← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وغرق فرعون وقومه. فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ : فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه)) متفق عليه. ــ فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه النبي ﷺ المدينة لكن لما أمر النبي ﷺ المسلمين بصيام عاشوراء رده إلى حكم شرعه، وهو الاعتبار بالأشهر الهلالية والسنين القمرية فأخذ أهل الإسلام بذلك (هذا يوم عظيم) أي وقع فيه أمور عظيمة توجب تعظيم مثل ذلك اليوم (وغرق) بالتشديد (فرعون وقومه) بالنصب فيهما. قال الطيبي: غرقه وأغرقه بمعنى، وفي نسخة أغرق، وفي أخرى بكسر الراء المخففة ورفع المنصوبين (فصامه موسى شكراً) لله تعالى (فنحن نصومه) أي شكراً أيضاً أو متابعة لموسى، وللبخاري في الهجرة، ونحن نصومه تعظيماً. وزاد أحمد (ج٢ص٣٦٠) من حديث أبي هريرة وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكراً (فنحن) أي إذا كان الأمر كذلك فنحن (أحق وأولى بموسى) أي بمتابعته (منكم) فإنا موافقون له في أصول الدين ومصدقون لكتابه، وأنتم مخالفون لها بالتغيير والتحريف. قال السندي: قوله "أحق بموسى منكم" يدل على أنه قصد موافقة موسى لقوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] لا موافقة اليهود حتى يقال اللائق مخالفتهم وكأنه لهذا عزم في آخر الأمر على ضم اليوم التاسع إلى يوم عاشوراء تحقيقاً لمخالفة. وقال الطيبي: وافقهم في صوم يوم عاشوراء مع أن مخالفتهم مطلوبة، والجواب عنه أن المخالفة مطلوبة فيما أخطأوا فيه كما في يوم السبت لا في كل أمر. قال القاري: الأظهر في الجواب أنه ﷺ أول الهجرة لم يكن مأموراً بالمخالفة، بل كان يتألفهم في كثير من الأمور، ومنها أمر القبلة. ثم لما ثبت عليهم الحجة ولم يمنعهم الملائمة، وظهر منهم العناد والمكابرة اختار مخالفتهم وترك مؤالفتهم انتهى. واستشكل رجوعه ﷺ إلى اليهود في ذلك لأنهم كفرة، وخبر الكافر في الديانات مردود وأجاب المازري باحتمال أن يكون أوحى إليه بصدقهم أو تواتر عنده الخبر بذلك، ولا يشترط الإسلام في التواتر، زاد عياض أو أخبره به من أسلم منهم كابن سلام وغيره، ثم قال ليس في الخبر أنه ابتداء الأمر بصيامه بل في حديث عائشة التصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك، فغاية ما في القصة أنه لم يحدث له بقول اليهود تجديد حكم. وإنما هي صفة حال وجواب سؤال. قلت: أراد بحديث عائشة ما رواه الشيخان عنها قالت كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية (أي قبل أن يهاجر إلى المدينة) فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه. ولا مخالفة بين هذا وبين حديث ابن عباس، إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك.

стр. 3117

قال الحافظ: أما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، وإليه جنح ابن القيم حيث قال في الهدي: لا ريب إن قريشاً تعظم هذا اليوم، وكانوا يكسون الكعبة وصومه من تمام تعظيمه. وقال القرطبي: لعل قريشاً كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم ﵇ وفي المجلس الثالث من مجالس الباغندي الكبير عن عكرمة، أنه سئل عن ذلك فقال إذ نبت قريش ذنباً فعظم في صدورهم فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك: قال القرطبي: وصوم رسول الله ﷺ قبل الهجرة يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما في الحج أو أذن الله له في صيامه على أنه فعل خير فلما هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه احتمل أن يكون ذلك استئلافاً لليهود باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك وعلى كل حال فلم يصمه إقتداء بهم فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه كذا في الفتح (فصامه رسول الله ﷺ ) كما كان يصومه قبل ذلك (وأمر) أصحابه (بصيامه) الظاهر أنه أمر إيجاب ففيه دليل لمن قال كان قبل النسخ واجباً، ومن لا يقول به يقول أنه أكد ندبه، ثم نسخ تأكيد ندبه فبقي مندوباً في الجملة. وسيأتي البسط في ذلك في شرح حديث جابر بن سمرة. فإن قيل يخالف حديث ابن عباس هذا ما رواه البخاري من حديث أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيداً، وفي رواية مسلم كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود، فإنه يشعر بأن الصوم كان لمخالفتهم وحديث ابن عباس يدل على أنه كان لموافقتهم قلنا لا منافاة بينهما إذ اليهود ثم غير اليهود هنا وأولئك كانوا يصومونه وهؤلاء لا يصومونه، فوافق أولئك في الصوم لمعرفته أنه الحق بوحي وخالف هؤلاء فيه لمعرفته خلاف ذلك. وقال الحافظ: ظاهر حديث أبي موسى إن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه، لأن يوم العيد لا يصام، وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صوم موافقتهم على السبب وهو شكراً لله تعالى على نجاة موسى مع موافقة عادته، لكن لا يلزم من تعظيمهم واعتقادهم بأنه عيد، إنهم كانوا لا يصومونه فلعلهم كان من جملة تعظيمهم في شرعهم أن يصوموه. وقد ورد ذلك صريحاً في حديث أبي موسى هذا فيما أخرجه البخاري في الهجرة بلفظ: فإذا أناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه ولمسلم من وجه آخر قال: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم-انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الصوم وذكر الأنبياء والهجرة والتفسير، ومسلم في الصوم واللفظ له، وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص٢٩١- ٣٢٠- ٣٣٦- ٣٤٠) وأبوداود وابن ماجه والدارمي والبيهقي (ج٤ص٢٨٦- ٢٨٩) والنسائي في الكبرى والطحاوي (ج١ص٣٣٧) .

стр. 3118

٢٠٨٧- (٣٢) وعن أم سلمة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: "إنهما يوماً عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم)) . رواه أحمد. ٢٠٨٨- (٣٣) وعن جابر بن سمرة، قال: ((كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده فلما فرض رمضان لم يأمرنا، ولم ينهنا عنه، ولم يتعاهدنا عنده)) . رواه مسلم. ــ ٢٠٨٧- قوله: (وعن أم سلمة) بفتح اللام أم المؤمنين (كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم) وفي المسند أكثر مما يصوم (من الأيام) أي الأخر (ويقول أنهما يوماً عيد للمشركين) وفي المسند أنهما عيد المشركين السبت لليهود، والأحد للنصارى، وإنما سموا مشركين لقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله، وإما للتغليب، وأراد من يخالف دين الإسلام ذكره الطيبي (فأنا أحب أن أخالفهم) أي مجموع الفريقين، وفيه دليل على استحباب صوم السبت والأحد مخالفة لأهل الكتاب، وظاهره صوم كل على الإنفراد والاجتماع، لكن يحمل على صومهما جميعاً متواليين لئلا يخالف ما تقدم من النهي عن صوم يوم السبت، فالمنهي عنه إفراد السبت وفي معناه إفراد الأحد، والمستحب صومهما جميعاً تحقيقاً لمخالفة الفريقين (رواه أحمد) (ج٦ص٣٢٤) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج١ص٤٣٦) والبيهقي (ج٤ص٣٠٣) بلفظ: إن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد وكان يقول إنهما يوماً عيد للمشركين فأنا أريد أن أخالفهم، وعزاه الحافظ في التلخيص (ص٢٠٠) وبلوغ المرام وللنسائي أيضاً ولعله في الكبرى. ٢٠٨٨- قوله: (كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام يوم عاشوراء) أي يأمرنا أمراً مؤكداً (ويحثنا عليه) أي يرغبنا إليه (ويتعاهدنا) أي يحفظنا ويراعي حالنا ويتفحص عم صومنا أو بتخولنا بالموعظة (فلما فرض) بصيغة المجهول (رمضان لم يأمرنا) أي به (ولم ينهنا عنه ولم يتعاهدنا) أي لم يتفقدنا، وفي الحديث دليل على أن صوم عاشوراء كان واجباً، ثم نسخ ورد إلى التطوع وإليه ذهب أبوحنيفة وهي رواية عن أحمد واختاره الحافظ وابن القيم كما سيأتي، وبه جزم الباجي من المالكية حيث قال: أول ما فرض من الصيام صوم يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان نسخ وجوبه-انتهى. والأصح عند الشافعي إنه لم يجب أصلا. قال العيني: ج١١ص١١٨) اتفق العلماء على أن صوم عاشوراء الآن سنة وليس بواجب واختلفوا في حكمه أول الإسلام،

стр. 3119

فقال أبوحنيفة: كان واجباً. واختلف أصحاب الشافعي على وجهين، أشهرهما، أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يك واجباً قط في هذه الأمة، ولكنه كان يتأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحباً دون ذلك الاستحباب. والثاني، كان واجباً كقول أبي حنيفة، ونقل عياض عن بعض السلف أنه كان يقول كان فرضاً وهو باق على فرضيته لم ينسخ، لكن انقرض القائلون بهذا وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بهذا ونقل عياض وابن عبد البر والنووي وغيرهم الإجماع على أنه الآن ليس بفرض والإجماع على أنه مستحب. وقال ابن قدامة (ج٣ص٧٤) اختلف في صوم عاشوراء هل كان واجباً، فذهب القاضي إلى أنه لم يكن واجباً وقال هذا قياس المذهب. واستدل بشيئين أحدهما، أن النبي ﷺ أمر من لم يأكل بالصوم، والنية في الليل شرط في الواجب. والثاني، أنه لم يأمر من أكل بالقضاء، ويشهد لهذا ما روى معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر، وهو حديث صحيح، وروى عن أحمد أنه كان مفروضاً لما روت عائشة أن النبي ﷺ صامه وأمر بصيامه، فلما افترض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه، وهو حديث صحيح وحديث معاوية محمول على أنه أراد ليس هو مكتوباً عليكم الآن. وأما تصحيحه بنية من النهار وترك الأمر لقضاءه، ففيه أنه قد روى أبوداود إن أسلم أتت النبي ﷺ فقال صمتم يومكم هذا قالوا لا، قال: فأتموا بقية يومكم وأقضوه-انتهى. قلت: قد سبق الجواب عن صحة النية في نهار عاشوراء في شرح حديث حفصة، من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له. وأما حديث معاوية فقال الحافظ قد استدل به على أنه لم يكن فرضاً قط، ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [البقرة: ١٨٣] ثم فسره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخاً، ويؤيد ذلك إن معاوية إنما صحب النبي ﷺ من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أوائل العام الثاني-انتهى كلام الحافظ. وهو تلخيص كلام الإمام ابن القيم في الهدي (ج١ص١٧١) ومن أحب التفصيل رجع إليه. قلت: واستدل من قال بوجوب صوم عاشوراء في أول الإسلام بأحاديث كثيرة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد، والعيني في شرح البخاري، والطحاوي في شرح معاني الآثار من شاء الوقوف عليها رجع إلى هذه الكتب، وهذا القول هو الراجح عندنا. قال الحافظ: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجباً لثبوت الأمر بصومه ثم تأكد الأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال،

стр. 3120

٢٠٨٩- (٣٤) وعن حفصة، قالت: ((أربع لم تكن يدعهن النبي ﷺ : صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتان قبل الفجر)) . رواه النسائي. ٢٠٩٠- (٣٥) وعن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيام البيض في حضر ولا في سفر)) رواه النسائي. ــ وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم لما فرض رمضان ترك عاشوراء مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق. فدل على أن المتروك وجوبه وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقي مطلق استحبابه فلا يخفي ضعفه بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته ﷺ حيث يقول: لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة وأي تأكيد أبلغ من هذا-انتهى. وقد ذكر نحو هذا ابن القيم في الهدي (ج١ص١١٦) (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص٩٦) والطحاوي (ج١ص٣٣٦) والبيهقي (ج٤ص٢٨٩) . ٢٠٨٩- قوله: (وعن حفصة) أم المؤمنين (قالت أربع) أي خصال (لم تكن يدعهن) أي يتركهن (النبي ﷺ ) فاعل تنازع فيه فعلان (صيام عاشوراء والعشر) بالجر. وقيل: بالرفع أي صيام عشر ذي الحجة، والمراد من العشر تسعة أيام مجازاً، وقد روى أحمد (ج٦ص٢٨٨- ٤٢٣) وأبوداود والنسائي عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء-الحديث. وهذا يبين المراد من قوله العشر في حديث حفصة (وثلاثة أيام) بالوجهين (من كل شهر) وهي الاثنان والخميس، والاثنان من الجمعة الأخرى. كما في حديث سواء الخزاعي عن حفصة عند أحمد (ج٦ص٢٨٧) وأبي داود والبيهقي (ج٤ص٢٩٥) (وركعتان قبل الفجر) كذا في جميع النسخ من المشكاة وهكذا وقع في جامع الأصول (ج٧ص٢٠٦) والذي في سنن النسائي وركعتين قبل الغداة، وهكذا في مسند الإمام أحمد (ج٧ص٢٨٧) وكذا ذكره المجد بن تيمية في المنتقى وعزاه لأحمد والنسائي، والظاهر إن المصنف تبع في ذلك الجزري، ولم يراجع سنن النسائي وأرادت حفصة بذلك ركعتي سنة الصبح. والحديث يدل على استحباب صوم ما ذكره فيه من الأيام، وقد سبق وجه الجمع بينه وبين ما تقدم من حديث عائشة، ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر (رواه النسائي) وأخرجه أيضاً أحمد. ٢٠٩٠- قوله: (لا يفطر أيام البيض) هذا على حذف المضاف يريد أيام الليالي البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر،

стр. 3121

٢٠٩١- (٣٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم)) . رواه ابن ماجه. ــ وسميت لياليها بيضاً لأنها المقمرات من أوائلها على آخرها فناسب صيامها شكراً لله تعالى (في حضر ولا سفر) أي ولا في سفر ولا مزيدة للتأكيد، وفيه دليل على استحباب صيام أيام البيض في السفر، ويلحق بها صوم سائر التطوعات المرغب فيها (رواه النسائي) من طريق يعقوب بن عبد الله بن سعد القُمِّي عن جعفر بن أبي مغيرة الخزاعي القمى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال الشوكاني: وفي يعقوب وجعفر مقال، قلت: قال الدارقطني في يعقوب: ليس بالقوي. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبوالقاسم الطبراني: كان ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبونعيم الأصبهاني: كان جرير بن عبد الحميد إذا رآه قال: هذا مؤمن آل فرعون. وقال محمد بن حميد الرازي: دخلت بغداد فاستقبلني أحمد وابن معين فسألاني عن أحاديث يعقوب القمى. وأما جعفر بن أبي مغيرة فذكره أيضاً ابن حبان في الثقات. ونقل عن أحمد بن حنبل توثيقه. وقال ابن مندة ليس بالقوي في سعيد بن جبير. وقال الحافظ في التقريب ترجمتها: صدوق بهم، فالحق إن حديثهما لا ينزل عن درجة الحسن. ٢٠٩١- قوله: (لكل شيء زكاة) أي صدقة. وقال السندي: أي نماء يعطي بعضه أو طهارة يطهر به (وزكاة الجسد الصوم) فإنه يذاب بعض البدن منه وينقص وتطهر الذنوب به وتمحص. قال الطيبي: أي وصدقة الجسد ما يخلصه من النار بجنة الصوم وقال الحفني: لكل شيء زكاة أي شيء يطهره ومطهر الجسد الصوم فهو كزكاة المال من حيث إن كلا منهما ينقص في الحس ويزيد في المعنى. وقال الدميري: وإنما كان الصوم زكاة البدن لأنه سر من أسرار الله تعالى، وسبب لنحول الجسد وزيادة بركته وخيره المعنوي، فأشبه الزكاة المالية فإنها وإن نقصته حسا زادته بركة ونمواً فكذلك الصوم. وقال السندي: قوله "لكل شيء زكاة" أي ينبغي للإنسان أن يخرج من كل شيء قدر الله فيكون ذلك زكاة له، وزكاة الجسد الصوم، فإنه ينتقص به الجسد في سبيل الله فصار ذلك الذي نقص منه كأنه خرج منه لله على أنه زكاة له (رواه ابن ماجه) وفيه موسى بن عبيدة الربذي. قال البوصيري: وهو متفق على تضعيفه، وذكره المنذري في الترغيب مصدراً بلفظه: روى، ثم أهمل الكلام في آخره وقد جعل ذلك دليلاً على ضعف إسناد الحديث عنده، والحديث رواه الطبراني في الكبير عن سهل بن سعد. قال الهيثمي (ج٣ص١٨٢) وفيه حماد بن الوليد وهو ضعيف.

