← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

١٧٣- (٣٤) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد - على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار)) رواه الترمذي. ــ فعليك أن ترجع إلى كتابه الاعتصام (ج٢:ص٢٤٣، ٢٣١) وحديث معاوية هذا، أخرجه أبوداود في السنة، وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١: ص١٢٨) ، وقال بعد ذكره طرق حديث أبي هريرة: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث. ١٧٣- قوله: (إن الله لا يجمع أمتي) أي أمة الإجابة (أو قال: أمة محمد) شك من الراوي (على ضلالة) أي لا يجتمعون على ضلالة غير الكفر، وقيل: على خطأ في الاجتهاد. وقيل: على كفر ومعصية، وهذا قبل مجيء الريح اللينة. قيل: فيه دليل على أن إجماع المسلمين حق، والمراد إجماع العلماء المجتهدين من أهل السنة والجماعة، ولا عبرة بإجماع العوام؛ لأنه لا يكون عن علم، ووجه الاستدلال به أن عمومه ينفي وجود الضلالة، والخطأ ضلالة فلا يجوز الإجماع عليه، فيكون ما أجمعوا عليه حقاً، وعندنا في دلالة هذا الحديث وما في معناه من الأحاديث على حقية الإجماع الشرعي ثم على حجيته نظر؛ لأن الاستدلال به على ذلك موقوف على أن المراد بالضلالة، الخطأ في الاجتهاد، وكون الخطأ المظنون ضلالة ممنوع، والظاهر أن المراد به الكفر والمعصية. (ويد الله علىالجماعة) قال الجزرى: أي أن الجماعة المتفقة من أهل الإسلام في كنف الله، ووقايته فوقهم، وهم بعيد عن الخوف والأذى فأقيموا بين ظهرانيهم - انتهى. وقال الفتنى في المجمع: أي سكينته ورحمته مع المتفقين، وهم بعيد من الخوف والأذى والاضطراب، فإذا تفرقوا زال السكينة، وأوقع بأسهم بينهم، وفسد الأحوال. (ومن شذ) بصيغة المعلوم أي انفرد عن الجماعة وخرج عنها (شذ) بصيغة المجهول، وحكي بصيغة المعلوم أيضاً (في النار) كذا عند الحاكم، والحكيم الترمذي، وابن جرير، ووقع في جامع الترمذي "إلى النار"، يعني انفرد عن أصحابه الذين هم أهل الجنة وألقى في النار، وقال الطيبي: أي فقد شذ فيما يدخله النار أو في أمر النار، والشذوذ المنهي عنه شرعاً هو الشذوذ الذي يشق به صاحبه عصا الإسلام، ويثير به الفتن المنهي عن إثارتها، كشذوذ الخوارج والرافضة وأمثالهم مما يظهر آناً فآناً لا الشذوذ في أحكام الاجتهاد. (رواه الترمذي) في أوائل الفتن، وفي سنده سليمان بن سفيان التيمي، وهو ضعيف. قال البخاري: إنه منكر الحديث. فالحديث ضعيف، لكن له شواهد ذكرها الحافظ في التلخيص، والحاكم في المستدرك، تدل على أن للحديث أصلاً. تنبيه: اعلم أن المراد بالاجماع الذي احتجوا على حجيته بهذا الحديث وأمثاله هو الإجماع الشرعي المصطلح عند الأصوليين، وهو اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاته ﷺ في عصر من الأعصار على أمر ديني. واختلفوا في وقوعه وحجيته، والذي ندين الله به في هذا هو أن إجماع الصحابة حق وحجة، وإليه الإشارة بقوله: "ما أنا عليه وأصحابي"، وأما إجماع مجتهدى الأمة قاطبة بعد عصر الصحابة في عصر من الأعصار أي الإجماع الكلي

стр. 282

١٧٤- (٣٥) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)) . رواه ابن ماجه من حديث أنس. ــ فلا تصح دعواه عندنا، فإنه متعذر بل ممتنع لعدم إمكان العلم به. ولذا قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب. وأما الإجماع الجزئي فخارج عن البحث، وارجع للتفصيل إلى كتب الأصول للمذاهب الأربعة، وإرشاد الفحول للعلامة الشوكاني، وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخواطر لابن قدامة المقدسي. ١٧٤- قوله: (اتبعوا السواد) "السواد" في اللغة العدد الكثير، وسواد الناس عامتهم (الأعظم) أي جملة الناس، ومعظمهم الذين يجتمعون على طاعة الإمام أي السلطان الأعظم، وسلوك النهج المستقيم. وقيل: المراد "بالسواد الأعظم" من كان على ما عليه رسول الله ﷺ وأصحابه من أهل الحديث، وهم الطائفة المنصورون، الظاهرون على الحق، المعظمون عند الله، المذكورون في قوله: ((لاتزال طائفة من أمتي)) الحديث. قال في الأزهار: اتبعوا السواد الأعظم يدل على أن أعاظم الناس العلماء وإن قل عددهم، ولم يقل: الأكثر.؛ لأن العوام والجهال أكثر عددا (فإنه) الضمير للشأن (من شذ) أي نفر عن السواد الأعظم بخروجه على الإمام الذي اجتمع على طاعته معظم الناس، أو انفرد عن الجماعة الحقة الناجية، الكائنة على ما هو عليه وأصحابه ﷺ . (رواه ابن ماجه من حديث أنس) كذا في جميع طبعات الهند من المشكاة. قال الشيخ الألباني قوله: "رواه ابن ماجه من حديث أنس"، كذا في الأصل أي النسخة المطبوعة في الهند، وفي جميع النسخ أي المخطوطة الثلاث، وهي نسخة حاكم قطر، ونسخة مكتبة دمشق، ونسخة حلب، بياض. ويظهر أن المؤلف تعمد تركه؛ لأنه لم يجد من أخرجه كما أشار إليه في مقدمة الكتاب، وكذلك لم أجده في شيء من كتب السنة المعروفة حتى الأمالي والفوائد والأجزاء التي مررت عليها وهي تبلغ المئات، ولا أورده السيوطي في الجامع الكبير. وأما قول القاري: بعده بياض، وألحق ميرك شاه "ابن ماجه" ففي هذا الإلحاق نظر؛ لأن ابن ماجه وإن رواه عن أنس فهو بلفظ: ((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم)) . وكذا ابن بطة في "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية" (ق١٤٥/٢) وسنده ضعيف جداً، ومن ذلك يتبين أن ما في الأصل كأنه إضافة نقلاً عن ميرك شاه – انتهى. قلت: قال البوصيرى في زوائد ابن ماجه: في إسناد حديث أنس، أو خلف الأعمى واسمه حازم بن عطاء وهو ضعيف، وقد جاء الحديث بطرق، في كلها نظر، قاله شيخنا في تخريج أحاديث البيضاوي- انتهى. قلت أخرج الحاكم (ج١:ص١١٥) وابن جرير كما في الكنز (ج١:ص٥٣) وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (ص١٢٨) بغير سند عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً، وقال: يدالله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)) . قال الحاكم: لو حفظ خالد بن يزيد القرني هذا الحديث لحكمنا له بالصحة، ثم بسط الاختلاف في سنده ومتنه، وعلى ذلك فكان ينبغي أن يلحق "الحاكم في المستدرك".

стр. 283

١٧٥- (٣٦) وعن أنس قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل، ثم قال: يا بني وذلك من سنتي، ومن أحب سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة)) رواه الترمذي. ١٧٦- (٣٧) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تمسك بسنتي عند فساد أمتي، فله أجر مائة شهيد)) رواه ... ــ ١٧٥- قوله: (يا بني) تصغير ابن لطفاً ومرحمة وشفقة. (أن تصبح وتمسي) أي تدخل في وقت الصباح والمساء، والمراد جميع الليل والنهار (وليس في قلبك) الجملة حال من الفاعل، تنازع فيه الفعلان أي وليس كائناً في قلبك (غش) بكسر الغين، وضد النصح الذي هو إراداة الخير للمنصوح له (لأحد) هو عام للمؤمن والكافر، فإن نصيحة الكافر أن يجتهد في إيمانه، ويسعى في خلاصة من ورطة الهلاك باليد واللسان. وبالتألف بما يقدر عليه من المال، قاله الطيبي. (فافعل) أي نصحيتك (وذلك) أي خلو القلب من الغش (من سنتي) أي طريقتي. قال الطيبي: قوله: "فافعل" جزاء كناية عما سبق في الشرط من المعنى إن فعلت ما نصحتك به فقد أتيت بأمر عظيم، ولهذا أشار بقوله "وذلك" للإشعار بأنه رفيع المنزلة، بعيد التناول (ومن أحب سنتي) الخ. كذا وقع في المشكاة من الإحباب في الموضع الثلاثة، وكذا في المصابيح، ووقع في نسخ الترمذي الموجودة عندنا "ومن أحيا سنتي فقد أحياني، ومن أحياني كان معي في الجنة"، من الإحياء في المواضع الثلاثة، وهذا يدل على اختلاف نسخ الترمذي في هذا اللفظ، ويؤيد كونه من الإحباب ما ذكره في الكنز عزواً إلى السجزي في الإبانة بلفظ: ((من أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة)) . ومن أحب سنتي أي فعمل بها (فقد أحبني) أي حياً كاملاً؛ لأن محبة الآثار علامة محبة مصدرها (ومن أحبني كان معي) أي معية متقاربة لا معية متحدة في الدرجة (في الجنة) فإن المرء مع من أحب. (رواه الترمذي) في العلم، وقال: في الحديث قصة طويلة، هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أيضاً السجزى كما في الكنز (ج١:ص٤٧) . ١٧٦- قوله: (عند فساد أمتي) أي عند غلبة البدعة والجهل والفسق فيهم (فله أجر مائة شهيد) لما يلحقه من المشقة بالعمل بها وبإحيائها وتركهم لها، كالشهيد المقاتل مع الكفار لإحياء الدين بل أكثر. قال الطيبي: لم يقل إفسادهم لأنه أبلغ، كأن ذواتهم قد فسدت فلا يصدر منهم صلاح، ولا ينجع الوعظ فيهم، لا سيما إذا ظهر ذلك في العلماء منهم والمقتفين آثارهم، فإذن المجاهدة معهم أصعب وأشق من المجاهدة مع الكفار، ولذلك ضوعف أجر من جاهدهم على من جاهد الكفار أضعافاً كثيرة (رواه) بعده بياض في الأصل، والحديث أخرجه البيهقي في الزهد، وابن عدى في الكامل عن ابن عباس من رواية الحسن بن قتيبة الخزاعي المدائني. قال ابن عدى: أرجو أنه

стр. 284

١٧٧- (٣٨) وعن جابر عن النبي ﷺ حين أتاه عمر فقال: ((إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولوكان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي)) رواه أحمد، والبيهقي في شعب الإيمان. ــ لا بأس به. قال الحافظ: بل هو هالك. قال الدارقطني في رواية البرقاني: متروك الحديث. وقال أبوحاتم: ضعيف. وقال الأزدي: واهي الحديث. وقال العقيلي: كثير الوهم. كذا في لسان الميزان (ج٢: ص٢٤٦) قال المنذري: ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة بإسناد لا بأس به إلا أنه قال: "فله أجر شهيد"، ومن طريق الطبراني رواه أبونعيم في الحلية (ج٨: ص٢٠٠) وفيه عبد العزيز بن رواد، وفيه ضعف، ومحمود بن صالح العذري، قال الهيثمي (ج١: ص١٧٢) : ولم أجد من ترجمه. ١٧٧- قوله: (إنا نسمع أحاديث) أي حكايات ومواعظ (من يهود) قال الأبهرى: غير منصرف للعلمية والتأنيث؛ لأنه يجرى مجرى القبيلة. وقيل: الأولى أن يقال: للعلمية ووزن الفعل؛ لأن أسماء القبائل التي ليست فيها تأنيث لفظي، يجوز صرفها حملاً على الحي، وعدم صرفها حملاً على القبيلة، ويهود لا يجوز فيها إلا عدم الصرف. (تعجبنا) بضم التاء وكسر الجيم أي تحسن عندنا، وتميل قلوبنا إليها. (أفترى) أي أتحسن لنا استماعها "فترى" يعني فتأذن. (أمتهوكون) أي متحيرون في الإسلام، لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من غير كتابكم ونبيكم (أنتم) للتأكيد (كما تهوكت اليهود والنصارى) أي كتحيرهم حيث نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا أهوائهم ورهبانهم وأحبارهم. (لقد جئتكم بها) أي بالملة الحنيفية بقرينة الكلام (بيضاء) أي واضحة، حال من ضمير "بها". (نقية) صفة "بيضا" أي ظاهرة صافية خالصة، خالية عن الشرك والشبهة. وقيل: المراد بها أنها مصونة عن التبديل والتحريف والإصرار والأغلال، خالية عن التكاليف الشاقة، وأشار بذلك إلى أنه أتى بالأعلى والأفضل، واستبدال الأدنى بالأعلى مظنة التحير. وقال الطيبي: "بيضاء نقيه" حالاًن مترادفان من الضمير المفسر بالملة - انتهى. وإنما أنكر عليهم؛ لأن طلبهم يشعر بأنهم اعتقدوا نقصان ما أتى به النبي ﷺ . (ولو كان موسى حياً) الخ. أي إذا كانت هذه حالة موسى فيكف بكم؟ وأنتم تطلبون من هؤلاء المحرفين ما تنتفعون به. (ما وسعه) أي ما جاز له (إلا اتباعي) في الأقوال والأفعال فكيف يجوز لكم أن تطلبوا فائدة من قومه مع وجودي. (رواه أحمد) (ج٣:ص٣٨٧) (والبيهقي في شعب الإيمان) ، وفي سنده مجالد بن سعيد الهمداني، وفيه مقال. قال الحافظ: ليس بالقوى، وقد تغير في آخر عمره، إلا أن الحديث قد جاء عن غير مجالد، فتأيد به، فقد روي نحو عن ابن عباس عند أحمد وابن ماجه، وعن جابر عند ابن حبان، وعن عبد الله بن ثابت عند أحمد وابن سعد والحاكم في الكنى، والطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان.

стр. 285

١٧٨- (٣٩) وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أكل طيباً، وعمل في سنة، وأمن الناس بوائقه، دخل الجنة. فقال رجل: يا رسول الله ﷺ إن هذا اليوم لكثير في الناس. قال: وسيكون في قرون بعدي)) رواه الترمذي. ١٧٩- (٤٠) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به ــ ١٧٨- قوله: (من أكل طيباً) أي حلالاً يعني من كان قوته حلالاً (وعمل في سنة) أي في موافقة سنة، يعني يكون متمسكاً في كل عمل بسنة، أي بحديث جاء في ذلك العمل. قال الطيبي: "سنة" نكرة وضعت موضع المعرفة لإرادة استغراق الجنس بحسب إفراده كما في قوله تعالى: ((ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ [٢٧:٣١] . وقد أكل الحلال لأنه مورث للعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾ [٢٣: ٥١] . (وأمن الناس بوائقه) البائقة الداهية، وهي المحنة العظيمة، والمراد هنا الشرور كالظلم والغش والإيذاء. (دخل الجنة) أي استحق دخولها دخولاً أولياً أي مع السابقين، أو بغير عذاب، وإلا فمن فم يعمل بالسنة ومات مسلماً يدخلها وإن عذب. (إن هذا) أي الرجل الموصوف المذكور (اليوم) ظرف مقدم لخبر "إن" (لكثير في الناس) بحمد الله، فما حال المستقبل؟ (وسيكون) أي هم كثيرون اليوم، وسيوجد من يكون بهذه الصفة (في قرون بعدي) قال التوربشتي: يحتمل أن الرجل قال ذلك حمداً لله تعالى وتحديثاً بنعمته، أي لا استفهاماً عن المستقبل، فقال"سيكون" في قرون بعدي، ليوقفه على أن ذلك غير مختص بالقرن الأول أي بهذا القرن. ويحتمل أنه فهم من قوله: "من أكل طيبا" الخ. التحريض على الخصال المذكورة، والزجر عن أضدادها، ووجد الناس يتدينون بذلك ويحرضون عليه، فخاف أن النبي ﷺ اطلع على خلاف ذلك في مستقبل الأمر منهم، فأحب أن يستكشف عنه، فقال هذا القول، فعرف ﷺ منه ذلك، فأجابه ﷺ بقوله: "وسيكون في قرون بعدي" باختصر الكلام اعتماداً على فهم السامع، وتهويلاً للأمر المحذور عنه - انتهى. وقال صاحب اللمعات: معناه لا ينقطع الخيرعن أمتي قطعاً وإن تفاوتت الحال قلة وكثرة، فتنكير "قرون" للتقليل، ويحتمل التكثير لكثرته في نفسه، ويشبه أن يكون المراد القرون الموسومة بخير القرون، ولكن هذه الصفات ليست مخصوصة بهم- انتهى. (رواه الترمذي) في آخر الزهد، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، أي ابن موسى، عن هلال بن مقلاص، عن أبي بشر، عن أبي وائل، وعن أبي سعيد- انتهى. وأبوبشر هذا مجهول، قاله الحافظ في التقريب. والحديث أخرجه أيضاً ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وغيره، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ١٧٩- قوله: (إنكم) أيها الصحابة (في زمان) أي متصف بعزة الإسلام وأمن أهله. (من ترك منكم) أي فيه، وهو الرابط لجملة الشرط بموصوفها وهو "زمان"، (عشر ما أمربه) أي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ

