Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
رواه البخاري.
ــ
الأداء والله أعلم- انتهى. وقال ابن القيم بعد ذكر الاختلاف في تفسير التغني بالقرآن: وفي مسألة تحسين الصوت به وقراءته بالإلحان، وذكر احتجاج كل فريق ما لفظه، وفصل النزاع أن يقال التطريب والتغني على وجهين. أحدهما ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين وتعليم بل إذا خلى وطبعه واسترسلت طبيعتة جاءت بذلك التطريب والتلحين فذلك جائز، وإن أعان طبيعته فضل تزيين وتحسين كما قال أبوموسى للنبي ﷺ وعلمت إنك تسمع لحبرته تحبيراً والحزين، ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقلبه وتستحليه لموافقته الطبع وعدم التكلف والتصنع فهو مطبوع لا متطبع وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به السامع والتالي وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها. والوجه الثاني ما كان من ذلك صناعة من الصنائع وليس في الطبع السماحة به بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الإلحان البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بتعليم والتكلف فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة بها وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعاً أنهم براء من القراءة بإلحان الموسيقية المتكلفة التي هي إيقاع وحركات موزونة معدودة محدودة، وإنهم اتقى لله من أن يقرؤا بها ويسوغوها ويعلم قطعاً أنهم كانوا يقرؤن بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن ويقرؤنه بشجي تارةً وبطرب تارةً وبشوق تارة، وهذا أمر في الطبائع تقاضيه ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطبائع له بل أرشد إليه وندب إليه وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به. وقال ليس منا من لم يتغن بالقرآن وفيه وجهان، أحدهما أنه إخبار بالواقع الذي كلنا نفعله، والثاني أنه نفي لهدى من لم يفعله عن هديه وطريقته ﷺ انتهى. (رواه البخاري) في باب قول الله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به﴾ [الملك: ١٣] من كتاب التوحيد. قال الحافظ في شرح هذا الحديث بعد ذكر الروايتين المتقدمتين: الحديث واحد إلا أن بعضهم رواه بلفظ: ما أذن الله، بعضهم رواه بلفظ ليس منا- انتهى. وروى بلفظ: ليس منا عن سعد بن أبي وقاص وأخرجه أحمد (ج١ص١٧٢- ١٧٥) وأبوداود وابن ماجه والدارمي وابن حبان (ج١ص٤٨٣) والحاكم (ج١ص٥٦٩ ٥٧٠) وغيرهم وعن أبي لبابة بن عبد المنذر أخرجه أبوداود من طريقه البيهقي (ج٢ص٥٤) وعن ابن عباس أخرجه الحاكم (ج١ص٥٧٠) والبزار والطبراني، قال الهيثمي: رجال البزار رجال الصحيح، وعن عائشة أخرجه أبويعلى والبزار بسند ضعيف وعن ابن الزبير أخرجه البزار أيضاً.
стр. 3292
٢٢١٧- (٩) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله ﷺ ، وهو على المنبر: ((اقرأ علي. قال: اقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾
ــ
٢٢١٧- قوله: (وهو على المنبر) جملة حالية (اقرأ عليك) أي اقرأ عليك (وعليك أنزل) بضم الهمزة أي القرآن والجملة حالية، أي جريان الحكمة على لسان الحكيم أحلى، وكلام المحبوب على لسان الحبيب أولى (إني أحب) أي في بعض الأحوال (أن أسمعه من غيري) قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة. ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه وذلك إن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وانشط لذلك من القاري لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو ﷺ على أبي بن كعب فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة، ومخارج الحروف ونحو ذلك (فقرأت) عليه (سورة النساء) أي من أولها كما في رواية لمسلم (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) أي أحضرنا منهم شهيداً يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم وهو استفهام توبيخ أي فكيف حال هؤلاء الكفار أو صنيعهم إذا جئنا من كل أمة بنبيهم يشهد على كفرهم كقوله تعالى: ﴿وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم﴾ [المائدة: ١١٧] فكيف في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، والعامل في إذا هو هذا المقدار، أو في محل نصب بفعل محذوف أي فكيف يكونون، أو يصنعون ويجري فيها الوجهان النصب على التشبيه بالحال كما هو مذهب سيبويه، أو على التشبيه بالظرفية كما هو مذهب الأخفش وهو العامل في إذا أيضاً "ومن كل أمة" متعلق بجئنا والمعنى أنه يوتي بنبي كل أمة يشهد عليها ولها (وجئنا بك) يا محمد (على هؤلاء) أي أمتك (شهيداً) حال أي شاهداً على من آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق. وقيل: أي تشهد على صدق هؤلاء الشهداء لحصول علمك بعقائدهم لدلالة كتابك وشرعك على قواعدهم. قال أبوحيان: الأظهر إن هذه الجملة في موضع جر عطفاً على جئنا الأول أي فكيف يصنعون في وقت المجيئين. قال الحافظ: وقع في رواية محمد بن فضالة الظفري إن ذلك كان وهو ﷺ في بني ظفر، أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه أن النبي ﷺ أتاهم في بني ظفر ومعه ابن مسعود وناس من أصحابه فأمر قارئاً فقرأ فأتى على هذه الآية فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً فبكى حتى ضرب لحياة وجنتاه فقال: يا رب! هذا على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره. وأخرج ابن المبارك في الزهد من طريق سعيد بن المسيب قال: ليس من يوم إلا يعرض على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ففي هذا المرسل ما يرفع
стр. 3293
قال: حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان)) متفق عليه.
٢٢١٨- (١٠) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ ، لأبي بن كعب: ((
ــ
الأشكال الذي تضمنه حديث ابن فضالة- انتهى كلام الحافظ. (قال) رسول الله ﷺ (حسبك) أي يكفيك ما قرأته. قال الجزري: حسبك بمعنى أسكت وحقيقته كافيك (الآن) أي إذا وصلت إلى هذه الآية فلا تقرأ شيئاً آخر فإني مشغول بالتفكر في هذه الآية وجاءني البكاء والحالة المانعة من استماع القرآن. وفي رواية للبخاري أمسك وفي أخرى قال لي كف أو أمسك على الشك (فإذا عيناه تذرفان) بسكون الذال المعجمة وكسر الراء أي تطلقان دمعهما يعني تسيلان دمعاً، يقال ذرفت العين تذرف إذا جرى دمعها وهو خبر المبتدأ وهو عيناه "وإذا" للمفاجأة وهذا لفظ البخاري. ولمسلم فرأيت دموعه تسيل وبكاءه ﷺ لفرط رحمته على المفرطين أو لعظم ما تضمنته الآية من هول المطع وشدة الأمر. وقال في فتوح الغيب عن الزمخشري: إن هذا كان بكاء فرح لا بكاء جزع لأنه تعالى جعل أمته شهداء على سائر الأمم كما قال الشاعر:
طفح السرور على حتى أنه من عظم ما قد سرني أبكاني
وقال ابن بطال إنما بكى ﷺ عند تلاوة هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف وهو أمر يحق له طول البكاء- انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر أنه أبكى رحمة لأمته لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعلمهم وعملهم قد لا يكون مستقيماً فقد يفضى إلى تعذيبهم- انتهى. وفي الحديث استحباب استماع القراءة والإصغاء إليها والبكاء عندها والتدبر فيها. قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين قال الله تعالى: ﴿يخرون للأذقان يبكون﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿خروا سجداً وبكيا﴾ [مريم: ٥٨] والأحاديث فيه كثيرة قال: فإن عز عليه البكاء تباكى لخبر أحمد والبيهقي إن هذا القرآن نزل بحزن وكأبة فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا - الحديث. وقال الغزالي يستحب البكاء مع القراءة وعندها. وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوثائق والعهود ثم ينظر تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وإنه من أعظم المصائب (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب قول المقري للقاري حسبك من فضائل القرآن إلا قوله "فإني أحب أن أسمعه من غيري" فإنه وقع عنده في رواية أخرى وإلا قوله وهو على المنبر فإنه لمسلم وحده. والحديث أخرجه أيضاً البخاري في التفسير وأحمد (ج١ص٣٧٤- ٣٨٠) والترمذي في التفسير وأبو داود في آخر العلم وابن ماجه في الزهد.
٢٢١٨- قوله: (قال لأبي بن كعب) الأنصاري الخزرجي النجاري الصحابي الجليل رضي الله عنه
стр. 3294
إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال: آلله سماني لك؟ قال: نعم قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم. فذرفت عيناه، وفي رواية إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لم يكن الذين كفروا﴾
ــ
(إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن) مطلق فيتناول ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ [البينة: ١] وغيرها قوله "اقرأ عليك"كذا وقع في عامة الروايات والسياق المذكور هنا للبخاري في التفسير من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس لكن فيها إن الله أمرني أن أقرئك القرآن أي أعلمك بقراءتي عليك كيف تقرأ فلا منافاة بين قوله إقرأ عليك وأقرئك. قال أبوعبيد: المراد بالعرض على أبٍّي ليتعلم أبيٌ منه القراءة ويتثبت فيها وليكون عرض القرآن سنة وللتنبيه على فضيلة أبي بن كعب وتقدمه في حفظ القرآن وليس المراد أن يستذكر منه النبي ﷺ شيئاً بذلك العرض. قال القاري: ووجه تخصيصه بذلك إنه بذل جهده في حفظ القرآن وما ينبغي له حتى قال ﷺ أقرؤكم أبي، ولما قيض له من الإمامة في هذا الشأن أمر الله نبيه ﷺ أن يقرأ عليه ليأخذ عنه رسم التلاوة كما أخذه النبي ﷺ عن جبريل ثم يأخذه على هذا النمط الآخر عن الأول والخلف عن السلف وقد أخذ عن أبٍّي بشر كثيرون من التابعين ثم عنهم من بعدهم، وهكذا فسرى سر تلك القراءة عليه حتى سرى سره في الأمة إلى الساعة (قال آلله) بمد الهمزة وكان في الأصل أألله بهمزتين وكان الأولى للإستفهام وقلبت الثانية الفاً ويجوز حذفها للعلم بها وهذا معنى قول الطيبي بالمد بلا حذف وبالحذف بلا مد (سماني لك) أي ذكرني باسمي لك. قال الحافظ: أي هل نص على باسمي أو قال إقرأ على واحد من أصحابك فأخترتني أنت. قال القرطبي: تعجب أبي من ذلك لأن تسمية الله له ونصه عليه ليقرأ عليه النبي ﷺ تشريف عظيم فلذلك بكى إما فرحاً وإما خشوعاً. وقال الطيبي: والمقصود التعجب إما هضماً أي أنى لي هذه المرتبة وإما استلذاذاً بهذه المنزلة الرفيعة (قال نعم) وفي رواية لهما قال الله سماك لي. قال الحافظ: وفي رواية للطبراني من وجه آخر عن أبي بن كعب قال نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى (قال وقد ذكرت) بصيغة المجهول أي أوقع ذلك والحال إني قد ذكرت على الخصوص وبهذا الوجه المخصوص. قال الطيبي: تقريب للتعجب (عند رب العالمين) أي مع عظمته وحقارتي (فذرفت عيناه) بفتح المعجمة والراء أي تساقطتا بالدموع إما فرحاً وسروراً بذلك وإما خشوعاً وخوفاً من التقصير في شكر تلك النعمة. وفي الحديث استحباب القراءة على أهل العلم وإن كان القاري أفضل من المقروء عليه (وفي رواية) للشيخين (إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا) كذا في هذه الرواية وهي رواية شعبة عن قتادة عن أنس وبين في رواية همام عن قتادة عند البخاري إن تسمية السورة لم يحمله قتادة عن أنس فإنه قال في آخر الحديث (بعد روايته بلفظ إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال الله سماني
стр. 3295
قال: وسماني؟ قال: نعم. فبكى)) . متفق عليه.
٢٢١٩- (١١) وعن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ : ((أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو))
ــ
لك قال الله سماك فجعل أبي يبكي) "قال قتادة: فانبئت أنه قرأ عليه لم يكن الذين كفروا" وسقط بيان ذلك من رواية سعيد بن أبي عروبة عند البخاري. قال الحافظ: وقد أخرجه الحاكم وأحمد والترمذي من طريق زر بن حبش عن أبي نفسه مطولاً، ولفظه إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال فقرأ عليه لم يكن الذين كفروا والجمع بين الروايتين حمل المطلق على المقيد لقراءته لم يكن دون غيرها- انتهى. وقال القاري: يحتمل إن هذه الرواية مبينة للقرآن في الرواية الأولى ويحتمل أن يكون قضية أخرى- انتهى. قلت: الاحتمال الأول هو الظاهر. قال القرطبي: خص هذه السورة بالذكر لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة والإخلاص والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء وذكر الصلاة والزكاة والمعاد وبيان أهل الجنة والنار مع وجازتها ولتحقيق قوله تعالى فيها: ﴿رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة﴾ [البينة: ٢] قال الحافظ في تخصيص أبي بن كعب: الننوية به في أنه أقرأ لصحابة فإذا قرأ عليه النبي ﷺ مع عظيم منزلته كان غيره بطريق التبع له (قال وسماني) أي لك كما في رواية (فبكى) سروراً وفرحاً بتسمية الله إياه في أمر القراءة أو خوفاً من العجز عن قيام شكر تلك النعمة (متفق عليه) سياق الرواية الأولى للبخاري كما تقدم وسياق الرواية الثانية لكليهما. والحديث أخرجه البخاري في المناقب وفي التفسير ومسلم في فضائل القرآن وفي كتاب الفضائل وفي كتاب الفضائل أي المناقب وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في المناقب والنسائي وغيرهم وفي الباب عن أبي حبة البدري أخرجه أحمد (ج٣ص٤٨٩) وابن قانع في معجم الصحابة والطبراني وابن مردوية ذكره الشوكاني في فتح القدير.
٢٢١٩- قوله: (نهى رسول الله ﷺ أن يسافر) بفتح الفاء أي يسافر أحد والسفر اسم واقع للغزو وغيره (بالقرآن) قال الطيبي: الباء زائدة لأنها دخلت على المفعول به الذي ناب عن الفاعل وليست هي كما في قوله لا تسافروا فإنها حال أي حال كونكم مصاحبين له ذكره القاري. وقال في اللمعات: قوله بالقرآن أي في الرواية الأولى حال والباء للمصاحبة أي مصاحباً بالقرآن (إلى أرض العدو) أي الكفار يعني دار الحرب خوفاً من الاستهانة به. قيل المراد بالقرآن بعض ما نسخ وكتب في عهده وقد كان يكتب بعض الصحابة لنفسه للحفظ أو للتلاوة، وإن لم يكن مجموعاً كله في مصحف واحد، فالمراد بالقرآن الصحف التي كتب عليها أو كان هذا إخباراً عن الغيب. وقال الباجي. يريد المصحف لما كان القرآن مكتوباً فيه سماه قرآناً ولم يرد ما كان منه محفوظاً في
стр. 3296
متفق عليه.