стр. 3122

٢٠٩٢- (٣٧) وعنه، ((أن النبي ﷺ كان يصوم يوم الاثنين والخميس. فقيل: يا رسول الله! إنك تصوم يوم الاثنين والخميس. فقال:"إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا ذا هاجرين، يقول: دعهما حتى يصطلحا)) . رواه أحمد، وابن ماجه. ــ ٢٠٩٢- قوله: (كان يصوم يوم الاثنين والخميس) بالنصب، وقيل بالجر واللام بدل عن المضاف، أي يوم الخميس، وفي نسخة بالجر عطفاً على الاثنين (إنك تصوم) أي كثيراً (يوم الاثنين) بكسر النون ويفتح (والخميس) بالنصب أي فما الحكمة في صومهما (إن يوم الاثنين والخميس) بالنصب والجر (يغفر الله فيهما لكل مسلم) قد تقدم أنه يعرض فيهما الأعمال فكأنه يغفر للمسلمين حين يعرض عليه أعمالهم (إلا ذا) ذا مزيدة (هاجرين) بالتثنية أي قاطعين أي ولو كانا صائمين وقوله "إلا ذا هاجرين" كذا وقع في جميع النسخ من المشكاة، والذي في مسند أحمد (ج٢ص٣٢٦) إلا المتهاجرين أي من التهاجر، وفي ابن ماجه "إلا متهجرين" أي من الاهتجار. قال السندي: أي متقاطعين لأمر لا يقتضى ذلك وإلا فالتقاطع للدين ولتأديب الأهل جائز (يقول) أي الله للملك الموكل على محو السيئة عند ظهور آثار المغفرة (دعهما) أي أتركهما (حتى يصطلحا) أي إلى أن يقع الصلح بينهما فحينئذٍ يغفر لهما. وقال السندي: قوله دعهما كأنه خطاب للملك الذي يعرض الأعمال فمعنى دعهما أي تعرض عملهما أو لعله إذا غفر لأحد يضرب الملك على سيئآته أو يمحوها من الصحيفة بوجوده فمعنى دعهما لا تمح سيئاتهما (رواه أحمد) (ج٢ص٣٢٩) بلفظ: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصوم الاثنين والخميس فقيل له فقال، إن الأعمال تعرض كل اثنين وخميس فيغفر الله لكل مسلم إلا المتهاجرين فيقول أخرهما (وابن ماجه) قال السندي في حاشية ابن ماجه وفي الزوائد: إسناده صحيح غريب، ومحمد بن رفاعة ذكره ابن حبان في الثقات، تفرد بالرواية عنه الضحاك بن مخلد، وباقي رجال إسناده على شرط الشيخين، وله شاهد من حديث أسامة بن زيد، رواه أبوداود والنسائي، وروى الترمذي بعضه في الجامع. وقال: حسن غريب-انتهى. وذكر المنذري هذا الحديث في ترغيبه، وعزاه لابن ماجه فقط. وقال رواته ثقات، ورواه مالك ومسلم وأبوداود والترمذي باختصار ذكر الصوم، ولفظ مسلم قال رسول الله ﷺ تعرض الأعمال في اثنين وخميس فيغفر الله عزوجل في ذلك اليوم لكل امرىء لا يشرك بالله شيئاً إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: أتركوا هذين حتى يصطلحا، وفي رواية له (أي لمسلم وأخرجها أيضاً أحمد) (ج٢ص٢٦٨، ٣٨٩، ٤٠٠، ٤٦٥) تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر لكل عبدلا يشرك بالله شيئاً إلا رجل كان بينه وبين أخيه شحناء-الحديث.

стр. 3123

٢٠٩٣- (٣٨) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صام يوماً ابتغاء وجه الله، بعده الله من جهنم كبعد غراب طائر وهو فرخ حتى مات هرماً)) رواه أحمد. ٢٠٩٤- (٣٩) وروى البيهقي في "شعب الإيمان" عن سلمة بن قيس. ــ ٢٠٩٣- قوله: (ابتغاء وجه الله) نصب على العلة أي ذاته وطلب قربة ورضاه (كبعد غراب) أي بعداً مثل بعد غراب (طائر) كذا في جميع النسخ الحاضرة من المشكاة، والذي في مسند الإمام أحمد (ج٢ص٥٢٦) طار أي بلفظ الماضي وكذا نقله الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٣ص١٨١) عن مسندي أحمد والبزار (وهو فرخ) بفتح فسكون أي صغير (حتى مات هرماً) بفتح فكسر أي كبيراً قال الطيبي: طائر صفة غراب "وهو فرخ" حال الضمير في طائر "وحتى مات" غاية الطيران و"هرماً" حال من فاعل مات، مقابل لقوله وهو فرخ. وقيل: يضرب الغراب مثلاً في طول العمر شبه بعد الصائم عن النار ببعد غراب طار من أول عمره إلى آخره-انتهى. قيل: يعيش الغراب ألف عام كذا في المرقاة (رواه أحمد) (ج٢ص٥٢٦) قال حدثنا عبد الله بن يزيد أي المقري ثنا ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن لهيعة (أي ابن عقبة) أبي عبد الله عن رجل قد سماه ثنى سلمة بن قيصر (في النسخة المطبوعة قيس وهو غلط كما ستعرف) عن أبي هريرة وهذا إسناد ضعيف، لأن عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي فيه كلام معروف، والراوي عن سلمة بن قيصر مجهول، والحديث عزاه المنذري والهيثمي إلى أحمد والبزار جميعاً. وقالا: في إسناده رجل لم يسم، وسيأتي مزيد الكلام على إسناده. ٢٠٩٤- قوله: (وروى البيهقي) أي الحديث المذكور (في شعب الإيمان عن سلمة بن قيس) كذا في جميع النسخ من المشكاة، وكذا ذكره المؤلف في أسماء رجاله في الصحابة وهذا غلط ووهم منه، والصواب سلمة ابن قيصر بفتح قاف وسكون ياء وفتح صاد مهملة وترك صرف. قال المنذري: وعن سلمة بن قيصر إن رسول الله ﷺ قال: من صام يوماً ابتغاء وجه الله باعده الله من جهنم كبعد غراب طار، وهو فرخ حتى مات هرماً. رواه أبويعلى والبيهقي، ورواه الطبراني فسماه سلامة بزيادة ألف، وفي إسناده عبد الله بن لهيعة. ورواه أحمد والبزار من حديث أبي هريرة، وفي إسناده رجل لم يسم. وقال الهيثمي بعد ذكر هذا الحديث: من رواية سلمة بن قيصر، رواه أبويعلى والطبراني في الكبير والأوسط إلا أنه قال سلامة بن قيصر، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام-انتهى. قلت: وفيه أيضاً عمرو بن ربيعة الحضرمي وهو لا يعرف كما في الميزان (ج١ص٤٠٢) واللسان (ج٣ص٥٩) في ترجمة سلام بن قيس. وأما سلمة بن قيصر، فاختلف فيه أنه صحابي، فحديثه هذا مسند، أو تابعي أرسل حديثه، فقال أحمد بن صالح المصري له صحبة، وذكره الحسن بن سفيان وأبويعلى والطبراني وابن حبان وابن مندة في الصحابة. وقال ابن يونس المصري: سلمة بن قيصر الحضرمي وأهل الشام يقولون سلامة من أصحاب رسول الله ﷺ روى عنه مرثد بن عبد الله اليزني وأبوالشعثاء عمرو بن ربيعة الحضرمي،

стр. 3124

(٧) باب ﴿الفصل الأول﴾ ٢٠٩٥- (١) عن عائشة، قالت: ((دخل عليّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيء، فقلنا: لا، قال: فإني إذاً صائم، ــ قال ابن صالح وسلمة عندنا أصح، وذكره البخاري فيمن اسمه سلامة. وقال روى عمرو بن ربيعة ولا يصح حديثه. وقال الذهبي في الميزان: (ج١ص٤٠٣) سلامة بن قيصر تابعي أرسل لم يصح حديثه. وقال الحافظ في الإصابة: سلامة بن قيصر، ويقال سلمة نزل مصر، قال أحمد بن صالح: له صحبة، ونفاها أبوزرعة. وأخرج حديثه مطين، والحسن بن سفيان والطبراني من طريق عمرو بن ربيعة، سمعت سلامة بن قيصر يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول من صام الخ. ومداره على ابن لهيعة، وقال عبد الله بن يزيد المقري عند أحمد (كما تقدم) عن سلمة بن قيصر عن أبي هريرة، ورجح أبوزرعة هذه الزيادة وأنكرها أحمد بن صالح فقال هو خطأ من المقري-انتهى مختصراً. وقال في تعجيل المنفعة (ص١٦٠، ١٦١) قال ابن يونس: حديث سلمة بن قيصر المسند معلول، ثم ذكر الاختلاف فيه، وصوب أحمد بن صالح المصري أنه روى عن النبي ﷺ بغير واسطة أبي هريرة وإن عبد الله بن يزيد المقري، وهو شيخ أحمد فيه وهم فيه، حيث زاد في السند أبا هريرة، وقد وقع التصريح بسماع سلمة بن قيصر من النبي ﷺ في مسند أبي يعلى وغيره، ثم ذكر الحافظ قول الذهبي المتقدم. وقال والعمدة في هذا على ابن يونس فإنه أعرف بأهل مصر-انتهى. وقال الذهبي في تجريده (ج١ص٢٥٠) سلمة بن قيصر يقال له سلامة حديثه في مسند أبي يعلى من رواية عمرو بن ربيعة-انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا أن الراجح في اسمه سلمة بن قيصر وأنه صحابي وإن حديثه هذا مسند لا مرسل. وأما سلمة بن قيس وهو الأشجعي فهو صحابي أيضاً روى عنه هلال بن يساف وأبوإسحاق السبيعي. قال الغوي: روى ثلاثة أحاديث-انتهى. وهذا الحديث ليس منها فما وقع في نسخ المشكاة سلمة بن قيس غلط، والصواب سلمة بن قيصر والله تعالى أعلم. (باب) بالتنوين وقيل بالسكون. قال القاري: وفي نسخة في توابع لصوم التطوع. ٢٠٩٥- قوله: (ذات يوم) أي يوماً من الأيام (هل عندكم شيء) ولأبي داود هل عندكم طعام، وفي رواية للنسائي غداء بفتح المعجمة والدال المهملة وهو ما يؤكل قبل الزوال، وفي رواية الترمذي هل عندك غداء (فإني إذاً) بالتنوين (صائم) وفي رواية للنسائي إذاً أصوم، وفيه دليل على جواز نية النفل في النهار، وبه قال الأكثرون،

стр. 3125

ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: يارسول الله! أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه فلقد أصبحت صائماً فأكل)) . رواه البخاري. ــ وقد تقدم البسط في هذه المسألة في شرح حديث حفصة لا صيام لمن يجمع الصيام من الليل (أهدي لنا) أي أرسل إلينا بطريق الهدية (حيس) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها سين مهملة تمر مخلوط بسمن وقط. وقيل: طعام يتخذ من الزبد والتمر والإقط، وقد يبدل الإقط بالدقيق، والزبد بالسمن، وقد يبدل السمن بالزيت قاله القاري. وقال في القاموس: الحيس الخلط، وتمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديداً، ثم يندر منه نواه وربما جعل فيه سويق-انتهى. (أرينيه) أمر من إلا راءة، ورواية أبي داود أدنيه من الإدناء، وكذا وقع في رواية للنسائي "وأرينيه" كناية عنها لأن ما يكون قريباً يكون مرئياً ذكره الطيبي، وفي رواية لمسلم هاتيه (فلقد أصبحت صائماً) وفي رواية للنسائي إني قد أصبحت أريد الصوم. (فأكل) وفي رواية أخرى لمسلم فأكل، ثم قال قد كنت أصبحت صائماً، وفي رواية للنسائي فأفطر. قال السندي: هذا يدل على جواز الفطر للصائم تطوعاً بلا عذر وعليه كثير من محققي علماءنا الحنفية، لكنهم أوجبوا القضاء. وقال ابن الهمام: لا خلاف بين أصحابنا في وجوب القضاء إذا أفسد عن قصد أو غير قصد بأن عرض الحيض للصائمة المطوعة خلافاً للشافعي. وإنما اختلاف الرواية في نفس الإفساد هل يباح أولاً، فظاهر الرواية لا إلا بعذر ورواية المنتقى يباح بلا عذر، قال وعندي إن رواية المنتقى أوجه-انتهى. وقال الخطابي (ج٢ص١٢٤) في الحديث من الفقه جواز إفطار الصائم قبل الليل إذا كان متطوعاً به، ولم يذكر فيه إيجاب القضاء وكان غير واحد من الصحابة يفعل ذلك، منهم ابن مسعود وحذيفة وأبوالدرداء وأبوأيوب الأنصاري، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال ابن قدامة: (ج٣ص١٥١) من دخل في صيام تطوع استحب له إتمامه ولم يجب فإن خرج منه فلا قضاء عليه، روى عن ابن عمر وابن عباس أنهما أصبحا صائمين ثم أفطراً. وقال ابن عمر: لا بأس به مالم يكن نذراً أو قضاء رمضان. وقال ابن عباس: إذا صام الرجل تطوعاً ثم شاء أن يقطعه قطعة، وإذا دخل في صلاة تطوعاً ثم شاء أن يقطعها قطعها وقال ابن مسعود: متى أصبحت تريد الصوم فأنت على آخر النظرين إن شئت صمت وإن شئت أفطرت، فهذا مذهب أحمد والثوري والشافعي وإسحاق. وقد روى حنبل عن أحمد إذا أجمع على الصيام فأوجبه على نفسه فأفطر من غير عذر أعاد يوماً مكان ذلك اليوم، وهذا محمول على أنه استحب له ذلك أو نذره ليكون موافقاً لسائر الروايات عنه، وقال النخعي وأبوحنيفة ومالك: يلزم بالشروع فيه، ولا يخرج منه إلا لعذر، فإن خرج قضى، وعن مالك لا قضاء عليه (أي إذا أفطر بعذر) واحتج من أوجب القضاء بما روى عن عائشة إن رسول الله ﷺ أمر بالقضاء يعني ما سيأتي في الفصل الثالث من حديث الزهري عن عروة عن عائشة، وسيأتي الجواب عنه.

