Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
(٣) باب من لا تحل له الصدقة
﴿الفصل الأول﴾
١٨٣٦- (٢) عن أنس، قال: مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق، فقال: ((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)) .
ــ
في الجوهر: النقي هو حديث اضطراب إسناداً ومتناً وقد بين البيهقي بعض ذلك، وقال ابن عبد البر: هذا حديث مضطرب لا يثبت وليس دون الزهري في هذا الحديث من تقوم به حجة، واختلف عليه فيه أيضاً - انتهى. فإن قلت: روى عبد الرزاق ومن طريقه الدارقطني (ص٢٢٤) والطبراني عن ابن جريج عن الزهري عن عبد الله ابن ثعلبة. قال: خطب رسول الله ﷺ الناس قبل الفطرة بيوم أو يومين، فقال أدوا صاعاً من بر أو قمح بين اثنين- الحديث. وهذا سند صحيح قوي كما قال الزيلعي (ج٢ ص٤٠٧) قلت: قد تقدم إن حديث عبد الله بن ثعلبة عن النبي ﷺ مرسل، وفيه أيضاً ابن جريج وهو مدلس وقد عنعن، وعارضه رواية بكر بن وائل عن الزهري عند الدارقطني (ص٢٢٣) بلفظ: صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير عن كل واحد أو عن كل رأس أو صاع قمح ففي صحة طريق عبد الرزاق نظر.
(باب من لا تحل له الصدقة) قال في اللمعات: الظاهر إن معناه من لا يحلله أكل الصدقات وقد يجعل العنوان"باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه" والمآل واحد، لكنه يختلف المعنى في مادة الكافر، فإنه لا يجوز دفع الزكاة إليه يعني لا يبرأ الذمة بأدائها إليه، ولا يبحث من عدم حلها له ويصدق المعنيان في مثل بني هاشم فافهم.
١٨٣٦- قوله: (مر النبي ﷺ بتمرة) أي ملقاة (في الطريق فقال: لولا إني أخاف أن تكون من الصدقة) أي من تمرها (لأكلتها) فتركها تنزها لأجل الشبهة وهو احتمال كونها من الصدقة. والحديث ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المحقرات ملقي في الطرقات، لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعاً لخشية أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه لا لكونها مرمية في الطريق فقط. وقد أوضح ذلك ما روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي، فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها، فإنه ظاهر في أنه ترك أخذها تورعاً لخشية أن تكون صدقة فلو لم يخش ذلك لأكلها ولم يذكر تعريفاً. فدل على أن مثل ذلك يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف وفيه تحريم قليل الصدقة على النبي ﷺ ويؤخذ منه تحريم كثيرها من باب الأولى. قال النووي: فيه تحريم الصدقة على النبي ﷺ وأنه لا فرق بين صدقة الفرض
стр. 2697
متفق عليه.
١٨٣٧- (٢) وعن أبي هريرة، قال أخذ الحسن بن علي، تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه. فقال النبي ﷺ : ((كخ كخ
ــ
والتطوع لقوله ﷺ : الصدقة بالألف واللام وهي تعم النوعين ولم يقل الزكاة وفيه استعمال الورع لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال لكن للورع تركها. قال الخطابي: هذا أصل في الورع وفي أن كل ما لا يستبينه الإنسان من شئ طلقاً لنفسه فإنه يجتنبه ويتركه وفيه إن التمرة ونحوها من محقرات الأموال لا يجب تعريفها بل يباح أكلها، والتصرف فيها في الحال لأنه ﷺ : إنما تركها خشية أن تكون من الصدقة لا لكونها لقطة، وهذا الحكم متفق عليه وعللوه بأن صاحبها في العادة لا يطلبها ولا يبقى له فيها مطمع وقد استشكل بعضهم تركه ﷺ التمرة في الطريق مع أن الإمام يأخذ المال الضائع للحفظ وأجيب باحتمال أن يكون أخذها كذلك لأنه ليس في الحديث ما ينفيه لو تركها عمداً لينتفع بها من يجدها ممن تحل له الصدقة. وإنما يجب على الإمام حفظ المال الذي يعلم تطلع صاحبه له، لا ما جرت به العادة بالإعراض عنه لحقارته. هذا وقد روى أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: تضرر النبي ﷺ ذات ليلة فقيل له ما أسهرك قال: إني وجدت تمرة ساقطة فأكلتها ثم ذكرت تمراً كان عندنا من تمر الصدقة، فما أدري أمن ذلك كانت التمرة أو من تمر أهلي فذلك أسهرني. قال الحافظ هو محمول على التعدد وأنه لما اتفق له أكل التمرة كما في هذا الحديث وأقلقه ذلك صار بعد ذلك إذا وجد مثلها مما يدخل التردد تركه إحتياطاً، ويحتمل أن يكون في حالة أكله إياها كان في مقام التشريع، وفي حال تركه كان في خاصة نفسه. وقال المهلب: إنما تركها ﷺ تورعاً وليس بواجب، لأن الأصل إن كل شئ في بيت الإنسان على الإباحة حتى يقوم دليل على التحريم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في أوائل البيوع وفي اللقطة، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في الزكاة والبيهقي في قسم الصدقات.
١٨٣٧- قوله: (وعن أبي هريرة قال أخذ الحسن) وفي رواية لأحمد قال (أي أبوهريرة) كنا عند رسول الله ﷺ وهو يقسم تمراً من الصدقة والحسن في حجره (فجعلها في فيه) أي فمه زاد أبومسلم الكجي فلم يفطن له النبي ﷺ حتى قام ولعابه يسيل، فضرب النبي ﷺ شدقه، وفي رواية أحمد المتقدمة. فلما فرغ حمله على عاتقه فسال لعابه فرفع رأسه فإذا تمرة في فيه (كخ كخ) بفتح الكاف وكسرها وسكون الخاء المعجمة وبكسرها منونة وغير منونة فتصير ست لغات والثانية تأكيد للأولى، وهي كلمة تقال لردع الصبي وزجره عند تناوله ما يستقذر، بمعنى أتركه وأرم به، قال ابن مالك: إنها من أسماء الأفعال، وفي التحفة إنها من أسماء الأصوات وبه قطع ابن هشام
стр. 2698
ليطرحها، ثم قال: أما شعرت؟ إنا لا نأكل الصدقة)) .
ــ
في حواشيه على التسهيل. قيل: هي عربية. وقيل: أعجمية. وزعم الدوادي أنها معربة بمعنى بئس. وقد أشار إلى هذا البخاري بقوله في ترجمة باب من تكلم بالفارسية والرطانة (ليطرحها) أي التمرة من فيه زاد مسلم إرم بها وفي رواية عند أحمد فنظر إليه فإذا هو يلوك تمرة فحرك خده. وقال: القها يا بني ويجمع بين هذا وبين قوله كخ كخ بأنه كلمة أولاً بهذا، فلما تمادى قاله له: كخ كخ إشارة إلى استقذار ذلك له، ويحتمل العكس بأن يكون كلمه أولاً بذلك فلما تمادى نزعها من فيه (ثم قال أما شعرت) أي أما علمت كما في رواية مسلم، وفي رواية للبخاري أما تعرف، وهذا يقال عند الأمر الواضح التحريم وإن لم يكن المخاطب بذلك عالماً أي كيف خفى عليك هذا مع ظهور تحريمه وهو أبلغ في الزجر من قوله لا تفعله (إنا لا نأكل الصدقة) في رواية لمسلم إنا لا تحل لنا الصدقة، وفي رواية لأحمد إن الصدقة لا تحل لآل محمد وكذا عند أحمد والطحاوي من حديث الحسن بن علي نفسه، قال: كنت مع النبي ﷺ فمر علي جرين من تمر الصدقة فأخذت منه تمرة فألقيتها في فأخذها بلعابها فقال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة قال الحافظ: وإسناده قوي والحديث يدل على أن الطفل يجنب الحرام كالكبير ويعرف لأي شيء نهى عنه لينشأ على العلم فيأتي عليه وقت التكليف وهو على علم من الشريعة وفيه دليل على تحريم لصدقة على النبي ﷺ وعلى آله. واختلف في المراد بالآل هنا. فقال الشافعي وجماعة من العلماء: إنهم بنو هاشم بن عبد مناف بن قصي وبنو المطلب بن عبدمناف. وقال أبوحنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصة. وأما بنو المطلب فيجوز لهم الأخذ من الزكاة، وعن أحمد روايتان كالمذهبين. وقيل: هم قريش كلها. وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي والمراد ببني هاشم آل علي وعقيل وجعفر أولاد أبي طالب عم النبي ﷺ وآل العباس. والحارث ابني عبد المطلب جد النبي ﷺ ولم يدخل في ذلك آل أبي لهب لأن حرمة الصدقة أولاً في الآباء إكراماً لهم، حيث نصروه ﷺ في جاهليتهم وإسلامهم ثم سرت إلى الأولاد ولا إكرام لأبي لهب. واستدل الشافعي لمذهبه بأن النبي ﷺ أشرك بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوى القربى ولم يعط أحداً من قبائل قريش غيرهم، كما يدل عليه حديث جبير بن مطعم الآتي، وتلك العطية عوض عوضوه بدلاً عما حرموه من الصدقة. وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضاً عن الصدقة، قال الأمير اليماني: الأقرب في المراد بالآل ما فسرهم به زيد بن أرقم (عند مسلم في المناقب في قصة طويلة) بأنه آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل-انتهى. قال: ويزيد آل الحرث بن عبد المطلب لحديث عبد المطلب بن ربيعة الذي يأتي بعد هذا، فهذا تفسير الراوي وهو مقدم على تفسير غيره فالرجوع إليه في تفسير آل محمد هنا هو الظاهر. لأن لفظ الآل مشترك، وتفسير رواية دليل على المراد منه وكذلك يدخل في تحريم الزكاة عليهم بنو المطلب بن عبد مناف كما
стр. 2699
....................................
ــ
يدخلون معهم في قسمة الخمس، كما يفيده حديث جبير بن مطعم. قال مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله! أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد أخرجه البخاري. قال الأمير: هذا الحديث دليل على أن بني المطلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوى القربى وتحريم الزكاة أيضاً دون من عداهم، وإن كانوا في النسب سواء. وعلله ﷺ بإستمرارهم على الموالاة كما في لفظ آخر تعليله "بأنه لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" فصاروا كالشيء الواحد في الأحكام وهو دليل واضح في ذلك، وإليه ذهب الشافعي وخالفه الجمهور (أبوحنيفة ومالك وأحمد في رواية) وقالوا: إنه ﷺ أعطا بني المطلب على جهة التفضل لا الاستحقاق وهو خلاف الظاهر. بل قوله شيء واحد دليل على أنهم يشاركونهم في استحقاق الخمس وتحريم الزكاة-انتهى. واعلم أن ظاهر قوله "لا تحل لنا الصدقة" إنه يحرم على النبي ﷺ صدقة الفرض والتطوع وهو الحق، وقد نقل فيه غير واحد منهم الخطابي الإجماع، لكن حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولاً، وكذا في رواية عن أحمد لكن قال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة. واختلف هل كان تحريم الصدقة من خصائصه دون الأنبياء أو كلهم سواء في ذلك وأما آل النبي ﷺ فقال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة وكذا حكى الإجماع ابن رسلان، وروى أبوعصمة عن أبي حنيفة جواز دفعها إلى الهاشمي في زمانه. قال الطحاوي: هذه الرواية عن أبي حنيفة ليست بالمشهورة، وروى عنه وعن أبي يوسف يحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم. قال الحافظ: وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة، الجواز، المنع، جواز التطوع دون الفرض، عكسه والأحاديث الدالة على التحريم على العموم ترد على الجميع. وقد قيل: إنها متواترة تواتراً معنوياً ويؤيده قوله تعالى ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر﴾ [الفرقان:٥٧] وقوله ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ [الشورى:٢٣] ولو أحلها لآله، لأوشك أن يطعنوا فيه ولقوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة:١٠٣] وثبت عنه ﷺ الصدقة أوساخ الناس كما سيأتي ويؤخذ من هذا جواز التطوع دون الفرض وهو قول أكثر الحنفية والمصحح عند الشافعية والحنابلة، لأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع. وقال أبويوسف: أنها تحرم عليه كصدقة الفرض لأن الدليل لم يفصل. وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار: والنظر أيضاً يدل على استواء حكم الفرائض والتطوع في ذلك أي في التحريم، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وقد اختلف في ذلك عن أبي حنيفة فروى عنه أنه قال: لا بأس بالصدقات كلها على بني هاشم ثم بين الطحاوي وجه هذه الرواية ثم قال: وقد حدثني سلمان بن شعيب عن أبيه عن محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في ذلك
стр. 2700
متفق عليه.
١٨٣٨- (٣) وعن عبد المطلب بن ربيعة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس،
ــ
مثل قول أبي يوسف، فبهذا نأخذ – انتهى. وهذا صريح في أن الطحاوي ما اختار رواية الحل عن أبي حنيفة بل أخذ بالرواية التي وافقت قول أبي يوسف وهي ظاهر الرواية التي ذكرها أولاً من استواء حكم التحريم في الفريضة والتطوع (متفق عليه) وأخرجه أحمد والبيهقي أيضاً.
١٨٣٨- قوله: (وعن عبد المطلب) بضم الميم وفتح الطاء المهملة المشددة وكسر اللام المخففة (بن ربيعة) ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي صحابي. قال ابن عبد البر: كان على عهد رسول الله ﷺ : رجلاً ولم يغير رسول الله ﷺ اسمه فيما علمت سكن المدينة. ثم انتقل إلى الشام في خلافة عمر ومات في أمرة يزيد بن معاوية بدمشق سنة (٦٢) قال الحافظ قال العسكري: هو المطلب بن ربيعة هكذا يقول أهل البيت، وأصحاب الحديث يختلفون فمنهم، من يقول المطلب بن ربيعة ومنهم من يقول، عبد المطلب. وقال البغوي: عبد المطلب. ويقال المطلب. وقال الطبراني: الصواب المطلب وذكر أنه توفي سنة (٦١) -انتهى. (قال رسول الله ﷺ ) أي حينما أتى إليه عبد المطلب يطلب منه أن يجعله عاملاً على بعض الزكاة. فقال: له رسول الله ﷺ الحديث. وفيه قصة (إن هذه الصدقات) أي أنواع الزكاة وأصناف الصدقات (إنما هي أوساخ الناس) الجملة خبر لقوله "هذه" كما في قوله تعالى ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجراً من أحسن عملاً﴾ [الكهف:٣٠] قال النووي: هو تنبيه على العلة في تحريمها على بني هاشم وبني المطلب، وأنه لكرامتهم وتنزيههم من الأوساخ ومعنى أوساخ الناس إنها تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال الله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة:١٠٣] فهي كغسالة الأوساخ. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: إنما كانت أوساخاً لأنها تكفر الخطايا وتدفع البلاء وتقع فداء عن العبد في ذلك، فيتمثل في مدارك الملأ الأعلى إنها هي وهذا يسمى عندنا بالوجود التشبيهي فتدرك بعض النفوس العالية، إن فيها ظلمة وأيضاً فإن المال الذي يأخذه الإنسان من غير مبادلة عين أو نفع ولا يراد به احترام وجهه فيه ذلة ومهانة، ويكون لصاحب المال عليه فضل ومنة وهو قوله ﷺ ، اليد العليا خير من اليد السفلى، فلا جرم إن التكسب بهذا النوع شر وجوه المكاسب لا يليق بالمطهرين والمنوه بهم في الملة - انتهى. وقال السنوسي: لما كانت الصدقات أوساخ الناس ولهذا حرمت عليه ﷺ وعلى آله فيكف أباحها لبعض أمته. ومن كمال إيمان المرء أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. قلت: ما أباحها لهم عزيمة بل
стр. 2701
وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)) . رواه مسلم.
١٨٣٩- (٤) وعن أبي هريرة قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا أتى بطعام سأل عنه "أهدية أم صدقة" فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: "كلوا" ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده فأكل معهم)) .
ــ
اضطراراً وكم أحاديث تراها ناهية عن السؤال فعلى الحازم أنيراها كالميتة ﴿فمن اضطر عير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ [البقرة:١٧٣] (وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) فيه أيضاً دليل على تحريم الزكاة على النبي ﷺ وعلى آله وإنها كانت محرمة عليهم سواء كانت بسبب العمل أو بسبب الفقر، والمسكنة وغيرها من الأسباب الثمانية وهذا هو الصحيح عندنا، وإليه ذهب الجمهور وجوز بعض الشافعية لبني هاشم ولبني المطلب العمل عليها بسهم العامل لأنه إجازة. قال النووي: وهذا ضعيف أو باطل وهذا الحديث صريح في رده (رواه مسلم) في الزكاة في قصة طويلة، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص١٦٦) وأبوداود في الخراج والنسائي في الزكاة مطولاً ومختصراً، ورواه الطبراني في الكبير بسند فيه كلام عن ابن عباس فذكر القصة مختصرة وفي آخره فقال النبي ﷺ إنه لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء، إنما هي غسالة الأيدي إن لكم في خمس الخمس لما يغنيكم - انتهى.
