Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
٢٠٥٢- (٣) وعن معاذة العدوية، إنها قالت لعائشة: ((ما بال الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة؟ قالت: عائشة كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)) رواه مسلم.
ــ
وقال ابن حجر: يصح رفعه خبراً يردا به النهى وجزمه على النهى (في بيته) أي دخول بيته والمراد ببيت زوجها مسكنه سواء كان ملكه أو، لا (إلا بإذنه) وفي معناه العلم برضاه، وفي رواية مسلم وهو شاهد إلا بإذنه. قال الحافظ: هذا القيد لا مفهوم له بل خرج مخرج الغالب وإلا فغيبة الزوج لا تقتضي الإباحة للمرأة أن تأذن لمن يدخل بيته، بل يتأكد حينئذٍ عليها المنع لثبوت الأحاديث الواردة في النهى عن الدخول على المغيبات، أي من غاب عنها زوجها. ويحتمل أن يكون له مفهوم، وذلك أنه إذا حضر تيسر استئذانه وإذا غاب تعذر، فلو دعت الضرورة إلى الدخول عليها لم تفتقر إلى استئذانه لتعذره. وقال النووي: في هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يفتات على الزوج بالإذن في بيته إلا بإذنه وهو محمول على ما لا تعلم رضا الزوج به، أما لو علمت رضا الزوج بذلك فلا حرج عليها كمن جرت عادته بإدخال الضيفان موضعاً معداً لهم. سواء كان حاضراً، أم غائباً، فلا يفتقر إدخالهم إلى إذن خاص لذلك، وحاصله أنه لا بد من إعتبار إذنه تفصيلاً أو إجمالاً (رواه مسلم) هذا يوهم أن الحديث من أفراد مسلم وأنه رواه بهذا اللفظ وليس كذلك فإن الحديث متفق عليه، واللفظ المذكور للبخاري، أخرجه في أثناء حديث في كتاب النكاح من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وذكره مسلم كذلك في كتاب الزكاة من رواية همام بن منبه عن أبي هريرة بلفظ: لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه. ورواه البخاري أيضاً من هذا الطريق مقتصراً على الجملة الأولى، فكان حق المصنف أن يقول متفق عليه، واللفظ للبخاري. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٢:ص٢١٦) من طريق همام بن منبه، والترمذي وابن ماجه من طريق أبي الزناد عن الأعرج بلفظ: لا تصوم المرأة وزوجها شاهد من غير شهر رمضان إلا بإذنه، وأبوداود من طريق همام وزاد غير رمضان، وأخرجه أيضاً الدارمي والبيهقي (ج٤:ص٣٠٣) وفي الباب عن أبي سعيد عند أبي داود والدارمي وابن ماجه وعن ابن عباس عند الطبراني.
٢٠٥٢- قوله: (وعن معاذة) بميم مضمومة وعين مهملة وذال معجمة بنت عبد الله (العدوية) بعين ودال مفتوحتين منسوبة إلى عدي بن كعب بطن من قريش (إنها قالت لعائشة) وفي رواية البخاري وكذا في رواية لمسلم عن معاذة إن امرأة قالت لعائشة. قال الحافظ: كذا أبهمها همام، وبين شعبة في روايته عن قتادة إنها هي معاذة الرواية أخرجه الإسماعيلي، وكذا لمسلم من طريق عاصم وغيره عن معاذة. (ما بال الحائض) أي ما شأنها وإنما لم يدخله التاء للإختصاص (تقضى الصوم) أي الذي فاتها أيام حيضها (ولا تقضى الصلاة) مع أنها فرضان تركاً لعلة واحدة وهي الحيض، وفي معناه النفاس تعنى أن مقتضى الرأى أن يكون الصوم والصلاة متساويان في الحكم،
стр. 3047
لأن كلاً منهما عبادة تركت لعذر (كان) أي الشأن (يصيبنا ذلك) بكسر الكاف وبفتح أي الحيض (فنؤمر) أي نحن معاشر النساء (بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) في شرح الطيبي: قيل: الجواب من الأسلوب الحكيم أي دعى السؤال عن العلة إلى ما هو أهم منها من متابعة النص والانقياد للشارع، وذكر البخاري في كتاب الصيام من صحيحه عن أبي الزناد أنه قال إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي فما يجد المسلمون بدا من إتباعها من ذلك، إن الحائض تقضى الصيام ولا تقضى الصلاة-انتهى. يعني أن الأمور الشرعية التي تأتي على خلاف الرأي والقياس ولا يعلم وجه الحكمة فيها يجب الإتباع بها ولا يعترض، ولا يقال لم كان كذا ولا يطلب وجه الحكمة فيها بل يتعبد بها ويؤكل أمرها إلى الله تعالى لأن أفعال الله لا تخلوا عن حكمة ولكن غالبها تخفى على الناس ولا تدركها العقول: قال الحافظ قال الزين بن المنير: نظر أبوالزناد إلى الحيض فوجده مانعاً من هاتين العبادتين وما سلب الأهلية استحال أن يتوجه به خطاب الاقتضاء وما يمنع صحة الفعل يمنع الوجوب فلذلك استبعد الفرق بين الصلاة والصوم فأحال بذلك على إتباع السنة والتعبد المحض. وقد تقدم في كتاب الحيض سؤال معاذة من عائشة عن الفرق المذكور وانكرت عليها عائشة السؤال وخشيت عليها أن تكون تلقنته من الخوارج الذين جرت عادتهم باعتراض السنن بآرائهم، ولم تزدها على الحوالة على النص، وكأنها قالت دعى السؤال عن العلة إلى ما هو أهم من معرفتها وهو الانقياد إلى الشارع. وقد تكلم الفقهاء في الفرق بين الصلاة والصوم، واعتمد كثير منهم على أن الحكمة فيه أن الصلاة تتكرر فيشق قضاءها، بخلاف الصوم الذي لا يقع في السنة إلا مرة. واختار إمام الحرمين أن المتبع في ذلك هو النص وإن كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف-انتهى. قال ابن دقيق العيد: (ج١:ص١٢٨) اكتفاء عائشة في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونه لم يؤمر به يحتمل وجهين أحدهما أن تكون أخذت إسقاط القضاء من إسقاط الأداء ويكون مجرد سقوط الأداء دليلاً على سقوط القضاء، فيتمسك به حتى يوجد المعارض وهو الأمر بالقضاء كما في الصوم. والثاني قال: وهو الأقرب إن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم لتكرر الحيض منهن عنده ﷺ ، فلو وجب قضاء الصلاة فيه لوجب بيانه، وحيث لم يبين دل على عدم الوجوب لا سيما، وقد اقترن بذلك قرينة أخرى وهي الأمر بقضاء الصوم وتخصيص الحكم به قال: وفي الحديث دليل لما يقوله الأصوليون من أن قول الصحابي كنا نؤمر وننهى في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وإلا لم تقم الحجة به-انتهى. ووقع في رواية البخاري كنا نحيض عند النبي ﷺ فلا يأمرنا به أو قالت: فلا نفعله. قال الحافظ: في هذه الرواية بالشك وعند الإسماعيلي من وجه آخر فلم نكن نقضى ولم نؤمر به والاستدلال بقولها فلم نكن نقضى أوضح من الاستدلال بقولها فلم نؤمر به،
стр. 3048
٢٠٥٣- (٤) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من مات وعليه صوم صام عنه وليه)) متفق عليه.
ــ
لأن عدم الأمر بالقضاء هنا قد ينازع في الاستدلال به على عدم الوجوب لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء والله أعلم. قال الشوكاني: نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع المسلمين على أنه لا يجب على الحائض قضاء الصلاة ويجب عليها قضاء الصيام، وروى عبد الرزاق عن معمر أنه سأل الزهري عنه، فقال اجتمع الناس عليه، وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة، وعن سمرة بن جندب أنه كان يأمر به فانكرت عليه أم سلمة. قال الحافظ: لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب كما قاله الزهري وغيره. وقال النووي: قال الجمهور من أصحابنا وغيرهم: وليست الحائض مخاطبة بالصيام في زمن الحيض، وإنما يجب عليها القضاء بأمر جديد (رواه مسلم) في كتاب الطهارة، وأخرجه البخاري في كتاب الحيض، وقد تقدم لفظه فالحديث متفق عليه فكان الأولى للمصنف أن يقول متفق عليه. واللفظ لمسلم وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود وابن ماجه والدارمي في الطهارة والنسائي فيه وفي الصيام، والبيهقي في كتاب الحيض (ج١:ص٣٠٨) وفي الصيام (ج٤:ص٢٣٦) .
٢٠٥٣-قوله (من مات) أي من المكلفين بقرينة قوله (وعليه صوم) لأن كلمة على للإيجاب والواو فيه للحال (صام عنه) أي عن الميت (وليه) قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث دليل لعمومه على أن الولي يصوم عن الميت وإن النيابة تدخل الصوم، وذهب إليه قوم والذي عليه الأكثرون عدم دخول النيابة في الصوم لأنها عبادة بدنية. قال: وقوله "صام عنه وليه" ليس المراد أنه يلزمه ذلك، وإنما يجوز ذلك له إن أراد، هكذا ذكره صاحب التهذيب من الشافعية، وحكاه إمام الحرمين عن الشيخ أبي محمد أبيه، وفيه بحث وهو إن الصيغة صيغة خبر أعنى صام ويمتنع الحمل على ظاهره، فينصرف إلى الأمر ويبقى النظر في أن الوجوب يتوقف على صيغة الأمر المتعينة وهي أفعل مثلاً أو يعمها مع ما يقوم مقامها-انتهى. وقال الحافظ: قوله صام عنه وليه خبر بمعنى الأمر تقديره فليصم عنه وليه، وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادعوا الإجماع على ذلك وفيه نظر، لأن بعض أهل الظاهر أوجبه فلعله لم يعتد بخلافهم على قاعدته-انتهى. وقال العيني: أطلق ابن حزم (ج٧:ص٢) النقل عن الليث بن سعد وأبي ثور وداود أنه فرض على أوليائه أن يصوموه عنه هم أو بعضهم، وبه صرح القاضي أبوالطيب الطبري في تعليقه بأن المراد منه الوجوب، وجزم به النووي في الروضة من غير أن يعزوه إلى أحد. وزاد في شرح المهذب فقال أنه بلا خلاف.
стр. 3049
وقال شيخنا العراقي: هذا عجيب منه ثم قال: وحكى النووي في شرح مسلم عن أحد قولي الشافعي أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه، ثم قال ولا يجب عليه-انتهى كلام العيني. قلت الحديث رواه البزار بلفظ: من مات فليصم عنه وليه إن شاء. قال الهيثمي: (ج٣:ص١٧٩) إسناده حسن-انتهى. واحتج به من ذهب إلى عدم وجوب الصوم من المجيزين له لكن في سنده ابن لهيعة وهو صدوق خلط بعد احتراق كتبه ولم يعرف إن هذا الحديث حدث به قبل احتراق كتبه أو بعده فلا يصح الاحتجاج به. قال الحافظ في التلخيص: (ج١:ص١٩٧) وفي رواية للبزار فليصم عنه وليه إن شاء. وهي ضعيفة لأنها من طريق ابن لهيعة-انتهى. والراجح عندي هو الوجوب والله تعالى أعلم. وقد اختلف السلف في هذه المسألة أي في مشروعية الصوم عن الميت فأجاز الصيام عن الميت أي صوم كان أصحاب الحديث، وعلق الشافعي في القديم القول به على صحة الحديث كما نقله البيهقي في المعرفة، وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية. وقال البيهقي في الخلافيات: هذه المسألة ثابتة لا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في صحتها، فوجب العمل بها، ثم ساق بسنده إلى الشافعي قال كل ما قلت: وصح عن النبي ﷺ خلافه فخذوا بالحديث ولا تقلدوني. قلت: واحتج لهذا القول بحديث عائشة هذا، وبما روى عن ابن عباس إن امرأة قالت: يا رسول الله: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر. أفأصوم عنها؟ فقال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها. قالت نعم، قال فصومي عن أمك. وبما روى أحمد ومسلم وأبوداود وابن ماجه والبيهقي عن بريدة. قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت فقال وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال صومي عنها. وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبوحنيفة: لا يصام عن الميت. وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبوعبيد لا يصام عنه إلا النذر. واستدل الحنفية ومن وافقهم بحديث ابن عمر الآتي. وفيه إن المحفوظ أنه موقوف كما ستعرف وللاجتهاد فيه مسرح فلا يصح للاستدلال ثم ليس فيه ما يمنع الصيام وأما ما ذكره المصنف في الفصل الثالث من رواية مالك عنه بلاغاً مما يدل على منع الصيام عن الميت. ففيه أنه قد جاء عن ابن عمر خلاف ذلك كما ذكره البخاري تعليقاً في باب من مات وعليه نذر، وسيجيء، فاختلف قوله فلا يقوم به حجة لأحد، على أنه موقوف أيضاً والحديث أولى بالإتباع وفيه غنية عن كل قول واستدلوا أيضاً بما رواه النسائي في الكبرى بسند صحيح عن ابن عباس قال: لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، وبما روى الطحاوي عن روح بن الفرج حدثنا يوسف بن عدي حدثنا عبيدة ابن حميد عن عبد العزيز بن رفيع عن عمرة بنت عبد الرحمن،
стр. 3050
قلت: لعائشة إن أمي توفيت وعليها صيام رمضان أيصلح أن أقضي عنها؟ فقالت. لا. ولكن تصدقي عنها مكان كل يوم على مسكين خير من صيامك، كذا ذكره ابن التركماني (ج٤:ص٢٥٧) وقال هذا سند صحيح، وذكره ابن حزم في المحلي (ج٧:ص٤٠٣) من رواية ابن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن عبد العزيز بن رفيع عن امرأة منهم اسمها عمرة إن أمها ماتت، وعليها من رمضان فقالت: لعائشة أقضيه عنها؟ قالت لا، بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين. وفيه إن هذا الاستدلال أيضاً مخدوش، أما أولاً فلأنه جاء عن ابن عباس خلاف ذلك، فروى ابن أبي شيبة بسند صحيح كما في المحلي (ج٧:ص٧) سئل ابن عباس عن رجل مات وعليه رمضان وصوم شهر، فقال يطعم عنه لرمضان ويصام عنه النذر. وفي صحيح البخاري تعليقاً أمر ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء، فقال صلى عنها. وقال ابن عباس نحو، قال ابن عبد البر: النقل في هذا عن ابن عباس مضطرب. قال الحافظ: ويمكن الجمع يحمل الإثبات في حق من مات والنفي في حق الحي-انتهى. وقال العيني: النقل عنه في هذا مضطرب فلا يقوم به حجة لأحد. وأما أثر عائشة الذي نقله ابن التركماني عن الطحاوي، ففيه إن بعض ألفاظه مخالف لما في مشكل الآثار المطبوع ففيه (ج٣:ص١٤٢) عن عبد العزيز ابن رفيع عن عمرة قالت: توفيت أمي وعليها صيام من رمضان فسألت عائشة عن ذلك فقالت أقضيه عنها، ثم قالت: بل تصدقي مكان كل يوم على مسكين نصف صاع، وهذا كما ترى ليس فيه ما يمنع الصيام. وأما أثرها الذي ذكره ابن حزم فسيأتي الجواب عنه، وأما ثانياً فلأن فتيا الصحابي لا تقاوم الحديث المرفوع الصحيح السنة، الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ أحق بالإتباع وفيها غنية عن كل قول. واستدلوا أيضاً بالقياس على الصلاة ونظائرها من أعمال البدن التي لا مدخل للمال فيها. قال العيني: قد اجمعوا على أنه لا يصلي أحد عن أحد فكذلك الصوم لأن كلاً منهما عبادة بدنية، وحكى ابن القصار عن المهلب أنه قال لو جاز أن يصوم أحد عن أحد في الصوم، لجاز أن يصلي الناس عن الناس فلو كان ذلك سائغاً لجاز أن يؤمن رسول الله ﷺ عن عمه أبي طالب لحرصه على إيمانه، وقد اجمعت الأمة على أنه لا يؤمن أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد فوجب أن يرد ما اختلف فيه إلى ما اجمع عليه. وفيه أولاً أن هذا قياس في مقابلة النص، وثانياً إن دعوى الإجماع على القول بأن لا يصلي أحد عن أحد باطلة لما تقدم عن ابن عمر، أنه أمر بالصلاة عن الميت، ولأن الظاهرية قالوا يجب قضاء صلاة النذر وصلاة الفرض عن الميت، وثالثاً: أنهم اجمعوا على أن تصلي الركعتان أثر الطواف عن الميت الذي يحج عنه. ورابعاً: إن في كلام المهلب غضاضة وترك محاسن الأدب في حق الشارع ومصادمة الأخبار الثابتة فيه قاله العيني (ج١١:ص٦٠) وأجاب بعض الحنفية عن حديث الباب بأن في سنده عبيد الله بن أبي جعفر،
стр. 3051