стр. 3126

قال ابن قدامة: ولنا ما روى مسلم وأبوداود والنسائي عن عائشة قالت دخل على رسول الله ﷺ يوماً فقال هل عندكم شيء فقلت لا-الحديث. وقال الحافظ: جواز الفطر من صوم التطوع هو قول الجمهور، ولم يجعلوا عليه قضاء إلا أنه يستحب له ذلك، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه ضرب لذلك مثلاً كمن ذهب بمال ليتصدق به ثم رجع ولم يتصدق به أو تصدق ببعضه وأمسك بعضه. وعن مالك الجواز وعدم القضاء بعذر، والمنع، وإثبات القضاء بغير عذر، وعن أبي حنيفة يلزمه القضاء مطلقاً ذكره الطحاوي وغيره. وأغرب ابن عبد البر فنقل الإجماع على عدم وجوب القضاء عمن أفسد صومه بعذر. قلت ويدل على ما ذهب إليه الجمهور من جواز الإفطار، وعدم وجوب القضاء حديث أبي جحيفة الذي رواه البخاري والترمذي في قصة زيارة سلمان أبا الدرداء، وإفطار أبي الدرداء لقسم سلمان لأن النبي ﷺ قرر ذلك، ولم يبين لأبي الدرداء وجوب القضاء عليه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وأجاب القرطبي عنه بأن إفطار أبي الدرداء كان لقسم سلمان ولعذر الضيافة. وفيه إن هذا يتوقف على أن هذا العذر من الأعذار التي تبيح الإفطار، وقد نقل ابن التين عن مذهب مالك إنه لا يفطر لضيف نزل به ولا لمن حلف عليه بالطلاق والعتاق. واستدل للجمهور أيضاً بحديث عائشة الذي نحن في شرحه لأنه لم يذكر فيه القضاء. وأجيب عنه بأنه زاد فيه بعضهم فأكل ثم قال أصوم يوماً مكانه، أخرجه النسائي في السنن الكبرى، والدارقطني والشافعي والبيهقي في المعرفة، وفي السنن الكبرى (ج٤ص٢٧٥) والطحاوي (ص٣٥٥) كلهم من رواية ابن عيينة عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين. وقد صحح هذه الزيادة أبومحمد عبد الحق كما في البناية (ج٢ص٣٥٦) والمرقاة (ج٢ص٥٥٤) وقال ابن التركماني: هذه الزيادة من ثقة أصر عليها فهي مقبولة. قلت في كون هذه الزيادة محفوظة صحيحة نظر، فإنها قد ضعفها الأئمة الحفاظ كالنسائي والدارقطني والشافعي والبيهقي. قال النسائي: هذا خطأ يعني من ابن عيينة. ونسب الدارقطني الوهم فيها لمحمد بن عمرو الباهلي الراوي عنده ابن عيينة، لكن رواها النسائي عن محمد بن منصور عن ابن عيينة، وكذا رواها الشافعي عن ابن عيينة لكن قال سمعت سفيان بن عيينة عامة مجالسه لا يذكر فيه، سأصوم يوماً مكانه ثم عرضته عليه قبل موته بسنة فذكره فيه. وقال الحافظ في التلخيص: (ص١٩٧) ذكر الشافعي إن ابن عيينة زادها قبل موته بسنة-انتهى. وابن عيينة كان في الآخر قد تغير. وقال في تهذيب التهذيب قال ابن عمار: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول اشهدوا إن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها فسماعه لا شيء. قال الحافظ: وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئاً يصلح أن يكون سبباً لما نقله عنه ابن عمار في حق ابن عيينة،

стр. 3127

وذلك ما أورده أبوسعد بن السمعاني في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن من ذيل تاريخ بغداد بسند له قوى إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم. قال سمعت يحيى بن سعيد يقول قلت لابن عيينة كنت تكتب الحديث، وتحدث اليوم وتزيد في إسناده أو تنقص منه، فقال عليك بالسماع الأول فإني قد سمعت. وقد ذكر أبومعين الرازي في زيادة كتاب الإيمان لأحمد إن هارون بن معروف قال له إن ابن عيينة تغير أمره بآخره-انتهى. وهذا كله يدل على أن الشافعي قد بين علة الحديث بقوله سمعت سفيان بن عيينة عامة مجالسه لا يذكر فيه الخ. وقال البيهقي في المعرفة: وقد رواه جماعة عن سفيان دون هذه اللفظة، ورواه جماعة عن طلحة بن يحيى دون هذه اللفظة، منهم سفيان الثوري وشعبة ووكيع ويحيى القطان وغيرهم. وقال في السنن بعد ذكر كلام الشافعي المذكور: ورواية ابن عيينة عامة دهره لهذا الحديث لا يذكر فيه هذا اللفظ مع رواية الجماعة عن طلحة لا يذكره أحد، منهم الثوري وشعبة وعبد الواحد ابن زياد ووكيع ويحيى القطان ويعلى بن عبيد وغيرهم، تدل على خطأ هذه اللفظة. وقد روى من وجه آخر عن عائشة ليس فيه هذه اللفظة-انتهى. واجتماع هؤلاء الأئمة الحفاظ على تضعيف هـ١ذه الزيادة مقدم على تصحيح عبد الحق، وليس كل زيادة من الثقة تقبل بل لكل زيادة حكم يخصها، كما ذكر الزيلعي (ج١ص٣٣٦، ٣٣٧) وههنا قد وجدت قرينة تدل على كون هذه الزيادة وهماً ومدرجة، فالحكم مقبولة مردود. وعلى تقدير أن تكون محفوظة يحمل القضاء على الندب. قال البيهقي: وحمل الشافعي قوله سأصوم يوماً مكانه أي تطوعاً وجعله بمثابة قضاءه ﵇ الركعتين اللتين بعد الظهر حين شغله عنهما الوفد. واستدل للجمهور أيضاً بما روى البخاري وغيره من أمره ﷺ جويرية بالإفطار من صوم يوم الجمعة. وبحديث أم هانىء الآتي. وقد وقع في رواية لأحمد (ج٦ص٣٤٣، ٣٤٤) والنسائي في الكبرى والدارقطني (ص٢٣٥) والدارمي والطحاوي (ج١ص٣٥٣) والبيهقي (ج٤ص٢٧٨، ٢٧٩) إن كان قضاء من رمضان فصومي يوماً مكانه، وإن كان تطوعاً فإن شئت فاقضي وإن شئت فلا تقضي. وبما رواه البيهقي (ج٤ص٢٧٩) عن أبي سعيد قال صنعت للنبي ﷺ طعاماً فلما وضع قال رجل أنا صائم فقال رسول الله ﷺ دعاك أخوك وتكلف لك أفطر وصم مكانه يوماً إن شئت، رواه إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن ابن المنكدر عنه. قال الحافظ في الفتح: وإسناده حسن وهو دال على عدم الإيجاب. واحتج من أوجب القضاء بما سيأتي من حديث الزهري عن عروة أنه ﷺ أمر عائشة وحفصة بالقضاء حين أفطرتا من صوم التطوع. والجواب عنه بأنه حديث ضعيف غير صالح للاستدلال كما ستعرف. وعلى تقدير الصحة يحمل الأمر بالقضاء على الاستحباب، لتجتمع الأحاديث الواردة في الباب.

стр. 3128

واحتجوا أيضاً لذلك ولتحريم الأكل من غير عذر بقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام على الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنه يعم الفرض والنفل. وبقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] وهذا قد عقد الصوم فوجب أن يفيء به. وبقوله تعالى: ﴿ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾ [الحج: ٣٠] وليس من تعمد الفطر بمعظم لحرمة الصوم. وبقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] وبقوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾ [الحديد: ٢٧] الآية سيقت في معرض ذمهم على عدم رعاية ما التزموه من القرب التي لم تكتب عليهم، والقدر المؤدي عمل كذلك، فوجب صيانته عن الأبطال بهذين النصين فإذا أفطر وجب قضاءه تفادياً أي تبعداً عن الأبطال. وأجيب بأن هذه النصوص كلها من الأدلة العامة، وقد تقرر في موضعه إن الخاص يقدم على العام. قال ابن المنير المالكي: ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ إلا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان ونحوه. وقال ابن عبد البر المالكي: من احتج في هذا بقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ فهو جاهل بأقوال أهل العلم فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء كأنه قال لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل اخلصوها لله وقال آخرون: ﴿لا تبطلوا أعمالكم﴾ بارتكاب الكبائر (أو بالكفر والنفاق أو بالمن والأذى ونحوها) ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال مالم يفرضه الله عليه ولا أوجب على نفسه بنذر وغيره لأمتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب وهم لا يقولون بذلك والله أعلم. وحديث الباب رواه ابن ماجه من طريق طلحة بن يحيى عن مجاهد عن عائشة وزاد قالت، وربما صام وأفطر. قلت: كيف ذا قالت إنما مثل هذا مثل الذي يخرج بصدقة فيعطي بعضاً ويمسك بعضاً، وروى النسائي هذا المثل من هذا الوجه مرفوعاً. قال السندي في حاشية ابن ماجه: قوله"صام وأفطر" أي جمع بينهما. وفيه إن من عزم على الصوم ثم أفطر له أجر القدر الذي مضى فيه على صومه، وهو بمنزله إعطاءه بعض ما قصد التصدق به، وعلى هذا لا ينتهض الاستدلال بقوله: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ على عدم جواز إفطار الصوم أصلاً فافهم والله أعلم-انتهى. واحتجوا أيضاً لوجوب القضاء بما روى الدارقطني (ص٢٣٧) عن جابر قال. صنع رجل من أصحاب رسول الله ﷺ طعاماً فدعا النبي ﷺ وأصحاباً له، فلما أتى بالطعام تنحى أحدهم، فقال له النبي ﷺ مالك قال غني صائم فقال له النبي ﷺ تكلف لك أخوك وصنع، ثم تقول إني صائم كل وصم يوماً مكانه. ورواه أبوداود الطيالسي (ص٢٩٣) والدارقطني أيضاً من حديث أبي سعيد. قال الدارقطني: هذا أي حديث أبي سعيد مرسل. وأجيب بأن الأمر فيهما محمول على الندب كما يدل عليه رواية أبي سعيد عند البيهقي بلفظ: صم مكانه يوماً إن شئت، فعلق القضاء على المشيئة وهذا ليس من شأن الواجب.

стр. 3129

٢٠٩٦- (٢) وعن أنس، قال: ((دخل النبي ﷺ على أم سليم فأتته بتمر وسمن، فقال: أعيدوا سمنكم في سقاءه، وتمركم في وعائه، فإني صائم. ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة فدعا لأم سليم وأهل بيتها)) . رواه البخاري. ــ واحتجوا أيضاً بالقياس على الحج والعمرة النفلين حيث يجب قضاءهما إذا أفسدا اتفاقاً. وأجيب عنه بأن الحج امتاز بأحكام لا يقاس غيره عليه فيها، فمن ذلك إن الحج يؤمر مفسده بالمضي في فاسده، والصيام لا يؤمر مفسده بالمضي فيه فافترقا، ولأنه قياس في مقابلة النص فلا يعتد به (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والشافعي وابن حبان والطيالسي والدارقطني (ص٢٣٦) والطحاوي (ج١ص٣٥٥) والبيهقي (ج٤ص٢٧٥) وغيرهم. ٢٠٩٦- قوله: (دخل النبي ﷺ على أم سليم) هي والدة أنس المذكور واسمها الغميصاء بالغين المعجمة والصاد المهملة أو الرميصاء بالراء بدل المعجمة. وقيل: اسمها سهلة. وعند أحمد أن النبي ﷺ دخل على أم حرام وهي خالة أنس، لكن في بقية الحديث ما يدل على أنهما كانتا مجتمعتين (فأتته) أم سليم (بتمر وسمن) أي على سبيل الضيافة (في سقاءه) بكسر السين ظرف الماء من الجلد، والجمع أسقية، وربما يجعل فيه السمن والعسل. (فإني صائم) فيه دليل على أن من صام تطوعاً لا يجب عليه الإفطار إذا قرب إليه الطعام، وإن أفطر يجوز للحديث السابق. وقد ترجم البخاري لحديث أنس هذا بلفظ: باب من زار قوماً فلم يفطر عندهم. قال الحافظ: أي في صوم التطوع، وهذه الترجمة تقابل الترجمة الماضية، وهي من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع وموقعها أن لا يظن إن فطر المرء من صيام التطوع لتطييب خاطر أخيه حتم عليه، بل المرجع في ذلك إلى من علم من حاله من كل منهما أنه يشق عليه الصيام فمتى عرف أنه لا يشق عليه كان الأولى أن يستمر على صومه-انتهى. قال القاري: حديث أنس هذا بظاهره يؤيد من قال إن الضيافة غير عذر، والأظهر أنها عذر، ولكنه مخير لقوله ﵊ إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء لم يطعم. رواه مسلم، وأبوداود عن جابر-انتهى. قلت: وأخرجه ابن ماجه أيضاً ولفظه "من دعى إلى طعام وهو صائم فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك" (فصلى غير المكتوبة) يعني التطوع، وفي رواية أحمد عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس فصلى ركعتين، وصلينا معه وهذه القصة غير القصة التي رواها في البخاري باب الصلاة على الحصير حيث صرح هناك بأنه أكل وههنا لم يأكل (فدعا لأم سليم وأهل بيتها) في الحديث من الفوائد، جواز تحفة الزائر بما حضر بغير تكلف، وجواز رد الهدية إذا لم يشق ذلك على المهدي، وإن أخذ من رد عليه ذلك له ليس من العود في الهبة،

стр. 3130

٢٠٩٧- (٣) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم)) . ٢٠٩٨- (٤) وفي رواية، قال: ((إذا دعى أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم)) . رواه مسلم. ــ وفيه حفظ الطعام وترك التفريط فيه، وجبر خاطر المزور إذا لم يؤكل عنده بالدعاء له، ومشروعية الدعاء عقب الصلاة، وتقديم الصلاة أمام طلب الحاجة وزيارة الإمام بعض رعيته (رواه البخاري) في الصيام وفي الدعوات وهو من أفراده وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣ص١٠٨، ١٨٨) . ٢٠٩٧- قوله: (إذا دعى أحدكم إلى طعام) عرساً كان أو نحوه (وهو صائم) نفلاً أو قضاء أو نذراً (فليقل إني صائم) أي اعتذاراً للداعي وإعلاماً بحاله فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور فله التخلف، وإلا حضر الدعوة، وليس الصوم عذراً في التخلف، لكن إذا حضر لا يلزمه الأكل ويكون الصوم عذراً في ترك الأكل إلا أن يشق على صاحب الطعام ترك إفطاره، فيستحب له حينئذٍ الفطر وإلا فلا هذا إذا كان صوم تطوع فإن كان صوماً واجباً حرم الفطر، وفي الحديث أنه لا بأس بإظهار العبادة النافلة كالصلاة والصوم وغيرهما إذا دعت إليه حاجة، والمستحب إخفاءها إذا لم تكن حاجة، وفيه الإرشاد إلى حسن المعاشرة وإصلاح ذات البين وتأليف القلوب بحسن الإعتذار عند سببه. ٢٠٩٨- قوله: (إذا دعى أحدكم) أي إلى طعام عرساً كان أو غيره (فليجب) أي فليحضر الدعوة. قيل: وجوباً. وقيل: ندباً. وقيل: وجوباً في وليمة العرس، وندباً في غيرها. قال: بالأول الظاهرية. وبالثاني، المالكية والحنابلة والحنفية. وبالثالث الشافعية. (فإن كان صائماً فليصل) بضم المثناة التحتية وفتح الصاد المهملة وتشديد اللام المكسورة أي فليدع لأهل الطعام بالبركة كما في حديث ابن مسعود. عند الطبراني، وإن كان صائماً فليدع بالبركة، وقد روى إن أبي بن كعب لما حضر الوليمة وهو صائم أثنى ودعا، وعند أبي عوانة عن نافع كان ابن عمر إذا دعى أجاب فإن كان مفطراً أكل، وإن كان صائماً دعا لهم وبرك، ثم انصرف. وحمله الطيبي على ظاهره فقال أي ركعتين في ناحية البيت (ليحصل له فضلها وليتبرك أهل المنزل والحاضرون) كما فعل النبي ﷺ في بيت أم سليم-انتهى. قال القاري: ظاهر حديث أم سليم أن يجمع بين الصلاة والدعاء-انتهى. والجمع بين هذه الرواية وبين الرواية الأولى أنه يعتذر المدعو أولاً فيقول إني صائم فإن أبى فليحضر وليدع له بالبركة، ويداوم على صومه إن لم يتأذ الداعي بترك أكله ولم يشق عليه صومه، وإلا فيفطر،

