Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
وهذا هو الذي راعيناه في رقم أحاديث المشكاة وحصرها. وعبد الله بن أنيس هو أبويحيى الجهني المدني حليف بني سلمة من الأنصار. وقال ابن الكلبي والواقدي: هو من ولد البرك بن وبرة من قضاعة، وقد دخل ولد البرك في جهينة فقيل له الجهني والقضاعي والأنصاري والسلمي بفتحتين صحابي، روى عن النبي ﷺ وروى عنه أبناءه ضمرة وعبد الله وعطية وعمرو وبسر بن سعيد وجابر بن عبد الله رحل إليه إلى مصر في حديث واحد وشهد العقبة الثانية واحداً، وما بعدهما. وكان أحد من يكسر أصنام بني سلمة من الأنصار. وهو الذي بعثه النبي ﷺ إلى خالد بن نبيح العنزي وحده فقتله. وقال ابن يونس: صلى القبلتين ودخل مصر وخرج إلى أفريقية له أربعة وعشرون حديثاً إنفرد له مسلم بحديث، وأخرج له البخاري تعليقاً مات بالشام في خلافة معاوية سنة (٥٤) ووهم من قال سنة (٨٠) فرق علي بن المديني وخليفة وغيرهما بينه وبين عبد الله بن أنيس الأنصاري الذي روى عنه ابنه عيسى، أن النبي ﷺ دعا يوم أحد بأداوة فقال أخنث، فم الإرادة-الحديث. وجزم البغوي وابن السكن وغيرهما بأنهما واحد. قال في الإصابة. وهو الراجح بأنه جهني حليف بني سلمة من الأنصار. وقال في تهذيب التهذيب: وهو (أي جعلهما واحداً) المعتمد فإن كونه أنصارياً لا ينافي كونه جهنياً لما تقدم أن الجهني حليف الأنصار. (قال ليلة ثلاث وعشرين) يعني روى عبد الله بن أنيس نحو حديث أبي سعيد لكنه قال فيه ليلة ثلاث وعشرين بدل إحدى وعشرين ولفظه عند مسلم أن رسول الله ﷺ قال أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني صبيحتها أسجد في ماء وطين، قال فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله ﷺ فانصرف، وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه قال، وكان عبد الله بن أنيس يقول ثلاث وعشرين-انتهى. قال النووي: هكذا في معظم النسخ من صحيح مسلم وفي بعضها ثلاث وعشرون، وهذا ظاهر والأول جاء على لغة شاذة أنه يجوز حذف المضاف، ويبقى المضاف إليه مجروراً أي ليلة ثلاث وعشرين-انتهى. ولا يخفى أن حديث عبد الله بن أنيس مخالف لحديث أبي سعيد في تعيين الليلة، فقيل الترجيح لحديث أبي سعيد لأنه متفق عليه. وقيل: يحتمل على تعدد القصة واستدل بحديث عبد الله بن أنيس هذا، وبحديثه الآتي في الفصل الثاني، من قال إن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، والظاهر إن هذا كان لتلك السنة خاصة فحمله عبد الله بن أنيس ومن وافقه من الصحابة والتابعين على العموم. (رواه مسلم) أي تلك الرواية وأخرجها أحمد (ج٣ص٤٩٥) والبيهقي (ج٤ص٣٠٩) أيضاً كلهم من رواية بسر بن سعيد عن عبد الله بن أنيس.
стр. 3152
٢١٠٨- (٦) وعن زر بن حبيش، قال: ((سألت أبي بن كعب فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال ﵀: أراد أن لا يتكل الناس أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثنى أنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: بأي شيء تقول ذلك: يا أبا المنذر! قال: بالعلامة-أو بالآية- التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها)) . رواه مسلم.
ــ
٢١٠٨- قوله: (وعن زر) بكسر الزاي وتشديد الراء (بن حبيش) بضم حاء مهملة وفتح موحدة وسكون تحتية وبشين معجمة ابن حباشة بضم مهملة وخفة موحدة، واعجام شين الأسدي الكوفي أبومريم ثقة جليل مخضرم أدرك الجاهلية كان من أصحاب علي وعبد الله بن مسعود. قال عاصم: كان زر من أعراب الناس وكان عبد الله يسأله عن العربية. وقال ابن عبد البر: كان عالماً بالقرآن قارئاً فاضلاً مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة (سألت أبي بن كعب) أي أردت أن أسأله قاله الطيبي أو يفسره قوله (فقلت ن أخاك) أي في الدين والصحبة (ابن مسعود) بدل أو بيان (من يقم الحول) أي جميع ليالي السنة (يصب ليلة القدر) أي يدركها يقيناً للإبهام في تبيينها وللاختلاف في تعيينها، أو لأنها تدور في تمام السنة، وهذا يؤيد الرواية المشهورة عن أبي حنيفة إذ قضيته إنها لا تختص برمضان (فقال) أي أبي ﵀ دعا لابن مسعود. وفي رواية يغفر الله له (أراد أن يتكل الناس) أي لا يعتمدوا على قول واحد، وإن كان هو الصحيح الغالب على الظن الذي مبني الفتوى عليه، فلا يقوموا إلا في تلك الليلة ويتركوا قيام سائر الليالي فيفوت حكمة الإبهام الذي نسي بسببها ﵊ (أما) بالتخفيف للتنبيه (أنه) أي ابن مسعود (قد علم أنها) أي ليلة القدر (في رمضان وإنها في العشر الأواخر) وفي رواية لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان (ثم حلف) أي أبي بن كعب بناء على غلبة الظن (لا يستثنى) حال أي حلف حلفاً جازماً من غير أن يقول عقيبه إن شاء الله تعالى. قال الطيبي: هو قول الرجل إن شاء الله يقال حلف فلان يميناً ليس فيها ثنى ولا ثنو ولا ثنية ولا استثناء كلها واحد، وأصله من الثني، وهو الكف والرد، وذلك إن الحالف إذا قال والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره فقد رد انعقاد ذلك اليمين-انتهى. (إنها) مفعول حلف أي حلف إن ليلة القدر (ليلة سبع وعشرين فقلت) أي لأبي بن كعب (بأي شيء) من الأدلة (تقول ذلك) أي القول (يا أبا المن١ذر) كنية أبي بن كعب (أو بالآية) كلمة "أو" للشك أي بالإمارة (أنها) بفتح الهمزة ويحتمل الكسر أي أن الشمس (تطلع يومئذ) أي يوم إذ تكون تلك الليلة ليلة القدر،
стр. 3153
٢١٠٩- (٧) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)) . رواه مسلم,
ــ
وفي رواية تطلع الشمس في صبيحة يومها، وفي أخرى صبح ليلة القدر (لا شعاع لها) زاد في رواية كأنها طست حتى ترتفع. قال القاري: هذا دليل على أن علمه ظني لا قطعي حيث بنى اجتهاده على هذا الاستدلال. قال ابن حجر: أي لا شعاع لها، وقد رأيتها صبيحة ليلة سبع وعشرين طلعت كذلك إذ لا يكون ذلك دليلاً إلا بانضمامه إلى كلامه-انتهى. والشعاع، بضم الشين. قال أهل اللغة: هو ما يرى من ضوء الشمس عند ذرورها أي طلوعها مثل الحبال، والقضبان مقبلة إليك إذا نظرت إليها، وجمعه أشعة وشعع بضم الشين والعين أشعت الشمس نشرت شعاعها. قال القاضي عياض: قيل معنى لا شعاع لها أنها علامة جعلها الله تعالى لها قال، وقيل بل لكثرة اختلاف الملائكة وترددها في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها بما تنزل به سترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها-انتهى. قيل فائدة كونه علامة مع أنه إنما يوجد بعد انقضاء الليلة أن يشكر على حصول تلك النعمة إن قام بخدمة الليلة وإلا فيتأسف على ما فاته من الكرامة ويتدارك في السنة الآتية. وإنما لم يجعل علامة في أول ليلها إبقاء لها على إبهامها. وقد ورد لليلة القدر علامات أخرى أكثرها لا تظهر إلا بعد أن تمضي ذكرها العيني (ج١١ص٣٤) وغيره. وقال الحافظ: اختلفوا هل لها علامة تظهر لمن وفقت له أم لا؟ فقيل: يرى كل شيء ساجداً، وقيل يرى الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع المظلمة. وقيل يسمع سلاماً أو خطاباً من الملائكة. وقيل علامتها استجابة دعاء من وفقت له، واختيار الطبري إن جميع ذلك غير لازم، وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه-انتهى. (رواه مسلم) في أواخر الصلاة وفي الصوم، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص١٣٠، ١٣١) والترمذي في الصوم والتفسير، وأبوداود في أواخر الصلاة والبيهقي (ج٤ص٣١٢) وذكر صاحب التنقيح النسائي وابن خزيمة وابن حبان وأبا عوانة وابن الجارود والطحاوي والدارقطني والحميدي أيضاً فيمن أخرج هذا الحديث.
٢١٠٩- قوله: (يجتهد في العشر الأواخر) قيل أي يبالغ في طلب ليلة القدر فيها. قال القاري: والأظهر أنه يجتهد في زيادة الطاعة والعبادة يعني يبالغ في أنواع الخيرات وأصناف المبرات والعبادات. (ما لا يجتهد في غيره) أي في غير العشير الأخير. فيه استحباب الاجتهاد في العبادة والحرص على مداومة القيام في العشر الأخير من رمضان، إشارة إلى تحسين الخاتمة وتجويدها (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وابن ماجه،
стр. 3154
٢١١٠- (٨) وعنها، قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد ميزره، وأحي ليله، وأيقظ أهله)) . متفق عليه.
ــ
والحديث ذكره الجزري في جامع الأصول (ج٧ص٧٨) عزو المسلم بلفظ: قالت كان رسول الله ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأخير منه مالا يجتهد في غيره، ولم أجده بهذا السياق في صحيح مسلم، ورواه البيهقي (ج٤ص٣١٤) بلفظ: كان يجتهد في العشر الأواخر من رمضان مالا يجتهد في غيرها.
٢١١٠- قوله: (إذا دخل العشر) وفي رواية للبيهقي، إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان. قال الحافظ: قوله "إذا دخل العشر" أي الأخير وصرح به في حديث علي عند ابن أبي شيبة والبيهقي (شد منزره) ولمسلم و"شد المئزر" بكسر الميم وسكون الهمزة أي إزاره كقولهم ملحفة ولحاف. قال في التلويح "المئزر" والإزار، ما يأتزر به الرجل من أسفله وهو يذكر ويؤنث. واختلفوا في معنى شد مئزره، فقيل هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة زيادة على عادته ﷺ في غيره، ومعناه التشمير في العبادة يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت له وتفرغت. قال القسطلاني: وفي هذا نظر، فإنها قالت جد وشد المئزر فعطفت شد المئزر على الجد، والعطف يقتضي التغاير، والصحيح أن المراد به اعتزاله للنساء للإشتغال بالعبادات، وبذلك فسره السلف والأئمة المتقدمون، وجزم به الثوري واستشهد بقول الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم عن النساء ولو باتت بأطهار
ويحتمل أن يراد التشمير للعبادة والاعتزال عن النساء معاً ويحتمل أن يراد الحقيقة والمجاز كمن يقول طويل النجاد لطويل القامة، وهو طويل النجاد حقيقة فيكون المراد شد مئزره حقيقة فلم يحلله، واعتزل النساء وشمر للعبادة قال الطيبي: قد تقرر عند علماء البيان إن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة كما إذا قلت فلان طويل النجاد، وأردت طول نجاده مع طول قامته كذلك ﷺ لا يستبعد أن يكون قد شد مئزره ظاهراً وتفرغ للعبادة واشتغل بها عن غيرها-انتهى. قلت: وقع عند ابن أبي عاصم بإسناد مقارب عن عائشة شد المئزر واجتنب النساء، وفي حديث علي المذكور شد مئزره واعتزل النساء فعطفه بالواو، وهذا يقوي الاحتمال الأول (وأحي ليله) أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها أو أحي معظمه لقولها في الصحيح ما علمته قام ليلة حتى الصباح، وقوله "أحيا ليله" أي بالقيام والقراءة والذكر كأن الزمان الخالي عن العبادة بمنزلة الميت، وبالعبادة فيه يصير حياً.
стр. 3155
﴿الفصل الثاني﴾
٢١١١- (٩) عن عائشة، قالت: قلت: ((يا رسول الله! أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها: قال قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)) . رواه أحمد، وابن ماجه والترمذي وصححه.
ــ
قال القسطلاني: هو من باب الاستعارة شبه القيام فيه بالحياة في حصول الانتفاع التام أي أحيا ليله بالطاعة. أو أحيا نفسه بالسهر فيه، لأن النوم أخو الموت وإضافه إلى الليل إتساعاً لأن النائم إذا حي باليقظة حي ليله بحياته وهو نحو قوله لا تجعلوا بيوتكم قبوراً أي لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور-انتهى. وقال الطيبي في أحياء الليل: وجهان. أحدهما: راجع إلى نفس العابد، فإن العابد إذا اشتغل بالعبادة عن النوم الذي هو بمنزلة الموت فكأنما أحي نفسه كما قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر: ٤٢] والتي لم تمت في منامها. وثانيهما: أنه راجع إلى نفس الليل فإن ليله لما صار بمنزلة نهاره في القيام فيه كان أحياه وزينه بالطاعة والعبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيى الأرض بعد موتها﴾ [الروم: ٥٠] فمن اجتهد فيه وأحياه كله وفر نصيبه منها، ومن قام في بعضه أخذ نصيبه بقدر ما قام منها (وأيقظ أهله) أي للصلاة والعبادة. وإنما خص بذلك ﷺ آخر رمضان لقرب خروج وقت العبادة فيجتهد فيه لأنه خاتمة العمل، والأعمال بخواتيمها. وروى الترمذي ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت أم سلمة لم يكن النبي ﷺ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه (متفق عليه) واللفظ للبخاري وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود وابن ماجه والبيهقي (ج٤ص٣١٣) .
٢١١١- قوله: (أرأيت) أي أخبرني (إن علمت) جوابه محذوف يدل عليه ما قبله (أي ليلة) مبتدأ خبره (ليلة القدر) والجملة سدت مسد المفعولين لعلمت تعليقاً. قيل: القياس أية ليلة فذكر باعتبار الزمان كما ذكر في قوله ﷺ أي أية من كتاب الله معك أعظم باعتبار الكلام واللفظ (ما أقول) متعلق بأرأيت (فيها) أي في تلك الليلة. وقال الطيبي: ما أقول فيها جواب الشرط وكان حق الجواب أن يؤتى بالفاء، ولعله سقط من قلم الناسخ وتعقب عليه القاري بأن دعوى السقوط من قلم الناسخ ليست بصحيحة. وقد جاء حذف الفاء على القلة (إنك عفو) بفتح العين المهملة وضم الفاء، وتشديد الواو صيغة مبالغة أي كثير العفو (تحب العفو) أي ظهور هذه الصفة (فاعف عني) فإني كثير التقصير وأنت أولى بالعفو الكثير، وفيه دليل على استحباب الدعاء في هذه الليلة بهذه الكلمات
стр. 3156
٢١١٢- (١٠) وعن أبي بكرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((التمسوها – يعني ليلة القدر – في تسع يبقين، أو في سبع يبقين، أو في خمس يبقين، أو ثلاث، أو آخر ليلة)) . رواه الترمذي.
٢١١٣- (١١) وعن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، فقال: ((هي في كل رمضان)) .