ــ
الصدور لأنه لا خلاف أنه يجوز لحافظ القرآن الغزو وإنما كان ذلك لأنه لا إهانة للقرآن في قتل الغازي.
وإنما الإهانة للقرآن بالعبث بالمصحف والاستخفاف به وقد روى مفسراً نهى أن يسافر بالمصحف رواه عبد الرحمن ابن مهدي عن مالك عن نافع عن ابن عمر- انتهى. قال الأبي لم يكن المصحف مكتوباً حينئذٍ فلعله من الأخبار عن مغيب أو لعله كان مكتوباً في رقاع فيصح، ويتقرر النهي عن السفر بالقليل والكثير منه لا سيما على القول إن القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير. وأما على القول بأنه اسم للجمع فيتعلق النهي بالقليل لمشاركته الكل في العلة فإن حرمة القليل منه كالكثير- انتهى. قلت: روى مفسراً أي بلفظ: المصحف محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عند أحمد (ج٢ص٧٦) وعقد البخاري في صحيحه باب كراهة السفر بالمصاحف إلى أرض العدو وقد سافر النبي ﷺ وأصحابه إلى أرض العدو وهم يعلمون القرآن. قال الحافظ: أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر بالقرآن السفر بالمصحف خشية أن يناله العدو ولا السفر بالقرآن نفسه، قال وادعى المهلب أن مراد البخاري بذلك تقوية القول بالتفرقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة فيجوز في تلك دون هذه والله أعلم. قال النووي: في الحديث النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث (الآتي) وهي خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته فإن أمنت هذه العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهر عليهم فلا كراهة ولا منع عنه حينئذٍ لعدم العلة هذا هو الصحيح وبه قال أبوحنيفة والبخاري وآخرون: وقال مالك وجماعة من أصحابنا: بالنهي مطلقاً. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة الجواز مطلقاً والصحيح عنه ما سبق. واتفق العلماء على أنه يجوز أن يكتب إليهم كتاب فيه آية أو آيات والحجة فيه كتاب النبي ﷺ إلى هرقل- انتهى. وقال ابن عبد البر: اجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في الكبير المأمون عليه فمنع مالك أيضاً مطلقاً وفصل أبوحنيفة وأدار الشافعية الكراهة مع الخوف وجوداً وعدماً. وقال بعضهم: كالمالكية واستدل به على منع بيع المصحف من الكافر لوجود المعنى المذكور فيه، وهو التمكن من الاستهانة به ولا خلاف في تحريم ذلك وإنما وقع الاختلاف هل يصح لو وقع ويؤمر بإزالة ملكه عنه أم لا. واستدل به على منع تعليم الكافر القرآن وبه قال مالك مطلقاً وأجاز الحنفية مطلقاً، وعن الشافعي قولان وفصل بعض المالكية بين القليل لأجل مصلحة قيام الحجة عليهم فأجازه وبين الكثير فمنعه، ويؤيده قصة هرقل حيث كتب إليه النبي ﷺ بعض الآيات. ونقل النووي الاتفاق على جواز الكتابة إليهم بمثل ذلك كذا في الفتح. قال الباجي: لا يجوز أن يعلم أحداً من ذراري الكفار القرآن لأن ذلك سبب لتمكنهم منه ولا بأس أن يقرأ عليهم احتجاجاً عليهم به ولا بأس أن يكتب إليهم بالآية ونحوها على سبيل الوعظ كما كتب ﷺ إلى ملك الروم ﴿يا أهل الكتاب! تعالوا إلى كلمة﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]- انتهى. (متفق عليه)
стр. 3297
وفي رواية لمسلم لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله العدو.
﴿الفصل الثاني﴾
٢٢٢٠- (١٢) عن أبي سعيد الخدري، قال: ((جلست في عصابة
ــ
رواه البخاري عن القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر ومسلم من طريق يحيى بن يحيى عن مالك به وأخرجه أحمد (ج٢ص٧- ٦٣) وابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك وزاد مخافة أن يناله العدو ورواه ابن وهب عن مالك فقال: خشية أن يناله العدو. وأخرجه أبوداود عن القعنبي عن مالك فقال قال مالك: أراه مخافة فذكره قال أبوعمر كذا قال يحيى بن يحيى الأندلسي ويحيي بن بكير وأكثر الرواة عن مالك جعلوا التعليل من كلامه ولم يرفعوه. وأشار إلى أن ابن وهب تفرد برفعها وليس كذلك لما تقدم من رواية أحمد وابن ماجه وهذه الزيادة رفعها أيضاً عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أخرجها إسحاق بن راهوية في مسنده عن محمد بن بشر وأحمد في مسنده (ج٢ص٥٥) عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله وكذلك أخرجها مسلم والنسائي وابن ماجه من طريق الليث عن نافع ومسلم من طريق حماد عن أيوب عن نافع بلفظ: فإني لا آمن أن يناله العدو وأحمد (ج٢ص٦) من طريق ابن علية و (ج٢ص١٠) من طريق سفيان عن أيوب بلفظ فإني أخاف أن يناله العدو، وكذا رواها مسلم من طريق ابن علية والثقفي عن أيوب ورفعها أيضاً عبد الله بن دينار عن ابن عمر أخرجها أحمد (ج٢ص١٢٨) من طريق سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو. قال الحافظ بعد ذكر جملة من هذه الروايات: فصح أنه مرفوع وليس بمدرج ولعل مالكاً كان يجزم به ثم صار يشك في رفعه فجعله من تفسير نفسه- انتهى. قيل: ولم يذكر البخاري ومسلم التعليل المذكور في روايتهما عن مالك للاختلاف عليه في رفعه ووقفه. وقد تقدم إن الحفاظ غير مالك اثبتوا رفعه فيكون هو الراجح المعتمد (وفي رواية لمسلم) رواها من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر (لا تسافروا بالقرآن) أي المصحف لا القرآن نفسه والمراد بالمصحف ما كتب فيه القرآن كله أو بعضه متميز إلا في ضمن كلام آخر، فلا ينافيه ما كتبه ﷺ في كتابه إلى هرقل من قوله (يا أهل الكتاب) الآية (فإني لا آمن أن يناله العدو) أي من أن يصيبه الكافر فلا يراعي حرمته بل يحقره أو يحرقه أو يلقيه في مكان غير لائق به وهذه الرواية أخرجها أيضاً أحمد (ج٢ص٦، ١٠) .
٢٢٢٠- قوله: (جلست في عصابة) بالكسر أي جماعة. قال الجزري: العصابة الجماعة من الناس
стр. 3298
من ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العرى، وقاري يقرأ علينا إذ جاء رسول الله ﷺ فقام علينا، فلما قام رسول الله ﷺ سكت القاري فسلم، ثم قال: ما كنتم تصنعون. قلنا: كنا نستمع إلى كتاب الله فقال: الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم قال فجلس وسطنا ليعدل بنفسه فينا. ثم قال: بيده هكذا فتحلقوا
ــ
وكذلك من الخيل والطير (من ضعفاء المهاجرين) يعني أصحاب الصفة (ليستتر) بلام التأكيد المفتوحة من الاستتار (من العرى) أي من أجله بضم العين وسكون الراء أي من كان ثوبه أقل من ثوب صاحبه كان يجلس خلف صاحبه تستراً به، والمقصود بيان فقرهم واحتياجهم وإنه لم يكن على أبدانهم ثياب تكفي للتستر ومن أجل ذلك كان يجلس بعضهم خلف بعض ليحصل الاستتار. وقيل: المراد العرى مما عدا العورة فالتستر لمكان المروءة فإنها لا تسمح بانكشاف ما لا يعتاد كشفه (وقاري يقرأ علينا) القرآن لنستمع ونتعلم (إذ جاء رسول الله ﷺ ) إذ للمفاجأة (فقام علينا) أي وقف يعني كنا غافلين عن مجيئه فنظرنا فإذا هو قائم فوق رؤسنا يستمع إلى كتاب الله (سكت القاري) أي تأدباً لحضوره وانتظاراً لما يقع من أموره (فسلم) أي فلما سكت القاري سلم الرسول واستدل بذلك على كراهة السلام على قاري القرآن لأنه ﷺ لم يسلم عليهم إلا إذا سكت القاري فتأمل, (ما كنتم تصنعون) إنما سألهم مع علمه بهم ليجيبهم بما أجابهم مرتباً على حالهم (قلنا كنا نستمع إلى كتاب الله) في أبي داود. قلنا: يا رسول الله! أنه كان قاري لنا يقرأ علينا فكنا نستمع إلى كتاب الله أي إلى قراءته أو إلى قارئه (جعل من أمتي من أمرت) بصيغة المجهول (أن أصبر نفسي معهم) أي أحبس نفسي معهم إشارة إلى قوله تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه﴾ [الكهف: ٢٨] أراد به زمرة الفقراء الملازمين لكتاب الله المتوكلين على الله المقربين عند الله (قال) أي أبوسعيد (فجلس) رسول الله ﷺ (وسطنا) بسكون السين وقد يفتح أي بيننا لا بجنب أحدنا (ليعدل) بكسر الدال أي ليسوى (بنفسه) أي نفسه الكريمة بجلوسه (فينا) أي يسوى نفسه ويجعلها عديلة مماثلة لنا بجلوسه فينا تواضعاً ورغبة فيما نحن فيه. قال الطيبي: أي ليجعل نفسه عديلاً ممن جلس إليهم ويسوى بينه وبين أولئك الزمرة رغبة فيما كانوا فيه وتواضعاً لربه انتهى. وقيل: معناه جلس النبي ﷺ وسط الحلقة ليسوى بنفسه الشريفة جماعتنا ليكون القرب من النبي ﷺ لكل رجل منا سواءً أو قريباً من السواء يقال عدل فلان بفلان سوى بينهما (ثم قال) أي أشار (بيده هكذا) أي أجلسوا حلقاً (فتحلقوا) أي قبالة وجهه ﵊ دل عليه قوله
стр. 3299
وبرزت وجوههم له، فقال: أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين: بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة)) .
ــ
(وبرزت) أي ظهرت (وجوههم له) بحيث يرى ﵊ وجه كل أحد منهم قاله القاري. وقال الجزري: تحلقوا أي صاروا حلقة مستديرة (أبشروا) أمر من الابشار أي افرحوا (يا معشر صعاليك المهاجرين) بفتح الصاد المهملة أي جماعة الفقراء من المهاجرين الصابرين جمع صعلوك بضم الصاد وهو الفقير (بالنور التام يوم القيامة) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا﴾ [التحريم: ٨] (تدخلون الجنة) استئناف فيه معنى التعليل (قبل أغنياء الناس) أي الشاكرين المؤدين حقوق أموالهم بعد تحصيلها مما أحل الله لهم فإنهم يوقفون في العرصات للحساب من أين حصلوا المال وفي أين صرفوه (وذلك) أي نصف يوم القيامة (خمس مائة سنة) لقوله تعالى: ﴿وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ [الحج: ٤٧] وإما في قوله تعالى: ﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ [المعارج: ٣] فمخصوص بالكافرين ﴿فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير﴾ [المدثر: ٩] وروى أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً أي سنة. ووجه الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد أن يقال المراد بكل من العددين إنما هو التكثير لا التحديد فتارة عبر به وأخرى بغيره تفنناً ومألهما واحداً أو أخبر أو لا بأربعين كما أوحى إليه ثم أخبر بخمس مائة عام زيادة من فضله على الفقراء ببركته ﷺ أو التقدير بأربعين خريفاً إشارة إلى أقل المراتب وبخمسمائة عام إلى أكثرها. ويدل عليه ما رواه الطبراني عن مسلمة بن مخلد ولفظه سبق المهاجرون الناس بأربعين خريفاً إلى الجنة ثم يكون الزمرة الثانية مائة خريف، فالمعنى أن يكون الزمرة الثالثة مائتين وهلم جراً، وكأنهم محصورون في خمس زمر أو الاختلاف باختلاف مراتب أشخاص الفقراء في حال صبرهم ورضاهم وشكرهم وهو الأظهر المطابق لما في جامع الأصول (ج٥ص٤٨٦) حيث قال وجه الجمع بينهما إن الأربعين أراد به تقدم الفقير الحريص على الغني الحريص وأراد بخمسمائة تقدم الفقير الزاهد على الغني الرغب فكان الفقير الحريص على درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد. وهذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة ولا تظنن إن هذا التقدير وأمثاله يجري على لسان الرسول ﷺ جزافاً ولا بالاتفاق بل لسر أدركه ونسبة أحاط بها علمه فإنه لا ينطق عن الهوى، فإن فطن أحد من العلماء إلى شي من هذه المناسبات وإلا فليس طعناً في صحتها- انتهى. وقال العلقمي: ويمكن الجمع بينهما بأن سباق الفقراء يسبقون سباق الأغنياء بأربعين عاماً وغير سباق الأغنياء بخمسمائة عام إذ في كل صنف من الفريقين سباق. وقال بعض المتأخرين: يجمع بأن هذا السبق يختلف بحسب أحوال الفقراء والأغنياء فمنهم من يسبق بأربع، ومنهم من يسبق بخمسمائة كما يتأخر مكث
стр. 3300
رواه أبوداود.