ونقل صحاب الميزان عن أحمد أنه قال ليس بقوى وعن حديث ابن عباس بأنه مضطرب متنا وأجيب عن الأول بأن عبيد الله هذا من رجال السنة، ووثقه أحمد في رواية عبد الله ابنه عنه وأبوحاتم والنسائي وابن سعد: وقال ابن يونس: كان عالماً زاهداً، وإن صح ما نقل صحاب الميزان عن أحمد فلعله في شيء مخصوص، وقد احتج به الجماعة قاله الحافظ في مقدمه الفتح. فالحديث صحيح جداً، ولذلك اتفق الشيخان على تخريجه في صحيحهما، ولم ينتقده أحد ممن انتقدهما، بل اتفقوا على صحته وقبوله، وأجيب عن الثاني بعدم تسليم الاضطراب فيه كما بين ذلك الحافظ في الفتح. وأجابوا أيضاً بأنه روى عن عائشة وابن عباس وهما رويا حديث الصيام عن الميت أنهما لم يريا الصيام عنه كما تقدم، وفتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ. وتعقبه ابن حزم بوجوه، أحدها إن الله تعالى إنما افترض علينا إتباع رواية الصحابي عن النبي ﷺ ، ولم يفترض علينا قط إتباع رأى أحدهم. والثاني: أن قد يترك الصحابي إتباع ما روى لوجوه، وهي أن يتأول فيما روى تأويلاً ما اجتهد فيه فاخطأ فاخبر مرة أو أن يكون نسي ما روى، فافتى بخلافه أو أن تكون الرواية عنه بخلافه وهما، ممن روى ذلك عن الصحابي، فإذ كل ذلك ممكن فلا يحل ترك ما افترض عليها إتباعه من سنن رسول الله ﷺ لما لم يأمرنا بإتباعه لو لم يكن فيه هذه العلل فكيف وكلها ممكن فيه، ولا معنى لقول من قال هذا دليل على نسخ الخبر، لأنه يعارض بأن يقال كون ذلك الخبر عند ذلك الصحابي دليل على ضعف الرواية عنه بخلافه أو لعله قد رجع عن ذلك. والثالث، أن نقول لعل الذي روى فيه عن عائشة فيه الإطعام كان لم يصح حتى ماتت فلا صوم عليها. والرابع، أنه قد روى عن ابن عباس الفتيا بما روى من الصوم عن الميت كما تقدم، فصح أنه قد نسى أو غير ذلك مما الله تعالى أعلم به-انتهى مختصراً، وقال الحافظ: بعد ذكر اعتلال الحنفية بنحو ما تقدم ما لفظه، والراجح أن المعتبر ما رواه الصحابي لا ما رآه لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهاد ومستنده فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تحقق صحة الحديث لم يترك المحقق للمظنون وتعقبه العيني كعادته بما لا يلتفت إليه. وأجابوا أيضاً عن حديث عائشة بأن المراد بقوله صام عنه وليه، أي فعل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام، قال الماوردي: وهو نظير قوله التراب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء، قال فسمي البدل باسم المبدل فكذلك هنا. وقال الخطابي (ج٢:ص١٢٢) تأوله بعض أهل العلم فقال معناه أطعم عنه وليه، فإذا فعل ذلك فكأنه قد صام عنه سمي الإطعام صياما على سبيل المجاز والاتساع إذ كان الطعام قد ينوب عنه، وقد قال سبحانه أو عدل ذلك صياماً فدل على أنهما يتناوبان-انتهى. وتعقب بأنه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل، بل يدل على ما ذكرنا من آثار ابن عمر وابن عباس وعائشة على كون الصوم في حديث عائشة المرفوع في معناه الحقيقي. قال السندي: من لا يقول بالصيام عن الميت يدعى النسخ بأدلة غير تامة،
стр. 3052
ومنهم من يقول معنى قوله في حديث بريدة أفأصوم عنها أفأفدي عنها على تسمية الفداء صوماً لكونه بدلاً عن الصوم وكل ذلك غير تام-انتهى. وقال صاحب فتح الملهم: قوله ﷺ فصومي عن أمك في حديث ابن عباس وقوله ﷺ صومي عنها في حديث بريدة، قد صدر في معرض الجواب عن قولها أفأصوم عنها فكأنه ﷺ قررها على ما سألته، والظاهر أنهما ما أرادت بسؤالها إلا الصوم الحقيقي لا الإطعام، وحمل كلامها على الإطعام لا يخلو عن تعسف فالوجدان السليم يحكم بأن التأويل المذكور في حديث عائشة لا يجري في حديثي ابن عباس وبريدة إلا بتكلف بارد والله تعالى أعلم-انتهى. وقال الشيخ محمد أنور: لا حاجة إلى تأويل أحاديث الباب وصرف لفظ الصوم فيها عن ظاهره بل المراد بقوله صام عنه وليه، وقول "صومي عنها" هو الصوم الحقيقي لكن لا بطريق النيابة بل بطريق التبرع لإيصال الثواب وقد أجاب ﷺ عن قولها أفأصوم عنها بقوله صومي عنها لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأمها ولا شك في أنه ينفع لها في الجملة فأما أنه يقع قضاء عما عليها ويبرأ ذمتها عن الواجب فليس في الحديث دلالة على هذا-انتهى. قلت هذا التوجيه أيضاً سخيف جداً يدل على سخافته تمام حديث ابن عباس. قال صاحب فتح الملهم بعد ذكر التوجيه المذكور: هذا توجيه لطيف لولا ما ورد في حديث ابن عباس من التشبيه بقضاء الدين، ولا سيما قوله في رواية زيد بن أبي أنيسة عن الحكم (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عند مسلم) قال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان ذلك يؤدي عنها قالت نعم قال فصومي عن أمك وهذا كالصريح في أن صومها عن أمها يؤدي ما على أمها من دين الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب. وأجاب المالكية عن حديث عائشة بأن عمل أهل المدينة بخلافه. وهذا مبني على أن تركهم العمل بالحديث حجة ودليل على نسخه وليس كذلك كما عرف في الأصول. واستدل القائلون بجواز الصيام عن الميت في النذر دون غيره، بأن حديث عائشة مطلق وحديث ابن عباس مقيد بالنذر كما تقدم، فيحمل عليه ويكون المراد بالصيام صيام النذر. وفيه أنه ليس بين الحديثين تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له. وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قيل في آخره فدين الله أحق أن يقضى قاله الحافظ: قال الشوكاني: وإنما قال إن حديث ابن عباس صورة مستقلة يعني أنه من التنصيص على بعض أفراد العام فلا يصلح لتخصيصه ولا لتقييده كما تقرر في الأصول. واختلف في المراد بقوله "وليه" فقيل كل قريب سواء كان وارثاً أو عصبة أو غيرهما. وقيل: الوارث خاصة. وقيل: عصبة قال الحافظ: والأول أرجح والثاني قريب ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها. وقال الكرماني والنووي: الصحيح الأول واختلفوا أيضاً هل يختص ذلك بالولي لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذلك في الموت إلا ما ورد فيه الدليل، فيقتصر على ما ورد فيه ويبقى الباقي على الأصل.
стр. 3053
﴿الفصل الثاني﴾
٢٠٥٤- (٥) عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((من مات وعليه صيام شهر رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم مسكن)) رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف على ابن عمر.
ــ
قال الحافظ: وهذا هو الراجح. وقيل: لا يختص بالولي، فلو أمر أجنبياً بأن يصوم عنه أجزأ كما في الحج. وقيل: يصح استقلال الأجنبي بذلك وذكر الولي لكونه الغالب وظاهر صنيع البخاري اختيار هذا الأخير، وبه جزم أبوالطيب الطبري وقواه بتشبيهه ﷺ ذلك بالدين، والدين لا يختص بالقريب-انتهى. وقال الشوكاني: وظاهر الأحاديث أنه يصوم عنه وليه وإن لم يوص بذلك وإن من صدق عليه إسم الولي لغة أو شرعاً أو عرفاً صام عنه ولا يصوم عنه من ليس بولي، ومجرد التمثيل بالدين لا يدل على أن حكم الصوم كحكمه في جميع الأمور-انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي في السنن الكبرى والدارقطني (ص٢٤٥) والبيهقي (ج٤:ص٢٥٥) والطحاوي في مشكل الآثار (ج٢:ص١٣٩-١٤٠) .
٢٠٥٤- قوله: (فليطعم عنه) على بناء المفعول (مكان كل يوم) من أيام الصيام الفائتة (مسكن) كذا وقع في الرفع في جميع النسخ من المشكاة الموجودة عندنا، وكذا وقع في المصابيح، وفي التلخيص (ص١٩٦) ونصب الراية (ج٢:ص٤٦٤) والدراية (ص١٧٧) والمنتقى، وهكذا وقع في رواية ابن ماجه والبيهقي، ووقع في جامع الترمذي مسكيناً بالنصب، وهكذا نقله الجوزي في جامع الأصول (ج٧:ص٢٨٢) وابن قدامة في المغني (ج٣:ص١٤٣) وعلى هذا يكون قوله فليطعم على بناء الفاعل أي فليطعم ولي من مات، وبهذا الحديث تمسك الحنفية والمالكية لكن بقيد إن أوصى، وبدون الوصية لا يلزم خلافاً للشافعي، فإنه يطعم عنده أوصى به أو لم يوص. قال القاري: لا بد من الإيصاء عندنا في لزوم الإطعام على الوارث خلافاً للشافعي، وإن أوصى فإنما يلزم الوارث إخراجه، إذا كان يخرج من الثلث، فإن زاد على الثلث لا يجب على الوارث، فإن أخرج كان متطوعاً عن الميت، ويحكم بجواز أجزاءه كذا قاله ابن الهمام. ولم يبين في هذه الرواية مقدار الطعام، وقد جاء عند البيهقي (ج٤:ص٢٥٤) من رواية شريك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً أنه نصف صاع من بر، وبه أخذ الحنفية قالوا: أو صاع من غير البر أو قيمة أحداهما، لكن قال البيهقي هذه الرواية خطأ. وإنما قال ابن عمر مداً من حنطة، وروى من وجه آخر عن ابن أبي ليلى ليس فيه ذكر الصاع-انتهى. قلت: وبقول ابن عمر مداً من حنطة أخذ مالك والشافعي وأحمد، وحديث ابن عمر الذي نحن في شرحه ضعيف،
стр. 3054
والمحفوظ أنه موقوف على ابن عمر كما ستعرف، فلا يصح الإستدل به ولو صح، لا يقاوم حديث عائشة المتفق عليه (رواه الترمذي) من طريق عبثر عن أشعث عن محمد عن نافع عن ابن عمر وأخرجه ابن ماجه والبيهقي أيضاً من هذا الطريق، لكن وقع عند ابن ماجه عن محمد بن سيرين منسوباً وهو وهم كما سيأتي (وقال والصحيح أنه موقوف على ابن عمر) أي من قوله. وقال الترمذي أيضاً: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، قال وأشعث هو ابن سوار ومحمد هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى-انتهى. قال الحافظ في التلخيص (ص١٩٧) رواه ابن ماجه من هذا الوجه (أي من طريق عبثر عن أشعث عن محمد) ووقع عنده عن محمد بن سيرين بدل محمد بن عبد الرحمن وهو وهم منه أو من شيخه. وقال الدارقطني: المحفوظ وقفه على ابن عمر وتابعه البيهقي على ذلك-انتهى. وقال ابن الملقن هذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجه بإسناد ضعيف، والمحفوظ وقفه على ابن عمر قاله الترمذي والدارقطني والبيهقي كذا في المرقاة. وقال الزيلعي (ج٢:ص٤٦٤) وضعفه عبد الحق في أحكامه بأشعث وابن أبي ليلى. وقال الدارقطني: في علله المحفوظ موقوف، هكذا رواه عبد الوهاب بن بخت عن نافع عن ابن عمر-انتهى. وقال البيهقي في المعرفة: لا يصح هذا الحديث فإن محمد بن أبي ليلى كثير الوهم، ورواه أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر قوله، ثم أخرجه عن عبد الله بن الأخنس عن نافع عن ابن عمر قال: من مات وعليه صيام رمضان فليطعم عنه كل يوم مسكيناً مداً من حنطة، وأخرجه البيهقي في سننه (ج٤:ص٢٥٤) من طريق شريك عن محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى به مرفوعاً. قال: في الذي يموت وعليه رمضان ولم يقضه قال يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من بر. قال البيهقي: هذا خطأ من وجهين، أحدهما رفعه. وإنما هو موقوف من قول ابن عمر. والثاني، قوله فيه نصف صاع. وإنما قال ابن عمر مداً من حنطة-انتهى. فإن قلت قال ابن التركماني (ج٤:ص٢٥٤) قد أخرج ابن ماجه هذا الحديث في سننه صحيح عن أشعث عن محمد بن سيرين عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً، فإن صح هذا فقد تابع أن سيرين ابن أبي ليلى على رفعه فالقائل أن يمنع الوقف. وقال العيني (ج١١:ص٦٠) قد تابع ابن سيرين ابن أبي ليلى على رفعه فالقائل أن يمنع الوقف. قلت: قد تقدم عن الحافظ إن ما وقع في سند ابن ماجه من قوله عن محمد بن سيرين وهم، منه أو من شيخه. وقال المزي في الأطراف: قوله (أي في سند ابن ماجه) عن محمد بن سيرين وهم، فإن الترمذي رواه ولم ينسبه، ثم قال الترمذي وهو عندي محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى نقله السندي عن البوصير. وقال العيني (ج١١:ص٥٩) قال الحافظ المزي وهو (أي قوله عن محمد بن سيرين) وهم، وقال ابن عدي في الكامل: ومحمد هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى-انتهى. فقد ثبت بهذا كله إن محمداً هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لا محمد بن سيرين وأنه قد تفرد بحديث الإطعام المرفوع ولم يتابعه أحد عليه وهو وإن كان فقيهاً عالماً لكنه سيء الحفظ فاحش الخطأ كثير الوهم فلا يحتج بما تفرد به.
стр. 3055
﴿الفصل الثالث﴾
٢٠٥٥- (٦) عن مالك، بلغه، أن ابن عمر كان يسئل: ((هل يصوم أحد عن أحد، أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد)) رواه في "الموطأ".
ــ
٢٠٥٥- قوله: (عن مالك بلغه) وفي الموطأ أنه بلغه (كان يسئل) بصيغة المجهول (لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد) في شرح السنة هذا مذهب الشافعي (في الجديد) وأصحاب أبي حنيفة، وذهب قوم إلى أنه يصوم عنه وليه. وقال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلاً كل واحد يوماً جاز، واتفق أهل العلم على أنه لا كفارة للصلاة وهو قول الشافعي. وقال أصحاب أبي حنيفة: أنه يطعم عنه، وقال قوم يصلي عنه-انتهى. قلت: واحتج بقول ابن عمر هذا من ذهب إلى منع الصوم والصلاة عن الميت، وقد تقدم أن البخاري ذكر في باب من مات وعليه نذر عن ابن عمر تعليقاً الأمر بالصلاة، فاختلف قوله والحديث الصحيح أولى بالإتباع (رواه) أي مالك (في الموطأ) قد تقدم بيان ما يرد على المصنف في هذه العبارة، وبلاغ مالك هذا وصله عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الوصايا من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال لا يصلين أحد عن أحد ولا يصومون أحد عن أحد، ولكن إن كنت فاعلاً تصدقت عنه أو أهديت، ورواه أبوبكر بن الجهم في كتابه من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن نافع والبيهقي (ج٢:ص٢٥٤) من طريق يحيى بن سعيد عن نافع تنبيه هذا الاختلاف والتفصيل الذي سبق في الصوم عن الميت إذا فاته شيء بعد إمكان قضاءه. وأما من فاته شيء من رمضان قبل إمكان القضاء فلا تدارك ولا إثم. وأجمع العلماء على ذلك إلا طاوساً وقتادة فإنهما يوجبان التدارك بالصوم أو الكفارة، ولو مات قبل إمكان القضاء ذكره القاري: وقال الخطابي (ج٢:ص١٢٢-١٢٣) اتفق عامة أهل العلم على أنه إذا أفطر في المرض أو السفر ثم لم يفرط في القضاء حتى مات، فإنه لا شيء عليه ولا يجب الإطعام عنه غير قتادة فإنه قال يطعم عنه. وقد حكى ذلك عن طاوس أيضاً-انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣:ص١٤٢) من مات وعليه صيام من رمضان لكن قبل إمكان الصيام إما لضيق الوقت أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن الصوم، فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم. وحكى عن طاوس وقتادة إنهما قالا: يجب الإطعام عنه، لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الإطعام عنه، كالشيخ إلهم إذا ترك الصيام لعجزه عنه. ولنا أنه حق الله تعالى وجب بالشرع، مات من يجب عليه قبل إمكان فعله فسقط إلى غير بدل كالحج، ويفارق الشيخ إلهم فإنه يجوز ابتداء، الوجوب عليه بخلاف الميت-انتهى.
