← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فإنما أنا بشر)) . رواه مسلم. ١٤٨ - (٩) وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أتى قوماً، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء. فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا. ــ المذكور قبله، مع أن لفظة الرأي إنما أتى بها عكرمة على المعنى، لقوله في آخر الحديث "قال عكرمة أو نحو هذا" فلم يخبر بلفظ النبي ﷺ محققاً، قاله النووى. (فإنما أنا بشر) جزاء للشرط على تأويل "وإذا أمرتكم بشيء من رأيي وأخطئي فلا تستبعدوه، "فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب" كما في رواية طلحة عند أحمد: والظن يخطئ ويصيب. وفي حديث طلحة عند مسلم: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به. وفي حديث عائشة وأنس عند مسلم أيضاً: أنتم أعلم بأمور دنياكم. قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبراًً، وإنما كان ظناً كما بيّنه. قالوا: ورأية ﷺ في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك, وسببه تعلق هممه بالآخرة ومعارفها، وعدم الالتفات إلى الأمور الدنيوية. (رواه مسلم) في الفضائل، وله شاهد من حديث طلحة عند أحمد ومسلم وابن ماجه، ومن حديث عائشة عند مسلم، وابن ماجه. ١٤٨- قوله: (إنما مثلي) المثل الصفة العجيبة الشأن، يوردها البليغ على سبيل التشبيه لإرادة التقريب والتفهيم (أتى قوماً) أي لينذرهم بقرب عدوهم (بعيني) للتأكيد، ودفع المجاز، وهو بالتثنية وتشديد الياء الأخيرة (إني أنا النذير العريان) بضم العين وسكون الراء بعدها تحتية، من التعري، قيل: الأصل فيه أن رجلاً لقى جيشا فسلبوه وأسروه، فانفلت إلى قومه فقال: إني رأيت الجيش فسلبوني، فرأوه عرياناً فتحققوا صدقه؛ لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة، ولا جرت عادته بالتعري، فقطعوا صدقه بهذه القرائن، فضرب النبي ﷺ لنفسه ولما جاء به مثلاً بذلك لما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على صدقة تقريباً لأفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه. وقيل: المراد المنذر الذي تجرد عن ثوبه، وأخذ يرفعه ويديره حول رأسه إعلاماً لقومه بالغارة. وكان من عادتهم أن الرجل، إذا رأى الغارة فجأتهم، وأراد إنذار قومه يتعرى من ثيابه، ويشير بها ليعلم أن قد فجأهم أمر مهم، ثم صار مثلاً لكل ما يخاف مفاجأته. (فالنجاء النجاء) بالمد والهمز فيهما، وبالقصر فيهما، وبمد الأولى وقصر الثانية تخفيفاً، مصدر نجا إذا أسرع، نصب على الإغراء أي الطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب، إشارة إلى أنهم لا يطيقون مقاومة ذلك الجيش، أو على المصدر أي أنجوا النجاء، وهو الإسراع، كرر للتأكيد (فأطاعه) الإطاعة تتضمن التصديق فيحسن مقابلته بقوله: "كذبت". (فأدلجوا) من الإدلاج بهمزة قطع، أي ساروا أول الليل أو كله (على مهلهم) بفتح الميم والهاء ويسكن، أي بالسكينة والتأني

стр. 247

وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق)) . متفق عليه. ١٤٩- (١٠) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثلي كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم ــ (وكذبت) التكذيب يستتبع العصيان. (فأصبحوا مكانهم) أي دخلوا وقت الصباح في مكانهم (فصبحهم الجيش) أي أتاهم صباحاً للغارة، هذا أصله ثم كثر استعماله حتى استعمل في من طرق بغتة في أي وقت كان. (واجتاحهم) بالجيم في الأولى، والمهملة في الثانية، أي استأصلهم وأهلكهم بالكلية بشئوم التكذيب. (فذلك مثل من أطاعني ... ) إلخ، قيل: هذا من التشبيهات المفروقة، شبه ذاته ﷺ بالرجل، وما بعثه الله به من إنذار القوم بعذاب الله القريب، بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه، بمن صدق الرجل في إنذاره وكذبه. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الرقاق، وفي الاعتصام، ومسلم في الفضائل. ١٤٩- قوله: (استوقد) أي أوقد، وزيدت السين للتأكيد. (أضاءت) الإضافة فرط الإنارة (ماحولها) هذه رواية مسلم، والضمير للنار، و"أضاءت" متعدية أي أضاءت النار جوانب تلك النار، وفي رواية البخاري "ماحوله" فالضمير للمستوقد، ويجوز أن تكون أضاءت غير متعدية فيسند الفعل إلى "ما" على تأويل: أضاءت الأماكن التي حول النار أو حول المستوقد. قال القاري: ما ظهر لي وجه عدول صاحب المشكاة إلى رواية مسلم عن رواية البخاري مع كونها أصح، ومع ثبوت موافقتها للفظ القرآن الأفصح، ودلالتها على المقصود بالطريق الأوضح، مع قوله: في آخر الحديث: هذه رواية البخاري - انتهى. (جعل) أي شرع (الفراش) بفتح الفاء وتخفيف الراء دوبية طير تتساقط في النار، يقال في الفارسية: بروانة. (وهذه الدواب) قيل: عطف تفسير للفراش، وأنثه نظر لخبره أو لكون الفراش اسم جنس. وقال ابن الملك: إشارة إلى غير الفراش (التي تقع في النار) أي عادتها إلقاء نفسها في النار، كالبرغش والجندب ونحوهما. (يقعن) أي الفراش والدواب (وجعل) المستوقد (يحجز هن) بضم الجيم، أي يمنعهن من الوقوع فيها. وفي البخاري "يزعهن" بالتحتانية والزاي وضم المهملة أي يدفعهن (ويغلبنه) أي على الوقوع فيها. (فيتقحمن فيها) أي يدخلن فيها بشدة ومزاحمة، من التقحم، وهو الإقدام والوقوع في أمر شاق من غير روية وتثبت، وفي البخاري "فيتقحمن" من الاقتحام. (فأنا) الفاء فصيحة، أي إذا صح هذا التمثيل بأنى كالمستوقد وأنتم كالفراش فيما ذكر فأنا (آخذ) اسم فاعل بكسر الخاء وتنوين الذال، ويروى بصيغة المضارع من المتكلم، والأول أشهر وهما صحيحان. (بحجزكم) بضم الحاء وفتح الجيم، جمع الحجزة، وهي

стр. 248

عن النار، وأنتم تقحمون فيها)) . هذه رواية البخاري، ولمسلم نحوها، وقال في آخرها: قال: ((فذلك مثلى ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقحمون فيها)) . متفق عليه. ــ معقد الإزار ومن السراويل موضع التكة، وخص ذلك بالذكر؛ لأن أخذ الوسط أقوى وأوثق من الأخذ بأحد الطرفين في التبعيد. (عن النار) وضع المسبب موضع السبب؛ لأن المراد أنه يمنعهم من الوقوع في المعاصي التي تكون سبباً لولوج النار. (وأنتم تقحمون) من باب التفعل بحذف إحدى التائين، وفي نسخة صحيحة "تقتحمون" من باب الافتعال، (هذه) أي هذه الألفاظ أو ما ذكر من أول الحديث إلى هنا، والتأنيث باعتبار الخبر، وفي نسخة "هذا" أي هذا اللفظ. (رواية البخاري) أي في باب الانتهاء عن المعاصي من الرقاق، (ولمسلم نحوها) أي نحو رواية البخاري معنى. (وقال) أي مسلم (في آخرها) أي في آخر روايته (قال) أي النبي ﷺ (فذلك) أي المثل لمذكور (مثلي ومثلكم أنا آخذ) روي بالوجهين (هلم عن النار) أي أسرعوا إلي وأبعدوا أنفسكم عن النار، وهو في محل النصب على الحال، أي آخذ بحجزكم وأمنعكم قائلاً هلم. (فتغلبوني) النون مشددة، إذ أصله "تغلبونني" فأدغم نون الجمع في نون الوقاية، والفاء للسببية والتقدير: أنا آخذ بحجزكم لأخلصكم من النار، فجعلتم الغلبة مسببة عن الأخذ. (تقحمون فيها) حال من فاعل تغلبوني، وقيل: بدل مما قبله. وفي مسلم "وتقحمون" أي بزيادة الواو. قال النووى: مقصود الحديث أنه ﷺ شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة، وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم، بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه، وضعف تمييزه، فكلاهما حريص على هلاك نفسه، ساع في ذلك لجهله - انتهى. وقال الطيبي: تحقيق التشبيه الواقع في هذا الحديث يتوقف على معرفة معنى قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ [٢٢٩:٢] . وذلك أن حدود الله محارمه ونواهيه، كما في الحديث الصحيح: ألا إن حمى الله محارمه، ورأس المحارم حب الدنيا وزينتها، واستيفاء لذاتها وشهواتها، فشبه ﷺ إظهار تلك الحدود ببياناته الشافية الكافية من الكتاب والسنة باستيقاد الرجل النار، وشبه فشو ذلك في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد، وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان، وتعديهم حدود الله، وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات، ومنعه إياهم عن ذلك بأخذ حجزهم، بالفراش التي يقتحمن في النار، ويغلبن المستوقد على دفعهن عن الاقتحام، كما أن المستوقد كان غرضه من فعله انتفاع الخلق به من الاستضاءة والاستدفاء وغير ذلك، والفراش لجهلها جعلته سبباً لهلاكها، فكذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة واجتنابها ما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها مقتضية لترديهم، كذا في الفتح. (متفق عليه) فيه أنه مستغنى عنه بما سبق، فإيراده لمجرد التأكيد، على أن المراد بالاتفاق هنا يحسب المعنى في الأكثر. وأخرجه أيضاً الترمذي، وصححه، وأخرج أحمد ومسلم نحوه عن جابر.

стр. 249

١٥٠- (١١) وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء. فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، ــ ١٥٠- قوله: (والعلم) عطف على "الهدى" من عطف المدلول على الدليل؛ لأن الهدى هو الدلالة الموصلة إلى المقصد، والعلم هو المدلول، وهو صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض، والمراد به هنا الأدلة الشرعية. (كمثل الغيث) أي المطر، واختار اسم الغيث ليؤذن باضطرار الخلق إليه إذ جاءهم على فترة من الرسل، وضرب المثل بالغيث للمشابهة التي بينه وبين العلم، فإن الغيث يحيى البلد الميت والعلم يحيى القلب الميت. (أصاب) صفة للغيث على أن اللام لتعريف الجنس ومدخوله كالنكرة فيوصف بالجملة كما في قوله: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾ [٥:٦٢] ويجوز أن يكون حالاً منه (أرضاً) أي هي محل الانتفاع، وهذا القيد متروك ههنا اعتماداً على فهمه من التفصيل، وبقرينه ذكر ضده في مقابل هذا القسم وهو قوله: وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان ... الخ؛ لأن قوله: "وأصاب منها طائفة أخرى" معطوف على جملة "أصاب أرضاً" وهذا ظاهر، وعلى هذا فضمير "منها" في "وأصاب منها" لمطلق الأرض المفهوم من الكلام، لا الأرض المذكورة أولاً في قوله: أصاب أرضاً، فصار الحاصل أنه قسم الأرض بالنسبة إلى المطر إلى قسمين لا إلى ثلاثة كما توهمه كثير من الفضلاء، فظهر انطباق المثل بالمثل له، واندفع إيراد أن المذكور في المثل ثلاثة أقسام وفي الممثل له قسمان، كما لا يخفى، إلا أنه قسم القسم الأول من الأرض الذي هو محل الانتفاع أيضاً إلى قسمين: قسم ينتفع بنتائج مائه النازل فيه وثمراته لا بعين ذلك الماء، وقسم ينتفع بعين مائه، تنبيهاً على أن الذي ينتفع بعلمه الواصل إليه قسمان من الناس: قسم ينتفع بثمرات علمه ونتائجه كأهل الاجتهاد والاستخراج والاستنباط، وقسم ينتفع بعين علمه ذلك كأهل الحفظ والرواية، والحاصل أنه ﷺ شبه ما أعطاه الله من أنواع العلوم بالوحي الجلي أو الخفي بالماء النازل من السماء في التطهير، وكمال التنظيف، والنزول من العلو إلى السفل، ثم قسم الأرض بالنظر إلى ذلك الماء قسمين: قسماً هو محل الانتفاع، وقسماً لا انتفاع فيه، وكذا قسم الناس بالنظر إلى العلم قسمين على هذا الوجه، إلا أنه قسم القسم الأول من الأرض إلى قسمين، واكتفى به في قسمة القسم الأول من الناس إلى قسمين لوضوح الأمر، وعلى هذا فأصل المثل تام بلا تقدير في الكلام. قاله السندهي، (فكانت منها طائفة طيبة قبلت) "منها" صفة "طائفة" قدمت علبها فصارت حالاً، و"طيبة " مرفوع على أنها صفة طائفة، و"قبلت" منصوبة بخبر كانت. (الكلأ) بفتح الكاف واللام، آخره مهموز مقصور، النبات رطباً ويابساً، والكلا مقصور بغير الهمزة مختص بالرطب منه، فالكلأ بالهمز أنسب ليكن عطف الأخص على الأعم. (والعشب) بضم العين، وهو مختص بالرطب من النبات. (وكانت منها) أي من الأرض التي هي محل الانتفاع (أجادب) جمع جدب، وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء ولا تنبت الكلأ (فنفع الله بها) أي بالأجادب (وسقوا) أي دوابهم (وزرعوا) أيما يصلح للزرع،

стр. 250

وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)) . متفق عليه. ١٥١ - (١٢) وعن عائشة قالت: ((تلا رسول الله ﷺ ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات﴾ ــ وهذه رواية البخاري، هذه رواية البخاري، ولمسلم: رعوا من الرعى، وكذا للنسائي. (وأصاب) أي الغيث (منها) الجملة عطف على "أصاب أرضاً" وضمير "منها" لمطلق الأرض المفهوم من الكلام لا للأرض المذكورة أولاً في قوله: أصاب أرضاً (إنما هي) أي تلك الطائفة (قيعان) بكسر القاف جمع قاع، وهي الأرض المستوية الملساء (فذلك) أي المذكور من الأنواع (مثل من فقه) بضم القاف وكسرها، والمشهور الضم، إذا فهم وأدرك الكلام (فعلم وعلم) الأول بكسر اللام مخففة، والثاني بتشديدها، وهذا مثل الأرض التي هي محل الانتفاع. فأهل الاجتهاد منهم كالأرض الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت العشب والكلأ، وأهل الحفظ والرواية الذين لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد والاستخراج كالأجادب التي أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا، وسقوا وزرعوا (ومثل من لم يرفع بذلك) أي بما بعثنى الله به (رأساً) أي للتكبر، ولم يلتفت إليه من غاية تكبره، وهذا مثل الأرض التي ليست محل الانتفاع لعدم إمساك الماء وعدم إنبات الكلأ. (ولم يقبل هدى الله) بضم الهاء وفتح الدال (الذى أرسلت به) قال الطيبي: عطف تفسيرى. وفي الحديث إشارة إلى أن الاستعدادات ليست بمكتسبة بل هي مواهب ربانية، وكمالها أن تستفيض من مشكاة النبوة فلا خير في من يشتغل بغير الكتاب والسنة، وأن الفقيه من علم وعلم. (متفق عليه) أخرجه البخارى، في العلم، ومسلم في فضائل النبي، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤:ص٣٩٩) والنسائي في العلم. ١٥١- قوله: (هو الذى أنزل عليك الكتاب) أي القرآن (منه) أي بعضه (آيات محكمات) وبعد ﴿هن﴾ أي تلك الآيات المحكمات ﴿أم الكتاب﴾ أي أصله الذى يعول عليه في الأحكام، ويعمل به في الحلال والحرام، ويرجع إليه غيره، فإن وافقه يقبل، وإلا فيحكم يبطلان ما فهمنا منه ﴿وأخر﴾ أي آيات أخر ﴿متشابهات﴾ [٧:٣] . قال الحافظ في الفتح: قيل المحكم من القرآن ما وضح معناه، والمتشابه نقيضه، وسمى المحكم بذلك لوضوح مفردات كلامه، وإتقان تركيبه، بخلاف المتشابه. وقيل: المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور، وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل في تفسير المحكم والمتشابه أقوال أخر غير هذه نحو العشر ليس هذا موضع بسطها، وما ذكرته أشهرها وأقربها إلى الصواب. وذكر أبومنصور البغدادى: أن