٢٢٢١- (١٣) وعن البراء بن عازب، قال: ((قال رسول الله ﷺ : زينوا القرآن بأصواتكم))
ــ
العصاة من الموحدين في النار بحسب جرائمهم، ولا يلزم من سبقهم في الدخول ارتفاع منازلهم بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإن سبقه غيره في الدخول، فالمزية مزيتان. مزية سبق، ومزية رفعة. قد تجتمعان وقد تنفردان- انتهى. (رواه أبوداود) في أواخر العلم وفي إسناده المعلى بن زياد القردوسي البصري. قال المنذري في مختصر السنن: فيه مقال. قلت قال الحافظ في التقريب: هو صدوق قليل الحديث زاهد اختلف قول ابن معين فيه. وقال في التهذيب (ج١٠ص٢٣٧) قال إسحاق بن منصور عن ابن معين وأبو حاتم ثقة. وقال أحمد بن سعيد بن مريم: سألت ابن معين عن معلى بن زياد فقال ليس بشي ولا يكتسب حديثه. وقال ابن عدي: هو معدود من زهاد أهل البصرة ولا أرى برواياته بأساً ولا أدري من أين. قال ابن معين: لا يكتسب حديثه- انتهى. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبوبكر البزار: ثقة- انتهى. والحديث أخرج الترمذي وابن ماجه منه، آخره من طريق عطية عن أبي سعيد قال (قال رسول الله ﷺ فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام) ، وفي الباب عن أبي هريرة عند الترمذي وابن ماجه وابن حبان يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام نصف يوم لفظ الترمذي، ولفظ ابن ماجه فقراء المؤمنين. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر تصحيح الترمذي: رواته محتج بهم في الصحيح.
٢٢٢١- قوله (زينوا القرآن بأصواتكم) أي بتحسين أصواتكم عند القراءة فإن الكلام الحسن يزيد حسناً وزينة بالصوت الحسن، وهذا أمر مشاهد ولما رأى بعضهم إن القرآن أعظم من أن يحسن بالصوت بل لصوت أحق بأن يحسن بالقرآن قال معناه زينوا أصواتكم بالقرآن. قال الخطابي: هكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث وزعموا إنه من باب المقلوب كما يقال عرضت الناقة على الحوض وإنما هو عرضت الحوض على الناقة وكقولهم إذا طلعت الشعري واستوى العود على الحرباء أي استوى الحرباء على العود. ثم روى بإسناده عن شعبة قال نهاني أيوب أن أحدث زينوا القرآن بأصواتكم، قال ورواه معمر عن منصور عن طلحة عن البراء فقدم الأصوات على القرآن وهو الصحيح ثم أسنده الخطابي من طريق عبد الرزاق عن معمر بلفظ: زينوا أصواتكم بالقرآن. وأخرج بهذا اللفظ الحاكم (ج١ص٥٧١، ٥٧٢) أيضاً. قال الخطابي: والمعنى أشغلوا أصواتكم بالقرآن والهجوا به واتخذوه شعاراً وزينة، يعنى ارفعوا به أصواتكم واجعلوا ذلك هجيراكم ليكون ذلك زينة لها قلت: لا حاجة إلى حمله على القلب بل هو محمول على ظاهره لما يأتي من قوله ﷺ فإن الصوت الحسن يزيد
стр. 3301
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي.
٢٢٢٢- (١٤) وعن سعد بن عبادة، قال: ((قال رسول الله ﷺ : ما من إمرىء يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم)) .
ــ
القرآن حسناً. قال في اللمعات: ولا محذور في ذلك لأن ما يزين الشيء يكون تابعاً له وملحقاً به كالحلي بالنسبة إلى العروس، وأيضاً المراد بالقرآن قراءته وهو فعل العبد. وفيه دليل على أن تحسين الصوت بالقرآن مستحب وذلك مقيد برعاية التجويد وعدم التغيير- انتهى. وقال المناوي: قيل معنى الحديث الحث على الترتيل الذي أمر به في قوله تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ [المزمل: ٤] والمعنى زينوا القرآن بالترتيل والتجويد وتلين الصوت وتحزينه. وقيل أراد بالقرآن القراءة والمعنى زينوا قراءة القرآن بأصواتكم الحسنة ويشهد لصحة هذا وإن القلب لا وجه له حديث أبي موسى إن النبي ﷺ استمع قراءته فقال لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود فقال لو علمت إنك تسمع لحبرته لك تحبيراً أي حسنت قرأته تحسيناً وزينتها، ويؤيد ذلك تأييداً لا شبهة فيه حديث ابن مسعود مرفوعاً إن حسن الصوت يزين القرآن أخرجه البزار بسند ضعيف، ورواه الطبراني بلفظ: حسن الصوت زينة القرآن ويؤيده أيضاً حديث ابن عباس عند الطبراني بسند ضعيف لكل شي حلية وحلية القرآن حسن الصوت حديث أنس لكل شي حلية وحلية القرآن الصوت الحسن أخرجه البزار بإسناد ضعيف. قال القاري: يعني كما إن الحلل والحلي يزيد الحسناء حسناً وهو أمر مشاهد فدل على أن رواية العكس محمولة على القلب لا العكس فتدبر ولا منع من الجمع- انتهى. (رواه أحمد) (ج٤ص٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤) (وأبو داود) والنسائي (وابن ماجه) في الصلاة (والدارمي) في فضائل القرآن كلهم من طريق طلحة عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء وعلقه البخاري في باب قول النبي ﷺ الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة من كتاب التوحيد ووصله في خلق أفعال العباد وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم وبسط طرقه، والبيهقي (ج٢ص٥٣) وفي الباب عن ابن عباس أخرجه الطبراني في الكبير والدارقطني في الإفراد، وعن أبي هريرة أخرجه أبونصر السخبري في الإبانة وعن عائشة عند أبي نعيم في الحلية.
٢٢٢٢- قوله (ما من إمريء يقرأ القرآن) أي بالنظر أو بالغيب يعني يحفظه على ظهر قلبه (ثم ينساه) أي بالنظر أو بالغيب أو المعنى ثم يترك قراءته نسي أو ما نسي. قال في اللمعات: ظاهر الحديث نسيانه بعد حفظه فقد عد ذلك من الكبائر. وقيل: المراد به جهله بحيث لا يعرف القراءة. وقيل: النسيان يكون بمعنى الذهول وبمعنى الترك وهو ههنا بمعنى الترك أي ترك العمل وقراءته. قلت: المتبادر من النسيان الواقع في هذا الحديث وأمثاله هو النسيان بعد الحفظ عن ظهر القلب فهو المراد منه (إلا لقي الله يوم القيامة أجذم) من الجزم بمعنى القطع وذكر
стр. 3302
رواه أبوداود، والدارمي.
ــ
في تفسيره أقوال. فقيل مقطوع اليد قاله أبوعبيد. وقيل الأجذم ههنا بمعنى المجذوم أي مقطوع الأعضاء يعني الذي ذهبت أعضاءه كلها إذ ليست يد القاري أولى من سائر أعضاءه يقال رجل أجذم إذا تساقطت أعضاءه من الجذام. وقيل المراد به أجذم الحجة أي لا حجة له ولا لسان يتكلم به يقال ليس له يد أي لا حجة له. وقيل: خالي اليد من الخير صفرها من الثواب كني بالنيه عما تحويه اليد. قال الحافظ: في معنى أجذم فقيل مقطوع اليد. وقيل مقطوع الحجة. وقيل مقطوع السبب من الخير. وقيل خالي اليد من الخير وهي متقاربة. وقيل: يحشر مجذوماً حقيقة ويؤيده إن في رواية زائدة بن قدامة عند عبد بن حميد أتى الله يوم القيامة وهو مجذوم- انتهى. والحديث فيه وعيد شديد لمن حفظ القرآن ثم نسيه وقد عد الرافعي وغيره نسيان القرآن من الكبائر. قال الحافظ: اختلف السلف في نسيان القرآن فمنهم من جعل ذلك من الكبائر وأخرج أبوعبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفاً. قال ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه لأن الله يقول ﴿ما أصابك من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠] ونسيان القرآن من أعظم المصائب واحتجوا أيضاً بما أخرجه أبوداود والترمذي من حديث أنس مرفوعاً عرضت على ذنوب أمتي فلم أر ذنباً أعظم من سورة القرآن أويتها رجل ثم نسيها وفي إسناده ضعف. وقد أخرج ابن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه ولفظه أعظم من حامل القرآن وتاركه (أي بعد ما كان حامله ثم نسيه) ومن طريق أبي العالية موقوفاً كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه وإسناده جيد ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن كانوا يكرهونه ويقولون فيه قولاً شديداً ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعاً من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم، وفي إسناده أيضاً مقال، وقد قال به من الشافعية أبوالمكارم والرؤياني. واحتج بأن الأعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به والتهاون بأمره. وقال القرطبي: من حفظ القرآن أو بعضه فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه فإذا أخل بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك فإن ترك معاهدة القرآن يفضي إلى الجهل والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد- انتهى. قلت: حديث أنس عند أبي داود والترمذي قد تقدم في باب المساجد. وقد بينا هناك ما فيه من الكلام وتزيد ههنا إن الدارقطني بين أن فيه انقطاعاً آخر، وهو إن ابن جريج رواية عن المطلب بن عبد الله لم يسمع من المطلب كما إن المطلب لم يسمع من أنس شيئاً فلم يثبت الحديث بسبب ذلك ذكره ابن حجر المكي في الزواجر (ج١ص١١١) (رواه أبوداود) في أواخر الصلاة من طريق ابن إدريس عن يزيد بن أبي زياد عن عيسى ابن فائد عن سعد بن عبادة (والدارمي) في فضائل القرآن من طريق شعبة عن يزيد عن عيسى عن رجل عن سعد ابن عبادة، وكذا أخرجه أحمد (ج٥ص٢٨٤- ٢٨٥) وقد سكت عليه أبوداود. وتقدم عن الحافظ أنه قال أن في إسناده مقالاً. وقال المنذري في إسناده. يزيد بن أبي زياد الهاشمي. مولاهم الكوفي ولا يحتج بحديثه.
стр. 3303
٢٢٢٣- (١٥) وعن عبد الله بن عمرو، ((أن رسول الله ﷺ قال: لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)) .
ــ
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم. عيسى بن فائد رواه عن من سمع سعد بن عبادة ففي سند أبي داود انقطاع، وفي سند أحمد والدارمي جهالة لكون الواسطة بين عيسى وسعد رجلاً مبهماً لا يدري من هو وأيضاً، عيسى هذا مجهول. قال الحافظ في التقريب: عيسى بن فائد أمير الرقة مجهول وروايته عن الصحابة مرسلة وقال في تهذيب التهذيب عيسى: بن فائد عن سعد بن عبادة في الذي ينسى القرآن. وقيل عن رجل عن سعد. وقيل: عن عبادة ابن الصامت. وقيل غير ذلك. قال ابن المديني: لم يرو عنه غير يزيد بن أبي زياد وقال ابن عبد البر هذا إسناد روى في هذا المعنى وعيسى بن فائد لم يسمع من سعد بن عبادة ولا أدركه قلت (قائله الحافظ) وقال ابن المديني مجهول- انتهى. وقال في الميزان: عيسى بن فائد لا يدري من هو عن سعد بن عبادة حديث من قرأ القرآن ونسيه لقي الله وهو أجذم رواه ابن إدريس عن يزيد بن أبي زياد عنه وهذا منقطع وعيسى يتأمل حاله. ثم قد رواه شعبة وجرير وخالد بن عبد الله وابن فضيل عن يزيد فادخلوا رجلاً بين ابن فائد وبين سعد. وقيل غير ذلك- انتهى. وعلى هذا فسكوت أبي داود على هذا الحديث معترض، ورواية يزيد عن عيسى عن عبادة بن الصامت أخرجها عبد الله بن أحمد (ج٥ص٣٢٢- ٣٢٧- ٣٢٨) .
٢٢٢٣- قوله (لم يفقه) بفتح القاف وهذا لفظ الترمذي وابن ماجه ورواه أبوداود والدارمي بلفظ: لا يفقه (من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) لأن من قرأ في دون هذه المدة لا بد أن يسرع في التلاوة فيغفل عن التدبر فيه ولا يكون له هم إلا أداء الألفاظ. قال في المجمع: لم يفقه الخ أي لم يفهم ظاهر معانيه من قرأه في أقل من هذه المدة، وأما فهم مقائقة فلا يفي به الأعمار والمراد نفي الفهم لا نفي الثواب- انتهى. قال السندي: قوله "لم يفقه" أخبار بأنه لا يحصل الفهم والفقه المقصود من قراءة القرآن فيما دون ثلاث أو دعاء عليه، بأن لا يعطيه الله تعالى الفهم وعلى التقديرين فظاهر الحديث كراهة الختم في ما دون ثلاث وكثير منهم أراد ذلك في الأعم الأغلب. وأما من غلبه الشغل فيجوز له ذلك- انتهى. قلت: لا شك في أن الظاهر الحديث كراهة ختم القرآن في أقل من الثلاث، ويؤيده ما روى عن عائشة إنها قالت ولا أعلم نبي الله قرأ القرآن كله في ليلة رواه مسلم. قالت: كان رسول الله ﷺ لا يختم القرآن في أقل من ثلاث رواه أبوعبيد في فضائل القرآن، ويؤيده أيضاً ما روى ابن أبي داود وسعيد بن منصور عن عبد الله بن مسعود موقوفاً لا تقرؤا القرآن في أقل من ثلاث. ورواه الطبراني في الكبير بلفظ: لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث اقرؤه في سبع. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وروى أبوعبيد عن معاذ بن جبل إنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث وقد اختلف السلف
стр. 3304
رواه الترمذي، وأبوداود، والدارمي.
