Полный текст (4 545 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
فقد أفطر الصائم)) . متفق عليه.
٢٠٠٦ - (٥) وعن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ : ((عن الوصال في الصوم.
ــ
الشمس، وكذلك إدبار النهار. فمن ثم قيد بقوله "وغربت الشمس" إشارة إلى تحقق الإقبال والابادر وإنهما بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر (فقد أفطر الصائم) أي أنقضى صومه شرعاً وتم ولا يوصف الآن بأنه صائم فإن بغروب الشمس خرج النهار ودخل الليل والليل ليس محلاً للصوم قاله النووي. وقال الحافظ: أي دخل في وقت الفطر وجاز له أن يفطر كما يقال أنجد إذا أقام بنجد وأتهم إذا أقام بتهامة (وأصبح إذا دخل في وقت الصبح وأمسى وأظهر كذلك) . ويحتمل أن يكون معناه فقد صار مفطراً في الحكم (وإن لم يفطر حساً) لكون الليل ليس ظرفاً للصيام الشرعي. وقد رد هذا الإحتمال ابن خزيمة. وأومأ إلى ترجيح الأول (من المعنيين اللذين ذكرهما الحافظ) فقال قوله فقد "أفطر الصائم" لفظ خبر ومعناه الأمر أي فليفطر الصائم ولو كان المراد فقد صار مفطراً كان فطر جميع الصوام واحداً ولم يكن للترغيب في تعجيل الافطار معنى - انتهى. ورجح الحافظ المعنى الأول بما وقع في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند أحمد (ج٤:ص٣٨٢) من طريق شعبة عن سليمان الشيباني بلفظ: إذا جاء الليل من ههنا فقد حل الافطار. وقال الطيبي: ويمكن أن يحمل الأخبار على الإنشاء إظهاراً للحرص على وقوع المأمور به. قال ابن حجر: أي إذا أقبل الليل فليفطر الصائم وذلك إن الخيرية منوطة بتعجيل الافطار فكأنه قد وقع وحصل وهو يخبر عنه (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٢٨-٣٥-٤٨-٥٤) والترمذي وأبوداود والدارمي وابن خزيمة والبيهقي (ج٤:ص٢١٦-٢٣٧) .
٢٠٠٦- قوله: (نهى عن الوصال في الصوم) هو تتابع الصوم من غير فطر بالليل. وقال الحافظ: هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد فيخرج من أمسك اتفاقاً ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه- انتهى. وقال الطحاوي: هو أن يصوم ولا يفطر بعد الغروب أصلاً حتى يتصل صوم الغد بالأمس والفرق بين صيام الوصال وصيام الدهر، إن من صام يومين أو أكثر ولم يفطر ليلتهما فهو مواصل، وليس هذا صوم الدهر ومن صام عمره وأفطر جميع لياله هو صائم الدهر، وليس بمواصل. فهما حقيقتان مختلفان متغائرتان. والحديث دليل على تحريم الوصال لأنه الأصل في النهى. واختلف العلماء في ذلك على أقوال كما ستعرف، وقد أبيح الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد عند البخاري ومسلم لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر، وفي حديث أبي سعيد هذا دليل على أن إمساك بعض الليل مواصلة واختلف العلماء في حكم الوصال بترك الافطار مطلقاً
стр. 2942
..................................
ــ
فذهب أهل الظاهر إلى القول بتحريمه صرح به ابن حزم وصححه ابن العربي من المالكية، وللشافعية فيه وجهان، التحريم والكراهة التنزيهه، والراجح الأصح عندهم التحريم. قال ابن قدامة: ظاهر قول الشافعي أنه محرم تقريراً لظاهر النهى - انتهى. وذهب مالك وأحمد وأبوحنيفة وإتباعهم إلى أنه غير محرم بل مكروه تنزيهاً وذهب جماعة من السلف إلى جوازه مطلقاً وقيل محرم في حق من يشق عليه ويباح لمن لا يشق عليه. قال الحافظ: اختلف في المنع المذكور في أحاديث النهى عن الوصال. فقيل على سبيل التحريم. وقيل: على سبيل الكراهة. وقيل: يحرم على من شق عليه ويباح لمن لا يشق عليه، وقد اختلف السلف (أي الصحابة والتابعون) في ذلك فنقل التفصيل عن عبد الله بن الزبير وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشر يوماً، وذهب إليه من الصحابة أيضاً أخت أبي سعيد الخدري، ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي نعم وعامر بن الزبير وإبراهيم بن يزيد التيمي وأبوالجوزاء كما نقله أبونعيم في ترجمته في الحلية وغيرهم رواه الطبري وغيره من حجتهم في ذلك ما ثبت عنه ﷺ أنه واصل بأصحابه بعد النهى لما أبو أن ينتهوا عن الوصال فواصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال. فقال: لو تأخر لزدتكم كالتنكيل لهم حين أبو أن ينتهوا، فلو كان النهى للتحريم لما أقرهم على فعله، فعلم أنه أراد بالنهى الرحمة لهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة في حديثها عند الشيخين، حيث قالت نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن لم يشق عليه فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقة أهل الكتاب ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال ويدل على أنه ليس بمحرم حديث أبي داود عن رجل من الصحابة، قال نهى النبي ﷺ عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما أبقاء على أصحابه إسناده صحيح كما قال الحافظ: وأبقاءه متعلق بقوله نهى وروى البزار والطبراني من حديث سمرة نهى النبي ﷺ عن الوصال وليس بالعزيمة وإسناده ضعيف كما قال الهيثمي: لكنه يصلح شاهداً للحديث السابق ومن أدلة الجواز إقدام الصحابة على الوصال بعد النهى فإن ذلك يدل على أنهم فهموا أن النهى للتنزيه لا للتحريم وإلا لما لقدموا عليه ويؤيد أنه ليس بمحرم أيضاً ما روى أحمد والطبراني وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في تفسيريهما بإسناد صحيح إلى ليلى امرأة بشير بن الخصاصية، قالت أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير. وقال: إن النبي ﷺ نهى عن هذا، وقال يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى: ﴿أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فإذا كان الليل فأفطروا لفظ ابن أبي حاتم قال الحافظ: فيه أنه ﷺ سوى في علة النهى بين الوصال وبين تأخير الفطر حيث قال في كل منهما أنه فعل أهل الكتاب ولم يقل أحد بتحريم تأخير الفطر سوى بعض من لا يعتد به من أهل
стр. 2943
..................................
ــ
الظاهر- انتهى. قال الشوكاني: فلا أقل من أن تكون هذه الأدلة التي ذكروها صارفة للنهى عن الوصال عن حقيقته- انتهى. قال الحافظ: ويدل على أنه ليس بمحرم من حيث المعنى ما فيه من فطم النفس عن شهواتها وقمعها عن ملذاتها فلهذا استمر على القول بجوازه مطلقاً أو مقيداً بمن لم يشق عليه من تقدم ذكره - انتهى. واحتج من ذهب إلى تحريم الوصال بما ثبت من النهى عنه في حديث أبي هريرة وحديث أنس وحديث ابن عمر وحديث عائشة متفق عليهن، فإن النهى حقيقة في التحريم. وقد تقدم الجواب عن هذا في كلام الشوكاني فتفكر. واحتجوا أيضاً بقوله ﷺ في حديث عمر المتقدم إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم إذ لم يجعل الليل محلاً لسوى الفطر، فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم الفطر وأجاب هؤلاء عن قول عائشة رحمة لهم بأن هذا لا يمنع التحريم فإن من رحمته لهم إن حرمه عليهم. وأما مواصلته بأصحابه بعد نهيه فلم يكن تقريراً بل تقريعاً وتنكيلاً فاحتمل منهم ذلك لأجل مصلحة النهى في تأكيد زجرهم، لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهى. وكان ذلك ادعى إلى قلوبهم لما يترتب عليهم من الملل في العبادة، والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك والجوع الشديد ينافي ذلك، وقد صرح بأن الوصال يختص به لقوله: "لست في ذلك مثلكم" وقوله:"لست كهيئتكم" هذا مع ما انضم إلى ذلك من استحباب تعجيل الفطر كما تقدم كذا في الفتح والأقرب من الأقوال المذكورة عندي هو التفصيل والله تعالى أعلم. وأما الوصال إلى السحر فاختلفوا فيه أيضاً. قال مالك: أنه مكروه لعموم النهى. وقال أحمد: لا يكره بل يجوز لكن تعجيل الفطر أفضل أي ترك الوصال إلى السحر أولى ولم يتعرض له فقهاء الحنفية، والذي يظهر من كلامهم وكلام الشافعية أن الوصال إلى السحر ليس بشيء. قال الحافظ: ذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية (والبخاري وطائفة من أهل الحديث) إلى جواز الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد المذكور، وهذا الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره (أي الوصال بعدم الافطار مطلقاً) لأنه في الحقيقة بمنزلة عشاءه إلا أنه يؤخره لأن الصائم له في اليوم والليلة، أكلة فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره وكان أخف لجسمه في قيام الليل، ولا يخفى إن محل ذلك ما لم يشق على الصائم وإلا فلا يكون قربة وانفصل أكثر الشافعية عن ذلك بأن الإمساك إلى السحر ليس وصالاً بل الوصال أن يمسك في الليل جميعه كما يمسك في النهار، وإنما أطلق على الإمساك إلى السحر وصالاً لمشابهته الوصال في الصورة. ويحتاج إلى ثبوت الدعوى بأن الوصال إنما هو حقيقة في إمساك جميع الليل. وقد ورد أن النبي ﷺ كان يواصل من سحر إلى سحر أخرجه أحمد وعبد الرزاق من حديث علي، والطبراني من حديث جابر، وأخرجه سعيد بن منصور مرسلاً - انتهى. والقول الراجح عندي هو
стр. 2944
فقال له رجل إنك تواصل يا رسول الله! قال: وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)) .
ــ
ما ذهب إليه أحمد والله تعالى أعلم (فقال له رجل) كذا في هذه الرواية وفي أكثر الأحاديث قالوا: بالجمع. قال الحافظ: وكأن القائل واحد، ونسب القول إلى الجميع لرضاهم به ولم أقف على تسمية القائل في شيء من الطرق (إنك تواصل يا رسول الله) أي ووصلك دال على إباحته فأجابهم ﷺ بأن ذ لك من خصائصه حيث (قال وأيكم مثلي) بكسر الميم، وفي رواية لمسلم لستم في ذلك مثلي، وفي حديث أنس لست كأحد منكم، وفي حديث ابن عمر لست مثلكم، وفي حديث أبي سعيد لست كهيئتكم، قال الحافظ: بعد ذكر رواية الكتاب وهذا الاستفهام يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد وقوله: "مثلي" أي على صفتي أو منزلتي من ربي (إني) استيناف مبين لنفي المساواة بعد نفيها بالاستفهام الإنكاري (أبيت) وفي حديث أنس عند البخاري في التمنى إني أظل، وهو محمول على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ، لأن المتحدث عنه هو الإمساك ليلاً لا، نهاراً، وأكثر الروايات إنما هو بلفظ: أبيت فكأن بعض الرواة عبر عنها بلفظ: أظل نظراً إلى اشتراكهما في مطلق الكون يقولون كثيراً أضحى فلان كذا مثلا، ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً﴾ [النحل:٥٨] فإن المراد به مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل (يطعمني ربي) قال الطيبي: إما خبر وإما حال إن كان تامة وفي التعبير بالرب إشارة إلى خصيصة المقام بشأن الربوبية (ويسقيني) بفتح الياء ويضم، واختلف في معنى قوله: "يطعمني ويسقيني" على قولين الأول أنه على ظاهره وحقيقته وأنه ﷺ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له يتناولهما في ليالي صيامه وتعقبه ابن بطال والقرطبي وابن قدامة ومن تبعهم بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً لأنه حينئذٍ يكون مفطراً وقد أقرهم على قولهم إنك تواصل وأجيب بأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجري عليه أحكام المكلفين فيه كما غسل صدره ﷺ في طست الذهب، مع أن استعمال أواني الذهب الدينيوية حرام. وقال ابن المنير: الذي يفطر شرعاً إنما هو الطعام المعتاد وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة، والكرامة لا تبطل العبادة وثانيهما وهو قول الجمهور إنه مجاز واختلفوا في توجيهه على أقوال. أحدها أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال يعطيني قوة الآكل والشارب ويفيض علي ما يسد مسد الطعام والشراب ويقوي على أنواع الطاعات من غير ضعف في القوة ولإكلال في الأعضاء والثاني إن الله يخلق فيه من الشبع والرى ما يغنيه عن الطعام والشراب فلا يحس بجوع ولا عطش والفرق بينه وبين الأول أنه على الأول يعطى القوة من غير شبع ولا ري مع الجوع
стр. 2945
متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
٢٠٠٧- (٦) عن حفصة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يجمع الصيام
ــ
والظمأ. وعلى الثاني يعطي القوة مع الشبع والري، ورجح الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم ويفوت المقصود من الصيام والوصال لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها. قال القرطبي: ويبعده أيضاً النظر إلى حاله ﷺ فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ويربط على بطنه الحجارة من الجوع والثالث إن المراد أنه يشغلني بالتفكر في عظمته والتملى بمشاهدته والتغذى بمعارفه وقرة العين بمحبته والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطعام والشراب وإلى هذا جنح ابن القيم حيث قال المراد به ما يغذيه الله به من المعارف وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه وتنعمه بحبه والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين وبهجة النفوس وللروح والقلب بها أعظم غذاء وأجوده وأنفعه. وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغنى عن غذاء الأجسام مرة من الزمان كما قيل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حاد
إذا اشتكت من كلال السير أوعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد
ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني، ولاسيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه وتنعم بقربه والرضا عنه وألطف محبوبه وهداياه وتحفه تصل إليه كل وقت ومحبوبه حفى به معتز بأمره مكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة له أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجل منه ولا أعظم ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحساناً إذا امتلأ قلب المحب بحبه وملك حبه جميع أجزاء قلبه وجوارحه وتمكن منه حبه أعظم تمكن وهذا حاله مع حبيبه أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلاً ونهاراً- انتهى. وفي الحديث دليل على أن الوصال من خصائصه ﷺ وعلى أن غيره ممنوع منه إلا ما وقع فيه الترخيص من الإذن فيه إلى السحر. واختلف في المنع المذكور على أقوال تقدم ذكرها وبيان ما هو الراجح منها (متفق عليه) أخرجه البخاري في الصيام وفي التغرير من كتاب المحاربين وفي التمنى والاعتصام ومسلم في الصيام، وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والدارمي والبيهقي (ج٤:ص٢٨٢) .
٢٠٠٧- قوله: (من لم يجمع الصيام) بضم الياء وسكون الجيم من الإجماع. قال الخطابي، والمنذري
стр. 2946
قبل الفجر فلا صيام له)) .
