Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
وقيل: بحذف المعدود. وقيل: كان الظاهر أن يقال ثلاثة لأنه عبارة عن الأيام أي صيام ثلاثة أيام، ولكنهم يعتبرون في مثل ذلك الليالي والأيام داخلة معها. قال صاحب الكشاف: تقول صمت عشرا ولو قلت عشرة لخرجت من كلامهم-انتهى. (رمضان إلى رمضان) أي وصوم رمضان من كل سنة منتهيا إلى رمضان (فهذا صيام الدهر كله) أي حكما لقوله تعالى ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وهذا إنما هو في غير رمضان، وإنما ذكر رمضان لدفع توهم دخوله في كل شهر. ومن المعلوم إن صوم رمضان فرض فلا بد منه، والمعنى إن صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر في الفضيلة واكتساب الأجر لكنه من غير تضعيف على حد ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] تعدل ثلث القرآن. وقيل: المعنى عن كل واحد من صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ومن صوم رمضان كل واحد منهما صيام الدهر. أما صيام ثلاثة أيام من كل شهر فكأنه صام الشهر، ومن صام ثلاثة أيام من شهور السنة فقد صام السنة فهذا صيام الدهر، وأما صيام رمضان إلى رمضان فيحتمل أن يكون المراد إن صيام رمضان مع ست من شوال صيام الدهر كما وقع في حديث أبي أيوب الآتي، أو يقال إن صيام رمضان من حيث كونه صوم فرض يزيد على النفل فيكون صيامه مساويا لصيام الدهر بل زايدا عليه، ويقال أنه أخبر أولا بأن صيام رمضان مع ست من شوال صيام الدهر. ثم أخبر بأن صيام رمضان فقط بدون صوم ست من شوال يساوي صيام الدهر في الأجر والثواب كذا قيل، ولا يخفى ما فيه. ووقع في رواية من حديث عبد الله ابن عمرو الآتي صم من كل شهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر. قال ابن دقيق العيد هو مأول عندهم على أنه مثل أصل صيام الدهر من غير تضعيف للحسنات، فإن ذلك التضعيف مرتب على الفعل الحسى الواقع في الخارج والحامل على هذا التأويل، إن القواعد تقتضى إن المقدر لا يكون كالمحقق، وإن الأجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح أو المشقة فكيف يستوي من فعل الشيء بمن قدر فعله له فلأجل ذلك قيل إن المراد أصل الفعل في التقدير لا الفعل المرتب عليه التضعيف في التحقيق-انتهى. ثم قوله "ثلاث" قيل إنه مبتدأ خبره قوله "فهذا صيام الدهر" والفاء زائدة أو ما دل عليه هذه الجملة. وقال الطيبي: أدخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وذلك إن ثلاث مبتدأ، ومن كل شهر صفة، أي صوم ثلاثة أيام يصومها الرجل من كل شهر صيام الدهر كله-انتهى. وقيل: الأولى أن يكون ثلاث خبر مبتدأ محذوف أي الأولى والأليق ثلاث من كل شهر، وقوله "فهذا" تعليل له. وذكر إلى رمضان إفادة لدوام الصوم واستمراره وإيماء إلى أن الصوم كأنه متصل مستمر دائما كما أشار إليه بقوله "فهذا صيام الدهر كله" قلت: وقع في رواية للنسائي "ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان هذا صيام الدهر كله" وهذا يؤيد كون "ثلاث" مبتدأ وكون قوله "فهذا صيام الدهر" خبرا له (صيام يوم عرفة أحتسب على الله) أي أرجو منه.
стр. 3082
صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)) رواه مسلم.
٢٠٦٥- (١٠) وعنه، قال: ((سئل رسول الله ﷺ عن صوم الاثنين. فقال: فيه ولدت، وفيه أنزل عليّ)) رواه مسلم.
ــ
قال في النهاية: الاحتساب في الأعمال الصالحة هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلباً للثواب المرجو فيها. قال الطيبي كان الأصل أن يقال أرجو من الله أن يكفر فوضع موضعه أحتسب وعداه بعلى الذي للوجوب على سبيل الوعد مبالغة لحصول الثواب كذا في المرقاة. (أن يكفر) أي الله أو الصيام (السنة التي قبله) أي ذنوبها (والسنة التي بعده) قال إمام الحرمين: والمكفر الصغائر. قال عياض: وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو رحمة الله. وقال النووي: قالوا المراد بالذنوب الصغائر، وإن لم تكن الصغائر يرجى تخفيف الكبائر فإن لم تكن رفعت الدرجات-انتهى. قال في المفاتيح: أي يستر ويزيل ذنوب صائم ذلك اليوم ذنوبه التي اكتسبها في السنة الماضية والسنة الآتية. ومعنى تكفير السنة الآتية أن يحفظه الله من الذنوب أو يعطيه من الرحمة، والثواب بقدر ما يكون كفارة للسنة الماضية والقابلة. إذا جاءت واتفق له فيها ذنوب-انتهى. وقال الشوكاني: المراد يكفره بعد وقوعه أو المراد أنه يلطف به فلا يأتي بذنب فيها بسبب صيامه ذلك اليوم، وظاهر الحديث أنه يستحب صوم يوم عرفة مطلقا، وظاهر حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني أنه لا يجوز صومه بعرفات، فيجمع بينهما بأن صوم هذا اليوم مستحب لكل أحد مكروه لمن كان بعرفات حاجاً. وقد تقدم الكلام في هذا فتذكر (وصيام عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) قيل: وجه فضيلة صوم يوم عرفة ومزيته على صوم عاشوراء، إن صوم يوم عرفة من شريعة محمد ﷺ ، وصوم عاشوراء من شريعة موسى ﵊. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: ظاهره إن صيام يوم عرفة أفضل من صوم عاشوراء وقد قيل في الحكمة في ذلك إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇، ويوم عرفة منسوب إلى النبي ﷺ فلذلك كان أفضل-انتهى. وقيل: لأن يوم عرفة تجمع فضيلة العشر إلى فضيلة اليوم ويشتركان في كونهما شهر حرام، والله أعلم بحقيقة الحكمة في ذلك (رواه مسلم) وأخرجه أحمد (ج٥ص٢٩٧، ٣١١) وأبوداود والبيهقي (ج٤ص٢٨٦، ٣٠٠) وأخرجه أحمد (ج٥ص٢٩٦، ٣٠٤، ٣٠٧، ٣٠٨) والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومفرقاً.
٢٠٦٥- قوله: (سئل رسول الله ﷺ عن صوم الاثنين) وفي بعض النسخ من صحيح مسلم "صوم يوم الاثنين" قال القاري: وهو أي الاثنين بهمزة الوصل. وإنما نبهت عليه وإن كان ظاهراً، لأن كثيرا من أهل الفضل يقرؤنه بقطع الوصل ولا يعرف الفصل بين الوقف والوصل بل ولا يدري كيفية الإبتداء،
стр. 3083
٢٠٦٦- (١١) وعن معاذة العدوية، أنها سألت عائشة أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم. فقلت لها؟ من أي أيام الشهر كان يصوم؟
ــ
ثم السؤال يحتمل احتمالين أن يكون من كثرة صيامه ﵇ فيه، وأن يكون من مطلق الصيام وخصوص فضله من بين الأيام (فقال فيه ولدت وفيه أنزل) أي الوحي (على) أي فأصوم شكراً لهاتين النعمتين. قال القاري: يعني حصل لي فيه بدأ الكمال الصوري وطلوع الصبح المعنوي المقصود والباطني والتفضل الابتدائي والانتهائي، فوقت يكون منشأ للنعم الدنيوية والأخروية حقيق بأن يوجد فيه الطاعة الظاهرية فيجب شكره تعالى عليّ والقيام بالصيام لديّ لما أولى من تمام النعمة إليّ. وقال الطيبي اختياراً للاحتمال الثاني: أي فيه وجود نبيكم وفيه نزول كتابكم وثبوت نبوته فأي يوم أولى بالصوم منه فاقتصر على العلة أي سئل عن فضيلته لأنه لا مقال في صيامه فهو من الأسلوب الحكيم-انتهى. وفيه أن الظاهر إن السؤال عن العلة فيطابق الجواب السؤال. وعلى تقدير أن يكون السؤال عن نفس الصوم فالمعنى هل فيه فضل، فحينئذٍ ما ذكره أيضاً فصل الخطاب لا من الأسلوب الحكيم في الحوادث. قلت: وقع في رواية للبيهقي قال أي عمر أرأيت من صام يوم الاثنين، قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزلت علي فيه النبوة، وهذا يؤيد أن السؤال كان عن نفس الصوم فيه لا عن كثرة صيامه ﷺ فيه وقال في شرح المواهب: والمتبادر أن السؤال عن فضيلته فالجواب طبق السؤال إذ لا يليق سؤال الصحابي عن جواز صيامه، لا سيما إن رأى أو علم أنه ﷺ صامه. وحاصل التنزل أنه لا بد من تقدير مضاف وهو إما فضل وإما جواز إذ لا معنى للسؤال عن نفس الصوم، فدل الجواب على أن التقدير فضل-انتهى. وفي الحديث دلالة على أن الزمان قد يتشرف بما يقع فيه وكذا المكان وعلى أنه يستحب صوم يوم الاثنين، وأنه ينبغي تعظيم اليوم الذي أحدث الله فيه على عبده نعمة بصومه والتقرب فيه. وقد ورد في حديث أبي هريرة الآتي تعليل صومه ﷺ يوم الاثنين والخميس، بأنه يوم تعرض فيه الأعمال، وأنه يحب أن يعرض عمله وهو صائم، ولا منافاة بين التعليلين. (رواه مسلم) في الصوم وأخرجه أحمد (ج٥ص٢٩٧، ٢٩٩) وأبوداود والبيهقي (ج٤ص٢٨٦، ٣٠٠) والحاكم (ج٢ص٦٠٢) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وهذا يدل على أنهما ظنا أن الحديث ليس في واحد من الصحيحين مع أنه رواه مسلم في صحيحه من طرق.
٢٠٦٦- قوله: (أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام قالت نعم) أي وهذا أقل ما كان يقتصر عليه (من أي أيام الشهر كان يصوم)
стр. 3084
قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم. رواه مسلم.
٢٠٦٧- (١٢) وعن أبي أيوب الأنصاري، أنه حدثه أن رسول الله ﷺ قال: من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر. رواه مسلم.
ــ
أي هذه الثلاثة من أولها أو أوسطها أو آخرها متصلة أو منفصلة (لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم) أي لم يكن يهتم للتعيين بل كان يصومها بحسب ما يقتضي رأيه الشريف وبهذا جمع البيهقي بين الأحاديث الأخر المعينة المختلفة التعيين، كحديث ابن مسعود أنه ﷺ كان يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام، وحديث عائشة أنه كان يصوم من الشهر السبت، والأحد، والاثنين-الحديث. وحديث ابن عباس أنه كان لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر، وحديث حفصة كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام الاثنين، والخميس، والاثنين من الجمعة الأخرى. أخرجه أبوداود والنسائي. قال البيهقي: فكل من رآه فعل نوعا ذكره، وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت في حديث الباب. قال بعضهم: ولعله ﷺ لم يواظب على ثلاثة معينة لئلا يظن تعيينها. قال الحافظ: والذي يظهر أن الذي أمر به وحث عليه ووصى به أولى من غيره. وأما هو فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز وكل ذلك في حقه أفضل وتترجح البيض بكونها وسط الشيء أعدله، وسيأتي مزيد الكلام في هذا (رواه مسلم) وأخرجه الترمذي وأبوداود وابن ماجه والبيهقي (ج٢ص٢٩٥) .
٢٠٦٧- قوله: (وعن أبي أيوب الأنصاري أنه حدثه) أي أن أبا أيوب حدث الراوي عنه وهو عمر بن ثابت بن الحارث الأنصاري الخزرجي المدني من ثقات التابعين. قال القاري: وفي نسخة "وعن عمر بن ثابت عن أبي أيوب" الخ، (ثم أتبعه) بهمزة قطع أي جعل عقبه في الصيام (ستا) أي ستة أيام وحذف الهاء لأن اسم العدد إذا لم يذكر مميزه جاز فيه الوجهان كما صرح به النحاة. وإنما يلزم إثبات الهاء في المذكر إذا ذكروه بلفظه وكذا حذفها في المؤنث إذا كان كذلك (من شوال) وهي يصدق على التوالي والتفريق (كان كصيام الدهر) وفي رواية الترمذي فذلك صيام الدهر. ولأبي داود فكأنما صام الدهر يعني إذا صام مدة عمره وإلا ففي أي سنة صام كان كصيام تلك السنة، وفي حديث ثوبان عند ابن ماجه وغيره كان تمام السنة، أي كان صومه تمام السنة إذا الستة بمنزلة شهرين بحساب ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وشهر رمضان بمنزلة عشرة أشهر. وقد جاء ذلك مصرحا عند النسائي من حديث ثوبان ولفظه جعل الله الحسنة بعشر أمثالها، فشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعد الفطر تمام السنة، ولابن خزيمة صيام شهر رمضان بعشرة اشهر، وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة.
стр. 3085
وفي الحديث دليل بين على استحباب صوم ستة أيام من شوال، وهو مذهب الشافعي وأحمد وداود، وبه قال عامة المتأخرين من الحنفية. وقال مالك وأبوحنيفة: يكره صومها. قال في البحر الزائق: ومن المكروه صوم ستة من شوال عند أبي حنيفة متفرقا كان أو متتابعا، وعن أبي يوسف كراهته متتابعاً لا متفرقاً، لكن عامة المتأخرين لم يروا به بأساً-انتهى. وقال ابن الهمام: صوم ست من شوال عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته، وعامة المشائخ لم يروا به بأساً-انتهى. قال السندي: ولعل القائل بالكراهة يؤول هذا الحديث بأن المراد هو كصوم الدهر في الكراهة، فقد جاء لا صيام لمن صام الأبد ونحوه، مما يفيد كراهة صوم الدهر، لكن هذا التأويل مردود بما ورد في صوم ثلاث من كل شهر أنه صوم الدهر ونحوه. والظاهر أن صوم الدهر تحقيقاً مكروه، وما ليس بصوم الدهر إذا ورد فيه أنه صوم الدهر فهو محبوب-انتهى. قلت: واستدل للكراهة بأنه ربما ظن وجوبها. قال ابن الهمام: وجه الكراهة أنه قد يفضى إلى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة-انتهى. وأجيب بأنه لا معنى لهذا التعليل بعد ثبوت النص بذلك وورود السنة الصحيحة الصريحة فيه، وأيضاً يلزم مثل هذا في سائر أنواع الصوم المندوب المرغب فيها ولا قائل به. قال النووي: قولهم قد يظن وجوبهن تقتضي بصوم عرفة وعاشوراء وغيرهما من الصوم المندوب. واستدل مالك بما قال في الموطأ من أنه لم ير أحداً من أهل العلم يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وإن أهل العلم يكرهون ذلك. ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة ثابتة لم يكن تركهم دليلا ترد به السنة. قال النووي: إذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم وما أحسن ما قاله ابن عبد البر أنه لم يبلغ مالكاً هذا الحديث. وقيل: لعله لم يصح هذا الحديث عنده. قال ابن رشد: وهو الأظهر. قلت: الحديث صحيح جداً. قال الشيخ الجزري: حديث أبي أيوب هذا لا يشك في صحته ولا يلتفت إلى كون الترمذي جعله حسناً ولم يصححه (على ما في بعض النسخ) . وقوله في سعد بن سعيد راوية عن عمر بن ثابت، وقد جمع الحافظ أبومحمد عبد المؤمن بن خلف المياطي طرقه، وأسنده عن قريب ثلاثين رجلاً رووه عن سعد بن سعيد أكثرهم ثقات حفاظ، وتابع سعداً في روايته أخواه عبدربه ويحيى وصفوان بن سليم وغيرهم. ورواه أيضاً عن النبي ﷺ أبوهريرة وجابر وثوبان والبراء بن عازب وابن عباس وعائشة ﵃ أجمعين كذا حكاه القاري عن الجزري. ثم نقل تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة عن يارك وسنذكره أيضاً إن شاء الله. واعلم أن أجر صومها يحصل لمن صامها متفرقة أو متوالية، ومن صامها عقب العيد متصلاً أو في أثناء الشهر، وفي جامع الترمذي عن ابن المبارك أنه اختار أن يكون ستة أيام من أول شوال، وقد روى عنه أنه قال إن صام ستة أيام من شوال متفرقا فهو جائز. وقال النووي قال أصحابنا: والأفضل إن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر، فإن فرقها أواخرها عن أوائل الشهر إلى أواخره حصلت فضيلة المتابعة، لأنه يصدق أنه اتبعه ستا من شوال-انتهى.