ــ
في مدة الختم. قال الترمذي قال بعض أهل العلم: لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث للحديث الذي روى عن النبي ﷺ ، ورخص فيه بعض أهل العلم وروى عن عثمان بن عفان إنه كان يقرأ القرآن في ركعة يوتر بها، وروى عن سعيد بن جبير أنه قرأ القرآن في ركعة في الكعبة- انتهى. قلت: ذهب أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة إلى كراهة ختم القرآن فيما دون الثلاث. وذهب جماعة على جواز ذلك منهم عثمان وتميم الداري وعبد الله بن الزبير وسعيد بن المسيب وثابت البناني وسعيد بن جبير وعطاء بن السائب وغيرهم ذكرهم محمد بن نصر في قيام الليل. قال الحافظ بعد ذكر حديث عبد الله بن عمر: والذي نحن في شرحه وشاهده عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن ابن مسعود اقرؤا القرآن في سبع ولا تقرؤه في أقل من ثلث، ولأبي عبيد من طريق الطيب بن سليمان عن عمرة عن عائشة إن النبي ﷺ كان لا يختم القرآن في أقل من ثلث وهذا اختيار أحمد وأبي عبيد وإسحاق ابن راهوية وغيرهم. وثبت عن كثير من السلف إقرؤا القرآن في دون ذلك قال وأغرب بعض الظاهرية فقال يحرم أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث. وقال النووي: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والله أعلم- انتهى كلام الحافظ. قلت: قال النووي في الأذكار بعد ذكر عادات السلف: المختلفة في القدر الذي كانوا يختمون فيه القرآن والمختار إن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له معه كمال فهم ما يقرؤه وكذا من كان مشغولاً بنشر العلم أو فصل الحكومات ما بين المسلمين أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامة للمسلمين فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له ولا فوات كماله، من لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل أو الهذرمة في القراءة. وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة، ويدل عليه ما روينا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرها عن عبد الله ابن عمرو بن العاص مرفوعاً لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث- انتهى. وقال القاري: جرى على ظاهر الحديث جماعة من السلف فكانوا يختمون القرآن في ثلاث دائماً. وكرهوا الختم في أقل من ثلاث ولم يأخذ به آخرون نظراً إلى أن مفهوم العدد ليس بحجة فختمة جماعة في يوم وليلة مرة وآخرون مرتين وآخرون ثلاث مرات وختمه في ركعة من لا يحصون كثرة وزاد آخرون على الثلاث- انتهى. قلت: والمختار عندي ما اختاره الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية وأبو عبيد وغيرهم وذلك لحديث عبد الله بن عمرو وحديث عائشة والنبي ﷺ أحق أن يتبع (رواه الترمذي) في أواخر القراءات (وأبوداود والدارمي) في الصلاة وكذا ابن ماجه وأخرجه أحمد (ج٢ص١٦٤- ١٦٥- ١٨٩، ١٩٣، ١٩٥) وأبوداود الطيالسي والنسائي في فضائل القرآن وصححه الترمذي، ونقل المنذري والحافظ والنووي تصحيح الترمذي وسكتوا عليه.
стр. 3305
٢٢٢٤- (١٦) وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة. والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)) .
ــ
٢٢٢٤- قوله: (الجاهر بالقرآن) أي بقراءته (كالجاهر بالصدقة) أي كالمعلن بإعطاءها (والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة) وقد قال الله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١] فالظاهر من الحديث إن السر أفضل من الجهر كما أشار إليه النسائي حيث عقد على هذا الحديث باب فضل السر على الجهر لكن الذي يقتضيه أمره ﷺ لأبي بكر ارفع من صوتك إن الاعتدال في القراءة أفضل، فإما أن يحمل الجهر في الحديث على المبالغة والسر على الاعتدال أو على أن هذا الحديث محمول على ما إذا كان الحال تقتضي السر وإلا فالاعتدال في ذاته أفضل قاله السندي. وقال الترمذي: معنى هذا الحديث إن الذي يسر بالقراءة القرآن أفضل من الذي يجهر بقراءة القرآن لأن صدقة السر أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية، وإنما معنى هذا عند أهل العلم لكي يأمن الرجل من العجب لأن الذي يُيسرُّ بالعمل لا يخاف عليه بالعجب ما يخاف عليه في العلانية- انتهى. قلت: وردت أحاديث تقتضي استحباب رفع الصوت بالقراءة وأحاديث تقتضي الأسرار وخفض الصوت فمن الأول ما تقدم من حديث أبي هريرة عند الشيخين ما أذن الله لشي ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به، ومن الثاني حديث عقبة هذا وحديث معاذ بن جبل أخرجه الحاكم (ج١ص٥٥٥) بلفظ: حديث عقبة وصححه على شرط البخاري ووافقه الذهبي. قال النووي في الأذكار: والجمع بينهما إن الأسرار أبعد من الرياء فهو أفضل في حق من يخاف ذلك، فإن لم يخف الرياء فالجهر أفضل بشرط أن لا يؤذي غيره من مصل أو نائم أو غيرهما يعني إن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى مصلون أو نيام بجهره، والجهر أفضل في غير ذلك لأن العمل فيه أكبر ولأنه يتعدى نفعه إلى غيره أي من استماع أو تعلم أو إقتداء أو انزجار أو كونه شعاراً للدين، ولأنه يوقظ قلب القاري ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ولأنه يطرد النوم عنه ويزيد في النشاط ويوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه فمتى حضره شي من هذه النيات فالجهر أفضل- انتهى. قال السيوطي: ويدل لهذا الجمع حديث أبي داود بسند صحيح عن أبي سعيد اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر. وقال ألا أن كلكم مناج لربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة. قلت: ويدل له أيضاً ما روى الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر مرفوعاً السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الإقتداء به ذكره الذهبي في ترجمة عبد الملك بن مهران عن عثمان بن زائدة عن نافع عن ابن عمر. قال السيوطي: وقال بعضهم يستحب الجهر ببعض القراءة والأسرار وببعضها لأن المسر قد يميل فيأنس بالجهر والجاهر قد
стр. 3306
رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
٢٢٢٥- (١٧) وعن صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما آمن بالقرآن من استحل محارمه)) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوي.
ــ
بكل فيستريح بالأسرار (رواه الترمذي وأبوداود والنسائي وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب) الحديث أخرجه الترمذي في فضائل القرآن وأبوداود في الصلاة كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة الحضرمي عن عقبة وحسنه الترمذي وسكت عنه أبوداود. وقال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش، وفيه مقال، ومنهم من يصحح حديثه عن الشاميين وهذا الحديث شامي الإسناد- انتهى. وأخرجه النسائي في الزكاة من طريق معاوية بن صالح عن بحير بن سعد وكذا عبد الله بن أحمد (ج٤ص١٥١- ١٥٨) وأخرجه النسائي أيضاً في الصلاة من طريق زيد بن واقد عن كثير بن مرة وعبد الله بن أحمد (ج٤ص٢٠١) من طريق زيد بن واقد عن سليمان بن موسى عن كثير بن مرة،، فالحديث حسن بل صحيح، وفي الباب عن معاذ بن جبل أخرجه الحاكم وصححه، وعن أبي أمامة رواه الطبراني في الكبير من طريقين في أحدهما بشير بن نمير وهو متروك وفي الأخرى إسحاق بن مالك ضعفه الأزدي كذا في مجمع الزوائد.
٢٢٢٥- قوله: (وعن صهيب) بالتصغير (ما آمن بالقرآن من استحل محارمه) جمع محرم بمعنى الحرام الذي هو المحرم والضمير للقرآن والمراد فرداً من هذا الجنس يعني هو كافر لاستحلاله الحرام المنصوص عليه في القرآن وخص القرآن لعظمته وإلا فمن استحل المجمع على تحريمه المعلوم ضرورة كافر أيضاً. قال الطيبي: من استحل ما حرمه الله فقد كفر مطلقاً وخص ذكر القرآن لعظمته وجلالته (رواه الترمذي) في فضائل القرآن عن محمد بن إسماعيل الواسطي نا وكيع نا أبوفروة يزيد بن سنان عن أبي المبارك عن صهيب (وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوي) في نسخ الترمذي الموجودة عندنا "ليس إسناده بذاك" يعني ليس بالقوي فكأن المصنف ذكره بالمعنى. وقال الترمذي أيضاً بعد ذكر الاختلاف في سنده. وأبو المبارك رجل مجهول. قلت: ولم يدرك صهيباً فالحديث منقطع أيضاً. قال الحافظ في التقريب: أبوالمبارك عن عطاء مجهول، وروايته عن صهيب مرسلة. وقال في التهذيب: أبوالمبارك روى عن عطاء بن أبي رباح وأرسل عن صهيب. قال الترمذي: مجهول. وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال هو شبيه بالمجهول. وقال الذهبي في الميزان في أبي المبارك: هذا لا يدري من هو وخبره منكر. وقال بعد ذكر الحديث من طريق الترمذي المذكورة هو منقطع. قال الترمذي: ليس إسناده بالقوي. قال الذهبي وأبو المبارك: لا تقوم به حجة لجهالته- انتهى. قال الترمذي: وقد خولف وكيع في روايته فروى محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه فزاد في الإسناد عن مجاهد عن سعيد المسيب عن
стр. 3307
٢٢٢٦- (١٨) وعن الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، أنه سأل أم سلمة عن قراءة النبي ﷺ فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفاً حرفاً.
ــ
صهيب ولا يتابع محمد بن يزيد على روايته. وقال البخاري: يزيد بن سنان ليس بحديثه بأس إلا رواية ابنه محمد عنه فإنه يروي عنه مناكير- انتهى. قلت: رواه من هذا الطريق الذهبي في الميزان والبيهقي في شعب الإيمان. قال الذهبي: محمد بن يزيد الذي جود سنده ليس بعمدة كأبيه- انتهى. قلت: يزيد بن سنان والد محمد بن يزيد ضعفه أحمد وابن المديني وأبو داود والدارقطني والنسائي وقال ابن معين: ليس بشي. وقال أبوحاتم: محله الصدق وكان الغالب عليه الغفلة يكتب حديثه ولا يحتج به فالحديث بطريقيه ضعيف. قال في تنقيع الرواة وفي الباب عن أنس عند أبي نعيم وعن جابر عند الخطيب في تاريخه.
٢٢٢٦- قوله: (وعن الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي يكنى أبا الحارث فقيه أهل مصر. قال في التقريب: ثقة ثبت فقيه إمام مشهور ولد في قرية في أسفل مصر يوم الخميس لأربع عشرة من شعبان سنة أربع وتسعين روى عن ابن أبي مليكة وعطاء والزهري وغيرهم وحدث عنه خلق كثير، منهم ابن المبارك، قدم بغداد سنة إحدى وستين ومائة وعرض عليه المنصور ولاية مصر فأبى واستعفاه. قال يحيى بن بكير: رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث، وفي رواية ما رأيت أكمل من الليث وقال أيضاً الليث أفقه من مالك ولكن كانت الحظوة لمالك، وقال نحو ذلك الشافعي، قال ابن حبان في الثقات: كان من سادات أهل زمانه فقهاً وورعاً وعلماً وفضلاً وسخاء، كان دخله كل سنة ثمانين ألف دينار ما وجبت عليه زكاة مات في يوم الجمعة نصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة وقد أفرد الحافظ ترجمة رسالة سماها الرحمة الغيثية بالترجمة الليثية، طبعت ببولاق مصر مع الخلاصة في أسماء الرجال للخزرجي (عن ابن أبي مليكة) بالتصغير (عن يعلى) بفتح التحتية وسكون المهملة وفتح اللام والقصر كيرضى (بن مملك) بفتح الميم الأولى واللام بعدها كاف عن قراءة النبي ﷺ ) أي عن صفتها (فإذا هي تنعت) أي تصف وتبين بالقول أو بالفعل بأن تقرأ كقراءته ﷺ (قراءة مفسرة) بفتح السين المشددة من الفسر وهو البيان أي مبينة (حرفاً حرفاً) أي مرتلة مجردة مميزة غير مخالطة بل كان يقرأ بحيث يمكن عد حروف ما يقرأ، والمراد حسن الترتيل والتلاوة على نعت التجويد "وحرفاً حرفاً" حال أي حال كونها مفصولة الحروف نحو أدخلتهم رجلاً رجلاً أي منفردين. قال الطيبي: نعتها لقراءته ﷺ يحتمل وجهين. أحدهما أن تقول كانت قراءته كيت وكيت. والثاني أن تقرأ قراءة مرتلة مبينة وتقول كان النبي يقرأ مثل هذه القراءة. والحديث يدل على استحباب قراءة القرآن مرتلة مبينة. قال في شرح المهذب: قد اتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع. قالوا: وقراءة جزع بترتيل أفضل من قراء جزءين في قدر ذلك الزمان
стр. 3308
رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.
٢٢٢٧- (١٩) وعن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته، يقول: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرحمن الرحيم﴾ ثم يقف.
ــ
بلا ترتيل، قالوا: واستحباب الترتيل للتدبر لأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير وأشد تأثيراً في القلب، ولهذا يستحب للأعجمي الذي لا يفهم معناه. وقال الجزري في النشر: اختلف هل الأفضل الترتيل وقلة القراءة لو السرعة مع كثرتها وأحسن بعض أئمتنا. فقال إن ثواب قراءة الترتيل أجل قدراً وثواب الكثرة أكثر عدداً لأن بكل حرف عشر حسنات- انتهى. قال القاري: ولا شك إن اعتبار الكيفية أولى من اعتبار الكمية وقد بسط الكلام في ذلك ابن القيم في زاد المعاد (ج١ص٩٠) فأجاد فعليك أن تراجعه (رواه الترمذي) في أواخر فضائل القرآن وأخرجه أيضاً في الشمائل (وأبو داود والنسائي) في الصلاة وأخرجه أيضاً عبد الله بن أحمد (ج٦ص٢٩٤-٣٠٠) والحاكم (ج١ص٣١٠) والحديث سكت عنه أبوداود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي والحديث قطعة من حديث طويل تقدم في آخر باب صلاة الليل.