١٨٣٩- قوله: (إذا أتى بطعام) أي جيء به زاد أحمد وابن حبان من غير أهله (سأل عنه) أي عن الطعام (أهدية أم صدقة) بالرفع أي هو صدقة (قال لأصحابه) أي من غير آله (كلوا ولم يأكل) لأنها حرام عليه (وإن قيل هدية) بالرفع (ضرب بيده) أي شرع في الأكل مسرعاً، ومثله ضرب في الأرض إذا أسرع فيها قاله الحافظ: وقيل أي مد يده إليه من غير تحام عنه تشبيهاً للمد بالذهاب سريعاً في الأرض فعداه بالباء كما يقال ذهب به (فأكل معهم) فارقت الصدقة الهدية حيث حرمت عليه تلك، وحلت له هذه بأن الصدقة ما ينفق على الفقراء، ويراد به ثواب الآخرة ولا يكافيء في الدنيا فيبقى المنة عليه، وفيه عز للمعطى وذل للمعطى له والهدية يراد بها إكرام المهدي إليه والتقرب إليه، وتنفق على الأغنياء. وفيها غاية العزة والرفعة ويثاب عليها في الدنيا فيزول المنة البتة. وأيضاً لما كان ﷺ آمراً بالصدقات ومرغباً في المبرات فتنزه عن الأخذ منها براءة لساحته عن الطمع فيها، وعن التهمة بالحث عليها، ولذا قال: تؤخذ من أغيناءهم وترد على فقراءهم إيماء إلى أن المصلحة راجعة إليهم وأنه سفير محض مشفق عليهم، وفي الحديث استعمال الورع والفحص عن أصل المآكل والمشارب
стр. 2702
متفق عليه.
١٨٤٠- (٥) وعن عائشة، قال: كان في بريرة ثلاث سنن:
ــ
(متفق عليه) أخرجه البخاري في الهبة ومسلم في الزكاة، واللفظ للبخاري وأخرجه أحمد وابن حبان والبيهقي أيضاً وأخرجه الترمذي والنسائي والبيهقي أيضاً من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
١٨٤٠- قوله: (كان في بريرة) أي حصل بسببها وهي مولاة عائشة أم المؤمنين صحابية مشهورة وبريرة بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى بوزن كريمة مشتقة من البرير وهو ثمر الأراك. وقيل: إنها فعيلة من البر بمعنى مفعولة كمبرورة، أو بمعنى فاعلة كرحيمة هكذا وجهه القرطبي. والأول أولى لأنه ﷺ غير إسم جويرية، وكان إسمها برة. وقال: لا تزكوا أنفسكم فلو كانت بريرة من البر لشاركتها في ذلك، وكانت بريرة لقوم من الأنصار. وقيل لناس: من بني هلال فكاتبوها ثم باعوها فاشترتها عائشة ثم أعتقتها وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، وكانت حال عتقها متزوجة عبداً، اسمه مغيث كما في البخاري، عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية وتفرست في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة فبشرته بذلك وروى هو ذلك عنها (ثلاث سنن) بضم السين وفتح النون الأولى أي علم بسببها ثلاثة أحكام من الشريعة. وهذا لفظ البخاري ولمسلم ثلاث قضيات، وفي حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود قضى فيها النبي ﷺ أربع قضيات فذكر نحو حديث عائشة وزاد، وأمرها أن تعتد عدة الحرة أخرجه الدارقطني وهذه الزيادة لم تقع في حديث عائشة فلذلك اقتصرت على ثلاث لكن أخرج ابن ماجه بسند على شرط الشيخين عن عائشة قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض وهذا مثل حديث ابن عباس في قوله: "تعتد عدة الحرة" ولا يخالف قول عائشة ثلاث سنن، ما قال ابن بطال أنه أكثر الناس في تخريج الوجوه في حديث بريرة حتى بلغوها نحو مائة، وما قال النووي أنه صنف فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباطاً لفوائد منها، وما قال الحافظ إن بعض المتأخرين أوصل فوائد حديث بريرة إلى أربع مائة لأن مراد عائشة، ما وقع من الأحكام فيها مقصوداً خاصة لكن لما كان كل حكم منها يشتمل على تقعيد قاعدة يستنبط العالم الفطن منها فوائد جمة، وقع التكثر من هذه الحيثية وانضم إلى ذلك ما وقع في سياق القصة غير مقصود، فإن في ذلك أيضاً فوائد تؤخذ بطريق التنصيص أو الإستنباط أو اقتصر على الثلاث أو الأربع لكونها أظهر ما فيها وما عداها إنما يؤخذ بطريق الاستنباط أو لأنها أهم، والحاجة إليها أمس. قال القاضي عياض: حديث بريرة كثيرة السنن والعلم والآداب ومعنى ثلاث أو أربع إنها شرعت في قصتها وعند وقوع قضيتها وما يظهر فيها مما سوى ذلك، فكان قد علم قبل ذلك من غير قصتها، وهذا أولى من قول من قال ليس في كلام عائشة حصر، ومفهوم العدد ليس بحجة، وما أشبه ذلك من الاعتذارات التي لا تدفع
стр. 2703
إحدى السنن إنها عتقت فخيرت في زوجها،
ــ
سؤال ما الحكمة في الاقتصار على ذلك قاله الحافظ (إحدى السنن) الثلاث (إنها عتقت) بفتح العين والتاء، وفي رواية أعتقت بضم الهمزة وكسر التاء من الاعتاق وأعتقتها عائشة (فخيرت) بضم الخاء المعجمة مبنياً للمفعول (في زوجها) مغيث أي صارت مخيرة بين أن تفارق زوجها وأن تدوم وتبق تحت نكاحه. وكان عبداً يوم أعتقت فاختارت نفسها، وفي رواية للبخاري فدعاها النبي ﷺ فخيرها من زوجها فاختارت نفسها، وفي رواية للدارقطني إن النبي ﷺ قال لبريرة: اذهبي فقد عتق معك بضعك، زاد ابن سعد من طريق الشعبي مرسلاًً فأختارى. فالمرأة إذا كانت أمة وزوجها عبد فعتقت تكون مخيرة إن شاءت فسخت، وإن شاءت لا، وهذا أمر مجمع عليه. وأما إذا كانت الأمة تحت حر فعتقت ففيه خلاف بين العلماء. فقال الجمهور: لا يكون لها خيار إلا إذا كان زوجها عبداً عندما عتقت لتضررها بالمقام تحته من جهة أنها توقير به. وإن لسيده منعه عنها وإنه لا ولاية له على ولده وغير ذلك بخلاف ما إذا أعتقت تحت حر، لأن الكمال الحادث لها حاصل له فأشبه ما إذا أسلمت كتابية تحت مسلم. وذهب الحنفية إلى أن الأمة إذا أعتقت لها الخيار في نفسها سواء كانت تحت حر، أو عبد، لأن اعتبار عدد الطلاق عندهم بالنساء. فالأمة تبين بطلقتين سواء كان زوجها حراً، أو عبداً والحرة تبين بثلاث تطليقات، حراً كان زوجها أو عبداً، فبعد ما عتقت الأمة تخير في الصورتين حذراً عن ثبوت الملك الزائد عليها. وعند الجمهور الاعتبار في الطلاق بالرجال فزوجة الحر تبين عندهم بثلاث، وإن كانت أمة وزوجة العبد بإثنين، وإن كانت حرة فإذا عتقت تحت الحر لم توجد علة الفسخ وهو العار أو زيادة الملك، والأصل في ذلك قصة بريرة. واختلفت الروايات في أن زوجها حراً كان أو عبداً عندما عتقت فرجحت الحنفية رواية كونه حراً. وقالوا: لم يخيرها ﷺ لكونه عبداً ولا لأنه حراً. وإنما خيرها للعتق ورجح الجمهور كونه عبداً. قال الشوكاني: قد ثبت من طريق ابن عباس (عند البخاري والترمذي) وابن عمر (عند الدارقطني والبيهقي) وصفية بنت أبي عبيد (عند النسائي والبيهقي) إنه كان عبداً ولم يرو عنهم ما يخالف ذلك، وثبت عن عائشة من طريق القاسم وعروة أنه كان عبداً، ومن طريق الأسود أنه كان حراً، ورواية اثنين أرجح من رواية واحد على فرض صحة الجميع، فكيف إذا كانت رواية الواحد (يعني رواية الأسود) معلولة بالانقطاع كما قال البخاري. وقال الحافظ: وعلى تقدير إن رواية الأسود موصولة فيرجح رواية من قال عبداً بالكثرة، وأيضاً قال المرأ أعرف بحديثه فإن القاسم ابن أخي عائشة، وعروة ابن أختها وتابعهما غيرهما، فروايتهما أولى من رواية الأسود فإنهما أقعد بعائشة واعلم بحديثها والله أعلم. ويترجح أيضاً بأن عائشة كانت تذهب إلى أن الأمة إذا عتقت تحت الحر لا خيار لها، وهذا بخلاف ما روى العراقيون عنها فكان
стр. 2704
وقال رسول الله ﷺ : ((الولاء لمن اعتق ودخل رسول الله ﷺ والبرمة تفور بلحم فقرب إليه خبز وأدم من أدم البيت، فقال:
ــ
يلزم على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها ويدعوا ما روى عنها لاسيما. وقد اختلف عنها فيه، وأدى بعضهم إنه يمكن الجمع بين الروايتين بحمل قول من قال، كان عبداً على اعتبار ما كان عليه، ثم اعتق فلذلك قال من قال كان حراً يعني كان حراً في الوقت الذي خيرت فيه. وعبداً قبل ذلك، ويرد هذا الجمع قول عروة كان عبداً ولو كان حراً لم تخير. وأخرج الترمذي عن ابن عباس إن زوج بريرة كان عبداً أسود يوم عتقت فهذا يعارض رواية الأسود إنه كان حراً، ويعارض الاحتمال المذكور احتمال أن يكون من قال كان حراً أراد ما آل إليه أمره وإذا تعارضاً إسناداً وإحتمالاً أحتيج إلى الترجيح، ورواية الأكثر يرجح بها وكذلك الأحفظ وكذلك الألزم، وكل ذلك موجود في جانب من قال كان عبداً -انتهى كلام الحافظ. ويأتي مزيد الكلام في هذه المسألة في كتاب النكاح إنشاءالله تعالى: (وقال رسول الله ﷺ أي في شأن بريرة لما أرادت عائشة أن تشتريها وتعتقها وشرط مواليها الولاء لهم أن يكون (الولاء لمن اعتق) أي لمن باع ولو شرط إن الولاء له فمن اعتق عبداً أو أمة كان ولاءه له، وهذه هي المسألة الثانية، والولاء بفتح الواو مع المد مأخوذ من الولي بفتح الواو وسكون اللام. وهو القرب. والمراد به هنا وصف حكمي ينشأ عنه ثبوت حق الإرث من العتيق الذي لا وارث له من جهة نسب أو زوجية أو الفاضل عن ذلك، وحق العقل عنه إذا جنى. قال الحافظ: الولاء بالفتح والمد، حق ميراث المعِتق من المعتق بالفتح، ووقع في كثير من الروايات إنما الولاء لمن اعتق وكلمة إنما هنا للحصر لأنها لو لم تكن للحصر لما لزم من إثبات الولاء لمن اعتق نفيه عمن لم يعتق العبد وهو الذي أريد من الخبر ويأتي مزيد الكلام في ذلك في باب قبل باب السلم من كتاب البيوع واستدل بمفهومه على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل أو وقع بينه، وبينه مخالفة خلافاً للحنفية ولا للملتقط خلافاً لإسحاق وسيأتي البسط لذلك في الفرائض إنشاءالله تعالى (ودخل رسول الله ﷺ أي بيت عائشة (والبرمة) بضم الموحدة وسكون الراء القدر من الحجر ويستعمل بمعنى القدر مطلقاً والواو للحال. قال ابن الأثير: البرمة هي القدر مطلقاً وجمعها برام وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز (تفور) بالفاء أي تغلى متلبسة (بلحم فقرب) بضم القاف وتشديد الراء على صيغة المجهول (إليه خبز) مفعول ناب عن الفاعل (وأدم) بضم الهمزة وسكون الدال ويضم بمعنى الأدام وهو ما يؤتدم به الخبز أي يطيب أكله به ويتلذذ الأكل بسببه (من أدم البيت) بضمتين جمع أدام، والمراد بأدم البيت الأدم التي توجد في البيوت غالباً كالخل والعسل والتمر. وفي رواية فدعا بالغداء فأتى بخبز وأدم (فقال)
стр. 2705
"ألم أر برمة فيها لحم"؟ قالوا: بلى، ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة. قال: "هو عليها صدقة ولنا هدية")) .
ــ
ﷺ (ألم أر برمة فيها لحم) الاستفهام للتقرير (قالوا بلى ولكن ذلك لحم تصدق) بضم التاء والصاد وكسر الدال المشددة مبنياً لما لم يسم فاعله جملة في محل رفع صفة للحم (به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة) وفي رواية للبخاري أتى النبي ﷺ بلحم فقالوا: هذا ما تصدق به على بريرة، وكذا في حديث أنس عند البخاري ويجمع بينهما بأنه لما سأل عنه أتى به. وقيل: له ذلك وفي رواية لعائشة عند أحمد وابن ماجه دخل رسول الله ﷺ والمرجل يفور بلحم. فقال من أين لك هذا قلت: أهدته لنا بريرة وتصدق به عليها، وعند أحمد ومسلم وكان الناس يتصدقون عليها فتهدى لنا منه (قال) ﷺ (هو) أي اللحم (عليها) أي بريرة (صدقة ولنا هدية) أي حيث أهدته بريره لنا. لأن الفقير يملك ما تصدق به عليه فيسوغ له التصرف فيه بالبيع وغيره كتصرف سائر الملاك في إملاكهم وهذه هي المسألة الثالثة. وفي الحديث دليل على أن الصدقة إذا أهداها من تصدق عليه بها إلى من لا تحل له الصدقة ابتداء من هاشمي أو غني صرف عنها حكم الصدقة، وجاز للمهدي إليه استعمالها وحل له أكلها فيؤخذ منه إن التحريم إنما هو على الصفة لا على العين، وإن العين الواحدة يختلف حكمها باختلاف جهات الملك. قال الأبي: لا يقال كون الصدقة أوساخ الناس وإنها مطهرة للمال هو وصف لا يزيله عنها الهدية بها لأنا نقول كونها وسخاً ليس وصفاً ذاتياً لها حتى يقال أنه لا يزول، وإنما هو وصف حكمي جعل بالشرع، والشرع قد حكم بزواله عنها -انتهى. واستنبط، منه بعضهم جواز استرجاع صاحب الدين عين ما دفعه إلى الفقير بنية الزكاة في دين له عليه. وفيه دليل على أن الصدقة لا تحل لرسول الله ﷺ إذ لو حلت له لما كان لعائشة مانع من إحضار لحم بريرة بين يدي رسول الله ﷺ وفيه دليل على أن الصدقة لم تحرم على موالي أزواج النبي ﷺ وبه ترجم البخاري في صحيحه فقال باب الصدقة على موالي أزواج النبي ﷺ وأورد فيه حديث بريرة وحديث ابن عباس وجد النبي ﷺ شأة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال: هلا انتفعتم بجلدها قالوا: إنها ميتة قال. إنما حرم أكلها. وأما أزواج النبي ﷺ فنقل ابن بطال إنهن لا يدخلن في ذلك أي لا يحرم عليهن الصدقة بإتفاق الفقهاء. قال الحافظ: وفيه نظر فقد ذكر ابن قدامة إن الخلال أخرج من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة قال: وهذا يدل على تحريمها. قال الحافظ: وإسناده إلى عائشة حسن. وأخرجه ابن أبي شيبة وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال يعني لأنه لما رأى إن الفقهاء لم يذهبوا إلى هذا نقل اتفاقهم على ذلك. ولم يتعرض للدليل في ذلك. وفي قصة بريرة
стр. 2706
متفق عليه.
١٨٤١- (٦) وعنها، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها)) .
ــ
فوائد كثيرة غير ما تقدم. ذكرها الحافظ في كتاب العتق وفي كتاب الطلاق والنووي في العتق (متفق عليه) أخرجه البخاري مطولاً أي بذكر السنن الثلاث في باب الحرة تحت العبد من كتاب النكاح، وفي باب لا يكون بيع الأمة طلاقاً من كتاب الطلاق، وفي باب الأدم من كتاب الأطعمة. وأخرجه مفرقاً ومقطعاً في المساجد والزكاة والبيوع والعتق والمكاتب والهبة والشروط والطلاق والنذور والفرائض. وأخرجه مسلم مطولاً في الزكاة والعتق، واللفظ المذكور في الكتاب للبخاري في باب لا يكون بيع الأمة طلاقاً وأخرجه هكذا مالك في الطلاق والنسائي في آخر الزكاة، وفي الطلاق، وأخرجه الترمذي في أبواب الولاء والهبة، وأبوداود في الطلاق والفرائض والعتق كلاهما مختصراً، وأخرجه ابن ماجه في الطلاق مطولاً وفي العتق مختصراً.
