← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

رواه الترمذي والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. ٢١٧٨- (٥٠) وعن أنس عن النبي ﷺ ، قال: ((من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد محي عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين)) . رواه الترمذي، والدارمي، وفي روايته: خمسين مرة، ولم يذكر إلا أن يكون عليه دين. ــ بالمرتبة المسطورة والظاهر أن هذا نقل بالمعنى اقتصاراً من بعض الرواة، وهذا لفظ الترمذي، وللدارمي وإن قالها مساء فمثل ذلك حتى يصبح (رواه الترمذي والدارمي) في فضائل القرآن وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص٢٦) وابن السني (ص٢١٨) كلهم من طريق خالد بن طهمان عن نافع بن أبي نافع عن معقل بن يسار وخالد ابن طهمان صدوق وكان قد خلط قبل موته بعشر سنين (وقال الترمذي هذا حديث غريب) كذا في جميع النسخ الحاضرة ووقع في نسخ الترمذي الموجودة عندنا هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وكذا نقله الشوكاني في تحفة الذاكرين. وقال وأخرجه أيضاً الدارمي وابن السني، قال النووي في الأذكار: بإسناد فيه ضعف. وقال المنذري في الترغيب: رواه الترمذي من رواية خالد بن طهمان وقال: حديث غريب وفي بعض النسخ حسن غريب. ٢١٧٨- قوله: (من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد) أي إلى آخره أو هذه السورة (محي عنه) أي عن كتاب أعماله (إلا أن يكون عليه دين) قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في أشعة اللمعات ما محصله: إن لهذا الاستثناء معنيين. أحدهما، إن هذا الذنب أي الدين لا يمحى عنه ولا يغفر، وجعل الدين من جنس الذنوب تهويلاً لأمره وتشديداً. والثاني، إنه لا يمحى عنه ذنوبه إذا كان عليه الدين ولا توثر قراءة هذه السورة في محوها والله أعلم (رواه الترمذي) في فضائل القرآن عن محمد بن مرزوق البصري عن حاتم بن ميمون أبي سهل عن ثابت البناني عن أنس، وأخرجه أيضاً محمد بن نصر من هذا الطريق كما في اللآلئ (ج١ص١٢٤) قال الترمذي: هذا حديث غريب. قلت: حاتم بن ميمون ضعيف. قال البخاري: روى منكراً كانوا يتقون مثل هؤلاء المشائخ. وقال ابن حبان: منكر الحديث، على قلته يروي عن ثابت ما لا يشبه حديثه، لا يجوز الاحتجاج به كذا في تهذيب التهذيب. (والدارمي) من طريق أم كثير الأنصارية عن أنس وأخرجه أيضاً أبويعلى ومحمد بن نصر كما في اللآلي (ج١ص١٢٤) وابن السني (ص٢٢١) (وفي روايته) أي الدارمي وكذا في رواية ابن السني (خمسين مرة) أي بدل "مائتي مرة" قال القاري: وهي أظهر في المناسبة بين الثواب والعمل المترتب عليه، ووجه الرواية الأولى مفوض إليه ﷺ (ولم يذكر) أي الدارمي في روايته (إلا أن يكون عليه دين) للحديث طرق وألفاظ

стр. 3257

٢١٧٩- (٥١) وعنه، عن النبي ﷺ : قال: ((من أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ مائة مرة ﴿قل هو الله أحد﴾ إذا كان يوم القيامة يقول له الرب: يا عبدي! أدخل على يمينك الجنة)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. ٢١٨٠- (٥٢) وعن أبي هريرة، ((أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ فقال: وجبت. قلت: وما وجبت. قال الجنة)) ــ عند ابن عدي وابن عساكر والإسماعيلي والخطيب وابن الضريس والبيهقي والبزار وغيرهم ذكرها على المتقى في الكنز والسيوطي في اللآلي وفي تعقباته على ابن الجوزي وفي كلها مقال من شاء الوقوف عليها رجع إلى اللآلي. ٢١٧٩- قوله: (فنام) عطف على أراد والفاء للتعقيب (على يمينه) أي على وجه السنة (ثم قرأ مائة مرة) ثم للتراخي في الرتبة (إذا كان) كذا في جميع النسخ من المشكاة، وكذا نقله الجزري في الحصن وفي الترمذي فإذا كان (يوم القيامة يقول له الرب) الشرط مع جزاءه الذي هو يقول جزاء للشرط الأول الذي هو من، ولم يعمل الشرط الثاني في جزاءه أعني يقول، لأن الشرط ماض فلم يعمل فيه إذا فلا يعمل في الجزاء كما في قول الشاعر: وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم (أدخل على يمينك الجنة) قال الطيبي: قوله "على يمينك" حال من فاعل أدخل فطابق هذا قوله "فنام على يمينه" يعني إذا أطعت رسولي واضطجعت على يمينك وقرأت السورة التي فيها صفاتي فأنت اليوم من أصحاب اليمين فاذهب من جانب يمينك إلى الجنة (رواه الترمذي) في فضائل القرآن بإسناد الحديث السابق فهو ضعيف أيضاً كالأول (وقال هذا حديث حسن غريب) كذا في أكثر النسخ من المشكاة وفي بعضها حديث غريب كما في نسخ الترمذي الحاضرة، ويمكن أن يوجه ما في أكثر نسخ المشكاة إن كان صواباً بأنه حسنه لتعدد طرقه فقد قال الترمذي بعد ذلك: وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه أيضاً عن ثابت. ٢١٨٠- قوله: (سمع رجلاً) لم يعرف اسمه (يقرأ قل هو الله أحد) أي السورة بتمامها (وجبت) أي له (قلت وما وجبت) أي وما معنى قولك جزاء لقراءته وجبت أو ما فاعل وجبت وفي رواية مالك والحاكم فسألته ماذا يا رسول الله! أي ماذا أردت بقولك وجبت (قال الجنة) أي بمقتضى وعد الله وفضله الذي لا يخلفه كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ [آل عمران: ٩] قال الباجي: يحتمل أن يريد بذلك تنبيه أبي هريرة ومن كان

стр. 3258

رواه مالك، والترمذي، والنسائي. ٢١٨١ - (٥٣) وعن فروة بن نوفل، عن أبيه، أنه قال: ((يا رسول الله! علمني شيئاً أقوله إذا أويت إلى فراشي. فقال إقرأ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فإنها براءة من الشرك)) . رواه الترمذي، وأبوداود، والدارمي. ــ معه على كثرة فضل هذه السورة وكثرة الثواب لقاريها، وزاد في رواية مالك قال أبوهريرة: فأردت أن أذهب إلى الرجل فأبشره ثم فرقت أن يفوتني الغداء مع رسول الله ﷺ فآثرت الغداء مع رسول الله ﷺ ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب (رواه مالك) في أواخر الصلاة عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن عبيد بن حنين عن أبي هريرة قال: أقبلت مع رسول الله ﷺ فسمع رجلاً الخ (والترمذي) في فضائل القرآن (والنسائي) في عمل اليوم والليلة وأخرجه أيضاً ابن السني (ص٢٢١) والحاكم (ج١ص٥٦٦) كلهم من طريق مالك بن أنس. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن أنس يعني وهو إمام حافظ فلا يضره التفرد. ٢١٨١- قوله: (وعن فروة بن نوفل) الأشجعي الكوفي مختلف في صحبته والصواب إن الصحبة لأبيه وهو من الطبقة الواسطى من التابعين قاله في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب: ذكره ابن حبان في ثقات التابعين قتل في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين (عن أبيه) نوفل بن فروة الأشجعي صحابي نزل الكوفة روى عنه بنوه فروة وعبد الرحمن وسحيم (إذا أويت) بالقصر (إلى فراشي) بكسر الفاء وهذا لفظ الترمذي وفي رواية الدارمي وكذا أحمد وابن السني والحاكم عند منامى (إقرأ) أي إذا أخذت مضجعك كما في رواية الدارمي (قل يأيها الكافرون) أي إلى آخرها، زاد في رواية أبي داود وأحمد والدارمي وابن السني ثم نم على خاتمتها (فإنها) أي هذه السورة (براءة من الشرك) أي ومفيدة للتوحيد. قال الشوكاني: وإنما كانت براءة من الشرك لما فيها من التبري من عبادة ما يعبده المشركون (رواه الترمذي) في فضائل القرآن (وأبوداود) في أواخر الأدب (والدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص٤٥٦) وابن حبان والحاكم (ج١ص٥٦٥وج٢ص٥٣٨) وابن السني (ص٢٢٠) كلهم من طريق أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن أبيه. واختلف فيه على أبي إسحاق في وصله وإرساله، فروى بعض أصحابه عنه عن فروة بن نوفل أنه أتى النبي ﷺ كما عند الترمذي وابن حبان والنسائي، وروى بعضهم عنه عن فروة بن نوفل عن أبيه أي موصولاً. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: حديث نوفل في قل يا أيها الكافرون مختلف فيه مضطرب الإسناد لا يثبت، وتعقبه الحافظ في الإصابة. فقال في ترجمته: نوفل زعم ابن

стр. 3259

٢١٨٢- (٥٤) وعن عقبة بن عامر، قال: ((بينما أنا أسير مع رسول الله ﷺ بين الجحفة والأبواء، إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة، فجعل رسول الله ﷺ يتعوذ ﴿بأعوذ برب الفلق﴾ ــ عبد البر بأنه حديث مضطرب وليس كما قال، بل الرواية التي فيها عن أبيه أرجح وهي الموصولة رواته ثقات فلا يضره مخالفة من أرسله، وشرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه في الاختلاف، وأما إذا تفاوتت فالحكم للراجح بلا خلاف. وقد أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي مالك الأشجعي عن عبد الرحمن بن نوفل الأشجعي عن أبيه-انتهى. وقد ذكر الترمذي هذا الاختلاف ثم رجح الرواية الموصولة حيث قال هذا أي الموصول يعني بذكر عن أبيه أشبه وأصح، وفي الباب أحاديث ذكرها الشوكاني في تحفة الذاكرين (ص٨٦) والهيثمي مجمع الزوائد (ج١٠ص١٢١) . ٢١٨٢- قوله: (بين الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة قرية خربة قريبة من البحر بينها وبين مكة خمس مراحل أو ستة، وفي وفاء الوفاء هي قرية كانت كبيرة ذات منبر على نحو خمس مراحل وثلثي مرحلة من المدينة وعلى نحو أربع مراحل ونصف من مكة، وفي المحلى قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلاً من مكة، وكان اسمها مهيعة (كمرحلة وقيل كمعيشة) فاجحف السيل بأهلها فسميت الجحفة. قال ابن الكلبي: كان العماليق يسكنون يثرب فوقع بينهم وبين بني عبيل وهم إخوة عاد حرب فأخرجوهم من يثرب فنزلوا الجحفة وكان اسمها يومئذ مهيعة فجاءهم سيل واجتحفهم أي استأصلهم فسميت الجحفة كذا في الفتح، وهي التي دعا النبي ﷺ بنقل حمى المدينة إليها فانتقلت إليها فلا يمر بها أحد إلا حم وهي ميقات أهل الشام قديماً ومصر والمغرب، والموضع الذي يحرم المصريون الآن، رابغ بوزن فاعل، قريب من الجحفة. قيل: بينها وبينه نحو ستة أميال (والأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد كحلواء جبل بين مكة والمدينة وعنده بلد ينسب إليه. وقيل: قرية من أعمال الفرع وبه توفيت أم النبي ﷺ بينها وبين الجحفة عشرون أو ثلاثون ميلاً. قيل: سميت بذلك لأن السيول تتبوؤها أي تحلها. وقيل: لما كان فيها من الوباء وهي على القلب وإلا لقيل الوباء وأرجع إلى وفاء الوفاء (ص١٠١٦، ١٠١٧- ١١١٨، ١١١٩) (فجعل) أي طفق وشرع (يتعوذ بأعوذ برب الفلق) أي الصبح. وقيل: الخلق. وقيل: سجن أو واد أو جبٌّ في جهنم. وقيل الفلق كل ما أنفلق أي انشق عن شي من الحيوان والصبح والحب والنوى وكل شي من نبات وغيره. قيل: تفسيره بالصبح أولى لأن مقصود العائذ من الاستعاذة أن يتغير حاله بالخروج من الخوف إلى الأمن وبالتخلص عن وحشة الهم والحزن إلى الفرح والسرور والصبح أدل على هذا لما فيه من زوال الظلمة بإشراق أنوار الصبح وتغير وحشة الليل وثقله بسرور الصبح وخفته

стр. 3260

و ﴿أعوذ برب الناس﴾ ويقول! يا عقبة: تعوذ بهما، فما تعوذ متعوذ بمثلهما)) رواه أبوداود. ٢١٨٣- (٥٥) وعن عبد الله بن خبيب، قال: خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول الله ﷺ ، فأدركناه، فقال: (قل) قلت: ما أقول؟ قال: ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين حين تصبح وحين تمسي ثلث مرات تكفيك من كل شي)) . رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي. ــ (وأعوذ برب الناس) أي بهاتين السورتين المشتملتين على ذلك (فما تعوذ متعوذ بمثلهما) أي بل هما أفضل التعاويذ ومن ثم لما سحر ﵊ مكث مسحوراً سنة حتى أنزل الله عليه ملكين يعلمانه أنه يتعوذ بهما ففعل فزال ما يجده من السحر (رواه أبوداود) في أواخر الصلاة وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. ٢١٨٣- قوله: (وعن عبد الله بن خبيب) بمعجمة وموحدتين مصغراً الجهني حليف الأنصار صحابي (في ليلة مطر) وفي رواية، في ليلة مطيرة أو ذات مطر (وظلمة) أي وفي ظلمة (فطلب رسول الله ﷺ ) أي ليصلي لنا كما في رواية أبي داود والترمذي وعند عبد الله بن أحمد والنسائي قال أي عبد الله بن خبيب أصابنا طش وظلمة فانتظرنا رسول الله ﷺ ليصلي بنا، وللنسائي أيضاً قال كنت مع رسول الله ﷺ في طريق مكة فأصبت خلوة من رسول الله ﷺ فدنوت منه فقال، قل (فأدركناه) أي لحقناه (فقال قل) أي إقرأ (قلت ما أقول) أي ما أقرأ؟ (قال قل هو الله أحد) محل قل هو الله أحد نصب بإقرأ مقدراً وقوله (والمعوذتين) بكسر الواو وتفتح عطف عليه، والمراد بهما قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس السورتان. قال السندي: جملة قل هو الله أحد أريد بها السورة المعهودة على أنها مفعول لفعل مقدر مثل قل أي قل هذه السورة المصدرة بقل هو الله أحد المعوذتين عطف عليها (حين تصبح) من الإصباح ظرف للفعل المقدر (وحين تمسي) من الإمساء (تكفيك) بالتأنيث أي السور الثلاث (من كل شي) قال الطيبي: أي تدفع عنك كل سوء "فمن" زائدة في الإثبات على مذهب جماعة وعلى مذهب الجمهور أيضاً لأن تكفيك متضمنة للنفي كما يعلم من تفسيرها بتدفع. ويصح أن تكون لابتداء الغاية أي تدفع عنك من أول مراتب السوء إلى آخرها، أو تبعيضية أي بعض كل نوع من أنواع السوء، ويحتمل أن يكون المعنى تغنيك عما سواها أي مما يتعلق بالتعوذ من الأوراد. قلت: وقع في رواية النسائي تكفيك كل شي أي بحذف من. وفي الحديث دليل على أن تلاوة هذه السور عند المساء وعند الصباح تكفي التالي من كل شي يخشى منه كائناً ما كان (رواه الترمذي) في الدعوات (وأبوداود) في أواخر الأدب (والنسائي) في الاستعاذة وأخرجه أيضاً عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (ج٥ص٣٦٢) كلهم من طريق أبي سعيد أسيد بن أبي أسيد البراد عن معاذ بن عبد الله عن أبيه، وأخرجه البخاري