ــ
(رواه أحمد وابن ماجه والترمذي) في الدعوات وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى والحاكم (ج١ص٥٣٠) والبزار وفي رواية أحمد وابن ماجه والحاكم إن وافقت ليلة القدر (وصححه) أي الترمذي. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
٢١١٢- قوله: (التمسوها يعني ليلة القدر) تفسير للضمير من الراوي (في تسع) أي تسع ليال (يبقين) بفتح الياء والقاف وهي التاسعة والعشرون (أو في سبع يبقين) وهي السابعة والعشرون (أو في خمس يبقين) وهي الخامسة والعشرون (أو ثلاث) أي يبقين وهي الثالثة والعشرون (أو آخر ليلة) من رمضان أي سلخ الشهر. قال الطيبي: يحتمل التسع أو السلخ، رجحنا الأول بقرينة الأوتار كذا في المرقاة. وقال في اللمعات: قيل: قوله في "تسع يبقين" محمول على الثانية والعشرين، وفي سبع يبقين محمول على الرابعة والعشرين، وفي خمس يبقين على السادسة والعشرين وأو ثلاث على الثامن والعشرين وأو آخر ليلة محمول على التاسع والعشرون. وقيل: على السلخ أقول هذا إذا كان الشهر ثلاثين يوماً. وأما إذا كان تسعاً وعشرين فالأولى على الحادية والعشرين، والثانية على الثالثة والعشرين، والثالثة على الخامسة والعشرين، والرابعة على السابعة والعشرين، وهذا أولى لكثرة الأحاديث الواردة في الأوتار، بل نقول لا دليل على كونها أولى هذه الإعداد، فالظاهر أن المراد من كونها في تسع يبقين الخ. ترديد ما في الليالي الخمس أو الأربع أو الثلاث أو الاثنين أو الواحدة-انتهى ما في اللمعات. (رواه الترمذي) وصححه وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص٣٦- ٣٩) والحاكم (ج١ص٤٣٨) وصححه ووافقه الذهبي وأخرجه الطبراني في الكبير وأحمد من حديث عبادة بن الصامت (ج٥ص٣١٨- ٣٢١- ٣٢٤) .
٢١١٣- قوله: (سئل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر) أي هي في كل السنة أو في رمضان خاصة أو أهي في كل رمضان أو في هذا بخصوصه. قال القاري: ويؤيده (فقال هي في كل رمضان) قال ابن الملك أي ليست مختصة بالعشر الأواخر بل كل ليلة من رمضان، يمكن أن يكون ليلة الدر، ولهذا لو قال أحد لامرأته في نصف رمضان أو أقل أنت طالق في ليلة القدر لا تطلق حتى يأتي رمضان السنة القابلة فتطلق في الليلة التي علق فيها الطلاق-انتهى.
стр. 3157
رواه أبوداود، وقال: رواه سفيان وشعبة، عن أبي إسحاق موقوفاً على ابن عمر.
ــ
قال القاري: وكان حقه أن يصور المسألة بقوله في رمضان فقط أو يزيد بعد قوله أو أقل قوله أو أكثر، ثم هذا التفريع مسألة خلافية في المذهب كما تقدم تحقيقه (في أول الباب) وليس أصل الحديث نصاً في المقصود للاحتمالات المتقدمة. وللاختلاف في رفع الحديث ووقفه. قال الطيبي: الحديث يحتمل وجهين. أحدهما أنها واقعة في كل رمضان من الأعوام فتختص به، فلا تتعدى إلى سائر الشهور. وثانيهما: أنها واقعة في كل أيام رمضان فلا تختص بالبعض الذي هو العشر الأخير، لأن البعض في مقابلة الكل فلا ينافي وقوعها في سائر الأشهر اللهم إلا أن يختص بدليل خارجي، ويتفرع على الوجه الثاني ما إذا علق الطلاق بدخول ليلة القدر في الليلة الثانية من شهر رمضان، فما دونها إلى السلخ فلا يقع الطلاق إلا في السنة القابلة في ذلك الوقت الذي علق الطلاق فيه، بخلاف غرة الليلة الأولى، فإن الطلاق يقع في السلخ كذا في المرقاة. قلت: استدل بهذا الحديث لما روى عن أبي حنيفة من أن ليلة القدر ممكنة في جميع ليالي رمضان، لكن الحديث ليس بنص في ذلك كما قال القاري مع أنه اختلف في رفعه ووقفه، ولو كان الموقوف مروياً بهذا اللفظ لم يكن نصاً أيضاً، والراجح عندي: هو الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما الطيبي في معنى الحديث لكثرة الأحاديث الصحيحة الصريحة في كونها مختصة بالعشر الأواخر من رمضان، وتأويل ابن الهمام لهذه الأحاديث بأن المراد في ذلك رمضان الذي كان ﵊ التمسها فيه بعيد جداً، بل هو باطل، لأنه لا دليل على ذلك. وليس في سياقاتها ما يدل على ذلك. كما لا يخفى على من تأمل طرقها وألفاظها، ولم أر حديثاً مرفوعاً صحيحاً أو ضعيفاً صريحاً في ما روى عن أبي حنيفة من إمكانها في جميع ليالي رمضان، ولا فيما هو المشهور عنه من امكانها في جميع السنة (رواه أبوداود) أي مرفوعاً وكذا البيهقي (ج٤ص٣٠٧) كلاهما من طريق موسى بن عقبة عن أبي إسحاق الهمداني عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عمر (وقال) أي أبوداود وكذا البيهقي (رواه سفيان) أي ابن عيينة أو الثوري (وشعبة) أي ابن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبوبسطام الواسطي ثم البصري ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة وكان عابداً مات سنة (١٦٠) (عن أبي إسحاق) اسمه عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، والسبيع بفتح المهملة وكسر الموحدة همدان، ولد لسنتين بقيتاً من خلافة عثمان مكثر ثقة عابد من أوساط التابعين اختلط بآخره. وقال ابن حبان: كان مدلساً، وكذا كره في المدلسين حسين الكرابسي، وأبوجعفر الطبري والجوزجاني مات سنة (١٢٩) وقيل: قبل ذلك قال المصنف: رأى علياً وابن عباس وغيرهما من الصحابة،
стр. 3158
٢١١٤- (١٢) وعن عبد الله بن أنيس، قال: قلت: ((يا رسول الله! إن لي بادية أكون فيها، وأنا أصلي فيها بحمد الله، فمرني بليلة أنزلها إلى هذه المسجد. فقال: أنزل ليلة ثلاث وعشرين. قيل: لابنه: كيف كان أبوك يصنع؟ قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر، فلا يخرج منه لحاجة حتى يصلي الصبح،
ــ
وسمع البراء بن عازب وزيد بن أرقم روى عنه الأعمش والثوري وشعبة وهو تابعي مشهور كثير الرواية (موقوفاً على ابن عمر) أي من قوله ولم يرفعاه إلى النبي ﷺ ، وأشار أبوداود، وكذا البيهقي بهذا الكلام إلى ترجيح وقفه، وهذا الموقوف رواه ابن أبي شيبة قال الحافظ في الفتح: بإسناد صحيح.
٢١١٤- قوله: (وعن عبد الله بن أنيس) بالتصغير مخففاً (إن لي بادية أكون) أي ساكناً (فيها) قال ميرك: المراد بالبادية دار إقامة بها، فقوله إن لي بادية أي إن لي داراً ببادية أو بيتاً أو خيمة هناك، واسم تلك البادية الوطاءة كذا في المرقاة (وأنا أصلي فيها بحمد الله) أي ولكن أريد إن اعتكف أو أريد عن أدرك ليلة القدر (فمرني) أمر من أمر مخففاً (بليلة) زاد في المصابيح من هذا الشهر يعني شهر رمضان (أنزلها) بالرفع على أنه صفة. وقيل: بالجزم على جواب الأمر أي أنزل تلك الليلة من النزول بمعنى الحلول. وقال الطيبي: أي أنزل فيها قاصداً أو منتهياً (إلى هذا المسجد) إشارة إلى المسجد النبوي وقصد إلى حيازة فضيلتي الزمان والمكان (أنزل ليلة ثلاث وعشرين) فتدرك ليلة القدر، وقد سبق منا إن الظاهر أن هذا الأمر كان لتلك السنة خاصة لكنه ﵁ حمله على العموم (قيل لابنه) أي ضمرة وقيل عمرو. قال الحافظ في التقريب وتهذيب التهذيب: ابن عبد الله بن أنيس عن أبيه في التماس ليلة القدر هو ضمرة، وقيل عمرو. وقال في الإصابة في القسم الرابع من حرف الجيم في ترجمة جحش الجهني بعد الإشارة إلى هذا الحديث ما لفظه وابن عبد الله اسمه ضمرة سماه الزهري في روايته لهذا الحديث. وقال في ترجمة ضمرة هذا من تهذيبه ذكره ابن حبان في الثقات أخرج له أبوداود والنسائي حديثاً واحداً في ذكر ليلة القدر. وال في التقريب في ترجمة ضمرة وعمرو: كليهما مقبول من أوساط التابعين والقائل له هو محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي التابعي الثقة شيخ محمد بن إسحاق صاحب المغازي (كيف) في سنن أبي داود فكيف عند البيهقي (كان أبوك) أي عبد الله بن أنيس (يصنع) أي في نزوله (إذا صلى العصر) أي يوم الثاني والعشرين من رمضان (فلا يخرج منه لحاجة) أي من الحاجات الدنيوية اغتناماً للخيرات الأخروية أو لحاجة غير ضرورية. قال الطيبي: كذا في سنن أبي داود وجامع الأصول، وفي شرح السنة والمصابيح فلم يخرج إلا في حاجة والتنكير في حاجة للتنويع فعلى الأول لا يخرج لحاجة منافية للإعتكاف كما سيجيء في باب الإعتكاف في حديث عائشة، وعلى الثاني فلا يخرج إلا في حاجة يضطر إليها المعتكف-انتهى.
стр. 3159
فإذا صلى الصبح وجد دابته على باب المسجد، فجلس عليها ولحق بباديته)) . رواه أبوداود.
﴿الفصل الثالث﴾
٢١١٥- (١٣) عن عبادة بن الصامت، قال: ((خرج النبي ﷺ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين،
ــ
(حتى يصلي الصبح) يشير إلى أنها ليلة القدر (ولحق) في سنن أبي داود والبيهقي فلحق. وقد روى مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله بن أنيس الجهني قال لرسول الله ﷺ يا رسول الله! إني رجل شاشع الدار فمرني ليلة أنزل لها فقال له رسول الله ﷺ أنزل ليلة ثلاث وعشرين من رمضان. قال ابن عبد البر: يقال ليلة الجهني معروفة بالمدينة ليلة ثلاث وعشرين وحديثه، هذا مشهور عند عامتهم وخاصتهم. وروى ابن جريج هذا الخبر لعبد الله بن أنيس. وقال في آخره فكان الجهني يمسى تلك الليلة يعني ثلاث وعشرين في المسجد فلا يخرج منه حتى يصبح ولا يشهد شيئاً من رمضان قبلها ولا بعدها ولا يوم فطر-انتهى. وقد ذهب إلى كون ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين جماعة من الصحابة والتابعين. قال الحافظ: روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن معاوية، قال: ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، ورواه إسحاق في مسنده من طريق أبي حازم عن رجل من بني بياضة له صحبة مرفوعاً، وروى عبد الزراق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً من كان متحريها فليتحرها ليلة سابعة قال، وكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين، ويمس الطيب وعن ابن جريج عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين، وروى عبد الرزاق من طريق يونس بن سيف سمع سعيد بن المسيب يقول: استقام قول القوم على أنها ليلة ثلاث وعشرين ومن طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة ومن طريق مكحول أنه كان يراها ليلة ثلاث وعشرين-انتهى. (رواه أبوداود) وكذا البيهقي (ج٤ص٣٠٩، ٣١٠) كلاهما من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد بن إبراهيم عن ابن عبد الله بن أنيس الجهني عن أبيه. وقد صرح محمد بن إسحاق بالتحديث فحديثه هذا صحيح، ورواه أيضاً الطبراني في الكبير لكنه قال عن عبد الله بن جحش عن أبيه. قال الحافظ في الإصابة: (ج١ص٢٦٧) هو خطأ سقط عن الإسناد ابن وأبدل جحش بأنيس-انتهى. ورواه البيهقي (ج٤ص٣٠٩) أيضاً من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن عبد الله بن أنيس، وأصل هذا الحديث في مسلم من طريق بسر بن سعيد عن عبد الله بن أنيس كما تقدم في الفصل الأول وأخرجه أبويعلى من حديث أنس كما في مجمع الزوائد (ج٣ص١٧٦) .
٢١١٥- قوله: (خرج النبي ﷺ ) أي من حجرته (ليخبرنا) بنصب الراء بأن مقدرة بعد لام التعليل (بليلة القدر) أي بتعيينها (فتلاحى) بفتح الحاء المهملة أي تنازع وتخاصم، وفي حديث أبي سعيد مسلم فجاء رجلان يختصمان معهما الشيطان، ونحوه في حديث الفلتان عند ابن إسحاق، وزاد أنه لقيهما عند سدة المسجد بينهما فاتفقت هذه الأحاديث على سبب النسيان،
стр. 3160
فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة)) . رواه البخاري.
ــ
وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، وهذا سبب آخر. فأما أن يحمل على التعدد بأن تكون الرؤيا في حديث أبي هريرة مناماً فيكون سبب النسيان الإيقاظ وأن تكون الرؤيا في حديث غيره في اليقظة فيكون سبب النسيان ما ذكر من المخاصمة، أو يحمل على إتحاد القصة، ويكون النسيان وقع مرتين عن سببين، ويحتمل أن يكون المعنى أيقظني بعض أهلي فسمعت تلاحى الرجلين فقمت لأحجز بينهما فنسيتها للاشتغال بهما. وقد روى عبد الرزاق من مرسل سعيد بن المسيب أنه ﷺ قال: ألا أخبر بليلة القدر قالوا: بلى فسكت ساعة ثم قال لقد قلت لكم وأنا أعلم ثم أنسيتها فلم يذكر سبب النسيان وهو مما يقوى الحمل على التعدد-انتهى كلام الحافظ. (رجلان) قيل: هما عبد الله ابن أبي حدرد، وكعب بن مالك أي وقعت بينهما منازعة ومخاصمة، والظاهر إنها التي كانت في الدين الذي للأول على الثاني فأمره ﵊ بوضع شطر دينه عنه فوضعه ذكره ابن حجر. وقال الحافظ: قيل الرجلان هما عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن مالك ذكره ابن دحية ولم يذكر له مستنداً (فرفعت) بصيغة المجهول، أي رفع بيانها أو علمها من قلبي فنسيت تعيينها للاشتغال بالمتخاصمين. وقيل: المعنى رفعت بركتها في تلك السنة. وقيل: التاء في رفعت للملائكة لا لليلة. وقال الطيبي قال بعضهم: رفعت أي معرفتها لتلاحى الناس، والحامل له على ذلك إن رفعها مسبوق بوقوعها وحصولها فإذا حصلت لم يكن لرفعها معنى قال، ويمكن أن يقال المراد برفعها إنها شرعت أن تقع فلما تخاصما رفعت بعد فنزل الشروع منزلة الوقوع وإذا تقرر أن الذي ارتفع علم تعيينها تلك السنة فهل أعلم النبي ﷺ بعد ذلك بتعيينها فيه احتمال. وقد روى عن ابن عيينة أنه أعلم وروى محمد بن نصر من طريق وهب المغافري أنه سأل زينب بنت أم سلمة هل كان رسول الله ﷺ يعلم ليلة القدر فقالت لا، لو علمها لما أقام الناس غيرها. قال الحافظ: وهذا قالته احتمالاً وليس بلازم لاحتمال أن يكون التعبد وقع بذلك أيضاً فيحصل الاجتهاد في جميع العشر كما تقدم، وقال العيني: الذي قالته زينب إنما قالته احتمالاً وهذا لا ينافي علمه بذلك، واستنبط السبكي الكبير من هذه القصة استحباب كتمان ليلة القدر لمن رآها لأن الله قدر لنبيه أنه لم يخبر بها، والخير كله فيما قدره له فيستحب إتباعه في ذلك-انتهى. قال الباجي: قد يذنب البعض فتتعدى عقوبته إلى غيره فيجزى به من لا سبب له في الدنيا وأما في الآخرة ﴿ولا تزروا وازرة وزر أخرى﴾ [الإسراء: ١٥]-انتهى. وقد روى في هذا أحاديث كثير لا تخفى على طالب الحديث (وعسى أن يكون) أي رفع تعيينها (خيراً لكم) حيث يحثكم على الاجتهاد في جميع ليالي العشر الأواخر.