١٨٤١- قوله: (يقبل الهدية) قال الخطابي في المعالم (ج٣ ص١٦٨) قبول النبي ﷺ الهدية نوع من الكرم، وباب من حسن الخلق يتألف به القلوب. وقد روى عنه ﷺ أنه قال تهادوا تحابوا وكان أكل الهدية شعاراً له، وأمارة من أماراته ووصف في الكتب المتقدمة بأنه يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة لأنها أوساخ الناس. وكان إذا قبل الهدية أثاب عليها لئلا يكون لأحد عليه يد، ولا يلزمه لأحد منة - انتهى. وقال البيجوري: فيسن قبول الهدية حيث لا شبهة في مال المهدي وإلا فلا يقبلها، وكذلك إذا ظن المهدي إليه إن المهدي أهداه حياء. قال الغزالي مثال من يهدي حياء من يقدم من سفره ويفرق الهدايا خوفاً من العار فلا يجوز قبول هديته إجماعاً لأنه لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس، وإذا ظن المهدي إليه إن المهدي إنما أهدى له هديته لطلب المقابل فلا يجوز له قبولها إلا إذا إعطاءه ما في ظنه بالقرائن- انتهى. (ويثيب عليها) من أثاب يثيب إذا أعطى الثواب وهو العوض أي يجازي ويكافىء عليها بأن يعطي الذي يهدي له بدلها، والمراد بالثواب المجازاة وأقله ما يساوي قيمة الهدية، ولفظ ابن أبي شيبة "ويثيب ما هو خير منها" وقد استدل بعض المالكية بهذا الحديث على وجوب المكافأة على الهدية إذا أطلق المهدي وكان ممن مثله يطلب الثواب كالفقير للغني بخلاف ما يهبه إلا على للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته ﷺ وبه قال الشافعي في القديم، قال الشوكاني: ويجاب بأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب ولو وقعت المواظبة كما تقرر في الأصول. قال الحافظ: وقال الشافعي في الجديد: كالحنفية الهبة للثواب باطلة لا تنعقد لأنها بيع بثمن مجهول لأن موضوع الهبة التبرع، فلو أبطلناه لكان في معنى المعاوضة. وقد فرق الشرع والعرف بين البيع والهبة فما استحق العوض أطلق عليه لفظ البيع بخلاف الهبة. وأجاب بعض المالكية بأن الهبة لو لم تقتض الثواب أصلاً لكانت بمعنى الصدقة وليس كذلك، فإن الأغلب
стр. 2707
رواه البخاري.
١٨٤٢- (٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو دعيت إلى كراع لأجبت
ــ
من حال الذي يهدي أنه يطلب الثواب ولاسيما إذا كان فقيراً - انتهى. وقال القسطلاني ومذهب الشافعية: لا يجب الثواب بمطلق الهبة والهدية إذ لا يقتضيه اللفظ ولا العادة ولو وقع ذلك من الأدنى إلى الأعلى كما في إعارته له إلحاقاً للأعيان بالمنافع، فإن أثابه المتهب على ذلك فهبة مبتدأ، وإذا قيدها المتعاقدان بثواب معلوم لا مجهول صح العقد بيعاً نظراً للمعنى فإنه معاوضة مال بمال معلوم كالبيع بخلاف ما إذا قيداها بمجهول لا يصح لتعذره بيعاً وهبة نعم المكافأة على الهبة، والهدية مستحبة إقتداء به ﷺ انتهى. قلت ما ذكره القسطلاني من مذهب الشافعية هو مذهب الحنابلة أيضاً كما بسط ذلك ابن قدامة في المغنى (ج٥ ص٦٢٢) وهو القول الراجح عندنا والله تعالى اعلم (رواه البخاري) في الهبة وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في أواخر البيوع والترمذي في البر والصلة من الجامع وفي الشمائل، كلهم من طريق عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن عائشة، وذكر البخاري إن وكيعاً ومحاضراً أرسلاه، حيث قال لم يذكر وكيع ومحاضر عن هشام عن أبيه عن عائشة قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن عيسى بن يونس تفرد بوصله عن هشام، وقد قال الترمذي: والبزار لا نعرفه موصولاً إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال الآجري سألت أباداود عنه فقال: تفرد بوصله عيسى بن يونس وهو عند الناس مرسل ورواية وكيع وصلها ابن أبي شيبة عنه بلفظ: "ويثيب ما هو خير منها" ورواية محاضر لم أقف عليها بعد- انتهى.
١٨٤٢- قوله: (لو دعيت) بضم الدال وكسر العين (إلى كراع) بضم الكاف وتخفيف الراء، بعدها ألف ثم عين مهملة وهو من الدواب ما دون الكعب. وقيل: مستدق الساق من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس يذكر ويؤنث وأمرع من الإنسان ما دون الركبة من مقدم الساق، والجمع أكرع وأكارع. وقال ابن فارس: كراع كل شيء طرفه وقال في الصراح: كراع بالضم بارجه كوسفند وكاؤو جزآن، وفي المثل أعطى العبد كراعاً فطلب ذراعاً لأن الذراع في اليد، والكراع في الرجل. والأول خير من الثاني، ويقال أيضاً كان كراعاً فصار ذراعاً إذا صار الضعيف الذليل قوياً عزيزاً (لأجبت) أي التأليف الداعي وزيادة المحبة فإن عدم الإجابة يقتضي النفرة وعدم المحبة فيندب إجابة الدعوة ولو شيء قليل. قال الحافظ: قد زعم بعض السراح وكذا وقع للغزالي إن المراد بالكراع في هذا الحديث المكان المعروف بكراع الغيم بفتح المعجمة وهو موضع بين مكة والمدينة، وزعم أنه أطلق ذلك على ذلك على سبيل المبالغة في الإجابة ولو بعد المكان لكن المبالغة في الإجابة مع
стр. 2708
ولو أهدي إلى ذراع لقبلت)) . رواه البخاري.
١٨٤٣- (٨) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان)) .
ــ
حقارة الشيء أوضح في المراد، ولذا ذهب الجمهور إلى أن المراد بالكراع هنا كراع الشأة. وأغرب الغزالي في الأحياء فذكر الحديث بلفظ: ولو دعيت إلى كراع الغميم ولا أصل لهذه الزيادة. وقد أخرج الترمذي (في الأحكام من الجامع وفي الشمائل) من حديث أنس وصححه مرفوعاً لو أهدى إلى كراع لقلبت ولو دعيت عليه لأجبت، وأخرج الطبراني من حديث أم حكيم بنت وادع الخزاعية إنها قالت يا رسول الله! تكره رد الظلف قال ما أقبحه لو أهدى إلى كراع لقلبت الحديث ويستفاد سببه من هذه الرواية (ولو أهدى) بضم الهمزة وكسر الدال (إلي) بتشديد الياء (ذراع) بكسر الذال المعجمة وهو الساعد وكان ﷺ يحب أكله لأنه مبادي الشاة وأبعد عن الأذى ولسرعة نضجه. قال القسطلاني: ولأبي ذر كراع أي بدل ذراع (لقلبت) أي ليحصل التحابب والتألف فإن الرد يحدث النفور والعداوة فيندب قبول الهدية ولو لشيء قليل. قال الحافظ: خص الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير لأن الذراع كاتب أحب إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له. وفي الحديث دليل على حسن خلقه ﷺ وتواضعه وجبره القلوب الناس وعلى قبول الهدية وإجابة من يدعو الرجل إلى منزله، ولو علم أن الذي يدعوه إليه شيء قليل (رواه البخاري) في الهبة وفي الوليمة من كتاب النكاح وأخرجه الترمذي من حديث أنس.
١٨٤٣- قوله: (ليس المسكين) أي المذكور في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة:٦٠] والمسكين مفعيل بكسر الميم من السكون فكأنه من قلة المال سكنت حركاته. ولذا قال تعالى: ﴿أو مسكيناً ذا متربة﴾ [البلد: ١٦] أي لاصق بالتراب قاله القرطبي: (الذي يطوف) أي يدور ويتردد (على الناس) ليسألهم صدقة عليه (ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان) جملة حالية أي يرد هو على الأبواب لأجل اللقمة أو إنه إذا أخذ لقمة رجع إلى باب آخر، فكان اللقمة ردته من باب إلى باب. والمراد ليس المسكين الكامل الذي هو أحق بالصدقة وأحوج إليها المردود على الأبواب لأجل اللقمة، ولكن الكامل الذي لا يجد الخ فليس المراد نفي المسكنة عن الطواف بل نفي كمالها لأنهم أجمعوا على أن السائل الطواف المحتاج مسكين. قال النووي: معناه المسكين الكامل المسكنة الذي هو أحق بالصدقة وأحوج إليها ليس هو هذا الطواف بل هو الذي
стр. 2709
ولكن المسكين الذي لا يجد غني يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقم فسأل الناس)) .
ــ
لا يجد غني الخ وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطواف بل معناه نفي كمال المسكنة كقوله تعالى: ﴿ليس البر﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية وكقوله ﷺ أتدرون من المفلس - الحديث انتهى. ويقرب منه ما قيل: ليس المراد نفي استحقاق الطواف الزكاة بل إثبات المسكنة لغير هذا المتعارف بالمسكنة وإثبات استحقاقه أيضاً لأن كلا منهما مصرف الزكاة حيث لا غنى لهما لكن الثاني أفضل. وقال السندي: المراد ليس المسكين المعدود في مصارف الزكاة هذا المسكين بل هذا داخل في الفقير، وإنما المسكين المستور الحال الذي لا يعرفه أحد إلا بالتفتيش، وبه يتبين الفرق بين الفقير والمسكين في المصارف (ولكن المسكين) أي الكامل في المسكنة بتخفيف نون لكن، فالمسكين مرفوع وبتشديدها فالمسكين منصوب (الذي لا يجد غني) بكسر الغين مقصوراً أي يسار، وفي رواية قالوا: فما المسكين يا رسول الله! قال: الذي لا يجد غني، وفي رواية إنما المسكين الذي يتعفف اقرؤا إن شئتم ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ (يغنيه) أي عن غيره ويكفيه وهي صفة لقوله "غنى" وهو قدر زائد على اليسار إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرأة أن يغني به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، واللفظ محتمل لأن يكون المراد نفي أصل اليسار، ولأن يكون المراد نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار، وعلى الاحتمال الثاني، ففيه إن المسكين هو الذي يقدر على مال أو كسب يقع موقعاً من حاجته ولا يكفيه كثمانية من عشرة وهو حينئذ أحسن حالاً من الفقير فإنه الذي لا مال له أصلاً، أو يملك ما لا يقع موقعاً من حاجته كثلاثة من عشرة. واحتج لذلك بقوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين﴾ [الكهف: ٧٩] فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة لكنها لا تقوم بجميع حاجاتهم (ولا يفطن به) بصيغة المجهول مخففاً أي لا يعلم باحتياجه، وفي رواية له أي باللام بدل الباء الموحدة (فيتصدق عليه) بضم الياء مجهولاً (ولا يقوم فيسأل الناس) برفع المضارع الواقع بعد الفاء في الموضعين عطفاً على المنفي المرفوع فينسحب النفي عليه أي لا يفطن له فلا يتصدق عليه ولا يقوم فلا يسأل الناس، وبالنصب فيهما بأن مضمرة وجوباً لوقوعه في جواب النفي بعد الفاء. وقد يستدل بقوله ولا يقوم فيسأل الناس على أحد محملي قوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ [البقرة:٢٧٣] إن معناه نفي السؤال أصلاً. وقد يقال لفظة يقوم تدل على التأكيد في السؤال فليس فيه نفي أصل السؤال. والتأكيد في السؤال هو الإلحاف وفي الحديث إن المسكنة إنما تحمد مع العفة عن السؤال والصبر على الحاجة وفيه حسن الإرشاد لوضع الصدقة، وأن يتحري وضعها فيمن صفته التعفف دون الإلحاح وفيه إن المسكين هو الجامع بين عدم الغنى وعدم تفطن الناس له لما يظن به لأجل تعففه وتظهره بصورة الغنى من عدم الحاجة، ومع هذا فهو مستعفف عن السؤال لكن قد تقدم إن معناه المسكين الكامل،
стр. 2710
متفق عليه.
ــ
وليس المراد نفي أصل المسكنة (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والتفسير، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد، ومالك في الجامع من الموطأ، وأبوداود والنسائي في الزكاة والبيهقي في قسم الصدقات. وفائدة اختلف العلماء في الفرق بين الفقير والمسكين في آية المصارف. فقال الشافعي: الفقير من لا شيء له أي لا مال له ولا حرفة تقع موقعاً. وقال أبوحنيفة: هو من له مال دون النصاب أو قدر نصاب غير تام وهو مستغرق في الحاجة. وأما المسكين فهو عند الشافعي من له شيء أي مال أو حرفة لكن لا يكفيه، وعند أبي حنيفة من لا شيء له فيحتاج إلى المسألة لقوته، فالفقير أسوأ حالاً من المسكين عند الشافعي. وبه قال الأصمعي. قال الحافظ: وهو قول جمهور أهل الحديث والفقه. وعند أبي حنيفة المسكين أسوأ حالاً من الفقير، وإليه ذهب ابن السكيت ويونس بن حبيب من أهل اللغة. وقيل: هما سواء. قال الحافظ: وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك. وقال ابن الهمام: الفقير من له مال دون نصاب، أو قدر نصاب غير تام وهو مستغرق في الحاجة والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته، أو ما يواري بدنه. ويحل له ذلك بخلاف الأول فإنه لا يحل لمن يملك قوت يومه بعد ستره بدنه. وعند بعضهم لا يحل لمن كان كسوباً أو يملك خمسين درهماً. ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيراً، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة بالحاجة، ولذا قلنا يجوز للعالم، وإن كانت له كتب تساوي نصباً كثيرة على تفصيل ما ذكرنا فيما إذا كان محتاجاً إليها للتدريس، أو الحفظ أو التصحيح ولو كانت ملك عامي وليس له نصاب تام لا يحل دفع الزكاة له، لأنها غير مستغرقة في حاجته فلم تكن كثياب البذلة، وعلى هذا جميع آلات المحترفين إذا ملكها صاحب تلك الخرفة. والحاصل إن النصب ثلاثة نصاب: يوجب الزكاة على مالكه وهو النامي خلقه أو إعداد وهو سالم من الدين. ونصاب لا يوجبها: وهو ما ليس أحدهما فإن كان مستغرقاً لحاجة مالكه حل له أخذها وإلا حرمت عليه كثياب تساوي نصاباً لا يحتاج إلى ملكها، أو أثاث، لا يحتاج إلى استعماله كله في بيته وفرس لا يحتاج إلى خدمته وركوبه، ودار، لا يحتاج إلى سكناها فإن كان محتاجاً إلى ما ذكرنا حاجة أصلية فهو فقير يحل دفع الزكاة له وتحرم عليه المسألة. ونصاب يحرم المسألة: وهو ملك قوت يومه أو لا يملك لكنه يقدر على الكسب أو يملك خمسين درهماً على الخلاف في ذلك - انتهى. وإن شئت البسط للفرق بين الفقير والمسكين فارجع إلى تفسير روح المعاني (ج١٠ ص١٠٧- ١٠٨) للعلامة الآلوسي ومعالم السنن (ج٦ ص٦١- ٦٢) للخطابي وإتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (ج٤ ص١٤٢، ١٤٣) للعلامة الزبيدي والمغنى لابن قدامة (ج٦: ص٤٢٠- ٤٢١) وتفسير المنار للعلامة السيد محمد رشيد رضا تحت مصارف الزكاة.
стр. 2711
﴿الفصل الثاني﴾
١٨٤٤- (٩) عن أبي رافع، أن رسول الله ﷺ : ((بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: أصحبني كيما تصيب منها. فقال: لا، حتى آتى رسول الله ﷺ فأسأله فانطلق إلى النبي ﷺ فسأله،
ــ
١٨٤٤- قوله: (عن أبي رافع مولى النبي ﷺ واسمه أسلم (بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة) أي أرسله ساعياً ليجمع الزكاة ويأتي بها إليه. قال المنذري: وهذا الرجل هو الأرقم بن الأرقم القرشي المخزومي بين ذلك الخطيب والنسائي وكان من المهاجرين الأولين. وكنيته أبوعبد الله وهو الذي استخفى رسول الله ﷺ في داره بمكة في أسفل الصفا، حتى كملوا الأربعين رجلاً، آخرهم عمر بن الخطاب -انتهى. وقيل: هذا الرجل المبعوث هو الأرقم بن أبي الأرقم الزهري لما روى أحمد (ج٦:ص٨) من طريق الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن ابن أبي رافع عن أبي رافع. قال: مر على الأرقم الزهري أو ابن أبي الأرقم، واستعمل على الصدقات قال فاستتبعني الحديث. وروى أبويعلى والطبراني في الكبير، والبيهقي من طريق الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال: استعمل النبي ﷺ الأرقم بن أبي الأرقم الزهري على السعاية فاستتبع أبارافع مولى النبي ﷺ فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له. فقال: يا أبارافع! إن الصدقة حرام على محمد وآل محمد وإن مولى القوم منهم أو من أنفسهم. ففي الروايتين دليل على أن الرجل المبعوث على السعاية في هذه القصة هو الأرقم الزهري. قلت: فيه نظر لأنه قد صرح في رواية شعبة عن الحكم عن ابن أبي رافع عن أبي رافع عند أحمد (ج٦:ص١٠) والترمذي وأبي داود والنسائي والحاكم والبيهقي، إن الرجل المبعوث على الصدقة من بني مخزوم، وهذا الطريق أصح من طريقي أحمد، والطبراني المتقدمين. قال البيهقي: رواية شعبة عن الحكم عن ابن أبي رافع عن أبي رافع أولى من رواية ابن أبي ليلى، وابن أبي ليلى هذا كان سيء الحفظ. وقال الحافظ في الإصابة: بعد ذكر طريق الطبراني لكن رواه شعبة عن الحكم عن مقسم. فقال: استعمل رجلاً من بني مخزوم وكذلك أخرجه أبوداود وغيره وإسناده أصح من الأول -انتهى. وهذا لأن في طريق الطبراني (وكذا طريق أحمد) محمد بن أبي ليلى وفيه كلام. قال أحمد: وشعبة وأبوحاتم وابن المديني والساجي إنه سيء الحفظ. وقال الدارقطني كان رديء الحفظ كثير الوهم. وقال ابن حبان: كان فاحش الخطأ ردي الحفظ (فقال) أي الرجل المخزومي (أصحبني) بفتح الحاء المهملة أمر من باب سمع أي رافقني وصاحبني في هذا السفر (كيما تصيب) نصب بكى و"ما" زائدة أي لتأخذ (منها) أي من الصدقة (فقال لا) أي لا أصحبك (فأسأله) أي أستأذنه أو أسأله هل يجوز لي أم لا
стр. 2712
فانطلق إلى النبي ﷺ فسأله، فقال: إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم)) . رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي.
