن عباس بالبصرة، وهذا ظاهر في أن الحسن لم يسمع هذا الحديث من ابن عباس وثبوت سماعه منه في الجملة لا يستلزم سماع هذا الحديث منه، وإليه أشار الشيخ أحمد شاكر في شرحه للمسند (ج٣ ص٣١٨) بقوله نعم قد يمنع الرواية التي يعللونها في قوله خطبنا ابن عباس بالبصرة - انتهى. فالراجح عندي: إن هذا الحديث مرسل وقد اعترف بذلك ابن التركماني (ص١٦٩) والقاري وغيرهما من الحنفية. والحديث أخرجه الدارقطني من وجه آخر (ص٢٢١) وفيه الواقدي وهو مكشوف الحال ومن وجه أخر فيه سلام الطويل وهو متروك، ومن وجه آخر وفيه يحيى بن عباد وهو منكر الحديث جداً. قال الذهبي في تلخيصه: خبر منكر جداً. قال العقيلي: يحيى بن عباد عن ابن جريج حديثه يدل على الكذب. وقال الدارقطني: ضعيف - انتهى. هذا وقد صحح الشيخ أحمد شاكر سماع ابن سيرين من ابن عباس ورد على من زعم أنه لن يسمع منه أنظر شرحه للمسند (ج٣ ص٢٥٧) .
١٨٣٣- قوله: (طهراً لصيام) بضم الطاء وسكون الهاء أي تطهير الصوم. وقيل: الصيام جمع صائم كالقيام جمع قائم، وفي المصابيح طهرة للصائم بضم الطاء وبزيادة التاء في آخره، وكذا في ابن ماجه والدارقطني وكذا نقله الحافظ في الفتح والتلخيص والدراية وبلوغ المرام والزيلعي في نصب الراية (ج٢ ص٤١١- ٤١٦) والمجد في المنتقى والخطابي في المعالم (ج٢ ص٤٧) وهكذا وقع في بعض نسخ أبي داود، ووقع في بعضها طهرة للصيام وهكذا عند الحاكم والبيهقي وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٥ ص٣٥٤) أي تطهيراً لنفس من صام (من اللغو) هو ما لا يعقد عليه القلب من القول قاله ابن الأثير. وقال الطيبي المراد به القبيح (والرفث) الواقع منه في صومه وهو بفتح الراء والفاء. قال ابن الأثير: الرفث ههنا هو الفحش من الكلام. وقال الطيبي: هو في الأصل ما يجري من الكلام بين الرجل والمرأة تحت اللحاف ثم استعمل في كل كلام قبيح - انتهى. فيحمل قوله في تفسير اللغو على القبيح الفعلي أو العطف تفسيري (وطعمة) بضم الطاء وسكون العين وهو الطعام الذي يؤكل (للمساكين) استدل به على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة وقيل: هي كالزكاة ...
стр. 2690
رواه أبوداود.
ــ
فتصرف في الأصناف الثمانية لعموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات﴾ [التوبة:٦٠] والتنصيص على بعض الأصناف لا يلزم منه التنصيص، فإنه قد وقع ذلك في الزكاة ولم يقل أحد بتخصيص مصرفها، ففي حديث معاذ أمرت أن آخذها من أغنياءكم وأردها في فقرائكم. قال الخرقي: ويعطي صدقة الفطر لمن يجوز أن يعطى صدقة الأموال. قال ابن قدامة: (ج٣ ص٧٨) إنما كانت كذلك لأن صدقة الفطر زكاة فكان مصرفها مصرف سائر الزكات ولأنها صدقة فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ ولا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه، ولا يجوز دفعها إلى ذمي وبهذا قال مالك والليث والشافعي وأبوثور. وقال أبوحنيفة: يجوز، وعن عمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل ومرة الهمداني إنهم كانوا يعطون منها الرهبان. ولنا إنها زكاة فلم يجز دفعها لغير المسلمين كزكاة المال، ولا خلاف في أن زكاة المال لا يجوز دفعها إلى غير المسلمين. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن لا يجزيء أن يعطي من زكاة المال أحد من أهل الذمة - انتهى. واستدل بقوله "طهرة للصائم" على أنها تجب على الفقير كما تجب على الغني. قال الخطابي في المعالم: (ج٢ ص٤٧) قد عللت بأنها طهرة للصائم من الرفث واللغو فهي واجبة على كل صائم غني ذي جدة ويسر أو فقير يجدها فضلاً عن قوته إذ كان وجوبها عليه بعلة التطهير وكل من الصائمين محتاجون إليها فإذا اشتركوا في العلة اشتركوا في الوجوب - انتهى. واستدل به من ذهب إلى إسقاطها عن الأطفال لأنهم إذا كانوا لا يلزمهم الصيام فلا يلزمهم طهرة الصيام وقد تقدم الجواب عن هذا. واستدل البيهقي به على أنه لا يؤدي صدقة الفطر عن العبد الكافر الذي يمونه. ووجه الاستدلال أنه ﵇ جعل صدقة الفطر طهرة وزكاة، والكافر لا يتزكى، ولا يخفى ما في هذا الاستدلال (رواه أبوداود) أخرجه أيضاً ابن ماجه والدارقطني (ص٢١٩) والحاكم (ج١ ص٤٠٩) والبيهقي (ج٤ ص١٦٣) وسكت عنه أبوداود والمنذري وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الدارقطني: ليس في رواته مجروح - انتهى. وتمام الحديث عندهم من أداها قبل الصلاة (أي صلاة العيد) فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. قال الشوكاني: يعني التي يتصدق بها في سائر الأوقات وأمر القبول فيها موقوف على مشيئة الله تعالى. والظاهر أن من أخرج الفطرة بعد الصلاة العيد كان كمن لم يخرجها باعتبار اشتراكهما في ترك هذه الصدقة الواجبة. وقد ذهب الجمهور: إلى أن إخراجها قبل الصلاة العيد إنما هو مستحب فقط، وجزموا بأنها تجزيء إلى آخر يوم الفطر، والحديث يرد عليهم - انتهى. وقال ابن القيم بعد ذكر هذا الحديث: وحديث ابن عمر المتقدم بلفظ: أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة ما لفظه، ومقتضى هذين الحديثين أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد وإنها
стр. 2691
.............................