стр. 3161
٢١١٦- (١٤) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان ليلة القدر نزل جبريل ﵇ في كبكبة من الملائكة، يصلون على كل عبدقائم أو قاعد يذكر الله عزوجل، فإذا كان يوم عيدهم – يعني يوم فطرهم – باهى بهم ملائكته، فقال: يا ملائكتي! ما جزاء أجير وفي عمله؟
ــ
قال ابن بطال: يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثير من العمل هو خير من هذه الجهة. وقال ابن التين: لعله يريد أنه لو أخبرهم بعينها لأقلوا من العمل في غيرها وأكثروه فيها، وإذا غيبت عنهم أكثروا العمل في سائر الليالي رجاء موافقتها. وقال الحافظ: أي وإن كان عدم الرفع أزيد خيراً وأولى منه لأنه متحقق فيه لكن في الرفع خير مرجو لاستلزامه مزيد الثواب لكونه سبباً لزيادة الاجتهاد في التماسها، وإنما حصل ذلك ببركة الرسول ﷺ (فالتمسوها) أي اطلبوا ليلة القدر (في التاسعة) أي الباقية وهي التاسعة والعشرون. وقال ابن حجر: أي في التاسعة من آخر الشهر، وهي الليلة الحادية والعشرون (والسابعة والخامسة) على ما تقدم. وقال الحافظ: يحتمل أن يريد بالتاسعة تاسع ليلة من العشر الأخير فتكون ليلة تسع وعشرين، ويحتمل أن يريد بها تاسع ليلة تبقى من الشهر فتكون ليلة إحدى أو اثنين بحسب تمام الشهر ونقصانه، ويرجح الأول قوله في الرواية الماضية في كتاب الإيمان. بلفظ: التمسوها في التسع والسبع والخمس أي في تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس وعشرين، وفي رواية لأحمد (ج٥ص٣١٩) في تاسعة تبقى-انتهى. (رواه البخاري) في الصوم وفي الإيمان وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص٣١٣، ٣١٩) والدارمي والبيهقي (ج٤ص٣١١) كلهم من رواية حميد عن أنس عن عبادة، ورواه مالك فقال عن حميد عن أنس قال خرج علينا، ولم يقل عن عبادة فجعل الحديث من مسند أنس، قال ابن عبد البر والصواب إثبات عبادة وإن الحديث من مسنده.
٢١١٦- قوله: (إذا كان ليلة القدر نزل جبريل ﵇ في كبكبة) بضمتين. وقيل بفتحتين جماعة متضامة من الناس وغيرهم على ما في النهاية (من الملائكة) فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح﴾ [القدر: ٤] وإيماء إلى تفسير الروح بجبريل فيكون من باب التخصيص المشعر بتعظيمه (يصلون على كل عبد) أي يدعون لكل عبدبالمغفرة أو يثنون على كل عبدبالثناء الجميل (قائم) كمصل وطائف وغيرها (أو قاعد يذكر الله عزوجل) صفة لكل (يعني يوم فطرهم) احتراز من عيد الأضحى (باهى) أي الله تعالى (بهم ملائكته) في النهاية، المباهاة المفاخرة. والسبب فيها اختصاص الإنسان بهذه العبادات التي هي الصوم.
стр. 3162
قالوا: ربنا جزاءه أن يوفى أجره. قال: ملائكتي! عبيدي وإمائي قضوا فريضتي عليهم، ثم خرجوا يعجون إلى الدعاء، وعزتي وجلالي وكرمي وعلوي وارتفاع مكاني لأجيبنهم. فيقول: ارجعوا قد غفرت لكم، وبدلت سيئاتكم حسنات. قال: فيرجعون مغفوراً لهم)) . رواه البيهقي في شعب الإيمان.
ــ
وقيام الليل وإحياءه بالذكر وغيره من العبادات، وهي غبطة الملائكة، ثم الأظهر إن هذه المباهاة مع الملائكة الذين طعنوا في بني آدم فيكون بياناً لإظهار قدرته إحاطة علمه قاله القاري (يا ملائكتي) إضافة تشريف (وفي) بالتشديد وتخفف (ربنا) بالنصب على النداء (جزاءه أن يوفى) بصيغة المجهول مشدداً ومخففاً (أجره) أي أجر عمله بالنصب، وقيل بالرفع قال ملائكتي) بحذف حرف النداء (عبيدي وإمائي) بكسر الهمزة جمع أمة، بمعنى الجارية (قضوا) أي أدوا (فريضتي) أي المختصة المخصومة بي، وهي الصوم الشاق (عليهم ثم خرجوا) من بيوتهم إلى مصلى عيدهم (يعجون) يضم العين وتكسر وبالجيم المشددة من عَجّ يَعُجِّ عَجّا وعجيِجا، صاح ورفع صوته (إلى الدعاء) أي يرفعون أصواتهم بالذكر والثناء متوجهين أو منتهين إلى الدعاء بالمغفرة لذنوبهم. وقيل: أي يرفعون أصواتهم وأيديهم إلى الدعاء (وعزتي) ذاتا (وجلالي) صفة (وكرمي) فعلاً (وعلوي) في الجميع (وراتفاع مكاني) أي مكانتي ومرتبتي من قدرتي وإرادتي عن شوائب النقصان، وحوادث الزمان والمكان فهو تسبيح بعد تحميد وتقديس بعد تمجيد قاله القاري، وقال الطيبي: إرتفاع المكان كناية عن عظمة شأنه وعلو سلطانه وإلا فالله تعالى منزه عن المكان وما ينسب إليه من العلو والسفل-انتهى. قلت: قد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى مستو على عرشه وعرشه فوق السماوات السبع، والاستواء هو الارتفاع والعلو فالله تعالى عال على عرشه بائن من خلقه وعلمه وقدرته في كل مكان، وكيفية استواءه مجهولة، ليس كمثله شيء وارجع إلى كتاب العلو للذهبي وكتاب الأسماء والصفات للبيهقي وإلى ما كتب في مسألة الاستواء على العرش شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية (لأجيبنهم) أي لأقبلن دعوتهم (فيقول) أي الله تعالى حينئذٍ (ارجعوا) أي من مصلاكم إلى مساكنكم (قد غفرت لكم) أي التقصيرات (وبدلت سيآتكم حسنات) بأن يكتب بدل كل سيئة حسنة في صحائف الأعمال فضلاً من الله الملك المتعال، وهو يحتمل أن يعم الصائمين، ويحتمل أن يكون الغفران للعاصين والتبديل للمطيعين التائبين، وهو أظهر لقوله تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات﴾ [الفرقان: ٧٠] (قال) أي النبي ﷺ (فيرجعون) أي جميعهم حال كونهم (مغفوراً لهم رواه البيهقي في شعب الإيمان) وأخرجه ابن حبان في الضعفاء مطولاً، وفيه أصرم بن حوشب قاضي همدان. قال يحي: كذاب خبيث.
стр. 3163
(٩) باب الإعتكاف
ــ
وقال البخاري ومسلم والنسائي. متروك الحديث. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات. وقال الحاكم والنقاش: يروي الموضوعات، وأخرجه ابن شاهين في الترغيب، والعقيلي في الضعفاء من طريق عباد بن عبد الصمد عن أنس وعباد هذا. قال الذهبي: إنه واه. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبوحاتم: عباد ضعيف جداً. وقال العقيلي: يروي عن أنس نسخة عامتها مناكير. وقال الذهبي: بعد الاشارة إلى هذا الحديث من رواية العقيلي، هذا حديث طويل يشبه وضع القصاص، واخرجه أيضاً الديلمي من طريق أبان عن انس. قال السيوطي: وأبان متروك وله شاهد من حديث ابن عباس ذكره المنذري في الترغيب. وقال رواه أبوالشيخ بن حبان في كتاب الثواب والبيهقي. قال المنذري: وليس في إسناده من أجمع على ضعفه.
(باب الاعتكاف) هو في اللغة، لزوم الشيء وحبس النفس عليه، والاقامة والاقبال عليه، والبث والمكث مطلقا، أي في أي موضع كان، وفي الشرع عبارة عن المكث في المسجد، ولزومه على وجه مخصوص، وهو افتعال من عكف على الأمر أي لزمه مواظباً عليه وعكفه على الأمر أي حبسه عليه وألزمه به. قال الراغب: العكوف الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له، وفي الشرع هو الاحتباس في المسجد على سبيل القربة، ويقال عكفته على كذا أي حسبته عليه. وقال الجوهري: عكفه أي حبسه يعكفه بضم عينها وكسرها عكفا وعكف على الشيء يعكف عكوفاً أي أقبل عليه مواظباً يستعمل لازماً فمصدره عكوف، ومتعدياً فمصدره عكف. وقال ابن قدامة: الاعتكاف في اللغة، لزوم الشيء وحبس النفس عليه برا كان أو غيره ومنه قوله تعالى: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء:٥٢] وقال: يعكفون على أصنام لهم. قال الخليل: عكف يعكف ويعكف وهو في الشرع الإقامة في المسجد على صفة يأتي ذكرها. وقال القسطلاني: هو لغة اللبث والحبس والملازمة على الشيء خيراً أو كان شراً. قال تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، وشرعا اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنيته- انتهى. قال الحافظ: وليس بواجب إلا على من نذره وكذا من شرع فيه فقطعه عامدا عند قوم. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرا فيجب عليه. وقال ابن رشد: الاعتكاف مندوب إليه بالشرع واجب بالنذر، ولا خلاف في ذلك إلا ما روى عن مالك أنه كره الدخول فيه مخافة أن يوفى شرطه_ قلت: حكى الحافظ في الفتح عن ابن نافع عن مالك أنه قال: فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة إتباعهم للأثر، فوقع في نفسي أنه كالوصال وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن- انتهى ومن كلام مالك أخذ بعض الصحابة إن الاعتكاف جائز وأنكر ذلك عليهم ابن العربي وقال: إنه سنة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال في
стр. 3164
﴿الفصل الأول﴾
٢١١٧- (١) عن عائشة، ((أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)) متفق عليه.
ــ
النبي ﷺ ما يدل على تأكده. وقال أبوداود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً أنه مسنون. وقد تعقب الحافظ قول مالك أنه لم يعتكف من السلف إلا أبوبكر بن عبد الرحمن، وقال لعله أراد صفة مخصوصة وإلا فقد حكى عن غير واحد من الصحابة أنه اعتكف- انتهى. وقال القدوري من الحنفية: الاعتكاف مستحب. وقال صاحب الهداية: والصحيح أنه سنة مؤكدة لأن النبي ﷺ واظب عليه في العشر الأواخر من رمضان. قال ابن الهما: والحق خلاف كل من الاطلاقين وهو أن يقال الاعتكاف ينقسم إلى واجب وهو المنذور نتجيزا أو تعليقا وإلى سنة مؤكدة أي سنة كفاية لاقترانها بعدم الإنكار على من لم يفعله من الصحابة وهو اعتكاف العشر الأواخر من رمضان وإلى مستحب وهو ما سواهما.
٢١١٧- قوله: (كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله) وفي رواية، حتى قبضه الله. قال السندي: يمكن أن يكون ذلك بعد ما أرى ليلة القدر في العشر الأخير وهو لا ينافي اعتكاف العشر الأوسط قبل ذلك فلا ينافي ما سبق من حديث أبي سعيد- انتهى. ويؤيد هذا الجمع ما روى عن أم سلمة أن النبي ﷺ اعتكف أول سنة العشر الأول، ثم اعتكف العشر الوسطى ثم اعتكف العشر الأواخر، وقال: إني رأيت ليلة القدر فيها فأنسيتها فلم يزل رسول الله ﷺ يعتكف فيهن حتى توفي ﷺ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢ ص٧٣) وعزاه للطبراني في الكبير وقال إسناده حسن. وفي الحديث دليل على أن الاعتكاف لم ينسخ وأنه من السنن المؤكدة في العشر الأواخر من رمضان لتخصيصه ﷺ ذلك الوقت بالمواظبة على اعتكافه. قال ابن الهمام: هذه المواظبة المقرونة بعدم الترك مرة لما اقترنت بعدم الإنكار على من لم يفعله من الصحابة كانت دليل السنية وإلا كانت دليل الوجوب أو نقول اللفظ وإن دل على عدم الترك ظاهراً لكن وجدنا صريحاً يدل على الترك وهو ما في الصحيحين وغيرهما، كان ﷺ يعتكف في كل رمضان فإذا صلى الغداة حل مكانه الذي اعتكف فيه فاستأذنته عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت فيه قبة فسمعت بها حفصة فضربت فيه قبة فسمعت زينب فضربت فيه قبةٌ أخرى، فلما انصرف النبي ﷺ من الغداة أبصر أربع قباب فقال: ما هذا فأخبر خبرهن فقال: ما حملهن على هذا البر؟ أنزعوها فنزعت فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر من شوال وفي رواية حتى اعتكف العشر الأول من شوال (ثم اعتكف أزواجه من بعده) أي من بعد موته إحياء لسنته وإبقاء لطريقته.
стр. 3165
فيه دليل على أن الاعتكاف ليس من الخصائص وإن النساء كالرجال في الاعتكاف وقد كان ﵇ إذن لبعضهن كما تقدم. وأما إنكاره عليهن الاعتكاف بعد الإذن فلمعنى آخر. فقيل: خوف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه أو ذهاب المقصود من الاعتكاف بكونهن معه في المعتكف أو لتضييقهن المسجد بأبنيتهن. قال النووي: في هذا الحديث دليل لصحة اعتكاف النساء لأنه ﷺ كان أذن لهن ولكن عند أبي حنيفة إنما يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الموضع المهيأ في بيتها لصلاتها، قال. ولا يجوز للرجل في مسجد بيته. ومذهب أبي حنيفة قول قديم للشافعي ضعيف عند أصحابه- انتهى وقال العيني قال أصحابنا المرأة تعتكف في مسجد بيتها وبه قال النخعي والثوري وابن عليه، ولا تعتكف في مسجد جماعة ذكره في الأصل، وفي منية المفتى لو اعتكفت في المسجد جاز، وفي المحيط روى الحسن عن أبي حنيفة جوازه وكراهته في المسجد وفي البدائع لها أن تعتكف في مسجد الجماعة في رواية الحسن عن أبي حنيفة، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيها، ومسجد حيها أفضل لها من المسجد الأعظم- انتهى. وقال الحافظ: قد أطلق الشافعي كراهته لهن في المسجد الذي تصلي فيه الجماعة، واحتج بحديث الباب يعني حديث عائشة الذي تقدم في كلام ابن الهمام فانه دال على كراهة الاعتكاف للمرأة إلا في مسجد بيتها لأنها تتعرض لكثرة من يراها، وشرط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها. وفي رواية لهم إن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها وبه قال أحمد- انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣ ص١٩٠) وللمرأة أن تعتكف في كل مسجد، ولا يشترط إقامة الجماعة فيه لأنها غير واجبة عليها، وبهذا قال الشافعي: وليس لها الاعتكاف في بيتها. وقال أبوحنيفة والثوري: لها اعتكاف في مسجد بيتها، واعتكافها فيه أفضل لأن صلاتها فيه أفضل وحكى عن أبي حنيفة أنها لا يصح اعتكافها في مسجد الجماعة لأن النبي ﷺ ترك الاعتكاف في المسجد لما رأى أبنية أزواجه فيه، ولأن مسجد بيتها موضع فضيلة صلاتها، فكان موضع اعتكافها كالمسجد في حق الرجل. ولنا قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة:١٨٧] والمراد به المواضع التي بنيت للصلاة فيها وموضع صلاتها في بيتها ليس بمسجد لأنه لم يبن للصلاة فيه وإن سمى مسجداً كان مجازاً، فلا يثبت له أحكام المساجد الحقيقية، ولأن أزواج النبي ﷺ استأذنه في الاعتكاف في المسجد فأذن لهن ولو لم يكن موضعاً لاعتكافهن لما أذن فيه، ولو كان الاعتكاف في غيره أفضل لدلهن عليه ونبهن عليه ولأن الاعتكاف قربة يشترط لها المسجد في حق الرجل فيشترط في حق المرأة كالطواف. وحديث عائشة حجة لنا لما ذكرنا وإنما كره اعتكافهن في تلك الحال حيث كثرن أبنيتهن لما رأى من منافستهن فكرهه منهن خشية عليهن من فساد نيتهن ولذلك ترك الاعتكاف لظنه إنهن يتنافسن في الكون معه ولو كان للمعنى الذي ذكروه لأمرهن بالاعتكاف في بيوتهن، ولم يأذن لهن في المسجد. وأما الصلاة فلا يصح إعتبار الاعتكاف بها، فإن صلاة الرجل في بيته أفضل ولا يصح اعتكافه فيه- انتهى.
