Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
متفق عليه.
٢٠٢٣- (٥) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب
ــ
بهذا القول إذ كانا قد أمسيا ودخلا في وقت الإفطار، كما يقال أصبح الرجل وأظهر وأمسى إذا دخل في هذه الأوقات. ويدل عليه ما روى ابن حبان والطبراني في الأوسط عن جابر أن النبي ﷺ أمر أباطيبة فوضع المحاجم مع غيبوبة الشمس، ثم أمره مع إفطار الصائم فحجم- الحديث. قال الهيثمي بعد عزوه إلى الطبراني: رجاله رجال الصحيح. وقيل معنى أفطرا فعلاً مكروهاً، وهو الحجامة فصار كأنهما غير متلبسين بالعبادة. قال الخطابي: قال بعضهم: هذا على التغليظ لهما والدعاء عليهما كقوله فيمن صام الدهر، لا صام ولا أفطر فمعنى قوله أفطر الحاجم والمحجوم على هذا التأويل أي بطل أجر صيامهما فكأنهما صارا مفطرين غير صائمين. وقيل معناه حان لهما أن يفطرا كقوله أحصد الزرع إذا حان له أن يحصد وأركب المهر إذا حان له أن يركب ذكره الخطابي أيضاً. وقال الشوكاني: حديث ابن عباس لا يصلح لنسخ أحاديث الإفطار؛ لأنه لم يعلم تأخره نعم حديث ابن أبي ليلى وأنس وأبي سعيد يدل على أن الحجامة غير محرمة ولا موجبة لإفطار الحاجم ولا المحجوم، فيجمع بين الأحاديث بأن الحجامة مكروهة (بكراهة التنزيه) في حق من كان يضعف بها وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ إلى حد يكون سبباً للإفطار، ولا تكره في حق من كان لا يضعف بها وعلى كل تجنب الحجامة للصائم أولى فيتعين حمل قوله أفطر الحاجم والمحجوم على المجاز لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه الحقيقي - انتهى. (متفق عليه) فيه نظر، فإن الحديث من أفراد البخاري وليس عند مسلم ذكر الاحتجام في حالة الصوم أصلاً، ولذلك نسبة المجد في المنتقى والحافظ في بلوغ المرام والتلخيص والنابلسي في الذخائر إلى البخاري فقط. والظاهر إن المنصف قلد في ذلك ابن الأثير الجزري إذ عزاه في جامع الأصول (ج٧ ص١٩١) إلى البخاري ومسلم وكليهما ولا شك في أن هذا وهم منه. وقد تقدم ذكر من أخرجه غير البخاري. وفي جواز الحجامة للصائم أحاديث عن جماعة من الصحابة ذكرها العيني في شرح البخاري (ج١١ ص٤٠) والهيثمي في مجمع الزوائد (ج٣ ص١٧٠) .
٢٠٢٣- قوله: (من نسي) أي أنه في الصوم (وهو صائم فأكل أو شرب) سواء كان قليلا أو كثيراً كما رجحه النووي لظاهر إطلاق الحديث. قال العيني: لا فرق عندنا وعند الشافعي بين القليل والكثير. وقال الرافعي فيه وجهان، كالوجهين. في بطلان الصلاة بالكلام الكثير - انتهى. وقد روى أحمد من حديث أم إسحاق إنها كانت عند النبي ﷺ فأتى بقصعة من ثريد فأكلت معه ثم تذكرت إنما كانت صائمة. فقال: لها ذو اليدين الآن بعد ما
стр. 2977
فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)) .
ــ
شبعت؟ فقال لها النبي ﷺ : أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك: قال الحافظ: بعد ذكره وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيرة- انتهى. ويروي وشرب واقتصر عليهما دون باقي المفطرات؛ لأنهما الغالب في النسيان (فليتم صومه) وفي رواية الترمذي فلا يفطر، قال العراقي يجوز أن يكون "لا" في جواب الشرط للنهي ويفطر مجزوماً، ويجوز أن تكون "لا" نافية ويفطر مرفوعاً، وهو أولى فإنه لم يرد به النهي عن الأفطار، وإنما المراد أنه لم يحصل إفطار الناسي بالأكل ويكون تقديره من أكل أو شرب ناسياً لم يفطر - انتهى. ثم لما لم يكن أكله وشربه باختياره المقتضي لفساد صومه بل لأجل إنساءه تعالى له لطفاً به وتيسيراً عليه بدفع الحرج عن نفسه علله ﷺ بقوله (فإنما أطعمه الله وسقاه) أي ليس له فيه مدخل قال السندي: كأن المراد قطع نسبة ذلك الفعل إلى العبد بواسطة النسيان، فلا يعد فعله جناية منه على صومه مفسداً له وإلا فهذا القدر موجود في كل طعام وشراب يأكله الإنسان أكله عمداً أو سهواً وقال الخطابي: النسيان من باب الضرورة، والأفعال الضرورية غير مضافة في الحكم إلى فاعلها، ولا يؤاخذ بها. وفي رواية الترمذي فإنما هو رزق رزقه الله. قال العيني: قوله فإنما تعليل لكون الناسي لا يفطر، ووجه ذلك إلى الرزق لما كان من الله ليس فيه للعبد تحيل فلا ينسب إليه شبه الأكل ناسياً به، لأنه لا صنع للعبد فيه وإلا فالأكل متعمداً حيث جاز له الفطر رزق من الله تعالى بإجماع العلماء وكذلك هو رزق وإن لم يجز له الفطر على مذهب أهل السنة - انتهى. والحديث دليل على أن من أكل أو شرب ناسياً لصومه فإنه لا يفطره ولا يوجب القضاء، وإليه ذهب الجمهور الشافعي وأحمد وأبوحنيفة وإسحاق والأوزاعي والثوري وعطاء وطاووس. وقال مالك: يبطل صومه ويجب عليه القضاء وهو قوله شيخه ربيعة وجميع أصحاب مالك لكن فرقوا بين الفرض والنفل واحتج الجمهور لقولهم بحديث الباب؛ لأنه أمر بالإتمام وسمي الذي يتمه صوماً، وظاهره حمله على الحقيقة الشرعية فيتمسك به حتى يدل دليل على أن المراد بالصوم هنا حقيقته اللغوية، وإذا كان صوماً وقع مجزئاً ويلزم من ذلك عدم وجوب القضاء كذا قرره ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢١٢) قال وقوله "إنما أطعمه الله وسقاه" يستدل به على صحة الصوم، فإن فيه إشعاراً بأن الفعل الصادر منه مسلوب الإضافة إليه، والحكم بالفطر يلزمه الإضافة إليه - انتهى. واستدل لمن ذهب إلى الفطر وإيجاب القضاء بأن ركن الصوم هو الإمساك عن المفطرات فإذا فات ركنه يفسد الصوم كيف ما كان. قال ابن دقيق العيد (ج٢ص ٢١١) ذهب مالك إلى إيجاب القضاء وهو القياس، فإن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات. والقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثر في باب المأمورات. وقال ابن العربي: تمسك جميع الفقهاء بظاهر هذا الحديث وتطلع مالك
стр. 2978
............................
ــ
إلى مسألة من طريقها فأشرف عليه، لأن الفطر ضد الصوم والإمساك ركن الصوم، فأشبه ما لو نسي ركعة من الصلاة وسيأتي الجواب عن هذا الاستدلال. واعتذر المالكية عن حديث الباب بوجوه. منها إن المراد فليتم إمساكه عن المفطرات يعني إن الصوم محمول على معناه اللغوي فيكون أمراً بالإمساك بقية يومه كالحائض إذا طهرت في أثناء اليوم وهو مدفوع أولاً، بأن الاتفاق على أن الحمل على المفهوم الشرعي حيث أمكن في لفظ الشارع واجب، فإن قيل يجب ذلك الدليل على البطلان وهو القياس الذي تقدم ذكره، قلنا حقيقة النص مقدم على القياس لو تم فكيف وهو لا يتم، فإنه لا يلزم من البطلان مع النسيان فيما له هيئة مذكرة البطلان معه فيما لا مذكر له وهيئة الإحرام والاعتكاف والصلاة مذكرة فإنها تخالف الهيئة العادية ولا كذلك الصوم والنسيان غالب للإنسان، فلا يلزم من عدم عذره بالنسيان مع تلك عدم عذره به مع الصوم. وثانياً، بأن نفس اللفظ يدفعه وهو قوله "فليتم صومه" وصومه إنما كان الشرعي فإتمام ذلك إنما يكون بالشرعي. وثالثاً: بما ورد من نفي القضاء صريحاً كما سيأتي. ومنها إنه محمول على التطوع حكاه ابن التين عن ابن شعبان، وكذا قال ابن القصار: واعتل بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان فيحمل على التطوع. ومنها أنه محمول على رفع الإثم وسقوط المؤاخذة. قال القرطبي: احتج بالحديث من أسقط القضاء، وأجيب بأنه لم يتعرض فيه للقضاء فيحمل على سقوط المؤاخذة لأن المطلوب صيام يوم لا خرم فيه. ومنها إن المراد منه سقوط الكفارة عنه. قال المهلب وغيره: لم يذكر في الحديث إسقاط القضاء فيحمل على سقوط الكفارة عنه وإثبات عذره ورفع الإثم عنه وبقاء نيته التي بيتها - انتهى. والجواب عن ذلك كله بما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج١ ص٤٣٠) وصححه والدارقطني (ص٢٣٧) والطبراني في الأوسط والبيهقي (ج٤ ص٢٢٩) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة فعين رمضان وصرح بإسقاط القضاء، وقد انفرد بذكر إسقاط القضاء الأنصاري وهو ثقة. وأخرجه النسائي من طريق علي بن بكار عن محمد بن عمرو، ولفظه في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسياً فقال الله أطعمه وسقاه. وقد ورد إسقاط القضاء من وجه آخر عن أبي هريرة، أخرجه الدارقطني من رواية محمد بن عيسى بن الطباع عن ابن علية عن هشام عن ابن سيرين ولفظه فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه. وقال: بعد تخريجه هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات. قال الحافظ: ولكن الحديث عند مسلم وغيره من طريق ابن علية وليس فيه هذه الزيادة، وروى الدارقطني أيضاً إسقاط القضاء من رواية أبي رافع وأبي سعيد المقبري والوليد بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار كلهم عن أبي هريرة وأخرج (ص٢٣٧) أيضاً (وكذا الطبراني في الأوسط) من حديث أبي سعيد رفعه من أكل
стр. 2979
............................
ــ
في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه، وإسناده، وإن كلن ضعيفاً (لأن فيه محمد بن عبيد الله العزرمي الفزاري وهو ضعيف) لكنه صالح للمتابعة فأقل درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسناً فيصلح للاحتجاج به. وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما دونه في القوة ويعتضد أيضاً بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة من غير مخالفة لهم منهم، كما قاله ابن المنذر وابن حزم وغيرهما علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبوهريرة وابن عمر. ثم هو موافق لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة:٢٢٥] فالنسيان ليس من كسب القلب وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل لا بنسيانه فكذلك الصيام. وأما القياس الذي ذكره ابن العربي فهو في مقابلة النص فلا يقبل – انتهى كلام الحافظ. وتأول المالكية حديث سقوط القضاء على أن معناه لا قضاء عليه الآن وهذا تعسف ظاهر وأجاب عنه ابن العربي بأن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يعمل به، فلما جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة في رفع الإثم عملنا به، وأما الثاني فلا يوافقها فلم نعمل به. وتعقبه الحافظ بأن رد الحديث مع صحته بكونه خبر واحد. خالف القاعدة ليس بمسلم. لأنه قاعدة مستقلة بالصيام، فمن عارضه بالقياس على الصلاة أدخل قاعدة في قاعدة، ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث إلا القليل ولرد من شاء ما شاء. قال الشوكاني: وأما اعتذار ابن دقيق العيد فيجاب عنه بأن غاية هذه القاعدة المدعاة أن تكون بمنزلة الدليل، فيكون حديث الباب مخصصاً لها - انتهى. وفي الحديث لطف الله بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهم واختلفوا فيما إذا جامع ناسياً في نهار رمضان فقال الثوري وأصحاب الرأي والشافعي وإسحاق: مثل قولهم فيمن أكل أو شرب ناسياً، وإليه ذهب الحسن ومجاهد، واستدل لهم بأن الحديث وإن ورد في الأكل والشرب لكنه معلول بمعنى يوجد في الكل أي الأكل والشرب والجماع، وهو أنه فعل مضاف إلى الله تعالى على طريق التمحيض بقوله: فإنما أطعمه الله وسقاه قطع إضافته عن العبد بوقوعه فيه من غير قصده واختياره. وهذا المعنى يوجد في الكل والعلة إذا كانت منصوصاً عليها كان الحكم منصوصاً عليه، ويتعمم الحكم بعموم العلة، وكذا معنى الحرج يوجد في الكل. واستدل لهم أيضاً بما تقدم في رواية ابن خزيمة وغيره من قوله "من أفطر في شهر رمضان" لأن الفطر أعم من أن يكون بأكل أو شرب أو جماع. وإنما خص الأكل والشرب بالذكر في الطريق الأخرى لكونهما أغلب وقوعاً ولعدم الاستغناء عنهما غالباً. قال ابن دقيق العيد: تعليق الحكم بالأكل والشرب للغالب لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليهما وذكر الغالب لا يقتضي مفهوماً - انتهى. وقال عطاء والأوزاعي ومالك والليث بن سعد: عليه القضاء أي بدون الكفارة وقال أحمد عليه القضاء والكفارة، واحتج له بأن النبي ﷺ لم يسأل الذي وقع على أهله أنسيت أم
стр. 2980
متفق عليه.
٢٠٢٤- (٦) وعنه، قال بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت.
ــ
عمدت، ولو افترق الحال لسأل واستفصل. وتعقبه الخطابي (ج٢ ص١٢١) بأن معناه في هذا اقتضاء العموم من الفعل، والعموم إنما يقتضي من القول دون الفعل. وإنما جاء الحديث بذكر حال وحكاية فعل فلا يجوز وقوعه على العمد والنسيان معاً فبطل أن يكون له عموم. ومن مذهب أبي عبد الله يعني الإمام أحمد أنه إذا أكل ناسياً لم يفسد صومه لأن الأكل لم يحصل منه على وجه المعصية، فكذلك إذا جامع ناسياً. فإما المتعمد لذلك فقد حصل منه الفعل على وجه المعصية فلذلك وجبت عليه الكفارة - انتهى. وأجيب أيضاً بأن الأصل في الأفعال أن تكون عن عمد، وإن الناسي لابد أن يذكر النسيان إذا استفتى؛ لأنه عذر ولا يحتاج إلى السؤال عنه (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي في الكبرى وابن ماجه والدارمي وغيرهم.