ــ
(فانطلق) أبورافع (إلى النبي ﷺ فسأله) عن ذلك (إن الصدقة لا تحل لنا) تقدم الكلام عليه (وإن موالي القوم) أي عتقاءهم (من أنفسهم) بضم الفاء أي فحكمهم كحكمهم يعني فلا تحل لك لكونك مولانا، وفيه دليل على تحريم الصدقة على موالي بني هاشم ولو كان الأخذ على جهة العمالة. قال الحافظ في الفتح: وبه قال أحمد وأبوحنيفة وبعض المالكية كابن الماجشون وهو الصحيح عند الشافعية. وقال الجمهور: يجوز لهم لأنهم ليسوا منهم حقيقة ولذلك لم يعوضوا بخمس الخمس ومنشئو الخلاف قوله منهم أو أنفسهم، هل يتناول المساواة في حكم تحريم الصدقة أم لا، وحجة الجمهور أنه لا يتناول جميع الأحكام فلا دليل فيه على تحريم الصدقة، لكنه ورد على سبب الصدقة وقد اتفقوا على أنه لا يخرج السبب، وان اختلفوا هل يخص به أم لا-انتهى. وقال الأمير اليماني: الحديث دليل على أن حكم مولى آل محمد ﷺ حكمهم في تحريم الصدقة. قال: وذهبت جماعة إلى عدم تحريمها عليهم لعدم المشاركة في النسب ولأنه ليس لهم في الخمس سهم. وأجيب بأن النص لا تقدم عليه هذه العلل فهي مردودة فإنها ترفع النص. قال ابن عبد البر: هذا خلاف الثابت من النص ثم هذا الحديث نص على تحريم العمالة على الموالي، وبالأولى على آل محمد ﷺ لأنه أراد الرجل الذي عرض على أبي رافع أن يوليه على بعض عمله الذي ولاه النبي ﷺ فينال عمالة، لا أنه أراد أن يعطيه من أجرته جائز فإنه جائز لأبي رافع أخذه إذ هو داخل تحت الخمسة الذين تحل لهم، لأنه قد ملك ذلك الرجل أجرته فيعطيه من ملكه فهو حلال لأبي رافع فهو نظير قوله ﵇، ورجل تصدق عليه منها فأهدى منها -انتهى. وقال الخطابي في المعالم: (ج٢:ص٧١) أما موالي بني هاشم فانه لا حظ لهم في سهم ذي القربى فلا يجوز أن يحرموا الصدقة، ويشبه أن يكون إنما نهاه عن ذلك تنزيهاً له. وقال: مولى القوم من أنفسهم على سبيل التشبيه في الاستنان بهم، والإقتداء بسيرتهم في اجتناب مال الصدقة التي هي أوساخ الناس، ويشبه أن يكون ﷺ قد كان يكفيه المؤنة ويزيح له العلة، إذ كان أبورافع مولى له وكان يتصرف له في الحاجة والخدمة، فقال له على هذا المعنى، إذا كنت تستغنى بما أعطيت فلا تطلب أوساخ الناس فإنك مولانا ومنا -انتهى. ولا يخفى ما فيه من التكلف ومخالفة ظاهر الحديث. والحق عندنا ما ذهب إليه أحمد وأبوحنيفة ومن وافقها والله تعالى أعلم (رواه الترمذي وأبوداود والنسائي) واللفظ للترمذي وأخرجه أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي وسكت عنه أبوداود والمنذري وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم. وروى البخاري من حديث أنس مرفوعاً مولى القوم من أنفسهم، وروى أحمد وابن أبي شيبة وغيرهما من حديث أم كلثوم بنت علي، قالت حدثني مولى لرسول الله ﷺ مرفوعاً إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ومولى القوم منهم.
стр. 2713
١٨٤٥- (١٠) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى)) .
ــ
١٨٤٥- قوله: (لا تحل الصدقة لغني) هذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم لكنهم، اختلفوا في حد الغنى المانع من الصدقة، وفي المحيط من كتب الحنفية الغنى على ثلاثة أنواع. غني: يوجب الزكاة وهو ملك نصاب حولي تام. وغني: يحرم الصدقة ويوجب صدقة الفطر والأضحية. وهو ملك ما يبلغ قيمة نصاب من الأموال الفاضلة عن حاجته الأصلية. وغني: يحرم السؤال، دون الصدقة وهو أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته -انتهى. وبسط الكلام فيه ابن قدامة في المغني كما سيأتي (ولا لذى مرة) بكسر الميم وتشديد الراء أي قوة. قال الخطابي: معنى المرة القوة وأصلها من شدة قتل الحبل يقال أمررت الحبل إذا أحكمت فتله فمعنى المرة في الحديث شدة اسر الخلق وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكد والتعب - انتهى. وقال الشوكاني: قال الجوهري: المرة القوة وشدة العقل ورجل مرير أي قوي ذو مرة. وقال غيره: المرة القوة على الكسب والعمل (سوى) أي سليم الخلق تام الأعضاء. قال الجوهري: السوى مستوى الخلق والمراد استواء الأعضاء وسلامتها قال ابن الملك: أي لا تحل الزكاة لمن أعضاءه صحيحة، وهو قوي يقدر على الاكتساب بقدر ما يكفيه وعياله، وبه قال الشافعي. قال الطيبي وقيل: المعنى ولا لذى عقل وشدة وهو كناية عن القادر على الكسب، وهو مذهب الشافعي والحنفية على أنه إن لم يكن له نصاب حلت الصدقة. قال القاري: في هذا الحديث نفي كمال الحل لا نفس الحل أو لا تحل له بالسؤال -انتهى. وقال السندي: لا تحل الصدقة أي سؤالها وإلا فهي تحل للفقير وإن كان صحيحاً سوى الأعضاء إذا أعطاءه أحد بلا سؤال وقال الترمذي: قد روى في غير هذا الحديث عن النبي ﷺ لا تحل المسألة لغني. ولا لذى مرة سوى، وإذا كان الرجل قوياً محتاجاً، ولم يكن عنده شيء فتصدق عليه أجزأ عن المتصدق عند أهل العلم. ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة -انتهى. يعني إن هذا الحديث محمول على المسألة، والمراد بقوله لا تحل الصدقة لا تحل المسألة، والدليل عليه حديث حبشي بن جنادة الآتي في الفصل الثاني من الباب الذي يليه، قال الخطابي: اختلف الناس في جواز أخذ الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب، فقال الشافعي: لا تحل له الصدقة. وكذلك قال إسحاق بن راهوية وأبوعبيد، وقال أصحاب الرأي: يجوز له أخذ الصدقة إذا لم يملك مائتي درهم فصاعداً -انتهى. وقال ابن قدامة (ج٢:ص١٦٦) اختلف العلماء في الغنى المانع من أخذها ونقل عن أحمد فيه روايتان أظهرهما أنه ملك خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسب، أو تجارة أو عقار أو نحو ذلك ولو ملك من العروض، أو الحبوب أو السائمة أو العقار ما لا تحصل به الكفاية لم يكن غنياً وإن ملك نصاباً هذا هو الظاهر من مذهبه، وهو قول الثوري
стр. 2714
.................................
ــ
والنخعي وابن المبارك وإسحاق. وروي عن علي وعبد الله إنهما قالا: لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهماً أو عدلها أو قيمتها من الذهب وذلك لما روى عبد الله بن مسعود مرفوعاً من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشاً أو خدوشاً أو كدوحاً في وجهه. فقيل يا رسول الله ﷺ ! وما الغنى؟ قال خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب (وسيجيء هذا الحديث في الباب الذي يليه) والرواية الثانية إن الغنى ما تحصل به الكفاية فإذا لم يكن محتاجاً حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئاً، وإن كان محتاجاً حلت له الصدقة، وإن ملك نصاباًً والأثمان وغيرها في هذا سواء وهذا اختيار أبي الخطاب، وقول مالك والشافعي لأن النبي ﷺ قال لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجى من قومه الحديث (وسيجيء في الباب الآتي) فمد إباحة المسألة إلى وجود إصابة القوام أو السداد، ولأن الحاجة هي الفقر والغنى ضدها فمن كان محتاجاً فهو فقير يدخل في عموم النص، ومن استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة. والحديث الأول فيه ضعف ثم يجوز إن تحرم المسألة ولا يحرم أخذ الصدقة إذا جاءته عن غير المسألة، فإن المذكور فيه تحريم المسألة فنقتصر عليه. وقال الحسن وأبوعبيد: الغنى ملك أوقية وهي أربعون درهماً لما روى أبوسعيد الخدري مرفوعاً من سأل، وله قيمة أوقية فقد الحف رواه أبوداود، وكانت الأوقية على عهد رسول الله ﷺ أربعين درهماً وقال أصحاب الرأي الغنى: الموجب للزكاة هو المانع من أخذها وهو ملك نصاب تجب فيه الزكاة من الأثمان والعروض المعد للتجارة أو السائمة أو غيرها لحديث "تؤخذ من أغنياءهم وترد في فقراءهم" فجعل الأغنياء من تجب عليهم الزكاة، فيدل ذلك على أن من تجب عليه غنى، ومن لا تجب عليه ليس بغنى فيكون فقيراً، فتدفع الزكاة إليه لقوله فترد في فقراءهم فيحصل الخلاف بيننا وبينهم في أمور ثلاثة. أحدها إن الغنى المانع من الزكاة غير الموجب لها عندنا، ودليل ذلك حديث ابن مسعود وهو أخص من حديثهم فيجب تقديمه، ولأن حديثهم دل على الغنى الموجب، وحديثنا دل على الغنى المانع ولا تعارض بينهما فيجب الجمع بينهما. الثاني إن من له ما يكفيه من مال غير زكائي أو مكسبه أو أجرة عقارات أو غيره ليس له الأخذ من الزكاة وبهذا. قال الشافعي وإسحاق وأبوعبيدة وابن المنذر وقال أبويوسف: إن دفع الزكاة إليه فهو قبيح وأرجو أن يجزئه وقال أبوحنيفة وسائر أصحابه: يجوز دفع الزكاة إليه لأنه ليس بغنى لما ذكروه في حجتهم. ولنا ما روى الإمام أحمد من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار، يعني الذي يأتي بعد هذا. ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر والذي نحن في شرحه. ثم قال: ولأن له ما يغنيه عن الزكاة فلم يجز الدفع إليه كمالك النصاب. الثالث إن من ملك نصاباً زكائياً لا تتم به الكفاية من غير الأثمان فله الأخذ من الزكاة. قال
стр. 2715
رواه الترمذي وأبوداود والدارمي.
ــ
الميموني: ذاكرت أباعبد الله. فقلت: قد يكون للرجل الإبل والغنم تجب فيها الزكاة، وهو فقير ويكون له أربعون شأة وتكون له الضيعة لا تكفيه فيعطى من الصدقة؟ قال نعم وذكر قول عمر أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا كان له عقار يشغله أو ضيعة تساوي عشرة آلاف أو أقل أو أكثر لا تقيمه يأخذ من الزكاة وهذا قول الشافعي وقال أصحاب الرأي: ليس له أن يأخذ منها إذا ملك نصاباً زكوياً لأنه تجب عليه الزكاة فلم تجز له للخبر، ولنا أنه لا يملك ما يغنيه ولا يقدر على كسب ما يكفيه فجاز له الأخذ من الزكاة ولأن الفقر عبارة عن الحاجة. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾ [فاطر:١٥] أي المحتاجون إليه وهذا محتاج فيكون فقيراً غير غنى، وقد بينا إن الغنى يختلف مسماه فيقع على ما يوجب الزكاة وعلى ما يمنع منها فلا يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من عدمه عدم الآخر. فمن قال: إن الغنى هو الكفاية سوى بين الأثمان وغيرها، وجوز الأخذ لكل من لا كفاية له، وإن ملك نصباً من جميع الأموال. ومن قال بالرواية الأخرى فرق بين الأثمان وغيرها لخبر ابن مسعود إلى آخر ما بسطه. وقال الأمير اليماني في شرح بلوغ المرام: قد اختلفت الأقوال في حد الغنى الذي يحرم به قبض الصدقة على أقوال، وليس عليها ما تسكن له النفس من الاستدلال لأن المبحث ليس لغوياً حتى يرجع فيه إلى تفسير لغة، ولأنه في اللغة أمر نسبي لا يتعين في قدر ووردت أحاديث معينة لقدر الغنى الذي يحرم به السؤال كحديث أبي سعيد عند النسائي من سأل وله أوقية فقد الحف، وعند أبي داود من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل الحافاً، وأخرج أيضاً من سأل وله ما يغنيه فإنما يستكثر من النار. قالوا: وما يغينيه؟ قال: قدر ما يعشيه ويغديه صححه ابن حبان، فهذا قدر الغنى الذي يحرم معه السؤال. وأما الغنى الذي يحرم معه قبض الزكاة فالظاهر أنه من تجب عليه الزكاة وهو من يملك مائتي درهم لقوله ﷺ أمرت أن آخذها من أغنياءكم وأردها في فقراءكم فقابل بين الغنى، وأفاد أنه من تجب عليه الصدقة وبين الفقير، وأخبر أنه من ترد فيه الصدقة هذا أقرب ما يقال فيه -انتهى. قلت: وبه قال الحنفية كما تقدم وهو الراجح عندي والله تعالى أعلم (رواه الترمذي وأبوداود والدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢:ص١٦٤-١٩٢) وأبوعبيد (ص٥٤٩) والطيالسي وابن الجارود في المنتقى (ص١٨٦) والبخاري في التاريخ الكبير (ج٢،١:ص٣٠١) والدارقطني (ص٢١١) والحاكم (ج١:ص٤٠٧) والطحاوي (ج١:ص٣٠٣) كلهم من حديث سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد العامري عن عبد الله بن عمرو، قال الترمذي: حديث حسن وذكر إن شعبة رواه عن سعد بن إبراهيم بهذا الإسناد ولم يرفعه. وقال أبوداود وقال عطاء بن زهير: إنه لقى عبد الله بن عمرو، فقال إن الصدقة لا تحل لقوى، ولا لذى مرة سوى. وقال الإمام أحمد قال عبد الرحمن بن مهدي: ولم يرفعه سعد ولا ابنه يعني إبراهيم بن سعد. وقال البخاري في التاريخ الكبير: وروى إبراهيم بن سعد
стр. 2716
............................