стр. 251

وقرأ إلى ﴿وما يذكر إلا أولو الألباب﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ : الأخير هو الصحيح عندنا، وابن السمعاني: أنه أحسن الأقوال، والمختار على طريقة أهل السنة، وعلى القول الأول جرى المتأخرون. قال: ودلت الآية على أن بعض القرآن محكم، وبعضه متشابه، ولا يعارض ذلك قوله: ﴿أحكمت آياته﴾ [١:١١] ولا قوله: ﴿كتاباً متشابهاً مثاني﴾ [٢٣:٣٩] ؛ لأن المراد بالإحكام في قوله: "أحكمت" الإتقان في النظم، وأن كلها حق من عند الله، والمراد بالمتشابه كونه يشبه بعضه بعضاً في حسن السياق والنظم أيضاً، وليس المراد اشتباه معناه على سامعه، وحاصل الجواب: أن المحكم ورد بإزاء معنيين، والمتشابه ورد بإزاء معنيين - انتهى. وقال العلامة القنوجى البوفالي في فتح البيان (ج١:ص٦) أخذاً من فتح القدير (ج١:ص٢٨٤، ٢٨٧) للعلامة الشوكاني بعد ذكر الأقوال المختلفة في معنى المحكم والمتشابه ما نصه: والأولى أن يقال: إن المحكم هو الواضح المعنى، الظاهر الدلالة، إما باعتبار نفسه، أو باعتبار غيره، والمتشابه ما لا يتضح معناه، أو لا يظهر دلالته، لا باعتبار نفسه، ولا باعتبار غيره. وإذا عرفت هذا عرفت أن الاختلاف الذى قدمناه ليس كما ينبغى، وذلك لأن أهل كل قول عرفوا المحكم ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها. ثم بين ذلك مفصلاً من شاء الوقوف عليه رجع إليه، ثم قال: إن من جملة ما يصدق عليه تفسير المتشابه الذي قدمناه، فواتح السور فإنها غير متضحة المعنى، ولا ظاهرة الدلالة، لا بالنسبة إلى أنفسها؛ لأنه لا يدري من يعلم بلغة العرب ويعرف عرف الشرع، ما معنى الم، المر، طس، طسم، ونحوها.؛ لأنه لا يجد بيانها في شيء من كلام العرب، ولا من كلام الشرع، فهي غير متضحة المعنى لا باعتبارها في نفسها، ولا باعتبار أمر آخر يفسرها ويوضحها، ومثل ذلك الألفاظ المنقولة عن لغة العجم، والألفاظ العربية التي لا توجد في لغة العرب ولا في عرف الشرع ما يوضحها، وهكذا ما استاثر الله بعلمه كالروح وما في قوله: ﴿إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام﴾ إلى آخر الآية [٣٤:٣١] ، ونحو ذلك، وهكذا ما كانت دلالته غير ظاهرة لا باعتبار نفسه، ولا باعتبار غيره، كورود الشيء محتملاً لأمرين احتمالاً لا يترجح أحدهما على الآخر باعتبار ذلك الشيء في نفسه، وذلك كالألفاظ المشتركة مع عدم ورود ما يبين المراد من معنى ذلك المشترك من الأمور الخارجة، وكذلك ورود دليلين متعارضين تعارضاً كلياً بحيث لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر باعتبار نفسه، ولا باعتبار أمرآخر يرجحه. وأما ما كان واضح المعنى باعتبار نفسه بأن يكون معروفاً في لغة العرب، أو عرف الشرع، أو باعتبار غيره، وذلك كالأمور الجملة التي ورد بيانها في موضع آخر من الكتاب العزيز أو السنة المطهرة، والأمور التى تعارضت دلالتها ثم ورد ما يبيّن راجحها من مرجوحها في موضع آخر من الكتاب أو السنة أو سائر المرجحات المعروفة عند أهل الأصول، المقبولة عند أهل الإنصاف، فلا شك أن هذه من المحكم لا من المتشابه، ومن زعم أنها من المتشابه فقد اشتبه عليه الصواب - انتهى. (وقرأ إلى: ومايذكر إلا أولو الألباب) والتتمة ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ أي ميل عن الحق إلى الباطل ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ أي يبحثون عنه، ويتعلقون به، لينزلوه على مقاصدهم الفاسدة ﴿ابتغاء الفتنة﴾ أي طلباً منهم لفتنة الناس في دينهم، والتلبس عليهم، وإفساد ذوات بينهم، لا تحرياً للحق ﴿وابتغاء تأويله﴾ أي تفسيره على الوجه الذي

стр. 252

فإذا رأيت)) ، وعند مسلم: ((رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سماهم الله، فاحذروهم)) . متفق عليه. ١٥٢- (١٣) وعن عبد الله بن عمرو قال: ((هجرت إلى رسول الله ﷺ يوماً، قال: فسمع أصوت رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب، فقال: إنما هلك من كان قبلكم ــ يشتهونه، ويوافق مذاهبهم الفاسدة ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ أي والحال أنه ما يعلم تأويله أي ما هو الحق، أو حقيقته إلا الله ﴿والراسخون في العلم﴾ مبتدأ، أي الثابتون في علم الدين، الكاملون فيه ﴿يقولون﴾ خبر ﴿آمنا به﴾ أي بالمتشابه به، ووكلنا علمه إلى عالمه ﴿كل﴾ أي من المتشابه والمحكم ﴿من عند ربنا﴾ أي نزل من عنده وهو حق وصواب ﴿ومايذكر إلا أولو الألباب﴾ [٧:٣] أي العقول الخالصة وهم الراسخون في العلم، الواقفون عند متشابهه، العاملون بمحكمه بما أرشدهم الله إليه في هذه الآية. وحكمة وقوع المتشابه فيه إعلام للعقول بقصورها لتستسلم لبارئها، وتعترف بعجزها، وتسلم من العجب والغرور والتكبر والتعزز. (فإذا رأيت) بفتح التاء، على الخطاب العام أي أيها الرأي. ولهذا جمعه في "فاحذروهم" وحكى بالكسر على أنها خطاب لعائشة بياناً لشرفها وغزارة علمها، وإن كان الخطاب عاماً. (وعند مسلم رأيتم) أي بدل "رأيت" وهو يؤيد الأول (فأولئك) بفتح الكاف وقيل بالكسر (الذين سماهم الله) بأهل الزيغ أو زائغين بقوله: ﴿في قلوبهم زيغ﴾ (فاحذورهم) أي لا تجالسوهم، ولا تكالموهم أيها المسلمون، فإنهم أهل البدعة، فيحق لهم الإهانة. وقيل: أمر بالحذر منهم احترازاً عن الوقوع في عقيدتهم، فالمقصود التحذير من الإصغاء إليهم. قال النووى: في الحديث التحذير من مخالطة أهل الزيغ وأهل البدع، ومن يتبع المشكلات للفتنة. فأما من سأل عما أشكل عليه للاسترشاد، وتلطف في ذلك فلا بأس عليه، وجوابه واجب. وأما الأول فلا يجاب بل يزجر ويعزر كما عزر عمر بن الخطاب صبيغ بن عسل حين كان يتبع المتشابه - انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في التفسير، ومسلم في القدر، وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي في التفسير، وأبوداود، وابن ماجه في السنة. ١٥٢- قوله: (هجرت إلى رسول الله ﷺ ) بالتشديد، أي أتيته في الهاجرة أي الظهيرة. قال المظهر: التهجير السير في الهاجرة، وهي شدة الحر، ولعل خروجه في هذا الوقت ليدركه ﷺ عند خروجه من الحجرة فلا يفوته شيء من أقواله وأفعاله (فسمع) أي النبي ﷺ من حجرته (اختلفا) صفة "رجلين" أي تنازعا واختصما (في آية) أي في معنى آية متشابه، ويحتمل أن يكون اختلافهما في لفظهما اختلاف قراءة. (يعرف) على بناء المجهول (في وجهه الغضب) الجملة حالية من فاعل "خرج"، وكان ﷺ لا يغضب لفنسه، وإنما كان يغضب لله فضغب ههنا زجراً عن المراء في القرآن (إنما هلك من كان قبلكم)

стр. 253

باختلافهم في الكتاب)) . رواه مسلم. ١٥٣- (١٤) وعن سعيد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته)) ــ من اليهود والنصارى (باختلافهم في الكتاب) أي المنزل على نبيهم، وإنما كان الاختلاف سبباً للهلاك؛ لأنه من أمارات التردد في أمر المبعوث به، وإساءة الأدب بين يديه. قال النووى: المقصود من الحديث التحذير عن اختلاف يؤدي إلى الكفر والبدعة كاختلاف اليهود والنصارى، وذلك مثل الاختلاف في نفس القرآن، أو فى معنى منه لا يسوغ الاجتهاد فيه، أو فيما يوقع في شك وشبهة، أو فتنة وخصومة، أو شحناء، ونحو ذلك. وأما الاختلاف لإظهار الصواب، وإيضاح الخطاء، وإحقاق الحق، وإزهاق الباطل فليس منهياً عنه، بل هو مأمور به، وقد أجمع المسلمون عليه من عهد الصحابة إلى الآن -انتهى كلام النووى مختصراً. (رواه مسلم) في القدر، وأخرجه أيضاً النسائي، وأخرج البخاري عن ابن مسعود نحوه في الأشخاص وفي فضائل القرآن. ١٥٣- قوله: (وعن سعد بن أبي وقاص) بتشديد القاف، واسم أبي وقاص، مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة، يكنى سعد أبا إسحاق الزهرى القرشي المدني، أسلم قديماً وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان سابع سبعة في الإسلام، وروي عنه أنه قال: كنت ثالث الإسلام. وأول من رمى بسهم في سبيل الله، شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وهو أحد العشرة المبشرة وآخرهم موتاً. وأحد ستة الشورى، وفارس الإسلام، ومقدم جيوش الإسلام في فتح العراق، وجمع له النبي ﷺ أبويه، وحرس النبي ﷺ ، وكوف الكوفة وطرد الأعاجم، وافتتح مدائن فارس، وهاجر قبل النبي ﷺ ، وكان مجاب الدعوة، مشهوراً بذلك، تخاف دعوته، وترجى لاشتهار إجابتها. له مائتا حديث وخمسة عشر حديثاً، اتفقا عليها، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين. مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة. وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة. ودفن بالبقيع سنة (٥٥) وقيل (٥٦) وقيل (٥٧) وله بضع وسبعون سنة. (في المسلمين) أي في حقهم وجهتهم (جرماً) تمييز أي ذنباً وظلماً، والمعنى: أن أعظم من أجرم من المسلمين جرماً كائنا في حق المسلمين، فقوله: "في المسلمين" حال عن "جرماً" مقدمة عليه (من سأل) أي نبيه (لم يحرم) صفة لشيء. (على الناس) هذا لفظ مسلم في رواية، وفي رواية أخرى له "على المسلمين" (فحرم) بصيغة المجهول من التحريم (من أجل مسألته) أي لأجل سؤاله. قال الخطابي، والتيمي: هذا الحديث في حق من سأل تكلفاً وعبثاً، أو تعنتاً في ما لا حاجة له به إليه، فأما من سأل لضرورة فيما يحتاج إليه من أمر الدين، بأن وقعت له نازلة فسأل عنها فلا إثم عليه، ولا عتب، كسؤال عمر وغيره من الصحابة في أمر الخمر حتى حرمت بعد ما كانت حلالاً؛ لأن الحاجة دعت إليه، وسبب تخصيصه ثبوت الأمر بالسؤال مما يحتاج إليه لقوله: ﴿فاسئلوا أهل الذكر﴾ [٧:٢١] فكل من الأمر

стр. 254

متفق عليه. ١٥٤- (١٥) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم)) رواه مسلم. ١٥٥- (١٦) وعنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، ــ بالسؤال والزجر عنه مخصوص بجهة غير الأخرى، وإنما كان هذا أعظم جرماً؛ لأن سراية هذا الضرر عمت المسلمين إلى انقراض العالم، فالقتل وإن كان من أكبر الكبائر فإنه يتعدى إلى القاتل أو إلى عاقتله، ولكن جرم من حرم ما سأل لأجل مسألته، فإنه تعدى إلى سائر المسلمين، فلا يمكن أن يوجد جرم ينتهى في معنى العموم إلى هذا الحد. ويؤخذ منه أن من عمل شيئاً أضر به غيره كان آثماً، وأن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد الشرع بخلاف ذلك (متفق عليه) أخرجه البخارى في الاعتصام، ومسلم في الفضائل، وأخرجه أيضاً أبوداود في السنة، ولفظ "في المسلمين" ليس للبخاري، وكذا لفظ "على الناس". ١٥٤- قوله: (يكون في آخر الزمان) أي آخر زمان هذه الأمة (دجالون) من الدجل وهو تلبيس الباطل بما يشبه الحق، يقال: دجل إذا موَّه ولبس، أي مزورون وملبسون وخداعون، يقولون للناس: نحن علماء ومشائخ، ندعوكم إلى الدين وهم كاذبون في ذلك، ويتحدثون بأكاذيب، ويبتدعون أحكاماً باطلة، وإعتقادات فاسدة، فاحذروهم. ويجوز أن تحمل "الأحاديث" على المشهور عند المحدثين ليكون المراد بها الموضوعات. (فإياكم) أي أبعدوا أنفسكم عنهم (وإياهم) أي أبعدوهم عنكم (لا يضلونكم) استئناف، جواب لقائل لم نبعدهم؟ لئلا يضلوكم، فحذف الجار والناصب، فعاد الفعل إلى الرفع كذا ذكره بعضهم. وقال الطيبي: كأنه قيل: ماذا يكون بعد الحذر؟ فأجيب لا يضلونكم - انتهى. وقيل: هو خبر في معنى النهي مبالغة فيكون تأكيداً للأمر بالحذر. (ولايفتنونكم) أي لا يوقعونكم في الفتنة (رواه مسلم) في مقدمة صحيحه، وأخرجه أيضاً أحمد. ١٥٥- قوله: (كان أهل الكتاب) أي اليهود (بالعبرانية) بكسر العين (ويفسرونها) أي يترجمونها (لا تصدقوا) أي فيما لم يتبين لكم صدقة، لاحتمال أن يكون كذباً، وهو الظاهر من أحوالهم (أهل الكتاب) أي اليهود والنصارى (ولا تكذبوهم) أي فيما حدثوا من التوراة والإنجيل، ولم يتبين لكم كذبه لاحتمال أن يكون صدقاً وحقاً وإن كان نادرا؛ لأن الكذوب قد يصدق، كذا في المرقاة. وقيل: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، أي إذا

стр. 255

وقولوا: ﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ الآية)) . رواه البخاري. ١٥٦- (١٧) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) رواه مسلم. ١٥٧- (١٨) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من نبى بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له في أمته حواريون ــ كان ما يخبرونكم به محتملاً لئلا يكون في نفس الأمر صدقاً فتكذبوه، أو كذباً فتصدقوه فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه. ﴿وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ من القرآن (الآية) تمامها: (وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى﴾ أي من التوراة والإنجيل، وهذا محل الشاهد يعني إن كان ما تحدثونه حقاً آمنا به؛ لأنا آمنا بجميع الرسل، وما أنزل إليهم من الله تعالى، وإن لم يكن حقاً فلا نؤمن به ولا نصدقه أبداً ﴿وما أوتي النبيون من ربهم﴾ تعميم بعد تخصيص ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ أي في الإيمان بهم وبكتبهم ﴿ونحن له﴾ أي لله أو لما أنزل ﴿مسلمون﴾ [١٣٦:٢] أي مطيعون أو منقادون. قال البغوي في شرح السنة: هذا الحديث أصل في وجوب التوقف فيما يشكل من الأمور فلا يقضي فيه بجواز ولا بطلان، وعلى هذا كان السلف. (رواه البخاري) في تفسير البقرة، والاعتصام، والتوحيد. ١٥٦- قوله: (كفى بالمرء) هو مفعول "كفى" والباء زائدة، و"كذباً" تمييز، و"أن يحدث" فاعل "كفى" (كذباً) الخ. يعني لو لم يكن للمرء كذب إلا تحديثه بكل ما سمع من غير تبيّنه أنه صدق أم كذب يكفيه وحسبه من الكذب؛ لأن جميع ما يسمع الرجل لا يكون صدقاً بل يكون بعضه كذباً، وهذا زجر عن التحديث بشيء لم يعلم صدقه، بل يلزم أن يبحث في كل ما سمع من الحكايات والأخبار، خاصة من أحاديث الرسول ﷺ ، فإن علم صدقه يتحدث به، ولذا أورد هذا الحديث في باب الاعتصام بالكتاب والسنة. (رواه مسلم) في مقدمة صحيحه، وأخرجه أيضاً أبوداود في الأدب، والحاكم، وأخرج أيضاً الحاكم نحوه عن أبي أمامة. ١٥٧- قوله: (ما من نبي) زيادة "من" لاستغراق النفي، وهو يحمل على الغالب؛ لأنه جاء في حديث: أن نبياً يجيئ يوم القيامة ولم يتبعه من أمته إلا واحد (بعثه الله في أمته) كذا وقع في أكثر النسخ بالهاء بعد التاء، وكذا وقع في بعض نسخ المصابيح. قيل: والصواب ما وقع في بعض نسخ المشكاة والمصابيح "في أمة" بغير هاء موافقاً لما في صحيح مسلم (قبلي) قيل: على رواية "أمته" بالهاء يتعلق "قبلي" ببعث، أو يكون حالاً من "أمته" وعلى رواية "أمة" يكون "قبلي" صفة لأمة. (حواريون) بتشديد الياء، جمع حواري أي ناصرون. قال الطيبي: حواري الرجل صفوته وخالصته الذي أخلص ونقى من كل عيب، من الحوار بفتحتين وهو شدة البياض. وقيل: الحواري القصار بلغة النبط. وكان أصحاب عيسى

стр. 256

وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) رواه مسلم. ١٥٨- (١٩) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة، ــ قصارين يقصرون الثياب، أي يحورونها ويبيضونها، فلما صاروا أنصاره غلب عليهم الاسم، ثم استعير لكل من ينصر نبياً ويتبع هداه تشبيها بأولئك؛ لأنهم خلصان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (وأصحاب) عطف تفسيري، أو الأصحاب غير الحواريين أعم منهم (سنته) أي بهديه وسيرته (ويقتدون بأمره) أي يتبعونه في أمره ونهيه. (ثم إنها) الضمير للقصة (تخلف) بضم اللام، أي تحدث (خلوف) بضم الخاء، جمع خلف بسكون اللام مع فتح الخاء كعدل وعدول، وهو الردى من الأعقاب، أو ولد السوء. والخلف بفتحتين يجمع على أخلاف كسلف وأسلاف، وهو الصالح من الأعقاب والأولاد. والمعنى أنه يجيء من بعد أولئك السلف الصالح أناس لا خير فيهم، ولا خلاق لهم في أمور الديانات. (فمن جاهدهم) جزاء شرط محذوف، أي إذا تقرر ذلك فمن حاربهم وأنكر عليهم إلخ (فهو مؤمن) قال الطيبي: التنكير للتنويع، فالأول دل على كمال الإيمان، والثالث على نقصانه. والمتوسط على القصد فيه. وفي "حبة خردل" على نفيه بالكلية. (ومن جاهدهم بقلبه) أي أنكر عليهم بقلبه بأن يكره ويغضب عليهم، ولو قدر لحاربهم باليد أو باللسان (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) هي اسم "ليس" و"من" الإيمان" صفته قدمت فصارت حالاً منها، و"وراء ذلك" خبره. ثم ذهب المظهر إلى أن الإشارة بذلك إلى الإيمان في المرتبة الثالثة. قال الطيبي: ويحتمل أن يشار إلى المذكور كله من مراتب الايمان، أي ليس وراء ما ذكرت من مراتب الإيمان مرتبط قط؛ لأن من لم ينكر بالقلب رضى بالمنكر، والرضا بالمنكر كفر، فتكون هذه الجملة المصدرة بليس معطوفة على الجملة قبلها بكمالها. قال القاري: والأول هو الظاهر، أي وراء الجهاد بالقلب. (رواه مسلم) في الإيمان. ١٥٨- قوله: (من دعا إلى هدى) أي دعا غيره إلى ما يهتدي به من الأعمال الصالحة (كان له) أي للداعي (لا ينقص) بضم القاف (ذلك) إشارة إلى مصدر "كان" وقيل: الأظهر أنه راجع إلى "الأجر" (من أجورهم شيئاً) هو مفعول به لينقص، أي لا ينقص شيئاً من أجورهم، أو مفعول مطلق أي شيئاً من النقص. وهذا دفع لما يتوهم أن أجر الداعي إنما يكون مثلاً بالتنقيص من أجر التابع، وبضم أجر التابع إلى أجر الداعي. (إلى ضلالة) أي إلى فعل إثم