стр. 286

هلك، ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا)) رواه الترمذي. ١٨٠- (٤١) وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿ماضربوه لك إلا جدلاً ــ لا يجوز صرف هذا القول إلى عموم المأمورات؛ لأنه عرف من أصل الشرع أن أحداً من المسلمين لا يعذر فيما يهمل من الفرض الذي تعلق بخاصة نفسه، وإن كثر أهل الظلم وقل أهل الحق، هكذا قال التوربشتي وغيره. قيل: لعل هذا غير مناسب لباب التمسك بالكتاب والسنة، فلأنسب أن يحمل على أمور الندب من السنن والنوافل، وفيه بحث لأن الأمر بالمعروف لا يعرف إلا منهما، وأيضاً الهلاك لا يترتب على ترك الندب مطلقاً فضلاً عن عشره، قاله القاري. (هلك) أي وقع في الهلاك لظهور الحق، ومشاهدة المعجزات، ومظاهرة النبي ﷺ ، وعزة الإسلام، وكثرة أنصاره بحيث لو تكلم شخص بالحق نصروه، وخذلوا من نازع، فالترك يكون تقصيراً منكم، فلا يعذر أحد منكم في التهاون، والأمر على ذلك (ثم يأتي زمان) يضعف فيه الإسلام، ويكثر الظلمة والفساق، وتشيع الفتن، ويتوارى الحق، ويقل أنصاره فيعذر المسلمون فيما أهملوه من هذا الباب لعدم القدرة. (من عمل منهم) أي من أهل ذلك الزمان (بعشر ما أمر به نجا) ؛ لأنه المقدور، ﴿ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [٢٨٥:٢] . (رواه الترمذي) في أواخر الفتن، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد عن ابن عيينة- انتهى. ونعيم بن حماد هذا صدوق يخطيء كثيراً، كما في التقريب. وفي معنى الحديث روي عن أي ذر أخرج حديثه أحمد. ١٨٠- قوله: (إلا أوتوا الجدل) أي أعطوه، وهو حال "وقد" مقدرة، والمستثنى منه أعم الأحوال، وذو الحال فاعل "ما ضل" لا الضمير المستتر الذي في خبر كان كما توهمه الطيبي، فإنه فاسد معنى، وإن كان الضمير المذكور راجعاً إلى فاعل "ما ضل" فليفهم، قاله السندي. والمعنى: ما كان وقوعهم في الضلالة إلا بسبب الجدال، وهو الخصام بالباطل، وضرب الحق به، وضرب الحق بعضه ببعض بإيداء التعارض والتدافع والتنافي بينهما، لا المناظرة لطلب الصواب مع التفويض إلى الله عند العجز عن معرفة الكنه. (ثم قرأ) أي توضيحاً لما ذكر بذكر مثال له، لا للاستدلال به على الخصم المذكور، فإنه لا يدل عليه. (ماضربوه) أي هذا المثل (لك إلا جدلاً) أي إلا لمخاصمتك، ولإيذائك بالباطل، لا لطلب الحق، فإن قلت: قريش ما كانوا على الهدى، فلا يصلح ذكرهم مثالاً. قلت: نزل تمكنهم منه بواسطة البراهين الساطعة منزلة كونهم عليه، فحيث دفعوا بعد ذلك الحق بالباطل، وقرروا الباطل بقولهم: آلهتنا خير أم هو؟ يريدون أنهم يعبدون الملائكة وهم خير من عيسى، وقد عبدوه النصارى، فحيث صح لهم عبادته صح لنا عبادتهم بالأولى، فصاروا مثالاً لما فيه الكلام. وقيل الأصح في معنى الآية أن عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه جادل رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ [٩٨:٢١] لآلهتنا أي الأصنام خير عندك أم عيسى؟

стр. 287

بل هم قوم خصمون﴾ )) روه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. ١٨١- (٤٢) وعن أنس أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار ﴿رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾ )) . ــ فإن كان في النار فلتكن آلهتنا معه، والجواب عن هذه الشبه بوجهين: الأول: أن "ما" لغير ذوي العقول فالإشكال نشأ عن الجهل بالعربية. والثاني: أن عيسى والملائكة خصوا عن هذا بقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ [١٠١:٢١] . (بل هم) أي الكفار (قوم خصمون) أي كثير الخصومة. (رواه أحمد) (ج٥:ص٢٥٢، ٢٥٦) ، (والترمذي) في تفسير سورة الزخرف، وقال: حديث حسن صحيح، (وابن ماجه) في السنة، وأخرجه أيضاً الحاكم (ج٢: ص٢٤٨) وصححه، ووافقه الذهبي وابن جرير والطبراني والبيهقي وغيرهم. ١٨١-قوله (لا تشددوا على أنفسكم) أي بالأعمال الشاقة كصوم الدهر، وإحياء الليل كله، واعتزال النساء لئلا تضعفوا عن العبادة، وأداء الحقوق والفرائض. (فيشدد الله عليكم) بالنصب جواب النهي، أي يفرضها عليكم فتقعوا في الشدة، أو بأن يفوت عليكم بعض ما وجب عليكم بسبب ضعفكم من تحمل المشاق، وقيل: المعنى لا تشددوا على أنفسكم بإيجاب العبادات الشاقة على سبيل النذر أو اليمين فيشدد الله عليكم، فيوجب عليكم بإيجابكم على أنفسكم، فتضعفوا عن القيام بحقه, وتملوا وتكسلوا، وتتركوا العمل فتقعوا في عذاب الله. (فإن قوماً) أي من بني إسرائيل (شددوا على أنفسهم) بالعبادات الشاقة، والرياضات الصعبة، والمجاهدات التامة (فشددالله عليهم) بإتمامها والقيام بحقوقها. (فتلك) إشارة إلى ما في الذهن من تصور جماعة باقية من ذلك المشددين (بقاياهم) أي بقايا قوم شددوا على أنفسهم (في الصوامع) جمع صومعة بفتح الصاد والميم، وهي موضع عبادة الرهبان من النصارى. (والديار) جمع الدير بفتح الدال، وهو الكنيسة وهي معبد اليهود. (رهبانية) منصوب بفعل يفسره ما بعده، أي ابتدعوا رهبانية (ابتدعوها) أي أحدثوها من عند أنفسهم من غير أن تفرض عليهم أو تسن، والرهبانية بفتح الراء، وهي المبالغة في العبادة والرياضة، والإنقطاع عن الناس، منسوبة إلى الرهبان، وهو المبالغ في الخوف من الرهب، كالخشيان من خشي، وقرئت بالضم كأنها منسوبة إلى الرهبان جمع راهب، كركبان وراكب، وذلك لأنهم غلوا في العبادة، وحملوا على أنفسهم المشقات في الإمتناع من المطعم، والمشرب والمنكح والملبس، وتعلقوا بالكهوف والصوامع والغيران والديرة؛ لأن ملوكهم غيروا وبدلوا، وبقي منهم نفر قليل فترهبوا وتبتلوا ﴿ما كتبناها عليهم﴾ أي ما فرضنا تلك الرهبانية عليهم وهي صفة ثانية لرهبانية، أو مستأنفة مقررة لكونها مبتدعة من عند أنفسهم، والاقتصار على هذا يدل على

стр. 288

رواه أبوداود. ١٨٢- (٤٣) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((نزل القرآن على خمسة أوجه: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. ــ أن الاستثناء فيما بعده، وهو قوله: ﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾ اسثناء منقطع، أي ما شرعناها لهم أصلاً، ولكنهم التزموها من تلقاء أنفسهم ابتغاء رضوان الله. ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ أي فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله، والثاني عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله تعالى، فكأن تركه وعدم رعايته حق الرعاية يدل على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه ديناً. وقيل: ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ أي فلم يرعوا هذه الرهبانية التي ابتدعوها من عند أنفسهم، وما قاموا حق القيام بها بل ضيعوها، وكفروا بدين عيسى، وضموا إليها التثليث، ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدلوا، وتركوا الترهب، ولم يبق على دين عيسى إلا قليل منهم، حتى أدركوا محمداً ﷺ فآمنوا به، وهم المرادون بقوله: ﴿فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم﴾ أي الذي يستحقونه بالإيمان بعيسى وبمحمد ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ [٢٧:٥٧] أي خارجون عن الإيمان بما أمروا به، وهم الذين كفروا بعيسى، وكذبوا محمداً وخالفوه. وقيل: الاستثناء متصل أي ما شرعناها لهم بشيء من الأشياء إلا لقصد رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها حين لم يؤمنوا برسول الله ﷺ ، فشرع لهم الترهب على شرط أنه إذا نسخ بغيره رجعوا إلى ما أحكم، وتركوا ما نسخ، وهو معنى ابتغاء الرضوان على الحقيقة، فإذا لم يفعلوا وأصروا على الأول كان ذلك اتباعاً للهوى لا اتباعاً للمشروع، ولذلك سمى ابتداعاً؛ لأنهم أخلوا بشرط المشروع إذ شرط عليهم فلم يقوموا به، وإذا كانت العبادة مشروعة بشرط فيعمل بها دون شرطها لم تكن عبادة على وجهها، وصارت بدعة، فيكون ترهب النصارى صحيحاً قبل بعث محمد ﷺ ، فلما بعث وجب الرجوع عن ذلك كله إلى ملته، فالبقاء عليه مع نسخه بقاء على ما هو باطل بالشرع، وهو عين البدعة، كذا حققه الشاطبي، وقد بسط الكلام في تفسير هذه الآية، من أحب الوقوف عليه رجع إلى كتابه الإعتصام. (رواه أبوداود) مطولاً في باب الحسد من كتاب الأدب، وسكت عليه هو والمنذري، وفيه سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، قال ابن القيم في كتاب الصلاة (ص٤٧٥) : هو شبه المجهول، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في التقريب: هو مقبول. والحديث أخرجه أيضاً أبويعلى في مسنده، وفيه أيضاً سعيد بن عبد الرحمن المذكور. ١٨٢- قوله: (نزل القرآن) أي بطريق الإجمال (على خمسة أوجه) من وجوه الكلام (حلال) بالجزء، وهو بدل بعد العطف قبل الربط (ومتشابه) كالحروف المقطعة وأمثالها. (وأمثال) يعني قصص الأمم الماضية كقوم نوح وصالح وغيرهما. وقيل: الأظهر أن الأمثال مثل قوله تعالى: ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت﴾

стр. 289

فأحلوا الحلال، وحرموا الحرام، واعملوا بالمحكم، وآمنوا بالمتشابه واعتبروا بالأمثال)) . هذا لفظ المصابيح. وروى البيهقي في "شعب الإيمان" ولفظه: ((فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعواالمحكم)) . ١٨٣- (٤٤) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((الأمر ثلاثة: أمر بين رشده فاتبعه، وأمر بين غيه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فكله إلى الله عزوجل)) رواه أحمد. ــ [٤١:٢٩] ، ولذلك عقبه تعالى بقوله: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس﴾ [٤٣:٢٩] . (فأحلوا) بكسر الحاء أمر من الإحلال (الحلال) أي اعتقدوا حليته (وحرموا الحرام) أي اعتقدوا حرمته واجتنبوه (واعملوا بالمحكم) من الأمر والنهي (وآمنوا بالمتشابه) من غير أن تتبعوه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ومن غير اشتغال بكيفيته. (هذا) أي المذكور من الحديث المروي (لفظ المصابح، وروى البيهقي) أي معناه، وحذف هذا للعلم به (في شعب الإيمان، ولفظه) أي لفظ البيهقي (فاعملوا بالحلال) الخ. فيه نوع اعتراض من المصنف على صاحب المصابيح. وأخرج الحاكم (ج٢:ص٢٩٠، ٢٨٩) عن ابن مسعود مرفوعاً بسند منقطع: ((كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا)) . ١٨٣- قوله: (الأمر) واحد الأمور، أي الشأن والحال في الأعمال التكليفية (ثلاثة) أي ثلاثة أنواع (امر) أي منها أمر، أو أحدها أمر (بين رشده) أي ظاهر صوابه، كأصول العبادات مثل وجوب الصلاة والزكاة، وكأصول العقائد من التوحيد والنبوة والمعاد (وأمر بين غيه) أي ضلالته كقتل النفس والزنا (وأمر اختلف فيه) بصيغة المجهول، أي اختلف الناس فيه من تلقاء أنفسهم من غير أن يبين الله ورسوله حكمه (فكله) أمر من وكل يكل (إلى الله عزوجل) أي فوض أمره إلى الله تعالى يعني ما علمت كونه حقا وصوابا بالنص فاعمل به، وما علمت بطلانه بالنص فاجتنبه، ومالم يثبت حكمه بالشرع فلا تقل فيه شيئاً، وفوض أمره إلى الله، مثل متشابهات القرآن، وأمور القيامة. قال الطيبي: قوله: "اختلف فيه" يحتمل أن يكون معناه اشتبه وخفى حكمه، ويحتمل أن يراد به اختلاف العلماء، أي والأدلة. وقيل: الأولى أن يفسر هذا الحديث بما ورد في آخر الفصل الثالث من حديث أبي ثعبلة الخشين. (رواه أحمد) . قال العلامة الألباني: لم أجد أحد عزاه إليه، وما أظنه في مسنده، وقد عزاه السيوطي في الجامع الكبير (ج١/٣٢٣/٢) لابن منيع، واسمه أحمد أيضاً بهذا اللفظ، وللطبراني في الكبير بلفظ "فكله إلى علمه"، قلت: وفي أوله عنده (ج٣/٩٧/٢) أن عيسى بن مريم ﵇ قال "إنما الأمور ثلاثة ... وكذا أورده الهيثمي

стр. 290

﴿الفصل الثالث﴾ ١٨٤- (٤٥) عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاذة والقاصية والناحية، وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة)) رواه أحمد. ١٨٥- (٤٦) وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ــ في المجمع (١/١٥٨) من رواية الطبراني فقط، وقال: "ورجاله موثقون"، وفيه نظر فإنه من رواية أبي المقدام، واسمه هشام بن زياد، وهو متروك، كما قال الحافظ في التقريب. ومن طريقه رواه الهروي في ذم الكلام (ق/٦٠/٢) . ١٨٤- قوله: (ذئب الإنسان) الذئب مستعار للمفسد والمهلك (كذئب الغنم) أي في العداوة والإهلاك. (يأخذ الشاذة) قال الطيبي: صفة للذئب؛ لأنه بمنزلة النكرة ﴿كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾ [٥:٦٢] ، ويجوز أن يكون حالاً منه والعامل معنى التشبيه- انتهى. وقيل: إنه استئناف مبين، والمعنى: يأخذ غالباً أو بالسهولة من غير تدارك، وهو تمثيل مثل حال مفارقة الجماعة والسواد الأعظم، وانقطاعه عنهم، واعتزاله عن صحبتهم، ثم تسلط الشيطان عليه وإغوائه، بحالة شاة قاصية شاذة من قطيع الغنم، ثم افتراس الذئب إياها بسبب انقطاعها. والشاذة بتشديد الذال المعجمة، هي النافرة التي لم تؤنس بأخواتها ولم تختلط بهن. (والقاصية) أي التي قصدت البعد عنهن لأجل المرعى مثلاً لا للتنفر. (والناحية) أي التي غفل عنها، وبقيت في جانب منها، فإن الناحية هي التي صارت في ناحية من الأرض عن أخواتها لغفلتها. (وإياكم والشعاب) بكسر الشين، جمع الشعب بالكسر أيضاً، وهو الوادي ما اجتمع منه طرف وتفرق طرف منه، ولذلك قيل: شعبت الشيء إذا جمعته، وشعبته إذا فرقته، فهو من الأضداد، والمراد المنعطفات في الأودية؛ لأنها محل السباع والهوام وقطاع الطريق وأماكن الجن، ولما فرغ من التمثيل أكده بقوله: "وإياكم"، وعقبه بقوله: (وعليكم بالجماعة والعامة) تقريراً بعد تقرير، وقد تقدم معنى الجماعة، والمراد منها في شرح حديث ابن عمر في الفصل الثاني، وقيل في معنى هذه الجملة: وعليكم بمخالطة عامة المسلمين، وإياكم ومفارقتهم، والعزلة عنهم، واختيار الجبال والشعاب البعيدة عن العمران. (رواه أحمد) (ج٥:ص٢٣٣، ٢٣٤) وفيه: يأخذ الشاة القاصية والناحية. وزاد في رواية: والمسجد. بعد قوله: والعامة. وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير، وابن السجزي في الإبانة، كما في الكنز (ج١:ص٥٢) وفي آخره: ((فعليكم بالجماعة والألفة والعامة والمساجد، وإياكم والشعاب)) . ١٨٥- قوله: (من فارق الجماعة) المراد بالجماعة الصحابة، ومن بعدهم من التابعين وتابعي التابعين من السلف الصالحين، المتمسكين بعرى الإسلام. (شبراً) بكسر الشين، ما بين طرف الإبهام وطرف الخنصر ممتدين، والمعنى: من فارق ما عليه الجماعة يترك السنة، واتباع البدعة، ونزع اليد عن الطاعة، ولو كان بشيء يسير يقدر في الشاهد بقدر شبر (فقد خلع) أي نزع