стр. 3056
(٦) باب صيام التطوع
﴿الفصل الأول﴾
٢٠٥٦- (١) عن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ : يصوم حتى نقول: لا يفطر ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط، إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان.
ــ
(باب صيام التطوع)
٢٠٥٦- قوله: (كان رسول الله ﷺ يصوم) أي النفل متتابعاً (حتى نقول لا يفطر) أي ينتهي صومه إلى غاية نقول أنه لا يفطر في هذا الشهر (ويفطر) أي يستمر على الإفطار (حتى نقول لا يصوم) أي ينتهي إفطاره إلى غاية نقول أنه لا يصوم من هذا الشهر، وذلك لأن الأعمال التي يتطوع بها ليست منوطة بأوقات معلومة. وإنما هي على قدر الإرادة لها والنشاط فيها قاله العيني. وقال الباجي: وإنما كان كذلك. والله أعلم. لأن هذا أفضل الصوم وأشده لمن استطاع عليه. وقال الغزالي في الأحياء: الفقيه بدقائق الباطن ينظر إلى أحواله فقد يقتضى حاله دوام الصوم، وقد يقتضى دوام الفطر، وقد يقتضى مزج الإفطار بالصوم وإذا فهم المعنى وتحقق حده في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يخف عليه صلاح قلبه. وذلك لا يوجب ترتيباً مستمراً ولذلك روي أنه ﷺ كان يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا يصوم وكان ذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة من القيام بحقوق الأوقات-انتهى. قال الأمير اليماني: في الحديث دليل على أن صومه ﷺ لم يكن مختصاً بشهر دون شهر، وإنه كان ﷺ يسرد الصيام أحياناً ويسرد الفطر أحياناً، ولعله كان يفعل ما يقتضيه الحال من تجرده عن الأشغال فيتابع الصوم ومن عكس ذلك فيتابع الإفطار-انتهى. ولا يعارض هذا ما روى عن عائشة عند البخاري وغيره كان عمله ديمة، لأن المراد بذلك ما اتخذه راتباً لا مطلق النفل والله تعالى أعلم (وما رأيت رسول الله ﷺ صيام شهر قط إلا رمضان) إنما لم يستكمل شهراً غير رمضان لئلا يظن وجوبه (وما رأيته) ﷺ (في شهر أكثر) بالنصب ثاني مفعول رأيت والضمير "في" (منه) له ﵊ (صياماً) تمييز (في شعبان) سمي بذلك لتشعبهم في طلب المياه أو في الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام، وهذا أولى من الذي قبله. وقيل: فيه غير ذلك والجار متعلق بصياماً، والمعنى كان رسول الله ﷺ يصوم في شعبان وفي غيره من الشهور سوى رمضان، وكان صيامه في شعبان أكثر من صيامه فيما سواه كذا ذكره الطيبي.
стр. 3057
وقيل: قوله في شهر يعني به غير شعبان وهو حال من المستكن في أكثر، وفي شعبان حال من المجرور في منه، العائدة إلى الرسول الله ﷺ أي ما رأيته كائناً في غير شعبان أكثر صياماً منه كائناً في شعبان مثل زيد قائماً أحسن منه قاعداً. أو كلاهما ظرف أكثر الأول باعتبار الزيادة والثاني باعتبار أصل المعنى، ولا تعلق له برؤيته وإلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه باعتبار حالة واحدة كذا في المرقاة. وفيه دليل على أنه ﷺ كان يخص شعبان بالصوم أكثر من غيره. واختلف في وجه تخصيص شعبان بكثرة الصوم. فقيل كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان يدل على هذا ما رواه الطبراني عن عائشة، كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان، وفيه ابن أبي ليلى وهو ضعيف. وقيل كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان كما أخرجه للترمذي من حديث أنس قال سئل النبي ﷺ أي الصوم أفضل بعد رمضان، قال شعبان لتعظيم رمضان، وفيه صدقة بن موسى. قال الترمذي: هو عندهم ليس بذاك التقوى. قال الحافظ: ويعارضه حديث أبي هريرة أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم. وقيل وجه تخصيص شعبان بكثرة الصوم إن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان وهذا عكس ما تقدم في الحكمة في كونهن يؤخرن قضاء رمضان إلى شعبان، لأنه ورد فيه إن ذلك لكونهن يشتغلن معه ﷺ عن الصوم. وقيل الحكمة في ذلك أنه يعقبه رمضان وصومه مفترض وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان. قال الحافظ: والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى، أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال قلت: يا رسول الله! لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم. ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى لكن قال فيه إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم- انتهى. قيل: ويحتمل أنه كان يكثر من صومه لهذه الحكم كلها. قلت: والمراد برفع الأعمال في حديث أسامة الرفع الخاص لا الرفع العام الذي يكون صباحاً ومساءً، أو المراد الرفع الإجمالي لا التفصيلي. قال في المواهب وشرحه: (بين ﷺ وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشهور بقوله إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، يشير إلى أنه لما اكتتفه) أحاط به (شهران عظيمان الشهر الحرام) رجب (وشهر الصيام إشتغل الناس بهما فصار مغفولاً عنه) مع رفع الأعمال فيه إلى الله (وكثير من الناس يظن أن صيام أفضل من صيامه) أي شعبان (لأنه) أي رجب (شهر حرام وليس كذلك)
стр. 3058
فقد روى ابن وهب بسنده عن عائشة قالت ذكر للنبي ﷺ ناس يصومون شهر رجب فقال فأين هم من شعبان (وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد منها إن تكون) أي الطاعة (أخفى وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل لا سيما الصيام فإنه سر بين العبد وربه، ومنها إنه أشق على النفوس لأن النفوس تناسي بما تشاهد من أحوال بني الجنس فإذا كثرت يقظة الناس وطاعتهم سهلت الطاعات، وإذ أكثرت، الغفلات وأهلها نأسي بهم عموم الناس فيشق على النفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدي بهم) وأفضل العمل أشقة، ومنها أن المنفرد بالطاعة بين الغافلين قد يرفع به البلاء عن الناس. وقد روى في صيامه ﷺ شعبان معنى آخر وهو أنه ننسخ فيه الآجال) أي تنقل وتفرد أسماء من يموت في تلك الليلة إلى مثلها من العام القابل عن أسماء من لم يمت من أم الكتاب فيكتب في صحيفة، ويسلم إلى ملك الموت (فروى) عند أبي يعلى والخطيب وغيرهما (بإسناد فيه ضعف عن عائشة قالت كان أكثر صيام النبي ﷺ في شعبان فقلت: يا رسول الله ﷺ ! أرى أكثر صيامك في شعبان) وفي رواية أرى أحب الشهر إليك أن تصومه شعبان. (قال أن هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت أسماء من يقبض فأحب أن لا ينسخ إسمي إلا وأنا صائم (وفي رواية أبي يعلى إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم أي يأتيني كتابة أجلي، وفيه إن كتابته في زمن عبادة يرجى لصاحبها الموت على الخير وإن من أولى تلك العبادة الصوم، لأنه يروض النفوس وينور الباطن ويفرغ القلب للحضور مع الله (وقد روى مرسلاً) عن التابعي بدون ذكر عائشة (وقيل إنه أصح) من وصله بذكرها (وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر وهو إن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صيامه على مشقة وكلفة بل يكون قد تمرن الصيام وأعتاده، ووجد بصيام شعبان قبل رمضان حلاوة الصوم ولذته، فيدخل في رمضان بقوة ونشاط-انتهى. وأجاب النووي عن كونه لم يكثر من الصوم في المحرم مع قوله إن أفضل الصيام ما يقع فيه بأنه يحتمل أن يكون ما علم ذلك إلا في آخر عمره فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو اتفق له فيه من الاعذار بالسفر والمرض، مثلاً ما منعه من كثرة الصوم فيه. وأما حديث أنس المتقدم عند الترمذي فهو ضعيف كما سبق، فلا يقاوم حديث أفضيلة المحرم المخرج في صحيح مسلم. وقال ابن رجب في اللطائف بعد ذكر فضل صوم شعبان ما ملخصه: أفضل التطوع ما كان قريباً من رمضان قبله وبعد، وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه، وتكون منزلته من صوم رمضان بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فليتحق بالفرائض في الفضل، وهي تكملة للفرائض. وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده فكما إن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة، فكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه، ويكون قوله: "أفضل الصيام بعد رمضان المحرم" محمولاً على التطوع المطلق بالصيام-انتهى. فتأمل. وسيأتي شيء من الكلام في ذلك في شرح الحديث الرابع من هذا الباب هذا، وزاد في رواية يحيى بن كثير في حديث الباب عند البخاري فإنه يصوم شعبان كله.
стр. 3059
واستشكل هذا مع قوله في رواية الباب ما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان. وأجيب بأن رواية الباب مفسرة لرواية يحيى بن أبي كثير، ومبينة بأن المراد بكله غالبه أي يصوم شعبان بحيث يصح أن يقال فيه أنه يصوم كله لغاية قلة المتروك، بحيث يمكن أن لا يعتد به من غاية قلته. وقيل كان يصوم شعبان كله تارة أي في سنة ويصوم معظمه أخرى أي في سنة أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان. وقيل المراد بقولها كله أنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى ومن أثناءه طورا، فلا يخلى شيئاً منه من صيام، لكن في أكثر من سنة. قال السندي: معنى كله أنه لا يخص أوله بالصيام أو وسطه أو آخره بل يعم أطرافه، وإن كان بلا اتصال الصيام بعضه ببعض وتعقبه في المصابيح بأن الثلاثة كلها ضعيفة، فأما الأول فلأن إطلاق الكل على الأكثر مع الإتيان به توكيد غير معهود انتهى. وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال صام الشهر كله، ويقال قام فلان ليلته أجمع ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره. قال الترمذي: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، وحاصله إن رواية الباب مفسرة لرواية يحيى بن أبي كثير ومبينة لها، وإن المراد بالكل الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال. واستبعده أيضاً فقال كل تأكيد لإرادة الشمول ورفع التجوز من احتمال البعض فتفسيره بالبعض مناف له-انتهى. قال الزرقاني في شرح المواهب: لكن الاستبعاد لا يمنع الوقوع، لأن الحديث يفسر بعضه بعضاً لا سيما والمخرج متحد وهو عائشة وهي من الفصحاء. وقد نقله ابن المبارك عن العرب ومن حفظ حجة. قال في المصابيح: وأما الثاني فلأن قولها كان يصوم شعبان كله يقتضى تكرار الفعل وإن ذلك عادة له على ما هو المعروف في مثل هذه العبارة-انتهى. واختلف في دلالة كان على التكرار، وصحح ابن الحاجب أنها تقتضيه قال، وهذا استفدناه من قولهم كان حاتم يقري الضعيف، وصحح الإمام فخر الدين في المحصول أنها لا تقتضيه لا لغة ولا عرفا. وقال النووي في شرح مسلم أنه المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين. وذكر ابن دقيق العيد أنها تقتضيه عرفا-انتهى. قال في المصابيح: وأما الثالث فلأن أسماء الشهور إذا ذكرت غير مضاف إليها لفظ "شهر" كان العمل عاما لجميعها لا تقول سرت المحرم وقد سرت بعضاً منه، ولا تقول صمت رمضان، وإنما صمت بعضه فإن أضفت الشهر إليه لم يلزم التعميم، هذا مذهب سيبويه وتبعه عليه غير واحد. قال الصفار: ولم يخالف في ذلك إلا الزجاج. ويمكن أن يقال إن قولها وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان، لا ينفي صيامه لجميعه، فإن المراد أكثرية صيامه فيه على صيامه في غيره من الشهور التي لم يفرض فيها الصوم، وذلك صادق بصومه كله، لأنه إذا صامه جميعه صدق أن الصوم الذي أوقعه فيه أكثر من الصوم الذي أوقعه في غيره ضرورة إنه لم يصم غيره مما عدا رمضان كاملاً.
стр. 3060
وفي رواية، قالت: (كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً) متفق عليه.
ــ
وأما قولها لم يستكمل صيام شهر إلا رمضان فيحمل على الحذف أي إلا رمضان وشعبان. بدليل قولها في الطريق الأخرى، فإنه يصوم شعبان كله، وحذف المعطوف والعاطف جميعا ليس بعزيز في كلامهم، ففي التنزيل لا يستوي منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل أي ومن انفق بعده. ويمكن الجمع بطريق أخرى وهي أن يكون قولها وكان يصوم شعبان كله محمولا على حذف أداة الاستثناء والمستثنى، أي إلا قليلاً منه، ويدل عليه حديث عبد الرزاق بلفظ. ما رأيت رسول الله ﷺ أكثر صياما منه في شعبان. فإنه كان يصومه إلا قليلاً: وقيل في الجمع إن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانيا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله. وقيل بالعكس ولا يخفي ما في ذلك. وقال الباجي: يحتمل أن تريد بقولها ما استكمل صيام شهر قط غير رمضان أنه استكمله على وجه التعيين والتخصيص له، وما روى أنه كان يصوم شعبان كله لم يكن على وجه التعيين له، وقد روى عن عبد الله بن شقيق قلت لعائشة هل كان رسول الله ﷺ يصوم شهراً معلوما سوى رمضان قالت لا، والله، إن صام شهراً معلوما سوى رمضان حتى مضى لوجهه الحديث. فقولها شهراً معلوما يقتضى أن يكون معلوما بصومه وهذا لا يمنع أن يكون صامه على غير هذا الوجه-انتهى. قال الحافظ: والأول (من وجوه الجمع الثلاثة الأول) هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله ابن شقيق عن عائشة عند مسلم، وسعد بن هشام عنها عند النسائي ولفظه، ولا صام شهراً كاملاً قط منذ قدم المدينة غير رمضان، وهو مثل حديث عبد الله عند البخاري، قال ما صام النبي ﷺ شهراً كاملاً قط غير رمضان-انتهى. واختاره النووي كما سيأتي وابن القيم كما في الهدي. ومال الطيبي إلى الوجه الثاني وقال القاري: وهو أقرب لظاهر اللفظ. وقال العيني بعد الكلام: في الوجه الأول من وجوه الجمع، والأحسن أن يقال فيه أنه باعتبار عامين فأكثر فكان يصومه كله في بعض السنين وكان يصوم أكثره في بعض السنين-انتهى. قال الحافظ: ولا تعارض بين هذا وبين ما تقدم من الأحاديث في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني. فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده. وقد تقدم إن أحاديث النهي عن التقدم مقيدة بقوله ﷺ إلا أن يكون رجل يصوم يوماً، وفي الحديث دليل على فضل الصوم في شعبان. (وفي رواية) أي لمسلم فإنه قد تفرد بها، وأخرجها أيضاً النسائي وابن ماجه والبيهقي (كان يصوم شعبان كله) أي غالبه ولذلك ذكرت قولها كان يصوم شعبان إلا قليلاً تفسيراً له (كان) كذا في أكثر النسخ، وهكذا وقع في صحيح مسلم وسنن ابن ماجه والبيهقي والمحلى (ج٧ص١٤) لابن حزم وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٧ص٢٠٧) قال القاري: وفي نسخة وكان-انتهى.
стр. 3061
٢٠٥٧- (٢) وعن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لعائشة: ((أكان النبي ﷺ يصوم شهراً كله، قالت: ما علمته صام شهراً كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصوم منه، حتى مضى لسبيله)) رواه مسلم.