стр. 257

كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) رواه مسلم. ١٥٩- (٢٠) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء)) ــ (من آثامهم) ضمير الجمع في "أجورهم" و"آثامهم" يعود "من" باعتبار المعنى. قال القاضي: أفعال العباد وإن لم تكن موجبة للثواب والعقاب إلا أن عادة الله جرت بربطها بها ارتباط المسببات بأسبابها، فكما يترتب الثواب والعقاب على ما يباشره يترتب أيضاً على ما هو مسبب عن فعله، كالإشارة إليه، والحث عليه. ولما كانت الجهة التي استوجب بها المسبب الأجر غير الجهة التي استوجب بها المباشر، لم ينقص من أجره شيئاً - انتهى. واختلفوا في أنه إذا تاب الداعي للإثم، وبقي العمل به فهل ينقطع إثم دلالته بتوبته أو لا؟ والظاهر هو الأول؛ لأن التوبة تجبُّ ما قبلها، والله أعلم. (رواه مسلم) في العلم، وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي في العلم، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجة في السنة. ١٥٩- قوله: (بدأ) روي بالهمزة، أي ابتدأ، وروى بدونها، أي ظهر، والأول هو الأشهر على الألسنة، ويؤيده المقابلة بالعود، فإن العود يقابل بالابتداء. وقال النووى: ضبطناه بالهمزة، ومن الابتداء. والروايتان بالفعل المبني للمعلوم، المسند إلى فاعله، واستشكل بعضهم كونه بالهمزة من البدأ بمعنى الابتداء؛ لأن بدأ المهموز متعد، ولذلك رجح ضبطه بالقصر من البدو بمعنى الظهور (الإسلام غريبا) أي في آحاد من الناس وقلة ثم انتشر، يعني كان الإسلام في أوله كالغريب الوحيد الذي لا أهل له؛ لقلة المسلمين يومئذٍ، وقلة من يعمل بالإسلام. وأصل الغريب البعيد عن الوطن (وسيعود كما بدأ) أي وسيلحقه النقص والاختلال لفساد الناس، وظهور الفتن والبدع، واندراس رسوم السنة، وعدم القيام بواجبات الإيمان حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضاً كما بدأ (فطوبى) أي فرحة وقرة عين، أو سرور وغبطة، أو الجنة، أو شجرة فيها (للغرباء) فسرهم ﷺ في حديث عمرو بن عوف عند الترمذي: بأنهم الذين يصلحون ما أفسد الناس بعده من سنته، كما سيأتي، وفي حديث ابن مسعود عند ابن ماجه: بالنزاع من القبائل، وهو جمع نزيع ونازع، وهو الغريب الذي أنزع عن أهله وعشيرته الذين يخرجون عن الأوطان لإقامة سنن الإسلام، وقد جاء عن بعض السلف أنهم أهل الحديث، قاله السندهي. وفيه تنبيه على أن نصرة الإسلام، والقيام بأمره يصير محتاجاً إلى التغرب عن الأوطان، والصبر على مشاق الغربة كما كان في أول الأمر. قال الطيبي: أما أن يستعار الإسلام للمسلمين والغربة هي القرينة، فيرجع معنى الوحدة والوحشة إلى نفس المسلمين، وأما أن يجرى الإسلام على الحقيقة فالكلام على التشبيه، والوحشة باعتبار ضعف الإسلام وقلته، فعلى هذا "غريباً" إما حال أي بدأ الإسلام مشابهاً للغريب، أو مفعولاً مطلقاً أي ظهور الغرباء فريداً وحيداً، لا مأوى له حتى تبوأ دار الإيمان، أي طيبة، ثم أتم الله نوره في المشارق والمغارب فيعود آخر الأمر وحيداً شريداً إلى طيبة كما بدأ. هذا، وقد أطال الشاطبي الكلام في بيان معنى الحديث في مقدمة

стр. 258

رواه مسلم. ١٦٠- (٢١) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها)) . متفق عليه. وسنذكر حديث أبي هريرة: ((ذروني ما تركتكم)) ، في كتاب المناسك، وحديثي معاوية وجابر: ((لا يزال من أمتي، ولا يزال طائفة من أمتي)) ، في باب ثواب هذه الأمة، إن شاءالله تعالى. ﴿الفصل الثاني﴾ ١٦١- (٢٢) عن ربيعة الجرشي قال: ــ كتاب الاعتصام (ص٣-١٧) وأجاد وأحسن، فعليك أن تراجعها (رواه مسلم) في الإيمان، وأخرجه أيضاً ابن ماجه في الفتن، وأخرج نحوه الترمذي، وابن ماجه عن ابن مسعود، ومسلم عن ابن عمر، وأحمد عن سعد بن أبي وقاص، وابن ماجه عن أنس، والطبراني في الكبير عن سلمان، وسهل بن سعد، وابن عباس. ١٦٠- قوله: (إن الإيمان ليأرز) بكسر الراء الأكثر، ويروى بالفتح، وحكى بالضم، أي يأوي وينضم، وينقبض ويلتجئ (إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) أي ثقبها، وهو بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، والمراد أن أهل الإيمان يفرون بإيمانهم إلى المدينة وقاية بها عليه، أو لأنها وطنه الذي ظهر وقوي بها، وهذا إخبار عن آخر الزمان حين يقل الإسلام وينضم إلى المدينة فيبقى فيها. قال الطيبي: شبه الإيمان وفرار الناس من آفات المخالفين والتجاءهم إلى المدينة، بانضمام الحية وانقباضها في جحرها، ولعل هذه الدابة أشد فراراً وانضماماً من غيرها فشبه بها بمجرد هذا المعنى، فإن المماثلة يكفي في اعتبارها بعض الأوصاف - انتهى. قال صاحب اللمعات: الظاهر أنه إخبار عن زمان خروج الدجال كما يدل عليه الأحاديث - انتهى. وحمله عياض، والقرطبي، والنووى، والحافظ، وغيرهم على جميع الأزمنة، والأول أظهر. والمراد بالمدينة هي وجوانبها وحواليها ليشمل مكة، فيوافق رواية الحجاز الآتية في الفصل الثاني. (متفق عليه) أخرجه البخاري في فضل المدينة من الحج، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضاً أحمد، وابن ماجه في الحج (وسنذكر) الخ. هذا اعتذار متضمن لاعتراض فتأمل. (حديث أبي هريرة ذروني ما تركتكم) أي إلى آخره (في كتاب المناسك) متعلق بقوله: سنذكر (وحديثي معاوية) عطف على حديث أبي هريرة (وجابر) عطف على معاوية (لا يزال من أمتي) أي أحدهما أوله هذا (و) وفي بعض النسخ: والآخر (لا يزال طائفة من أمتي) كلاهما (في باب ثواب هذه الأمة) لكنه لم يف بما وعد، فلم يذكر هناك حديث جابر. ١٦١- قوله: (عن ربيعة الجرشي) بضم الجيم وفتح الراء المهملة بعدها معجمة، نسبة إلى جرش كزفر، مخلاف

стр. 259

أتى نبي الله ﷺ ، فقيل له: لتنم عينك، ولتسمع أذنك، وليعقل قلبك. قال: فنامت عيني، وسمعت أذناي، وعقل قلبي. قال: فقيل لي: سيد بنى داراً، فصنع فيها مأدبة وأرسل داعياً، فمن أجاب الداعي، دخل الدار، وأكل من المأدبة، ورضي عنه السيد. ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، وسخط عليه السيد. قال: فالله السيد، ومحمد الداعي، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة)) . ــ باليمن، وهو ربيعة بن عمرو، ويقال: ابن الحارث، ويقال: ابن الغاز بمعجمة وزاى، أبوالغاز الدمشقي، وهو جد هشام ابن الغاز بن ربيعة، مختلف في صحبته، ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب عن الواقدى، قال: ربيعة الجرشي قد سمع من النبي ﷺ أحاديث. وقال البخاري في تاريخه: له صحبة، وذكره في الصحابة المصنف، وابن حبان، وابن مندة، وأبونعيم، والباوردي، والبغوي، وابن سعد، وغيرهم، وقال أبوحاتم: ليست له صحبة، وذكره أبوزرعة الدمشقي في التابعين. وقال الدارقطني: في صحبته نظر. وقال الصورى في حاشية الطبقات: لا أعلم له صحبة. واتفقوا على أنه قتل بمرج راهط مع الضحاك بن قيس سنة (٦٤) وكان فقيهاً، وثقه الدارقطني في الجرح والتعديل، ووثقه أيضاً غيره (أتى) بصيغة المجهول (نبي الله ﷺ ) أي أتاه آتٍ. (فقيل له) أي للنبي (لتنم عينك، ولتسمع أذنك، وليعقل قلبك) قال المظهر: أي أتى ملك إليه وقال له ذلك، ومعناه: لا تنظر بعينك إلى شيء، ولا تصغ بأذنك إلى شيء، ولا تجر شيئاً في قلبك، أي كن حاضراً حضوراً تاماً لتفهم هذا المثل. (قال: فنامت عيني) بالإفراد، وفي بعض النسخ "عيناى" بالتثنية" موافقاً لما في الدارمي (وسمعت أذناي وعقل قلبي) يعنى فأجابه بأني قد فعلت ذلك. قيل الأوامر الثلاثة واردة على الجوارح ظاهراً، وهي في الحقيقة له ﷺ بأن يحمع بين هذه الخلال الثلاث: نوم العين، وحضور السمع والقلب، وعلى هذا جوابه بقوله: "فنامت" أي امتثلت لما أمرت به. وقيل: المراد بالأمر به الإخبار عنه، أي أنت نائم، سامع، داع؛ لأن الملك إنما جاءه وهو نائم، فقال له ذلك، وقيل: الأمر للاستمرار في الكل (فقيل لي) أي بطريق المثل من جهة الملك (سيد) خبر مبتدأ محذوف يعني "هو" وقوله: (بنى داراً) صفته، أي مثل سيد بنى داراً، ويجوز أن يكون مبتدأ و"بنى" خبره والتنوين للتعظيم، أو سوغه كونه فاعلاً معنى، قاله القاري (ورضي عنه السيد) بسبب الإجابة واللام للعهد (ومن لم يجب الداعي) تكبراً وعناداً، أو جهلاً واستبعاداً (قال) أي النبي ﷺ ، أو الملك. والأول أظهر، والتقدير: إن أردت بيان هذا المثل (فالله السيد، ومحمد الداعي، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة) فإن قلت: كيف شبه في حديث جابر السابق الجنة بالدار، وفي هذا الحديث الإسلام بالدار وجعل الجنة مأدبة؟ أجيب بأنه لما كان الإسلام سبباً لدخولها اكتفى في ذلك بالمسبب عن السبب، ولما كانت الدعوة إلى الجنة لا تتم إلا بالدعوة إلى الإسلام استقام

стр. 260

رواه الدارمي. ١٦٢- (٢٣) وعن أبي رافع، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدرى، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)) رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، ــ وضع كل منهما مقام الآخر، ولما كان نعيم الجنة وبهجتها هو المطلوب الأصلي جعل الجنة نفس المأدبة مبالغة فيها، كذا حققه الطيبي (رواه الدارمي) وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير، وسند جيد، قاله الحافظ. ١٦٢- قوله: (وعن أبي رافع) مولى رسول الله ﷺ ، اختلف في اسمه فقيل: أسلم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت، وقيل: إبراهيم، وقيل غير ذلك. والأول هو الأشهر، غلبت عليه كنيته، كان قبطياً، وكان للعباس، فوهبه للنبي ﷺ ، فلما بشر النبي ﷺ بإسلام عباس أعتقه. وكان إسلامه قبل بدر ولم يشهدها، وشهد أحداً وما بعدها. له ثمانية وستون حديثاً، انفرد البخاري بحديث، ومسلم بثلاثة. روى عنه خلق كثير، مات في أول خلافة علي على الصحيح. (لا ألفين) بصيغة المتكلم المؤكدة بالنون الثقيلة، من ألفيت الشيء أي وجدته. (أحدكم) ظاهره نهي النبي ﷺ نفسه عن أن يجدهم على هذه الحالة، والمراد نهيهم عن أن يكونوا على هذه الحالة، فإنهم إذا كانوا عليها بجدهم ﷺ كذلك، من باب إطلاق المسبب (متكئاً) حال أو مفعول ثان (على أريكته) أي سريره المزين بالحلل والأثواب في قبة أو بيت كما للعروس، يعني الذي لزم البيت، وقعد عن طلب العلم. قيل: المراد بهذه الصفة الترفه والدعة كما هو عادة المتكبر القليل الاهتمام بأمر الدين (يأتيه) حال أخرى من المفعول، ويكون النهي منصباً على المجموع، أي لا ألفين أحدكم والحال أنه متكئ ويأتيه الأمر فيقول: لا أدري، إلخ (الأمر) أي الشأن فيعم الأمر والنهي فوافق البيان بقوله: مما أمرت به أو نهيت عنه. (من أمرى) بيان الأمر، وقيل: اللام زائدة في "الأمر" ومعناه أمر من أمرى، أي شأن من شئون ديني (مما أمرت به أو نهيت عنه) بدل من أمري (ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) ما موصولة مبتدأ خبره "اتبعناه" يعني الذي وجدناه في القرآن اتبعناه، وما وجدناه في غيره لا نتبعه، أي وهذا الأمر الذي أمر به ﷺ أو نهى عنه ليس في كتاب الله فلا نتبعه، ويحتمل أن تكون "ما" نافية، والجملة كالتأكيد لقوله: "لا أدري" وجملة "اتبعناه" حال أي وقد اتبعنا كتاب الله فلا نتبع غيره، والمقصود النهي عن الإعراض عن حديثه ﷺ ؛ لأن المعرض عنه معرض عن القرآن، فالحديث حجة شرعية كالقرآن. قال السندي: وقول بعض أهل الأصول: لا يجوز الزيادة على الكتاب بخبر، في الصورة أشبه شيء بهذا المنهي عنه، وإن كان معناه لا يجوز تقييد إطلاق الكتاب بخبر الآحاد، فالاحتراز عن إطلاق ذلك اللفظ أحسن وأولى، انتهى. والحديث دليل من دلائل النبوة، وعلم من أعلامها، فقد وقع ما أخبر به كما لا يخفى على أهل الهند سيما أهل الفنجاب من باكستان. (رواه أحمد) رجاله رجال الحسن (وأبوداود) في السنة (والترمذي) في العلم، وقال "حسن".