٢٢٢٧- قوله: (وعن ابن جريج) بالتصغير (يقطع) من التقطيع وهو جعل الشيء قطعاً قطعاً (قراءته) زاد في رواية أحمد وأبي داود والحاكم آية آية يقف عند رأس كل آية وإن تعلقت بما بعدها فيسن الوقف على رؤس الآي وإن تعلقت بما بعدها كما صرح به البيهقي وغيره خلافاً لبعض القراء حيث منع الوقف إذا تعلقت بما بعدها وجعله بعضهم خلاف الأولى. وقال القاري: قوله "يقطع قراءته" أي يقرأ بالوقف على رؤس الآيات (يقول الحمد لله رب العالمين ثم يقف ثم يقول الرحمن الرحيم ثم يقف) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا وقع في الشمائل للترمذي ولفظه في جامعه "يقرأ الحمد لله رب العالمين ثم يقف الرحمن الرحيم ثم يقف" وذكر في جامع الأصول (ج٣ص١٧) بلفظ: يقول بدل يقرأ وقوله "ثم يقف" أي يمسك عن القراءة قليلاً ثم يقرأ الآية التي بعدها وهكذا إلى آخر السورة، وهذا بيان لقوله "يقطع" بدل أو حال أو استئناف واعلم أن الوقف عند القراء عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمناً يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة لا بنية الأعراض ويكون في رؤس الآي وأوسطها ولا يأتي في وسط الكلمة ولا فيما اتصل رسماً. ثم إنهم اختلفوا في أنواع الوقف والابتداء. فقال ابن الأنباري: الوقف على ثلاثة أوجه تام وحسن وقبيح، وقال غيره الوقف
стр. 3309
ينقسم إلى أربعة أقسام تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك. وقال السجاوندي: الوقف على خمس مراتب. لازم، ومطلق، وجائز، ومجوز بوجه، ومرخص ضرورة. وقال ابن الجزري: أكثر ما ذكر الناس في أقسام الوقف غير منضبط ولا منحصر ثم بين ما هو أقرب إلى الضبط عنده وقال في ما ذكر لضبطه وإن كان التعلق بما بعده من جهة اللفظ أي لا من جهة المعنى فهو المسمى بالحسن لأنه في نفسه حسن مفيد يجوز الوقف عليه دون الابتداء مما بعده للتعلق اللفظي إلا أن يكون رأس آية فإنه يجوز في اختيار أكثر أهل الأداء لمجيئة عن النبي ﷺ في حديث أم سلمة يعني الذي نحن في شرحه. وقال القاري: الوقف المستحسن على أنواع ثلاثة، الحسن، والكافي، والتام. فيجوز الوقف على كل نوع عند القراء. وقد أشار إليها الجزري بقوله:
وهي لما تم فإن لم يوجد تعلق أو كان معنى فابتد
فالتام فالكافي ولفظاً فامنعن إلا رؤس الآي جوز فالحسن
وشرحه يطول قال. وهذا الوقف يعني المذكور في حديث أم سلمة يسمى حسناً- انتهى. ومن أحب الوقوف على تعريفات أنواع الوقف والابتداء وما فيها من الاختلاف رجع إلى الإتقان وغيره من كتب هذا الفن. قال القاري: اختلف أرباب الفن في الوقف على رأس الآية إذا كان هناك تعلق لفظي كما نحن فيه (من تعلق الصفة والموصوف) واستدل له بهذا الحديث وعليه الشافعي، وأجاب الجمهور عنه بأن وقفه كان لبيان للسامعين رؤس الآي، فالجمهور على أن الوصل أولى فيها والجزري على أنه يستحب الوقف عليها بالانفصال- انتهى. قلت: وإليه ذهب أبوعمرو من القراء. قال السيوطي في الاتقان (ص٨٧) بعد ذكر مذاهب القراء في الوقف، والابتداء: وكان أبوعمرو يتعمد رؤس الآي ويقول هو أحب إلى فقد قال بعضهم إن الوقف عليه سنة. وقال البيهقي في الشعب وآخرون: الأفضل الوقف على رؤس الآيات وإن تعلقت بما بعدها اتباعاً لهدى رسول الله ﷺ وسنته. ثم ذكر السيوطي حديث أم سلمة. وقال ابن القيم في زاد المعاد: (ج١ص٩٠) كان رسول الله ﷺ يقف عند كل آية وذكر الزهري إن قراءة رسول الله ﷺ كانت آية آية وهذا هو الأفضل الوقوف على رؤس الآيات وإن تعلقت بما بعدها. وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد والوقوف عند انتهاءها واتباع هدى النبي ﷺ وسنته أولى، وممن ذكر البيهقي في شعب الإيمان وغيره. ورجح الوقوف على رؤس الآي وإن تعلقت بما بعدها- انتهى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في أشعة اللمعات (ج٢ص١٦٤) وعلى القواعد المقررة عند أرباب القراءة الوصل في أمثال هذه الآيات أرجح، لكن إذا كان على رؤس الآي فالوقف عليها والابتداء بما بعدها سنة- انتهى. قلت: لا شك في كون هذا سنه فيكون هو الأرجح
стр. 3310
رواه الترمذي. وقال: ليس إسناده بمتصل، لأن الليث روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم سلمة. وحديث الليث أصح.
﴿الفصل الثالث﴾
٢٢٢٨- (٢٠) عن جابر، قال خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا
ــ
والأولى لأن الفضل والكمال في متابعة في كل حال، وما تفوه به التوربشتي والطيبي ههنا ليس مما يلتفت إليه (رواه الترمذي) في أول القراءات من جامعة، ورواه أيضاً في شمائله وأخرجه أيضاً عبد الله بن أحمد (ج٦ص٣٠٢) وأبوداود في الحروف والحاكم (ج٢ص٢٣١- ٢٣٢) كلهم من طريق يحيى بن سعيد الأموي وهو ثقة عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة (لأن الليث) بن سعد (روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة) إنها وصفت قراءة النبي ﷺ حرفاً حرفاً، يعني فزاد الليث بين ابن أبي مليكة وأم سلمة يعلى بن مملك، فعلم إن إسناد حديث يحيى بن سعيد الأموي بدون ذكر يعلى بن مملك بينهما منقطع (وحديث الليث أصح) أي من حديث يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة يعني فيحمل على أن يحيى بن سعيد الأموي، أو ابن جريج ترك ذكر يعلى بن مملك فصار سند حديثه منقطعاً. قلت: الحديث سكت عنه أبوداود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي ونقل المنذري كلام الترمذي وأقره، وقد تعقبه الشيخ في شرح الترمذي بما توضيحه إن في البخاري "قال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من الصحابة" وقال ابن حبان في الثقات: رأى ثمانين من الصحابة، وتوفي سنة سبع عشرة ومائة وتوفيت أم سلمة اثنتين وستين أو في آخر إحدى وستين. وصرح الحافظ في تهذيبه إن ابن أبي مليكة روى عن أسماء وعائشة وأم سلمة وعلى هذا فلا يبعد سماعه من أم سلمة فيجوز أن يكون ابن أبي مليكة سمع حديث التقطيع من أم سلمة مباشرة بلا واسطة، وحدث به ابن جريج كما سمعه وسمع حديث وصف القراءة حرفاً حرفاً بواسطة يعلى بن مملك، وحدث به الليث بن سعد كما سمعه. والحاصل إنهما حديثان مختلفاً السياق، والمعنى مرويان عن أم سلمة، أحدهما حديث نعت القراءة حرفاً حرفاً حدثت به أم سلمة يعلى بن مملك وهو حدث به ابن أبي مليكة ورواه عنه الليث، والثاني حديث التقطيع حدثت به ابن أبي مليكة وهو حدث به ابن جريج، وعلى هذا فالحديثان متصلان صحيحان ثابتان. وقيل: رواية الليث بن سعد من المزيد في متصل الأسانيد لتحقق سماع ابن أبي مليكة من أم سلمة عند علماء الرجال. وقيل: رواية ابن جريج أصح لأنه تابعه على إسناده نافع ابن عمر الجمعحي وهو ثقة ثبت. وقد صحح حديث ابن جريج الدارقطني وغيره والله أعلم.
٢٢٢٨- قوله: (ونحن نقرأ) جملة حالية (وفينا) أي معشر القراء أو في جماعة الصحابة الموجودين
стр. 3311
الأعرابي والعجمي. فقال: إقرؤا فكل حسن. وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح،
ــ
(الأعرابي) بفتح الهمزة أي البدوي ويجمع على الأعراب والأعاريب والنسبة إلى الأعراب أعرابي. وإنما قيل في النسب إلى الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له على هذا المعنى ألا ترى إنك تقول العرب فلا يكون على هذا المعنى، وحكى الأزهري رجل عربي إذا كان نسبه في العرب ثابتاً، وإن لم يكن فصيحاً وجمعه العرب كما تقول رجل موسى ويهودي، والجمع بحذف ياء النسبة المجوس واليهود ورجل معرب إذا كان فصيحاً وإن كان عجمي النسب ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدوياً سواء كان من العرب أو من مواليهم، والأعرابي إذا قيل له يا عربي هش له، والعربي إذا قيل يا أعرابي غضب له، فمن نزل البادية أو جاور البادين وظعن بظعنهم وانتوى بانتوائهم فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عرب وإن لم يكونوا فصحاء (والعجمي) نسبة إلى العجم أي غير العربي من الفارسي والرومي والحبشي كسلمان وصهيب وبلال قاله الطيبي. قال الطيبي: وقوله: "فينا" يحتمل احتمالين أحدهما إن كلهم منحصرون في هذين الصنفين، وثانيهما إن فينا معشر العرب أصحاب النبي ﷺ أو فيما بيننا تانك الطائفتان وهذا الوجه أظهر لأنه ﵊ فرق بين الأعرابي والعربي بمثل ما في خطبته مهاجر ليس بأعرابي حيث جعل المهاجر ضد الأعرابي، والأعراب ساكن البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس ولا واحد له من لفظه سواء أقام بالبادية أو المدن- انتهى. وحاصله إن العرب أعم من الأعراب وهم أخص ومنه قوله تعالى: ﴿الأعراب أشد كفراً ونفاقاً﴾ [التوبة: ٩٧] ﴿وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ (فقال اقرؤا) أي القرآن كما تقرؤن، وفي رواية أحمد (ج٣ص٣٩٧) قال (أي جابر) فاستمع فقال اقرؤا (فكل حسن) أي فكل قراءة من قراءتكم حسنة مرجوة أو محصلة للثواب إذا آثرتم الآجلة على العاجلة ولا عليكم أن لا تقيموا ألسنتكم إقامة القدح وهو السهم قبل أن يعمل له ريش ولا نصل، والمقصود إن قراءة الأعرابي والعجمي وإن كانت بالنظر إلى خروج الألفاظ عن مخارجها ورعاية صفاتها وقواعد لسان العرب غير مستقيمة، ولكن باعتبار ترتب الثواب عليها والقبول عند الله معتبرة (وسيجيء أقوام يقيمونه) أي حروفه وألفاظه ويجودونها بتفخيم المخارج وتمطيط الأصوات. وقال القاري: أي يصلحون ألفاظه وكلماته ويتكلفون في مراعاة مخارجه وصفاته (كما يقام القدح) بكسر القاف وسكون الدال أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة لأجل الرياء والسمعة والمباهاة والشهرة. والحاصل إنهم يبالغون في التحسين والتطريب ويجهدون غاية جهدهم في إصلاح الألفاظ ومراعاة صفاتها ومراعاة قواعد الفن رياء وسمعة ومباهاة وشهرة فليس غرضهم بهذا إلا طلب الدنيا. وفي الحديث رفع الحرج وبناء الآمر على المساهلة فيما يتعلق بقراءة الألفاظ
стр. 3312
يتعجلونه ولا يتأجلونه)) . رواه أبوداود، والبيهقي في شعب الإيمان.
٢٢٢٩- (٢١) وعن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إقرؤا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل العشق،
ــ
والحروف على السجية والفطرة والحرص كل الحرص على فهم المعاني والعلم بالمقاصد والإتباع لشرائعه وأحكامه. قال الطيبي: فيه رفع الجرح وبناء الأمر على المساهلة في الظاهر وتحري الحسبة والإخلاص في العمل والتفكر في معاني القرآن والغوص في عجائب أمره (يتعجلونه) أي يطلبون جزاءه وثوابه في الدنيا فهو على حذف مضاف وقيل: أي يشترون بآياته ثمناً قليلاً (ولا يتأجلونه) قال الجزري: التأجل تفعل من الأجل أي لا يؤخرونه إلى أجل والأجل مدة معينة- انتهى. قال القاري: لا يتأجلونه أي بطلب الأجر في العقبي بل يؤثرون العاجلة على الآجلة ويتأكلونه ولا يتوكلون. والحديث رواه عبد الله بن أحمد (ج٣ص٣٥٧) بلفظ: دخل النبي ﷺ المسجد فإذا فيه قوم يقرؤن القرآن قال إقرؤا القرآن وابتغوا به الله عزوجل) قال العزيزي: أي إقرؤه على الكيفية التي يسهل على ألسنتكم النطق بها مع اختلاف ألسنتكم فصاحة ولثغة ولكنة من غير تكلف ولا مشقة في مخارج الحروف ولا مبالغة ولا إفراط في المد والهمز والإشباع فقد كانت قراءة رسول الله ﷺ والتابعين له سهلة (من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه) أي يطلبون بقراءته العاجلة أي عرض الدنيا والرفعة فيها ولا يلتفتون إلى الأجر في الدار الآخرة وهذا من معجزاته ﷺ فإنه أخبار عن غيب قبل مجيئه (رواه أبوداود) في الصلاة (والبيهقي) وأخرجه أيضاً عبد الله بن أحمد (ج٣ص٣٥٧- ٣٩٧) وسكت عنه أبوداود والمنذري وفي الباب عن هل بن سعد عند أحمد (ج٥ص٣٣٨) وأبي داود وغيرهما.
٢٢٢٩- قوله: (اقرؤا القرآن بلحون العرب) قال الجزري: اللحون والإلحان جمع لحن، وهو التطريب وترجيع الصوت وتحسين قراءة القرآن أو الشعر أو الغناء (وأصواتها) أي ترنماتها الحسنة التي لا يختل معها شي من الحروف عن مخرجه لأن ذلك يضاعف النشاط قال القاري: وأصواتها عطف تفسيري أي بلا تكلف النغمات من المدات والحركات الطبيعة الساذجة عن التكلفات (وإياكم ولحون أهل العشق) أي أصحاب الفسق من المسلمين الذين يخرجون القرآن عن موضعه بالتمطيط بحيث يزيد أو ينقص حرفاً فإنه حرام إجماعاً وراجع الفتح من باب من لم يتغن بالقرآن. وزاد المعاد (ص١٣٧) فإنهما بسطا الكلام في ذكر اختلاف العلماء في القراءة بالألحان. قيل: المراد بلحون أهل العشق ما يقرأ بها الرجل في مغازلة النساء في الأشعار برعاية القواعد الموسيقية والتكلف
стр. 3313
ولحون أهل الكتابين، وسيجيء بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم)) .