٢٠٥٨- (٣) وعن عمران بن حصين، (عن النبي ﷺ ، أنه سأله، أو سأل رجلاً
ــ
والظاهر أنه خطأ من الناسخ (يصوم شعبان إلا قليلا) قال النووي: الثاني تفسير للأول وبيان إن قولها كله أي غالبه-انتهى. وقال الحافظ: هذا يبين أن المراد بقوله في حديث أم سلمة عند أبي داود وغيره أنه كان لا يصوم من السنة شهراً تاما إلا شعبان يصله برمضان أي كان يصوم معظمه-انتهى. وقيل: كان يصوم كله أي في أول الأمر. وقولها كان يصوم شعبان إلا قليلا" اخبار عن آخر الأمر. وقيل: المراد أنه كان يصومه كله في سنة وأكثره في سنة أخرى (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه أحمد ومالك وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وابن حزم (ج٧ص١٤) وأخرجه الترمذي مختصرا.
٢٠٥٧- قوله: (ما علمته صام شهراً كله إلا رمضان) وفي رواية ما رأيته صام شهراً كاملاً منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان، وهذا يؤيد قول من تأول قول عائشة كان يصوم شعبان كله بأن المراد معظمه وغالبه (ولا أفطره) أي شهراً (كله) تأكيد له (حتى يصوم منه) أي بعضه (حتى مضى لسبيله) وفي رواية حتى مضى لوجهه، وهو كناية عن الموت حتى مات. قال القاري: واللام في "لسبيله" مثلها في قولك لقيته لثلاث بقين من الشهر، تريد مستقبلا الثلاث، أي كان حاله ما ذكر إلى أن مات. قال الطيبي: حتى الأولى بمعنى كي كقولك سرت حتى أدخل البلد بالنصب إذا كان دخولك مترقبا لما يوجد كأنك قلت: سرت كي أدخلها، وكان منقضيا إلا أنه في حكم المستقبل من حيث أنه في وقت وجود السير المفعول من أجله كان مترقباً وتحريره، إن حتى "الأولى" غاية عدم الصوم باستمرار الإفطار، استعقب للصوم، والثانية غاية لعدم علمه بالحالتين من الصيام والإفطار والاستمرار هو مستفاد من النفي الداخل على الماضي. والحديث وارد على هذا لأنه ﵊ حين عزم أن لا يصوم الشهر كله كان مترقباً أن يصوم بعضه، "وحتى الثانية" غاية لما تقدمه من الجمل كلها-انتهى. وفي الحديث أنه يستحب أن لا يخلى شهراً من صيام (رواه مسلم) وأخرجه النسائي والترمذي.
٢٠٥٨- قوله: (أنه) أي النبي ﷺ (سأله) أي عمران (أو سأل رجلاً) قال الحافظ: هذا شك من مطرف، أي راوي الحديث عن عمران، فإن ثابتا رواه عنه بنحوه على الشك أيضاً، أخرجه مسلم،
стр. 3062
وعمران يسمع، فقال: يا أبا فلان! أما صمت من سرر شعبان. قال: لا قال: فإذا أفطرت فصم يومين) متفق عليه.
ــ
وأخرجه من وجهين آخرين عن مطرف بدون شك على الإبهام أنه قال لرجل، زاد أبوعوانة في مستخرجه من أصحابه، ورواه أحمد من طريق سليمان التيمي به قال لعمران بغير شك-انتهى. (وعمران يسمع) جملة حالية (فقال) أي النبي ﷺ (يا أبا فلان) قال الحافظ: كذا في نسخة من رواية أبي ذر للبخاري بأداة الكنية وللأكثر يا فلان بإسقاطها (أما) الهمزة للاستفهام "وما" نافية (صمت من سرر شعبان) بفتح السين المهملة ويجوز كسرها وضمها والراء مفتوحة في الجميع، جمع سرة بضم السين وتشديد الراء، قال النووي: ضبطوا السرر بفتح السين وكسرها، وحكى القاضي ضمها، قال: وهو جمع سرة، ويقال أيضاً سَرار وسِرار بفتح السين وكسرها، ذكره ابن السكيت وغيره. قال الفراء: والفتح أفصح وكله من الاستسرار. واختلف في تفسيره، والمشهور أن المراد به هنا آخر الشهر وهو قول الجمهور من أهل اللغة والغريب. فالحديث وسمي بذلك لاستسرار القمر يعني استتاره فيه وهي ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين، وهذا موافق لما ترجم له البخاري بقوله باب الصوم آخر الشهر واستشكل بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة السابق لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين وأجيب بأن الرجل كان معتادا لصيام سرر الشهر أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضاءه. قال المجد ابن تيمية في المنتقى: يحمل حديث السرر على أن الرجل كانت له عادة بصيام الشهر أو قد نذره. وقال الزين المنير: يحتمل أن يكون الرجل كانت له عادة بصيام آخر الشهر فلما سمع نهيه ﷺ أن يتقدم أحد رمضان بصوم يوم أو يومين ولم يبلغه الاستثناء بقوله. إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم فليصم ترك صيام ما كان اعتاده من ذلك، فأمره بقضاءها لتستمر محافظته على ما وظف على نفسه من العبادة، لأن أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه قال: وأطلق البخاري في ترجمته الشهر وإن كان المذكور في الحديث شهراً مقيدا وهو شهر شعبان إشارة منه إلى أن ذلك لا يختص بشعبان بل يؤخذ من الحديث الندب إلى صيام أواخر كل شهر ليكون عادة للمكلف، فلا يعارضه النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين لقوله فيه إلا رجل كان يصومه فليصمه-انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج٢ص٩٦) هذان الحديثان متعارضان في الظاهر، ووجه الجمع أن يكون حديث السرر إنما هو شيء كان الرجل قد أوجبه على نفسه بنذره فأمره بالوفاء أو كان ذلك عادة قد اعتادها في صيام أواخر الشهور فتركه لاستقبال الشهر فاستحب له ﷺ أن يقضيه. وأما المنهي عنه في حديث ابن عباس وأبي هريرة فهو أن يبتدئ المرء متبرعاً به من غير إيجاب نذر ولا عادة قد كان تعودها فيما مضى-انتهى. وكذا قال المازري والقرطبي وغيرهما.
стр. 3063
وقالت طائفة سرر الشهر أوله، وبه قال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز فيما حكاه أبوداود وتعقب بأنه لا يصح أن يفسر سرر الشهر وسراره بأوله، لأن أول الشهر يشتهر فيه الهلال، ويرى من أول الليل، ولذلك سمي الشهر شهراً لاشتهاره وظهوره عند دخوله فتسمية ليالي الاشتهار ليالي السرار قلب اللغة والعرف وقد أنكر العلماء ما رواه أبوداود عن الأوزاعي، منهم الخطابي حيث قال أنا أنكر هذا التفسير وأراه غلطاً في النقل ولا أعرف له وجها في اللغة. ثم حكى عن الأوزاعي بسنده مثل قول الجمهور ثم قال وهذا هو الصواب. وقال البيهقي (ج٤ص٢١١) وروى غير أبي داود عن الأوزاعي أنه قال سره آخره وهو الصحيح. وقيل: سرر الشهر وسطه ورجحه بعضهم ووجهه بأن السرر جمع سرة، وسرة الشيء وسطه، وسرار كل شيء وسطه وأفضله، وسرارة الوادي وسطه وخياره. وقال ابن السكيت: سرار الأرض أكرمها ووسطها، ويؤيده ما ورد من استحباب صوم أيام البيض وأنه لم يرد في صيام آخر الشهر ندب. بل ورد فيه نهي خاص وهو آخر شعبان لمن صامه لأجل رمضان. ورجحه النووي بأن مسلماً أفرد الرواية التي فيها سرة هذا الشهر عن بقية الروايات وأردف بها الروايات التي فيها الحض على صيام البيض وهي وسط الشهر. قال الحافظ: لكن لم أر في جميع طرق الحديث باللفظ الذي ذكره وهو سرة بل هو عند أحمد من وجهين بلفظ: سرار، وأخرجه من طرق عن سليمان التيمي في بعضها سرر وفي بعضها سرار، وهذا يدل على أن المراد آخر الشهر-انتهى، وتقدم وجه الجمع بين هذا وبين النهي عن صوم آخر شعبان أي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين. وروى أبوداود من طريقه البيهقي عن معاوية مرفوعا صوموا الشهر وسره. قال في النهاية: أراد صوموا أول الشهر وآخره يعني أول كل شهر وآخره والمقصود بيان الإباحة. قال الخطابي: والعرب تسمى الهلال الشهر تقول رأيت الشهر أي الهلال. قال الشاعر:
والشهر مثل قلامة الظفر
أي الهلال. وقيل: المراد بالشهر شعبان أي صوموا شعبان ثم أكد بقوله وسره بأن آخر شعبان أولى بالصيام وقيل: المراد بالشهر رمضان وبسره آخر شعبان، وإضافته إلى رمضان للاتصال والخطاب لمن تعود (قال لا) أي قال الرجل ما صمته (قال) أي النبي ﷺ (فإذا أفطرت) أي من رمضان كما في أحمد ومسلم أي فرغت من رمضان (فصم يومين) بعد العيد عوضاً عن سرر شعبان، ففي رواية لأحمد ومسلم فصم يومين مكانه، أي مكان سرر شعبان، وفيه مشروعية قضاء التطوع، وقد يؤخذ منه قضاء الفرض بطريق الأولى خلافاً لمن منع ذلك (متفق عليه) واللفظ للبخاري وأخرجه أحمد (ج٤ص٤٢٨- ٤٣٢- ٤٣٤- ٤٣٩- ٤٤٢- ٤٤٤- ٤٤٦) وأبوداود والدارمي والبيهقي (ج٤ص٢١٠) .
стр. 3064
٢٠٥٩- (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) رواه مسلم.
ــ
٢٠٥٩- قوله: (أفضل الصيام بعد رمضان) وفي رواية الترمذي بعد صيام شهر رمضان (شهر الله) أي صيام شهر الله، والإضافة إلى الله للتشريف والتعظيم. وقال العراقي في شرح الترمذي: لما كان المحرم من الأشهر الحرم التي حرم فيها القتال، وكان أول شهور السنة أضيف إليه إضافة تخصيص، ولم يصح إضافة شهر من الشهور إلى الله تعالى عن النبي ﷺ إلا شهر الله المحرم-انتهى. (المحرم) بالرفع صفة المضاف. قال الطيبي: أراد بصيام شهر الله صيام يوم عاشوراء-انتهى. فيكون من باب ذكر الكل وإرادة البعض، لكن الظاهر أن المراد جميع شهر المحرم وتمامه. ويؤيده ما رواه الترمذي والدارمي عن النعمان بن سعد عن علي قال سأله رجل، فقال أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان فقال له، ما سمعت أحداً يسأل عن هذا إلا رجلاً سمعته يسأل رسول الله ﷺ ، وأنا قاعد عنده فقال يا رسول الله! أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان قال إن كنت صائماً بعد شهر رمضان فصم المحرم فإنه شهر الله-الحديث. قال السندي: في حاشية أبي داود وابن ماجه، بعد الإشارة إلى حديث علي هذا يفيد أن المراد تمام الشهر-انتهى. وحديث الباب صريح إن شهر المحرم أفضل الشهور للصوم، وقد سبق الجواب عن إكثار النبي ﷺ من صوم شعبان دون المحرم بوجهين. أحدهما لعله إنما علم فضله في آخر حياته والثاني: لعله كان يعرض فيه إعذار من سفر أو مرض أو غيرهما تمنع من إكثار الصوم فيه. وقال بعض الشافعية والحنابلة: أفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شعبان لمحافظته ﷺ على صومه أو صوم أكثره فحملوا قوله ﷺ أفضل الصيام بعد رمضان المحرم على التطوع المطلق ولا يخفى ما فيه (وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) قال النووي: فيه دليل لما اتفق العلماء عليه إن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار، وفيه حجة لأبي إسحاق المروزي من أصحابنا ومن وافقه على أن صلاة الليل أفضل من سنن الرواتب. وقال أكثر العلماء: الرواتب أفضل لأنها تشبه الفرائض، والأول أقوى وأوفق للحديث والله تعالى أعلم. قال الطيبي: ولعمري إن صلاة التهجد لو لم يكن فيها فضل سوى قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداًَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وقوله ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ إلى قوله ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٦، ١٧] وغيرهما من الآيات لكفاه مزية-انتهى. وتأول الحديث من ذهب إلى أفضلية الرواتب بأنه إنما أريد به تفضيل قيام الليل على التطوع المطلق دون السنن الرواتب التي قبل الفرض وبعده. قالوا: وقوله "بعد الفريضة" أي وتوابعها من السنن المؤكدة. وقال بعضهم: المراد صلاة الليل أفضل من الرواتب من حيثية المشقة والكلفة، والبعد من الرياء والسمعة مطلقاً. والراجح عندي: ما ذهب إليه أبوإسحاق المروزي لموافقته لنص حديث الباب (رواه مسلم) في الصيام وأخرجه أحمد والترمذي في أواخر الصلاة وفي الصيام والنسائي في قيام الليل وأبوداود وابن ماجه والدارمي والبيهقي (ج٤ص٢٩١) في الصيام.
стр. 3065
٢٠٦٠- (٥) وعن ابن عباس، قال: ((ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم: يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان)) متفق عليه.
ــ
٢٠٦٠- قوله: (يتحرى) من التحري أي يقصد قاله الحافظ. وقال العيني: التحري المبالغة في طلب الشيء (صيام يوم) قال القاري: منصوب بنزع الخافض أي ما رأيته يبالغ في الطلب ويجتهد في صيام يوم-انتهى. وفي رواية أحمد (ص٢٢٢) والنسائي ما علمت رسول الله ﷺ صام يوماً يتحرى فضله على الأيام. قال السندي: أي يراه ويعتقده. وعند أحمد (ج١ص٣٦٧) ما علمت رسول الله ﷺ يتحرى صيام يوم يبتغي فضله على غيره (فضله على غيره) أي وصيام شهر فضله على غيره بتشديد الضاد المعجمة جملة في موضع جر صفة ليوم (إلا هذا اليوم) أي صيامه (يوم عاشوراء) بدل أو منصوب بتقدير أعنى وهو اليوم العاشر من المحرم (وهذا الشهر) بالنصب عطف على قوله هذا اليوم وهذا من اللف التقديري، لأن المعطوف لم يدخل في لفظ المستثنى منه إلا بتقدير، وصيام شهر فضله على غيره كما مر، أو يعتبر في الشهر أيامه يوماً، فيوما موصوفا بهذا الوصف، وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تقدير وصيام شهر. قال الطيبي: قوله "فضله" بتشديد الضاد. قيل: بدل من يتحرى، والحمل على الصفة أولى لأن هذا اليوم مستثنى، ولا بد من مستثنى منه، وليس ههنا إلا قوله يوم وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم، والمعنى ما رأيته ﵊ يتحرى في صيام يوم من الأيام صفته أنه مفضل على غيره إلا صيام هذا اليوم، فإنه كان يتحرى في تفضيل صيامه ما لم يتحر في تفضيل غيره، وهذا الشهر عطف على هذا اليوم، ولا يستقيم إلا بالتأويل إما أن يقدر في المستثنى منه فصيام شهر فضله على غيره، وهو من اللف التقديري، وإما أن يعتبر في الشهر أيامه يوماً فيوماً موصوفا بهذا الوصف-انتهى. قلت: اللفظ المذكور هنا للبخاري. ولفظ مسلم سئل ابن عباس عن صيام يوم عاشوراء فقال: ما علمت أن رسول الله ﷺ صام يوماً يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم ولا شهراً إلا هذا الشهر يعني رمضان (يعني شهر رمضان) تفسير من الراوي عن ابن عباس. قال الحافظ: وكان ابن عباس اقتصر على قوله وهذا الشهر، وأشار بذلك إلى شيء مذكور كأنه تقدم ذكر رمضان وذكر عاشوراء أو كانت المقالة في أحد الزمانين وذكر الآخر، فلهذا قال الراوي عنه يعني رمضان أو أخذه الراوي من جهة الحصر في أن لا شهر يصام إلا رمضان لما تقدم له عن ابن عباس أنه كان يقول: لم أر رسول الله ﷺ صام شهراً كاملاً إلا رمضان-انتهى. وهذا من باب الترقي أو تقديم عاشوراء للاهتمام به أو لتقدمه في أصل وجوب الصوم أو لكونه من أول السنة. وإنما جمع ابن عباس بينهما وإن كان أحدهما واجباً والآخر مندوبا لإشتراكهما في حصول الثواب لأن معنى يتحرى أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه.