стр. 261

وابن ماجه، والبيهقي في دلائل النبوة. ١٦٣- (٢٤) وعن المقدام بن معديكرب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. وإن ما حرم رسول الله ﷺ ــ (وابن ماجه) في السنة (والبيهقي في دلائل النبوة) وأخرجه أيضاً الحاكم. ١٦٣- قوله: (وعن المقدام) بكسر ميم (بن معد يكرب) بفتح الكاف وكسر الراء، وأما الباء فيجوز كسرها مع التنوين على الإضافة، ويجوز فتحه على البناء، كذا في تهذيب الأسماء. قال القاري: والثاني هو الصحيح من النسخ، وهو المقدام بن معديكرب بن عمرو بن يزيد بن معديكرب الكندي يكنى أباكريمة، وقيل: كنيته أبويحيى، صحابي مشهور، نزل الشام، وحديثه فيهم. مات سنة (٤٧) على الصحيح، وله (٩١) سنة. روي له أربعون حديثاً، انفرد له البخاري بحديث، روى عنه خلق (ألا أني أوتيت) أي آتاني الله (القرآن، ومثله معه) أي أعطيت القرآن ومثل القرآن حال كونه منضماً معه. قال البيهقي: هذا الحديث يحتمل وجهين: أحدهما أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو، مثل ما أوتي من الظاهر المتلو، والثاني أن معناه أنه أوتي الكتاب وحياً يتلى، وأوتي مثله من البيان، أي أذن له أن يبين ما في الكتاب فيعم ويخص، وأن يزيد عليه فيشرع ما ليس في الكتاب له ذكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن يعني أوتيت القرآن، وأحكاماً، ومواعظ، وأمثلاً، تماثل القرآن في كونها واجبة القبول، أو في المقدار (ألا) قال الطيبي: في تكرير كلمة التنبيه توبيخ وتقريع نشأ من غضب عظيم على من ترك السنة والعمل بالحديث استغناء بالكتاب، فكيف بمن رجح الرأي على الحديث؟ انتهى (يوشك) بكسر الشين مضارع أوشك أي يقرب (شبعان) بالضم من غيرتنوين كناية عن البلادة وسو الفهم الناشئ من الشبع وكثرة الأكل، أو من الحماقة اللازمة للتنعم والغرور بالمال والجاه (على أريكته) أي متكئاً أو جالساً عليها، وفيه تأكيد لحماقة القائل وبطره، وسوء أدبه. قال الأبهرى: المتكئ القاعدة المتقوى على وطاء متمكناً، والعامة لا تعرف المتكئ إلا من مال في قعوده معتمداً على أحد شقيه -انتهى. (يقول) أي لأصحابه في رد الحديث حيث لا يوافق هواه، وهو خبر "يوشك" (عليكم بهذا القرآن) أي الزموه واعملوا به، ولا تلتفتوا إلى غيره (فما وجدتم فيه) أي في القرآن (من حلال) بيان لـ"ما" (فأحلوه) أي اعتقدوه حلاله، أو احكموا بأنه حلال، واستعملوه (فحرموه) أي اعتقدوه حراماً واجتنبوه. قال الخطابي: يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله ﷺ مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج، فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا. (وان ما حرم رسول الله ﷺ ) أي وأحل، وهذا ابتداء الكلام من

стр. 262

كما حرم الله، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يتسغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه)) .. ــ النبي ﷺ ، والواو للحال، وفيه التفات، أي الذي حرمه رسول الله ﷺ في غير القرآن (كما حرم الله) أي وأحل، أي في القرآن. وفي ابن ماجه: ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله. قال السندي: "وإن ما حرم" عطف على مقدر، أي ألا إن ما في القرآن حق، وإن ما حرم ... الخ. مثل ما حرم الله، أي في القرآن، وإلا فما حرم رسول الله ﷺ هو عين ما حرم الله، فإن التحريم يضاف إلى الرسول باعتبار التبليغ وإلا هو في الحقيقة لله. والمراد أنه مثله في وجوب الطاعة ولزوم العمل به- انتهى. (ألا لا يحل لكم) شروع في بيان ما ثبت بالسنة، ولم يوجد له ذكر في الكتاب على سبيل التمثيل لا التحديد (الحمار الأهلي) التخصيص بالصفة لنفي عموم الحكم؛ لأن البري حلال (ولا كل ذي ناب من السباع) أي سباع الوحوش كالأسد والذئب (ولا لقطة) بضم اللام وفتح القاف، مما يلتقط مما ضاع من شخص بسقوط أو غفلة (معاهد) أي كافر بينه وبين المسلمين عهد بأمان في تجارة، أو رسالة، وفي معناه الذمي. (إلا أن يستغني عنها صاحبها) أي يتركها لمن أخذها استغناء عنها، وهذا تخصيص بالإضافة، ويثبت الحكم في لقطة المسلم بطريق الأولى، وقيل: وجه التخصيص الاهتمام بشأن المعاهد لعهده؛ لأن النفس ربما تتساهل في لقطته لكونه كافراً، ولأنه بعيد عن المسامحة، بخلاف المسلم (ومن نزول بقوم) أي من استضاف قوماً (فعليهم أن يقروه) بفتح الياء وضم الراء، أي يضيفوه من قريت الضيف قرى إذا أحسنت إليه. وفيه دليل على وجوب القرى، وإليه ذهب أحمد، وحمله الأئمة الثلاثة على الندب (فإن لم يقروه فله) أي فللنازل (أن يعقبهم) من الإعقاب بأن يتبعهم ويجازيهم من صنيعه. يقال: أعقبه بطاعته إذا جازاه، وروي بالتشديد (مثل قراه) بالكسر والقصر لا غير. قال الجزرى في النهاية: أي فله أن يأخذ منهم عوضاً عما حرموه من القرى، يقال: عقبهم مشدداً ومخففاً، وأعقبهم، وإذا أخذ منهم عقبى وعقبة، وهو أن يأخذ عنهم بدلاً عما فاته -انتهى. وفيه تأكيد لوجوب القرى، فإنه يدل على إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك، وهذا لا يكون في غير واجب. وأجاب القائلون بندب الإضافة عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن الأمر بأخذ مقدار القرى من مال المنزول به كان من جملة العقوبات التي نسخت بوجوب الزكاة، ورد بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وأجابوا أيضاً بأنه محمول على المضطر، فإنه يجب إطعامه إجماعاً. ورد بأن لا دليل على هذا الحمل ولا دعت إليه حاجة، فلا يلتفت إليه. وأجابوا أيضاً بأنه كان في أول الإسلام ثم صار منسوخاً. وأجابوا أيضاً بأنه محمول على من مر بأهل الذمة الذين شرط علهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين. ورد بأن هذا الحمل ضعيف بل باطل؛ لأنه إنما صار هذا في زمن عمر بن الخطاب. والراجح عندي ما ذهب إليه أحمد لحديث المقدام وغيره مما يدل على وجوب الضيافة، وهو مخصص لحديث حرمة الأمول إلا بطيبة

стр. 263

رواه أبوداود، وروى الدارمي نحوه، وكذا ابن ماجة إلى قوله: كما حرم الله. ١٦٤- (٢٥) وعن العرباض بن سارية، قال: قام رسول الله ﷺ فقال: ((أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته يظن أن الله لم يحرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن؟ ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر، وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب ــ الأنفس، وسيأتي بسط الكلام في ذلك في باب الضيافة إن شاءالله. (رواه أبوداود) في الأطعمة مختصراً، وفي السنة بهذا اللفظ إلا أنه ليس فيه قوله: وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله (وروى الدارمي نحوه) أي بالمعنى (وكذا) روى نحوه (ابن ماجه) في السنة لكن (إلى قوله: كما حرم الله) وأخرج أيضاً نحوه مختصراً الترمذي في العلم، وقال: حسن غريب. والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وأحمد (ج٤:ص١٣١) مطولاً بلفظ أبي داود. ١٦٤- قوله: (وعن العرباض) بكسر أوله وسكون الراء بعدها موحدة وبعد الألف معجمة (بن سارية) السلمى يكنى أبا نجيح، صحابي مشهور من أهل الصفة، سكن الشام ومات بها سنة (٧٥) وهو ممن نزل فيه قوله تعالى: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ [٩٢:٩] الخ. روى عنه من الصحابة أبورهم وأبوأمامة، وروى عنه جماعة من تابعي أهل الشام، له أحد وثلاثون حديثاً. وقال البرقي: بضعة عشر حديثاً. (قام) أي خطيباً أو خطب (أيحسب) بكسر السين وفتحها أي أيظن (متكئاً) حال (يظن) بدل من "يحسب" بدل الفعل من الفعل للبيان والتفسير، قاله الأشرف. قال الطيبي: ويجوز أن يكون التكرار للتأكيد كما في قوله تعالى: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا "إلى قوله:" فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾ [١٨٨:٣] (ألا) للتنبيه (وإني) الواو للحال، قال الطيبي: الواو ههنا بمنزلة الواو في "وإن ما" في الحديث السابق؛ لأن الهمزة للإنكار أي همزة "أيحسب" والمعنى: أيحسب أحدكم أن الله تعالى حصر المحرمات في القرآن والحال أني قد حرمت، فأقحم حرف التنبيه المتضمن للإنكار بين الحال وعاملها، كما أقحم حرف الإنكار بين المبتدأ والخبر في قوله: ﴿أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار﴾ [٣٩: ١٩] ، جاءت الهمزة مؤكدة معادة بين المبتدأ المتضمن للشرط وبين الخبر، ذكره الزجاج (عن أشياء) متعلق بالنهي فحسب، ومتعلق الأمر والموعظة محذوف، أي بأشياء (إنها) أي الأشياء المأمورة والمنهية عنها على لساني بالوحي الغير المتلو (لمثل القرآن) أي في المقدار (أو أكثر) أي بل أكثر. قال القاري: وقد يستشكل هذا بقوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ [٨٩:١٦] بناءً على بأنه على عمومه، أي فيما يحتاج إليه في الدين. ويجاب بأن نسبة هذا إليه ﷺ إنما هو لكونه الذي استنبطه واستخراجه من القرآن، ولذا قال الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، ثم أخرج ما يؤيده وهو قوله: ﷺ : ((إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه)) . (لم يحل لكم) من الإحلال (أهل الكتاب

стр. 264

إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم)) . رواه أبوداود، وفي إسناده أشعث بن شعبة المصيصي، قد تكلم فيه. ١٦٥- (٢٦) وعنه، قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال رجل: يا رسول الله ﷺ : كأن هذه موعظة مودع فأوصنا، فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، ــ يعني أهل الذمة الذين قبلوا الجزية (إلا بإذن) وفي بعض النسخ المصححة "إلا بإذنهم" أي إلا أن يأذنوا لكم بالطوع والرغبة (ولا أكل ثمارهم) أي بالقهر من بساتينهم فضلاً عن بقية أموالهم. (إذا أعطوكم الذي عليهم) أي من الجزية وما عاهدوا عليه والتزموه. (رواه) . قال القاري: كذا أي بياض في أصل المشكاة بعد قوله: "رواه" وسببه تقدم في الخطبة، فألحقه ميرك شاه في هذا المحل، وقال: رواه أبوداود وفي إسناده أشعث بن شعبة المصيصي تكلم فيه- انتهى. قلت: أخرج الحديث أبوداود في كتاب الخراج، وسكت عنه. وقال المنذري: في إسناده أشعث بن شعبة المصيصي، وفيه مقال - انتهى. وفي التهذيب (ج١: ص٣٥٤) قال أبوزرعة: لين، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحفاظ: وفي سؤالات الأحمرى عن أبي داود: أشعث بن شعبة ثقة. وقال في التقريب: هو مقبول. والمصيصي بكسر الميم والمهملة المشددة، نسبة إلى المصيصة مدينة على ساحل البحر، كذا في لب اللباب. وفي القاموس: والمصيصة كسفينة بلد بالشام ولا تشدد. ١٦٥- قوله: (صلى بنا) أي إماماً لنا (بوجهه) تأكيد (فوعظنا) بفتح الظاء (بليغة) أي تامة في الإنذار من المبالغة، أي بالغ فيها بالإنذار والتخويف، لا من البلاغة المفسرة بوجازة اللفظ وكثرة المعنى مع البيان، لعدم المناسبة بالمقام (ذرفت) بفتح الراء. أي دمعت (منها) أي من موعظته (العيون) أي سالت دموع العيون، وفي إسناد "الذرف" إلى "العيون" مع أن السائل دموعها مبالغة، والمقصود أنها أثرت فيهم ظاهراً وباطناً. (ووجلت) بكسر الجيم أي خافت (منها القلوب) لتأثيرها في النفوس واستيلاء سلطان الخشية على القلوب (فقال رجل) وفي رواية لأحمد "قلنا" وفي رواية للحاكم "فقلنا" (كأن) بالتشديد (موعظة مودع) اسم فاعل من ودع، أي المبالغة تدل على أنك تودعنا، فإن المودع عند الوداع لا يترك شيئاً مما يهم المودع بفتح الدال، ويفتقر إليه إلا ويورده، ويستقصي فيه (فأوصنا) أي إذا كان الأمر كذلك فمرنا بما فيه كمال صلاحنا (أوصيكم بتقوى الله) هذا من جوامع الكلم؛ لأن التقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، وهي كافلة سعادة الدنيا والآخرة لمن تمسك بها وهي وصية الله للأولين والآخرين. (والسمع والطاعة) أي وبقبول قول من يلي أمركم من المسلمين وطاعته ما لم يأمر بمعصية عادلاً كان أو جائراً، وإلا فلا سمع ولا طاعة لمخلوق في

стр. 265

وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، ــ معصية الخالق (وإن كان عبداً حبشياً) أي ولوكان الأمير الذى ولاه الخليفة عليكم أدنى الخلق فلا تستنكفوا عن إطاعته مخافة إثارة الحروب وتهييج الفتن وظهور الفساد في الأرض، وفي رواية الحاكم: وإن أمر عليكم عبد حبشي. وفيه دليل على أن الكلام في الأمير الذي ولاه الخليفة لا في الخليفة حتى يرد أنه كيف يكون الخليفة عبداً حبشيا، ويشهد لذلك حديث على عند الحاكم: ((وإن أمرت قريش فيكم عبداً حبشياً مجدعاً فاسمعوا له وأطيعوا)) . إسناده جيد، على أن المحل محل المبالغة في لزوم الطاعة، ففرض الخليفة عبدا حبشيا لإفادة المبالغة يحتمل. وقيل: هو محمول على المتغلب المتسلط فإنه تصح خلافته تسلطاً وتغلباً. (فإنه من يعش) بالجزم (منكم بعدي) الخ. هذا بمنزلة التعليل للوصية بما تقدم. أي السمع والطاعة مما يدفع الخلاف الشديد فهو خير، قال الطيبي: الفاء في "فإنه" للسببية جعل ما بعدها سبباً لما قبلها، يعني من قبل وصيتي والتزم تقوى الله، وقبل طاعة من ولي عليه، ولم يهيج الفتن أمن بعدي ما يرى من الاختلاف الكثير، وتشعب الآراء، ووقوع الفتن والحروب، وظهور البدع والأهواء (بسنتي) أي بطريقتي الثابتة عني واجباً أو مندوباً (وسنة الخلفاء) ؛ لأنهم فيما سنوه إما متبعون لسنة نفسها، وإما متبعون لما فهموا من سنتي في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله (الراشدين) أي الذين أوتوا الرشد والسداد في مقاصدهم الصحيحة. (المهديين) أي الذين هداهم الله إلى الحق، والمعنى: الزموا طريقتهم، وقد كانت طريقتهم هي نفس طريقته ﷺ ، فإنهم أشد الناس حرصاً عليها، وعملاً بها في كل شيء، وعلى كل حال، فالإضافة إليهم إما لاشتهارها في زمانهم وعملهم بها، أو لاستنباطهم واختيارهم إياها. قال التوربشتي في شرح المصابيح: المعنيون بهذا القول هو الخلفاء الأربعة؛ لأنه قال في حديث آخر: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، وقد انتهت الثلاثون بخلافة علي، وليس معنى هذا القول نفي الخلافة عن غيرهم؛ لأن النبي ﷺ قال: ((يكون في أمتي اثنا عشر خليفة)) وإنما المراد تفخيم أمرهم، وتصويب رأيهم، والشهادة لهم بالتفوق فيما يمتازون به عن غيرهم من الإصابة في العلم، وحسن السيرة، واستقامة الأحوال، ولهذا وصفهم بالراشدين، وهم الذين أوتوا رشدهم في مقاصدهم الصحيحة، وهدوا إلى الأقوم والأصلح في أقوالهم وأفعالهم. وإنما ذكر سنتهم في مقابلة سنته لأمرين: أحدهما علم أنه لا يخطئون فيما يستخرجونه من سنته باجتهادهم، والثاني أنه ﷺ علم أن بعضاً من سننه لا يشتهر بزمانه، وإن علم الأفراد من أصحابه ثم يشتهر في زمانهم فيضاف إليهم، فربما يستدرع أحد من رد تلك السنن بإضافتها إليهم فأطلق القول باتباع سنتهم سداً لهذا الباب -انتهى مختصراً. وقيل: الحديث عام في كل خليفة راشد لا يخص الخلفاء الراشدين الأربعة، ومعلوم من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النبي ﷺ ، فليس المراد في الحديث بسنة الخلفاء الراشدين، إلا طريقتهم الموافقة لطريقته ﷺ من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها. وقال الشوكاني في مجموعة فتاواه التي سماها ولده بالفتح الرباني في الجواب عن معنى هذا الحديث: المراد بالسنة الطريقة، فكأنه قال: الزموا

стр. 266

تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) . رواه أحمد، وأبوداود، ــ طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين، وقد كانت طريقهم هي نفس طريقته، فإنهم أشد الناس حرصاً عليها، وعملاً بها في كل شيء، وعلى كل حال، وكانوا يتوقون مخالفته في أصغر الأمور فضلا عن أكبرها، وكانوا إذا أعوزهم الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ عملوا بما يظهر لهم من الرأي بعد الفحص والبحث والتشاور والتدبر، وهذا الرأى عند عدم الدليل هو أيضاً من سنته لما دل عليه حديث معاذ لما قال له رسول الله ﷺ : ((بما تقضى؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد. قال: فبسنة رسول الله ﷺ . قال: فإن لم تجد. قال: أجتهد رأيي. قال: الحمدلله الذي وفق رسول رسوله)) . أو كما قال. وهذا الحديث وإن تكلم فيه بعض أهل العلم بما هو معروف فالحق أنه من قسم الحسن لغيره، وهو معمول به، فإن قلت: إذا كان ما عملوا فيه بالرأي هو من سنته لم يبق لقوله: "وسنة الخلفاء الراشدين" ثمرة. قلت: ثمرته أن من الناس من لم يدرك زمنه ﷺ وأدرك زمن الخلفاء الراشدين، أو أدرك زمنه وزمن الخلفاء، ولكنه حدث أمر لم يحدث في زمنه، ففعله الخلفاء، فأشار بهذا الإرشاد إلى سنة الخلفاء إلى دفع ما عساه يتردد في بعض النفوس من الشك، ويختلج فيها من الظنون، فأقل فوائد الحديث أن ما يصدر عنهم من الرأي وإن كان من سنته كما مر ولكنه أولى من رأي غيرهم عند عدم الدليل. وبالجملة فكثيراً ما كان ﷺ ينسب الفعل أو الترك إليه وإلى أصحابه في حياته مع أنه لا فائدة لنسبته إلى غيره مع نسبته إليه؛ لأنه محل القدوة ومكان الأسوة -انتهى. وقيل المعنى في ذكر سنة الخلفاء مع سنته: أن يعلم أن النبي ﷺ مات وهو على تلك السنة، وأنه لايحتاج مع قول النبي ﷺ إلى قول أحد، فلا زائد إذا على ما ثبت في السنة النبوية، إلا أنه قد يخاف أن تكون منسوخة بسنة أخرى، فافتقر العلماء إلى النظر في عمل الخلفاء بعده ليعلموا أن ذلك هو الذي مات عليه النبي ﷺ من غير أن يكون له ناسخ؛ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره (تمسكوا بها) أي بالسنة (وعضوا) بفتح العين (عليها) أي على السنة (بالنواجذ) بالذال المعجمة، وهي الأضراس جمع ناجذة أراد به الجد في لزوم السنة، كفعل من أمسك الشيء بين أضراسه، وعض عليه منعاً من أن ينتزع، أو الصبر على ما يصيب من التعب في ذات الله كما يفعله المتألم بالوجع يصيبه ولا يرد أن يظهره. (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة) فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: (وكل بدعة ضلالة) والمراد بالبدعة ما أحدث في الدين ما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة. وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة هذه. فالبدع الشرعية كلها مذمومة؛ لأنها موجبة للضلال والغواية، وارجع إلى الاعتصام (ج١:ص١٤٧، ١٦٧) وشرع الأربعين لابن رجب (ص١٨٥-١٩٣) (رواه أحمد) (ج٤:ص١٢٦، ١٢٧) (وأبوداود) في السنة