стр. 3086
٢٠٦٨- (١٣) وعن أبي سعيد الخدري، قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم الفطر والنحر)) . متفق عليه.
ــ
وقال ابن قدامة (ج٣ص١٧٣) لا فرق بين كونها متتابعة أو مفرقة في أول الشهر، أو في آخره لأن الحديث ورد بها مطلقاً من غير تقييد، ولأن فضيلتها لكونها تصير مع الشهر ستة وثلاثين يوما، والحسنة بعشر أمثالها فيكون ذلك كثلاثمائة وستين يوماً وهو السنة كلها، فإذا وجد ذلك في كل سنة صار كصيام الدهر كله، وهذا المعنى يحصل مع التفريق-انتهى. قال في حجة الله: والسِّرٌّ في مشروعيتها أنها بمنزلة السنن الرواتب في الصلاة تكمل فائدتها بالنسبة إلى أمزجة لم تتامّ فائدتها بهم. وإنما خص في بيان فضله التشبه بصوم الدهر، لأن من القواعد المقررة أن الحسنة بعشر أمثالها وبهذه الستة يتم الحساب. تنبيه ادعى بعض الحنفية إن ما روى عن أبي حنيفة من كراهة صوم ستة من شوال هو غير رواية الأصول أو إن مراده بذلك أن يصوم الفطر وخمسة بعده، فأما إذا أفطر يوم العيد ثم صام بعده ستة أيام فليس بمكروه بل هو مستحب وسنة. قال في الدار المختار: الإتباع المكروه، أن يصوم الفطر وخمسة بعده، فلو أفطر الفطر لم يكره بل يستحب ويسن-انتهى. وكذا قال صاحب البدائع. قال ابن عابدين بعد البسط: في نصوص أصحاب الحنفية في عدم الكراهة ما لفظه، وتمام ذلك في رسالة "تحريم الأقوال في صوم الست من شوال" للعلامة قاسم، وقد رد فيها على ما في منظومه التباني وشرحها من عزوة الكراهة مطلقاً إلى أبي حنيفة وأنه الأصح بأنه على غير رواية الأصول وأنه صحح ما لم يسبقه أحد إلى تصحيحه وأنه صحح الضعيف وعمد إلى تعطيل ما فيه الثواب الجزيل بدعوى كاذبة بلا دليل، ثم ساق كثيراً من نصوص كتب المذهب فراجعها-انتهى. وهذا يدل على أن الراجح عند الحنفية على ما ادعاه العلامة قاسم وغيره هو عدم الكراهة بل استحبابه. وما حكى عنهم خلاف ذلك فهو إما مرجوح وخلاف رواية، الأصول أو مؤول بصوم يوم الفطر كما قال صاحب البدائع وصاحب الدار المختار وغيرهما. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وصححه، وأبوداود وابن ماجه والدارمي والبيهقي (ج٤ص٢٩٢) والطبراني، وفي الباب عن ثوبان عند أحمد والنسائي في الكبرى وابن ماجه والدارمي والبزار وابن خزيمة وابن حبان، وعن جابر عند أحمد وعبد بن حميد والبزار والطبراني في الأوسط وعن أبي هريرة عند البزار وأبي نعيم والطبراني، وعن ابن عباس عند الطبراني أيضاً، وعن البراء بن عازب عند الدارقطني، وعن ابن عمر عند الطبراني من أحب الوقوف على ألفاظها وحال أسانيدها رجع إلى التلخيص (ص١٩٩) والترغيب (ج٢ص٢٧) ومجمع الزوائد (ج٣ص١٨٣، ١٨٤) .
٢٠٦٨- قوله: (نهى رسول الله ﷺ ) أي نهي تحريم (عن صوم يوم الفطر) وهو أول يوم من شوال (والنحر) أي وعن صوم يوم النحر. قال الطيبي: هذا الحديث مروي من حيث المعنى والذي يتلوه مروي من حيث اللفظ وما نص عليه.
стр. 3087
قال: ولعل العدول عن قوله نهى عن صوم العيدين إلى ذكر الفطر والنحر للأشعار بأن علة الحرمة هي الوصف بكونه يوم فطر ويوم نحر والصيام ينافيهما-انتهى. قلت: روى مسلم من حديث عمر أنه صلى العيد ثم انصرف فخطب الناس فقال إن هذين يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم والآخر يوم تأكلون فيه نسككم، وفائدة وصنف اليومين على ما قيل: الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما وهو الفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده والآخر لأجل النسك المتقرب يذبحه ليؤكل منه ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك، لأنه يستلزم النحر ويزيد فائدة التنبيه على التعليل. والمراد بالنسك هنا الذبيحة المتقرب بها قطعاً. والحديث دليل على تحريم صوم هذين اليومين، لأن أصل النهي التحريم، وإليه ذهب العلماء كافة. قال ابن قدامة (ج٣ص١٦٣) أجمعه أهل العلم على أن صومي العيدين منهي عنه محرم في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة، ذلك لما روى أبوعبيد مولى ابن أزهر قال شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فجاء فصلى ثم انصرف فخطب الناس. فقال: إن هذين يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم، وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين يوم فطر ويوم أضحى، وعن أبي سعيد مثله متفق عليهما، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وتحريمه-انتهى. وكذا حكى الإجماع على هذا النووي والحافظ والزرقاني والعيني وابن رشد وغيرهم. وههنا مسئلتان اختلف الأئمة فيهما إحداهما أن ينذر صوم الفطر والنحر متعمداً لعينهما. فقال مالك والشافعي: لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاءهما، وإليه ذهب أحمد في الصحيح عنه. قال ابن قدامة. إن قال لله عليَّ صوم يوم العيد فهذا نذر معصية على ناذره الكفارة لا غير، نقلها حنبل عن أحمد وفيه رواية أخرى إن عليه القضاء مع الكفارة، والأولى هي الصحيحة قاله القاضي. لأن هذا نذر معصية فلم يوجب قضاءها كسائر المعاصي وفارق المسألة التي قبلها (وهي المسألة الثانية التي سنذكرها) لأنه لم يقصد بنذره المعصية. وإنما وقع اتفاقا وههنا تعمدها بالنذر فلم ينعقد نذره، ويدخل في قوله ﵊ لا نذر في معصية، ويتخرج إلا يلزمه شيء بناء على نذر المعصية-انتهى. والمسألة الثانية أن ينذر صوم يوم فيوافق العيد. قال النووي: أما الذي نذر صوم يوم الاثنين مثلا فوافق يوم العيد فلا يجوز له صيام يوم العيد بالإجماع، وهل يلزمه قضاءه فيه خلاف للعلماء؟ وفيه للشافعي قولان: أصحهما لا يحب قضاءه، لأن لفظه لم يتناول القضاء. وإنما يجب قضاء الفرائض بأمر جديد على المختار عند الأصولين-انتهى. واختلفت الرواية فيه أيضاً عن مالك. قال العيني قال مالك: لو نذر صوم يوم فوافق يوم فطر أو يوم نحر يقضيه في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه وهو قول الأوزاعي.
стр. 3088
وقال الحافظ: وعن مالك في رواية يقضي إن نوى القضاء وإلا فلا. وقال الأبي في الإكمال: اختلف قول مالك وأصحابه إذا لم يقصد تعيينهما، وإنما نذر نذراً اشتمل عليهما أو نذر يوم يقدم فلان فقدم يوم عيد هل يقضي أو لا يقضي، أو يقضي إلا أن ينوي أن لا يقضي أو لا يقضي إلا أن ينوي أن يقضي-انتهى. وقال في المدونة: قلت لمالك: فرمضان ويوم الفطر وأيام النحر الثلاثة كيف يصنع فيها، وإنما نذر سنة بعينها أعليه قضاء أم ليس عليه قضاءها إذا كانت لا يصلح الصيام فيها؟ فقال أولا لا قضاء عليه إلا أن يكون نوى أن يصومهن قال، ثم سئل عن ذي الحجة من نذر صيامه أترى عليه أن يقضي أيام الذبح؟ فقال: نعم عليه القضاء، إلا أن يكون نوى حين نذر أن لا قضاء عليه-انتهى. وقال ابن قدامة (ج٩ص٢١، ٢٢) من نذر أن يصوم يوم يقدم فلان، فإن نذره صحيح، فإن قدم يوم فطر أو أضحى. فاختلفت الرواية عن أحمد فيه فعنه لا يصومه ويقضي ويكفر، نقله عن أحمد جماعة وهو قول أكثر أصحابنا، ومذهب الحكم وحماد. والرواية الثانية يقضي ولا كفارة عليه وهو قول الحسن والأوزاعي وأبي عبيد وقتادة وأبي ثور وأحد قولي الشافعي، فإنه فاته الصوم الواجب بالنذر فلزمه قضاءه ولم تلزمه كفارة لأن الشرع منعه من صومه فهو كالمكره وعن أحمد رواية ثالثة إن صامه صح صومه، وهو مذهب أبي حنيفة لأنه وفي بما نذر ويتخرج أن يكفر من غير قضاء لأنه وافق يوماً صومه حرام فكان موجبه الكفارة كما لو نذرت المرأة صوم يوم حيضها ويتخرج أن لا يلزمه شيء من كفارة ولا قضاء بناء على من نذر المعصية، وهذا قول مالك والشافعي في أحد قوليه بناء على نذر المعصية-انتهى. وقد ظهر بهذا أن مذهب الحنابلة في هذه المسألة هو انعقاد النذر وصحته، ووجوب القضاء مع الكفارة. وأما أبوحنيفة فذكر العيني (ج١١ص١٠٩، ١١٠) ثلاث روايات عنه. إحداها صحة النذر في المسئلتين ووجوب القضاء، والثانية عدم صحة النذر مطلقاً وعدم وجوب القضاء، وهي رواية أبي يوسف وابن المبارك عنه. والثالثة: إن نذر صوم يوم النحر لا يصح، وإن نذر صوم غد وهو يوم النحر صح وهي رواية الحسن عنه، وظاهر الرواية هي الرواية الأولى أي صحة النذر مطلقاً من غير فرق بين أن يذكر المنهي عنه صريحاً كيوم النحر مثلا أو تبعاً كصوم غد، فإذا هو يوم النحر. قال في الهداية: إذا قال لله عليّ صوم يوم النحر، أفطر وقضى، فهذا النذر صحيح عندنا خلافاً لزفر والشافعي، هما يقولان: أنه نذر بما هو معصية لورود النهي عن صوم هذه الأيام، ولنا أنه نذر بصوم مشروع (لأن الدليل الدال على مشروعية الصوم لا يفصل بين يوم ويوم، فكان من حيث حقيقته حسناً مشروعا والنذر بما هو مشروع جائز) والنهي لغيره وهو ترك إجابة دعوة الله (لأن الناس أضياف الله في هذه الأيام) فيصح نذره لكنه يفطر احترازاً عن المعصية المجاوزة ثم يقضي إسقاطا للواجب وإن صام فيه يخرج عن العهدة مع الحرمة لأنه أداه كما التزمه-انتهى. وقال في الدار المختار: ولو نذر صوم الأيام المنهية أو صوم هذه السنة صح مطلقاً على المختار، وفرقوا النذر والشروع فيها، بأن نفس الشروع معصية، ونفس النذر طاعة فصح-انتهى.
стр. 3089
قال العيني: والأصل عندنا أن النهي لا ينفي مشروعية الأصل وعلى هذا الأصل مشى أصحابنا فيما ذهبوا إليه، ويؤيد هذا ما رواه البخاري عن زياد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: نذر رجل صوم الاثنين فوافق يوم عيد. فقال ابن عمر أمر الله بوفاء النذر، ونهى رسول الله ﷺ عن صوم هذا اليوم. قال ابن عبد الملك: لو كان صومه ممنوعا منه لعينه ما توقف ابن عمر في الفتيا-انتهى. قلت أمر ابن عمر ﵁ في التورع عن بتّ الحكم، ولا سيما عند تعارض الأدلة مشهور، ويحتمل أن يكون ابن عمر أشار إلى قاعدة إن الأمر والنهي إذا التقيا في محل واحداً أيهما يقدم والراجح يقدم النهي، فكأنه قال لا تصم، وقيل: نبه ابن عمر على أن الوفاء بالنذر عام. والمنع من صوم العيد خاص، فكأنه أفهمه أنه يقضي بالخاص على العام. وتعقب هذا بأن النهي عن صوم يوم العيد أيضاً عموم للمخاطبين، ولكل عيد فلا يكون من قضاء الخاص على العام. وقال الداودي: المفهوم من كلام ابن عمر تقديم النهي، لأنه قد روى أمر من نذر أن يمشي في الحج بالركوب، فلو كان يجب الوفاء به لم يأمره بالركوب-انتهى. قال الحافظ: وأصل الخلاف في هذه المسألة أن النهي هل يقتضي صحة المنهي عنه قال الأكثر لا، وعن محمد بن الحسن نعم، واحتج بأنه لا يقال للأعمى لا يبصر، لأنه تحصيل الحاصل. فدل على أن صوم يوم العيد ممكن، وإذا أمكن ثبت الصحة، وأجيب بأن الإمكان المذكور عقلي والنزاع في الشرعي والمنهي عنه شرعاً غير ممكن فعله شرعاً، ومن حجج المانعين أن النفل المطلق إذا نهى عن فعله لم ينعقد، لأن المنهي مطلوب الترك سواء كان للتحريم أو التنزيه، والنفل مطلوب الفعل، فلا يجتمع الضدان، والفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين كالصلاة في الدار المغصوبة (أي على القول بصحتها وإلا فقد ذهب أحمد في أشهر القولين عنه إلى عدم صحتها كما في المغنى (ج٢ص٧٤) وروضة الناظر (ج١ص١٢٧) أن النهي عن الإقامة المغصوبة ليست لذات الصلاة بل للإقامة وطلب الفعل لذات العبادة بخلاف صوم يوم النحر مثلا، فإن النهي فيه لذات الصوم فافترقا-انتهى. وفي آخر كلام الحافظ نظر فتأمل وارجع لبسط الكلام في مسألة النهي إلى كتب الأصول كأصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار، وإلى إرشاد الفحول وغيرهما. والراجح عندي في المسألة الأولى هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد من عدم انعقاد النذر وعدم صحته، لأنه نذر معصية. والنذر إنما يكون في الطاعة دون المعصية فلا ينعقد هذا النذر، ولا يصح، كما لا يصح من الحائض لو نذرت أن تصوم أيام حيضها، ولم يأمر الله تعالى قط بالوفاء بنذر معصية فلا يلزم قضاءه. وقد وقع في رواية لمسلم لا يصلح الصيام في يومين يوم الأضحى ويوم الفطر من رمضان، وهذا كالنص على بطلان صوم العيدين، وإن يومي العيد ليسا بمحل للصوم شرعاً، لأن حقيقة ذلك الخبر، فهو يحمل على حقيقته ما لم يصرف عنها صارف فاقتضي ذلك إخباراً من النبي ﷺ بأن هذين اليومين لا يصلح فيهما الصيام،
стр. 3090
٢٠٦٩- (١٤) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا صوم في يومين الفطر والأضحى)) . متفق عليه.