ــ
عن أبيه ولم يرفعه. وقال المنذري بعد ذكر كلام الترمذي: في إسناده ريحان بن يزيد. قال ابن معين ثقة. وقال أبوحاتم الرازي: شيخ مجهول. وقال بعضهم: لم يصح إسناده وإنما هو موقوف على عبد الله بن عمرو -انتهى. قلت: ريحان بن يزيد قد عرفه غير أبي حاتم ووثقه، وقد تقدم أنه وثقه يحيى بن معين. وقال: حجاج عن شعبة عن سعد بن إبراهيم سمع ريحان بن يزيد وكان أعرابياً صدوقاً وذكره ابن حبان في الثقات، وترجمة البخاري في التاريخ الكبير، فلم يذكر فيه جرحاً، ومن عرف حجة على من لم يعرف. وأما التعليل بأن شعبة وإبراهيم بن سعد روياه عن سعد فلم يرفعاه فليس بشيء، فإن الحديث رواه عن سعد ثلاثة من الحفاظ الثقات، سفيان الثوري وشعبة وإبراهيم بن سعد. أما الثوري فرواه عن سعد مرفوعاً عند أحمد في الموضعين، وعند الطيالسي وأبي عبيد والبخاري في الكبير والدارمي والترمذي وابن الجارود والحاكم والدارقطني والطحاوي لم تختلف الرواية عنه في رفعه. وأما شعبة فاختلف عليه، فروى عنه الحجاج بن منهال عند الطحاوي (ص ٣٠٣) موقوفاً. وروى عنه آدم بن أبي أياس عند الحاكم، وحجاج عند البخاري في الكبير مرفوعاً. وأما إبراهيم بن سعد فاختلف عليه أيضاً فروى عنه عباد بن موسى الختلي عند أبي داود وأبوبكر بن أبي العوام عند الحاكم مرفوعاً، ويشير كلام الإمام أحمد المتقدم إلى أن عبد الرحمن بن مهدي الذي روى الحديث عن الثوري قد سمعه من إبراهيم بن سعد عن أبيه موقوفاً كما سمعه من الثوري عن سعد مرفوعاً، فيكون إبراهيم رواه مرة مرفوعاً، ومرة موقوفاً، ولا يضر هذا الاختلاف فإن الراوي قد يرفع الحديث مرة، ويقفه أخرى، والرفع زيادة من الثقة فهي مقبولة. بل ههنا الرفع أرجح لأن سفيان أحفظ من شعبة وإبراهيم بن سعد. ولأنه إذا خالف شعبة سفيان فالقول قول سفيان ولأن سفيان لم تختلف الرواية عنه في رفعه بخلاف شعبة وإبراهيم، فإنه قد روى عنهما مرفوعاً موافقاً لسفيان كما عرفت. وأما ما قال أبوداود إن عطاء بن زهير قال: أنه لقى عبد الله بن عمرو الخ. فهو خطأ من جهة الإسناد والمتن جميعاً كما بينه العلامة الشيخ أحمد شاكر في شرحه للمسند (ج١٠:ص٥١-٥٢-٥٣-٥٤) قلت: ويدل على وقوع الخطأ في رواية أبي داود المعلقة هذه ما رواه البيهقي (ج٧:ص١٣) من طريق عبيد الله بن الشميط ثنا أبي والأخضر بن عجلان عن عطاء بن زهير العامري عن أبيه قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني عن الصدقة أي مال هي؟ قال: هي شر مال للعميان والعرجان والكسحان واليتامى وكل منقطع به. فقلت: إن للعاملين عليها حقاً وللمجاهدين. فقال للعاملين عليها بقدر عمالتهم وللمجاهدين في سبيل الله قدر حاجتهم، أو قال حالهم. قال رسول الله ﷺ : إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذى مرة سوى -انتهى. هذا وقد بسط العلامة الشيخ أحمد شاكر القول في تصحيح حديث عبد الله بن عمرو المرفوع فعليك أن تراجعه.
стр. 2717
١٨٤٦- (١١) ورواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة.
١٨٤٧- (١٢) وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار، ((قال أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي ﷺ وهو في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها فرفع فينا النظر وخفضه فرآنا جلدين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما،
ــ
١٨٤٦- قوله: (ورواه أحمد) (ج٢:ص٣٧٧-٣٨٩) (والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة) وأخرجه عنه ابن حبان والبزار والطحاوي والطبراني والحاكم أيضاً واختلفوا في تسمية الراوي عن أبي هريرة، فعند أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والطحاوي والبزار والبيهقي، عن سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة. قال صاحب التنقيح: رواته ثقات، إلا أن أحمد بن حنبل قال: سالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبي هريرة - انتهى. ورواه الطحاوي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة والحاكم والبيهقي من حديث أبي حازم عنه قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين وشاهده حديث عبد الله بن عمرو. ثم رواه بسند السنن وسكت عنه. وحديث أبي هريرة عزاه الهيثمي للطبراني، وقال: رجاله رجال الصحيح، وفي الباب عن رجل من بني هلال عند أحمد والطحاوي. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح وعن حبشي بن جنازة وسيأتي. وعن جابر عند الدارقطني بسند ضعيف، وعن طلحة عند أبي يعلى وابن عدي بسند فيه ضعف، وعن عبد الرحمن بن أبي بكر عند الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة وعن ابن عمر عند ابن عدي بسند ضعيف. تنبيه كلام المصنف يدل على أن الإمام أحمد لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو، وهو ذهول منه فإنه أحمد رواه عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو وكليهما كما عرفت.
١٨٤٧- قوله: (وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار) بكسر الحاء المعجمة فمثناة تحتية آخره راء (أخبرني رجلان) زاد الطحاوي في شرح الآثار (ص٣٠٣) من قومي ولم أقف على تسميتهما (وهو في حجة الوداع) بفتح الواو (وهو يقسم) بفتح الياء وكسر السين (الصدقة) أي أموالها (فسألاه منها) أي طالباه أن يعطيهما شيئاً من تلك الصدقة (فرفع فينا النظر) في نسختي العون والبذل من نسخ السنن لأبي داود البصر بدل النظر. وكذا وقع عند أبي عبيد والطحاوي والدارقطني والبيهقي من طريق أبي داود. وكذا نقله الزيلعي والحافظ في تخريجهما. ووقع في نسخة معالم السنن النظر كما في الكتاب، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول. ولفظ أحمد والنسائي فقلب فيهما البصر، وفي رواية لأحمد فصعد فيهما البصر، وللبيهقي في رواية فصعد فينا النظر، وصوب. وفي رواية فصعد البصر (جلدين) بفتح الجيم وسكون اللام أي قويين (إن شئتما أعطيتكما) أي منها ووكلت الأمر إلى أمانتكما لكن تكونان في خطر الأخذ
стр. 2718
ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب)) . رواه أبوداود والنسائي.
١٨٤٨- (١٣) وعن عطاء بن يسار، مرسلاً، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة.
ــ
بغير حق إن كنتما قويين كما دل عليه حالكما أو غنيين (ولا حظ) أي نصيب (فيها لغني ولا لقوي مكتسب) بصيغة الفاعل أي قادر على الكسب. قال الطيبي: أي لا أعطيكما؛ لأن في الصدقة ذلاً وهواناً. فإن رضيتما بذلك أعطيتكما أو لا أعطيكما لأنها حرام على القوي المكتسب، فإرضيتما بأكل الحرام أعطيكما قاله توبيخاً وتغليظاً، أي كقوله تعالى: ﴿ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف:٢٩] وقال السندي: قوله "إن شئتما" الخ يدل على أنه لو أدى أحد إليهما يحل لهما أخذه ويجزيء عنه، وإلا لم يصح له أن يؤدي إليهما بمشيئتهما فقوله "ولا حظ فيها" الضمير للصدقة على تقدير المضاف، أي في سؤالها أو للمسألة المعلومة من المقام - انتهى. وقال ابن الهمام: الحديث دل على أن المراد حرمة سؤالهما لقوله "وإن شئتما أعطيتكما" فلو كان الأخذ محرماً غير مسقط عن صاحب المال لم يفعله - انتهى. والحديث من أدلة تحريم الصدقة على الغني، وهو تصريح بمفهوم الآية وإن اختلف في تحقيق الغني بما سلف وعلى القوي المكتسب، لأن حرفته صيرتة في حكم الغني. ومن أجاز له تأول بما تقدم في أول كلام الطيبي وفي كلام السندي وابن الهمام (رواه أبوداود والنسائي) وأخرجه أيضاً الشافعي وأحمد (ج٤ ص٢٢٤) وأبوعبيد (ص٥٤٩) والدارقطني (ص٢١١) والطحاوي (ص٣٠٣) والطبراني والبيهقي (ج٧ ص١٤) كلهم من حديث هشام بن عروة عن أبي عبيد الله بن عدي بن الخيار، وقد سكت عنه أبوداود والمنذري. وقال الحافظ في بلوغ المرام: قواه أبوداود. وقال أحمد: ما أجوده من حديث، وقال هو أحسنها إسناداً. وقال صاحب التنقيح: حديث صحيح ورواته ثقات. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
١٨٤٨- قوله: (وعن عطاء بن يسار) بفتح الياء تابعي جليل (مرسلاً) أي بحذف الصحابي وهو أبوسعيد الخدري كما سيأتي (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة) فتحل لهم وهم أغنياء؛ لأنهم أخذوها بوصف آخر قاله الزرقاني: وقال ابن رشد: الجمهور على أنه لا تجوز الصدقة للأغنياء بأجمعهم، إلا للخمس الذي نص عليهم النبي ﷺ في هذا الحديث. روى عن ابن القاسم أنه لا يجوز أخذ الصدقة لغني أصلاً مجاهداً كان أو عاملاً. قال: وسبب اختلافهم هو هل العلة في إيجاب الصدقة للأصناف المذكورين هو الحاجة فقط أو الحاجة والمنفعة العامة إلى آخر ما قال. وعند الحنفية: سبب استحقاق الزكاة في الكل واحد وهو الفقر والحاجة إلا العاملين عليها والمؤلفة، واختلاف الأسماء إنما هو لبيان أسباب الحاجة. قال أبوبكر الجصاص الرازي في أحكام القرآن: وجميع من يأخذ
стр. 2719
لغاز في سبيل الله،
ــ
الصدقة من هذه الأصناف فإنما يأخذها صدقة بالفقر، والمؤلفة قلوبهم والعاملون عليها لا يأخذونها صدقة. وإنما تحصل الصدقة في يد الإمام للفقراء ثم يعطي الإمام المؤلفة لدفع أذيتهم عن الفقراء وسائر المسلمين، ويعطيها العاملين عوضاً من أعمالهم لا على أنها صدقة عليهم. وإنما قلنا ذلك لقول النبي ﷺ : أمرت أن آخذ الصدقة من أغنياءكم وأوردها في فقراءكم، فبين إن الصدقة مصروفة إلى الفقراء فدل ذلك على أن أحداً لا يأخذها صدقة إلا بالفقر، وإن الأصناف المذكورين إنما ذكروا بياناً لأسباب الفقر- انتهى. قلت: اعتبار الفقر في جميع الأصناف غير العامل والمؤلف وجعله مناطاً للاستحقاق ليس بصحيح، فإن الله تعالى قد فرق بين هذه الأصناف بالتسمية وعطف بعضها على بعض، وجعل العامل وما بعده صنفاً غير الفقراء والمساكين، فلا يشترط وجودها معناهما فيما ذكر بعدهما كما لا يشترط معناه فيهما، ولا يجب وجود صفة هذين الصنفين في بقية الأصناف كما لا يلزم وجود صفة تلك الأصناف فيهما. وأما حديث معاذ ففيه بيان صنف واحد فقط، ولذا احتج به من ذهب إلى جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد. قال القاري: ظاهر حديث معاذ إن دفع المال إلى صنف واحد جائز كما هو مذهبنا - انتهى. وهكذا استدل به لذلك ابن الجوزي وأبوعبيد والكاساني في البدائع، والقرطبي المالكي في المفهم، وابن قدامة في المغنى، وغيرهم من الشراح. وخص هذا الصنف بالذكر مع كون المقام مقام إرسال البيان لأهل اليمن وتعليمهم لمقابلة الأغنياء، ويحتمل أن يكون ذلك لكون الفقراء هم الأغلب أو لبيان أنهم الأحق والأهم. وكانت آية مصارف الزكاة معلومة معروفة فلم تكن حاجة إلى تعديد جميع مصارفها، وحديث الباب نص في الرد على الحنفية وعلى ابن القاسم، وقد تكلف ابن الهمام وغيره للجواب عنه كما سيأتي مع الرد عليه وقال الشوكاني في السيل الجرار: لا ينافي ما صرحت به الآية من المصارف الثمانية ما ورد من أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء وترد في الفقراء، فإن ذلك محمول على أنه لم يوجد في المحل الذي أخذت منه إلا الفقراء. أما إذا وجد غيرهم فله حق فيها كحق الفقراء، فيجمع بين الأدلة بهذا، وأما من اشترط الفقر في جميع الأصناف فلا يحتاج إلى الجمع بهذا ولكن هذا الاشتراط خلاف ظاهر القرآن، وخلاف ما ثبت في السنة كقوله ﷺ : لا تحل الصدقة لغني إلا لغاز في سبيل الله - الحديث. (لغاز في سبيل الله) أي يجوز له أخذ الزكاة والاستعانة بها في غزوه، وإن كان غنياً، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة وإسحاق بن راهوية وأبوثور وأبوعبيد وابن المنذر وقال أبوحنيفة لا يحل للغازي إلا أن يكون منقطعاً به أو فقيراً ورُدّ بأن الأول داخل في الآية في ابن السبيل، والثاني في الفقراء وقد فرق الله تعالى بين سهم السبيل وابن السبيل والفقراء بالواو، والقول بأن منقطع الغزاة فقيراً، لا أنه زاد بالانقطاع في عبادة الله فكان مغايراً للفقير المطلق الخالي عن هذا القيد، لا يجدي شيئاً فإنه بقيد الفقر يبطل كون سبيل الله صنفاً مستقلاً، إذ يرجع حينئذ إلى الصنف الأول وهو الفقراء والمساكين. والحديث تفسير لقوله تعالى: ﴿في سبيل
стр. 2720
......................
ــ
الله﴾ [التوبة:٦٠] إن المراد به الغزاة، وعليه الجمهور، قال أبوعبيد (ص٦١٠) بعد ذكر هذا الحديث فأرخص ﷺ للغازي أن يأخذ من الصدقة وإن كان غنياً، ونراها تأويل هذه الآية قوله "وفي سبيل الله" وقال الخطابي: في الحديث بيان إن للغازي وإن كان غنياً أن يأخذ الصدقة، ويستعين بها في غزوة وهو من سهم سبيل الله وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال أصحاب الرأي لا يجوز أن يعطي الغازي من الصدقة إلا أن يكون منقطعاً به. قلت (قائله الخطابي) : سهم السبيل غير سهم ابن السبيل. وقد فرق الله بينهما بالتسمية وعطف أحدهما على الآخر بالواو والذي هو حرف الفرق بين المذكورين المنسوق أحدهما على الآخر، فقال وفي سبيل الله وابن السبيل والمنقطع به هو ابن السبيل، فأما سهم السبيل فهو على عمومه وظاهره في الكتاب. وقد جاء في هذا الحديث ما بينه ووكد أمره فلا وجه للذهاب عنه - انتهى. وقال الباجي: لا بأس أن يعطى من الزكاة للغازي وإن كان معه ما يغنيه وإن لم يأخذ فهو أفضل هذا قول مالك وبه قال الشافعي: وقال أبوحنيفة: لا يعطي الغازي الغني شيء من الصدقة ولا يحل له أخذها. وقال ابن المنذر: وأما قول أبي حنيفة لا يعطي الغازي من الزكاة إلا أن يكون محتاجاً فهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ وأما السنة فحديث أبي سعيد يعني الذي نحن في شرحه. وقال الشوكاني في السيل الجرار: تحت قول صاحب حدائق الأزهار وسبيل الله هو المجاهد الفقير ما لفظه، أقول قد عرفناك إن حديث أبي سعيد فيه التصريح بعدم اشتراط الفقر فيمن اشتمل عليه ومن جملتهم الغازي، فالسنة قد دلت على أنه يصرف إلى هذا الصنف مع الغنى. والقرآن لم يشترط فيه الفقر فلم يبق ما يوجب هذا الاشتراط، بل هو مجرد رأي بحت فيصرف إليه ما يحتاجه في الجهاد من سلاح ونفقة وراحلة وإن بلغ أنصباً كثيرة قلت: واستدل لأبي حنيفة بحديث معاذ: أمرت أن آخذ الصدقة من أغنياءكم وأردها في فقرائكم. قال الكاساني: جعل الناس قسمين. قسم، يؤخذ منهم. وقسم، يصرف إليهم. فلو جاز صرف الصدقة إلى الغني لبطلت القسمة وهذا لا يجوز، وبحديث عبد الله بن عمرو المتقدم بلفظ: لا تحل الصدقة لغني، قال ابن الهمام حديث: لا تحل الصدقة لغني مع حديث معاذ يفيد منع غنى الغزاة والغارمين عنها، فهو حجة على الشافعي في تجويزه لغني الغزاة إذا لم يكن له شيء في الديوان ولم يأخذ من الفيء وأجيب عن ذلك بأنه لو صح ما قال الكاساني للزم اشتراط الفقر في العامل والمؤلف أيضاً، ولما جاز دفع الزكاة إلى غنى العاملين والمؤلفة قلوبهم وإلا لبطلت القسمة، وأيضاً لزم تقييد إطلاق القرآن بخبر الواحد وهذا لا يجوز عند الحنيفة. وقدمنا إن حديث معاذ فيه بيان للصنف الواحد فقط من الأصناف الثمانية وهم الفقراء وذلك لمقابلة الأغنياء أو لكونهم إذ ذاك هم الأغلب لا، لأن هذا الصنف هو المصرف فقط. ولا لأن الفقر شرط في الأصناف الآخر، والمفهوم من الآية إن المعتبر في المصارف المذكورة. أما حاجتهم إلى الصدقة وهذا في الفقير والمسكين والرقبة والغارم لقضاء دينه وابن السبيل أو حاجة المسلمين إليهم والمنفعة العامة، وهذا في
стр. 2721
.............................