стр. 3131

﴿الفصل الثاني﴾ ٢٠٩٩- (٥) وعن أم هانىء، قالت: ((لما كان يوم الفتح فتح مكة، جاءت فاطمة فجلست على يسار رسول الله ﷺ ، وأم هانىء عن يمينه، فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب، فناولته، فشرب منه، ثم ناوله أم هانىء فشربت منه، فقالت: يا رسول الله! لقد أفطرت وكنت صائمة، فقال لها: أكنت تقضين شيئاً؟ قالت: لا، قال: فلا يضرك إن كان تطوعاً)) . رواه أبوداود، والترمذي، والدارمي. ــ ومما يدل على عدم لزوم الأكل للصائم عند الإجابة ما ذكرنا من حديث جابر عند ابن ماجه بلفظ: من دعى على طعام وهو صائم فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك (وإن كان مفطراً فليطعم) أي فليأكل ندباً. وقيل: وجوباً إن خاف المعاداة (رواه مسلم) الرواية الأولى أخرجها مسلم في الصوم من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وأخرجها من هذا الوجه أحمد (ج٢ص٢٤٢) والترمذي وأبوداود وابن ماجه والدارمي أيضاً، والرواية الثانية أخرجها مسلم في النكاح من رواية هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وأخرجها أحمد (ج٢ص٢٧٩) والترمذي وأبوداود، وهذا ظاهر في أنهما حديثان لا حديث واحد له روايتان فكان الأولى للمصنف أن يصدر الحديث الثاني بلفظه وعنه والله أعلم. ٢٠٩٩- قوله: (عن أم هانىء) بهمزة بعد نون مكسورة بنت أبي طالب (لما كان يوم الفتح) أي زمن الفتح أو عام الفتح (فتح مكة) بالجر بدل أو بيان (جاءت فاطمة) بنت رسول الله ﷺ (وأم هانىء عن يمينه) وفي رواية لأحمد، وجاءت أم هانىء فقعدت عن يمينه. قال الطيبي: قوله "وأم هانىء عن يمينه" إما حال أي جاءت فاطمة وجلست على يساره، والحال إن أم هانىء عن يمينه. وإما عطف على تقديره وجاءت أم هانىء فجلست عن يمينه، وعلى التقديرين الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، لأن الظاهر أن يقال وأنا جالسة عن يمينه أو جلست عن يمينه، فأما أن يحمل على التجريد كأنها تحكي عن نفسها بذلك، أو إن الراوي وضع كلامه مكان كلامها يعني به أنه نقله بالمعنى (فجاءت الوليدة) أي الأمة ولم أقف على تسميتها (بإناء فيه شراب) أي من ماء فإنه المراد عند الإطلاق (فناولته) أي الجارية والضمير المنصوب له ﵊، والمفعول الثاني مقدر وهو الإناء (ثم ناوله) أي الإناء (أم هانىء) إما لكونها عن اليمين أو لكبر سنها (لقد أفطرت وكنت) الواو للحال (صائمة) أي فما الحكم في إفطاري، وإنما لم تسأل قبل تناولها إيثار لسؤره ﷺ على صوم التطوع أو خوفاً عن فوت سؤره،

стр. 3132

وفي رواية لأحمد (ج٦ص٤٢٤) ثم قالت (أي بعد شربها فضله ﷺ يا رسول الله لقد فعلت شيئاً ما أدري يوافقك أم لا، قال وما ذاك يا أم هانىء قالت: كنت صائمة فكرهت أن أرد فضلك فشربته (أكنت تقضين) أي بهذا الصوم (شيئاً) أي من الواجبات عليك (فلا يضرك) أي الإفطار، وفي رواية لأحمد فلا بأس عليك (إن كان) أي صومك (تطوعاً) وهو للتأكيد لأن المتطوع له أن يفطر ولو بلا عذر. قال الخطابي: في هذا بيان أن القضاء غير واجب إذا أفطر في تطوع، يعني لأنه لم يذكر فيه القضاء، والأصل عدمه، ولو كان القضاء واجباً لبينه لها مع حاجتها على البيان كذا قيل. وقد تقدم أنه وقع في رواية أحمد والنسائي والدارقطني والدارمي والطحاوي والبيهقي التصريح منه ﷺ بالتخيير في القضاء في صوم التطوع. قال الترمذي بعد رواية حديث الباب: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه، إلا أن يحب أن يقضيه، وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي-انتهى. قلت: وهو مذهب مجاهد وطاؤس وهو قول ابن عباس، وروى عن سلمان وأبي الدرداء وغيرهم (رواه أبوداود والترمذي والدارمي) أخرجه أبوداود والدارمي من طريق من جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله ابن الحارث عن أم هانىء، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (ج٤ص٢٧٧) وأخرجه الترمذي من طريق أبي الأحوص عن سماك بن حرب عن أم هانىء، والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٦ص٣٤٢- ٣٤٣- ٤٢٤) والنسائي في الكبرى والدارقطني (ص٢٣٥) والطحاوي (ج١ص٣٥٣- ٣٥٤) والبيهقي (ج٤ص٢٧٦، ٢٧٨، ٢٧٩) والطبراني وسعيد بن منصور والأثرم وللحديث طرق وألفاظ عندهم. وقد سكت عنه أبوداود. وقال المنذري: في إسناده مقال، ولا يثبت، وفي إسناده اختلاف كثير أشار إليه النسائي. وقال الترمذي: في إسناده مقال-انتهى. وحاصل ما ذكروه من الاضطراب في إسناده إنه اختلف على سماك بن حرب فيه، فإنه رواه تارة عن أبي صالح، وتارة عن جعدة، وتارة عن هارون. أما أبوصالح فهو باذان، ويقال باذام، ضعفوه. قال البيهقي: ضعيف لا يحتج بخبره، وفي السنن الكبرى للنسائي هو ضعيف الحديث وقال أبوأحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف مدلس. قلت: قد وثقه العجلي. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين ليس به بأس. وقال ابن المديني. عن القطان: لم أر أحداً من أصحابنا تركه وما سمعنا أحداً من الناس يقول فيه شيئاً،

стр. 3133

وفي رواية لأحمد، والترمذي نحوه، وفيه. ــ ولما قال عبد الحق في أحكامه إن أبا صالح ضعيف جداً أنكر عليه ذلك ابن القطان في كتابه كذا في تهذيب التهذيب (ج١ص٤١٦- ٤١٧) قالوا: وأما جعدة فمجهول، قال البخاري في تاريخه: لا يعرف إلا بحديث فيه نظر. وقال النسائي: لم يسمعه جعدة من أم هانىء بل سمعه من أبي صالح مولى أم هانىء وأهله عن أم هانىء. قلت: ذكر جعدة هذا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ونقل عن أبيه أنه قال هو شيخ وقال الحافظ في التقريب: جعدة المخزومي من ولد أم هانىء. قيل: هو ابن يحيى بن جعدة بن هبيرة وهو مقبول-انتهى. قالوا: وأما هارون فمجهول الحال قاله ابن القطان: واختلف في نسبة فقيل ابن أم هانىء، وقيل ابن ابن أم هانىء، وقيل ابن ابنة أم هانىء، وقيل هذا وهم لأنه لا يعرف لها بنت. وقال النسائي: اختلف على سماك فيه وسماك لا يعتمد عليه إذا انفرد بالحديث. قلت: سماك بن حرب هذا ضعفه الثوري وابن المبارك وشعبة. وقال ابن حبان: في الثقات يخطىء كثيراً. وقال يعقوب: روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المثبتين ومن سمع منه قديماً مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم، والذي قاله ابن المبارك إنما نرى أنه فيمن سمع منه بآخره أي لأنه كان قد تغير قبل موته وعليه يحمل كلام النسائي المتقدم وقد وثقه ابن معين وأبوحاتم. وقال العجلي: جائز الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس، وفي حديثه شيء. وقال ابن عدي: أحاديثه حسان وهو صدوق لا بأس به. وقال الحافظ في التقريب: صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره فكان ربما يلقن-انتهى. تنبيه قال الحافظ في التلخيص (ص١٩٧) : ومما يدل على غلط سماك فيه أنه قال في الرواية المذكورة إن ذلك كان يوم الفتح، ويوم الفتح كان في رمضان فكيف يتصور قضاء رمضان في رمضان-انتهى. وقال غيره: ومما يوهن هذا الخبر أنها أسلمت يوم الفتح فلا يجوز لها أن تكون متطوعة لأنها كانت في شهر رمضان قطعاً. وقال الذهبي: قد غلط سماك في هذا الحديث لأن يوم الفتح كان في رمضان فكيف يتصور أن تكون صائمة قضاء أو تطوعاً كذا ذكره الشوكاني والعيني (ج١١ص٧٩) وابن التركماني (ج٤ص٢٧٨) وصاحب بذل المجهود. ثم رد عليه صاحب البذل فقال هذا الاستدلال في توهين الحديث فاسد، فإن رسول الله ﷺ خرج في فتح مكة من المدينة لعاشر رمضان، وكان الفتح لعشرين من رمضان، وأقام بمكة خمس عشرة ليلة بعد الفتح، ثم خرج إلى حنين لعاشر شوال صرح بهذا أهل التاريخ، فظهر بهذا أن رسول الله ﷺ أقام بمكة بعد رمضان عدة أيام فعلى هذا ما وقع في الحديث من قولها لما كان يوم فتح مكة يشمل جميع الأيام التي أقام بمكة فيها زمن الفتح كما هو ظاهر، وليس المراد من يوم فتح مكة اليوم الخاص الذي كان يوم الفتح-انتهى. (وفي رواية لأحمد والترمذي نحوه) بالرفع أي معناه (وفيه) أي في الحديث الذي نحوه (أما) بالتخفيف للتنبيه (الصائم) أريد به الجنس (المتطوع) احتراز من المفترض أداء وقضاء (أمير نفسه)

стр. 3134

فقالت: ((يا رسول الله! أما إني كنت صائمة فقال: الصائم المتطوع أمير على نفسه. إن شاء صام، وإن شاء أفطر)) . ٢١٠٠- (٦) وعن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: ((كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، فقالت حفصة: يا رسول الله! إنا كنا صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه. قال: أقضيا يوماً آخر مكانه)) . رواه الترمذي. وذكر جماعة من الحفاظ رووا عن الزهري عن عائشة مرسلاً، ولم يذكروا فيه عن عروة، وهذا أصح. ــ أي أمير لنفسه بعد دخوله في الصوم، وهذا لفظ أحمد (ج٦ص٣٤١، ٣٤٣) وكذا وقع في رواية للبيهقي ولفظ الترمذي أمين نفسه بالنون بدلاً من الراء. قال في المجمع: معناه إنه إذا كان أمين نفسه فله أن يتصرف في أمانة نفسه على ما يشاء، وفي رواية للترمذي أمبير أو أمين نفسه بالشك، وكذا وقع عند الدارقطني (ص٢٣٥) والبيهقي (ج٤ص٢٧٦) وفي رواية لأحمد (ج٦ص٤٢٤) والدارقطني والبيهقي المتطوع بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر (إن شاء صام) أي أتم صومه (وإن شاء أفطر) إما بعذر، أو بغيره ويفهم منه أن الصائم غير المتطوع لا تخيير له لأنه مأمور مجبور عليه، وهذه الرواية أخرجها أحمد والترمذي وكذا الدارقطني والبيهقي من طريق شعبة عن جعدة عن أم هانىء وأخرجها أيضاً الدارقطني والبيهقي من طريق سماك عن أبي صالح عن أم هانىء. ٢١٠٠- قوله: (كنت أنا وحفصة) بالرفع (صائمتين) أي متطوعتين كما في رواية الموطأ والبيهقي وابن حبان (فعرض لنا طعام) بصيغة المجهول أي عرضه لنا أحد بطريق الهدية وفي رواة الموطأ والبيهقي فاهدي لنا طعام (أقضيا يوماً آخر مكانه) أي بدله، وفي رواية أبي داود لا عليكما صوماً مكانه يوماً آخر، وقد استدل به على أن من أفطر في التطوع يلزمه القضاء مكانه، لكن الحديث ضعيف كما ستعرف، وعلى تقدير الصحة فيحمل الأمر بالقضاء على الندب للجمع بينه وبين حديث أم هانىء. قال الخطابي في المعالم (ج٢ص١٣) لو ثبت الحديث أشبه أن يكون إنما أمرهما بذلك استحباباً لأن بدل الشيء في أكثر أحكام الأصول يحل محل أصله وهو في الأصل مخير فكذلك في البدل-انتهى. (رواه الترمذي) وكذا أحمد والنسائي والبيهقي (ج٤ص٢٨٠) كلهم من رواية جعفر بن برقان عن الزهري عن عروة عن عائشة متصلاً (وذكر) أي الترمذي (جماعة من الحفاظ) أنهم (رووا عن الزهري عن عائشة مرسلاً) أي منقطعاً لأن الزهري لم يدركها فالمرسل في قول الترمذي هذا بمعنى المنقطع وهذه الرواية المنقطعة عند عبد الرزاق في مصنفه، ومالك في موطأه، والطحاوي والبيهقي وغيرهم.

стр. 3135

(ولم يذكوا) أي جماعة الحفاظ (فيه) أي في إسناد الحديث (عن عروة) بين الزهري وعائشة (وهذا) أي كونه مرسلاً (أصح) قلت أعل الترمذي هذا الحديث بأن الزهري لم يسمعه من عروة، فقال ورواه محمد بن أبي حفصة وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل هذا. وروى مالك بن أنس ومعمر وعبيد الله ابن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ (كيونس بن يزيد وابن جريج ويحيى بن سعيد وابن عيينة ومحمد ابن الوليد الزبيدي وبكر بن وائل) عن الزهري عن عائشة مرسلاً، ولم يذكروا فيه عن عروة، وهذا أصح لأمنه روى عن ابن جريج قال سألت الزهري فقلت أحدثك عروة عن عائشة قال لم أسمع من عروة في هذا شيئاً، ولكن سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناس عن بعض من سأل عن عائشة عن هذا الحديث، ثم أسنده كذلك. وقال ابن عيينة: في روايته سئل الزهري عنه أهو عن عروة فقال: لا، وقال أبوبكر الحميدي: أخبرني غير واحد عن معمر أنه قال في هذا الحديث لو كان من حديث عروة ما نسيته. قال البيهقي: فهذان ابن جريج وابن عيينة شهدا على الزهري وهما شاهدا عدل، بأنه لم يسمعه من عروة فكيف يصح وصل من وصله. وقال الترمذي في العلل: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال لا يصح حديث الزهري عن عروة عن عائشة في هذا قال وجعفر ابن برقان ثقة، وربما يخطىء في الشيء، وكذا قال محمد بن يحيى الذهلي لا يصح عن عروة، واحتج بحكاية ابن جريج وابن عيينة وبإرسال من أرسل الحديث عن الزهري من الأئمة. وقال النسائي في سننه الكبرى: بعد أن رواه موصولاً هذا خطأ. وقال الخلال: اتفق الثقات على إرساله وشذ من وصله وتوارد الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا، وقد رواه من لا يوثق به عن مالك موصولاً ذكره الدارقطني في غرائب مالك. قلت: رواه ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن يحيى عن مالك موصولاً. وقال لا يصح عن مالك غلا المرسل-انتهى. ورواه أيضاً متصلاً عن الزهري وسفيان بن حسين وصالح بن كيسان وحجاج بن أرطاة وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد كلهم عن الزهري عن عروة عن عائشة. أما حديث صالح بن أبي الأخضر فأخرجه البيهقي (ج٤ص٢٨٠) من رواية ابن عيينة عنه عن الزهري، ثم حكى البيهقي عن ابن عيينة أنه قال فسألوا الزهري وأنا شاهد فقالوا هو عن عروة قال لا، وقال ابن عبد البر صالح ابن أبي الأخضر في حديثه خطأ كثير. وقال في التقريب: ضعيف يعتبر به. وقال ابن حبان: يروي عن الزهري أشياء مقلوبة. وأما حديث ابن أرطاة وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد فأخرجه ابن عبد البر من طريق أبي خالد الأحمر عنهم، وأبوخالد هذا هو سليمان بن حيان الأزدي صدوق يغلط ويخطىء لسوء حفظه، وحجاج بن أرطاة صدوق كثير الخطأ والتدليس وجعفر بن برقان وسفيان بن حسين ليسا في حديث الزهري بشيء، ومحمد بن أبي حفصة صدوق، لكنه يخطىء، ومدار حديث صالح بن كيسان على يحيى بن أيوب وهو صدوق، وربما أخطأ.