стр. 3166
٢١١٨- (٢) وعن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان،
ــ
وقال ابن رشد: أما سبب اختلافهم في اعتكاف المرأة فمعارضة القياس للأثر، وذلك أنه ثبت أنه ﷺ أذن لبعض أزواجه في الاعتكاف في المسجد، فكان هذا دليلاً على جواز اعتكاف المرأة في المسجد. وأما القياس المعارض لهذا فهو قياس الاعتكاف على الصلاة، وذلك أنه لما كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل منها في المسجد على ما جاء الخبر وجب أن يكون الاعتكاف في بيتها أفضل قالوا: وإنما يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد مع زوجها فقط على نحو ما جاء في الأثر من إذنه ﷺ لعائشة في الاعتكاف معه وكأنه نحو من الجمع بين القياس والأثر انتهى بتغيير يسير. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي في الكبرى والدارقطني (ص٢٤٧) والبيهقي (ج٤ ص٣١٥) .
٢١١٨- قوله: (أجود الناس) بنصب أجود لأنه خبر كان، وقدم ابن عباس هذه الجملة على ما بعدها وغنة كانت لا تتعلق بالقرآن على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها أي لئلا يتخيل من قوله: وأجود ما يكون في رمضان أن الأجودية منه خاصة برمضان. وأجود مشتق من الجود، وهو الكرم والسخاء وهو من الصفات المحمودة أي كان إسخاهم على الإطلاق. وقد أخرج الترمذي من حديث سعد (إن الله جواد يحب الجود) - الحديث. وله في حديث أنس رفعة أنا أجود ولد آدم وأجودهم بعدي رجل علم علماً فنشر علمه. ورجل جاد بنفسه في سبيل الله وفي سنده مقال، وفي الصحيح من وجه آخر عن أنس كان النبي ﷺ أشجع الناس وأجود الناس- الحديث. (بالخير) اسم جامع لكل ما ينتفع به أي كان رسول الله ﷺ في حد ذاته بقطع النظر عن أوقاته الكريمة وأحواله الكريمة أشد الناس جوداً بكل خير من خيري الدنيا والآخرة لله وفي الله من بذل العلم، والمال وبذل نفسه لإظهار الدين، وهداية العباد وإيصال النفع غليهم بكل طريق وقضاء حوائجهم وتحمل أثقالهم (وكان أجود ما يكون) "ما" مصدرية، وهو جمع لأن أفعل التفضيل إنما يضاف إلى جمع، والتقدير كان أجود أكوانه ويجوز في أجود الرفع والنصب، أما الرفع فهو أكثر الروايات وأشهرها ووجهه أن يكون اسم كان وخبره محذوف وقوله (في رمضان) في محل نصب على الحال قائم مقام الخبر المحذوف الذي هو حاصل أو واقع على ما تقرر في باب أخطب ما يكون الأمير قائماً، والتقدير كان أجود أكوانه ﷺ حاصلاً حال كونه في رمضان،
стр. 3167
وإن شئت جعلت في رمضان هو الخبر كقولهم ضربي في الدار، لأن المعنى كان أجود أكوانه أي الكون الذي هو أجود الأكوان حاصلاً في هذا الوقت فلا يتعين أن يكون من باب أخطب ما يكون الأمير قائماً ووجه آخر أن يكون في كان ضمير الشأن وأجود ما يكون مبتدأ، وخبره في رمضان والتقدير كان الشأن أجود أكوان الرسول ﷺ في رمضان أي حاصل في رمضان. ووجه آخر في كان ضمير يعود إلى النبي ﷺ ويجعل أجود ما يكون إما مبتدأ خبره قوله في رمضان من باب قولهم أكثر شربي السويق في يوم الجمعة، والجملة بكمالها خبر كان كقولك كان زيد أحسن ما يكون في يوم الجمعة، وأما بدلاً من الضمير في كان فيكون من بدل الاشتمال كما تقول كان زيد علمه حسنا. ووجه آخر أن يكون أجود اسم كان ويكون الوقت مقداراً كما في مقدم الحاج، والتقدير كان أجود أوقات كونه في رمضان وإسناد الجود إلى أوقاته ﵊ على سبيل المبالغة كإسناد الصوم إلى النهار والقيام إلى الليل في قولهم نهاره صائم وليله قائم وأما النصب فهو رواية الأصيلي ووجهه أن يجعل اسم كان ضمير النبي ﷺ وأجود خبرها "وما" حينئذٍ مصدرية ظرفية، والتقدير كان رسول الله ﷺ مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره. وقال البدر الدماميني في المصابيح: ولك مع نصب أجود أن تجعل "ما" نكرة موصوفة فيكون في رمضان متعلقاً "بكان" مع أنها ناقصة بناء على القول بدلالتها على الحدث، وهو صحيح عند جماعة واسم "كان" ضمير عائد إلى النبي ﷺ أو إلى جوده المفهوم مما سبق أي وكان ﷺ في رمضان أجود شيء يكون، أو وكان جوده في رمضان أجود شيء يكون فجعل الجود متصفاً بالأجودية مجازاً كقولهم شعر شاعر- انتهى. قلت: ويؤيد الرفع ويرجحه وروده بدون كان عند البخاري في المناقب في باب صفة النبي ﷺ وفي فضائل القرآن. وإنما كان ﷺ أجود ما يكون في رمضان لنه موسم الخيرات وتزايد الخيرات فإن الله تعالى يتفضل على عباده في هذا الشهر ما لا يتفضل عليهم في غيره فأراد ﷺ متابعة سنة الله عزوجل (كان جبريل يلقاه) أي ينزل عليه، وفي رواية مسلم (إن جبريل كان يلقاه) وللبخاري (وكان جبريل يلقاه) وفي رواية له أيضاً (لأن جبريل كان يلقاه) (كل ليلة) وفي رواية (في كل ليلة) (في رمضان) زاد في رواية حتى ينسلخ أي رمضان وهذا ظاهر في أنه كان يلقاه في كل رمضان منذ أنزل عليه القرآن إلى رمضان الذي توفى بعده وليس بمقيد برمضانات الهجرة وإن كان أيام شهر رمضان إنما فرض بعد الهجرة إذ أنه كان يسمى به قبل فرض صومه، نعم يحتمل أنه لم يعارضه في رمضان من السنة الأولى لوقوع ابتداء النزول فيها ثم فتر الوحي
стр. 3168
يعرض عليه النبي ﷺ القرآن فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة)) .
ــ
ثم تتابع (يعرض) بفتح الياء وكسر الراء أي يقرأ (عليه النبي ﷺ القرآن) أي بعضه أو معظمه. قال ابن حجر: يعني على جهة المدارسة كما في رواية للبخاري فيدارسه القرآن، وهي أن تقرأ على غيرك مقداراً معلوماً ثم يقرأ عليك أو يقرأ قدره مما بعده وهكذا- انتهى. قيل: الحكمة فيه إن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس. والغنى سبب الجود والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة، وأيضاً فرمضان موسم الخيرات لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره فكان النبي ﷺ يؤثر متابعة سنة الله في عباده، فبمجموع ما ذكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد في الجود والعلم عند الله. وفي الحد إطلاق القرآن على بعضه وعلى معظمه لأن أول رمضان من البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده إلى رمضان الأخير فكان قد نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور وكان في سنة عشر إلى أن توفي ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ومما نزل في تلك المدة ﴿اليومَ أكملتُ لكُم دينكم﴾ [المائدة:٣] فإنها نزلت يوم عرفة بالاتفاق، ولما كان ما نزل في تلك الأيام قليلاً اغتفروا أمر معارضته فاستفيد منه إطلاق القرآن على بعضه مجازاً، ومن ثم لا يحنث من حلف ليقرأ القرآن فقرأ بعضه إلا أن قصد الجميع كذا في الفتح. وإنما خص الليل المذكور بمعارضة القرآن لأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم والليل مظنة ذلك بخلاف النهار، فإن فيه الشواغل والعوارض على ما لا يخفى، ولعله ﷺ كان يقسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان أجزاء فيقرأ كل ليلة جزأ في جزء من الليلة، وبقية ليلته لما سوى ذلك من تهجد وراحة وتعهد أهله، ويحتمل انه كان يعيد ذلك الجزء مراراً بحسب تعدد الحروف المنزل بها القرآن (فإذا لقيه جبريل كان) أي النبي ﷺ (أجود بالخير من الريح المرسلة) بفتح السين أي المطلقة يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة وإلى عموم النفح بجوده كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه. قال ابن المنير: وجه التشبيه بين أجوديته ﷺ بالخير، وبين أجودية الريح المرسلة إن المراد بالريح، ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى: لإنزال الغيث العام الذي يكون سبباً لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة ﷺ . وقال الطيبي: يحتمل أنه أراد بها التي أرسلت بالبشرى بين يدي رحمة الله تعالى، وذلك لشمول روحها وعموم نفعها قال تعالى: ﴿والمرسلات عرفاً﴾ [المرسلات-١] فاحد الوجوه في الآية أنه أراد بها الرياح المرسلات للإحسان والمعروف، ويكون انتصاب عرفا بالمفعول له يعني هو أجود من تلك الريح في عموم النفع والإسراع فيه،
стр. 3169
متفق عليه.
ــ
ولفظ الخير شامل لجميع أنواعه بحسب إختلاف ما جاءت الناس به، وكان ﵊ يجود على كل أ؛ د منهم بما يسد خلته ويشفى علته. قال الحافظ: في الحديث جوازاً لمبالغة في التشبيه، وجواز تشبيه المعنوي بالمحسوس ليقرب لفهم سامعه وذلك أنه أثبت له أولاً وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك فشبه جوده بالريح المرسلة بل جعله أبلغ في ذلك، منها، لأن الريح قد تسكن. وفيه الاحتراس لأن الريح منها العقيم الضار، ومنها المبشر بالخير فوصفها بالمرسلة ليعين الثاني قال تعالى: ﴿هو الذي يرسل الرياح بشراً﴾ [الأعراف:٥٧] فالريح المرسلة تستمر مدة إرسالها، وكذا كان عمله ﷺ في رمضان ديمة لا تنقطع، وفيه استعمال أفعل التفضيل في الإسناد الحقيقي والمجازي لأن الجود منه ﷺ حقيقة ومن الريح مجاز-انتهى. وقيل: وتعبيره بأفضل نص في كونه أعظم جوداً منها لأن الغالب عليها أن تأتي بالمطر، وربما خلت عنه وهو لا ينفك عن العطاء والجود. قال الطيبي: شبه نشر جوده بالخير في العباد بنشر الريح القطر في البلاد وشتان ما بين الأثرين، فإن أحدهما يحيى القلوب بعد موتها، والأخر يحيى الأرض بعد موتها. وقال بعضهم: فضل جوده على جود الناس، ثم فضل جوده في رمضان على جود في غيره، ثم فضل جوده في ليالي رمضان وعند لقاء جبريل على جوده في سائر أوقات رمضان، ثم شبه بالريح المرسلة في التعميم والسرعة. قال ابن الملك: لأن الوقت إذا كان أشرف يكون الجود فيه أفضل-انتهى. وفي الحديث فوائد، منها الحث على الجود في كل وقت ومنها الزيادة في رمضان وعند الاجتماع بأهل الصلاح، وفيه زيارة الصلحاء وأهل الخير وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه، واستحباب الإكتثار من القراءة في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار إذ لو كان الذكر أفضل أو مساوياً لفعلاه. فإن قيل: المقصود تجويده الحفظ. قلنا: الحفظ كان حاصلاً والزيادة فيه تحصل ببعض هذه المجالس (متفق عليه) أخرجه البخاري في بدأ الوحي والصوم وصفة النبي ﷺ وبدأ الخلق وفضائل القرآن، ومسلم في فضائل النبي ﷺ ، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١:ص٢٣١-٢٨٨-٣٢٦-٣٦٣-٣٦٦-٣٧٣) وزاد في رواية لا يسئل عن شيء إلا أعطاه، وأخرجه الترمذي في الشمائل والبيهقي (ج٤:ص٣٠٥) قال ابن حجر: فإن قلت ما وجه مناسبة ذكر هذا الحديث لهذا الباب: لأن غاية الأجودية فيه إنما حصلت في حال الاعتكاف لأن أفضل أوقات مدارسة جبريل له العشر الأخير، وهو فيه معتكف كما مر في الحديث الأول فكأن المصنف وأصله يقولان بتأكد الاعتكاف في العشر الأخير لأن له غايات علية إلا أرى إن غاية جوده ﵊ إنما كانت تحصل وهو معتكف وأبدى شارح لذلك مناسبة بعيدة جداً فقال قلت من حيث إتيان أفضل الملائكة إلى أفضل خليقة بأفضل كلام من أفضل متكلم في أفضل أوقات، فالمناسب أن يكون في أفضل بقاع-انتهى.
стр. 3170
٢١١٩- (٣) وعن أبي هريرة، قال: ((كان يعرض على النبي ﷺ : القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض، وكان يعتكف كل عام عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض))
ــ
٢١١٩- قوله: (كان يعرض على النبي ﷺ هو فعل لم يسم فاعله للعلم به أي كان جبريل يعرض عليه. قال الحافظ: كذا لهم بضم أوله على البناء للمجهول وفي بعضها بفتح أوله بحذف الفاعل، فالمحذوف هو جبريل صرح به في رواية الإسماعيلي، ولفظه كان جبريل يعرض على النبي ﷺ القرآن في كل رمضان، ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم من أن النبي ﷺ كان يعرض على جبريل، لأنه يحمل على أن كلاً منهما كان يعرض على الآخر على سبيل المدارسة. (القرآن) أي معظمه أو بعضه (كل عام مرة) أي ليالي رمضان من زمن البعثة أو من بعد فترة الوحي إلى رمضان الذي توفي بعده. (فعرض) أي القرآن (عليه) أي على النبي (مرتين) في رواية إسماعيلي عرضتين (في العام الذي قبض) زاد في رواية فيه، واختلف هل كانت العرضة الأخيرة بجميع الأحرف السبعة المأذون في قراءتها أو بحرف واحد منها، وعلى الثاني فهل هو الحرف الذي جمع عليه عثمان الناس أو غيره. وقد روى أحمد وابن أبي داود والطبري من طريق عبيدة السلماني أن الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة، ونحوه عند الحاكم من حديث سمره وإسناده حسن وقد صححه هو ولفظه عرض القرآن على رسول الله ﷺ عرضات، ويقولون إن قراءتنا هي العرضة الأخيرة. وأخرج أبوعبيد من طريق داود بن أبي هند قال قلت للشعبي قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة:١٨٥] أما كان ينزل عليه سائر السنة؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض النبي ﷺ في رمضان ما أنزل عليه فيحكم الله ما يشاء وينسخ ما يشاء، فكان السر في عرضه مرتين في سنة الوفاة استقراره على ما كتب في المصحف العثماني، والاقتصار عليه وترك ما عداه، ويحتمل أن يكون لأن رمضان في السنة الأولى من نزول القرآن لم يقع فيه مدارسة لوقوع ابتداء النزول في رمضان ثم فتر الوحي فوقعت المدارسة في السنة الأخيرة في رمضان مرتين ليستوي عدد السنين والعرض (وكان يعتكف كل عام عشراً) وفي رواية يعتكف في كل رمضان عشرة أيامٍ وفي رواية النسائي يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وهذا محمول على الغالب لأنه قد جاء أنه فاته سنة فقضى (فاعتكف عشرين) بكسر العين والراء العقد الذي بعد العشر أي عشرين يوماً من رمضان، ويحتمل أن يكون بفتحهما على التثنية، والمراد العشر الأوسط والأخير لأن الظاهر من إطلاق العشرين إنها متوالية، والعشر الأخير منها فيلزم منه دخول العشر الأوسط فيها، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يختص بالعشر الأخير وإن كان هو فيه أفضل (في العام الذي قبض) أي توفي فيه قيل: وجه التضعيف في العام الأخير من
стр. 3171
رواه البخاري.