٢٠٧٠- (١٥) وعن نبيشة الهذلي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيام التشريق، أيام أكل وشرب وذكر الله)) رواه مسلم.
ــ
فلو بقي صائماً مع إيقاعه الإمساك فيهما لكان قد صلح الصيام فيهما من وجه، فثبت بذلك ما وقع من الإمساك ولو بنية الصوم من العبد في اليومين المذكورين فليس بصيام عند الشرع، ليكون مخبره خبراً موجوداً في سائر ما أخبر به، وهذا كله يبطل القول بصحة نذر صوم العيد وأجزاءه لو صام. وأما المسألة الثانية فالأشبه فيهما أن ينعقد نذره ويصح ويجب قضاءه، لأنه نذر نذراً يمكن الوفاء به غالباً ولم يقصد بنذره المعصية. وإنما وقع اتفاقا فينعقد كما لو وافق غير يوم العيد، ولا يجوز أن يصوم يوم العيد لأن الشرع حرم صومه فأشبه زمن الحيض ولزمه القضاء، لأنه نذر منعقد وقد فاته الصيام بالعذر (متفق عليه) واللفظ للبخاري في الصيام، والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود وابن ماجه والبيهقي (ج٤ص٢٩٧) .
٢٠٦٩- قوله: (لا صوم) أي جائز (الفطر والأضحى) بدل أي أنهما غير قابلين للصوم لحرمته فيهما فلا يصح نذر صومهما وكذا حكم أيام التشريق كما سيأتي بيانه، وخصهما بالذكر لكونهما الأصل، وأيام التشريق من توابع الأضحى (متفق عليه) واللفظ للبخاري في الصلاة وفي الحج وفي الصوم، وأخرجه بهذا اللفظ الدارمي.
٢٠٧٠- قوله: (وعن نبيشة) بضم النون وفتح الموحدة بعدها ياء ساكنة فشين معجمة فهاء (الهذلي) بضم الهاء وفتح الذال هو نبيشة بن عبد الله بن عمرو بن عتاب بن الحارث بن نصير بن حصن وقيل: في نسبه غير ذلك. ويقال له: نبيشة الخير، ويكنى أبا طريف صحابي قليل الحديث. قال ابن عبد البر: سكن البصرة، ويقال أنه دخل على النبي ﷺ وعنده أساري فقال يا رسول الله! إما أن تفاديهم وإما أن تمن عليهم، فقال أمرت بخير أنت نبيشة الخير (أيام التشريق) وهي ثلاثة أيم بعد يوم النحر وهذا قول ابن عمر وأكثر العلماء منهم الأئمة الأربعة وأتباعهم. وروى عن ابن عباس وعطاء أنها أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وسماها عطاء أيام التشريق، والأول أظهر. ويدل عليه ما رواه الطحاوي (ج١ص٤٢٩) عن أنس ابن مالك قال نهى رسول الله ﷺ عن صوم أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر، وأخرجه أبويعلى بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن صوم خمسة أيام من السنة يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق.
стр. 3091
وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي تنشر وتبسط في الشمس لتجف. وقيل: لأن الهدى والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس أي تطلع. وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس أول يوم منها فصارت هذه الأيام تبعا ليوم النحر، وهذا يعضد قول من يقول يوم النحر منها. وقيل: التشريق التكبير دبر كل صلاة. (أيام أكل وشرب) وكذا يوم النحر يوم أكل وشرب بل هو الأصل والبقية أتباعه (وذكر الله) بالجر وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣] يعني أنهاكم عن صومها وآمركم بذكر الله فيها صيانة عن التلهي والتشهي كالبهائم. قال الاشرف: وإنما عقب الأكل والشرب بذكر الله لئلا يستغرق العبد في حظوظ نفسه وينسى في هذه الأيام حق الله تعالى-انتهى. وهل يلتحق أيام التشريق بيوم النحر في حرمة الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال الحج، أو يجوز صيامها مطلقاً أو للمتمتع خاصة أوله ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف للعلماء. وقد استدل بحديث نبيشة على النهي عن صوم أيام التشريق، وقد ورد النهي عن ذلك صريحا. من حديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد (ج١ص١٦٩، ١٧٤) والطحاوي (ج١ص٤٢٨) والبزار، وفيه عند أحمد والطحاوي محمد بن أبي حميد المدني وهو ضعيف. ومن حديث يونس بن شداد رواه عبد الله بن أحمد (ج٤ص٧٧) والبزار، وفيه سعيد بن بشير وهو ثقة ولكنه اختلط. ومن حديث حبيبة بنت شريق عند أحمد (ج١ص٩٢) والنسائي والطبراني في الأوسط والطحاوي (ج١ص٤٢٩) ومن حديث أنس وقد تقدم. ومن حديث ابن عباس عند الطبراني في الكبير بإسناد ضعيف. ومن حديث أبي هريرة عند الطحاوي (ج١ص٤٢٨) والبزار، وفي سند البزار عبد الله بن سعيد المقبري وهو ضعيف قاله الهيثمي. ومن حديث معمر بن عبد الله العدوي عند الطحاوي (ج١ص٤٢٩) والطبراني في الكبير. ومن حديث عمرو بن العاص عند أبي داود وابن المنذر والدارمي والبيهقي (ج٤ص٢٩٧) والطحاوي (ج١ص٤٢٨) وابن حزم (ج٧ص٢٨) وصححه ابن خزيمة والحاكم. ومن حديث ابن عمر عند أحمد (ج٢ص٣٩) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. ومن حديث أسامة الهذلي عند الطبراني في الأوسط وسنده ضعيف. ومن حديث عمر بن خلدة الزرقي عن أمه أبي يعلى وعبد بن حميد وإسحاق بن راهويه والطحاوي (ج١ص٤٢٩) وابن أبي شيبة، وفيه موسى بن عبيدة الربذى وهو ضعيف. ومن حديث عقبة بن عامر عند الترمذي وأبي داود والنسائي وابن حبان والحاكم والبزار. ومن حديث مسعود ابن الحكم الزرقي عن أمه عند الطحاوي (ج١ص٤٢٩) ومن حديث أم الحارث بنت عياش عند الطبراني في الكبير بإسناد ضعيف. ومن حديث عبد الله بن حذافة عند الدارقطني والطبراني وفيه الواقدي. ومن حديث مسعود بن الحكم عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عند الطحاوي (ج١ص٤٢٩) وقد ذهب إلى منع الصوم في هذه الأيام وتحريمه مطلقاً جماعة من السلف منهم علي ابن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص والحسن وعطاء وهو قول الشافعي في الجديد وعليه العمل والفتوى عند أصحابه وهو قول الليث بن سعد وابن عليه وأبي حنيفة وابن المنذر وهي رواية عن أحمد.
стр. 3092
وإليه ذهب ابن حزم، وهؤلاء قالوا: لا يجوز صيامها مطلقا، وإنها ليست قابلة للصوم لا للمتمتع الذي لم يجد الهدى ولا لغيره، وجعلوا هذه الأحاديث مخصصة لقوله تعالى: ﴿ثلاثة أيام في الحج﴾ [البقرة: ١٩٦] لأن الآية عامة فيما قبل يوم النحر وما بعده، والأحاديث المذكورة خاصة بأيام التشريق وإن كان فيها عموم بالنظر إلى الحج وغيره، فيرجح خصوصها لكونه مقصوداً بالدلالة على أنها ليست محلا للصوم، وإن ذاتها بإعتبار ما هي غير مؤهلة له كأنها منافية للصوم. وقال الطحاوي بعد أن أخرج أحاديث النهي عن ستة عشر صحابيا: فلما ثبت بهذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ النهي عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمعنى، والحاج مقيمون بها وفيهم المتمتعون والقارنون، ولم يستثن منهم متمتعا ولا قارناً دخل المتمتعون والقارنون في ذلك-انتهى. وذهب جماعة إلى جواز الصيام فيها مطلقاً، وبه قال أبوإسحاق المروزي من الشافعية والأسود بن يزيد. وحكاه ابن عبد البر في التمهيد عن بعض أهل العلم، وحكاه ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة. قال ابن قدامة (ج٣ص٦٤) بعد حكاية هذا القول عن الأسود بن يزيد وابن الزبير وأبي طلحة ما لفظه: والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم نهي رسول الله ﷺ عن صيامها ولو بلغهم لم يعدوه إلى غيره-انتهى. وقيل: يمكن أنهم حملوا النهي على التنزيه. قال الأمير اليماني: وهو قول لا ينهض عليه دليل. وقال الشوكاني: أحاديث الباب جميعها ترد عليه. وذهب إلى منعه إلا للمتمتع الذي لم يجد الهدي ولم يصم الثلاث في أيام العشر وهو قول عائشة وابن عمر وعروة بن الزبير وإسحاق بن راهويه وعبيد بن عمير والزهري، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وأحمد في الرواية المشهورة عنه. قال الزركشي الحنبلي: وهي التي ذهب إليها أحمد أخيراً. قال في المبهج: وهي الصحيحة وهو مختار البخاري فإنه ذكر في باب صيام أيام التشريق حديثي عائشة وابن عمر في جواز ذلك ولم يورد غيره، واستدل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ وبحديث عائشة وابن عمر الآتي وسيأتي الجواب عنه. وذهب آخرون ومنهم الأوزاعي إلى أنه يصومها المتمتع ومن تعذر عليه الهدي من المحصر والقارن لعوم الآية، ولما روى البخاري وغيره عن عائشة وابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، فإنه أفاد أن صوم أيام التشريق جائز رخصة لمن لم يجد الهدي وكان متمتعاً أو قارناً أو محصراً لإطلاق الحديث، بناء على أن الفاعل قوله يرخص المجهول هو رسول الله ﷺ وأنه مرفوع حكماً، وإن لم يضيفاه إلى عهد النبي ﷺ كما قال الحاكم أبوعبد الله في نحوه.
стр. 3093
وقال النووي في شرح المهذب وهو القوي يعني من حيث المعنى وهو ظاهر استعمال كثير من المحدثين، واعتمده الشيخان في صحيحيهما وأكثر منه البخاري. وقال التاج بن السبكي: أنه الأظهر وإليه ذهب الإمام فخر الدين. قلت: وقد ورد التصريح بالفاعل في رواية للدارقطني والطحاوي إلا أن في إسنادها يحيى بن سلام، وقد ضعفه الدارقطني والطحاوي ولفظها عند الدارقطني، رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق، ولم يذكر الطحاوي طريق عائشة ولفظها عنده من رواية ابن عمر، قال: إن رسول الله ﷺ قال في المتمتع: إذا لم يجد الهدي ولم يصم في العشر أنه يصوم أيام التشريق، وهذا كما ترى قد خص المتمتع بذلك فلا يكون حجة لأهل هذا القول وأما الآية وحديث عائشة وابن عمر عند البخاري. فأجاب المانعون عنه مطلقاً بأنا لا نسلم إن أيام التشريق من أيام الحج. ولو سلمنا فهي مخصوصة بأحاديث النهي كما سبق، قال الجصاص: قد ثبت عن النبي ﷺ النهي عن صوم يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق في أخبار متواترة مستفيضة. واتفق الفقهاء على استعمالها وأنه غير جائز لأحد أن يصوم هذه الأيام عن غير صوم المتعة لا من فرض ولا من نفل فلم يجز صومها عن المتعة لعموم النهي عن الجميع. ولما اتفقوا على أنه لا يجوز أن يصوم يوم النحر وهو من أيام الحج للنهي الوارد فيه كذلك لا يجوز الصوم أيام منى ولما لم يجز أن يصومهن عن قضاء رمضان لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة:١٨٤] وكان الحظر المذكور في هذه الأخبار قاضيا على إطلاق الآية موجبا لتخصيص القضاء في غيرها، وجب أن يكون ذلك حكم صوم التمتع وأن يكون قوله تعالى ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ [البقرة: ١٩٦] في غير هذه الأيام قال الجصاص: وأيضا لما قال ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ ولم يكن صوم هذه الأيام في الحج، لأن الحج فائت في هذا الوقت لم يجز أن يصومها فإن قيل لما قال ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ وهذه من أيام الحج وجب أن يجوز صومهن فيها، قيل له: لا يجب ذلك من وجوه، أحدها أن نهي النبي ﷺ عن صوم هذه الأيام قاض عليه ومخصص له كما خص قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ نهيه عن صيام هذه الأيام. والثاني أنه لو كان جائزاً لأنه من أيام الحج لوجب أن يكون صوم يوم النحر أجوز لأنه أخص بأفعال الحج من هذه الأيام. والثالث أن النبي ﷺ خص يوم عرفة بالحج بقوله الحج عرفة فقوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ يقتضي أن يكون آخرها يوم عرفة. والرابع أنه روى أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وروى أنه يوم النحر: وقد اتفقوا أنه لا يصوم يوم النحر مع أنه يوم الحج، فما لم يسم يوم الحج من الأيام المنهي عن صومها أحرى أن لا يصوم فيها، وأيضاً فإن الذي يبقى بعد يوم النحر إنما هو من توابع الحج، وهو رمي الجمار فلا إعتبار به في ذلك فليس هو إذاً من أيام الحج فلا يكون صومها صوماً في الحج-انتهى. قال المانعون: وحديث عائشة وابن عمر موقوف لأنهما لم يضيفاه إلى الزمن النبوي فيكون موقوفاً على ما جزم به ابن الصلاح في نحوه مما لم يضف،
стр. 3094
٢٠٧١- (١٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده)) متفق عليه.
ــ
والمعنى حينئذٍ لم يرخص من له مقام الفتوى، ويؤيد ذلك ما روى عنهما موقوفاً عليهما على سبيل الجزم، وروى أيضاً من فعل أبي بكر وفتيا لعلي ﵁. وقال الطحاوي (ج١ص٤٣٠) قولهما ذلك يجوز أن يكونا عنيا بهذه الرخصة ما قال الله عزوجل في كتابه ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ فعدا أيام التشريق من أيام الحج فقالا: رخص للحاج المتمتع والمحصر في صوم أيام التشريق لهذه الآية، ولأن هذه الأيام عندهما من أيام الحج وخفي عليهما ما كان من توقيف رسول الله ﷺ الناس بعده على أن هذه الأيام ليست بداخلة فيما أباح الله صومه من ذلك-انتهى. هذا وقد جعل الشوكاني القول بجوازه للمتمتع أقوى المذاهب ورجححه أيضاً الحافظ، وذكر شيخنا في شرح الترمذي كلام الشوكاني وسكت عليه. والراجح عندي هو المنع مطلقا، لأحاديث النهي وهي مخصصة للآية، ولم يثبت عن النبي ﷺ الرخصة للمتمتع صريحاً بسند صحيح. وأما حديث ابن عمر وعائشة عند البخاري ففي كونه مرفوعا كلام والله تعالى أعلم (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص٧٥، ٧٦) والنسائي في الكبرى والطحاوي (ج١ص٤٢٨) والبيهقي (ج٤ص٢٩٧) وفي الباب عن جماعة من الصحابة غير من تقدم ذكرهم منهم عليّ عند أحمد (ج١ص٧٦) والطحاوي وبشر بن سحم عند النسائي والطحاوي والبيهقي وابن حزم وعبد الله بن عمر وعند البزار، وزيد بن خالد عند أبي يعلى وكعب بن مالك عند أحمد، ومسلم وحمزة ابن عمر والأسلمي عند الطبراني، وعائشة عند الطحاوي وأم الفضل عند الطحاوي، وقد بسط العيني والطحاوي والحافظ في التلخيص (ص١٩١) والهيثمي طرق هذه الأحاديث.