ــ
تفوت بالفراغ من الصلاة وهذا هو الصواب، فإنه لا معارض لهذين الحديثين ولا ناسخ ولا إجماع يدفع القول بهما، وكان شيخنا يقوي ذلك وينصره. ونظيره ترتيب الأضحية على صلاة الإمام لا على وقتها. وإن من ذبح قبل الصلاة الإمام لم تكن ذبيحته أضحية بل شاة لحم- انتهى. وتقدم عن العيني والحافظ إن ابن حزم ذهب إلى تحريم تأخيرها عن الخروج إلى الصلاة، وحمل الأمر على الوجوب وهذا هو الراجح عندنا واعلم إن لصدقة الفطر خمسة أوقات عند الجمهور. وقت جواز، ووقت وجوب، ووقت فضيلة واستحباب، ووقت كراهة، ووقت حرمة. وأما وقت الجواز: فهو أول شهر رمضان عند الشافعي وأول السنة عند الحنفية على ما هو المشهور عنهم، ويومان قبل العيد عند الملكية، على ما هو المعتمد عندهم وإليه ذهب أكثر الحنابلة. وقال بعضهم: بجواز تقديمها من بعد نصف الشهر. وقال ابن حزم: (ج٦ ص١٤٣) لا يجوز تقديمها قبل وقتها أصلاً. قال ابن قدامة: (ج٣ ص٦٨) يجوز تقديم الفطرة قبل العيد بيومين لا يجوز أكثر من ذلك. وقال ابن عمر: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو بيومين. وقال بعض أصحابنا: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر كما يجوز تعجيل أذان الفجر، والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل. وقال أبوحنيفة يجوز تعجيلها من أول الحول لأنها زكاة فأشبهت زكاة المال. وقال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه، فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلهما كزكاة المال بعد ملك النصاب. ولنا ما روى الجوزجاني عن يزيد بن هارون عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم والأمر للوجوب، ومتى قدمها بالزمان الكثير لم يحصل إغناءهم بها يوم العيد. وسبب وجوبها الفطر بدليل إضافتها إليه وزكاة المال سببها ملك النصاب، والمقصود إغناء الفقير بها في الحول كله فجاز إخراجها في جميعه، وهذه المقصود منها في وقت مخصوص فلم يجز تقديمها قبل الوقت. فأما تقديمها بيوم أو بيومين فجائز لما روى البخاري بسنده عن ابن عمر كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو بيومين، وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعاً، ولأن تعجيلها بهذا القدر لا يخل بالمقصود منها فإن الظاهر إنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد، فيستغني بها عن الطواف والطلب فيه - انتهى. قلت: قال البخاري بعد ذكر قول ابن عمر كانوا يعطون ليجمع لا للفقراء، وروى مالك عن نافع إن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. قال الحافظ: وأخرجه الشافعي عنه. وقال هذا حسن وأنا استحبه يعني تعجيلها قبل يوم الفطر- انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: أثر ابن عمر إنما يدل على جواز إعطاء صدقة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين ليجمع لا للفقراء كما قال البخاري. وأما إعطاءها بيوم أو يومين للفقراء فلم يقم عليه دليل- انتهى. قال الحافظ: وبدل على ذلك أي تعجيلها قبل الفطر أيضاً ما أخرجه البخاري في الوكالة وغيرها عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان الحديث
стр. 2692
﴿الفصل الثالث﴾
١٨٣٤- (٤) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ : ((بعث منادياً في فجاج مكة.