стр. 291

ربقة الإسلام من عنقه)) رواه أحمد، وأبوداود. ١٨٦- (٤٧) وعن مالك بن أنس مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله)) ــ (ربقة الإسلام) الربقة بالكسر في الأصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها للإسلام، يعني ما يشد المسلم به نفسه من عرى الاسلام، أي حدوده وأحكامه، وأوامره ونواهيه. وقال الطيبي: استعيرت الربقة لانقياد الرجل واستسلامه لأحكام الشرع، وخلعها ارتداده، وخروجه عن طاعة الله وطاعة رسوله. وقال الخطابي: يقول من خرج عن طاعة إمام الجماعة أو فارقهم في الأمر المجتمع عليه فقد ضل وهلك، وكان كالدابة إذا خلعت الربقة التي هي محفوظة بها، فإنها لا يؤمن عليها عند ذلك الهلاك والضياع - انتهى. وقيل: المعنى فقد نبذ عهد الله وأخفر ذمته التي لزمت أعناق العباد لزوم الربقة. قلت: الحديث قد استدل به على حجية الإجماع، وفيه نظر؛ فإنه ليس فيه إلا المنع من مفارقة الجماعة، فأين هذا من محل النزاع، وهو كون ما أجمعوا عليه حجة ثابتة شرعية، فتأمل. (رواه أحمد) (ج٥:ص١٨٠) ، (وأبوداود) في السنة، وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١:ص١٢٧) ، وفي معنى الحديث عن حذيفة أخرج حديثه النسائي، وعن الحارث بن الحارث الأشعري أخرج حديثه الترمذي وصححه، وابن خزيمه وابن حبان في صحيحهما، والحاكم (ج١:ص١٢٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وعن أبي هريرة أخرج حديثه مسلم في صحيحه، والنسائي في المجتبى بلفظ: ((من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، مات ميتة جاهلية)) . وعن ابن عباس عند الشيخين، وعن ابن عمر ومعاوية عند الحاكم. ١٨٦- قوله: (عن مالك بن أنس) إمام دار الهجرة صاحب المذهب (مرسلاً) المرسل على ما هو المشهور عند أهل الحديث هو: قول التابعي قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعله. لكن المشهور في الفقة وأصوله أن قول من دون التابعي أيضاً يسمى مرسلاً سواء كان منقطعاً أو معضلاً. وبه قطع الخطيب، قال: إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الإستعمال ما رواه التابعي عن النبي ﷺ . فهذا محمول على قول الخطيب، فإن الإمام مالكاً من أتباع التابعين، والأولى أن يقول معلقاً أو معضلاً مكان قوله: "مرسلاً"، فإن الحديث في المؤطا هكذا: مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: ((تركت فيكم أمرين ... )) الخ. قال الزرقاني: مر أن بلاغه صحيح كما قال ابن عيينة، وقد أخرجه ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده (تركت فيكم) أي تارك فيكم بعدي (أمرين) أي شيئين كما في حديث أبي هريرة عند الحاكم. (ماتمسكتم) أي مدة تمسككم، وفى نسخة الزرقاني للمؤطا "ما مسكتم" بفتح الميم والسين الخفيفة من المسك، أي أخذتم وتعلقتم واعتصمتم (بهما) أي بالأمرين معاً. (كتاب الله وسنة رسوله) أي حديث رسوله، وهما منصوبان على البدلية، أو بتقدير أعنى، وقيل: بالرفع على الخبرية

стр. 292

رواه في المؤطا. ١٨٧- (٤٨) وعن غضيف بن الحارث الثمالي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة)) ــ بتقدير "هما"، وفي المؤطا "سنة نبيه"، قال الزرقاني: فإنما الأصلان اللذان لا عدول عنهما، ولا هدى إلا منهما، والعصمة والنجاة لمن مسك بهما، واعتصم بحبلهما، وهما العرفان الواضح، والبرهان اللائح بين المحق إذا اقتفاهما، والمبطل إذا خلاهما، فوجوب الرجوع إليهما معلوم من الدين ضرورة، لكن القرآن يحصل العلم القطعي. وفي السنة تفصيل معروف - انتهى. ثم في العدول عن "سنتي" مبالغة في زيادة شرفه، والحث على التمسك بسنته بذكره السبب في ذلك، وهو خلافته عن الله وقيامه برسالته، وأن ماجاء به ليس إلا من تلك الرسالة لا من تلقاء نفسه. (رواه) أي مالك، وفيه أنه يصير التقدير: رواه مالك عن مالك (في المؤطا) فكان حق المصنف أن يقول هكذا في المؤطا. والحديث ذكره مالك بلاغاً في باب النهي عن القول في القدر من كتاب الجامع، وهو من بلاغات الإمام كما عرفت وقد تقدم بيان حكمها في كلام سفيان وابن عبد البر وابن فرحون والسيوطي. ثم المؤطا بالهمزة في آخره، وقيل: بالألف، بمعنى الممهد، المنقح، المسهل، المهيأ لغة. وهذا الحديث أخرجه الحاكم (ج١:ص٩٣) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما، كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض)) . وأخرج الحاكم أيضاً (ج١:ص٩٣) والبيهقي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال: ((يا أيهاالناس: إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنة نبيه)) . ١٨٧- قوله: (وعن غضيف) بالضاد المعجمة مصغراً، ويقال: غطيف بالطاء المهملة بدل الضاد المعجمة، والأول أثبت وأصح، (بن الحارث الثمالي) بضم الثاء المثلثة، وتخفيف الميم، نسبة إلى ثمالة بطن من الأزد، ويكنى أبا أسماء، حمصي، مختلف في صحبته، فذكره الحافظ في القسم الأول من حرف الغين من الإصابة، والمصنف والسكوني في الصحابة، وكذا البخاري، وابن أبي حاتم، والترمذي، والخليفة، وابن أبي يخيثمة، والطبراني، وآخرون، وذكره جماعة كابن سعد، والدارقطني، والعجلى، وغيرهم في ثقات التابعين، ومنهم من فرق بين غضيف بن الحرث فأثبت صحبته، وغطيف بن الحارث فقال: إنه تابعي. قال الحافظ في التقريب: وهو أشبه، مات سنة بضع وستين. (ما أحدث قوم بدعة) شرعية (إلا رفع مثلها) أي مقدارها في الكمية، أو الكيفية والمرتبة. سمى أحد الضدين مثلاً للآخر؛ لأن كل واحد منهما أقرب خطوراً بالبال عند ذكر الآخر، وأسرع ثبوتاً عند ارتفاع الآخر، فكأن بينهما تناسب ما، وإذا كان إحداث البدعة رافعاً للسنة ومغيراً لها كانت إقامة السنة قامعة للبدعة وماحية لها. (فتمسك) جواب شرط محذوف، أي إذا عرفت ذلك فتمسك (بسنة) أي صغيرة أو قليلة (خير من إحداث بدعة) شرعية، وإن كانت مستحسنة

стр. 293

رواه أحمد. ١٨٨- (٤٩) وعن حسان قال: ((ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة)) . ــ عند الناس، فبالأول يزيد النور ويحصل الأجر، وبالثاني تشيع الظلمة ويحصل الوزر، ومن المعلوم أن الشيء الذي يورث الأجر خير من الشيء الذي يورث الوزر، وهو من قبيل "العسل أحلى من المر"، وعلى حد ﴿أى الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً﴾ ، فالتقدير: التمسك بسنة فيه خير عظيم وببدعة لا خير فيه أصلاً. وقيل: معنى قوله: "إلا رفع مثلها من السنة" أنه بحدوث البدعة يبطل العمل بسنة، ففيه التحذير عن ارتكاب البدع. (رواه أحمد) (ج٤:ص١٠٥) من طريق أبي بكر بن عبد الله، عن حبيب بن عبيد الله الرحبي، عن غضيف، قال: بعث إلي عبد الملك بن مروان، فقال: يا أباأسماء: إنا قد جمعنا الناس على أمرين. قال: ما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر. فقال: إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست بمجيبكم إلى شيء منهما. قال: لم؟ قال:؛ لأن النبي ﷺ قال: ((ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة)) - انتهى. ولعل قوله: فتمسك بسنة، الخ. من قول غضيف موقوف عليه، مدرج في الحديث. وقد أخرجه أيضاً البزار، والطبراني في الكبير، وفي سندهما أبوبكر بن عبد الله، أي ابن أبي مريم الغساني، قال الحافظ أبوعبد الله، وابن معين، وأبوحاتم، وأبوزرعة، وغيرهم: ضعيف. وقال الهيثمي (ج١:ص١٨٨) : منكر الحديث. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط. وصدر المنذري حديث غضيف هذا بلفظة "روي"، وهو دليل لكونه ضعيفاً بحيث لا يتطرق إليه احتمال التحسين، كما صرح بذلك في مقدمة ترغيبه. وقال العزيزى: إسناده ضعيف، وفي الباب عن أبي هريرة عند الرافعي، وابن مسعود عند الديلمي، وابن عباس عند الطبراني في الكبير. ١٨٨- قوله: (وعن حسان) غير منصرف على أنه فعلان، وقد ينصرف على أنه فعال، وهو ابن عطية كما صرح بذلك ابن بطة (ق١١٤/٢) والهروى (ق٩٨/٢) في روايتهما، والشاطبي في الاعتصام (٨٥/١) وليس هو حسان بن ثابت الصحابي الشاعر كما وهم القاري وابن عطية، وهذا هو حسان بن عطية المحاربي مولاهم أبوبكر الشامي الدمشقي من ثقات التابعين، قال الحافظ في التقريب: ثقة فقيه عابد، من الرابعة، مات بعد العشرين ومائة. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: ذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة، وقال: كان من أفاضل أهل زمانه. (قال) أي حسان (ما ابتدع قوم بدعة) شرعية (مثلها) أي في العدد أو القدر (ثم لا يعيدها) أي الله تلك السنة (إليهم إلى يوم القيامة) ، وذلك أن السنة كانت متأصلة مستقرة في مكانها، فلما أزيلت عنه لم يمكن إعادتها

стр. 294

رواه الدارمي. ١٨٩- (٥٠) وعن إبراهيم بن ميسرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام)) رواه البيهقي في شعب الإيمان مرسلاً. ١٩٠- (٥١) وعن ابن عباس، قال: ((من تعلم كتاب الله ثم اتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب)) . وفي رواية، قال: من اقتدى بكتاب الله ــ كما كانت أبداً، فمثلها كمثل شجرة ضربت عروقها في تخوم الأرض فلإذا قلعت لم يمكن إعادتها كما كانت. (رواه الدارمي) أي من قول حسان في باب اتباع السنة، قال: أخبرنا أبوالمغيرة، ثنا الأوزعي عن حسان، قال: ما ابتدع، الخ. وهذا سند صحيح، قال الشيخ الألباني: وقد روي من قول أبي هريرة، أخرجه أبوالعباس الأصم في حديثه. ١٨٩- قوله: (وعن إبراهيم بن ميسرة) بميم مفتوحة وياء ساكنة وسين مهملة مفتوحة وبراء، الطائفي، نزيل مكة، ثبت، حافظ، من صغار التابعين. قال ابن المديني: له نحو ستين حديثاً أو أكثر. قال البخاري: مات قريباَ من سنة اثنتين وثلاثين ومائة. (من وقر) بالتشديد أي عظم أو نصر (صاحب بدعة) سواء كان داعياً لها أم لا، (فقد أعان على هدم الإسلام) ؛ لأن المبتدع مخالف للسنة، ومعاون مخالف الشيء معاون لهدمه، وكان من حق الظاهر أن يقال: من وقر المبتدع فقد استخف السنة. فوضع موضعه "فقد أعان على هدم الإسلام"؛ ليؤذن بأن مستخف السنة مستخف للإسلام، ومستخفه هادم لبنيانه، وهو من باب التغليظ، فإذا كان حال الموقر هكذا فما حال المبتدع، وفيه أن من وقر صاحب سنة كان الحكم بخلافه. (رواه البيهقي) الخ. واعتضد هذا المرسل بما روى الطبراني في الكبير، وأبونعيم في الحلية عن معاذ بن جبل مرفوعاً نحوه، وفيه بقية، وهو ضعيف، قاله الهيثمي (ج١:ص١٨٨) وبما روى الطبراني في الكبير عن عبد الله بن بسر، قال العزيزى: هو حديث ضعيف. ١٩٠- قوله: (وعن ابن عباس قال) أي موقوفا (من تعلم كتاب الله) نظراً أو حفظاً أو علماً بمعناه، (ثم اتبع ما فيه) من الأمر والنهي (هداه الله من الضلالة) ضمن "هدى" معنى أمن فعداه بمن إلى المفعول الثاني، أي أمنه الله من ارتكاب المعاصي، والانحراف عن الطريق المستقيم، قال القاري كذا قاله الطيبي. والأظهر أن معناه من اتبع القرآن ثبته الله على الهداية، ووقاه من الوقوع في الضلالة ما دام يعيش، (ووقاه) أي حفظه (سوء الحساب) أي مناقشته المؤدية إلى السوء، قال الطيبي: هو عبارة عن كونه من أصحاب اليمين، فكما أنه أمن في الدنيا من الضلال كذلك يأمن في الآخرة من العذاب. وفيه أن سعادة الدارين منوطة بمتابعة كتاب الله، ومتابعة موقوفة على معرفة سنة رسوله ومتابعة، فهما متلازمتان شرعاً لا ينفك أحدهما عن الآخر. (وفي رواية قال) أي ابن عباس (من اقتدى بكتاب الله)

стр. 295

لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا هذه الآية ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ رواه رزين. ١٩١- (٥٢) وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: ((ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعن جنبتى الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعند رأس الصراط داع يقول: استقيموا على الصراط ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعوا، كلما هم عبد أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك ــ في جميع أموره وشؤونه وأحواله. (لا يضل) أي لا يقع في الضلالة (ولا يشقى) أي لا يتعب ولا يعذب. (ثم تلا هذه الآية) أي استشهاداً لما قاله (فمن اتبع هداى) أي ما يهدى به، أو أريد به المصدر مبالغة، وهو القرآن بقرينة الإضاءة، أي الهداية المخصوصة بي، المنسوبة إلي، وفي معناه الهداية النبوية، والسنة المصطفوية، ولذا قال في المعالم: أي الكتاب والسنة. (رواه رزين) وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك (ج٢:ص٣٨١) قال: ((من قرأ القرآن، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأن الله عزوجل قال: ((من اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى﴾ )) [١٢٣:٢٠] قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي في التلخيص، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه أبوشيبة، وهو ضعيف جداً، قاله الهيثمي (ج١: ص١٦٩) . ١٩١- قوله: (ضرب الله مثلاً) أي بيّن مثلاً، وذلك لإخراج المعقول في صورة المحسوس تقريباً للمعقول. (صراطاً مستقيماً) بيان للمثل، قال القاري: هو بدل من "مثلاً" لا على إهدام المبدل كما في قولك: زيد رأيت غلامه رجلاً صالحاً. (وعن جنبتي الصراط) بفتح الجيم وسكون النون، أي جانبيه وطرفيه. (سوران) بالضم تثنية سور، أي جدران وأصله حائط يطوف بالمدينة، والجملة حال عن "صراطا". (فيهما أبواب) الجملة صفة "سوران" (مفتحة) من التفتيح (ستور) جمع الستر بالكسر (مرخاة) أي مرسلة ومسبلة. (وعند رأس الصراط أي عليه، (ولا تعوجوا) بتشديد الجيم من الإعواجاج، وفي بعض النسخ بتشديد الواو على حذف إحدى التائين فهو تأكيد لما قبله، أي لا تميلوا إلى الأطراف، قال الطيبي: عطف على "استقيموا" على الطرد والعكس؛ لأن مفهوم كل منهما يقرر منطوق الآخر، وبالعكس (وفوق ذلك) عطف على "وعند رأس الصراط" والمشار إليه بذلك الصراط أو الداعي. (كلما هم عبد) أي قصد وأراد (أن يفتح شيئاً) أي قدراً يسيراً. (من تلك الأبواب) أي ستورها (قال) أي الداعي، وهو جواب "كلما" (ويحك) زجر له عن تلك الهمة، وهي كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، ثم استعمل هنا لمجرد الزجر عما هم به من