стр. 3066
٢٠٦١- (٦) وعنه، قال: ((حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء.
ــ
قال الشوكاني: هذا الحديث يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصيام بعد رمضان، ولكن ابن عباس أسند ذلك إلى علمه فليس فيه ما يرد علم غيره. وقد تقدم أن أفضل الصوم بعد رمضان على الإطلاق صوم المحرم، وسيأتي إن صوم عرفة يكفر سنتين وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة وظاهره إن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء (متفق عليه) واللفظ للبخاري وأخرجه أحمد (ج١ص٢٢٢، ٣١٣، ٣٦٧) والنسائي والبيهقي (ج٤ص٢٨٦) .
٢٠٦١- قوله: (حين صام رسول الله ﷺ ) أي في المدينة موافقة لموسى ﵇ وكان يصومه أيضاً في الجاهلية قبل الهجرة موافقة لقريش فإنهم كانوا يصومونه تعظيماً له وكانوا يكسون فيه الكعبة (يوم عاشوراء) أي اليوم العاشر من المحرم. قال في القاموس: العاشوراء والعشوراء ويقصران، والعاشور عاشر أو تاسعه-انتهى. والأول هو قول الخليل وغيره، والاشتقاق يدل عليه، وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وذهب ابن عباس ﵄ إلى الثاني، وفي المصنف عن الضحاك عاشوراء اليوم التاسع قيل: لأنه مأخوذ من العشر بالكسر في أوراد الإبل، تقول العرب وردت الإبل عشراً، إذا وردت اليوم التاسع فالعشر عندهم تسعة أيام، وذلك لأنهم يحسبون في الاظماء يوم الورد فإذا وردت يوماً وقامت في الرعي يومين، ثم وردت في اليوم الثالث قالوا وردت رِبعا، وإنما هو اليوم الثالث في الاظماء وإن رعت ثلاثا، وفي الرابع وردت قالوا وردت خمسا لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي، وأول اليوم الذي ترد فيه بعده وعلى هذا القول يكون التاسع عاشوراء. قال النووي: ما ذهب إليه الجمهور هو ظاهر الأحاديث، ومقتضى اللفظ. وأما تقدير أخذه من الاظماء فبعد. وقال الحافظ: اختلف أهل الشرع في تعيينه أي مصداقه وإشقاقه فقال الأكثر هو اليوم العاشر. قال القرطبي: عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الإسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ علما على اليوم العاشر، وذكر أبومنصور الجواليقى أنه لم يسمع فاعولاء إلا هذا، وضاروراء وساروراء ودالولاء من الضار والسار والدال، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر وهذا قول الخليل وغيره. وقال الزين بن المنير الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية وقيل هو اليوم التاسع فعلى الأول فاليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلة الآتية،.
стр. 3067
وقيل إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذاً من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام، ثم أوردوها في التاسع، قالوا وردنا عشراً بكسر العين وكذلك إلى الثلاثة. وروى مسلم من طريق الحكم بن الأعرج إنتهيت إلى ابن عباس فقلت أخبرني عن يوم عاشوراء، قال إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائماً، قلت أهكذا كان النبي ﷺ يصومه قال نعم، وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع لكن قال الزين بن المنير قوله (أي في رواية البيهقي) إذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائماً يشعر بأنه أراد العاشر لأنه لا يصبح صائماً بعد أن أصبح من تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهو الليلة العاشرة. قال الحافظ: ويقوي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضاً من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فمات قبل ذلك، فإنه ظاهر في أنه ﷺ كان يصوم العاشر وهم بصوم التاسع فمات قبل ذلك-انتهى. قلت وقع في رواية الترمذي أخبرني عن يوم عاشوراء أي يوم أصومه. وللبيهقي أخبرني عن صيام عاشوراء أي يوم هو ووقع في رواية الترمذي، وكذا البيهقي ثم أصبح من يوم التاسع صائماً، وفيه تنبيه على أن من أراد صوم عاشوراء ابتدأ من يوم التاسع، ولا ينبغي أن يقتصر على صوم العاشر فقط. وقد ورد عن ابن عباس ما يدل على ذلك، فقد روى الطحاوي والبيهقي عنه قال خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر، فقد تبين بهذا مراد ابن عباس من رواية مسلم، وإلى هذا الجواب نحا البيهقي حيث قال بعد رواية حديث الحكم بن الأعرج (ج٤:ص٢٨٧) وكان ابن عباس ﵁ أراد صوم التاسع مع العاشر وأراد بقوله في الجواب، نعم ما روى من عزمه ﷺ على صومه، والذي يبين هذا ما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود، وما روينا من طريق سفيان عن ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال، لئن بقيت لآمرن بصيام يوم قبله أو يوم بعده يوم عاشوراء، وما روينا من طريق هشيم عن ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً-انتهى ملخصاً. وقال الشوكاني: الأولى أني يقال أن ابن عباس أرشد السائل له إلى اليوم الذي يصام فيه وهو التاسع، ولم يجب عليه بتعين يوم عاشوراء أنه اليوم العاشر، لأن ذلك مما لا يسئل عنه ولا يتعلق بالسؤال عنه فائدة، فابن عباس لما فهم من السائل إن مقصوده تعيين اليوم الذي يصام فيه أجاب عليه بأنه التاسع، وقوله "نعم" بعد قول السائل أهكذا كان النبي ﷺ يصوم، بمعنى نعم هكذا كان يصوم، لو بقي لأنه قد أخبرنا بذلك. ولا بد من هذا لأنه ﷺ مات قبل صوم التاسع-انتهى. وقال ابن القيم في الهدي (ج١:ص٧٢) لم يجعل ابن عباس عاشوراء هو اليوم التاسع،
стр. 3068
وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله ﷺ ! إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله ﷺ : ((لئن بقيت إلى قابل، لأصومن التاسع)) . رواه مسلم.
ــ
بل قائل للسائل صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل إن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعده الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه وأخبر أن رسول الله ﷺ كان يصومه، كذلك بأن يكون حمل فعله على الأمر وعزمه عليه في المستقبل. ويدل على ذلك أنه هو الذي روى صوموا يوماً قبله ويوماً بعده. وهو الذي روى أمرنا رسول الله ﷺ بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر. وكل هذه الآثار يصدق بعضها بعضاً ويؤيد بعضها بعضاً. فمراتب صومه ثلاثة، أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر. وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك أفراد العاشر وحده. وأما أفراد التاسع فمن نقص فهم الآثار وعدم تتبع ألفاظها وطرقها وهو بعيد من اللغة والشرع-انتهى. قلت وهكذا جعل الشوكاني والحافظ والشيخ عبد الحق الدهلوي مراتب صوم عاشوراء ثلاثة، وجعلوا صوم العاشر وقبله يوماً وبعده يوماً أكمل المراتب وأفضلها. قال الشيخ عبد الحق في اللمعات: الأفضل أن يصوم العاشر ويوماً قبله ويوماً بعده، وقد جاء ذلك في حديث أحمد-انتهى. قلت: يريد بذلك ما أشار إليه ابن القيم من حديث ابن عباس المرفوع بلفظ: صوموا يوماً قبله ويوماً بعده، لكن الذي وقع في مسند الإمام أحمد (ج١:ص٢٤١) طبعة الحلبي صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً أي بحرف أو، لا بالواو، وهكذا وقع في طبعة دار المعارف بشرح الشيخ أحمد شاكر (ج٤:ص٢١) وكذا نقله الحافظ في الفتح كما سيأتي، وكذا وقع عند البيهقي (ج٤:ص٢٨٧) من رواية علي بن محمد المقرئي عن الحسن بن محمد عن يوسف بن يعقوب القاضي عن أبي الربيع عن هشيم عن ابن أبي ليلى، وكذا رواه الطحاوي (ج١:ص٣٣٨) من وجه آخر وذكر الهيثمي (ج٣:ص١٨٨) بلفظ: صوموا يوماً قبله ويوماً بعده وعزاه إلى أحمد والبزرا، وهكذا ذكره المجد في المنتقى وابن القيم في الهدي والقاري في المرقاة، وكذا وقع عند البيهقي من رواية ابن عبدان عن أحمد بن عبيد الصفار عن إسماعيل بن إسحاق عن مسدد عن هشيم. وقال القاري: وظاهر أن الواو بمعنى "أو" لأن المخالفة تحصل بأحدهما-انتهى. فالاستدلال برواية أحمد على كون الصوم في التاسع والحادي عشر مع العاشر أي الجمع بين الثلاثة فيه نظر، وعندي مراتب صوم عاشوراء الثلاث هكذا أدناها أن يصوم العاشر فقط، وفوقه أن يصوم الحادي عشر معه وفوقه أن يصوم التاسع والعاشر، وإنما جعلت هذه فوق الموتيتين الأوليين لكثرة الأحاديث فيها والله تعالى أعلم (وأمر بصيامه) أي أصحابه تطوعاً بعد نسخ وجوبه. وقال القاري: أمر بصيامه أي أولاً بالوجوب ثم بعد النسخ بالندب فلما كانت السنة العاشرة من الهجرة (قالوا يا رسول الله!) أي يوم عاشوراء يوم (يعظمه) كذا في جميع النسخ من المشكاة، والذي في صحيح مسلم تعظمه بالتأنيث، وكذا نقله المجد بن تيمية في المنتقى والجزري في جامع الأصول والزيلعي في نصب الراية، وكذا وقع في رواية البيهقي (اليهود والنصارى) أي وقد أمرنا بمخالفتهم فكيف نوافقهم على تعظيمه بالصوم فيه،
стр. 3069
وقد استشكل ذكر النصارى بأن التعليل بنجاة موسى وغرق فرعون المذكور في حديث ابن عباس الآتي في الفصل الثالث يختص بموسى واليهود، وأجيب باحتمام أن يكون عيسى كان يصومه، وهو مما لم ينسخ من شريعة موسى لأن كثيراً منها ما نسخ بشريعة عيسى لقوله تعالى ﴿ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾ [آل عمران:٥٠] ويقال إن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من التوراة (لئن بقيت) أي في الدنيا أو لئن عشت (إلى قابل) أي إلى عام قابل وهو السنة الآتية (لأصومن التاسع) وفي رواية فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ ، والمعنى لأصومن التاسع مع العاشر لأجل مخالفة أهل الكتاب. قال الحافظ في الفتح: ما هم به ﷺ من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما إحتياطاً وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعاً صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، وصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، وهذا كان في آخر الأمر وقد كان ﷺ يجب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضاً كما ثبت في الصحيح فهذا من ذلك فوافقهم أولا وقال نحن أحق بموسى منكم ثم أحب مخالفتهم، فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوما بعده خلافاً لهم. ويؤيده رواية الترمذي من طريق أخرى بلفظ: أمرنا رسول الله ﷺ بصيام عاشوراء يوم العاشر-انتهى. وقال الرافعي في صوم التاسع معنيان منقولان عن ابن عباس أحدهما، الإحتياط فإنه ربما وقع في الهلال غلط فيظن العاشر التاسع، وثانيهما، مخالفة اليهود فإنهم لا يصومون إلا يوماً واحداً، فعلى هذا لو لم يصم التاسع استحب له صوم الحادي عشر-انتهى. قال الحافظ في التلخيص (١٩٩) والمعنيان كما قال عن ابن عباس منقولان، وكذا القياس الذي ذكره، منقول عنه بل مرفوع من روايته. وقد روى البيهقي من طريق ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس قال كان ابن عباس يصوم عاشوراء يومين ويوالي بينهما مخافة أن يفوته فهذا المعنى الأول. وأما المعنى الثاني، فقال الشافعي أنا سفيان أنه سمع عبيد الله بن أبي يزيد يقول سمعت ابن عباس يقول: صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود. وفي رواية للبيهقي عن ابن عباس مرفوعاً لئن بقيت لآمرن بصيام يوم قبله أو بعده كما تقدم، وفي رواية له صوموا عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً-انتهى. وقال بعض أهل العلم: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب في هذه العبادة مع الإتيان بها، وذلك يحصل بأحد أمرين إما بنقل العاشر إلى التاسع أو بصيامهما معاً، وقوله "لئن بقيت لأصومن التاسع" يحتمل الأمرين فلما توفي ﷺ قبل بيان ذلك كان الإحتياط صوم اليومين معاً-انتهى. ورجح ابن القيم المعنى الذي ذكره الحافظ في الفتح إحتمالاً قال: هو أصوب إن شاء الله تعالى،
стр. 3070
٢٠٦٢- (٧) وعن أم الفضل بنت الحارث، ((إن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة، فشربه)) متفق عليه.
ــ
ومجموع أحاديث ابن عباس عليها تدل وتبين صحة هذا المعنى والله أعلم (رواه مسلم) أعلم أن الحديث رواه مسلم من طريقين سياق الأولى مطول والأخرى مختصر، وحذف المصنف تبعاً للبغوي عجز الطريق الأولى، وجعل مكانه لفظه الطريق الثاني، وكان الأولى له أن يذكر سياق الطريق الأولى بتمامه ثم يقول، وفي رواية لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع، والرواية الأولى رواها أيضاً أبوداود والبيهقي (ج٤:ص٢٨٧) والرواية الأخرى المختصرة أخرجها أحمد (ج١:ص٢٢٤٠٢٣٦-٢٤٢) وكذا البيهقي والطحاوي (ج١:ص٣٣٨) .
٢٠٦٢- قوله: (وعن أم الفضل) اسمها لبابة وهي امرأة العباس وأخت ميمونة أم المؤمنين (إن ناساً) أي من أصحاب النبي ﷺ (تماروا) أي اختلفوا كما في رواية، أوشكوا كما في رواية أخرى، وقع عند الدارقطني في الموطآت اختلف ناس من أصحاب رسول ﷺ (عند ها يوم عرفة) أي بعرفات (في صيام رسول الله ﷺ ) أي ذلك اليوم (فقال بعضهم هو صائم وقال بعضهم ليس بصائم) قال الحافظ: قوله "في صيام رسول الله ﷺ " هذا يشعر بأن صوم يوم عرفة كان معروفاً عندهم معتاداً لهم في الحضر، وكان من جزم بأنه صائم استند إلى ما ألفه من العبادة، ومن جزم بأنه غير صائم قامت عنده قرينة كونه مسافر أو قد عرف نهيه عن صوم الفرض في السفر فضلاً عن النفل (فأرسلت) بلفظ: المتكلم والغيبة، وفي رواية البخاري في الصيام على ما في بعض النسخ، فأرسلت أم الفضل فتتعين الغيبة. وفي حديث كريب عن ميمونة عند البخاري إن الناس شكوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلت إليه بحلاب (وفي رواية مسلم فأرسلت إليه ميمونة بحلاب اللبن) وهو واقف في الموقف فشرب منه، والناس ينظرون، وهذا صريح في أن ميمونة هي المرسلة، فيحتمل التعدد، ويحتمل أنهما أرسلنا معاً، فنسب ذلك إلى كل منهما، لأنهما كانتا أختين، وتكون ميمونة أرسلت بسؤال أم الفضل لها في ذلك لكشف الحال في ذلك، ويحتمل العكس. ولم يسم الرسول في طرق حديث أم الفضل، لكن روى النسائي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ما يدل على أنه كان الرسول بذلك، ويقوي ذلك أنه كان ممن جاء عنه أنه أرسل إما أمه وإما خالته كذا في الفتح (إليه) ﷺ (بقدح لين) لعلمها بمحبته ﵊ له حيث يقوم مقام الأكل والشرب ولذا كان إذا أكل طعاماً قال اللهم بارك لي فيه وأطعمني خيراً منه، وإذا كان لبناً قال اللهم بارك لي فيه وزدني منه،
стр. 3071
أو لمناسبة الزمان والمكان، قاله القاري. قال الباجي: أرادت أن تختبر بذلك صومه وتعلم الصحيح من قول المختلفين وهذا وجه صحيح في معرفة أحد القسمين، وهو أن يشربه، فيعلم بذلك فطره. وأما لو امتنع من شربه فليس في ذلك دليل على صومه لجواز أن يمتنع من ذلك لشبع، وروى وغير ذلك، ولعله أن يكون في رده ما يدل على صومه أو يتسبب به إلى سؤاله (وهو واقف) أي راكب (على بعيره بعرفة) وفي المستخرج لأبي نعيم وهو يخطب الناس بعرفة، والحديث نص في أنه ﷺ كان بعرفة على بعير، وكذا وقع في حديث خالد بن العداء، وحديث نبيط عند أبي داود. وهذا يخالف ما في حديث جابر الطويل عند مسلم وغيره حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس. وأجيب بأن البعير يطلق على الأنثى أيضاً. قال في مجمع البحار: البعير، يقع على الذكر والأنثى. وقال الراغب: يقع على الذكر والأنثى كالإنسان في وقوعه عليهما. وقال في القاموس: البعير، الجمل البازل. أو الجذع، وقد يكون للأنثى، فالمراد بالبعير في حديث الباب. وكذا في حديثي خالد ونبيط هي الناقة لا الجمل. وأما ما وقع عند أحمد والنسائي في حديث نبيط من لفظ الجمل فهي رواية شاذة، أو أطلق لفظ الجمل على الناقة على طريق الشذوذ. وقد بوب عليه النسائي بلفظ. الخطبة بعرفة على الناقة أو يقال أنه رآه من بعيد فظنها جملاً فروى على ما ظنه، والصواب أنه كان على ناقته القصواء حين وقف في الموقف، وخطب كما وقع في حديث جابر. واستدل به على أن الوقوف على ظهر الدواب مباح، وإن النهى الوارد في ذلك بقوله إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر-الحديث. أخرجه أبوداود من حديث أبي هريرة مرفوعاً، محمول على ما إذا حصل للدابة مشقة، أو أن هذا الموضع مستثنى عما نهى عنه. قال الخطابي: قد ثبت أنه ﷺ خطب على راحلته فدل ذلك على أن الوقوف عليها لا لمعنى يوجبه بأن يستوطنه الإنسان ويتخذه مقعداً فيتعب الدابة ويضربها من غير طائل-انتهى. واختلف أهل العلم في أيهما أفضل الركوب أو تركه بعرفة، فذهب الجمهور إلى أن الأفضل الركوب لكونه ﷺ وقف راكباً. ومن حيث النظر فإن في الركوب عوناً على الإجتهاد في الدعاء والتضرع المطلوب حينئذٍ كما ذكروا مثله في الفطر. وذهب آخرون إلى أن استحباب الركوب يختص بمن يحتاج الناس إلى التعليم منه، وعن الشافعي قول إنهما سواء كذا في الفتح (فشربه) زاد في حديث ميمون، والناس ينظرون إليه ولأحمد والنسائي من طريق عبد الله بن عباس عن أمه أم الفضل أن رسول الله ﷺ أفطر بعرفة. قال الباجي: وشرب النبي ﷺ في ذلك الموقف ليبين للناس فطره ولعله قد علم بتمارى أصحابه في ذلك الوقت فأراد تبين الشرع، وإيضاح الحق ورفع اللبس ﷺ . ومقتضى حديث الباب وكذا حديث ميمونة إن صوم يوم عرفة غير مستحب لكن في حديث أبي قتادة الآتي إن صومه يكفر سنة آتية وسنة ماضية.