ــ
وفيه أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر، فدل على أنهم كانوا يعجلونها، وعكسه الجوزقي فاستدل به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر وهو محتمل للأمرين- انتهى. وهذا إن دل على التقديم فإنما يدل على جواز تقديمها للجمع لا على الأعطاء للفقراء قبل يوم الفطر. وقال في البدائع: بعد ذكر أقوال الحنفية المختلفة وجوهها، والصحيح أنه لا يجوز التعجيل مطلقاً، وذكر السنة والسنتين في رواية الحسن عن أبي حنيفة ليس على التقدير بل هو لبيان استكثار المدة، أي يجوز وإن كثرت المدة. ووجهه إن الوجوب إن لم يثبت فقد وجب سبب الوجوب، وهو رأس يمونه ويلي عليه، والتعجيل بعد وجوب السبب جائز كتعجيل الزكاة والعشور- انتهى. قلت: القول الراجح عندي هو ما ذهب إليه المالكية وأكثر الحنابلة من جواز تقديمها قبل الفطر بيوم أو يومين لا قبل ذلك والله تعالى اعلم. وأما وقت الوجوب فقد تقدم الكلام عليه وأما وقت الفضيلة. فقبل الخروج لصلاة العيد وهذا عند الأئمة الأربعة وأما وقت الكراهة فتأخيرها عن صلاة العيد إلا لعذر وهذا عند الشافعية والحنابلة. وقال مالك: وذلك واسع إن شاؤا أن يؤدوا قبل الغد ومن يوم الفطر وبعده (أي بعد الغدو) وقد تقدم عن الشوكاني وابن القيم وابن حزم أنه يجب أداءها قبل الخروج إلى الصلاة ويحرم تأخيرها عن الخروج فقبل الصلاة هو وقت وجوب الأداء عندهم لا وقت الفضيلة فقط، وبعد صلاة العيد هو وقت تحريم لا وقت كراهة فقط, وهذا هو الصواب. وأما وقت الحرمة: فتأخيرها عن يوم العيد وهذا عند المالكية والشافعية والحنابلة قال في شرح الإقناع: وهامشه ويحرم تأخيرها عن يوم العيد بلا عذر كغيبة ماله أو المستحقين، فلو أخرها بلا عذر عصى وصارت قضاء فيقضيها وجوباً فوراً- انتهى. وقال ابن قدامة: فإن أخرها عن يوم العيد إثم ولزمه القضاء وحكى عن ابن سيرين والنخعي الرخصة في تأخيرها عن يوم العيد، وروى محمد بن يحيى الكحال قال: قلت لأبي عبد الله فإن أخرج الزكاة ولم يعطها قال نعم، إذا أعدها لقوم. وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإتباع السنة أولى- انتهى. وقال في البدائع: أما وقت أداءها: فجميعه العمر عند عامة أصحابنا، ولا تسقط بالتأخير عن يوم الفطر لأن الأمر بأداءها مطلق عن الوقت فيجب في مطلق الوقت غير معين، وإنما يتعين بتعيينه فعلاً أو بآخر العمر كالأمر بالزكاة والعشر والكفارات وغير ذلك، وفي أي وقت أدى كان مؤدياً لا قاضياً كما في سائر الوجبات الموسعة غير أن المستحب أن يخرج قبل الخروج إلى المصلى- انتهى.
١٨٣٤-قوله: (بعث منادياً) زاد في رواية الدارقطني بعده ينادي (في فجاج مكة) بكسر الفاء جمع فج
стр. 2693
ألا أن صدقة الفطر واجبة، على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير، مدان من قمح، أو سواه، أو صاع من طعام)) . رواه الترمذي.
ــ
وهو الطريق الواسع (مدان من قمح) أي هي مدان من حنطة فهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف (أو سواه) أي من غير القمح وأو للتخيير وقيل: للتنويع (أو صاع من طعام) كذا في جميع النسخ الموجودة الحاضرة عندنا. قال القاري: قوله أو صاع شك من الراوي وقوله"من طعام" أي سوى القمح وهو يؤيد التأويل الذي قدمناه من أن الطعام يراد به المعنى الأعم. وقال ابن حجر: شك في أي اللفظين سمع - انتهى. وهو يحتمل أن يكون بدلاً من قوله "مدان أو سواه" انتهى كلام القاري. وقال الشيخ الدهلوي: في أشعة اللمعات: (أو سواه) أي أو سوى القمح من الزبيب كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة (أو صاع من طعام) أو للشك من الراوي إن كان المراد بالطعام القمح وللتنويع إن كان المراد به غير القمح- انتهى كلامه معرباً. قلت: كل هذا وهم وتكلف والحق إن لفظة أو قبل قوله "صاع" خطأ من النساخ، والدليل عليه أن نسخ الترمذي كلها متفقة على إسقاطها ولفظها أو سواه صاع من طعام ومعناه واضح جداً، وقوله "من طعام" بيان لقوله سواه كما يدل عليه رواية الدارقطني مدان من قمح أو صاع مما سواه من الطعام (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً الدارقطني (ص٢٢٠) كلاهما من طريق سالم بن نوح عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وأعله ابن الجوزي في التحقيق بسالم بن نوح قال. قال ابن المعين: ليس بشيء وتعقبه صاحب التنقيح فقال هو صدوق روى له مسلم في صحيحه. وقال أبوزرعة: صدوق ثقة وثقة ابن حبان. وقال النسائي: ليس بالقوى. وقال الدارقطني: فيه شيء. وقال ابن عدي: عند غرائب وأفراد وأحاديثه مقاربة مختلفة ذكره الزيلعي (ج٢ ص٤٢٠) . وقال الحافظ في الدراية: (ص١٦٩) ورواه الدارقطني من وجه أخر عن عمرو بن شعيب. وقد اختلف فيه على عمرو فقيل: عنه عن النبي ﷺ . وقيل: عنه بلغني إن النبي ﷺ انتهى. قلت: وله طريق رابع أخرجه الدارقطني والبيهقي (ج٤ ص١٧٣) من رواية المعتمر بن سليمان عن علي بن صالح عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومدار هذه الطرق الأربعة على ابن جريج وهو مدلس وصفه بالتدليس ابن حبان والنسائي وغيرهما. قال الدارقطني: تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح وذكره الحافظ في المرتبة الثالثة في طبقات المدلسين، ولم يصرح ابن جريج هنا بالسماع. وقال الترمذي. قال محمد ابن إسماعيل: لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب كذا في تهذيب التهذيب (ج٦ ص٤٠٥) وقال البيهقي (ج٤ ص١٧٣) بعد الإشارة إلى طريق سالم بن نوح. قال أبوعيسى الترمذي: سألت محمداً يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب - انتهى.