стр. 3261

٢١٨٤- (٥٦) وعن عقبة بن عامر، قال: قلت: يا رسول الله! إقرأ سورة هود أو سورة يوسف قال: ((لن تقرأ شيئاً أبلغ عند الله من قل أعوذ برب الفلق)) . رواه أحمد والنسائي، والدارمي ﴿الفصل الثالث﴾ ٢١٨٥- (٥٧) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعربوا القرآن، ــ في التاريخ والنسائي أيضاً من طريق زيد بن أسلم عن معاذ. وأورده من وجهين عن معاذ بن عبد الله عن أبيه عن عقبة بن عامر وله عن عقبة طرق أخرى عند النسائي وغيره مطولاً ومختصراً. قال الحافظ في الإصابة: (ج٢ص٣٠٣) ولا يبعد أن يكون الحديث محفوظاً من الوجهين فإنه جاء أيضاً من حديث ابن عابس الجهني، ومن حديث جابر ابن عبد الله الأنصاري- انتهى. والحديث صححه الترمذي ونقل المنذري في مختصر السنن والترغيب تصحيح الترمذي وأقره. ٢١٨٤- قوله: (اقرأ) بحذف همزة الاستفهام أي أأقرأ ويحتمل أن يقرأ المرسوم بالمد فيفيد الاستفهام من غير حذف (سورة هود أو سورة يوسف) أي إقرأ إحداهما لدفع السوء عني وقوله "إقرأ" كذا في النسخ الحاضرة وهكذا هو في رواية الحاكم، لكن الذي عند أحمد والنسائي والدارمي إقرئني سورة هود وسورة يوسف وكذا عند ابن حبان وابن السني وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٩ص٣٧٠) (لن تقرأ شيئاً أبلغ عند الله) أي أتم وأعظم في باب التعوذ لدفع السوء وغيره وهذا لفظ النسائي وأحمد في رواية، وللدارمي وأحمد في رواية أخرى لن تقرأ من القرآن سورة أحب إلى الله ولا أبلغ عنده وكذا عند ابن حبان والحاكم (من قل أعوذ برب الفلق) أي من هذه السورة. وقال الطيبي: أي من هاتين السورتين على طريقة قوله تعوذ بهما الخ وقال ابن الملك: والمراد التحريض على التعوذ بهاتين السورتين- انتهى. وكأنهما أراد إن الحديث من باب الاكتفاء بإحدى القرينتين عن الأخرى وليتفق الحديثان ويطابقاً ما في حديث مسلم في المعوذتين لم ير مثلهن (روه أحمد) (ج٤ص١٤٩، ١٥٥) (والنسائي) في الاستعاذة (والدارمي) وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه وابن السني (ص٢٢٢) والحاكم (ج٢ص٥٤٠) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي والحديث عزاه في الكنز للبيهقي والطبراني أيضاً. ٢١٨٥- قوله: (أعربوا) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وكسر الراء (القرآن) المراد بأعراب القرآن معرفة معاني ألفاظه وتبيينها، وليس المراد الإعراب المصطلح عليه عند النحاة وهو ما يقابل اللحن. قال في اللمعات:

стр. 3262

واتبعوا غرائبه، وغرائبه فرائضه وحدوده)) . ٢١٧٦- (٥٨) وعن عائشة، أن النبي ﷺ قال: ((قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة، وقراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من التسبيح والتكبير، والتسبيح أفضل من الصدقة، ــ أي بينوا معانيه وأظهروها، والإعراب الإبانة والإفصاح وهذا يشترك فيه جميع من يعرف لسان العرب ثم ذكر ما يخص بأهل الشريعة من المسلمين بقوله (واتبعوا غرائبه) وفسر الغرائب بالفرائض من الأحكام الواجبة والحدود الشاملة لها ولغيرها حتى السنن والآداب وسماها غرائب لاختصاصها بأهل الدين أو لأن الإيمان غريب فأحكامه تكون غرائب- انتهى. وقيل المعنى أعربوا القرآن أي بينوا ما في القرآن من غرائب اللغة وبدائع الإعراب وقوله "واتبعوا غرائبه" لم يرد به غرائب اللغة لئلا يلزم التكرار ولهذا فسره بقوله وغرائبه فرائضه وحدوده، والمراد بالفرائض المأمورات وبالحدود المنهيات. وقال الطيبي: يجوز أن يراد بالفرائض فرائض المواريث بالحدود حدود الأحكام، أو يراد بالفرائض ما يجب على المكلف إتباعه وبالحدود ما يطلع به على الأسرار الخفية والرموز الدقيقة. قال وهذا التأويل قريب من معنى خبر أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن، الحديث فقوله أعربوا القرآن إشارة إلى ما ظهر منه وفرائضه وحدوده إلى ما بطن منه- انتهى. وقال القاري: وحاصل المعنى بينوا ما دلت عليه آياته من غرائب الأحكام وبدائع الحكم وخوارق المعجزات ومحاسن الآداب وأماكن المواعظ من الوعد والوعيد وما يترتب عليه من الترغيب والترهيب، أو بينوا إعراب مشكل ألفاظه وعباراته ومحامل مجملاته ومكنونات إشاراته وما يرتبط بتلك الإعرابات من المعاني المختلفة باختلافها لأن المعنى تبع للإعراب. ٢١٨٦- قوله: (قراءة القرآن في الصلاة) فرضاً كانت أو نفلاً (أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة) لكونها منضمنة إلى عبادة أخرى ولأن الصلاة محل مناجاة الرب وأفضل عبادات البدن الظاهرة، ولكون القراءة فيها بالحضور أقرب وأحرى (وقراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من التسبيح والتكبير) أي وإن كانا في الصلاة والمراد التسبيح والتكبير وأمثالهما من سائر الأذكار لكون القرآن كلام الله وفيه حكمة وأحكامه. وقيل لأن التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل بعض القرآن، ولذلك فضلوا القيام في الصلاة على الركوع والسجود من جهة أن القيام فيها محل قراءة القرآن وهذه الأفضلية إنما هي فيما لم يرد فيه ذكر بخصوصه أي هذا الحكم إنما هو في غير الأوقات التي يطلب فيها التسبيح ونحوه فهو عقب الصلاة أفضل من قراءة القرآن، وأما ذات القرآن فهي أفضل من غيرها مطلقاً والكلام إنما هو في الاشتغال (والتسبيح) أي ونحوه وترك التكبير اكتفاء (أفضل من الصدقة) وقد اشتهر

стр. 3263

والصدقة أفضل من الصوم، والصوم جنة من النار)) . ٢١٨٧- (٥٩) وعن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي عن جده، قال: ((قال رسول الله ﷺ : ــ إن العبادة المتعدية أفضل من اللازمة لكن ينبغي أن يخص هذا الحكم بما عدا ذكر الله فيستثنى الذكر منه قاله في اللمعات. وقال القاري: قوله "من الصدقة" أي من الصدقة المالية المجردة عن الذكر لأن المقصود من جميع العبادات والخير ذكر الله (والصدقة أفضل من الصوم) أي صوم التطوع قيل: أي في بعض الأحيان وإلا فصدقة بتمرة على غير مضطر لا تساوي صوم يوم لما يترتب عليه من المشقة. وقيل: لأن الصدقة نفع متعد والصوم قاصر. وقال في اللمعات: جعلها أفضل منه من جهة أن الصوم إمساك المال عن نفسه ثم إنفاقه عليها وفي الصدقة إنفاق على الغير وجهة أفضلية الصوم المشار إليها بقوله ﷺ (كل عمل بني آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها. إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به باقية) . ولا شك إن اختلاف الجهات يعتبر في أمثال هذه السائل وإلى هذا أشار بقوله والصوم جنة- انتهى. وقال الطيبي: قيل ما تقدم من أن كل عمل بني آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها. الحديث يدل على أن الصوم أفضل، ووجه الجمع أنه إذا نظر إلى نفس العبادة كانت الصلاة أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم. وإذا نظر إلى كل واحد منها وما يؤل إليه من الخاصة التي لم يشاركها غيره فيها كان الصوم أفضل- انتهى. (والصوم جنة) أي وقاية من النار أي مما يجر إليها في الدنيا ومن عذاب الله في العقبى، وإذا كان هذا من فوائد الصوم للفضول فما بالك بالصدقة التي هي أفضل منه. ٢١٨٧- قوله: (وعن عثمان بن عبد الله بن أوس) بن أبي أوس الثقفي الطائفي. قال في التقريب: مقبول من أوساط التابعين. وقال في تهذيب التهذيب: ذكره ابن حبان في الثقات (عن جده) أي أوس بن أبي أوس الثقفي الصحابي وهو غير أوس بن أوس الثقفي الصحابي الذي تقدم حديثه في الفصل الثاني من باب الجمعة (ج٢ص٢٨٠) قال في التقريب: أوس بن أبي أوس واسم أبي أوس حذيفة الثقفي صحابي وهو غير الذي قبله (يعني أوس بن أوس) على الصحيح. وقال في تهذيب التهذيب (ج١ص٣٨١) والإصابة (ج١ص٨٩) في ترجمة أوس بن أوس الثقفي نقل عباس الدوري عن ابن معين أن أوس بن أوس الثقفي وأوس بن أبي أوس واحد. وقيل: إن ابن معين أخطأ في ذلك وإن الصواب إنهما اثنان وقد تبع ابن معين جماعة على ذلك منهم أبوداود، والتحقيق إنهما اثنان، ومن قال في أوس بن أوس، أوس بن أبي أوس أخطأ كما قيل في أوس بن أبي أوس، أوس بن أوس وهو خطأ. وأما أوس بن أبي أوس فاسم والده حذيفة كما سيأتي. وقال في (ج١ص٨٢) من الإصابة أوس بن حذيفة بن ربيعة الثقفي هو أوس بن أبي أوس وهو والد عمر بن أوس وجد عثمان بن عبد الله بن أوس. قال أحمد في مسنده: (ج٤ص٨) أوس بن أبي

стр. 3264

((قراءة الرجل القرآن في غير المصحف ألف درجة، وقراءته في المصحف تضعف على ذلك إلى ألفي درجة)) . ٢١٨٨- (٦٠) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد إذا أصابه الماء. قيل يا رسول الله! وما جلاؤها؟ قال: ــ أوس هو أوس بن حذيفة. وقال البخاري في تاريخه: (ج١ص١٦، ١٧) أوس بن حذيفة الثقفي والد عمرو بن أوس ويقال أوس بن أبي أوس ويقال أوس بن أوس له صحبة وكذا قال ابن حبان في الصحابة. وقال أبونعيم في معرفة الصحابة: اختلف المتقدمون في أوس هذا، فمنهم من قال أوس بن حذيفة، ومنهم من قال أوس بن أبي أوس، وكنى أباه، ومنهم من قال أوس بن أوس. وأما أوس بن أوس الثقفي (الذي تقدم حديثه في الجمعة) فروى عنه الشاميون. وقيل: فيه أوس بن أبي أوس أيضاً قال، وتوفي أوس بن حذيفة سنة تسع وخمسين- انتهى. (قراءة الرجل) المراد بالرجل الشخص فيشمل الأنثى والخنثى فهو وصف طردي (القرآن في غير المصحف) أي من حفظه (ألف درجة) أي ذات ألف درجة. قال الطيبي: ألف درجة خبر لقوله قراءة الرجل على تقدير مضاف أي ذات ألف درجة ليصح الحمل كما في قوله تعالى هم درجات أي ذوو درجات (تضعف) بتشديد العين أي تزاد، وفي الجامع الصغير ومجمع الزوائد تضاعف أي تتضاعف في الثواب (على ذلك) أي على ما ذكر من القراءة في غير المصحف (إلى ألفي درجة) لحظ النظر في المصحف وحمله ومسه. قيل: ومحل ذلك إذا كانت قراءته في المصحف إخشع كما هو الغالب فإن كان عن ظهر قلب إخشع كان أفضل. قال النووي في الأذكار قال أصحابنا: قراءة القرآن في المصحف أفضل من القراءة من حفظه وهو المشهور عن السلف ﵃، وهذا ليس على إطلاقه بل إن كان القاري من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب والبصر أكبر مما يحصل من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل وإن استويا فمن المصحف أفضل أي لأنه ضم إلى عبادة القراءة عبادة النظر في المصحف فلاشتمال هذه على عبادتين كان أفضل، قال وهذا مراد السلف. وقيل: إن زاد خشوعه وتدبره وإخلاصه في أحدهما فهو الأفضل وإلا فالنظر، ويدل كلام الطيبي على أن التمكن من التفكر والتدبر واستنباط المعاني في صورة القراءة من المصحف أكثر. قال في اللمعات وفي كليته نظر. ٢١٨٨- قوله: (تصدأ) بالهمز أي يعرض لها دنس ووسخ بتراكم الغفلات وتزاحم الشهوات (كما يصدأ) أي يتوسخ من صدى الحديد كسمع وصدؤككرم علاه الصدأ، وهو مادة لونها يأخذ من الحمرة والشقرة تتكون على وجه الحديد ونحوه بسبب رطوبة الهواء (وما جلاءها) بكسر الجيم أي آلة جلاء صدأ القلوب

стр. 3265

كثرة ذكر الموت، وتلاوة القرآن)) روى البيهقي الأحاديث الأربعة في شعب الإيمان. ٢١٨٩- (٦١) وعن أيفع بن عبد الكلاعي، قال: ((قال رجل يا رسول الله! ــ من وسخ العيوب (كثرة ذكر الموت) وهو الواعظ الصامت ويوافقه الحديث المشهور أكثر ذكر هادم اللذات بالمهملة والمعجمة أي قاطعها أو مزيلها من أصلها (وتلاوة القرآن) بالرفع ويجوز جره وهو الواعظ الناطق فهما بلسان الحال وبيان القال يبردان عن قلوب الرجال أوساخ محبة الغير من الجاه والمال (روى البيهقي الأحاديث الأربعة الخ) الحديث الأول أي حديث أبي هريرة أخرجه الحاكم أيضاً (ج٢ص٤٣٩) بلفظ: أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه، وفي سنده عبد الله بن سعيد المقبري، ونسبه السيوطي في الجامع الصغير، وعلى المتقى في كنز العمال لابن أبي شيبة أيضاً، ونسبه الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٧ص١٦٣) إلى أبي يعلى وقال فيه عبد الله ابن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو متروك. وقد ذكره الثلاثة بلفظ: التمسوا غرائبه بدل قوله اتبعوا غرائبه ورواه أيضاً البيهقي في الشعب والديلمي بأطول من هذا كما في الكنز. وفي الباب عن ابن مسعود عند الطبراني في الأوسط ذكره الهيثمي وقال فيه نهشل وهو متروك. والحديث الثاني أي حديث عائشة عزاه في الجامع الصغير وكنز العمال إلى الدارقطني في الإفراد والبيهقي في الشعب، ولا يدري حال سنده. والحديث الثالث أي حديث عثمان بن عبد الله بن أوس عن جده، أخرجه أيضاً ابن عدي والطبراني في الكبير كما في الجامع الصغير والكنز ومجمع الزوائد قال الهيثمي: وفيه أبوسعيد بن عوذ وثقه ابن معين في رواية وضعفه في أخرى وبقية رجاله ثقات. قلت: قال الذهبي في الميزان (ج٢ص١٦٣) والحافظ في اللسان (ج٦ص٣٨٣) أبوسعيد بن عوذ المكتب حدث عن بعض التابعين اسمه رجاء بن الحارث ضعيف، روى أحمد أبي مريم عن يحيى بن معين ليس به بأس وروى غيره عن ابن معين ضعيف. ثم ذكرا هذا الحديث ونقلاً عن ابن عدي أنه قال مقدار ما يرويه أبوسعيد بن عوذ غير محفوظ وفي الباب عن أبي سعيد أخرجه الحكيم الترمذي والبيهقي في الشعب بإسناد ضعيف، وعن عمرو بن أوس أخرجه ابن مردوية، وعن ابن مسعود أخرجه أبونعيم في الحلية والبيهقي في الشعب، وعن عبادة بن الصامت أخرجه الحكيم الترمذي كما في الجامع الصغير. والحديث الرابع أي حديث ابن عمر رواه أيضاً محمد بن نصر وأبونعيم في الحلية والخرائطي في اعتلال القلوب والخطيب في التاريخ كما في الكنز ولم أقف على حال سنده. ٢١٨٩- قوله: (وعن أيفع) بفتح الهمزة وسكون التحتانية وفتح الفاء بعدها عين مهملة بوزن أحمد (ابن عبد) بالتنوين (الكلاعي) بفتح الكاف وخففة اللام وبالعين المهملة منسوب إلى ذي الكلاع قبيلة في اليمن. وقيل: موضع منه وأيفع هذا ذكره الحافظ في الإصابة في القسم الرابع من حرف الألف وهو مخصوص