٢٠٧١- قوله: (لا يصوم) كذا في جميع النسخ، وهكذا وقع في المصابيح وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٧ص٢٣٧) عن مسلم بلفظ النفي: والمراد به النهي والذي في صحيح مسلم لا يصم بلفظ النهي وكذا نقله الحافظ في الفتح والبيهقي في السنن (ج٤ص٣٠٢) ولفظ البخاري لا يصوم. قال الحافظ: كذا للأكثر وهو بلفظ النفي والمراد به النهي، وفي رواية الكشميهني لا يصومن بلفظ النهي المؤكد (أحدكم يوم الجمعة) أي مفرداً (إلا أن يصوم قبله) أي يوماً (أو يصوم بعده) أي يوماً كما في رواية النسائي وللبخاري إلا يوماً قبله أو بعده، أي إلا أن يصوم يوماً قبله، أو يصوم يوماً بعده، وللإسماعيلي إلا أن تصوموا يوماً قبله أو بعده و"أو" لمنع الخلو، والمعنى انه يكفي صوم أحدهما ولو صامهما جاز أيضاً والحديث دليل على تحريم النفل بصوم يوم الجمعة منفرداً، وعلى جواز صوم يومها لمن صام قبله أو بعده، فلو أفرده بالصوم وجب فطره كما يفيده،
стр. 3095
ما أخرجه أحمد وأبوداود من حديث جويرية أن النبي ﷺ دخل عليها في يوم جمعة وهي صائمة. فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: تصومين غدا؟ قالت: لا، قال: فأفطري، والأصل في الأمر الوجوب، والرواية تدل على جواز صومه لمن اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض، أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة أو، له عادة بصوم يوم وفطر يوم فوافق صومه يوم الجمعة. واختلف الأئمة في إفراد يوم الجمعة بالصيام فذهب ابن حزم إلى تحريمه لظواهر الأحاديث الواردة في النهي عن تخصيصه بالصوم، ونقله أبوالطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية وكأنه أخذه من قول ابن المنذر ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد أفراده بالصوم، فهذا يشعر بأنه يرى بتحريمه. ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر. قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفاً من الصحابة. وذهب الجمهور ومنهم الشافعي وأحمد وأبويوسف وبعض الحنفية إلى أن النهي فيها للتنزيه. وقال مالك وأبوحنيفة ومحمد: بالإباحة مطلقاً من غير كراهة، ذكره العيني وابن قدامة والحافظ وابن الهمام. قال مالك: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه، ومن يقتدي به نهي عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه. قال النووي: السنة مقدمة على ما رآه مالك وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة فيتعين القول به، ومالك معذور. فإنه لم يبلغه، قال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكاً هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه-انتهى. قلت: ونص فروع المالكية كالشرح الكبير للدردير وغيره أنه يندب إفراد يوم الجمعة بالصوم، وبه قال عامة الحنفية. وقال بعضهم: بالكراهة كما في البدايع والنهر والبحر والدر المختار وحاشية رد المختار. قال عبد الوهاب المالكي: يوم الجمعة يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده، وردّ بأن هذا قياس فاسد الإعتبار لأنه منصوب في مقابلة النصوص الصحيحة. قال الحافظ والمشهور عند الشافعية وجهان أحدهما ونقله المزني عن الشافعي أنه لا يكره إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصلاة والدعاء والذكر. قلت: وإليه ذهب البيهقي والماوردي وابن الصباغ والعمراني. والثاني وهو الذي صححه المتأخرون كقول الجمهور. قلت: وبه جزم الرافعي والنووي في الروضة. وقال في شرح مسلم: أنه قال به جمهور أصحاب الشافعي وممن صححه من المالكية ابن العربي إذ قال وبكراهته بقول الشافعي وهو الصحيح. واستدل لمن قال بندبه عما سيأتي من حديث ابن مسعود، وفيه قلما كان يفطر يوم الجمعة، وبما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عمر قال: ما رأيت رسول الله ﷺ مفطراً يوم الجمعة قط.
стр. 3096
وبما رواه أيضاً من حديث ابن عباس قال: ما رأيته مفطراً يوم جمعة قط، وفي سندهما ليث بن أبي سليم. وقد تقدم الكلام فيه. وأما حديث ابن مسعود فقال الحافظ في الفتح: ليس فيه حجة، لأنه يحتمل أن يريد كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها ولا يضاد ذلك كراهة أفراده بالصوم، جمعاً بين الحديثين. وقال في التلخيص (ص١٩٩) قال ابن عبد البر: لا مخالفة بينه وبين أحاديث النهي، فإنه محمول على أنه كان يصله بيوم الخميس. وقال العيني: لا دلالة في حديث ابن مسعود وما في معناه أنه ﷺ صام يوم الجمعة وحده فنهيه عن صوم يوم الجمعة في أحاديث النهي يدل على أن صومه يوم الجمعة لم يكن في يوم الجمعة وحده بل إنما كان بيوم قبله أو بيوم بعده، وذلك لأنه لا يجوز أن يحمل فعله على مخالفة أمره إلا بنص صحيح صريح فحينئذٍ يكون نسخا أو تخصيصاً وكل واحد منهما منتف-انتهى. وقال ابن القيم يتعين حمل حديث ابن مسعود إن كان صحيحا على صومه مع ما قبله أو بعده. قلت وأرجح الأقوال عندي: قول من ذهب إلى تحريم إفراد يوم الجمعة بالصيام لما قد صح النهي عنه، والأصل في النهي التحريم والله تعالى أعلم. واختلف في وجه تحريم تخصيصه بالصوم. قال الشاه ولي الله: السر فيه. أي في النهي عن شيئان، أحدهما سد التعمق، لأن الشارع لما خصه أي من بين الأيام بطاعات وبين فضله، كان مظنة أن يتعمق المتعمقون فيلحقون بها صوم ذلك اليوم أي ابتداعا من عند أنفسهم فمنعوا سد اللباب. قال وثانيهما تحقيق معنى العيد فإن العيد يشعر بالفرح واستيفاء اللذة، والسر في جعله عيدا أن يتصور عندهم أنها من الاجتماعات التي يرغبون فيها من طبائعهم من غير قسر-انتهى. وقال الحافظ: اختلف في سبب النهي عن إفراده على أقوال أحدها لكونه يوم عيد، والعيد لا يصام ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: إن هذا يوم جعله الله عيدا، وروى النسائي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا صيام يوم عيد. واستشكل التعليل بذلك بوقوع الإذن من الشارع بصومه مع غيره. وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم. ثانيها لئلا يضعف عن إقامة وظائف الجمعة من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها وهذا اختاره النووي. وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه. وأجاب بأنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب صومه قال الحافظ: وفيه نظر فإن الجبر لا ينحصر في الصوم، بل يحصل بجميع أفعال الخير فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرا كثيرا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده كمن اعتق فيه رقبة مثلا ولا قائل بذلك، وأيضاً فكان النهي يختص بمن يخشى عليه الضعف، لا من يتحقق القوة ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المئنة كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يشق عليه.
стр. 3097
٢٠٧٢- (١٧) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)) رواه مسلم.
ــ
ثالثها خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت قال الحافظ: وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام، وأيضا فاليهود لا يعظمون السبت بالصيام فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتحتم صومه، لأنهم يصومونه، وقد روى النسائي وأبوداود وصححه ابن حبان من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ كان يصوم من الأيام السبت والأحد وكان يقول أنهما يوماً عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم. رابعها خوف اعتقاد وجوبه. قال الحافظ: وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس وسيأتي ذكر ما ورد فيهما. خامسها خشية أن يفرض عليهم كما خشي ﷺ من قيامهم الليل ذلك. قال المهلب: وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره، وبأنه لو كان كذلك لجاز بعده ﷺ لارتفاع السبب. سادسها مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه، ونحن مأمورون بمخالفتهم. قال الحافظ: وهو ضعيف ولم يبين وجه الضعف قال. وأقوى الأقوال وأولاها بالصواب أولها، وورد فيه صريحاً حديثان، أحدهما رواه أحمد (ج٢ص٢٠٣) وابن خزيمة والبخاري في التاريخ الكبير والبزار والحاكم (ج١ص٤٣٧) من طريق عامر بن لدين عن أبي هريرة مرفوعا يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده. والثاني رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن عليَّ قال من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم الخميس، ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر-انتهى. (متفق عليه) واللفظ لمسلم وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي في الكبرى وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم (ج١ص٤٣٧) والبيهقي (ج٤ص٣٠٢) وفي الباب عن جابر عند الشيخين والنسائي وابن ماجه وعن ابن عباس عند أحمد وعن بشير بن الخصاصية عند أحمد والطبراني وعن جنادة الأزدي عند أحمد والنسائي والحاكم، وعن أبي الدرداء عند النسائي والطبراني وعن عبد الله بن عمرو، عند النسائي وعن جويرية عند أحمد والبخاري وأبي داود.
٢٠٧٢- قوله: (لا تختصوا) من الاختصاص (ليلة الجمعة) "ليلة" منصوب على أنه مفعول به. قال الطيبي: الاختصاص لازم ومتعد، وفي الحديث متعد. قال المالكي: المشهور في اختص أن يكون موافقاً لخص في التعدي إلى مفعول وبذلك جاء قوله تعالى: ﴿يختص برحمته من يشاء﴾ [البقرة: ١٠٥] وقول عمر بن عبد العزيز ولا يختص قوما، وقد يكون اختص مطاوع خص فلا يتعدى كقولك خصصتك بالشيء فاختصصت به-انتهى.
стр. 3098
٢٠٧٣- (١٨) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صام يوماً في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)) متفق عليه.
ــ
(بقيام) قال ابن حجر: أي بصلاة والظاهر أن القيام أعم في المعنى المراد (من بين الليالي) فيه دليل على تحريم تخصيص ليلة الجمعة بعبادة بصلاة وتلاوة غير معتادة إلا ما ورد به النص الصحيح كقراءة سورة الكهف، فإنه ورد تخصيص ليلة الجمعة بقراءتها، وقد دل هذا بعمومه على عدم مشروعية صلاة الرغائب في أول ليلة الجمعة من رجب. قال النووي: في هذا الحديث النهي الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي، وهذا متفق على كراهته، واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب قاتل الله واضعها ومخترعها فإنها بدعة منكرة، من البدع التي هي ضلالة وجهالة، وفيها منكرات ظاهرة. وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفسية في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلالة قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن تحصر-انتهى. (ولا تختصوا) كذا في جميع النسخ وهكذا في المصابيح والمنتقى للمجد بن تيمية والسنن للبيهقي، والذي في صحيح مسلم ولا تخصوا. قال النووي: هكذا وقع في الأصول "لا تختصوا ليلة الجمعة ولا تخصوا يوم الجمعة" بإثبات تاء في الأول بين الخاء والصاد وبحذفها في الثاني وهما صحيحان-انتهى. وذكره المنذري في الترغيب والجزري في جامع الأصول (ج٧ص٢٣٧) والحافظ في الفتح: وفي بلوغ المرام بحذف التاء في الموضعين (يوم الجمعة) مفعول به كقوله ويوم شهدناه (بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم) تقديره إلا أن يكون يوم الجمعة واقعا في يوم صوم (يصومه أحدكم) أي من نذر أو ورد وعادة، والظاهر أن الاستثناء من ليلة الجمعة كذلك، ولعل ترك ذكره للمقايسة قاله القاري. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً النسائي والبيهقي (ج٤ص٣٠٢) .
٢٠٧٣- قوله: (من صام يوماً في سبيل الله) قال في النهاية: سبيل الله عام يقع على كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه-انتهى. قيل: المراد به ههنا مجرد إخلاص النية أي من صام يوماً ابتغاء لوجه الله تعالى، وذلك لئلا يعارض أولوية الفطر في الجهاد عن الصوم لأنه يضعف عن اللقاء وقيل: المراد به الغزو والجهاد أي من صام يوماً حال كونه غازياً. قلت: والثاني هو المتبادر، ويؤيده ما في فوائد أبي الطاهر الذهلي من طريق عبد الله بن عبد العزيز الليثي عن المقبري عن أبي هريرة بلفظ: ما من مرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يوماً في سبيل الله-الحديث.
стр. 3099
وحينئذٍ فالأولوية المذكورة محمولة على من يضعفه الصوم عن الجهاد. أما من لم يضعفه فالصوم في حقه أفضل لأنه يجمع بين الفضيلتين. قال ابن دقيق العيد: العرف الأكثر استعماله في الجهاد، فإن حمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين. قال: ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت، والمراد من صام قاصداً وجه الله، والأول أقرب، ولا يعارض ذلك أن الفطر في الجهاد أولى، لأن الصائم يضعف عن اللقاء، لأن الفضل المذكور محمول على من لم يخش ضعفا، ولا سيما من اعتاد به فصار ذلك من الأمور النسبية فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين (بعد الله) بتشديد العين هذا لفظ البخاري وفي مسلم باعد أي من المباعدة (وجهه) أي ذاته كلها (عن النار سبعين خريفاً) أي مقدار مسافة سبعين عاماً يعني أنها مسافة لا تقع إلا بسير سبعين عاماً، وهو كناية عن حصول البعد العظيم. قال في النهاية: الخريف الزمان المعروف ما بين الصيف والشتاء، ويراد به السنة، لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى الخريف انقضى السنة. قال الطيبي: وإنما خص بالذكر دون سائر الفصول لأنه زمان بلوغ حصول الثمار وحصاد الزرع وسعة العيش. وقال الحافظ: الخريف، زمان معلوم من السنة، والمراد به هنا العام وتخصيص الخريف بالذكر دون بقية الفصول الصيف والشتاء والربيع، لأن الخريف أزكى الفصول لكونه يجنى فيه الثمار-انتهى. وعند أبي يعلى من طريق زبان بن فائد عن معاذ بن أنس بعد من النار مائة عام سير المضمر الجواد، وعند الطبراني في الكبير والأوسط بإسناد لا بأس به عن عمرو بن عبسة بعدت منه النار مسيرة مائة عام، ورواه في الكبير من حديث أبي أمامة إلا أنه قال فيه بعد الله وجهه عن النار مسيرة مائة عام ركض الفرس الجواد المضمر، ورواه النسائي من حديث عقبة لم يقل فيه ركض الفرس إلى آخره وفي كامل ابن عدي عن أنس تباعدت منه جهنم خمسمائة عام، وفي حديث أبي أمامة عند الترمذي جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض. وفي حديث سلامة بن قيصر عند الطبراني في الكبير كبعد غراب طار، وهو فرخ حتى مات هرما. قيل: ظاهر هذه الأحاديث التعارض، وأجيب بأن الاعتماد على رواية سبعين فإنها أصح الروايات لاتفاق الشيخين عليها فما في الصحيح أولى، أو أن الله تعالى أعلم نبيه ﷺ بالأدنى ثم بما بعده على التدريج أو أن ذلك بحسب إختلاف أحوال الصائمين في كمال الصوم ونقصانه، أو ورد ذكر السبعين لإرادة التكثير أو المراد بالتبعيد كما قال النووي وغيره المعافاة عن النار وسلامته من عذابها، لا البعد بهذه المسافة. وفي الحديث دلالة على فضيلة الصوم في الجهاد ما لم يضعف بسببه عن قتال عدوه وكأن فضيلة ذلك لأنه جمع بين جهاد نفسه في طعامه وشرابه وشهوته وجهاد عدوه (متفق عليه) واللفظ للبخاري أخرجه في الجهاد وأخرجه مسلم في الصوم، وفي رواية له ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في الجهاد والنسائي وابن ماجه والبيهقي في الصوم.