стр. 2694
١٨٣٥- (٥) وعن عبد الله بن ثعلبة، أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صاع من بر، أو قمح عن كل اثنين
ــ
١٨٣٥- قوله: (وعن عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير) بمهملتين مصغراً (عن أبيه) قال الحافظ في تهذيب التهذيب: في حرف العين المهملة عبد الله بن ثعلبة بن صعير، ويقال ابن أبي صعير مسح رسول الله ﷺ وجهه ورأسه زمن الفتح ودعا له، روى عن النبي ﷺ وعن أبيه (أي ثعلبة بن صعير) وعمر وعلي وسعد وأبي هريرة وجابر، وروى عنه الزهري وأخوه عبد الله بن مسلم وسعد بن إبراهيم وغيرهم. قال ابن سعد: كان أبوثعلبة بن صعير شاعراً وكان حليفاً لبني زهرة، وقال الحاكم: أبوأحمد، أبومحمد عبد الله بن ثعلبة بن صعير. قيل: إنه ولد قبل الهجرة (بأربع سنين) وقيل بعدها وتوفي سنة سبع. وقيل: سنة تسع وثمانين وهو ابن (٨٣) سنة. وقيل: ابن (٩٣) سنة. وقيل: غير ذلك في تاريخ وفاته ومبلغ سنة. وقال ابن السكن: يقال له صحبة وحديثه في صدقة الفطر مختلف فيه وصوابه مرسل، وليس يذكر في شيء من الروايات الصحيحة سماع عبد الله من النبي ﷺ ولا حضوره إياه. وقال أبوحاتم: قد رأى النبي ﷺ وهو صغير. وقال البخاري في التاريخ: عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن النبي ﷺ مرسل، إلا أن يكون عن أبيه وهو أشبه وزعم ابن حزم إن عبد الله بن ثعلبة مجهول - انتهى مختصراً. وقال في التقريب. عبد الله بن ثعلبة بن صعير بمهملتين مصغراًَََََََ، ويقال ابن أبي صعير له رؤية، ولم يثبت له سماع، مات سنة سبع أو تسع وثمانين وقد قارب التسعين. وقال: في حرف المثلثة من تهذيبه ثعلبة بن صعير، ويقال ابن عبد الله بن صعير ويقال ابن أبي صعير، ويقال عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري له حديث واحد عن النبي ﷺ في صدقة الفطر. وروى عنه ابنه عبد الله وفيه خلاف كثير أخرجه أبوداود على الاختلاف فيه. قال يحيى بن معين: ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، وثعلبة بن أبي مالك (القرظي) جميعاً قد رأيا النبي ﷺ . قلت: (قائله الحافظ) . وقال الدارقطني: الصواب فيه عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير لثعلبة صحبة ولعبد الله رؤية والله أعلم- انتهى. وقال في التقريب: ثعلبة بن صعير أو ابن أبي صعير العذري بضم المهملة وسكون المعجمة. ويقال ثعلبة بن عبد الله بن صعير، ويقال عبد الله بن ثعلبة بن صعير مختلفي صحبته (صاع من بر) أي صدقة الفطر صاع موصوف بأنه من بر (أو قمح) أو للشك من روايه حماد بن زيد كما في مسند الإمام أحمد (ج٥ ص٤٣٢) (عن كل اثنين) كذا في جميع النسخ وكذا نقله الخطابي في المعالم، وفي نسخ أبي داود على كل اثنين. وكذا نقله الزيلعي في نصب الراية يعني مجزيء عن كل اثنين، وفيه حجة لمذهب من أجاز نصف الصاع ممن البر، لكن الحديث مضطرب، فقد وقع في بعض الروايات عند الدارقطني وغيره صاع من قمح عن كل رأس،
стр. 2695
صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، أما أغنيكم فيزكيه الله. وأما فقيركم فيرد عليه أكثر مما أعطاه)) . رواه أبوداود.