ــ
والجزري: الإجماع أحكام النية والعزيمة يقال أجمعت الرأي وأزمعته وعزمت عليه بمعنى- انتهى. وهذا يدل على أن الإجماع والإزماع والعزم بمعنى واحد وهو أحكام النية. قال القاري: وقيل: الإجماع هو العزم التام وحقيقته جمع رأيه عليه- انتهى. وقال الطيبي: يقال أجمع الأمر وعلى الأمر وأزمع على الأمر وأزمعه أيضاً إذا صمم عزمه ومنه قوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذا أجمعوا أمرهم﴾ [يوسف:١١٢] أي أحكموه بالعزيمة حتى اجتعمت أراءهم عليه. والمعنى من لم يصمم العزم على الصوم (قبل الفجر) أي قبل الصبح الصادق وفي رواية من لم يبيت الصيام من الليل من التبييت وهو أن ينوي الصيام من الليل (فلا صيام له) فيه دليل على عدم صحة صوم من لا يبيت النية لأن الظاهر إن النفي متوجه إلى الصحة لأنها أقرب المجازين إلى الذات أو متوجه إلى نفي الذات الشرعية. قال الأمير اليماني: الحديث يدل على أنه لا يصح الصيام، إلا بتبييت النية وهو أن ينوي الصيام في أي جزء من الليل وأول وقتها الغروب وذلك لأن الصوم عمل والأعمال بالنيات وأجزاء النهار غير منفصلة من الليل بفاصل يتحقق فلا يتحقق إلا إذا كانت النية واقعة في جزء من الليل- انتهى. والحديث عام للفرض والنفل والقضاء والكفارة والنذر معيناً ومطلقاً: وفيه خلاف وتفاصيل. قال القاري: ظاهر الحديث أنه لا يصح الصوم بلا نية قبل الفجر فرضاً كان أو نفلاً، وإليه ذهب ابن عمر وجابر بن زيد ومالك والمزني وداود. وذهب الباقون إلى جواز النفل بنية من النهار وخصصوا هذا الحديث بما روى عن عائشة أنها قالت كان النبي ﷺ يأتيني فيقول أعندك غداء؟ فأقول لا فيقول إني صائم. وفي رواية إني أذن لصائم وإذن للاستقبال وهو جواب وجزاء- انتهى. والغداء اسم لما يؤكل قبل الزوال ومن ثمة لم تجز النية بعد الزوال ولا معه. والصحيح أن توجد النية في أكثر النهار الشرعي فيكون قبل الضحوة الكبرى. قال ابن حجر: وفي قول الشافعي وغيره إن نية صوم النفل تصح قبل الغروب لما صح عن فعل حذيفة- انتهى. قلت: هذا أحد القولين للشافعي والذي نص عليه في معظم كتبه التفرقة بين أن ينوي قبل منتصف النهار فيجزئه وبين أن ينوي بعد الزوال فلا يجزئه، وهذا هو الأصح عند الشافعية. قاله الحافظ: واتفقوا على اشتراط التبييت في فرض لم يتعلق بزمان معين كالقضاء والكفارة والنذر المطلق واختلفوا فيما له زمان معين كرمضان والنذر المعين فكذا عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة يجوز بنية قبل نصف النهار الشرعي كذا في المرقاة. وقال ابن رشد في البداية (ج١ ص٢٠١- ٢٠٢) أما اختلافهم في وقت النية فإن مالكاً رآى أنه لا يجزي الصيام إلا بنية قبل الفجر وذلك في جميع أنواع الصوم وقال الشافعي (وأحمد) : تجزي النية بعد الفجر في النافلة ولا تجزي في الفروض وقال أبوحنيفة: تجزي النية بعد الفجر في الصيام المتعلق وجوبه بوقت معين كرمضان ونذر أيام محدودة وكذلك في النافلة ولا تجزي في الواجب من الذمة. والسبب في
стр. 2947
..................................
ــ
اختلافهم تعارض الآثار. أحدها: ما روى عن حفصة أنه قال ﵊: من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له، ورواه مالك موقوفاً. قال أبوعمر بن عبد البر: حديث حفصة في إسناده اضطراب. والثاني: ما رواه مسلم عن عائشة قالت: قال لي: رسول الله ﷺ ذات يوم يا عائشة! هل عندكم شيء قلت: يا رسول الله! ما عندنا شيء قال فإني صائم. فمن ذهب مذهب الترجيح أخذ بحديث حفصة ومن ذهب مذهب الجمع فرق بين الفرض والنفل أعنى حمل حديث حفصة على الفرض وحديث عائشة على النفل وإنما فرق أبوحنيفة بين الواجب المعين والواجب في الذمة لأن الواجب المعين له وقت مخصوص يقوم مقام النية في التعيين بخلاف ما ليس له وقت مخصوص فوجب التعيين بالنية - انتهى. بتغيير يسير. قلت: احتج مالك ومن وافقه بحديث حفصة فإنه عام يشمل الفرض والنافلة ورجحه المالكية بحديث إنما الأعمال بالنيات، وبالقياس على الصلاة إذ فرضها ونفلها في وقت النية سواء واحتج الجمهور لعدم وجوب التثبييت في التطوع أي لجواز النافلة بنية من النهار بحديث عائشة المتقدم، وبما روى في ذلك من آثار الصحابة والتابعين كعائشة وابن عمر وابن عباس وأنس وأبي طلحة وأبي أيوب ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وابن مسعود وحذيفة وابن المسيب وعطاء بن أبي باح ومجاهد والشعبي والحسن البصري. قالوا: فحديث حفصة يحمل على الفرض ويخص عموم فلا صيام له بحديث عائشة. قال ابن قدامة (ج٣ ص٩٦) صوم التطوع يجوز بنية من النهار عند إمامنا (الإمام أحمد) وأبي حنيفة والشافعي. وروى ذلك عن أبي الدرداء وأبي طلحة وابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي. وقال مالك وداود: لا يجوز إلا بنية من الليل لحديث حفصة. ولأن الصلاة يتفق وقت النية لفرضها ونفلها وكذلك الصوم ولنا حديث عائشة (المتقدم ذكره في كلام القاري وابن رشد) وحديثهم نخصه بحديثنا على أن حديثنا أصح من حديثهم. والصلاة يتفق وقت النية لنفلها وفرضها لأن اشتراط النية في أول الصلاة لا يفضي إلى تقليلها بخلاف الصوم فإنه يعين له الصوم في النهار فعفي عنه كما لو جوزنا التنفل قاعداً وعلى الراحلة لهذه العلة - انتهى مختصراً. وأجاب المالكية ومن وافقهم عن حديث عائشة بأنه ﷺ قد كان نوى الصوم من الليل. وإنما أراد الفطر لما ضعف عن الصوم وهو محتمل لاسيما على رواية فلقد أصبحت صائماً. وقال الأمير اليماني: حديث عائشة أعم من أن يكون بيت الصوم أولاً فيحمل على التبييت لأن المحتمل يرد إلى العام ونحوه على أن في روايات حديثها إني كنت قد أصبحت صائماً. وقال ابن حزم (ج٦ ص١٧٢) ليس في هذا الحديث أنه ﵊ لم يكن نوى الصيام من الليل وقد صح عنه ﵊ لا صيام لمن لم يبيته من الليل فلم يجز أن نترك هذا اليقين لظن كاذب وأما ما روى الدارقطني (ص٢٣٦) عن عائشة قالت: ربما دعا رسول الله ﷺ بغدائه فلا يجده فيفرض
стр. 2948
..........................
ــ
عليه صوم ذلك اليوم وما روى الجصاص في أحكام القرآن (ج١ ص١٩٩) عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصبح ولم يجمع الصوم ثم يبدو له فيصوم ففيه إن في حديث عائشة ليث بن أبي سليم عن عبد الله وليث هذا اختلط بآخره ولم يتميز حديثه وعبد الله. قال الدارقطني: ليس بمعروف وفي حديث ابن عباس عمر بن هارون وهو ضعيف جداً هذا. وقال ابن قدامة: وأي وقت من النهار نوى أجزأه سواء في ذلك ما قبل الزوال وبعده هذا ظاهر كلام أحمد والخرقي وهو ظاهر قول ابن مسعود. وروى عن ابن عباس عند الطحاوي وعن حذيفة عند عبد الرزاق وابن أبي شيبة والطحاوي. واختار القاضي في المحرر أنه لا تجزئه النية بعد الزوال وهذا مذهب أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي لأن معظم النهار مضى من غير نية بخلاف الناوي قبل الزوال فإنه قد أدرك معظم العبادة ولهذا تأثير في الأصول. ولنا أنه نوى في جزء من النهار فأشبه ما لو نوى في أوله إذا ثبت هذا فإنه يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية في المنصوص عن أحمد وهو قول بعض أصحاب الشافعي. وقال أبوالخطاب في الهداية: يحكم له بذلك من أول النهار لأن الصوم لا يتبعض في اليوم - انتهى مختصراً. واحتج الحنفية لما ذهبوا إليه من أن الصوم الواجب المتعين يكفي فيه النية نهاراً بقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم﴾ إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة:١٨٧] قال الكاساني: أباح للمؤمنين الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر وأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر متأخراً عنه، لأن كلمة ثم للتعقيب مع التراخي فكان هذا أمراً بالصوم متراخياً عن أول النهار. والأمر بالصوم أمر بالنية إذ لا قيمة للصوم شرعاً بدون النية فكان هذا أمراً بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار وقد أتى به فقد أتى بالمأمور به فيخرج عن العهدة - انتهى. وقال في التلويح: (ص١٨٧) في بحث إشارة النص ومن أمثلة الإشارة قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ قالوا: فيه إشارة إلى جواز النية بالنهار لأن كلمة "ثم" للتراخي فإذا ابتديء الصوم بعد تبين الفجر حصلت النية بعد مضى جزء من النهار، لأن الأصل اقتران النية بالعبادة فكان موجب ذلك وجوب النية بالنهار إلا أنه جاز بالليل إجماعاً عملاً بالسنة، وصار أفضل لما فيه من المسارعة والأخذ بالاحتياط. قال الشيخ أبوالمعين إن أبا جعفر الخباز السمرقندي هو الذي استدل بالآية على الوجه المذكور أي على جواز النية بالنهار: لكن للخصم أن يقول أمر الله تعالى بالصيام بعد الانفجار، وهو أي الصوم اسم للركن لا لشرط (وهو النية فينبغي كون الركن بعد الانفجار والشرط يكون متقدماً على المشروط) وأيضاً ينبغي أن يوجد الإمساك الذي هو الصوم الشرعي عقيب آخر جزء من الليل متصلاً ليصير المأمور ممتثلاً ولا يكون الإمساك صوماً شرعياً بدون النية فلا بد منها في أول جزء من أجزاء النهار حقيقة بأن تتصل به، أو حكماً بأن تحصل في الليل وتجعل باقية إلى الآن
стр. 2949
......................
ــ
واحتجوا أيضاً بحديث سلمة بن الأكوع والربيع عند الشيخين إن رسول الله ﷺ أمر رجلاً، من أسلم يوم عاشوراء إن أذن في الناس من أكل فليمسك أو فليصم بقية يومه ومن لم يأكل فليصم. قالوا: فيه أنه ﷺ أمر بصوم عاشوراء في أثناء النهار وكان فرضاً في يوم بعينه فدل على أن النية لا تشترط في الليل في الصوم المفروض في يوم معين، وإن من تعين عليه صوم يوم ولم ينوه ليلاً أنه يجزيه نهاراً. ومن ذلك شهر رمضان فهو فرض في أيام معينة كصوم عاشوراء إذ كان فرضاً في يوم بعينه، ومن ذلك أيضاً صوم النذر في أيام معينة. قالوا: ونسخ وجوب صوم عاشوراء لا يرفع سائر الأحكام، فبقي حكم الأجزاء بنية من النهار غير منسوخ لأن الحديث دل على شيئين. أحدهما: وجوب صوم عاشوراء. والثاني: إن الصوم الواجب في يوم بعينه يصح بنية من نهار، والمنسوخ هو الأول ولا يلزم من نسخه نسخ الثاني ولا دليل على نسخه أيضاً. وأجيب عن هذا بأنه إنما صحت النية في نهار عاشوراء لكون الرجوع إلى الليل غير مقدور. والنزاع فيما كان مقدوراً، فيخص الجواز بمثل هذه الصورة أعنى من أنكشف له في النهار إن ذلك اليوم من رمضان وكمن ظهر له وجوب الصوم عليه من النهار كالمجنون يفيق والصبي يحتلم والكافر يسلم قاله الشوكاني، وقال السندي: الحديث يقتضي أن وجوب الصوم عليهم ما كان معلوماً من الليل، وإنما علم من النهار وحينئذٍ صار إعتبار النية من النهار في حقهم ضرورياً كما إذا شهد الشهود بالهلال يوم الشك فلا يلزم جواز الصوم بنية من النهار بلا ضرورة وهو المطلوب - انتهى. قلت: وأصل هذا الجواب لابن حزم ذكره في المحلى (ج٦ ص١٦٤، ١٦٦) ولابن القيم ذكره في زاد المعاد (ج١ ص١٧١) وقيل في الجواب أيضاً إن أجزاء صوم عاشوراء بنية من النهار كان قبل فرض رمضان وقبل فرض التبييت من الليل ثم نسخ وجوب صومه برمضان وتجدد حكم وجوب التبييت وأجاب الحنفية عن حديث حفصة بوجوه أحدها: أنه اختلف في رفعه ووقفه واضطراب إسناده إضطراباً شديداً وفيه إن الرفع زيادة والزيادة من الثقة مقبولة ومجرد الاختلاف لا يوجب الاضطراب القادح كما لا يخفي. ثانيها: أنه مخصوص بالصوم الواجب الغير المتعين كقضاء رمضان والكفارة والنذر المطلق لحديث سلمة والربيع المتقدم، ولأنه لو لم يخص بذلك يلزم منه النسخ لمطلق الكتاب بخبر الواحد، فلا يجوز ذلك وقد تقدم بيانه. ثالثها: أنه محمول على نفي الكمال. قال الكاساني: أما حديث حفصة فهو من الآحاد فلا يصلح ناسخاً للكتاب لكنه يصلح مكملاً له فيحمل على نفي الكمال ليكون عملاً بالدليلين بقدر الإمكان وفيه أن حمله على نفي الكمال خلاف الظاهر فإن الظاهر أن النفي متوجه إلى نفي الصحة أو إلى نفي الذات الشرعية، ولا دليل في قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ [البقرة:١٨٧] الآية، على أجزاء صوم رمضان بنية من النهار كما تقدم. وأما حديث سلمة والربيع في صوم عاشوراء
стр. 2950
رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي، والدارمي، وقال: أبوداود وقفه على حفصة معمر،
ــ
فهو وارد في صورة خاصة، أي فيمن لم ينكشف له أن اليوم يوم صوم واجب إلا في النهار فلا معارضة بين الحديثين، وقد أتضح بهذا أنه لا دليل في حديث عاشوراء على كون حديث حفصة خاصاً بالصوم الواجب الغير المتعين ولا وجه لتخصيص القضاء والنذر المطلق والكفارات بوجوب التبييت بل هو واجب في كل صوم إلا في تلك الصورة التي ذكرناها، أعنى فيمن لم ينكشف له أن اليوم من رمضان إلا في النهار وفي صوم التطوع لحديث عائشة المتقدم وهذا هو القول الراجح عندنا. ورابعها: إن معناه لا صيام لمن لم ينو أنه صائم من الليل يعني أنه نفي لصوم من نوى أنه صائم نصف اليوم مثلاً. قال صاحب الهداية: ما رواه محمول على نفي الفضيلة والكمال أو معناه لم ينو أنه صوم من الليل - انتهى. وهذا تأويل فاسد وتكلف بعيد يرده ألفاظ الحديث. وأعلم أنه في أي جزء من الليل نوى أجزأه وسواء فعل بعد النية ما ينافي الصوم من الأكل والشرب والجماع أم لم يفعل لعموم حديث حفصة وإطلاقه. واشترط بعض أصحاب الشافعي أن لا يأتي بعد النية بمناف للصوم. واشترط بعضهم وجود النية في النصف الأخير من الليل وهذا كله تحكم من غير دليل، وإن نوى من النهار صوم الغد لم تجزئه تلك النية إلا أن يستصحبها إلى جزء من الليل لظاهر حديث حفصة. ولا بد من التبييت لكل يوم لظاهر حديثها أيضاً ولأن صوم كل يوم عبادة مستقلة مسقطة لفرض يومها ويتخلل بين يومين ما ينافي الصوم ويناقضه. وبه قال أحمد والشافعي وأبوحنيفة. وقال مالك وإسحاق. تجزئه نية واحدة في أول ليلة من رمضان لجميع الشهر في حق الحاضر الصحيح ولا بدمن كون النية جازمة معينة في كل صوم واجب، وهو أن يعتقد أنه يصوم غداً من رمضان أو من قضاءه أو من كفارة أو نذر وإليه ذهب أحمد ومالك والشافعي. وقال الحنفية: لا يشترط التعيين. (رواه الترمذي وأبوداود والنسائي والدارمي) واللفظ للترمذي وأبي داود ولفظ النسائي والدارمي من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له، وفي رواية للنسائي من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا يصوم والحديث أخرجه أيضا ًأحمد (ج٦ ص٢٨٧) وابن ماجه ولفظه لا صيام لمن لم يفرضه من الليل وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني (ص٢٣٤) والبخاري في التاريخ الصغير (ص٦٧) والطبراني والحاكم في الأربعين وابن حزم (ج٦ ص١٦٢) والبيهقي (ج٤ ص٢٠٢) والحاوي (ج١ ص٣٢٥) (وقال أبوداود) أي بعد ما رواه من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة ويحي بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة مرفوعاً. وبعد ما قال رواه الليث وإسحاق بن حازم أيضاً جميعاً عن عبد الله بن أبي بكر مثله يعني مرفوعاً كما رواه عنه ابن لهيعة ويحيى بن أيوب (وقفه على حفصة معمر) بسكون العين فتحتي الميمين وهو معمر بن راشد يكنى أبا عروة البصري الأزدي مولاهم نزيل اليمن شهد جنازة الحسن البصري روى عن الزهري وقتادة وهمام بن منبه وغيرهم، وروى عنه الثوري وابن عيينة وشعبة وغيرهم. قال الحافظ في التقريب: ثقة ثبت فاضل إلا أن في
стр. 2951
والزبيدي، وابن عيينة، ويونس الأبلي كلهم عن الزهري.