٢٠٢٤- قوله: (بينما) أصله بين فأشبعت فتحة النون وصار بينا ثم زيد فيه الميم فصار بي بينما ويضاف إلى جملة اسمية وفعلية، ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى والأفصح في جوابها أن لا يكون فيه "إذ وإذا" ولكن كثير مجيئها كذلك ومنه قوله هنا (إذ جاءه رجل) قيل الرجل هو سلمة بن صخر البياضي جزم به عبد الغني في المبهمات، وتبعه ابن بشكوال واستند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طريق سيلمان بن يسار عن سلمة ابن صخر أنه ظاهر من امرأته في رمضان وإنه وطئها. فقال له النبي ﷺ : حرر رقبة - الحديث. وانتقد بأن ذلك هو المظاهر في رمضان أتى أهله في الليل رأى خلخالها في القمر، وفي تمهيد ابن عبد البر عن سعيد بن المسيب إن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان سلمان بن صخر أحد بني بياضة. قال وأظن هذا وهما أتى من الراوي أي؛ لأن ذلك إنما هو في المظاهر وقع على امرأته في الليل. وأما المجامع فإعرابي فهما واقعتان فإن في قصة المجامع في حديث الباب إنه كان صائماً كما سيأتي وفي قصة سلمة بن صخر أنه كان ذلك ليلاً كما عند الترمذي فافترقا، ولا يلزم من اجتماعهما في كونهما من بني بياضة وفي صفة الكفارة، وكونها مرتبة، وفي كون كل منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها إتحاد القصتين. (فقال يا رسول الله هلكت) وقع في رواية البيهقي (ج٤ ص٢٢٦) وأبي عوانة والجوزقي جاء رجل وهو ينتف شهره ويدق صدره ويقول هلك الأبعد. ولأحمد (ج٢ ص٥١٦) والدارقطني في العلل يلطم وجه وللبيهقي (ج٤ ص٢٢٦) وأحمد (ج٢ ص٢٠٨) يدعو ويله وفي مرسل ابن المسيب عند مالك في الموطأ يضرب نحره وعند الدارقطني ويحثى على رأسه التراب. واستدل
стр. 2981
قال: مالك؟ قال: وقعت علي امرأتي
ــ
بهذا على جواز هذا الفعل، والقول ممن وقعت له معصية، ويفرق بذلك بين مصيبة الدين والدنيا، فيجوز في مصيبة الدين لما يشعر به الحال من شدة الندم. وصحة الإقلاع، ويحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل النهي عن لطم الخدود وحلق الشعر عند المصيبة قاله الحافظ. ووقع في حديث عائشة عند البخاري وغيره احترقت واستدل به على أنه كان عامداً؛ لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدى إلى ذلك فكأنه جعل المتوقع كالواقع وبالغ فعبر عنه بلفظ الماضي، وإذا تقرر ذلك فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناسي وهو مشهور قول مالك والجمهور، وعن أحمد وبعض المالكية يجب على الناسي وتمسكوا بترك استفساره عن جماعة هل كان عن عمدٍ أو نسيان وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول كما اشتهر. وقد تقدم جوابه عن الخطابي في شرح الحديث السابق، وأجاب الحافظ عنه بأنه قد تبين حاله بقوله هلكت واحترقت فدل على أنه كان عامداً عارفاً بالتحريم، وأيضاً فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد - انتهى. قال ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢١٤) إن حالة النسيان بالنسبة إلى الجماع ومحاولة مقدماته وطول زمانه وعدم إعتياده في كل وقت مما يبعد في حالة النسيان، فلا يحتاج إلى الاستفصال على الظاهر. لاسيما وقد قال الأعرابي هلكت فإنه يشعر بتعمده ظاهراً ومعرفته بالتحريم - انتهى قال الحافظ. واستدل بهذا على أن من ارتكب معصية، لا حد فيها وجاء مستفتياً إنه لا يعزر لأن النبي ﷺ لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية. وقد ترجم لذلك البخاري في الحدود. وأشار إلى هذه القصة وتوجيهه إن مجيئة مستفتياً يقتضي الندم والتوبة والتعزير إنما جعل الاستصلاح ولا استصلاح مع الصلاح، وأيضاً فلو عوقب المستفتي لكان سبباً لترك الاستفتاء وهي مفسدة عظيمة، فاقتضى ذلك أن لا يعاقب هكذا قرره ابن دقيق العيد. لكن وقع في شرح السنة للبغوي إن من جامع متعمداً في رمضان فسد صومه وعليه القضاء والكفارة، ويعزر على سوء صنيعه وهو محمول على من لم يقع منه ما وقع من صاحب هذه القصة من الندم والتوبة - انتهى (قال مالك) بفتح اللام "وما" استفهامية محلها بالابتداء أي أي شيء حصل أو وقع لك ولابن خزيمة ويحك ما شأنك ولأحمد (ج٢ ص٥١٦) وما الذي أهلكك وفي الأدب عند البخاري ويحك ما صنعت (وقعت على امرأتي) وعند البزار أصبت أهلي، وفي حديث عائشة وطئت امرأتي، ووقع في رواية مالك وابن جريج وغيرهما عند مسلم وغيره إن رجلاً أفطر في رمضان فأمره النبي ﷺ الحديث. واستدل به على إيجاب الكفارة على من أفسد صيامه مطلقاً بأي شيء كان، وهو قول المالكية والحنيفة. واختلف الأئمة فيه، فحكى عن عطاء والحسن والثوري والزهري والأوزاعي وإسحاق، إن الفطر بالأكل والشرب عمداً، يوجب ما يوجبه الجماع من القضاء والكفارة، وبه قال مالك وأبوحنيفة وأصحابهما. وذهب سعيد بن
стр. 2982
وأنا صائم
ــ
جبير والنخعي وابن سيرين وحماد والشافعي وأحمد وأهل الظاهر، إلى أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار بالجماع فقط. فحملوا قوله "أفطر" ههنا على المقيد في الرواية الأخرى، وهو قوله وقعت علي امرأتي وكأنه قال أفطر بجماع واحتج من أوجب الكفارة مطلقاً بقياس الآكل على المجامع بجامع ما بينهما من انتهاك حرمة الصوم، وبأن من أكره على الأكل فسد صومه كما يفسد صوم من أكره على الجماع بجامع ما بينهما. وتعقب بأن الفرق بين الانتهاك بالجماع والأكل ظاهر فلا يصح هذا القياس. قال ابن قدامة: لا يصح قياسه على الجماع؛ لأن الحاجة إلى الزجر عنه أمس والحكم في التعدي به آكد، ولهذا يجب به الحد إذا كان محرماً. ويختص بإفساد الحج دون سائر محظوراته، ووجوب البدنة. ولأنه في الغالب يفسد صوم اثنين بخلاف غيره - انتهى. وقد وقع في حديث عائشة نظير ما وقع في حديث أبي هريرة، فمعظم الروايات فيها وطئت امرأتي ونحو ذلك، وفي رواية ساق مسلم إسنادها وساق أبوعوانة في مستخرجة متنها أنه قال أفطرت في رمضان، والقصة واحدة ومخرجها متحد، فيحمل على أنه أراد أفطرت في رمضان بجماع. وقد وقع في مرسل سعيد بن المسيب عند سعيد بن منصور أصبت امرأتي ظهراً في رمضان وبتعين رمضان، يفهم الفرق في وجوب كفارة الجماع في الصوم بين رمضان وغيره من الواجبات كالنذر هذا. وقد استدل لمذهب الحنفية ابن الهمام بقوله أفطر في بعض الروايات والكاساني بالمواقعة المذكورة في أكثر الروايات وبالقياس عليها، وأطالا الكلام في تقرير ذلك من شاء الوقوف عليه رجع إلى فتح القدير والبدائع. وقال صاحب فتح الملهم: بعد ذكر تقرير ابن الهمام. والحق إن هذه الأدلة لا تخلو عن ضعف إسناد وضعف دلالة على المطلوب فلا تصلح أن تكون دعامة لإثبات المسألة وأساساً له نعم، تعتبر في معرض الاستشهاد والتأئيد بعد ثبوت أصل المسألة ثم ذكر تقرير صاحب البدائع وابن الهمام لإثبات أصل المسألة بالجماع المذكور في الروايات وبالقياس عليه ثم قال: ولكن يختلج في قلب العبد الضعيف إن الوصف المؤثر الذي هو مناط الحكم في المنصوص هل هو إفساد الصوم بالجماع خاصة أو إفساده بالمفطر الكامل مطلقاً والظاهر من إيجاب التكفير بكفارة الظهار هو الأول، فإن المظاهر يحرم إمراته على نفسه تحريماً غليظاً بإفحاش القول فيه، ثم يعود لما قاله فيجب عليه كفارة الظهار. وهكذا الصائم في رمضان لما حرم على نفسه الجماع تحريماً غليظاً بنيته ومصادفته ذلك الوقت الشريف المبارك، ثم وقع فيه صار مثل المظاهر وصار حكمهما واحداً، وليس كل من حرم على نفسه أكل شيء أو شربه بأغلظ الأقوال وأفحشها ثم حنث فيه يجب عليه ما يجب على المظاهر، فافترق الجماع، والأكل ضرورة فكيف يكون المفطر بالأكل ملحقاً بالمظاهر في وجوب الكفارة والله أعلم بالصواب - انتهى. (وأنا صائم) جملة حالية من قوله: " وقعت" فيؤخذ منه إنه لا يشترط في إطلاق اسم المشتق بقاء المعنى المشتق منه حقيقة لاستحالة كونه صائماً مجامعاً في حالة واحدة، فعلى هذا قوله وطئت أي شرعت في الوطء
стр. 2983
فقال رسول الله ﷺ : ((هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تجد إطعام ستين مسكيناً قال: لا،
ــ
أو أراد جامعت بعد إذ أنا صائم قاله الحافظ (هل تجد رقبة تعتقها) أي تقدر فالمراد الوجود الشرعي ليدخل فيه القدرة بالشراء ونحوه، ويخرج عنه مالك الرقبة المحتاج إليها بطريق معتبر شرعاً. وفي رواية لأحمد أتستطيع أن تعتق رقبة (قال) الرجل (لا) أجد رقبة، وفي حديث ابن عمر عند أبي يعلى والطبراني. فقال: والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط. واستدل به من أجاز إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة لأجل الإطلاق وهم الحنفية وابن حزم، ومن يشترط الإيمان وهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، يقيد الإطلاق ههنا بالتقييد في كفارة القتل، وهو ينبني على أن السبب إذا اختلف واتحد الحكم، هل يقيد المطلق أم لا؟ وإذا قيد فهل هو بالقياس أم لا؟ والمسألة مشهورة في أصول الفقه. والأقرب أنه إن قيد فبالقياس، ويؤيده التقييد في مواضع أخرى (فهل تستطيع) أي تقوى وتقدر (أن تصوم شهرين متتابعين) وفي رواية للبخاري قال: فصم شهرين متتابعين، وفيه اشتراط التتابع، وعلى هذا جمهور الفقهاء. وقال ابن أبي ليلى: ليس التتابع بلازم في ذلك، والحديث حجة عليه (قال لا) وفي رواية لا أقدر عليه، وللبزار وهل لقيت ما لقيت إلا من الصيام. قال ابن دقيق العيد: لا إشكال في الانتقال عن الصوم إلى الإطعام، لكن رواية البزار هذه افتضت إن عدم استطاعته لشدة شبقه وعدم صبره عن الوقاع، فنشأ للشافعية نظر هل يكون ذلك أي شدة الشبق عذراً، حتى يعد صاحبه غير مستطيع للصوم أو لا؟ والصحيح عندهم اعتبار ذلك. ويلتحق به من يجد رقبة لا غنى به عنها فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها لكونه في حكم غير الواجد كذا في الفتح (قال هل) وفي البخاري قال فهل (تجد إطعام ستين مسكيناً قال لا) وفي رواية فهل تستطيع إطعام وفي أخرى فتطعم ستين مسكيناً. قال: لا أجد. ولأحمد أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً قال لا، وذكر الحاجة. وفي حديث ابن عمر قال والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي، والمراد بالمسكين هنا أعم من الفقير، لأن كلا منهما حيث أفرد يشمل الآخر. وإنما يفترقان عند اجتماعهما نحو ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة:٦٠] والخلاف في معناهما حينئذٍ معروف. قال ابن دقيق العيد: قوله: "إطعام ستين مسكيناً، يدل على وجوب إطعام هذ العدد؛ لأنه أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين، فلا يكون ذلك موجوداً في حق من أطعم عشرين مسكيناً ثلاثة أيام مثلاً. ومن أجاز ذلك فكأنه استنبط من النص معنى يعود بالإبطال، والمشهور عن الحنفية الإجزاء حتى لو أطعم الجميع مسكيناً واحداً في ستين يوماً كفى. قال الحافظ: والمراد بالإطعام الإعطاء لا اشتراط حقيقة
стр. 2984
.......................
ــ
الإطعام من وضع المطعوم في الفم. بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف، وفي إطلاق الإطعام ما يدل على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة بخلاف زكاة الفرض، فإن فيها النص على الإيتاء. وصدقة الفطر فإن فيها النص على الأداء، وفي ذكر الإطعام ما يدل على وجود طاعمين فيخرج الطفل الذي لم يطعم كقول الحنفية، ونظر الشافعي إلى النوع فقال: يسلم لوليه وذكر الستين ليفهم أنه لا يجب ما زاد عليها، ومن لم يقل بالمفهوم تمسك بالإجماع على ذلك. والحكمة في هذه الخصال الثلاث في الكفارة على ما ذكر إن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبة فيفدى نفسه. وقد صح أن من اعتق رقبة اعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار. وأما الصيام فمناسبته ظاهرة؛ لأنه كالمقاصة بجنس الجناية. وأما كونه شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء، فلما أفسد منه يوماً كان كمن أفسد الشهر كله من حيث أنه عبادة واحدة بالنوع، فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده. وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة؛ لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين. وفي الحديث دليل على جريان الخصال الثلاث المذكورة، في الكفارة وإليه ذهب جمهور العلماء، واختلفت الرواية عن مالك في ذلك، فالمشهور عنه الجزم في كفارة الجماع في رمضان بالإطعام دون غيره من الصيام والعتق، وعنه يكفر بالأكل بالتخيير، وفي الجماع بالإطعام فقط. وعنه التخيير مطلقاً، وفي المدونة. ولا يعرف مالك غير الإطعام ولا يأخذ بعتق ولا صيام. قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يهتدي إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال، ووجهوا ترجيح الطعام على غيره بوجوه فذكرها ثم قال: وكل هذه الوجوه لا تقاوم ما ورد في الحديث من تقديم العتق على الصيام، ثم الإطعام سواء، قلنا الكفارة على الترتيب أو التخيير فإن هذه البداءة إن لم تقتض وجوب الترتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه، واحتج لمالك أيضاً بأن حديث عائشة لم يقع فيه سوى الإطعام، وجوابه أنه اختصار من بعض الرواة، وقد ورد فيه من وجه آخر ذكر العتيق أيضاً، ووقع في حديث أبي هريرة ذكر العتق وصيام شهرين أيضاً، والقصة واحدة. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. ومن المالكية من وافق على هذا الاستحباب، ومنهم من قال إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات، ففي وقت الشدة تكون بالإطعام، وفي غيرها تكون بالعتق والصوم، ونقلوه عن محققي المتأخرين. ومنهم من قال الإفطار بالجماع يكفر بالخصال الثلاث وبغيره لا يكفر إلا بالإطعام وهو قول أبي مصعب. وقال ابن جرير الطبري: هو مخير بين العتيق والصوم، ولا يطعم إلا عند العجز عنهما. وفي الحديث أنه لا مدخل لغير هذه الثلاث في الكفارة وجاء عن بعض المتقدمين إهداء البدنة عند تعذر الرقبة، وربما أيده بعضهم بإلحاق إفساد
стр. 2985
قال "أجلس" ومكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك، أتى النبي ﷺ
ــ
الصيام بإفساد الحج. وورد ذكر البدنة في مرسل سعيد بن المسيب عند مالك في الموطأ وهو مع إرساله قد رده سعيد بن المسيب، وكذب من نقله عنه كما روى سعيد بن منصور. ورواه ابن عبد البر من طريق مجاهد عن أبي هريرة موصولاً، لكنه من رواية ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وليث ضعيف، وقد اضطرب في روايته سنداً ومتناً فلا حجة فيه. واختلف في أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب أو على التخيير، والمراد بالترتيب أن لا ينتقل المكلف إلى المؤخر في الذكر إلا بعد العجز عن الذي قبله، وبالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداء من غير عجز، فذهب مالك إلى أنها على التخيير. وقال الشافعي وأحمد وأبوحنيفة: هي مرتبة فالعتق أولاً، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام، واحتجوا بحديث الباب. قال ابن العربي: لأن النبي ﷺ نقله من أمر بعد عدمه لأمر آخر، وليس هذا شأن التخيير، ونازع عياض في ظهور دلالة الترتيب في السؤال عن ذلك. فقال: إن مثل هذا السؤال قد يستعمل فيما هو على التخيير، وقرره ابن المنير بأن شخصاً لو حنث فاستفتى. فقال المفتى: أعتق رقبة فقال: لا أجد فقال: صم ثلاثة أيام إلى آخره، لم يكن مخالفاً لحقيقة التخيير بل يحمل على أن إرشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجيز الكفارة. وقال البيضاوي: ترتيب الثاني بالفاء على فقد الأول، ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني، يدل على عدم التخيير مع كونها في معرض البيان، وجواب السؤال فينزل منزلة الشرط للحكم. قال الحافظ: وسلك الجمهور في ذلك مسلك الترجيح، بأن الذين رَوَوا الترتيب عن الزهري أكثر ممن روى التخيير فإن الذين رووا الترتيب عنه هم تمام ثلاثين نفساً أو أزيد، ورجح الترتيب أيضاً بأن راويه حكى لفظ القصة على وجهها فمعه زيادة علم من صورة الواقعة، وراوي التخيير حكى لفظ راوي الحديث، فدل على أنه من تصرف بعض الرواة، إما لقصد الاختصار أو لغير ذلك، ويترجح الترتيب أيضاً بأنه أحوط لأن الأخذ به مجزيء سواء قلنا بالتخيير أولاً بخلاف العكس. وقيل: أو في الرواية الأخرى ليست للتخيير، وإنما هي للتفسير والتقدير أمر رجلاً أن يعتق رقبة أو يصوم إن عجز عن العتق أو يطعم إن عجز عنهما (قال: إجلس) قيل: إنما أمره بالجلوس لانتظار الوحي في حقه أو كان عرف أنه سيؤتي بشيء يعينه به (ومكث) بضم الكاف وفتحها (النبي ﷺ ) لفظ البخاري في هذه الرواية التي ساقها في الصيام في باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر قال (أي أبوهريرة) فمكث النبي ﷺ ، وفي بعض النسخ فمكث عند النبي ﷺ ، وفي رواية ابن عيينة عند البخاري في النذور. قال: اجلس فجلس، فجمع المصنف هنا بين الروايتين تقليداً لما في جامع الأصول للجزري (ج٧ ص٢٧٨) (فبينا) بغير ميم (نحن على ذلك) أي ما ذكر من الجلوس والمكث وجواب بينا قوله (أتى النبي ﷺ ) بضم الهمزة مبنياً للمفعول ولم يسم الآتي وعند البخاري في