٢١٢٠ - (٤) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف أدنى إلى رأسه وفي المسجد فأرجله،
ــ
الاعتكاف أنه ﷺ علن بانقضاء أجله فأراد أن يستكثر من أعمال الخير ليبين لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر ليلقوا الله على خير أحوالهم. وقيل: السبب فيه إن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل رمضان مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين فلذلك اعتكف قدر ما كان يعتكف مرتين. والحاصل أنه فعل ذلك مناسبة لعرض القرآن مرتين، ولعله وقع كل عرض في عشر. وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون سبب ذلك أنه لما ترك الاعتكاف في العشر الأخير بسبب ما وقع من أزواجه واعتكف بدله عشراً من شوال اعتكف في العام الذي يليه عشرين ليتحقق قضاء العشر في رمضان- انتهى. قال الحافظ: وأقوى من ذلك أنه إنما اعتكف في ذلك العام عشرين لأنه كان في العام الذي قبله مسافراً، ويدل لذلك ما أخرجه النسائي واللفظ له وأبوداود وصححه ابن حبان وغيره من حديث أبي بن كعب أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاماً فلم يعتكف، فلما كان العام القابل اعتكف عشرين، ويحتمل تعدد هذه القصة بتعدد السبب فيكون مرة بسبب ترك الاعتكاف لعذر السفر ومرة بسبب عرض القرآن مرتين- انتهى. (رواه البخاري) أي بتمامه في فضائل القرآن وكذا النسائي في الكبرى، ورواه ابن ماجه في الصوم وأخرج البخاري أيضاً وأبوداود والدارمي والبيهقي في الصوم قصة الاعتكاف.
٢١٢٠- قوله: (أدنى) من الإدناء أي قرب (إليّ) بتشديد الياء (رأسه بالنصب يعني أخرج إلى رأسه من المسجد وأنا في حجرتي، ففي رواية للبخاري إنها كانت ترجل النبي ﷺ وهي حائض وهو معتكف في المسجد وهي في حجرتها يناولها رأسه وفي رواية أحمد والنسائي كان يأتيني وهو معتكف في المسجد فيتكئ على باب حجرتي فاغسل رأسه وسائره في المسجد (وهو في المسجد) حال مؤكده) (فأرجله) من الترجيل بالجيم وهو تسريح الشعر أي استعمال المشط في الرأس وتنظيفه وتحسينه أي أصلح شعر رأسه بالمشط وأنظفه وأحسنه فهو من مجاز الحذف، لأن الترجيل للشعر لا للرأس، أو من إطلاق اسم المحل على الحال وفيه دليل على استحباب تسريح شعر الرأس، وإذا لم يترك النبي ﷺ ذلك في زمن اعتكافه مع قصره واشتغاله بالعبادة ففي غيره أولى، وفيه أنه يجوز للمعتكف التنظيف والتطيب والغسل والحلق والتزين إلحاقاً بالترجل. قال الخطابي في الحديث من الفقه: إن ترجيل الشعر يجوز للمعتكف وفي معناه حلق الرأس وتقليم الأظفار وتنظيف البدن من الشعث والدرن. وقال الحافظ: والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد وعن مالك تكره فيه الصنائع والحرف حتى طلب العلم- انتهى. وفيه إن المعتكف إذا
стр. 3172
وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)) .
ــ
أخرج بعضه عن المسجد كيده ورجله ورأسه لم يبطل اعتكافه، لأن إخراج البعض لا يجري مجرى الكل، وإن من حلف أن لا يدخل داراً أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعضه لا يحنث حتى يخرج رجليه ويعتمد عليها، وفيه إن الاعتكاف لا يصح في غير المسجد وإلا لكان يخرج منه لترجيل الرأس، وفيه إن بدن الحائض طاهر إلا موضع الدم إذ لو كان نجساً لما أمكنها رسول الله ﷺ من ترجيل رأسه وغسله وفيه استخدام الزوجة في الغسل والطبخ والخبز وغيرها برضاها. قال النووي: وعلى هذا تظاهرت دلائل السنة وعمل السلف وإجماع الأمة. وأما بغير رضاها فلا يجوز لأن الواجب عليها تمكين زوجها من نفسها وملازمة بيته فقط- انتهى. قال الولي العراقي في شرح التقريب: (ج٤ ص١٧٦) وهذا الذي ذكره إنما هو بطريق القياس فإنه ليس منصوصاً، وشرط القياس مساواة الفرع للأصل، وفي الفرع هنا زيادة مانعة من الإلحاق وهي المشقة الحاصلة من الغسل والطبخ ونحوهما فلا يلزم من استخدامها في الأمر الخفيف احتمال ذلك في الثقيل الشديد، ولسنا ننكر هذا الحكم فإنه متفق عليه، وإنما الكلام في الاستدلال من الحديث والله أعلم. (وكان لا يدخل البيت) أي بيته وهو معتكف (إلا لحاجة الإنسان) قال الجزري في جامع الأصول (ج١ ص٣٢٤) حوائج الإنسان كثيرة والمراد منها ههنا كل ما يضطر إليه مما لا يجوز له فعله في معتكفة- انتهى. وفسرها الزهري بالبول والغائط، وقد وقع الإجماع على استثناءهما واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب وعيادة المريض وشهود الجنازة والجمعة ويلتحق بالبول والغائط والقيء والفصد والحجامة وغسل الجنابة لمن احتاج إلى ذلك. قال الباجي: تريد عائشة لا يدخل بيته إلا لضرورة قضاء الحاجة وأفعال النبي ﷺ على الوجوب، وهذا يقتضي أن المعتكف لا يدخل بيته إلا لضرورة حاجة الإنسان وما يجري مجراه من طهارة الحدث وغسل الجنابة والجمعة مما تدعوا لضرورة إليه ولا يفعل في المسجد ولا يدخله لأكل أو نوم ولا غيره من الأفعال التي يباح فعلها في المسجد- انتهى. وقال ابن قدامة: (ج٣ ص١٩١) إن المعتكف ليس له الخروج من معتكفه إلا لما لابد منه ثم ذكر حديث عائشة هذا وحديثها الآتي في الفصل الثاني بلفظ: السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لابد منه ثم قال ولا خلاف في أن له الخروج لما لابد منه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول، ولأن هذا مما لابد منه ولا يمكن فعله في المسجد قال: والمراد بحاجة الإنسان البول والغائط كنى بذلك عنهما لأن كل إنسان يحتاج إلى فعلهما وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن من يأتيه به فله الخروج إليه إذا احتاج إليه وإن بغتة القيء فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد وكل ما لابد منه، ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه، ولا يفسد اعتكافه، وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه، فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة. ويلزم السعي إليها فله الخروج إليها ولا يبطل اعتكافه، وبهذا
стр. 3173
متفق عليه.
٢١٢١ - (٥) وعن ابن عمر، أن عمر سأل النبي ﷺ قال: ((كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة
ــ
قال أبوحنيفة. وقال الشافعي: لا يعتكف في غير الجامع إذا كان اعتكافه يتخلله جمعة نذر اعتكافاً فخرج منه لصلاة الجمعة بطل اعتكافه، وعليه الاستئناف. ولنا أنه خرج لواجب فلم يبطل اعتكافه كالمعتدة تخرج لقضاء العدة وكالخارج لإنقاذ غريقٍ أو إطفاء حريقٍ أو أداء شهادة تعينت عليه- انتهى. وسيأتي مزيد الكلام على ذلك في الفصل الثاني (متفق عليه) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، وفي الصوم وفي اللباس، ومسلم في الطهارة واللفظ له إلا قوله "أدنى" فإنه للترمذي، والذي في صحيح مسلم يدنى أي بلفظ " المضارع" وكذا وقع عند مالك وأبي داود وابن ماجه، والبيهقي (ج٤ ص٣١٥) .
٢١٢١- قوله: (أن عمر سأل النبي ﷺ ) أي بالجعرانه لما رجعوا من حنين كما في رواية البخاري في النذر، ويستفاد منه الرد على من زعم أن اعتكاف عمر كان قبل المنع من الصيام في الليل، لأن غزوة حنين متأخرة عن ذلك (كنت نذرت في الجاهلية) زاد مسلم (فلما أسلمت وسألت) وفيه ردّ على من زعم أن المراد بالجاهلية ما قبل فتح مكة وأنه إنما نذر في الإسلام، وأصرح من ذلك ما أخرجه الدارقطني ثم البيهقي من طريق سعيد بن بشير عن عبيد الله بلفظ: نذر عمر في الشرك أن يعتكف (أن اعتكف ليلة) استدل به على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن الليل ليس بوقت صوم وقد أمره ﷺ أن يفيء بنذره على الصفة التي أوجبها. قال الحافظ: لو كان الصوم شرطاً لصحة الاعتكاف لأمره النبي ﷺ به وتعقب بأن في رواية للشيخين يوماً بدل "ليلة" وقد جمع ابن حبان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها ومن أطلق يوماً أراد بليلته وأجاب ابن الجوزي عن رواية اليوم بجوابين. أحدهما: احتمال أن يكون نذر نذرين فيكون كل لفظ منهما حديثاً مستقلاً والثاني: أنه ليس فيه حجة إذ لا ذكر للصوم فيه- انتهى. قيل: قد ورد الأمر بالصوم برواية الثقة وهو عبد الله بن بديل عند أبي داود والنسائي صريحاً بلفظ: إن النبي ﷺ قال له: اعتكف وصم، وابن بديل قال فيه ابن معين مكي صالح، وذكره ابن حبان وابن شاهين في الثقات، وزيادة الثقة مقبولة، ومن لم يذكر الشي ليس بحجة على من ذكره كذا قال ابن التركماني. قلت: هذه الرواية أخرجها أبوداود والنسائي والدارقطني (ص٢٤٧) والبيهقي (ج٤ ص٣١٦) والحاكم (ج١ ص٤٣٩) كلهم من طريق عبد الله ابن بديل بن ورقاء المكي الخزاعي. قال الحافظ: وهو ضعيف وذكر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار- انتهى. قلت: قال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن بديل الخزاعي عن عمرو، وهو ضعيف
стр. 3174
الحديث، وقال سمعت أبا بكر النيسابوري يقول هذا حديث منكر لأن الثقات من أصحاب عمر ولم يذكروا فيه الصوم، منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم، وابن بديل ضعيف الحديث- انتهى. وقال ابن عدي: له أحاديث تنكر عليه فيها زيادة في المتن أو في الإسناد ثم يروي له هذا الحديث، وقال لا أعلم ذكر فيه الصوم مع الاعتكاف إلا من روايته- انتهى. وقال في التقريب في ترجمته: صدوق يخطئ- انتهى. فالظاهر إن زيادة الأمر بالصوم في روايته من خطأه. قال الحافظ: ورواية من روى يوماً شاذة. وقد وقع في رواية سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عند البخاري في الاعتكاف فاعتكف ليلة، فدل على أنه لم يزد على نذره شيئاً وإن الاعتكاف لا صوم فيه وأنه لا يشترط له حدٍ معين. قال وباشتراط الصيام. قال ابن عمر وابن عباس أخرجه عبد الرزاق عنهما بإسناد صحيح وعن عائشة نحوه، وبه قال مالك والأوزاعي والحنفية. واختلف عن أحمد وإسحاق- انتهى. وقال القسطلاني: هذا أي عدم اشتراط الصوم مذهب الشافعية والحنابلة، وعن أحمد أيضاً لا يصح إلا بصوم، والأول هو الصحيح عندهم وعليه أصحابهم. وقالت المالكية والحنفية: لا يصح إلا بصوم انتهى. قلت: ذهبت الشافعية إلى عدم اشتراط الصوم مطلقاً، سواءً كان الاعتكاف واجباً أو نفلاً، وهو مذهب الحنابلة إلا أن يكون نذر الاعتكاف بصوم فيجب حينئذٍ بالنذر لا بالاعتكاف. قال الخرقى: ويجوز بلا صوم إلا أن يقول في نذره بصوم. قال ابن قدامة: المشهور في المذهب إن الاعتكاف يصح بغير صوم روى ذلك عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وطاووس والشافعي وإسحاق، وعن أحمد رواية أخرى إن الصوم شرط في الاعتكاف، قال: إذا اعتكف يجب عليه الصوم، وروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وبه قال الزهري ومالك وأبوحنيفة والليث والثوري والحسن بن حيى- انتهى. قلت: وذهبت المالكية إلى اشتراط الصوم مطلقاً سواءً كان الاعتكاف مندوباً أو واجباً فالكل عندهم سواء في ذلك، وعند الحنفية فيه تفصيل. قال الشمني: الصوم شرطٌ لصحة الاعتكاف الواجب روايةً واحدة، ولصحة التطوع (أي المندوب) رواية الحسن عن أبي حنيفة (لأن التطوع في رويته مقدر بيوم) وأما في رواية الأصل وهو قول محمد بل قيل إنه ظاهر الرواية عن الفقهاء الثلاثة فليس بشرط (بناءً على أن التطوع غير مقدر بيوم في رواية الأصل) لأن مبنى النفل على المساهلة- انتهى. وهذا هو المرجح عندهم. وأما القسم الثالث من الاعتكاف وهو المسنون المؤكد فالمتون ساكتة عن بيان حكمه، ومال ابن عابدين إلى اشتراط الصوم فيه قال: لأنه مقدر بالعشر الأخير حتى لو اعتكفه بلا صوم لمرضٍ أو سفرٍ ينبغي أن لا يصح عنه بل يكون نفلاً فلا تحصل به إقامة سنة الكفاية، ورجح ابن نجيم في البحر عدم اشتراط الصوم في هذا القسم، قلت: واحتج من ذهب إلى اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف مطلقاً بأنه ﷺ لم يعتكف إلا يصوم وفيه نظر لما صح عن عائشة أن النبي ﷺ اعتكف في
стр. 3175
العشر الأول من شوال ومن جملتها يوم الفطر، قال الإسماعيلي: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن أول شوال هو يوم الفطر وصومه حرام، وأجاب العيني عن ذلك بأنه ليس فيه دليل لما قاله، لأن المراد من قوله: اعتكف في العشر الأول أي كان ابتداءه في العشر الأول فإذا اعتكف من اليوم الثاني من شوال يصدق عليه أنه ابتدأ في العشر الأول واليوم الأول منه يوم أكلٍ وشربٍ وبعال كما ورد في الحديث، والاعتكاف هو التخلي للعبادة فلا يكون اليوم الأول محلاّ له بالحديث. وقال ابن التركماني: من اعتكف الأيام التسعة من شوال يصدق عليه أنه اعتكف في العشر، وفي الصحيحين أنه ﵇ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ولم يكن يستغرق العشر كلها- انتهى. ولا يخفى ما في كلامهما من التكلف وارتكاب المجاز. واحتجوا أيضاً لذلك بحديث عائشة آخر أحاديث الفصل الثاني وسيأتي الجواب عنه هناك. واحتج بعض المالكية لذلك بقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون بالمساجد﴾ [البقرة:١٨٧] قال فذكر الاعتكاف عقب الصوم وتعقب بأنه ليس فيه ما يدل على تلازمهما وإلا لزم أن لا صوم إلا بالاعتكاف ولا قائل به كذا قال الحافظ: وتبعه الشوكاني ورُدّ ذلك بأنهم لم يدعوا التلازم بل مفاد كلامهم ملزومية الاعتكاف للصائم واللازم إذا كان أعم كالصوم هنا ينفرد عن الملزوم أي يوجد بدونه فسقط قوله، وإلا لزم أن لا صوم إلا باعتكاف بخلاف الملزوم الذي هو الاعتكاف لا يوجد إلا بلازمه وهو الصوم. وفيه إن مجرد ذكر الاعتكاف مع الصوم أو خطاب الصائمين في قوله: ﴿ولا تباشروهن﴾ لا يدل على أن الصوم لازم للاعتكاف وإن الاعتكاف لا يصح بغير صوم، فعدم اشتراط الصوم هو الحق لا، كما قال ابن القيم: إن الراجح الذي عليه جمهور السلف إن الصوم شرط في الاعتكاف. وقد روى عن علي وابن مسعود انه ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه، ويدل على ذلك حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه) رواه الدارقطني. وقال رفعه أبوبكر السوسى وغيره لا يرفعه، وأخرجه الحاكم مرفوعاً وقال صحيح الإسناد. وفي الحديث رد على من قال أقل الاعتكاف عشرة أيام أو أكثر من يوم. قال الحافظ: اتفقوا على أنه لا حَدّ لأكثره واختلفوا في أقلِّه فمن شرط فيه الصيام قال: أقله يوم، ومنهم من قال: يصح مع شرط الصيام في دون اليوم حكاه ابن قدامة (ج٣ ص١٨٧) وعن مالك يشترط عشرة أيام وعنه يوم أو يومان ومن لم يشترط الصوم، قالوا: أقله ما يطلق عليه اسم لبث ولا يشترط القعود. وقيل: يكفي المرور مع النية كوقوع عرفة، وروى عبد الرزاق عن يعلى بن أمية الصحابي إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لاعتكف- انتهى. وقال العيني: أقل الاعتكاف نفلاً
стр. 3176
في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك)) متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
٢١٢٢- (٦) عن أنس، قال: كان النبي ﷺ : ((يعتكف في العشر الأواخر من رمضان،
ــ
يوم عند أبي حنيفة، وبه قال مالك: وعند أبي يوسف أكثر اليوم، وعند محمد ساعة وبه قال الشافعي: وأحمد في رواية، وحكى أبوبكر الرازي عن مالك إن مدة الاعتكاف عشرة أيام فيلزم بالشروع ذلك وفي الجلاب أقله يوم والاختيار عشرة أيام، وفي الإكمال استحب مالك أن يكون أكثره عشرة أيام وهذا يرد نقل الرازي عنه- انتهى. وقال في الدر المختار: وأقله نفلاً ساعة من ليلٍ أو نهارٍ عند محمد وهو ظاهر الرواية عن الإمام لبناء النفل على المسامحة وبه يفتي، والساعة في عرف الفقهاء جزء من الزمان لا جزء من أربعة وعشرين كما يقوله المنجمون- انتهى. (في المسجد الحرام) أي حول الكعبة ففي رواية عمرو بن دينار عند الكعبة، ولم يكن في عهده ﷺ ولا أبي بكر جدار بل الدور حول البيت وبينها أبواب لدخول الناس فوسعه عمر ﵁ بدور اشتراها وهدمها، واتخذ للمسجد جداراً قصيراً دون القامة، ثم تتابع الناس على عمارته وتوسيعه. (قال) ﷺ (فأوف بنذرك) قال الشوكاني في حديث عمر: دليل على أنه يجب الوفاء بالنذر من الكافر متى أسلم. وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعي وعند الجمهور لا ينعقد نذر الكافر، وحديث عمر حجة عليهم. وقد أجابوا عنه بأن النبي ﷺ لما عرف بأن عمر قد تبرع بفعل ذلك أذن له به لأن الاعتكاف طاعة، ولا يخفى ما في هذا الجواب من المخالفة للصواب. وأجاب بعضهم بأنه ﷺ أمره بالوفاء استحباباً لا وجوباً، ويرد بأن هذا الجواب لا يصلح لمن أدعى عدم الانعقاد- انتهى. وقال السندي: لا مانع من القول بأن نذر الكافر ينعقد موقوفاً على إسلامه فإن أسلم لزمه الوفاء به في الخير والكفر، وإن كان يمنع عن انعقاده منجزاً لكن لا نسلم أن يمنع عنه موقوفاً، وحديث الإسلام يجب ما قبله من الخطايا لا ينافيه لأنه في الخطايا لا في النذور وليس النذر منها- انتهى. وقال القسطلاني: وعند الحنابلة يصح نذر الكافر وعبارة المرداوي في تنقيح المقنع النذر مكروه، وهو إلزام مكلف مختار ولو كافراً بعبادة نصاً نفسه لله تعالى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الاعتكاف والخمس والمغازي والنذور ومسلم في النذور وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ ص٣٧ وج٢ ص١٠- ٢٠- ٣٥- ٨٢) وأخرجه مالك في الصيام والترمذي وأبوداود والنسائي في النذور وابن ماجه في الصيام وفي الكفارات والبيهقي في الصيام.