ــ
روايته عن ثابت البناني والأعمش وهشام بن عروة شيئاً وكذا فيما حدث به بالبصرة. مات سنة (١٥٤) وهو ابن ثمان وخمسين سنة وبسط في ترجمته في تهذيب التهذيب (والزبيدي) بالزاي والموحدة مصغراً وهو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي أبوالهذيل الحمصي القاضي ثقة ثبت من كبار أصحاب الزهري أقام معه عشر سنين حتى احتوى على علمه وهو من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري، وكان الأوزاعي يفضله على جميع من سمع من الزهري مات سنة ست أو سبع أو تسع وأربعين ومائة (وابن عيينة) بضم العين مصغراً وهو سفيان بن عيينة وقد تقدم ترجمته (ويونس الأبلي) بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام منسوب إلى أيلة بلد من الشام، وهو يونس بن يزيد بن أبي النجاد يكنى أبا يزيد مولى آل أبي سفيان من رواه الستة. قال في التقريب: ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهماً قليلاً، وفي غير الزهري خطأ مات سنة (١٥٩) على الصحيح وقيل: سنة (١٦٠) وبسط في ترجمته في تهذيب التهذيب. وقال في مقدمة الفتح: بعد ذكر كلمات القوم فيه. قلت: وثقه الجمهور مطلقاً، وإنما ضعفوا بعض روايته حيث يخالف أقرانه ويحدث من حفظه فإذا حدث من كتابه فهو حجة. قال ابن البرقي: سمعت ابن المديني يقول أثبت الناس في الزهري مالك وابن عيينة ومعمر وزياد بن سعد ويونس من كتابه وقد وثقه أحمد مطلقاً وابن معين والعجلي والنسائي ويعقوب بن شيبة والجمهور واحتج به الجماعة - انتهى. (كلهم عن الزهري) بضم الزاي هو محمد بن مسلم بن شهاب وتقدم ترجمته. قلت: رواية الليث عند الطبراني ورواية إسحاق بن حازم عند ابن ماجه والدارقطني وروايات معمر وابن عيينة ويونس عند النسائي، وروى الدارقطني أيضاً من طريق ابن عيينة ولم أقف على من أخرجه من رواية الزبيدي. وقد بسط في ذكر الاختلاف في رفعه ووقفه وفي ذكر الاختلاف في إسناده الدارقطني في سننه والنسائي في الكبرى والمجتبى والبيهقي في سننه. وقد نقله الزيلعي في نصب الراية عن السنن الكبرى للنسائي. قال الحافظ في الفتح: اختلف في رفعه ووقفه ورجح الترمذي والنسائي الموقوف بعد أن أطنب النسائي في تخريجه وحكى الترمذي في العلل عن البخاري ترجيح وقفه وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة فصححوا الحديث المذكور أي مرفوعاً، منهم ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حزم - انتهى. وقال في الدراية (ص١٧١) : إسناده صحيح إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه وصوب النسائي وقفه ومنهم من لم يذكر فيه حفصة، وقد أخرجه مالك عن نافع عن ابن عمر موقوفاً وعن الزهري عن حفصة (وعائشة) موقوفاً. وقال أبوحاتم: روى عن حفصة قولها وهو عندي أشبه - انتهى. وقال في التلخيص (ص١٨٨) اختلف الأئمة في رفعه ووقفه، فقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا أدري أيهما أصح يعني رواية يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم، أو رواية إسحاق بن حازم عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري بغير وساطة الزهري لكن الوقف أشبه. وقال أبوداود: لا يصح رفعه. وقال الترمذي: الموقوف أصح ونقل في العلل
стр. 2952
٢٠٠٨- (٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سمع النداء أحدكم
والإناء في يده،
ــ
عن البخاري أنه قال هو خطأ وهو حديث فيه اضطراب والصحيح عن ابن عمر موقوف. وقال النسائي: (في الكبرى) الصواب عندي موقوف ولم يصح رفعه. وقال أحمد: ماله عندي ذلك الإسناد. وقال الحاكم في الأربعين: صحيح على شرط الشيخين. وقال في المستدرك صحيح على شرط البخاري: وقال البيهقي: رواته ثقات إلا أنه روى موقوفاً. وقال الخطابي في المعالم (ج٢ ص١٣٣) أسنده عبد الله بن أبي بكر وزيادة الثقة مقبولة. وقال ابن حزم: الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة. وقال الدارقطني. كلهم ثقات- انتهى. قلت: قال الدارقطني (ص٢٣٤) رفعه عبد لله بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء. وقال البيهقي (ج٤ ص٢٠٢) اختلف على الزهري في إسناده وفي رفعه إلى النبي ﷺ وعبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه وهو من الثقات الإثبات - انتهى. وقال ابن حزم (ج٦ ص١٦) بعد روايته من طريق النسائي عن أحمد بن الأزهر عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة مرفوعاً ما لفظه، وهذا إسناد صحيح ولا يضر إسناد ابن جريج له، إن أوقفه معمر ومالك وعبيد الله ويونس وابن عيينة فابن جريج لا يتأخر عن أحد من هؤلاء في الثقة والحفظ والزهري واسع الرواية، فمرة يرويه عن سالم عن أبيه، ومرة عن حمزة عن أبيه وكلاهما ثقة، وابن عمر كذلك مرة رواه مسنداً ومرة روى إن حفصة أفتت به، ومرة أفتى هو به وكل هذا قوة للخبر - انتهى. وقال النووي: الحديث صحيح قال: ورواه أصحاب السنن وغيرهم بأسانيد كثيرة رفعاً ووقفاً وصحة وضعفاً لكن كثير منها صحيح معتمد عليه لأن معها زيادة علم برفعه فوجب قبوله. وقد قال الدارقطني: في بعض طرقه الموصولة رجال إسناده كلهم أجلة ثقات كذا في المرقاة. وقال الشوكاني في السيل الجرار: بعد حكاية تصحيح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ليس فيه علة قادحة إلا ما قيل: من الاختلاف في الرفع والوقف، والرفع زيادة. وقد صحح المرفوع هؤلاء الأئمة الثلاثة. وقال في النيل بعد ذكر كلام الحافظ السابق عن التلخيص: وقد تقرر في الأصول إن الرفع من الثقة زيادة مقبولة. وفي الباب عن عائشة عند الدارقطني وفيه عبد الله بن عباد وهو مجهول وذكره ابن حبان في الضعفاء، وعن ميمونة بنت سعد عند الدارقطني أيضاً، وفيه الواقدي كذا في التلخيص.
٢٠٠٨- قوله: (إذا سمع النداء) أي أذان الفجر (أحدكم) كذا في جميع النسخ الحاضرة وكذا وقع في المصابيح، وفي أبي داود إذا سمع أحدكم النداء، وهكذا وقع عند الدارقطني والحاكم والبيهقي وكذا نقله الخطابي في المعالم والجزري في جامع الأصول (ج٧ ص٢٤٤) والسيوطي في الجامع الصغير (والإناء) أي الذي يأكل منه أو يشرب منه يعني إناء الطعام أو الشراب وهو مبتدأ وخبره قوله (في يده) كذا في بعض النسخ من سنن
стр. 2953
فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه)) .
ــ
أبي داود وفي بعضها على يده، وهكذا عند الدارقطني والحاكم والبيهقي وكذا نقله الخطابي والسيوطي والجزري والجملة حالية (فلا يضعه) أي الإناء قيل هو بالجزم نهي (حتى يقضي حاجته منه) أي بالأكل والشرب، وفيه إباحة الأكل والشرب من الإناء الذي في يده عند سماع الأذان للفجر وأن لا يضعه حتى يقضي حاجته قيل المراد بالنداء الأذان الأول أي أذان بلال قبل الفجر لقوله ﷺ إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا وأشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. قال البيهقي (ج٤ ص٢١٨) هذا الحديث إن صح فهو محمول عند عوام أهل العلم على أنه ﷺ علم أن المنادي كان ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر وقوله هذا خبر عن النداء الأول. وقال الخطابي (ج٢ ص١٠٦) هذا على قوله إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا وأشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم - انتهى. وفيه أنه لا يظهر حينئذٍ فائدة التقييد بقوله والإناء في يده وقيل هو محمول على من سمع الأذان وهو يشك في طلوع الفجر وبقاء الليل ويتردد فيهما فيجوز له الأكل والشرب، لأن الأصل بقاء الليل حتى يتبين له طلوع الفجر الصادق باليقين أو بالظن الغالب وهذا عند الشافعية. قال الخطابي: أو يكون معناه أن يسمع الأذان وهو يشك في الصبح مثل أن تكون السماء متغيمة فلا يقع له العلم بأذانه إن الفجر قد طلع لعلمه إن دلائل الفجر معدومة ولو ظهرت للمؤذن لظهرت له أيضاً، فأما إذا علم إنفجار الصبح فلا حاجة به إلى أذان الصارخ: لأنه مأمور بأن يمسك عن الطعام والشراب إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر - انتهى. وقيل المقصود من الحديث إن تحريم الأكل والشرب إنما يتعلق بالفجر لا بالأذان، فإن المؤذن قد يبادر بالأذان قبل الفجر لضعف في بصره أو لشيء آخر، فلا عبرة بالأذان إذا لم يعلم بطلوع الفجر. وإنما العبرة في تحريم الأكل بالفجر لكن هذا الحكم للخواص الذين يعرفون الفجر، وأما العوام الذين لا يعرفونه فعليهم الاحتياط وقيل الحديث وارد على وفق من يقول من العلماء إن المعتبر في تحريم الأكل والشرب في الصوم هو تبين الفجر لا طلوعه، فالأذان مشروع في أول طلوع الفجر وهو ليس بمانع من الأكل والشرب. وإنما المانع تبين الفجر خلافاً لجمهور العلماء فإن المعتبر عندهم أول طلوع الفجر، ولا شك إن القول الأول أوفق والحديث مبني على الرفق، قال في فتح الودود: من يتأمل في هذا الحديث، وكذا حديث "وكلوا وأشربوا حتى يؤذن" ابن أم مكتوم، وكذا ظاهر قوله تعالى: ﴿حتى يتبن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة:١٨٧] يرى أن المدار هو تبين الفجر وهو يتأخر عن أوائل الفجر بشيء والمؤذن لانتظاره يصادف أوائل الفجر أي فيؤذن، فيجوز الشرب حينئذٍ إلى أن يتبن لكن هذا خلاف المشهور بين العلماء فلا اعتماد عليه عندهم - انتهى.
стр. 2954
رواه أبوداود.
٢٠٠٩- (٨) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى أحب عبادي إلي
أعجلهم فطراً)) .
ــ
وقيل المراد بالنداء أذان المغرب والمقصود من الحديث طلب تعجيل الفطر، أي إذا سمع أحدكم نداء المغرب، وصادف ذلك إن الإناء في يده لحاجة أخرى فليبادر بالفطر منه ولا يؤخر إلى وضعه، وبهذا يندفع قول الطيبي يشعر دليل الخطاب بأنه لا يفطر إذا لم يكن الإناء في يده، وقد سبق إن تعجيل الفطر مسنون لكن هذا من مفهوم اللقب فلا يعمل به ووجه إندفاعه إن قوله والإناء في يده ليس للتقييد بل للمبالغة في السرعة كذا نقله القاري عن ابن حجر ثم تعقبه. وقال: فالصواب إنه قيد احترازي في وقت الصبح إلى آخر ما قال وأبعد من قال إن الحديث محمول على غير حالة الصوم ولا تعلق له بالفجر ولا بالمغرب خاصة، بل هو وارد في أمر الصلاة مطلقاً كقوله ﷺ " إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء" فقد وردا على نمط واحد والمرعى فيهما قطع الشغل بغير أمر الصلاة عن بال المصلي ودفع التشويش المفضي إلى ترك الخشوع. والراجح عندي هو المعنى الثالث ثم الرابع ثم الثاني والله تعالى أعلم (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد والدارقطني (ص٢٣١) والحاكم (ج١ ص٤٢٦) والبيهقي (ج٤ ص٢١٨) وسكت عنه أبوداود والمنذري وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وفي الباب عن أبي الزبير قال سألت جابراً عن الرجل يريد الصيام، والإناء في يده يشرب منه فيسمع النداء فقال جابر: كنا نتحدث أن النبي ﷺ قال: يشرب، رواه أحمد قال الهيثمي: إسناده حسن.
٢٠٠٩- قوله: (أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً) أي أكثرهم تعجيلاً في الإفطار وأسرعهم مبادرة إلى الفطر بعد تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار من يجوز العمل بقوله. قال الطيبي: لعل السبب في هذه الأحبية المتابعة للسنة والمباعدة عن البدعة والمخالفة لأهل الكتاب - انتهى. قال القاري: وفيه إيماء إلى أن أفضلية هذه الأمة لأن متابعة الحديث توجب محبة الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران:٣١] وإليه الإشارة بالحديث الآتي: لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر الخ. وقال ابن الملك: ولأنه إذا أفطر قبل الصلاة يؤديها عن حضور القلب وطمأنينة النفس ومن كان بهذه الصفة فهو أحب إلى الله ممن لم يكن كذلك - انتهى. قال الأمير اليماني: الحديث دال على أن تعجيل الإفطار أحب إلى الله من تأخيره وإن إباحة المواصلة إلى السحر لا تكون أفضل من تعجيل الإفطار أو يراد بعبادي الذين يفطرون ولا يواصلون إلى السحر. وأما
стр. 2955
رواه الترمذي.
٢٠١٠- (٩) وعن سلمان بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه طهور)) .
ــ
رسول الله ﷺ فإنه خارج عن عموم هذا الحديث لتصريحه ﷺ بأنه ليس مثلهم كما تقدم، فهو أحب الصائمين إلى الله تعالى وإن لم يكن أعجلهم فطراً لأنه قد أذن له في الوصال ولو أياماً متصلة كما سبق (رواه الترمذي) وحسنه، وأخرجه أيضاً أحمد، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والبيهقي (ج٤ ص٢٣٧) .
٢٠١٠ – قوله: (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر) أي على تمرة اكتفاء بأصل السنة وإلا فأدنى كمالها ثلث كما روى أبويعلى عن أنس قال كان النبي ﷺ يحب أن يفطر على ثلاث تمرات أو شيء لم تصبه النار، وفيه عبد الواحد بن ثابت وهو ضعيف. وقيل: المراد جنس التمر فيصدق بالواحدة وهذا عند فقد الرطب فإن وجد فهو أفضل كما يدل عليه حديث أنس التالي. قال الشوكاني: حديثا أنس وسلمان يدلان على مشروعية الإفطار بالتمر، فإن عدم فبالماء ولكن حديث أنس فيه دليل على أن الرطب من التمر أولى من اليابس فيقدم عليه إن وجد - انتهى. والأمر للندب. قال البخاري في صحيحه: باب يفطر بما يتسير من الماء وغيره ثم ذكر حديث عبد الله بن أبي أوفى قال سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم فلما غربت الشمس قال أنزل فاجدح لنا الخ. قال الحافظ: لعل البخاري أشار إلى أن الأمر في قوله من وجد تمراً فليفطر عليه ومن لا فليفطر على الماء ليس على الوجوب وقد شذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء - انتهى. وإنما شرع الإفطار بالتمر لأنه حلو وقوت والنفس قد تعبت بمرارة الجوع والبصر قد ضعف بالصوم والحلاء يسرع النفوذ إلى القوى لاسيما قوة الباصرة، فأمر بإزالة هذا التعب والضعف بما هو قوت وحلو. قال الشوكاني: وإذا كانت العلة كونه حلواً والحلو له ذلك التأثير فليحق به الحلويات كلها، أما ما كان أشد منه في الحلاوة فبفحوى الخطاب وما كان مساوياً له فبلحنه (فإنه بركة) أي فإن التمر ذو بركة وخير كثير أو أريد به المبالغة قاله القاري وقال الطيبي: أي فإن الإفطار على التمر فيه ثواب كثير وبركة (فإن لم يجد) أي التمر ونحوه من الحلويات (فليفطر على ماء) قراح (فإنه طهور) بفتح الطاء أي مطهر محصل للمقصود. وقال القاري: أي بالغ في الطهارة فيبتدئ به تفاؤلاً بطهارة الظاهر والباطن. وقال الطيبي أي لأنه مزيل المانع من أداء العبادة ولذا من الله تعالى على عباده ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ [الفرقان:٤٨] قال ابن القيم: هذا أي الأمر بالإفطار بالتمر والماء من
стр. 2956
رواه أحمد، والترمذي، وأبوداود وابن ماجه، والدارمي. ولم يذكر فإنه بركة غير الترمذي. في رواية أخرى.