стр. 2986
بعرق فيه تمر- والعرق: المكتل الضخم-
ــ
الكفارات فجاء رجل من الأنصار (بعرق) بفتح العين والراء بعدها قاف. قال ابن التين: كذا لأكثر الرواة، وفي رواية أبي الحسن القابسي بإسكان الراء. قال عياض: والصواب الفتح. وقال ابن التين: أنكر بعضهم الإسكان لأن الذي بالإسكان هو العظم الذي عليه اللحم. قال الحافظ: إن كان الإنكار من جهة الاشتراك مع العظم فلينكر الفتح؛ لأنه يشترك مع الماء يتحلب من الجسد، نعم الراجح من حيث الرواية الفتح، ومن حيث اللغة أيضاً، إلا أن الإسكان ليس بمنكر، بل أثبته بعض أهل اللغة كالقزاز - انتهى. قال الجزري في جامع الأصول (ج٧ ص٥٤٧) العرق بفتح الراء خوص منسوج مضفور يعمل منه الزنبيل عرقاً فسمي الزنبيل؛ لأنه يعمل منه (فيه تمر) أي من تمر الصدقة ويروي فيها بالتأنيث على معنى القفة. قال عياض: المكتل والقفة والزنبيل سواء (والعرق المكتل) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح المثناة بعدها لام الزنبيل الكبير (الضخم) بفتح الضاد وسكون الخاء أي العظيم وهذا لفظ البخاري في النذور. ووقع في الصيام في هذه الرواية، والعرق المكتل، أي بحذف لفظ الضخم، وههنا أيضاً تقلد المصنف الجزري. قال الحافظ: وهو تفسير من أحد رواته وظاهر هذا الرواية إنه الصحابي لكن في رواية ابن عيينة ما يشعر بأنه الزهري، وفي رواية فأتى بمكتل يدعى العرق، وفي أخرى فأتى بعرق فيه تمر، وهو الزبيل، ولأحمد فأتى بزبيل وهو المكتل. قال الأخفش: سمي المكتل عرقاً لأنه يضفر عرقه عرقة، فالعرق جمع عرقة كعلق وعلقه، والعرقة الضفيرة من الخوص، بضم الخاء ورق النخل. والزبيل بوزن رغيف هو المكتل سمي زبيلاً لحمل الزبل فيه. وفيه لغة أخرى زنبيل بكسر الزاي أوله وزيادة نون ساكنة. وقد تدغم النون فتشدد الباء مع بقاء وزنه، وجمعه على اللغات الثلاث زنابيل قال الحافظ: ووقع في بعض طرق حديث عائشة عند مسلم فجاءه عرقان، والمشهور في غيرها عرق، ورجحه البيهقي (في السنن ج٤ ص٢٢٥) وجمع غيره بينهما بتعدد الواقعة وهو جمع لا نرضاه لاتحاد مخرج الحديث، والأصل عدد التعدد. والذي يظهر أن التمر كان قدر عرق، لكنه كان في عرقين في حال التحميل على الدابة ليكون أسهل في الحمل فيتحمل أن الآتي به لما وصل أفرغ أحدهما في الآخر فمن قال عرقان أراد ابتداء الحال: ومن قال عرق أراد ما آل إليه والله أعلم. قال ولم يعين في هذه الرواية مقدار ما في المكتل من التمر بل ولا في شيء من طرق الصحيحين في حديث أبي هريرة، ووقع في رواية ابن أبي حفصة (عند أحمد ج٢ ص٥١٦) والدارقطني (ص٢٥٢) والبيهقي (ج٤ ص٢٢٢) فيه خمسة عشر صاعاً، وفي رواية مؤمل عن سفيان فيه خمسة عشر أو نحو ذلك، وفي رواية مهران بن أبي عمر عن الثوري عند ابن خزيمة فيه خمسة عشر أو عشرون، وكذا هو عند مالك وعبد الرزاق في مرسل سعيد بن المسيب، وفي مرسله عند
стр. 2987
قال: أين السائل؟
ــ
الدارقطني الجزم بعشرين صاعاً. ووقع في حديث عائشة عند ابن خزيمة (والبيهقي ج٤ ص٢٢٣) فأتى بعرق فيه عشرون صاعاً. قال البيهقي: قوله: عشرون صاعاً بلاغ بلغ به محمد بن جعفر يعني بعض رواته وقد بين ذلك محمد بن إسحاق عنه فذكر الحديث، وقال في آخره قال محمد بن جعفر: فحدثت بعد أن تلك الصدقة كانت عشرين صاعاً من تمر قلت (قائله الحافظ) ووقع في مرسل عطاء بن أبي رباح وغيره عند مسدد فأمر له ببعضه، وهذا يجمع الروايات فمن قال أنه كان عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال خمسة عشر أراد ما تقع به الكفارة ويبين ذلك حديث على عند الدارقطني (ص٢٥١) تطعم ستين مسكيناً لكل مسكين مد. وفيه فأتى بخمسة عشر صاعاً فقال أطعمه ستين مسكيناً، وكذا في رواية حجاج عن الزهري عند الدارقطني (ص٢٤٢) والبيهقي (ج٤ ص٢٢٦) في حديث أبي هريرة. وفيه رد على الكوفيين (أي أبوحنيفة وأصحابه) في قولهم إن واجبه من القمح ثلاثون صاعاً ومن غيره ستون صاعاً، ولقول عطاء إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعاً أو بالجماع أطعم خمسة عشر وعلى أشهب في قوله لو غداهم أو عشاهم كفى لصدق الإطعام ولقول الحسن يطعم أربعين مسكيناً عشرين صاعاً - انتهى. واحتج الكوفيون بما وقع في بعض طرق حديث عائشة عند مسلم والبيهقي (ج٤ ص٢٢٤) فجاءه عرقان فيهما طعام فأمره أن يتصدق به فإن العرق إذا كان خمسة عشر صاعاً، فالعرقان ثلاثون صاعاً على ستين مسكيناً لكل مسكين نصف صاع، وتعقبه العيني فقال ليت شعري كيف فيه رد على الكوفيين. وهم قد احتجوا بما رواه مسلم فجاءه عرقان فيهما طعام وقد ذكرنا أن العرقيين يكون ثلاثين صاعاً فيعطى لكل مسكين نصف صاع بل الرد على أئمتهم حيث احتجوا فيما ذهبوا إليه بالروايات المضطربة وفي بعضها الشك فالعجب أنه يرد على الكوفيين مع علمه إن احتجاجهم قوي صحيح – انتهى. قال صاحب فتح الملهم، بعد ذكره قلت: والإنصاف إن الاحتجاج بحديث العرقيين يتوقف على إثبات إن المراد بلفظ: الطعام الوارد فيه القمح وهو غير ظاهر بل الظاهر أنه التمر، كما صرح به في حديث أبي هريرة ولا يكفي منه ثلاثون صاعاً عند الكوفيين أيضاً اللهم إلا أن يقال بتعدد القصة في حديثي أبي هريرة وعائشة، نعم وقع في قصة المظاهر عند أبوداود قوله ﷺ : فأطعم وسقاً من تمر بين ستين مسكيناً والوسق ستون صاعاً وكفارة الظهار هي كفارة الصوم، فبهذا ينتهض الاستدلال للكوفيين والله تعالى أعلم - انتهى. قلت: دعوى التعدد مخدوشة لكونها خلاف الظاهر والأصل. وأما رواية أبي داود في قصة المظاهر ففي إسنادها محمد بن إسحاق وقد عنعن وفيه أيضاً سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر. قال البخاري: هو مرسل سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر ودعوى الاضطراب في حديث أبي هريرة مدفوعة كما رأيت في كلام الحافظ (أين السائل) أطلق عليه ذلك لأن كلامه متضمن للسؤال فإن مراده هلكت فما ينجيني وما
стр. 2988
قال: أنا، قال: خذ هذا فتصدق به،
ــ
يخلصني مثلاً وفي حديث عائشة أين المحترق وقد سبق توجيهه (قال أنا) أي أنا هو أو أنا السائل (خذ هذا فتصدق به) أي بالتمر الذي فيه على المساكين. وفيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن الإعسار لا يسقط الكفارة وسيأتي الكلام في هذه المسألة. قال الحافظ: وزاد ابن إسحاق (عند البزار) فتصدق به عن نفسك ويؤيده رواية منصور في الصيام عند البخاري بلفظ: أطعم هذا عنك ونحوه في مرسل سعيد بن المسيب عند الدارقطني. واستدل بأفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة هل تستطيع وهل تجد وغير ذلك وهو الأصح من قولي الشافعية وبه قال الأوزاعي. وقال الجمهور: (مالك وأبوحنيفة وأحمد في الروايتين عنه) وأبوثور وابن المنذر تجب الكفارة على المرأة أيضاً على الاختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والأمة والمطاوعة والمكرهة وهل هي عليها أو على الرجل عنها واستدل الشافعية بسكوته ﵊ عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة. وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك؛ لأنها لم تعترف ولم تسأل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكماً ما لم تعترف وبأنها قضية حال فالسكوت عنها لا يدل على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذر من الأعذار. ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين، ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء - انتهى كلام الحافظ. وبنحو هذا ذكر ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢١٩- ٢٢٠) وقال الخطابي (ج٢ ص١١٧) في أمره الرجل بالكفارة لما كان منه من الجناية دليل على أن على المرأة كفارة مثلها، لأن الشريعة قد سوت بين الناس في الأحكام إلا في مواضع قام عليها دليل التخصيص وإذا لزمها القضاء؛ لأنها أفطرت بجماع متعمد كما وجب على الرجل وجبت عليها الكفارة لهذه العلة كالرجل سواء وهذا مذهب أكثر العلماء. وقال الشافعي: يجزيهما كفارة واحدة وهي على الرجل دونها وكذلك قال الأوزاعي إلا أنه قال: إن كانت الكفارة بالصيام كان على كل واحد منهما صوم شهرين واحتجوا بأن قول الرجل أصبت أهلي سؤال عن حكمه وحكمها؛ لأن الإصابة معناها إنه واقعها وجامعها وإذا كان هذا الفعل قد حصل منه، ومنه معاً. ثم أجاب النبي ﷺ عن المسألة فأوجب فيها كفارة واحدة على الرجل ولم يعرض لها بذكر دل على أنه لا شيء عليها وإنها مجزئة في الأمرين معاً ألا ترى أنه بعث أنيساً إلى المرأة التي رميت بالزنا وقال إن اعترفت فارجمها فلم يهمل حكمها لغيبتها عن حضرته. فدل هذا على أنه لو رأى عليها كفارة لألزمها ذلك ولم يسكت عنها قلت (قائله الخطابي) وهذا غير لازم
стр. 2989
..................
ــ
لأن هذا حكاية حال لا عموم لها وقد يمكن أن تكون المرأة مفطرة بعد زمن مرض أو سفر أو تكون مكرهة أو ناسية لصومها أو نحو ذلك من الأمور وإذا كان كذلك لم يكن ما ذكروه حجة يلزم الحكم بها. واحتجوا أيضاً في هذا بحرف يروونه في هذا الحديث وهو قوله: هلكت وأهلكت، قالوا: دل قوله: "وأهلكت" على مشاركة المرأة إياه في الجناية لأن الإهلاك يقتضي الهلاك ضرورة، كما أن القطع يقتضي الانقطاع قلت (قائله الخطابي) وهذه اللفظة غير محفوظة والمعلى بن منصور الذي روى هذا الحديث بهذا الحرف ليس بذاك في الحفظ والإتقان - انتهى. قلت: حكى العيني (ج١١ ص٣٠) عن شيخه العراقي أنه قال وردت هذه اللفظة مسندة من طرق ثلاثة. أحدها، ذكره الخطابي وقد رواها الدارقطني (ص٢٥١) من رواية أبي ثور. قال حدثنا معلى بن منصور حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري فذكره. قال الدارقطني: تفرد به أبوثور عن معلى بن منصور عن ابن عيينة بقوله "وأهلكت" وكلهم ثقات. الطريق الثاني، من رواية الأوزاعي عن الزهري، وقد رواها البيهقي بسنده (ج٤ ص٢٢٧) ثم نقل عن الحاكم إنه ضعف هذه اللفظة وحملها على أنها أدخلت على محمد بن المسيب الأرغياني، ثم استدل على ذلك. والطريق الثالث، من رواية عقيل عن الزهري رواها الدارقطني في غير السنن، قال حدثنا النيسابوري حدثنا محمد بن عزيز حدثني سلامه بن روح عن عقيل عن الزهري فذكره، وقد تكلم في سماع محمد بن عزيز من سلامة، وفي سماع سلامة من عقيل وتكلم فيهما. ثم ذكر الكلام فيهما، ثم قال وأجود طرق هذه اللفظة طريق المعلى بن منصور على أن المعلى بن منصور على أن المعلى وإن اتفق الشيخان على إخراج حديثه فقد تركه أحمد. وقال لم أكتب عنه كان يحدث بما وافق الرأي، وكان كل يوم يخطىء في حديثين أو ثلاثة - انتهى. قلت: معلى بن منصور هذا وثقة ابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة وابن سعد لكن قال اختلف فيه أصحاب الحديث فمنهم من يروي عنه. ومنهم من لا يروي عنه. وقال أبوحاتم الرازي: كان صدوقاً في الحديث. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به لأني لم أجد له حديثاً منكراً وذكره ابن حبان في الثقات، وروى له البخاري حديثين. وأما محمد بن عزيز فضعفه النسائي مرة، وقال مرة: لا بأس به، ووثقه العقيلي وسعيد بن عثمان ومسلمة. وقال أبوأحمد الحاكم. فيه نظر. وقال الذهبي: صدوق إنشاء الله. وقال الحافظ في التقريب: فيه ضعف، وقد تكلموا في صحة سماعة من عمه سلامة - انتهى. وأما سلامة فقال أبوزرعة: ضعيف منكر الحديث يكتب حديثه على الاعتبار. وقال أبوحاتم: ليس بالقوى محله عندي محل الغفلة. وقال ابن قانع: ضعيف. وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مستقيم الحديث. وقال في التقريب: صدوق له أوهام. وقيل لم يسمع من عمه عقيل، وإنما يحدث من كتبه - انتهى. وقال الحافظ في الفتح لا يلزم من قوله "وأهلكت" إيجاب الكفارة على المرأة
стр. 2990
فقال الرجل: أعلي أفقر مني يا رسول الله! فوالله، ما بين لابيتها- يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي،
ــ
بل يحتمل أن يريد بقوله "هلكت" أثمت وأهلكت أي كنت سبباً في تأثيم من طاوعتني فواقعتها إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوعة ولا يلزم من ذلك إثبات الكفارة ولا نفيها أو المعنى هلكت، أي حيث وقعت في شيء لا أقدر على كفارته "وأهلكت" أي نفسي بفعل الذي جر عليّ الإثم، وهذا كله بعد ثبوت الزيادة المذكورة وقد ذكر البيهقي إن للحاكم في بطلانها ثلاثة أجزاء، ومحصل القول فيها إنها وردت من طريق الأوزاعي، ومن طريق ابن عيينة. أما الأوزاعي فتفرد بها محمد بن المسيب عن عبد السلام بن عبد الحميد عن عمر بن عبد الواحد والوليد ابن مسلم وعن محمد بن عقبة بن علقمة عن أبيه ثلاثتهم عن الأوزاعي. قال البيهقي: رواه جميع أصحاب الأوزاعي بدونها وكذلك جميع الرواة عن الوليد وعقبة وعمرو محمد بن المسيب كان حافظاً مكثراً إلا أنه كان في آخر أمره عمي فلعل هذه اللفظة أدخلت عليه وقد رواه أبوعلي النيسابوري عنه بدونها، ويدل على بطلانها ما رواه العباس بن الوليد عن أبيه. قال سئل عن رجل جامع امرأته في رمضان قال: عليهما كفارة واحدة إلا الصيام. قيل له فإن استكرهها قال: عليه الصيام وحده. وأما ابن عيينة فتفرد بها أبوثور عن معلى بن منصور عنه. قال الخطابي: المعلى ليس بذاك الحافظ، وتعقبه ابن الجوزي بأنه لا يعرف أحد طعن في المعلى، وغفل عن قول الإمام أحمد أنه كان يخطىء كل يوم في حديثين أو ثلاثة فلعله حدث من حفظه بهذا فوهم. وقد قال الحاكم: وقفت على كتاب الصيام للمعلى بحظ موثوق به وليست هذه اللفظة فيه، وزعم ابن الجوزي إن الدارقطني أخرجه من طريق عقيل أيضاً وهو غلط منه، فإن الدارقطني لم يخرج طريق عقيل في السنن، وقد ساقه في العلل بالإسناد الذي ذكره عنه ابن الجوزي بدونها - انتهى. كلام الحافظ. وراجع السنن الكبرى للبيهقي (ج٤ ص٢٢٧) مع الجوهر النقي (أعلى أفقر مني) بهمزة الاستفهام والمجرور متعلق بمحذوف، أي أأتصدق على شخص أكثر حاجة مني. وقال الشيخ زكريا الأنصاري في شرح البخاري: هو بتقدير همزة الاستفهام التعجبي الداخلة على فعل حذف للعلم به من قوله "فتصدق به" قال الحافظ: وهذا يشعر بأنه فهم الإذن له في التصدق على من يتصف بالفقر وقد بين ابن عمر في حديثه ذلك فزاد فيه إلى من ادفعه قال إلى أفقر من تعلم أخرجه البزار والطبراني في الأوسط. وفي رواية إبراهيم بن سعد أعلى أفقر من أهلي ولابن مسافر عند الطحاوي أعلى أهل بيت أفقر مني، ولمنصور أعلى أحوج منا (ما بين لابيتها) بغير همزة تثنية لابة، بالباء الموحدة المفتوحة، ثم التاء المثناة من فوق، والضمير للمدينة. قال الجزري في جامع الأصول (ج٧ ص٥٤٧) اللابة، الأرض ذات الحجارة السود الكثيرة، وهي الحرة ولابتا المدينة حرتاها من جانبيها - انتهى. (يريد) أي الرجل باللابتين وهذا من كلام بعض رواته (الحرتين) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء تثنية حرة وهي الأرض ذات الحجارة السود، والمدينة بين حرتين (أهل بيت أفقر من أهل بيتي) برفع أهل اسم "ما"
стр. 2991
فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك)) .