стр. 267

والترمذي، وابن ماجه، إلا أنهما لم يذكرا الصلاة. ١٦٦- (٢٧) وعن عبد الله بن مسعود قال: ((خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. وقرأ ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه﴾ الآية)) .رواه أحمد، والنسائي، والدارمي. ــ (والترمذي) في العلم. وقال: حديث حسن صحيح (وابن ماجه) في السنة، وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما، وليس له علة. (إلا أنهما) أي الترمذي وابن ماجه (لم يذكرا الصلاة) أي لم يوردا أول الحديث، وهو قول العرباض: "صلى بنا رسول الله ﷺ "، بل قالا: وعظنا، كما في المصابيح. ١٦٦- قوله: ﴿خط لنا) أي خط لأجلنا تقريباً وتفهيماً وتعليماً لنا؛ لأن التصوير والتمثيل إنما يسلك ويصار إليه لإبراز المعاني المحتجبة، ورفع الأستار عن الرموز المكنونة؛ لتظهر في صورة المشاهد المحسوس، فيساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه. (خطاً) أي مستوياً مستقيماً (هذا سبيل الله) أي هذا الدين القويم والصراط المستقيم، وهما الاعتقاد الحق والعمل الصالح، وهذا الخط لما كان مثالاً سماه سبيل الله، كذا قاله ابن الملك. قال القاري: والأظهر أن المشار إليه بهذا هو الخط المستوي، والتقدير هذا مثل سبيل الله، أو هذا سبيل الله مثلاً. وقيل: تشبيه بليغ معكوس، أي سبيل الله الذي هو عليه وأصحابه مثل الخط في كونه علىغاية الاستقامة. (ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله) أي خطوطاً منحرفة عن يمين الخط المستوى وعن شماله. (وقال: هذه) أي الخطوط (سبل) أي سبل للشيطان. (على كل سبيل) أي رأسه (منها) أي من السبل (شيطان) من الشياطين، (يدعو) ذلك الشياطين الناس (إليه) أي سبيل من السبل، وفيه إشارة إلى أن سبيل الله وسط وقصد، ليس فيه تفريط ولا إفراط، وسبل أهل البدع منحرفة عن الاستقامة وفيها تقصير وغلو. (وقرأ) أي رسول الله ﷺ ﴿وأن هذا﴾ بالفتح والتشديد على تقدير أتل عليهم، وقيل: على تقدير لام التعليل المتعلقة باتبعوه، أي اتبعوه لأنه مستقيم، و"هذا" إشارة إلى ما ذكر في الآيتين قبله من الأوامر والنواهي، وقيل: الإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة أي سورة الأنعام، فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة. (صراطي) أي ديني وهو خبر "أن". (مستقيماً) حال مؤكدة والعامل فيها اسم الإشارة. (الآية) بعدها ﴿ولا تتبعوا السبل﴾ أي سبل الشياطين المنحرفة الزائغة من طرق الشرك والبدعة والضلالة. ﴿فتفرق بكم﴾ بحذف إحدى التائين منصوب بإضمار "أن" بعد الفاء في جواب النهي. ﴿عن سبيله﴾ [١٥٣:٦] . إشارة إلى أنه لا يمكن اجتماع سبيل الحق مع السبل الباطلة، وفيه أن أصحاب سبيل الحق والصراط المستقيم هي الفرقة الناجية، وأصحاب السبل المنحرفة هي الفرق الغير الناجية. (رواه أحمد والنسائي والدارمي) وأخرجه أيضاً الحاكم وقال: صحيح. وعبد ابن حميد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وله شاهد من حديث جابر عند أحمد، وابن ماجه، والبزار.

стр. 268

١٦٧- (٢٨) وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)) . رواه في شرح السنة، وقال النووى في أربعينه: هذا حديث صحيح، رويناه في "كتاب الحجة" بإسناد صحيح. ــ ١٦٧- قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه) أي ميل نفسه (تبعاً لما جئت به) هذا محمول على نفي أصل الإيمان، أي حتى يكون تابعاً مقتدياً لما جئت به من الدين والشرع عن الاعتقاد، لا عن الإكراه وخوف السيف كالمنافقين. وقيل: المراد نفي الكمال، أي لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون في متابعة الشرع وموافقته له كموافقته لمألوفاته، فيستمر على الطاعة من غيركلفة وكراهية، وذلك عند ذهاب كدر النفس، وبقاء صفوتها، وهذه حالة نادرة إلا في المحفوظين من أوليائه. وقيل في معناه: حتى يحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه، أي يقدم الشرع على هواه. (رواه) أي البغوى (في شرح السنة) بإسناده. (وقال النووى) بالقصر. قال القاري: ويجوز المد، نسبة إلى نوى قرية من أعمال دمشق، وهو أبوزكريا محي الدين يحيى بن شرف الحزامي - بكسر الحاء المهملة وبالزاى-، نسبة إلى حزام أحد أجداده. ولد في أوائل المحرم سنة (٦٣١) . كان عالماً فاضلاً متورعاً، فقيهاً محدثاً ثبتاً حجة، له تصانيف كثيرة مشهورة، وتأليفات عجيبة مفيدة، في الفقه مثل الروضة، وفي الحديث مثل الرياض والأذكار، وفي شرحه مثل شرح مسلم، وغير ذلك من معرفة علوم الحديث واللغة، سمع من المشائخ الكبار، ومنه خلق كثير، وأجاز رواية شرح مسلم والأذكار لجميع المسلمين، نشأ بقريته نوى، وحفظ الختمة، وقدم دمشق سنة (٦٥٠) وله تسع عشرة سنة، فتفقه وبرع، وكان خشن العيش، قانعاً بالقوت، تاركاً للشهوات، صاحب عبادة وخوف، وكان قوالاً بالحق، كبير الشأن، كثير السهر، مكباً على العلم والعمل، مات في رجب سنة (٦٧٦) وعاش (٤٥) سنة، وقد بسط ترجمته الذهبي في تذكرة الحفاظ (ج٤: ص٢٥٩، ٢٦٤) ، فمن شاء فليرجع إليه. (في أربعينه) أي الأربعين حديثاً الذي صنفه. (هذا حديث صحيح، رويناه) بصيغة المجهول (في كتاب الحجة بإسناد صحيح) أي رواه لنا صاحب كتاب الحجة، وهو الشيخ أبوالفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي الفقيه الزاهد نزيل دمشق، وكتابه هذا، هو "كتاب الحجة على تاركى سلوك طريق المحجة"، يتضمن ذكر أصول الدين على قواعد أهل الحديث والسنة. والحديث أخرجه أيضاً الحافظ أبونعيم في كتاب الأربعين، والطبراني، وأبوبكر بن عاصم الأصبهاني، والحكيم الترمذي، وأبونصر السجزى في الإبانة وقال: حسن غريب. والخطيب، ونسبه الشيخ الألباني للحسن بن سفيان، وابن عساكر، قال: أخرجاه في أربعينهما. وقد تعقب الحافظ ابن رجب على النووي في تصحيح الحديث، فقال: تصحيح الحديث بعيد جداً من وجوه، ثم ذكرها، إن شئت الوقوف عليها فارجع إلى شرحه لأربعين النووى (ص٢٨٢) .

стр. 269

١٦٨- (٢٩) وعن بلال بن الحارث المنزنى قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحي سنة من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له من الأجر مثل أجور من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله، كان عليه من الإثم مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً) رواه الترمذي. ١٦٩- ورواه ابن ماجه عن كثير بن عبد الله بن عمرو عن أبيه، ــ ١٦٨- قوله: (وعن بلال بن الحارث المزنى) بضم الميم وفتح الزاى، نسبة إلى مزينة، يكنى أبا عبد الرحمن، من أهل المدينة، كان أول من قدم من مزينة على النبي ﷺ في رجال من مزينة في رجب سنة (٥) من الهجرة، أقطعه النبي ﷺ العقيق، وكان صاحب لواء مزينة يوم الفتح، وكان يسكن وراء المدينة، ثم تحول إلى البصرة. له ثمانية أحاديث. مات سنة (٦٠) وله (٨٠) سنة. (من أحيى سنة) أي أظهرها وأشاعها بالقول والعمل. قال المظهر: السنة ما وضعه رسول الله ﷺ من أحكام الدين، وهي قد تكون فرضاً كزكاة الفطر، وغير فرض كصلاة العيدين، وقراءة الناس القرآن في غير الصلاة، وما أشبه ذلك، وإحيائها أن يعمل بها ويحرض الناس عليها. (من سنتي) النظر يقتضي أن يقال: من سنني، بلفظ الجمع، لكن الرواية بالإفراد، فيحمل المفرد على الجنس الشائع في الافراد. (قد أميتت بعدي) أي تركت عن العمل بها. استعير الإماتة لما يقابل الإحياء، من الترك ومنع الناس عن إقامتها، كما استعير الإحياء للعمل بها وحث الناس عليها. (من غير أن ينقص) على بناء الفاعل، وضميره لإعطاء مثل أجر العاملين لمن أحياها. (من أجورهم) "من" للتبعيض أي من أجور من عمل بها، فأفرد أولاً رعاية للفظه، وجمع ثانياً لمعناه. (شيئاً) مفعول به أو مفعول مطلق؛ لأنه حصل له باعتبار الإحياء والدلالة والحث، وللعاملين باعتبار الفعل، فلم يتواردا على محل واحد حتى يتوهم أن حصول أحدهما ينقص الآخر (بدعة ضلالة) بالإضافة، ويجوز أن ينصب نعتاً ومنعوتاً، وقيد البدعة بالضلالة لإخراج البدعة الغير الشرعية، أو هي صفة كاشفة للبدعة (لا يرضاها الله ورسوله) صفة كاشفة لقوله: "بدعة"، وصفت بهذا تقبيحاً للبدعة، وإلا فكل بدعة كذلك بالمعنى الذي ذكرناه، وهو ما لا أصل له في الشرع، يدل عليه (كان عليه من الإثم) أي الوزر، وليست لفظة "من الإثم" في الترمذي، وهي في جميع نسخ المشكاة. (لاينقص ذلك) أي ذلك الإثم (من أوزارهم) وفي الترمذي "من أوزار الناس" (شيئاً) مفعول به لا غير. (رواه الترمذي) في العلم يعني عن بلال. ١٦٩- قوله: (ورواه ابن ماجه) في السنة (عن كثير بن عبد الله بن عمرو) بن عوف المزني المدني، قال الحافظ: ضعيف، ومنهم من نسبه إلى الكذب. وقال المنذري: متروك واهٍ، وقال أبوداودد والشافعي: هو أحد الكذابين. وقال أحمد: منكر الحديث، ليس بشيء، (عن أبيه) عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة المزني المدني، ذكره ابن

стр. 270

عن جده. ١٧٠- (٣١) وعن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية ــ حبان في الثقات، وقال في التقريب: مقبول، من الطبقة الوسطى من التابعين. (عن جده) أي عن جد كثير، وهو عمرو ابن عوف بن زيد بن ملحة أبوعبد الله المزني أحد البكائين، كان قديم الإسلام، شهد بدراً، وروى ابن سعد عنه أن أول غزوة شهدها الأبواء. وقال الواقدي: استعمله النبي ﷺ على حرم المدينة. مات في ولاية معاوية. وأعلم أنه يظهر من كلام المصنف أن هذا الحديث روي عن صحابيين أحدهما بلال بن الحارث المزني، أخرج عنه الترمذي بإسناده، والثاني عمرو بن عوف المزني جد كثير بن عبد الله، وأخرج عنه ابن ماجه من طريق كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده. والبغوى أيضاً عزى هذا الحديث لبلال بن الحارث، وهذا وهم منهما؛ لأن الحديث رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال لبلال بن الحارث: ((اعلم، قال: أعلم يا رسول الله، قال: إنه من أحيى ... )) الخ، فهو موجه إلى بلال، وليس من روايته، وهذا السياق للترمذي، ولفظ ابن ماجه عن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أحيى ... )) الخ. فالحديث من مسانيد عمرو بن عوف، لا من مسانيد بلال بن الحارث، فان لبلال هذا ثمانية أحاديث، روى أربعة منها أصحاب السنن الأربعة ومالك، وليس هذا الحديث منها كما يظهر من ذخائر المواريث للشيخ عبد الغني النابلسي، ويدل أيضاً على ما قلنا من أن الحديث عند الترمذي من مسند عمرو بن عوف، أن النابلسي ذكره في مسند عمرو بن عوف، وعزاه للترمذي وابن ماجه كليهما. والحديث قد حسنه الترمذي واعترض عليه؛ لأن في سنده كثير بن عبد الله وقد ضعفوه جداً، بل رماه بعضهم بالكذب، وأجيب عنه بأن تحسينه توثيق للراوي، وذهاب منه إلى أنه لم يرض الكلام فيه، كيف وهو من علماء هذا الشأن، فيعتمد على تحسينه وتصحيحه، وقد احتج بطريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، ابن خزيمه في صحيحه كما ذكره المنذري في الترغيب، وقيل: حسنه الترمذي لشواهده، فإنه قد يحسن الحديث الضعيف ويصححه لشواهده. ١٧٠- قوله: (إلى الحجاز) هو اسم مكة فالمدينة وحواليهما من البلاد، وسميت حجازاً لأنها حجزت أي منعت وفصلت بين بلاد نجد والغور، قيل: التوفيق بينه وبين ما سبق من حديث أبي هريرة في آخر الفصل الأول على كون الدين والإيمان مترافين: أنه يأرز أولاً إلى الحجاز أجمع ثم إلى المدينة. وفي حديث ابن عمر عند مسلم: وهو أي الإسلام يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها. (وليعقلن) عطف على "ليأرز" أو على "إن" ومعمولها، أي ليتحصن، يقال: عقل الوعل أي امتنع بالجبال العوالي (من الحجاز) أي بمكان منه، أو مكاناً منه (معقل الأروية)

стр. 271

من رأس الجبل. إن الدين بدأ غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء، وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي)) رواه الترمذي. ١٧١- وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، ــ بضم الهمزة وتكسر، وبكسر الواو وتشديد الياء، أنثى الوعول، وهي تيوس الجبل، وهي تعتصم في أعلى الجبال، ولذلك يقال للوعل: الأعصم. والمعقل بكسر القاف، مصدر بمعنى العقل، ويجوز أن يكون إسم مكان أي كاتخاذ الأروية. (من رأس الجبل) حصناً. قال القاري: وخص الأروية دون الوعل؛ لأنها أقدر من الذكر على التمكن من الجبال الوعرة والمعنى: أن الدين في آخر الزمان عند ظهور الفتن واستيلاء الكفرة والظلمة على بلاد أهل الإسلام يعود إلى الحجاز كما بدأ. وقيل: المعنى أن الدين سيعقل ويعتصم في الحجاز، ويجتمع فيه عند ما يكون غريباً فيعود إلى الحجاز كما بدأ منه، ويكون عزيزاً قوياً فيه كالأروية في شناخيب الجبال، ثم يمتد وينتشر منه ثانية. (غريباً) أي كالغريب، أو حال (سيعود) أي غريباً (وهم الذين يصلحون) الخ. أي يعتنون بإصلاح ما أفسد الناس من السنة، ويعملون بها، ويظهرونها بقدر طاقتهم. (رواه الترمذي) في الإيمان من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه، عن جده، وقال: حديث حسن. وفيه ما تقدم انتقادا وجواباً. وارجع إلى المشكاة طبعة دمشق بتعليق الشيخ الألباني (ج١: ص٦٠) . ١٧١- قوله: (ليأتين) من الإتيان وهو المجيء بسهولة، وعدى بعلى لمعنى الغلبة المؤدية إلى الهلاك، ومنه قوله تعالى:: ﴿ماتذر من شيء أتت عليه﴾ [٤٢:٥١] . (على أمتي) قالوا: المراد أمة الإجابة وهم أهل القبلة، فإن اسم الأمة مضافاً إليه ﷺ يتبادر منه أمة الإجابة. (كما أتي) وفي جامع الترمذي "ما أتى" أي بغير الكاف، فما موصولة، وهي مع صلتها فاعل "ليأتين"، أي ليفعلن أمتي ما فعل بنو إسرائيل من القبائح. وأما توجيه ما وقع ههنا فقال القاري: فاعل "ليأتين" مقدر يدل عليه سياق الكلام، والكاف منصوب عند الجمهور على المصدر، أي ليأتين على أمتي زمان إتياناً مثل الإتيان على بني إسرائيل. وجوز أن يكون الكاف فاعلاً، أي ليأتين على أمتي مثل ما أتى على بني إسرائيل. (حذو النعل بالنعل) حذو النعل استعارة في التساوى، وهو منصوب على المصدر، أي يحذونهم حذواً مثل حذو النعل بالنعل، يوافقونهم مثل موافقة النعل للنعل، ويعملون مثل أعمالهم كما تقطع إحدى النعلين على قدر النعل الأخرى، والحذو التقدير والقطع. فإن قيل: قد وقع فيما مضى قبل الأنبياء، وتحريف الكتب، قلت: لعل ما وقع في أيام بني أمية من قتل علماء التابعين مثل سعيد بن المسيب ونحوه من هذا القبيل، فعلماء أمته كأنبيائهم، كيف وقد قتلوا فلذة كبدة الرسول ﷺ k والولد من أبيه كما قيل، وما اشتهر فيما مضى من تحاريف الباطنية، وفي هذا الزمان من بعض أهل البدع لا يقصر من تحريفهم، قاله محمد طاهر