ــ
وفي بعضها عن كل إنسان وفي بعضها نصف صاع من قمح (صغير أو كبير حراً أو عبد ذكر أو أنثى) زاد في رواية غني أو فقير (أما غنيكم) تفصيل لعلة وجوب صدقة الفطر (فيزكيه الله) التزكية بمعنى التطهير أو التنمية فالمناسب لحال الغني التطهير من الإمساك وبحال الفقير التنمية فيما أبقاه من القوت وهذا على أن يكون الفقير ممن يملك قوته قاله الطيبي: (وأما فقيركم) المراد به من يكملك صدقة الفطر زيادة على قوت نفسه وعياله ليوم العيد، وليلته (فيرد) أي الله (عليه أكثر مما أعطاه) أي هو المساكين. قال القاري: وفي نسخة بصيغة المجهول في فيرد وبرفع أكثر والأول أكثر - انتهى. قلت: في سنن أبي داود فيرد الله وكذا وقع عند الدارقطني والبيهقي وغيرهما، وكذا نقله الجزري والزيلعي. قال الخطابي في المعالم (ج٢ ص٥٢) : وفيه بيان أنها تلزم الفقير إذا وجد ما يؤديه ألا تراه يقول "وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه" فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه مع إجازته له أن يأخذ صدقة غيره - انتهى. وأجاب القاري عنه بأن المراد بالفقير الفقير بالإضافة إلى أكابر الأغنياء. وقال بعضهم: أو يقال إن الفقير إذا أعطى متطوعاً من غير أن يجب عليه يرد الله عليه أكثر مما أعطى ولا يخفى ما فيه من التكلف (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ ص٤٣٢) والدارقطني (ص٢٢٣) والطحاوي (ج١ ص٣٢٠) والبيهقي (ج٤ ص١٦٣، ١٦٤) وسكت عنه أبوداود. وقال المنذري في إسناده، النعمان بن راشد، ولا يحتج بحديثه - انتهى. قلت النعمان بن راشد هذا ضعفه يحيى بن القطان وابن معين وأبوداود والنسائي. وقال أحمد: مضطرب الحديث روى أحاديث مناكير. وقال: مهنأ ذكرت لأحمد حديث ثعلبة بن أبي صعير في صدقة الفطر نصف الصاع من بر، فقال ليس بصحيح. إنما هو مرسل يرويه معمر وابن جريج عن الزهري مرسلاً. قلت من قِبَل من هذا. قال: من قبل النعمان بن راشد وليس بالقوى في الحديث وضعف حديث ابن أبي صعير- انتهى. وقال البخاري: وأبوحاتم في حديثه وهم كثيرون وهو في الأصل صدوق. وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في الضعفاء فسمعت أبي يقول يحول عنه وذكره ابن حبان في الثقات. وقال النسائي: مرة صدوق فيه ضعف، وقال ابن معين: ضعيف مضطرب الحديث. وقال: مرة ثقة. وقال العقيلي: ليس بالقوى يعرف فيه الضعف. وقال ابن عدي: قد احتمله الناس روى عنه الثقات وله نسخة عن الزهري لا بأس به. وقال الحافظ في التقريب: صدوق سيء الحفظ- انتهى. وللحديث طرق أخرى عند أحمد وأبي داود والدارقطني وعبد الرزاق والطبراني والحاكم والبيهقي ذكرها الزيلعي (ج٢ ص٤٠٧) ومدار جميع طرق هذا الحديث على الزهري عن عبد الله بن ثعلبة. وقد اختلف عليه في إسناده ومتنه، وقد أوضح هذا الاختلاف الدارقطني في علله. ونقله عنه في نصب الراية. وقال ابن التركماني
стр. 2696
(٣) باب من لا تحل له الصدقة
﴿الفصل الأول﴾
١٨٣٦- (٢) عن أنس، قال: مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق، فقال: ((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)) .
ــ
في الجوهر: النقي هو حديث اضطراب إسناداً ومتناً وقد بين البيهقي بعض ذلك، وقال ابن عبد البر: هذا حديث مضطرب لا يثبت وليس دون الزهري في هذا الحديث من تقوم به حجة، واختلف عليه فيه أيضاً - انتهى. فإن قلت: روى عبد الرزاق ومن طريقه الدارقطني (ص٢٢٤) والطبراني عن ابن جريج عن الزهري عن عبد الله ابن ثعلبة. قال: خطب رسول الله ﷺ الناس قبل الفطرة بيوم أو يومين، فقال أدوا صاعاً من بر أو قمح بين اثنين- الحديث. وهذا سند صحيح قوي كما قال الزيلعي (ج٢ ص٤٠٧) قلت: قد تقدم إن حديث عبد الله بن ثعلبة عن النبي ﷺ مرسل، وفيه أيضاً ابن جريج وهو مدلس وقد عنعن، وعارضه رواية بكر بن وائل عن الزهري عند الدارقطني (ص٢٢٣) بلفظ: صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير عن كل واحد أو عن كل رأس أو صاع قمح ففي صحة طريق عبد الرزاق نظر.