стр. 3266

أي سورة القرآن أعظم؟ قال: (قل هو الله أحد) ــ يمن ذكر في الكتب المؤلفة في الصحابة على سبيل الوهم والغلط. قال في (ج١ص١٣٥) أيفع بن عبد الكلاعي تابعي صغير استدركه أبوموسى المديني. وقال أخرجه الإسماعيلي في الصحابة. قال الإسماعيلي: حدثنا أحمد بن الحسن حدثنا الحكم بن موسى عن الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو السكسكي الحمصي، قال سمعت أيفع بن عبد الكلاعي على منبر حمص يقول: قال رسول الله ﷺ إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. قال: يا أهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين - الحديث. وقد تابعه أبويعلى عن الهيثم بن خارجة عن الوليد رجال إسناده ثقات إلا أنه مرسل أو معضل ولا يصح لأيفع سماع من صحابي، وإنما ذكر ابن أبي حاتم روايته عن راشد بن سعد (المقرئي الحمصي من ثقات أوساط التابعين) وقال عبدان سمعت محمد ابن المثنى يقول مات أيفع سنة ست ومائة. وقال الدارمي في مسنده: أخبرنا يزيد بن هارون عن حريز بن عثمان عن أيفع بن عبد عن النبي ﷺ في فضل آية الكرسي وهو مرسل أيضاً أو معضل- انتهى كلام الحافظ. هذا وقد ظن المصنف والجزري وغيرهما إن أيفع بن عبد هذا هو أيفع بن ناكورا (بالنون وضم الكاف) المعرف بذي الكلاع الحميري وهذا خطأ والصواب أنه غيره الأول متأخر وهذا زمنه متقدم عليه، واختلف في اسمه واسم أبيه فقيل أسْميفع سميفع، ويقال أيفع بن ناكورا. وقيل ابن حوشب بن عمرو بن يعفر بن يزيد الحميري وكان يكنى أبا شرحبيل ويقال أبا شراحيل بعث إليه النبي ﷺ جريراً فأسلم. قال ابن عبد البر: كان يعني أيفع بن ناكورا المعروف بذي الكلاع رئيساً في قومه مطاعاً متبوعاً نكتب إليه النبي ﷺ في التعاون على الأسود ومسيلمة وطليحة وكان الرسول إليه جرير بن عبد الله البجلي فأسلم وخرج مع جرير (وذي عمر) إلى النبي ﷺ فمات النبي ﷺ قبل أن يصلا إليه. قال ابن عبد البر: ولا أعلم لذي الكلاع صحبة أكثر من إسلامه وإتباعه النبي ﷺ في حياته، وقدم في زمن عمر فروى عنه وشهد صفين مع معاوية وقتل بها سنة سبع وثلاثين قتله الأشتر النخعي، وقيل غيره. قال ولا أعلم له رواية إلا عن عمر وعوف بن مالك، ونقل الحافظ عن معجم الشعراء للمرزباني أنه قال أسميفع بن الأكور ذو الكلاع الأصغر مخضرم له مع عمر أخبار ثم بقي إلى أيام معاوية (أي سورة القرآن أعظم) أي في شأن التوحيد فلا ينافي ما مر في الفاتحة إنها أعظم سورة القرآن. وقيل إنها أعظم بعد الفاتحة. وقال ابن حجر: حديث الفاتحة طرقه كلها صحيحة بخلاف هذا الحديث. وقال في اللمعات: قد سبق إن أعظم سورة في القرآن فاتحة الكتاب فيعتبر تعدد الجهات ففاتحة الكتاب أعظم من جهة جامعيتها المقاصد القرآن ووجوب قراءتها في الصلاة، وقل هو الله أحد لبيان توحيد الحق سبحانه وآية الكرسي لجامعية صفاته الثبوتية والسلبية وعظمته وجلالته وخواتيم سورة البقرة لاشتمالها على الدعاء

стр. 3267

قال: فأي آية في القرآن أعظم؟ قال: آية الكرسي (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) قال: فبآي آية يا نبي الله! تحب أن تصيبك وأمتك؟ قال: خاتمة سورة البقرة، فإنها من خزائن رحمة الله تعالى من تحت عرشه، أعطاها هذه الأمة، لم تترك خيراً من خير الدنيا والآخرة إلا اشتملت عليه)) رواه الدارمي. ٢١٩٠- (٦٢) وعن عبد الملك بن عمير مرسلاً، قال: قال رسول الله ﷺ : ((في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء)) ــ الجامع لخير الدنيا والآخرة والله تعالى أعلم (فأي آية في القرآن أعظم) أي في بيان صفاته تعالى (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) أي إلى آخرها (تحب أن تصيبك وأمتك) أي خيرها وبركتها وقيل: ثوابها وفائدتها (قال خاتمة سورة البقرة) أي من آمن الرسول أي هي التي أحب أن تنالني وأمتي فائدتها قبل بقية القرآن (من تحت عرشه) خبر بعد خبر أي نزولها من تحت عرشه أو التقدير من خزائن رحمة الله الكائنة أو كائنة من تحت عرشه وهذا بحسب الإعراب، وأما معناه فأنا على حقيقة إدراكه في حجاب (أعطاها هذه الأمة) أي بخصوصها (إلا اشتملت) أي تلك الخاتمة (عليه) أي على ذلك الخير عبارة وإشارة. قال الطيبي: أما خير الآخرة فإن قوله: ﴿آمن الرسول﴾ إلى قوله ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ إشارة إلى الإيمان والتصديق وقوله: ﴿سمعنا وأطعنا﴾ إلى الإسلام والانقياد والأعمال الظاهرة وقوله: ﴿إليك المصير﴾ إشارة إلى جزاء العمل في الآخرة وقوله: ﴿لا يكلف الله نفساً﴾ إلى قوله: ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾ إشارة إلى المنافع الدنيوية والله أعلم (رواه الدارمي) في فضائل القرآن. قال حدثنا أبوالمغيرة (عبد القدوس بن الحجاج الحمصي) ثنا صفوان ابن عمرو (السكسكي) حدثني أيفع بن عبد الكلاعي قال، قال رجل يا رسول الله! الخ ورجاله ثقات إلا أنه مرسل أو معضل كما تقدم ولم أقف على من خرجه غيره. ٢١٩٠- قوله: (وعن عبد الملك بن عمير) بضم عين مهملة وفتح ميم مصغراً ابن سويد اللخمي حليف بني عدي الكوفي، ويقال الفرسي بفتح الفاء والراء ثم مهملة نسبة إلى فرس له سابق كان يقال القبطي بكسر القاف وسكون الموحدة، وربما قيل ذلك لعبد الملك ثقة فقيه تغير حفظه، وربما دلس من أوساط التابعين مات سنة ست وثلاثين وله مائة وثلاث سنين كذا في التقريب. (شفاء من كل داء) أي جسماني وروحاني بأن تقرأ وتتلى ثم يتفل في المريض أو تكتب وتمحي وتسقي وتخلف الشفاء لسوء الطوية وضعف الإيمان واليقين وعدم الإخلاص

стр. 3268

رواه الدارمي، والبيهقي في شعب الإيمان. ٢١٩١- (٦٣) وعن عثمان بن عفان، قال: ((من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة)) . ٢١٩٢- (٦٤) وعن مكحول، قال: ((من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة صلت عليه الملائكة إلى الليل)) . رواهما الدارمي. ــ قال الطيبي: يشمل داء الجهل والكفر والمعاصي والأمراض الظاهرة. ولقد بين ابن القيم في كتابه الطب النبوي وجه كون الفاتحة شفاء من الأدواء سيما من السم فعليك أن تراجع ما كتب فيه في رقية اللديغ بالفاتحة. وأما مسألة شرب المريض ما كتب في الإناء من القرآن بعد غسله للاستشفاء فراجع لذلك (الإتقان ج٢ص١٦٦) (رواه الدارمي) عن قبيصة بن عقبة السواءي عن الثوري عن عبد الملك بن عمير ورجاله ثقات إلا أنه مرسل (والبيهقي إلخ) قال السيوطي في الإتقان (ج٢ص١٦٣) أخرج البيهقي وغيره من حديث عبد الله بن جابر في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء، وأخرج الخلعي في فوائده من حديث جابر بن عبد الله فاتحة الكتاب شفاء من كل شي إلا السام والسام الموت. وأخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد وأبوالشيخ في الثواب عن أبي هريرة وأبي سعيد معاً فاتحة الكتاب شفاء من السم. ٢١٩١- قوله: (من قرأ آخر آل عمران) أي من قوله تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ [آل عمران: ١٩] إلى آخر السورة (في ليلة) أي أولها أو آخرها، وقد ثبت قرائته ﵊ أول ما استيقظ من نومه من الليل لصلاة التهجد (كتب له قيام ليلة) أي ثواب صلاة التهجد. وقال القاري: أي كتب من القائمين بالليل. ٢١٩٢- قوله: (وعن مكحول) الشامي التابعي المشهور (صلت عليه الملائكة) أي دعت له واستغفرت (رواهما الدارمي) أما أثر عثمان فرواه عن إسحاق بن عيسى عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عثمان وابن لهيعة قد تقدم الكلام فيه. وأما أثر مكحول فرواه عن محمد بن المبارك عن صدقة بن خالد عن يحيى بن الحارث (الِذماري الغساني الشامي) عن مكحول وهو مقطوع، والمقطوع في اصطلاحهم ما جاء عن التابعي أو من دونه من قوله أو فعله موقوفاً عليه وهو ليس بحجة كالموقوف (وهو المروي عن الصحابي قولاً له أو فعلاً أو تقريراً) إلا إذا كان ذلك مما لا مجال للاجتهاد فيه فيكون في حكم المرفوع كالأخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص مثلاً والأمر ههنا كذلك وهكذا يقال في أثر عثمان.

стр. 3269

٢١٩٣- (٦٥) وعن جبير بن نفير، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطيتهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهن وعلموهن نساءكم، فإنها صلاة وقربان ودعاء)) . رواه الدارمي مرسلاً. ــ ٢١٩٣- قوله: (وعن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالراء مصغراً (بن نفير) بضم النون وفتح الفاء وسكون التحتانية وبالراء ابن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي ثقة جليل من كبار تابعي أهل الشام مخضرم، ولأبيه صحبة فكأنه ما وفد إلا في عهد عمر مات سنة ثمانين، وقيل بعدها قاله في التقريب. وقال في التهذيب: أدرك زمن النبي ﷺ ، وروى عنه وعن أبي بكر الصديق مرسلاً وعن عمر بن الخطاب وفي سماعه منه نظر، وعن أبيه وأبي ذر وخلق وعنه ابنه عبد الرحمن ومكحول وأبوالزاهرية وغيرهم (أعطيتهما) بصيغة المجهول وفي رواية الحاكم أعطانيهما (من كنزه) أي المعنوي أو الحسي (فتعلموهن) أي كلماتهما (وعلموهن نساءكم) لعل تخصصهن لكونهن أولى بتعليمهن من غيرهن لا لأن غيرهن لا يعلمهن، وزاد في رواية الحاكم وأبناءكم (فإنها) أي كلماتهما أو كل واحدة من الآيتين وفي بعض النسخ من السنن للدارمي فإنهما أي بضمير التثنية (صلاة) أي رحمة خاصة لقائلها أو رحمة عظيمة لما فيها من النص على رفع الاصر عن هذه الأمة أو استغفار أو ما يصلي بها. قال القاري: وهو الأظهر لأن الاستغفار دعاء فيتكرر (وقربان) بضم القاف وكسرها أي ما يتقرب به إلى الله تعالى وقوله "قربان" كذا في النسخ الحاضرة من المشكاة وهكذا في بعض النسخ من سنن الدارمي، ووقع في بعضها "قرآن" بدل "قربان" وهكذا وقع في رواية الحاكم، والمعنى إنها صلاة أي جملة الآيتين يصلي بهما يعني يقرأ بهما المصلى في صلاته وقرآن أي يتلى بهما قرآناً يعني يتلو بهما التالي في تلاوته. والحاصل إنهما لفظ منزل عليه ﷺ متعبد بتلاوته كغيرهما (ودعاء) أي ويدعى بهما يعني يدعو بهما الداعي في دعاءه، والمراد إنهما مشتملتان على الدعاء وهذا لا ينافي إن غيرهما منه ما هو مشتمل على الدعاء. قال الطيبي: الضمير في أنها راجع إلى معنى الجماعة من الكلمات والحروف في قوله بآيتين على طريقة قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات:٩] ولم يرد بالصلاة الأركان لأنها غيرها ولا الدعاء للتكرار بل أراد الاستغفار نحو غفرانك واغفر لنا. وأما القربان فإما إلى الله كقوله ﴿وإليك المصير﴾ وإما إلى الرسول كقوله ﴿آمن الرسول﴾ (رواه الدارمي مرسلاً) وكذا الحاكم (ج١ص٥٦٢) وأبوداود فسي مراسيله، وأخرجه الحاكم أيضاً مسنداً موصولاً عن جبير بن نفير عن أبي ذر ومدار المرسل والموصول على معاوية بن صالح الراوي عن أبي الزاهرية عن جبير. قال الحاكم بعد روايته عن أبي ذر: هذا حديث

стр. 3270

٢١٩٤- (٦٦) وعن كعب، أن رسول الله ﷺ قال: ((اقرؤا سورة هود يوم الجمعة)) . رواه الدارمي. ٢١٩٥- (٦٧) وعن أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له النور ما بين الجمعتين)) رواه البيهقي في الدعوات الكبير. ــ صحيح على شرط البخاري. قال الذهبي: كذا قال: ومعاوية لم يحتج به البخاري. وقال المنذري في الترغيب معاوية بن صالح لم يحتج به البخاري، إنما احتج به مسلم. قلت: قال أبوحاتم لا يحتج به، وكان يحيى بن سعيد لا يرضاه. وقال أبوإسحاق الفزاري: ما كان بأهل أن يروي عنه. ووثقه أحمد وابن معين وعبد الرحمن بن مهدي وأبوزرعة والنسائي والعجلي والبزار وابن حبان، وأخرج له مسلم في صحيحه والتعديل مقدم على الجرح المبهم سيما إذا كان من متعنت فحديثه صحيح أو حسن لذاته. ٢١٩٤- قوله: (وعن كعب) هو كعب بن ماقع الحميري المعروف بكعب الأحبار من ثقات كبار التابعين مخضرم قد سبق ترجمته (إقرؤا سورة هود) يصرف ولا يصرف (يوم الجمعة) لم يذكر ثواب قراءتها لظهوره أو أشار إلى كثرته وعدم إحصاءه والله أعلم (رواه الدارمي) من طريق عبد الله بن رباح عن كعب وهو مرسل ونسبه السيوطي في الجامع الصغير إلى البيهقي في الشعب. وقال أخرجه عن كعب الأحبار مرسلاً. قال العزيزي: قال الحافظ ابن حجر مرسل صحيح الإسناد. ٢١٩٥- قوله: (أضاء له) أي في قلبه أو قبره أو يوم حشره في الجمع الأكبر قاله القاري (النور) قيل أي نور السورة أو نور أجرها. وقيل أي نور الهداية والإيمان والحمل على ظاهره أولى لعدم ما ينافيه عقلاً وشرعاً كما لا يخفى (ما بين الجمعتين) أي مقدار ما بينهما من الزمان. قال الطيبي: قوله "أضاء" له يجوز أن يكون لازماً وقوله "ما بين الجمعتين" ظرف فيكون إشراق ضوء النور فيما بين الجمعتين بمنزلة إشراق النور نفسه مبالغة ويجوز أن يكون متعدياً فيكون ما بين مفعولاً به وعلى الوجهين فسرت الآية فلما أضاءت ما حوله- انتهى. وقوله أضاء له النور كذا في النسخ الحاضرة من المشكاة ووقع عند الحاكم (ج٢ص٣٦٨) والبيهقي في سننه (ج٣ص٢٤٩) أضاء له من النور وهكذا نقله الجزري في الحصن والسيوطي في الجامع الصغير والشوكاني في تحفة الذاكرين وعلى المتقى في الكنز فالظاهر في نسخ المشكاة إن "ما بين" فاعل لأضاء على كونه لازماً ومفعول على كونه متعدياً. قال الشوكاني: معنى إضاءة النور له ما بين الجمعتين إنه لا يزال عليه أثرها وثوابها في جميع الأسبوع (رواه البيهقي في الدعوات الكبير) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج٢ص٣٦٨) من رواية نعيم بن حماد الخزاعي المروزي عن