стр. 272

حتى إن كان منهم أتى أمه علانية، لكان في أمتي من يصنع ذلك. وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، ــ الفتني. (حتى إن كان) "حتى" ابتدائية والواقع بعده جملة شرطية، و"إن" بمعنى لو، ولذا قرن جوابها باللام، وقيل: "إن" هذه مخففة من المثقلة، أي حتى إنه (من أتى أمه) إتيانها كناية عن الزنا، والمراد من الأم موطؤة الأب (من يصنع ذلك) أي الإتيان (وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة) ، وفي حديث أنس عند ابن ماجه: إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وفي حديث أبي أمامه, وأبي الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأنس عند الطبراني، وحديث عوف بن مالك عند ابن ماجه، وحديث أنس عند أبي يعلى ما يدل على أن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلهم في النار، وواحدة في الجنة، وإن النصارى افترقت على ثنتين وسبعين فرقة كلهم في النار، وواحدة في الجنة، وفي حديث أبي هريرة عند الترمذي وغيره: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو (على الشك) اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك. ولا تخالف بين هذه الروايات، فإنه يجمع بينها بأنه يمكن أن تكون رواية الإحدى والسبعين وقت أعلم بذلك، ثم أعلم بزيادة فرقة، إما أنها كانت فيهم ولم يعلم بها النبى ﷺ أولاً ثم أعلم بها في وقت آخر، وإما أن تكون جملة الفرق في الملتين ذلك المقدار فأخبر به، ثم حدثت الثانية والسبعون فيهما فأخبر بذلك ﵇، وعلى الجملة فيمكن أن يكون الاختلاف بحسب التعريف بها أو الحدوث، والله أعلم بحقيقة الأمر. و"الملة" في الأصل ما شرع الله لعباده على ألسنة الأنبياء ليتوصلوا به إلى القرب من حضرته تعالى، ويستعمل في جملة الشرائع دون آحادها، ثم إنها اتسعت فاستعملت في الملل الباطلة، فقيل: الكفر ملة واحدة، لأن طريقة أهل الكفر، وكذا طريقة كل فرقة من أهل الأهواء والبدع كالملة الحقيقية في التدين بما تدينوا به، فسميت باسمها مجازاً. (وتفترق أمتي) أي أمة الإجابة، فيكون الملل الثلاث والسبعون منحصرة في أهل قبلتنا، وإن كانت بدعة بعض هذه الملل مكفرة ومخرجة عن الإسلام، هذا هو المتبادر من إضافة اسم الأمة إليه ﷺ ، ويؤيد اعتبار الواقع؛ لأن كل فرقة منهم تدعى الشريعة، وأنها على صوابها، وأنها المتبعة لها، وتتمسك بأدلتها، وتعمل على ما ظهر لها من طريقها، وتناصب العداوة من نسبتها إلى الخروج عنها، وترمي بالجهل وعدم العلم من ناقضها، لأنها تدعي أن ما ذهبت إليه هو الصراط المستقيم دون غيره، ويؤيده أيضاً أن افتراق أمة محمد شبه بافتراق اليهود والنصارى، ومن المعلوم أن افتراق بني إسرائيل وقع حال كونهم من أمة موسى وعيسى، أي شمول لفظ اليهود والنصارى، إياهم. (على ثلاث وسبعين ملة) أي يفترقون ثلاثاً وسبعين فرقة تتدين كل واحدة منها بخلاف ما تتدين به الأخرى. وفيه إشارة بل تصريح لتلك المطابقة مع زيادة هؤلاء في إرتكاب البدع بدرجة، وليس المراد بالافتراق في الحديث مطلق الافتراق حتى يدخل فيه ما وقع من الاختلاف في مسائل الفروع في زمان الخلفاء الراشدين، ثم في سائر الصحابة، ثم في التابعين، ثم في الأئمة المجتهدين، بل المراد به الافتراق المقيد، وهو التفرق الذي

стр. 273

صاروا به شيعاً وأحزاباً وفرقاً وجماعات، بعضهم فارق البعض، ليسوا على تألف، ولا تعاضد، ولا تناصر، بل على ضد ذلك من الهجران، والقطيعة، والعداوة، والبغضاء، والتضليل، والتكفير، والتفسيق، وهذه الفرقة المشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعدواة والبغضاء إنما هي بسبب الابتداع في الشرع، والخروج عن السنة، لابسبب أمر دنيوى، ولا بسبب معصية ليسبت ببدعة. قيل: والمراد بالابتداع المذكور الابتداع في الأصول والعقائد لا الفروع والعمليات. قال العلقمي: قال شيخنا: ألف الإمام أبومنصور عبد القاهر بن طاهر التميمي فى شرح هذا الحديث كتاباً قال فيه: قد علم أصحاب المقالات أنه ﷺ لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام، وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد، وفي تقدير الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة، وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى هذه الأبواب؛ لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم، بخلاف النوع الأول، فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه، فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف، وقد حدث في آخر أيام الصحابة خلاف القدرية من معبد الجهني وأتباعه، وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد الله بن عمر، وجابر، وأنس ونحوهم، ثم حدث الخلاف بعد ذلك شيئاً فشيئاً إلى أن تكاملت الفرق الضالة اثنتين وسبعين فرقة، والثالثة والسبعون هم أهل السنة والجماعة، وهي الفرقة الناجية –انتهى. وقال الشاطبي في الاعتصام: القول بأن الفرق المذكورة في الحديث هي المبتدعة في قواعد العقائد على الخصوص، كالجبرية والقدرية والمرجئة وغيرها ما هو مما ينظر فيه، فإن إشارة القرآن والحديث تدل على عدم الخصوص، وهو رأي أبي بكر الطرطوشي، أفلا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه﴾ [٧:٣] الآية. و"ما" في قوله: "ما تشابه" لا تعطي خصوصاً في اتباع المتشابه لا في قواعد العقائد ولا في غيرها، بل الصيغة تشمل ذلك كله، فالتخصيص تحكم، وكذلك قوله تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء﴾ [١٥٩:٦] ، فجعل ذلك التفريق في الدين، ولفظ الدين يشمل العقائد وغيرها من الأقوال والأعمال. وقوله: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [١٥٣:٦] فالصراط المستقيم هو الشريعة على العموم، وأشار بلفظ "هذا" إلى ما تقدم ذكره من أصول الشريعة وقواعدها الضرورية، ولم يخص ذلك بالعقائد. قال: نعم ثم معنى آخر ينبغي أن يذكر ههنا، وهو أن هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين، وقاعدة من قواعد الشرعية، لا في جزئي من الجزئيات، إذا الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية؛ لأن الكليات تقتضي عدداً من الجزئيات غير قليل، ويدخل شذوذها في أبواب كثيرة من الأصول والفروع. قال: ويجرى مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضاً. وأما الجزئي فبخلاف ذلك – انتهى. كلامه مختصراً. وقد بسط قبل ذلك الكلام (ج١:ص١٤١، ١٥٩) في ذكر أسباب افتراق هذه الفرق من جماعة المسلمين وخلافهم للفرقة الناجية وابتداعهم الذي صاروا لأجله فرقاً وأحزاباً وجماعات متعادين، متباغضين، متدابرين، متقاطعين فعليك أن ترجع إليه. ثم إن العلماء اختلفوا في معنى عدد الفرق

стр. 274

المذكورة في الحديث فقيل: هو للتكثير لا للتحديد، فإن الفرق المذمومة تزيد على المئات بالنظر إلى تفرقهم في الأصول والفروع. وقيل: معنى الحديث أن الفرق المذمومة لا بد أن تبلغ هذا العدد، أي لا ينقص عدد الفرق الغير الناجية من هذا المقدار، فلا بأس لو زاد على ذلك. والحاصل أن العدد المذكور ليس لنفي الزائد. وقيل: هو محمول على التحديد، فإن المراد بالتفرق تفرقهم في أصول الدين، والفرق المبتدعة مع شعبها وفروعها لا تزيد على هذا العدد بالنظر إلى ذلك. ثم اختلف أصحاب هذا القول في تعيين هذه الفرق، فعينها كثير من العلماء، لكن في الطوائف التي خالفت في مسائل العقائد، فمنهم من عد أصولها ثمانية. فقال: كبار الفرق الإسلامية ثمانية: المعتزلة القائلون: بأن العباد خالقوا أعمالهم، وبنفي الرؤية، وبوجوب الثواب والعقاب، وهم عشرون فرقة. والشيعة، وهم ثنتان وعشرون فرقة. والخوارج، وهم عشرون فرقة. والمرجئة، وهم خمس فرق. والنجارية الموافقة لأهل السنة في خلق الأفعال، والمعتزلة في نفي الصفات وحدوث الكلام، وهم ثلاث فرق. والجبرية القائلة بسلب الاختيار عن العباد، فرقة واحدة. والمشبهة الذين يشبهون الحق بالخلق فرقة أيضاً. فالجميع اثنتان وسبعون فرقة. فإذا أضيفت الفرقة الناجية إلى عدد الفرق صار الجميع ثلاثاً وسبعين فرقة. وقد وصف صاحب المواقف هذه الفرق وفروعها وشعبها وما انفردت به من الآراء بأخصر ما كتب في هذا الموضوع، فارجع إليه. وقد عد الشاطبي أسماء أصول هذه الفرق وفروعها، ثم قال: وهذا التعديد بحسب ما أعطته المنة في تكلف المطابقة للحديث الصحيح، لا على القطع بأنه المراد، إذ ليس على ذلك دليل شرعي، ولا دل العقل أيضاً على انحصار ما ذكر في تلك العدة من غير زيادة ولا نقصان كما أنه لا دليل اختصاص تلك البدع بالعقائد، ومنهم من قال: أصول البدع أربعة، وسائر الثنتين والسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا، وهم الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، قال يوسف بن أسباط: ثم تشعبت كل فرقة ثمان عشر فرقة، فتلك ثنتان وسبعون فرقة، والثالثة والسبعون هي الناجية. وقال الشهرستاني بعد ما ذكر ضابطاً في مسائل الخلاف، وحصرها في أربع قواعد هي الأصول الكبار ما لفظه: وإذا تعينت المسائل التي هي قواعد الخلاف، تبينت أقسام الفرق، وانحصرت كبارها في أربع بعد أن تداخل بعضها في بعض، كبار الفرق الإسلامية أربع القدرية، الصفاتية، الخوارج، الشيعة، ثم يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كل فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعون فرقة. ومنهم من قال: أصول الفرق الضالة ست: الحرورية، والقدرية، والجهمية، والمرجئة، والرافضة، والجبرية، وقد انقسمت كل فرقة منها اثنتي عشرة فرقة فصارت إلى اثنتين وسبعين فرقة، وهذا التقديران نحو من الأول يرد عليهما من الإشكال ما ورد على الأول، فالأولى أن لا تعين هذه الفرق الضالة المخالفة للفرقة الناجية في أصول الدين وقواعده، فإنه لا بأس لو لم نحط بأسماءها وآرائها تفصيلاً. ويقال: لا بد أن تبلغ هذه الفرق العدد المذكور في الحديث؛ لأن الزمان باق، والتكليف قائم، والخطرات متوقعه، والبدع قد نشأت إلى الآن، ولا تزال تحدث وتكثر مع مرور الأزمنة إلى قيام الساعة. وإلى عدم التعيين مال أبوبكر الطرطوشي. قال الشاطبي: وهو أصح في النظر؛ لأن ذلك التعيين ليس عليه دليل، والعقل لا يقتضيه. وإن سلمنا أن الدليل قائم له على ذلك فلا ينبغي التعيين لوجوه ثلاثة فذكرها، ثم قال: فمن هنا لا ينبغي للراسخ

стр. 275

كلهم في النار إلا ملة واحدة، ــ في العلم أن يقول: هؤلاء الفرقهم بنو فلان وبنو فلان، وإن كان يعرفهم بعلامتهم بحسب اجتهاده، اللهم إلا في موطنين: أحدهما حيث نبه الشرع على تعيينهم كالخوارج، فإنه ظهر من استقرائه أنهم متمكنون تحت حديث الفرق، ويجرى مجراهم من سلك سبيلهم، ثم ذكر الأحاديث التي وردت في تعيين أهل القدر وذمهم، وقد تقدم بعضها في باب الإيمان بالقدر. قال: والموطن الثاني الذي يجوز فيه التعيين حيث تكون الفرقة تدعوا إلى ضلالتها وتزينها في قلوب العوام، ومن لا علم عنده، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس، وهم من شياطين الإنس، فلا بد من التصريح بأنهم من أهل البدعة والضلالة، ونسبتهم إلى الفرق إذا قامت له الشهود على أنهم منهم. قال: ولما تبين أنهم أي الفرق المذكورة في الحديث لا يتعينون فلهم خواص وعلامات يعرفون بها، وهي على قسمين: علامات إجمالية، وعلامات تفصيلية، فأما العلامات الإجمالية فثلاثة: أحدها الفرقة أي التي تكون سبباً للتخرب، ومستلزماً للعداوة والبغضاء والتدابر والقطيعة. والثانية اتباع المتشابه من القرآن، وترك المحكم. والثالثة اتباع الهوى وتقديمه على الأدلة الشرعية، والاعتماد على الرأى، وتحكيم العقل. ثم ذكر ما يعرف به هذه الخواص والعلامات، ومن يرجع إليه في معرفتها، ثم قال: وأما العلامة التفصيلية في كل فرقة فقد نبه عليها وأشير إلى جملة منها في الكتاب والسنة، وفي ظني أن من تأملها في كتاب الله وجد منبهاً عليها، ومشاراً إليها، ولولا فهمنا من الشرع الستر عليها لكان في الكلام في تعيينها مجال متسع، مدلول عليه بالدليل الشرعي، قال: فأنت ترى أن حديث افتراق الأمة لم يعين في الرواية الصحيحة واحدة منها لهذا المعنى المذكور. والله أعلم. وإنما نبه عليها في الجملة لتحذر مظانها، وعين في الحديث، المحتاج إليه منها، وهي الفرقة الناجية ليتحراها المكلف، وسكت عن ذلك في الرواية الصحيحة؛ لأن ذكرها في الجملة يفيد الأمة الخوف من الوقوع فيها، وذكر في الرواية الأخرى فرقة من الفرق الهالكة، كما قال: أشد الفرق فتنة على الأمة. (كلهم في النار) أي يستحقون الدخول في النار من أجل اختلاف العقائد، فمن أفضى به بدعته إلى الكفر يدخل فيها ألبتة دخولها مؤبداً، ومن لم يكن كذلك فهو ممن يستحق النار إن لم يعف الله عنه، فإن عفا عنه فله العفو إن شاءالله. (إلا ملة واحدة) بالنصب أي إلا أهل ملة واحدة، أي فلا يدخلون النار من جهة اختلاف العقائد. وقيل: المعنى يدخل أصحاب الملل الضالة النار بسب بدعهم، ثم يخرجون منها برحمة الله، ويدخلون الجنة إلا أهل ملة واحدة، فلا يدخلون النار أصلاً، بل يدخلون الجنة أولاً، وهم المتمسكون بالكتاب والسنة، الموافقون لجماعة الصحابة، المجتنبون عن الابتداع في الاعتقاد، والعمل والقول اجتناباً كلياً، وإن كان صدر من أحد منهم ذنب غير بدعة، عفا الله عنه برحمته، أو يكون سكرات الموت، أو شدائد القبر، أو أهوال المحشر كفارة له، فيدخل الجنة ابتداء. قال الشاطبي: قوله: "كلها في النار" وعيد يدل على أن تلك الفرق قد ارتكبت كل واحدة منها معصية كبيرة، أو ذنباً عظيماً لما تقرر في الأصول أن ما يتوعد عليه الشر فخصوصيته كبيرة، إذ لم يقل "كلها في النار" إلا من جهة الوصف الذي افترقت بسبه عن السواد الأعظم وعن جماعته، وليس ذلك إلا