стр. 3100
٢٠٧٤- (١٩) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا عبد الله! ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت: بلى يا رسول الله! قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، لا صام من صام الدهر،
ــ
٢٠٧٤- قوله: (ألم أخبر) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة مبنياً للمفعول، وهمزة "ألم" للاستفهام ولكنه خرج عن الاستفهام الحقيقي، فمعنا هنا حمل المخاطب على الإقرار بأمر قد استقر عنده ثبوته والذي أخبره هو والده عمرو بن العاص كما يدل عليه رواية البخاري في فضائل القرآن (إنك تصوم النهار) أي ولا تفطر، وفي رواية تصوم الدهر (وتقوم الليل) أي جميعه ولا تنام وفي رواية وتقرأ القرآن كل ليلة (فقلت: بلى يا رسول الله!) زاد مسلم ولم أرد بذلك إلا الخير، وفي رواية للبخاري أخبر رسول الله ﷺ إني أقول، والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ماعشت، وللنسائي من طريق أبي سلمة. قال: قال لي عبد الله بن عمرو: يا ابن أخي، إني قد كنت أجمعت على أن أجتهد إجتهاداً شديداً حتى قلت: لأصومن الدهر ولأقرأن القرآن في كل ليلة (قال فلا تفعل) زاد في رواية للبخاري، فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين (أي غارت ودخلت في نقرتها من الضعف) ونفهت له النفس (أي أعيت وتعبت وكلت) وزاد في رواية ابن خزيمة إن لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك. (صم) أي في بعض الأيام (وأفطر) بهمزة قطع أي في بعضها (وقم ونم) بفتح النون أي أجمع بين القيام والنوم في الليل (فإن لجسدك عليك حقاً) بأن ترعاه وترفق به ولا تضره حتى تقعد عن القيام بالفرائض ونحوها، وقد ذم الله قوماً أكثروا من العبادة، ثم تركوا بقوله: ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ إلى قوله: ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ [الحديد:٢٧] (وإن لعينك) بالأفراد، وفي رواية لعينيك بالتثنية (عليك حقاً) في الموطأ فإذا سرد الزوج الصوم ووالى قيام الليل ضعف عن حقها أي فلا ينبغي لأحد أن يجهد بنفسه في العبادة حتى يضعف عن القيام بحقها من جماع واكتساب (وإن لزورك) بفتح الزاي وسكون الواو أي لضيفك، والزور في الأصل مصدر وضع موضع الإسم، كصوم في موضع صائم، ونوم في موضع نائم، وعدل في موضع عادل، والواحد والاثنان والثلاثة والمذكورة والمؤنث في ذلك بلفظ واحد: يقول هذا رجل زور، ورجلان زور، وقوم زور، وامرأة زور، ويحتمل أن يكون زور، جمع زائر، كركب جمع راكب، وتجر جمع تاجر (عليك حقاً) أي في البسط والمؤانسة وغيرهما فيفطر لأجله إيناساً له وبسطاً،
стр. 3101
صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله. صم كل شهر ثلاثة أيام، واقرأ القرآن في كل شهر.
ــ
وفيه إن رب المنزل إذا نزل به ضعيف يفطر لأجله. وقال القاري: أي وتعجز بالصيام والقيام عن حسن معاشرته، والقيام بخدمته ومجالسته إما لضعف البدن أو لقوة سوء الخلق-انتهى. وزاد مسلم "وإن لولدك عليك حقاً" أي ومن حق الأولاد الرفق بهم والانفاق عليهم وشبه ذلك من التأديب والتعليم، وزاد النسائي وإنه عسى أن يطول بك عمر، وفيه إشارة إلى ما وقع لعبد الله بن عمرو بعد ذلك من الكبر والضعف والعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول الله ﷺ . قال ابن دقيق العيد: كره جماعة قيام كل الليل لرد النبي ﷺ ذلك على من أراده، ولما يتعلق به من الاجحاف بوظائف عديدة وفعله جماعة من المتعبدين من السلف وغيرهم، ولعلهم حملوا الرد على طلب الرفق بالخلق لا غير، وهذا الاستدلال على الكراهة بالرد المذكور عليه سؤال هو أنه يقال إن الرد لمجموع أمرين، وهو صيام النهار وقيام الليل، فلا يلزمه ترتبه على أحدهما-انتهى. وقال النووي: نهيه ﷺ عن صلاة الليل كله هو على إطلاقه غير مختص بعبد الله بن عمرو بل قال أصحابنا: يكره صلاة كل الليل دائماً لكل أحد، لأن صلاة الليل كله لا بد فيها من الإضرار بنفسه وتفويت بعض الحقوق، فإنه إن لم ينم بالنهار فهو ضرر ظاهر، وإن نام نوماً ينجبره سهره وفوت بعض الحقوق بخلاف من يصلي بعض الليل، فإنه يستغنى بنوم باقيه، وإن نام معه شيئاً في النهار كان يسيراً لا يفوت به حق، وكذا من قام ليلة كاملة كليلة العيد أو غيرها لا دائماً لا كراهة فيه لعدم الضرر والله أعلم (لا صام من صام الدهر) يحتمل أن يكون خبرا وأن يكون دعاء كما مر، والأول هو الأظهر وقد تقدم البسط في مسألة صوم الدهر في شرح حديث أبي قتادة (صوم ثلاثة أيام من كل شهر) مبتدأ خبره (صوم الدهر) لأن الحسنة بعشر أمثالها (كله) بالجر تأكيد للدهر، وفيه دليل على استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. واختلف في تعيينها من الشهر اختلافاً في تعيين الأحب والأفضل لا غير، وليس في الحديث ما يدل على شيء من ذلك (صم) أي أنت بالخصوص ومن هو في المعنى مثلك، وبهذا يندفع توهم التكرار المستفاد مما قبله قاله القاري. قلت: وقع في رواية بعد قوله "صم وأفطر وقم ونم" صم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، وهذا يدل أيضاً على هذا ما وقع في رواية أخرى بعد قوله "وإن لزورك عليك حقاً" وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإذا ذلك صيام الدهر كله (كل شهر) منصوب بنزع الخافض أي من كل شهر (ثلاثة أيام) ظرف قيل هي أيام البيض وقيل غير ذلك (واقرأ القرآن) أي جميعه (في كل شهر) أي مرة
стр. 3102
قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم، أفضل الصوم صوم داود: صيام يوم، وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة، ولا ترد على ذلك)) متفق عليه.
ــ
(إني أطيق أكثر من ذلك) أي مما ذكر صيام الثلاثة وختم الشهر (قال: صم أفضل الصوم صوم داود) نصبه على البدل أو البيان أو بتقدير أعنى، ويجوز رفعه دون جره لفساد المعنى (صيام يوم وإفطار يوم) برفعهما على أنهما خبر مبتدأ محذوف هو هو. قال القاري: وفي نسخة بالنصب، وهو ظاهر، وزاد في رواية "ولا تزد عليه " وفي أخرى "قلت إني أطيق أفضل من ذلك" فقال النبي ﷺ لا أفضل من ذلك. وفي الرواية المذكورة هنا اختصار فإن للبخاري في الأدب "فصم من كل جمعة ثلاثة أيام" وفي رواية له. في الصوم "فصم يوماً وأفطر يومين" وفي أخرى له أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام. قلت: يا رسول الله! قال خمساً. قلت: يا رسول الله! قال سبعا. ً قلت: يا رسول الله! قال تسعاً. قلت: يا رسول الله! قال: إحدى عشرة. وفي رواية لمسلم "صم يوماً" يعني من كل عشر أيام ولك أجر ما بقي. قال: إني أطيق أكثر من ذلك قال صم يومين ولك أجر ما بقي. قال: إني أطيق أكثر من ذلك قال صم ثلاثة أيام ولك أجر ما بقي. قال إني أطيق أكثر من ذلك قال صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي. قال إني أطيق أكثر من ذلك قال صم صوم داود. وهذا يقتضى أنه ﷺ أمره بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ثم بستة ثم بتسعة ثم باثني عشر ثم بخمسة عشر فالظاهر من مجموع الروايات الواردة في الباب أنه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كل شهر فلما قال أنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج إلى أنه وصله إلى خمسة عشر يوماً فذكر بعض الرواة عنه ما لم يذكر الآخر، ويدل على ذلك رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمر وعند أبي داود فلم يزل يناقصني وأناقصه. ووقع للنسائي في رواية محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة صم الاثنين والخميس من كل جمعة وهو فرد من أفراد ما تقدم ذكره. وقد استشكل قوله "صم من كل عشرة أيام ولك أجر ما بقي" مع قوله "صم من كل عشرة أيام يومين ولك أجر ما بقي" الخ. لأنه يقتضى الزيادة في العمل والنقص في الأجر وبذلك ترجم له النسائي وأجيب بأن المراد لك أجر ما بقي بالنسبة إلى التضعيف قال عياض قال بعضهم معنى "صم يوماً ولك أجر ما بقي" أي من العشرة وقوله صم يومين ولك أجر ما بقي" أي من العشرين وفي الثلاثة ما بقي من الشهر وحمله على ذلك استبعاد كثرة العمل وقلة الأجر. وتعقبه عياض بأن الأجر إنما اتحد في كل ذلك لأنه كان نيته أن يصوم جميع الشهر فلما منعه ﷺ من ذلك إبقاء عليه لما ذكر بقي أجر نيته على حاله، سواء صام منه قليلاً أو كثيراً كما تأولوه في حديث نية المؤمن خير من عمله أي إن أجره في نيته أكثر من أجر عمله لامتداد نيته بما لا يقدر على عمله-انتهى. والحديث المذكور ضعيف، وهو في مسند الشهاب والتأويل المذكور لا بأس به. ويحتمل أيضاً إجراء الحديث على ظاهره، والسبب فيه إنه كلما ازداد من الصوم إزداد من المشقة الحاصلة بسببه المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات التي قد يفوتها مشقة الصوم فينقص الأجر بإعتبار ذلك على أن قوله في نفس الخبر
стр. 3103
"صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي" يرد الحمل الأول فإنه يلزم منه على سياق التأويل المذكور أن يكون التقدير ولك أجر أربعين. وقد قيده في نفس الحديث بالشهر، والشهر لا يكون أربعين. وكذلك قوله في رواية أخرى للنسائي بلفظ: صم من كل عشرة أيام يوماً ولك أجر تلك التسعة ثم قال فيه من كل تسعة أيام يوماً ولك أجر تلك الثمانية، ثم قال من كل ثمانية أيام يوماً ولك أجر السبعة، فلم يزل حتى قال صم يوماً وأفطر يوماً. وله من طريق آخر بلفظ: صم يوماً ولك أجر عشرة. قلت: زدني قال صم يومين لك أجر تسعة. قلت: زدني قال صم ثلاثة ولك أجر ثمانية، فهذا يدفع في صدر ذلك التأويل الأول كذا في الفتح (واقرأ) أي كل القرآن. قال القسطلاني: أي ما نزل منه إذ ذاك وما سينزل (في كل سبع ليال مرة) أي مرة من الختم (ولا تزد على ذلك) أي على ما ذكر من الصوم والختم، أو المراد لا تزد على ما ذكر من السبع. قال الحافظ: أي لا تغير الحال المذكورة إلى حالة أخرى فأطلق الزيادة، والمراد النقص والزيادة هنا بطريق التدلى أي لا تقرأه في أقل من سبع، ولمسلم قال اقرأ القرآن في كل شهر قال، قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في كل عشرين. قال قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في كل عشر، قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في سبع. ولا تزد على ذلك. ولأبي داود والترمذي والنسائي من طريق وهب بن منبه عن عبد الله بن عمرو. أنه سأل رسول الله ﷺ في كم يقرأ القرآن قال: في أربعين يوماً، ثم قال: في شهر ثم قال: في عشرين، ثم قال: في خمس عشرة، ثم قال: في عشرة، ثم قال: في سبع، ثم لم ينزل عن سبع. قال الحافظ: وهذا إن كان محفوظاً احتمل في الجمع بينه وبين رواية أبي فروة الآتية تعدد القصة، فلا مانع أن يتعدد قول النبي ﷺ لعبد الله بن عمر، وفي ذلك تأكيداً، ويؤيده الاختلاف الواقع في السياق. وفي مسند الدارمي من طريق أبي فروة عروة بن الحارث الجهني عن عبد الله بن عمرو قال قلت يا رسول الله! في كم أختم القرآن. قال: أختمه في شهر، قلت: إني أطيق قال أختمه في خمس وعشرين، قلت: إني أطيق قال أختمه في عشرين، قلت: إني أطيق قال أختمه في خمس عشرة، قلت: إني أطيق قال أختمه في خمس، قلت: إني أطيق قال لا. وفي رواية هشيم عن مغيرة وحصين عن مجاهد عن عبد الله بن عمر. وعند أحمد (ج٢:ص١٥٨) قال فأقرأه في كل شهر قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال فأقرأه في كل عشرة أيام، قلت إني أجدني أقوى من ذلك، قال أحدهما إما حصين وإما مغيرة. وقال فأقرأه في كل ثلاث. وفي رواية للبخاري في الصوم قال إقرأ القرآن في كل شهر، قال أي عبد الله إني مصححاً من طريق يزيد ابن عبد الله بن الشخير عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً، لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث. ولفظ ابن ماجه لم يفقه الخ. قال السندي: إخبار بأنه لا يحصل الفهم والفقه المقصود من قراءة القرآن فيما دون ثلاث أو دعاء بأن لا يعطيه الله تعالى الفهم،
стр. 3104
وعلى التقديرين فظاهر الحديث كراهة الختم فيما دون ثلاث-انتهى. وعند سعيد بن منصور بإسناد صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود إقرؤا القرآن في سبع ولا تقرؤه في أقل من ثلاث، ولأبي عبيد في فضائل القرآن من طريق عمرة عن عائشة أن النبي ﷺ كان لا يختم القرآن في أقل من ثلاث، وهذا اختيار أحمد كما في المغني (ج٢:ص١٧٤) وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه، وثبت عن كثير من السلف إنهم قرأوا القرآن في دون ذلك. قال الحافظ: وكأن النهى عن الزيادة ليس على التحريم كما أن الأمر في جميع ما مر في الحديث ليس للوجوب، وعرف ذلك من قرائن الحال التي أرشد إليها السياق، وهو النظر إلى عجزه عن سوى ذلك في الحال أو في المآل. وأغرب بعض الظاهرية فقال: يحرم أن يقرأ القرآن. في أقل من ثلاث. وقال النووي: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة. قال والاختيار إن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبير، واستخراج المعاني. وكذا من كان له شغل بالعلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرؤه هذرمة. قلت: والراجح عندنا هو ما ذهب إليه أحمد أنه يكره أن يقرأه في اقل من ثلاث لما مر من حديث يزيد بن عبد الله بن الشخير عن عبد الله بن عمرو، عند أبي داود والترمذي، ومن حديث ابن مسعود عند سعيد بن منصور ومن حديث عائشة عند أبي عبيده فهذه الأحاديث ظاهرة في التقدير والتحديد، فالصواب أن يتوقف عندها ولا يلتفت إلى ما يخالف ظاهرها من أقوال العلماء وعملهم والله تعالى أعلم. تنبيه المراد بالقرآن في حديث الباب جميعه ولا يرد على هذا أن القصة وقعت قبل موت النبي ﷺ بمدة، وذلك قل أن ينزل بعض القرآن الذي تأخر نزوله، لأنا نقول سلمنا ذلك لكن العبرة بما دل عليه الإطلاق، وهو الذي فهم الصحابي فكان يقول ليتني لو قبلت الرخصة، ولا شك أنه بعد النبي ﷺ كان قد أضاف الذي نزل آخراً إلى ما نزل أولاً فالمراد بالقرآن جميع ما كان نزل إذ ذاك وهو معظمه، ووقعت الإشارة إلى أن ما نزل بعد ذلك يوزع بقسطه قاله الحافظ: (متفق عليه) أخرجه البخاري في التهجد والصوم والأنبياء وفضائل القرآن والنكاح والأدب والاستيذان، ومسلم في الصوم بألفاظ متقاربة، والسياق المذكور ههنا ليس لأحد منهما ولا لغيرهما ممن خرجه من الأئمة كما لا يخفى على من نظر في طرق هذا الحديث وألفاظه. وأخرجه أحمد اثنتين وعشرين مرة مطولاً ومختصراً، وأبوداود والنسائي والبيهقي في الصوم، وقد أطال النسائي في تخريجه طرقه، قال الحافظ في الفتح: رواه جماعة من الكوفيين والبصريين والشاميين عن عبد الله بن عمرو مطولاً ومختصراً. فمنهم من اقتصر على قصة الصلاة، ومنهم من اقتصر على قصة الصيام، ومنهم من ساق القصة كلها، ولم أره من رواية أحد من المصريين عنه مع كثرة روايتهم عنه.