(باب من لا تحل له الصدقة) قال في اللمعات: الظاهر إن معناه من لا يحلله أكل الصدقات وقد يجعل العنوان"باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه" والمآل واحد، لكنه يختلف المعنى في مادة الكافر، فإنه لا يجوز دفع الزكاة إليه يعني لا يبرأ الذمة بأدائها إليه، ولا يبحث من عدم حلها له ويصدق المعنيان في مثل بني هاشم فافهم.
١٨٣٦- قوله: (مر النبي ﷺ بتمرة) أي ملقاة (في الطريق فقال: لولا إني أخاف أن تكون من الصدقة) أي من تمرها (لأكلتها) فتركها تنزها لأجل الشبهة وهو احتمال كونها من الصدقة. والحديث ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المحقرات ملقي في الطرقات، لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعاً لخشية أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه لا لكونها مرمية في الطريق فقط. وقد أوضح ذلك ما روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي، فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها، فإنه ظاهر في أنه ترك أخذها تورعاً لخشية أن تكون صدقة فلو لم يخش ذلك لأكلها ولم يذكر تعريفاً. فدل على أن مثل ذلك يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف وفيه تحريم قليل الصدقة على النبي ﷺ ويؤخذ منه تحريم كثيرها من باب الأولى. قال النووي: فيه تحريم الصدقة على النبي ﷺ وأنه لا فرق بين صدقة الفرض
стр. 2697
متفق عليه.
١٨٣٧- (٢) وعن أبي هريرة، قال أخذ الحسن بن علي، تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه. فقال النبي ﷺ : ((كخ كخ
ــ
والتطوع لقوله ﷺ : الصدقة بالألف واللام وهي تعم النوعين ولم يقل الزكاة وفيه استعمال الورع لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال لكن للورع تركها. قال الخطابي: هذا أصل في الورع وفي أن كل ما لا يستبينه الإنسان من شئ طلقاً لنفسه فإنه يجتنبه ويتركه وفيه إن التمرة ونحوها من محقرات الأموال لا يجب تعريفها بل يباح أكلها، والتصرف فيها في الحال لأنه ﷺ : إنما تركها خشية أن تكون من الصدقة لا لكونها لقطة، وهذا الحكم متفق عليه وعللوه بأن صاحبها في العادة لا يطلبها ولا يبقى له فيها مطمع وقد استشكل بعضهم تركه ﷺ التمرة في الطريق مع أن الإمام يأخذ المال الضائع للحفظ وأجيب باحتمال أن يكون أخذها كذلك لأنه ليس في الحديث ما ينفيه لو تركها عمداً لينتفع بها من يجدها ممن تحل له الصدقة. وإنما يجب على الإمام حفظ المال الذي يعلم تطلع صاحبه له، لا ما جرت به العادة بالإعراض عنه لحقارته. هذا وقد روى أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: تضرر النبي ﷺ ذات ليلة فقيل له ما أسهرك قال: إني وجدت تمرة ساقطة فأكلتها ثم ذكرت تمراً كان عندنا من تمر الصدقة، فما أدري أمن ذلك كانت التمرة أو من تمر أهلي فذلك أسهرني. قال الحافظ هو محمول على التعدد وأنه لما اتفق له أكل التمرة كما في هذا الحديث وأقلقه ذلك صار بعد ذلك إذا وجد مثلها مما يدخل التردد تركه إحتياطاً، ويحتمل أن يكون في حالة أكله إياها كان في مقام التشريع، وفي حال تركه كان في خاصة نفسه. وقال المهلب: إنما تركها ﷺ تورعاً وليس بواجب، لأن الأصل إن كل شئ في بيت الإنسان على الإباحة حتى يقوم دليل على التحريم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في أوائل البيوع وفي اللقطة، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في الزكاة والبيهقي في قسم الصدقات.
١٨٣٧- قوله: (وعن أبي هريرة قال أخذ الحسن) وفي رواية لأحمد قال (أي أبوهريرة) كنا عند رسول الله ﷺ وهو يقسم تمراً من الصدقة والحسن في حجره (فجعلها في فيه) أي فمه زاد أبومسلم الكجي فلم يفطن له النبي ﷺ حتى قام ولعابه يسيل، فضرب النبي ﷺ شدقه، وفي رواية أحمد المتقدمة. فلما فرغ حمله على عاتقه فسال لعابه فرفع رأسه فإذا تمرة في فيه (كخ كخ) بفتح الكاف وكسرها وسكون الخاء المعجمة وبكسرها منونة وغير منونة فتصير ست لغات والثانية تأكيد للأولى، وهي كلمة تقال لردع الصبي وزجره عند تناوله ما يستقذر، بمعنى أتركه وأرم به، قال ابن مالك: إنها من أسماء الأفعال، وفي التحفة إنها من أسماء الأصوات وبه قطع ابن هشام
стр. 2698
ليطرحها، ثم قال: أما شعرت؟ إنا لا نأكل الصدقة)) .