ــ
النافية وأفقر بالنصب على أنه خبرها إن أجعلت "ما" حجازية، وبالرفع إن جعلتها تميمية قاله الزركشي وغيره. وقال البدر الدماميني: وكذا إن جعلتها حجازية ملغاة من عمل النصب بناء على أن قوله "ما بين لابيتها" خير مقدم، وأهل بيت مبتدأ مؤخر، وأفقر صفة له، وفي رواية عقيل: ما أحد أحق به من أهلي ما أحد أحوج إليه مني، وفي مرسل سعيد: والله ما لعيالي من طعام، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: ما لنا عشاء ليلة (فضحك النبي ﷺ حتى بدت) أي ظهرت (أنيابه) جمع ناب، وهو السن الذي بعد الرباعية، وهي أربعة. وفي رواية ابن إسحاق حتى بدت نواجذه. قيل: إن ضحكة ﷺ كان تعجباً من تباين حال الرجال حيث جاء خائفاً على نفسه، راغباً في فداءهما مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه من الكفارة. وقيل: ضحك من حال الرجل في مقاطع كلامه وحسن تأنيه وتلطفه في الخطاب، وحسن توسله في توصله إلى مقصوده. قيل: وقد يكون من رحمة الله تعالى وتوسعة عليه وإطعامه له هذا الطعام، وإحلاله له بعد أن كلف إخراجه، والضحك، غير التبسم. وقد ورد إن ضحكه كان تبسماً أي في غالب أحواله (أطعمه) أي ما في العرق من التمر (أهلك) أي من تلزمك نفقته أو مطلق أقاربك، ولابن عيينة عند البخاري في الكفارات أطعمه عيالك، ولأبي قرة عن ابن جريج ثم قال كله. ولابن إسحاق خذها وكلها وأنفقها على عيالك، ونحوه في رواية عبد الجبار ابن عمر وحجاج بن أرطاة وهشام بن سعد كلهم عن الزهري عند البيهقي (ج٤ ص٢٢٦) وغيره. واستدل به على سقوط الكفارة عن المعسر وهو أحد قولي الشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد وبه جزم عيسى بن دينار من المالكية وهو قول الأوزاعي. قال ابن قدامة (ج٣ ص١٣٢) وإن عجز عن العتق والصيام والإطعام سقطت الكفارة عنه في إحدى الروايتين (عن أحمد) بدليل إن الأعرابي لما دفع إليه النبي ﷺ التمر وأخبره بحاجته إليه قال أطعمه أهلك ولم يأمره بكفارة أخرى، وهذا قول الأوزاعي. وقال الزهري: لابد من التكفير وهذا خاص لذلك الأعرابي لا يتعداه بدليل أنه أخبر النبي ﷺ بإعساره قبل أن يدفع إليه العرق، ولم يسقط عنه؛ ولأنها كفارة واجبة فلم تسقط بالعجز عنها كسائر الكفارات، وهذا رواية ثانية عن أحمد، وهو قياس قول أبي حنيفة والثوري وأبي ثور وعن الشافعي كالمذهبين. ولنا الحديث المذكور ودعوى التخصيص لا تسمع بغير دليل، وقولهم إنه أخبر النبي ﷺ بعجزه فلم يسقطها، قلنا قد أسقطها عنه بعد ذلك وهذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، ولا يصح القياس على سائر الكفارات. لأنه إطراح للنص بالقياس والنص أولى - انتهى. قلت آخر الحديث ليس نصاً في إسقاط الكفارة عند الإعسار بل هو محتمل لوجوه أخرى كما سيأتي، وأول
стр. 2992
.....................
ــ
الحديث نص في عدم سقوط الكفارة بالإعسار فلا يترك بالمحتمل. وقال ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢١٨) تباينت المذاهب فيه أي في قوله أطعمه أهلك. فقيل: إنه دليل على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لسبب وجوبها؛ لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال ولم يبين النبي ﷺ استقرارها في ذمته إلى حين يساره ويتأيد ذلك بصدقة الفطر حيث تسقط بالإعسار المقارن بسبب وجوبها وهو هلال الفطر لكن الفرق بينهما إن صدقة الفطر لها أمد تنتهي إليه، وكفارة الجماع لا أمد لها فتستقر في الذمة. وليس في الخبر ما يدل على إسقاطها بل فيه ما يدل على استمرارها على العاجز. وقيل لا تسقط الكفارة بالإعسار المقارن وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والصحيح من مذهب الشافعي أيضاً، وبعد قول بهذا المذهب. ففيه طريقان، أحدهما منع أن لا تكون الكفارة أخرجت في هذه الواقعة، يعني إن الذي أذن له في التصرف فيه كان على سبيل الكفارة. ثم اختلفوا فقال بعضهم: هذا خاص بهذا الرجل أي كونه أكله من صدقة نفسه وإطعام أهله منها مجزئاً عن كفارته مخصوص بهذا الرجل لا يتعداه. ورد بأن الأصل عدم الخصوصية. وقال بعضهم: هو منسوخ وهذا أيضاً مردود. لأنه لا دليل على النسخ. وقال بعضهم: المراد بالأهل الذين أمر بصرفها إليهم من لا تلزمه نفقته من أقاربه، وضعف بالرواية التي فيها عيالك. وبالرواية المصرحة بالإذن له في الأكل من ذلك. وقال بعضهم: لما كان فقيراً عاجزاً لا يجب عليه النفقة لغيره وكان أهله فقراء أيضاً جاز أعطاء الكفارة عن نفسه لهم. وقد جوز بعض الشافعية لمن لزمته الكفارة مع الفقر أن يصرفها إلى أهله وأولاده. وضعف أيضاً بالرواية التي فيها تصريح بالإذن له في الأكل من ذلك. الطريق الثاني، وهو الأقرب الأقوى أن يجعل إعطاءه إياها لا على جهة الكفارة بل على جهة التصدق عليه وعلى أهله بتلك الصدقة لما ظهر من حاجتهم. وأما الكفارة فلم تسقط بذلك ولكن ليس استقرارها في ذمته مأخوذاً من هذا الحديث. وأما ما اعتلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه لأن العلم بالوجوب قد تقدم، ولم يرد في الحديث ما يدل على الإسقاط، لأنه لما أخبره بعجزه ثم أمره بإخراج العرق دل على أن لا سقوط عن العاجز ولعله أخر البيان إلى وقت الحاجة: وهو القدرة كذا في الفتح. وقد ورد ما يدل على إسقاط الكفارة أو على أجزاءها عنه بإنفاقه إياها على عياله وهو قوله في حديث علي، وكله أنت وعيالك فقد كفر الله عنك، ولكنه حديث ضعيف لا يحتج بما انفرد به. قال القسطلاني: ولابن إسحاق خذها وكلها وأنفقها على عيالك أي لا عن الكفارة بل هو تمليك مطلق بالنسبة إليه وإلى عياله وأخذهم إياه بصفة الفقر، وذلك لأنه لما عجز عن العتق لإعساره وعن الصيام لضعفه، فلما حضر ما يتصدق به ذكر أنه وعياله محتاجون فتصدق به ﵊ عليه، وأذن له في أكله وإطعام عياله وكان من مال الصدقة. وبقيت الكفارة في ذمته - انتهى. وحكى عن الشعبي والنخعي وسعيد
стр. 2993
متفق عليه.
ــ
ابن جبير أن الكفارة غير واجبة أصلاً لا على موسر ولا معسر. قالوا: لأنه أباح له أن يأكل منها ولو كانت واجبة لما جاز ذلك وهو استدلال غير ناهض، لأن الحديث ظاهر في الوجوب وإباحة الأكل لا تدل على أنها كفارة، بل فيها الاحتمالات التي سلفت. وأعلم أنه ﷺ لم يأمره في هذه الرواية بقضاء اليوم الذي جامع فيه إلا أنه ورد الأمر بالقضاء في حديث أبي هريرة عند أبي داود والبيهقي والدارقطني وفي حديث عمرو بن شعيب عند البيهقي وابن أبي شيبة، وإليه ذهب أكثر العلماء. قال الزرقاني: إيجاب الكفارة القضاء مع الكفارة هو قول الأئمة الأربعة والجمهور، وأسقطه بعضهم. لأنه لم يرد في خبر أبي هريرة ولا خبر عائشة ولا في نقل الحفاظ لهما ذكر القضاء. وأجيب بأنه جاء من طرق يعرف بمجموعها إن لهذه الزيادة أصلاً يصلح للاحتجاج وعن الأوزاعي إن كفر بعتق أو إطعام قضى اليوم، وإن صام شهرين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم - انتهى. وقال الحافظ في الفتح: استدل بالحديث على سقوط قضاء اليوم الذي أفسده المجامع إكتفاء بالكفارة إذ لم يقع التصريح في الصحيحين بقضاءه وهو محكى في مذهب الشافعي. وعن الأوزاعي يقضي إن كفر بغير الصوم وهو وجه للشافعية أيضاً. قال ابن العربي: إسقاط القضاء لا يشبه منصب الشافعي إذ لا كلام في القضاء لكونه أفسد العبادة. وأما الكفارة فإنما هي لما اقترف من الإثم. قال: وأما كلام الأوزاعي فليس بشيء. قال الحافظ: وقد ورد الأمر بالقضاء في هذا الحديث في رواية أبي أويس وعبد الجبار بن عمر وهشام بن سعد كلهم عن الزهري (عند البيهقي ج٤ ص٢٢٦) وأخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الليث عن الزهري. وحديث إبراهيم بن سعد في الصحيح عن الزهري نفسه بغير هذه الزيادة، وحديث الليث عن الزهري في الصحيحين بدونها، ووقعت الزيادة أيضاً في مرسل سعيد بن المسيب ونافع ابن جبير، والحسن ومحمد بن كعب. وبمجموع هذه الطرق يعرف أن لهذه الزيادة أصلاً. ويؤخذ من قوله صم يوماً عدم اشتراط الفورية للتنكير في قوله يوماً - انتهى. وهذا الخلاف في الرجل، فأما المرأة فيجب عليها القضاء من غير خلاف عندهم. وأعلم أن هذا الحديث جليل كثير الفوائد. قال الحافظ في الفتح: قد اعتنى بعض المتأخرين ممن أدركه شيوخنا بهذا الحديث فتكلم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة - انتهى. وما ذكرناه فيه كفاية (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر من كتاب الصيام إلا قوله إجلس وقوله الضخم. وقد سبق التنبيه على هذا، والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الهبة والنفقات والأدب والنذور والمحاربين، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي في الكبرى وابن ماجه والدارمي والدارقطني وابن خزيمة وأبوعوانة والبيهقي والطحاوي والبزار وغيرهم.
стр. 2994
﴿الفصل الثاني﴾
٢٠٢٥- (٧) عن عائشة، ((أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها)) . رواه أبوداود.
ــ
٢٠٢٥- قوله: (كان يقبلها وهو صائم) أي في رمضان وغيره (ويمص) بفتح الميم ويجوز ضمه (لسانها) قال ميرك: قيل إن ابتلاع ريق الغير يفطر إجماعاً، وأجيب على تقدير صحة الحديث إنه واقعة حال فعلية محتملة أنه ﵊ كان يبصقه ولا يبتلعه وكان يمصه ويلقي جميع ما في فمه في فمها، والواقعة فعلية إذا احتملت لا دليل فيها - انتهى. قال القاري: ولا يخفى أن الوجه الثاني مع بعده إنما يتصور فيما إذا كانت غير صائمة - انتهى. وقال الحافظ في الفتح: إسناده ضعيف ولو صح فهو محمول على من يبتلع ريقه الذي خالط ريقها والله أعلم. وقال في فتح الودود: إن صح يحمل على غير حالة الصوم (إذ ليس فيه تصريح بأنه كان يفعل ذلك وهو صائم) أو على أنه يخرج ذلك الريق. قال ابن قدامة (ج٣ ص١٠٦- ١٠٧) إن بلع ريق غيره أفطر. وأما حديث عائشة إن النبي ﷺ يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها. فقد روى عن أبي داود أنه قال، هذا إسناد ليس بصحيح، ويجوز أنه كان يقبل في الصوم ويمص لسانها في غيره ويجوز أن يمصه ثم لا يبتلعه، ولأنه لم يتحقق إنفصال ما على لسانها من البلل إلى فمه فأشبه ما لوترك حصاة مبلولة في فيه أو لو تمضمض بماء ثم مجه (رواه أبوداود) قال الحافظ في الفتح: رواه أبوداود وحده وإسناده ضعيف. وقال في تهذيب التهذيب: (ج٩ ص١٥٦) قال النسائي: في حديث عائشة كان يقبلها ويمص لسانها هذه اللفظة لا توجد إلا في رواية محمد بن دينار - انتهى. والحديث عند أحمد وأبي داود - انتهى كلام الحافظ. وكتب على هامش عون المعبود (ج٢ ص٢٨٥) إنه وجدت العبارة الآتية بعد هذا الحديث في نسخة "قال ابن الأعرابي: بلغني عن أبي داود أنه قال هذا الإسناد ليس بصحيح" وقال المنذري: في إسناده محمد بن دينار الطاحي البصري. قال يحيى بن معين: ضعيف. وفي رواية ليس به بأس ولم يكن له كتاب. وقال غيره صدوق. وقال ابن عدي: قوله يمص لسانها في المتن لا يقوله إلا محمد بن دينار وهو الذي رواه وفي إسناده أيضاً سعد بن أوس. قال ابن معين: بصري ضعيف - انتهى. قلت: محمد بن دينار هذا. قال في التقريب ترجمته: إنه صدوق سيء الحفظ رمى بالقدر وتغير قبل موته. وأما سعد بن أوس وهو العدوي، ويقال العبدي البصري فذكره ابن حبان في الثقات. وقال الساجي: صدوق، ذكره في تهذيب التهذيب. وقال في التقريب: صدوق. له أغاليط والحديث أخرجه أيضاً البيهقي (ج٤ ص٢٣٤) .
стр. 2995
٢٠٢٦- (٨٩ وعن أبي هريرة، ((أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم، فرخص له. وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، وإذا الذي نهاه شاب)) . رواه أبوداود.
٢٠٢٧- (٩) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ذرعه القيء وهو صائم، فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض)) .
ــ
٢٠٢٦- قوله: (عن المباشرة) قيل: هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج. وقيل: هي القبلة واللمس باليد (فسأله) أي عن المباشرة (فنهاه) أي عنها (فإذا الذي رخص) أي فيها (شيخ وإذا الذي نهاه) عنها (شاب) فيه إشارة إلى أنه ﷺ أجابهما بمقتضى الحكمة، إذا الغالب على الشيخ سكون الشهوة وأمن الفتنة فأجاز له بخلاف الشاب فنهاه إهتماماً له، وفيه حجة لمن فرق بين الشيخ والشاب في المباشرة، والقبلة. وقد تقدم البسط في هذه المسألة (رواه أبوداود) وكذا البيهقي (ج٤ ص٢٣١) وسكت عنه أبوداود والمنذري والحافظ في التلخيص (ص١٩١) وقال في الفتح: فيه ضعف قلت: في سنده أبوالعنبس الكوفي العدوي الحارث بن عبيد ذكره ابن حبان في الثقات. وقال في التقريب: مقبول وقد أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس ولم يصرح برفعه والبيهقي من حديث عائشة وأحمد والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو وقد تقدم لفظهما.
٢٠٢٧- قوله: (من ذرعه القيء) بالذال المعجمة أي غلب عليه القيء فخرج بغير اختيار منه (فليس عليه قضاء) لأنه لا تقصير منه (ومن استقاء عمداً) أي تسبب لخروجه قصداً يعني طلب القيء وأخرجه باختياره. قال ابن قدامة: معنى استقاء تقيأ مستدعياً للقيء وذرعه خرج من غير اختيار منه (فليقض) وفي رواية فعليه القضاء. والحديث دليل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء لقوله فلا قضاء عليه إذ عدم القضاء فرع الصحة. وعلى أنه يبطل صوم من تعمد إخراجه ولم يغلبه لأمره بالقضاء وإليه ذهب الجمهور، منهم الشافعي وأحمد ومالك وإسحاق، وحكى ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد القيء، لكن روى عن ابن عباس وابن مسعود وربيعة وعكرمة إن القيء لا يفطر مطلقاً، سواء كان غالباً أو مستخرجاً ما لم يرجع منه شيء باختياره وهي إحدى الروايتين عن مالك. ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك القضاء على من ذرعه القيء، وذهب قوم إلى أن القيء يفطر مطلقاً سواء كان غالباً أو مستخرجاً واستدلوا لذلك بحديث أبي الدرداء التالي وسيأتي الكلام فيه. قال ابن قدامة (ص١١٧) من استقاء فعليه القضاء؛ لأن صومه يفسد به ومن ذرعه فلا شيء عليه، وهذا قول عامة أهل العلم. قال الخطابي: (ج٢ ص١١٢) لا أعلم خلافاً بين أهل العلم فيه، ولكن اختلفوا في الكفارة على من استقاء عامداً. فقال عامة أهل العلم ليس عليه غير
стр. 2996
رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه، والدارمي.