стр. 3105
﴿الفصل الثاني﴾
٢٠٧٥- (٢٠) عن عائشة، قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم الاثنين والخميس)) رواه الترمذي، والنسائي.
٢٠٧٦- (٢١) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)) رواه الترمذي.
ــ
٢٠٧٥- قوله: (كان رسول الله ﷺ يصوم الاثنين) قال المناوي: بكسر النون على أن إعرابه بالحرف وهو القياس من حيث العربية، قال القسطلاني: وهي الرواية المعتبرة ويجوز فتح النون على أن لفظ المثنى علم لذلك اليوم فأعرب بالحركة لا بالحرف (والخميس) بالنصب، وهذا لفظ النسائي في رواية وله في أخرى كان يتحرى صيام الاثنين والخميس، وهكذا وقع عند الترمذي وابن ماجه أي يقصد صومهما، ويراهما أحرى وأولى. وزاد في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه كما سيأتي في الفصل الثالث فقيل يا رسول الله! إنك تصوم الاثنين والخميس فقال إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا مهتجرين يقول دعهما حتى يصطلحا-انتهى. وسيأتي التعليل بأنه يعرض فيهما الأعمال فكأنه يغفر للمسلمين حين يعرض عليه أعمالهم (رواه الترمذي) وحسنه (والنسائي) وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان وصححه وأعله ابن القطان بالراوي عن عائشة وهو ربيعة الجرشي وأنه مجهول. قال الحافظ في التلخيص (ص١٩٩) قد أخطأ في ذلك فهو صحابي وفي الباب عن حفصة عند أبي داود وعن أبي هريرة وأم سلمة وسيأتيان. وعن أسامة بن زيد عند أحمد وأبي داود والنسائي وعن واثلة وعبد الله بن مسعود وأبي رافع روى الثلاثة الطبراني في الكبيرة والأول فيه محمد بن عبد الرحمن القشيري وهو متروك، وفي الثاني أبوبلال الأشعري وهو ضعيف، والثالث فيه الحماني وفي كلام.
٢٠٧٦- قوله: (تعرض الأعمال) أي على الله تعالى (يوم الاثنين والخميس) بالجر أي تعرضها الملائكة عليه فيهما. قال الحليمي: يحتمل أن ملائكته الأعمال يتناوبون فيقيم فريق من الاثنين إلى الخميس فيعرج، وفريق من الخميس إلى الاثنين، فيعرج كلما عرج فريق قرأ ما كتب في موضعه من السماء فيكون ذلك عرضاً في الصورة وأما للباري في نفسه فغنى عن نسخهم وعرضهم وهو أعلم باكتساب عبادة منهم. وقال البيجوري: وحكمة العرض أن الله تعالى يباهي بالطائعين الملائكة،
стр. 3106
٢٠٧٧- (٢٢) وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أبا ذر! إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاثة عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة)) رواه الترمذي، والنسائي.
ــ
وإلا فهو غني عن العرض لأنه أعلم بعبادة من الملائكة (فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) أي طلباً لزيادة رفع الدرجات. قال في اللمعات: لعله إنما اختار الصوم لفضله، ولأنه لا يدري في أية ساعة تعرض، والصوم يستوعب النهار، ولأنه يجتمع مع الأعمال الأخر بخلاف ماعداه من الأعمال-انتهى. قال ابن الملك: وهذا لا ينافي قوله ﵇ يرفع عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل للفرق بين الرفع والعرض، لأن الأعمال تجمع في الأسبوع، وتعرض في هذين اليومين. وفي حديث مسلم تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل مؤمن إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا. قال ابن حجر: ولا ينافي هذا رفعها في شعبان فقال إنه شهر ترفع فيه الأعمال، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم لجواز رفع أعمال الأسبوع مفصلة وأعمال العام مجملة، كذا في المرقاة. قلت: حديث رفع الأعمال في شعبان، أخرجه النسائي من حديث أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله! لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم (رواه الترمذي) وحسنه، وأورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه، وأخرجه أيضاً أحمد والدارمي ولابن ماجه معناه كما تقدم.
٢٠٧٧- قوله: (إذا صمت) أي أردت الصوم (من الشهر ثلاثة أيام) هذا الفظ الترمذي، وللنسائي إذا صمت شيئاً من الشهر (فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) هي أيام الليالي البيض، ففي رواية للنسائي أمرنا رسول الله ﷺ أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. وفيه دليل على استحباب صوم أيام البيض وهي الثلاثة المعينة في الحديث. وقد وقع الاتفاق بين العلماء على أنه يستحب أن تكون الثلاث المذكورة في وسط الشهر، كما حكاه النووي: واختلفوا في تعيينها، فذهب الجمهور إلى أنها ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر. وقيل هي الثاني عشر. والثالث عشر. والرابع عشر. وحديث أبي ذر هذا وما في معناه يرد ذلك قيل: الحكمة في صوم أيام الليالي البيض أي المقمرة إنه لما عم النور لياليها ناسب أن تعم العبادة نهارها. وقيل الحكمة في ذلك إن الكسوف يكون فيها غالباً، ولا يكون في غيرها وقد أمرنا بالتقرب إلى الله تعالى، بأعمال البر عند الكسوف (رواه الترمذي) وحسنه (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد وابن حبان وصححه والبيهقي (ج٤:ص٢٩٤) وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد والنسائي وابن حبان،
стр. 3107
٢٠٧٨- (٢٣) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((كان رسول الله ﷺ يصوم غرة كل شهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة)) . رواه الترمذي. والنسائي. ورواه أبوداود إلى ثلاثة أيام.
٢٠٧٩- (٢٤) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ : يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين. ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس)) . رواه الترمذي.
ــ
قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ بأرنب قد شواها: فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الأعرابي فقال: ما منعك أن تأكل فقال إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، قال: إن كنت صائماً فصم الغر، أي البيض الليالي بوجود القمر طول الليل. قال الحافظ: وفي بعض طرقه عند النسائي إن كنت صائماً ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. وفي الباب أيضاً عن قتادة بن ملحان عند أبي داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي بلفظ: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة. وقال: هي كهيئة الدهر. وعن جرير عند النسائي والبيهقي عن النبي ﷺ قال صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر أيام البيض صبيحة، ثلاث عشرة وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال الحافظ: إسناده صحيح.
٢٠٧٨- قوله: (كان رسول الله ﷺ يصوم من غرة كل شهر) بضم الغين المعجمة. قال العراقي: يحتمل أن يراد بغرة الشهر أوله وأن يراد بها الأيام الغر، وهي البيض. كذا في قوت المغتذي. وقال في القاموس الغرة من الشهر ليلة استهلال القمر، يعني أول الشهر (ثلاثة أيام) قيل لا منافاة بين هذا الحديث وحديث عائشة وهو أنه لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم لأن هذا الراوي وجد المر على ذلك في غالب ما اطلع عليه من أحوال النبي ﷺ فحدث بما كان يعرف من ذلك، وعائشة ﵂ اطلعت من ذلك على مالم يطلع عليه الراوي فحدثت بما علمت، فلا تنافي بين الأمرين كذا ذكره القاري. (وقلما كان يفطر يوم الجمعة) أي قل إفطاره يوم الجمعة بل كان كثيراً ما يصومه، وهذا محمول على أنه كان يصومه منضما إلى ما قبله أو إلى ما بعده لا أنه يصومه وحده فلا ينافي ما تقدم من النهي عن أفراده بالصيام، وقد سبق البسط فيه (رواه الترمذي والنسائي) أي تمام الحديث، وكذا أخرجه أحمد (ج١ص٤٠٦) والبيهقي (ج٤ص٢٩٤) وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن عبد البر وابن حزم (ج٧ص٢١) وحسنه الترمذي (ورواه أبوداود إلى ثلاثة أيام) وروى ابن ماجه صوم الجمعة فقط أي قوله قلما رأيته يفطر يوم الجمعة.
٢٠٧٩- قوله: (يصوم من الشهر) أي من أحد الشهور (السبت والأحد والاثنين) بكسر النون وفتحها بناء على أن أعرابه بالحرف أو الحركة (ومن الشهر الآخر الثلاثاء) بفتح المثلثة وبضم (والأربعاء) بكسر الموحدة ويفتح ويضم وكلاهما ممدود (والخميس)
стр. 3108
٢٠٨٠- (٢٥) وعن أم سلمة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أولها الاثنين والخميس)) . رواه أبوداود والنسائي.
ــ
قال الحافظ: وكان الغرض به أن يستوعب غالباً أيام الأسبوع بالصيام-انتهى. وقال القاري: مراعاة للعدالة بين الأيام فلنها أيام الله تعالى، ولا ينبغي هجران بعضها لانتفاعنا بكلها. قال الطيبي: وقد ذكر الجمعة في الحديث السابق فكان يستوفي أيام الأسبوع بالصيام. قال ابن الملك: أراد ﵊ أن يبين سنة صوم جميع الأسبوع، وإنما لم يصم ﷺ الستة متوالية كيلا يشق على الأمة الإقتداء به رحمة لهم وشفقة عليهم (رواه الترمذي) من طريق سفيان عن منصور عن خيثمة عن عائشة وقال هذا حديث حسن، ورواه عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: وروى موقوفاً وهو أشبه.
٢٠٨٠- قوله: (أولها) بالرفع (الاثنين) الظاهر الاثنان بالألف لكونه خبراً، فقيل في توجيهه إن الاثنين صار علما، والأعلام لا تتغير عن أصل وضعها بإختلاف العوامل فأعرب بالحركة برفع النون لا بالحرف أو إن التقدير أولها يوم الاثنين، فحذف المضاف وأبقى المضاف إليه على حاله على قراءة، وأسأل القرية وإن كانت شاذة. وقال الطيبي: أولها منصوب لكن بفعل مضمر أي اجعل أولها الاثنين والخميس يعني و"الواو" بمعنى "أو" وعليه ظاهر كلام الشيخ التوربشتي حيث قال صوابه أو الخميس، والمعنى أنها تجعل أول الأيام الثلاثة الاثنين أو الخميس، وذلك لأن الشهر إما أن يكون افتتاحه من الأسبوع في القسم الذي بعد الخميس، ففتح صومها في شهرها ذلك بالاثنين وإما أن يكون بالقسم الذي بعد الاثنين ففتح صوم شهرها ذلك بالخميس، وكذلك وجدت الحديث فيما يرويه من كتاب الطبراني كذا ذكره القاري: وقيل أولها بدل من كل شهر بحذف الجر أي يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر من أولها، ولفظ الاثنين والخميس بدل من ثلاثة أيام أي أصوم ثلاثة أيام الاثنين والخميس من أول كل شهر، واللفظ المذكور لأبي داود، وكذا نقله عنه الجزري في جامع الأصول (ج٧ص٢١٢) وهو ساكت عن تعيين اليوم الثالث، ولفظ النسائي كان يأمر بصيام ثلاثة أول خميس والاثنين والاثنين، ورواه البيهقي (ج٤ص٢٩٥) بلفظ: كان يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من الشهر الاثنين والخميس والخميس، ويؤيد رواية النسائي في تكرار الاثنين، ما رواه أحمد (ج٦ص٢٨٧- ٢٨٨) والنسائي والبيهقي (ج٤ص٢٩٥) من حديث حفصة أن النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر يوم الاثنين ويوم الخميس ويوم الاثنين من الجمعة الأخرى.
стр. 3109
٢٠٨١- (٢٦) وعن مسلم القرشي، قال: ((سألت – أو سئل – رسول الله ﷺ عن صيام الدهر فقال: إن لأهلك عليك حقا، صم رمضان والذي يليه،
ــ
وما رواه النسائي من حديث أم سلمة قالت كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام الاثنين، والخميس من هذه الجمعة، والاثنين من المقبلة، ويؤيد رواية البيهقي ما رواه أحمد (ج٦ص٢٨٨، ٤٢٣) والنسائي عن بعض أزواج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يصوم تسعة من ذي الحجة، ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر وخميسين، وما رواه النسائي من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر يوم الاثنين. من أول الشهر، والخميس الذي يليه، ثم الخميس الذي يليه. قال السندي في حاشية النسائي: حديث أم سلمة يدل على أنه كان يأمر بتكرار الاثنين، وقد سبق من فعله أنه كان يكرر الخميس فدل المجموع على أن المطلوب إيقاع صيام الثلاثة في هذين اليومين. إما بتكرار الخميس أو بتكرار الاثنين والوجهان جائزان-انتهى. قلت: وقد ورد ما يدل على أن اليوم الثالث من الأيام الثلاثة هو يوم الجمعة لا الاثنان أو الخميس، فروى أحمد (ج٦ص٢٨٩، ٣١٠) عن أم سلمة قالت كان النبي ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الاثنين والجمعة والخميس، فهذا يخالف ما تقدم من تكرار الاثنين أو الخميس، ومدار حديث أم سلمة عند أحمد، وكذا النسائي وأبي داود والبيهقي على والدة هنيدة بن خالد الخزاعي، أو امرأته وكلتاهما مجهولة (رواه أبوداود والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد، والبيهقي على اختلاف فيه، كلهم من طريق هنيدة بن الخزاعي عن أمه عن أم سلمة، وقد سكت عنه أبوداود والمنذري. وقال الهيثمي (ج٣ص١٩٣) بعد ذكر الحديث من مسند الإمام أحمد. قلت: رواه النسائي خلا والجمعة، وأم هنيدة لم أعرفها-انتهى.
٢٠٨١- قوله: (وعن مسلم القرشي) بضم القاف وفتح الراء نسبة إلى قريش. قال الحافظ في الإصابة: (ج٣ص٤١٥- ٤١٦) مسلم بن عبيد الله القرشي. وقيل: عبيد الله بن مسلم. وقيل: إنه مسلم بن مسلم حديثه في صيام الدهر يدور على هارون بن سلمان الفراء. أخرجه أبوداود والترمذي من طريق عبيد الله بن موسى عن هارون عن عبيد الله بن مسلم القرشي عن أبيه قال: سألت أو سئل النبي ﷺ عن صيام الدهر-الحديث. وأخرجه النسائي عن أحمد بن يحيى عن أبي نعيم عن هارون به، وعن إبراهيم بن يعقوب عن أبي نعيم عن هارون عن مسلم عن أبيه كذا قال، وأشار الترمذي إلى هذه الرواية فقال، وروى بعضهم عن هارون به،
стр. 3110
وكل أربعاء وخميس، فإذا أنت قد صمت الدهر كله)) . رواه أبوداود، والترمذي.
٢٠٨٢- (٢٧) وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. رواه أبوداود.