стр. 3072
فالجمع بينه وبين حديثهما أن يحمل حديث أبي قتادة على غير الحاج، أو على من لم يضعفه صيامه عن الذكر والدعاء المطلوب للحاج كما سيأتي تفصيل ذلك. قال الزرقاني: فطر يوم عرفة للحاج أفضل من صومه لأنه الذي أختاره ﷺ لنفسه، وللتقوى على حمل الحج، ولما فيه من العون على الإجتهاد في الدعاء والتضرع المطلوب في ذلك الموضع، ولذا قال الجمهور يستحب فطره للحاج، وإن كان قوياً، ثم اختلفوا هل صومه مكروه وصححه المالكية أو خلاف الأولى وصححه الشافعية، وتعقب بأن فعله المجرد لا يدل على عدم استحباب صومه إذ قد يتركه لبيان الجواز ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ. وأجيب بأنه قد روى أبوداود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم عن أبي هريرة قال: نهى ﷺ عن صوم عرفة بعرفة. وأخذ بظاهره قوم منهم يحيى بن سعيد الأنصاري فقال: يجب فطره للحاج، والجمهور على استحبابه حتى قال عطاء كل من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم-انتهى. وقال الحافظ: روى عن ابن الزبير وأسامة بن زيد وعائشة أنهم كانوا يصومونه أي بعرفة، وكان ذلك يعجب الحسن، ويحكيه عن عثمان وعن قتادة مذهب آخر قال لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء، ونقله البيهقي في المعرفة عن الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولى من الشافعية-انتهى. قلت: قال الخطابي في المعالم (ج٢:ص١٣١) بعد ذكر حديث أبي هريرة في النهى عن الصوم بعرفة ما لفظه: هذا نهى إستحباب لا نهى إيجاب، وإنما نهى المحرم عن ذلك خوفاً عليه أني يضعف عن الدعاء والإبتهال في ذلك المقام، فأما من وجد قوة ولا يخاف معها ضعفاً فصوم ذلك اليوم أفضل له إن شاء الله، وقد قال ﷺ صيام يوم عرفة يكفر سنتين سنة قبلها وسنة بعدها-انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣:ص١٧٦) أكثر أهل العلم يستحبون الفطر يوم عرفة بعرفة وكانت عائشة وابن الزبير يصومانه. وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء. وقال عطاء: أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف، لأن كراهة صومه إنما هي معللة بالضعف عن الدعاء. فإذا قوى عليه أو كان في الشتاء لم يضعف فتزول الكراهة، ولنا ما روى عن أم الفضل يعني حديث الباب. وقال ابن عمر: حججت مع النبي فلم يصمه يعني يوم عرفة ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه، أخرجه الترمذي وحسنه. وروى أبوداود عن أبي هريرة النهى عنه، ولأن الصوم يضعفه ويمنعه الدعاء في هذا المعظم الذي يستجاب فيه الدعاء في ذلك الموقف الشريف فكان تركه أفضل-انتهى. وسيأتي شيء من الكلام في هذه المسألة في شرح حديث أبي هريرة في الفصل الثاني وقد ذكر لفطره ﷺ بعرفة عدة حكم. منها أنه أقوى على الدعاء، ومنها إن الفطر في السفر أفضل في فرض الصوم فكيف بنفله، ومنها إن ذلك اليوم كان يوم الجمعة وقد نهى عن أفراده بالصوم، فأحب أن يرى الناس فطره فيه تأكيداً لنهيه عن تخصيصه بالصوم وإن كان صومه لكونه يوم عرفة لا يوم جمعة.
стр. 3073
٢٠٦٣- (٨) وعن عائشة، قالت: ((ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط)) رواه مسلم.
ــ
قال الحافظ: ويبعد هذا سياق أول الحديث، ومنها أنه يوم عيد لأهل الموقف لإجتماعهم فيه كإجتماع الناس يوم العيد، وهذا الإجتماع يختص بمن بعرفة دون أهل الآفاق ويؤيده ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعاً يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، ومعلوم إن كونه عيداً هو لأهل ذلك المجمع لإجتماعهم فيه وفي الحديث من الفوائد إن الأكل والشرب في المحافل مباح ولا كراهة فيه للضرورة، وفيه التحليل على الإطلاع على الحكم بغير سؤال وفيه فطنة أم الفضل لإستكشافها عن الحكم الشرعي بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال، لأن ذلك كان في يوم حر بعد الظهيرة (متفق عليه) واللفظ لمسلم، والحديث أخرجه البخاري في الحج والصيام والأشربة، ومسلم في الصيام وأخرجه أيضاً أحمد (ج٦:ص٣٣٨-٣٣٩-٣٤٠) ومالك في الحج وأبوداود في الصيام والبيهقي (ج٤:ص٢٨٣) .
٢٠٦٣- قوله: (ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط) وفي رواية أن النبي ﷺ لم يصم العشر وفي رواية ما رأيت رسول الله ﷺ صام العشر قط يعني العشر الأول من ذي الحجة، وهذا بظاهره يخالف ما تقدم في باب الأضحية من فضيلة مطلق العمل المتضمن للصيام في عشر ذي الحجة، ومن فضيلة خصوص للصيام فيها، وما في حديث أبي قتادة الذي يليه من استحباب الصوم في التاسع منها، وهو يوم عرفة. وما في حديث حفصة في الفصل الثالث من عدم تركه ﷺ صيام العشر، وما في حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة-الحديث. أخرجه أحمد وأبوداود والنسائي والجواب عنه إن المراد من قولها لم يصم العشر أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما أو أنها لم تره صائماً فيها ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، وإذا تعارض النفي والإثبات فالإثبات أولى بالقبول. قال البيهقي: بعد رواية حديث هنيدة وحديث عائشة ما لفظه، والمثبت أولى من النافي، مع ما مضى من حديث ابن عباس في فضيلة العمل الصالح في عشر ذي الحجة. وقيل المراد نفي جميع العشر وفيها يوم العيد وهذا لا ينافي صوم بعضها وقيل يحتمل أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل في بعض الأحيان وهو يحب أن يعمله خشية أن يظن وجوبه (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود وابن ماجه والبيهقي (ج٤:ص٢٨٥) .
стр. 3074
٢٠٦٤- (٩) وعن أبي قتادة، ((أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ من قوله، فلما رأى عمر غضبه، قال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فجعل عمر يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه.
ــ
٢٠٦٤- قوله: (إن رجلاً أتى) لم أقف على إسمه، وفي رواية البيهقي إن أعرابياً وقوله: إن رجلاً أتى، هكذا هو في جميع النسخ من المشكاة وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٧:ص٢٢١) وهكذا وقع في بعض النسخ من صحيح مسلم، ووقع في أكثر النسخ منه "رجل أتى" قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ أي من صحيح مسلم عن أبي قتادة "رجل أتى" وعلى هذا يقرأ رجل بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الشأن والأمر رجل أتى النبي ﷺ فقال: وقد أصلح في بعض النسخ "إن رجلاً أتى" وكان موجب هذا الإصلاح جهالة انتظام الأول، وهو منتظم كما ذكرته فلا يجوز تغييره والله أعلم. (فغضب رسول الله ﷺ ) أي ظهر أثر الغضب على وجهه (من قوله) أي من قول الرجل وسؤاله، يحتمل أنه ﷺ ما أراد إظهار ما خفى من عبادته بنفسه، فكره لذلك سؤاله، أو أنه خاف على السائل في أن يتكلف في الإقتداء، بحيث لا يبقى له الإخلاص في النية، أو أنه يعجز بعد ذلك. قال الخطابي: يشبه أن يكون غضبه ﷺ من مسألته إياه عن صومه كراهة أن يقتدي به السائل في صومه فيتكلفه ثم يعجز عنه فعلاً أو يسأمه ويمله بقلبه، فيكون صياماً عن غير إخلاص وقد كان ﷺ يواصل وهو محرم على أمته، وقد كان ﷺ يترك بعض النوافل خوفاً من أن يفرض على أمته إذا فعلوه إقتداء به كما ترك القيام في شهر رمضان بعد أن قام بهم ليلة أو ليلتين، ثم لم يخرج إليهم-انتهى. وقال النووي: سبب غضبه أنه كره مسألته لأنه خشي من جوابه مفسدة وهي أنه ربما يعتقد السائل وجوبه أو يستقله أو يقتصر عليه وكان يقتضى حاله أكثر منه. وإنما اقتصر عليه النبي ﷺ لشغله بمصالح المسلمين، وحقوقهم وحقوق أزواجه وأضيافه والوافدين عليه، ولئلا يقتدي به كل أحد فيؤدي إلى الضرر في حق بعضهم، وكان حق السائل أن يقول كم أصوم أو كيف أصوم، فيخص السؤال بنفسه ليجيبه بما يقتضيه حاله كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم-انتهى. (فلما رأى عمر (بن الخطاب (غضبه) ﷺ على السائل، وخاف أن يكون سؤاله سبباً لأذيته ﷺ فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ [الأحزاب:٥٧] (قال) أي أدباً وإكراماً له ﷺ وشفقة على السائل واعتذاراً منه واسترضاء (رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً) المنصوبات الثلاث تمييزات، ويمكن أن تكون حالات مؤكدة (نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله) ذكر غضب الله تزيين للكلام وتعيين بأن غضبه تعالى يوافق غضبه ﵊ قاله القاري (يردد) أي يكرر (كيف من)
стр. 3075
فقال عمر: يا رسول الله! كيف من يصوم الدهر كله، لا صام ولا أفطر، قال ويطبق ذلك أحد؟
ــ
أي حال من (يصوم الدهر كله) أي هل هو محمود أو مذموم، أنظر حسن الأدب حيث بدأه بالتعظيم ثم سأله على وجه التعميم، ولذا قيل حسن السؤال نصف العلم (لا صام ولا أفطر) قال الخطابي في المعالم (ج٢:ص١٢٩) معناه لم يصم ولم يفطر. وقد يوضع "لا" بمعنى "لم" كقوله تعالى ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ [القيامة:٣١] أي لم يصدق. ولم يصل وقد يحتمل أن يكون معناه الدعاء عليه كراهة فصنيعه وزجراً له عن ذلك (لكونه مظنة لتفويت الحقوق الواجبة) وقال الجزري في النهاية: قوله "لا صام ولا أفطر" أي لم يصم ولم يفطر وهو إحباط لأجره على صومه حيث خالف السنة. وقيل: هو دعاء عليه كراهية لصنيعه. وقال التوربشتي: فسر هذا من وجهين أحدهما، على معنى الدعاء عليه زجراً له على صنيعه والآخر على سبيل الإخبار، والمعنى لم يكابد سورة الجوع وحر الظمأ لاعتياده الصوم حتى خف عليه، ولم يفتقر إلى الصبر على الجهد الذي يتعلق به الثواب، فصار كأنه لم يصم-انتهى. وحيث أنه لم ينل راحة المفطرين ولذتهم فكأنه لم يفطر (أو قال لم يصم ولم يفطر) وفي رواية "أو" ما صام وما أفطر، قال الحافظ بعد ذكر رواية الباب: هو شك من أحد رواته، ومقتضاه أنهما بمعنى واحد. والمعنى بالنفي أنه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته ولم يفطر لأنه أمسك. وقال الشوكاني في السيل الجرار: حديث لا صام من صام الأبد في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمرو، وكذلك حديث لا صام ولا أفطر أو لم يصم ولم يفطر في حديث أبي قتادة معناهما أنه لما خالف الهدى النبوى الذي رغب فيه ﷺ كان بمنزلة من لم يصم صوماً مشروعاً يؤجر عليه ولا أفطر فطراً ينتفع به. ويؤيد أن هذا المعنى هو المراد أن رسول الله ﷺ قال لعبد الله بن عمرو، وقد كان أراد أن يصوم الدهر فقال له صم من كل شهر ثلاثة أيام فقال، إني أقوى من ذلك فلم يزل يرفعني حتى قام صم يوماً وأفطر يوماً، فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود. فقلت: إني أطبق أفضل من ذلك، فقال النبي ﷺ : لا أفضل من ذلك؟ هكذا في الصحيحين وغيرهما من حديثه. وقد ثبت في الصحيح من حديث أنس أنه ﷺ قال للثلاثة الذين قال أحدهم أنه يصوم ولا يفطر. وقال الثاني أنه يقوم الليل ولا ينام. وقال الثالث أنه لا يأتي النساء، فقال ﷺ : أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني. فهذا الحديث الصحيح يدل على أن صيام الدهر من المرغوب عن سننه رسول الله ﷺ فليستحق فاعله ما رتبه عليه من الوعيد بقوله فمن رغب عن سنتي فليس مني. وقد أخرج أحمد وأبوداود وابن ماجه أن النبي ﷺ قال للرجل الذي أخبره أنه يصوم الدهر من أمرك أن تعذب نفسك-انتهى كلام الشوكاني:
стр. 3076
قلت اختلف العلماء في صيام الدهر فذهب إسحاق وأهل الظاهر إلى كراهته مطلقا، أي وإن أفطر الأيام الخمسة المنهي عنها، وهي رواية عن أحمد. قال الأثرم: قيل وأهل لأبي عبد الله يعني الإمام أحمد، فسر مسدد قول أبي موسى من صام الدهر ضيقت عليه جهنم، أي فلا يدخلها فضحك وقال من قال هذا؟ فأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ كره ذلك، وما فيه من الأحاديث كذا في المغنى (ج٣ص٦٧) وقال ابن حزم: لا يحل صوم الدهر أصلاً يعني أنه يحرم، وإلى الكراهة مطلقاً ذهب ابن العربي من المالكية فقال قوله "لا صام من صام الأبد" (في حديث عبد الله بن عمرو) إن كان معناه الدعاء فياويح من أصحابه دعاء النبي ﷺ وإن كان معناه الخير فياويح من أخبر عنه النبي ﷺ أنه لم يصم وإذا لم يصم شرعاً لم يكتب له الثواب، لوجوب صدق قوله ﷺ لأنه نفي عنه الصوم، وقد نفي عنه الفضل كما تقدم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبي ﷺ انتهى. وإلى الكراهة ذهب أيضاً ابن قدامة كما سيأتي، وابن القيم كما في الهدي (ج١ص١٧٤) والحنفية كما في مراقي الفلاح حيث قال يكره صوم الدهر لأنه يضعفه أو يصير طبعا له، ومبني العبادة على خلاف العادة-انتهى. وهكذا في البرهان وفتح القدير وغيرهما. وقال في البدائع قال بعض الفقهاء: من صام سائر الأيام وأفطر يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق لا يدخل تحت النهي، ورد عليه أبويوسف فقال: ليس هذا عندي كما قال والله أعلم. هذا قد صام الدهر كأنه أشار إلى أن النهي عن صوم الدهر ليس لمكان صوم هذه الأيام بل لما يضعفه عن الفرائض والواجبات ويقعده عن الكسب، ويؤدي إلى التبتل المنهي عنه والله أعلم-انتهى. واستدل للكراهة والمنع بقوله ﷺ "لا صام ولا أفطر" وقد تقدم وجه الاستدلال به في كلام الشوكاني وابن العربي والجزري وغيرهم. وقد روى مثل هذا مرفوعا عن جماعة من الصحابة، منهم عبد الله ابن الشيخر عند أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وعمران بن حصين عند النسائي والحاكم، وابن عمر عند النسائي واستدل أيضاً لذلك بقصة عبد الله بن عمرو التي أشار إليها الشوكاني. قال ابن التين: استدل على كراهة صوم الدهر من هذه القصة من أوجه نهيه ﷺ عن الزيادة على صوم نصف الدهر، وأمره بأن يصوم ويفطر وقوله: لا أفضل من ذلك" ودعاءه على من صام الأبد-انتهى. وبحديث أنس الذي أشار إليه الشوكاني مع وجه الاستدلال منه. وبحديث رجل من أصحاب النبي ﷺ قال قيل: للنبي ﷺ رجل يصوم الدهر، قال وددت أنه لم يطعم الدهر شيئا-الحديث. أخرجه النسائي. قال السندي: أي وددت أنه ما أكل ليلا ولا نهارا حتى مات جوعا، والمقصود بيان كراهة عمله وأنه مذموم العمل حتى يتمنى له الموت بالجوع. وبحديث أبي موسى رفعه من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وقبض كفه، أخرجه أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي (ج٤ص٣٠٠) وابن أبي شيبة والبزار ولفظ ابن حبان والبزار والبيهقي ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين، وأخرجه أيضاً الطبراني. قال الهيثمي (ج٣ص١٩٣) رجاله رجال الصحيح.