ــ
القضاء. وقال عطاء: عليه القضاء والكفارة، وحكى عن الأوزاعي وهو قول أبي ثور. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامداً، وحكى عن ابن مسعود وابن عباس إن القيء لا يفطر لما روى أن النبي ﷺ قال: ثلاث لا يفطرن الصائم الحجامة والقيء والاحتلام، ولأن الفطر مما دخل لا مما خرج. ولنا ما روى أبوهريرة مرفوعاً من ذرعه القيء فليس عليه قضاء - الحديث، وحديثهم غير محفوظ (كما ستعرف) والمعنى الذي ذكر لهم يبطل بالحيض والمنى - انتهى. قلت: ويجاب عن حديث الثلاث بعد تسليم صلاحيته للاستدلال بأنه محمول على من ذرعه القيء جمعاً بين الأدلة وحملاً للعام على الخاص. قال ابن قدامة: وقليل القيء وكثيرة سواء في ظاهر قول الخرقي وهو إحدى الروايات عن أحمد، والرواية الثانية لا يفطر إلا بملء الفم، والثالثة نصف الفم والأولى أولى لظاهر حديث أبي ظاهر، ولأن سائر المفطرات لا فرق بين قليلها وكثيرها انتهى مختصراً. وقال الباجي (ج٢ ص٦٤) من استقاء يلزمه القضاء هذا قول مالك واختلف أصحابه في ذلك فقال الأبهري: هو على الاستحباب. وقال أبويعقوب الرازي: هو على الوجوب وبه قال الشافعي وأبوحنيفة، والدليل على وجوب ذلك إن المتعمد للقيء والمكروه لنفسه عليه لا يسلم في الغالب من رجوع شيء إلى حلقة فيقع به فطره، فلما كان ذلك الغالب من حاله حمل سائره على ذلك كالنوم في الحدث فإذا قلنا بوجوب القضاء فهل تلزمه الكفارة. قال أبوبكر عن ابن الماجشون عليه الكفارة. وقال القاضي أبومحمد: من قال من أصحابنا إن القضاء على الوجوب فإنه تلزمه الكفارة. وقال أبوالفرج: لو سئل عنه مالك لأوجب عليه الكفارة. قال الباجي: وفيه نظر. ويبطل عندي من وجهين أحدهما، أننا نوجب عليه القضاء لأننا لا نتيقن سلامة صومه فلابد له من القضاء لتبرأ ذمته من الصوم الذي لزمها، ونحن لا نتيقين فساد صومه فتوجب عليه الكفارة، والكفارة لم تثبت في ذمته قبل ذلك بأمر واجب. والثاني إن الكفارة إنما تجب إذا كان الفطر نفسه باختيار الصائم، فأما إذا فعل فعلاً يؤدي إلى وقوع الفطر منه بغير اختيار فلا تجب به عليه الكفارة - انتهى. وقيل: الجمع بين ما روى عن ابن عباس وابن مسعود وعلى من أن الفطر مما دخل لا مما خرج، وبين حديث الباب إن في الاستقاء يتحقق رجوع شيء مما يخرج، وإن قل حتى لا يحس به فلاعتباره يفطر، وفيما إذا ذرعه إن تحقق ذلك أيضاً لكن لا صنع له فيه، ولغيره من العباد فكان كالنسيان والخطأ (رواه الترمذي وأبوداود) الخ واللفظ للترمذي وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢ ص٤٩٨) والنسائي في الكبرى وابن حبان والدارقطني (ص٢٤٠) والحاكم (ج١ ص٤٢٧) والبيهقي (ج٤ ص٢١٩) وابن الجارود في المنتقى (ص١٩٨) والطحاوي (ج١ ص٣٤٧) وابن حزم في المحلى (ج٦ ص١٧٥) وإسحاق بن راهويه في مسنده جميعاً من طريق عيسى بن يونس عن هشام بن
стр. 2997
وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال محمد- يعني البخاري- لا أراه محفوظاً.
ــ
حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة (وقال الترمذي هذا حديث غريب) كذا في جميع النسخ الحاضرة عندنا وكذا ذكره الحافظ في الفتح. ووقع في نسخ الترمذي الموجودة عندنا حديث حسن غريب، وكذا وقع في نقل المنذري في مختصر السنن، والزيلعي في نصب الراية (ج٢ ص٤٤٨) والعيني في شرح البخاري (ج١١ ص٣٥) وابن الهمام في فتح القدير، وهذا يدل على اختلاف نسخ الترمذي في ذلك. ولعل الصواب وجود لفظ الحسن فإن الظاهر إن الحديث لا ينحط عن درجة الحسن كما ستعرف (لا نعرفه) أي من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (إلا من حديث عيسى بن يونس) هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي أخو إسرائيل نزل الشام مرابطاً ثقة مأمون من رجال الستة وثقة أحمد، وأبوحاتم ويعقوب بن شيبة وابن خراش وابن عمار والعجلي وأبوهمام وأبوزرعة وابن سعد وابن حبان والحاكم أبوأحمد والدارقطني وآخرون مات سنة (١٨٧) وقيل سنة (١٩١) ودعوى تفرد عيسى بن يونس بهذا الحديث خطأ، لأنه قد تابعه عن هشام حفص بن غياث عند ابن ماجه والحاكم. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المحلى: (ج١ ص١٧٥- ١٧٦) قد غلط الترمذي في دعوى انفراد عيسى به فقد رواه ابن ماجه من طريق الحكم بن موسى عن عيسى بن يونس ومن طريق أبي الشعثاء عن حفص بن غياث كلاهما عن هشام بن حسان به. وكذا رواه الحاكم (ج١ ص٤٢٦ - ٢٢٧) من طريق علي بن حجر عن عيسى، ومن طريق يحيى بن سليمان الجعفي عن حفص. وقال أبوداود: بعد حديث عيسى "ورواه أيضاً حفص بن غياث عن هشام مثله" فسقطت دعوى تفرد عيسى بروايته بل نقل الدارمي (وكذا إسحاق بن راهويه في مسنده كما في تخريج الهداية للزيلعي (ج٢ ص٤٤٩) عن عيسى أنه قال "زعم أهل البصرة أن هشاماً أوهم فيه فموضع الخلاف ههنا" وهشام ثقة حجة (من أثبت الناس في ابن سيرين) قال ابن أبي عروبة: ما رأيت أحفظ عن ابن سيرين من هشام. وقال أبوداود: إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء، لأنه كان يرسل عنهما والذي هنا من رواية ابن سيرين وليس الحكم بالوهم على الراوي الثقة بالهين ولذلك صححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وهو الحق - انتهى. قلت: وسكت عنه أبوداود وقواه الدارقطني وابن حزم حيث قال الدارقطني: بعد روايته طريق من عيسى بن يونس رواته ثقات كلهم. وقال ابن حزم: عيسى ابن يونس ثقة. (وقال محمد يعني البخاري: لا أراه) بضم الهمزة أي لا أظنه (محفوظاً) قال الطيبي: الضمير راجع إلى الحديث وهو عبارة عن كونه منكراً - انتهى. وحكى الحافظ في الفتح عن البخاري أنه قال بعد رواية الحديث من طريق عيسى "لم يصح" وإنما يروي عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة وعبد الله ضعيف جداً
стр. 2998
٢٠٢٨- (١٠) وعن معدان بن طلحة، أنا أباالدرداء، حدثه أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر.
ــ
– انتهى. وقال البيهقي (ج٤ ص٢١٩) بعد روايته من طريق عيسى وحفص تفرد به هشام بن حسان، وقد أخرجه أبوداود وبعض الحفاظ لا يراه محفوظاً. قال أبوداود سمعت أحمد بن حنبل يقول: ليس من ذا شيء. قال الخطابي (ج٢ ص١١٢) يريد أن الحديث غير محفوظ. وقال الحافظ في بلوغ المرام: أعله أحمد. وقال في التلخيص (ص١٨٨) وأنكره أحمد. وقال في رواية ليس من ذا شيء وقال مهنأ عن أحمد حدث به عيسى وليس هو في كتابه غلط فيه وليس هو من حديثه. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، وأخرجه من حديث حفص بن غياث أيضاً - انتهى. وقال النسائي: وقفه عطاء عن أبي هريرة. وقال ابن عبد البر: الأصح إنه موقوف على أبي هريرة: قلت: لم يظهر لي وجه كون الوقف أرجح ولا وجه كون رواية عيسى غلطاً. وقد ثبت أنه تابعه حفص بن غياث وهما من ثقات الرواة ومن رجال الستة وكذا هشام بن حسان فلا يضر تفرده، فالظاهر إن الحديث حسن كما قال الترمذي أو صحيح كما قال الحاكم والذهبي. قال الترمذي: قد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة مرفوعاً ولا يصح إسناده. وقال البيهقي: قد روى من وجه آخر ضعيف عن أبي هريرة مرفوعاً - انتهى. قلت يشير أن بذلك إلى ما أشار إليه البخاري من رواية عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، ومن هذا الطريق أخرجه أبويعلى في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه كما في نصب الراية والدارقطني (ص٢٤٠) ولا شك أن هذا الطريق ضعيف. وفي الباب عن ابن عمر موقوفاً عند مالك في الموطأ والشافعي، وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي وعن على موقوفاً أخرجه عبد الرزاق والبيهقي.
٢٠٢٨- قوله: (وعن معدان) بفتح الميم (بن طلحة) كذا وقع في رواية أبي داود، ووقع عند الترمذي والدارمي "ابن أبي طلحة" ورجحه الترمذي ورجح ابن معين "معدان بن طلحة" (إن أباالدرداء حدثه) أي أخبره كما في رواية لأحمد (إن رسول الله ﷺ قاء فأفطر) قد استدل به على أن القيء يفطر مطلقاً، سواء كان غالباً أو مستخرجاً. ووجه الاستدلال إن "الفاء" تدل على أن الإفطار كان مرتباً على القيء، وبسببه وهو المطلوب فتكون هي للسببية وأجيب عن هذا بوجوه منها إن في سنده إضطراباً لا يصلح لذلك للاحتجاج. قال البيهقي: (ج١ ص١٤٤) إسناد هذا الحديث مضطرب، واختلفوا فيه اختلافاً شديداً، وحكى الحافظ عنه في التلخيص (ص١٨٨) أنه قال إسناده مضطرب، ولا تقوم به حجة - انتهى. وتعقب بأن وجوه الاختلاف ههنا ليست بمستوية كما لا يخفى على من نظر في طرقها ولا تعذر الجمع بينهما، فدعوى الاضطراب مردودة. وقد صححه ابن منده. وقال الترمذي: هو أصح شيء في هذا الباب. وكذا قال أحمد ومنها إن قوله "قاء فأفطر" ليس نصاً صريحاً، في أن القيء مفطر للصوم لاحتمال أن تكون "الفاء" للتعقيب من دون أن تكون للسببية. قال
стр. 2999
قال: ((فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فقلت: إن أباالدرداء حدثني أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر. قال: صدق، وأنا صببت له وضوءه)) .
ــ
الطحاوي (ص٣٤٨) ليس فيه دليل على أن القيء كان مفطراً له، إنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك. قال: يجوز أن يكون قوله: "قاء فأفطر" أي قاء فضعف فأفطر. وقال الترمذي: معناه إن النبي ﷺ كان صائماً متطوعاً فقاء فضعف، فأفطر لذلك هكذا روى في بعض الحديث مفسراً - انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: (ج١ ص١٤٦) لو كانت الفاء للسببية لم تدل أيضاً على نقض الصوم بالقيء؛ لأنه قد يفطر الإنسان لما ينوبه من الضعف والتراخي مما لا يستطيع معه إحتمال مشقة الصوم أو خشية الضرر والمرض، فالقيء سبب له. ولكنه سبب عادي طبيعي، ولا يكون سبباً شرعياً إلا بنص صريح من الشارع - انتهى. وبهذا يندفع ما قال ابن المنير متعقباً على الطحاوي، من أن الحكم إذا عقب بالفاء دل على أنه العلة كقولهم سها فسجد. ومنها إن قوله قاء أي عمداً لما تقدم من أن من ذرعه ليس عليه قضاء. قال البيهقي (ج٤ ص٢٢٠) هذا حديث مختلف في إسناده فإن صح فهو محمول على أنه تقيأ عامداً. وكأنه ﷺ كان متطوعاً بصومه - انتهى. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٨٨) حديث أبي درداء إن رسول الله ﷺ قاء فأفطر أي استقاء. وقال في الفتح: ويمكن الجمع بين قول أبي هريرة إذا قاء لا يفطر وبين قوله أنه يفطر بما فصل في حديثه المرفوع المتقدم، فيحتمل قوله إذا قاء يفطر أنه تعمد القيء. واستدعى به وبهذا أيضاً يتأول قوله في حديث أبي الدرداء الذي أخرجه أصحاب السنن مصححاً أن النبي ﷺ قاء فأفطر أي استقاء عمداً وهو أولى من تأويل من أوله بأن المعنى قاء فضعف فأفطر والله أعلم - انتهى. قلت: ويؤيد حمل قوله قاء على القيء عامداً رواية أحمد (ج٦ ص٤٤٩) بلفظ: عن أبي الدرداء قال استقاء رسول الله ﷺ فأفطر فأتى بماء فتوضأ (فلقيت ثوبان) مولى رسول الله ﷺ (صدق) أي أبو الدرداء (وأنا صببت له) أي للنبي ﷺ (وضوءه) بالفتح أي ماء وضوءه، وهذا يدل على أن الوضوء وإن لم يذكر في اللفظ بعد قوله قاء لكنه ثابت في المعنى لأن قول ثوبان تصديقاً لأبي الدرداء "صدق وأنا صببت له وضوءه" دليل على أن الوضوء مذكور في أصل الحديث، وإن اختصر في الرواية لأن ثوبان يؤكد الرواية بأنه هو الذي صب له الوضوء بعد القيء، وأما رواية الترمذي في الطهارة بلفظ: قاء فتوضأ ففي كون لفظ فتوضأ فيها محفوظاً نظر، فإن حديث أبي الدرداء هذا ذكره الترمذي في الصيام بلفظ: قاء فأفطر وبهذا اللفظ رواه أحمد (ج٥ ص١٩٥- ٢٧٧وج٦ ص٤٤٣- ٤٤٩) وأبوداود والنسائي في الكبرى وابن حبان والطبراني وابن منده كما في التلخيص (ص١٨٨) والحاكم (ج١ ص٢٢٦) والطحاوي (ج١ ص٣٤٧- ٣٤٨) والدارقطني (ص٥٧- ٥٨- و٢٣٨) وابن الجارود (ص١٥) والبيهقي (ج١ ص١٤٤وج٤ ص٢٢٠) واختلفت نسخ الترمذي في رواية كتاب الطهارة
стр. 3000
رواه أبوداود، والترمذي، والدارمي.
٢٠٢٩- (١١) وعن عامر بن ربيعة، قال: ((رأيت النبي ﷺ ما لا أحصى يتسوك
ــ
كما ذكره الشيخ شاكر في تعليقه على الترمذي (ج١ ص١٤٣- ١٤٥) ففي بعضها قاء فتوضأ وفي بعضها قاء فأفطر فتوضأ، ويؤيد هذه النسخة رواية أحمد في (ج٦ ص٤٤٩) بلفظ: استقاء رسول الله ﷺ فأفطر فأتى بماء فتوضأ وفي بعضها قاء فأفطر. ويؤيده سائر الروايات المذكورة، ويؤيده أيضاً أن أصل الحديث ورد عن ثوبان من وجه آخر بلفظ: قال رأيت رسول الله ﷺ قاء فأفطر أخرجه أحمد (ج٥:ص٢٧٦) والطيالسي والطحاوي (ج١:ص٣٤٨) والبيهقي (ج٤:ص٢٢٠) بسند جيد. وهذا كله يورث الشك والتردد في كون لفظ فتوضأ محفوظاً. واستدل الحنفية بهذا على كون القيء ناقضاً للوضوء وقد ذكرنا جوابه في الطهارة وإن شئت البسط في الجواب فارجع إلى تعليق الترمذي للعلامة الشيخ أحمد شاكر وشرحه لشيخنا الأجل المباركفوري رحمهما الله تعالى. (رواه أبوداود والترمذي والدارمي) واللفظ لأبي داود ورواه الثلاثة من طريق حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الرحمن بن عمرو والأوزاعي عن يعيش بن الوليد عن أبيه عن معدان بن طلحة ومن هذا الطريق رواه أحمد (ج٦:ص٤٤٣) والطحاوي (ج١:ص١٤٧-١٤٨) والحاكم (ج١:ص٤٢٦) والدارقطني (ص٥٧-٥٨-٢٣٨) والبيهقي (ج١:ص١٤٤ وج٤: ص٢٢٠) وابن الجارود (ص١٥) وابن مندة وابن حبان وله طرق أخرى عند بعضهم. وقد سكت عنه أبوداود. وقال الترمذي: في كتاب الطهارة: قد جود حسين المعلم هذا الحديث وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب. ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره وزاد. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حسين المعلم يجوده. وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين. ولم يخرجاه لخلاف في سنده ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في التلخيص (ص١٨٨) قال ابن منده: إسناده صحيح متصل وتركه الشيخان لاختلاف في إسناده. ثم قال الحافظ بعد ذكر كلام الترمذي: المتقدم. وكذا قال أحمد، وفيه اختلاف كثير قد ذكره الطبراني وغيره. ثم ذكر كلام البيهقي السابق فيما يتعلق باضطراب إسناده. وأجاب عنه ابن التركماني (ج١:ص١٤٣) بأن الترمذي قال قد جوده حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب. وقال ابن منده هذا إسناد متصل صحيح. قال ابن التركماني: وإذا أقام إسناداً ثقة اعتمد ولم يبال بالاختلاف، وكثير من أحاديث الصحيحين لم تسلم من مثل هذا الاختلاف، وقد فعل البيهقي مثل هذا في حديث "هو الطهور ماؤه" حيث بين الاختلاف الواقع فيه. ثم قال: إلا أن الذي أقام إسناده ثقة، أودعه مالك في الموطأ وأخرجه أبوداود في السنن - انتهى.
٢٠٢٩- قوله: (ما لا أحصى) أي مقداراً لا أقدر على إحصائه وعده لكثرته (يتسوك) مفعول ثان.