٢١٢٢- قوله: (كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان) أي يديم على الاعتكاف فيها
стр. 3177
فلم يعتكف عاماً، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين)) .
ــ
(فلم يعتكف عاماً) أي لعذر السفر يدل عليه رواية البيهقي بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا كان مقيماً اعتكف العشر الأواخر وإذا سافر اعتكف العام المقبل عشرين يوماً، ويدل عليه أيضاً حديث أبي بن كعب الذي أشار إليه المصنف كما سيأتي (فلما كان العام المقبل) اسم فاعل، من الإقبال (اعتكف عشرين) بكسر العين والراء. وقيل: بفتحهما على التثنية. قال في اللمعات. أي اهتماماً ودلالة على التأكيد، لا. لأن ما فات من النوافل المؤقتة يقضى- انتهى. وقال الطيبي: دل الحديث على أن النوافل المؤقتة تقضى إذا فاتت كما تقضي الفرائض- انتهى. قال القاري: والظاهر إن التشبيه لمجرد القضاء بعد الفوت وإلا فقضاء الفرائض فرض وقضاء النوافل نفل- انتهى. قلت في الحديث دليل على أن من اعتاد اعتكاف أيام ثم لم يمكنه أن يعتكفها أنه يستحب له قضاءها فكان قضاءه ﷺ له على طريق الاستحباب، وقد بوب الترمذي على هذا الحديث باب ما جاء في الاعتكاف إذا خرج منه. قيل: وجه المناسبة بالترجمة أنه ﷺ لما قضى الاعتكاف لمجرد النية، وكان لم يشرع فيه بعد فقضاءه بعد الشروع أولى بالثبوت- انتهى. قال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث: واختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على ما نوى. فقال بعض أهل العلم إذا نقض اعتكافه وجب عليه القضاء، واحتجوا بالحديث أن النبي ﷺ خرج من اعتكافه فاعتكف عشراً من شوال، وهو قول مالك (وبه قال الحنفية) وقال بعضهم: إن لم يكن نذراً اعتكاف أو شي أوجبه على نفسه وكان متطوعاً فخرج فليس عليه شي أن يقضى إلا أن يحب ذلك اختياراً منه ولا يجب ذلك عليه وهو قول الشافعي (وبه قال أحمد كما سيأتي) قال الشافعي: وكل عمل لك أن لا تدخل فيه فإذا دخلت فيه فخرجت منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة- انتهى. قلت: أراد الترمذي بالحديث الذي أشار إليه في قوله، واحتجوا بالحديث إلخ حديث إلا خبية وقد تقدم لفظه في شرح الحديث الأول من هذا الباب وفيه رواية للبخاري، فترك الاعتكاف ذلك الشهر ثم اعتكف عشراً من شوال. وأما لفظ "خرج من اعتكافه" فلم أجده في الكتب الستة ولا ذكره الجزري في جامع الأصول ولم أقف على من أخرج الحديث بهذا اللفظ. قال ابن قدامة: (ج٣ص١٨٤) وإن نوى اعتكاف مدة لم تلزمه، فإن شرع فيها فله إتمامها وله الخروج منها متى شاء، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: تلزمه بالنية مع الدخول فيه، فإن قطعه لزمه قضاءه. قال ابن عبد البر: وإن لم يدخل فيه فالقضاء مستحب، ومن العلماء من أوجبه وإن لم يدخل فيه، واحتج بحديث إلا خبية. قال ابن قدامة: الحديث حجة عليه لا له فإن النبي ﷺ ترك اعتكافه ولو كان واجباً لما تركه، وأزواجه تركن الاعتكاف بعد نيته وضرب اخبيتهن له، ولم يوجد عذر يمنع فعل الواجب ولا أمرن بالقضاء وقضاء النبي ﷺ لم يكن واجباً عليه، وإنما فعله تطوعاً لأنه
стр. 3178
رواه الترمذي.
٢١٢٣ - (٧) وروى أبوداود، وابن ماجه
ــ
كان إذا عمل عملاً أثبته وكان فعله لقضاءه كفعله لأداءه على سبيل التطوع به، لا على سبيل الإيجاد كما قضى السنة التي فاتته بعد الظهر وقبل الفجر فتركه دليل على عدم الوجوب لتحريم ترك الواجب، وفعله للقضاء لا يدل على الوجوب، لأن قضاء السنن مشروع. فإن قيل: إنما جاز تركه ولم يؤمر تركه من النساء بقضاءه لتركهن إياه قبل الشروع، قلنا فقد سقط الاحتجاج لاتفاقنا على أنه لا يلزم قبل شروعه فيه، فلم يكن القضاء دليلاً على الوجوب مع الاتفاق على انتفاءه، قال: وليس في ترك الاعتكاف بعد الشروع فيه عمل يبطل فإن ما مضى من اعتكافه لا يبطل بترك اعتكاف المستقبل- انتهى مختصراً. وقال الحافظ تحت حديث الأخبية: فيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وإنه لا يلزم بالنية ولا بالشروع فيه، ويستنبط منه سائر التطوعات خلافاً لمن قال باللزوم، وفيه إن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح (لما وقع في رواية للبخاري فإذا صلى الغداة حل مكانه الذي اعتكف فيه) وهو قول الأوزاعي والليث والثوري. وقال الأئمة الأربعة وطائفة: يدخل قبيل غروب الشمس وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها، وأجاب عن هذا الحديث بأنه ﷺ لم يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف، وإنما هم به ثم عرض له المانع المذكور فتركه فعلى هذا فاللازم أحد الأمرين إما أن يكون شرع في الاعتكاف، فيدخل على جواز الخروج منه، وإما أن لا يكون شرع فيدل على أن أول وقته بعد صلاة الصبح، قال وفيه إن الاعتكاف لا يجب بالنية. وأما قضاءه ﷺ فعلى طريق الاستحباب، لأنه كان إذا عمل عملاً أثبته، ولهذا لم ينقل إن نساءه اعتكفن معه في شوال- انتهى. قال بعض الحنفية بعد ذكر الإشكال المذكور: إن الحنفية صرحوا بأن من شرع في الاعتكاف النفل ثم تركه لا يلزم قضاءه، لأنه لا يشترط له الصوم على الظاهر من المذهب- انتهى. وفيه إن البحث ههنا إنما هو في الاعتكاف في العشر الأخير من رمضان وهي سنة مؤكدة، والصوم شرط فيه عندهم فيلزم قضاءه إذا خرج منه، ولا يجوز الخروج منه بعد الشروع فيه، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح الحديث الذي يليه (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (ج١ص٤٣٩) والبيهقي (ج٤ص٣١٤) وصححه الترمذي. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
٢١٢٣- قوله: (وروى) وفي بعض النسخ: ورواه (أبوداود وابن ماجه) وكذا أحمد (ج٥ص١٤١)
стр. 3179
عن أبي بن كعب.
٢١٢٤ - (٨) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه)) .
ــ
والحاكم (ج١ص٤٣٩) والبيهقي (ج٤ص٤١٣) والنسائي وابن حبان وغيرهم (عن أبي بن كعب) إن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاماً فلم يعتكف فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يوماً لفظ ابن ماجه. قال السندي: قوله فسافر عاماً الظاهر إنه عام الفتح وكان ﷺ يهتم بأمر الاعتكاف فيقضي إن فاته. وقال الخطابي: فيه من الفقه إن النوافل المعتادة تقضي إذا فاتت كما تقضي الفرائض ومن هذا قضاء رسول الله ﷺ بعد العصر الركعتين الليلتين فاتتاه لقدوم الوفد عليه واشتغاله بهم- انتهى. والحديث سكت عليه أبوداود والمنذري وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي.
٢١٢٤- قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه) هذا لفظ الترمذي، ولمسلم وأبي داود ثم دخل معتكفه أي بحذف لفظة "في" ولابن ماجه ثم دخل المكان الذي يريد أن يعتكف فيه، وللبخاري فإذا صلى الغداة حل مكانه الذي اعتكف فيه وقوله "معتكفه" بصيغة المفعول أي مكان اعتكافه وقوله "دخل في معكتفه" أي انقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح لا إن ذلك وقت ابتداء اعتكافه بل كان يعتكف من الغروب ليلة الحادي والعشرين، وإلا لما كان معتكفاً العشر بتمامه الذي ورد في عدة أخبار أنه كان يعتكف العشر بتمامه، وهذا هو المعتبر عند الجمهور لمريد اعتكاف عشر أو شهر، وبه قال الأئمة الأربعة ذكره الحافظ العراقي كذا في شرح الجامع الصغير للمناوي. قلت تأول الجمهور حديث عائشة هذا كما تقدم على أنه دخل المسجد بنية الاعتكاف من أول الليل ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح فكان يطلع الفجر وهو ﷺ في المسجد، ومن بعد صلاة الفجر يخلو بنفسه في المحل الذي أعده لاعتكافه. قال أبوطيب السندي في شرح الترمذي: وإنما جنح لجمهور إلى التأويل المذكور للعمل بالحديثين الأول، ما روى البخاري عن عائشة قالت كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان. والثاني، ما رواه عن أبي هريرة قال كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام- الحديث. فاستفيد من الحديث الأول عشر ليال، ومن الآخر عشرة أيام فأولوا بما تقدم جمعاً بين الحديثين- انتهى. وقال أبوالحسن السندي في حاشية ابن ماجه: ظاهر الحديث إن المعتكف يشرع في الاعتكاف بعد صلاة الصبح، ومذهب الجمهور أنه يشرع من ليلة الحادي والعشرين، وقد أخذ بظاهر الحديث قوم إلا أنهم حملوه على أنه يشرع من صبح الحادي والعشرين فرد عليه الجمهور بأن المعلوم إنه كان يعتكف العشر الأواخر، ويحث الصحابة عليه وعدد العشر عدد
стр. 3180
الليالي فتدخل فيه الليلة الأولى وإلا لا يتم هذا العدد أصلاً وأيضاً من أعظم ما يطلب بالاعتكاف إدراك ليلة القدر وهي قد تكون ليلة الحادي والعشرين كما جاء في حديث أبي داود فينبغي له أن يكون معتكفاً فيها لا أن يعتكف بعدها. وأجاب النووي عن الجمهور بتأويل الحديث إنه دخل معتكفه وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا إن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف بل كان قبل المغرب معتكفاً لابثاً في جملة المسجد فلما أصبح انفرد-انتهى. ولا يخفى إن قولها "كان إذا أراد أن يعتكف" يفيد أنه كان يدخل المعتكف حين يريد الاعتكاف لا أنه يدخل في الشروع في الاعتكاف في الليل، وأيضاً المتبادر من لفظ الحديث إنه بيان لكيفية الشروع. ثم لازم هذا التأويل أن يقال السنة للمعتكف أن يلبث أول ليلة في المسجد ولا يدخل في المعتكف. وإنما يدخل فيه من الصبح وإلا يلزم ترك العمل بالحديث، وعند تركه لا حاجة إلى التأويل والجمهور لا يقول بهذه السنة فيلزم عليهم ترك العمل بالحديث. وأجاب القاضي أبويعلى من الحنابلة بحمل الحديث على أنه كان يفعل ذلك في يوم العشرين ليستظهروا ببياض يوم زيادة قبل العشر. (قلت: قائله السندي) وهذا الجواب هو الذي يفيده النظر في أحاديث الباب فهو أولى، وبالاعتماد أحرى، بقي أنه يلزم منه أن تكون السنة الشروع في الاعتكاف من صبح العشرين استظهاراً باليوم الأول ولا بعد في التزامه، وكلام الجمهور لا ينافيه فإنهم ما تعرضوا له لا إثباتاً ولا نفياً. وإنما تعرضوا لدخوله ليلة الحادي والعشرين وهو حاصل غاية الأمر إن قواعدهم تقتضي أن يكون هذا الأمر سنة عندهم، فلنقل وعدم التعرض ليس دليلاً على العدم، ومثل هذا الإيراد يرد على جواب النووي مع ظهور مخالفة الحديث- انتهى. كلام السندي: اعلم أن القول بدخول المسجد قبيل غروب الشمس لمريد الاعتكاف عشر أو شهر هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وقد حكى عنه رواية أخرى أنه يدخل معتكفه بعد صلاة الفجر في اعتكاف التطوع، وقبل طلوع الفجر في اعتكاف النذر. قال الخرقي: من نذر أن يعتكف شهراً بعينه دخل المسجد قبل غروب الشمس. قال ابن قدامة: وهذا قول مالك والشافعي، وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أنه يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر من أوله وهو قول الليث وزفر لأن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه، ولنا أنه نذر الشهر وأوله غروب الشمس، ووجب أن يدخل قبل الغروب ليستوفي جميع الشهر فإنه لا يمكن إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأما الحديث فقال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به على أن الخبر إنما في التطوع فمتى شاء دخل وفي مسألتنا نذر شهراً فيلزمه اعتكاف شهر كامل ولا يحصل إلا أن يدخل فيه قبل غروب الشمس من أوله، ويخرج بعد غروبها من آخره فأشبه ما لو نذر اعتكاف يوم فإنه يلزمه الدخول فيه قبل طلوع فجره ويخرج بعد غروب شمسه. قال ابن قدامة: وإن أحب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان تطوعاً، ففيه روايتان. إحداهما: يدخل قبل غروب الشمس
стр. 3181
رواه أبوداود، وابن ماجه.