ــ
بها، ووقع في مجمع الزوائد والجامع الصغير والإتقان والكنز أهل الفسق أي بالفاء ثم السين المهملة بدل العشق وهو تصحيف والصحيح أهل العشق (ولحون أهل الكتابين) أي التوراة والإنجيل وهم اليهود والنصارى وكانوا يقرؤن كتبهم نحواً من ذلك ويتكلفون لذلك ومن تشبه بقوم فهو منهم. قال في جامع الأصول (ج٣ص١٦٤) ويشبه أن يكون ما يفعله القراء في زماننا بين يدي الوعاظ وفي المجالس من اللحون الأعجمية التي يقرؤن بها نهى عنه رسول الله ﷺ (يرجعون) بالتشديد أي يرددون أصواتهم (بالقرآن) قال الجزري: الترجيع ترديد الحروف كقراءة النصارى (ترجيع الغناء) بالكسر والمد بمعنى النغمة أي كترجيع أهل الغناء (والنوح) بفتح النون أي وأهل النياحة. قال القاري: المراد ترديداً مخرجاً لها عن موضوعها إذ لم يتأت تلحينهم على أصول النغمات إلا بذلك. وقد عقد البخاري في صحيحه باب الترجيع، وذكر فيه حديث عبد الله بن مغفل قال رأيت النبي ﷺ يقرأ وهو على ناقته أو جمله وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح قراءة لينة يقرأ وهو يرجع. قال الحافظ: الترجيع هو تقارب ضروب الحركات في القراءة وأصله الترديد وترجيع الصوت ترديده في الحلق، وقد فسره في حديث عبد الله بن مغفل في كتاب التوحيد بقوله أاأ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى وهو محمول على إشباع المد في محله، وكان هذا الترجيع منه ﷺ اختياراً لا اضطراراً لهز الناقة له فإنه لو كان لهز الناقة لما كان داخلاً تحت الاختيار فلم يكن عبد الله بن مغفل يفعله ويحكيه اختياراً ليتأسى به وهو يراه من هز الناقة له، ثم يقول كان يرجع في قراءته فنسب الترجيع إلى فعله. وقد ثبت في رواية الإسماعيلي فقال لولا أن يجتمع الناس علينا لقرأت ذلك اللحن أي النغم وفي حديث أم هانيء المروي في شمائل الترمذي وسنن النسائي وابن ماجه وابن أبي داود واللفظ له كنت أسمع صوت النبي ﷺ وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القرآن. وقال ابن أبي جمرة: معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة (لا يجاوز) أي قراءتهم (حناجرهم) جمع حنجرة وهي الحلقوم مجرى النفس وهو كناية عن عدم القبول. قال الطيبي: التجاوز يحتمل الصعود والحدور أي لا يصعد عنها إلى السماء ولا يرفعها الله بالقبول أو لا يصل ولا ينحدر قراءتهم إلى قلوبهم ليدبروا آياته ويتفكروا فيها ويعملوا بمقتضاه (مفتونة) بالنصب على الحالية ويرفع على أنه صفة أخرى لقوم أي مبتلى بحب الدنيا وتحسين الناس لهم (قلوبهم) بالرفع على الفاعلية وعطف عليه قوله (وقلوب الذين يعجبهم شأنهم) أي يستحسنون قراءتهم ويستمعون تلاوتهم
стр. 3314
رواه البيهقي في شعب الإيمان.
٢٢٣٠- (٢٢) وعن البراء بن عازب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً)) . رواه الدارمي.
٢٢٣١- (٢٣) وعن طاووس، مرسلا، قال: سئل النبي ﷺ أي الناس أحسن صوتاً للقرآن؟ وأحسن قراءة؟ قال: ((من إذا سمعته يقرأ أريت أنه يخشى الله)) . قال طاووس: وكان طلق كذلك.
ــ
(رواه البيهقي في شعب الإيمان) وكذا الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: وفيه راو لم يسم (ورزين في كتابه) أي بلا سند ولا يوجد في شيء من أصوله.
٢٢٣٠- قوله: (حسنوا القرآن) أي زينوه ففي رواية الحاكم زينوا القرآن (بأصواتكم) قال الطيبي. وذلك بالترتيل وتحسين الصوت بالتليين والتحزين وهذا الحديث لا يحتمل القلب كما احتمله الحديث السابق لقوله (فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً) وفيه طلب الجهر بالقراءة وتحسين الصوت ومحله فيمن أمن من الرياء ولم يؤذ نحو مصل أو نائم (رواه الدارمي) من طريق محمد بن بكر عن صدقة بن أبي عمران عن علقمة بن مرثد عن زاذان عن البراء، وكذا الحاكم (ج١ ٥٧٥) ونسبه في الجامع الصغير والكنز لمحمد بن نصر أيضاً.
٢٢٣١- قوله: (من إذا سمعته يقرأ أريت) بصيغة المجهول من الإراءة أي حسبته وظننته (إنه يخشى الله) أي إذا قرأ حصل له الخوف لما يتدبره من المواعظ ولما فيه من الوعيد. قال السندي: أي المطلوب من تحسين الصوت بالقرآن أن تنتج قراءته خشية الله فمن رأيتم فيه الخشية فقد حسن الصوت بالقرآن المطلوب شرعاً فيعد من أحسن الناس صوتاً- انتهى. وقال في اللمعات: حاصل الجواب إنه يظهر في حسن صوته آثار الخشية والتحزن فالخشية إنما يفهم من صوته وقراءته على الصفة المخصوصة فمن يوجد في صوته هذه الصفة فهو أحسن صوتاً، فليس الجواب على الأسلوب الحكيم، كما قال الطيبي حيث اشتغل بالجواب عن الصوت الحسن بما يظهر الخشية في القاري والمستمع (وكان طلق) بسكون اللام (كذلك) أي بهذا الوصف وطلق هذا هو طلق بن حييب العنزي البصري صدوق من أوساط التابعين روى عن ابن عباس وابن الزبير وابن عمرو بن العاص وجابر وأنس وغيرهم وعنه طاووس وهو من أقرانه والأعمش ومنصور وغيرهم. قال مالك بن أنس: بلغني إن طلق بن حبيب كان من العباد وإنه هو وسعيد بن جبير وقراء كانوا معهم طلبهم الحجاج وقتلهم وذكره ابن حبان
стр. 3315
رواه الدارمي.
٢٢٣٢- (٢٤) وعن عبيدة المليكي، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أهل القرآن! لا تتوسدوا القرآن)) .
ــ
في الثقات وقال كان مرجياً عابداً. وقال العجلي: مكي تابعي ثقة كان من أعبد أهل زمانه. وقال طاووس: كان طلق ممن يخشى الله تعالى كذا في تهذيب التهذيب (رواه الدارمي) من طريق جعفر بن عون عن مسعر عن عبد الكريم عن طاووس قال: سئل النبي ﷺ ، قال في تنقيح الرواة: وأخرجه أيضاً عبد الرزاق مرسلاً. قال: وأخرجه محمد بن نصر في كتاب الصلاة والبيهقي في الشعب والخطيب متصلاً عن ابن عباس، وقال: أي الخطيب تفرد بوصله عن مسعر إسمعيل بن عمرو البجلي نزيل أصبهان، ورواه غيره عن مسعر عن طاووس مرسلاً لم يذكر فيه ابن عباس- انتهى. وإسمعيل المذكور ضعفه أبوحاتم والدارقطني وابن عقدة والعقيلي والأزدي. وقال الخطيب صاحب غرائب ومناكير عن الثوري وذكره ابن حبان في الثقات فقال يغرب كثيراً. وقال أبوالشيخ في طبقات الأصبهانيين: غرائب حديثه تكثره وذكره إبراهيم بن أرومة فأثنى عليه كذا في تهذيب التهذيب واللسان. وفي الباب عن جابر عند ابن ماجه، قال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف إبراهيم بن اسمعيل بن مجمع والراوي عنه، وعن ابن عمر عند السجزي والخطيب كما في جامع الصغير والكنز ونسبه الهيثمي للطبراني في الأوسط. وقال: فيه حميد بن حماد وثقه ابن حبان وربما أخطأ، وعن عائشة عند الديلمي في مسند الفردوس فالحديث حسن لشواهده.
٢٢٣٢- قوله: (وعن عبيدة) بفتح المهملة وكسر الموحدة وبعدها ياء تحتها نقطتان وآخرها هاء (المليكي) بالتصغير (وكانت له صحبة) أي بالنبي ﷺ والجملة معترضة من كلام البيهقي أو غيره ولم يذكره المصنف في أسماءه. قال الحافظ في الإصابة: (ج٢ص٤٥٠) عبيدة بفتح أوله الأملوكي. وقيل: المليكي روى عنه المهاجر بن حبيب. قال ابن السكن: يقال له صحبة وأخرج البخاري في التاريخ (ج٣ص٨٣) من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن المهاجر عن عبيدة عن عبيدة المليكي صاحب النبي ﷺ قال لا توسدوا القرآن لم يرفعه، وأخرجه الطبراني من هذا الوجه فقال عن عبيدة المليكي عن رسول الله ﷺ إنه كان يقول مر أهل القرآن لا توسدوا القرآن فرفعه، ولم يقل صاحب النبي ﷺ وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف- انتهى. (يا أهل القرآن) خصوا بالخطاب لأنهم يجب عليهم المبالغة في أداء حقوقه أكثر من غيرهم لاختلاطه بلحمهم ودمهم، ويحتمل أن يراد بهم المؤمنون كلهم لأنهم ما يخلوا عن بعض القرآن، أو المراد بأهل القرآن المؤمنون به كما في قوله "يا أهل البقرة" (لا تتوسدوا القرآن) يقال توسد فلان ذراعه إذا نام عليها وجعلها كالوسادة له، وهو كناية عن التكاسل والنوم
стр. 3316
واتلوه حق تلاوته، من آناء الليل والنهار، وافشوه وتغنوه وتدبروا ما فيعه لعلكم تفلحون ولا تعجلوا، ثوابه، فإن له ثواباً)) . رواه البيهقي "في شعب الإيمان"
(٢) باب
﴿الفصل الأول﴾
٢٢٣٣- (١) عن عمر بن الخطاب، قال: ((سمعت هشام بن حكيم بن حزام
ــ
عن تلاوة القرآن والتغافل عن القيام بحقوقه أي لا تهملوا تلاوة القرآن والانتفاع بهداه فإن الذي يجعل القرآن وسادة أو يضعه تحت وسادته للنوم فإنما يعرض عن الانتفاع بمعانيه وعن الاهتداء بهداه فإن الوسادة ممتهنة جعلت للاتكاء عليها ووضع الرأس في النوم عليها. قال القاري: أي لا تجعلوه وسادة لكم تنامون عليه وتغفلون عنه وعن القيام بحقوقه وتتكاسلون في ذلك بل قوموا بحقه لفظاً وفهماً وعملاً وعلماً (واتلوه حق تلاوته) أي إقرؤه حق قراءته واتبعوه حق متابعته (من آناء الليل والنهار) أي اتلوه تلاوة كثيرة مستوفية لحقوقها في ساعات الليل والنهار أو اتلوه حق تلاوته حال كونها في ساعات هذا وهذا: قال الطيبي: "لا تتوسدوا" يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون كناية رمزية عن التكاسل أي لا تجعلوه وسادة تنامون عنه بل قوموا به واتلوه آناء الليل وأطراف النهار. وثانيهما أن يكون كناية تلويحية عن التغافل فإن من جعل القرآن وسادة يلزم منه النوم فيلزم منه لغفلة يعني لا تغفلوا عن تدبر معانيه وكشف أسراره ولا تتوانوا في العمل بمقتضاه والإخلاص فيه (وافشوه) أي بالاسماع والتعليم والكتابة والتفسير والمدارسة والعمل (وتغنوه) كذا في جميع النسخ الحاضرة وذكره في الكنز بلفظ: تغنوا به أي حسنوا الصوت وترنموا به أو استغنوا به عن غيره (تدبروا ما فيه) أي من الآيات الباهرة والزواجر البالغة والمواعيد الكاملة (ولا تعجلوا) قال القاري: بتشديد الجيم المكسورة وفي نسخة بفتح التاء والجيم المشددة المفتوحة أي لا تستعجلوا (ثوابه) قال الطيبي: أي لا تجعلوه من الحظوظ العاجلة (فإن له ثواباً) أي مثوبة عظيمة آجلة (رواه البيهقي) أي مرفوعاً ورواه موقوفاً أيضاً كما في الإتقان وقد تقدم أنه أخرجه البخاري في التاريخ الكبير موقوفاً والطبراني مرفوعاً وسنده ضعيف وعزاه في الكنز لأبي نعيم وابن عساكر أيضاً.
(باب) بالرفع والوقف أي في توابع أخرى كاختلاف القراءات وجمع القرآن.
٢٢٣٣- قوله: (سمعت هشام بن حكيم بن حزام) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الزاي المعجمة ابن خويلد
стр. 3317
يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها، وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه
ــ
ابن أسد القرشي الأسدي صحابي ابن صحابي وكان إسلامهما يوم الفتح وكان هشام من فضلاء الصحابة وخيارهم ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ذكر الزهري أن عمر بن الخطاب كان يقول إذا بلغه أمر ينكره أما ما بقيت أنا وهشام بن حكيم فلا يكون ذلك، قال كان هشام بن حكيم في نفر من أهل الشام يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ليس لأحد عليهم إمارة. قال مالك: كانوا يمشون في الأرض بالإصلاح والنصيحة، قال وكان هشام بن حكيم كالسائح لم يتخذ أهلاً ولا ولداً. قال ابن سعد: وكان رجلاً مهيباً مات قبل أبيه، ووهم من زعم أنه استشهد باجنادين. قال الحافظ ليس له في البخاري رواية وأخرج له مسلم حديثاً واحداً مرفوعاً من رواية عروة عنه وهذا يدل على أنه تأخر إلى خلافة عثمان وعلي، ووهم من زعم أنه استشهد في خلافة أبي بكر أو عمر (يقرأ سورة الفرقان) أي في الصلاة كما في رواية أحمد (ج١ص٤٠) (على غير ما أقرأها) أي من القراءة (وكان رسول الله ﷺ هو الذي (أقرأنيها) أي سورة الفرقان، وهذه رواية مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر بن الخطاب، وفي رواية عقيل عن ابن شهاب يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ . قال ابن البر: في هذه الرواية بيان أن اختلافهما كان في حروف من السورة لا في السورة كلها، وهي تفسير لرواية مالك لأن سورة واحدة لا تقرأ حروفها كلها على سبعة بل لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلا قليل (فكدت أن أعجل عليه) بفتح الهمزة وسكون العين وفتح الجيم. قال القسطلاني: ولأبي ذر في نسخة بضم الهمزة وفتح العين وتشديد الجيم المكسورة أي أن أخاصمه وأظهر بوادر غضبي عليه، وقيل كدت أن أعجل عليه أي في الإنكار عليه والتعرض له. قال ابن البر: فيه دليل على تشددهم في أمر القرآن واهتمامهم بحفظ حروفه ولغاته وضبطهم لقراءته المنسوبة حتى بلغ ذلك لهم إن كاد عمر يعجل على هشام بن حكيم في صلاته (ثم أمهلته حتى انصرف) قال العيني: كالكرماني أي من القراءة وفيه نظر، فإن في رواية عقيل عن ابن شهاب "فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم" فيكون المراد هنا حتى انصرف من الصلاة (ثم لببته) بفتح اللام وموحدتين الأولى مشددة، والثانية ساكنة مأخوذ من اللبة بفتح اللام وهي المنحر يقال لببت الرجل بالتشديد تلبيباً إذا جمعت ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جررته (برداءه) أي جمعته في موضع لبته أي عنقه وأمسكته وجذبته به، ووقع في سنن أبي داود "فلببته بردائي" فيمكن الجمع بأن التلبيب وقع بالردائين جميعاً وكان هذا من عمر على عادته في الشدة بالأمر بالمعروف وفعل ذلك عن اجتهاد منه
стр. 3318
فجئت به رسول الله ﷺ ، فقلت يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتينها. فقال رسول الله ﷺ : أرسله اقرأ، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت ثم قال لي اقرأ، فقرأت. فقال: هكذا أنزلت.