٢٠١١- (١٠) وعن أنس، قال: ((كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات
ــ
كمال شفقته ﷺ على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة إدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به لاسيما قوة الباصرة فإنها تقوى به. وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس فإن رطبت بالماء كما انتفاعها بالغذاء بعده، هذا مع ما في التمر، والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب (رواه أحمد) (ج٤ ص١٧- ١٨-٢١٣- ٢١٤) (والترمذي) في الزكاة لزيادة في آخره وهي قوله، وقال الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة. وقد تقدم هذا في باب أفضل الصدقة والجزء الأول أخرجه أيضاً الترمذي في الصيام بدون قوله فإنه بركة (وأبوداود) الخ. وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم (ج١ ص٤٣١، ٤٣٢) وابن حزم (ج٧ ص٣١) والبيهقي (ج٤ ص٢٣٨، ٢٣٩) وحسنه الترمذي في الزكاة وصححه في الصيام وصححه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان، وأبوحاتم الرازي، والحاكم على شرط البخاري ووافقه الذهبي وسكت عنه أبوداود. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره، وروى ابن عدي عن عمران بن حصين بمعناه وإسناده ضعيف، وروى الترمذي والحاكم ابن خزيمة والبيهقي عن أنس مثل حديث سلمان وتكلم فيه الترمذي والبيهقي. قال الترمذي: هو حديث غير محفوظ، والصحيح حديث حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر - انتهى. وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي (ولم يذكر) أي أحد قوله (فإنه بركة غير الترمذي) قال القاري: وفي نسخة ولم يذكروا بصيغة الجمع فغير منصوب على الاستثناء (في رواية أخرى) يعني في كتاب الزكاة. وأما في الصيام فأخرجه بدون هذه الزيادة مثل الآخرين. قال القاري: وهذا أي قوله في رواية أخرى غير موجود في أكثر النسخ.
٢٠١١- قوله: (يفطر) أي من صومه (قبل أن يصلي) أي المغرب وفيه إشارة إلى كمال المبالغة في استحباب تعجيل الفطر. وأما ما صح أن عمر وعثمان ﵄ كانا برمضان يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود ثم يفطران بعد الصلاة، فهو لبيان جواز التأخير لئلا يظن وجوب التعجيل (على رطبات) بضم الراء وفتح الطاء (فإن لم تكن رطبات) بالرفع أي موجودة أو إن لم تحصل ولم تتيسر (فتميرات) بالتصغير وبالجر أي فيفطر على تميرات وفي نسخة بالرفع أي فتميرات عوضها قاله القاري. وهذا لفظ الترمذي،
стр. 2957
حساً حسوات من ماء)) . رواه الترمذي، وأبوداود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
٢٠١٢- (١١) وعن زيد بن خالد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من فطر صائماً، أو جهز غازياً، فله مثل أجره)) . رواه البيهقي في شعب الإيمان، ومحي السنة في شرح السنة. وقال: صحيح.
ــ
ولأبي داود فعلى تمرات وكذا عند الدارقطني والحاكم (حسا) أي شرب (حسوات) بفتحتين أي شربات (من ماء) قال العلقمي: حسوات، بحاء وسين مهملتين جمع حسوة بالفتح، وهي المرة من الشرب. والحسوة بالضم الجرعة من الشراب بقدر ما يحسي - انتهى. وقال في لسان العرب: الحَسْوة، المرة الواحدة. وقيل: الحسْوة والحسُوة لغتان. قال ابن السكيت: حَسَوْت شربت حسواً وحساء والحسوة ملء الفم - انتهى. والحديث دليل على استحباب الافطار بالرطب فإن عدم فبالتمر فإن عدم فبالماء، قال: وقول من قال السنة بمكة تقديم ماء زمزم على التمر أو خلطه به فمردود بأنه خلاف الإتباع، وبأنه ﷺ صام عام الفتح أياماً كثيرة ولم ينقل أنه خالف عادته التي هي تقديم التمر على الماء. ولو كان لنقل - انتهى. (رواه الترمذي وأبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد والدارقطني (ص٢٤٠) والحاكم (ج١ ص٤٣٢) وابن حزم (ج٧ ص٣١) من طريق أبي داود والبيهقي (ج٤ ص٢٣٩) (وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب) وسكت عليه أبوداود والحاكم والذهبي وصححه الدارقطني. وقال المنذري: بعد نقل كلام الترمذي. وقال أبوبكر البزار: وهذا حديث لا يعلم رواه عن ثابت عن أنس إلا جعفر بن سليمان وذكره ابن عدي أيضاً في أفراد جعفر عن ثابت - انتهى. قلت: جعفر هذا صدوق زاهد حسن الحديث لكنه كان يتشيع.
٢٠١٢- قوله: (وعن زيد بن خالد) أي الجهني (من فطر صائماً) من التفطير وهو جعل أحد مفطراً أي من أطعم صائماً عند إفطاره (أو جهز غازياً) من التجهيز أي هيأ أسباب سفره وأعطاه ما يحتاج إليه في غزوه من السلاح والفرس والنفقة. قال السندي: تجهيز الغازي تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في غزوه (فله) أي لمن فطر أو جهز (مثل أجره) أي الصائم أو الغازي، و"أو" للتنويع وهذا الثواب لأنه من باب التعاون على البر والتقوى. قال الطيبي: نظم الصائم في سلك الغازي لانخراطهما في معنى المجاهدة مع أعداء الله. وقدم الجهاد الأكبر - انتهى. قيل: والمراد مثل أجره كماً، لا كيفاً وزاد في رواية غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً (رواه البيهقي في شعب الإيمان ومحي السنة) أي صاحب المصابيح (في شرح السنة وقال صحيح) قال الجزري: ورواه النسائي بلفظه جملة والترمذي وابن ماجه مقطعاً. وقال الترمذي: في كل منهما حسن صحيح كذا في المرقاة وقال المنذري في الترغيب: عن زيد بن خالد الجهني عن النبي ﷺ قال من فطر صائماً كان له مثل
стр. 2958
٢٠١٣- (١٢) وعن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: ((ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله)) . رواه أبوداود.
ــ
أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء، رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. وقال الترمذي: حديث صحيح، ولفظ ابن خزيمة والنسائي من جهز غازياً أو جهز حاجاً أو خلفه في أهله أو فطر صائماً كان له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء - انتهى. قلت: الحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٤ ص١١٤- ١١٥- ١١٦ وج٥ ص١٩٢) والبيهقي (ج٤ ص٢٤٠) مطولاً ومختصراً بألفاظ، وأخرجه الدارمي مقطعاً في الصيام والجهاد، وكذا الترمذي وابن ماجه. وأخرج النسائي في الجهاد من المجتبى تجهيز الغازي فقط، ولم يخرج في الصيام أصلاً ولعله أخرجه في الكبرى. قال ميرك: بعد نقل السياقين المذكورين عن الترغيب وكأن المصنف أي صاحب المشكاة لم يقف على هذين الطريقين فعزا الحديث إلى البيهقي وشرح السنة والعزو إلى أصحاب السنن أولى وأصوب والله أعلم - انتهى. وتعقبه القاري فقال: وفيه أنه إنما نسب إليهما لأن لفظهما مغاير للفظ الطريقين فإن الأول مختصر، والثاني مطول مع قطع النظر عن ومخالفة بقية الألفاظ - انتهى. فتأمل.
٢٠١٣ – قوله: (إذا أفطر) من صومه (قال) أي بعد الإفطار (ذهب الظمأ) بفتحتين فهمز أي العطش أو شدته. قال النووي: في الأذكار الظمأ مهموز الآخر مقصور وهو العطش، وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهراً لأني رأيت من اشتبه عليه فتوهمه ممدوداً - انتهى. وفيه أنه قريء لا يصيبهم ظمأ بالمد والقصر. وفي القاموس ظمى، كفرح ظمأ وظماءً وظماءةً عطش أو أشد العطش ولعل كلام النووي محمول على أنه خلاف الرواية لا أنه غير موجود في اللغة قاله القاري (وابتلت العروق) أي صارت رطبة بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش، قيل: لم يقل وذهب الجوع لأن أرض الحجاز حارة فكانوا يصبرون على قلة الطعام لا العطش (وثبت الأجر) أي زال التعب وحصل الثواب. قال الطيبي: ذكر ثبوت الأجر بعد زوال التعب استلذاذ أي استلذاذ ونظيره قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾ [فاطر:٣٤] – انتهى. (إن شاء الله) ثبوته بأن تقبل الصوم وتولى جزاءه بنفسه كما وعد. وقال القاري: قوله: "إن شاء الله" متعلق بالأخير على سبيل التبرك ويصح التعليق لعدم وجوب الأجر عليه تعالى رداً على المعتزلة، ويمكن أن يكون إن بمعنى إذ فتتعلق بجميع ما سبق (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً الدارقطني (ص٢٤٠) والحاكم (ج١ ص٤٢٢) وابن السني (ص١٥٣) والبيهقي (ج٤ ص٢٣٩) وسكت عنه أبوداود والمنذري وحسنه الدارقطني وصححه الحاكم وأقره الذهبي: قال الجزري في جامع الأصول: (ج٧ ص٢٤٨) زاد رزين الحمد لله في أول الحديث.
стр. 2959
٢٠١٤- (١٣) وعن معاذ بن زهرة، قال: إن النبي ﷺ : كان إذا أفطر قال: ((اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت)) . رواه أبوداود مرسلاً.
ــ
٢٠١٤- قوله: (وعن معاذ) بضم الميم (بن زهرة) بضم الزاي وسكون الهاء ويقال معاذ أبوزهرة. قال في التقريب: مقبول من أوساط التابعين أرسل حديثاً فوهم من ذكره في الصحابة. وقال في تهذيب التهذيب معاذ بن زهرة ويقال معاذ أبوزهرة الضبى تابعي أرسل عن النبي ﷺ في القول عند الإفطار، وعنه حصين بن عبد الرحمن وذكره ابن حبان في الثقات، قلت (قائله الحافظ) والذي ذكره بلفظ الكنية البخاري في التاريخ وتبعه ابن أبي حاتم، والذي ذكر أن زهرة اسم والده هو الذي وقع في السنن لأبي داود، وفي المراسيل لكن وقع عنده عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي ﷺ ، وقد أخرج ابن السني - الحديث. (ص١٥٣) من وجه آخر عن حصين بلفظ آخر. ولم يقل في سياقه أنه بلغه (قال إن النبي ﷺ ) كذا في جميع النسخ الحاضرة وفي السنن لأبي داود عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي ﷺ (كان إذا أفطر قال) أي دعا. وقال ابن الملك: أي قرأ بعد الإفطار (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت) قال المظهر. يعني لم يكن صومي رياء بل كان خالصاً لك لأنك الرازق فإذا أكلت رزقك ولا رازق غيرك فلا ينبغي العبادة لغيرك. وقال الطيبي: قدم الجار والمجرور في القرينتين على العامل دلالة على الاختصاص إظهار للاختصاص في الافتتاح، وإبداء لشكر الصنيع المختص به في الاختتام (رواه أبوداود مرسلاً) في السنن وفي المراسيل لكن وقع عنده هكذا عن معاذ ابن زهرة أنه بلغه أن النبي ﷺ الخ وتسميته مرسلاً لا يخلو عن خفاء لأن قول معاذ التابعي بلغه يقتضي ثبوت مبلغ، ويحتمل أن يكون واحداً فهو حينئذٍ متصل في إسناده مجهول فتأمل، وأخرجه ابن السني (ص٥٣) بلفظ كان إذا أفطر قال الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت وليس في سياقه قوله إنه بلغه. وأخرجه البيهقي (ج٤ ص٢٣٩) من طريق أبي داود بسياقه سواء. قال ابن حجر: وهو مع إرساله حجة في مثل ذلك على أن الدارقطني والطبراني روياه عن ابن عباس بسند متصل لكنه ضعيف وهو حجة أيضاً. قال القاري: وأما ما اشتهر على الألسنة اللهم لك صمت وبك آمنت وعلى رزقك أفطرت فزيادة. "وبك آمنت" لا أصل لها وإن كان معناها صحيحاً، وكذا زيادة "وعليك توكلت لصوم غد نويت" بل النية باللسان من البدعة الحسنة - انتهى. قلت لا أصل للنية باللسان للصوم وكذا للصلاة لا من كتاب ولا من سنة ولا من صحابي بل هو مجرد رأي، فهي بدعة شرعية، وكل بدعة شرعية سيئة فيتعين تركها، وحديث ابن عباس أخرجه ابن السني أيضاً وفي الباب عن أنس أخرجه الطبراني في الأوسط، وهو أيضاً ضعيف. ويكون هو وحديث ابن عباس شاهداً لحديث معاذ يقوى بهما.
стр. 2960
﴿الفصل الثالث﴾
٢٠١٥- (١٤) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر. لأن اليهود والنصارى يؤخرون)) . رواه أبوداود، وابن ماجه.
٢٠١٦- (١٥) وعن أبي عطية، قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة، فقلنا: يا أم المؤمنين! رجلان
ــ
٢٠١٥- قوله: (لا يزال الدين ظاهراً) أي غالباً وعالياً ولابن ماجه لا يزال الناس بخير (ما عجل الناس الفطر) أي مدة تعجيلهم الفطر. قال القاري: وسببه والله تعالى أعلم إن هذه الملة الحنيفية سمحاء سهلة ليس فيها حرج فيسهل قيامهم بها والمداومة عليها بخلاف أهل الكتاب فإنهم شدوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فغلبوا ولم يقدروا أن يقيموا الدين- انتهى. (لأن اليهود والنصارى يؤخرون) أي الفطر إلى اشتباك النجوم وتبعهم الرافضة في زماننا. قال السندي: هذا تعليل لما ذكر بأن فيه مخالفة لأعداء الله فما داموا يراعون مخالفة أعداء الله تعالى ينصرهم الله ويظهر دينهم. وقال الطيبي: في هذا التعليل دليل على أن قوام الدين الحنيف على مخالفة الأعداء من أهل الكتاب، وإن في موافقتهم تلفاً للدين قال تعالى: ﴿يآيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة:٥١] (رواه أبوداود وابن ماجه) واللفظ لأبي داود وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم (ج١ ص٤٣١) والبيهقي (ج٤ ص٢٣٧) وسكت عنه أبوداود والمنذري. وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي ونقل السندي عن الزوائد إن إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سهل بمن سعد بنحوه - انتهى.
٢٠١٦- قوله: (وعن أبي عطية) بفتح العين وكسر طاء وشدة ياء، هو أبوعطية الوادعي الهمداني الكوفي واسمه مالك بن عامر أو ابن أبي عامر أو ابن عوف. وقيل: ابن حمزة. وقيل: ابن أبي حمزة. وقيل: اسمه عمرو بن جندب. ويقال: ابن أبي جندب. وقيل: إنهما اثنان روى عن ابن مسعود وأبي موسى وعائشة ومسروق بن الأجدع وعنه عمارة بن عمير والأعمش وآخرون ثقة من كبار التابعين وثقة ابن معين وأبوداود وابن سعد وابن حبان شهد مشاهد على ومات في ولاية عبد الملك. وقيل: في ولاية مصعب على الكوفة. وقال في التقريب: مات في حدود السبعين (ومسروق) أي ابن الأجدع وتقدم (رجلان) مبتدأ
стр. 2961
من أصحاب محمد ﷺ : أحدهما: يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر: يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة. قالت: أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قلنا: عبد الله بن مسعود، قالت: هكذا صنع رسول الله ﷺ . والآخر أبوموسى)) . رواه مسلم.
٢٠١٧- (١٦) وعن العرباض بن سارية، قال: دعاني رسول الله ﷺ إلى السحور في رمضان، فقال: ((هلم إلى الغداء المبارك)) . رواه أبوداود، والنسائي.