стр. 3136

ورواه أبوداود، عن زميل مولى عروة، عن عروة عن عائشة. ٢١٠١- (٧) وعن أم عمارة بنت كعب، ((أن النبي ﷺ دخل عليها، فدعت له بطعام، ــ وقد ظهر بهذا كله إن رواية من رواه عن الزهري موصولاً لا توازي رواية الثقات الحفاظ الذين رووه منقطعاً، ولذلك توارد الأئمة الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا كما تقدم عن الخلال. فإن قلت رواه النسائي وابن حبان في صحيحه والطحاوي (ج١ص٣٥٥) وابن حزم في المحلة (ج٦ص٢٧٠) من حديث جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة كذلك، وهذا سند جيد وهو يقوي رواية من رواه عن الزهري متصلاً. قلت: قال البيهقي: جرير ابن حازم وإن كان من الثقات فهو واهم فيه، وقد خطأه في ذلك أحمد بن حنبل وعلي بن المديني. والمحفوظ عن يحيى بن سعيد عن الزهري عن عائشة مرسلاً، ثم أسنده كذلك عن أحمد وابن المديني. وللحديث شواهد من حديث ابن عباس عند النسائي والطبراني، وفيه خصيف وهو صدوق سيء الحفظ خلط بآخره رواه عن عكرمة عنه قال النسائي وابن عبد البر: هذا الحديث منكر، وقد أخرجه ابن أبي شيبة من طريق خصيف عن سعيد بن جبير مرسلاً. ومن حديث ابن عمر عند البزار والطبراني، وفيه حماد بن الوليد وهو لين الحديث. ومن حديث أبي هريرة عند الطبراني والعقيلي في الضعفاء وفيه محمد بن أبي سلمة المكي. قال الهيثمي وقد ضعف بهذا الحديث. (ورواه أبوداود) وكذا النسائي والبيهقي (ج٤ص٢٨١) كلهم من حديث يزيد بن الهاد (عن زميل) بالتصغير ابن عباس المدني الأسدي قال مهناً عن أحمد لا أدري من هو. وقال الخطابي والحافظ في التقريب: مجهول. وقال النسائي: ليس بالمشهور. وذكره ابن حبان في الثقات وهذا على ما اصطلح من ذكر المستورين في ثقاته (مولى عروة عن عروة عن عائشة) قال ابن عدي: هذا الحديث يعرف بزميل هذا وإسناده لا بأس به. وقال الحافظ في الفتح: ضعفه أحمد والبخاري والنسائي بجهالة حال زميل. وقال الخطابي: إسناده ضعيف وزميل مجهول، ولو ثبت الحديث أشبه أن يكون إنما أمرهما بالقضاء استحباباً-انتهى. وبهذا يجمع بين الأحاديث الواردة في هذا الباب. ٢١٠١- قوله: (وعن أم عمارة) بضم العين المهملة وتخفيف الميم واسمها نسيبة بفتح النون (بنت كعب) ابن عمرو الأنصارية النجارية غلبت عليها كنيتها، وهي والدة عبد الله بن زيد بن عاصم المازني صحابية مشهورة شهدت أحداً هي وابنها وزوجها زيد بن عاصم، وشهدت بيعة الرضوان واليمامة وقطعت يدها فيها. قال ابن عبد البر: شهدت بيعة العقبة وشهدت أحداً مع زوجها زيد بن عاصم وولدها منه في قول ابن إسحاق، وشهدت بيعة الرضوان ثم شهدت قتال مسيلمة باليمامة وجرحت يومئذ اثنتى عشرة جراحة من بين طعنة وضربة وقطعت يدها.

стр. 3137

فقال لها: كلي فقالت إني صائمة. فقال النبي ﷺ : إن الصائم إذا أكل عنده، صلت عليه الملائكة حتى يفرغوا)) . رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي. ﴿الفصل الثالث﴾ ٢١٠٢- (٨) عن بريدة، قال: دخل بلال على رسول الله ﷺ وهو يتغدى، فقال رسول الله ﷺ : ((الغداء يا بلال! قال: إني صائم يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : ((نأكل رزقنا، وفضل رزق بلال في الجنة، ــ وذكر ابن هشام من طريق أم سعد بنت سعد بن الربيع قالت دخلت على أم عمارة فقلت حدثيني خبرك يوم أحد فقالت خرجت أول النهار ومعي سقاء فيه ماء فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه والريح والدولة للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ فجعلت أباشر القتال وأذب عن رسول الله ﷺ بالسيف وأرمي بالقوس حتى خلصت إلى الجراحة قالت فرأيت على عاتقها جرحاً له غوراً جوف فقلت من أصابك بهذا، قالت ابن قمئة، وأخرج الواقدي عن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما التفت يوم أحد يميناً وشمالاً إلا وأراها تقاتل دوني وروى أنها قتلت يومئذ فارساً من المشركين (فدعت) أي طلبت (له بطعام) وفي رواية لأحمد فقربت إليه طعاماً، وللترمذي فقدمت (إن الصائم إذا أكل) بالبناء المفعول (عنده) أي نهاراً بحضرته. وفي رواية للترمذي إذا أكل عنده المفاطير بفتح الميم جمع المفطر أي المفطرون (صلت عليه الملائكة) أي استغفرت ودعت له الملائكة بما صبر مع وجود المرغب (حتى يفرغوا) أي الآكلون من أكل الطعام عنده لأن حضور الطعام عنده يهيج شهوته للأكل فلما كف شهوته وحبس نفسه امتثالاً لأمر الشارع استغفرت له الملائكة وعظم له الأجر، وفي الحديث ترغيب الصائمين في أكل المفطرين عنده (رواه أحمد) (ج٦ص٣٦٥) (والترمذي) وصححه (وابن ماجه والدارمي) واللفظ لأحمد والدارمي، ولفظ الترمذي إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا. وربما قال حتى يشبعوا، والحديث أخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والنسائي في الكبرى والبيهقي في شعب الإيمان. ٢١٠٢- قوله: (وعن بريدة) بالتصغير (وهو يتغدى) أي يأكل الغداء وهو طعام أول النهار (الغداء) بالنصب لفعل مقدر أي أحضر الغداء أوائته أو بالرفع على الابتداء أي حاضر (نأكل رزقنا) أي رزق الله الذي أعطانا الآن هكذا في جميع النسخ من المشكاة رزقنا،

стр. 3138

أشعرت يا بلال أن الصائم يسبح عظامه، ويستغفر له الملائكة ما أكل عنده)) . رواه البيهقي "في شعب الإيمان". (٨) باب ليلة القدر ــ وفي ابن ماجه أرزاقنا وكذا نقله المنذري في الترغيب وعزاه لابن ماجه والبيهقي (وفضل رزق بلال) مبتدأ أي الرزق الفاضل على ما نأكل (في الجنة) أي جزاء له على صومه المانع من أكله. قال الطيبي: الظاهر أن يقال ورزق بلال في الجنة إلا أنه ذكر لفظ فضل تنبيهاً على أن رزقه الذي هو بدل من هذا الرزق زائد عليه، ودل على آخر كلامه على أن أمره الأول لم يكن للوجوب-انتهى. ثم زاد ﵊ في ترغيب بلال في الصوم بقوله (أشعرت) أي أما علمت (عظامه) لا مانع من حمله على حقيقته، وإن الله تعالى بفضله يكتب له ثواب ذلك التسبيح. (ويستغفر له الملائكة) وفي بعض النسخ بتأنيث الفعلين كما في ابن ماجه والترغيب للمنذري. (ما أكل) ظرف ليسبح ويستغفر (عنده) أي ما دام يؤكل عند الصائم جزاء على صبره حال جوعه (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وكذا ابن ماجه كلاهما من رواية بقية حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن سليمان بن بريدة عن أبيه. قال المنذري: ومحمد بن عبد الرحمن هذا مجهول. وبقية مدلس، وتصريحه بالتحديث لا يفيد مع الجهالة-انتهى. وقال البوصيري في الزوائد على ما نقله السندي في حاشية ابن ماجه في إسناده: محمد بن عبد الرحمن متفق على تضعيفه، وكذبه أبوحاتم والأزدي-انتهى. قلت: الذي كذبه أبوحاتم والأزدي هو محمد بن عبد الرحمن المقدسي الذي سكن بيت المقدس. وأما شيخ بقية فقال أبوحاتم والأزدي مجهول، وزاد الأزدي منكر الحديث، وفرق بينه وبين الشيخ المقدسي. وقال الذهبي في الميزان (ج٣ص٨٩) محمد بن عبد الرحمن البيروتي عن سليمان بن بريدة وعنه بقية لا يدري من هو-انتهى. والحديث يؤيده حديث أم عمارة السابق وحديث ابن عباس مرفوعاً بلفظ: إن الرجل الصائم إذا جالس القوم وهم يطعمون صلت عليه الملائكة حتى يفطر الصائم رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبان بن أبي عياش وهو متروك كذا في مجمع الزوائد (ج٣ص٢٠١) . (باب ليلة القدر) بفتح القاف وإسكان الدال أي باب فضلها وبيان أرجى أوقاتها، واختلف في وجه تسميتها بذلك. فقيل لعظم قدرها وشرفها، فالقدر بمعنى التعظيم كقوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١] والمعنى أنها ذات قدر عظيم لنزول القرآن فيها ووصفها بأنها خير من ألف شهر، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو لما يحصل لمحييها بالعبادة من القدر الجسيم، أو لأن الطاعات لها قدر زائد فيها. وقيل القدر، هنا بمعنى التضييق كقوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧] ومعنى التضييق، فيها إخفاءها عن العلم بتعيينها أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة.

стр. 3139

وقيل القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخى القضاء، والمعنى أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة لقوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤] وبه صدر النووي كلامه فقال قال العلماء: سميت ليلة القدر لما يكتب فيها الملائكة من الأقدار التي تكون في تلك السنة لقوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ وتقدير الله تعالى سابق فهي ليلة إظهار الله تعالى ذلك التقدير للملائكة. وقال التوربشتي: إنما جاء القدر بتسكين الدال وإن كان الشائع في القدر الذي هو مؤاخى القضاء وقرينه فتح الدال ليعلم أنه لم يرد به ذلك فإن القضاء سبق الزمان. وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وتبيينه، وتحديده في المدة التي بعدها إلى مثلها من القابل ليحصل ما يلقي إليهم فيها مقدار بمقدار. ثم الجمهور على أنها مختصة بهذه الأمة ولم تكن لمن قبلهم. قال الحافظ: وجزم به ابن حبيب وغيره من المالكية (كالباجي وابن عبد البر) ونقله الجمهور صاحب العدة من الشافعية ورجحه. وقال النووي إنه الصحيح المشهور الذي قطع به أصحابنا كلهم وجماهير العلماء. قال الحافظ: وهو معترض بحديث أبي ذر عند النسائي حيث قال فيه قلت يا رسول الله! أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت قال لا، بل هي باقية وعمدتهم قول مالك في الموطأ، بلغني أن رسول الله ﷺ تقاصر أعمار أمته من أعمار الأمم الماضية فأعطاه الله ليلة القدر، وهذا يحتمل التأويل فلا يدفع الصريح في حديث أبي ذر-انتهى. قلت: حديث أبي ذر ذكره ابن قدامة (ج٣ص١٧٩) من غير أن يعزوه لأحد بلفظ: قال قلت يا رسول الله ليلة القدر رفعت مع الأنبياء أو هي باقية إلى يوم القيامة قال باقية إلى يوم القيامة-الحديث. وأخرجه البزار بنحوه كما في مجمع الزوائد (ج٣ص١٧٧) ورواه البيهقي (ج٤ص٣٠٧) بلفظ: قلت يا نبي الله أتكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضت الأنبياء ورفعوا رفعت معهم أو هي إلى يوم القيامة قال لا، بل هي إلى يوم القيامة. وأما أثر الموطأ فقال مالك فيه إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول إن رسول الله ﷺ أرى أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر. قال ابن عبد البر: هذا أحد الأحاديث التي أنفرد بها مالك لا يوجد مسنداً ولا مرسلاً فيما علمت إلا من الموطأ، وهذا أحد الأحاديث الأربعة التي لا توجد مسندة ولا مرسلة من إرسال تابعي ثقة قال، وليس منها حديث منكر ولا ما يدفعه أصل-انتهى. قلت: وأثر الموطأ المذكور يدل على أن إعطاء ليلة القدر كان تسلية لهذه الأمة القصيرة الأعمار ويشهد لذلك روايات أخرى مرسلة ذكرها العيني في العمدة (ج١١ص١٢٩، ١٣٠) والسيوطي في الدر والقسطلاني (ج٥ص٧، ٨) وقد اختلف العلماء في تعيينها على أقوال كثيرة بلغها الحافظ في الفتح إلى أكثر من أربعين قولاً وأكثرها يتداخل وفي الحقيقة يقرب من خمسة وعشرين نقتصر منها على ذكر الأقوال المشهورة سيما ما نسب إلى الأئمة الأربعة.

стр. 3140

فقيل إنها ممكنة في جميع السنة. قال الحافظ: وهو قول مشهور عن الحنفية حكاه قاضي خان وأبوبكر الرازي منهم، وروى مثله عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وغيرهم وزيف المهلب هذا القول. قال الحافظ: ومأخذ ابن مسعود كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أنه أراد أن لا يتكل الناس-انتهى. وقال الزرقاني: كونها في جميع السنة قول مشهور للمالكية والحنفية، وجزم ابن الحاجب كونها مختصة برمضان رواية عن مالك-انتهى. وقال في الشرح الكبير للدردير: وفي كونها دائرة بالعام كله أو برمضان خاصة خلاف، وانتقلت على كل من القولين فلا تختص بليلة معينة في العام معينة في العام على الأول ولا في رمضان على الثاني، وقيل تختص بالعشر الأواخر من رمضان وتنتقل أيضاً. قال الدسوقي: قوله "في كونها دائرة بالعام" هو ما صححه في المقدمات حيث قال وإلى هذا ذهب مالك وأكثر أهل العلم وهو أولى الأقاويل، وقوله أو دائرة في رمضان هو الذي شهره ابن غلاب-انتهى. وقال ابن عابدين: ذكر في البحر عن الخانية أن المشهور عن الإمام (أبي حنيفة) أنها تدور في السنة كلها قد تكون في رمضان، وقد تكون في غيره، وكونها في رمضان خاصة هو قول له-انتهى. قال الشوكاني: القول بأنها ممكنة في جميع السنة مردود بكثير من الأحاديث المصرحة باختصاصها برمضان وقيل إنها مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه. قال الحافظ: وهو قول ابن عمر رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه وروى مرفوعاً عنه أخرجه أبوداود وفي شرح الهداية الجزم به عن أبي حنيفة. وقال ابن المنذر والمحاملي وبعض الشافعية، ورجحه السبكي في شرح المنهاج وحكاه ابن الحاجب رواية-انتهى. قلت وهو مقتضى كلام الحنابلة. قال ابن قدامة (ج٣ص١٧٩) يستحب طلبها في جميع ليالي رمضان، وفي العشر الأواخر آكد وفي ليالي الوتر منه آكد، وقال أحمد هي في العشر الأواخر، وفي وتر من الليالي لا يخطىء إنشاء الله-انتهى. ومقتضاه الاختصاص بالعشر الأواخر. وقيل إنها مختصة برمضان في ليلة معينة منه مبهمة ذهب إليه صاحباً أبي حنيفة. قال السروجي في شرح الهداية قول أبي حنيفة أنها تنتقل في جميع رمضان، وقال صاحباه أنها في ليلة معينة مبهمة، وكذا قال النسفي في المنظومة: وليلة القدر بكل الشهر دائرة وعيناها فادر قال في الدار المختار: ليلة القدر دائرة في رمضان اتفاقاً إلا أنها تتقدم وتتأخر خلافاً لهما وثمرته فيمن قال بعد ليلة منه أنت حر أو أنت طالق ليلة القدر فعنده لا يقع حتى ينسلخ شهر رمضان الآتي لجواز كونها في الأول في الأولى. وفي الآتي في الأخيرة، وقالا يقع إذا مضى مثل تلك الليلة في الآتي ولا خلاف انه لو قال قبل دخول رمضان وقع بمضيه.