стр. 296

لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه. ثم فسره فأخبر: أن الصراط هو الإسلام، وأن الأبواب المفتحة محارم الله، وأن الستور المرخاة حدود الله، وأن الداعي على رأس الصراط هو القرآن، وأن الداعي من فوقه هو واعظ الله في قلب كل مؤمن)) رواه رزين. ١٩٢- (٥٣) ورواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن النواس بن سمعان، وكذا الترمذي عنه إلا أنه ذكر أخصر منه. ١٩٣- (٥٤) وعن ابن مسعود قال: "من كان مستناً، فيستن بمن قد مات، فإن الحي ــ الفتح. (لا تفتحه) أي شيئاً من تلك الأبواب أي ستورها (تلجه) أي تدخله من الولوج، يعني لا تقدر أن تملك نفسك وتمسكها عن الدخول بعد الفتح. (ثم فسره) أي رسول الله ﷺ (أن الصراط هو الإسلام) وهو طريق مستقيم، والمطلوب من العبد الاستقامة عليه أي امتثال جميع أحكامه. (وأن الأبواب المفتحة محارم الله) أي المعاصي التي حرمها الله على الناس، فإنها أبواب للخروج من كمال الإسلام والاستقامة، والدخول في العذاب والملامة. (وأن الستور المرخاة حدود الله) قيل: الحد الفاصل بين العبد ومحارم الله والمانع له من ارتكابها، كما قال الله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ [٢٢٩:٢] ، وهي عبارة عن أحكامه، وقيل: المراد من الستور الأمور المستورة الغير المبينة من الدين المسماة بالشبهة المعبر عنها بحول الحمى. (وأن الداعي من فوقه) أي من فوق الداعي الأول. (هو واعظ الله في قلب كل مؤمن) هو لمة الملك في قلب المؤمن، والهم لمة الشيطان. (رواه رزين) أي عن ابن مسعود. ١٩٢- قوله: (ورواه أحمد) الخ. (ج٤:ص١٨٢، ١٨٣) من طريقين في أحدهما بقية بن الوليد، وهو صدوق كثير التدليس، لكن صرح بسماعه من بحير بن سعد‘ وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١:ص٧٣) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولا أعرف له علة. ووافقه الذهبي. (عن النواس) بفتح النون وتشديد الواو (بن سمعان) بفتح السين المهملة، وقيل بكسرها وسكون الميم، وبالعين المهملة، العامري الكلابي، سكن الشام، صحابي، ولأبيه أيضاً صحبة. روي له سبعة عشر حديثاً، انفرد له مسلم بثلاثة. (وكذا الترمذى عنه) أي روى عن النواس في الأمثال، وحسنه (إلا أنه) أي الترمذي (ذكر أخصر منه) أي من هذا الحديث، أو أخصر مما ذكر غيره. ١٩٣- قوله: (مستناً) بتشديد النون، أي مقتدياً بسنة أحد وطريقته. (فليستن بمن قد مات) أي على الإسلام، أو العلم والعمل، وعلم حاله وكماله على وجه الاستقامة. أخرج الكلام مخرج الشرط والجزاء تنبيهاً به على الاجتهاد، وتحري طريق الثواب بنفسه بالاستنباط من معاني نصوص الكتاب والسنة، فإن لم يتمكن منه فليقتد بأصحاب النبي ﷺ ، لأنهم اتبعوا أثر النبي ﷺ على ما شاهدوا من أقواله وأفعاله وأحواله وتقريره، فالاستنان بهم متعين. وكأن ابن

стр. 297

لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم)) رواه رزين. ١٩٤- (٥٥) وعن جابر، أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى رسول الله ﷺ بنسخة من التوراة، فقال: يار سول الله ﷺ هذه نسخة من التوراة، ــ مسعود يوصي القرون الآتية بعد قرون الصحابة باقتفاء آرائهم، والاهتداء بهديهم، قال القاري: خص أمواتهم؛ لأنه علم استقامتهم على الدين واستدامتهم على اليقين بخلاف من بقي منهم حياً، فإنه يمكن منهم الافتنان ووقوع المعصية، بل الردة والكفر؛ لأن العبرة بالخاتمة، وهذا تواضع منه في حقه لكمال خوفه على نفسه، وإلا فهو ممن يقتدي به حياً وميتاً-انتهى. وقال صاحب اللمعات: أراد "بمن مات" الصحابة جميعاً، وبالحي أهل زمانه غير الصحابة. (لا تؤمن عليه الفتنة) أي الابتلاء في الدين. (أولئك) إشارة إلى من مات، أفرد الضمير في "مات" نظراً إلى اللفظ وقال "أولئك" نظراً إلى المعنى. (كانوا أفضل هذه الأمة) أي أمة الإجابة، وهم خير أمة، فكانوا أفضل الأمم، و"هذه" إشارة إلى ما في الذهن من أمة محمد ﷺ إلى انقراض العال. م (أبرها قلوباً) أي أطوعها وأحسنها وأخلصها (وأعمقها علماً) أي أكثرها غوراً من جهة العلم، وأدقها فهماً (وأقلها تكلفاً) أي تصنعاً في العمل، وكذا في العلم والقراءة والطعام واللباس وغير ذلك. (اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه) فإنهم نقله أقواله وحملة أحواله إلى من بعدهم، وأيضاً جاهدوا في الله حق الجهاد، وأظهروا الدين، يعني لما جعلهم الله تعالى أصحاب النبي ﷺ واصطفاهم واختصهم من بين الخلائق بهذه الفضيلة، علم أنهم أفضل الناس وخيار الخلق ممن بعدهم تلميحاً إلى قوله تعالى: ﴿وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها﴾ [٢٦:٤٨] ، (فاعرفوا لهم فضلهم) أي على غيرهم (واتبعوهم) بتشديد التاء، أي كونوا متبعين لهم حال كونكم ماشين (على أثرهم) بفتحتين وبكسر الهمزة وسكون المثلثة، أي عقبهم في العمل والعلم. (وتمسكوا) أي خذوا واعملوا (بما استطعتم) فيه إشارة إلى عجز المتأخرين عن المتابعة الكاملة لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. (وسيرهم) بكسر السين وفتح الياء جمع السيرة. (فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) ؛ لأنهم اتبعوا أثر النبي ﷺ على ما شاهدوا من الأقوال والأحوال والأفعال. قال الطيبي: في قوله: "فاعرفوا لهم" قد أجمل ههنا ثم فصل بقوله "فضلهم"، كما في قوله تعالى: ﴿رب اشرح لي صدري﴾ [٢٥:٢٠] ، والمراد من العرفان ما يلازمه من متابعتهم ومحبتهم والتخلق بأخلاقهم، فإن قوله: "واتبعوهم" عطف على "اعرفوا" على سبيل البيان، وقوله "على أثرهم" حال مؤكدة من فاعل "اتبعوا" نحو قوله: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ [٢٥:٩] . (رواه رزين) وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن مسعود: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم". قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. ١٩٤- قوله: (بنسخة من التوراة) أي بشيء نسخ ونقل منها (هذه نسخة من التوراة) أي فهل تأذن لنا أن

стр. 298

فسكت، فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يتغير، فقال أبوبكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ فنظر عمر إلى وجه رسول الله ﷺ فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً. فقال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوتي لاتبعني)) رواه الدارمي. ١٩٥- (٥٦) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلامي لا ينسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ كلامي، وكلام الله ينسخ بعضه بعضاً. ــ نطالع فيها لنطلع على ما فيها من أخبار الأمم وشرائع موسى؟ (فسكت) من كمال حلمه (فجعل يقرأ) أي شرع عمر يقرأ النسخة ظناً منه أن السكوت علامة الرضا والإذن. (يتغير) أي من أثر الغضب (ثكلتك) أي فقدتك (الثواكل) جمع ثاكل وثاكلة، أي من الأمهات والبنات والأخوات، وأصله دعاء للموت، لكنه مما يجري على ألسنتهم ولا يراد بها الدعاء، كتربت يمينه. (ما ترى) "ما" نافية بتقدير الاستفهام. (ما بوجه رسول الله ﷺ ) "ما" هذا موصولة أو موصوفة. (أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله) غضب الله توطئه لذكر غضب رسوله إيذاناً بأن غضبه غضبة، وإيماء إلى أن التعوذ إنما هو من غضب الله حقيقة، وإنما يتعوذ من غضب رسوله؛ لأنه سبب لغضبه تعالى. (رضينا بالله رباً) الخ. قاله أعتذاراً عما صدر عنه، وجمع الضمير إرشاداً للسامعين، أو إيماء إلى أنه مع الحاضرين مقام الرضا طلباً للرضا اجتناباً عن الغضب (لو بدا) بالألف دون الهمزة أي ظهر (لكم موسى) على سبيل الفرض، والتقدير (فاتبعتموه وتركتموني) لم يقتصر على الاتباع؛ لأنه بمجرده لا محذور فيه، إنما المحذور في اتباع يؤدي إلى الترك. (لضللتم) بفتح اللام وكسرها من ضرب وسمع (عن سواء السبيل) فكيف مع وجودي وعدم ظهور موسى تتبعون كتابه المنسوخ. (ولو كان) أي موسى (حياً) أي في الدنيا (وأدرك نبوتي) أي زمانها (لاتبعني) ؛ لأن دينه صار منسوخاً في زماني، ولأخذ الميثاق منه ومن سائر الأنبياء على ذلك، وفي الحديث نهي بليغ عن العدول من الكتاب والسنة إلى غيرهما. (رواه الدارمي) وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه، وفي الباب عن ابن عباس أخرجه أحمد، وعن عبد الله بن ثابت الأنصاري أخرجه ابن سعد، وأحمد، والحاكم في الكنى، والطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، وعن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في الكبير، وعن عبد الله بن الحارث أخرجه البيهقي في الشعب. ١٩٥- قوله: (كلامي لا ينسخ كلام الله) النسخ في اللغة الرافع والإزالة، ومنه نسخت الشمس الظل، ونسخت

стр. 299

الريح الأثر. وقد يطلق لإرادة ما يشبه النقل كقولهم: نسخت الكتاب. فأما النسخ في الشرع فهو بمعنى الرفع والإزالة لا غير، وحده: أن يرفع بخطاب متراخ حكم ثبت بخطاب متقدم. وهو في الحقيقة بيان؛ لانتهاء الحكم الشرعي المطلق، وهذا عند المتأخرين، وأما السلف فمرادهم بالنسخ رفع الحكم بجملته تارة كما هو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد، أو حمل مطلق على مقيد، وتفسيره وتبيينه، حتى أنهم ليسمون الاستثناء، والشرط، والصفة نسخاً لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ولذلك كثر إطلاق النسخ في كلامهم. ثم ههنا خمس صور: الأولى نسخ القرآن بالقرآن، والثانية نسخ السنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد، ولا اختلاف فيهما؛ لأن ذلك متماثل، فجاز أن يرفع بعضه بعضاً، والثالثة نسخ السنة بالقرآن كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس، وتحريم المباشرة ليالي رمضان، وجواز تأخير الصلاة حالة الخوف بالقرآن، وهو كان ثابتاً بالسنة، وفيها خلاف، والجواز هو ما عليه الجمهور، وللشافعي في ذلك قولان، وصحح عامة الشافعية الجواز، وهو الأصح عندنا؛ لأنه لا وجه للمنع قط، ولم يأت في ذلك ما يتشبث به المانع لا من عقل ولا من شرع، بل ورد في الشرع نسخ السنة بالقرآن في غير موضع، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآية [١٤٤:٢] . فنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالقرآن، وكان ذلك ثابتاً بالسنة، ونسخ تحريم المباشرة في ليالي رمضان بقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ [١٨٧:٢] ، ونسخ صوم عاشوراء بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [١٨٥:٢] ، ونسخ تحليل الخمر بقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية [٩٠:٥] . ونسخ جواز تأخير الصلاة إلى انجلاء القتال بما ورد في القرآن من صلاة الخوف، ونحو ذلك مما يكثر تعداده. والرابعة نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وفيها أيضاً خلاف، فالمشهور عن أحمد منعه، واختاره أبويعلى من الحنابلة، وبه قال الشافعي وأكثر أصحابه، والظاهرية وغيرهم. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [١٠٦:٢] ، قالوا: في الآية حصر الناسخ في كونه خيراً من المنسوخ أو مثله، والسنة لا تساوي القرآن فضلاً عن أن تكون خيراً منه، فلا تكون ناسخة له. وقيل: يجوز ذلك وهو رواية عن أحمد، واختيار أبي الخطاب وابن عقيل، وأكثر الحنفية والمالكية وغيرهم، وهو الذي نصره ابن الحاجب، وحكاه عن الجمهور، وهو الأرجح عندنا؛ لأن السنة شرع من الله عزوجل، كما أن الكتاب شرع منه سبحانه، وقد قال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [٧:٥٩] ، وأمر سبحانه بإتباع رسوله في غير موضع في القرآن فهذا بمجرده يدل على أن السنة الثابتة عنه ثبوتاً على حد ثبوت الكتاب العزيز، حكمها حكم القرآن في النسخ وغيره، وليس في العقل ما يمنع من ذلك، فإن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى على لسان رسوله ﷺ بوحي غير نظم القرآن، وقد نسخت الوصية للوالدين والأقربين بقوله: ولا وصية لوارث. وهذا يدل على وقوع نسخ القرآن بالسنة شرعاً. وأما قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾ الخ. فليس فيه إلا أن ما يجعله الله منسوخاً من الآيات القرآنية سيبدله بما هو خير منه، أو بما هو مثله للمكلفين، وما آتانا على لسان رسوله فهو كما آتانا منه، كما قال سبحانه: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ [٤:٥٣﴾ وكما قال: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله

стр. 300

١٩٦- (٥٧) وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أحاديثنا ينسخ بعضها بعضاً كنسخ القرآن)) . ــ من تلقاء نفسي﴾ [١٥:١٠] ، وقيل: المراد نأت بخير منها في الحكم ومصلحته. والسنة تساوي القرآن في ذلك، إذ المصلحة الثابتة بالسنة قد تكون أضعاف المصلحة الثابتة بالقرآن إما في عظم الأجر بناء على نسخ الأخف بالأثقل أو في تخفيف التكليف بناءً على نسخ الأثقل بالأخف، وأيضاً فإن الآية على التقديم والتأخير. والتقدير: ما ننسخ من آية نأت منها بخير، فلا يكون فيه دلالة على محل النزاع أصلاً. وقال في المستصفى: ليس المراد من قوله تعالى: ﴿نأت بخير منها﴾ نأت بقرآن آخر خيراً منها؛ لأن القرآن لا يوصف بكون بعضه خيراً من بعض، قال: بل معناه أن يأتي بعمل خير من ذلك العمل، لكونه أخف منه، أو أجزل ثواباً، هذا كلامه. وعليه فلا دليل للمنع في هذه الآية. واستدل المانعون أيضاً بحديث جابر هذا، قالوا: هو نص في المسألة، وأجيب عنه بعدة وجوه: الأول أنه ضعيف جداً بل موضوع. فإن في سنده محمد بن داود القنطري، روى عن جبرون بن واقد الإفريقي، عن ابن عيينة، وعن أبي الزبير. قال الذهبي في الميزان في ترجمة محمد بن داود: وحدث بحديثين باطلين، ذكرهما ابن عدي في ترجمة جبرون، وقال تفرد بهما محمد. وقال الذهبي في ترجمة جبرون: متهم، فإنه روى بقلة حياء عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً: كلام الله-الحديث، وعنه محمد بن داود أن مخلد بن حسين حدثه عن هشام بن حسان، عن محمد، عن أبي هريرة مرفوعاً: أبوبكر وعمر خير الأولين-الحديث، تفرد بهما القنطري، وهما موضوعان- انتهى. والثاني على تسليم صحته أنه ليس نصاً في محل النزاع، بل هو ظاهر؛ لأن لفظه عام، ودلالة العام ظاهرة لا قاطعة، فيحمل على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن فيبقى التواتر لا دليل على المنع فيه من ذلك. والثالث أن المراد بكلامي ههنا ما أقوله اجتهاداً ورأياً. والرابع أن المراد نسخ تلاوة الكتاب وألفاظه لا حكمه. وقيل: إنه منسوخ. قال صاحب اللمعات: ولو حمل قوله: "كنسخ القرآن" في الحديث الآتي على معنى نسخ الأحاديث القرآن بإضافة المصدر إلى المفعول لكان ناسخاً لهذا الحديث-انتهى. والصورة الخامسة للنسخ هو نسخ القرآن والسنة المتواترة بأخبار الآحاد، وفيه أيضاً اختلاف فالأكثر على أنه غير جائز شرعاً، وحكى غير واحد الإجماع على ذلك، واحتجوا بأن الثابت قطعاً لا ينسخه مظنون، وقال قوم من أهل الظاهر، ومن ابن حزم بجواز ذلك، وقالت طائفة: يجوز في زمن النبي ﷺ ، ولا يجوز بعده. ودليل القائلين بالجواز أن الناسخ في الحقيقة إنما جاء رافعاً لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه، وذلك ظني وإن كان دليله قطعياً، فالمنسوخ إنما هو الظني لا ذلك القطعي. ذكر هذا الطوفي وأطال في بيانه، ومال إلى جواز نسخ الكتاب ومتواتر السنة بخبر الواحد. وتفاصيل مذاهب الكل مع دلائلها مذكورة في كتب أصول الفقه، فارجع إليها خصوصاً إلى إرشاد الفحول للشوكاني، وروضة الناظر للمقدسي، والإحكام لأصول الأحكام لابن حزم، والمستصفى للغزالى. ١٩٦- قوله: (إن أحاديثنا) أي بشرط صحتها (ينسخ بعضها بعضاً) أي بشرط معرفة التاريخ (كنسخ القرآن) ،