ــ
في حواشيه على التسهيل. قيل: هي عربية. وقيل: أعجمية. وزعم الدوادي أنها معربة بمعنى بئس. وقد أشار إلى هذا البخاري بقوله في ترجمة باب من تكلم بالفارسية والرطانة (ليطرحها) أي التمرة من فيه زاد مسلم إرم بها وفي رواية عند أحمد فنظر إليه فإذا هو يلوك تمرة فحرك خده. وقال: القها يا بني ويجمع بين هذا وبين قوله كخ كخ بأنه كلمة أولاً بهذا، فلما تمادى قاله له: كخ كخ إشارة إلى استقذار ذلك له، ويحتمل العكس بأن يكون كلمه أولاً بذلك فلما تمادى نزعها من فيه (ثم قال أما شعرت) أي أما علمت كما في رواية مسلم، وفي رواية للبخاري أما تعرف، وهذا يقال عند الأمر الواضح التحريم وإن لم يكن المخاطب بذلك عالماً أي كيف خفى عليك هذا مع ظهور تحريمه وهو أبلغ في الزجر من قوله لا تفعله (إنا لا نأكل الصدقة) في رواية لمسلم إنا لا تحل لنا الصدقة، وفي رواية لأحمد إن الصدقة لا تحل لآل محمد وكذا عند أحمد والطحاوي من حديث الحسن بن علي نفسه، قال: كنت مع النبي ﷺ فمر علي جرين من تمر الصدقة فأخذت منه تمرة فألقيتها في فأخذها بلعابها فقال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة قال الحافظ: وإسناده قوي والحديث يدل على أن الطفل يجنب الحرام كالكبير ويعرف لأي شيء نهى عنه لينشأ على العلم فيأتي عليه وقت التكليف وهو على علم من الشريعة وفيه دليل على تحريم لصدقة على النبي ﷺ وعلى آله. واختلف في المراد بالآل هنا. فقال الشافعي وجماعة من العلماء: إنهم بنو هاشم بن عبد مناف بن قصي وبنو المطلب بن عبدمناف. وقال أبوحنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصة. وأما بنو المطلب فيجوز لهم الأخذ من الزكاة، وعن أحمد روايتان كالمذهبين. وقيل: هم قريش كلها. وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي والمراد ببني هاشم آل علي وعقيل وجعفر أولاد أبي طالب عم النبي ﷺ وآل العباس. والحارث ابني عبد المطلب جد النبي ﷺ ولم يدخل في ذلك آل أبي لهب لأن حرمة الصدقة أولاً في الآباء إكراماً لهم، حيث نصروه ﷺ في جاهليتهم وإسلامهم ثم سرت إلى الأولاد ولا إكرام لأبي لهب. واستدل الشافعي لمذهبه بأن النبي ﷺ أشرك بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوى القربى ولم يعط أحداً من قبائل قريش غيرهم، كما يدل عليه حديث جبير بن مطعم الآتي، وتلك العطية عوض عوضوه بدلاً عما حرموه من الصدقة. وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضاً عن الصدقة، قال الأمير اليماني: الأقرب في المراد بالآل ما فسرهم به زيد بن أرقم (عند مسلم في المناقب في قصة طويلة) بأنه آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل-انتهى. قال: ويزيد آل الحرث بن عبد المطلب لحديث عبد المطلب بن ربيعة الذي يأتي بعد هذا، فهذا تفسير الراوي وهو مقدم على تفسير غيره فالرجوع إليه في تفسير آل محمد هنا هو الظاهر. لأن لفظ الآل مشترك، وتفسير رواية دليل على المراد منه وكذلك يدخل في تحريم الزكاة عليهم بنو المطلب بن عبد مناف كما
стр. 2699
....................................