٢١٢٥ - (٩) وعنها، قالت: ((كان النبي ﷺ يعود المريض وهو معتكف، فيمر كما هو فلا يعرج يسأل عنه)) . رواه أبوداود.
ــ
من ليلة إحدى وعشرين، لأن العشر بغير هاء عدد الليالي، فإنها عدد المؤنث قال الله تعالى: ﴿وليال عشر﴾ وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين، والرواية الثانية يدخل بعد صلاة الصبح، قال حنبل قال أحمد: أحب إلى أن يدخل قبل الليل ولكن حديث عائشة إن النبي ﷺ كان يصلي الفجر ثم يدخل معتكفه، وبهذا قال الأوزاعي وإسحاق وإن نذر اعتكاف العشر ففي وقت دخوله الروايتان جميعاً- انتهى ملخصاً مختصراً. (رواه أبوداود وابن ماجه) كلاهما في حديث طويل وكذا البخاري ومسلم وأحمد والبيهقي (ج٤ص٣١٥) بألفاظ متقاربة وأخرجه الترمذي مختصراً فكان حق المصنف أن يذكره في الفصل الأول ويقول متفق عليه. قال الجزري: متفق عليه. ورواه الأربعة أيضاً مطولاً فكان ينبغي أن يذكر في الصحاح. وقال ميرك: رواه الشيخان والترمذي والنسائي أيضاً وفات هذا الاعتراض من صاحب المشكاة. قلت: بل وقع هذا الاعتراض على صاحب المشكاة. حيث عزا الحديث أبي داود وابن ماجه وذكره في الفصل الثاني مع أنه متفق عليه.
٢١٢٥- قوله: (كان النبي ﷺ أي إذا خرج لحاجة الإنسان كما يدل عليه بقية الحديث (يعود المريض وهو معتكف) أي والمريض خارج عن المسجد لقوله (فيمر كما هو) قال الطيبي: الكاف صفة لمصدر محذوف "وما" موصولة ولفظ "هو" مبتدأ والخبر محذوف والجملة صلة "ما" أي يمر مروراً مثل الهيئة التي هو عليها فلا يلتفت ولا يميل إلى الجوانب ولا يقف وقولها (فلا يعرج) أي لا يمكث بيان للمجمل لأن التعريج الإقامة، والميل عن الطريق إلى جانب وقولها (يسأل عنه) بيان لقوله يعود على سبيل الاستيناف، وفيه دليل على أنه إذا خرج المعتكف لوجه مباح كحاجة الإنسان فعاد مريضاً أو صلى على جنازة من غير إن كان خروجه لذلك قصداً لم يضره ذلك ولم يبطل اعتكافه وهذا مما اتفق عليه الأئمة الأربعة. واختلفوا فيما إذا خرج لذلك قصداً وسيأتي الكلام فيه في شرح الحديث التالي (رواه أبوداود) وأخرجه من طريقه البيهقي (ج٤ص٣٢١) وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف والصحيح عن عائشة من فعلها وكذلك أخرجه مسلم وغيره. وقال ابن حزم: صح ذلك عن علي ذكره الحافظ في التلخيص (ص٢٠١) والحديث سكت عنه أبوداود. وقال المنذري: في إسناده ليث بن أبي سليم، وفيه مقال. وقال ابن حجر: في سنده من اختلفوا في توثيقه وبتقدير ضعفه هو منجبر بما في مسلم (في كتاب الطهارة) عن عائشة إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما
стр. 3182
٢١٢٦- (١٠) وعنها، قالت: ((السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة،
ــ
أسأل عنه إلا وأنا مارة- انتهى. وأعلم أن الحديث رواه أبوداود عن شيخين أحدهما عبد الله بن محمد النفيلي ولفظه قالت كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه. والثاني محمد ابن عيسى وقال هو في روايته قالت: إن كان النبي ﷺ يعود المريض وهو معتكف، هكذا بين أبوداود لفظهما والبغوي ذكر في المصابيح لفظ ابن عيسى، وهكذا فعل الخطابي في المعالم وتبعهما المصنف. وأعلم أيضاً أنه وقع في بعض النسخ من المشكاة لفظ ابن ماجه بعد قوله أبوداود وهو خطأ من النسخ، فإن النسخ الصحيحة خالية عن ذلك ولم يعزه الحافظ في التلخيص والمجد بن تيمية في المنتقى والمنذري في مختصر السنن والجزري في جامع الأصول إلى غير أبي داود.
٢١٢٦- قوله: (السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً) أي بالقصد والوقوف. قال الخطابي: (ج٢ص١٤١) قولها السنة إن كانت أرادت بذلك إضافة هذه الأمور إلى النبي ﷺ قولاً أو فعلاً فهي نصوص لا يجوز خلافها وإن كانت أرادت به الفتيا على معاني ما عقلت من السنة فقد خالفها بعض الصحابة في بعض هذه الأمور، والصحابة إذا اختلفوا في مسألة كان سبيلها النظر على أن أبا داود قد ذكر على أثر هذا الحديث إن غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه أنها قالت السنة، فدل ذلك على احتمال أن يكون ما قالته فتوى منها، وليس برواية عن النبي ﷺ ، ويشبه أن يكون أرادت بقولها لا يعود مريضاً أي لا يخرج من معتكفه قاصداً عيادته، وأنه لا يضيق عليه أن يمر به فيسأله غير معرج عليه كما ذكرته عن النبي ﷺ في الحديث السابق- انتهى. قلت: القاعدة المقررة عند المحدثين تأبى الاحتمال الثاني، لأن مذهبهم إن قول الصحابي السنة كذا في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، فإن الظاهر أنه أراد بذلك سنة النبي ﷺ لا سنة غيره، وعلى هذا فحديث عائشة هذا مرفوع حكماً. قال ابن التركماني: مذهب المحدثين عن الصحابي إذا قال السنة كذا فهو مرفوع، والسنة، السيرة والطريقة، وذلك قدر مشترك بين الواجب والسنة المصطلح عليها، ومثله حديث سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب، ولم تكن السنة المصطلح عليها معروفة في ذلك الوقت، وذكر سنة الصوم للمعتكف مع ترك المس، والخروج دليل على أن المراد الوجوب لا السنة المصطلح عليها- انتهى. (ولا يشهد جنازة) أي خارج مسجده. فيه دليل على أنه لا يخرج المعتكف لعيادة المريض وشهود الجنازة، وفيه خلاف بين العلماء قال الخرقي: ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة إلا أن يشترط ذلك. قال ابن قدامة: (ج٣ص١٩٥) الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما، في الخروج لعيادة المريض وشهود الجنازة مع عدم الاشتراط، واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك فروى عنه ليس له فعله، وهو قول عروة وعطاء ومجاهد والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي
стр. 3183
وروى عنه الأثرم ومحمد بن عبد الحكم إن له أن يعود المريض ويشهد الجنازة، ويعود إلى معتكفه وهو قول علي ﵁، وبه قال سعيد بن جبير والنخعي والحسن لما روى عاصم بن ضمرة عن علي قال: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة وليعد المريض وليحضر الجنازة وليأت أهله وليأمرهم بالحاجة وهو قائم رواه الإمام أحمد والأثرم وقال أحمد: عاصم بن ضمرة عندي حجة. قال أحمد: يشهد الجنازة ويعود المريض ولا يجلس ويقضي الحاجة ويعود إلى معتكفه، وجه الأول ما روى عن عائشة قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)) متفق عليه. ثم ذكر حديثها الذي نحن في شرحه وحديثها الذي قبل هذا، ثم قال ولأن هذا ليس بواجب فلا يجوز ترك الاعتكاف الواجب لأجله كالمشي مع أخيه في حاجة ليقضيها له وإن تعينت عليه صلاة الجنازة وأمكنه فعلها في المسجد لم يجز الخروج إليها فإن لم يمكنه ذلك فله الخروج إليها، وإن تعين عليه دفن الميت أو تغسيله جاز أن يخرج له، لأن هذا واجب متعين فيقدم على الاعتكاف كصلاة الجمعة، فأما إن كان الاعتكاف تطوعاً. وأحب الخروج منه لعيادة مريض أو شهود جنازة جاز، لأن كل واحد منهما تطوع فلا يتحتم واحد منهما لكن الأفضل المقام على اعتكافه لأن النبي ﷺ لم يكن يعرج المريض ولم يكن واجباً عليه. فأما إن خرج لما لا بد منه فسأل عن المريض في طريقه ولم يعرج جاز، لأن النبي ﷺ فعل ذلك الفصل الثاني إذا اشترط فعل ذلك في اعتكافه فله فعله واجباً كان الاعتكاف أو غير واجب، وكذلك ما كان قربة كزيارة أهله أو رجل صالح أو عالم أو شهود جنازة، وكذلك ما كان مباحاً مما يحتاج إليه كالعشاء في منزله والمبيت فيه فله فعله قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المعتكف يشترط أن يأكل في أهله فقال: إذا اشترط نعم. قيل: له وتجيز الشرط في الاعتكاف قال نعم. قلت: له فيبيت في أهله قال إذا كان تطوعاً جاز، وممن أجاز أن يشترط العشاء في أهله الحسن والعلاء بن زياد والنخعي وقتادة، ومنع منه أبومجلز ومالك والأوزاعي وإن شرط الوطأ في اعتكافه أو الفرجة والنزهة أو البيع للتجارة أو التكسب بالصناعة في المسجد لم يجز، لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فاشترط ذلك اشتراط لمعصية الله تعالى، والصناعة في المسجد منهي عنها في غير الاعتكاف، ففي الاعتكاف أولى وسائر ما ذكرناه يشبه ذلك ولا حاجة إليه فإن احتاج إليه فلا يعتكف لأن ترك الاعتكاف أولى من فعل المنهي عنه. قال أبوطالب: سألت أحمد عن المعتكف يعمل عمله من الخياطة وغيرها، قال ما يعجبني أن يعمل. قلت: إن كان يحتاج قال إن كان يحتاج لا يعتكف. قال ابن قدامة: إذا خرج لماله منه بد عامداً بطل اعتكافه إلا أن يكون اشترط وإن خرج ناسياً. فقال القاضي: لا يفسد اعتكافه وقال ابن عقيل: يفسد فإن أخرج بعض جسده لم يفسد اعتكافه عمداً كان أو سهواً- انتهى مختصراً. وقال ابن رشد: اختلفوا هل للمعتكف أن يشترط فعل شي مما يمنعه
стр. 3184
ولا يمس المرأة ولا يباشرها،
ــ
الاعتكاف فينفعه شرطه في الإباحة أم ليس ينفعه ذلك، مثل أن يشترط شهود جنازة أو غير ذلك، فأكثر الفقهاء على أنه شرط لا ينفعه وإنه إن فعل بطل اعتكافه. وقال الشافعي: ينفعه شرطه، والسبب في اختلافهم تشبيههم الاعتكاف بالحج في أن كليهما عبادة مانعة لكثير من المباحات، والاشتراط في الحج إنما صار إليه من رآه لحديث ضباعة، لكن هذا الأصل مختلف فيه في الحج، فالقياس عليه ضعيف عند الخصم المخالف له- انتهى. قلت: الظاهر عندنا هو قول من لم يقل بالاشتراط في الاعتكاف، لأنه لا دليل عليه من سنة صحيحة أو ضعيفة ولا من أثر صحابي ولا من قياس صحيح. والراجح عندنا: إنه لا يجوز الخروج لعيادة المريض وصلاة الجنازة وإلا كل واجباً كان الاعتكاف أو غير واجب، لأن النبي ﷺ كان لا يخرج لذلك وكان اعتكافه غير واجب. قال النووي في شرح المهذب: في الاعتكاف الواجب لا يعود مريضاً، ولا يخرج لجنازة سواءً تعينت عليه أم لا، في الصحيح، وفي التطوع يجوز لعيادة المريض وصلاة الجنائز. قال صاحب الشامل: هذا يخالف السنة فإنه ﷺ كان لا يخرج من الاعتكاف لعيادة المريض وكان اعتكافه نفلاً لا نذراً ذكره العيني (ج١١ص١٤٥) (ولا يمس المرأة) كذا وقع في جميع نسخ المشكاة والمصابيح والذي في سنن أبي داود امرأة وهكذا وقع في السنن للبيهقي والمعالم للخطابي وكذا ذكره الحافظ في الفتح وبلوغ المرام والمجد في المنتقى والجزري في جامع الأصول والزيلعي في نصب الراية، والظاهر إن ما في المصابيح خطأ من الناسخ ولم يتنبه لذلك المصنف بل تبعه فيه. قال الخطابي: تريد عائشة بالمس الجماع وهذا لا خلاف فيه إنه إذا جامع امرأته بطل اعتكافه (ولا يباشرها) أي فيما دون الفرج بشهوة. وقال القاري: لا يمس المرأة أي جنسها بشهوة ولا يباشرها أي لا يجامعها ولو حكماً. وقال الشوكاني: المراد بالمباشرة هنا الجماع بقرينة ذكر المس قبلها، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، ويؤيده ما روى الطبري وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية يعني قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] إنهم كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجل لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء فنزلت- انتهى. قال الحافظ: اتفقوا على فساده بالجماع حتى قال الحسن والزهري: من جامع فيه لزمته الكفارة وعن مجاهد يتصدق بدينارين، واختلفوا في غير الجماع ففي المباشرة أقوال ثالثها إن أنزل بطل وإلا فلا. وقال ابن قدامة: الوطأ في الاعتكاف محرم بالإجماع، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد] فإن وطيء في الفرج متعمداً أفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم حكاه ابن المنذر عنهم، وإن كان ناسياً فكذلك عند إمامنا (الإمام أحمد) وأبي حنيفة ومالك. وقال الشافعي: لا يفسد اعتكافه. قال ابن قدامة: ولا كفارة بالوطأ في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام
стр. 3185
ولا يخرج لحاجة، إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع)) .