стр. 3271

٢١٩٦- (٦٨) وعن خالد بن معدان، قال: ((اقرؤا المنجية وهي ألم تنزيل، فإنه بلغني أن رجلاً كان يقرأها ما يقرأ شيئاً غيرها، وكان كثير الخطايا، فنشرت ــ هشيم عن أبي هاشم يحيى بن دينار الرماني عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد الخدري ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (ج٣ص٢٤٩) قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الذهبي: نعيم ذو مناكير. قلت: نعيم بن حماد هذا من الحفاظ الكبار كان أحمد يوثقه وقال ابن معين: كان من أهل الصدق إلا أنه يتوهم الشيء فيخطئ فيه. وقال العجلي: ثقة. وقال أبوحاتم: صدوق. روى عنه البخاري مقروناً، وروى له مسلم في المقدمة موضعاً واحداً، وأصحاب السنن إلا النسائي. وقال النسائي: ضعيف. ونسبه أبوبشر الدولابي إلى الوضع وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصباً عليه لأنه كان شديداً على أهل الرأي. قال الحافظ: هذا هو الصواب. وقال في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً فقيه عارف بالفرائض. وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه. وقال باقي حديثه مستقيم والحديث عزاه المنذري في الترغيب للنسائي أيضاً ورواه الدارمي وسعيد بن منصور عن هشيم عن أبي هاشم بإسناده موقوفاً على أبي سعيد بلفظ: من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق، ورواه البيهقي في الشعب عن أبي سعيد بهذا اللفظ مرفوعاً. وروى النسائي في اليوم والليلة والطبراني في الأوسط والحاكم أيضاً (ج١ص٥٦٤) من طريق يحيى بن أبي كثير عن شعبه عن أبي هاشم بإسناده أن النبي ﷺ قال من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يسلط عليه الحديث. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي وقال الهيثمي (ج٧ص٥٣) بعد عزوه للطبراني ورجاله رجال الصحيح. قال الحاكم والبيهقي: وبمعناه رواه سفيان الثوري عن أبي هاشم فأوقفه. وقال النسائي بعد تخريجه: رفعه خطأ والصواب موقوفاً، ثم رواه من رواية الثوري وغندر عن شعبة موقوفاً ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١ص٢٣٩) وفي أسانيدهم كلها كما ترى أبوهاشم يحيى بن دينار الرماني والأكثرون بل كلهم على توثيقه. قال ابن عبد البر: اجمعوا على أنه ثقة. وروى أحمد (ج٣ص٤٣٩) وابن السني (ص٢١٧) والطبراني من حديث معاذ بن أنس إن رسول الله ﷺ قال: من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نوراً ما بين السماء والأرض وفي إسناده ابن لهيعة، وقد سبق الكلام فيه واختلف أيضاً في رفعه ووقفه. ٢١٩٦- قوله: (وعن خالد بن معدان) تقدم أنه تابعي (اقرؤا) أي في أول الليل كما يشعر به صنيع خالد وعمله (المنجية) أي من عذاب القبر وعقاب الحشر وقيل من عذاب الدنيا والآخرة (وهي ألم تنزيل) التي فيها آية السجدة (فإنه) أي الشأن (بلغني) قيل أي عن الصحابة فإنه لقي سبعين منهم (إن رجلاً) أي من هذه الأمة (كان يقرأها ما يقرأ شيئاً غيرها) أي لم يجعل لنفسه ورداً غيرها (فنشرت) أي بعد ما تصورت السورة أو

стр. 3272

جناحها عليه، قالت: رب اغفر له فإنه كان يكثر قرأتي، فشفعها الرب تعالى فيه، وقال: اكتبوا له بكل خطيئة حسنة، وارفعوا له درجة. ٢١٩٧- (٦٩) وقال أيضاً إنها تجادل عن صاحبها في القبر، تقول: ((اللهم إن كنت من كتابك فشفعني فيه، وإن لم أكن من كتابك فامحني عنه، وإنها تكون كالطير تجعل جناحها عليه فتشفع له، فتمنعه من عذاب القبر. وقال في تبارك مثله. وكان خالد لا يبيت حتى يقرأهما)) . ٢١٩٨- (٧٠) وقال طاووس: فضلتا ــ ثوابها على صورة طير (جناحها عليه) أي لتظله أو جناح رحمتها على الرجل القاري حماية له (قالت) بلسان القال وهو بدل بعض أو اشتمال من نشرت، لأن النشر مشتمل على الشفاعة الحاصلة بقولها رب اغفرلي (يكثر) من الإكثار (فشفعها) بالتشديد أي قبل شفاعتها (فيه) أي في حقه (بكل خطيئة) أي بدلها (حسنة) أي فضلاً وإحساناً وكرماً وإمتناناً. ٢١٩٧- قوله: (وقال) أي خالد (أيضاً) أي مثل قوله الأول موقوفاً (إنها) أي السورة ألم تنزيل (تجادل) أي تخاصم وتدفع غضب الرب وعذاب القبر (عن صاحبها) أي من يكثر قراءتها فإن صاحب الشيء ملازم له (تقول) بيان المجادلة (اللهم إن كنت) أي إذ كنت (من كتابك) أي القرآن المكتوب في اللوح المحفوظ (فشفعني فيه) بالتشديد أي فاقبل شفاعتي في حقه (وإن لم أكن من كتابك) أي على الفرض والتقدير (فامحني) بضم الحاء (عنه) أي عن كتابك فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. قال ابن حجر: ونظير ذلك تدلل بعض خواص الملك عليه بقوله إن كنت عبدك فشفعني في كذا وإلا فبعني. وقال الطيبي: هو كما يقول الأب لابنه الذي لم يراع حقه إن كنت لك أبا فراع حقي وإن لم أكن لك أباً فلن تراعي حقي- انتهى. ومراده إن المراعاة لازمة واقعة البتة فلا ترديد في الحقيقة، ولما كانت مراعاة حق الأب ألزم من مراعاة الابن لم يقل كما يقول الابن لأبيه مع أنه كان أظهر في المناسبة قاله القاري (وإنها) أي وقال خالد إنها (تكون) أي في القبر (كالطير تجعل جناحها عليه) حماية له وقيل لتظله (فتشفع) بسكون الشين وفتح الفاء (وقال) أي خالد (في تبارك) أي في فضيلة سورته (مثله) أي مثل ما قال في سورة السجدة (وكان) في سنن الدارمي فكان (لا يبيت) أي لا يرقد. ٢١٩٨- قوله: (وقال طاووس) أي ابن كيسان التابعي المشهور (فضلتا) بالتشديد أي سورة ألم تنزل

стр. 3273

على كل في سورة القرآن بستين حسنة)) . رواه الدارمي. ــ وسورة تبارك (على كل سورة في القرآن بستين حسنة) قال القاري: هذا لا ينافي الخبر الصحيح إن البقرة أفضل سور القرآن بعد الفاتحة، إذ قد يكون في المفضول مزية لا توجد في الفاضل أوله خصوصية بزمان أو حال كما لا يخفى على أرباب الكمال، أما ترى إن قراءة سبح والكافرون والإخلاص في الوتر أفضل من غيرها، وكذا سورة السجدة والدهر بخصوص فجر الجمعة أفضل من غيرهما، فلا يحتاج في الجواب إلى ما قاله ابن حجر إن ذاك حديث صحيح وهذا ليس كذلك انتهى كلام القاري. قال شيخنا في شرح الترمذي (ج٤ص٤٨) ما ذكره القاري من وجه الجمع بين هذين الحديثين لا ينفي الاحتياج إلى ما ذكر ابن حجر فتفكر- انتهى. وقيل: المراد تفضيلهما في الانجاء من عذاب القبر والمنع منه (رواه الدارمي) أي مقطوعاً يعني موقوفاً على التابعي من قوله ولكنه في حكم المرفوع المرسل فإن مثله لا يقال بالرأي. واعلم أن ما ذكره المصنف عن خالد بن معدان إنما هو حديثان، أحدهما قد تم على قوله درجة، ورواه الدارمي عن أبي المغيرة عن عبدة عن خالد بن معدان ورجاله لا بأس بهم، والثاني تم على قوله حتى يقرأهما، رواه الدارمي عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح الحضرمي عن أبي خالد عامر بن جشيب وبحير بن سعد عن خالد بن معدان به وعبد الله بن صالح المصري كاتب الليث صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة قاله في التقريب، وقول طاووس أثر ثالث رواه الدارمي وكذا ابن السني (ص٢١٧) من طريق ليث بن أبي سليم عن طاووس، وأخرجه الترمذي من هذا الطريق بلفظ: تفضلان على كل سورة من القرآن بسبعين حسنة. وليث بن أبي سليم. قال الحافظ: إنه صدوق اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه فترك، وكان الأولى أن يفصل المصنف بين الآثار الثلاثة ويقول في الآخر روى الأحاديث أو الآثار الثلاثة الدارمي كعادته في مثل هذا. وأما ما وقع في رواية الترمذي بسبعين فالظاهر أنه من تصحيف الناسخ والله أعلم يدل على ذلك إنه ذكره السيوطي في الدر بلفظ: بستين كما في المشكاة وعزاه للترمذي والدارمي وابن مردوية ويدل عليه أيضاً رواية ابن السني. وفي الباب عن ابن مسعود أخرجه الحاكم (ج٢ص٤٩٨) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي قال يؤتي الرجل في قبره فتوتي رجلاه ليس لكم على ما قبلي سبيل كان يقوم يقرأ بي سورة الملك ثم يؤتي من قبل صدره أو قال بطنه فيقول ليس لكم على ما قبلي سبيل كان يقرأ بي سورة الملك ثم يؤتي رأسه فيقول ليس لكم على ما قبلي سبيل كان يقرأ بي سورة الملك قال فهي المانعة تمنع من عذاب القبر وهي في التوراة سورة الملك من قرأها في ليلة، فقد أكثر وأطاب. وأخرجه النسائي مختصراً بلفظ: من قرأ ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ [الملك:١] كل ليلة منعه الله عزوجل بها من عذاب القبر، وكنا في عهد رسول الله ﷺ نسميها المانعة لأنها في كتاب الله عزوجل سورة المانعة من قرأها في كل ليلة فقد أكثر وأطاب.

стр. 3274

٢١٩٩- (٧١) وعن عطاء بن أبي رباح، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: ((من قرأ يس في صدر النهار قضيت حوائجه)) . رواه الدارمي مرسلاً. ٢٢٠٠- (٧٢) وعن معقل بن يسار المزني، أن النبي ﷺ قال: ((من قرأ يس ابتغاء وجه الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه، فاقرأوها عند موتاكم)) . رواه البيهقي في شعب الإيمان. ٢٢٠١- (٧٣) وعن عبد الله بن مسعود، أنه قال: ((إن لكل شي سناماً، وإن سنام القرآن سورة البقرة، ــ ٢١٩٩- قوله: (وعن عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء والموحدة وعطاء هذا من مشاهير التابعين تقدم ترجمته (من قرأ يس) بالسكون (في صدر النهار) أي أوله (قضيت حوائجه) أي دينية ودنيوية أو آخرة أو مطلقاً وهو الأظهر (رواه الدارمي مرسلاً) رجال إسناده ثقات إلا شجاع بن الوليد بن قيس السكوني وهو صدوق ورع له أوهام كذا في التقريب وفي الباب عن ابن عباس عند أبي الشيخ بلفظ: من قرأ يس ليلة ضعف على غيرها من القرآن عشراً، ومن قرأها في صدر النهار وقدمها بين يدي حاجته قضيت. ٢٢٠٠- قوله: (وعن معقل) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر القاف (بن يسار) بفتح التحتية (المزني) بضم الميم وفتح الزاي (ابتغاء وجه الله) أي طلباً لرضاه لا غرضاً سواه. وقال المناوي أي ابتغاء النظر إلى وجه الله تعالى في الآخرة أي لا للنجاة من النار ولا للفوز بالجنة، ويؤيد الأول رواية أحمد والنسائي وغيرهما بلفظ: يس قلب القرآن ولا يقرأها رجل يريد بها الله والدار الآخرة إلا غفر له فاقرؤها على موتاكم (غفر له ما تقدم من ذنبه) أي الصغائر وكذا الكبائر إن شاء قاله القاري (فاقرؤها عند موتاكم) أي من حضره الموت قال الطيبي: الفاء جواب شرط محذوف أي إذا كانت قراءة يس بالإخلاص تمحو الذنوب فاقرؤها عند من شارف الموت حتى يسمعها ويجريها على القلب فيغفر له ما قد سلف (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وأخرجه نحوه أحمد والنسائي وغيرهما كما تقدم، وفي الباب عن جندب بن عبد الله عند ابن حبان وغيره وعن أبي هريرة عند الدارمي وابن السني (ص٢١٧) والطبراني والبيهقي والعقيلي وغيرهم. ٢٢٠١- قوله: (إن لكل شي سناماً) بفتح السين أي علواً ورفعة مستعار من سنام البعير، ثم كثر استعماله فيها حتى صار مثلاً (وإن سنام القرآن سورة البقرة) إما لطولها واحتوائها على أحكام كثيرة أو لما فيها

стр. 3275

وإن لكل شي لباباً، وإن لباب القرآن المفصل)) . رواه الدارمي. ٢٢٠٢- (٧٤) وعن علي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لكل شي عروس، وعروس القرآن الرحمن)) . ٢٢٠٣- (٧٥) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً)) . ــ من الأمر بالجهاد وبه الرفعة الكبيرة قاله القاري. وقال الشوكاني: سنام الشيء أعلاه فالمعنى إن سورة البقرة أعلى القرآن وأرفعه قيل: والمراد بكونها سناماً للقرآن إنها جمعت من الأحكام ما لم يجمعه غيرها. وقيل لطولها طولاً يزيد على كل سورة من سور القرآن. والظاهر أن هذه الفضيلة لها ثابتة من غير نظر إلى طولها أو جمعها لكثير من الأحكام ولهذا كان أخذها بركة وكان الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه (وإن لكل شي) أي مما يصح أن يكون له لب (لباباً) بضم اللام أي خلاصة هي المقصودة منه. قال الدارمي اللباب الخالص (وإن لباب القرآن المفصل) لأنه فصل فيها ما أجمل في غيره وهو من الحجرات إلى آخر القرآن على المشهور (رواه الدارمي) أي موقوفاً وأخرجه أيضاً الطبراني وفي سندهما عاصم بن بهدلة المقريء وهو صدوق له أوهام حجة في القراءة وحديثه في الصحيحين مقرون قاله الحافظ في التقريب. وقال الهيثمي بعد عزو الحديث للطبراني: وفيه عاصم ابن بهدلة وهو ثقة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح- انتهى. وأخرجه الحاكم (ج١ص٥٦١) وفيه أيضاً عاصم بن بهدلة وليس فيه ذكر لباب القرآن وفي الباب عن أبي هريرة عند الترمذي والحاكم (ج١ص٥٦٠) وليس فيه أيضاً ذكر لباب القرآن وعن معقل بن يسار عند أحمد والطبراني كما في الكنز وليس فيه أيضاً ذكر تلك الجملة. ٢٠٢٢- قوله: (لكل شي) أي مما يصح أن يكون له عروس (عروس) أي جمال وزينة وحسن وبهاء (وعروس القرآن الرحمن) وذلك لتكرر قوله ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ [الرحمن: ١٣] قاله في اللمعات. وقال القاري: لاشتمالها على النعماء الدنيوية والآلاء الأخروية ولاحتوائها على أوصاف الحور العين التي من عرائس أهل الجنة ونعوت حليهن وحللهن. وقال الطيبي: العروس يطلق على الرجل والمرأة عند دخول أحدهما على الآخر وأراد الزينة فإن العروس تحلى بالحلي وتزين بالثياب أو أراد الزلفى إلى المحبوب والوصول إلى المطلوب. وقال الحفني: العروس مما يستوي فيه المذكر والمؤنث فشبه سورة الرحمن بالعروس بجامع الحسن والميل والطرب بكل فإن العارف إذا قرأ سورة الرحمن وتذكر النعم المكررة فيها حصل له الطرب بقدر مقامه وصفاء باله. ٢٢٠٣- قوله: (لم تصبه فاقة) أي حاجة وفقر (أبدأ) قال القاري: أي لم يضره فقر لما يعطي من