ــ
(من أصحاب محمد ﷺ ) صفة وهي مسوغة لكون المبتدأ نكرة والخبر جملة قوله (أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة) أي صلاة المغرب (والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة) أي يختار تأخيرهما والظاهر إن الترتيب الذكرى يفيد الترتيب الفعلى في العملين (والآخر أبوموسى) قال الطيبي: الأول عمل بالعزيمة والسنة والثاني بالرخصة - انتهى. قال القاري: وهذا إنما يصح لو كان الاختلاف في الفعل فقط. أما إذا كان الاختلاف قولياً فيحمل على أن ابن مسعود اختار المبالغة في التعجيل وأبوموسى اختار عدم المبالغة فيه، وإلا فالرخصة متفق عليها عند الكل والأحسن أن يحمل عمل ابن مسعود على السنة وعمل أبي موسى على بيان الجواز كما سبق من عمل عمر وعثمان ﵄ انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج٤ ص٢٣٧) .
٢٠١٧- قوله: (وعن العرباض) بكسر العين المهملة وسكون الراء وبالموحدة والضاد المعجمة (إلى السحور) بفتح السين ويجوز ضمها (فقال) عطف أو تفسير وبيان (هلم) أي تعالى وفيه لغتان فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد. والجمع والاثنين بلفظ: واحد مبني على الفتح وبنو تميم تثني وتجمع وتؤنث فتقول هلم وهلمي وهلما وهلموا قاله الجزري في النهاية. ونزل القرآن بلغة الحجاز ﴿قل لهم هلم شهداءكم الذين يشهدون إن الله حرم هذا﴾ أي أحضروهم وقال: ﴿والقائلين لإخوانهم هلم إلينا﴾ (إلى الغداء المبارك) بفتح الغين المعجمة والدال المهملة والمد وهو طعام يؤكل أول النهار سمي به السحور لأنه للصائم بمنزلته للمفطر. وقال الخطابي (ج٢ ص١٠٤) إنما غداء لأن الصائم يتقوى به على صيام النهار فكأنه قد تغدي. والعرب تقول غدا فلان لحاجته إذا بكر فيها وذلك من لدن وقت السحر إلى طلوع الشمس (رواه أبوداود والنسائي) واللفظ لأبي داود ولفظ النسائي عن العرباض قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يدعو إلى السحور في شهر رمضان قال: هلموا إلى الغداء المبارك والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٤ ص١٢٦) وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والبيهقي
стр. 2962
٢٠١٨- (١٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نعم سحور المؤمن التمر)) . رواه أبوداود.
(٣) باب تنزيه الصوم
((الفصل الأول))
٢٠١٩- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يدع قول الزور
ــ
(ج٤ ص٢٣٦) كلهم عن الحارث بن زياد عن أبي رهم عن العرباض والحارث لم يرو عنه غير يونس بن سيف الكلاعي. وقال أبوعمر النمري: الحارث هذا مجهول يروي عن أبي رهم حديثه منكر كذا ذكره المنذري في مختصر السنن وفي الترغيب. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: الحارث بن زياد شامي أخرج له أبوداود والنسائي حديثاً واحداً في الصوم ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وقال أدرك أباأمامة. قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في الميزان مجهول وشرطه أن لا يطلق هذه اللفظة إلا إذا كان أبوحاتم الرازي قالها والذي قال أبوحاتم أنه مجهول آخر غيره فيما يظهر لي. نعم، قال أبوعمر بن عبد البر: في صاحب هذه الترجمة مجهول حديثه منكر - انتهى. وقال في التقريب: الحارث بن زياد الشامي لين الحديث.
٢٠١٨- قوله: (نعم سحور المؤمن) بفتح السين لا غير (التمر) أي فإن التسحر به بركة عظيمة وثواباً كثيراً فيطلب تقديمه في السحور وكذا في الفطور إن لم يوجد رطب وإلا فهو أفضل في زمنه. قال الطيبي: وإنما مدح التمر في هذا الوقت؛ لأن في نفس السحور ببركة وتخصيصه بالتمر بركة على بركة كما سبق: إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة ليكون المبدوء به والمنتهي إليه البركة والله تعالى أعلم (رواه أبوداود) قال المزي: هذا الحديث في رواية أبي بكر بن داسة ولم يذكره أبوالقاسم ذكره في عون المعبود نقلاً عن غاية المقصود. والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه والبيهقي (ج٤ ص٢٣٧) ورواه البزار وأبونعيم في الحلية عن جابر قال الهيثمي بعد عزوه إلى البزار: رجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الكبير بسند ضعيف عن السائب بن يزيد وزاد وقال: يرحم الله المتسحرين ذكره المنذري والهيثمي.
(باب تنزيه الصوم) أي في بيان ما يدل على ما يجب تبعيد الصوم عنه مما يبطله من أصله أو يبطل ثوابه أو ينقصه.
٢٠١٩- قوله: (من لم يدع) بفتح التحتية والدال المهملة أي لم يترك (قول الزور) أي الباطل وهو ما فيه إثم والإضافة بيانية قاله القاري. وقال الطيبي: الزور الكذب والبهتان أي من لم يترك القول الباطل من
стр. 2963
والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) .
ــ
قول الكفر وشهادة الزور والإفتراء والغيبة والبهتان والقذف والسب والشتم واللعن وأمثالها مما يجب على الإنسان إجتنابها ويحرم عليه ارتكابها (والعمل) بالنصب (به) أي بالزور يعني الفواحش من الأعمال لأنها في الإثم كالزور. وقال الطيبي: هو العمل بمقتضاه من الفواحش وما نهى الله عنه، وزاد في رواية البخاري في الأدب والجهل، ولابن ماجه من لم يدع قول الزور، والجهل والعمل به فالضمير في "به" يعود على الجهل لكونه أقرب مذكور أو على الزور فقط وإن بعد لإتفاق الروايات عليه أو عليهما، وأفرد الضمير لاشتراكهما في تنقيص الصوم قاله العراقي. وقال الحافظ: الضمير في رواية ابن ماجه يعود على الجهل، وفي رواية البخاري يعود على قول الزور والمعنى متقارب. والمراد بالجهل السفة. وقيل: أي صفات الجهل أو أحوال الجهل والمعاصي كلها عمل بالجهل فيدخل الغيبة فيها، وفي الأوسط للطبراني بسند رجاله ثقات من حديث أنس من لم يدع الخنى والكذب. قال السندي: قيل يحتمل أن المراد من لم يدع ذلك مطلقاً غير مقيد بصوم أي من لم يترك المعاصي ماذا يصنع بطاعته، ويحتمل أن المراد من لم يترك حالة الصوم وهو الموافق لبعض الروايات - انتهى. ويشير بذلك إلى ما وقع في رواية للنسائي والجهل في الصوم (فليس لله حاجة) أي التفات ومبالاة وهو مجاز عن عدم القبول بنفي السبب وإرادة نفي المسبب وإلا فلا حاجة لله تعالى إلى عبادة أحد (في أن يدع طعامه وشرابه) فإنهما مباحان في الجملة فإذا تركهما وارتكب أمراً حراماً من أصله استحق المقت وعدم القبول طاعته في وقت فإن المطلوب منه ترك المعاصي مطلقاً لا تركاً دون ترك. قال القاضي البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول، فقوله "ليس لله حاجة" مجاز عن عدم قبول فنفي السبب وأرادة المسبب وإلا فالله تعالى لا يحتاج إلى شيء. وقال ابن بطال: ليس معناه يؤمر بأن يدع صيامه وإنما معناه التحذير من قول الزور، وما ذكر معه وهو مثل قوله من باع الخمر فليشقص الخنازير أي يذبحها ولم يأمره بذبحها ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر، وكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به ليتم له أجر صيامه - انتهى. وأعلم أن الجمهور على أن الكذب والغيبة والنميمة لا تفسد الصوم، وعن الثوري والأوزاعي إن الغيبة تفسده والراجح الأول. نعم هذه الأفعال تنقص الصوم وقول بعضهم أنها صغائر تكفر باجتناب الكبائر أجاب عنه الشيخ تقي الدين السبكي بأن في حديث الباب والذي مضى في أول الصوم دلالة قوية لذلك أي لقول الجمهور، لأن الرفث والصخب وقول الزور والعمل به مما علم النهي عنه مطلقاً. والصوم مأمور به مطلقاً فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتأثر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطة به معنى نفهمه، فلما ذكرت في هذين الحديثين نبهتنا على أمرين
стр. 2964
رواه البخاري.
٢٠٢٠- (٢) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه)) .
ــ
أحدهما زيادة قبحها في الصوم على غيره، والثاني الحث على سلامة الصوم عنها، وإن سلامته منها صفة كمال فيه وقوة الكلام تقتضي أن يقبح ذلك لأجل الصوم. فمقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة عنها فإذا لم يسلم عنها نقص. ثم قال: ولا شك إن التكاليف قد ترد بأشياء وينبه على أخرى بطريق الإشارة وليس المقصود من الصوم العدم المحض كما في المنهيات، لأنه يشترط له النية بالإجماع. ولعل القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لما كان ذلك يشق خفف الله وأمر بالإمساك عن المفطرات ونبه العاقل بلك على الإمساك عن المخالفات، وأرشد إلى ما تضمنته أحاديث المبين عن الله مراده فيكون اجتناب المفطرات واجباً واجتناب ما عداها من المخالفات هم المكملات كذا نقله الحافظ في الفتح (رواه البخاري) في الصوم والأدب وأخرجه أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي في الكبرى وابن ماجه، وأخرجه البيهقي (ج٤ص٢٧٠) من طريق أبي داود وابن حزم من طريق البخاري.
٢٠٢٠- قوله: (كان رسول الله ﷺ يقبل) من التقبيل أي نفسها كما في بعض الروايات أو بعض أزواجه كما في روايات أخرى (ويباشر) أي بعض نسائه يعني يلصق ويمس بشرتها ببشرته كوضع الخد على الخد ونحوه. وليس المراد المباشرة الفاحشة. قال ابن الملك: أي يلمس نساءه بيده. وأصل المباشرة التقاء البشرتين سواء أولج أو لم يولج، وقد يستعمل في الجماع وليس بمراد هنا. قال الشوكاني: المراد بالمباشرة المذكورة في الحديث ما هو أعم من التقبيل ما لم يبلغ إلى حد الجماع فيكون قوله: كان يقبل ويباشر من ذكر العام بعد الخاص، لأن المباشرة في الأصل التقاء البشرتين (وهو صائم) وفي رواية عمرو بن ميمون عن عائشة: كان يقبل في شهر الصوم، أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم. وفي رواية لمسلم: كان يقبل في رمضان وهو صائم فأشارت بذلك إلى عدم التفرقة بين الصوم الفرض والنفل قاله الحافظ (وكان أملككم) أي أغلبكم وأقدركم (لإربه) أكثرهم يرويه بفتحتين بمعنى الحاجة، أي حاجة النفس ووطرها تريد حاجة الجماع، وبعضهم يرويه بكسر فسكون وهو يحتمل معنى الحاجة والعضو أي الذكر. قال الحافظ: قوله "لأربه" بفتح الهمزة والراء وبالموحدة أي حاجته، ويروى بكسر الهمزة وسكون أي عضوه والأول أشهر وإلى ترجيحه أشار البخاري بما أورده من التفسير- انتهى. قلت: قال البخاري بعد رواية هذا الحديث. قال ابن عباس: أرب حاجة وقال طاووس: غير أولى
стр. 2965
................................
ــ
الأربة الأحمق لا حاجة له في النساء. وقال الجزري في النهاية: لأربه أي لحاجته تعنى إنه كان غالباً لهواه. وأكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء وله تأويلان، أحدهما أنه الحاجة. والثاني: أرادت به العضو وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة - انتهى. ورُدَّ تفسيره بالعضو بأنه خارج عن سنن الأدب. قال التوربشتي: حمل الأرب ساكن الراء على العضو في هذا الحديث غير سديد لا يغتربه إلا جاهل بوجوه حسن الخطاب مائل عن سنن الأدب ونهج الصواب وأجاب الطيبي بأنها ذكرت أنواع الشهوة مترقية من الأدنى إلى الأعلى فبدأت بمقدمتها التي هي القبلة ثم ثنت بالمباشرة التي هي المداعبة والمعانقة وأرادت أن تعبر عن المجامعة فكنت عنها بالإرب وأي عبارة أحسن منها - انتهى. وفيه أن المستحسن إذا إن الأرب بمعنى الحاجة كناية عن المجامعة. وأما ذكر الذكر فغير ملائم للأنثى كما لا يخفى لاسيما في حضور الرجال قاله القاري. وفي الموطأ أيكم أملك لنفسه، وبذلك فسر الترمذي في جامعه فقال ومعنى لإربه يعني لنفسه. قال العراقي: وهو أولى الأقوال بالصواب لأن أولى ما فسر به الغريب ما ورد في بعض طرق الحديث - انتهى. وقال شيخنا بعد ذكر كلام الترمذي: المذكور هذا بيان حاصل المعنى وقد عرفت أصل معنى لإربه- انتهى. واختلف في بيان معنى قول عائشة ومقصودها. فقيل أرادت أنه مع هذه المباشرة كان يأمن من الإنزال والوقاع فليس لغيره ذلك فهذا إشارة إلى علة عدم إلحاق الغير به في ذلك وعلى هذا فيكره لغيره القبلة والمباشرة وقيل المعنى أنه كان قادراً على حفظ نفسه عن القبلة والمباشرة لأنه كان أغلب الناس على هواة، ومع ذلك كان يقبل ويباشر وغيره قلما يصبر على تركهما، لأن غيره قلما يملك هواه فكيف لا يباح لغيره ففي قولها إشارة إلى أن غيره له ذلك بالأولى فسره بذلك من يجيزها للغير، ويجعل قولها علة في إلحاق الغير به ﷺ ويؤيد هذا المعنى ما ذكره البخاري في صحيحه تعليقاً قالت عائشة: يحرم عليها فرجها. قال الحافظ: وصله الطحاوي عن حكيم بن عقال، قال سألت عائشة: ما يحرم علي من امرأتي وأنا صائم قالت فرجها وإسناده إلى حكيم صحيح، ويؤدي معناه ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن مسروق سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته صائماً قالت كل شيء إلا الجماع - انتهى ويؤيده أيضاً ما روى مالك عن أبي النضر عن عائشة بنت طلحة أخبرته أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ فدخل عليها زوجها، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وهو صائم فقالت له عائشة ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها. قال: أقبلها وأنا صائم قالت نعم. ولا يخفى أن محل هذا الأمن من الوقوع في الجماع أو الإنزال. وأما ما روى النسائي والبيهقي (ج٣
стр. 2966
..............................