ــ
لظنه أن هشاماً خالف الصواب ولهذا لم ينكر عليه النبي ﷺ بل قال له أرسله (فجئت به رسول الله ﷺ ) في رواية عقيل فلببته برداءه فقلت من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ قال إقرأنيها رسول الله ﷺ فقلت كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ قال الحافظ: قوله: "كذبت" فيه إطلاق ذلك على غلبة الظن أو المراد بقوله: "كذبت أي أخطأت لأن أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ، وقوله: "فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها" إلخ. هذا قاله عمر استدلالاً على ما ذهب إليه من تخطئه هشام. وإنما ساغ له ذلك لرسوخ قدمه في الإسلام وسابقته بخلاف هشام فإنه كان قريب العهد بالإسلام فخشى عمر أن لا يكون أتقن القراءة بخلاف نفسه فإنه قد كان أتقن ما سمع وكأن سبب اختلاف قراءتهما إن عمر حفظ هذه السورة من رسول الله ﷺ قديماً ثم لم يسمح ما نزل فيها بخلاف ما حفظه وشاهده، ولأن هشاماً من مسلمة الفتح فكان النبي ﷺ أقرأه على ما نزل أخيراً فنشأ اختلافهما من ذلك ومبادرة عمر للإنكار محمولة على أنه لم يكن سمع حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف إلا في هذه الواقعة (أرسله) بهمزة قطع وهو خطاب لعمر أي أطلق هشاماً لأنه كان ممسوكاً بيده، وإنما أمره بإرسال قبل أن يقرأ لتسكن نفسه ويثبت جاشه ويتمكن من إيراد القراءة التي قرأ لئلا يدركه من الانزعاج ما يمنعه من ذلك قاله الباجي: قال القاري: وإنما سومح عمر في فعله لأنه ما فعل لحظ نفسه بل غضباً لله بناء على ظنه (اقرأ) يا هشام (فقرأ) أي هشام (القراءة التي سمعته) أي سمعت هشاماً إياها على حذف المفعول الثاني قاله القاري (يقرأ) أي يقرؤها (هكذا أنزلت) أي السورة وهذا تصويب منه ﷺ لقراءة هشام (ثم قال لي إقرأ) أنت يا عمر أمره بالقراءة لأنه يحتمل أن يكون الخطأ والتغيير من جهته (فقرأت) وفي رواية فقرأتها وفي رواية عقيل فقرأت القراءة التي أقرأني (فقال هكذا أنزلت) قال الزرقاني: لم يقع في شي من الطرق تفسير الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان. نعم اختلف الصحابة فمن دونهم في أحرف كثيرة من هذه السورة كما بينه ابن عبد البر في التمهيد بما يطول. وقال الحافظ: لم أقف في شيء من طرق حديث عمر على تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان وقد تتبع أبوعمر ابن عبد البر ما اختلف
стр. 3319
إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف.
ــ
فيه من القراء من ذلك من لدن الصحابة ومن بعدهم من هذه السورة، ثم أورده الحافظ ملخصاً في شرح باب أنزل القرآن على سبعة أحرف من فضائل القرآن، وزاد عليه زيادة كثيرة حتى بلغ جملة ما ذكر مما اختلف فيه من المتواتر والشاذ على نحو من مائة وثلاثين موضعاً. قال ابن عبد البر بعد ذكر ما ذكر من الاختلاف في حروف هذه السورة: والله أعلم بما أنكر منها عمر على هشام وما قرأ به عمر (إن هذا القرآن أنزل إلخ) هذا أورده النبي ﷺ تطمينا لعمر وتطييباً لقلبه وتبييناً لوجه تصويب الأمرين المختلفين. قال الحافظ: وقد وقع عند الطبري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده قال قرأ رجل فغير عليه عمر فاختصماً عند النبي ﷺ فقال الرجل ألم تقرئني يا رسول الله! قال بلى، قال فوقع في صدر عمر شي عرفه النبي ﷺ في وجهه قال فضرب في صدره وقال: أبعد شيطاناً قالها ثلاثاً ثم قال يا عمر القرآن كله صواب ما لم تجعل رحمة عذاباً أو عذاباً رحمة. ومن طريق ابن عمر سمع عمر رجلاً يقرأ فذكر نحوه ولم يذكر فوقع في صدر عمر لكن قال في آخره أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف، ووقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام كأبي بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل عند الطبري وعمرو بن العاص مع رجل في آية من الفرقان عند أحمد وابن مسعود مع رجل في سورة من آل حم رواه ابن حبان والحاكم- انتهى. ملخصاً (على سبعة أحرف) قد تواترت الأحاديث بلفظ: سبعة أحرف إلا في حديث الحسن عن سمرة رفعه أنزل القرآن على ثلاثة أحرف رواه الحاكم (ج٢ص٢٢٣) وقال حديث صحيح وليس له علة وأقره الذهبي. قال أبوشامة: يحتمل أن يكون بعضه أنزل على ثلاثة أحرف كجذوة والرهب، أو أراد أنزل ابتداء على ثلاثة أحرف ثم زيد إلى سبعة توسعة على العباد قال القسطلاني والزرقاني والأبي: الأكثر على أن لفظ السبع للحصر. وقيل: ليس المراد حقيقة العدد بل التسهيل والتوسعة والتيسير والشرف والرحمة، وإلى هذا جنح عياض ومن تبعه. ويرده ما يأتي من حديث ابن عباس وحديث أبي بن كعب. قال الزرقاني: وفي حديث أبي بكرة عند أحمد فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة فهذا يدل على أراد حقيقة العدد وانحصاره- انتهى. قلت: ليس هذا اللفظ في حديث أبي بكرة عند أحمد في مسنده (ص٤١- ٥١) ولا ذكره الهيثمي (ج٧ص١٥١) هذا وقد تقدم شي من الكلام في بيان معناه وما هو الراجح عندنا في كتاب العلم ولا بأس لو توسع القول ههنا ليزداد بصيرة وطمأنينة من يريد البسط والله الموفق فنقول قد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة بلغها أبوحاتم بن حبان البستي إلى خمسة وثلاثين قولاً حكاها ابن النقيب في مقدمة تفسيره عنه بواسطة الشرف المزني المرسى كما في الإتقان. قال المنذري: وأكثرها غير مختار. وقال ابن العربي: لم يأت في ذلك نص ولا أثر. وقال المرسى
стр. 3320
بعد ذكرها: هذه الوجوه أكثرها متداخلة ولا أدري مستندها ولا عمن نقلت ومنها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة وأكثرها معارضة حديث عمر وهشام بن حكيم الذي في الصحيح. وقال السيوطي في الإتقان: اختلف في معنى الحديث على نحو أربعين قولاً. وقال القاري: قيل اختلف في معناه على أحد وأربعين قولاً منها إنه من المشكل الذي لا يدري معناه لأن الحرف يصدق لغة على حرف الهجاء وعلى الكلمة وعلى المعنى وعلى الجهة. قلت: وهذا قول أبي جعفر محمد بن سعد إن النحوي ورجحه السيوطي أيضاً حيث قال المختار إن هذا من المتشابه الذي لا يدري تأويله ومن جملة هذه الأقوال إن المراد بسبعة أحرف سبع لغات مشهورة بالفصاحة من لغات العرب وليس المراد إن كل كلمة تقرأ على سبع لغات بل اللغات السبع مفرقة في القرآن، وإلى هذا ذهب أبوعبيد وآخرون منهم ثعلب وأبوحاتم السجستاني واختاره ابن عطية وصححه البيهقي في الشعب. وقال الأزهري وابن حبان: إنه المختار واختاره أيضاً التوربشتي والسندي ثم اختلف من ذهب إلى ذلك فقال بعضهم سبع لغات منها خمس في هوازن واثنتان لسائر العرب. وقيل سبع لغات متفرقة لجميع العرب كل حرف منها لقبيلة مشهورة. وقيل سبع لغات أربع لعجز هوازن سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية وثقيف وثلاث لقريش وقيل سبع لغات لغة لقريش ولغة لليمن ولغة لحرهم ولغة لهوازن ولغة لقضاعة ولغة لتميم ولغة لطي وقيل لغة الكعبين كعب بن عمرو وكعب بن لوي ولهما سبع لغات وقيل نزل بلغة قريش وهذيل وتيم الرباب والأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر واستنكر ذلك ابن قتيبة وقال لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش واحتج بقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ [إبراهيم: ٤] فعلى هذا تكون اللغات السبع في بطون قريش وبذلك جزم أبوعلي الأهوازي وأجيب بأنه لا يلزم من هذه الآية أن يكون أرسل بلسان قريش فقط لكونهم قومه بل أرسل بلسان جميع العرب ولا يرد عليه كونه بعث إلى الناس كافة عرباً وعجماً لأن القرآن أنزل باللغة العربية وهو بلغه إلى طوائف العرب وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم وقيل نزل بلغة مضر خاصة لقول عمر نزل القرآن بلغة مضر. وعين بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر السبع من مضر أنهم هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسد بن خزيمة وقريش فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات ونقل أبوشامة عن بعض الشيوخ إنه قال أنزل القرآن أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ثم أبيح للعرب أن يقرؤه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والأعراب ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة. ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد كل ذلك مع اتفاق
стр. 3321
المعنى وزاد غيره إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي بأن يغير كل أحد الكلمة بمرادفها في لغته بل المراعي في ذلك السماع من النبي ﷺ ويشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام في حديث الباب أقرأني النبي ﷺ ولئن سلم إطلاق الإباحة بقراءة المرادف ولو لم يسمع لكن الإجماع من الصحابة في زمن عثمان الموافق للعرضة الأخيرة يمنع ذلك. قال الحافظ: ثبت عن غير واحد من الصحابة إنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعاً له ومن ثم أنكر عمر على ابن مسعود قراءته عتى حين، أي حتى حين، وكتب إليه إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل فأقريء الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل وكان ذلك قبل أن يجمع عثمان الناس على قراءة واحدة. قال ابن عبد البر بعد أن أخرجه من طريق أبي داود بسنده: يحتمل أن يكون هذا من عمر على سبيل الاختيار لا أن الذي قرأ به ابن مسعود لا يجوز قال، وإذا أبيحت قراءته على سبعة أوجه أنزلت جاز الاختيار فيما أنزل. قال أبوشامة: ويحتمل أن يكون مراد عمر ثم عثمان بقولهما نزل بلسان قريش، إن ذلك كان أول نزوله ثم إن الله تعالى سهله على الناس فجوز لهم أن يقرؤه على لغاتهم على أن لا يخرج ذلك عن لغات العرب لكونه بلسان عربي مبين فأما من أراد قراءته من غير العرب فالاختيار له أن يقرأه بلسان قريش لأنه الأولى، وعلى هذا يحمل ما كتب عمر إلى ابن مسعود، لأن جميع اللغات بالنسبة لغير العربي مستوية في التعبير، فإذا لا بد من واحدة فلتكن بلغة النبي ﷺ . وأما العربي المجبول على لغته فلو كلف قراءته قريش لعسر عليه التحول مع إباحة الله له أن يقرأه بلغته. ويشير إلى هذا قوله في حديث أبي هّون على أمتي وقوله "إن أمتك لا تطيق ذلك" وكأنه انتهى عند السبع لعلمه أنه لا تحتاج لفظة من ألفاظه إلى أكثر من ذلك العدد غالباً، وليس المراد إن كل لفظة منه تقرأ على سبعة أوجه. قال ابن عبد البر: وهذا مجمع عليه بل هو غير ممكن بل لا يوجد في القرآن كلمة على سبعة أوجه إلا الشيء القليل مثل عبد الطاغوت. قال الحافظ: وحاصل ما ذهب هؤلاء أي الذين قالوا إن المراد بالأحرف اللغات إن معنى قوله أنزل على سبعة أحرف أي أنزل موسعاً على القاري أن يقرأه على سبعة أوجه، أي يقرأ بأي حرف أراد منها على البدل من صاحبه كأنه قال أنزل على هذا الشرط أو على هذه التوسعة، وذلك لتسهيل قراءته إذ لو أخذوا بأن يقرؤه على حرف واحد لشق عليهم كما تقدم. قال ابن قتيبة: في أول تفسير المشكل له كان من تيسير الله إن أمر نبيه أن يقرأ كل قوم بلغتهم فالهذلي يقرأ عتى حين يريد حتى حين، والأسدي يقرأ تعلمون بكسر أوله، والتميمي يهمز والقرشي لا يهمز، قال ولو أراد كل فريق منهم أن يزول عن لغته وما جرى عليه لسانه طفلاً وناشئاً وكهلاً لشق عليه غاية المشقة فيسر عليهم ذلك بمنة. ولو كان المراد إن كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه لقال مثلاً أنزل سبعة أحرف. وإنما المراد أن يأتي في الكلمة وجه أو وجهان أو ثلاثة أو أكثر إلى سبعة-انتهى. وبعد هذا كله رد هذا القول بأن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي من لغة واحدة - وقبيلة
стр. 3322