стр. 3141

وقيل إنها منحصرة في العشر الأخير من رمضان، واختلف القائلون به فمنهم من قال إنها في ليلة معينة منه، ومنهم من قال إنها تنتقل في العشر الأواخر كلها قاله أبوقلابة ونص عليه مالك والثوري وأحمد وإسحاق، وزعم الماوردي أنه متفق عليه وكأنه أخذه من حديث ابن عباس أن الصحابة اتفقوا على أنها في العشر الأخير، ويؤيد كونها في العشر الأخير حديث أبي سعيد إن جبريل قال للنبي ﷺ لما اعتكف العشر الأوسط إن الذي تطلب أمامك. واختلف أصحاب القول الأول في تعيينها. فقيل إنها أول ليلة من العشر الأخير قال الحافظ: وإليه مال الشافعي وجزم به جماعة من الشافعية، ولكن قال السبكي: أنه ليس مجزوماً به عندهم لاتفاقهم على عدم حنث من علق يوم العشرين عتق عبده في ليلة القدر أنه لا يعتق تلك الليلة، بل بانقضاء الشهر على الصحيح بناء على أنها في العشر الأخير. وقيل بانقضاء السنة بناء على أنها لا تختص بالعشر الأخير بل هي في رمضان وفي شرح الإقناع من فروع الشافعية هي منحصرة في العشر الأخير كما نص عليه الإمام الشافعي وعليه الجمهور، وإنها تلزم بعينها. وقال المزني وابن خزيمة: إنها منتقلة في ليالي العشر جمعاً بين الأحاديث، واختاره في المجموع والمذهب الأول وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين-انتهى. وقال ابن حزم (ج٧ص٣٣) ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان خاصة في ليلة واحدة بعينها لا تنتقل أبداً إلا أنها في وتر منه ولا بد فإن كان الشهر تسعاً وعشرين فأول العشر الأواخر بلا شك ليلة عشرين منه، فهي إما ليلة عشرين وإما ليلة اثنين وعشرين وإما ليلة أربع وعشرين وإما ليلة ست وعشرين وإما ليلة ثمان وعشرين لأن هذه هي الأوتار من العشر الأواخر، وإن كان الشهر ثلاثين فأول العشر الأواخر بلا شك ليلة إحدى وعشرين فهي إما ليلة إحدى وعشرين وإما ليلة ثلاث وعشرين وإما ليلة خمس وعشرين وإما ليلة سبع وعشرين وإما ليلة تسع وعشرين، لأن هذه هي الأوتار العشر بلا شك-انتهى. وقيل إنها ليلة اثنين وعشرين، وقيل إنها ليلة ثلاث وعشرين ودليله حديث عبد اله بن أنيس الآتي. وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة والتابعين. وقيل إنها ليلة أربع وعشرين ودليله ما رواه الطيالسي عن أبي سعيد مرفوعاً ليلة القدر ليلة أربع وعشرين، وما رواه أحمد من حديث بلال نحوه وفيه ابن لهيعة وروى ذلك عن ابن مسعود والشعبي والحسن وقتادة. وقيل ليلة خمس وعشرين. وقيل ليلة ست وعشرين. وقيل إنها ليلة سبع وعشرين. قال الحافظ: وهو الجادة من مذهب أحمد ورواية عن أبي حنيفة وبه جزم أبي بن كعب وحلف عليه كما أخرجه مسلم، وروى مسلم أيضاً من طريق أبي حازم عن أبي هريرة قال تذاكرنا ليلة القدر فقال رسول الله ﷺ : أيكم يذكر حين طلع القمر كأنه شق جفنة. قال أبوالحسن الفارسي: أي ليلة سبع وعشرين، فإن القمر يطلع فيها بتلك الصفة، وروى الطبراني من حديث ابن مسعود سئل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، فقال أيكم يذكر ليلة الصهباوات، قلت أنا وذلك ليلة سبع وعشرين، ورواه ابن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وناس من الصحابة.

стр. 3142

وفي الباب عن ابن عمر عند مسلم وأحمد عن جابر بن سمرة عند الطبراني وعن معاوية عند أبي داود وحكاه صاحب الحلية عن أكثر العلماء. وقيل: إنها ليلة ثمان وعشرين. وقيل: ليلة تسع وعشرين. وقيل: ليلة ثلاثين، واختلف أهل القول الثاني أيضاً وهم الذين ذهبوا إلى أنها تنتقل في العشر الأخير كله فمنهم من قال هي فيه محتملة على حد سواء نقله الرافعي عن مالك، وضعفه ابن الحاجب. ومنهم من قال بعض لياليه أرجى من بعض: فقال الشافعي أرجاه ليلة إحدى وعشرين وقيل أرجاء ليلة ثلاث وعشرين وقيل إرجاء ليلة سبع وعشرين. وقال أبوثور المزني وابن خزيمة وجماعة من علماء المذهب: أنها في أوتار العشر الأخير وإنها تنتقل، وعليه يدل حديث عائشة الآتي وغيرها وهو. أرجح الأقوال قال الحافظ بعد ذكر الأقوال: وأرجحها كلها إنها في وتر من العشر الأخير، وإنها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب وأرجاها أوتار العشر وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين-انتهى. وقد ترجم البخاري لحديث عائشة وغيرها باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر. قال الحافظ: في هذه الترجمة إشارة إلى رجحان كون ليلة القدر منحصرة في رمضان ثم في العشر الأخير منه، ثم في أوتاره لا في ليلة منه بعينها، وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها-انتهى. والحكمة في إخفاءها على ما قال العلماء ليحصل الاجتهاد في التماسك بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها كما تقدم نحوه في ساعة الجمعة، وهذه الحكمة مطردة عند من يقول إنها في جميع السنة أو في رمضان أو في جميع العشر الأخير أو في أوتاره خاصة إلا أن الأول ثم الثاني أليق به قاله الحافظ. وقال الرازي: إنه تعالى أخفى هذه الليلة لوجوه، أحدها أنه تعالى أخفاها كما أخفى سائر الأشياء فإنه أخفى رضاه في الطاعات حتى يرغبوا في الكل ويجتهدوا في الجميع وأخفى سخطه في المعاصي ليحترزوا عن الكل وأخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا في كل الدعوات، وأخفى الاسم الأعظم ليعظموا كل الأسماء، وأخفى قبول التوبة ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت ليخاف المكلف فكذا أخفى هذه الليلة ليعظموا جميع ليالي رمضان وثانيها كأنه تعالى يقول لو عينت هذه الليلة وأنا أعلم بتجاسركم على المعصية فربما دعتك الشهوة في تلك الليالي إلى المعصية فوقعت في الذنب فكانت معصيتك مع علمك أشد من معصيتك لا مع علمك، يعني كأنه تعالى يقول إذا علمت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر، وإن عصيت فيها اكتسبت عقاب ألف شهر، ورفع العقاب أولى من جلب الثواب. وثالثها أخفيت هذه الليلة حتى يجتهد المكلف في طلبها فيكتسب ثواب الاجتهاد ورابعها إن العبد إذا لم يتيقن فإنه يجتهد في الطاعة في جميع ليالي رمضان على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر فيباهي الله تعالى بهم ملائكته ويقول كنتم تقولون فيهم يفسدون ويسفكون فهذا جده واجتهاده في الليلة المظنونة فكيف لو جعلتها معلومة-انتهى.

стр. 3143

﴿الفصل الأول﴾ ٢١٠٣- (١) عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)) . رواه البخاري. ٢١٠٤- (٢) وعن ابن عمر، قال: ((إن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، ــ واختلفوا هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه قامها وإن لم يظهر له شيء أو يتوقف ذلك على كشفها له وإلى الأول ذهب الطبري والمهلب وابن العربي وجماعة وإلى الثاني ذهب الأكثر قيل، ويدل له ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: من يقم ليلة القدر فيوافقها، وفي حديث عبادة عند أحمد والطبراني من قامها إيماناً واحتساباً ثم وفقت له. قال النووي: معنى يوافقها أي يعلم أنها ليلة القدر فيوافقها وقال في شرح التقريب: معنى توفيقها له أو موافقته لها أن يكون الواقع إن تلك الليلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي ليلة القدر في نفس الأمر وإن لم يعلم هو ذلك، وما ذكر النووي من أن معنى الموافقة العلم بأنها ليلة القدر مردود، وليس في اللفظ ما يقتضي هذا ولا المعنى يساعده-انتهى. وقال الحافظ: الذي يترجح في نظري ما قاله النووي ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر، وإن لم يعلم بها ولم توفق له، وإنما الكلام على حصول الثواب المعين الموعود به فليتأمل، وقد فرعوا على القول باشتراط العلم بها أنه يختص بها شخص دون شخص فتكشف لواحد ولا تكشف لآخر ولو كانا معاً في بيت واحد كذا ذكره القسطلاني: واختلفوا أيضاً هل لها علامة تظهر لمن وفقت له أم لا وسيأتي بسط القول في ذلك في شرح حديث زِرّ بن حبيش. ٢١٠٣- قوله: (تحروا) بفتح التاء والحاء والراء المهملتين أمر من التحري وفي رواية التمسوا وكل منهما بمعنى الطلب والقصد لكن معنى التحري أبلغ لكونه يقتضي الطلب بالجد والاجتهاد (ليلة القدر) قال في النهاية أي تعمدوا طلبها، والتحري القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول-انتهى. (في الوتر) أي في ليالي الوتر (من العشر الأواخر من رمضان) فيه دليل على أن ليلة القدر منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأخير منه، ثم في أوتاره لا في ليلة منه بعينها. وقد تقدم أنه القول الراجح (رواه البخاري) أخرجه أيضاً مسلم لكن ليس عنده لفظ الوتر، وهكذا أخرجه أحمد والترمذي، وأخرجه مالك في الموطأ مرسلاً فكان حق المصنف أن يقول متفق عليه، واللفظ للبخاري فإن قوله في الوتر لم يخرجه مسلم بل انفرد به البخاري، وأخرج البيهقي الروايتين (ج٤ص٣٠٧- ٣٠٨) . ٢١٠٤- قوله: (إن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ ) قال الحافظ: لم أقف على تسمية أحد من هؤلاء (أروا) بضم الهمزة على بناء المفعول من الإرادة وأصله اُرِيُوا (ليلة القدر) أي أراهم الله ذلك في المنام (في السبع الأواخر) جمع آخره بكسر الخاء. قال الحافظ: أي قيل لهم في المنام إنها في السبع الأواخر.

стр. 3144

فقال رسول الله ﷺ : أرى رؤياكم، قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر)) . متفق عليه. ــ وقال القسطلاني: ظاهر الحديث إن رؤياهم كانت قبل دخول السبع الأواخر لقوله فليتحرها في السبع الأواخر، ثم يحتمل أنهم رأوا ليلة القدر وعظمتها وأنوارها ونزول الملائكة فيها، وإن ذلك كان في ليلة من السبع الأواخر ويحتمل إن قائلاً قال لهم هي في كذا وعين ليلة من السبع الأواخر ونسيت أو قال إن ليلة القدر في السبع فهي ثلاث احتمالات. (أرى) بفتحتين أي أعلم (رؤياكم) كذا جاء بالأفراد، والمراد الجمع أي رؤاكم لأنها لم تكن رؤيا واحدة، فهو مما عاقب الأفراد فيه الجمع لا من اللبس، وقول السفاقسي إن المحدثين يروونه بالتوحيد وهو جائز، وأفصح منه رؤاكم جمع رؤيا ليكون جمعاً في مقابلة جمع، فيه نظر لأنه بإضافته إلى ضمير الجمع علم منه التعدد بالضرورة وإنما عبر بأرى لتجانس رؤياكم، ومفعول أرى الأول رؤياكم والثاني قوله (قد تواطأت) بالهمزة أي توافقت وزناً ومعنى. قال القاري: وفي نسخة صحيحة قد تواطت بلا همزة. قيل أصله توطأت بالهمزة فقلبت الفا وحذفت. وقال ابن التين روى بغير همز، والصواب بالهمز وأصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطأ صاحبه. وقد رواه بعضهم بالهمزة وهو الأصل. وقال النووي: قوله "تواطت" أي توافقت وهكذا هو في النسخ بطاء ثم تاء وهو مهموز، وكان ينبغي أن يكتب بألف بين الطاء والتاء صورة للهمزة ولا بد من قراءته مهموزاً. قال الله تعالى: ﴿ليواطئوا عدة ما حرم الله﴾ [والتوبة: ٣٧]-انتهى. وقال في المصابيح، يجوز ترك الهمز (في) رؤيتها في ليالي (السبع الأواخر فمن كان متحريها) أي طالبها وقاصدها (فليتحرها في السبع الأواخر) من رمضان من غير تعيين يحتمل أن يكون المراد بها أواخر الشهر أي السبع التي تلي آخر الشهر فيكون مبدأها من ليلة أربع وعشرين على كون الشهر ثلاثين وهو الأصل، ويحتمل أن يكون المراد السبع بعد العشرين. قيل: وهذا أولى وأمثل لتناوله إحدى وعشرين وثلاثاً وعشرين ولتحقق هذا السبع يقيناً وابتداء بخلاف الأول وإن كان بحسب الظاهر هو المتبادر، ولا يدخل ليلة التاسع والعشرين على الثاني، وتدخل على الأول. وقيل: المراد بها السبع الرابع من الشهر فيكون أولها ليلة الثانية والعشرين، وآخرها ليلة الثامن والعشرين فإن الحادية والعشرين آخر السبع الثالث من الشهر، وأول السبع الرابع إنما هو الثانية والعشرون، وعلى هذا فتدخل ليلة الثالث والعشرين، ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين. وقيل: المراد بها السبع التي أولها ليلة الثالث والعشرين لكون المحقق في الشهر تسعاً وعشرين يوماً. وقد رواه البخاري في كتاب التعبير من صحيحه من طريق آخر إن ناساً أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وإن ناساً أروا أنها في العشر الأواخر، فقال النبي ﷺ التمسوها في السبع الأواخر.

стр. 3145

قال الحافظ في الصوم: كأنه ﷺ نظر إلى المتفق عليه من الرؤيتين فأمر به، وقال في التعبير إفراد السبع داخلة في إفراد العشر فلما رأى قوم أنها في العشر وقوم أنها في السبع كانوا كأنهم توافقوا على السبع، فأمرهم بالتماسها في السبع لتوافق الطائفتين عليها، ولأنه أيسر عليهم. وقد رواه أحمد عن ابن عيينة عن الزهري عن سالم بلفظ: رأى رجل إن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا فقال النبي ﷺ التمسوها في العشر البواقي في الوتر منها ولمسلم عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر بلفظ: من كان يلتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر، وجمع بين روايتي العشر والسبع بأن العشر للاحتياط منها، أو يحمل على تعدد الأمرين في عامين بأنه أعلم أنها في العشر. ثم اعلم أنها في السبع أو حض على العشر من به بعض القوة، وعلى السبع من لا يقدر على العشر، ويؤيد هذا ما روى أحمد من حديث علي مرفوعاً إن غلبتم فلا تغلبوا في السبع البواقي، ولمسلم من طريق عقبة بن حريث عن ابن عمر التمسوها في العشر الأواخر فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي. قال الحافظ: وهذا السياق يرجح الاحتمال الأول من تفسير السبع الأواخر أي كون المراد به أواخر الشهر، وفي هذا الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية بشرط أن لا يخالف القواعد الشرعية ويستفاد منه أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الإخبار من جماعة. قال القسطلاني: ظاهر الحديث إن طلبها في السبع مستنده الرؤيا، وهو مشكل لأنه إن كان المعنى إنه قيل لكل واحد هي في السبع فشرط التحمل التمييز، وهم كانوا نياماً، وإن كان معناه إن كل واحد رأى الحوادث التي تكون فيها في منامه في السبع فلا يلزم منه أن تكون هي في السبع كما لو رؤيت حوادث القيامة في المنام في ليلة، فإنه لا تكون تلك الليلة محلاً لقيامها. وأجيب بأن الاستناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث الاستدلال بها على أمر وجودي غير مخالف لقاعدة الاستدلال. والحاصل إن الاستناد إلى الرؤيا هنا في أمر ثبت استحبابه مطلقاً، وهو طلب ليلة القدر. وإنما ترجح السبع الأواخر بسبب الرؤى الدالة على كونها في السبع الأواخر، وهو الاستدلال على أمر وجودي لزمه استحباب شرعي مخصوص بالتأكيد بالنسبة إلى هذه الليالي لا أنها ثبت بها حكم أو أن الاستناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث إقراره ﷺ كأحد ما قيل في رؤيا الأذان-انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الصوم وفي التعبير ومسلم في الصوم، وأخرجه أيضاً أحمد مطولاً ومختصراً في مواضع، ومالك بلاغاً مطولاً ومسنداً مختصراً والبيهقي (ج٤ص٣١١) مطولاً وأبوداود والدارمي مختصراًُ.