ــ
العامل والمؤلف والغازي والغارم لا صلاح ذات البين. قال ابن العربي في أحكام القرآن: قال أبوحنيفة: لا يعطي الغازي إلا إذا كان فقيراً وهذه زيادة على النص وعنده إن الزيادة على النص نسخ ولا نسخ في القرآن إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر - انتهى. وأما حديث عبد الله بن عمرو فهو مجمل يفسره حديث عطاء بن يسار هذا وهو حديث موصول صحيح كما ستعرف. قال ابن عبد البر: هذا الحديث مفسر لمجمل قوله ﷺ : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى وإنه ليس على عمومه، وأجمعوا على أن الصدقة المفروضة لا تحل لغير الخمسة المذكورين - انتهى. وأجاب الحنفية عن هذا الحديث بوجوه. منها: ما قال العيني: المراد من قوله: لغاز في سبيل الله هو الغازي الغني بقوة البدن والقدرة على الكسب، لا الغني بالنصاب الشرعي بدليل حديث معاذ وفي ذكر هذا غنى عن الرد، ويدل على بطلانه أيضاً حديث عبد الله بن عمرو وحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار المتقدمين كما لا يخفي. ومنها: ما قيل إن المستثنى مقيد بالفقر وإطلاق الغني عليه مجاز باعتبار ما كان. قال الكاساني في البدائع: وأما استثناء الغازي فمحمول على حال حدوث الحاجة وسماه غنياً على اعتبار ما كان قبل حدوث الحاجة وهو أن يكون غنياً، ثم تحدث له الحاجة بأن كان له دار يسكنها، ومتاع يمتهنه، وثياب يلبسها وله مع ذلك فضل مائتي درهم حتى لا تحل له الصدقة، ثم يعزم على الخروج في سفر غزو فيحتاج إلى آلات السفر والسلاح والمركب، فيجوز أن يعطي من الصدقة ما يستعين به في حاجته التي تحدث له في سفره، وهو في مقامه غني بما يملكه، لأنه غير محتاج في حال الإقامة. فيحمل قوله: لا تحل الصدقة لغني إلا لغاز في سبيل الله على من كان غنياً في حال مقامه، فيعطي بعض ما يحتاج لسفره لما أحدث له السفر من الحاجة إلا أنه يعطي حين يعطي وهو غني - انتهى ملخصاً. وفيه إن هذا يدل على أن المراد من الغازي هو الغني الذي تحدث له الحاجة إلى جهز الجهاد عند إرادة الغزو وإنشاء سفره، وهذا مخالف لما صرح به الحنفية في كتب فروعهم من أن المراد من سبيل الله في الآية منقطع الغزاة. ثم فسروه بالذي عجز عن اللحوق بجيش الإسلام لفقره بهلاك النفقة والدابة أو غيرها وإن كان في بيته مال وافر، فتحل له الصدقة وإن كان كاسباً - انتهى. وقال في شرح الأحياء قال أبوحنيفة: هذا السهم مخصوص بجنس خاص من الغزاة وهو الفقير المنقطع، وبه فسر في سبيل الله وبه قال أبويوسف وهو المفهوم من اللفظ عند الإطلاق فلا يصرف إلى أغنياء الغزاة - انتهى. وفيه أيضاً تقييد المستثنى بالفقر مع كون المستثنى منه مطلقاً، وارتكاب المجاز من غير دليل وهذا لا يجوز: وأما حديث معاذ فقد تقدم توجيهه. ومنها ما ذكر ابن الهمام قيل: لم يثبت هذا الحديث يعني الذي استدل به الشافعي ومن وافقه، وهو حديث عطاء بن يسار ولو ثبت لم يقو قوة حديث معاذ، فإنه رواه أصحاب الكتب الستة مع قرينة حديث عبد الله بن
стр. 2722
...........................
ــ
عمرو ولو قوي قوته، ترجح حديث معاذ بأنه مانع وما رواه مبيع ذكره القاري. قلت: حديث عطاء بن يسار هذا موصول صحيح ثابت قوي لا مطعن فيه كما ستعرف، ولا مخالفة بينه وبين حديثي عبد الله بن عمرو ومعاذ حتى يصار إلى الترجيح وقد تقدم بيان معناهما فائدة اختلفوا في المراد من سبيل الله في آية المصارف فقيل: المراد به الغزاة وعليه الجمهور. قال الباجي: هو الغزو والجهاد قاله مالك وجمهور الفقهاء. وقال الخرقي وسهم في سبيل الله وهم الغزاة. قال ابن قدامة: هذا الصنف السابع من أهل الزكاة ولا خلاف في استحقاقهم ولا خلاف في أنهم الغزاة في سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو - انتهى. ثم اختلف أهل هذا القول. فقال الأكثر: إنهم يعطون ما ينفقون في غزوهم وإن كانوا أغنياء. وقال أبوحنيفة وأبويوسف: لا يعطي الغازي إلا إذا كان فقيراً منقطعاً به. قال الحافظ: أما سبيل الله فالأكثر على أنه يختص بالغازي غنياً كان أو فقيراً، إلا أن أباحنيفة قال يختص بالغازي المحتاج. وقيل: المراد منه منقطع الحاج وبه قال محمد وروى عن أحمد وإسحاق إن الحج أيضاً من سبيل الله يعني إن الحج من جملة السبل مع الغزو ولأنه طريق بر. قال ابن قدامة: وعن أحمد ﵀ رواية أخرى لا يصرف منها في الحج وبه قال مالك والليث وأبوحنيفة والثوري والشافعي وأبوثور وابن المنذر. وقيل: اللفظ عام فلا يجوز قصره على نوع خاص ويدخل فيه جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد وغير ذلك، نقل ذلك القفال عن بعض الفقهاء من غير أن يسميه كما في حاشية تفسير البيضاوي لشيخزادة، وإليه مال الكاساني إذ فسره بجميع القرب. قال في البدائع سبيل الله عبارة عن جميع القرب ويدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجاً. وقال النووي في شرح مسلم: وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أنه يجوز صرف الزكاة في المصالح العامة، وتأول عليه هذا الحديث، أي ما روى البخاري في القسامة أنه ﷺ وداه الذي قتل بخيبر مائة من إبل الصدقة. قلت واحتج للقول الثاني بما روى أبوداود عن ابن عباس إن امرأة قالت لزوجها أحججني مع رسول الله ﷺ على جملك فلان قال ذاك حبيس في سبيل الله - الحديث. وفيه إن رسول الله ﷺ قال: أما أنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله. وبما روى عن أم معقل الاسدية إن زوجها بكراً في سبيل الله وإنها أرادت الحج - الحديث. وفيه فأمر رسول الله ﷺ أن يعطيها البكر، وقال رسول الله ﷺ : الحج من سبيل الله أخرجه أحمد وغيره. وبما روى عن أبي لاس قال حملنا النبي ﷺ على إبل من الصدقة للحج ذكره البخاري تعليقاً بصيغة التمريض، ووصله أحمد وابن خزيمة والحاكم. قال الشوكاني: حديث أم معقل وحديث
стр. 2723
................................
ــ
أبي لاس يدلان على أن الحج من سبيل الله، وإن من جعل شيئاً من ماله في سبيل الله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج، وإذا كان شيئاً مركوباً جاز حمل الحاج عليه، ويدلان أيضاً على أنه يجوز صرف شيء من سهم سبيل الله من الزكاة إلى قاصدين الحج - انتهى. وبما روى ابن عبيد في الأموال عن أبي معاوية وابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي جعفر كلاهما عن الأعمش عن حسن إلى الأشرس عن مجاهد عن ابن عباس، أنه كان لا يرى بأساً أن يعطى الرجل من زكاة ماله في الحج وأن يعتق منها الرقبة. وبما روى عن ابن عمر أنه سئل عن امرأة أوصت بثلاثين درهماً في سبيل الله فقيل له أتجعل في الحج؟ فقال أما أنه من سبل الله أخرجه أبوعبيد بإسناد صحيح عنه. والقول الراجح عندي: هو ما ذهب إليه الجمهور من أن المراد به الغزو والجهاد خاصة، لأن سبيل الله إذا أطلق في عرف الشرع فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى كأنه مقصور عليه. قال ابن العربي في أحكام القرآن: قوله: "في سبيل الله " قال مالك سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافاً في أن المراد بسبيل الله ههنا الغزو. ولحديث عطاء بن يسار الذي نحن في شرحه وهو حديث صحيح مفسر لقوله: في سبيل الله في الآية فيجب حمله عليه، ولم أر عنه جواباً شافياً من أحد، وإليه ذهب ابن حزم إذ قال، وأما سبيل الله فهو الجهاد بحق. ثم ذكر حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد من طريق أبي داود وهو الذي رجحه ابن قدامة حيث قال: وهذا أصح لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد فإن كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلا اليسير، فيجب أن يحمل ما في هذه الآية على ذلك لأن الظاهر أرادته به - انتهى. وهو الذي صححه الخازن في تفسيره حيث قال: والقول الأول هو الصحيح لإجماع الجمهور عليه، ورجحه أيضاً العلامة القنوجي البوفالي في تفسيره إذ قال: والأول أولى لإجماع الجمهور عليه وبه فسر الشوكاني في فتح القدير (ج٢:ص٣٥٦) ورجحه، واختاره أيضاً غيرهم من المفسرين. وأما الأحاديث التي استدل بها أهل القول الثاني فقد أجيب عنها بوجهين. الأول الكلام فيها إسناداً فإن حديث ابن عباس في إسناده عامر بن عبد الواحد الأحول وقد تكلم فيه أحمد والنسائي. وقال الحافظ: صدوق يخطيء. وقد روى الشيخان عن ابن عباس نحو هذه القصة وليس عندهما إنه جعل جملة حبيساً في سبيل الله ولا أن رسول الله ﷺ قال: لو احججتها عليه كان في سبيل الله. وأما حديث أم معقل ففيه اضطراب كثير واختلاف شديد في سنده ومتنه حتى تعذر الجمع والترجيح مع ما في بعض طرقه من راو ضعيف ومجهول ومدلس قد عنعن، وهذا مما يوجب التوقف فيه وذلك لا يشك فيه من ينظر في طرق هذا الحديث في مسند الإمام أحمد وفي السنن مع حديث ابن عباس عند الشيخين وأبي داود وابن أبي شيبة، ومع قصة أم طليق عند ابن السكن وابن مندة والدولابي. وقد حمل ذلك بعضهم على
стр. 2724
..........................
ــ
وقائع متعددة ولا يخفى بعده. وأما حديث أبي لاس، فقال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات، إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق، ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته - انتهى. ويشير بذلك إلى ما حكى عنه أنه قال إن ثبت حديث ابن لاس قلت بذلك، قال الحافظ: وتعقب بأنه يحتمل أنهم كانوا فقراء وحملوا عليها خاصة ولم يتملكوها - انتهى. وأما أثر ابن عباس فهو أيضاً مضطرب صرح به أحمد كما في الفتح، وقد بين اضطرابه الحافظ، ولذلك كف أحمد عن القول بالإعتاق من الزكاة تورعاً وقيل بل رجح عن هذا القول. والثاني أنه لا ينكر إن الحج من سبيل الله بل كل فعل خير من سبل الله، لكن لا يلزم من هذا أن يكون السبيل المذكور في هذه الأحاديث هو المذكور في الآية، فإن المراد في هذه الأحاديث المعنى الأعم وفي الآية نوع خاص منه، وهو الغزو والجهاد، لحديث أبي سعيد. وإلا فجميع الأصناف من سبيل الله بذلك المعنى. قال ابن حزم: فإن قيل قد روى عن رسول الله ﷺ إن الحج من سبيل الله، وصح عن ابن عباس أن يعطى منها في الحج، قلنا نعم، وكل فعل خير فهو من سبيل الله تعالى، إلا أنه لا خلاف في أنه تعالى لم يرد كل وجه من وجوه البر في قسمة الصدقات، فلم يجز أن توضع إلا حيث بين النص وهو الذي ذكرنا - انتهى. وقال ابن قدامة: هذا أي عدم صرف الزكاة في الحج أصح، لأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين محتاج إليها كالفقراء والمساكين، وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم وابن السبيل، أو من يحتاج إليه المسلمون كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين والحج من الفقير لا، نفع للمسلمين فيه ولا حاجة بهم إليه ولا حاجة به أيضاً إليه، لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه ولا مصلحة له في إيجابه عليه وتكليفه مشقة قدر فهه الله منها، وخفف عنه إيجابها. وأما الخير (يعني حديث إن الحج في سبيل الله) فلا يمنع أن يكون الحج من سبيل الله، والمراد بالآية غيره لما ذكرنا - انتهى. وقال ابن الهمام: متعقباً على الاستدلال المذكور، ثم فيه نظر لأن المقصود ما هو المراد بسبيل الله المذكور في الآية، والمذكور في الحديث لا يلزم كونه إياه لجواز أنه أراد الأمر الأعم وليس ذلك المراد في الآية بل نوع مخصوص، وإلا فكل الأصناف في سبيل الله بذلك المعنى - انتهى. وقال صاحب تفسير المنار: بعد الكلام في سند حديث أم معقل ما لفظه، وأقول من جهة المعنى. أولاً إن جعل أبي معقل جمله في سبيل الله أو وصيته به صدقة تطوع، وهي لا يشترط فيها إن تصرف في هذه الأصناف التي قصرتها عليها الآية، وثانياً: إن حج امرأته عليه ليس تمليكاً لها يخرج الجمل عن إبقاءه على ما أوصى به أبومعقل، ويقال مثل هذا في حديث أبي لاس. وثالثاً: إن الحج من سبيل الله بالمعنى العام للفظ، والراجح المختار أنه غير مراد في الآية - انتهى. وأما القول الثالث: فهو أبعد الأقوال لأنه لا دليل عليه لا من كتاب ولا من سنة صحيحة أو سقيمة ولا من إجماع، ولا من رأى صحابي
стр. 2725
......................