ــ
وقد وافق زيد بن الحباب عبيد الله بن موسى. وأخرجه النسائي من طريقه وصوب غير واحد إن اسم الصحابي مسلم. وقال البغوي: سكن الكوفة-انتهى. وقال ابن عبد البر في الإستيعاب: مسلم بن عبيد الله القرشي، وليس بوالد ريطة بنت مسلم الأزدي، ولا أدري من أي قريش هو، واختلف فيه فقيل مسلم بن عبيد الله. وقيل: عبيد الله بن مسلم. ومن قال عبيد الله عندي احفظ له حديث واحد في صوم رمضان والذي يليه الخ. وقد قيل إن الصحبة لأبيه عبيد الله القرشي. (فقال إن لأهلك عليك حقاً) أي وصوم الدهر يضعف عن أداء حق الأهل، وفيه إشعار بأن صوم الدهر من شأنه أن يفتر الهمة عن القيام بحقوق الله وحقوق عباده فلذاكره (صم رمضان والذي يليه) قيل أراد الست من شوال، وقيل أراد به شعبان. (وكل أربعاء) بالمد وعدم الانصراف (وخميس) بالجر والتنوين أي من كل جمعة (فإذا) بالتنوين (أنت قد صمت الدهر) قال الطيبي: "الفاء" جزاء شرط محذوف أي إن فعلت ما قلت لك فقد صمت، وإذن جواب جيء لتأكيد الربط (كله) قال القاري: لعل هذا الحديث متقدم على ما سبق من حصول صوم الدهر بثلاثة من كل شهر، لأنه ﵊ كان يخبر أولاً بالجزا القليل ثم بالثواب الجزيل إعظاماً للمنة عليه وعلى الأمة، وإلا فيقارب مقتضي هذا الحديث أن يصير صوم الدهر مرتين حكما-انتهى. وذلك لأن صوم رمضان وست مما يليه من شوال يساوي صوم الدهر كما تقدم في حديث أبي أيوب وكذلك كل أربعاء وخميس بل هذا يزيد على صوم الدهر، فإن الشهر لا يخلو عن أربعة أربعاء وأربعة خميس، فإذا صام أربعة أربعاء وأربعة خميس فقد صام في الشهر ثمانية أيام فإذا ساوى صوم ثلاثة أيام صوم جميع الشهر فيزيد صوم ثمانية أيام على صوم الشهر فتدبر (رواه أبوداود) وسكت عليه (والترمذي) وقال حديث غريب، ولم يحكم عليه بشيء من الحسن والصحة. وقال المنذري في الترغيب: رواته ثقات وقال العزيزي: إسناده صحيح.
٢٠٨٢- قوله: (نهى) نهي تحريم أو تنزيه (عن صوم يوم عرفة بعرفة) أي في عرفات، وأما في غيرها فمندوب كما سبق في حديث أبي قتادة. قال الأمير اليماني: الحديث ظاهر في تحريم صوم عرفة بعرفة، وإليه ذهب يحيى بن سعيد الأنصاري. وقال يجب إفطاره على الحاج. وقيل: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء، ونقل عن الشافعي واختاره الخطابي، والجمهور على أنه يستحب إفطاره،
стр. 3111
٢٠٨٣- (٢٨) وعن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم،
ــ
وأما هو ﷺ فقد صح أنه كان يوم عرفة بعرفة مفطراً في حجته كما تقدم، ولكن لا يدل تركه الصوم على تحريمه، نعم يدل لأن الإفطار هو الأفضل لأنه ﷺ لا يفعل إلا الأفضل إلا أنه قد يفعل المفضول لبيان الجواز، فيكون في حقه أفضل لما فيه من التشريع والتبليغ بالفعل، ولكن الأظهر التحريم لأنه أصل النهي-انتهى. وقد سبق بسط الكلام في هذه المسألة في شرح حديث أم الفضل (رواه أبوداود) وكذا أحمد (ج٢ص٣٠٤) والنسائي في الكبرى وابن ماجه وابن خزيمة والبخاري في التأريخ الكبير (ج٤ص٤٢٤) والحافظ المزي في تهذيب الكلام (ج١ص٣٧٩) والحاكم (ج١ص٤٣٤) والبيهقي (ج٤ص٢٨٤) كلهم من طريق حوشب بن عقيل عن مهدي الهجري عن عكرمة عن أبي هريرة وقد سكت عنه أبوداود وصححه ابن خزيمة. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي واستنكره العقيلي لأن مهدياً الهجري مجهول، ورواه العقيلي في الضعفاء من طريقه، وقال لا يتابع عليه. قال المناري: قول الحاكم على شرط البخاري مردود، فإن مهدياً الهجري ليس من رجال البخاري ولا مسلم. وقال المنذري: في إسناده مهدي الهجري. قال ابن معين: لا أعرفه. وقال العقيلي: لا يصح عن النبي ﷺ النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة. قال الحافظ في التلخيص (ص١٩٩) : قد صححه ابن خزيمة، ووثق مهديا المذكور ابن حبان وترجمة البخاري في التأريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكرا فيه جرحا.
٢٠٨٢- قوله: (وعن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة هو عبد الله بن بسر أبوبسر المازني ويقال أبوصفوان صحابي صغير ولأبويه وأخويه عطية والصماء صحبة سكن حمص، وروى عن النبي ﷺ وعن أبيه إن كان محفوظا وأخته الصماء. وقيل: عمته. وقيل: خالته مات بالشام. وقيل: بحمص، منها سنة ثمان وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة. وقال أبوالقاسم بن سعد: مات سنة ست وتسعين وهو ابن مائة سنة، وكذا ذكره أبونعيم في معرفة الصحابة، وساق في ترجمته حديث وضع النبي ﷺ يده على رأسه، فقال يعيش هذا الغلام قرنا فعاش مائة سنة. (عن أخته الصماء) بالصاد المهملة المفتوحة والميم المشددة وبالمد، وهي بنت بسر المازنية واسمها بهية بضم الموحدة وفتح الهاء وتشديد المثناة التحتية. وقيل: اسمها بهيمة بزيادة الميم. قال الحافظ: هي أخت عبد الله بن بسر. وقيل: عمته. وقيل: خالته روت عن النبي ﷺ . وقيل: عن عائشة عنه في النهي عن صوم يوم السبت وعنها عبد الله بن بسر وأبوزيادة عبيد الله بن زياد، ورجح دحيم الأول. قال أبوزرعة: قال لي دحيم أهل بيت أربعة صحبوا النبي ﷺ بسر وابناه عبد الله وعطية وأختهما الصماء (لا تصوموا يوم السبت) أي وحده (إلا فيما افترض عليكم) بصيغة المجهول.
стр. 3112
فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبه، أو عود شجرة فليمضغه. رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي.
ــ
قال المنذري في الترغيب: هذا النهي إنما هو عن إفراده بالصوم لما تقدم من حديث أبي هريرة، لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، فجاز إذاً صومه. قال الطيبي: قالوا النهي عن الإفراد كما في الجمعة، والمقصود مخالفة اليهود فيهما، والنهي فيهما للتنزيه عند الجمهور، وما افترض يتناول المكتوب والمنذور وقضاء الفوائت وصوم الكفارة، وفي معناه ما وافق سنة مؤكدة كعرفة وعاشوراء أو وافق وردا، وزاد ابن الملك وعشر ذي الحجة أو في خير الصيام صيام داود، فإن المنهي عنه شدة الاهتمام والعناية به حتى كأنه يراه واجبا كما تفعله اليهود. وقال القاري: فعلى هذا يكون النهي للتحريم، وأما على غير هذا الوجه فهو للتنزيه بمجرد المشابهة (إلا لحاء عنبه) بكسر اللام بعدها حاء مهملة ممدوداً قشر الشجر، والعنبة بكسر المهملة وفتح النون هي الحبة من العنب الفاكهة المعروفة، والمراد قشر حبة واحدة من العنب (أو عود شجرة) عطف على لحاء (فليمضغه) قال في القاموس: مضغه كمنعه ونصره لاكه بأسنانه وهذا تأكيد بالإفطار لنفي الصوم، وإلا فشرط الصوم النية فإذا لم توجد لم يوجد ولو لم يأكل (رواه أحمد) (ج٦ص٣٦٨) (وأبو داود والترمذي) الخ. وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم (ج١ص٤٣٥) والطبراني والبيهقي (ج٤ص٣٠٢) وحسنه الترمذي وصححه ابن السكن وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري. وقال النووي: صححه الأئمة. وقال الحافظ في بلوغ المرام: رجاله ثقات إلا أنه مضطرب، وقد أنكره مالك. وقال أبوداود: هو منسوخ-انتهى. قلت: أما الاضطراب فلأنه روى كما ذكره المصنف، وروى عن عبد الله بن بسر عن النبي ﷺ وليس فيه عن أخته الصماء، وهذه رواية ابن حبان، وهكذا وقع في رواية لابن ماجه. قال الحافظ في التلخيص (ص٢٠٠) وليست هذه بعلة قادحة فإنه أيضاً صحابي. وقيل: عنه عن أبيه بسر عن النبي ﷺ . وقيل: عنه عن الصماء عن عائشة عن النبي ﷺ . قال النسائي: هذا حديث مضطرب. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون عند عبد الله عن أبيه وعن أخته بواسطة، وهذه طريقة من صححه. ورجح عبد الحق الرواية الأولى وتبع في ذلك الدارقطني لكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد مع اتحاد المخرج يوهن راوية وينبئ لقلة ضبطه إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه وليس الأمر هنا كذا، بل اختلف فيه على الراوي عن عبد الله بن بسر أيضاً، وأما إنكار مالك له فإنه قال أبوداود عن مالك أنه قال هذا حديث كذب-انتهى.
стр. 3113
٢٠٨٤- (٢٩) وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً، كما بين السماء والأرض)) . رواه الترمذي.
ــ
روى أبوداود عن الأوزاعي أنه قال ما زلت لحديث عبد الله بن بسر كاتماً حتى رأيته انتشر، وروى عن الزهري أنه كان إذا ذكر له قال هذا حديث حمصي إلى أنه ضعيف. وقول مالك المذكور أصرح في ذلك وأبلغ. وأما قول أبي داود أنه منسوخ فلعله أراد ما سيأتي في الفصل الثالث من حديث أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام-الحديث، فالنهي عن صومه كان أول الأمر حيث كان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب، ثم كان آخر أمره ﷺ مخالفتهم كما صرح به حديث أم سلمة نفسه. وقيل بل النهي كان عن إفراده بالصوم إلا إذا صام ما قبله أو ما بعده كما تقدم عن المنذري والطيبي. قال الشوكاني: وقد جمع صاحب البدر المنير بين هذه الأحاديث يعني حديث الصماء وحديث أم سلمة وحديث عائشة السابق في صومه ﷺ في السبت والأحد بأن النهي متوجه إلى الإفراد، والصوم بإعتبار انضمام ما قبله أو بعده إليه، ويؤيد هذا ما تقدم من إذنه ﷺ لمن صام الجمعة أن يصوم السبت بعدها، والجمع مهما أمكن أولى من النسخ-انتهى.
٢٠٨٤- قوله: (جعل الله بينه وبين النار خندقاً) الخندق، بوزن جعفر، حفير حول أسوار المدن، وحول الحصون معرب كندة (كما بين السماء والأرض) أي مسيرة خمسمائة عام. قال الطيبي: استعارة تمثيلية الحاجز المانع شبه الصوم بالحصن وجعل له خندقاً حاجزاً بينه وبين النار التي شبهت بالعدو، ثم شبه الخندق في بعد غوره بما بين السماء والأرض، (رواه الترمذي) في فضائل الجهاد من رواية الوليد بن جميل عن القاسم عن أبي أمامة وقال هذا حديث غريب: ونقله المنذري في الترغيب عن الترمذي وسكت عنه. قال ورواه الطبراني إلا أنه قال من صام يوماً في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار مسيرة عام، ركض الفرس الجواد المضمر. وقد ذهب طوائف من العلماء إلى أن هذه الأحاديث جاءت في فضل الصوم في الجهاد، وبوب على هذه الترمذي وغيره، وذهبت طائفة إلى أن كل الصوم في سبيل الله إذا كان خالصاً لوجه الله تعالى-انتهى. قلت: والراجح عندنا هو القول الأول، وقد تقدم البسط في ذلك وحديث أبي أمامة هذا رواه الطبراني في الأوسط والصغير من حديث أبي الدرداء قال المنذري والهيثمي (ج٣ص١٩٤) إسناده حسن ورواه في الأوسط من حديث جابر. قال الهيثمي: وفيه عيسى بن سليمان الجرجاني وهو ضعيف.
стр. 3114
٢٠٨٥- (٣٠) وعن عامر بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الغنيمة البادرة الصوم في الشتاء)) رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث مرسل. وذكر حديث أبي هريرة: ما من أيام إلى الله في "باب الأضحية".
ــ
٢٠٨٥- قوله: (وعن عامر بن مسعود) أي ابن أمية بن خلف الجُمّحى مختلف في صحبته ذكره المؤلف وابن مندة وابن عبد البر في الصحابة. وقال الدوري: عن ابن معين له صحبة. وقال أبوداود: سمعت مصعباً يقول: له صحبة كان عاملا لابن الزبير على الكوفة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: يروي المراسيل، ومن زعم أن له صحبة بلا دلالة فقد وهم. وقال أبوزرعة: هو من التابعين. وقال ابن السكن: ويعقوب بن سفيان: ليست له صحبة. وقال الترمذي في جامعه: حديثه مرسل، لأنه لم يدرك النبي ﷺ . وقال في العلل الكبير قال البخاري: لا صحبة له ولا سماع من النبي ﷺ . وقال أحمد: ما أرى له صحبة، وسأله أبوداود أله صحبة؟ فقال لا أدري كذا ذكره الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٥ص٨١) وفي القسم الأول من حرف العين من الإصابة (ج٢ص٢٦٠) وقال في القسم الأول من حرف الميم في ترجمة والده مسعود بن أمية بن خلف، قتل أبوه أميه يوم بدر، ولولده عامر بن مسعود رواية عن النبي ﷺ والأكثرون قالوا: إن حديثه مرسل فتكون الصحبة لأبيه وكان من مسلمة الفتح أو مات على كفره قبيل الفتح، وولد له عامر قبل الفتح بقليل، فلذلك لم يثبت له صحبة السماع من النبي ﷺ ، وإن كان معدوداً في الصحابة لأن له رؤية-انتهى. (الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء) لوجود الثواب بلا تعب كثير و"في الفائق" الغنيمة الباردة التي تجيء عفواً من غير أن يصطلي دونها بنار الحرب ويباشر حر القتال في البلاء. وقيل: هي الهيئة الطيبة مأخوذة من العيش البارد، والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب والهنأة أن الماء والهواء لما كان طيبهما يبردهما خصوصاً في البلاد الحارة. قيل: ماء بارد، وهواء بارد، على طريق الاستطابة، ثم كثر حتى قيل عيش بارد وغنيمة باردة وبرد أمرنا. قال التوربشتي: الغنيمة الباردة، هي التي يحوزها صاحبها عفواً صفواً لا يمسه فيها نصب، والمعنى أن الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش، أو يصيبه لذعة الجوع. وإنما قال الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء، ولم يقل الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة، تنبيهاً على معنى الاختصاص أي يبلغ الصوم في هذا المعنى مالا يبلغ غيره. وقال الطيبي: التركيب من قلب التشبيه لأنه الأصل الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة، وفيه من المبالغة أن يلحق الناقص بالكامل كما يقال زيد كالأسد فإذا عكس. وقيل: الأسد كزيد يجعل الأصل كالفرع، والفرع كأصل يبلغ التشبيه إلى الدرجة القصوى في المبالغة، والمعنى أن الصائم يحوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش أو يصيبه ألم الجوع من طول اليوم-انتهى. قلت: السياق المذكور للترمذي، ورواه أحمد والبيهقي وغيرهما بلفظ: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة، وكذا وقع في حديث أنس عند الطبراني، وفي حديث جابر عند ابن عدي وغيره كما في الجامع الصغير (رواه أحمد) (ج٤ص٣٣٥)
стр. 3115
﴿الفصل الثالث﴾
٢٠٨٦- (٣١) عن ابن عباس، ((أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما هذا اليوم الذي تصومونه فقالوا: هذا يوم عظيم: أنجى الله فيه موسى وقومه،
ــ
(والترمذي) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٤ص٢٩٦) وأبويعلى والطبراني في الكبير كلهم من طريق سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن نمير بن عريب عن عامر بن مسعود (وقال هذا حديث مرسل) وكذا قال البيهقي وابن حبان وابن السكن وغيرهم، لأن عامر بن مسعود لم يدرك النبي ﷺ كما سبق، وفي الباب عن أنس عند الطبراني في الأوسط وابن عدي والبيهقي في شعب الإيمان وعن جابر عند ابن عدي والبيهقي في الشعب، وعن أبي سعيد عند البيهقي في السنن (ج٤ص٢٩٧) الشتاء ربيع المؤمن قصر نهاره فصام وطال ليلة فقام، واقتصر أحمد على قوله الشتاء ربيع المؤمن (وذكر حديث أبي هريرة ما من أيام أحب إلى الله) تمامه أن يتعبد فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر (في باب الأضحية) لبيان فضيلة العمل في عشر ذي الحجة. قال القاري: إن كان مراده إن صاحب المصابيح ذكره في باب الأضحية، وإنه أسقطه لتكراره فهذا اعتذار حسن منه، إلا أنه كان الأولى أن يعكس الأمر فيه، وإن كان مراده إنه حق لأنه أولى بذلك الباب فلا يخفى أنه غير صواب-انتهى. قلت: ذكر البغوي حديث أبي هريرة هذا في باب الأضحية، وفي باب صيام التطوع، فأسقطه المصنف ههنا لتكراره، لكن كان الأولى أن يسقطه في باب الأضحية لأنه أنسب وأولى بباب الصيام.