стр. 3001
وهو صائم)) .
ــ
لأنه خبر على الحقيقة و"ما" موصوفة ولا أحصى صفتها وهي ظرف ليتسوك أي يتسوك مرات لا أقدر على عدها قاله الطيبي. قال ميرك: ولعله حمل الرؤية على معنى العلم فجعل يتسوك مفعولاً ثانياً، ويحتمل أن تكون بمعنى الأبصار ويتسوك حينئذٍ حال وقوله (وهو صائم) حال أيضاً إما مترادفة وإما متداخلة كذا في المرقاة وهذا لفظ الترمذي، ولأبي داود رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم مالا أعد ولا أحصى. والحديث يدل بعمومه على جواز الاستياك للصائم مطلقاً، سواء كان الاستياك بالسواك الرطب أو اليابس. وسواء كان صائما فرضاً أو تطوعاً، وسواء كان في أول النهار أو في آخره. وإليه ذهب الثوري والأوزاعي وابن علية وأبوحنيفة وأصحابه وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي، وروى عن ابن عمر كما في ابن أبي شيبة وحكاه الترمذي عن الشافعي وهو اختيار أبي شامة وابن عبد السلام والنووي والمزني، وإليه ذهب البخاري حيث قال باب السواك الرطب اليابس للصائم، ويذكر عن عامر بن ربيعة قال رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم مالا أحصى أو أعد. وقال أبوهريرة عن النبي ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء. ويروي نحوه عن جابر وزيد بن خالد عن النبي ﷺ ولم يخص الصائم من غيره. وقالت عائشة: عن النبي ﷺ السواك مطهرة للفم مرضاة للرب. وقال عطاء وقتادة: يبتلع ريقه - انتهى. قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره للصائم الاستياك بالسواك الرطب كالمالكية والشعبي، وقد تقدم في باب اغتسال الصائم قياس ابن سيرين السواك الرطب على الماء الذي يتمضمض به، ومنه تظهر النكتة في إيراد حديث عثمان في صفة الوضوء في هذا الباب فإن فيه أنه تمضمض واستنشق. وقال فيه: من توضأ وضوئي هذا، ولم يفرق بين صائم ومفطر ويتأيد ذلك بما ذكر في حديث أبي هريرة في الباب. قال ومناسبة حديث عامر للترجمة إشعاره بملازمة السواك، ولم يخص رطباً من يابس، وهذا على طريقة المصنف يعني البخاري في أن المطلق يسلك به مسلك العموم أو إن العام في الأشخاص عام في الأحوال. وقد أشار إلى ذلك بقوله في أواخر الترجمة المذكورة ولم يخص صائماً من غيره أي ولم يخص أيضاً رطباً من يابس وبهذا التقرير يظهر مناسبة جميع ما أورده في هذا الباب للترجمة، والجامع لذلك كله قوله في حديث أبي هريرة لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء فإنه يقتضى إباحته في كل وقت وعلى كل حال. قال ابن المنير: أخذ البخاري شرعية السواك للصائم بالدليل الخاص، ثم انتزعه من الأدلة العامة التي تناولت أحوال متناول السواك وأحوال ما يستاك به، ثم انتزع ذلك من أعم من السواك وهو المضمضة إذ هي أبلغ من السواك الرطب. قال الحافظ: ومناسبة أثر عطاء وقتادة للترجمة من جهة أن أقصى ما يخشى من السواك الرطب أن يتحلل منه شيء في الفم وذلك الشيء كماء المضمضة فإذا قذفه من فيه لا يضره بعد ذلك
стр. 3002
...................
ــ
أن يبتلع ريقه - انتهى. واستدل لهذا القول أيضاً بما رواه ابن ماجه والدارقطني (ص٢٤٨) والبيهقي (ج٤:ص٢٧٢) من حديث عائشة مرفوعاً من خير خصال الصائم السواك. قال في التلخيص (ص٢٤) هو ضعيف ورواه أبونعيم من طريقين آخرين عنها. قلت: في سنده عند الثلاثة مجالد بن سعيد وضعفه الجمهور، وواثقه النسائي. وروى له مسلم مقروناً بغيره، واستشهد لهذا القول بما رواه النسائي في الكنى والعقيلي وابن حبان في الضعفاء، والدارقطني (ص٢٤٨) والبيهقي (ج٤:ص٢٧٢) من طريق عاصم الأحول عن أنس يستاك الصائم أول النهار وآخره برطب السواك ويابسه ورفعه، وفيه أبوإسحاق إبراهيم بن بيطار. قال الدارقطني: ضعيف. وقال البيهقي: تفرد به إبراهيم بن بيطار، ويقال إبراهيم بن عبد الرحمن قاضي خوارزم. وقد حدث عن عاصم بالمناكير لا يحتج به، وقد روى عنه من وجه آخر ليس فيه ذكر أول النهار وآخره ثم ساقه من طريق ابن عدي كذلك. وقال ابن حبان: لا يصح ولا أصل له من حديث النبي ﷺ ولا من حديث أنس وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. قلت وله شاهد من حديث معاذ عند الطبراني في الكبير وسيأتي. وبما روى ابن حبان في الضعفاء عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يستاك آخر النهار وهو صائم، وأعله بأحمد بن عبد الله بن ميسرة الحراني، وقال لا يحتج به ورفعه باطل. والصحيح عن ابن عمر من فعله كذا في نصب الراية (ج٢:ص٤٦٠) واللسان (ج١:ص١٩٥) وبما روى أحمد بن منيع بسنده عن ابن عباس أن النبي ﷺ تسوك وهو صائم ذكره الحافظ في التلخيص (ص٢٤) وسكت عنه. وذهب أبوثور والشافعي في المشهور من مذهبه وفي أصح قوليه أنه يكره السواك رطباً كان أو يابساً للصائم بعد الزوال، ويستحب قبله برطب أو يابس. وقد روى عن علي قال: إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشى فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشى إلا كانت نوراً بين عينيه يوم القيامة أخرجه الدارقطني (ص٢٤٩) والبيهقي (ج٤:ص٢٧٤) والطبراني والبزار. قال في التلخيص (ص١٩٣) ضعفه الدارقطني والبيهقي. وقال في (ص٢٢) إسناده ضعيف. قلت: في سنده كيسان أبوعمر القصار ضعفه أحمد والساجي. وقال الدارقطني: ليس بالقوى. ووثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال في التقريب أنه ضعيف، وفيه أيضاً يزيد بن بلال. قال البخاري: فيه نظر، وقال ابن حبان: لا يحتج به. وقال الأزدى: منكر الحديث. وقال الذهبي: حديثه منكر. وقال الدارقطني: يزيد بن بلال غير معروف، وقال في التقريب إنه ضعيف. وذهب أحمد وإسحاق بن راهويه إلى كراهة السواك للصائم بعد الزوال مطلقاً، وكراهة الرطب للصائم مطلقاً. قال ابن قدامة (ج٣:ص١١٠) : لم ير أهل العلم بالسواك أول النهار بأساً إذا كان العود يابساً، واستحب أحمد وإسحاق ترك السواك بعد العشى. واختلفت الرواية عنه في التسوك بالعود الرطب فرويت عنه الكراهة وهو قول قتادة والشعبي والحكم وإسحاق ومالك وفي رواية، وروى عنه أنه لا يكره، وبه
стр. 3003
.....................
ــ
قال الثوري والأوزاعي وأبوحنيفة - انتهى مختصراً. والمشهور من مذهب مالك وأصحابه أنه يكره بالرطب دون غيره سواء كان أول النهار أو آخره، واستدل لهم بما روى البيهقي (ج٤:ص٢٧٢) عن زياد بن حدير قال: ما رأيت أحداً آداب سواكاً وهو صائم من عمر أراه قال بعود قد ذوى. قال أبوعبيد: يعني يبس ولأنه مغرر بصومه لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء إلى حلقه فيفطره وفيه ما قال ابن سيرين لا بأس بالسواك الرطب. قيل: له طعم قال والماء له طعم وأنت تمضمض به ذكره البخاري واستدل لكراهة السواك بعد الزوال بما رواه الدارقطني (ص٢٤٩) والبيهقي (ج٤:ص٢٧٤) والطبراني من حديث جناب مرفوعاً مثل قول علي المتقدم. قال الحافظ في التلخيص: ضعفه الدارقطني والبيهقي. قلت: فيه كيسان أبوعمر القصار المذكور وقد عرفت حاله. واستدل لذلك أيضاً بحديث الخلوف المتقدم في أوائل الصوم، لأن في الاستياك بعد الزوال إزالة الخلوف المحمود. وأجيب عنه بوجوه. منها ما قاله ابن العربي من أن الخلوف تغير رائحة فم الصائم وإنما يحدث من خلو المعدة يترك الأكل ولا يذهب بالسواك؛ لأنها رائحة النفس الخارجة من المعدة. وإنما يذهب بالسواك ما كان في الأسنان من التغيير أي الوسخ: وقال ابن الهمام: إنما يزيل السواك أثره الظاهر عن السن من الاصفرار وهذا؛ لأن سبب الخلوف خلو المعدة من الطعام والسواك لا يفيد شغلها بطعام ليرتفع السبب، ولهذا روى عن معاذ مثل ما قلنا روى الطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل أتسوك وأنا صائم قال نعم قلت أي النهار أتسوك قال أي النهار شئت غدوة أو عشية، قلت إن الناس يكرهونه عشية، ويقولون إن رسول الله ﷺ قال: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فقال سبحان الله لقد أمرهم بالسواك وهو يعلم أنه لابد أن يكون بقي الصائم خلوف وإن أستاك، وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمداً ما في ذلك من الخير شيء بل فيه شر إلا من ابتلى بلاء لا يجد منه بداً - انتهى. قال الحافظ في التلخيص: (ص١٩٣) إسناده جيد وقال الهيثمي (ج٣:ص١٦٥) : فيه بكر بن خنيس وهو ضعيف، وقد وثقه ابن معين في رواية. قلت: ووثقه أيضاً العجلي وضعفه غيرهما. وقال في التقريب: هو كوفي عابد سكن بغداد صدوق، له أغلاط - انتهى. وقد تعقب الحافظ في التلخيص (ص٢٢) على هذا الجواب فقال في قول ابن العربي السواك لا يزيل الخلوف، وإنما يزيل وسخ الأسنان نظر، لأنه يزيل المتصعد إلى الأسنان الناشيء عن خلو المعدة ولا يخفى ما فيه؛ لأن المضمضة أيضاً تزيل هذا وهم لا يكرهونها. ومنها ما قاله ابن العربي أيضاً إن الحديث لم يسق لكراهية السواك، وإنما سيق لترك كراهة مخاطبة الصائم. وقال الزرقاني: إنما مدح الخلوف نهياً للناس عن تقذر مكالمة الصائم بسبب الخلوف لا نهياً للصائم عن السواك والله غني عن وصول الروائح الطيبة إليه، فعلمنا يقيناً أنه
стр. 3004
...................
ــ
لم يرد استبقاء الرائحة، وإنما أراد نهى الناس عن كراهتها وهذا التأويل أولى، لأن فيه إكراماً للصائم ولا تعرض فيه للسواك فيذكر أو يتأول - انتهى. وقد تعقب الحافظ على هذا الجواب أيضاً فقال بعد ذكر كلام ابن العربي: فيه نظر، لما رواه الدارقطني (ص٢٤٨) والبيهقي (ج٤:ص٢٧٤) عن أبي هريرة راوي حديث الخلوف أنه قال لك السواك إلى العصر فإذا صليت العصر فالقه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: خلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وفيه إن هذا الأثر ضعيف جداً، فإن في سنده عمر بن قيس المعروف بسنده وهو واه. قال أحمد والنسائي والفلاس وغيرهم: متروك. وقال أحمد: أحاديثه بواطيل لا تساوي شيئاً. وقال البيهقي: ضعيف، لا يحتج به، ومع ضعفه فقد عارضه ما هو أقوى منه من أثر معاذ بن جبل عند الطبراني وقد تقدم لفظه. ومنها إن في السواك تطهيراً وإجلالاً للرب حال مناجاته في الصلاة، لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الفم تعظيم وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال، وهذه المسألة من قاعدة إزدحام المصالح التي يتعذر الجمع بينها، ويدل على أن مصلحة تطهير الفم بالسواك أعظم من مصلحة الخلوف قوله ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، فيقدم السواك. وما ذكره الشافعي ومن وافقه هو تخصيص للعمومات بمجرد كونه مزيلاً للخلوف، وهذا معارض بالمعنى الذي ذكرناه. وقال العز بن عبد السلام في قواعده الكبرى (ج١:ص٣٦-٣٧) قد فضل الشافعي تحمل الصائم مشقة رائحة الخلوف على إزالته بالسواك مستدلاً بأن ثوابه أطيب من ريح المسك، ولم يوافق الشافعي على ذلك، إذ لا يلزم من ذكر ثواب العمل أن يكون أفضل من غيره، لأنه لا يلزم من ذكر الفضيلة حصول الرجحان بالأفضلية. ألا ترى الوتر عند الشافعي في قوله الجديد أفضل من ركعتي الفجر، مع قوله ﷺ : ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، وكم من عبادة قد أثنى الشارع عليها وذكر فضيلتها مع أن غيرها أفضل منها وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما فإن السواك نوع من التطهر المشروع لإجلال الرب ، لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم، لا شك فيه، ولأجله شرع السواك. وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال فكيف يقال إن فضيلة الخلوف تربى على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه إلى أن قال والذي ذكره الشافعي تخصيص للعام بمجرد الاستدلال المذكور المعارض لما ذكرناه كذا في النيل. وقال ابن دقيق العيد: من يكره السواك بعد الزوال يحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت يخص به عموم عند كل صلاة، وفي تخصيصه بحديث الخلوف بحث - انتهى. وقال القاري: إذا ورد عن الشارع أحاديث مطلقة شاملة لما قبل الزوال وما بعده، وعن الصحابة فعلهم وإفتاءهم على جوازه بعد الزوال، فكيف يصلح بعد هذا كله أن يكون حديث الخلوف دليلاً للشافعي، ومن تبعه على منع السواك بعد الزوال وصرف الإطلاق إلى ما قبل الزوال من غير دليل صريح أو تعليل صحيح - انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا أن القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه
стр. 3005
رواه الترمذي، وأبوداود.
٢٠٣٠- (١٢) وعن أنس، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ قال: ((اشتكيت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: نعم)) .
ــ
أبوحنيفة ومن وافقه (رواه الترمذي وأبوداود) واللفظ للترمذي وأخرجه أحمد (ج٣:ص٤٤٥) وابن خزيمة في صحيحه والدارقطني (ص٢٤٨) والبيهقي (ج٤:ص٢٧٢) وإسحاق بن راهويه وأبويعلى والبزار والطبراني، وعلقه البخاري بصيغة التمريض كما تقدم. وقد سكت عنه أبوداود وحسنه الترمذي. وقال المنذري: بعد نقل تحسين الترمذي: في إسناده عاصم بن عبيد الله، وقد تكلم فيه غير واحد. وذكر البخاري هذا الحديث في صحيحه معلقاً في الترجمة فقال: ويذكر عن عامر بن ربيعة. وقال الحافظ في التلخيص في (ص٢٢) إسناده حسن وفي (ص٢٤) فيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف. فقال ابن خزيمة: أنا ابرأ من عهدته لكن حسن الحديث غيره -انتهى. وحكى في الفتح عن ابن خزيمة أنه قال كنت لا أخرج حديث عاصم ثم نظرت فإذا شعبة والثوري قد رويا عنه، وروى يحيى وعبد الرحمن عن الثوري، وروى مالك عنه خبراً في غير الموطأ. قال الحافظ: وضعفه ابن معين والذهلي والبخاري وغير واحد - انتهى. وقال ابن القطان: لم يمنع من صحة هذا الحديث إلا اختلافهم في عاصم بن عبيد الله. وقال النووي في الخلاصة: بعد أن حكى عن الترمذي أنه حسنه لكن مداره على عاصم بن عبيد الله وقد ضعفه الجمهور فلعله اعتضد - انتهى. قلت: تكلم فيه أحمد وابن معين وابن سعد وأبوحاتم والجوزجاني وابن خراش والبيهقي والساجي وابن نمير. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك وهو مغفل. وقال ابن خزيمة: لست احتج به لسوء حفظه. وقال ابن حبان: كان سيء الحفظ كثير الوهم فاحش الخطأ فترك من أجل كثرة خطأه. وقال المزي: وأحسن ما قيل فيه قول العجلي لا بأس به، وقول ابن عدي قد روى عنه ثقات الناس واحتملوه وهو مع ضعفه يكتب حديثه - انتهى. قلت: الظاهر أن الترمذي إنما حسن هذا الحديث لما اعتضد به من شواهده التي قدمنا ذكرها، والله تعالى أعلم.
٢٠٣٠- قوله: (اشتكيت عيني) قال القاري: بالتشديد، وفي نسخة بالتخفيف، أي أشكو من وجع عيني (قال نعم) فيه جواز الإكتحال بلا كراهة للصائم، وبه قال الأكثرون، وذكر العيني (ج١١:ص١٥) في مسألة الكحل للصائم أقوالاً، فقال لم ير الشافعي به بأساً وجد طعم الكحل في الحلق أم لا، واختلف قول مالك فيه في الجواز والكراهة، قال في المدونة: يفطر ما وصل إلى الحلق من العين. وقال أبومصعب: لا يفطر، وذهب الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق إلى كراهة الكحل للصائم، وحكى عن أحمد أنه إذا وجد طعمه في
стр. 3006
...............................