стр. 3146

٢١٠٥- (٣) وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر: في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى)) . رواه البخاري. ــ ٢١٠٥- قوله: (التمسوها) الضمير المنصوب مبهم يفسره قوله "ليلة القدر" كقوله تعالى: ﴿فسواهن سبع سموات﴾ [البقرة: ٢٩] وهو غير ضمير الشأن إذ مفسره لا بد أن يكون جملة وهذا مفرد (ليلة القدر) بالنصب على البدل من الضمير في قوله التمسوها ويجوز رفعه خبر مبتدأ محذوف أي هي ليلة القدر (في تاسعة) بدل من قوله في العشر الأواخر (تبقى) صفة لتاسعة (في سابعة تبقى في خامسة تبقى) اختلف في معناه على أقوال فقال القاري: قوله "تبقى" أي يرجى بقاءها أي بعد العشرين والظاهر أنه أراد بالتاسعة التاسعة والعشرين وبالسابعة السابعة والعشرين، وبالخامسة الخامسة والعشرين-انتهى. قال الحافظ: يرجح هذا قوله في رواية البخاري في كتاب الإيمان بلفظ التمسوها في التسع والسبع والخمس، أي في تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس وعشرين-انتهى. وقال الطيبي: قوله في"تاسعة" تبقى الليلة الثانية والعشرون تاسعة من الأعداد الباقية، والرابعة والعشرون سابعة منها، والسادسة والعشرون خامسة منها-انتهى. وهذا مبنى على كون الشهر ثلاثين يوماً، وعلى كون العدد من آخره فتكون الليالي الثلاثة كلها إشفاعاً لا أوتاراً، ويكون معنى الحديث التمسوها في ليلة تاسعة من الليالي الباقية، ويؤيد هذا ما رواه مسلم وأبوداود عن أبي نضرة عن أبي سعيد التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة. قال قلت يا أبا سعيد إنكم اعلم بالعدد منا قال أجل نحن أحق بذلك منكم، قال قلت ما التاسعة والسابعة والخامسة، قال إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتين وعشرين فهي التاسعة، فإذا مضى ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة-انتهى. لكن هذا مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على كونها منحصرة في الأوتار، ومخالف لرواية نفسه أيضاً كما سيأتي فلا بد من تأويله. قال السندي: هذا التفسير أي المروي عن أبي سعيد لا يناسب ما ورد من التماسها في الأوتار وكذا ما ظهر أنها كانت في تلك السنة ليلة إحدى وعشرين وما سيجيء إنها في سنة ليلة ثلاث وعشرين، وما سيجيء من قول أبي أنها ليلة سبع وعشرين وهذا ظاهر: قال الأبي التاسعة لما احتملت ههنا أن تكون تاسعة ما مضى أو تاسعة ما بقي سأله، وقال أنتم أعلم بهذا العدد، ثم قال: قال في المدونة التاسعة ليلة إحدى وعشرين والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين، والمعنى على هذا تسع بقين أو سبع بقين وإن ذلك على اعتبار شهر رمضان ناقصاً كما سيأتي. وذكر الباجي (ج٢ص٨٩) أن ابن القاسم حكى عن مالك أنه رجع عن هذا، وقال هو حديث مشرقي لا أعلمه-انتهى. وقيل المعنى التمسوها في الليلة التي تبقى التاسعة بعدها، وفي الليلة التي تبقى السابعة بعدها وفي ليلة التي تبقى الخامسة بعدها، على اعتبار كون الشهر ثلاثين فتأمل. وقال الزركشي: قوله "في تاسعة" تبقى ليلة إحدى وعشرين، لأن المحقق المقطوع بوجوده بعد العشرين تسعة أيام لاحتمال أن يكون الشهر تسعة وعشرين يوماً،

стр. 3147

٢١٠٦- (٤) وعن أبي سعيد الخدري، ((أن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية، ثم أطلع رأسه فقال: إني اعتكفت العشر الأول، التمس هذه الليلة، ثم اعتكف العشر الأوسط، ــ وليوافق الأحاديث الدالة على أنها في الأوتار وقوله سابعة تبقى ليلة ثلاث وعشرين وفي خامسة تبقى ليلة خمس وعشرين. وإنما يصح معنى الحديث ويوافق ليلة القدر وتراً من الليالي على ما ذكر في الأحاديث إذا كان الشهر ناقصاً. فأما إذا كان كاملاً فلا تكون إلا في شفع لأن الذي يبقى بعدها ثمان فتكون التاسعة الباقية ليلة ثنتين وعشرين، والسابعة الباقية بعد ست ليلة أربع وعشرين، والخامسة الباقية بعد أربع ليالي ليلة السادس والعشرين، فلا يصادف واحدة منهن وتراً، وهذا على طريقة العرب في التاريخ إذا جاوزوا نصف الشهر فإنما يؤرخون بالباقي منه لا بالماضي منه. والظاهر أنه خاطبهم النبي صلة الله عليه وسلم بنقص الشهر وذلك لأنه ليس على تمام شهر على يقين والله اعلم. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص٢٣١، ٢٧٩، ٣٦٠، ٣٦٥) وأبوداود في الصلاة والبيهقي (ج٤ص٣٠٨- ٣٠٩) . ٢١٠٦- قوله: (اعتكف العشر الأول) بتشديد الواو كذا في النسخ، والظاهر بضم الهمزة وتخفيف الواو، ولعل إفراده باعتبار لفظ العشر قاله القاري (ثم اعتكف العشر الأوسط) هكذا وقع في أكثر الروايات والمراد من العشر الليالي وكان من حقها أن توصف بلفظ التأنيث، ويقال العشر الوسطى لأن المشهور في الاستعمال تأنيث العشر كما قال في أكثر الأحاديث العشر الأواخر لكن وصفت هنا بالمذكر إما باعتبار لفظ العشر فإنه لفظ مذكر فيصح وصفه بالأوسط، وإما باعتبار إرادة الوقت أو الزمان أو التقدير الثلث، كأنه قال الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر ووقع في الموطأ العشر الوسط بضم الواو والسين جمع واسط، كبازل وبزل، قال صاحب العين: واسط الرحل ما بين قادمته وآخرته. وقال أبوعبيد: وسط البيوت يسطها إذا نزل وسطها واسم الفاعل من ذلك واسط ويقال في جمعه وُسُط كنازل ونزل، وبازل وبزل، ورواه بعضهم بضم الواو وفتح السين جمع وسطي ككبر وكبرى (في قبة تركية) أي قبة صغيرة من لبود قاله النووي ضربت في المسجد يقال لها بالفارسية خركاه، وكان على سدة القبة حصير فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة (ثم أطلع رأسه) بفتح الهمزة وسكون الطاء أي أخرجه من القبة (اعتكفت) بصيغة المتكلم الماضي (التمس) حال أي أطلب (هذه الليلة) يعني ليلة القدر (ثم اعتكفت) بصيغة الماضي المتكلم أيضاً (العشر الأوسط) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم،

стр. 3148

ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد أريت هذه الليلة، ثم أنسيتها، وقد رأيتني اسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر، ــ والمشهور في الاستعمال تأنيث العشر وتذكيره أيضاً لغة صحيحه باعتبار الوقت. والزمان، ويكفي في صحتها ثبوت استعمالها في هذا الحديث من النبي ﷺ (ثم أتيت) على بناء المجهول، وفي رواية البخاري في كتاب الصلاة إن جبريل أتاه في المرتين فقال له أن الذي تطلب أمامك بفتح الهمزة أي قدامك (فقيل لي) أي قال لي الملك (إنها) أي ليلة القدر (في العشر الأواخر) قال الطيبي: وصف العشر الأول والأوسط بالمفرد، والأخير بالجمع إشارة إلى تصور ليلة القدر في كل ليلة من ليالي العشر الأخير دون الأولين (فمن كان اعتكف) أي أراد الاعتكاف (معي) وقال ابن الملك: أي من أراد موافقتي. وقال الطيبي: وإنما أمر بالاعتكاف من كان معه في العشر الأول والأوسط لئلا يضيع سعيهم في الاعتكاف والتحري. وقال ابن حجر: ليس للتقييد بل لإفهامه إن من لم يكن معه معتكفاً أولى. قلت هذا لفظ البخاري ولمسلم في الرواية التي ذكرها المصنف فمن أحب منكم أن يعتكف (فليعتكف العشر الأواخر) قال الطيبي: الأمر بالاعتكاف للدوام والثبات، وفي رواية فليثبت في معتكفة من الثبات، وفي أخرى فليلبث من اللبث، وفي رواية لمسلم فليبت من المبيت، وكله صحيح (فقد أريت) بضم الهمزة على بناء المجهول المتكلم أي أعلمت (هذه الليلة) مفعول به لا ظرف أي أرأيت ليلة القدر معينة (ثم أنسيتها) بضم الهمزة من الإنساء، والمراد أنه أنسى علم تعيينها في تلك السنة لا رفع وجودها لأنه أمر بالتماسها حيث قال فالتمسوها في العشر الأواخر. قال ابن حجر: المراد أنه أخبر بأنها ليلة كذا ثم أنسى ما أخبر به والمخبر بذلك جبريل. وقال القفال في العدة فيما حكاه الطبري: ليس معناه أنه رأى الليلة أو الأنوار عياناً، ثم نسي في أي ليلة رأى ذلك لأن مثل هذا قل أن ينسى أي في صبيحتها وإنما رأى أنه قيل له: ليلة القدر، ليلة كذا وكذا ثم نسي كيف قيل له، وسيأتي سبب النسيان في هذه القصة في حديث عبادة بن الصامت في الفصل الثالث من هذا الباب. وفي الحديث إن النسيان جائز على النبي ﷺ ولا نقص في ذلك، لا سيما في ما لم يؤذن له في تبليغه، وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلق بالتشريع كما في قصة السهو في الصلاة أو بالاجتهاد في العبادة كما في هذه القصة، لأنه لو عينت ليلة القدر في ليلة بعينها اقتصر الناس على العبادة فيها ففاتت العبادة في غيرها وكأن هذا هو المراد بقوله عسى أن يكون خيرا لكم كما سيأتي في حديث عبادة (وقد رأيتني) بضم التاء للمتكلم، وفيه عمل الفعل في ضميري الفاعل والمفعول، وهو المتكلم وهو من خصائص أفعال القلوب أي رأيت نفسي (أسجد) بالرفع حال وقيل تقديره أن أسجد

стр. 3149

قال: فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين)) . ــ (في ماء وطين) علامة جعلت له يستدل بها عليها والمراد بذلك الأرض الرطبة ولعل أصله في ماء وتراب طيناً لمخالطته به مآلاً وللإيماء إلى غلبة الماء عليه (من صبيحتها) من بمعنى في كما في قوله ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩] أو هي لابتداء الغاية الزمانية (فالتمسوها في العشر الأواخر) أي من رمضان (والتمسوها في كل وتر) أي من ذلك العشر يعني في أوتار ليالي العشر وأولها ليلة الحادي والعشرين إلى آخر ليلة التاسع والعشرين لا ليلة أشفاعها، ولا منافاة بينه وبين قوله التمسوها في السبع الأواخر، إذ ليس في أحدهما حصر بل في خبر الوتر زيادة تقييد السبع بالوتر (فمطرت) بفتحات (تلك الليلة) أي التي أريها رسول الله ﷺ : قال القسطلاني: يقال في الليلة الماضية الليلة إلى أن تزول الشمس فيقال حينئذٍ البارحة، وفي رواية وما نرى في السماء قزعة فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد (وكان المسجد على عريش) بفتح العين وسكون الياء بعد الراء المهملة المكسورة سقف من خشب وحشيش ونحو ذلك مما يستظل به "وعلى" بمعنى الباء كما في قوله تعالى: ﴿حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق﴾ [الأعراف: ١٠٥] أو بمعنى "من" كما في رواية نحو قوله تعالى: ﴿إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ [المطففين: ٢] قال الحافظ: كان على عريش أي مثل العريش، وإلا فالعريش هو نفس سقفه، والمراد أنه كان مظللاً بالجريد والخوص ولم يكن محكم البناء بحيث يكن من المطر الكثير يعني أنه لم يكن له سقف يكن من المطر ويمنعه. وقيل: أي بني على صوغ عريش وهيئته، وفي رواية للبخاري وكان (أي السقف) من جريد النخل (فوكف المسجد) أي قطر وسال ماء المطر من سقف المسجد فهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال (فبصرت) بفتح الموحدة وضم الصاد المهملة (عيناي) زاده تأكيداً كقوله أخذت بيدي. وإنما يقال ذلك في أمر مستغرب إظهاراً للتعجب من حصوله (وعلى جبهته أثر الماء والطين) جملة حالية وفي رواية للبخاري انصرف من الصبح ووجهه ممتلىء طيناً وماء، وهذا يشعر بأن قوله أثر الماء والطين لم يرد به محض الأثر وهو ما يبقى بعد إزالة العين. قال الطيبي: قوله فبصرت عيناي مثل قولك أخذت بيدي ونظرت بعيني، وإنما يقال في أمر يعز الوصول إليه إظهاراً للتعجب من حصول تلك الحال الغريبة، ومن ثم أوقع رسول الله ﷺ مفعولاً وعلى جبهته حالاً منه، وكان الظاهر أن يقال رأيت على جبهة رسول الله ﷺ أثر الماء والطين-انتهى. قال الحافظ فيه استحباب ترك الإسراع إلى إزالة ما يصيب جبهة الساجد من غبار الأرض، وقال أيضاً فيه ترك مسح جبهة المصلي والسجود على الحائل،

стр. 3150

متفق عليه في المعنى. واللفظ لمسلم إلى قوله: فقيل لي: إنها في العشر الأواخر والباقي للبخاري. ٢١٠٧- (٥) وفي رواية عبد الله بن أنيس، قال: ((ليلة ثلاث وعشرين)) . رواه مسلم. ــ وحمله الجمهور على الأثر الخفيف لكن يعكر عليه قوله في بعض طرقه ووجهه ممتلىء طيناً وماء، أو أجاب النووي بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة، وفيه جواز السجود في الطين-انتهى. قال الزين بن المنير: ويحتمل أن يكون ترك مسح الجبهة عامداً لتصديق رؤياه. وقال العيني والقاري وغيرهما: هذا محمول على أنه كان شيئاً يسيراً لا يمنع مباشرة بشرة الجبهة للأرض ولو كان كثيراً لم تصح صلاته، وهذا قول الجمهور. وفي شرح السنة، فيه دليل على وجوب السجود على الجبهة ولولا ذلك لصانها عن الطين (من صبيحة إحدى وعشرين) أي تصديق رؤياه كما في رواية البخاري في الصلاة ومن بمعنى في وهي متعلقة بقوله فبصرت وقوله من صبيحة كذا في جميع النسخ من المشكاة، والذي في البخاري من صبح، والحديث ظاهر في أن خطبته كانت صبح اليوم العشرين ووقوع المطر كان في ليلة إحدى وعشرين، وهو الموافق لأكثر الطرق، ووقع في رواية عند البخاري وغيره ما يقتضي أن الخطبة وقعت في أول اليوم الحادي والعشرين. وعلى هذا يكون أول ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين، وهذا مخالف لما وقع في بقية الطرق. وقد تأوله الحافظ بحيث يزول الإشكال وتتفق الروايات من أحب الوقوف عليه فليرجع إلى الفتح. وفي الحديث إن ما رآه النبي ﷺ في المنام قد يكون تأويله أنه يرى مثله في اليقظة. واستدل به من ذهب إلى أن ليلة القدر إحدى وعشرين دائماً، ولا حجة لهم فيه لأنه محمول على تلك السنة، وقد تقرر أنها تنتقل وتتقدم، وتتأخر في أوتار ليالي العشر في السنين المختلفة. (متفق عليه في المعنى) للحديث طرق وألفاظ، والمذكور أحدها. وأخرجه البخاري في الصلاة في ثلاثة أبواب، وفي الصوم في خمسة أبواب. وأخرجه مسلم في الصوم من طرق، أخرجه أيضاً أحمد بألفاظ وطرق ومالك وأبوداود وابن ماجه والبيهقي (ج٤ص٣٠٨، ٣٠٩، ٣١٥) (والباقي) أي من قوله فمن كان اعتكف معي الخ. (للبخاري) أي لفظاً في باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها. ٢١٠٧- قوله وفي رواية عبد الله بن أنيس) مصغراً كذا في الأصول الصحيحة في رواية عبد الله. ووقع في أصل الطيبي في حديث عبد الله ولذا قال، ولو قال في رواته لكان أولى، لأنه ليس بحديث آخر بل رواية أخرى، والاختلاف في زيادة ليلة، واختلاف العدد بأنه ثلاث أو إحدى وعشرون ذكره القاري. قلت: وعندي إن ما وقع في أصل الطيبي هو الأولى، لأن الظاهر إنهما واقعتان رواهما صحابيان، ولو سلم أنهما قصة واحدة فالحديث يتعدد، ويختلف باختلاف المخرج أي الصحابي كما لا يخفى،