стр. 3077
قال الحافظ: ظاهره أنها تضيق عليه حصرا له فيها لتشديده على نفسه وحمله عليها، ورغبته عن سنة نبيه ﷺ واعتقاده إن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد فيكون حراماً-انتهى. وقال ابن التركماني: ظاهر هذا لا الحديث يقتضى المنع من صوم الدهر. وقد أورده ابن أبي شيبة في باب من كره صوم الدهر. واستدل به ابن حزم على المنع، وقال إنما أورده رواته كلهم على التشديد والنهي عن صومه. وقال ابن حبان: ذكر الإخبار عن نفي جواز سرد المسلم صوم الدهر وذكر هذا الحديث-انتهى. واستدل للمنع أيضاً بما روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي عمر والشيباني: قال بلغ عمر رجلاً يصوم الدهر فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول كل يا دهري قال ابن حزم: قد صح عن عمر تحريم صيام الدهر كما رويناه فذكر هذا الأثر ثم قال، هذا في غاية الصحة عنه فصح أن تحريم صوم الدهر كان من مذهبه ولو كان عنده مباحاً لما ضرب فيه ولا أمر بالفطر-انتهى. وبما روى ابن أبي شيبة أيضاً من طريق أبي إسحاق إن عبد الرحمن بن أبي نُعيم كان يصوم الدهر، فقال عمرو بن ميمون لو رآى هذا أصحاب محمد لرجموه. وبما روى الطبراني عن عمرو بن سلمة قال سئل ابن مسعود عن صوم الدهر فكرهه. قال الهيثمي: إسناده حسن وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوى عليه ولم يفوت فيه حقا وأفطر الأيام المنهية عنها، وإلى ذلك ذهب الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد في رواية: قال مالك في الموطأ: أنه سمع أهل العلم يقولون لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها وذلك أحب ما سمعت إلى في ذلك-انتهى. وصرح الزرقاني وغيره من المالكية باستحبابه بالشروط المذكورة. قال النووي: مذهب الشافعي وأصحابه إن سرد الصيام إذا أفطر العيدين والتشريق لا كراهة فيه بل هو مستحب بشرط أن لا يلحقه به ضرر ولا يفوت حقاً فإن تضرر أو فوت حقا فمكروه-انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣ص١٦٧) قال أبوالخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق لأن أحمد قال، إذا يومي العيدين وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس. وروى نحو هذا عن مالك وهو قول الشافعي لأن جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم منهم أبوطلحة. قال ابن قدامة: والذي يقوى عندي إن صوم الدهر مكروه وإن لم يصم هذه الأيام فإن صامها فقد فعل محرما، وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة والضعف وشبه التبتل المنهي عنه، بدليل أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو إنك تصوم الدهر وتقوم الليل فقلت نعم، قال إنك إذا فعلت ذلك هجمت له عينك ونفهت له النفس لا صام من صام الدهر-الحديث. واحتج الجمهور على الاستحباب بما وقع في حديث حمزة بن عمرو عند مسلم أنه قال، يا رسول الله! إني أسرد الصوم أفأصوم في السفر فقال إن شئت فصم فأقره ﷺ على سرد الصيام ولو كان مكروها لم يقره وأجيب عن هذا أولا بأن سؤال حمزة إنما كان عن صوم الفرض في السفر لا عن صوم الدهر كما سبق.
стр. 3078
وثانيا، بأن سرد الصوم لا يستلزم صوم الدهر لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر، بل المراد إني أكثر الصوم وكان هو كثير الصوم كما ورد في بعض الروايات، ويؤيد عدم الاستلزام ما أخرجه أحمد من حديث أسامة بن زيد أن النبي ﷺ كان يسرد الصوم مع ما ثبت أنه لم يصم الدهر، وإنه لم يصم شهراً كاملاً إلا رمضان، وبهذا يجاب عما روى عن عمر وعائشة إنهما كانا يسردان الصوم. واحتجوا أيضاً بما وقع في بعض طرق حديث عبد الله بن عمرو الآتي صم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر: وقوله في حديث أبي أيوب الآتي من صام رمضان ثم اتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر قالوا، والمشبه به يكون أفضل من المشبه فدل ذلك على أن صوم الدهر أفضل من هذه المشبهات فيكون مستحبا وهو المطلوب. وتعقب بأن التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضى جوازه فضلا عن استحبابه. وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوما. ومن المعلوم إن المكلف لا يجوز له صيام جميع السنة فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه كذا ذكره الحافظ. وقد بسط هذا الجواب ابن القيم في الهدي فأجاد. وأجاب الجمهور عن حديث لا صام من صام الأبد، وحديث لا صام ولا أفطر بأجوبة. أحدها أنه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيدين وأيام التشريق. وفيه نظر لأنه ﷺ قد قال جوابا لمن سأله عن صوم الدهر لا صام ولا أفطر وهو يؤذن بأنه ما أجر ولا إثم، ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المحرمة يكون قد فعل مستحبا وحراما، وأيضا فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعاً، فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض، فلم تدخل في السؤال عند من علم تحريمها، ولا يصلح الجواب بقوله "لا صام ولا أفطر" لمن لم يعلم تحريمها، كذا ذكره الحافظ في الفتح وهو ملخص كلام ابن القيم في الهدي. وقد تعقب ابن دقيق العيد تأويل الجمهور هذا بوجه آخر من شاء الوقوف عليه رجع إلى شرح العمدة (ج٢ص٢٣٦- ٢٣٧) الثاني إنه محمول على من تضرر به أو فوت به حقاً، قالوا ويؤيده أن النهي كان خطابا لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكر مسلم عنه أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرخصة قالوا، فنهي ابن عمر ولعلمه بأنه سيعجز عنه ويضعف وأقر حمزة لعلمه بقدرته بلا ضرر. وفيه إن هذا التأويل أيضاً مردود لما سبق من قوله ﷺ في أنس من رغب عن سنتي فليس مني، ويرده أيضاً قوله لا أفضل من ذلك، ويرده أيضاً ورود قوله "لا صام ولا أفطر" وقوله: لا صام من صام الأبد عن غير واحد من الصحابة سوى عبد الله بن عمرو كما تقدم، ويرده أيضاً حديث أبي موسى المتقدم.
стр. 3079
وكل ذلك يدل على أن هذا الحكم ليس خاصا بابن عمرو بل هو عام لجميع المسلمين وأما أقراره لحمزة على سرد الصوم فلا حجة فيه كما سبق. الثالث إن معنى لا صام أنه لا يجد من مشقته ما يجدها غيره فيكون خبرا، لا دعاء. وتعقبه الطيبي بأنه مخالف لسياق الحديث ألا تراه كيف نهاه أولا عن صيام الدهر كله ثم حثه على صوم داود، والأولى أن يكون خبرا عن أنه لم يمتثل أمر الشرع أو دعاء كما تقدم. وأجابوا عن حديث أبي موسى المتقدم ذكره بأن معناه ضيقت عليه فلا يدخلها، فعلى هذا تكون على بمعنى عن، أي ضيقت عنه، وهذا التأويل حكاه الأثرم عن مُسَدَّد، وحكى رده عن أحمد كما سبق. وقال ابن خزيمة: سألت المزني عن هذا الحديث. فقال: يشبه أن يكون معناه ضيقت عنه فلا يدخلها ولا يشبه أن يكون على ظاهره، لأن من ازداد عملاً وطاعة ازداد عند الله رفعة وعلنه كرامة. ورجح هذا التأويل جماعة منهم الغزالي. فقالوا له مناسبة من جهة أن الصائم لما ضيق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرقها بالعبادة. وتعقب بأنه ليس كل عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقربا بل رب عمل صالح إذا ازداد منه بعداً كالصلاة في الأوقات المكروهة، وأيضا لو كان المراد ما ذكروه لقال ضيقت عنه. وأما التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها. قال ابن حزم (ج٧ص١٦) بعد ذكر التأويل المذكور ما لفظه: هذه لكنه وكذب. أما اللكنة فإنه لو أراد هذا فقال ضيقت عنه ولم يقل عليه. وأما الكذب فإنما أورده رواته كلهم على التشديد والنهي عن صومه-انتهى. فالصواب أجراء الحديث على ظاهره والقول بكراهة صيام الدهر مطلقاً أو منعه. قال الشوكاني في السيل الجرار بعد ذكر حديث أبي موسى: هذا وعيد ظاهر، وتأويله بما يخلف هذا المعنى تعسف وتكلف، والعجب ذهاب الجمهور إلى استحباب صوم الدهر وهو مخالف للهدى النبوي، وهو أيضاً أمر لم يكن عليه أمر رسول الله ﷺ . وقد قال ﷺ فيما صح عنه كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد، وهو أيضاً من المرغوب عن سنة رسول الله صلى اله عليه وسلم، ومن رغب عن سنته فليس منه كما تقدم، وهو أيضاً من التعسير والتشديد المخالف لما استقرت عليه هذه الشريعة المطهرة. قال الله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال ﷺ : يسروا ولا تعسروا ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، وقال: أمرت بالشريعة السمحة السهلة، فالحاصل إن صوم الدهر إذا لم يكن محرماً تحريماً بحتافاقل أحواله أن يكون مكروها كراهة شديدة هذا لمن لا يضعف به الصوم من شيء من الواجبات، أما من كان يضعف بالصوم عن بعض الواجبات الشرعية فلا شك في تحريمه من هذه الحيثية بمجردها من غير نظر إلى ما قدمنا من الأدلة-انتهى.
стр. 3080
قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يوما؟ قال: "ذلك صوم داود" قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يومين؟ قال: وددت أني طُوِّقت ذلك. ثم قال رسول الله ﷺ رمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله.
ــ
واختلف المجيزون لصيام الدهر بالشرط المتقدم هل هو أفضل أو صيام يوم وإفطار يوم أفضل، فذهب جماعة منهم إلى أن صوم الدهر أفضل. واستدلوا على ذلك بأنه أكثر عملاً فيكون أكثر أجرا، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن زيادة الأجر بزيادة العمل ههنا معارضة باقتضاء العادة التقصير في حقوق أخرى، فالأولى التفويض إلى حكم الشارع، وقد حكم بأن صوم يوم، وإفطار يوم أفضل الصيام، هذا معنى كلامه محصلا. وذهب جماعة منهم المتولي من الشافعية إلى أن صيام داود أفضل، وهو ظاهر الحديث بل صريحه وارجع للبسط والتفصيل إلى الفتح وشرح العمدة (ويطيق ذلك أحد) بحذف حرف الإنكار، وقد ثبت في رواية أبي داود والنسائي، ووقع في رواية لمسلم، ومن يطيق ذلك وكأنه كرهه لأنه مما يعجز عنه في الغالب فلا يرغب فيه في دين سهل سمح، وهو عطف على محذوف أي أتقول ذلك ويطيق ذلك أحد (قال ذلك صوم داود) أي وصوم داود أفضل الصيام وأحبه إلى الله وكأنه تركه لتقرير ذلك مرارا (وددت) بكسر الدال أي أحببت (إني طوقت) بتشديد الواو على بناء المفعول أي جعلني الله مطيقا (ذلك) أي الصيام المذكور يعني تمنيت أن يجعل ذلك داخلا في قدرتي وكان قادرا، ولكن خاف فوات حقوق نساءه فإن إدامة الصوم يخل بحظوظهن منه إلا فكان يطيق أكثر منه فإنه كان يواصل وعلى هذا معنى قوله "وددت إني طوقت" أي مع أداء حقوق النساء. قال الخطابي: يحتمل أن يكون إنما خاف العجز عن ذلك للحقوق التي تلزمه لنساءه لأن ذلك يخل بحظوظهن منه لا لضعف جبلته عن احتمال الصيام أو قلة صبره عن الطعام في هذه المدة-انتهى. وقيل: معناه وددت إن أمتي تطيقه لأنه ﷺ كان يطيقه وأكثر منه وكان يواصل، ويقول إني لست كأحدكم إني أبيت، يطعمني ربي ويسقيني. قال النووي: ويؤيد هذا التأويل قوله ﷺ في الرواية الثانية ليت إن الله قوانا لذلك أو يقال إنما قاله لحقوق نسائه وغيرهن من المسلمين المتعلقين والقاصدين إليه-انتهى. وقيل: يمكن أن يكون الإطعام والسقي من الرب ﵎ مختصاً بصوم الوصال دون غيره من الصيام (ثلاث من كل شهر) أي صوم الإنسان ثلاثة أيام من كل شهر، قيل هو أيام البيض، وقيل أي ثلاث كان وأيام البيض أولى، وثلاث بحذف التاء ولو قال ثلاثة بالهاء لكان صحيحاً لأن المعدود المميز إذا كان غير مذكور لفظا جاز تذكير مميزه وتأنيثه، يقال صمنا ستاً وستة وخمساً وخمسة. وإنما يلزم إثبات الهاء مع المذكر إذا كان مذكورا لفظا. وحذفها من المؤنث إذا كان كذلك وهذه قاعدة مسلوكة صرح بها أهل اللغة وأئمة الإعراب كذا في النيل. وقال القاري: حذف التاء منها نظرا إلى لفظ المميز فإنه مؤنث.