ــ
ص٢٣٢) عن الأسود قال: قلت لعائشة أيباشر الصائم قالت لا: قلت أليس كان رسول الله ﷺ يباشر، وهو صائم قالت: أنه كان أملككم لإربه. وظاهر هذا أنها اعتقدت خصوصية النبي ﷺ بذلك فقال القرطبي: هذا اجتهاد من عائشة، وقول أم سلمة كان يقبلها وهو صائم أولى أن يؤخذ به لأنه نص في الواقعة وقال الحافظ: قد ثبت عن عائشة صريحاً إباحة ذلك فيجمع بين هذا وبين قولها المتقدم أنه يحل له كل شيء إلا الجماع بحمل النهي على كراهة التنزيه، فإنها لا تنافي الإباحة وفي كتاب الصيام ليوسف القاضي من طريق حماد بن سلمة عن حماد سألت عائشة عن المباشرة للصائم فكرهتها. قال الحافظ: ويدل على أنها كانت لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص ما رواه مالك في الموطأ عن أبي النضر فذكر الأثر المتقدم. وقال ابن حزم: بعد ذكر هذا الأثر وقول عائشة يحل له كل شيء إلا الجماع ما لفظه فهذان الخيران يكذبان قول من يقول إنها أرادت بقولها، وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ النهي عن القبلة والمباشرة للصائم - انتهى. وقد اختلف في القبلة والمباشرة بغير الجماع على أقوال الأول إنها مكروهة مطلقاً، وهو مشهور عند المالكية، ورواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر الثاني إنها محرمة واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ [البقرة:١٨٧] قيل قد منع من المباشرة في هذه الآية نهاراً، وأجيب عن ذلك بأن النبي ﷺ هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهاراً بفعله كما أفاده حديث الباب فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع لا ما دونه من قبله ونحوها. قال الحافظ: وممن أفتى بإفطار من قبل صائم وهو عبد الله بن شبرمة أحد فقهاء الكوفة ونقله الطحاوي عن قوم لم يسمهم - انتهى. قلت: وروى ذلك أيضاً عن ابن مسعود كما في مجمع الزوائد (ج٣ ص١٦٦) والبيهقي (ج٤ ص٢٣٤) الثالث إنها مباحة مطلقاً. قال الحافظ: وهو المنقول صحيحاً عن أبي هريرة وبه قال سعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة بل بالغ بعض أهل الظاهر (لعله أراد به ابن حزم، فإنه قال إنها حسنة مستحبة سنة من السنن وقربة من القرب إلى الله تعالى) فاستحبها - انتهى. ويدل لإباحة القبلة مطلقاً، ما روى عن عمر ﵁ قال هَشهَشْت. يوماً فقبلت وأنا صائم فأتيت النبي ﷺ فقلت صنعت اليوم أمراً عظيماً قبلت وأنا صائم فقال رسول الله ﷺ : أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم قلت: لا بأس بذلك، فقال رسول الله ﷺ ففيم. أخرجه أحمد (ج١ ص٢١- ٥٢) وأبوداود والنسائي والحاكم (ج١ ص٤٣١) والدارمي وابن حزم (ج٦ ص٢٠٩) وسكت عنه أبوداود وابن حزم. وقال النسائي إنه منكر وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قال المازري: فيه إشارة إلى فقه بديع وهو إن المضمضة لا تنقض الصوم وهو أول الشرب ومفتاحه كما إن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه والشرب يفسد
стр. 2967
...........................
ــ
الصوم كما يفسده الجماع وكما ثبت عندهم إن أوائل الشرب لا يفسد الصيام فكذلك أوائل الجماع كذا في الفتح. الرابع التفصيل فتكره للشاب وتباح للشيخ وهو مشهور عن ابن عباس أخرجه مالك وسعيد بن منصور وغيرهما وجاء فيه ثلاثة أحاديث مرفوعة، أخرج أحدها أبوداود من حديث أبي هريرة. وسيأتي في الفصل الثاني. والثاني أحمد (ج٢ ص١٨٥) والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال كنا عند النبي ﷺ فجاء شاب. فقال: أقبل يا رسول الله: وأنا صائم قال لا، قال فجاء شيخ فقال أقبل وأنا صائم قال نعم فنظر بعضنا إلى بعض فقال النبي ﷺ : قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه، وفي إسناده ابن لهيعة مختلف في الاحتجاج. والثالث البيهقي (ج٤ ص٢٣٢) من حديث عائشة. قال الزرقاني والقسطلاني: بإسناد صحيح إن النبي ﷺ رخص في القبلة للشيخ وهو صائم ونهى عنها الشاب. وقال: الشيخ يملك إربه، والشاب يفسد صومه والخامس إن ملك نفسه جازت له وإلا فلا كما أشارت إليه عائشة في حديث الباب. قال الترمذي: ورأى بعض أهل العلم إن للصائم إذا ملك نفسه أن يقبل وإلا فلا، ليسلم له صومه وهو قول سفيان الثوري والشافعي - انتهى. قلت: وهو قول أبي حنيفة. قال محمد بن الحسن في موطأه: لا بأس بالقبلة للصائم إذا ملك نفسه بالجماع فإن خاف أن لا يملك نفسه فالكف أفضل وهو قول أبي حنيفة والعامة قبلنا - انتهى. وهو قول أحمد أيضاً قال ابن قدامة (ج٣ ص١١٢) المقبل إذا كان ذا شهوة مفرطة بحيث يغلب على ظنه أنه إذا قبل أنزل لم تحل له القبلة؛ لأنها مفسدة لصومه فحرمت كالأكل وإن كان ذا شهوة لكن لا يغلب على ظنه ذلك كره له التقبيل لأنه يعرض صومه للفطر ولا يأمن عليه الفساد ولا تحرم القبلة في هذه الحال لحديث عطاء بن يسار الآتي. ولأن إفضاءه إلى إفساد الصوم مشكوك فيه، ولا يثبت التحريم بالشك. فأما إن كان ممن لا تحرك القبلة شهوته كالشيخ الهرم ففيه روايتان أحدهما لا يكره له ذلك وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، لأن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم لما كان مالكاً لإربه وغير ذي الشهوة في معناه. والثانية يكره لأنه لا يأمن حدوث الشهوة، فأما اللمس لغير شهوة كلمس يدها ليعرف مرضها فليس بمكروه بحال، لأن ذلك لا يكره في الإحرام فلا يكره في الصيام كلمس ثوبها - انتهى مختصراً. وفي الروض المربع تكره القبلة ودواعي الوطى لمن تحرك شهوته، لأنه ﵊ نهى عنها شاباً. ورخص لشيخ وغير ذي الشهوة في معنى الشيخ - انتهى مختصراً. قلت: واستدل لهذا القول بما رواه مسلم من طريق عمر بن أبي سلمة وهو ربيب النبي ﷺ أنه سأل رسول الله ﷺ أيقبل الصائم؟ فقال: سل هذه لأم سلمة فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له. قال الحافظ بعد ذكره: دل ذلك على أن الشاب والشيخ سواء، لأن عمر حينئذٍ كان
стр. 2968
متفق عليه.
ــ
شاباً ولعله كان أول ما بلغ، وفيه دلالة على أنه ليس من الخصائص، وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار أنه قبل امرأته وهو صائم فأمر امرأته أن تسأل النبي ﷺ عن ذلك فسألته فقال إني أفعل ذلك فقال زوجها يرخص الله لنبيه فيما شاء فرجعت فقال أنا أعلمكم بحدود الله وأتقاكم وأخرجه مالك لكنه أرسله. قال عن عطاء إن رجلاً فذكر نحوه مطولاً - انتهى. السادس إنها مباحة في النفل مكروهة في الفرض وهي رواية ابن وهب عن مالك. وقد ظهر مما ذكرنا إن أعدل الأقوال وأقواها هو ما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه من التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك وبه يحصل الجمع بين الأحاديث المختلفة ويفهم من التعليل المذكور في حديثي عبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة المذكورين في القول الرابع، إن الإباحة والكراهة دائرة مع ملك النفس وعدمه وعلى هذا فليس كبير فرق بين القول الرابع والخامس فالتعبير بالشيخ والشاب جرى على الغالب من أحوال الشيوخ في انكسار شهوتهم ومن أحوال الشباب في قوة شهوتهم فلو انعكس الأمر انعكس الحكم، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً وروى النسائي من طريق طلحة بن عبد الله التميمي عن عائشة. قالت: أهوى إلى النبي ﷺ ليقبلني فقلت إني صائمة فقال وأنا صائم فقبلني، وهذا يؤيد ما تقدم إن النظر في ذلك لمن لا يتأثر بالمباشرة والتقبيل لا للتفرقة بين الشاب والشيخ، لأن عائشة كانت شابة. نعم لما كان الشباب مظنة لهيجان الشهوة فرق من فرق. وقال المازري: ينبغي أن يعتبر حال المقبل فإن أثارت منه القبلة الإنزال حرمت عليه؛ لأن الإنزال يمنع منه الصائم فكذلك ما أدى إليه وإن كان عنها المذي. فمن رأى القضاء منه قال يحرم في حقه، ومن رأى أن لا قضاء. قال: يكره وإن لم تؤد القبلة إلى شيء فلا معنى للمنع منها إلا على القول بسد الذريعة. وقال النووي: القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته لكن الأولى له تركها، وأما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح وقيل: مكروهة - انتهى. واختلف فيما إذا باشر أو قبل أو نظر فأنزل أو أمذى فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النظر ولا قضاء في الإمذاء. وقال مالك وإسحاق: يقضي في كل ذلك ويكفر إلا في الإمذاء فيقضي فقط. وروى عيسى بن دينار عن ابن القاسم عن مالك وجوب القضاء فيمن باشر أو قبل فانعظ ولم يمذ ولا أنزل، وأنكره غيره عن مالك. وقال ابن قدامة: إن قبل فأنزل أفطر بلا خلاف كذا قال وفيه نظر. فقد حكى ابن حزم أنه لا يفطر ولو أنزل وقوى ذلك وذهب إليه كذا في الفتح (متفق عليه) وأخرجه أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي في الكبرى والدارمي والطحاوي والبيهقي والدارقطني بألفاظ. وفي الباب عن حفصة عند مسلم وأم سلمة عند الشيخين.
стр. 2969
٢٠٢١- (٣) وعنها، قالت: ((كان رسول الله ﷺ : يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم، فيغسل ويصوم)) .
ــ
٢٠٢١- قوله: (يدركه الفجر) أي الصبح (في رمضان) أي في بعض الأحيان (وهو) أي والحال أنه (جنب) بضمتين (من غير حلم) بضمتين ويجوز سكون اللام. قال القاري: وهو صفة مميزة أي من غير احتلام بل من جماع فإن الثاني أمر اختياري فيعرف حكم الأول بطريق الأولى، بل ولو وقع الاحتلام في حال الصيام لا يضر - انتهى. وهذا لفظ مسلم. وللبخاري يدركه الفجر جنباً في رمضان من غير حلم. قال القسطلاني: أي من جنابة غير حلم فاسقط الموصوف وهو جنابة اكتفاء بالصفة عند لظهوره - انتهى. وفي رواية لمسلم والموطأ كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام في رمضان. وفي حديث أم سلمة عند النسائي كان يصبح جنباً منى فيصوم ويأمرني بالصيام. قال الحافظ: أرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمداً يفطر. وإذا كان فاعل ذلك عمداً لا يفطر، فالذي ينسي الاغتسال أو ينام عنه أولى بذلك. قال ابن دقيق العيد: لما كان الاحتلام يأتي للمرأ على غير اختياره فقد يتمسك به من يرخص لغير المتعمد الجماع، فيبن في هذا الحديث إن ذلك كان من جماع لإزالة هذا الاحتمال. وقال القرطبي: في هذا فائدتان: إحداهما: أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بياناً للجواز. والثاني: إن ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه كان لا يحتلم إذا الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه. وقال غيره: في قولها من غير احتلام إشارة إلى جواز الاحتلام عليه وإلا لما كان للاستثناء معنىً ورّد بأن الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه. وأجيب بأن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام - انتهى. وقال النووي: احتج به من أجاز الاحتلام على الأنبياء، وفيه خلاف والأشهر امتناعه؛ لأنه من تلاعب الشيطان. وتألوا الحديث على أن المعنى يصبح جنباً من جماع ولا يجنب من احتلام لإمتناعه منه وهو قريب من قوله تعالى: ﴿ويقتلون النبيين بغير حق﴾ [آل عمران:٢١] ومعلوم إن قتلهم لا يكون بحق - انتهى. وقال ابن حجر: النفي في قولهم الأنبياء لا يحتلمون ليس على إطلاقه، بل المراد أنهم لا يحتلمون برؤية جماع؛ لأن ذلك من تلاعب الشيطان بالنائم وهم معصومون عن ذلك. وأما الاحتلام بمعنى نزول المني في النوم من غير رؤية وقاع فهو غير مستجيل عليهم لأنه ينشأ عن نحو امتلاء البدن فهو من الأمور الخلقية والعادية التي يستوي فيها الأنبياء وغيرهم - انتهى. (فيغتسل) أي بعد طلوع الفجر (ويصوم) أي يتم صومه. وفيه دليل على صحة صوم من دخل في الصباح وهو جنب من احتلام أو من جماع أهله وإلى هذا ذهب الجمهور. قال ابن عبد البر: عليه جماعة فقهاء الأمصار بالعراق والحجاز وأئمة الفتوى بالأمصار مالك وأبوحنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي والليث وأصحابهم وأحمد وإسحاق وأبوثور وابن علية وأبوعبيد وداود وابن جرير الطبري وجماعة
стр. 2970
......................
ــ
من أهل الحديث. وقال ابن قدامة: هو قول عامة أهل العلم، منهم علي وابن مسعود وزيد وأبوالدرداء وأبوذر وابن عمر وابن عباس وعائشة وأم سلمة، وبه قال مالك والشافعي في أهل الحجاز، وأبوحنيفة والثوري في أهل العراق، والأوزاعي في أهل الشام، في أهل الشام، والليث في أهل مصر، وإسحاق وأبوعبيد في أهل الحديث، وداود في أهل الظاهر، وكان أبوهريرة يقول لا صوم له. ويروي ذلك عن النبي ﷺ ثم رجع عنه. قال سعيد بن المسيب: رجع أبوهريرة عن فتياه، وحكى عن حسن وسالم بن عبد الله قالا يتم صومه ويقضي. وعن النخعي في رواية يقضي في الفرض دون التطوع، وعن عروة وطاووس إن علم بجنابته في رمضان فلم يغتسل حتى أصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم فهو صائم - انتهى. وقال الحافظ: قد بقي على مقالة أبي هريرة بعض التابعين كما نقله الترمذي (من غير ذكر أسماءهم) ثم ارتفع ذلك الخلاف واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النووي. (والأبي في شرح مسلم) وأما ابن دقيق العيد فقال صار ذلك إجماعاً أو كالإجماع - انتهى. قلت: وذهب ابن حزم إلى أنه لا يبطل صومه إلا أن تطلع عليه الشمس. وقيل: أن يغتسل ويصلي فيبطل صومه. قال: ذلك بناء على مذهبه في أن المعصية عمداً تبطل الصوم واحتج من قال بفساد صيام الجنب، بما روى أحمد وابن حبان عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا نودي للصلاة صلاة الصبح، وأحدكم جنب، فلا يصم حينئذٍ. وأخرجه النسائي والطبراني وعبد الرزاق بلفظ: قال أبوهريرة كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالفطر إذا أصبح الرجل جنباً، وقد بين أبوهريرة كما فغي رواية البخاري والنسائي وغيرهما أنه لم يسمع ذلك من النبي ﷺ ، وإنما سمعه بواسطة الفضل بن عباس وأسامة وكأنه كان لشدة وثوقه بخبرهما يرويه من غير واسطة. وحمل هؤلاء حديث عائشة وأم سلمة على أنه من الخصائص النبوية، وإن حكم النبي ﷺ على ما ذكرت عائشة وأم سلمة، وحكم الناس على ما حكى أبوهريرة. ورُدَّ هذا بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، وبأنه قد ورد صريحاً ما يدل على عدمها، وهو ما أخرجه مالك ومسلم وأبوداود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم عن عائشة، إن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب فقال: يا رسول الله! تدركني الصلاة أي صلاة الصبح وأنا جنب أفأصوم؟ فقال النبي ﷺ : وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم فقال: لست مثلنا يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلم بما أتقى. وأجاب الجمهور عن حديث أبي هريرة بأنه منسوخ وإن أباهريرة رجع عنه لما روى له حديث عائشة وأم سلمة وأفتى بقولهما، قال ابن خزيمة إن الخبر منسوخ، لأن الله تعالى عند ابتداء فرض الصوم كان منع في ليل الصوم من الأكل والشرب والجماع بعد النوم. قال فيحتمل أن يكون خبر الفضل حينئذٍ، ثم أباح الله ذلك
стр. 2971
...................................