стр. 3151

وهذا هو الذي راعيناه في رقم أحاديث المشكاة وحصرها. وعبد الله بن أنيس هو أبويحيى الجهني المدني حليف بني سلمة من الأنصار. وقال ابن الكلبي والواقدي: هو من ولد البرك بن وبرة من قضاعة، وقد دخل ولد البرك في جهينة فقيل له الجهني والقضاعي والأنصاري والسلمي بفتحتين صحابي، روى عن النبي ﷺ وروى عنه أبناءه ضمرة وعبد الله وعطية وعمرو وبسر بن سعيد وجابر بن عبد الله رحل إليه إلى مصر في حديث واحد وشهد العقبة الثانية واحداً، وما بعدهما. وكان أحد من يكسر أصنام بني سلمة من الأنصار. وهو الذي بعثه النبي ﷺ إلى خالد بن نبيح العنزي وحده فقتله. وقال ابن يونس: صلى القبلتين ودخل مصر وخرج إلى أفريقية له أربعة وعشرون حديثاً إنفرد له مسلم بحديث، وأخرج له البخاري تعليقاً مات بالشام في خلافة معاوية سنة (٥٤) ووهم من قال سنة (٨٠) فرق علي بن المديني وخليفة وغيرهما بينه وبين عبد الله بن أنيس الأنصاري الذي روى عنه ابنه عيسى، أن النبي ﷺ دعا يوم أحد بأداوة فقال أخنث، فم الإرادة-الحديث. وجزم البغوي وابن السكن وغيرهما بأنهما واحد. قال في الإصابة. وهو الراجح بأنه جهني حليف بني سلمة من الأنصار. وقال في تهذيب التهذيب: وهو (أي جعلهما واحداً) المعتمد فإن كونه أنصارياً لا ينافي كونه جهنياً لما تقدم أن الجهني حليف الأنصار. (قال ليلة ثلاث وعشرين) يعني روى عبد الله بن أنيس نحو حديث أبي سعيد لكنه قال فيه ليلة ثلاث وعشرين بدل إحدى وعشرين ولفظه عند مسلم أن رسول الله ﷺ قال أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني صبيحتها أسجد في ماء وطين، قال فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله ﷺ فانصرف، وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه قال، وكان عبد الله بن أنيس يقول ثلاث وعشرين-انتهى. قال النووي: هكذا في معظم النسخ من صحيح مسلم وفي بعضها ثلاث وعشرون، وهذا ظاهر والأول جاء على لغة شاذة أنه يجوز حذف المضاف، ويبقى المضاف إليه مجروراً أي ليلة ثلاث وعشرين-انتهى. ولا يخفى أن حديث عبد الله بن أنيس مخالف لحديث أبي سعيد في تعيين الليلة، فقيل الترجيح لحديث أبي سعيد لأنه متفق عليه. وقيل: يحتمل على تعدد القصة واستدل بحديث عبد الله بن أنيس هذا، وبحديثه الآتي في الفصل الثاني، من قال إن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، والظاهر إن هذا كان لتلك السنة خاصة فحمله عبد الله بن أنيس ومن وافقه من الصحابة والتابعين على العموم. (رواه مسلم) أي تلك الرواية وأخرجها أحمد (ج٣ص٤٩٥) والبيهقي (ج٤ص٣٠٩) أيضاً كلهم من رواية بسر بن سعيد عن عبد الله بن أنيس.

стр. 3152

٢١٠٨- (٦) وعن زر بن حبيش، قال: ((سألت أبي بن كعب فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال ﵀: أراد أن لا يتكل الناس أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثنى أنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: بأي شيء تقول ذلك: يا أبا المنذر! قال: بالعلامة-أو بالآية- التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها)) . رواه مسلم. ــ ٢١٠٨- قوله: (وعن زر) بكسر الزاي وتشديد الراء (بن حبيش) بضم حاء مهملة وفتح موحدة وسكون تحتية وبشين معجمة ابن حباشة بضم مهملة وخفة موحدة، واعجام شين الأسدي الكوفي أبومريم ثقة جليل مخضرم أدرك الجاهلية كان من أصحاب علي وعبد الله بن مسعود. قال عاصم: كان زر من أعراب الناس وكان عبد الله يسأله عن العربية. وقال ابن عبد البر: كان عالماً بالقرآن قارئاً فاضلاً مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة (سألت أبي بن كعب) أي أردت أن أسأله قاله الطيبي أو يفسره قوله (فقلت ن أخاك) أي في الدين والصحبة (ابن مسعود) بدل أو بيان (من يقم الحول) أي جميع ليالي السنة (يصب ليلة القدر) أي يدركها يقيناً للإبهام في تبيينها وللاختلاف في تعيينها، أو لأنها تدور في تمام السنة، وهذا يؤيد الرواية المشهورة عن أبي حنيفة إذ قضيته إنها لا تختص برمضان (فقال) أي أبي ﵀ دعا لابن مسعود. وفي رواية يغفر الله له (أراد أن يتكل الناس) أي لا يعتمدوا على قول واحد، وإن كان هو الصحيح الغالب على الظن الذي مبني الفتوى عليه، فلا يقوموا إلا في تلك الليلة ويتركوا قيام سائر الليالي فيفوت حكمة الإبهام الذي نسي بسببها ﵊ (أما) بالتخفيف للتنبيه (أنه) أي ابن مسعود (قد علم أنها) أي ليلة القدر (في رمضان وإنها في العشر الأواخر) وفي رواية لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان (ثم حلف) أي أبي بن كعب بناء على غلبة الظن (لا يستثنى) حال أي حلف حلفاً جازماً من غير أن يقول عقيبه إن شاء الله تعالى. قال الطيبي: هو قول الرجل إن شاء الله يقال حلف فلان يميناً ليس فيها ثنى ولا ثنو ولا ثنية ولا استثناء كلها واحد، وأصله من الثني، وهو الكف والرد، وذلك إن الحالف إذا قال والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره فقد رد انعقاد ذلك اليمين-انتهى. (إنها) مفعول حلف أي حلف إن ليلة القدر (ليلة سبع وعشرين فقلت) أي لأبي بن كعب (بأي شيء) من الأدلة (تقول ذلك) أي القول (يا أبا المن١ذر) كنية أبي بن كعب (أو بالآية) كلمة "أو" للشك أي بالإمارة (أنها) بفتح الهمزة ويحتمل الكسر أي أن الشمس (تطلع يومئذ) أي يوم إذ تكون تلك الليلة ليلة القدر،

стр. 3153

٢١٠٩- (٧) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)) . رواه مسلم, ــ وفي رواية تطلع الشمس في صبيحة يومها، وفي أخرى صبح ليلة القدر (لا شعاع لها) زاد في رواية كأنها طست حتى ترتفع. قال القاري: هذا دليل على أن علمه ظني لا قطعي حيث بنى اجتهاده على هذا الاستدلال. قال ابن حجر: أي لا شعاع لها، وقد رأيتها صبيحة ليلة سبع وعشرين طلعت كذلك إذ لا يكون ذلك دليلاً إلا بانضمامه إلى كلامه-انتهى. والشعاع، بضم الشين. قال أهل اللغة: هو ما يرى من ضوء الشمس عند ذرورها أي طلوعها مثل الحبال، والقضبان مقبلة إليك إذا نظرت إليها، وجمعه أشعة وشعع بضم الشين والعين أشعت الشمس نشرت شعاعها. قال القاضي عياض: قيل معنى لا شعاع لها أنها علامة جعلها الله تعالى لها قال، وقيل بل لكثرة اختلاف الملائكة وترددها في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها بما تنزل به سترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها-انتهى. قيل فائدة كونه علامة مع أنه إنما يوجد بعد انقضاء الليلة أن يشكر على حصول تلك النعمة إن قام بخدمة الليلة وإلا فيتأسف على ما فاته من الكرامة ويتدارك في السنة الآتية. وإنما لم يجعل علامة في أول ليلها إبقاء لها على إبهامها. وقد ورد لليلة القدر علامات أخرى أكثرها لا تظهر إلا بعد أن تمضي ذكرها العيني (ج١١ص٣٤) وغيره. وقال الحافظ: اختلفوا هل لها علامة تظهر لمن وفقت له أم لا؟ فقيل: يرى كل شيء ساجداً، وقيل يرى الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع المظلمة. وقيل يسمع سلاماً أو خطاباً من الملائكة. وقيل علامتها استجابة دعاء من وفقت له، واختيار الطبري إن جميع ذلك غير لازم، وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه-انتهى. (رواه مسلم) في أواخر الصلاة وفي الصوم، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص١٣٠، ١٣١) والترمذي في الصوم والتفسير، وأبوداود في أواخر الصلاة والبيهقي (ج٤ص٣١٢) وذكر صاحب التنقيح النسائي وابن خزيمة وابن حبان وأبا عوانة وابن الجارود والطحاوي والدارقطني والحميدي أيضاً فيمن أخرج هذا الحديث. ٢١٠٩- قوله: (يجتهد في العشر الأواخر) قيل أي يبالغ في طلب ليلة القدر فيها. قال القاري: والأظهر أنه يجتهد في زيادة الطاعة والعبادة يعني يبالغ في أنواع الخيرات وأصناف المبرات والعبادات. (ما لا يجتهد في غيره) أي في غير العشير الأخير. فيه استحباب الاجتهاد في العبادة والحرص على مداومة القيام في العشر الأخير من رمضان، إشارة إلى تحسين الخاتمة وتجويدها (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وابن ماجه،

стр. 3154

٢١١٠- (٨) وعنها، قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد ميزره، وأحي ليله، وأيقظ أهله)) . متفق عليه. ــ والحديث ذكره الجزري في جامع الأصول (ج٧ص٧٨) عزو المسلم بلفظ: قالت كان رسول الله ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأخير منه مالا يجتهد في غيره، ولم أجده بهذا السياق في صحيح مسلم، ورواه البيهقي (ج٤ص٣١٤) بلفظ: كان يجتهد في العشر الأواخر من رمضان مالا يجتهد في غيرها. ٢١١٠- قوله: (إذا دخل العشر) وفي رواية للبيهقي، إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان. قال الحافظ: قوله "إذا دخل العشر" أي الأخير وصرح به في حديث علي عند ابن أبي شيبة والبيهقي (شد منزره) ولمسلم و"شد المئزر" بكسر الميم وسكون الهمزة أي إزاره كقولهم ملحفة ولحاف. قال في التلويح "المئزر" والإزار، ما يأتزر به الرجل من أسفله وهو يذكر ويؤنث. واختلفوا في معنى شد مئزره، فقيل هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة زيادة على عادته ﷺ في غيره، ومعناه التشمير في العبادة يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت له وتفرغت. قال القسطلاني: وفي هذا نظر، فإنها قالت جد وشد المئزر فعطفت شد المئزر على الجد، والعطف يقتضي التغاير، والصحيح أن المراد به اعتزاله للنساء للإشتغال بالعبادات، وبذلك فسره السلف والأئمة المتقدمون، وجزم به الثوري واستشهد بقول الشاعر: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم عن النساء ولو باتت بأطهار ويحتمل أن يراد التشمير للعبادة والاعتزال عن النساء معاً ويحتمل أن يراد الحقيقة والمجاز كمن يقول طويل النجاد لطويل القامة، وهو طويل النجاد حقيقة فيكون المراد شد مئزره حقيقة فلم يحلله، واعتزل النساء وشمر للعبادة قال الطيبي: قد تقرر عند علماء البيان إن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة كما إذا قلت فلان طويل النجاد، وأردت طول نجاده مع طول قامته كذلك ﷺ لا يستبعد أن يكون قد شد مئزره ظاهراً وتفرغ للعبادة واشتغل بها عن غيرها-انتهى. قلت: وقع عند ابن أبي عاصم بإسناد مقارب عن عائشة شد المئزر واجتنب النساء، وفي حديث علي المذكور شد مئزره واعتزل النساء فعطفه بالواو، وهذا يقوي الاحتمال الأول (وأحي ليله) أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها أو أحي معظمه لقولها في الصحيح ما علمته قام ليلة حتى الصباح، وقوله "أحيا ليله" أي بالقيام والقراءة والذكر كأن الزمان الخالي عن العبادة بمنزلة الميت، وبالعبادة فيه يصير حياً.

стр. 3155

﴿الفصل الثاني﴾ ٢١١١- (٩) عن عائشة، قالت: قلت: ((يا رسول الله! أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها: قال قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)) . رواه أحمد، وابن ماجه والترمذي وصححه. ــ قال القسطلاني: هو من باب الاستعارة شبه القيام فيه بالحياة في حصول الانتفاع التام أي أحيا ليله بالطاعة. أو أحيا نفسه بالسهر فيه، لأن النوم أخو الموت وإضافه إلى الليل إتساعاً لأن النائم إذا حي باليقظة حي ليله بحياته وهو نحو قوله لا تجعلوا بيوتكم قبوراً أي لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور-انتهى. وقال الطيبي في أحياء الليل: وجهان. أحدهما: راجع إلى نفس العابد، فإن العابد إذا اشتغل بالعبادة عن النوم الذي هو بمنزلة الموت فكأنما أحي نفسه كما قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر: ٤٢] والتي لم تمت في منامها. وثانيهما: أنه راجع إلى نفس الليل فإن ليله لما صار بمنزلة نهاره في القيام فيه كان أحياه وزينه بالطاعة والعبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيى الأرض بعد موتها﴾ [الروم: ٥٠] فمن اجتهد فيه وأحياه كله وفر نصيبه منها، ومن قام في بعضه أخذ نصيبه بقدر ما قام منها (وأيقظ أهله) أي للصلاة والعبادة. وإنما خص بذلك ﷺ آخر رمضان لقرب خروج وقت العبادة فيجتهد فيه لأنه خاتمة العمل، والأعمال بخواتيمها. وروى الترمذي ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت أم سلمة لم يكن النبي ﷺ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه (متفق عليه) واللفظ للبخاري وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود وابن ماجه والبيهقي (ج٤ص٣١٣) . ٢١١١- قوله: (أرأيت) أي أخبرني (إن علمت) جوابه محذوف يدل عليه ما قبله (أي ليلة) مبتدأ خبره (ليلة القدر) والجملة سدت مسد المفعولين لعلمت تعليقاً. قيل: القياس أية ليلة فذكر باعتبار الزمان كما ذكر في قوله ﷺ أي أية من كتاب الله معك أعظم باعتبار الكلام واللفظ (ما أقول) متعلق بأرأيت (فيها) أي في تلك الليلة. وقال الطيبي: ما أقول فيها جواب الشرط وكان حق الجواب أن يؤتى بالفاء، ولعله سقط من قلم الناسخ وتعقب عليه القاري بأن دعوى السقوط من قلم الناسخ ليست بصحيحة. وقد جاء حذف الفاء على القلة (إنك عفو) بفتح العين المهملة وضم الفاء، وتشديد الواو صيغة مبالغة أي كثير العفو (تحب العفو) أي ظهور هذه الصفة (فاعف عني) فإني كثير التقصير وأنت أولى بالعفو الكثير، وفيه دليل على استحباب الدعاء في هذه الليلة بهذه الكلمات
следующие страницы →