стр. 301

١٩٧- (٥٨) وعن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، ــ أي كما ينسخ بعض آياته بعضاً. وهذا مما لا اختلاف فيه، وارجع للتفصيل إلى كتاب الاعتبار للحازمي. والحديث أخرجه أيضاً الديلمي، وهو حديث ضعيف جداً؛ لأن في سنده محمد بن الحارث بن زياد بن الربيع، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه. ومحمد بن الحارث هذا، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال الفلاس: يروى عن ابن البيلماني أحاديث منكرة، متروك الحديث. وقال أبوحاتم: ضعيف. ومحمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، ضعفوه. قال النسائي وأبوحاتم: منكر الحديث. وقال الدارقطني وغيره: ضعيف. وقال ابن حبان: حدث عن أبيه بنسخة شبيهاً بمأتي حديث كلها موضوعة. وأبوه عبد الرحمن بن البيلماني لينه أبوحاتم. وقال الدارقطني: ضعيف لا تقوم به حجة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف. ١٩٧- قوله: (وعن أبي ثعلبة الخشني) بضم المعجمة الأولى وفتح الثانية بعدها نون، نسبة إلى خشين بطن من قضاعة. صحابي مشهور، معروف بكنيته، اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً، ذكره الحافظ في الإصابة، وفي التهذيب والتقريب، وهو من بايع تحت الشجرة، ولم يقاتل مع علي ولا مع معاوية، وأرسله النبي ﷺ إلى قومه فأسلموا، ونزل بالشام. له أربعون حديثاً، اتفقا على ثلاثة، وانفرد مسلم بواحد. مات وهو ساجد سنة (٧٥) ، وقيل: قبل ذلك بكثير في أول خلافة معاوية بعد الأربعين. (إن الله فرض فرائض) جمع فريضة بمعنى مفروضة، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، أي أوجب أحكامها مقدرة مقطوعة، سواء كان مما أوجب الله في كتابه أو لسان رسوله. (فلا تضيعوها) بتركها رأساً، أو بترك شروطها وأركانها. (وحرم حرمات) أي محرمات من المعاصي (فلا تنتهكوها) أي لا تقربوها فضلاً عن أن تتناولوها. وقال في الصحاح: انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل. وقيل: الانتهاك خرق محارم الشرع. (وحد حدوداً فلا تعتدوها) أصل الحد المنع والفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام. والمعروف في اصطلاح الفقهاء من أسماء الحدود ثلاثة أشياء: أحدها المحارم والمعاصي، ومنه قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ [١٨٧:٢] . والثاني العقوبات المقدرة الرادعة عن المحارم المغلظة، كما يقال: حد الزنا، وحد السرقة، وحد شرب الخمر. والثالث جملة ما أذن في فعله سواء كان على طريق الوجوب، أو الندب أو الإباحة، ومنه قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ [٢٢٩:٢] ، واعتداء الحدود هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نهي عنه؛ لأنه ليس ما وراء ما حد الله من المأذون فيه إلا ما نهى عنه، ولهذا مدح الله الحافظين لحدود الله وذم من ر يعرف حد الحلال من الحرام، واختلفوا في معنى قوله: ((وحد حدوداً فلا تعتدوها)) فحمله بعضهم على العقوبات الزاجرة عن المحرمات المقدرة، وقال في معناه: حد أي بين وعين حدوداً في المعاصي من القتل والزنا والسرقة، فلا تعتدوها أي لا تتجاوزا عن الحد لا بالزيادة ولا بالنقصان ولا بالترك رأساً. وحمله ابن رجب على المعني الثالث، قال: الوقوف

стр. 302

وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) ، روى الأحاديث الثلاثة الدارقطني. ــ عند الحدود يقتضي أنه لا يخرج عما أذن فيه إلى ما نهي عنه، وذلك أعم من كون المأذون فيه فرضاً أو ندباً أو مباحاً. وحينئذٍ فلا تكرار في هذا الحديث. وقال القاري: هذه الجملة كالتقرير والتأكيد للقسمين المتقدمين. (وسكت عن أشياء) أي ترك ذكر أشياء أي حكمها من الحرمة والحل والوجوب، وهو محمول على ما انتفى فيه دلالة النص على الحكم بجميع وجوهها المعتبرة، فيستدل حينئذٍ بعدم ذكره بإيجاب أو تحريم أو تحليل، على أنه معفو عنه لا حرج على فاعله ولا على تاركه. (فلا تبحثوا عنها) هذا يحتمل اختصاص النهي بزمن النبي ﷺ ، لأن كثرة البحث والسؤال عما لم يذكر قد يكون سبباً لنزول التشديد فيه بإيجاب أو تحريم، ويحتمل أن يكون النهي عاماً، فإن كثرة البحث والسؤال عن حكم ما لم يذكر في الواجبات ولا في المحرمات قد يوجب اعتقاد تحريمه، أو إيجابه لمشابهته لبعض الواجبات أو المحرمات، فقبول العافية وترك البحث عنه والسؤال خير. وهذا هو الراجح. وليس المراد من البحث المنهي عنه ما يفعله المجتهدون في معرفة الأحكام الشرعية من البحث عن دخول الشيء في دلالات النصوص الصحيحة من الفحوى والمفهوم والقياس الظاهر الصحيح، فإنه حق يتعين فعله على المجتهد، وبالجملة فالحديث يقتضي أن الأصل في الأشياء الإباحة والحل. وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك. وهذا الحديث من رواية مكحول عن أبي ثعلبة، قال ابن رجب: وله علتان؛ أحدهما أن مكحولا لم يصح له السماع عن أبي ثعلبة، كذلك قال أبوشهر الدمشقي، وأبونعيم الحافظ وغيرهما. والثانية أنه اختلف في رفعه ووقفه، ورواه بعضهم عن مكحول عن قوله، لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصواب المرفوع، قال: وهو أشهر، وقد حسنه النووي أي في أربعينه، وكذلك حسن قبله أبوبكر السمعاني في أماليه- انتهى. وأخرجه أيضاً إسحق بن راهويه، والطبراني في الكبير، وأبونعيم في الحلية، والبيهقي في السنن، وروى معناه مرفوعاً من حديث أبي الدرداء، أخرجه البزار في مسنده والحاكم. قال البزار: إسناده صالح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ومن حديث سلمان الفارسي، أخرجه الترمذي في اللباس، وابن ماجه في الأطعمة، وسنده ضعيف، وأيضاً اختلف في رفعه ووقفه، وإرساله ووصله، والراجح وقفه. ومن حديث ابن عمر، أخرجه ابن عدى، وضعف إسناده. ومن حديث ابن عباس، أخرجه أبوداود في الأطعمة لكنه موقوف.

стр. 303

(٢) كتاب العلم ﴿الفصل الأول﴾ ١٩٨- (١) عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ــ (كتاب العلم) أي بيان ما يتعلق بالعلم من فضله وفضل تعلمه وتعليمه، وبيان ما هو علم شرعاً، وبيان فرضه ونفله. وغير ذلك من متعلقات العلم، لا بيان ماهية وحقيقته؛ لأن النظر في الماهيات ليس من فن الكتاب، وقدمه على سائر الكتب التي بعده؛ لأن مدار تلك الكتب كلها على العلم، وإنما لم يقدم على كتاب الإيمان ومتعلقاته من القدر وعذاب البرزح والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله، وضده من الكفر وغيره من الكبائر المخلة بالإيمان؛ لأن الإيمان أول واجب على المكلف، أو لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها، وينبغي للطالب أن يطالع "تذكرة السامع والمتعلم" لابن جماعة، المتوفى سنة (٧٣٣) و"جامع بيان العلم" لابن عبد البر، المتوفى سنة (٤٦٢) و"إحياء العلوم" للغزالي، المتوفى سنة (٥٠٥) وغير ذلك من كتب هذا الفن. ١٩٨- قوله: (بلغوا عني ولو آية) أي ولو كانت آية قصيرة من القرآن، والقرآن مبلغ عن رسول الله ﷺ ؛ لأنه الجائي به من عند الله، ويفهم منه تبليغ الحديث بالطريق الأولى، فإن القرآن مع انتشاره وكثرة حملته وتكفل الله بحفظه لما أمرنا بتبليغه فالحديث أولى. وقيل: المراد بالآية هنا الكلام المفيد، نحو من سكت نجا، أي بلغوا عني أحاديث ولو قليلة، وحرض على تبليغ الأحاديث دون القرآن؛ لأنه تعالى تكفل بحفظه، ولأن الطبائع مائلة إلى تعلمه، أو هو داخل فيه؛ لأنه ﷺ بلغهما. وقوله "بلغوا" مشعر باتصال سنده؛ لأن البلوغ انتهاء الشيء إلى غايته وبأدائه من غير تغيير (وحدثوا عن بني إسرائيل) بما وقع لهم من الأعاجيب وإن استحال مثلها في هذه الأمة، كنزول النار من السماء لأكل القربان مما لا تعلمون كذبه، أي مما لا يخالف القرآن والحديث ولا يعارضهما. (ولاحرج) أي لا ضيق عليكم بالتحديث بقصصهم كحكاية قتل أنفسهم في توبتهم من عبادة العجل، أو تفصيل القصص المذكورة في القرآن مما فيه عبرة. وأما النهي عن اشتغال بما جاء منهم، فمحمول على كتب التوراة والعمل بالأحكام لنسخها، أو النهي كان في صدر الإسلام لعدم تقرر الأحكام حينئذٍ فربما يعمل بما حدث عنهم من الأحكام، فلما تقررت الأحكام الإسلامية لم يحصل ذلك المحذور. أو أن قوله: "حدثوا" أولاً صيغة أمر تقتضي الوجوب، فأشار إلى عدمه وأن الأمر للإباحة بقوله "ولا حرج" أي في ترك التحديث عنهم، فأباح لهم الحديث عنهم للاتعاظ، ورفع الحرج عنهم في تركه بخلاف التحديث عنه ﷺ ، فإنهم مأمورورن بالتبليغ عنه. فلهذا قال: بلغوا عني. وقيل: معنى قوله: "لاحرج" أي لا تضيق

стр. 304

ومن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) رواه البخاري. ١٩٩، ٢٠٠– (٢، ٣) وعن سمرة بن جندب، ــ صدوركم بما تسمعونه منهم من الأعاجيب، فإن ذلك وقع لهم كثيراً. وقيل: المراد جواز التحديث عنهم بأي صيغة وقعت من انقطاع أو بلاغ، أي ليس المقصود من قوله: "لا حرج" إباحة الكذب في أخبارهم، ورفع الإثم عن نقل الكذب عنهم، بل ترخيص في الحديث عنهم على البلاغ وإن لم يتحقق ذلك بنقل الإسناد؛ لتعذره بطول المدة بخلاف الأحكام المحمدية، فإن الأصل فيها التحديث بالاتصال. (ومن كذب علي) أي نسب الكلام كاذباً إليه سواء كان عليه أو له، وهو عام في كل كذب مطلق في كل نوع منه من الأحكام وغيرها كالترغيب والترهيب، ولا مفهوم لقوله "علي"؛ لأنه لا يتصور أن يكذب له؛ لأنه ﵇ نهى عن مطلق الكذب فلا حجة فيه لمن جوز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب. (متعمداً) نصب على الحال وليس حالاً مؤكدة؛ لأن الكذب قد يكون من غير تعمد، وفيه تنبيه علىعدم دخول النار فيه. (فليتبوأ مقعده من النار) أي فليتخذ لنفسه منزلاً في النار، يقال: تبوأ الدار إذا اتخذها مسكناً. والأمر بمعنى الخبر لما في حديث على عند مسلم: ((من يكذب علي يلج النار)) ، وعند ابن ماجه: ((الكذب علي يولج النار)) . وفي حديث ابن عمر عند أحمد: ((بنى له بيت في النار)) . وتعبيره بصيغة الأمر للإهانة، ولذا قيل: الأمر فيه للتهكم والتهديد إذ هو أبلغ في التشديد. والمعنى: هذا جزاؤه، وقد يعفى وقد يتوب. والفرق بين الكذب عليه ﷺ والكذب على غيره أن الأول كبيرة بالاتفاق بخلاف الثاني، ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه أو كذب على غيره أن يكون مقرهما واحداً، أو طول إقامتهما سواء، فقد دل هذا الحديث على طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا يخرج منها؛ لأنه لم يجعل له منزلا غيره، إلا أن الأدلة القطيعة قامت على أن خلود التأبيد مختص بالكافرين. (رواه البخاري) أي مجموع الحديث في أخبار بني إسرائيل، وكذا أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وأما قوله: ((من كذب على متعمداً)) ، الخ. فقد روي عن مائة من الصحابة على ما قال الحافظ: أنه ورد عن ثلاثين نفساً منهم بأسانيد صحاح وحسان، وعن نحو من خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو من عشرين آخرين بأسانيد ساقطة، مع أن فيها ما هو مطلق في ذم الكذب عليه من غير تقييد بهذا الوعيد الخاص. ونقل النووي أنه جاء عن مائتين من الصحابة، ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه أنه متواتر لفظاً ومعنى. ١٩٩، ٢٠٠- قوله: (وعن سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم (بن جندب) بضم الجيم والدال وبفتح، ابن هلال الفزاري، حليف الأنصار، صحابي مشهور، كان من الحفاظ المكثرين عن رسول الله ﷺ ، سكن البصرة، وكان زياد يستخلفه عليها ستة أشهر وعلى الكوفة ستة أشهر، فلما مات زياد استخلفه على البصرة فأقره معاوية عليها عاماً أو نحوه، ثم عزله، وكان شديداً على الحرورية، فهم ومن قاربهم يطعنون عليه، وكان الحسن، وابن سيرين، وفضلاء أهل البصرة يثنون عليه، وقال ابن سيرين: في رسالة سمره إلى بنيه علم كثير. وقال أيضاً: كان عظيم الأمانة، صدوق الحديث، يحب الإسلام وأهله، وكان رسول الله ﷺ يستعرض غلمان الأنصار في كل عام، فمر به غلام فأجازه

стр. 305

والمغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)) رواه مسلم. ٢٠١- (٤) وعن معاوية، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يرد الله به خيراً ــ في البعث، وعرض عليه سمرة من بعده فرده، فقال سمرة: قد أجزت هذا ورددتني، ولو صارعته لصرعته. قال: فدونكه، فصارعه فصرعه سمرة، فأجازه في البعث. قال ابن عبد البر: مات بالبصرة في خلافة معاوية سنة (٥٨) . سقط في قدر مملوءة ماء حاراً، كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد أصابه، فسقط في القدر الحارة فمات، فكان ذلك تصديقاً لقول رسول الله ﷺ له ولأبي هريرة وثالث معها يعني أبامحذورة: ((آخركم موتاً في النار)) . وقد جاء في سبب موته غير ما ذكر. وقيل: مات سنة (٥٩) أو أول سنة (٦٠) بالكوفة، وقيل بالبصرة، له مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة، روى عنه جماعة. (والمغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتب الثقفي أبوعيسى أو أبومحمد، أسلم زمن الخندق، وشهد الحديبية وما بعدها، كان يقال له مغيرة الرأي، وشهد اليمامة وفتوح الشام والقادسية. قال الشعبي والزهري: كان من دهاة العرب، وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة فلو أن مدينة لها سبعة أبواب لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج من أبوابها كلها، كان عاقلاً أديباً فطناً لبيباً داهياً. قال ابن عبد البر: ولاه عمر البصرة فلما شهد عليه عند عمر، عزله ثم ولاه الكوفة، وأقره عثمان عليها ثم عزله، ثم اعتزل الفتنة، ثم حضر الحكمين، ولاه معاوية الكوفة. مات سنة (٥٠) على الصحيح. له مائة وستة وثلاثون حديثاً، اتفقا على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، روى عنه جماعة. (من حدث عني بحديث) أي ولو بواحد (يرى) بضم أوله من الإراءة أشهر من فتحه من الرأي، وكلاهما بمعنى يظن، أو الثاني بمعنى يعلم، والمراد العلم بالمعنى الأعم يقينياً أو ظنياً، وقيد بذلك لأنه لا يأثم إلا برواية ما يعلمه أو يظنه كذباً، وأما ما يعلمه أو لايظنه كذلك فلا إثم عليه في روايته وإن ظنه غيره كذباً أو علمه. وقيل: الأقرب أن الحديث يدل مفهوماً على أن غير الظان لا يعد من جملة الكاذبين عليه ﷺ ، وأما أنه لا يأثم فلا، فليتأمل. (فهو أحد الكاذبين) المشهور روايته بصيغة الجمع باعتبار كثرة النقله، أي فهو واحد من جملة الواضعين الحديث، والمقصود أن الرواية مع العلم بوضع الحديث كوضعه. قالوا: وهذا إذا لم يبين وضعه، وقد جاء بصيغة التثنية باعتبار المفتري والناقل عنه، والمراد أن الراوي له يشارك الواضع في الإثم؛ لأنه يعينه ويشاركه بسبب إشاعته، فهو كمن أعان ظالماً على ظلمه. قال الطيبي: فهو كقولهم: القلم أحد اللسانين، والجد أحد الأبوين. كأنه يشير إلى ترجيح التثنية بكثرة وقوعها في أمثاله، فهو المتبادر إلى الأفهام. (رواه مسلم) في أول صحيحه، وأخرجه أيضاً أحمد، وابن ماجه في السنة، وأخرجه الترمذي عن المغيرة بن شعبة وحده، وفي الباب عن علي أخرج حديثه ابن ماجه في السنة. ٢٠١- قوله: (وعن معاوية) أي ابن أبي سفيان، وقد تقدم ترجمته. (من يرد الله به خيراً) تنكيره للتكثير والتعظيم،