стр. 3276

وكان ابن مسعود يأمر بناته يقرأن بها في كل ليلة)) رواهما البيهقي في شعب الإيمان. ٢٢٠٤- (٧٦) وعن علي، قال: ((كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ )) . رواه أحمد. ــ الصبر الجميل والوعد الجزيل أو لم يصبه فقر قلبي لما يعطي من سعة القلب والمعرفة بالرب والتوكل والاعتماد عليه وتسليم النفس وتفويض الأمر إليه لما يستفيد من آيات هذه السورة سيما ما يتعلق فيها بخصوص ذكر الرزق من قوله تعالى: ﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾ [الواقعة: ٦٣] وقوله عزوجل: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة:٨٢]- انتهى. وقال في اللمعات: قد حض الشارع على بعض العبادات المؤثرة في الأمور الدنيوية التي حصولها ممد ومعين على الدين وأمور الآخرة وليكونوا مشغولين بالعبادة على أي وجه كان فذلك يورث المحبة بها ومحبتها تفضى إلى محبة من أتى بها لأن محبة المنعم جبلية، ومن هذه الجهة إمتنانه تعالى بقوله: ﴿أمدكم بأنعامٍ وبنين وجناتٍ وعيون﴾ [الشعراء: ١٣٣- ١٣٤] وأمثال ذلك (في كل ليلة) وفي بعض النسخ كل ليلة أي بإسقاط في (رواهما) أي الحديثين (البيهقي) حديث على لم أقف على سنده ولا على من خرجه غير البيهقي. وقال العزيزي: إسناده حسن وحديث ابن مسعود أخرجه أيضاً ابن السني (ص٢١٨) ونسبه السيوطي في الإتقان (ج٢ص١٦٥) للبيهقي والحارث ابن أبي أسامة وأبي عبيد وإسناد ابن السني حسن. ٢٢٠٤- قوله: (كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة) سورة ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال القاري أي محبة زائدة وهي نظير ما ورد في سورة الفتح هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس رواه البخاري وغيره عن عمر مرفوعاً فزيادة المحبة في الفتح لما فيها من البشارة بالفتح والإشارة بالمغفرة، وفي هذه السورة لاشتمالها على تيسير الأمور في كل معسور بقوله ﴿ونيسرك لليسرى﴾ وكان ﷺ يواظب على قراءتها في أول ركعات الوتر وقراءة الإخلاصين في الركعتين الأخريين، ويمكن أن يكون محبته ﷺ لها لما فيها من قوله: ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ [الأعلى: ١٨- ١٩] وهو شاهد على كون القرآن حقاً وحجة على المشركين وأهل الكتاب (رواه أحمد) (ج١ص٩٦) من طريق ثوير بالمثلثة مصغراً ابن أبي فاختة عن أبيه عن على وثوير ضعيف متروك، فالحديث ضعيف الإسناد جداً. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٧ص٣٦) بعد ذكره رواه أحمد وفيه ثوير بن أبي فاختة وهو متروك وذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره وقال تفرد به أحمد ولم يعله وعلى المتقى في كنز العمال ونسبه أيضاً للبزار والدورقي وابن مردويه وأعله بثوير بن أبي فاختة.

стр. 3277

٢٢٠٥- (٧٧) وعن عبد الله بن عمرو، قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال أقرؤني يا رسول الله! فقال: ((اقرأ ثلاثاً من ذوات (الرا) فقال: كبرت سني، واشتد قلبي، وغلظ لساني: فقال: فاقرأ ثلاثاً من ذوات (حم) فقال مثل مقالته، قال الرجل: يا رسول الله! اقرءني سورة جامعة، فاقرأه رسول الله ﷺ ﴿إذا زلزلت﴾ ــ ٢٢٠٥- قوله: (أتى رجل) لم يسم وفي رواية مختصرة من حديث أنس ذكره الجزري في جامع الأصول وعزاه لرزين. قال أي أنس بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه إعرابي (أقرئني) بفتح الهمزة وكسر الراء من الإقراء أي علمني (إقرأ ثلاثاً) أي ثلاث سور (من ذوات الرا) بغير المد وهي رواية أحمد لكن بإفراد لفظه ذات بدل ذوات، وفي بعض النسخ من المشكاة من ذوات الراء بالمد والهمزة وهي رواية أبي داود والحاكم وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٥ص٣٦٦) أي من السورة التي تبدأ بهذه الحروف الثلاثة التي تقرأ مقطعة ألف، لام، را، والذي في القرآن منها خمس سور هي مع أرقام ترتيبها في المصحف ١٠يونس، ١١هود، ١٢يوسف، ١٤إبراهيم، ١٥الحجر (كبرت) بضم الباء وتكسر (سني) أي كثر عمري (واشتد قلبي) أي غلب عليه قلة الحفظ وكثرة النسيان (وغلظ) بضم اللام (لساني) أي ثقل بحيث لم يطاوعني في تعلم القرآن لا تعلم السور الطوال (قال) فإن كنت لا تستطيع قراءتهن (فاقرأ ثلثاً من ذوات حم) فإن اقصر ذوات حم اقصر من ذوات الرا وفي المسند من ذات حم أي من السور التي تبدأ بهذين الحرفين حا، ميم، وهي في القرآن سبع سور، ٤٠ غافر، ٤١ فصلت، ٤٢ الشورى، ٤٣ الزخرف، ٤٤ الدخان، ٤٥ الجاثية، ٤٦ الأحقاف، (فقال) الرجل (مثل مقالته) الأولى ووقع عند أحمد وأبي داود وغيرهما بعد ذلك، فقال إقرأ ثلثاً من المسبحات فقال مثل مقالته، والمراد من المسبحات السورة التي تبدأ بمادة التسبيح وهي سبع سور، ١٧ الإسراء ٥٧ الحديد ٥٩الحشر، ٦١ الصف، ٦٢ الجمعة، ٦٤ التغابن، ٨٧الأعلى، (أقرئني سورة جامعة) أي بين وجازة المباني وغزارة المعاني أو للمطالب الدنيوية والأخروية والثواب والعقاب على سبيل الإيجاز (فاقرأه رسول الله ﷺ إذا زلزلت) كأنه طلبه لما يحصل به الفلاح إذا عمل به فلذلك قال سورة جامعة، وفي هذه السورة آية زائدة لا مزيد عليها ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ [الزلزال: ٨] والآية ولأجل هذا الجمع الذي لا حد له قال ﷺ حين سئل عن الحمر الأهلية لم ينزل على فيها شي إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ وبيان ذلك

стр. 3278

حتى فرغ منها، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليه أبداً ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ : أفلح الرويجل مرتين)) . رواه أحمد، وأبوداود. ــ إنها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها كقوله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبةٍ من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء: ٤٧] (حتى فرغ منها) أي النبي أو الرجل (فقال الرجل) هذا لفظ أبي داود وعند أحمد حتى إذا فرغ منها قال الرجل (والذي بعثك بالحق لا أزيد عليه أبداً) أي على العمل بما دل عليه ما أقرأتينه من فعل الخير وترك الشر ولعل القصد بالحلف تأكيد العزم لا سيما بحضوره ﷺ الذي بمنزلة للبايعة والعهد. قال الطيبي: فكأنه قال حسبي ما سمعت ولا أبالي أن لا أسمع غيرها وقوله: "لا أزيد عليه" كذا في النسخ الحاضرة من المشكاة والذي في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود "لا أزيد عليها" وهكذا وقع في رواية الحاكم وابن السني وكذا نقله الجزري في جامع الأصول وفي الحصن والحافظ ابن كثير في تفسيره والشوكاني في فتح القدير (ثم أدبر الرجل) أي ولى دبره وذهب (أفلح) أي فاز وظفر بالمطلوب (الرويجل) تصغير رجل. قال في اللسان: وتصغيره رجيل ورويجل على غير قياس حكاه سيبويه، وفي التهذيب تصغير الرجل رجيل وعامتهم يقولون رويجل صدق ورويجل سوء على غير قياس يرجعون أي الراجل كذا حكاه الشيخ أحمد محمد شاكر في شرح مسند الإمام أحمد. قال الطيبي: هو تصغير تعظيم لعبد غوره وقوة إدراكه وهو تصغير شاذ إذ قياسه رجيل (مرتين) إما للتأكيد أو مرة للدنيا ومرة للآخرة. وقيل: لشدة إعجابه ﵊ منه وقوله: "قال أفلح الرويجل مرتين كذا في سنن أبي داود وعند أحمد وكذا ابن السني قال أفلح الرويجل أفلح الرويجل أي وقع مكرراً وهكذا ذكره الشوكاني (رواه أحمد) (ج٢ص١٦٩) (وأبو داود) في أواخر الصلاة وأخرجه أيضاً الحاكم (ج٢ص٥٣٦) وابن السني (ص٢١٩) وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص٢٥٨- ٢٥٩) وابن حبان في صحيحه كما ذكره الشيخ أحمد محمد شاكر في شرح المسند ونسبه المنذري في مختصر السنن والحافظ ابن كثير في تفسيره والجزري في الحصن والشوكاني في فتح القدير (ج٥ص٤٦٥) للنسائي أيضاً ونسبه أيضاً الشوكاني لمحمد بن نصر والطبراني وابن مردويه والبيهقي، والحديث إسناده صحيح سكت عليه أبوداود والمنذري. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين واستدرك عليه الذهبي فقال "بل صحيح" قال الشيخ أحمد شاكر: يريد أنه صحيح ولكن ليس على شرطهما، وهو كما قال فإن عياش بن عباس روى له مسلم فقط وعيسى بن هلال (راوي الحديث عن عبد الله بن عمرو) لم يرو له واحد منهما.

стр. 3279

٢٢٠٦- (٧٨) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم؟ قالوا: ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية في كل يوم؟ قال: أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهكم التكاثر؟)) رواه البيهقي في شعب الإيمان. ٢٢٠٧- (٧٩) وعن سعيد بن المسيب، مرسلاً، عن النبي ﷺ قال: ((من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ عشر مرات بنى له بها قصر في الجنة، ومن قرأ عشرين مرة بنى له بها قصران في الجنة، ومن قرأها ثلثين مرة بنى له بها ثلاثة قصور في الجنة. فقال عمر بن الخطاب: والله يا رسول الله إذاً لنكثرن قصورنا. ــ ٢٢٠٦- قوله: (قالوا ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية في كل يوم) أي لا يستطيع كل أحد هذه القراءة على طريق المواظبة (قال أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهكم التكاثر) أي إلى آخرها، أو هذه السورة فإنها كقراءة ألف آية في الثواب أو في التزهيد عن الدنيا والترغيب في علم اليقين بالعقبى (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١ص٥٦٦- ٥٦٧) من طريق حفص بن ميسرة عن عقبة بن محمد بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. قال الحاكم: رواة هذا الحديث كلهم ثقات وعقبة هذا غير مشهور وذكر الذهبي في تلخيص المستدرك والحافظ في اللسان (ج٤ص١٧٩) كلام الحاكم، هذا وأقواه والحديث ذكره المنذري في الترغيب ونسبه للحاكم وقال رجال إسناده ثقات إلا أن عقبة لا أعرفه. ٢٢٠٧- قوله: (وعن سعيد بن المسيب) التابعي الكبير المشهور (مرسلاً) بحذف الصحابي، وقد تقدم أن مراسيل سعيد بن المسيب أصح المرسلات على ما ذكره عن السيوطي الإمام أحمد. وقال الحاكم في علوم الحديث (ص٢٥- ٢٦) أصح المراسيل كما قال ابن معين مراسيل ابن المسيب، لأنه من أولاد الصحابة وأدرك العشرة وفقيه أهل الحجاز وأول الفقهاء السبعة الذين يعتد مالك بإجماعهم كإجماع كافة الناس، وقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره. (ومن قرأها) أي السورة (ثلاثين مرة بنى له ثلاثة قصور في الجنة) لعله كور ليعلم إن كل ما زاد من الأعداد زيد له من الإمداد (إذاً) بالتنوين جواب وجزاء فيه معنى التعجب (لنكثرن) من الإكثار (قصورنا) قال الطيبي: أي إذا كان الأمر على ما ذكرت من أن جزاء عشر مرات قصر في الجنة فأنا نكثر قصورنا بكثرة قراءة هذه السورة فلا حد للقصور

стр. 3280

فقال رسول الله ﷺ : الله أوسع من ذلك)) . رواه الدارمي. ٢٢٠٨- (٨٠) وعن الحسن، مرسلاً، أن النبي ﷺ قال: ((من قرأ في ليلة مائة آية لم يحاجه القرآن تلك الليلة، ومن قرأ في ليلة مائتي آية كتب له قنوت ليلة، ومن قرأ في ليلة خمسمائة إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر. ــ حينئذٍ ولا أوسع من الجنة شي (فقال رسول الله ﷺ أوسع) أي أكثر عطاء (من ذلك) أو قدرته ورحمته أوسع فلا تعجب. وقال في اللمعات: الظاهر أن يكون غرض عمر ﵁ إظهار الميل والرغبة في تكثير الثواب كما يظهر من قوله إذا لنكثرن مع تضمنه شيئاً من الاستبعاد فيكون الجواب إن ثواب الله وفضله ورحمته أوسع فارغبوا فيه ولا تستعبدوه. وكلام الطيبي منحصر في التعجب والاستبعاد وما ذكرنا أظهر فتدبر- انتهى. (رواه الدارمي) عن عبد الله بن يزيد عن حيوة عن أبي عقيل زهرة بن معبد. قال الدارمي: وكان من الإبدال أنه سمع سعيد بن المسيب يقول إن نبي الله ﷺ قال من قرأ إلخ. قال الحافظ ابن كثير بعد ذكره: وهذا مرسل جيد- انتهى. وروى الإمام أحمد (ج٣ص٤٣٧) وابن السني (ص٢٢١) من طريق ابن لهيعة عن زبان بن فائد عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة، فقال عمر إذا نستكثر يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ أكثر وأطيب، وابن لهيعة فيه كلام وزبان ضعيف فالحديث ضعيف ولهذا صدره المنذري في الترغيب بلفظه روى. ٢٢٠٨- قوله: (وعن الحسن) أي البصري (مرسلاً) لأنه تابعي حذف الصحابي (من قرأ في ليلة مائة آية يحاجه القرآن) بتشديد الجيم من المحاجة وهي المخاصمة أي لم يخاصمه في تقصيره (تلك الليلة) أي من جهتها. وقال في اللمعات: أي لم يأخذه الله ولم يسأله عن أداء حق القرآن في تلك الليلة يعني إن قراءة هذا القدر من القرآن في ليلة تكفي في دفع مخاصمة القرآن وأداء حقه في تلك الليلة. وقيل: المراد به الحث على قيام الليل. وعليه يدل صنيع المنذري في الترغيب والهيثمي في مجمع الزوائد حيث أوردا أمثال هذا الحديث في باب صلاة الليل وتقدم حديث عبد الله بن عمرو مختصراً بنحو ذلك في الفصل الثاني من باب صلاة الليل (قنوت ليلة) أي طاعتها أو قيامها (أصبح وله قنطار) أي ثواب بعدده أو بوزنه (من الأجر) قال في اللمعات: القنطار وزن أربعين أوقية من ذهب أو ألف ومائتا دينار أو ملأ مسك الثور ذهباً أو فضة كذا في القاموس، والمقصود المبالغة في كثرة الثواب والمناسب حمله على المعنى الأخير. قلت: ويؤيده ما وقع في حديث أبي سعيد الخدري عند الدارمي من قوله