ــ
الخرقي، وقول عطاء والنخعي وأهل المدينة ومالك وأهل العراق والثوري وأهل الشام والأوزاعي. ونقل حنبل عن أحمد إن عليه كفارة، وهو قول الحسن والزهري واختيار القاضي. قال واختلف هؤلاء في الكفارة: فقال القاضي يجب كفارة الظهار وهو قول الحسن والزهري وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل، وحكى عن أبي بكر إن عليه كفارة يمين، فأما المباشرة دون الفرج، فإن كانت لغير شهوة فلا بأس بها مثل أن تغسل رأسه أو تفليه أو تناوله شيئاً لأن النبي ﷺ كان يدني رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجله وإن كانت عن شهوة فهي محرمة لقول الله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] ولقول عائشة السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولأنه لا يأمن إفضاءها إلى إفساد الاعتكاف، وما أفضى إلى الحرام كان حرماً فإن فعل فأنزل فسد اعتكافه وإن لم ينزل لم يفسد، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه. وقال في الآخر يفسد في الحالين وهو قول مالك لأنها مباشرة محرمة فأفسدت الاعتكاف كما لو أنزل، ولنا أنها مباشرة لا تفسد صوماً ولا حجاً فلم تفسد كالمباشرة لغير شهوة، وفارق التي أنزل بها لأنها تفسد الصوم ولا كفارة عليه- انتهى. (ولا يخرج لحاجة) دنيوية أو أخروية (إلا لما لا بد منه) أي إلا لحاجة لا فراق ولا محيص من الخروج لها وهو البول والغائط إذ لا يتصور فعلهما في المسجد، ولذا أجمعوا عليه بخلاف الأكل والشرب أو لأمر لا بد من ذلك الأمر وهو كناية عن قضاء الحاجة وما يتبعه من الاستنجاء والطهارة (ولا اعتكاف إلا بصوم) فيه دليل على أنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم وأنه شرط فيه، وقد تقدم بيان الاختلاف في ذلك. وأجاب من لم يقل باشتراط الصوم عن هذا الحديث بما سيأتي من الكلام عليه، وبأن المراد لا اعتكاف كاملاً أو فاضلاً إلا بصوم ذكره الطيبي (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) أي يجمع الناس للجماعة، وفيه دليل على أن المسجد شرط في الاعتكاف، واتفق العلماء على ذلك إلا ما روى عن بعض العلماء أنه أجازه في كل مكان. قال الحافظ: وذهب أبوحنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصه أبويوسف بالواجب منه. وأما النفل ففي كل مسجد. وقال الجمهور: بعمومه في كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة، فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقاً، وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة وعطاء بمسجد مكة والمدينة ابن المسيب بمسجد المدينة- انتهى. وقال العيني: ذهب هؤلاء أي من خص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة مسجد مكة والمدينة والأقصى أو بمسجد مكة والمدينة إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبي لأن الآية نزلت على رسول الله ﷺ ، وهو معتكف في مسجده فكان القصد والإشارة إلى نوع تلك المساجد مما بناه نبي،
стр. 3186
وذهبت طائفة إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة روى ذلك عن علي وابن مسعود وعروة وعطاء والحسن والزهري وهو قول مالك في المدونة، قال أما من تلزمه الجمعة فلا يعتكف إلا في الجامع. وقالت طائفة: الاعتكاف يصح في كل مسجد، روى ذلك عن النخعي وأبي سلمة والشعبي وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي في الجديد، وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود وهو قول الجمهور والبخاري أيضاً، حيث استدل بعموم الآية في سائر المساجد، فقال باب الاعتكاف في المساجد كلها لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ قال العيني: جمع (أي البخاري) المساجد وأكدها بلفظ: كلها إشارة إلى أن الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد. وقال صاحب الهداية: الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد الجماعة (وهو الذي له مؤذن وإمام ويصلي فيه الصلوات الخمس أو بعضها بجماعة) وعن أبي حنيفة أنه لا يصح إلا في مسجد يصلي فيه الصلوات الخمس أي بجماعة قلت: وهذا رواية الحسن عن أبي حنيفة وصححه بعض مشائخ الحنفية وهو قول أحمد. قال الخرقي: لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه. قال ابن قدامة (ج٣ص٨٧) يعني تقام الجماعة فيه، وإنما اشترط ذلك لأن الجماعة واجبة واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين، إما ترك الجماعة الواجبة وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك منه كثيراً مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف للاعتكاف إذ هو لزوم المعتكف والإقامة على طاعة الله فيه ولا يصح الاعتكاف في غير مسجد إذا كان المعتكف رجلاً لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافاً. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فخصها بذلك فلو صح الاعتكاف في غيرها لم يختص تحريم المباشرة فيها، فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقاً، وروى الدارقطني بإسناده عن الزهري عن عروة وسعيد بن المسيب عن عائشة في حديث، وإن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. فذهب أحمد إلى أن كل مسجد تقام فيه الجماعة يجوز الاعتكاف فيه، ولا يجوز في غيره. وقال الشافعي: يصح الاعتكاف في كل مسجد إذا لم يكن اعتكافه يتخلله جمعة، ولنا حديث عائشة المتقدم. وقد قيل إن هذا من قول الزهري وهو ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ كيفما كان. وروى سعيد من طريق الضحاك عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ كل مسجد له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح، ولأن قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ يقتضي إباحة الاعتكاف في كل مسجد إلا أنه يقيد بما تقام فيه الجماعة بالأخبار، ففيما عداه يبقى على العموم، وقول الشافعي في اشتراطه موضعاً تقام فيه الجمعة لا يصح للأخبار، ولأن الجمعة لا تتكرر فلا يضر وجوب الخروج إليها ولو كان الجامع تقام فيه الجمعة وحدها، ولا يصلي فيه غيرها لم يجز الاعتكاف فيه، ويصح عند مالك والشافعي. ومبني الخلاف على أن الجماعة واجبة عندنا فيلتزم الخروج من معتكفه إليها فيفسد اعتكافه وعندهم ليست بواجبة وإن كان اعتكافه مدة غير وقت الصلاة كليلة أو بعض يوم،
стр. 3187
رواه أبوداود.
ــ
جاز في كل مسجد لعدم المانع، وإن كانت تقام فيه في بعض الزمان جاز الاعتكاف فيه في ذلك الزمان دون غيره، وإن اعتكف اثنان في مسجد لا تقام فيه جماعة فأقاما الجماعة فيه صح اعتكافهما لأنهما أقاما الجماعة فأشبه ما لو أقامهما فيه غيرهما- انتهى مختصراً. وقال الباجي: أما المساجد التي لا يصلي فيها الجمعة فإنما يكره الاعتكاف فيها إذا كان الاعتكاف يتصل إلى وقت صلاة الجمعة، لأنه يقتضى أحد أمرين ممنوعين. أحدهما: التخلف عن الجمعة. والثاني: الخروج عن الاعتكاف إلى الجمعة، وذلك يبطل اعتكافه في المشهور من مذهب مالك. وقد روى ابن الجهم عن مالك الخروج إلى الجمعة ولا ينتقص اعتكافه- انتهى. قلت الراجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد لحديث الباب وأجاب عنه من خالفه بأن ذكر الجامع للأولوية يعني إن النفي فيه محمول على نفي الفضيلة والكمال ولا يخفى ما فيه. ولحديث حذيفة وقد أخرجه الدارقطني أيضاً. وقال الضحاك: لم يسمع من حذيفة ولقول على قال لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما. ولقول ابن عباس لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة أخرجه البيهقي فيصح الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الجماعة، ولا يجوز في غيره، ولا يشترط مسجد الجمعة، وإن كان هو أفضل، ويجب الخروج إلى الجمعة ولا يبطل اعتكافه بالخروج إليها (رواه أبوداود) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة وأخرجه البيهقي (ج٤ص٣٢١) من طريق أبي داود في (ج٤ص٣١٥، ٣٢٠) من طريق عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وأخرجه أيضاً من هذا الطريق في الشعب والمعرفة وأخرجه الدارقطني (ص٢٤٧- ٢٤٨) من رواية ابن جريج عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة عن عائشة. قال أبوداود: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه. قالت: السنة. قال أبوداود: جعله قول عائشة- انتهى. وقال المنذري: وأخرجه النسائي من حديث يونس ابن زيد وليس فيه قالت السنة، وأخرجه من حديث مالك وليس فيه أيضاً ذلك وعبد الرحمن بن إسحاق هذا هو القرشي المدني يقال له عباد وقد أخرج له مسلم في صحيحه ووثقه ابن معين وأثنى عليه غيره وتكلم فيه بعضهم- انتهى. وقال الحافظ في بلوغ المرام: لا بأس برجاله إلا أن الراجح وقف آخره أي من قولها ولا اعتكاف إلا بصيام. وقال في الفتح بعد ذكر كلام أبي داود: وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها لا يخرج إلا لحاجة وما عداه ممن دونها- انتهى. وقال البيهقي في السنن (ج٤ص٣٢١) : قد ذهب كثير من الحفاظ إلى أن هذا الكلام من قول من دون عائشة وإن من أدرجه في الحديث وهم فيه فقد رواه الثوري عن هشام عن أبيه عروة، قال المعتكف لا يشهد جنازة ولا يعود مريضاً ولا يجيب دعوة ولا اعتكاف إلا بصيام ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة وعن ابن جريج عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال المعتكف لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة- انتهى. وقال في المعرفة: وإنما لم يخرجاه في الصحيح لاختلاف الحفاظ فيه، منهم من زعم أنه قول
стр. 3188
﴿الفصل الثالث﴾
٢١٢٧- (١١) عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : ((إنه كان إذا اعتكف طرح له فراشه، أو يوضع له سريره وراء أسطوانة التوبة)) . رواه ابن ماجه.
ــ
عائشة، ومنهم من زعم أنه قول الزهري، ويشبه أن يكون من قول من دون عائشة، فقد رواه الثوري عن هشام عن عروة، قال المعتكف لا يشهد جنازة ولا يعود مريضاً- انتهى. ورد عليه ابن التركماني فقال: جعل هذا الكلام من قول من دون عائشة دعوى بل هو معطوف على ما تقدم من قولها السنة كذا وكذا. وقد تقدم إن هذا عند المحدثين في حكم المرفوع رواه عروة عن عائشة مرة، وأفتى به مرة أخرى، وقد أخرجه الدارقطني من طريق ابن جريج عن الزهري بسنده- انتهى.
٢١٢٧- قوله: (طرح) بصيغة المجهول أي وضع وفرش (أو يوضع له سريره) الظاهر إن "أو" للتنويع (وراء اسطوانة التوبة) هي من اسطوانات المسجد النبوي سميت بذلك لأن أبا لبابة بن عبد المنذر ربط بها نفسه حتى تاب الله عليه عندها، روى ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر إن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ربوض، والربوض الضخمة الثقيلة اللازقة بصاحبها بضع عشرة ليلة، حتى ذهب سمعه فما كاد يسمع، وكاد أن يذهب بصره وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة أو أراد أن يذهب لحاجة وإذا فرغ أعادته إلى الرباط. قال ابن عبد البر: اختلف في الحال التي أوجبت فعل أبي لبابة هذا بنفسه. وأحسن ما قيل في ذلك ما رواه معمر عن الزهري قال: كان أبولبابة ممن تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية وقال والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى يتوب الله علي أو أموت فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خر مغشياً عليه ثم تاب الله عليه فقيل له قد تاب الله عليك، يا أبا لبابة! فقال والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني، قال فجاء رسول الله ﷺ فحله بيده، ثم قال أبو لبابة يا رسول الله! إن من توبتي إن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وإن انخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال يحزئك يا أبا لبابة الثلاث قال ابن عبد البر: وقد قيل إن الذنب الذي أتاه أبو لبابة كان إشارته إلى حلفاءه من بني قريظة إن الذبح إن نزلتم على حكم سعد بن معاذ وأشار إلى حلقه فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ [الأنفال: ٢٧] انتهى. وارجع للبسط إلى وفاء الوفاء للسمهودي (ج٢ص٤٤٢، ٤٤٧) وفي الحديث دليل على جواز طرح الفراش ووضع السرير للمعتكف في المسجد، وعلى جواز الوقوف في مكان معين من المسجد في الاعتكاف فيكون مخصصاً للنهي عن إيطان المكان في المسجد يعني ملازمته (رواه ابن ماجه) قال في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله موثقون. وقال الشوكاني: رجال إسناده ثقات، وقد ذكره الحافظ في الفتح عن
стр. 3189
٢١٢٨- (١٢) وعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال في المعتكف: ((هو يعتكف الذنوب ويجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها)) . رواه ابن ماجه.
ــ
نافع إن ابن عمر كان إذا اعتكف إلخ، وعزاه لابن ماجه ولم يذكر أنه مرفوع وفي صحيح مسلم عن نافع أنه قال وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان رسول الله ﷺ يعتكف فيه من المسجد. وقال السمهودي: (ج٢ص٤٤٧) أسند ابن زبالة ويحيى في بيان معتكف النبي ﷺ عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا اعتكف طرح له فراشه ووضع له سريره وراء إسطوانة التوبة. ثم ذكر السمهودي هذا الحديث من رواية ابن ماجه. وقال قال البدر بن فرحون: ونقل الطبراني في معجمه عن ابن عمر إن ذلك مما يلي القبلة يستند إليها. قال السمهودي: رواه البيهقي بسند حسن ولفظه: إن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف يطرح له فراشه أو سريره إلى إسطوانة التوبة مما يلي القبلة يستند إليها. ونقل عياض عن ابن المنذر أن مالك بن أنس كان له موضع في المسجد، قال وهو مكان عمر بن الخطاب، وهو المكان الذي يوضع فيه فراش رسول الله ﷺ إذا اعتكف كذا قال الأويسي.
٢١٢٨- قوله: (قال في المعتكف) أي في حقه وشأنه (هو يعتكف) من الاعتكاف (الذنوب) منصوب بنزع الخافض أي يحتبس عن الذنوب بين بذلك إن شأن المحتبس في المسجد الانجاس عن تعاطي أكثر الذنوب قاله القاري، قلت: قوله "يعتكف" كذا في أكثر النسخ من المشكاة، ووقع في بعضها يعكف من العكف وهو الذي في سنن ابن ماجه، وهكذا نقله الولي العراقي في شرح التقريب. قال السندي: قوله "هو يعكف الذنوب من عكفه" كنصر وضرب أي حبس، وضمير هو للمعتكف أو الاعتكاف وهو الظاهر أي هو يمنع الذنوب ولا يتأتي فيه وإن أريد المنع على الدوام، فيمكن من آثار الاعتكاف أن يقي الله تعالى صاحبه من المعاصي (ويجري) بالجيم والراء مجهولاً. وقيل معلوماً أي يمضي ويستمر (له من الحسنات) أي من ثوابها (كعامل الحسنات) أي كأجور عاملها. قال القاري: وفي نسخة صحيحة يعني من المشكاة بالجيم والزاي مجهولاً، أي يعطي له من الحسنات التي يمتنع عنها باعتكاف كعيادة المريض وتشييع الجنازة وزيارة الإخوان وغيرها، فاللام في الحسنات للعهد- انتهى. (رواه ابن ماجه) من طريق عيسى بن موسى غنجار عن عبيدة العمي عن فرقد السبخي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهذا إسناد ضعيف لأن عيسى قال فيه في تقريب: صدوق ربما أخطأ، وربما دلس مكثر من الحديث عن المتروكين، وعبيدة العمي مجهول الحال وفرقد السبخي البصري الحائك. قال الترمذي: تكلم فيه يحيى بن سعيد وروى عنه الناس. قلت: وثقه ابن معين وتكلم فيه غيره. وقال الساجي: قد اختلف فيه وليس بحجة في الأحكام والسنن. وقال في التقريب: صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ.
стр. 3190
(٨) كتاب فضائل القرآن
ــ
(كتاب فضائل القرآن) عموماً وبعض سوره وآياته خصوصاً، والفضائل. جمع فضيلة. قال الجوهري: الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، واختلف هل في القرآن شي أفضل من شي، فذهب أبوالحسن الأشعري والقاضي أبوبكر الباقلاني إلى أنه لا فضل لبعضه على بعض لأن الأفضل يشعر بنقص المفضول وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه، وقال قوم: وهم الجمهور بالتفضيل لظواهر الأحاديث كحديث ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن، وحديث إن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، قال القرطبي: إنه الحق، وقال ابن الحصار: العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة في التفضيل، وقال الغزالي، في جواهر القرآن: لعلك أن تقول قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض، والكلام كلام الله فكيف يكون بعضها أشرت من بعض فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينة، وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، وترتاع على اعتقاد الفرق نفسك الخوارة المستغرقة بالتقليد فقلد صاحب الرسالة ﷺ فهو الذي أنزل عليه القرآن، وقال يس، قلب القرآن، وفاتحة الكتاب أفضل سورة القرآن، وآية الكرسي سيدة آي القرآن، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وغير ذلك مما لا يحصى- انتهى. ثم اختلفوا فقال قوم الفضل راجع إلى عظم الأجر ومضاعفة الثواب بحسب إنفعالات النفس وخشيتها وتدبرها وتفكرها عند ورود أوصاف العلى. وقال آخرون: بل يرجع إلى ذات اللفظ وإن ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد﴾ الآية، [البقرة: ١٦٣] وآية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالة على وحدانيته وصفاته ليس موجوداً، مثلاً في تبت يدا أبي لهب، وما كان مثلها فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة. قال القسطلاني: ولعل الخلاف في هذه المسألة أي مسألة التفضيل يلتفت إلى الخلاف المشهور إن كلام الله شي واحد أم لا، وعند الأشعري أنه لا يتنوع في ذاته بل بحسب متعلقاته، وليس لكلام الله الذي هو صفة ذاته بعض لكن بالتأويل والتعبير وفهم السامعين اشتمل على أنواع المخاطبات ولولا تنزله في هذه المواقع لما وصلنا إلى فهم شي منه-انتهى. وقيل: التحقيق إنه لا خلاف في المعنى بل الأول محمول على ذات القرآن وحقيقته، والثاني على غيرهما كما علم وارجع للبسط إلى الإتقان (ج٢ص١٥٦، ١٥٧) للسيوطي ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب نفيس في هذا الموضوع سماه "جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به رسول الرحمان من أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن" بين فيه حكمة الله في تفاضل بعض السورة والآيات مع أنها
следующие страницы →