ــ
الحلق أفطر، وعن عطاء والحسن البصري والنخعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور يجوز بلا كراهة، وأنه لا يفطر به سواء وجد طعمه أم لا، وحكى ابن المنذر عن سليمان التيمي ومنصور بن المعتمر وابن شيرمة وابن أبي ليلى إنهم قالوا: يبطل صومه. وقال ابن قتادة: يجوز بالأثمد ويكره بالصبر. وفي سنن أبي داود عن الأعمش قال: ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم - انتهى كلام العيني. وقال ابن قدامة (ج٣:ص١٠٥-١٠٦) أما الكحل فما وجد طعمه في حلقه أو علم وصوله إليه فطره وإلا لم يفطره نص عليه أحمد. وقال ابن أبي موسى: ما يجد طعمه كالذرور والصبر والقطور أفطر، وإن اكتحل باليسير من الأثمد غير المطيب كالميل ونحوه لم يفطر نص عليه أحمد. وقال ابن أبي عقيل إن كان الكحل حاداً فطره وإلا فلا، ونحو ما ذكرناه. قال أصحاب مالك وعن ابن أبي ليلى وابن شبرمة: إن الكحل يفطر الصائم. وقال أبوحنيفة والشافعي، لا يفطره لما روى عن النبي ﷺ أنه اكتحل في رمضان وهو صائم، ولأن العين ليست منفذاً، فلم يفطر بالداخل منها كما لو دهن رأسه- انتهى. قلت: قد استدل من ذهب إلى كراهة الكحل للصائم أو إلى كونه مفسداً للصوم بما رواه أبوداود والبخاري في تاريخه (ج٤:ص٣٩٨) والبيهقي (ج٤:ص٢٦٢) من طريق عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه أمر بالأثمد المروح عند النوم وقال ليتقه الصائم. وأجيب عن هذا الحديث بأنه ضعيف. لا يصلح للإستدلال. قال أبوداود: قال لي يحيى بن معين هو حديث منكر - انتهى. وقال الأثرم: عن أحمد هذا حديث منكر - انتهى. وعبد الرحمن بن النعمان، قال ابن المديني فيه مجهول، وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبوحاتم صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال في التقريب صدوق، وربما غلط وأبوالنعمان بن معبد ذكره ابن حبان في الثقات. وقال في التقريب: هو مجهول. وقال صاحب التنقيح هو كالمجهول. واستدلوا أيضاً بما علقه البخاري ووصله البيهقي والدارقطني وابن أبي شيبة من حديث ابن عباس بلفظ: الفطر مما دخل، والوضوء مما خرج، قالوا وإذا وجد طعمه فقد دخل وأجيب بأن هذا الحديث موقوف ثم المراد بالدخول دخول شيء بعينه من منفذ إلى جوف البطن أي المعدة لا وصول أثر شيء من المسامات إلى الباطن، ولذا لا يفطر تدهين الرأس وشم العطر، وليس للعين منفذ إلى جوف البطن، كذا قيل. واحتج لأبي حنيفة والشافعي ومن وافقهما على جواز الاكتحال للصائم بحديث الباب وهو حديث ضعيف كما ستعرف، لكن له شواهد يقوي بعضها بعضاً وتصلح بمجموعها للإستدل، فمنها ما رواه ابن ماجه والبيهقي (ج٤:ص٢٦٢) عن عائشة قالت: اكتحل النبي ﷺ وهو صائم، وفيه سعيد بن أبي سعيد عبد الجبار الزبيدي الحمصي وهو ضعيف. قاله الحافظ في التلخيص (ص١٨٩) وقال الزيلعي (ج٢:ص٤٥٦) قال في
стр. 3007
رواه الترمذي، وقال: ليس إسناده بالقوى، وأبوعاتكة الراوي يضعف.
٢٠٣١ - (١٣) وعن بعض أصحاب النبي ﷺ ، قال: ((لقد رأيت النبي ﷺ بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر)) .
ــ
التنقيح: هو مجمع على ضعفه - انتهى. قال صاحب الإمام: ذكر الحافظ أبوبكر الخطيب سعيد بن أبي سعيد هذا فقال إسم أبيه عبد الجبار وكان ثقة وذكره ابن حبان في الثقات كذا في الجوهر النقي (ج١:ص٢٥٣ وج٤:ص٢٦٢) ومنها ما رواه ابن عدي في الكامل والبيهقي من طريقه (ج٤:ص٢٦٢) والطبراني في الكبير من طريق محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كان يكتحل وهو صائم. قال أبوحاتم: هذا حديث منكر. وقال في محمد أنه منكر الحديث وكذا قال البخاري، ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث ابن عمر. قال في التلخيص وسنده مقارب. ومنها ما روى عن بريرة مولاة عائشة قالت رأيت النبي ﷺ يكتحل بالأثمد وهو صائم أخرجه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي (ج٣:ص١٦٧) : فيه جماعة لم أعرفهم- انتهى. فهذه الأحاديث وإن كان لا يخلو واحد منها من كلام، لكنها يقوي بعضها بعضاً. وتنتهض بمجموعها للاحتجاج على جواز الاكتحال للصائم، وليس في كراهته حديث صحيح أو حسن، فالراجح هو القول بالجواز من غير كراهة والله تعالى أعلم، (رواه الترمذي وقال ليس إسناده بالقوى) وقال ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء. وقال في التنقيح حديث واه جداً وأشار البيهقي (ج٤:ص٢٦٢) إلى هذا الحديث فقال روى عن أنس بن مالك مرفوعاً بإسناد ضعيف بمرة أنه لم ير به (أي بالكحل للصائم) بأساً (وأبوعاتكة الراوي يضعف) قال في التنقيح: هو مجمع على ضعفه وإسمه طريف بن سليمان ويقال سليمان بن طريف. قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الرازي: ذاهب الحديث- انتهى. ورواه أبوداود من فعل أنس وسكت عنه هو والمنذري. وقال في التنقيح: إسناده مقارب وكذا قال الحافظ في التلخيص (ص١٨٩) .
٢٠٣١- قوله: (وعن بعض أصحاب النبي ﷺ إبهام الصحابي والجهالة به لا تضر لأنهم كلهم عدول بالإتفاق (بالعرج) بفتح العين وسكون الراء المهملتين، وبالجيم موضع بين مكة والمدينة. وقيل: موضع بالمدينة. وقال ابن حجر: محل قريب من المدينة كذا في المرقاة. وقال في العون: قرية جامعة من أعمال الفرع على أيام من المدينة- انتهى. وقيل: على نحو ثلاث مراحل من المدينة (يصب) بصيغة المعلوم والمجهول (على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر) أي ليتقوى به على صومه وليدفع به ألم الحر أو العطش. و"أو" للشك من الراوي، وفي رواية للبيهقي (ج٤:ص٢٦٣) من العطش أو قال من الحر أي قال هذا اللفظ
стр. 3008
.........................................
ــ
أو ذاك. قال الباجي: هذا أصل في استعمال ما يتقوى به الصائم على صومه مما لا يقع به الفطر من التبرد بالماء والمضمضة به، لأن ذلك يعينه على الصوم ولا يقع به الفطر. وقال ابن الملك: هذا يدل على أن لا يكره للصائم أن يصب على رأسه الماء وأن ينغمس فيه وإن ظهرت برودته في باطنه. وقال الشوكاني: فيه دليل على أنه يجوز للصائم أن يكسر الحر يصب الماء على بعض بدنه أو كله. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور ولم يفرقوا بين الاغتسال الواجبة والمسنونة والمباحة. وقالت الحنفية: يكره الاغتسال للصائم. واستدلوا بما أخرجه عبد الرزاق عن علي من النهى عن دخول الصائم الحمام وفي إسناده ضعف. كما قال الحافظ في الفتح - انتهى. وقال ابن الهمام: ولو اكتحل لم يفطر سواء وجد طعمه في حلقه. أو لا، لأن الموجود في حلقه أثره داخلاً من المسام، والمفطر الداخل من المنافذ كالمدخل والمخرج، لا من المسام الذي هو جميع البدن للاتفاق فيمن شرع في الماء يجد برده في باطنه أنه لا يفطر. وإنما كره أبوحنيفة ذلك أعنى الدخول في الماء والتلفف بالثوب المبلول، لما فيه من إظهار الضجر في إقامة العبادة لا لأنه قريب من الافطار- انتهى. قال القاري: كلام الإمام أبي حنيفة محمول على كراهة التنزيه، وخلاف الأولى، وهو ﵇ فعل ذلك لبيان الجواز- انتهى. قلت: الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولم يقم دليل على كراهة الدخول في الماء أو التلفف بالثوب المبلول، بل ثبت خلافه فالقول بكراهته مردود على قائله. وقال الكاساني في البدائع: أما الاستنشاق والاغتسال وصب الماء على الرأس والتلفف بالثوب المبلول فقد قال أبوحنيفة أنه يكره. وقال أبويوسف: لا يكره، واحتج بما روى أن النبي ﷺ صب على رأسه ماء من شدة الحر وهو صائم وعن ابن عمر (عند البخاري في صحيحه معلقاً وفي تاريخه موصولاً وكذا عند ابن أبي شيبة) أنه كان يبل الثوب ويتلفف به وهو صائم ولأنه ليس فيه إلا دفع أذى الحر فلا يكره كما لو استظل، ولأبي حنيفة إن فيه إظهار الضجر من العبادة والإمتناع عن تحمل مشقتها، وفعل رسول الله ﷺ محمول على حال مخصوصة، وهي حال خوف الافطار من شدة الحر، وكذا فعل ابن عمر محمول على مثل هذه الحالة ولا كلام في هذه الحالة - انتهى. قلت: يحتاج هذا الحمل إلى قرينة وليس شيء هنا يدل على ذلك إلا قول أبي حنيفة بالكراهة مع أنها رواية عنه غير معتبرة، والفتوى عند الحنفية على قول أبي يوسف ففي الدر المختار لا تكره حجامة وتلفف بثوب مبتل، واستنشاق واغتسال للتبرد عند الثاني. وبه يفتي شرنبلالية عن البرهان. قال ابن عابدين لرواية أبي داود (يعني التي نحن في شرحها) ولفعل ابن عمر ولأن هذه الأشياء فيها عون على العبادة ودفع الضجر الطبيعي، وكذا حكى عليه الفتوى صاحب مراقى الفلاح وغيره. وقال العيني: كراهة الاغتسال للصائم رواية عن أبي حنيفة غير معتمد عليها، والمذهب المختار أنه لا يكره ذكره الحسن عن أبي حنيفة نبه عليه صاحب الواقعات، وذكر في الروضة وجوامع الفقة لا يكره الاغتسال وبل الثوب وصب الماء
стр. 3009
رواه مالك، وأبوداود.
٢٠٣٢- (١٤) وعن شداد بن أوس، ((أن رسول الله ﷺ أتى رجلاً بالبقيع، وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي لثماني عشرة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم)) . رواه أبوداود، وابن ماجه، والدارمي.
ــ
على الرأس بالحر، ثم ذكر العيني حديث أبي داود هذا (رواه مالك) عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب للنبي ﷺ (وأبوداود) وأخرجه أحمد (ج٣:ص٤٧٥) والطحاوي (ج١:ص٣٣١) والحاكم (ج١:ص٤٣٢) والبيهقي (ج٤: ص٢٤٦-٣٦٣) كلهم من طريق مالك، وهو مختصر من حديث طويل عندهم. وقد سكت عنه أبوداود والمنذري. وقال الشوكاني: رجال إسناده رجال الصحيح. وقال العيني: رواه أبوداود بسند صحيح ورواه الحاكم من طريق محمد بن نعيم السعدي عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: رأيت رسول الله ﷺ بالعرج يصب على رأسه الماء من الحر وهو صائم. قال الحاكم: هذا حديث له أصل في الموطأ، فإن كان محمد بن نعيم السعدي حفظه هكذا فإنه صحيح على شرط الشيخين، ثم روى حديث الباب من طريق مالك ووافقه الذهبي.
٢٠٣٢- قوله: (أتى رجلاً) أي مر عليه وهكذا وقع في جميع الروايات بغير تسمية الرجل، ووقع عند أحمد (ج٤:ص١٢٤) من طريق داود بن أبي هند عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن أبي أسماء الرحبي عن شداد ابن أوس قال: مر رسول الله ﷺ عليّ وأنا أحتجم في ثمان عشرة خلون من رمضان فقال أفطر الحاجم والمحجوم. (بالبقيع) أي بمقبرة المدينة وفي رواية لأحمد في بعض طرق المدينة (وهو) الرجل (يحتجم وهو) أي النبي ﷺ (آخذ) بصيغة الفاعل (بيدي) إشارة إلى كمال قربه منه ﷺ (لثماني عشر خلت) أي مضت (من رمضان) وهذا يدل على كمال حفظ الراوي وضبطه بذكر المكان والزمان وحاله (أفطر الحاجم والمحجوم) استدل بظاهر هذا الحديث من قال بحرمة الحجامة للصائم. وقد تقدم ذكرهم مع بسط الكلام في هذه المسألة (رواه أبوداود وابن ماجه والدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص١٢٢-١٢٣-١٢٤-١٢٥) والنسائي في السنن الكبرى وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم (ج١: ص٤٢٨-٤٢٩) والطحاوي (ج١: ص٣٤٩) والبيهقي (ج٤:ص٢٦٥-٢٦٨) وقد سكت عنه أبوداود. وقال المنذري: روى هذا الحديث بضع عشر صحابياً إلا أن أكثر الأحاديث ضعاف. وقال إسحاق بن راهويه: حديث شداد إسناده صحيح تقوم به الحجة، وذكر أبوداود بعد هذا حديث ثوبان من طريقين، الطريق المتقدم أجود منهما. وقال أحمد أحاديث أفطر الحاجم والمحجوم يشد بعضها
стр. 3010
..................................
ــ
بعضاً، وأنا أذهب إليها - انتهى. وقال الزيلعي (ج٢:ص٤٧٣) قال الحاكم: حديث شداد ظاهر الصحة، وصححه أحمد وابن المديني وإسحاق بن راهويه واستقصى النسائي طرقه. والاختلاف فيه في سننه الكبرى. وقد روى مسلم في صحيحه بهذا الإسناد (أي من طريق أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد) حديث إن الله كتب الإحسان على كل شيء ونقل الحاكم في المستدرك (ج١:ص٤٢٨) عن ابن راهويه أنه قال إسناده صحيح تقوم به الحجة- انتهى كلام الزيلعي. قلت: وصححه أيضاً البخاري وابن خزيمة وابن حبان وعثمان الدارمي كما قال الحافظ في الفتح، وعقد البيهقي في السنن الكبرى (ج٤:ص٢٦٦) باباً ذكر فيه بعض ما بلغه عن حفاظ الحديث في تصحيح حديث أفطر الحاجم والمحجوم. وقد رواه أئمة الحديث عن ثمانية عشر من الصحابة. وقال السيوطي في الجامع الصغير: إنه متواتر، وكذا حكاه صاحب التنقيح عن بعض الحفاظ كما في نصب الراية (ج٢:ص٤٧٢) قال وليس ما قاله ببعيد ومن أراد ذلك فلينظر مسند أحمد ومعجم الطبراني والسنن الكبير للنسائي قال. وقال إسحاق بن راهويه: هو ثابت من خمسة أوجه - انتهى كلامه. وقد ذكر الزيلعي (ج٢:ص٤٧٢-٤٧٣-٤٧٤-٤٧٥-٤٧٦-٤٧٧) هذه الأحاديث مع الكلام عليها، وذكرها أيضاً العيني في شرح البخاري (ج١١:ص٣٧-٣٨-٣٩) وذكر شيئاً منها الحافظ في التلخيص (ص١٩٠) من شاء الوقوف عليها فليرجع إلى هذه الكتب. قلت: وحديث شداد بن أوس وإن صححه الأئمة لكن في سنده ومتنه إضطراب شديد، ولم أر أحداً إلتفت إلى رفعه. وأما ما حكاه الترمذي في العلل عن البخاري والحاكم (ج١:ص٤٢٩) والبيهقي (ج٤:ص٢٦٧) عن علي بن المديني من وجه الجمع لرفع الإضطراب، فهو مما لا يتعلق بالاختلاف الذي سنذكره كما لا يخفى على من تأمل في طرق هذا الحديث، ثم في كلام البخاري وابن المديني. فأما الإضطراب في سنده على ما وقفت عليه فهو أنه اختلف أصحاب أبي قلابة عليه. فقال أيوب في رواية معمر عنه عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن أبي أسماء عن شداد وهي عند أحمد (ج٤:ص١٢٣) وهكذا قال عاصم الأحول في رواية يزيد بن هارون عنه عن أبي قلابة عند أحمد أيضاً (ج٤:ص١٢٣) والدارمي والبيهقي (ج٤:ص٢٦٥) وفي رواية سعيد بن أبي عروبة عنه عن أبي قلابة عند أحمد (ج٤:ص١٢٤) وكذا قال داود بن أبي هند عن أبي قلابة وهذه أيضاً عند أحمد (ج٤:ص١٢٤) وقال أيوب في رواية حماد بن زيد ووهيب عنه عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد، ورواية حماد عند أحمد (ج٤:ص١٢٤) ورواية وهيب عند أبي داود والحاكم (ج١:ص٤٢٨) والبيهقي (ج٤:ص٢٦٥) وهكذا قال خالد الخداء عن أبي قلابة عند أحمد (ج٤:ص١٢٢) والبيهقي (ج٤:ص٢٦٨) وخالد ومنصور جميعاً عند الطحاوي (ج١:ص٣٤٩) وقد وافق الثلاثة أي أيوب وخالداً ومنصوراً على ذلك
стр. 3011
قال الشيخ الإمام محي السنة رحمة الله عليه: وتأوله بعض من رخص في الحجامة، أي تعرضاً للإفطار المحجوم للضعف، والحاجم، لأنه لا يأمن من أن يصل شيء إلى جوفه بمص الملازم.