ــ
ولا من قياس صحيح أو فاسد، بل هو مخالف للحديث الصحيح الثابت، وهو حديث أبي سعيد. ولم يذهب إلى هذا التعميم أحد من السلف إلا ما حكى القفال في تفسيره عن بعض الفقهاء المجاهيل، والقاضي عياض عن بعض العلماء الغير المعروفين. قال صاحب تفسير المنار: أما عموم مدلول هذا اللفظ فهو يشمل كل أمر مشروع أريد به مرضاة الله تعالى بإعلاء كلمته وإقامة دينه وحسن عبادته ومنفعة عباده ولا يدخل فيه الجهاد بالمال والنفس إذا كان لأجل الرياء والسمعة، وهذا العموم لم يقل له أحد من السلف ولا الخلف، ولا يمكن أن يكون مراداً هنا. لأن الإخلاص الذي يكون به العمل في سبيل الله أمر باطني لا يعلمه إلا الله تعالى، فلا يمكن أن تناط به حقوق مالية دولية. وإذا قيل إن الأصل في كل طاعة من المؤمن أن تكون لوجه الله تعالى: فيراعي هذا في الحقوق عملاً بالظاهر، اقتضى هذا أن يكون كل مصل وصائم ومتصدق. وقال: للقرآن وذاكر لله تعالى ومميط للأذى عن الطريق مستحقاً بعمله هذا للزكاة الشرعية، فيجب أن يعطى منها. ويجوز له أن يأخذ منها وإن كان غنياً، وهذا ممنوع بالإجماع أيضاً وإرادته تنافي حصر المستحقين في الأصناف المنصوصة. لأن هذا الصنف لأحد لجماعاته فضلاً عن أفراده، وإذا وكل أمره إلى السلاطين والأمراء تصرفوا فيه بأهوائهم تصرفاً، تذهب حكمة فرضية الصدقة من أهلها - انتهى. وأما ما يذكر للاحتجاج لذلك من رواية البخاري في دية الأنصارى الذي قتل بخيبر مائة من غبل صدقة، فهو مخالف لما روى البخاري أيضاً في قصته إنه وداه من عنده. وجمع بين الروايتين، بأنه اشتراه من أهل الصدقة بعد أن ملكوها ثم دفعها تبرعاً إلى أهل القتيل، حكاه النووي عن الجمهور، وعلى هذا فلا حجة فيه لمن ذهب إلى التعميم. وإذا تقرر هذا فلا يجوز صرف الزكاة في عمارة المساجد والمعاهد الدينية وبناء الجسور، وإصلاح الطرق والشوارع وتكفين الموتى وقضاء ديونهم وغير ذلك من أنواع البر. لأنه ليس هذا في شيء من المصارف المنصوصة. وهو مذهب أحمد كما يظهر من المغنى (ج٢ ص٦٦٧) ومالك كما في المدونة (ج٢ ص٥٩) وسفيان وأهل العراق وغيرهم من العلماء كما في الأموال لأبي عبيد (ص٦١٠) هذا وقد ألحق بعض العلماء بالغازي من كان قائماً بمصلحة من مصالح المسلمين كالقضاء والإفتاء والتدريس وإن كان غنياً، وأدخله بعضهم في العالمين فأجاز له الأخذ من الزكاة فيما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان غنياً، ولا يخفى ما فيه. وقال صاحب المنار: إن سبيل الله هنا مصالح المسلمين الشرعية التي بها قوام أمر الدين والدولة دون الأفراد والأشخاص، وان الحج ليس منها. وقال: وأولها وأولاها بالتقديم الاستعداد للحرب بشراء السلاح، وأغذية الجند وأدوات التنقل وتجهيز، قال ويدخل في عمومه إنشاء المستشفيات العسكرية والخيرية، وأشراع الطرق وتعبيدها ومد الخطوط الحديدية العسكرية لا التجارية. ومنها بناء البوارج المدرعة والمنطادات والطيارات الحربية
стр. 2726
أو لعامل عليها،
ــ
والحصون والخنادق، قال: ويدخل فيه النفقة على المدارس للعلوم الشرعية وغيرها مما تقوم به المصلحة العامة، وفي هذه الحالة يعطى منها معلمو هذه المدارس ماداموا يؤدون وظائفهم المشروعة التي ينقطعون بها عن كسب آخر ولا يعطي عالم غني لأجل علمه وإن كان يفيد الناس به - انتهى. قلت: حديث أبي سعيد ينافي هذا التعميم لكونه كالنص، في أن المراد بسبيل الله المطلق في الآية هم الغزاة والمجاهدون خاصة فيجب الوقوف عنده (أو لعامل عليها) أي على الصدقة قال تعالى ﴿والعاملين عليها﴾ [التوبة:٦٠] أي الذين يوليهم الامام أو نائبه العمل على جمعها من الأغنياء وهم الجباة والسعاة وعلى حفظها وهم الخزنة وكذا الرعاة للإنعام منها والكتبة لديوانها. قال ابن قدامة: هم السعاة الذين يبعثهم الامام لأخذها من أربابها وجمعها وحفظها ونقلها وممن يعينها ممن يسوقها ويرعاها ويحملها، وكذلك الحاسب والكاتب والكيال والوزان والعداد وكل من يحتاج إليه فيها - انتهى. وفي الحديث دليل على أنه تحل الصدقة للعامل وإن كان غنياً، والمراد بذلك ما يعطى بطريق العمالة، بضم المهملة وخفة الميم، أي رزقه على عمله. ولا خلاف في هذا بين أهل العلم، لأن ما يستحقه العامل إنما يستحقه بطريق العمالة لا بطريق الصدقة، فلا يشترط أن يكون فقيراً. قال الخطابي: أما العامل فإنه يعطى منها عمالة على قدر عمله وأجرة مثله فسواء كان غنياً أو فقيراً فإنه يستحق العمالة إذا لم يفعله متطوعاً - انتهى. فإن كان العامل عمالته على عمله لا على فقره فإن لم تكفه كان له أن يأخذ بفقره ما يأخذ أمثاله. ثم اختلف العلماء: هل يستحق العامل على عمله جزاء منها معلوماً معيناً سبعاً أو ثمناً أو يعطى قدر عمله على حسب اجتهاد الإمام، فحكى عن الشافعي إنه يعطى الثمن لكن في فروع الشافعية إنه يعطى قدر أجرة عمله، وهكذا عند المالكية الحنابلة والحنفية إنه يعطى بقدر أجره وعمله، روى أبوعبيد عن مالك أنه قال: ليس للعامل على الصدقة فريضة مسماة، إنما ذلك إلى نظر الإمام وإجتهاده. قال أبوعبيد: وكذلك قول سفيان وأهل العراق، وهذا عندنا هو المعمول به لا قول من يذهب إلى توقيت الثمن. ولو كان ذلك محدوداً لكانت حال الأصناف الثمانية كلهم كحالهم، أي كحال العاملين، لكنهم عندنا إنما هم ولاة من ولاة المسلمين كسائر العمال من الأمراء والحكام وجباة الفيء وغير ذلك فإنما لهم من المال بقدر سعيهم وعمالتهم ولا يبخسون منه شيئاً ولا يزادون عليه - انتهى. ثم إنه يبدأ بإعطاء العامل عند المالكية والحنابلة. لأنه يأخذه على طريق المعاوضة فكان إستحقاقه أقوى ولذلك يعطى جميعها إن كانت قدر عمله وإذا عجزت عن أجره تمم له من بيت المال. ولا يزاد على نصف ما يجمعه عند الحنفية، وعلى الثمن عند الشافعية. قال في الأحياء: إن فضل شيء من الثمن عن أجر مثله رد على بقية الأصناف، وإن نقص كمل من مال المصالح - انتهى. ثم اختلفوا: في أن الاستحقاق العامل بعمله هل على سبيل الكفاية له ولا عوانه أو على سبيل
стр. 2727
أو لغارم
ــ
الأجرة. فقال الحنفية: كما في البدائع على سبيل الكفاية لا على طريق الأجرة، لأن مجهولة. لأن قدر الكفاية له ولا عوانه غير معلوم. ولأن الأجرة لا تكون إلا على عمل معلوم ومدة معينة. وقال غيرهم: بطريق الأجرة لكن عند الشافعية يستحق أجرة المثل. وقال ابن قدامة: (ج٦:ص٤٢٦) الامام مخير بين أن يستأجر العامل إجارة صحيحة بأجر معلوم إما على مدة معلومة وإما على عمل معلوم، وبين أن يجعل له جعلاً معلوماً على عمله فإذا عمله استحق المشروط وإن شاء بعثه من غير تسمية ثم أعطاه، فإن عمر ﵁ قد عمله رسول الله ﷺ بعد ما رجع من عمله فقال عمر: أعطه أحوج مني - الحديث. فإن تلفت الصدقة بيده قبل وصولها إلى أربابها من غير تفريط فلا ضمان عليه، ويستحق أجرة من بيت المال وإن لم تتلف أعطى أجر عمله منها، وإن كان أكثر من ثمنها أو أقل. ثم قسم الباقي على أربابها لأن ذلك من مؤنتها فجرى مجرى علفها ومداومتها، وإن رأى الامام أعطاه أجرة من بيت المال أو يجعل له رزقاً في بيت المال ولا يعطيه منها شيئاً فعل -انتهى. قلت: الظاهر عندي إن العامل يستحقه على سبيل الأجرة، لأن سبب الاستحقاق إنما هو عمله فيكون المأخوذ في مقابلته أجرة، فيعطى عمالة بقدر عمله وأجرة مثله، فإن كانت زائدة على حاجته أو كان غير محتاج فله أن يأكل منها ويتصدق، كما يدل عليه قوله ﷺ : كل وتصدق، وقد يجب عليه الزكاة فيما يأخذ منها بشروطها من النصاب والحول، وقد يستغنى عنه فيسقط سهمه. ثم هذا مخصص بما تقدم من حديث المطلب بن ربيعة وحديث أبي رافع فلا يعطى العامل الهاشمي ومولاه عمالته منها (أو لغارم) هو من غرم لا لنفسه بل لغيره كإصلاح ذات البين بأن يخاف وقوع فتنة بين شيخين أو قبيلتين فيستدين من يطلب صلاح الحال بينهما مالاً لتسكين الثائرة فيجوز له أن يقضى ذلك من الزكاة وإن كان غنياً، هذا فسره الشافعي والجمهور. قال ابن تيمية في المنتقى يحمل هذا الغارم على من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين كما في حديث قبيصة الآتي لا لمصلحة نفسه لقوله في حديث أنس، أو لذي غرم مفظع - انتهى. وقال الخطابي: أما الغارم الغني فهو الرجل يتحمل الحمالة ويدان في المعروف وإصلاح ذات البين، وله مال إن بيع فيها افتقر فيوفر عليه ماله، ويعطى من الصدقة ما يقضي به دينه. وأما الغارم الذي يدان نفسه وهو معسر فلا يدخل في هذا المعنى، لأنه من جملة الفقراء - انتهى. وقال أبوحنيفة: الغارم مديون استغرق دينه ماله، وفي الهداية الغارم من لزمه دين ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه. ورد بأنه من جملة الفقراء، والحاصل إن الغارم يحل له أخذ الزكاة لقضاء ما تحمل وإن كان غنياً فهو كالغازي والمؤلف عند الشافعي وأحمد والجمهور. قال أبوحنيفة: لا تحل له إلا إذا كان فقيراً لعموم حديث عبد الله بن عمرو المتقدم مع حديث معاذ. قال الشوكاني: لا وجه لاشتراط الفقر فيه فإن القرآن لم يشترط ذلك، والسنة المطهرة مصرحة بعدم اشتراط الفقر فيه، كما في حديث أبي سعيد فذكره، ثم قال فهذا الحديث فيه التصريح بعدم اشتراط الفقر في الغارم. ومن ذكر معه بل
стр. 2728
أو لرجل اشتراها بماله،
ــ
يعطى الغارم من الزكاة ما يقضى دينه. وإن كان أنصباً كثيرة، وأجاب الكاساني عن هذا الحديث بمثل ما أجاب به في مسألة الغازي، فقال تسمية الغارم غنياً على اعتبار ما كان قبل حلول الغرم به، وقد حدثت له الحاجة بسبب الغرم وقد تقدم الجواب عن هذا (أو لرجل) أي غني (اشتراها) أي الزكاة من الفقير (بماله) وهذا بعمومه يقتضى جواز شراء المتصدق صدقته ممن دفعها إليه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومن وافقهما، وحمل هؤلاء قوله ﷺ لا تبتعه ولا تعد في صدقتك على كراهة التنزيه. وذهب قوم إلى عدم جواز شراء صدقة نفسه، وحملوا النهى على التحريم، وقالوا المراد بالرجل الغني في حديث أبي سعيد غير المتصدق، فيجوز له شراء صدقة غيره. قال ابن قدامة (ج٢:ص٦٥١) وليس لمخرج الزكاة شراءها ممن صارت إليه، وروى ذلك عن الحسن وهو قول قتادة ومالك. قال أصحاب مالك: فإن اشتراها لم ينقض البيع. وقال الشافعي وغيره: يجوز لقول النبي ﷺ : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة، رجل ابتاعها بماله. وروى سعيد في سننه إن رجلاً تصدق على أمه بصدقة ثم ماتت، فسأل النبي ﷺ فقال: قد قبل الله صدقتك وردها إليك الميراث وهذا في معنى شراءها. ولأن ما صح أن يملك إرثاً صح أن يملك ابتياعاً كسائر الأموال. ولنا ما روى عمر أنه قال حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده وظننت أنه بائعه برخص، فأردت أن أشتريه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: لا تبتعه ولا تعد في صدقتك ولو أعطاكه بدرهم - الحديث متفق عليه. فإن قيل يحتمل إنها كانت حبسا في سبيل الله فمنعه لذلك، قلنا لو كان حبساً لما باعها الذي هي في يده، ولا هم عمر بشراءها. ولأن النبي ﷺ ما أنكر بيعها إنما أنكر على عمر الشراء معللاً بكونه عائداً في الصدقة الثاني إننا نحتج بعموم اللفظ من غير نظر إلى خصوص السبب. فإن النبي ﷺ قال: لا تعد في صدقتك أي بالشراء، والأخذ بعموم اللفظ أولى من التمسك بخصوص السبب، فإن قيل: إن اللفظ لا يتناول الشراء فإن العود في الصدقة استرجاعها بغير عوض وفسخ للعقد كالعود في الهبة، ولو وهب إنساناً شيئاً ثم اشتراه منه جاز. قلنا: النبي ﷺ ذكر ذلك جواباً لعمر حين ٍسأله عن شراء الفرس، فلو لم يكن اللفظ متناولاً للشراء المسئول عنه لم يكن مجيباً له، ولا يجوز إخراج خصوص السبب من عموم اللفظ، لئلا يخلو السؤال عن الجواب. وقد روى عن جابر وابن عمر النهى عن اشتراء المتصدق صدقته، ولأن في شراءه لها وسيلة إلى استرجاع شيء منها. لأن الفقير يستحي منه فلا يماكسه في ثمنها، وربما رخصها له طمعاً في أن يدفع إليه صدقة أخرى. أما حديثهم فنقول به وإنها ترجع إليه بالميراث وليس هذا محل النزاع. قال ابن عبد البر: كل العلماء يقولون إذا رجعت إليه بالميراث طابت له إلا ابن عمر والحسن بن حي، وليس البيع في معنى الميراث لأن الملك ثبت بالميراث حكماً بغير اختياره، وحديث أبي سعيد
стр. 2729
أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغنى)) . رواه مالك وأبوداود.
ــ
عام وحديثنا خاص فالعمل به أولى - انتهى. وقال الشوكاني: لا معارضة بين الحديثين، لأن حديث عمر في صدقة التطوع وحديث أبي سعيد في صدقة الفريضة، فيكون الشراء جائزاً في صدقة الفريضة إلى آخر ما قال (أو لرجل) أي غني (كان له جار) ذكره تمثيلاً لا إحترازاً فلا مفهوم له (مسكين) المراد به ما يعم الفقير أيضاً (فتصدق) بصيغة المجهول (على المسكين) بشيء (فأهدى) أي ذلك الشيء (المسكين) بالرفع (للغني) أي فيحل له كما تقدم في قصة بريرة، وفي هذا والذي قبله دليل على أن الزكاة، والصدقة إذا بلغت محلها ملكها الآخذ فيجوز له التصرف فيها بالبيع والصدقة والهدية، وتغيرت صفتها وزال عنها اسم الزكاة وتغيرت الأحكام المتعلقة بها. والحكم المذكور في الحديث إنما هو صدقة الفريضة. وأما التطوع فيحل للغني والفقير مطلقاً (رواه مالك) أي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلاً (وأبوداود) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١:ص٤٠٨) كلاهما من طريق مالك ورواه البيهقي من طريق أبي داود (ج٧:ص١٥) قال أبوداود: ورواه ابن عيينة عن زيد بن أسلم كما قال مالك أي مرسلاً، ورواه الثوري عن زيد فقال: حدثني الثبت عن النبي ﷺ انتهى. وأخرجها أبوعبيد في الأموال (ص٥٤٩-٦١٠) قال حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلاً. قال ابن عبد البر: قد وصل هذا الحديث جماعة من رواية زيد بن أسلم - انتهى. قلت اختلف في هذا الحديث على زيد بن أسلم عن عطاء. فقال مالك وابن عيينة وغيرهما: من أصحابه عنه، هكذا مرسلاً. ورواه الثوري. فقيل عنه هكذا، وقيل عن عطاء حدثني الثبت كما أشار إليه أبوداود. وقيل عن عطاء عن أبي سعيد الخدري أخرجه الدارقطني (ص٢١١) والبيهقي (ج٧:ص١٥) من طريق عبد الرزاق عن معمر والثوري كلاهما عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد. ورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد من غير خلاف فيه، أخرجه أبوداود وابن ماجه وأحمد (ج٣:ص٥٦) والبزار والحاكم (ج١:ص٤٠٧) والبيهقي (ج٧:ص١٥-٢٢) والوصل زيادة من الثقة العدل لا يحل تركها، فلا يلتفت إلى قول من أعله بإرسال من أرسله كائناً من كان، وقد صححه جماعة كما قال الحافظ في التلخيص. ومنهم الحاكم حيث قال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. قال الحاكم: ولم يخرجه الشيخان لإرسال مالك إياه عن زيد بن أسلم، ثم رواه من طريقه مرسلاً، وقال هذا من شرط في خطبة الكتاب إنه صحيح فقد يرسل مالك في الحديث ويصله ويسنده ثقة، والقول قول الثقة الذي يصله ويسنده.
стр. 2730
١٨٤٩- (١٤) وفي رواية لأبي داود عن أبي سعيد: أو ابن السبيل.
١٨٥٠- (١٥) وعن زياد بن الحارث الصدائي، قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فذكر حديثاً طويلاً، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة. فقال له رسول الله ﷺ : ((إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو
ــ
١٨٤٩- قوله: (وفي رواية داود عن أبي سعيد) هذه الرواية من رواية عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد، وقد أخرجها البيهقي (ج٧:ص٢٢-٢٣) والطحاوي (ج١:ص٢٠٦) أيضاً. قال المنذري: وعطية هو ابن سعد أبوالحسن العوفي الكوفي ولا يحتج بحديثه (أو ابن السبيل) هو الغريب المنقطع عن ماله، وإن كان غنياً في وطنه. قال ابن قدامة: (ج٦:ص٤٣٨) هو المسافر الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده وله اليسار في بلده فيعطى ما يرجع به، وهذا قول قتادة، ونحوه قال مالك وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: هو المجتاز، ومن يريد إنشاء السفر إلى بلد أيضاً فيدفع إليهما ما يحتاجان إليه لذهابهما وعودهما، لأنه يريد السفر لغير معصية، فأشبه المجتاز. ولنا أن ابن السبيل هو الملازم للطريق الكائن فيها كما يقال "ولد الليل" للذي يكثر الخروج فيه، والقاطن في بلده ليس في طريق، ولا يثبت له حكم الكائن فيها ولهذا لا يثبت له حكم السفر بهمه به دون فعله، ولأنه لا يفهم من ابن السبيل إلا الغريب دون من هو في وطنه ومنزله، وإن انتهت به الحاجة منتهاها فوجب أن يحمل المذكور في الآية (وكذا في الحديث) على الغريب دون غير إلى آخر ما بسطه. قال البيهقي: (ج٧:ص٢٣) هذا الحديث إن صح قائماً أراد والله أعلم. ابن سبيل غني في بلده، محتاج في سفره. وحديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد أصح طريقاً، وليس فيه ذكر ابن السبيل - انتهى. قلت مدار هذه الرواية على عطية العوفي، وقد تقدم كلام المنذري فيه. وقال أبوداود: ليس بالذي يعتمد عليه، وضعفه أحمد وأبوحاتم والنسائي، وذكره ابن حبان في الضعفاء. وقال أبوزرعة لين. وقال الحافظ: صدوق يخطيء كثيراً كان شيعياً مدلساً.