стр. 3081
وقيل: بحذف المعدود. وقيل: كان الظاهر أن يقال ثلاثة لأنه عبارة عن الأيام أي صيام ثلاثة أيام، ولكنهم يعتبرون في مثل ذلك الليالي والأيام داخلة معها. قال صاحب الكشاف: تقول صمت عشرا ولو قلت عشرة لخرجت من كلامهم-انتهى. (رمضان إلى رمضان) أي وصوم رمضان من كل سنة منتهيا إلى رمضان (فهذا صيام الدهر كله) أي حكما لقوله تعالى ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وهذا إنما هو في غير رمضان، وإنما ذكر رمضان لدفع توهم دخوله في كل شهر. ومن المعلوم إن صوم رمضان فرض فلا بد منه، والمعنى إن صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر في الفضيلة واكتساب الأجر لكنه من غير تضعيف على حد ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] تعدل ثلث القرآن. وقيل: المعنى عن كل واحد من صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ومن صوم رمضان كل واحد منهما صيام الدهر. أما صيام ثلاثة أيام من كل شهر فكأنه صام الشهر، ومن صام ثلاثة أيام من شهور السنة فقد صام السنة فهذا صيام الدهر، وأما صيام رمضان إلى رمضان فيحتمل أن يكون المراد إن صيام رمضان مع ست من شوال صيام الدهر كما وقع في حديث أبي أيوب الآتي، أو يقال إن صيام رمضان من حيث كونه صوم فرض يزيد على النفل فيكون صيامه مساويا لصيام الدهر بل زايدا عليه، ويقال أنه أخبر أولا بأن صيام رمضان مع ست من شوال صيام الدهر. ثم أخبر بأن صيام رمضان فقط بدون صوم ست من شوال يساوي صيام الدهر في الأجر والثواب كذا قيل، ولا يخفى ما فيه. ووقع في رواية من حديث عبد الله ابن عمرو الآتي صم من كل شهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر. قال ابن دقيق العيد هو مأول عندهم على أنه مثل أصل صيام الدهر من غير تضعيف للحسنات، فإن ذلك التضعيف مرتب على الفعل الحسى الواقع في الخارج والحامل على هذا التأويل، إن القواعد تقتضى إن المقدر لا يكون كالمحقق، وإن الأجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح أو المشقة فكيف يستوي من فعل الشيء بمن قدر فعله له فلأجل ذلك قيل إن المراد أصل الفعل في التقدير لا الفعل المرتب عليه التضعيف في التحقيق-انتهى. ثم قوله "ثلاث" قيل إنه مبتدأ خبره قوله "فهذا صيام الدهر" والفاء زائدة أو ما دل عليه هذه الجملة. وقال الطيبي: أدخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وذلك إن ثلاث مبتدأ، ومن كل شهر صفة، أي صوم ثلاثة أيام يصومها الرجل من كل شهر صيام الدهر كله-انتهى. وقيل: الأولى أن يكون ثلاث خبر مبتدأ محذوف أي الأولى والأليق ثلاث من كل شهر، وقوله "فهذا" تعليل له. وذكر إلى رمضان إفادة لدوام الصوم واستمراره وإيماء إلى أن الصوم كأنه متصل مستمر دائما كما أشار إليه بقوله "فهذا صيام الدهر كله" قلت: وقع في رواية للنسائي "ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان هذا صيام الدهر كله" وهذا يؤيد كون "ثلاث" مبتدأ وكون قوله "فهذا صيام الدهر" خبرا له (صيام يوم عرفة أحتسب على الله) أي أرجو منه.
стр. 3082
صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)) رواه مسلم.
٢٠٦٥- (١٠) وعنه، قال: ((سئل رسول الله ﷺ عن صوم الاثنين. فقال: فيه ولدت، وفيه أنزل عليّ)) رواه مسلم.
ــ
قال في النهاية: الاحتساب في الأعمال الصالحة هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلباً للثواب المرجو فيها. قال الطيبي كان الأصل أن يقال أرجو من الله أن يكفر فوضع موضعه أحتسب وعداه بعلى الذي للوجوب على سبيل الوعد مبالغة لحصول الثواب كذا في المرقاة. (أن يكفر) أي الله أو الصيام (السنة التي قبله) أي ذنوبها (والسنة التي بعده) قال إمام الحرمين: والمكفر الصغائر. قال عياض: وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو رحمة الله. وقال النووي: قالوا المراد بالذنوب الصغائر، وإن لم تكن الصغائر يرجى تخفيف الكبائر فإن لم تكن رفعت الدرجات-انتهى. قال في المفاتيح: أي يستر ويزيل ذنوب صائم ذلك اليوم ذنوبه التي اكتسبها في السنة الماضية والسنة الآتية. ومعنى تكفير السنة الآتية أن يحفظه الله من الذنوب أو يعطيه من الرحمة، والثواب بقدر ما يكون كفارة للسنة الماضية والقابلة. إذا جاءت واتفق له فيها ذنوب-انتهى. وقال الشوكاني: المراد يكفره بعد وقوعه أو المراد أنه يلطف به فلا يأتي بذنب فيها بسبب صيامه ذلك اليوم، وظاهر الحديث أنه يستحب صوم يوم عرفة مطلقا، وظاهر حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني أنه لا يجوز صومه بعرفات، فيجمع بينهما بأن صوم هذا اليوم مستحب لكل أحد مكروه لمن كان بعرفات حاجاً. وقد تقدم الكلام في هذا فتذكر (وصيام عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) قيل: وجه فضيلة صوم يوم عرفة ومزيته على صوم عاشوراء، إن صوم يوم عرفة من شريعة محمد ﷺ ، وصوم عاشوراء من شريعة موسى ﵊. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: ظاهره إن صيام يوم عرفة أفضل من صوم عاشوراء وقد قيل في الحكمة في ذلك إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇، ويوم عرفة منسوب إلى النبي ﷺ فلذلك كان أفضل-انتهى. وقيل: لأن يوم عرفة تجمع فضيلة العشر إلى فضيلة اليوم ويشتركان في كونهما شهر حرام، والله أعلم بحقيقة الحكمة في ذلك (رواه مسلم) وأخرجه أحمد (ج٥ص٢٩٧، ٣١١) وأبوداود والبيهقي (ج٤ص٢٨٦، ٣٠٠) وأخرجه أحمد (ج٥ص٢٩٦، ٣٠٤، ٣٠٧، ٣٠٨) والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومفرقاً.
٢٠٦٥- قوله: (سئل رسول الله ﷺ عن صوم الاثنين) وفي بعض النسخ من صحيح مسلم "صوم يوم الاثنين" قال القاري: وهو أي الاثنين بهمزة الوصل. وإنما نبهت عليه وإن كان ظاهراً، لأن كثيرا من أهل الفضل يقرؤنه بقطع الوصل ولا يعرف الفصل بين الوقف والوصل بل ولا يدري كيفية الإبتداء،
стр. 3083
٢٠٦٦- (١١) وعن معاذة العدوية، أنها سألت عائشة أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم. فقلت لها؟ من أي أيام الشهر كان يصوم؟
ــ
ثم السؤال يحتمل احتمالين أن يكون من كثرة صيامه ﵇ فيه، وأن يكون من مطلق الصيام وخصوص فضله من بين الأيام (فقال فيه ولدت وفيه أنزل) أي الوحي (على) أي فأصوم شكراً لهاتين النعمتين. قال القاري: يعني حصل لي فيه بدأ الكمال الصوري وطلوع الصبح المعنوي المقصود والباطني والتفضل الابتدائي والانتهائي، فوقت يكون منشأ للنعم الدنيوية والأخروية حقيق بأن يوجد فيه الطاعة الظاهرية فيجب شكره تعالى عليّ والقيام بالصيام لديّ لما أولى من تمام النعمة إليّ. وقال الطيبي اختياراً للاحتمال الثاني: أي فيه وجود نبيكم وفيه نزول كتابكم وثبوت نبوته فأي يوم أولى بالصوم منه فاقتصر على العلة أي سئل عن فضيلته لأنه لا مقال في صيامه فهو من الأسلوب الحكيم-انتهى. وفيه أن الظاهر إن السؤال عن العلة فيطابق الجواب السؤال. وعلى تقدير أن يكون السؤال عن نفس الصوم فالمعنى هل فيه فضل، فحينئذٍ ما ذكره أيضاً فصل الخطاب لا من الأسلوب الحكيم في الحوادث. قلت: وقع في رواية للبيهقي قال أي عمر أرأيت من صام يوم الاثنين، قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزلت علي فيه النبوة، وهذا يؤيد أن السؤال كان عن نفس الصوم فيه لا عن كثرة صيامه ﷺ فيه وقال في شرح المواهب: والمتبادر أن السؤال عن فضيلته فالجواب طبق السؤال إذ لا يليق سؤال الصحابي عن جواز صيامه، لا سيما إن رأى أو علم أنه ﷺ صامه. وحاصل التنزل أنه لا بد من تقدير مضاف وهو إما فضل وإما جواز إذ لا معنى للسؤال عن نفس الصوم، فدل الجواب على أن التقدير فضل-انتهى. وفي الحديث دلالة على أن الزمان قد يتشرف بما يقع فيه وكذا المكان وعلى أنه يستحب صوم يوم الاثنين، وأنه ينبغي تعظيم اليوم الذي أحدث الله فيه على عبده نعمة بصومه والتقرب فيه. وقد ورد في حديث أبي هريرة الآتي تعليل صومه ﷺ يوم الاثنين والخميس، بأنه يوم تعرض فيه الأعمال، وأنه يحب أن يعرض عمله وهو صائم، ولا منافاة بين التعليلين. (رواه مسلم) في الصوم وأخرجه أحمد (ج٥ص٢٩٧، ٢٩٩) وأبوداود والبيهقي (ج٤ص٢٨٦، ٣٠٠) والحاكم (ج٢ص٦٠٢) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وهذا يدل على أنهما ظنا أن الحديث ليس في واحد من الصحيحين مع أنه رواه مسلم في صحيحه من طرق.
٢٠٦٦- قوله: (أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام قالت نعم) أي وهذا أقل ما كان يقتصر عليه (من أي أيام الشهر كان يصوم)
стр. 3084
قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم. رواه مسلم.
٢٠٦٧- (١٢) وعن أبي أيوب الأنصاري، أنه حدثه أن رسول الله ﷺ قال: من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر. رواه مسلم.
ــ
أي هذه الثلاثة من أولها أو أوسطها أو آخرها متصلة أو منفصلة (لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم) أي لم يكن يهتم للتعيين بل كان يصومها بحسب ما يقتضي رأيه الشريف وبهذا جمع البيهقي بين الأحاديث الأخر المعينة المختلفة التعيين، كحديث ابن مسعود أنه ﷺ كان يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام، وحديث عائشة أنه كان يصوم من الشهر السبت، والأحد، والاثنين-الحديث. وحديث ابن عباس أنه كان لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر، وحديث حفصة كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام الاثنين، والخميس، والاثنين من الجمعة الأخرى. أخرجه أبوداود والنسائي. قال البيهقي: فكل من رآه فعل نوعا ذكره، وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت في حديث الباب. قال بعضهم: ولعله ﷺ لم يواظب على ثلاثة معينة لئلا يظن تعيينها. قال الحافظ: والذي يظهر أن الذي أمر به وحث عليه ووصى به أولى من غيره. وأما هو فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز وكل ذلك في حقه أفضل وتترجح البيض بكونها وسط الشيء أعدله، وسيأتي مزيد الكلام في هذا (رواه مسلم) وأخرجه الترمذي وأبوداود وابن ماجه والبيهقي (ج٢ص٢٩٥) .
٢٠٦٧- قوله: (وعن أبي أيوب الأنصاري أنه حدثه) أي أن أبا أيوب حدث الراوي عنه وهو عمر بن ثابت بن الحارث الأنصاري الخزرجي المدني من ثقات التابعين. قال القاري: وفي نسخة "وعن عمر بن ثابت عن أبي أيوب" الخ، (ثم أتبعه) بهمزة قطع أي جعل عقبه في الصيام (ستا) أي ستة أيام وحذف الهاء لأن اسم العدد إذا لم يذكر مميزه جاز فيه الوجهان كما صرح به النحاة. وإنما يلزم إثبات الهاء في المذكر إذا ذكروه بلفظه وكذا حذفها في المؤنث إذا كان كذلك (من شوال) وهي يصدق على التوالي والتفريق (كان كصيام الدهر) وفي رواية الترمذي فذلك صيام الدهر. ولأبي داود فكأنما صام الدهر يعني إذا صام مدة عمره وإلا ففي أي سنة صام كان كصيام تلك السنة، وفي حديث ثوبان عند ابن ماجه وغيره كان تمام السنة، أي كان صومه تمام السنة إذا الستة بمنزلة شهرين بحساب ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وشهر رمضان بمنزلة عشرة أشهر. وقد جاء ذلك مصرحا عند النسائي من حديث ثوبان ولفظه جعل الله الحسنة بعشر أمثالها، فشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعد الفطر تمام السنة، ولابن خزيمة صيام شهر رمضان بعشرة اشهر، وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة.
стр. 3085
وفي الحديث دليل بين على استحباب صوم ستة أيام من شوال، وهو مذهب الشافعي وأحمد وداود، وبه قال عامة المتأخرين من الحنفية. وقال مالك وأبوحنيفة: يكره صومها. قال في البحر الزائق: ومن المكروه صوم ستة من شوال عند أبي حنيفة متفرقا كان أو متتابعا، وعن أبي يوسف كراهته متتابعاً لا متفرقاً، لكن عامة المتأخرين لم يروا به بأساً-انتهى. وقال ابن الهمام: صوم ست من شوال عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته، وعامة المشائخ لم يروا به بأساً-انتهى. قال السندي: ولعل القائل بالكراهة يؤول هذا الحديث بأن المراد هو كصوم الدهر في الكراهة، فقد جاء لا صيام لمن صام الأبد ونحوه، مما يفيد كراهة صوم الدهر، لكن هذا التأويل مردود بما ورد في صوم ثلاث من كل شهر أنه صوم الدهر ونحوه. والظاهر أن صوم الدهر تحقيقاً مكروه، وما ليس بصوم الدهر إذا ورد فيه أنه صوم الدهر فهو محبوب-انتهى. قلت: واستدل للكراهة بأنه ربما ظن وجوبها. قال ابن الهمام: وجه الكراهة أنه قد يفضى إلى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة-انتهى. وأجيب بأنه لا معنى لهذا التعليل بعد ثبوت النص بذلك وورود السنة الصحيحة الصريحة فيه، وأيضاً يلزم مثل هذا في سائر أنواع الصوم المندوب المرغب فيها ولا قائل به. قال النووي: قولهم قد يظن وجوبهن تقتضي بصوم عرفة وعاشوراء وغيرهما من الصوم المندوب. واستدل مالك بما قال في الموطأ من أنه لم ير أحداً من أهل العلم يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وإن أهل العلم يكرهون ذلك. ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة ثابتة لم يكن تركهم دليلا ترد به السنة. قال النووي: إذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم وما أحسن ما قاله ابن عبد البر أنه لم يبلغ مالكاً هذا الحديث. وقيل: لعله لم يصح هذا الحديث عنده. قال ابن رشد: وهو الأظهر. قلت: الحديث صحيح جداً. قال الشيخ الجزري: حديث أبي أيوب هذا لا يشك في صحته ولا يلتفت إلى كون الترمذي جعله حسناً ولم يصححه (على ما في بعض النسخ) . وقوله في سعد بن سعيد راوية عن عمر بن ثابت، وقد جمع الحافظ أبومحمد عبد المؤمن بن خلف المياطي طرقه، وأسنده عن قريب ثلاثين رجلاً رووه عن سعد بن سعيد أكثرهم ثقات حفاظ، وتابع سعداً في روايته أخواه عبدربه ويحيى وصفوان بن سليم وغيرهم. ورواه أيضاً عن النبي ﷺ أبوهريرة وجابر وثوبان والبراء بن عازب وابن عباس وعائشة ﵃ أجمعين كذا حكاه القاري عن الجزري. ثم نقل تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة عن يارك وسنذكره أيضاً إن شاء الله. واعلم أن أجر صومها يحصل لمن صامها متفرقة أو متوالية، ومن صامها عقب العيد متصلاً أو في أثناء الشهر، وفي جامع الترمذي عن ابن المبارك أنه اختار أن يكون ستة أيام من أول شوال، وقد روى عنه أنه قال إن صام ستة أيام من شوال متفرقا فهو جائز. وقال النووي قال أصحابنا: والأفضل إن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر، فإن فرقها أواخرها عن أوائل الشهر إلى أواخره حصلت فضيلة المتابعة، لأنه يصدق أنه اتبعه ستا من شوال-انتهى.
следующие страницы →