ــ
كله إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر. فدل على أن حديث عائشة ناسخ لحديث الفضل، ولم يبلغ الفضل ولا أباهريرة الناسخ فاستمر أبوهريرة على الفتيا به، ثم رجع عند بعد ذلك لما بلغه. قال الحافظ: ويقويه إن في حديث عائشة المتقدم في الرد على دعوى الخصوصية ما يشعر بأن ذلك كان بعد الحديبية، لقوله فيها: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأشار إلى آية الفتح، وهي إنما نزلت بعد عام الحديبية سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية. وإلى دعوى النسخ فيه ذهب ابن المنذر والخطابي وغير واحد، وقرره ابن دقيق العيد بأن قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم﴾ [البقرة:١٨٧] يقتضى إباحة الوطى في ليلة الصوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيلزم إباحة الجماع فيه. ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنباً ولا يفسد صومه، فإن إباحة التسبب للشيء إباحة لذلك الشيء، ورَدَّ البخاري حديث أبي هريرة بأن حديث عائشة أقوى إسناداً. قال الحافظ: وهو من حديث الرجحان كذلك، لأن حديث عائشة وأم سلمة في ذلك جاءا عنهما من طرق كثيرة جداً بمعنى واحد، حتى قال ابن عبد البر أنه صح وتواتر. وأما حديث أبي هريرة فأكثر الروايات أنه كان يفتى به، ورواية الرفع أقل، وعند تعارض الترجيح بكثرة الطرق وقوتها. وقال بعضهم: إن حديث عائشة أرجح لموافقة أم سلمة لها على ذلك، ورواية اثنين تقدم على رواية واحد، ولاسيما وهما زوجتان وهما أعلم بذلك من الرجال، ولأنهما ترويان ذلك عن مشاهدة بخلاف غيرهما، ولأن روايتهما توافق المنقول وهو ما تقدم من مدلول الآية والمعقول، وهو أن الغسل شيء وجب بالإنزال، وليس في فعله شيء يحرم على صائم فقد يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ولا يحرم عليه بل يتم صومه إجماعاً، فكذلك إذا احتلم ليلاً بل هو من باب الأولى. وإنما يمنع الصائم من تعمد الجماع نهاراً. قال الحافظ: القول بالنسخ أولى من سلوك الترجيح بين الخبرين. وجمع بعضهم بينهما بأن الأمر في حديث أبي هريرة إرشاد إلى الأفضل، فإن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز. ويعكر عليه التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر وبالنهي عن الصيام فكيف يصح الحمل على الإرشاد إذا وقع ذلك في رمضان. وقيل: هو محمول على من أدركه الفجر مجامعاً فاستدام بعد طلوعه عالماً بذلك ويعكر عليه ما رواه النسائي إن أباهريرة كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم. فائدة في معنى الجنب الحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلاً ثم طلع الفجر قبل اغتسالها. وهو مذهب العلماء كافة، إلا ما حكى عن بعض السلف أنه لا يصح صومها. قال ابن قدامة (ج٣ ص١٣٨) الحكم في المرأة إذا انقطع حيضها من الليل كالحكم في الجنب سواء، ويشترط أن ينقطع حيضها قبل طلوع الفجر؛ لأنه إن وجد جزء منه في النهار
стр. 2972
متفق عليه.
٢٠٢٢ - (٤) وعن ابن عباس، قال: ((إن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم)) . متفق عليه.
ــ
أفسد الصوم، ويشترط أن تنوى الصوم أيضاً من الليل بعد انقطاعه؛ لأنه لا صيام لمن يبيت الصيام من الليل. وقال الأوزاعي والحسن بن حي وعبد الملك بن الماجشون والعنبري: تقضي فرطت في الاغتسال أو لم تفرط، لأن حدث الحيض يمنع الصوم بخلاف الجنابة. ولنا أنه حديث يوجب الغسل فتأخير الغسل منه إلى أن يصبح لا يمنع صحة الصوم كالجنابة وما ذكروه لا يصح، فإن من طهرت من الحيض ليست حائضاً. وإنما عليها حدث موجب الغسل، فهي كالجنب فإن الجماع الموجب للغسل لو وجد في الصوم أفسده كالحيض، وبقاء وجوب الغسل منه كبقاء وجوب الغسل من الحيض - انتهى. (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي في الكبرى والدارمي والطحاوي والبيهقي وغيرهم.
٢٠٢٢- قوله: (احتجم) أي طلب الحجامة بالكسر ككتابة من الحجم وهو المص، يقال حجم الصبي ثدي أمه أي مصه، يحجُم ويحجِم حجماً، والحجام والحاجم من يتعاطى الحجامة، وهي المداواة والمعالجة بالمحجم بكسر الميم. قال ابن الأثير: هي الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة عند المص، وحرفته وفعله الحجامة. وقال المجد: المحجم والمحجمة ما يحجم به، وحرفته الحجامة ككتابة واحتج طلبها (وهو محرم) جملة حالية فيه جواز الحجامة للمحرم كما سيأتى الكلام فيه إنشاء الله في باب ما يجتنبه المحرم من كتاب الحج (واحتج) أيضاً (وهو صائم) حكى القاري عن الجزري أنه قال: مراد ابن عباس أنه احتجم في حال اجتماع الصوم مع الإحرام، لما رواه أبوداود حديثه أيضاً أنه ﵊ احتجم صائماً محرماً. ورواه الترمذي بلفظ: وهو محرم صائم - انتهى. وقال الأمير اليماني: قيل ظاهره أي ظاهر حديث الباب أنه وقع منه الأمران المذكوران مفترقين، وأنه احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم، ولكنه لم يقع ذلك في وقت واحد؛ لأنه لم يكن صائماً في إحرامه إذا أريد إحرامه وهو في حجة الوداع، إذ ليس في رمضان، ولا كان محرماً في سفره في رمضان عام الفتح، ولا في شيء من عمره التي اعتمرها، وإن احتمل أنه صام نفلاً إلا أنه لم يعرف ذلك. قال والحديث إخبار عن كل جملة عليحدة، وإن المراد احتجم وهو محرم في وقت واحتجم وهو صائم في وقت آخر والقرينة على هذا معرفة أنه لم يتفق له اجتماع الإحرام والصيام - انتهى. قلت: حديث ابن عباس روى على أربعة أوجه كما حكاه الزيلعي في نصب الراية (ج٢ ص٢٧٨) عن صاحب التنقيح الأول احتجم وهو محرم، الثاني احتجم وهو صائم،
стр. 2973
.........................
ــ
الثالث احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم، الرابع احتجم وهو صائم محرم، فالأول، روى من طرق شتى عن ابن عباس عند أحمد والشيخين وغيرهم، واتفقا عليه من حديث عبد الله بن بحينة، وفي النسائي وغيره من حديث أنس وجابر. والثاني: رواه البخاري وأصحاب السنن. والثالث رواه البخاري. قال الحافظ: والظاهر إن الراوي جمع بين الحديثين. والرابع رواه أحمد وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم وصححه الترمذي، وأعله أحمد وعلي بن المديني وغيرهما. فقال أحمد: إن أصحاب ابن عباس لا يذكرون صياماً يعني ليس عندهم صائم، وإنما هو محرم. وقال أبوحاتم: هذا خطأ أخطأ فيه شريك، إنما هو احتجم وأعطى الحجمام أجرته، كذلك رواه جماعة عن عاصم. وشريك حدث من حفظه وقد ساء حفظه فغلط فيه. وقال الحميدي: هذا ريح لأنه ﷺ لم يكن صائماً محرماً لأنه خرج في رمضان في غزوة الفتح ولم يكن محرماً. وقال الحافظ: استشكل النسائي كونه ﷺ جمع بين الصيام والإحرام لأنه لم يكن من شأنه التطوع بالصيام في السفر ولم يكن محرماً إلا وهو مسافر، ولم يسافر في رمضان إلى جهة الإحرام إلا في غزاة الفتح، ولم يكن حينئذٍ محرماً قلت (فقائله الحافظ) وفي الجملة الأولى نظر، فما المانع من ذلك فلعله فعل مرة لبيان الجواز، وبمثل هذا لا ترد الإخبار الصحيصة، ثم ظهر لي إن بعض الرواة جمع بين الأمرين في الذكر، فأولهم أنهما وقعا معاً والأصوب رواية البخاري احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرما، فيحمل على أن كل واحد منهما وقع في حالة مستقله، وهذا لا مانع منه، فقد صح أنه ﷺ صام في رمضان وهو مسافر، وهو في الصحيحين بلفظ: وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة، ويقوى ذلك إن غالب الأحاديث ورد مفصلاً كما تقدم. وقد اختلف في الحجامة للصائم: فذهب الجمهور منهم مالك والشافعي وأبوحنيفة إلى أنه لا بأس بها عند الأمن وإنها لا تفطر الصوم مطلقاً، وحجتهم حديث ابن عباس وما وافقه. وقال: عطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبوثور وابن خزيمة وابن المنذر وأبولبيد النيسابوري وابن حبان: أنه يفطر الحاجم والمحجوم ويجب عليهما القضاء وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضاً، واحتج هؤلاء بحديث أفطر الحاجم والمحجوم وقال قوم: منهم مسروق والحسن وابن سيرين يكره الحجامة للصائم مطلقاً، ولا يفسد الصوم بها، نعم ينقص أجر صيامهما بإرتكاب هذا المكروه وأجاب القائلون بعدم الفطر عن حديث أفطر الحاجم والمحجوم بوجهين أحدهما ادعاء النسخ قال ابن عبد البر: أنه منسوخ لحديث ابن عباس، لأن في حديث شداد وغيره أنه ﷺ مر عام الفتح على من يحتجم لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، فقال أفطر الحاجم والمحجوم. وابن عباس شهد معه حجة الوداع سنة عشر، وشهد حجامته حينئذٍ وهو محرم صائم. وحديث ابن عباس لا مدفع فيه عند أهل الحديث فهو ناسخ لا محالة
стр. 2974
........................
ــ
لأنه لم يدرك بعد ذلك رمضان مع النبي ﷺ انتهى. وسبق إلى ذلك الشافعي كما حكاه البيهقي عنه في المعرفة وفي السنن الكبرى (ج٤ ص٢٦٨) واعترض بأنه قد اختلف التوقيت في حديث شداد ففي رواية عند البيهقي أنه كان عام الفتح والنبي ﷺ كان حينئذٍ بمكة، وفي حديثه عند أبي داود والبيهقي أيضاً إن ذلك كان بالبقيع وهو بالمدينة، وكذا وقع في حديث ثوبان عند البيهقي (ج٤ ص٢٦٦) ففي دعوى النسخ على هذا نظر. وأيضاً في حديث ابن عباس إنه احتجم صائماً محرماً ولم يكن محرماً وهو مقيم، وإنما كان محرماً وهو ومسافر وللمسافر أن يفطر على ما شاء من طعام وجماع وحجامة، وكذا للمتطوع بالصوم أن يفطر متى شاء بالحجامة وغيرها. قال ابن حبان: لا يعارض حديث ابن عباس حديث أفطر الحاجم والمحجوم؛ لأنه ﷺ لم يكن قط محرماً إلا وهو مسافر والمسافر يباح له الإفطار. وقال ابن خزيمة في هذا الحديث: أنه كان صائماً محرماً، قال: ولم يكن قط محرماً. وهو مقيم ببلده، إنما كان محرماً وهو مسافر، والمسافر إن كان ناوياً للصوم فمضى عليه بعض النهار وهو صائم أبيح له الأكل والشرب على الصحيح، فإذا جاز له ذلك جاز له أن يحتجم وهو مسافر في بعض نهار الصوم. وإن كانت الحجامة تفطره - انتهى. قال الزيلعي (ج٢ ص٤٧٨) لفظ البخاري ربما يدفع هذا التأويل؛ لأنه فرق بين الخبرين فقال احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم فلينظر في ذلك. وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر تأويل ابن خزيمة. وتعقب بأن الحديث ما ورد هكذا لا لفائدة، فالظاهر أنه وجدت من الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه واستمر. وقال الخطابي في المعالم (ج٢ ص١١١) متعقباً على ابن خزيمة هذا التأويل غير صحيح، لأنه قد أثبته حين احتجم صائماً، ولو كان يفسد صومه بالحجامة لكان يقال أنه أفطر بالحجامة، كما يقال أفطر الصائم بشرب الماء وبأكل التمر وما أشبههما، ولا يقال شرب ماء صائماً ولا أكل تمراً وهو صائم - انتهى وحاصله إن قوله "وهو صائم" دال على بقاء الصوم. قال الحافظ في التلخيص (ص١٩٠) بعد ذكره قلت: ولا مانع من إطلاق ذلك باعتبار ما كان حالة الاحتجام لأنه على هذا التأويل إنما أفطر بالاحتجام والله أعلم- انتهى. وقال ابن حزم في المحلى (ج٦ ص٢٠٤) صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم، فوجب الأخذ به إلا أن يصح نسخة ثم رد على من ادعى نسخة بحديث ابن عباس. ثم قال لكن وجدنا من حديث أبي سعيد أن رسول الله ﷺ أرخص في الحجامة للصائم، وإسنادة صحيح. فوجب الأخذ به لأن الرخصة لا تكون إلا بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً - انتهى مختصراً. والحديث المذكور أخرجه النسائي وابن خزيمة والدارقطني والبزار والطبراني في الأوسط والبيهقي. قال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات. ولكن اختلف في رفعه ووقفه وله شاهد من حديث أنس أخرجه الدارقطني، ولفظه أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به
стр. 2975
......................
ــ
رسول الله ﷺ فقال: أفطر هذان. ثم رخص النبي ﷺ بعد ذلك في الحجامة للصائم. وكان أنس يحتجم وهو صائم، ورواته كلهم من رجال البخاري إلا أن في المتن ما ينكر، لأن فيه إن ذلك في الفتح وجعفر كان قتل قبل ذلك، ومن أحسن ما ورد في ذلك ما رواه عبد الرزاق وأبوداود عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه إسناده صحيح. والجهالة بالصحابي لا تضر، وقوله "إبقاء على أصحابه" يتعلق بقوله نهي، وقد رواه ابن أبي شيبة بلفظ: عن أصحاب محمد ﷺ قالوا: إنما نهى النبي عن الحجامة للصائم وكرهها للضعيف أي لئلا يضعف- انتهى كلام الحافظ. الوجه الثاني الجمع والتأويل. قال الخطابي (ج٢ ص١١٠) وتأول بعضهم حديث أفطر الحاجم والمحجوم. فقال: معناه تعرضاً للإفطار. أما المحجوم فللضعف الذي يلحقه من ذلك فيؤديه إلى أن يعجز من الصوم. وأما الحاجم فلأنه لا يؤمن أن يصل إلى جوفه من طعم الدم أو من بعض إجراحه إذا ضم شفتيه على قصب الملازم، وهذا كما يقال للرجل يتعرض للمهالك قد هلك فلان وإن كان باقياً سالماً. وإنما يراد أنه قد أشرف على الهلاك، وكقوله ﷺ : من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين، يريد أنه قد تعرض للذبح - انتهى. وبنحوه قال البغوي كما سيأتي في الفصل الثاني. ورده ابن تيمية بأن قوله ﷺ : أفطر الحاجم والمحجوم له نص في حصول الفطر لهما فلا يجوز أن يعتقد بقاء صومهما، والنبي ﷺ مخبر عنهما بالفطر لاسيما، وقد أطلق هذا القول إطلاقاً من غير أن يقرنه بقرينة تدل على أن ظاهره غير مراد، فلو جاز أن يريد مقاربة الفطر دون حقيقته، لكان ذلك تلبيساً لا تبييناً للحكم - انتهى. قال الأمير اليماني: بعد ذكر هذا قلت: ولا ريب في أن هذا هو الذي دل له قوله في حديث أنس في قصة احتجام جعفر أفطر هذان ثم رخص النبي ﷺ بعد في الحجامة، وتقدم أنه من أدلة نسخ حديث أفطر الحاجم والمحجوم. وقيل في تأويله بأن المراد بذلك رجلان بعينهما كان مشتغيلين بالغيبة فقال رسول الله ﷺ : أفطر الحاجم والمحجوم أي للغيبة لا للحجامة، أخرجه الطحاوي وعثمان الدارمي والبزار والبيهقي في المعرفة، وفي السنن وغيرهم. وفيه يزيد بن أبي ربيعة وهو متروك. وحكم علي بن المديني بأنه حديث باطل. وقال ابن خزيمة: في هذا التأويل إنه أعجوبة لأن القائل به لا يقول إن الغيبة تفطر الصائم. وقال أحمد: ومن سلم من الغيبة ولو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم، وقد وجه الشافعي هذا القول وحمل الإفطار بالغيبة على سقوط أجر الصوم مثل قوله ﷺ للمتكلم، والخطيب يخطب لا جمعة له ولم يأمره بالإعادة، فدل على أنه أراد سقوط الأجر، وحينئذٍ فلا وجه لجعله أحجوبة كما قال ابن خزيمة. وقيل في تأويله أيضاً إن الحجامة كانت مع الغروب أي مر بهما ﷺ مساء، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم كأنه عذرهما
стр. 2976
متفق عليه.