١٨٥٠- قوله: (الصدائي) بضم صاد وخفة دال مهملة فألف فهمزة نسبة إلى صداء (فذكر) أي زياد بن الحارث (حديثاً طويلاً) رواه المزي في تهذيبه بسنده عن زياد بن نعيم الحضرمي عن زياد بن الحارث، ونقله عنه في حاشية تهذيب التهذيب تحت ترجمة زياد بن الحارث (فأتاه) أي أتى النبي ﷺ (رجل) لم يعرف اسمه (فقال) أي الرجل لرسول الله ﷺ (إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات) أي في مصارفها (حتى حكم فيها هو) بنفسه. قال الخطابي: فيه دليل على أن بيان الشريعة قد يقع من وجهين أحدهما
стр. 2731
فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك)) .
ــ
ما تولى الله بيانه في الكتاب، وأحكم فرضه فليس به حاجة إلى زيادة من بيان النبي ﷺ ، وبيان شهادات الأصول والوجه الآخر ما ورد ذكره في الكتاب مجملاً، ووكل بيانه إلى النبي ﷺ فهو يفسره قولاً وفعلاً. أو يتركه على إجماله ليتنبه فقهاء الأمة ويستدركوه استنباطاً وإعتباراً بدلائل الأصول، وكل ذلك بيان مصدره عن الله تعالى ورسوله ﷺ (فجزأها) بتشديد الزاي فهمز من التجزئة أي قسم أصحابها (ثمانية أجزاء) أي أصناف أو قسم مصارفها ثمانية أنواع (فإن كنت من تلك الأجزاء) أي من أصحاب تلك الأجزاء (أعطيتك) كذا في جميع النسخ، وكذا نقله المجد بن تيمية في المنتقى، ووقع في سنن أبي داود أعطيتك حقك، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول، والبغوي في المصابيح، والخطابي في المعالم. وكذا وقع عند البيهقي. والظاهر أنه سقط لفظ حقك من نسخ المشكاة من النساخ، أو قلد المصنف في ذلك صاحب المنتقى. قال الخطابي (ج٢:ص٥٦) : في قوله "فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك" دليل على أنه لا يجوز جمع الصدقة كلها في صنف واحد، وإن الواجب تفرقتها على أهل السهمان بحصصهم، ولو كان معنى الآية بيان المحل دون الحصص لم يكن للتجزئة معنى، ويدل على صحة ذلك قوله "أعطيتك حقك" فبين إن لأهل كل جزء على حدة حقاً، وإلى هذا ذهب عكرمة وهو قول الشافعي قلت: اختلف الأئمة في أنه هل يجوز إن تصرف جميع الصدقة إلى صنف واحد من الأصناف المنصوصة مع وجود جميعها، أم هم شركاء في الصدقة، لا يجوز أن يخص بها صنف دون صنف. فذهب مالك وأبوحنيفة وأصحابه وأحمد إلى أنه يجوز للإمام أن يصرفها في صنف واحد، ويجوز أن يعطيها شخصاً واحداً، وهو قول حذيفة وابن عباس وعمر. وبه قال سعيد بن جبير، والحسن والنخعي وعطاء. واليه ذهب الثوري وأبوعبيد والشعبي. وقال الشافعي وأصحابه: لا يجوز ترك صنف منهم مع وجوده بل يجب التعميم في القسمة، واستيعاب الأصناف والتسوية بينها، وروى عن النخعي أنه قال إن كان المال كثيراً يحتمل الأصناف قسمه عليهم، وإن كان قليلاً جاز وضعه في صنف واحد. وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى. وقال أحمد: تفريقها وتعميمها أولى ويجزئه أن يضعه في صنف واحد. وقال الحنفية: صاحب المال مخير إن شاء أعطى جميعهم، وإن شاء اقتصر على صنف واحد، وكذا يجوز أن يقتصر على شخص واحد من أي صنف شاء. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم معارضة اللفظ للمعنى فإن اللفظ يقتضى القسمة بين جميعها، والمعنى يقتضى أن يؤثر بها أهل الحاجة إذ كان المقصود بها سد الخلة فكان تعديدهم في الآية عند هؤلاء، إنما ورد لتمييز الجنس أعنى أهل الصدقات لا تشريكهم في الصدقة، فالأول أظهر من جهة اللفظ، وهذا أظهر من المعنى. ومن الحجة للشافعي ما رواه أبوداود عن الصدائي - انتهى. قلت: المشهور إن اللام في الآية للصيرورة عند المالكية وللملك عند
стр. 2732
.........................
ــ
الشافعية وهو الذي يقتضيه مذهبهم، وعند الحنفية للاختصاص لا للملك يعني إنهم مختصون بالزكاة، ولا تكون لغيرهم كقولهم الخلافة لقريش، والسقاية لبني هاشم أي لا يوجد ذلك في غيرهم فتكون اللام لبيان محل صرفها أي المقصود من الآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم. قال الطيبي: إنما سمي الله تعالى الأصناف الثمانية في آية الصدقات إعلاماً منه إن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف، لا إيجاب التقسيم فيما بينهم جميعاً، يدل عليه إيراد الآية بأداة الحصر. أي إنما الصدقات لهؤلاء الأصناف، لا لغيرهم - انتهى. والتمليك ركن من أركان الزكاة عند الحنفية، واستدلوا لذلك بوجوه بسطها ابن الهمام وغيره. منها: إن الله تعالى سماها صدقة وحقيقة الصدقة تمليك المال من الفقير. ومنها: قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة:٤٣] والإيتاء هو التمليك. ومنها: قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة:٦٠] الآية. وقوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حقٌ للسائل والمحروم﴾ [الذاريات:١٩] قال في البدائع: والإضافة بحرف اللام تقتضي الاختصاص بجهة الملك إذا كان المضاف إليه من أهل الملك. وقال بعضهم: اللام في الآية للعاقبة. قال في العناية: معناه إن المقبوض يصير ملكاً لهم في العاقبة فهم مصاريف ابتداء لا مستحقون ثم يحصل لهم الملك في العاقبة بدلالة اللام واعترض عليه بأنه لا يدل لام العاقبة على التمليك، كما في قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾ [الكهف:٨] وكما قال الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب
ومنها: قوله ﷺ في حديث معاذ: تؤخذ من أغنياءهم وترد على فقراءهم. قالوا: الرد على الفقراء لا يكون إلا بتمليكهم إياها، وأجاب الحنفية عن حديث الصدائي بأنه ضعيف وعلى تسليم صحته ليس فيه دلالة إلا على أن الزكاة لا تصرف إلا إلى هذه الأجزاء الثمانية، لا إنها تصرف إلى جميع هذه الأجزاء، وإنما جزأ الله ثمانية لئلا تخرج الصدقة عن تلك الأجزاء. وقال الشوكاني في وبل الغمام: بعد الإشارة إلى تضعيف هذا الحديث ما نصه وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج فالمراد بتجزئة الصدقة تجزئة مصارفها كما هو ظاهر الآية التي قصدها ﷺ ، ولو كان المراد تجزئة الصدقة نفسها. وإن كل جز لا يجوز صرفه في غير الصنف المقابل له لما جاز صرف نصيب ما هو معدوم من الأصناف إلى غيره وهو خلاف الإجماع، وأيضاً لو سلم ذلك لكان باعتبار مجموع الصدقات التي تجتمع عند الإمام لا باعتبار صدقة كل فرد، فلم يبق ما يدل على وجوب التقسيط بل يجوز إعطاء بعض المستحقين بعض الصدقات، وإعطاء بعضهم بعضاً، نعم إذا جمع الإمام جميع صدقات أهل قطر من الأقطار وحضر عنده جميع الأصناف الثمانية كان لكل صنف حق في مطالبته، بما فرضه الله تعالى له، وليس عليه تقسيط ذلك بينهم بالسوية ولا تعميمهم بالعطاء، بل له أن يعطى بعض الأصناف أكثر من البعض الآخر، وله أن يعطى بعضهم
стр. 2733
رواه أبوداود.
﴿الفصل الثالث﴾
١٨٥١- (١٦) عن زيد بن أسلم، قال: ((شرب عمر بن الخطاب ﵁ لبناً فأعجبه، فسأل الذي سقاه، من أين هذا اللبن؟ فأخبره إنه ورد
ــ
دون بعض، إذا رأى في ذلك صلاحاً عائداً على الإسلام وأهل مثلاً إذا جمعت لديه الصدقات وحضر الجهاد وحقت المدافعة على حوزة الإسلام من الكفار أو البغاة، فإن له تأثير صنف المجاهدين بالصرف إليهم، وإن استغرق جميع الحاصل من الصدقات، وهكذا إذا اقتضت المصلحة تأثير غير المجاهدين - انتهى. قلت: واستدل للأئمة الثلاثة بقوله تعالى: ﴿إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة:٢٧١] وقد تناول جنس الصدقات. والضمير عائد إلى الصدقات وهو عام يتناول جميع الصدقات وبقوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أعلمهم صدقة تؤخذ من أغنياءهم فترد في فقراءهم فلم يذكر في الآية ولا في الحديث، إلا صنفاً واحداً. وبقوله ﷺ لقبيصة حين تحمل حمالة أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، فذكر دفعها إلى صنف واحد وهو من الغارمين، وأمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر وهو شخص واحد، وقسم الذهبية التي بعث بها إليه علي من اليمن بين المؤلفة قلوبهم، وهم صنف واحد. وإنما يؤخذ من أهل اليمن الصدقة، وبما روى في ذلك من آثار الصحابة كحذيفة وابن عباس وعمر وعلي ﵃. قلت: أقرب أقوال الأئمة في هذه المسألة وأرجحها عندي قول مالك وإبراهيم النخعي وهو مختار الشوكاني، كما يدل عليه كلامه الذي نقلنا من وبل الغمام (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً الدارقطني (ص٢١٨) والطحاوي (ج١:ص٣٠٤) والبيهقي (ج٧:ص٦) وسكت عنه أبوداود والبيهقي. وقال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وقد تكلم فيه غير واحد - انتهى. قلت: تفرد به عبد الرحمن وقد ضعفه القطان وابن مهدي وابن معين وابن حنبل وغيرهم وضعفه أيضاً البيهقي. وقال الترمذي: رأيت البخاري يقوى أمره. وقال هو مقارب الحديث. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف في الحفظ وكان رجلاً صالحاً.
١٨٥١- قوله: (فأعجبه) قال القاري: أي وافق هوى نفسه فأنكره بالاستدلال القلبي أو الالهمام الغيبي (فسأل الذي سقاه من أين) حصل لك (هذا اللبن) قال الغزالي: سأل عمر ﵁ اذرابه فانه أعجبه طعمه ولم يكن على ما كان يألفه كل ليلة، وهذا من أسباب الريبة وحمله على الورع ذكره القاري (ورد) أي مر
стр. 2734
عل ماء قد سماه، فإذا نعم من نعم الصدقة وهم يسقون، فحلبوا من ألبانها فجعلته في سقائى فهو هذا. فأدخل عمر يده، فاستقاء)) . رواه مالك والبيهقي في شعب الإيمان.
ــ
(على ماء قد سماه) أي عينه باسمه (فإذا) المفاجأة (نعم) بفتحتين (من نعم الصدقة) وردت هذا الماء (وهم) أي الرعاة (يسقون) أي النعم من ذلك الماء (فحلبوا) وفي نسخ الموطأ الموجودة عندنا فحلبوا لي أي بزيادة لفظه لي بعد حلبوا وكذا وقع عند البيهقي من رواية مالك لكن رقم عليها في نسخ الموطأ علامة النسخة، ونقله في جامع الأصول كما في المشكاة (فجعلته) أي اللبن (في سقائى) بكسر السين (فأدخل عمر يده) أي في فمه أو حلقه (فاستقاءه) أي فتقيأه حتى أخرجه من جوفه. قال الطيبي: هذا غاية الورع والتنزه من الشبه. وقال ابن عبد البر: محمله عند أهل العلم إن الذي سقاه ليس ممن تحل له الصدقة إذ لعله غني أو مملوك فاستقاءه لئلا ينتفع به، وأصله محظور وإن لم يأته قصداً، وهذا نهاية الورع، ولعله أعطى مثل ذلك أو قيمته للمساكين. ولو كان الذي حلب له هذا اللبن مستحقاً للصدقة لما حرم على عمر قصد شربه كما لم يحرم على النبي ﷺ أكل اللحم الذي تصدق به على بريرة، وقال هو عليها صدقة. ولنا هدية، وما فعله عمر ليس بواجب؛ لأنه استهلكه بالشرب ولا فائدة في قذفه إلا المبالغة في الورع. قلت: وجاء مثل هذا عن أبي بكر أيضاً. قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن ابن المنكدر إن أبابكر شرب لبناً فقيل له إنه من الصدقة فتقيأه. وروى البخاري في باب أيام الجاهلية من حديث عائشة قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبوبكر يأكل من خراجه فجاءه يوماً بشيء فأكل منه أبوبكر فقال له الغلام تدري ما هذا؟ فقال أبوبكر: وما هو. قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا إني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبوبكر يده فقاء كل شيء في بطنه. وذكر الحافظ في الفتح له عدة قصص نحو هذا وهو من كمال ورعه ﵁ (رواه مالك) أي عن زيد بن أسلم إنه قال: شرب عمر بن الخطاب لبناً الخ. وهذا منقطع. ورواه الشافعي عن مالك عن زيد بن أسلم (والبيهقي في شعب الإيمان) وأخرجه أيضاً في السنن الكبرى (ج٧:ص١٤) من طريق مالك وترجم له باب الخليفة ووالي الإقليم العظيم الذي لا يلي قبض الصدقة ليس لهما في سهم العاملين عليها حق وذكر فيه أيضاً ما روى هو وسعيد ابن منصور وأبوعبيد (ص٦٠٥) من طريق سليمان بن يسار إن ابن أبي ربيعة قدم بصدقات سعى عليها، فلما قدم الحرة خرج عمر بن الخطاب فقرب إليه تمراً ولبناً وزبداً، فأكلوا وأبى عمر أن يأكل. فقال ابن ربيعة: والله أصلحك الله إنا نشرب ألبانها ونصيب منها، فقال: يا ابن أبي ربيعة! لست كهيئتك إنك تتبع أذنابها - انتهى.
стр. 2735
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
﴿الفصل الأول﴾
١٨٥٢- (١) عن قبيصة بن مخارق، قال: تحملت حمالة. فأتيت رسول الله ﷺ : أسأله فيها، فقال: ((أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها ثم قال: يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة يصيبها ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة
ــ
(باب من لا تحل له المسألة ومن تحله له)
١٨٥٢- قوله: (عن قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة فمثناة تحتية فصاد مهملة (بن مخارق) بضم الميم وتخفيف المعجمة بعدها راء مكسورة ثم قاف، هو قبيصة بن مخارق بن عبد الله أبوبشر الهلالي صحابي، وفد على النبي ﷺ وروى عنه سكن البصرة (تحملت حمالة) بفتح الحاء وتخفيف الميم وهو المال يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة كان يقع حرب بين فريقين، ويسفك فيها الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلي ليصلح ذات البين. والتحمل أن يحملها عنهم على نفسه أي يتكفلها ويلتزمها في ذمته. قال الخطابي: تفسير الحمالة، أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال ويحدث بسببهما العدواة والشحناء ويخاف من ذلك الفتق العظيم فيتوسط الرجل فيما بينهم، ويسعى في إصلاح ذات البين ويتضمن مالاً لأصحاب الطوائل يترضاهم بذلك حتى تسكن الثائرة وتعود بينهم الألفة - انتهى. قال الشوكاني: قد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك، والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شك إن هذا من مكارم الأخلاق، وكانوا إذا علموا إن احدهم تحمل حمالة بادروا إلى معونته وأعطوه ما تبرأ به ذمته، وإذا سأل لذلك لم يعد نقصاً في قدره بل فخراً - انتهى. (أسأله فيها) أي في الحمالة بمعنى لأجلها (أقم) أمر من الإقامة بمعنى اثبت واصبر. وقال السندي: أي كن في المدينة مقيماً (حتى تأتينا الصدقة) أي يحضرنا مالها (فنأمر لك) بنصب الراء (بها) أي بالصدقة أو بالحمالة (إن المسألة) أي السؤال (لا تحل إلا لأحد ثلاثة) أي لا تحل إلا لصاحب ضرورة ملجئة إلى السؤال كأصحاب هذه الضرورات (رجل) بدل "من أحد". وقال ابن الملك: بدل من "ثلاثة" وبالرفع خبر مبتدأ محذوف أي أحدهم (فحلت له المسألة) أي جازت (حتى يصيبها) أي الحمالة (ثم يمسك) أي عن السؤال؛ لأن السؤال حل له لأجل الحمالة فلما أصابها إرتفعت الإباحة فيجب أن يمسك عنه (ورجل) بالوجهين (أصابته جائحة)
следующие страницы →