стр. 306

يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي)) متفق عليه. ٢٠٢ – (٥) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، ــ أي خيراً كثيراً عظيماً. (يفقه في الدين) بتشديد القاف وسكون الهاء؛ لأن الموصول متضمن معنى الشرط، أي يجعله عالماً بالشريعة. والفقه في الأصل الفهم، يقال: فقه الرجل – بالكسر - إذا فهم وعلم، وفقه – بالضم - إذا صار فقيهاً عالماً، وجعله العرف خاصاً بعلم الأحكام الشرعية العملية، وحمله على أصل اللغة أولى ليشمل فهم كل علم من علوم الدين، ويلائم تنكير"خيراً"، والفقه في الدين الذي أريد بمن يعطه الخير، هو العلم الذي يورث الخشية في القلب، ويظهر أثره في الجوارح، ويترتب عليه الإنذار، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ الآية [١٢٢:٩] . (وإنما أنا قاسم) أى للعلم (والله يعطى) أي الفهم في العلم، هو من باب قصر القلب إن اعتقد السامع أنه معط لا قاسم، أي ما أنا إلا قاسم لا معطٍ، ومن قصر الإفراد إن اعتقد أنه قاسم ومعطٍ أيضاً، أي لا شركة في الوصفين أي بل أنا قاسم فقط. ولما كان فقه الصحابة متفاوتاً لتفاوت الأفهام أعلم بقوله: إنما أنا قاسم، الخ. أن هذا التفاوت ليس مني، وإنما الذي هو مني القسمة بينكم، يعني تبليغ الوحي إليكم من غير تخصيص بأحد، والتفاوت في أفهامهم من الله تعالى؛ لأنه هو المعطي، يعطي الناس على قدر ما تعلقت به إرادته في الأزل، لأن ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ [٤:٦٢] . وقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمع آخر منهم أو ممن أتى بعدهم فيستنبط منه مسائل كثيرة، وقيل: أراد به قسمة المال، لكن سياق الكلام يدل على الأول، وظاهره يدل على الثاني؛ لأن القسمة حقيقية تكون في الأموال، ولذا أخرجه مسلم في قسم الصدقات، والبخاري في الخمس أيضاً، ووجه المناسبة بما قبله أنه ﷺ خص بعضهم بزيادة مال لمقتض، فتعرض بعض من خفي عليه المقتضى بأن هذه قسمة فيها تخصيص لناس، فعرض ﷺ بأنه من أريد به الخير يفهم في أمور الدين، لا يخفى عليه المقتضى، ولا يتعرض لما ليس على وفق خاطره، إذ الأمر كله لله، وهو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يزيد وينقص، والنبي ﷺ قاسم وليس بمعط، حتى ينسب إليه الزيادة والنقصان. والحصر إضافي رد لمن توهم أنه المعطي، والأظهر أنه لا منع من الجمع بين الوجهين. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد، وروى نحوه عن ابن عباس عند أحمد والترمذي. وعن أبي هريرة عند ابن ماجه، وأبي يعلى، والطبراني، وعن ابن مسعود عند البزار، والطبراني في الكبير، وعن ابن عمر عند ابن أبي عاصم في كتاب العلم. ٢٠٢- قوله: (الناس معادن) المعدن المستقر، من عدنت البلد إذا توطنته، ومنه معدن لمستقر الجواهر، و"معادن" خبر المبتدأ، ولا يصح حمله إلا بأحد الوجهين: إما على التشبيه، كقولك زيد أسد. وحينئذٍ يكون (كمعادن الذهب والفضة) بدلاً منه أي الناس كمعادن الذهب والفضة، وإما على أن المعادن مجاز عن التفاوت، فالمعنى: أن الناس متفاوتون في النسب بالشرف والضعة، مثل تفاوت المعادن في الذهب والفضة وما دونهما، يدل عليه قوله: ﵊ في حديث آخر: ((فعن معادن العرب تسألوني)) . أي أصولها التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها، وإنما جعلت معادن

стр. 307

خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) .رواه مسلم. ٢٠٣- (٦) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه ــ لما فيها من الاستعدات المتفاوتة، فمنها قابلة لفيض الله تعالى على مراتب المعادن، ومنها غير قابلة له. أو شبههم بالمعادن؛ لأنهم أوعية للشرف والعلوم والحكم، كما أن المعادن أوعية للجواهر النفيسة والفلزات المنتفع به. (خيارهم) جمع خير أو أريد به أفضل التفضيل، تقول في الواحد خير وأخير (في الجاهلية خيارهم في الإسلام) جملة مبنية، أي من كان من خيار القبائل في الجاهلية وكان يستعد لقبول المآثر وجميل الصفات والتفوق في الأقران لكنه كان في ظلمة الكفر والجهل مغموراً مستوراً، كما يكون الذهب والفضة في المعدن ممزوجاً مخلوطاً في التراب، كان في الإسلام كذلك، وفاق بتلك الاستعدادات والمآثر والصفات على أقرانه في الدين، وتنور بنور العلم والإيمان، وخلص في سبكة المجاهدة في العبادة كما يسبك الذهب والفضة. (إذا فقهوا) بكسر القاف أي فهموا، وبالضم أي صاروا فقهاء علماء بعلم الشريعة. والرواية بالضم وهو المناسب هنا. وهذا القيد يفيد أن الإسلام يرفع اعتبار التفاوت المعتبر في الجاهلية، فإن التفاوت في الإسلام بحسب الأحساب أي مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات، وفي الجاهلية بحسب الأنساب. ولا يعتبر هذا الثاني إلا بالأول، فإذا تحلى الرجل بالعلم والحكمة استجلب شرف النسب الأصلي، فيجتمع شرف النسب والحسب، ففيه دليل على أن الوضيع العالم أرفع من الشريف الجاهل، فالعلم والحكمة والحكمة يرفع كل من لم يرفع. (رواه مسلم) في الفضائل، لكن ليس فيه" كمعادن الذهب والفضة" والظاهر من كلام المصنف أن حديث أبي هريرة هذا من إفراد مسلم، وليس كذلك فإنه متفق عليه، أخرجه البخاري في ترجمة يوسف من كتاب الأنبياء، وليس فيه أيضاً "كمعادن الذهب والفضة"، نعم أخرجه أحمد بهذا اللفظ وزاد: ((والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ايتلف، وما تناكر منها اختلف)) . ٢٠٣- قوله: (لا حسد) هو تمنى زوال نعمة الغير سواء حصل له أم لا. والمراد به الغبطة وهي: تمني الرجل حصول مثلها له من غير أن يتمنى زوالها عن الغير، وأطلق الحسد عليه مجازاً، والدليل على ذلك ما زاد أبوهريرة في هذا الحديث عند البخاري "فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتى فلان فعملت مثل ما يعمل" فكأنه قال في حديث ابن مسعود هذا: لا غبطة أعظم أو أفضل أو محمودة إلا في هذين الأمرين. وقال التوربشتى: الظاهر أن المراد بالحسد صدق الرغبة وشدة الحرص، ولما كان هذان السببان هما الداعيين إلى الحسد كنى عنهما بالحسد- انتهى. والمقصود أنه لا تنبغي الغبطة في الأمور الخسيسة، وإنما تنبغي في الأمور الجليلة الدقيقة كالجود والعلم مع العمل. (إلا في اثنين) أي في شأن اثنين، وفي بعض النسخ "اثنتين" بالتأنيث، أي خصلتين اثنتين. (رجل) روى مجرورا على البدل من"اثنين" وهو أوثق الروايات، وعلى نسخة "اثنتين" بالتأنيث، يقدر "خصلة رجل" وروي أيضاً "رجل" مرفوعاً على أنه مبتدأ. (آتاه الله) بالمد أي أعطاه (مالاً) أي مالاً كثيراً. (فسلطه) عبر بالتسليط لدلالته على الغلبة وقهر النفس المجبولة على الشح البالع.

стр. 308

على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) متفق عليه. ٢٠٤- (٧) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) ــ (على هلكته) بفتحين أي إهلاكه يعني إنفاقه، وعبر بذلك ليدل على أنه لا يبقى منه شيئاً، وكمله بقوله (في الحق) أي في الطاعات ليزيل عنه إبهام الإسراف المذموم كما يقال: لا سرف في الخير. (الحكمة) اختلفوا في تفسيرها، فقيل: القرآن لأن اللام للعهد، وقيل: الإصابة من غير النبوة. (يقضي بها) أي يعمل بها ويحكم، والمراد أنه لا ينبغي أن يتمنى كونه كذى نعمة إلا أن تكون تلك النعمة مقربة إلى الله (ويعلمها) أي غيره (متفق عليه) وأخرجه أيضاً النسائي، وابن ماجه، وفي الباب عن ابن عمر عند الشيخين، وعن أبي هريرة عند البخار والنسائي. ٢٠٤- قوله: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله) أي أعماله بدليل الاستثناء، والمراد فائدة عمله؛ لانقطاع عمله، يعني لا يصل إليه أجر وثواب من شيء من عمله (إلا من ثلاثة) أي ثلاثة أشياء، فإن فائدتها لا تنقطع، قال السندهي: قوله: "انقطع عنه عمله" أي ثواب عمله، ولما كان هذا بمنزلة" انقطع الثواب من كل أعماله" تعلق به قوله: "إلا من ثلاثة" أي ثلاثة أعمال. وقيل: بل الاستثناء متعلق بالمفهوم، أي ينقطع ابن آدم من كل عمل إلا من ثلاثة أعمال. والحاصل: أن الاستثناء في الظاهر مشكل، وبأحد الوجهين المذكورين يندفع الإشكال – انتهى. وقال الأبهرى: "من" زائدة، والتنوين عوض عن الأعمال، وقيل: بل الضمير في "عنه" زائد ومعناه: إذا مات الإنسان انقطع عن أعماله إلا من ثلاثة أعمال. وقال الطيبي: الاستثناء متصل تقديره: ينقطع عنه ثواب أعماله من كل شيء كالصلاة والزكاة، ولا ينقطع ثواب أعماله من هذه الثلاثة، يعني أن الإنسان إذا مات لا يكتب له بعده ثواب أعماله؛ لأنه جزاء العمل، وهو ينقطع بموته إلا فعلاً دائم الخير مستمر النفع، مثل وقف أو تصنيف أو تعليم أو ولد صالح، وجعل الولد الصالح من جنس العمل؛ لأنه هو السبب في وجوده وسبب صلاحه بإرشاد إلى الهدى. وفائدة التقييد بالولد مع أن غيره لو دعا لنفعه، تحريض للولد على الدعاء وأنه كالواجب عليه – انتهى. مختصراً. (إلا من صدقة) الخ. بدل من قوله: "إلا من ثلاثة" وفي التكرير مزيد تقرير واعتناء بشأنه، وفي رواية أبي داود والنسائي "من صدقة" أي بدون لفظ "إلا" وفي رواية الترمذي "إلا من ثلاث صدقة" أي بغير لفظ "إلا" و"من" الجارة، فصدقة بالجر بدل من ثلاث (جارية) أي غير منقطعة كالوقف أو ما يديم للولي إجراءها عنه، وإليه يميل ترجمة النسائي وأبي داود بلفظ "باب الصدقة عن الميت"، وفي الأزهار: قال أكثرهم هي الوقف وشبهه مما يدوم نفعه. (أو علم ينتفع به) هو ما خلفه من تعليم أو تصنيف ورواية، وقال بعضهم: حمله على التأليف أقوى؛ لأنه أطول مدة وأبقى على ممر الزمان، المراد به العلم الشرعي. (أو ولد صالح يدعوا له) قال ابن الملك: قيد الولد بالصالح؛ لأن الأجر

стр. 309

رواه مسلم. ٢٠٥- (٨) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر ــ لا يحصل من غيره، وإنما ذكر دعاءه تحريضاً للولد على الدعاء لأبيه، حتى قيل: للوالد ثواب من عمل الولد الصالح سواء دعاء لأبيه أم لا. قال الشيخ ولي الدين: إنما أجرى على هؤلاء الثلاثة الثواب بعد موتهم لوجود ثمرة أعمالهم بعد موتهم كما كانت موجودة في حياتهم. وقال عياض: معنى الحديث أن عمل الميت منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها من اكتسابه الولد وبثة العلم عند من حمله عنه، أو إيداعه تأليفاً بقي بعده، وإيقافه هذه الصدقة. بقيت له أجورها ما بقيت ووجدت، ولا تنافي بين هذا الحصر وبين قوله ﷺ : ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها)) ؛ لأنه داخل في باب "علم ينتفع به" فإن وضع السنن وتأسيسها من باب التعليم المنتفع به، وكذا لا تنافي بينه وبين قوله: ((كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة)) ؛ لأن الحصر في حديث أبي هريرة يدل على أن الثواب بانضمام الغير يجري، كأنه قيل: ينقطع عمله المنضم إلى عمل الغير إلا عن ثلاث، والمرابطة ليست بداخلة فيها فلا يخل بالحصر. وقيل: المرابطة داخلة في الصدقة الجارية؛ لأن القصد في المرابطة نصرة المسلمين ودفع أعداء الدين، أو المجاهدة مع الكفار ودعوتهم إلى الإسلام لينتفعوا به في الدارين، ونية المؤمن خير من عمله، فلا يبعد أن يدخل تحت جنس "الصدقة الجارية" كحفر البئر وبناء الرباط. (رواه مسلم) في الوصايا، وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد، والترمذى في الأحكام، وأبوداود والنسائي كلاهما في الوصايا، وأخرج ابن ماجه معناه عن أبي قتادة وأبي هريرة في السنة. ٢٠٥- قوله: (كربة) ولو حقيرة، وهي بضم الكاف، الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب، وهو غم يأخذ بالنفس، وتنفيس الكربة أن يخفف عنه منها ويلطفها، والتفريج أعظم من ذلك، وهو أن يزيل عنه الكربة فتفرج عنه كربته ويزول همه وغمه، يدل على هذا الفرق حديث كعب بن عجرة عند الطبراني، فإنه جمع فيه بينهما، فجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج، وقيل: "نفس" ههنا بمعنى فرج، أي رفع وأزال. قال الطيبي: كأنه فتح مداخل الأنفاس، فهو مأخوذ من "أنت في نفس" أي سعة، كأن من كان في كربة سد عنه مداخل الأنفاس، فإذا فرج عنه فتحت، وهذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرت النصوص بهذا المعنى. (من كرب الدنيا) الفانية المنقضية، و"من" تبعيضية أو ابتدائية. (نفس الله عنه كربة) أي عظيمة (من كرب يوم القيامة) أي الباقية الدائمة، فلا يرد أنه تعالى قال: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [١٦٠:٦] فإنه أعم من أن يكون في الكمية أو الكيفية. (ومن يسر على معسر) أي سهل على فقير، يعني من كان له دين على فقير فسهل عليه بإمهال، أو بترك بعضه أو كله

стр. 310

يسرالله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بطأ به عمله ــ (يسرالله عليه في الدنيا والآخرة) أي في الدارين أو في أمورهما. (ومن ستر مسلماً) أي بثوب، أو بترك التعرض لكشف حاله بعد أن رآه يرتكب ذنباً. لكن الستر المندوب هو الستر على ذوي الهيئات ممن لا يعرف بالأذى والفساد، وأما المعروف به، أو المتلبس بالمعصية بعد فيجب إنكارها ورفع الأمر إلى الولاة إن لم يقدر على منعه. وأما جرح الرواة والشهود وأمناء الصدقات فواجب. (ستره الله) أي عورته أو عيوبه، ويجوز إرادة ظاهره وإرادة ستر ذنبه جميعاً. (والآخرة) يعني ستره عن أهل الموقف، أو ترك المحاسبة عليه وترك ذكرها. (والله في عون العبد) الواو للاستئناف، وهو تذييل للكلام السابق. (ما كان العبد) أي ما دام العبد مشغولاً (في عون أخيه) أي المسلم بأي وجه كان يجلب نفع أو دفع ضر. (ومن سلك طريقاً) حقيقياً حسياًً وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء أو معنوياً مثل حفظ العلم ومدارسته ومذاكرته ومطالعته وكتابته والتفهم له، ونحو ذلك من الطرق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم. (يلتمس) حال أو صفة (سهل الله به) أي بذلك السلوك، والباء للسببية (طريقاً إلى الجنة) أي يسهل له العلم الذي طلبه وسلك طريقه وبيسره عليه، فإن العلم طريق يوصل إلى الجنة، أو بيسرالله إذا قصد بطلبه وجه الله، الانتفاع به والعمل بمقتضاه، فيكون سبباً لهدايته ولدخول الجنة بذلك، وقد بيسرالله لطالب العلم علوماً أخر ينتفع بها، وتكون موصلة له إلى الجنة، أو يسهل له طريق الجنة الحسي يوم القيامة وهو الصراط وما قبله وما بعده من الأهوال فبيسر ذلك على طالب العلم للانتفاع به. (في بيت من بيوت الله) هو شامل لجميع ما يبنى لله تقرباً إليه من المساجد والمدارس والربط. (ويتدارسونه) قيل: شامل لجميع ما يتعلق بالقرآن من التعلم والتعليم والتفسير والاستكشاف عن دقائق معانيه. (السكينة) قيل في معنى السكينة أشياء، المختار منها أنها شيء من مخلوقات الله تعالى فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة، قاله النووي. (وغشيتهم الرحمة) أي علتهم وغطتهم وسترتهم (وحفتهم الملائكة) أي ملائكة الرحمة والبركة أحدقوا وأحاطوا بهم تعظيماً لصنيعهم، أو طافوا بهم وداروا حولهم إلى سماء الدنيا يستمعون القرآن ودراستهم. (وذكرهم الله فيمن عنده) أي الملأ الأعلى والطبقة الأولى من الملائكة، وذكره تعالى للمباهاة بهم. (ومن بطأ به عمله) بتشديد الطاء، من التبطئة ضد التعجيل كالإبطاء، والباء للتعدية أي من أخره عن بلوغ درجة السعادة عمله السيء في الآخرة، أو تفريطه في العمل الصالح