ــ
يدخلون معهم في قسمة الخمس، كما يفيده حديث جبير بن مطعم. قال مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله! أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد أخرجه البخاري. قال الأمير: هذا الحديث دليل على أن بني المطلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوى القربى وتحريم الزكاة أيضاً دون من عداهم، وإن كانوا في النسب سواء. وعلله ﷺ بإستمرارهم على الموالاة كما في لفظ آخر تعليله "بأنه لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" فصاروا كالشيء الواحد في الأحكام وهو دليل واضح في ذلك، وإليه ذهب الشافعي وخالفه الجمهور (أبوحنيفة ومالك وأحمد في رواية) وقالوا: إنه ﷺ أعطا بني المطلب على جهة التفضل لا الاستحقاق وهو خلاف الظاهر. بل قوله شيء واحد دليل على أنهم يشاركونهم في استحقاق الخمس وتحريم الزكاة-انتهى. واعلم أن ظاهر قوله "لا تحل لنا الصدقة" إنه يحرم على النبي ﷺ صدقة الفرض والتطوع وهو الحق، وقد نقل فيه غير واحد منهم الخطابي الإجماع، لكن حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولاً، وكذا في رواية عن أحمد لكن قال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة. واختلف هل كان تحريم الصدقة من خصائصه دون الأنبياء أو كلهم سواء في ذلك وأما آل النبي ﷺ فقال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة وكذا حكى الإجماع ابن رسلان، وروى أبوعصمة عن أبي حنيفة جواز دفعها إلى الهاشمي في زمانه. قال الطحاوي: هذه الرواية عن أبي حنيفة ليست بالمشهورة، وروى عنه وعن أبي يوسف يحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم. قال الحافظ: وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة، الجواز، المنع، جواز التطوع دون الفرض، عكسه والأحاديث الدالة على التحريم على العموم ترد على الجميع. وقد قيل: إنها متواترة تواتراً معنوياً ويؤيده قوله تعالى ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر﴾ [الفرقان:٥٧] وقوله ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ [الشورى:٢٣] ولو أحلها لآله، لأوشك أن يطعنوا فيه ولقوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة:١٠٣] وثبت عنه ﷺ الصدقة أوساخ الناس كما سيأتي ويؤخذ من هذا جواز التطوع دون الفرض وهو قول أكثر الحنفية والمصحح عند الشافعية والحنابلة، لأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع. وقال أبويوسف: أنها تحرم عليه كصدقة الفرض لأن الدليل لم يفصل. وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار: والنظر أيضاً يدل على استواء حكم الفرائض والتطوع في ذلك أي في التحريم، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وقد اختلف في ذلك عن أبي حنيفة فروى عنه أنه قال: لا بأس بالصدقات كلها على بني هاشم ثم بين الطحاوي وجه هذه الرواية ثم قال: وقد حدثني سلمان بن شعيب عن أبيه عن محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في ذلك
стр. 2700
متفق عليه.
١٨٣٨- (٣) وعن عبد المطلب بن ربيعة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس،
ــ
مثل قول أبي يوسف، فبهذا نأخذ – انتهى. وهذا صريح في أن الطحاوي ما اختار رواية الحل عن أبي حنيفة بل أخذ بالرواية التي وافقت قول أبي يوسف وهي ظاهر الرواية التي ذكرها أولاً من استواء حكم التحريم في الفريضة والتطوع (متفق عليه) وأخرجه أحمد والبيهقي أيضاً.
١٨٣٨- قوله: (وعن عبد المطلب) بضم الميم وفتح الطاء المهملة المشددة وكسر اللام المخففة (بن ربيعة) ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي صحابي. قال ابن عبد البر: كان على عهد رسول الله ﷺ : رجلاً ولم يغير رسول الله ﷺ اسمه فيما علمت سكن المدينة. ثم انتقل إلى الشام في خلافة عمر ومات في أمرة يزيد بن معاوية بدمشق سنة (٦٢) قال الحافظ قال العسكري: هو المطلب بن ربيعة هكذا يقول أهل البيت، وأصحاب الحديث يختلفون فمنهم، من يقول المطلب بن ربيعة ومنهم من يقول، عبد المطلب. وقال البغوي: عبد المطلب. ويقال المطلب. وقال الطبراني: الصواب المطلب وذكر أنه توفي سنة (٦١) -انتهى. (قال رسول الله ﷺ ) أي حينما أتى إليه عبد المطلب يطلب منه أن يجعله عاملاً على بعض الزكاة. فقال: له رسول الله ﷺ الحديث. وفيه قصة (إن هذه الصدقات) أي أنواع الزكاة وأصناف الصدقات (إنما هي أوساخ الناس) الجملة خبر لقوله "هذه" كما في قوله تعالى ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجراً من أحسن عملاً﴾ [الكهف:٣٠] قال النووي: هو تنبيه على العلة في تحريمها على بني هاشم وبني المطلب، وأنه لكرامتهم وتنزيههم من الأوساخ ومعنى أوساخ الناس إنها تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال الله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة:١٠٣] فهي كغسالة الأوساخ. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: إنما كانت أوساخاً لأنها تكفر الخطايا وتدفع البلاء وتقع فداء عن العبد في ذلك، فيتمثل في مدارك الملأ الأعلى إنها هي وهذا يسمى عندنا بالوجود التشبيهي فتدرك بعض النفوس العالية، إن فيها ظلمة وأيضاً فإن المال الذي يأخذه الإنسان من غير مبادلة عين أو نفع ولا يراد به احترام وجهه فيه ذلة ومهانة، ويكون لصاحب المال عليه فضل ومنة وهو قوله ﷺ ، اليد العليا خير من اليد السفلى، فلا جرم إن التكسب بهذا النوع شر وجوه المكاسب لا يليق بالمطهرين والمنوه بهم في الملة - انتهى. وقال السنوسي: لما كانت الصدقات أوساخ الناس ولهذا حرمت عليه ﷺ وعلى آله فيكف أباحها لبعض أمته. ومن كمال إيمان المرء أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. قلت: ما أباحها لهم عزيمة بل
следующие страницы →