стр. 276

قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)) . ــ للبدعة المفرقة، إلا أنه ينظر في هذا الوعيد هل هو أبدي أم لا؟ وإذ قلنا: إنه غير أبدي هل هو نافذ أم في المشيئة؟ أما المطلب الأول فينبئ على أن بعض البدع مخرجة من الإسلام أو ليست مخرجة، والخلاف في الخوارج وغيرهم من السبائية، والغرابية، والجناحية، ونحوهم المخالفين في العقائد موجود. فحيث نقول بالتكفير لزم منه تأييد التحريم على القاعدة "أن الكفر والشرك لا يغفره الله سبحانه"، وإذا قلنا بعدم التكفير فيحتمل على مذهب أهل السنة أمرين: أحدهما نفوذ الوعيد من غير غفران، ويدل على ذلك ظواهر الأحاديث، وقوله هنا: "كلها في النار" أي مستقرة ثابتة فيها. والثاني أن يكون مقيداً بأن يشاء الله تعالى إصلاءهم في النار، وإنما حمل قوله: "كلها في النار" على معنى هي ممن يستحق النار. كما قيل في قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاءه جهنم خالداً فيها﴾ [٩٣:٤] ، أي ذلك جزاؤه إن لم يعف الله عنه، فإن عفا عنه فله العفو إن شاءالله، لقوله تعالى: ﴿إن الله يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [٤٨:٤] ، فكما أن القاتل في المشيئة وإن لم يكن الاستدراك كذلك يصح أن يقال هنا بمثله -انتهى مختصراً. وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح حديث معاوية. وقوله: "ملة واحدة" نص في أن الحق واحد لا يختلف، إذ لو كان للحق فرق أيضاً لم يقل: إلا واحدة. ولأن الاختلاف منفي عن الشريعة بإطلاق؛ لأنها الحاكمة بين المختلفين لقوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [٥٩:٤] إذ رد التنازع إلى الشريعة، فلو كانت الشريعة تقتضي الخلاف لم يكن في الرد إليها فائدة. وقوله: "في شيء" نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة من صيغ العموم، فتنتظم كل تنازع على العموم، فالرد فيها لا يكون إلا لأمر واحد، فلا يسع أن يكون أهل الحق فرقاً، قاله الشاطبي (قالوا من هي) أي تلك الملة أي أهلها الناجية. (ما أنا عليه وأصحابي) أي هي ما أنا عليه وأصحابي، فسر أهل تلك الملة الواحدة بذلك؛ لأن تعريف أهل الملة حاصل بتعريف ملتهم، وقيل: التقدير أهلها من كان على ما أنا عليه وأصحابي من الاعتقاد والقول والعمل. والمراد بهم المهتدون المتمسكون بسنته وسنة الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة الذين فهموا أمر دين الله بالتلقي من نبيه مشافهة على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال. قال الشاطبي: أصل الجواب أن يقال: أنا وأصحابي، ومن عمل مثل عملنا، أو ما أشبه ذلك مما يعطي تعيين الفرقة إما بالإشارة إليها أو بوصف من أوصافها إلا أن ذلك لم يقع، وإنما وقع في الجواب تعيين الوصف لا تعيين الموصوف، فلذلك أتى بما أتى، فظاهرها الوقوع على غير العاقل من الأوصاف وغيرها، والمراد هنا الأوصاف التي هو عليها ﷺ وأصحابه، فلم يطابق السؤال الجواب في اللفظ، والعذر عن هذا أن العرب لا تلتزم ذلك النوع إذا فهم المعنى؛ لأنهم لما سألوه عن تعيين الفرقة الناجية بين لهم الوصف الذي به صارت ناجية فقال: ما أنا عليه وأصحابي. ويمكن أن يقال: إن النبي ﷺ لما ذكر الفرق، وذكر أن فيها فرقة ناجية كان السؤال عن أعمال الفرقة الناجية لا عن نفس الفرقة؛ لأن التعريف فيها من حيث هي لا فائدة فيه إلا من جهة أعمالها التي نجت بها، فالمقدم في الاعتبار هو العمل لا العامل، فلو سألوا ما وصفها أو عملها؟ أو ما أشبه ذلك لكان أشد مطابقة في اللفظ

стр. 277

والمعنى، فلما فهم ﵇ منهم ما قصدوا أجابهم على ذلك، وتقول: لما تركوا السؤال عما كان الأولى في حقهم، أتى به جواباً عن سؤالهم حرصاً منه ﵇ على تعليمهم ما ينبغي لهم تعلمه والسؤال عنه، ويمكن أن يقال: إن ما سألوا عنه لا يتعين، إذ لا تختص النجاة بمن تقدم دون من تأخر، إذ قد كانوا قد اتصفوا بوصف التأخير، ومن شأن هذا السؤال التعيين، وعدم انحصارهم بزمان أو مكان لا يقتضي التعيين، وانصرف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع، وهو ما كان عليه وأصحابه، وهذا الجواب بالنسبة إلينا كالمبهم، وهو بالنسبة إلى السائل معين؛ لأن أعمالهم كانت للحاضرين معهم رأي عين، فلم يحتج إلى أكثر من ذلك؛ لأنه غاية التعيين اللائق بمن حضر، فأما غيرهم ممن لم يشاهد أحوالهم ولم ينظر أعمالهم فليس مثلهم، ولا يخرج الجواب بذلك عن التعيين المقصود، والله أعلم. قال: ولم يعين النبي ﷺ من الفرق إلا واحدة، وإنما تعرض لعدها خاصة، وأشار إلى الفرقة الناجية حين سئل عنها، وإنما وقع ذلك كذلك، ولم يكن الأمر بالعكس لأمور أحدها أن تعيين الفرقة الناجية هو الآكد في البيان بالنسبة إلى تعبد المكلف، والأحق بالذكر، إذ لا يلزم تعيين الفرق الباقية إذ عينت الواحدة، وأيضاً لو عينت الفرق كلها إلا هذه الأمة لم يكن بد من بيانها؛ لأن الكلام فيها يقتضي ترك أمور وهي بدع، والترك للشيء لا يقتضي فعل شيء آخر لا ضداً ولا خلافاً، فذكر الواحدة هو المفيد على الإطلاق، والثاني أن ذلك أوجز؛ لأنه إذا ذكرت الفرقة الناجية علم على البديهة أن ما سواها مما يخالفها ليس بناجٍ، وحصل التعيين بالاجتهاد بخلاف ما إذا ذكرت الفرق الغير الناجية، فإنه يقتضي شرحاً كثيراً، ولا يقتضي في الفرقة الناجية اجتهاد؛ لأن إثبات العبادات التي تكون مخالفتها بدعاً لا حظ للعقل في الاجتهاد فيها. والثالث أن ذلك أحرى بالستر، ولو فسرت لناقض ذلك قصد الستر، ففسر ما يحتاج إليه وترك ما لا يحتاج إليه إلا من جهة المخالفة، فللعقل وراء ذلك مرمى تحت أذيال الستر، فبين النبي ﷺ ذلك بقوله: "ما أنا عليه وأصحابي"، يعني أن الفرقة الناجية من اتصف بأوصافه ﵇، وأوصاف أصحابه، وكان ذلك معلوماً عندهم غير خفي، فاكتفى به، وربما يحتاج إلى تفسيره بالنسبة إلى من بعد تلك الأزمان. وحاصل الأمر أن أصحابه كانوا مقتدين به، مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في القرآن، وأثنى عليهم متبوعهم محمد ﷺ ، وإنما خلقه ﷺ القرآن، فالقرآن إنما هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السنة مبينة له، فالمتبع للسنة متبع للقرآن، والصحابة كانوا أولى الناس بذلك، فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية الداخلة للجنة بفضل الله، وهو معنى "ما أنا عليه وأصحابي"، فالكتاب والسنة هو الطريق المستقيم، وما سواهما من الإجماع وغيره فناشيء عنهما، هذا هو الوصف الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهو معنى ما جاء في الرواية الأخرى "وهي الجماعة"؛ لأن الجماعة في وقت الإخبار كانوا على ذلك الوصف، انتهى. قلت: وهو معنى ما جاء في حديث أبي أمامة عند الطبراني: ((كلهم في النار إلا السواد الأعظم)) . وأصرح من ذلك ما رواه الطبراني أيضاً عن أبي الدرداء، وواثلة، وأنس بلفظ: ((كلهم على الضلالة إلا السواد الأعظم. قالوا يا رسول الله ﷺ من السواد الأعظم؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي)) . فالمراد "بالجماعة" و"السواد الأعظم" و"ما أنا عليه وأصحابي" شيء واحد، ولا شك أنهم أهل السنة والجماعة. قال الشيخ الجيلاني في الغنية: وأما الفرقة الناجية فهي أهل السنة والجماعة. قال: وأهل السنة لا اسم لهم إلا اسم

стр. 278

رواه الترمذي. ــ واحد، وهو أصحاب الحديث. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: الفرقة الناجية هم الآخذون في العقيدة والعمل جميعاً بما ظهر من الكتاب والسنة، وجرى عليه جمهور الصحابة والتابعين، وإن اختلفوا فيما بينهم فيما لم يشتهر فيه نص، ولا ظهر من الصحابة اتفاق عليه، استدلالاً منهم ببعض ما هنالك، أو تفسيراً لمجمله، وغير الناجية كل فرقة اتتحلت عقيدة خلاف عقيدة السلف، أو عملاً دون أعمالهم -انتهى. وقال ابن حزم في الفصل (ج٢: ص١١٣) : وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة، فإنهم الصحابة وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين، ثم أصحاب الحديث، ومن تبعهم من الفقهاء جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها -انتهى. قال الشاطبي: ثم إن في تعريف الفرقة الناجية المذكورة في الحديث نظراً، وذلك أن كل داخل تحت ترجمة الإسلام من سني ومبتدع مدع أنه هو الذي نال رتبة النجاة ودخل في غمار تلك الفرقة، قال: فتعيين هذه الفرقة الناجية في مثل زماننا صعب، ومع ذلك فلا بد من النظر فيه، ثم بسط الكلام في ذلك أشد البسط فارجع إليه. (رواه الترمذي) في الإيمان وحسنه، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد ضعفه الدارقطني وغيره. وقال الحافظ: ضعيف في حفظه، ووثقه يحيى القطان، وقال البخاري: هو مقارب الحديث. والظاهر أن الترمذي حسنه لشواهده، فمنها حديث أبي هريرة، أخرجه الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والحاكم، وصححه الترمذي، وسكت عنه أبوداود، وأقر المنذري تصحيح الترمذي، وقال الحاكم (ج١:ص١٢٨) : صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ومنها حديث أنس أخرجه أحمد (ج٣:ص١٢٠) وابن ماجه. قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات، ورواه أبويعلى في مسنده مطولاً من طريقين في أحدهما أبومعشر نجيح، وفيه ضعف، وفي الآخر يزيد الرقاشي، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٦:ص٢٢٦) : ضعفه الجمهور، وفيه توثيق لين، وبقية رجاله رجال الصحيح. ورواه الطبراني في الصغير مختصراً. قال الهيثمي (ج١:ص١٨٩) : وفيه عبد الله بن سفيان، قال العقيلي: لا يتابع على حديث. هذا، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، ومنها حديث عوف بن مالك، أخرجه ابن ماجه، قال البوصيري: في سنده مقال، وراشد بن سعد، قال فيه أبوحاتم: صدوق، وعباد بن يوسف، لم يخرج له سوى ابن ماجه، وليس له عنده سوى هذا الحديث. وقال ابن عدي: روى أحاديث تفرد بها، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات - انتهى. كلام البوصيري. قلت: راشد بن سعد الحمصي ثقة، وثقه ابن معين، وأبوحاتم، والعجلي، ويعقوب بن شيبه، والنسائي، وابن سعد. وقال أحمد: لا بأس به. وقال يحيى بن سعد: هو أحب إلي من مكحول. وقال الدارقطني: لا بأس به إذا لم يحدث عنه متروك. وعباد بن يوسف الكرايبسي، قال عثمان بن محمد: حدثنا إبراهيم بن العلاء: ثنا عباد بن يوسف صاحب الكرابيس ثقة. قال في التقريب: مقبول. فالحديث لا يتحط عن درجة الحسن، بل هو صحيح، وأخرجه الحاكم (ج٤:ص٤٣٠) من طريق آخر، وقال صحيح علىشرط الشيخين، وسكت عليه الذهبي. ومنها حديث معاوية بن أبي سفيان، وسيأتي الكلام فيه.

стр. 279

١٧٢- (٣٣) وفي رواية أحمد، وأبي داود، عن معاوية: ((ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، ــ ومنها حديث أبي أمامة، أخرجه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه أبوغالب، وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجال الأوسط ثقات، وكذلك أحد إسنادي الكبير، قاله الهيثمي (ج ٦:ص٢٥٨، ٢٥٩) . ومنها حديث أبي الدرداء، وواثلة بن الأسقع، أخرجه الطبراني أيضاً، وفي إسناده كثير بن ودان، وهو ضعيف جداً، قاله الهيثمي (ج٦: ص٢٥٩) ، ومنها حديث عمرو بن عوف، عزاه الهيثمي (ج٦: ص٢٦٠) للطبراني، وقال: فيه كثير بن عبد الله، وهو ضعيف، وقد حسن الترمذي له حديثاً، وبقية رجاله ثقات. ومنها حديث سعد بن أبي وقاص، أخرجه البزار. قال الهيثمي (ج٦:ص٢٥٩) : وفيه موسى بن عبيدة الربذى، وهو ضعيف. ومنها حديث ابن عمر، أخرجه أبويعلى، وفي سنده ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات، قاله الهيثمي (ج٦:ص٢٥٩) ومنها حديث ابن مسعود، وحديث علي موقوفها عليهما، وذكرهما الشاطبي في الاعتصام (ج٢:ص٢١١) وقال: لا أضمن عهدة صحتهما، وذكر على المنقي في الكنز (ج١:ص٩٦) حديثاً مرفوعاً عن علي، وعزاه لابن النجار، وقد ظهر بما ذكرنا من الكلام في أحاديث هؤلاء الصحابة أن بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف، وتحصل منه أن حديث افتراق الأمة صحيح من غير شك، فلا يعبأ بقول ابن حزم في الفصل (ج٣:ص١٣٨) : إن هذا الحديث لا يصح عن طريق الإسناد. وأيضاً نفي الصحة لا يلزم منه ثبوت الضعف أو الوضع، فيمكن أن يراد به نفي الصحة مع ثبوت الحسن رتبة بين الصحيح والضعيف، وكذا لا يدل قول المجد صاحب القاموس في آخر سفر السعادة: أنه لم يثبت فيه شيء على ثبوت العدم أو الضعف، لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة، فلا ينتفي الحسن، وعلى التنزل فيقدم تصحيح الترمذي والحاكم ومن وافقهما على قول ابن حزم والمجد. ١٧٢- قوله: (وفي رواية أحمد) بن حنبل في مسنده (ج٤:ص١٠٤) (وأبي داود عن معاوية) أي بعد قول "وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين" ومعاوية هذا، هو ابن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبوعبد الرحمن الأموى. أسلم يوم الفتح، وقيل: قبل ذلك، وكتب الوحي، وقيل: لم يكتب من الوحي شيئاً إنما كتب له كتبه، تولى الشام بعد أخيه يزيد في زمن عمر، ولم يزل بها متولياً حاكماً إلى أن مات، وذلك أربعون سنة، منها في أيام عمر أربع سنين أو نحوه، ومدة خلافة عثمان، وخلافة علي وابنه الحسن، وذلك تمام عشرين سنة، ثم استوثق الأمر بتسليم الحسن بن علي إليه في سنة (٤١) ودام له عشرين سنة، في رجب بدمشق، وله (٤٨) سنة. قال الذهبي: ولي الشام عشرين سنة، وملك عشرين سنة. وكان حليماً كريماً سائساً عاقلاً، خليقاً للإمارة، كامل السودد، ذا دهاء ورأي ومكر، كأنما خلق للملك. له مائة وثلاثون حديثاً، اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة، وروى عنه أبوذر وابن عباس من الصحابة، وجماعة من التابعين. مات في رجب سنة (٦٠) وقد قارب الثمانين. (ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة) . قال السندهي في حاشية ابن ماجه: قيل: إن أريد الخلود في النار فهو خلاف الإجماع، فإن المؤمنين لا يخلدون في النار، وإن أريد مجرد الدخول فيها فهو مشترك بين الفرق، إذ ما من فرقة إلا بعضهم عصاة، والقول بأن معصية

стр. 280

وهي الجماعة، وأنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله. ــ الفرقة الناجية مطلقاً مغفورة بعيد، أجيب بأن المراد أنهم في النار لأجل اختلاف العقائد، فمعنى "وواحدة في الجنة" أنهم لا يدخلون النار لأجل اختلاف العقائد، أو المراد بكونهم في النار طول مكثهم فيها، وبكونهم في الجنة أن لا يطول مكثهم في النار، وعبر عنه بكونهم في الجنة ترغيباً في تصحيح العقائد، وأنه يلزم أن لا يعفى عن البدعة الاعتقادية كما لا يعفى عن الشرك، إذ لو تحقق العفو عن البدعة. فإن قيل: لا يلزم دخول كل الفرقة المبتدعة في النار فضلاً عن طول مكثهم، إذ هو مخالف لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء﴾ [٤٨:٤] أجيب بأن المراد أنهم يتعرضون لما يدخلهم النار من العقائد الرديئة، ويستحقون ذلك. ويحتمل أن المراد أن الغالب في تلك الفرق دخول النار، فيندفع الإشكال من أصله -انتهى. (وهي الجماعة) أي الموافقون لجماعة الصحابة الآخذون بعقائدهم، المتمسكون بطريقتهم، وهم أهل السنة والجماعة، أي أصحاب الحديث الذين اجتمعوا على اتباع آثاره ﷺ في جميع الأحوال، واتفقوا على الأخذ بتعامل الصحابة وأجماعهم، ولم يبتدعوا بالتحريف والتغيير، ولم يبدلوا بالآراء الفاسدة. (وأنه سيخرج) أي سيظهر (في أمتي أقوام) أي جماعات (تتجارى) بالتائين أي تدخل وتجري وتسري (بهم) أي في مفاصلهم وعروقهم. (تلك الأهواء) جمع هوى البدع التي كانت السبب في الافتراق، وضعت موضعها وضعاً للسبب موضع المسبب؛ لأن هوى الرجل هو الذي يحمله على الابتداع في العقيدة والقول والعمل. (كما يتجارى الكلب) بفتحتين داء يعرض للإنسان من عض الكلب الكلب أي المكلوب، وهو داء يصيب الكلب فيصيبه شبه الجنون فلا يعض أحداً إلا كلب، ويعرض له أعراض رديئة ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشاً، كذا في النهاية. (بصاحبه) أي مع صاحبه إلى جميع أعضائه أي مثل جرى الكلب في العروق، شبه حال الزاغين من أهل البدع في استيلاء تلك الأهواء عليهم، وفي سراية تلك الضلالة منهم إلى الغير بدعوتهم إليها، ثم تنفرهم من العلم وامتناعهم من قبوله حتى يهلكوا جهلاً، بحال صاحب الكلب وسريان تلك العلة في عروقه ومفاصله شبه الجنون، ثم تعديته إلى الغير فلا يعض المجنون أحداً إلا كلب أي جن، ويعرض له أعراض رديئة تشبه الماليخوليا مهلكة غالباً، ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشاً، قاله الطبي. وفي هذا التشبيه فوائد: منها التحذير من مقاربة تلك الأهواء ومقاربة أصحابها، وبيان ذلك أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى فإن أصل الكلب واقع في الكلب، ثم إذا عض ذلك الكلب أحداً صار مثله ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب إلا بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله فقلما يسلم من غائلته، بل إما أن يقع معه في مذهبه ويصير من شيعته، وإما أن يثبت في قلبه شكاً يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر، هذا بخلاف سائر المعاصي، فإن صاحبها لا يضاره ولا يدخله فيها غالباً إلا مع طول الصحبة والأنس به، والاعتياد لحضور معصيته، وقد أتى في الآثار ما يدل على هذا المعنى، فإن السلف الصالح نهوا عن مجالستهم، ومكالمتهم، وكلام مكالمهم، وأغلظوا في ذلك، قاله الشاطبي وبسط الكلام في شرح رواية معاوية أيضاً،