٢٠٣٣- (١٥) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه)) .
ــ
عاصم الأحول في رواية شعبة عنه عن أبي قلابة عند أحمد (ج٤:ص١٢٤) والحاكم (ج١:ص٤٢٩) وفي رواية أبي سفيان عنه عند الحاكم (ج١:ص٤٢٨-٤٢٩) والطحاوي (ج١:ص٣٤٩) وقال أيوب أيضاً في رواية إسماعيل عنه عن أبي قلابة عمن حدثه عن شداد وهذه عند أحمد (ج٤:ص١٢٥) وقال قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن شداد وهي عند أحمد أيضاً (ج٤:ص١٢٤) وقال يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة أنه أخبره إن شداد بينما هو يمشي مع رسول الله ﷺ . وهذه عند أبي داود وابن ماجه. وأما الاضطراب في متنه ففي أكثر الروايات إن شداداً كان يمشي مع رسول الله ﷺ ، فمر على رجل يحتجم، وفي رواية داود بن أبي هند عن أبي قلابة عند أحمد (ج٤:ص١٢٤) أنه قال مر رسول الله ﷺ عليّ وأنا أحتجم في ثمان عشرة - الحديث. وفي رواية للحاكم في سبع عشرة (قال الشيخ الإمام محي السنة) أي صاحب المصابيح وشرح السنة (رحمة الله عليه) قال القاري: وفي نسخة صحيحة ﵀ (وتأوله) أي هذه الحديث (بعض من رخص في الحجامة) للصائم وهم الجمهور فبعضهم قالوا (أي تعرضاً للإفطار) كما يقال هلك فلان أي تعرض للهلاك (المحجوم للضعف) أي لحصول الضعف له بالحجامة فيحمله على الفطر (والحاجم لأنه لا يأمن من أن يصل شيء) أي من الدم (إلى جوفه بمص الملازم) بإضافة المصدر إلى مفعولة وهو بفتح الميم جمع الملزمة بكسر الميم قارورة الحجام التي يجتمع فيها الدم، وسميت بذلك لأنها تلزم على المحل وتقبضه. وقد ذكرنا مثل هذا التأويل عن الخطابي مع ما فيه من الخدشة، وذكرنا أيضاً وجوهاً آخر في تأويل هذا الحديث.
٢٠٣٣- قوله: (من أفطر يوماً من رمضان) أطلق الإفطار وهو لا يخلو إما أن يكون بجماع أو غيره ناسياً أو عامداً لكن المراد منه الإفطار بالأكل أو الشرب عامداً، وأما ناسياً أو بالجماع فقد تقدم ذكرهما (من غير رخصة) كسفر (ولا مرض) أي مبيح للإفطار من عطف الخاص على العام لأن المرض داخل في الرخصة (لم يقض عنه) أي عن ثواب ذلك اليوم وفضله وبركته (صوم الدهر كله) أي صومه فيه فالإضافة فيه بمعنى في نحو مكر الليل وكله للتأكيد (وإن صامه) أي ولو صام الدهر كله. قال المظهر: أي لم يجد فضيلة الصوم
стр. 3012
......................
ــ
المفروض بصوم النافلة، وليس معناه لو صام الدهر بنية قضاء يوم من رمضان لا يسقط عنه قضاء ذلك اليوم بل يجزيه قضاء يوم بدلاً من يوم. وقال الطيبي: هو من باب التشديد والتغليظ ولذا أكده بقوله وإن صامه، أي وإن صامه حق الصيام ولم يقصر فيه وبذل جهده وطاقته. وزاد في المبالغة حيث أسند القضاء إلى الصوم إسناداً مجازياً، وأضاف الصوم إلى الدهر أجزاء للظرف مجرى المفعول به إذ الأصل لم يقض هو في الدهر كله إذا صامه وقال ابن المنير: يعني إن القضاء لا يقوم مقام الأداء ولو صام عوض اليوم دهراً ويقال بموجبه، فإن الإثم لا يسقط بالقضاء ولا سبيل إلى اشتراك القضاء والأداء في كمال الفضيلة فقوله لم يقضه صيام الدهر أي في وصفه الخاص به وهو الكمال، وإن كان يقضى عنه وصفه العام المنحط عن كمال الأداء هذا هو اللائق بمعنى الحديث ولا يحمل على نفي القضاء بالكلية ولا نعهد عبادة واجبة مؤقتة لا تقبل القضاء إلا الجمعة، لأنها لا تجتمع بشروطها إلا في يومها وقد فات، أو في مثله. وقد اشتعلت بالحاضرة فلا تسع الماضية - انتهى. قال الحافظ: ولا يخفى تكلفة وسياق أثر ابن مسعود الآتي يرد هذا التأويل- انتهى. وفي رواية ابن ماجه لم يجزه صيام الدهر. قال السندي: أي لم يكف عنه، ولا يكون مثلاً له من كل وجه البقاء إثم التعمد ولا يحصل به فضيلة صوم يوم رمضان ولا يلزم منه عند الجمهور إنه لا قضاء عليه - انتهى. قلت: ظاهر الحديث يقوي قول من ذهب إلى عدم القضاء في الفطر بالأكل بل يبقى ذلك في ذمته زيادة في عقوبته لأن مشروعية القضاء تقتضي رفع الإثم، وبه قال ابن مسعود وعلي. وروى نحوه عن أبي هريرة كما سيأتي وإليه ذهب ابن حزم. قال ابن حجر: وما اقتضاه ظاهره أن صوم الدهر كله بنية القضاء عما أفطره من رمضان لا يجزئه قال به علي وابن مسعود، والذي عليه أكثر العلماء إنه يجزئه يوم بدل يوم، وإن كان ما أفطره في غاية الطول والحر وما صامه بدله في غاية القصر والبرد - انتهى. وذكر البخاري حديث أبي هريرة هذا تعليقاً غير مجزوم فقال: ويذكر عن أبي هريرة رفعه من أفطر يوماً في رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه وبه قال ابن مسعود. وقال سعيد بن المسيب والشعبي وابن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد: يقتضى يوماً مكانه - انتهى. قلت: أثر ابن مسعود وصله البيهقي (ج٤:ص٢٢٨) من طريق منصور عن واصل عن المغيرة بن عبد الله اليشكري. قال: حدثت أن عبد الله بن مسعود قال من أفطر يوماً من رمضان من غير علة لم يجزه صيام الدهر، حتى يلقى الله عزوجل، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والمغيرة هذا من ثقات التابعين، ولكنه منقطع. فإنه قال حدثت عنه، ووصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة من وجه آخر عن واصل عن المغيرة عن فلان بن الحارث عن بن مسعود، ووصله الطبراني والبيهقي أيضاً من طريق عبد الملك عن أبي المغيرة الثقفي عن عرفجة قال: قال عبد الله بن مسعود من أفطر يوماً في رمضان متعمداً من غير علة، ثم قضى طول الدهر لم يقبل منه. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن عمر بن يعلى الثقفي عن عرفجة عن علي مثله
стр. 3013
رواه أحمد: والترمذي، وأبوداود، وابن ماجه، والدارمي، والبخاري في ترجمة باب. وقال الترمذي: سمعت محمداً – يعني البخاري – يقول: أبوالمطوس الراوي لا أعرف له غير هذا الحديث.
ــ
قال البيهقي: عبد الملك هذا أظنه ابن حسين النخعي ليس بالقوى. قلت: بل هو متروك، وعن عمر بن يعلى هو عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي وهو أيضاً ضعيف متروك. (رواه أحمد) (والترمذي) واللفظ له (وأبوداود وابن ماجه والدارمي) وأخرجه أيضاً النسائي في السنن الكبرى وأبوداود الطيالسي (ص٣٣١) وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي (ج٤ ص٢٢٨) والدارقطني (ص٢٥٢) وابن حزم (ج٦ ص١٨٢- ١٨٣) كلهم من رواية ابن المطوس. وقيل: أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة (والبخاري) أي تعليقاً بصيغة التمريض كما عرفت (في ترجمة باب) أي في تفسيره كما يقال باب الصلاة الصوم ذكره الطيبي كذا في المرقاة، والمراد أنه لم يورده. مسنداً بطريق التحديث، والرواية كما يورد الأحاديث المسندة في الأصول المترجمة لها بل جعله مترجماً به. قال الترمذي: حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال العراقي: يريد الحديث المرفوع، ومع هذا فقد روى مرفوعاً من غير طريق أبي المطوس رواه الدارقطني (ص٢٥٢) من طريق عمار بن مطر عن قيس عن عمرو ابن مرة عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مالك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ من أفطر يوماً من رمضان من غير مرض ولا رخصة لم يقض عنه صيام وإن صام الدهر كله. قلت عمار بن مطر هالك. قال أبوحاتم الرازي: كان يكذب. وقال ابن عدي: أحاديثه بواطيل. وقال الدارقطني: ضعيف، ووثقه بعضهم كذا في اللسان (ج٤ ص٢٧٥- ٢٧٦) وقد روى موقوفاً على أبي هريرة من غير طريق أبي المطوس رواه النسائي من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مثله موقوفاً من قوله (وقال الترمذي سمعت محمداً يعني البخاري يقول أبوالمطوس) بتشديد الواو المكسورة كذا ضبطه في التقريب والخلاصة. وقال الذهبي والعيني والقسطلاني: بتشديد الواو المفتوحة وهو من أفراد الكنى ويقال ابن المطوس وكل صحيح فهو أبوالمطوس وأبوه اسمه المطوس أيضاً. قال الحافظ في تهذيبه (ج١٢ ص٢٣٩) وقال يزيد بن أبي أنيسة عن حبيب عن أبي المطوس عن المطوس عن أبي هريرة، فعلى هذا من قال أبوالمطوس أو ابن المطوس فقد أصاب - انتهى. وقد اختلف في اسم أبي المطوس: فقال البخاري وابن حبان: اسمه يزيد. وقال يحيى بن معين: اسمه عبد الله. وقال أبوحاتم وأبوداود: لا يسمى. وقد اختلف فيه، فقال ابن معين: ثقة. وقال أحمد: لا أعرفه، ولا أعرف حديثه عن غيره. وقال الذهبي في الميزان: ضعف، قال ولا يعرف هو ولا أبوه. وقال في التقريب: إنه لين الحديث وقال ابن حبان: يروي عن أبيه ما لا يتابع عليه لا يجوز الاحتجاج بأفراده - انتهى. قال الحافظ في تهذيبه: إذا لم يكن له إلا هذا الحديث فلا معنى لهذا الكلام (لا أعرف له غير هذا الحديث) وقال البخاري في التاريخ
стр. 3014
٢٠٣٤- (١٦) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ. وكم من قائم، ليس من قيامه إلا السهر)) . رواه الدارمي، وذكر
ــ
أيضاً، تفرد أبوالمطوس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا- انتهى. قلت: أبوه المطوس ذكره ابن حبان في الثقات. وقال أحمد: لا أعرف المطوس ولا ابن المطوس، وتقدم قول الذهبي لا يعرف هو (أي أبوالمطوس) ولا أبوه. وقال في التقريب: مجهول. وقال ابن عبد البر: حديث ضعيف، لا يحتج به، وضعفه أيضاً ابن حزم. وقال لا نعتمد عليه، لأن أباالمطوس غير مشهور بالعدالة. وقد نقل الحافظ في الفتح عن ابن خزيمة تصحيحه، ثم ذكر كلام البخاري المتقدم ثم قال: واختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافاً كثيراً فحصلت فيه ثلاث علل، الاضطراب، والجهل بحال أبي المطوس، والشك في سماع أبيه من أبي هريرة، وهذه الثالثة تختص بطريقة البخاري في اشتراط اللقاء - انتهى. قلت: ومثل هذا الحديث لا يكفى مع انفراده للاحتجاج به، ويحمل إن ثبت على التشديد والتغليظ كما سبق والله تعالى أعلم.
٢٠٣٤- قوله: (كم من صائم ليس له) أي حاصل أو حظ (من صيامه) أي من أجله (إلا الظمأ) بالرفع أي العطش ونحوه من الجوع يعني ليس لصومه قبول عند الله فلا ثواب له، نعم سقوط التكليف عن الذمة حاصل عند العلماء (وكم من قائم) أي في الليل (ليس له من قيامه) إلا أثر (إلا السهر) بفتحتين أي ونحوه من تعب الرجل وصفار الوجه وضعف البدن، يعني أنه لا ثواب له لفقد شرط حصوله من نحو إخلاص أو خشوع. قال الطيبي: إن الصائم إذا لم يكن محتسباً أو لم يكن مجتنباً عن الفواحش من الزور والبهتان والغيبة ونحوها من المناهي، فلا حاصل له إلا الجوع والعطش، وإن سقط القضاء، وكذا جميع العبادات إذا لم تكن خالصة، بل رياء وسمعة فإنها تسقط القضاء ولا يترتب عليها الثواب. (رواه الدارمي) في الرقاق من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عمرو بن أبي عمر وميسرة عن سعيد المقبري عن أبي هريرة وهذا إسناد جيد. وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢ ص٣٧٣و ٤٤١) والنسائي في السنن الكبرى وابن خزيمة في صحيحه كما في الترغيب، والبغوي في شرح السنة كما في التنقيح وابن ماجه، ولفظه رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر. ونقل السندي عن البوصيري أنه قال في الزوائد إسناده ضعيف. وقال العزيزي في شرح الجامع الصغير: هو حديث حسن. ورواه الحاكم (ج١ ص٤٣١) ولفظه رب صائم حظة من الصيام الجوع، ورب قائم حظه من قيامه السهر قال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. ورواه البيهقي (ج٤ ص٢٧٠) ولفظه رب قائم حظه من قيامه السهر، ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورواه الطبراني في الكبير عن ابن عمر. قال الهيثمي (ج٣ ص٢٠٢) : رجاله موثقون. وقال المنذري: إسناده لا بأس به (وذكر) بصيغة
стр. 3015
حديث لقيط بن صبرة في باب سنن الوضوء.
﴿الفصل الثالث﴾
٢٠٣٥- (١٧) عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة، والقيء،
ــ
المجهول (حديث لقيط بن صبرة) بفتح الصاد وكسر الموحدة (في باب السنن الوضوء) والحديث قوله بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً، وهذا اعتراض من صاحب المشكاة على صاحب المصابيح، وهو في محله كما لا يخفى، لأن إيراد الحديث في الباب الموضوع للحكم السابق منه أولى، كذا قال القاري. واختلف في المضمضة والاستنشاق إذا غلبه الماء، فدخل حلقه عن غير تعمد. فقال أبوحنيفة: إن كان ذاكراً لصومه فقد أفطر وعليه القضاء، وإن كان ناسياً فلا شيء عليه وهو قول إبراهيم. وقال مالك: عليه القضاء في كل ذلك. وقال ابن أبي ليلى: لا قضاء عليه ذاكراً كان أو غير ذاكر. وروى عن الشعبي وحماد والحسن بن حي إن كان ذلك في وضوء لصلاة فلا شيء عليه، وإن كان لغير وضوء فعليه القضاء، كذا في المحلى. وقال الشوكاني: يكره للصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق لحديث لقيط بن صبرة واختلف إذا دخل من ماء المضمضة والاستنشاق إلى جوفه خطأ. فقالت الحنفية ومالك والشافعي: في أحد قوليه، والمزني أنه يفسد الصوم. وقال أحمد وإسحاق والأوزاعي وأصحاب الشافعي: إنه لا يفسد الصوم كالناسي. وقيل: يفسد الصوم بعد الثلاث المرات. وقيل: يفسد إذا كان التمضمض لغير قربة. وقيل: يفسد إن لم يكن لفريضة- انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣ ص١٠٨) : ولنا أي لأحمد ومن وافقه أنه وصل إلى حلقة من غير إسراف ولا قصد، فأشبه ما لو طارت ذبابة إلى حلقة، وبهذا فارق المتعمد فأما إن أسرف فزاد على الثلاث أو بالغ في الاستنشاق فقد فعل مكروها لحديث لقيط بن صبرة، ولأنه يتعرض بذلك لإيصال المال إلى حلقه، فإن وصل إلى حلقه فقال أحمد يعجبني أن يعيد الصوم، وهل يفطر بذلك؟ على وجهين أحدهما، يفطر لأن النبي ﷺ نهى عن المبالغة حفظاً للصوم، فدل ذلك على أنه يفطر به، ولأنه وصل بفعل منهي عنه فأشبهه التعمد. والثاني لا يفطر به لأنه وصل من غير قصد فأشبه غبار الدقيق إذا نخله - انتهى. قلت: الراجح عندي هو الوجه الأول فيجب عليه القضاء والله تعالى أعلم.
٢٠٣٥- قوله: (عن أبي سعيد) أي الخدري (ثلاث) أي خصال (لا يفطرن) بتشديد الطاء (الصائم) بالنصب على المفعولية (الحجامة) بكسر الحاء أي الاحتجام وقد عرفت الخلاف في ذلك فيما سبق من الكلام (والقيء) أي إذا ذرعه لما تقدم في الحديث. قال البيهقي في المعرفة: هو محمول على ما لو ذرعه القيء جمعاً بين
следующие страницы →