٢٠٢٣- (٥) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب
ــ
بهذا القول إذ كانا قد أمسيا ودخلا في وقت الإفطار، كما يقال أصبح الرجل وأظهر وأمسى إذا دخل في هذه الأوقات. ويدل عليه ما روى ابن حبان والطبراني في الأوسط عن جابر أن النبي ﷺ أمر أباطيبة فوضع المحاجم مع غيبوبة الشمس، ثم أمره مع إفطار الصائم فحجم- الحديث. قال الهيثمي بعد عزوه إلى الطبراني: رجاله رجال الصحيح. وقيل معنى أفطرا فعلاً مكروهاً، وهو الحجامة فصار كأنهما غير متلبسين بالعبادة. قال الخطابي: قال بعضهم: هذا على التغليظ لهما والدعاء عليهما كقوله فيمن صام الدهر، لا صام ولا أفطر فمعنى قوله أفطر الحاجم والمحجوم على هذا التأويل أي بطل أجر صيامهما فكأنهما صارا مفطرين غير صائمين. وقيل معناه حان لهما أن يفطرا كقوله أحصد الزرع إذا حان له أن يحصد وأركب المهر إذا حان له أن يركب ذكره الخطابي أيضاً. وقال الشوكاني: حديث ابن عباس لا يصلح لنسخ أحاديث الإفطار؛ لأنه لم يعلم تأخره نعم حديث ابن أبي ليلى وأنس وأبي سعيد يدل على أن الحجامة غير محرمة ولا موجبة لإفطار الحاجم ولا المحجوم، فيجمع بين الأحاديث بأن الحجامة مكروهة (بكراهة التنزيه) في حق من كان يضعف بها وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ إلى حد يكون سبباً للإفطار، ولا تكره في حق من كان لا يضعف بها وعلى كل تجنب الحجامة للصائم أولى فيتعين حمل قوله أفطر الحاجم والمحجوم على المجاز لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه الحقيقي - انتهى. (متفق عليه) فيه نظر، فإن الحديث من أفراد البخاري وليس عند مسلم ذكر الاحتجام في حالة الصوم أصلاً، ولذلك نسبة المجد في المنتقى والحافظ في بلوغ المرام والتلخيص والنابلسي في الذخائر إلى البخاري فقط. والظاهر إن المنصف قلد في ذلك ابن الأثير الجزري إذ عزاه في جامع الأصول (ج٧ ص١٩١) إلى البخاري ومسلم وكليهما ولا شك في أن هذا وهم منه. وقد تقدم ذكر من أخرجه غير البخاري. وفي جواز الحجامة للصائم أحاديث عن جماعة من الصحابة ذكرها العيني في شرح البخاري (ج١١ ص٤٠) والهيثمي في مجمع الزوائد (ج٣ ص١٧٠) .
٢٠٢٣- قوله: (من نسي) أي أنه في الصوم (وهو صائم فأكل أو شرب) سواء كان قليلا أو كثيراً كما رجحه النووي لظاهر إطلاق الحديث. قال العيني: لا فرق عندنا وعند الشافعي بين القليل والكثير. وقال الرافعي فيه وجهان، كالوجهين. في بطلان الصلاة بالكلام الكثير - انتهى. وقد روى أحمد من حديث أم إسحاق إنها كانت عند النبي ﷺ فأتى بقصعة من ثريد فأكلت معه ثم تذكرت إنما كانت صائمة. فقال: لها ذو اليدين الآن بعد ما
стр. 2977
فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)) .
ــ
شبعت؟ فقال لها النبي ﷺ : أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك: قال الحافظ: بعد ذكره وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيرة- انتهى. ويروي وشرب واقتصر عليهما دون باقي المفطرات؛ لأنهما الغالب في النسيان (فليتم صومه) وفي رواية الترمذي فلا يفطر، قال العراقي يجوز أن يكون "لا" في جواب الشرط للنهي ويفطر مجزوماً، ويجوز أن تكون "لا" نافية ويفطر مرفوعاً، وهو أولى فإنه لم يرد به النهي عن الأفطار، وإنما المراد أنه لم يحصل إفطار الناسي بالأكل ويكون تقديره من أكل أو شرب ناسياً لم يفطر - انتهى. ثم لما لم يكن أكله وشربه باختياره المقتضي لفساد صومه بل لأجل إنساءه تعالى له لطفاً به وتيسيراً عليه بدفع الحرج عن نفسه علله ﷺ بقوله (فإنما أطعمه الله وسقاه) أي ليس له فيه مدخل قال السندي: كأن المراد قطع نسبة ذلك الفعل إلى العبد بواسطة النسيان، فلا يعد فعله جناية منه على صومه مفسداً له وإلا فهذا القدر موجود في كل طعام وشراب يأكله الإنسان أكله عمداً أو سهواً وقال الخطابي: النسيان من باب الضرورة، والأفعال الضرورية غير مضافة في الحكم إلى فاعلها، ولا يؤاخذ بها. وفي رواية الترمذي فإنما هو رزق رزقه الله. قال العيني: قوله فإنما تعليل لكون الناسي لا يفطر، ووجه ذلك إلى الرزق لما كان من الله ليس فيه للعبد تحيل فلا ينسب إليه شبه الأكل ناسياً به، لأنه لا صنع للعبد فيه وإلا فالأكل متعمداً حيث جاز له الفطر رزق من الله تعالى بإجماع العلماء وكذلك هو رزق وإن لم يجز له الفطر على مذهب أهل السنة - انتهى. والحديث دليل على أن من أكل أو شرب ناسياً لصومه فإنه لا يفطره ولا يوجب القضاء، وإليه ذهب الجمهور الشافعي وأحمد وأبوحنيفة وإسحاق والأوزاعي والثوري وعطاء وطاووس. وقال مالك: يبطل صومه ويجب عليه القضاء وهو قوله شيخه ربيعة وجميع أصحاب مالك لكن فرقوا بين الفرض والنفل واحتج الجمهور لقولهم بحديث الباب؛ لأنه أمر بالإتمام وسمي الذي يتمه صوماً، وظاهره حمله على الحقيقة الشرعية فيتمسك به حتى يدل دليل على أن المراد بالصوم هنا حقيقته اللغوية، وإذا كان صوماً وقع مجزئاً ويلزم من ذلك عدم وجوب القضاء كذا قرره ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢١٢) قال وقوله "إنما أطعمه الله وسقاه" يستدل به على صحة الصوم، فإن فيه إشعاراً بأن الفعل الصادر منه مسلوب الإضافة إليه، والحكم بالفطر يلزمه الإضافة إليه - انتهى. واستدل لمن ذهب إلى الفطر وإيجاب القضاء بأن ركن الصوم هو الإمساك عن المفطرات فإذا فات ركنه يفسد الصوم كيف ما كان. قال ابن دقيق العيد (ج٢ص ٢١١) ذهب مالك إلى إيجاب القضاء وهو القياس، فإن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات. والقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثر في باب المأمورات. وقال ابن العربي: تمسك جميع الفقهاء بظاهر هذا الحديث وتطلع مالك
стр. 2978
............................
ــ
إلى مسألة من طريقها فأشرف عليه، لأن الفطر ضد الصوم والإمساك ركن الصوم، فأشبه ما لو نسي ركعة من الصلاة وسيأتي الجواب عن هذا الاستدلال. واعتذر المالكية عن حديث الباب بوجوه. منها إن المراد فليتم إمساكه عن المفطرات يعني إن الصوم محمول على معناه اللغوي فيكون أمراً بالإمساك بقية يومه كالحائض إذا طهرت في أثناء اليوم وهو مدفوع أولاً، بأن الاتفاق على أن الحمل على المفهوم الشرعي حيث أمكن في لفظ الشارع واجب، فإن قيل يجب ذلك الدليل على البطلان وهو القياس الذي تقدم ذكره، قلنا حقيقة النص مقدم على القياس لو تم فكيف وهو لا يتم، فإنه لا يلزم من البطلان مع النسيان فيما له هيئة مذكرة البطلان معه فيما لا مذكر له وهيئة الإحرام والاعتكاف والصلاة مذكرة فإنها تخالف الهيئة العادية ولا كذلك الصوم والنسيان غالب للإنسان، فلا يلزم من عدم عذره بالنسيان مع تلك عدم عذره به مع الصوم. وثانياً، بأن نفس اللفظ يدفعه وهو قوله "فليتم صومه" وصومه إنما كان الشرعي فإتمام ذلك إنما يكون بالشرعي. وثالثاً: بما ورد من نفي القضاء صريحاً كما سيأتي. ومنها إنه محمول على التطوع حكاه ابن التين عن ابن شعبان، وكذا قال ابن القصار: واعتل بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان فيحمل على التطوع. ومنها أنه محمول على رفع الإثم وسقوط المؤاخذة. قال القرطبي: احتج بالحديث من أسقط القضاء، وأجيب بأنه لم يتعرض فيه للقضاء فيحمل على سقوط المؤاخذة لأن المطلوب صيام يوم لا خرم فيه. ومنها إن المراد منه سقوط الكفارة عنه. قال المهلب وغيره: لم يذكر في الحديث إسقاط القضاء فيحمل على سقوط الكفارة عنه وإثبات عذره ورفع الإثم عنه وبقاء نيته التي بيتها - انتهى. والجواب عن ذلك كله بما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج١ ص٤٣٠) وصححه والدارقطني (ص٢٣٧) والطبراني في الأوسط والبيهقي (ج٤ ص٢٢٩) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة فعين رمضان وصرح بإسقاط القضاء، وقد انفرد بذكر إسقاط القضاء الأنصاري وهو ثقة. وأخرجه النسائي من طريق علي بن بكار عن محمد بن عمرو، ولفظه في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسياً فقال الله أطعمه وسقاه. وقد ورد إسقاط القضاء من وجه آخر عن أبي هريرة، أخرجه الدارقطني من رواية محمد بن عيسى بن الطباع عن ابن علية عن هشام عن ابن سيرين ولفظه فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه. وقال: بعد تخريجه هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات. قال الحافظ: ولكن الحديث عند مسلم وغيره من طريق ابن علية وليس فيه هذه الزيادة، وروى الدارقطني أيضاً إسقاط القضاء من رواية أبي رافع وأبي سعيد المقبري والوليد بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار كلهم عن أبي هريرة وأخرج (ص٢٣٧) أيضاً (وكذا الطبراني في الأوسط) من حديث أبي سعيد رفعه من أكل
стр. 2979
............................
ــ
في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه، وإسناده، وإن كلن ضعيفاً (لأن فيه محمد بن عبيد الله العزرمي الفزاري وهو ضعيف) لكنه صالح للمتابعة فأقل درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسناً فيصلح للاحتجاج به. وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما دونه في القوة ويعتضد أيضاً بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة من غير مخالفة لهم منهم، كما قاله ابن المنذر وابن حزم وغيرهما علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبوهريرة وابن عمر. ثم هو موافق لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة:٢٢٥] فالنسيان ليس من كسب القلب وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل لا بنسيانه فكذلك الصيام. وأما القياس الذي ذكره ابن العربي فهو في مقابلة النص فلا يقبل – انتهى كلام الحافظ. وتأول المالكية حديث سقوط القضاء على أن معناه لا قضاء عليه الآن وهذا تعسف ظاهر وأجاب عنه ابن العربي بأن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يعمل به، فلما جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة في رفع الإثم عملنا به، وأما الثاني فلا يوافقها فلم نعمل به. وتعقبه الحافظ بأن رد الحديث مع صحته بكونه خبر واحد. خالف القاعدة ليس بمسلم. لأنه قاعدة مستقلة بالصيام، فمن عارضه بالقياس على الصلاة أدخل قاعدة في قاعدة، ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث إلا القليل ولرد من شاء ما شاء. قال الشوكاني: وأما اعتذار ابن دقيق العيد فيجاب عنه بأن غاية هذه القاعدة المدعاة أن تكون بمنزلة الدليل، فيكون حديث الباب مخصصاً لها - انتهى. وفي الحديث لطف الله بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهم واختلفوا فيما إذا جامع ناسياً في نهار رمضان فقال الثوري وأصحاب الرأي والشافعي وإسحاق: مثل قولهم فيمن أكل أو شرب ناسياً، وإليه ذهب الحسن ومجاهد، واستدل لهم بأن الحديث وإن ورد في الأكل والشرب لكنه معلول بمعنى يوجد في الكل أي الأكل والشرب والجماع، وهو أنه فعل مضاف إلى الله تعالى على طريق التمحيض بقوله: فإنما أطعمه الله وسقاه قطع إضافته عن العبد بوقوعه فيه من غير قصده واختياره. وهذا المعنى يوجد في الكل والعلة إذا كانت منصوصاً عليها كان الحكم منصوصاً عليه، ويتعمم الحكم بعموم العلة، وكذا معنى الحرج يوجد في الكل. واستدل لهم أيضاً بما تقدم في رواية ابن خزيمة وغيره من قوله "من أفطر في شهر رمضان" لأن الفطر أعم من أن يكون بأكل أو شرب أو جماع. وإنما خص الأكل والشرب بالذكر في الطريق الأخرى لكونهما أغلب وقوعاً ولعدم الاستغناء عنهما غالباً. قال ابن دقيق العيد: تعليق الحكم بالأكل والشرب للغالب لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليهما وذكر الغالب لا يقتضي مفهوماً - انتهى. وقال عطاء والأوزاعي ومالك والليث بن سعد: عليه القضاء أي بدون الكفارة وقال أحمد عليه القضاء والكفارة، واحتج له بأن النبي ﷺ لم يسأل الذي وقع على أهله أنسيت أم
стр. 2980
متفق عليه.
٢٠٢٤- (٦) وعنه، قال بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت.
ــ
عمدت، ولو افترق الحال لسأل واستفصل. وتعقبه الخطابي (ج٢ ص١٢١) بأن معناه في هذا اقتضاء العموم من الفعل، والعموم إنما يقتضي من القول دون الفعل. وإنما جاء الحديث بذكر حال وحكاية فعل فلا يجوز وقوعه على العمد والنسيان معاً فبطل أن يكون له عموم. ومن مذهب أبي عبد الله يعني الإمام أحمد أنه إذا أكل ناسياً لم يفسد صومه لأن الأكل لم يحصل منه على وجه المعصية، فكذلك إذا جامع ناسياً. فإما المتعمد لذلك فقد حصل منه الفعل على وجه المعصية فلذلك وجبت عليه الكفارة - انتهى. وأجيب أيضاً بأن الأصل في الأفعال أن تكون عن عمد، وإن الناسي لابد أن يذكر النسيان إذا استفتى؛ لأنه عذر ولا يحتاج إلى السؤال عنه (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي في الكبرى وابن ماجه والدارمي وغيرهم.
٢٠٢٤- قوله: (بينما) أصله بين فأشبعت فتحة النون وصار بينا ثم زيد فيه الميم فصار بي بينما ويضاف إلى جملة اسمية وفعلية، ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى والأفصح في جوابها أن لا يكون فيه "إذ وإذا" ولكن كثير مجيئها كذلك ومنه قوله هنا (إذ جاءه رجل) قيل الرجل هو سلمة بن صخر البياضي جزم به عبد الغني في المبهمات، وتبعه ابن بشكوال واستند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طريق سيلمان بن يسار عن سلمة ابن صخر أنه ظاهر من امرأته في رمضان وإنه وطئها. فقال له النبي ﷺ : حرر رقبة - الحديث. وانتقد بأن ذلك هو المظاهر في رمضان أتى أهله في الليل رأى خلخالها في القمر، وفي تمهيد ابن عبد البر عن سعيد بن المسيب إن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان سلمان بن صخر أحد بني بياضة. قال وأظن هذا وهما أتى من الراوي أي؛ لأن ذلك إنما هو في المظاهر وقع على امرأته في الليل. وأما المجامع فإعرابي فهما واقعتان فإن في قصة المجامع في حديث الباب إنه كان صائماً كما سيأتي وفي قصة سلمة بن صخر أنه كان ذلك ليلاً كما عند الترمذي فافترقا، ولا يلزم من اجتماعهما في كونهما من بني بياضة وفي صفة الكفارة، وكونها مرتبة، وفي كون كل منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها إتحاد القصتين. (فقال يا رسول الله هلكت) وقع في رواية البيهقي (ج٤ ص٢٢٦) وأبي عوانة والجوزقي جاء رجل وهو ينتف شهره ويدق صدره ويقول هلك الأبعد. ولأحمد (ج٢ ص٥١٦) والدارقطني في العلل يلطم وجه وللبيهقي (ج٤ ص٢٢٦) وأحمد (ج٢ ص٢٠٨) يدعو ويله وفي مرسل ابن المسيب عند مالك في الموطأ يضرب نحره وعند الدارقطني ويحثى على رأسه التراب. واستدل
следующие страницы →