стр. 311

لم يسرع به نسبه)) رواه مسلم. ٢٠٦- (٩) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمته فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، ــ في الدنيا (لم يسرع به نسبه) من الإسراع، أي لم يقدمه نسبه، أي لم ينفعه في الآخرة شرف نسبه، فإن العمل الصالح هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله لم يسرع به نسبه فيبلغه تلك الدرجات، فإن الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب. (رواه مسلم) في الذكر والتوبة. وأخرجه أيضاً الترمذي في الحدود، وفي البر والصلة، وفي العلم، وفي أواخر القراءة مختصراً ومطولاً، وأبوداود في الأدب والعلم، والنسائي وابن ماجه في السنة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما. ٢٠٦- قوله: (يقضى عليه) قيل: هو صفة للناس؛ لأنه نكرة في المعنى، أي يحاسب ويسئل من أفعاله، قيل: ويستفاد منه أنه أول المقضى عليهم لا مطلقاً. (يوم القيامة) أي ثلاثة (رجل استشهد) على بناء المفعول أي قتل في سبيل الله (فأتي به) أي بالرجل للحساب. (فعرفه) بالتشديد، أي ذكره تعالى (نعمته) على صيغة المفرد ههنا والباقيتان على صيغة الجمع، ولعل الفرق اعتبار الإفراد في الأولى، والكثرة في الأخيرتين، كذا ذكره الطيبي. ولعل المراد بالكثرة أصناف العلوم والأموال، وهذا التعريف للتبكيت وإلزام المنعم عليه ولذلك أتبعه بقوله (فعرفها) بالتخفيف أي فاعترف بها وتذكرها فكأنه من الهول والشدة نسيها وذهل عنها. (فما عملت فيها) أي في مقابلتها شكراً لها (قال) أي الرجل (قاتلت فيك) أي جاهدت في جهتك خالصة لك، كذا ذكره الطيبي. أي حاربت لأجلك، ففي تعليلية. (كذبت) أي في دعوى الإخلاص (لأن يقال جريء) أي لأن يقال في حقك أنك أو هو جريء أي شجاع. (فقد قيل) أي ذلك القول في شأنك، فحصل مقصودك وغرضك. (ثم أمر به) أي قيل لخزنة جهنم: ألقوه في النار. (فسحب) أي جر. (ورجل تعلم العلم) الشرعي (وعلمه) الناس (وقرأ القرآن) تخصيص بعد تعميم، أو المراد به مجرد تلاوة القرآن، يعني التعلم والتعليم لم يمنعاه عن الاشتغال بالقرآن. (فأتى به) إلى محضر الحساب. (فما عملت فيها) أي هل صرفتها في مرضاتي أم في غيرها؟ (تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن) أي صرفت نعمتي التي أنعمت بها علي في الاشتغال بالعلم والعمل والقراءة

стр. 312

قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاءه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل. ثم أمر به فسحب به على وجهه ثم ألقي في النار)) رواه مسلم. ٢٠٧- (١٠) وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساً ــ ابتغاء لوجهك، وشكراً لنعمتك. (تعلمت العلم ليقال: إنك عالم) ولعله لم يقل "وعملت العلم ليقال إنك معلم" للاختصار، واكتفاء بالمقايسة. (فقد قيل) لك عالم وقارئ، فمالك عندنا أجر. (ورجل وسع الله عليه) أي كثر ماله (وأعطاه) عطف بيان (من أصناف المال كله) كالنقود، والمتاع، والعقار، والمواشي. (فما عملت فيها) أي في مقابلة النعم، أو في الأموال. (ما تركت من سبيل) "من" زائدة تأكيداً لاستغراق النفي. (قال: كذبت) أي في قولك "لك" (هو جواد) أي سخي كريم. والحديث دليل على وجوب الإخلاص في الأعمال، وهو كما قال تعالى: ﴿وما أمرو إلا ليعبدوالله مخلصين له الدين﴾ [٥:٩٨] ، وأن العمومات الواردة في فضل الجهاد، وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات، كل ذلك محمول على من فعل ذلك لله تعالى مخلصاً. (رواه مسلم) في الجهاد، وأخرجه أيضاً النسائي. قال المنذري: ورواه الترمذي، وحسنه ابن حبان في صحيحه كلاهما بلفظ واحد. ٢٠٧- قوله: (قال رسول الله ﷺ ) أي في حجة الوداع. (إن الله لا يقبض العلم) أي علم الكتاب والسنة (انتزاعاً) مفعول مطلق عن معنى يقبض، نحو قعد جلوساً. وقوله (ينتزعه من العباد) جملة مستأنفة لبيان القبض انتزاعاً، أي يرفعه عن قلوبهم. وقيل: صفة لانتزاعاً. والظاهر أن ضميره للعلم لا للانتزاع، فلا يصلح أن يكون صفة للانتزاع لعدم العائد، فليتأمل. أو هو مفعول مطلق مقدم، والجملة حالية، أي لا يقبض العلم حال كون العلم ينتزعه انتزاعاً من العباد، أو حال من العلم بمعنى منتزعاً أي لا يقبض العلم حال كونه منتزعاً ينتزعه من العباد. (ولكن يقبض العلم) أي يرفعه (بقبض العلماء) أي بموتهم وقبض أرواحهم. (حتى) ابتدائية دخلت على الجملة (إذا لم يبق) الله (عالماً) وفي رواية "لم يترك عالماً" ولفظه "حتى" تدل على أن ذلك واقع بالتدريج كما أن "إذا" تدل على أنه واقع لا محالة. (رؤساء) ضبط في مسلم بوجهين: أحدهما بضم الهمزة والتنوين جمع رأس، أي سادة كبراء عظماء، والثاني رؤساء جمع رئيس، وكلاهما صحيح، والأول

стр. 313

جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) متفق عليه. ٢٠٨- (١١) وعن شقيق قال: كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس. فقال له رجل: يا أباعبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا في كل يوم. قال: ((أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإن أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا)) ــ أشهر (جهالاً) جمع جاهل، وهو صفة "رؤساء" وهذا يكون عند انقراض العالم مطلقاً. (فأفتوا) أي أجابوا وحكموا. قال العيني: لا يختص هذا بالمفتين، بل عام للقضاة الجاهلين، إذا لحكم بالشيء مستلزم للفتوى به (بغير علم) وفي رواية "برأيهم" وفي الحديث الحث على العلم والتحذير عن ترئيس الجهلة وذم من يقدم على الإفتاء بغير علم. (فضلوا) أي صاروا ضالين بالفتوى بغير علم (وأضلوا) أي صاروا مضلين لغيرهم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في العلم، وفي الاعتصام، ومسلم في العلم، وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، والنسائي في العلم، وابن ماجه في السنة. ٢٠٨- قوله: (وعن شقيق) هو ابن سلمة يكنى أباوائل الأسدي، ثقة حجة، مخضرم، روى عن خلق من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، وابن مسعود وكان خصيصاً به، من أكابر أصحابه، وهو كثير الحديث. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. (يذكر الناس) بالتشديد، أي يعظهم (في كل خميس) احتمل عمل ابن مسعود مع استدلاله أن يكون اقتدى بفعل النبي حتى في اليوم الذي عينه، واحتمل أن يكون اقتدى بمجرد التخلل بين العمل والترك الذي عبر عنه بالتخول. (فقال له رجل) قال الحافظ: هذا المبهم يشبه أن يكون هو يزيد بن معاوية النخعي، وفي سياق البخاري في أواخر الدعوات ما يرشد إليه. (يا أبا عبد الرحمن) هو كنية ابن مسعود (لوددت) أي أحببت أو تمنيت. (أنك ذكرتنا في كل يوم) قاله استحلاءً للذكر لما وجد من بركته ونوره. (قال) أي ابن مسعود (أما) بمعنى "ألا" للتنية (إنه) بكسر الهمزة والضمير للشأن (يمنعنى من ذلك) أي من التذكير كل يوم (أنى أكره) بفتح الهمزة فاعل "يمنعني" أي كراهتي (أن أمِلَّكُم) بضم الهمزة وكسر الميم وتشديد اللام المفتوحة، أي أكره إملالكم يعني إيقاعكم في الملالة والضجر، (وإني) بكسر الهمزة عطف على "إنه" أو حال (أتخولكم) من التخول وهو التعهد وحسن الرعاية. (كما كان) الخ. الكاف للتشبيه، و"ما" مصدرية. (يتخولنا) أي يتعهدنا. والمعنى: كان يراعي الأوقات في تذكيرنا، ويتحرى منها ما كان مظنة القبول، ولا يفعل ذلك في كل يوم لئلا نمل ونسأم. (مخالفة السآمة) بالنصب مفعول له، أي لأجل مخافة السآمة من الموعظة. (علينا) متعلق بالسآمة على تضمين معنى المشقة، أي مخافة المشقة علينا، أو بتقدير الصفة، أي مخافة السآمة الطارئة علينا، أو الحال أي مخافة السآمة حال كونها طارئة علينا، أو بمحذوف أي مخافة السآمة شفقة علينا. وفي الحديث الاقتصاد في الموعظة لئلا تملها القلوب فيفوت المقصود. واستنبط البخاري منه التعهد والتخول بالعلم

стр. 314

متفق عليه. ٢٠٩- (١٢) وعن أنس قال: ((كان النبي ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً)) رواه البخاري. ٢١٠- (١٣) وعن أبي مسعود الأنصاري قال: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إنه ــ والاقتصاد فيه كيلا ينفر الطلبة، وأخذ من صنيع ابن مسعود في تذكيره كل خميس أو من استنباطه ذلك من الحديث الذي رواه، جواز أن يجعل الشيخ لأهل العلم يوماً معلوماً أو أياماً معلومة. (متفق عليه) أخرجه البخاري في العلم، وفي الدعوات، ومسلم في التوبة. وأخرجه أيضاً الترمذي في أواخر الاستئذان. ٢٠٩- قوله: (إذا تكلم بكلمة) المراد بها ما يشمل الجملة والجمل. وجزاء الجملة (أعادها ثلاثاً) أي ثلاث مرات. قال البدر الدماميني: لا يصح أن يكون "أعاد" مع بقائه على ظاهره عاملاً في "ثلاثاً" ضرورة أنه يستلزم قول تلك الكلمة أربع مرات، فإن الإعادة ثلاثاً إنما تتحقق بها، إذا المرة الأولى لا إعادة فيها، فإما أن تضمن معنى "قال" ويصح عملها في "ثلاثاً" بالمعنى المضمن، أو يبقى "أعاد" على معناه ويجعل العامل محذوفاً، أي أعادها فقالها ثلاثاً، فلم تقع الإعادة إلا مرتين- انتهى. والمراد أنه كان يكرر الكلام ثلاثاً إذا اقتضى المقام ذلك لصعوبة المعنى، أو غرابته أو كثرة السامعين لا دائماً، فإن تكرير الكلام من غير حاجة لتكريره ليس من البلاغة، فيحمل الحديث على المواضع المحتاجة إلى الإعادة لا على العادة، وإلا لما كان لذكر عدد الثلاث في بعض المواضع كثير فائدة، مع أنهم يذكرون في الأمور المهمة أنه قالها ثلاثاً كما لا يخفى. فإن قلت: عنوان هذا الكلام يفيد الاعتياد. قلت: لو سلم يمكن أن يقال: كان عادته الإعادة في كلمة مهمة لا في كل كلمة، على أن تنكير كلمة للتعظيم، وفيه دليل على أنه ينبغي للمعلم أن يكرر الكلام في المواضع المهمة المحتاجة إلى الاهتمام، وكذا إذا كان المستفيد لا يحفظ من مرة. (حتى تفهم) أي لكي تعقل تلك الكلمة. (عنه) أي فهماً قوياً راسخاً في النفس. (وإذا أتى على قوم فسلم عليهم) أي فأراد السلام عليهم (سلم عليهم ثلاثاً) أحدها للاستئذان، والثاني عند الدخول، والثالث عند الوداع، وكل سنة، وقيل: المعنى أن القوم إذ كانوا كثيرين بحيث لا يبلغهم سلام واحد، فإذا دخل عليهم سلم ثلاثاً أي في الجوانب الثلاث، وقيل: هديه في التسليم الثاني والثالث إن ظن أن الأول لم يحصل به الإسماع، كما سلم لما انتهى إلى المنزل سعد بن عبادة ثلاثاً، فلما لم يجبه أحد رجع. (رواه البخاري) في العلم، وفي الاستئذان، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في الاستئذان، وفي المناقب، والحاكم في المستدرك (ج٤:ص٢٧٣) ، ووهم في استدراكه. ٢١٠- قوله: (وعن أبي مسعود الأنصاري) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة، أبومسعود الأنصاري البدري الصحابي الجليل، مشهور بكنيته، اتفقوا على أنه شهد العقبة وأحداً وما بعدها، ونزل الكوفة من أصحاب علي، واختلفوا

стр. 315

أبدع بي فاحملني. فقال: ما عندي. فقال رجل: يا رسول الله ﷺ : أنا أدله على من يحمله. فقال رسول الله ﷺ : من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) رواه مسلم. ٢١١- (١٤) وعن جرير قال: ــ في شهوده بدراً فقال الأكثر: نزل ماء ببدر فنسب إليه، وجزم البخاري بأنه شهد غزوة بدر، واستدل بأحاديث أخرجها في صحيحه. وقال أبوعبيد القاسم بن سلام ومسلم في الكنى: شهد بدراً. وقال ابن البرقي: لم يذكره ابن إسحاق في البدريين. وورد في عدة أحاديث أنه شهدها. قلت: القول ما قال البخاري؛ لما يدل عليه الأحاديث الصحيحة. وروي له مائة وحديثان، اتفقا على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بسبعة. روى عنه ابنه بشير وخلق سواه. مات بعد الأربعين بالكوفة، وقيل: بالمدينة. (أبدع بي) على بناء المفعول، يقال: أبدعت الراحلة إذا انقطعت عن السير مكلال. جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه إبداعاً عنها، أي إنشاء أمر خارج عما أعتيد منها. ويقال: أبدع بالرجل إذا كلت ركابه أو عطبت وبقي منقطعاً به. ولما حول للمفعول صار الظرف نائبه كسير بعمرو. (فاحملني) بهمزة الوصل أي أركبني واجعلني محمولاً على دابة غيرها. (فقال) ﷺ (ما عندي) أي لا أجد ما أحملك عليه. (من دل) أي بالقول أو الفعل أو الإشارة أو الكتابة (على خير) أي علم أو عمل مما فيه أجر وثواب. (فله) أي فللدال (مثل أجر فاعله) أي من غير أن ينقص من أجره شيء، قاله القاري. وقال المناوي: فله مثل أجر فاعله أي لإعانته عليه. وهذا إذا حصل ذلك الخير وإلا فله ثواب دلالته. قال النووي: المراد أن له ثواباً بذلك كما أن لفاعله ثواباً. ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء – انتهى. وذهب بعض الأئمة إلى أن المثل المذكور في هذا الحديث ونحوه إنما هو بغير تضعيف. وقال القرطبي: إنه مثله سواء في القدر والتضعيف؛ لأن الثواب على الأعمال إنما هو تفضل من الله، يهبه لم يشاء وعلى أي شيء صدر منه خصوصاً إذا صحت النية التي هي أصل الأعمال في طاعته عجز عن فعلها لمانع منع منها. فلا بُعد في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر والفاعل أو يزيد عليه، قال: وهذا جارٍ في كل ماورد مما يشبه ذلك الحديث، كذا في السراج المنير. (رواه مسلم) في الجهاد، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في العلم، وأبوداود في الأدب، وورد معناه عن ابن مسعود عند ابن حبان في صحيحه والبزارة، وعن أنس عند الترمذي والبزار وابن أبي الدنيا، وعن بريدة بن الحصيب عند أحمد والضياء، وعن سهل بن سعد عند الطبراني في الكبير والأوسط. ٢١١- قوله: (وعن جرير) بن عبد الله بن جابر البجلي القسري أبوعمرو أو أبوعبد الله اليماني، أسلم سنة عشر، وبسط له النبي ﷺ ثوباً، ووجهه إلى ذي الخلصة فهدمها. روى الشيخان وغيرهما عنه، قال: ماحجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم. وشهد فتح المدائن، وكان على ميمنة الناس يوم القادسية، ويلقب بيوسف هذه الأمة. وقال عبد الملك بن عمير: رأيت جرير بن عبد الله وكأن وجهه شقة قمر. له مائة حديث، اتفقا على ثمانية