стр. 281

١٧٣- (٣٤) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد - على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار)) رواه الترمذي. ــ فعليك أن ترجع إلى كتابه الاعتصام (ج٢:ص٢٤٣، ٢٣١) وحديث معاوية هذا، أخرجه أبوداود في السنة، وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١: ص١٢٨) ، وقال بعد ذكره طرق حديث أبي هريرة: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث. ١٧٣- قوله: (إن الله لا يجمع أمتي) أي أمة الإجابة (أو قال: أمة محمد) شك من الراوي (على ضلالة) أي لا يجتمعون على ضلالة غير الكفر، وقيل: على خطأ في الاجتهاد. وقيل: على كفر ومعصية، وهذا قبل مجيء الريح اللينة. قيل: فيه دليل على أن إجماع المسلمين حق، والمراد إجماع العلماء المجتهدين من أهل السنة والجماعة، ولا عبرة بإجماع العوام؛ لأنه لا يكون عن علم، ووجه الاستدلال به أن عمومه ينفي وجود الضلالة، والخطأ ضلالة فلا يجوز الإجماع عليه، فيكون ما أجمعوا عليه حقاً، وعندنا في دلالة هذا الحديث وما في معناه من الأحاديث على حقية الإجماع الشرعي ثم على حجيته نظر؛ لأن الاستدلال به على ذلك موقوف على أن المراد بالضلالة، الخطأ في الاجتهاد، وكون الخطأ المظنون ضلالة ممنوع، والظاهر أن المراد به الكفر والمعصية. (ويد الله علىالجماعة) قال الجزرى: أي أن الجماعة المتفقة من أهل الإسلام في كنف الله، ووقايته فوقهم، وهم بعيد عن الخوف والأذى فأقيموا بين ظهرانيهم - انتهى. وقال الفتنى في المجمع: أي سكينته ورحمته مع المتفقين، وهم بعيد من الخوف والأذى والاضطراب، فإذا تفرقوا زال السكينة، وأوقع بأسهم بينهم، وفسد الأحوال. (ومن شذ) بصيغة المعلوم أي انفرد عن الجماعة وخرج عنها (شذ) بصيغة المجهول، وحكي بصيغة المعلوم أيضاً (في النار) كذا عند الحاكم، والحكيم الترمذي، وابن جرير، ووقع في جامع الترمذي "إلى النار"، يعني انفرد عن أصحابه الذين هم أهل الجنة وألقى في النار، وقال الطيبي: أي فقد شذ فيما يدخله النار أو في أمر النار، والشذوذ المنهي عنه شرعاً هو الشذوذ الذي يشق به صاحبه عصا الإسلام، ويثير به الفتن المنهي عن إثارتها، كشذوذ الخوارج والرافضة وأمثالهم مما يظهر آناً فآناً لا الشذوذ في أحكام الاجتهاد. (رواه الترمذي) في أوائل الفتن، وفي سنده سليمان بن سفيان التيمي، وهو ضعيف. قال البخاري: إنه منكر الحديث. فالحديث ضعيف، لكن له شواهد ذكرها الحافظ في التلخيص، والحاكم في المستدرك، تدل على أن للحديث أصلاً. تنبيه: اعلم أن المراد بالاجماع الذي احتجوا على حجيته بهذا الحديث وأمثاله هو الإجماع الشرعي المصطلح عند الأصوليين، وهو اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاته ﷺ في عصر من الأعصار على أمر ديني. واختلفوا في وقوعه وحجيته، والذي ندين الله به في هذا هو أن إجماع الصحابة حق وحجة، وإليه الإشارة بقوله: "ما أنا عليه وأصحابي"، وأما إجماع مجتهدى الأمة قاطبة بعد عصر الصحابة في عصر من الأعصار أي الإجماع الكلي

стр. 282

١٧٤- (٣٥) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)) . رواه ابن ماجه من حديث أنس. ــ فلا تصح دعواه عندنا، فإنه متعذر بل ممتنع لعدم إمكان العلم به. ولذا قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب. وأما الإجماع الجزئي فخارج عن البحث، وارجع للتفصيل إلى كتب الأصول للمذاهب الأربعة، وإرشاد الفحول للعلامة الشوكاني، وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخواطر لابن قدامة المقدسي. ١٧٤- قوله: (اتبعوا السواد) "السواد" في اللغة العدد الكثير، وسواد الناس عامتهم (الأعظم) أي جملة الناس، ومعظمهم الذين يجتمعون على طاعة الإمام أي السلطان الأعظم، وسلوك النهج المستقيم. وقيل: المراد "بالسواد الأعظم" من كان على ما عليه رسول الله ﷺ وأصحابه من أهل الحديث، وهم الطائفة المنصورون، الظاهرون على الحق، المعظمون عند الله، المذكورون في قوله: ((لاتزال طائفة من أمتي)) الحديث. قال في الأزهار: اتبعوا السواد الأعظم يدل على أن أعاظم الناس العلماء وإن قل عددهم، ولم يقل: الأكثر.؛ لأن العوام والجهال أكثر عددا (فإنه) الضمير للشأن (من شذ) أي نفر عن السواد الأعظم بخروجه على الإمام الذي اجتمع على طاعته معظم الناس، أو انفرد عن الجماعة الحقة الناجية، الكائنة على ما هو عليه وأصحابه ﷺ . (رواه ابن ماجه من حديث أنس) كذا في جميع طبعات الهند من المشكاة. قال الشيخ الألباني قوله: "رواه ابن ماجه من حديث أنس"، كذا في الأصل أي النسخة المطبوعة في الهند، وفي جميع النسخ أي المخطوطة الثلاث، وهي نسخة حاكم قطر، ونسخة مكتبة دمشق، ونسخة حلب، بياض. ويظهر أن المؤلف تعمد تركه؛ لأنه لم يجد من أخرجه كما أشار إليه في مقدمة الكتاب، وكذلك لم أجده في شيء من كتب السنة المعروفة حتى الأمالي والفوائد والأجزاء التي مررت عليها وهي تبلغ المئات، ولا أورده السيوطي في الجامع الكبير. وأما قول القاري: بعده بياض، وألحق ميرك شاه "ابن ماجه" ففي هذا الإلحاق نظر؛ لأن ابن ماجه وإن رواه عن أنس فهو بلفظ: ((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم)) . وكذا ابن بطة في "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية" (ق١٤٥/٢) وسنده ضعيف جداً، ومن ذلك يتبين أن ما في الأصل كأنه إضافة نقلاً عن ميرك شاه – انتهى. قلت: قال البوصيرى في زوائد ابن ماجه: في إسناد حديث أنس، أو خلف الأعمى واسمه حازم بن عطاء وهو ضعيف، وقد جاء الحديث بطرق، في كلها نظر، قاله شيخنا في تخريج أحاديث البيضاوي- انتهى. قلت أخرج الحاكم (ج١:ص١١٥) وابن جرير كما في الكنز (ج١:ص٥٣) وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (ص١٢٨) بغير سند عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً، وقال: يدالله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)) . قال الحاكم: لو حفظ خالد بن يزيد القرني هذا الحديث لحكمنا له بالصحة، ثم بسط الاختلاف في سنده ومتنه، وعلى ذلك فكان ينبغي أن يلحق "الحاكم في المستدرك".

стр. 283

١٧٥- (٣٦) وعن أنس قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل، ثم قال: يا بني وذلك من سنتي، ومن أحب سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة)) رواه الترمذي. ١٧٦- (٣٧) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تمسك بسنتي عند فساد أمتي، فله أجر مائة شهيد)) رواه ... ــ ١٧٥- قوله: (يا بني) تصغير ابن لطفاً ومرحمة وشفقة. (أن تصبح وتمسي) أي تدخل في وقت الصباح والمساء، والمراد جميع الليل والنهار (وليس في قلبك) الجملة حال من الفاعل، تنازع فيه الفعلان أي وليس كائناً في قلبك (غش) بكسر الغين، وضد النصح الذي هو إراداة الخير للمنصوح له (لأحد) هو عام للمؤمن والكافر، فإن نصيحة الكافر أن يجتهد في إيمانه، ويسعى في خلاصة من ورطة الهلاك باليد واللسان. وبالتألف بما يقدر عليه من المال، قاله الطيبي. (فافعل) أي نصحيتك (وذلك) أي خلو القلب من الغش (من سنتي) أي طريقتي. قال الطيبي: قوله: "فافعل" جزاء كناية عما سبق في الشرط من المعنى إن فعلت ما نصحتك به فقد أتيت بأمر عظيم، ولهذا أشار بقوله "وذلك" للإشعار بأنه رفيع المنزلة، بعيد التناول (ومن أحب سنتي) الخ. كذا وقع في المشكاة من الإحباب في الموضع الثلاثة، وكذا في المصابيح، ووقع في نسخ الترمذي الموجودة عندنا "ومن أحيا سنتي فقد أحياني، ومن أحياني كان معي في الجنة"، من الإحياء في المواضع الثلاثة، وهذا يدل على اختلاف نسخ الترمذي في هذا اللفظ، ويؤيد كونه من الإحباب ما ذكره في الكنز عزواً إلى السجزي في الإبانة بلفظ: ((من أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة)) . ومن أحب سنتي أي فعمل بها (فقد أحبني) أي حياً كاملاً؛ لأن محبة الآثار علامة محبة مصدرها (ومن أحبني كان معي) أي معية متقاربة لا معية متحدة في الدرجة (في الجنة) فإن المرء مع من أحب. (رواه الترمذي) في العلم، وقال: في الحديث قصة طويلة، هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أيضاً السجزى كما في الكنز (ج١:ص٤٧) . ١٧٦- قوله: (عند فساد أمتي) أي عند غلبة البدعة والجهل والفسق فيهم (فله أجر مائة شهيد) لما يلحقه من المشقة بالعمل بها وبإحيائها وتركهم لها، كالشهيد المقاتل مع الكفار لإحياء الدين بل أكثر. قال الطيبي: لم يقل إفسادهم لأنه أبلغ، كأن ذواتهم قد فسدت فلا يصدر منهم صلاح، ولا ينجع الوعظ فيهم، لا سيما إذا ظهر ذلك في العلماء منهم والمقتفين آثارهم، فإذن المجاهدة معهم أصعب وأشق من المجاهدة مع الكفار، ولذلك ضوعف أجر من جاهدهم على من جاهد الكفار أضعافاً كثيرة (رواه) بعده بياض في الأصل، والحديث أخرجه البيهقي في الزهد، وابن عدى في الكامل عن ابن عباس من رواية الحسن بن قتيبة الخزاعي المدائني. قال ابن عدى: أرجو أنه

стр. 284

١٧٧- (٣٨) وعن جابر عن النبي ﷺ حين أتاه عمر فقال: ((إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولوكان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي)) رواه أحمد، والبيهقي في شعب الإيمان. ــ لا بأس به. قال الحافظ: بل هو هالك. قال الدارقطني في رواية البرقاني: متروك الحديث. وقال أبوحاتم: ضعيف. وقال الأزدي: واهي الحديث. وقال العقيلي: كثير الوهم. كذا في لسان الميزان (ج٢: ص٢٤٦) قال المنذري: ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة بإسناد لا بأس به إلا أنه قال: "فله أجر شهيد"، ومن طريق الطبراني رواه أبونعيم في الحلية (ج٨: ص٢٠٠) وفيه عبد العزيز بن رواد، وفيه ضعف، ومحمود بن صالح العذري، قال الهيثمي (ج١: ص١٧٢) : ولم أجد من ترجمه. ١٧٧- قوله: (إنا نسمع أحاديث) أي حكايات ومواعظ (من يهود) قال الأبهرى: غير منصرف للعلمية والتأنيث؛ لأنه يجرى مجرى القبيلة. وقيل: الأولى أن يقال: للعلمية ووزن الفعل؛ لأن أسماء القبائل التي ليست فيها تأنيث لفظي، يجوز صرفها حملاً على الحي، وعدم صرفها حملاً على القبيلة، ويهود لا يجوز فيها إلا عدم الصرف. (تعجبنا) بضم التاء وكسر الجيم أي تحسن عندنا، وتميل قلوبنا إليها. (أفترى) أي أتحسن لنا استماعها "فترى" يعني فتأذن. (أمتهوكون) أي متحيرون في الإسلام، لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من غير كتابكم ونبيكم (أنتم) للتأكيد (كما تهوكت اليهود والنصارى) أي كتحيرهم حيث نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا أهوائهم ورهبانهم وأحبارهم. (لقد جئتكم بها) أي بالملة الحنيفية بقرينة الكلام (بيضاء) أي واضحة، حال من ضمير "بها". (نقية) صفة "بيضا" أي ظاهرة صافية خالصة، خالية عن الشرك والشبهة. وقيل: المراد بها أنها مصونة عن التبديل والتحريف والإصرار والأغلال، خالية عن التكاليف الشاقة، وأشار بذلك إلى أنه أتى بالأعلى والأفضل، واستبدال الأدنى بالأعلى مظنة التحير. وقال الطيبي: "بيضاء نقيه" حالاًن مترادفان من الضمير المفسر بالملة - انتهى. وإنما أنكر عليهم؛ لأن طلبهم يشعر بأنهم اعتقدوا نقصان ما أتى به النبي ﷺ . (ولو كان موسى حياً) الخ. أي إذا كانت هذه حالة موسى فيكف بكم؟ وأنتم تطلبون من هؤلاء المحرفين ما تنتفعون به. (ما وسعه) أي ما جاز له (إلا اتباعي) في الأقوال والأفعال فكيف يجوز لكم أن تطلبوا فائدة من قومه مع وجودي. (رواه أحمد) (ج٣:ص٣٨٧) (والبيهقي في شعب الإيمان) ، وفي سنده مجالد بن سعيد الهمداني، وفيه مقال. قال الحافظ: ليس بالقوى، وقد تغير في آخر عمره، إلا أن الحديث قد جاء عن غير مجالد، فتأيد به، فقد روي نحو عن ابن عباس عند أحمد وابن ماجه، وعن جابر عند ابن حبان، وعن عبد الله بن ثابت عند أحمد وابن سعد والحاكم في الكنى، والطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان.

стр. 285

١٧٨- (٣٩) وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أكل طيباً، وعمل في سنة، وأمن الناس بوائقه، دخل الجنة. فقال رجل: يا رسول الله ﷺ إن هذا اليوم لكثير في الناس. قال: وسيكون في قرون بعدي)) رواه الترمذي. ١٧٩- (٤٠) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به ــ ١٧٨- قوله: (من أكل طيباً) أي حلالاً يعني من كان قوته حلالاً (وعمل في سنة) أي في موافقة سنة، يعني يكون متمسكاً في كل عمل بسنة، أي بحديث جاء في ذلك العمل. قال الطيبي: "سنة" نكرة وضعت موضع المعرفة لإرادة استغراق الجنس بحسب إفراده كما في قوله تعالى: ((ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ [٢٧:٣١] . وقد أكل الحلال لأنه مورث للعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾ [٢٣: ٥١] . (وأمن الناس بوائقه) البائقة الداهية، وهي المحنة العظيمة، والمراد هنا الشرور كالظلم والغش والإيذاء. (دخل الجنة) أي استحق دخولها دخولاً أولياً أي مع السابقين، أو بغير عذاب، وإلا فمن فم يعمل بالسنة ومات مسلماً يدخلها وإن عذب. (إن هذا) أي الرجل الموصوف المذكور (اليوم) ظرف مقدم لخبر "إن" (لكثير في الناس) بحمد الله، فما حال المستقبل؟ (وسيكون) أي هم كثيرون اليوم، وسيوجد من يكون بهذه الصفة (في قرون بعدي) قال التوربشتي: يحتمل أن الرجل قال ذلك حمداً لله تعالى وتحديثاً بنعمته، أي لا استفهاماً عن المستقبل، فقال"سيكون" في قرون بعدي، ليوقفه على أن ذلك غير مختص بالقرن الأول أي بهذا القرن. ويحتمل أنه فهم من قوله: "من أكل طيبا" الخ. التحريض على الخصال المذكورة، والزجر عن أضدادها، ووجد الناس يتدينون بذلك ويحرضون عليه، فخاف أن النبي ﷺ اطلع على خلاف ذلك في مستقبل الأمر منهم، فأحب أن يستكشف عنه، فقال هذا القول، فعرف ﷺ منه ذلك، فأجابه ﷺ بقوله: "وسيكون في قرون بعدي" باختصر الكلام اعتماداً على فهم السامع، وتهويلاً للأمر المحذور عنه - انتهى. وقال صاحب اللمعات: معناه لا ينقطع الخيرعن أمتي قطعاً وإن تفاوتت الحال قلة وكثرة، فتنكير "قرون" للتقليل، ويحتمل التكثير لكثرته في نفسه، ويشبه أن يكون المراد القرون الموسومة بخير القرون، ولكن هذه الصفات ليست مخصوصة بهم- انتهى. (رواه الترمذي) في آخر الزهد، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، أي ابن موسى، عن هلال بن مقلاص، عن أبي بشر، عن أبي وائل، وعن أبي سعيد- انتهى. وأبوبشر هذا مجهول، قاله الحافظ في التقريب. والحديث أخرجه أيضاً ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وغيره، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ١٧٩- قوله: (إنكم) أيها الصحابة (في زمان) أي متصف بعزة الإسلام وأمن أهله. (من ترك منكم) أي فيه، وهو الرابط لجملة الشرط بموصوفها وهو "زمان"، (عشر ما أمربه) أي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ
следующие страницы →