стр. 3281

قالوا: وما القنطار؟ قال: اثنا عشر ألفاً)) . رواه الدارمي. (١) باب ﴿الفصل الأول﴾ ٢٢٠٩- (١) عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعاهدوا القرآن ــ القنطار ملء مسك الثور ذهباً (قالوا) أي الصحابة (وما القنطار قال) أي النبي ﷺ ويحتمل أن يكون ضمير قالوا لأصحاب الحسن وضمير قال للحسن (اثنا عشر ألفاً) أي ديناراً، وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعاً القنطار اثنا عشر ألف أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض، وروى الطبراني عن أبي أمامة مثله. (رواه الدارمي) عن أبي النعمان عن وهب عن يونس عن الحسن أن نبي الله ﷺ قال من قرأ في ليلة إلخ. وقد سبق الكلام في مراسيل الحسن البصري وذكرنا هناك أن الإمام أحمد قال: إنها من أضعف المراسيل. وقال العراقي: مراسيل الحسن عندهم شبه الريح. وقال ابن المديني: مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها. وقال أبوزرعة: كل شي. قال الحسن: قال رسول الله ﷺ وجدت له أصلاً ثابتاً ما خلا أربعة أحاديث. وقال يحيى بن سعيد القطان: ما قال الحسن في حديثه، قال رسول الله ﷺ : إلا وجدنا له أصلاً إلا حديثاً أو حديثين. قال الحافظ: ولعله أراد ما جزم به الحسن. قلت: والحديث المذكور ههنا مما رواه عنه الثقة وأيضاً قد جزم به الحسن حيث قال: قال نبي الله ﷺ فالظاهر إن مرسله هذا ليس من مراسيله التي لا أصل لها. ويؤيده ما ورد في الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي أمامة وأبي هريرة وأنس وأبي الدرداء وتميم الداري وفضالة بن عبيد وعبد الله بن مسعود مرفوعاً وموقوفاً بنحو ذلك بألفاظ وطرق مختصراً ومطولاً من شاء الوقوف عليها رجع إلى الترغيب للمنذري ومجمع الزوائد وعمل اليوم والليلة لابن السني والسنن للدارمي. (باب) بالتنوين ويسكن وهو في توابع فضائل القرآن من الأحكام التي مراعاتها من الفواضل وغير ذلك، ووقع في بعض النسخ باب آداب التلاوة ودروس القرآن. ٢٢٠٩- قوله: (تعاهدوا القرآن) مثل تعهدوه أي تفقدوه وراعوه بالمحافظة وواظبوا على قراءته وداوموا على تكرار دراسته لئلا ينسى. قال التوربشتي: العهد والتعاهد هو التحفظ بالشيء وتجديد العهد به، ومعناه

стр. 3282

فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عقلها)) متفق عليه. ٢٢١٠- (٢) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بئس ما لأحدهم ــ ههنا التوصية بتجديد العهد بقراءته لئلا يذهب عنه (لهو) اللام لتوكيد القسم أي القرآن (أشد تفصياً) بفتح الفاء وكسر الصاد المهملة المشددة وتخفيف التحتية بعدها منصوب على التمييز أي أسرع تفلتاً وتخلصاً وذهاباً وخروجاً. قال التوربشتي: التفصى من الشيء التخلص منه تقول تَفَصَّيت من الديون إذا خرجت منها (من الإبل في عقلها) وفي رواية بعقلها وفي أخرى من عقلها وهي بضمتين ويجوز سكون القاف جمع عقال بكسر أوله ككتب وكتاب وهو الحبل الذي يشد به ذراع البعير، يقال عقلت البعير أعقله عقلاً إذا ثنيت وظيفة إلى ذراعه فتشدهما جميعاً في وسط الذراع وذلك الحبل هو العقال، والمعنى إن صاحب القرآن إذا لم يتعهده بتلاوته والتحفظ به والتذكر حالاً فحالاً كان أشد ذهاباً من الإبل إذا تخلصت من العقال فإنها تنفلت حتى لا تكاد تلحق. قال القرطبي: من رواه من عقلها فهو على الأصل الذي يقتضيه التعدي من لفظ التفصي ومن رواه بالباء أو بكلمة "في" يحتمل أن يكون بمعنى "من" أو بمعنى الظرف أو بمعنى المصاحبة يعني مع عقلها. والحاصل تشبيه من يتفلت منه القرآن بالناقة التي تفلتت من عقالها وبقيت متعلقة به كذا قال، والتحرير إن التشبيه وقع بين ثلاثة بثلاثة فحامل القرآن شبه بصاحب الناقة، والقرآن بالناقة والحفظ بالربط. قال الطيبي: ليس بين القرآن والناقة مناسبة لأنه قديم وهي حادثة لكن وقع التشبيه في المعنى. وفي هذا الحديث وكذا في الحديث الذي يليه زيادة على حديث ابن عمر الآتي بعدهما، لأن في حديث ابن عمر تشبيه أحد الأمرين بالآخر وفي هذا إن هذا أبلغ في النفور من الإبل لأن من شأن الإبل تطلب التفلت ما أمكنها فمتى لم يتعاهدها صاحبها برباطها تفلتت فكذلك حافظ القرآن إذا لم يتعاهده تفلت بل هو أشد في ذلك. وقال ابن بطال: هذا الحديث يوافق الآيتين قوله تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ [المزمل: ٥] وقوله: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ [القمر: ١٧] فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسر له ومن أعرض عنه تفلت منه. قال الطيبي: وإنما كان كذلك لأن القرآن ليس من كلام البشر بل هو من كلام خالق القوي والقدر وليس بينه وبين البشر مناسبة قريبة لأنه حادث وهو قديم لكن الله بلطفه العميم وكرمه القديم من عليهم ومنحهم هذه النعمة العظيمة فينبغي له أن يتعاهده بالحفظ والمواظبة عليه ما أمكنه فقد يسره تعالى للذكر وإلا فالطاقة البشرية تعجز قواها عن حفظه. وفيه وفي حديثي ابن مسعود وابن عمر الحض على محافظة القرآن بدوام دراسته وتكرار تلاوته وضرب الأمثال لإيضاح المقاصد (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤ص٣٩٧، ٤١١) . ٢٢١٠- قوله: (بئس ما) "ما" نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس (لأحدهم) أي لأحد الناس

стр. 3283

أن يقول نسيت آية كيت وكيت. بل نسي، ــ (أن يقول) هو المخصوص بالذم كقوله تعالى: ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله﴾ [البقرة: ٩٠] أي بئس الشيء شيئاً كائناً لأحدهم قوله (نسيت) بفتح النون وكسر السين مخففة (آية كيت وكيت) أي آية كذا وكذا وهو بفتح التاء على المشهور وحكى الجوهري فتحها وكسرها عن أبي عبيدة. قال القرطبي: كيت وكيت يعبر بهما عن الجمل الكثيرة، والحديث الطويل. وأطلق ههنا باعتبار كون الآية مشتملة على مضمون جملة وإلا فالظاهر آية كذا وكذا (بل نسى) بضم النون وتشديد المهملة المكسورة. قال القرطبي: رواه بعض رواة مسلم مخففاً. قال الحافظ: وكذا هو في مسند أبي يعلى وكذا أخرجه ابن أبي داود في كتاب الشريعة من طرق متعددة مضبوطة بخط موثوق به على كل سين علامة التخفيف. قلت: (قائله الحافظ) والتثقيل هو الذي وقع في جميع الروايات في البخاري وكذا في أكثر الروايات في غيره ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في الغريب بعد قوله كيت وكيت ليس هو نسى ولكنه نسى الأول بفتح النون وتخفيف السين، والثاني بضم النون وتثقيل السين. قال الخطابي: نُسيّ يعني عوقب بالنسيان على ذنب كان منه أو على سوء تعهده بالقرآن حتى نسيه. وقال القرطبي: التثقيل معناه إنه عوقب بوقوع النسيان عليه لتفريطه في معاهدته واستذكاره قال: ومعنى التخفيف إن الرجل ترك غير ملتفت إليه وهو كقوله: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] أي تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة. وقال في اللمعات: بئس ما لأحدهم الخ أي بئس شيئاً كائناً لأحدهم قوله نسيت آية "كيت وكيت" فإنه يشعر بتركه وعدم مبالاته بها بل يقول نسي بلفظ المجهول من التفعيل تحسُّراً أو إظهاراً للخذلان على تقصيره في إحراز هذه السعادة وحفظها أو تحرزاً عن التصريح بارتكاب المعصية وتأدباً مع القرآن العظيم- انتهى. وأعلم أنه اختلف في متعلق الذم من قوله بئس على أوجه ذكرها الحافظ في الفتح وأرجحها عنده إن سبب الذم ما فيه من الأشعار بعدم الاعتناء بالقرآن إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بالتلاوة والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال الإنسان نسيت الآية الفلانية فكأنه شهد على نفسه بالتفريط فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد لأنه الذي يورث النسيان. وقال عياض: أولى ما يتأول عليه الحديث ذم الحال لا ذم القول أي بئست الحالة حالة من حفظ القرآن فغفل عنه حتى نسيه. وقد عقد البخاري في صحيحه باب نسيان القرآن وهل يقول نسيت آية كذا وكذا، ثم أورد فيه حديث عائشة قالت: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يقرأ في سورة بالليل فقال يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا. قال الحافظ: وفي رواية معمر عن هشام عند الإسماعيلي كنت نسيتها بفتح النون ليس قبلها همزة. ثم ذكر البخاري حديث ابن مسعود هذا الذي نحن في شرحه. قال الحافظ: كأنه يريد أي بهذه الترجمة إن النهي عن قول نسيت آية كذا وكذا ليس للزجر عن هذا اللفظ بل للزجر عن تعاطي أسباب النسيان المقتضية لقول هذا اللفظ. ويحتمل أن ينزل المنع

стр. 3284

واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم)) . متفق عليه، وزاد مسلم بعقلها. ٢٢١١- (٣) وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ((إنما مثل صاحب القرآن ــ والإباحة عن حالتين فمن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر ديني كالجهاد لم يمتنع عليه قول ذلك، لأن النسيان لم ينشأ عن إهمال أمر ديني وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذلك عن النبي ﷺ من نسبة النسيان إلى نفسه ومن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دنيوي ولا سيما إن كان محظوراً امتنع عليه لتعاطيه أسباب النسيان- انتهى. وقال النووي: في حديث ابن مسعود كراهة قوله "نسيت" آية كذا، وهي كراهة تنزيه وإنه لا يكره قوله "أنسيتها" وإنما نهى عن نسيتها لأنه يتضمن التساهل فيها والتغافل عنها وقال الله تعالى: ﴿أتتك آياتنا فنسيتها﴾ [طه: ١٢٦] (واستذكروا القرآن) السين للمبالغة أي واظبوا على تلاوته واطلبوا من أنفسكم المذاكرة والمحافظة به. قال الطيبي: وهو عطف من حيث المعنى على قوله بئس ما لأحدهم أي لا تقصروا في معاهدته واستذكروه وفي رواية مسلم استذكروا بغير واو (فإنه) وفي رواية مسلم فهو (أشد تفصياً) أي تفلُّتاً وتشرُّداً (من صدور الرجال) من متعلق بتفصياً وتخصيص الرجال بالذكر لأن حفظ القرآن من شأنهم (من النعم) بفتحتين. قال النووي: النعم أصلها الإبل والبقرة والغنم والمراد هنا الإبل خاصة لأنها التي تعقل- انتهى. وهو متعلق "بأشد" أي أشد من تفصي النعم المعقلة (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص٣٨١- ٤١٧- ٤٢٣- ٤٢٩، ٤٣٨- ٤٤٩- ٤٦٣) والترمذي في القراءات والنسائي وغيرهم (وزاد مسلم بعقلها) بضمتين ووقعت هذه الزيادة عند أحمد والترمذي أيضاً لكن عند الترمذي بلفظ: من عقله، وكذا عند مسلم في الموقوف، ولأحمد في رواية من عقلها وفي أخرى بعقله أو من عقله. قال النووي: المراد برواية الباء من كما في قوله تعالى: ﴿عيناً يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦] على أحد القولين في معناها، وقوله "عقله" صحيح أيضاً أي لأن النعم تذكر وتؤنث. ٢٢١١- قوله: (إنما مثل صاحب القرآن) أي مع القرآن والمراد بالصاحب الذي ألفه. قال عياض: المؤالفة المصاحبة وهو كقوله أصحاب الجنة وقوله "ألفه" أي ألف تلاوته وهو أعم من أن يألفها نظراً من المصحف أو عن ظهر قلب فإن الذي يداوم على ذلك يذل له لسانه ويسهل عليه قراءته فإذا هجره ثقلت عليه القراءة وشقت عليه وقوله "إنما" يقتضي الحصر على الراجح لكنه حصر مخصوص بالنسبة إلى الحفظ والنسيان بالتلاوة والترك (كمثل صاحب الإبل المعقلة) أي مع إبله المعقلة. والمعقلة بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد القاف المفتوحة أي المشدودة بالعقال شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد والهروب فما زال التعاهد موجوداً فالحفظ موجود كما أن البعير ما دام مشدوداً بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر

стр. 3285

كمثل صاحب الإبل المعلقة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت)) . متفق عليه. ٢٢١٢ - (٤) وعن جندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اقرؤا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه)) . متفق عليه. ٢٢١٣- (٥) وعن قتادة، قال: سئل أنس ــ لأنها أشد الحيوان الأنسي نفوراً وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة (إن عاهد عليها) أي تعهدها ولازمها (أمسكها) أي استمر إمساكه لها يعني أبقاها على نفسه (وإن أطلقها) أي أرسلها وحلها من عقلها (ذهبت) أي انفلتت، وفي رواية ابن ماجه إن تعاهدها صاحبها بعقلها أمسكها عليه، وإن أطلق عقلها ذهبت. وفي رواية لمسلم وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإن لم يقم به نسيه. وفي الحديث حض على درس القرآن وتعاهده (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص١٧- ٢٣- ٣٠- ٣٦- ٦٤- ١١٢) ومالك في أواخر الصلاة والنسائي وابن ماجه في ثواب القرآن. ٢٢١٢- قوله: (اقرؤا القرآن) أي داوموا على قراءته (ما ائتلفت) أي اجتمعت (عليه قلوبكم) أي ما دامت قلوبكم تألف القراءة (فإذا اختلفتم) بأن صارت قلوبكم في فكرة شيء سوى قراءتكم وصارت القراءة باللسان مع غيبة الجنان يعنى صار القلب مخالفاً للسان (فقوموا عنه) أي أتركوا قراءته حتى ترجع قلوبكم. قال الطيبي: قوله "اقرؤا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم إلخ" يعني اقرؤا على نشاط منكم وخواطركم مجموعة فإذا حصل لكم ملالة وتفرق القلوب فاتركوه فإنه أسلم من أن يقرأ أحد من غير حضور القلب يقال. قام بالأمر إذا جد فيه وداوم عليه وقام عن الأمر إذا تركه وتجاوز عنه. ويحتمل كما في الفتح أن يكون المعنى اقرؤا وألزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف أي أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق فاتركوا القراءة وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة، قال: وهو كقوله ﷺ فإذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه منه فاحذروهم، قال ويحتمل أنه نهى عن القراءة إذا وقع الاختلاف في كيفية الأداء بأن يتفرقوا عند الاختلاف ويستمر كل منهم على قراءته، ومثله ما تقدم عن ابن مسعود لما وقع بينه وبين الصحابيين الأخرين الاختلاف في الأداء فترافعوا إلى النبي ﷺ فقال: كلكم محسن- انتهى. قال ابن الجوزي: كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات واللغات فأمروا بالقيام عند الاختلاف لئلا يجحد أحدهم ما يقرأه الآخر فيكون جاحدا لما أنزل الله عزوجل (متفق عليه) أخرجه البخاري في فضائل القرآن وفي الاعتصام، ومسلم في القدر وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤ص٣١٣) والنسائي. ٢٢١٣- قوله: (وعن قتادة قال سئل أنس) بضم السين مبنياً للمفعول والسائل هو قتادة كما يدل عليه