стр. 316

((كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ ، فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعّر وجه رسول الله ﷺ ؛ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ إلى آخر الآية ﴿إن الله كان عليكم رقيباًْْ﴾ والآية التي في الحشر: ﴿اتقوالله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ تصدق رجل من ديناره، ــ وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة. مات سنة (٥١) ، وقيل: بعدها، روى عنه خلق كثير. (كنا في صدر النهار) أي أوله (عراة) جمع عار، أي يغلب عليهم العري، حال كونهم (مجتابى) بالجيم الساكنة وبعد الألف باء موحدة، من الاجتياب. (النمار) بكسر النون جمع نمرة بالفتح، وهي كساء مخطط من صوف، أي لابسي النمار قد خرقوها في رؤسهم وقوروا وسطها، والجوب القطع. (أو العباء) بفتح العين كساء معروف و"أو" للشك من الراوي. (عامتهم) أي أكثرهم أو غالبهم. (بل كلهم من مضر) قال السندهي: إضراب إلى التحقيق، ففيه أن قوله "عامتهم" كان عن عدم التحقيق، واحتمال أن يكون البعض من غير مضر أول الوهلة. (فتعمر) أي تغير (وجه رسول الله ﷺ ) أي وظهر عليه آثار الحزن. (من الفاقة) أي الفقر الشديد، و"من" بيان "لما". (فدخل) أي بيته، لعله لاحتمال أن يجد في البيت ما يدفع به فاقتهم، فعله ما وجد فخرج، أو دخل لتجديد الطهارة، والله أعلم. (فأمر بلالاً) أي بالأذان (فصلى) أي إحدى الصلوات المكتوبة بدليل الأذان والإقامة، والظاهر أنها الظهر لقوله "في صدر النهار". (فقال: يا أيهاالناس اتقوا ربكم) الخ. سبب قراءة هذه الآية وهي أول النساء أنها أبلغ في الحث على الصدقة عليهم؛ ولما فيها من تأكد الحق لكونهم إخوة. (إلى آخر الآية) وتمامها ﴿وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، واتقوا الله الذي تسألون به والأرحام﴾ [١:٤] ﴿إن الله كان عليكم رقيباً﴾ بيان لآخر الآية. (والآية التي في الحشر) بالنصب عطفاً من حيث المعنى على قوله: ﴿ياأيها الناس اتقوا﴾ على تأويل "قال" بقرأ. أي قرأ هذه الآية والآية التي في سورة الحشر، قاله الطيبي. وأولها ﴿ياأيها الذين آمنوا﴾ وبعده ﴿اتقوالله ولتنظر نفس﴾ نكرة تفيد العموم، أي كل نفس، كقوله تعالى: ﴿علمت نفس﴾ [٥:٨٢] أي لتتفكر وتتأمل النفوس. ﴿ما قدمت﴾ أي أى شيء من العبادات والخيرات أرسلته إلى الآخرة ﴿لغد﴾ أي لنفع غد من الزمان، وهو يوم القيامة، وتمامها ﴿واتقوالله، إن الله خبير بما تعملون﴾ [١٨:٥٩] . (تصدق رجل من ديناره) بفتح القاف صيغة ماضٍ بمعنى الأمر، ذكر بصيغة الإخبار مبالغة فكأنه أمره وامتثل به فأخبر عنه به، وبه اندفع قول الطيبي: لوحمل "تصدق" على الماضي لم يساعده قوله: "ولو بشق تمرة"؛ لأن ذلك لو كان إخباراً معنى، وأما إذا كان أمراً معنى فلا. قلت: قال الطيبي: لعل الظاهر "ليتصدق رجل" ولام الأمر للغائب محذوف والقاف ساكنة، وجوزه ابن الأنبارى،

стр. 317

من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب. حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام ــ ونقل عن بعض أهل اللغة أن "نبك" في "قفا نبك" مجزوم على تأويل الأمر، أي فلنبك واحتج بقوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا﴾ [٣:١٥] أي فليأكلوا، ولو حمل "تصدق" على الفعل الماضي لم يساعده قوله: ولو بشق تمرة، إذا المعنى ليتصدق رجل ولو بشق تمرة، وكذا قوله: "فجاء رجل" الخ.؛ لأنه بيان لامتثال أمره ﵇ عقيب الحث على الصدقة، ولمن يجريه على الإخبار وجه لكن فيه تعسف غير خاف- انتهى. قال الأبهرى: ويأبى عن الحمل على حذف اللام عدم حرف المضارعة- انتهى. فيتعين حمله على أنه خبر لفظاً وأمر معنى، وإتيان الإخبار بمعنى الإنشاء كثير في الكلام ليس فيه تكلف فضلاً عن تعسف. قال الطيبي: و"رجل" نكرة وضعت موضع الجمع المعرف لإفادة الاستغراق في الإفراد وإن لم تكن في سياق النفي كشجرة في قوله: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ [٢٧:٣١] ، فإن "شجرة" وقعت موضع الأشجار. ومن ثم كرر في الحديث مراراً بلا عطف، أي ليتصدق رجل من ديناره، ورجل من درهمه، وهلم جرا، و"من" في "من دينار" إما تبعيضية أي ليتصدق مما عنده من هذا الجنس، وإما ابتدائية متعلقة بالفعل، فالإضافة بمعنى اللام، أي ليتصدق بما هو مختص به وهو مفتقر إليه. (حتى قال) أي النبي ﷺ ليتصدق كل رجل منكم. (ولو بشق تمرة. قال) أي الراوى وهو جرير (بصرة) بالضم أي ربطة من الدراهم لا من الدنانير على الظاهر. (تعجز عنها) أي عن حمل الصرة لثقلها لكثرة ما فيها. (ثم تتابع الناس) أي توالوا في إعطاء الصدقات. (كومين) الكوم بالضم العظيم من كل شيء، والكوم بالفتح المكان المرتفع كالرابية. قال القاضي: الفتح هنا أولى؛ لأن مقصوده الكثرة والتشبيه بالرابية. (من طعام) الظاهر أنه هنا حبوب، ولعل الاقتصار عليه من غير ذكر النقود لغلبته. (يتهلل) أي يستنير فرحاً وسروراً. (مذهبة) بضم الميم وسكون الذال المعجمة وفتح الهاء بعده موحدة أي فضة مذهبة أي مموهة بالذهب، ومعناه ظهور البشر في وجهه ﷺ حتى استنار وأشرق من السرور، والمذهبة أيضاً صحيفة منقشة بالذهب، أو ورقه من القرطاس مطلية بالذهب، يصف حسنه وتلألؤه. (من سن في الإسلام سنة حسنة) أي أتى بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين، أو صار باعثاً وسبباً لترويج أمر ثابت في الشرع (فله أجرها) أي أجر السنة أي ثواب العمل بها والإضافة لأدنى ملابسة، فإن السنة سبب ثبوت الأجر فجازت الإضافة. (من بعده) أي من بعد ما سن (من غير أن ينقص) على البناء للمفعول، وجوز

стр. 318

سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) رواه مسلم. ٢١٢- (١٥) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل)) متفق عليه. وسنذكر حديث معاوية ((لا يزال من أمتي)) في باب ثواب هذه الأمة إن شاءالله تعالى. ﴿الفصل الثاني﴾ ٢١٣- (١٦) عن كثير بن قيس قال: ((كنت جالسا مع أبي الدرداء ــ أن يكون معلوماً؛ لأنه متعدٍ ولازم. (سنة سيئة) أي طريقة غير مرضية لا يشهد لها أصل من أصول الدين يعني بدعة شرعية. (من أوزارهم) جمع في الموضعين باعتبار معنى "من" كما أفرد في "ينقص" باعتبار لفظه. وفي الحديث الحث على البداءة بالخير ليستن به، والتحذير من البداءة بالشر خوف أن يستن به، ووجه المناسبة بالعلم أن استنان السنن المرضية من باب العلم المنتفع به. (رواه مسلم) في الزكاة وفي العلم، وأخرجه أيضاً النسائي في الزكاة مطولاً، والترمذي في العلم، وابن ماجه في السنة مختصراً أي بدون القصة. ٢١٢- قوله: (ظلماً) نصب على التمييز (إلا كان على ابن آدم الأول) صفة لابن، والمراد الأول من القتلة، أي الذي هو قاتل أولاً، لا أول الأولاد. قيل: هو قابيل قتل أخاه هابيل. ﴿إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر﴾ [٢٧:٥] . وراجع للتفصيل إلى كتب التفسير. (كفل) أي نصيب (من دمها) أي دم النفس (لأنه أول من سن القتل) فهو متبوع في هذا الفعل، وللمتبوع نصيب من فعل تابعه وإن لم يقصد التابع إتباعه في الفعل. (متفق عليه) أخرجه البخاري في خلق آدم، وفي الديات، وفي الاعتصام. ومسلم في الحدود، وأخرجه أيضاً الترمذي في العلم، والنسائي في المحاربة، وابن ماجه في الحدود. ٢١٣- قوله: (عن كثير بن قيس) الشامي، ويقال: قيس بن كثير. والأول أصح، ضعيف من أوساط التابعين. قال في تهذيب التهذيب: روى عن أبي الدرداء في فضل العلم، وعنه داود بن جميل، جاء في أكثر الروايات أنه كثير بن قيس على اختلاف في الإسناد إليه، وتفرد محمد بن يزيد الواسطي في إحدى الروايتين عنه بتسمية قيس بن كثير، وهو وهم. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سميع: أمره ضعيف لم يثبته أبوسعيد يعني دحيماً. وقال الدارقطني: ضعيف. ووقع لابن قانع وهم بحت عجيب في معجم الصحابة فإن الحديث وقع له بدون ذكر أبي الدرداء

стр. 319

في مسجد دمشق، فجاءه رجل فقال: يا أبالدرداء إني جئتك من مدينة الرسول ﷺ لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ ما جئت لحاجة. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، ــ فيه، فذكر كثيراً بسب ذلك في الصحابة فأخطأ-انتهى. (في مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح الميم وبكسر، أي الشام (يا أباالدرداء) يقرأ الهمزة بعد حرف النداء ولا يكتب رسماً. (لحديث) أي لأجل تحصيل حديث (بلغني أنك تحدثه) أي ذلك الحديث (عن رسول الله ﷺ ) يحتمل أن يكون سمعه إجمالاً، أو أراد أن يسمعه بلا واسطة لإفادة العلم وزيادة الطمأنينة، أو لعلو الإسناد فإنه من الدين. (ماجئت) إلى الشام (لحاجة) أخرى غير أن أسمعك الحديث. (قال) أي أبوالدرداء (فإني سمعت رسول الله ﷺ ) يحتمل أن هذا الحديث هو الحديث المطلوب للرجل أو غيره. ذكره تبشيراً له وترغيباً في مثل ما فعل. (من سلك طريقاً يطلب فيه) أي في ذلك الطريق (علماً) . قال الطيبي: إنما أطلق الطريق والعلم ليشملا في جنسهما، أي طريق كان من مفارقة الأوطان والضرب في البلدان إلى غير ذلك، وأي علم كان من علوم الدين قليلاً كان أو كثيراً. (سلك الله به طريقاً) الضمير المجرور عائد إلى "من" والباء للتعدية، أي جعله سالكاً ووفقه أن يسلك طريق الجنة. وقيل: عائد إلى العلم، والباء للسبية، و"سلك" بمعنى سهل، والعائد إلى من محذوف، والمعنى: سهل الله له بسبب العلم طريقاً، فعلى الأول "سلك" من سلوك، وعلى الثاني من السلك، والمفعول محذوف، كقوله تعالى: ﴿يسلكه عذاباً صعداً﴾ [١٧:٢٧] . وعلى التقديرين نسبة "سلك" إلى الله تعالى على سبيل المشاكلة، كذا قاله الطيبي. وهو إما كناية عن التوفيق للخيرات في الدنيا، أو عن إدخال الجنة بلا تعب في الآخرة. (وإن الملائكة لتضع أجنحتها) جمع جناح بالفتح، وهو محمول على الحقيقة وإن لم يشاهد، أي تفرشها لتكون وطاء له إذا مشى، أو تكفها عند الطيران وتنزل عند مجالس العلم لسماعه، أو تبسطها له لتحمله عليها وتبلغه حيث يريد من البلاد، ومعناه المعونة في طلب العلم، أو هو مجاز عن التواضع توقيرً لعلمه وتعظيماً لحقه ومحبة للعلم. (رضاً) حال أو مفعول له على معنى إرادة رضاً ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل به. (لطالب العلم) متعلق برضا (ليستغفر له) إذا لحقه ذنب، ومجازاة على حسن صنيعه بإلهام من الله تعالى إياهم ذلك، وذلك لعموم نفع العلم، فإن مصالح كل شيء ومنافعه منوطة به، وهو محمول على الحقيقة. (والحيتان) جمع الحوت، قال الطيبي: ذكر الحيتان بعد ذكر الملائكة والثقلين تنميم لاستيعاب جميع الحيوانات على طريق "الرحمن الرحيم"، كما بيناه في فتوح الغيب، وأما تخصيص الحيتان فللدلالة على أن إنزال المطر ببركتهم حتى أن الحيتان تعيش بسببهم كما ورد: ((بهم تمطرون وبهم ترزقون)) .

стр. 320

وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) رواه أحمد والترمذي، وأبوداود، وابن ماجه، والدارمي. وسماه الترمذي قيس بن كثير. ٢١٤- (١٧) وعن أبي أمامة الباهلي قال: ((ذكر لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ثم قال رسول الله ﷺ : ــ (وإن فضل العالم) والمراد به من غلب عليه الاشتغال بالعلم على عبادته النافلة. (على العابد) المراد به من غلب عبادته على الاشتغال بالعلم. (كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) شبه العابد بالكواكب؛ لأن كمال العبادة ونورها لا يتعدى منه على غيره. وشبه العالم بالقمر الذى يتعدى نوره ويستضيء به وجه الأرض؛ لأن كمال العلم ونوره يتعدى إلى غيره فيستضيء بنوره المتلقى عن النبي ﷺ الذي هو شمس العلم والدين، وإنما قيده بليلة البدر لكمال إضاءة القمر فيها وانمحاء الكواكب في شعاعها. (ورثة الأنبياء) لم يقل ورثة الرسل ليشمل الكل. (وإن الأنبياء لم يورثوا) بالتشديد (ديناراً ولا درهماً) أي شيئاً من الدنيا. وخصا لأنهما أغلب أنواعها. والمراد أنهم ما ورثوا أولادهم وأزواجهم شيئاً من ذلك، بل بقي بعدهم إن بقي شيء معداً لنوائب المسلمين. (وإنما ورثوا) من التوريث (فمن أخذه) أي العلم (أخذ بحظ وافر) أي أخذ حظاً وافراً يعني نصيباً تاماً. والباء زائدة للتأكيد. (رواه أحمد) (ج٥:ص١٩٦) (والترمذي وأبوداود) في العلم (وابن ماجه) في السنة (والدارمي) في العلم. (وسماه) أي سمى الراوي عن أبي الدرداء (الترمذي) في روايته، وكذا أحمد في طريق له (قيس بن كثير) وهو وهم من أحد الرواة، والصحيح كثير بن قيس. قال المنذري في الترغيب: وقد اختلف في هذا الحديث اختلافاً كثيراً ذكرت بعضه في مختصر السنن وبسطته في غيره- انتهى، فمن شاء الوقوف على ذلك فليرجع إلى مختصر السنن. وسند الترمذي منقطع بين عاصم بن رجاء وقيس بن كثير لعدم ذكر واسطة داود بن جميل بينهما. ورواه أبوداود، وابن ماجه، والدارمي، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي في الشعب، وكذا أحمد في طريق له متصلاً بذكر الواسطة، وهذا أرجح. ٢١٤- قوله: (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة (الباهلي) نسبة إلى باهلة بكسر الهاء، قوم، وأبو أمامة كان سيدهم. (ذكر) على البناء للمفعول (الرسول الله ﷺ رجلان) أي بوصف الكمال، وهو يحتمل أن يكون تمثيلاً، وأن يكونا موجودين في الخارج قبل زمانه أو في أوانه، ويؤيد الثاني ما ذكر في الفصل الثالث من رواية الحسن مرسلاً قال: سئل رسول الله ﷺ عن رجلين كانا في بني إسرائيل أحدهما كان عالماً، الخ (فضل العالم) بالعلم الشرعي مع القيام بفرائض العبودية. (على العابد) أي على المتجرد للعبادة بعد تحصيل قدر الفرض من العلوم. (كفضلي على أدناكم) أي نسبة طرف
следующие страницы →