٢٠٨٦- قوله: (قدم المدينة) أي بعد الهجرة من مكة (فوجد اليهود) أي في السنة الثانية. لأن قدومه في الأولى كان بعد عاشوراء في ربيع الأول (صياماً) أي ذوي صيام أو صائمين (يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله ﷺ ما هذا اليوم الذي تصومونه) أي ما سبب صومه وقد استشكل ظاهر الخبر لاقتضائه أنه ﷺ حين قدومه المدينة وجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، وإنما قدم المدينة في ربيع الأول وأجيب بأن المراد إن أول علمه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة، أو يكون في الكلام حذف، وتقديره قدم النبي ﷺ المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء فوجد اليهود فيه صياماً، ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية،
стр. 3116
وغرق فرعون وقومه. فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ : فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه)) متفق عليه.
ــ
فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه النبي ﷺ المدينة لكن لما أمر النبي ﷺ المسلمين بصيام عاشوراء رده إلى حكم شرعه، وهو الاعتبار بالأشهر الهلالية والسنين القمرية فأخذ أهل الإسلام بذلك (هذا يوم عظيم) أي وقع فيه أمور عظيمة توجب تعظيم مثل ذلك اليوم (وغرق) بالتشديد (فرعون وقومه) بالنصب فيهما. قال الطيبي: غرقه وأغرقه بمعنى، وفي نسخة أغرق، وفي أخرى بكسر الراء المخففة ورفع المنصوبين (فصامه موسى شكراً) لله تعالى (فنحن نصومه) أي شكراً أيضاً أو متابعة لموسى، وللبخاري في الهجرة، ونحن نصومه تعظيماً. وزاد أحمد (ج٢ص٣٦٠) من حديث أبي هريرة وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكراً (فنحن) أي إذا كان الأمر كذلك فنحن (أحق وأولى بموسى) أي بمتابعته (منكم) فإنا موافقون له في أصول الدين ومصدقون لكتابه، وأنتم مخالفون لها بالتغيير والتحريف. قال السندي: قوله "أحق بموسى منكم" يدل على أنه قصد موافقة موسى لقوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] لا موافقة اليهود حتى يقال اللائق مخالفتهم وكأنه لهذا عزم في آخر الأمر على ضم اليوم التاسع إلى يوم عاشوراء تحقيقاً لمخالفة. وقال الطيبي: وافقهم في صوم يوم عاشوراء مع أن مخالفتهم مطلوبة، والجواب عنه أن المخالفة مطلوبة فيما أخطأوا فيه كما في يوم السبت لا في كل أمر. قال القاري: الأظهر في الجواب أنه ﷺ أول الهجرة لم يكن مأموراً بالمخالفة، بل كان يتألفهم في كثير من الأمور، ومنها أمر القبلة. ثم لما ثبت عليهم الحجة ولم يمنعهم الملائمة، وظهر منهم العناد والمكابرة اختار مخالفتهم وترك مؤالفتهم انتهى. واستشكل رجوعه ﷺ إلى اليهود في ذلك لأنهم كفرة، وخبر الكافر في الديانات مردود وأجاب المازري باحتمال أن يكون أوحى إليه بصدقهم أو تواتر عنده الخبر بذلك، ولا يشترط الإسلام في التواتر، زاد عياض أو أخبره به من أسلم منهم كابن سلام وغيره، ثم قال ليس في الخبر أنه ابتداء الأمر بصيامه بل في حديث عائشة التصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك، فغاية ما في القصة أنه لم يحدث له بقول اليهود تجديد حكم. وإنما هي صفة حال وجواب سؤال. قلت: أراد بحديث عائشة ما رواه الشيخان عنها قالت كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية (أي قبل أن يهاجر إلى المدينة) فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه. ولا مخالفة بين هذا وبين حديث ابن عباس، إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك.
стр. 3117
قال الحافظ: أما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، وإليه جنح ابن القيم حيث قال في الهدي: لا ريب إن قريشاً تعظم هذا اليوم، وكانوا يكسون الكعبة وصومه من تمام تعظيمه. وقال القرطبي: لعل قريشاً كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم ﵇ وفي المجلس الثالث من مجالس الباغندي الكبير عن عكرمة، أنه سئل عن ذلك فقال إذ نبت قريش ذنباً فعظم في صدورهم فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك: قال القرطبي: وصوم رسول الله ﷺ قبل الهجرة يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما في الحج أو أذن الله له في صيامه على أنه فعل خير فلما هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه احتمل أن يكون ذلك استئلافاً لليهود باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك وعلى كل حال فلم يصمه إقتداء بهم فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه كذا في الفتح (فصامه رسول الله ﷺ ) كما كان يصومه قبل ذلك (وأمر) أصحابه (بصيامه) الظاهر أنه أمر إيجاب ففيه دليل لمن قال كان قبل النسخ واجباً، ومن لا يقول به يقول أنه أكد ندبه، ثم نسخ تأكيد ندبه فبقي مندوباً في الجملة. وسيأتي البسط في ذلك في شرح حديث جابر بن سمرة. فإن قيل يخالف حديث ابن عباس هذا ما رواه البخاري من حديث أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيداً، وفي رواية مسلم كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود، فإنه يشعر بأن الصوم كان لمخالفتهم وحديث ابن عباس يدل على أنه كان لموافقتهم قلنا لا منافاة بينهما إذ اليهود ثم غير اليهود هنا وأولئك كانوا يصومونه وهؤلاء لا يصومونه، فوافق أولئك في الصوم لمعرفته أنه الحق بوحي وخالف هؤلاء فيه لمعرفته خلاف ذلك. وقال الحافظ: ظاهر حديث أبي موسى إن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه، لأن يوم العيد لا يصام، وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صوم موافقتهم على السبب وهو شكراً لله تعالى على نجاة موسى مع موافقة عادته، لكن لا يلزم من تعظيمهم واعتقادهم بأنه عيد، إنهم كانوا لا يصومونه فلعلهم كان من جملة تعظيمهم في شرعهم أن يصوموه. وقد ورد ذلك صريحاً في حديث أبي موسى هذا فيما أخرجه البخاري في الهجرة بلفظ: فإذا أناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه ولمسلم من وجه آخر قال: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم-انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الصوم وذكر الأنبياء والهجرة والتفسير، ومسلم في الصوم واللفظ له، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص٢٩١- ٣٢٠- ٣٣٦- ٣٤٠) وأبوداود وابن ماجه والدارمي والبيهقي (ج٤ص٢٨٦- ٢٨٩) والنسائي في الكبرى والطحاوي (ج١ص٣٣٧) .
стр. 3118
٢٠٨٧- (٣٢) وعن أم سلمة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: "إنهما يوماً عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم)) . رواه أحمد.
٢٠٨٨- (٣٣) وعن جابر بن سمرة، قال: ((كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده فلما فرض رمضان لم يأمرنا، ولم ينهنا عنه، ولم يتعاهدنا عنده)) . رواه مسلم.
ــ
٢٠٨٧- قوله: (وعن أم سلمة) بفتح اللام أم المؤمنين (كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم) وفي المسند أكثر مما يصوم (من الأيام) أي الأخر (ويقول أنهما يوماً عيد للمشركين) وفي المسند أنهما عيد المشركين السبت لليهود، والأحد للنصارى، وإنما سموا مشركين لقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله، وإما للتغليب، وأراد من يخالف دين الإسلام ذكره الطيبي (فأنا أحب أن أخالفهم) أي مجموع الفريقين، وفيه دليل على استحباب صوم السبت والأحد مخالفة لأهل الكتاب، وظاهره صوم كل على الإنفراد والاجتماع، لكن يحمل على صومهما جميعاً متواليين لئلا يخالف ما تقدم من النهي عن صوم يوم السبت، فالمنهي عنه إفراد السبت وفي معناه إفراد الأحد، والمستحب صومهما جميعاً تحقيقاً لمخالفة الفريقين (رواه أحمد) (ج٦ص٣٢٤) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج١ص٤٣٦) والبيهقي (ج٤ص٣٠٣) بلفظ: إن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد وكان يقول إنهما يوماً عيد للمشركين فأنا أريد أن أخالفهم، وعزاه الحافظ في التلخيص (ص٢٠٠) وبلوغ المرام وللنسائي أيضاً ولعله في الكبرى.
٢٠٨٨- قوله: (كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام يوم عاشوراء) أي يأمرنا أمراً مؤكداً (ويحثنا عليه) أي يرغبنا إليه (ويتعاهدنا) أي يحفظنا ويراعي حالنا ويتفحص عم صومنا أو بتخولنا بالموعظة (فلما فرض) بصيغة المجهول (رمضان لم يأمرنا) أي به (ولم ينهنا عنه ولم يتعاهدنا) أي لم يتفقدنا، وفي الحديث دليل على أن صوم عاشوراء كان واجباً، ثم نسخ ورد إلى التطوع وإليه ذهب أبوحنيفة وهي رواية عن أحمد واختاره الحافظ وابن القيم كما سيأتي، وبه جزم الباجي من المالكية حيث قال: أول ما فرض من الصيام صوم يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان نسخ وجوبه-انتهى. والأصح عند الشافعي إنه لم يجب أصلا. قال العيني: ج١١ص١١٨) اتفق العلماء على أن صوم عاشوراء الآن سنة وليس بواجب واختلفوا في حكمه أول الإسلام،
стр. 3119
فقال أبوحنيفة: كان واجباً. واختلف أصحاب الشافعي على وجهين، أشهرهما، أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يك واجباً قط في هذه الأمة، ولكنه كان يتأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحباً دون ذلك الاستحباب. والثاني، كان واجباً كقول أبي حنيفة، ونقل عياض عن بعض السلف أنه كان يقول كان فرضاً وهو باق على فرضيته لم ينسخ، لكن انقرض القائلون بهذا وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بهذا ونقل عياض وابن عبد البر والنووي وغيرهم الإجماع على أنه الآن ليس بفرض والإجماع على أنه مستحب. وقال ابن قدامة (ج٣ص٧٤) اختلف في صوم عاشوراء هل كان واجباً، فذهب القاضي إلى أنه لم يكن واجباً وقال هذا قياس المذهب. واستدل بشيئين أحدهما، أن النبي ﷺ أمر من لم يأكل بالصوم، والنية في الليل شرط في الواجب. والثاني، أنه لم يأمر من أكل بالقضاء، ويشهد لهذا ما روى معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر، وهو حديث صحيح، وروى عن أحمد أنه كان مفروضاً لما روت عائشة أن النبي ﷺ صامه وأمر بصيامه، فلما افترض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه، وهو حديث صحيح وحديث معاوية محمول على أنه أراد ليس هو مكتوباً عليكم الآن. وأما تصحيحه بنية من النهار وترك الأمر لقضاءه، ففيه أنه قد روى أبوداود إن أسلم أتت النبي ﷺ فقال صمتم يومكم هذا قالوا لا، قال: فأتموا بقية يومكم وأقضوه-انتهى. قلت: قد سبق الجواب عن صحة النية في نهار عاشوراء في شرح حديث حفصة، من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له. وأما حديث معاوية فقال الحافظ قد استدل به على أنه لم يكن فرضاً قط، ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [البقرة: ١٨٣] ثم فسره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخاً، ويؤيد ذلك إن معاوية إنما صحب النبي ﷺ من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أوائل العام الثاني-انتهى كلام الحافظ. وهو تلخيص كلام الإمام ابن القيم في الهدي (ج١ص١٧١) ومن أحب التفصيل رجع إليه. قلت: واستدل من قال بوجوب صوم عاشوراء في أول الإسلام بأحاديث كثيرة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد، والعيني في شرح البخاري، والطحاوي في شرح معاني الآثار من شاء الوقوف عليها رجع إلى هذه الكتب، وهذا القول هو الراجح عندنا. قال الحافظ: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجباً لثبوت الأمر بصومه ثم تأكد الأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال،
стр. 3120
٢٠٨٩- (٣٤) وعن حفصة، قالت: ((أربع لم تكن يدعهن النبي ﷺ : صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتان قبل الفجر)) . رواه النسائي.
٢٠٩٠- (٣٥) وعن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيام البيض في حضر ولا في سفر)) رواه النسائي.
ــ
وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم لما فرض رمضان ترك عاشوراء مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق. فدل على أن المتروك وجوبه وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقي مطلق استحبابه فلا يخفي ضعفه بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته ﷺ حيث يقول: لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة وأي تأكيد أبلغ من هذا-انتهى. وقد ذكر نحو هذا ابن القيم في الهدي (ج١ص١١٦) (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص٩٦) والطحاوي (ج١ص٣٣٦) والبيهقي (ج٤ص٢٨٩) .
٢٠٨٩- قوله: (وعن حفصة) أم المؤمنين (قالت أربع) أي خصال (لم تكن يدعهن) أي يتركهن (النبي ﷺ ) فاعل تنازع فيه فعلان (صيام عاشوراء والعشر) بالجر. وقيل: بالرفع أي صيام عشر ذي الحجة، والمراد من العشر تسعة أيام مجازاً، وقد روى أحمد (ج٦ص٢٨٨- ٤٢٣) وأبوداود والنسائي عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء-الحديث. وهذا يبين المراد من قوله العشر في حديث حفصة (وثلاثة أيام) بالوجهين (من كل شهر) وهي الاثنان والخميس، والاثنان من الجمعة الأخرى. كما في حديث سواء الخزاعي عن حفصة عند أحمد (ج٦ص٢٨٧) وأبي داود والبيهقي (ج٤ص٢٩٥) (وركعتان قبل الفجر) كذا في جميع النسخ من المشكاة وهكذا وقع في جامع الأصول (ج٧ص٢٠٦) والذي في سنن النسائي وركعتين قبل الغداة، وهكذا في مسند الإمام أحمد (ج٧ص٢٨٧) وكذا ذكره المجد بن تيمية في المنتقى وعزاه لأحمد والنسائي، والظاهر إن المصنف تبع في ذلك الجزري، ولم يراجع سنن النسائي وأرادت حفصة بذلك ركعتي سنة الصبح. والحديث يدل على استحباب صوم ما ذكره فيه من الأيام، وقد سبق وجه الجمع بينه وبين ما تقدم من حديث عائشة، ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر (رواه النسائي) وأخرجه أيضاً أحمد.
٢٠٩٠- قوله: (لا يفطر أيام البيض) هذا على حذف المضاف يريد أيام الليالي البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر،
следующие страницы →