стр. 3286

كيف كانت قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: كانت مداً مداً، ــ رواية البخاري عن قتادة قال سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي ﷺ فقال كان يمد مداً أي يمد الحرف الذي يستحق المد (كيف كانت قراءة النبي ﷺ أي على أي صفته كانت هل كانت ممدودة أو مقصورة أو متوسطة (فقال كانت مداً) بالتنوين من غير همز أي ممدودة أو ذات مد لكن لما يستحق المد، والمراد بالمد هنا المد الطبيعي الذي يقال له المد الذاتي والأصلي لكونه لازماً لذوات حروف المد وطبائعها، وهو أشباع الحروف الذي بعد ألف أو واو أو ياء كالألف والواو في قالوا، والياء في قيل. ويحصل هذا المد بإتمام الحركة أو أشباع الحروف بقدر ألف لأنه إن لم يقرأ كذلك لم يتم النطق بذلك الحرف. وأما المد المعروف الذي يبحث عنه أصحاب علم التجويد فهو المد الفرعي، وله سببان، وقوع السكون والهمزة بعد حروف المد، والسكون إما أن يكون لازمياً سواء كان من جهة الإدغام كما في دابة ولا الضالين، أو من غير إدغام كما في حروف المد التي وقعت في أوائل السور مثل ألف، لام، ميم، كاف، صاد، نون، قاف، أو يكون السكون عارضياً كما في نستعين والمفلحون وأولي الألباب. وأما الهمزة فهي إما أن تكون في نفس الكلمة مثل السماء والسوء وجيء أو في كلمة أخرى نحو ما أنزل وقالوا آمنا وفي أنفسهم. واختلف القراء في مقدار هذا المد، فقال بعضهم: يمد بقدر ألف ونصف وقال بعضهم: يمد بقدر ألفين ونصف ألف إلى ثلاث ألفات أو أربع ألفات وتفصيل ذلك في كتب التجويد كذا في أشعة اللمعات. وقال الحافظ: المد عند القراء على ضربين أصلي، وهو إشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وغير أصلي وهو ما إذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة وهو متصل ومنفصل، فالمتصل ما كان من نفس الكلمة، والمنفصل ما كان بكلمة أخرى فالأول يؤتي فيه بالألف والواو والياء ممكنات من غير زيادة، والثاني يزاد في تمكين الألف. والواو والياء زيادة على المد الذي لا يمكن النطق بها إلا به من غير إسراف والمذهب الأعدل أنه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمده أولاً. وقد يزاد على ذلك قليلاً وما أفرط فهو غير محمود، والمراد هنا الضرب الأول- انتهى. وقال القاري: إذا وجد حرف المد الذي هو شرط المد ولم يوجد أحد السببين الموجبين للزيادة وهما الهمز والسكون فلا بد من المد بقدر ألف اتفاقاً وقدر بمقدار قولك أو كتابتك ألف أو عقد أصبع ويسمى طبيعياً وذاتياً وأصلياً، وإذا وجد أحد السببين فلا بد من الزيادة ويسمى فرعياً، ثم إن كان السبب الهمز ففي مقدار الزيادة على الأصل خلاف كثير بين القراء في مراتب المتصل والمنفصل مع اتفاقهم على مطلق المد هو في المتصل وخلاف بعضهم في المنفصل، وأقل الزيادة ألف ونصف وأكثرها أربع وإن كان السبب هو السكون فإن كان لازمياً سواء كان يكون مشدداً أو مخففاً نحو دابة وصاد فكلهم يقرؤن على نهج واحد وهو مقدار ثلاث ألفات، وإن كان عارضياً نحو يعملون فيجوز فيه القصر وهو قدر ألف والتوسط وهو ألفان والمد وهو ثلاثة

стр. 3287

ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم)) . رواه البخاري. ٢٢١٤- (٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أذن الله لشي ما أذن لنبي ــ وللمسألة تفصيل طويل يجر بسطها إلى ملالة وتثقيل (ثم قرأ) أي أنس (يمد ببسم الله) أي اللام التي قبل الهاء من الجلالة الشريفة. وقال القاري: أي في ألف الجلالة مداً أصلياً بقدر ألف (ويمد بالرحمن) أي بالميم التي قبل النون (ويمد بالرحيم) أي بالحاء المد الطبيعي الذي لا يمكن النطق بالحرف إلا به من غير زيادة عليه لا كما يفعله بعضهم من الزيادة عليه نعم إذا كان بعد حرف المد همز متصل بكلمته أو سكون لازم كاولائك والحاقة وجب زيادة المد أو منفصل عنها أو سكون عارض كياأيها أو الوقف على الرحيم جاز قاله القسطلاني. وقال القاري: قوله "ويمد بالرحيم" أي في ياءه مداً أصلياً أو عارضياً فإنه يجوز في نحوه حالة الوقف ثلاثة أوجه الطول والتوسط والقصر مع الإسكان، ووجه آخر بالقصر والروم وهو إتيان بعض الحركة بصوت خفي، وقوله "ببسم الله" بموحدة قبل الموحدة التي في بسم الله كأنه حكى لفظ بسم الله كما حكى لفظ الرحمن في قوله ويمد بالرحمن أو جعله كالكلمة الواحدة علماً لذلك، ووقع عند أبي نعيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحمن ويمد الرحيم من غير موحدة في الثلاثة (رواه البخاري) في فضائل القرآن، وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه في الصلاة، والترمذي في الشمائل. وأخرج ابن أبي داود من طريق قطبة بن مالك سمعت رسول الله ﷺ قرأ في الفجر ق فمر بهذا الحرف لها طلع نضيد فمد نضيد وهو شاهد جيداً حديث أنس. ٢٢١٤- قوله: (ما أذن الله) بكسر الذال المعجمة من الأذن بفتحتين ومعناه الاستماع والاصغاء ومنه قوله تعالى: ﴿وأذنت لربها﴾ [الانشقاق:٢] وقال الشاعر: صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا وأما الأذن بمعنى الإطلاق والإباحة فهو بكسر الهمزة وسكون الذال وليس ذلك مراداً هنا، وكلاهما مشترك في أن الماضي بكسر الذال المضارع بفتحها كفرح يفرح (لشي) بالشين المعجمة (ما أذن لنبي) "ما" الأولى نافية والثانية مصدرية أي ما استمع لشي كاستماعه لصوت نبي. قال السندي: ما أذن الله الخ أي ما استمع لشي مسموع كاستماعه لنبي والمراد جنس النبي والقرآن القراءة أو كلام الله مطلقاً. ولما كان الاستماع بمعنى الإصغاء على الله تعالى محالاً، لأنه من شأن من يختلف سماعه بكثرة التوجه وقلته وسماعه تعالى لا يختلف. قالوا: هذا كناية عن تقريبه القاري وإجزال ثوابه أي لأن ذلك ثمرة الإصغاء- انتهى. قلت: لا حاجة إلى هذا التأويل فإنه يفضي ويؤدي

стр. 3288

يتغنى بالقرآن)) متفق عليه. ــ إلى نفي صفة الاستماع بل نحمله على ظاهره ونفوض حقيقة معناه إلى الله تعالى (يتغنى بالقرآن) هو من التغني بمعنى الترنم والتطريب أي يحسن صوته ويرتقه ويحزنه. قال في اللمعات: المراد بالتغني تحسين الصوت وتطييبه وتزيينه وترقيقة وتحزينة بحيث يورث الخشية ويجمع الهم ويزيد الحضور ويبعث الشوق ويرق القلب ويؤثر في السامعين مع رعاية قوانين التجويد ومراعاة النظم في الكلمات والحروف كما جاء في الحديث أي الناس أحسن صوتاً للقرآن قال من إذا سمعته يقرأ أريت أنه يخشى وهو الصوت الطبيعي للعرب بحسن غاية الطبيعية المراد بلحن العرب، وإليه الإشارة بقول أبي موسى الأشعري لحبرته تحبيراً. وأما التكلف برعاية قوانين الموسيقي فمكروه، وإذا أدى إلى تغير القرآن فحرام بلا شبهة وسيأتي من الأحاديث ما يدل على ذلك- انتهى. قلت: اختلف في معنى التغني على أقوال كما سيأتي، ومعناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء هو تحسين الصوت به. قال ابن بطال: وبذلك فسره ابن أبي مليكة وعبد الله بن المبارك والنضر بن شميل ويؤيده في الرواية الأخرى قوله يجهر به. قال الطيبي: لأنها جملة مبينة لقوله بيان يتغنى بالقرآن فلم يكن المبين على خلاف البيان كذلك يتغنى بالقرآن في هذه الرواية بيان لقوله ما أذن الله لنبي أي صوته فكيف يحمل على غير حسن الصوت. وقال الحافظ: ظواهر الإخبار ترجح أن المراد تحسين الصوت ويؤيده قوله "يجهر" به فإنها إن كانت مرفوعة قامت الحجة وإن كانت غير مرفوعة فالرواي أعرف بمعنى الخبر من غيره، ولا سيما إذا كان فقيهاً. وقد جزم الحليمي بأنها من قول أبي هريرة والعرب تقول سمعت فلاناً يتغنى بكذا أي يجهر به ويشهد أيضاً لما قال الشافعي الحديث الآخر زينوا القرآن بأصواتكم، ويؤيده أيضاً رواية الطبراني لحديث الباب بلفظ: ما أذن الله لنبي في الترنم في القرآن وعنده في رواية أخرى ما أذن الله لنبي حسن الصوت، وهذا اللفظ عند مسلم أيضاً كما سيأتي. وعند ابن أبي داود والطحاوي حسن الترنم بالقرآن قال الطبري: والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القاري وطرب به قال، ولو كان معناه الاستغناء كما قيل لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى، وأخرج ابن ماجه والكجى وصححه ابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد مرفوعاً الله أشد أذناً أي استماعاً للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينتة، والقينة المغنية. وروى عمر بن شبة عن عبيد بن عمير قال: كان داود ﵇ يتغنى يعني حين يقرأ يبكي ويبكي، وعن ابن عباس إن داود كان يقرأ الزبور بسبعين لحناً ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم يبق دابة في بر ولا بحر إلا انصتت له واستمعت وبكت (متفق عليه) أخرجه البخاري في فضائل القرآن وفي التوحيد ومسلم في فضائل القرآن وأخرجه أيضاً أحمد في مواضع وأبو داود والنسائي في الصلاة والدارمي وغيرهم.

стр. 3289

٢٢١٥- (٧) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أذن الله لشي ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن، يجهر به)) . متفق عليه. ٢٢١٦- (٨) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) ــ ٢٢١٥- قوله: (ما أذن الله لشي) أي ما استمع الله لشي (ما أذن) أي ما استمع (لنبي حسن الصوت) صفة كاشفة قاله القاري. وقال التوربشتي: لا أرى هذه الزيادة وردت مورد الاشتراط لإذن الله بل ورد مورد البيان لكون كل نبي حسن الصوت ومنه الحديث ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه حسن الصوت (بالقرآن) حال كونه (يجهر به) أي في صلاته أو تلاوته أو حين تبليغ رسالته ولا بد من تقدير مضاف عند قوله لنبي أي لصوت نبي والنبي جنس شائع في كل نبي فالمراد بالقرآن القراءة قاله القسطلاني واللفظ المذكور للبخاري في باب قول النبي ﷺ (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة) ورواه مسلم بلفظ: ما أذن الله لشي ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به، وفي رواية للبخاري ما أذن الله لنبي ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن. وقال صاحب له يريد يجهر به والضمير في "له" لأبي هريرة، والصاحب المذكور هو أبوسلمة الراوي عن أبي هريرة كما يدل عليه ما رواه ابن أبي داود عن محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات بلفظ: ما أذن الله لشي ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن. قال ابن شهاب وأخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن عن أبي سلمة يتغنى بالقرآن يجهر به، فالظاهر إن التفسير المذكور في تلك الرواية مدرج من قول أبي سلمة. وقد تقدم في كلام الحافظ إن الحليمي جزم بأنه من قول أبي هريرة وظاهر الرواية التي نحن في شرحها إن قوله "يجهر به" من أصل الحديث أي مرفوع من قول النبي ﷺ لا مدرج من قول الراوي والله أعلم (متفق عليه) واللفظ للبخاري كما تقدم وأخرجه أبوداود والنسائي بلفظ مسلم. ٢٢١٦- قوله: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) أي لم يحسن صوته به فسر بذلك الشافعي كما تقدم. وقيل أي لم يجهر به فسر بذلك راوي الحديث كما سبق أيضاً وقيل أي لم يستغن به عن الناس أو عن غيره من أخبار الأمم الماضية والكتب المتقدمة فسر به وكيع وابن عيينة واختاره ابن حبان حيث ترجم في صحيحه (ج١ص٢٨٣) لحديث سعد بن وقاص المروي بلفظ: الحديث الذي نحن في شرحه "ذكر الزجر عن أن لا يستغنى المرأ بما أوتي من كتاب الله جل وعلا وارتضاه أبوعبيد، وقال إنه جائز في كلام العرب واستشهد لذلك بقوله ﷺ في الخيل ورجل ربطها تغنياً وتعففاً، ولا خلاف في هذا أنه مصدر تغني بمعنى استغنى يعني طلب الغنى بها عن الناس بقرينة قوله تعففاً، ورجحه التوربشتي أيضاً. وقال المعنى ليس من أهل سنتنا وممن تبعنا في أمرنا وهو وعيد، ولا خلاف بين الأمة إن قاريء القرآن مثاب على قراءته مأجور من غير تحسين

стр. 3290

صوته، فكيف يحمل على كونه مستحقاً للوعيد وهو مثاب مأجور- انتهى. وقيل أي لم يترنم به وقيل أي لم يتحزن ويؤيده ما رواه أبويعلى والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية بسند ضعيف عن بريدة مرفوعاً إقرؤا القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن. وقيل المراد بالتغني التلذذ والاستحلاء له كما يستلذ أهل الطرب بالغناء فاطلق عليه تغنياً من حيث أنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء قاله ابن الأنباري في الزاهر. وقيل: معناه التشاغل به تقول العرب تغني بالمكان أقام به ويؤيده بيت الأعشى: وكنت أمرأ زمناً بالعراق خفيف المناخ طويل التغني أي طويل الإقامة فيكون معنى الحديث الحث على ملازمة القرآن وأن لا يتعدى إلى غيره وقيل هو أن يجعله هجيراه كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه الغناء. قال ابن الأعرابي: كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى وإذا جلست في أفيتها، وفي أكثر أحوالها فلما نزل القرآن أحب النبي ﷺ أن يكون هجيراهم القراءة مكان التغني وقيل المراد من لم يغنه القرآن ولم ينفعه في إيمانه ولم يصدق بما فيه من وعد ووعيد وقيل معناه من لم يرتح لقراءته وسماعه وقيل المعنى من لم يطلب غنى النفس وهو الغنى المعنوي لا المحسوس الذي هو ضد الفقر وقيل معناه من لم يتطلب غنى اليد ولم يرجه بملازمة تلاوته. قال الحافظ بعد بسط الكلام في سرد هذه الأقوال التأويلات: وفي الجملة ما فسر به ابن عيينة ليس بمدفوع وإن كانت ظواهر الأخبار ترجح إن المراد تحسين الصوت، ويؤيده قوله يجهر به إلى آخر ما ذكرنا من كلامه في شرح الرواية الأولى. ثم قال الحافظ والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر هذه التأويلات المذكورة وهو أنه يحسن به صوته جاهراً به مترنماً على طريق التحزن مستغنياً به عن غيره من الأخبار طالباً به غنى النفس راجياً به غنى اليد، ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب وإجراء الدمع وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالإلحان إما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك، قال والذي يتحصل من الأدلة إن حسن الصوت بالقرآن مطلوب فإن لم يكن حسناً فليحسنه ما استطاع، كما قال ابن مليكة أحد رواة حديث سعد بن أبي وقاص. وقد أخرج ذلك عنه أبوداود بإسناد صحيح. ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم فإن الصوت الحسن يزداد حسناً بذلك وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات فإن خرج عنها لم يقف تحسين الصوت بقبح الأداء. ولعل هذا مستند من كرة القراءة بالأنغام لأن الغالب على من راعي الأنغام أن لا يراعي الأداء فإن وجد من يراعيهما معاً فلا شك أنه أرجح من غيره، لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت ويجتنب الممنوع من حرمة

стр. 3291

رواه البخاري. ــ الأداء والله أعلم- انتهى. وقال ابن القيم بعد ذكر الاختلاف في تفسير التغني بالقرآن: وفي مسألة تحسين الصوت به وقراءته بالإلحان، وذكر احتجاج كل فريق ما لفظه، وفصل النزاع أن يقال التطريب والتغني على وجهين. أحدهما ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين وتعليم بل إذا خلى وطبعه واسترسلت طبيعتة جاءت بذلك التطريب والتلحين فذلك جائز، وإن أعان طبيعته فضل تزيين وتحسين كما قال أبوموسى للنبي ﷺ وعلمت إنك تسمع لحبرته تحبيراً والحزين، ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقلبه وتستحليه لموافقته الطبع وعدم التكلف والتصنع فهو مطبوع لا متطبع وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به السامع والتالي وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها. والوجه الثاني ما كان من ذلك صناعة من الصنائع وليس في الطبع السماحة به بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الإلحان البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بتعليم والتكلف فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة بها وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعاً أنهم براء من القراءة بإلحان الموسيقية المتكلفة التي هي إيقاع وحركات موزونة معدودة محدودة، وإنهم اتقى لله من أن يقرؤا بها ويسوغوها ويعلم قطعاً أنهم كانوا يقرؤن بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن ويقرؤنه بشجي تارةً وبطرب تارةً وبشوق تارة، وهذا أمر في الطبائع تقاضيه ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطبائع له بل أرشد إليه وندب إليه وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به. وقال ليس منا من لم يتغن بالقرآن وفيه وجهان، أحدهما أنه إخبار بالواقع الذي كلنا نفعله، والثاني أنه نفي لهدى من لم يفعله عن هديه وطريقته ﷺ انتهى. (رواه البخاري) في باب قول الله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به﴾ [الملك: ١٣] من كتاب التوحيد. قال الحافظ في شرح هذا الحديث بعد ذكر الروايتين المتقدمتين: الحديث واحد إلا أن بعضهم رواه بلفظ: ما أذن الله، بعضهم رواه بلفظ ليس منا- انتهى. وروى بلفظ: ليس منا عن سعد بن أبي وقاص وأخرجه أحمد (ج١ص١٧٢- ١٧٥) وأبوداود وابن ماجه والدارمي وابن حبان (ج١ص٤٨٣) والحاكم (ج١ص٥٦٩ ٥٧٠) وغيرهم وعن أبي لبابة بن عبد المنذر أخرجه أبوداود من طريقه البيهقي (ج٢ص٥٤) وعن ابن عباس أخرجه الحاكم (ج١ص٥٧٠) والبزار والطبراني، قال الهيثمي: رجال البزار رجال الصحيح، وعن عائشة أخرجه أبويعلى والبزار بسند ضعيف وعن ابن الزبير أخرجه البزار أيضاً.

стр. 3292

٢٢١٧- (٩) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله ﷺ ، وهو على المنبر: ((اقرأ علي. قال: اقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ ــ ٢٢١٧- قوله: (وهو على المنبر) جملة حالية (اقرأ عليك) أي اقرأ عليك (وعليك أنزل) بضم الهمزة أي القرآن والجملة حالية، أي جريان الحكمة على لسان الحكيم أحلى، وكلام المحبوب على لسان الحبيب أولى (إني أحب) أي في بعض الأحوال (أن أسمعه من غيري) قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة. ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه وذلك إن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وانشط لذلك من القاري لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو ﷺ على أبي بن كعب فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة، ومخارج الحروف ونحو ذلك (فقرأت) عليه (سورة النساء) أي من أولها كما في رواية لمسلم (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) أي أحضرنا منهم شهيداً يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم وهو استفهام توبيخ أي فكيف حال هؤلاء الكفار أو صنيعهم إذا جئنا من كل أمة بنبيهم يشهد على كفرهم كقوله تعالى: ﴿وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم﴾ [المائدة: ١١٧] فكيف في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، والعامل في إذا هو هذا المقدار، أو في محل نصب بفعل محذوف أي فكيف يكونون، أو يصنعون ويجري فيها الوجهان النصب على التشبيه بالحال كما هو مذهب سيبويه، أو على التشبيه بالظرفية كما هو مذهب الأخفش وهو العامل في إذا أيضاً "ومن كل أمة" متعلق بجئنا والمعنى أنه يوتي بنبي كل أمة يشهد عليها ولها (وجئنا بك) يا محمد (على هؤلاء) أي أمتك (شهيداً) حال أي شاهداً على من آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق. وقيل: أي تشهد على صدق هؤلاء الشهداء لحصول علمك بعقائدهم لدلالة كتابك وشرعك على قواعدهم. قال أبوحيان: الأظهر إن هذه الجملة في موضع جر عطفاً على جئنا الأول أي فكيف يصنعون في وقت المجيئين. قال الحافظ: وقع في رواية محمد بن فضالة الظفري إن ذلك كان وهو ﷺ في بني ظفر، أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه أن النبي ﷺ أتاهم في بني ظفر ومعه ابن مسعود وناس من أصحابه فأمر قارئاً فقرأ فأتى على هذه الآية فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً فبكى حتى ضرب لحياة وجنتاه فقال: يا رب! هذا على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره. وأخرج ابن المبارك في الزهد من طريق سعيد بن المسيب قال: ليس من يوم إلا يعرض على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ففي هذا المرسل ما يرفع

стр. 3293

قال: حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان)) متفق عليه. ٢٢١٨- (١٠) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ ، لأبي بن كعب: (( ــ الأشكال الذي تضمنه حديث ابن فضالة- انتهى كلام الحافظ. (قال) رسول الله ﷺ (حسبك) أي يكفيك ما قرأته. قال الجزري: حسبك بمعنى أسكت وحقيقته كافيك (الآن) أي إذا وصلت إلى هذه الآية فلا تقرأ شيئاً آخر فإني مشغول بالتفكر في هذه الآية وجاءني البكاء والحالة المانعة من استماع القرآن. وفي رواية للبخاري أمسك وفي أخرى قال لي كف أو أمسك على الشك (فإذا عيناه تذرفان) بسكون الذال المعجمة وكسر الراء أي تطلقان دمعهما يعني تسيلان دمعاً، يقال ذرفت العين تذرف إذا جرى دمعها وهو خبر المبتدأ وهو عيناه "وإذا" للمفاجأة وهذا لفظ البخاري. ولمسلم فرأيت دموعه تسيل وبكاءه ﷺ لفرط رحمته على المفرطين أو لعظم ما تضمنته الآية من هول المطع وشدة الأمر. وقال في فتوح الغيب عن الزمخشري: إن هذا كان بكاء فرح لا بكاء جزع لأنه تعالى جعل أمته شهداء على سائر الأمم كما قال الشاعر: طفح السرور على حتى أنه من عظم ما قد سرني أبكاني وقال ابن بطال إنما بكى ﷺ عند تلاوة هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف وهو أمر يحق له طول البكاء- انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر أنه أبكى رحمة لأمته لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعلمهم وعملهم قد لا يكون مستقيماً فقد يفضى إلى تعذيبهم- انتهى. وفي الحديث استحباب استماع القراءة والإصغاء إليها والبكاء عندها والتدبر فيها. قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين قال الله تعالى: ﴿يخرون للأذقان يبكون﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿خروا سجداً وبكيا﴾ [مريم: ٥٨] والأحاديث فيه كثيرة قال: فإن عز عليه البكاء تباكى لخبر أحمد والبيهقي إن هذا القرآن نزل بحزن وكأبة فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا - الحديث. وقال الغزالي يستحب البكاء مع القراءة وعندها. وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوثائق والعهود ثم ينظر تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وإنه من أعظم المصائب (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب قول المقري للقاري حسبك من فضائل القرآن إلا قوله "فإني أحب أن أسمعه من غيري" فإنه وقع عنده في رواية أخرى وإلا قوله وهو على المنبر فإنه لمسلم وحده. والحديث أخرجه أيضاً البخاري في التفسير وأحمد (ج١ص٣٧٤- ٣٨٠) والترمذي في التفسير وأبو داود في آخر العلم وابن ماجه في الزهد. ٢٢١٨- قوله: (قال لأبي بن كعب) الأنصاري الخزرجي النجاري الصحابي الجليل رضي الله عنه

стр. 3294

إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال: آلله سماني لك؟ قال: نعم قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم. فذرفت عيناه، وفي رواية إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ ــ (إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن) مطلق فيتناول ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ [البينة: ١] وغيرها قوله "اقرأ عليك"كذا وقع في عامة الروايات والسياق المذكور هنا للبخاري في التفسير من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس لكن فيها إن الله أمرني أن أقرئك القرآن أي أعلمك بقراءتي عليك كيف تقرأ فلا منافاة بين قوله إقرأ عليك وأقرئك. قال أبوعبيد: المراد بالعرض على أبٍّي ليتعلم أبيٌ منه القراءة ويتثبت فيها وليكون عرض القرآن سنة وللتنبيه على فضيلة أبي بن كعب وتقدمه في حفظ القرآن وليس المراد أن يستذكر منه النبي ﷺ شيئاً بذلك العرض. قال القاري: ووجه تخصيصه بذلك إنه بذل جهده في حفظ القرآن وما ينبغي له حتى قال ﷺ أقرؤكم أبي، ولما قيض له من الإمامة في هذا الشأن أمر الله نبيه ﷺ أن يقرأ عليه ليأخذ عنه رسم التلاوة كما أخذه النبي ﷺ عن جبريل ثم يأخذه على هذا النمط الآخر عن الأول والخلف عن السلف وقد أخذ عن أبٍّي بشر كثيرون من التابعين ثم عنهم من بعدهم، وهكذا فسرى سر تلك القراءة عليه حتى سرى سره في الأمة إلى الساعة (قال آلله) بمد الهمزة وكان في الأصل أألله بهمزتين وكان الأولى للإستفهام وقلبت الثانية الفاً ويجوز حذفها للعلم بها وهذا معنى قول الطيبي بالمد بلا حذف وبالحذف بلا مد (سماني لك) أي ذكرني باسمي لك. قال الحافظ: أي هل نص على باسمي أو قال إقرأ على واحد من أصحابك فأخترتني أنت. قال القرطبي: تعجب أبي من ذلك لأن تسمية الله له ونصه عليه ليقرأ عليه النبي ﷺ تشريف عظيم فلذلك بكى إما فرحاً وإما خشوعاً. وقال الطيبي: والمقصود التعجب إما هضماً أي أنى لي هذه المرتبة وإما استلذاذاً بهذه المنزلة الرفيعة (قال نعم) وفي رواية لهما قال الله سماك لي. قال الحافظ: وفي رواية للطبراني من وجه آخر عن أبي بن كعب قال نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى (قال وقد ذكرت) بصيغة المجهول أي أوقع ذلك والحال إني قد ذكرت على الخصوص وبهذا الوجه المخصوص. قال الطيبي: تقريب للتعجب (عند رب العالمين) أي مع عظمته وحقارتي (فذرفت عيناه) بفتح المعجمة والراء أي تساقطتا بالدموع إما فرحاً وسروراً بذلك وإما خشوعاً وخوفاً من التقصير في شكر تلك النعمة. وفي الحديث استحباب القراءة على أهل العلم وإن كان القاري أفضل من المقروء عليه (وفي رواية) للشيخين (إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا) كذا في هذه الرواية وهي رواية شعبة عن قتادة عن أنس وبين في رواية همام عن قتادة عند البخاري إن تسمية السورة لم يحمله قتادة عن أنس فإنه قال في آخر الحديث (بعد روايته بلفظ إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال الله سماني

стр. 3295

قال: وسماني؟ قال: نعم. فبكى)) . متفق عليه. ٢٢١٩- (١١) وعن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ : ((أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو)) ــ لك قال الله سماك فجعل أبي يبكي) "قال قتادة: فانبئت أنه قرأ عليه لم يكن الذين كفروا" وسقط بيان ذلك من رواية سعيد بن أبي عروبة عند البخاري. قال الحافظ: وقد أخرجه الحاكم وأحمد والترمذي من طريق زر بن حبش عن أبي نفسه مطولاً، ولفظه إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال فقرأ عليه لم يكن الذين كفروا والجمع بين الروايتين حمل المطلق على المقيد لقراءته لم يكن دون غيرها- انتهى. وقال القاري: يحتمل إن هذه الرواية مبينة للقرآن في الرواية الأولى ويحتمل أن يكون قضية أخرى- انتهى. قلت: الاحتمال الأول هو الظاهر. قال القرطبي: خص هذه السورة بالذكر لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة والإخلاص والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء وذكر الصلاة والزكاة والمعاد وبيان أهل الجنة والنار مع وجازتها ولتحقيق قوله تعالى فيها: ﴿رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة﴾ [البينة: ٢] قال الحافظ في تخصيص أبي بن كعب: الننوية به في أنه أقرأ لصحابة فإذا قرأ عليه النبي ﷺ مع عظيم منزلته كان غيره بطريق التبع له (قال وسماني) أي لك كما في رواية (فبكى) سروراً وفرحاً بتسمية الله إياه في أمر القراءة أو خوفاً من العجز عن قيام شكر تلك النعمة (متفق عليه) سياق الرواية الأولى للبخاري كما تقدم وسياق الرواية الثانية لكليهما. والحديث أخرجه البخاري في المناقب وفي التفسير ومسلم في فضائل القرآن وفي كتاب الفضائل وفي كتاب الفضائل أي المناقب وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في المناقب والنسائي وغيرهم وفي الباب عن أبي حبة البدري أخرجه أحمد (ج٣ص٤٨٩) وابن قانع في معجم الصحابة والطبراني وابن مردوية ذكره الشوكاني في فتح القدير. ٢٢١٩- قوله: (نهى رسول الله ﷺ أن يسافر) بفتح الفاء أي يسافر أحد والسفر اسم واقع للغزو وغيره (بالقرآن) قال الطيبي: الباء زائدة لأنها دخلت على المفعول به الذي ناب عن الفاعل وليست هي كما في قوله لا تسافروا فإنها حال أي حال كونكم مصاحبين له ذكره القاري. وقال في اللمعات: قوله بالقرآن أي في الرواية الأولى حال والباء للمصاحبة أي مصاحباً بالقرآن (إلى أرض العدو) أي الكفار يعني دار الحرب خوفاً من الاستهانة به. قيل المراد بالقرآن بعض ما نسخ وكتب في عهده وقد كان يكتب بعض الصحابة لنفسه للحفظ أو للتلاوة، وإن لم يكن مجموعاً كله في مصحف واحد، فالمراد بالقرآن الصحف التي كتب عليها أو كان هذا إخباراً عن الغيب. وقال الباجي. يريد المصحف لما كان القرآن مكتوباً فيه سماه قرآناً ولم يرد ما كان منه محفوظاً في
следующие страницы →