واحدة - وقد اختلفت قراءتهما، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته فدل على أن المراد بالأحرف السبعة غير اللغات ومن جملة الأقوال المحكية في معنى الأحرف إن المراد بها سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعالى وهلم وعجل وأسرع، وإلى هذا ذهب سفيان بن عيينة وابن جرير وابن وهب وخلائق، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء لكن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي بل ذلك مقصور على السماع. قال ابن عبد البر: أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف اللغات لما تقدم من اختلاف هشام وعمر ولغتهما واحدة، قالوا وإنما المعنى سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة نحو أقبل وتعالى وهلم، ثم ساق الأحاديث الدالة على هذا، وقد ذكرها السيوطي في الإتقان (ج١ص٤٦، ٤٧) والحافظ في شرح حديث ابن عباس الآتي قال الحافظ: ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ مع اتفاق المعنى مع انحصار ذلك في سبع لغات- انتهى. ومنها إن المراد بها الأوجه التي يقع التغاير في سبعة أشياء ذكره ابن قتيبة. قال: فأولها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل ولا يضار كاتب بنصب الراء ورفعها. وثانيها ما يتغير بتغير الفعل مثل بعد بين أسفارنا وباعد بلفظ الطلب والماضي. وثالثها ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة مثل ثم ننشرها بالراء والزاي. ورابعها ما يتغير بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر مثل طلح منضود في قراءة على وطلع منضود. وخامسها ما يتغير بالتقديم والتأخير مثل ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾ [ق: ١٩] وجاءت سكرة الحق بالموت. وسادسها ما يتغير بزيادة أو نقصان مثل والذكر والأنثى وما خلق الذكر والأنثى. وسابعها ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها مثل ﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] والصوف المنفوش. وقال أبوالفضل الرازي في اللوائح: الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف: الأول الاختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع أو تذكير وتأنيث: الثاني اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر. الثالث وجوه الإعراب. الرابع. النقص والزيادة. الخامس التقديم والتأخير. السادس الإبدال. السابع اختلاف اللغات كالفتح والإمالة والتفخيم والترقيق والإدغام والإظهار ونحو ذلك. قال الحافظ بعد ذكر ذلك: قد أخذ أبوالفضل كلام ابن قتيبة ونقحه. قلت: وقريب من ذلك ما ذكره ابن الجزري حيث قال قد تتبعت القراءات صحيحها وشاذها وضعيفها ومنكرها فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا يخرج عنها، وذلك إما في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة نحو البخل بأربعة أوجه ويحسب بوجهين أو بتغير في المعنى فقط نحو ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ [البقرة: ٣٧] وأما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة نحوه تبلو وتتلو أو عكس ذلك نحو الصراط والسراط أو بتغيرهما نحو فامضوا فاسعوا. وأما في التقديم والتأخير نحو جاءت سكرة الحق بالموت أو في الزيادة والنقصان نحو أوصى ووصى والذكر والأنثى فهذه سبعة لا يخرج الاختلاف عنها قال. وأما نحو اختلاف الإظهار والإدغام
стр. 3323
والروم والإشمام والتسهيل والنقل والإبدال مما يعبر عنه بالأصول فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى، لأن هذه الصفات المتنوعة في أداءه لا تخرجه عن أن يكون لفظاً واحداً ولئن فرض فيكون من الأول - انتهى. ومنها إن المراد بها سبعة أصناف من الكلام أي سبعة أنواع كل نوع منها جزء من أجزاء القرآن. والقائلون به اختلفوا في تعيين السبعة. فقيل أمر ونهى ووعد ووعيد وقصص وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، واحتجوا بما أخرجه أبوعبيد والحاكم والطحاوي والبيهقي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ [آل عمران: ٧] وقد صححه ابن حبان والحاكم وفي تصحيحه نظر لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود. قال الذهبي بعد ذكر تصحيح الحاكم: قلت منقطع. وقال الطحاوي: كان أهل العلم يدفعون هذا الإسناد بانقطاعه، لأن أبا سلمة لا يتهيأ في سنه لقاء عبد الله ابن مسعود ولا أخذه إياه عنه، وقال ابن عبد البر: هذا حديث لا يثبت لأنه لم يلق أبوسلمة بن عبد الرحمن ابن مسعود، فالحديث ضعيف والقول المبني عليه فاسد. وقد رده قوم من أهل النظر منهم أبوجعفر أحمد بن أبي عمران وابن عطية والماوردي والمازري وأطنب الطبري في مقدمة تفسيره في الرد على من قال به، وحاصله إنه يستحيل أن يجتمع في الحرف الواحد هذه الأوجه السبعة، ومن أراد البسط فليرجع إليه وإلى الفتح والإتقان وسنذكر شيئاً منه في شرح حديث ابن عباس من هذا الفصل. ومنها إن المراد بها سبع قراءات روى ذلك عن الخليل بن أحمد وتعقب بأنه لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلا القليل مثل عبد الطاغوت ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣] وأجيب بأن المراد إن كل كلمة تقرأ بوجه أو وجهين أو ثلاثة أو أكثر إلى سبعة، ويشكل على هذا إن في الكلمات ما قري على أكثر كذا في الإتقان. وقال القسطلاني: هذا القول أضعف الوجوه فقد بين الطبري وغيره إن اختلاف القراء إنما هو حرف واحد من الأحرف السبعة. ومنها إن المراد بها الاختلاف في كيفية النطق بكلماتها من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق وإمالة وإشباع ومد وقصر وتليين وتحقيق وتشديد وتخفيف، لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه فيسر الله تعالى عليهم ليقرأ كل إنسان بما يوافق لغته ويسهل عليه، ذكره النووي في شرح مسلم. وقال الطيبي: هو أصح الأقوال وأقربها إلى معنى الحديث- انتهى. قال القاري بعد ذكره عن شرح مسلم: وفيه إن هذا ليس على إطلاقه فإن الإدغام مثلاً في مواضع لا يجوز الإظهار فيها، وفي مواضع لا يجوز الإدغام فيها، وكذلك البواقي- انتهى. ومن شاء الوقوف على بقية الأقوال رجع إلى الإتقان. تنبيهات الأول قد تقدم في بيان
стр. 3324
القول الأول إن أول نزول القرآن كان بلسان قريش ثم سهله الله تعالى على الناس فجوز لهم أن يقرؤه على لغاتهم. قال الحافظ: وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام فقد ثبت إن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة كما في حديث أبي كعب، إن جبريل لقي النبي ﷺ وهو عند إضاءة بني غفار فقال الله يأمرك أن تقرأ على أمتك القرآن على حرف، فقال أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك- الحديث. أخرجه مسلم وإضاءة بني غفار بفتح الهمزة والضاد المعجمة بغير همز وآخره تاء تأنيث هو مستنقع الماء كالغدير، وجمعه إضاً كعصا. وقيل: بالمد والهمز مثل إناء وهو موضع بالمدينة النبوية ينسب إلى بني غفار بكسر المعجمة وتخفيف الفاء لأنهم نزلوا عنده. الثاني قد اختلفوا إن الأحرف السبعة المذكورة في الحديث هل هي باقية إلى الآن يقرأ بها أم كان ذلك ثم استقر الأمر على بعضها. قال القسطلاني: وإلى الثاني ذهب الأكثر كسفيان بن عيينة وابن وهب والطبري والطحاوي- انتهى. قلت قال الطحاوي. وإنما كان ذلك رخصة لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الكتابة والحفظ وكذا قال ابن عبد البر والباقلاني وآخرون كذا في المرقاة والإتقان. قلت: وإلى الأول ذهب الباجي حيث قال فإن قيل هل تقولون إن جميع هذه السبعة الأحرف ثابتة في المصحف فالقراءة بجميعها جائزة قيل لهم كذلك، نقول والدليل على صحة ذلك قول الله عزوجل ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] ولا يصح انفصال الذكر المنزل من قراءته فيمكن حفظه دونها، ومما يدل على صحته ما ذهبنا إليه إن ظاهر قول النبي ﷺ يدل على أن القرآن أنزل على سبعة أحرف تيسيراً على من أراد قراءته ليقرأ كل رجل منهم بما تيسر عليه وبما هو أخف على طبعه وأقرب إلى لغته، ونحن اليوم مع عجمة ألسنتنا وبعدنا عن فصاحة العرب أحوج إلى ذلك- انتهى بتغيير يسير. وقال العيني: اختلف الأصوليون هل يقرأ اليوم على سبعة أحرف فمنعه الطبري وغيره، وقال إنما يجوز بحرف واحد اليوم وهو حرف زيد ونحى إليه القاضي أبوبكر. وقال الشيخ أبوالحسن الأشعري: اجمع المسلمون على أنه لا يجوز حظر ما وسعه الله تعالى من القراءات بالأحرف التي أنزلها الله، ولا يسوغ للأمة أن تمنع ما أطلقه الله بل هي موجودة في قراءتنا وهي مفرقة في القرآن غير معلومة بأعيانها فيجوز على هذا، وبه قال القاضي أن يقرأ بكل من نقله أهل التواتر من غير تمييز حرف من حرف فيحفظ حرف نافع بحرف الكسائي وحمزة ولا حرج في ذلك، لأن الله تعالى أنزلها تيسيراً على عبده ورفقاً وقال الخطابي: الأشبه فيه ما قيل إن القرآن أنزل مرخصاً للقاري بأن يقرأ بسبعة أحرف على ما تيسر وذلك إنما هو فيما اتفق فيه المعنى أو تقارب، وهذا قبل إجماع الصحابة ﵃، فأما الآن فلا يسعهم أن يقرؤه على خلاف ما أجمعوا عليه. الثالث اختلف القائلون باستقرار الأمر على بعض الأحرف السبعة هل استقر ذلك في زمن النبوي أم بعده. قال القسطلاني:
стр. 3325
والزرقاني: الأكثر على الأول واختاره أبوبكر الباقلاني وابن عبد البر وابن العربي وغيرهم، لأن ضرورة اختلاف اللغات ومشقة نطقهم بغير لغتهم اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر فإذن. لكل أن يقرأ على حرفه أي طريقته في اللغة إلى أن انضبط الأمر وقد ربت الألسن وتمكن الناس من الاقتصار على لغة واحدة فعارض جبريل النبي ﷺ القرآن مرتين في السنة الأخيرة، واستقر ما هو عليه الآن فنسخ الله تعالى تلك القراءة الماذون فيها بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التي تلقاها الناس- انتهى. قلت: وهو اختيار الطحاوي كما يدل عليه كلامه الذي ذكرنا في التنبيه الثاني، وحكى السيوطي في الإتقان عن الطبري أنه قال: القراءة على الأحرف السعة لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان جائزاً لهم ومرخصاً لهم فيهم، فلما رأى الصحابة إن الأمة تفترق وتختلف إذا لم يجمعوا على حرف واحد اجتمعوا على ذلك إجماعاً شائعاً وهم معصومون من الضلالة ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا فعل حرام. ولا شك أن القرآن نسخ منه في العرضة الأخيرة فاتفق رأى الصحابة على أن كتبوا ما تحققوا إنه قرآن مستقر في العرضة الأخيرة وتركوا ما سوى ذلك- انتهى. وقال البغوي في شرح السنة كما في الفتح المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله ﷺ فأمر عثمان بنسخة في المصاحف وجمع الناس عليه وأذهب ما سوى ذلك قطعاً لمادة الخلاف فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع فليس لأحد أن يعد وفي اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم- انتهى. الرابع اختلف في أن القراءات السبعة التي يقرأها الناس اليوم هل هذه الأحرف السبعة المذكورة في الحديث أو هي حرف واحد منها؟ قال الأبي في الإكمال: الأول ظاهر قول الباقلاني والثاني نص قول ابن أبي صفرة وهو ظاهر قول الطحاوي، والأظهر في المسألة مختار أبي عبد الله بن عرفة إن المراد بالأحرف المذكورة في الحديث أحرف قراءات السبع اليوم، وقراءة يعقوب داخلة في ذلك، لأنه أخذها عن أبي عمرو ولأن بذلك يظهر التسهيل والتيسير الذي هو سبب نزوله عليها وبه أيضاً معجزة قوله ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] لأنها محفوظة مع مرور مئين من السنين وبه أيضاً تعرف ضعف قول ابن أبي صفرة لأنها لو كانت واحدة من تلك الأحرف لزم أن توجد بقيتها وإن لم تحفظ لاقتضاء الآية ذلك- انتهى. وقال الحافظ قال أبوشامة: ظن قوم إن قراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل قال وقد بالغ أبوطاهر بن أبي هاشم في الرد على من نسب إلى ابن مجاهد أن مراده بالقراءات السبع الأحرف السبعة المذكورة في الحديث، قال ابن أبي هاشم: إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها إن الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل قال، فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعاً عن الصحابة بشرط موافقة الخط وتركوا
стр. 3326
﴿فاقرؤا ما تيسر منه﴾ )) . متفق عليه واللفظ لمسلم.
ــ
ما يخالف الخط امتثالاً لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأو في ذلك من الاحتياط للقرآن. فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة. وقال مكي بن أبي طالب: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ثم ساق نحو ما تقدم قال، وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطاً عظيماً قال، ويلزم من هذا إن ما خرج من قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهم ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآناً وهذا غلط عظيم- انتهى. وقد بسط الحافظ الكلام في هذا في الفتح (ج٢ص٤٣١، ٤٣٢) فعليك أن تراجعه فإنه مفيد جداً الخامس وهو تتمة الرابع قال أبوشامة المقدسي: قد اختلف السلف في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هل مجموعة في المصحف الذي بأيدي الناس اليوم أو ليس فيها الأحرف واحد منها، مال ابن الباقلاني إلى الأول وصرح الطبري، وجماعة بالثاني: قال الحافظ وهو المعتمد قال: والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبي ﷺ وفيه بعض ما اختلف فيه الأحرف السبعة لا جميعها قال، وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم فهو مما كانت القراءة جوزت به توسعه على الناس وتسهيلاً، فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان وكفر بعضهم بعضاً اختار الاقتصار على المأذون في كتابته وتركوا الباقي. قال الطبري: وصار ما اتفق عليه الصحابة من الاقتصار كمن اقتصر مما خير فيه على خصلة واحدة لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة لم يكن على سبيل الإيجاب بل على سبيل الرخصة، قال الحافظ: ويدل عليه قوله ﷺ في حديث الباب ﴿فاقرؤا ما تيسر منه﴾ [المزمل: ٢٠] وقد قرر الطبري ذلك تقريراً أطنب فيه ووهّى من قال بخلافه ووافقه على ذلك جماعة، منهم أبوالعباس بن عمار في شرح الهداية، وقال أصح ما عليه الحذاق إن الذي يقرأ الآن بعض الحروف السبعة المأذون في قراءتها لا كلها إلى آخر ما قال (فاقرؤا ما تيسر منه) أي من أنواع القراءات بخلاف قوله تعالى ﴿فاقرؤا ما تيسر منه﴾ فإن المراد به الأعم من المقدار والجنس والنوع قاله القاري. وقال القسطلاني: أي من الأحرف المنزل بها فالمراد بالتيسير في الآية غير المراد به في الحديث، لأن الذي في الآية المراد به القلة والكثرة، والذي في الحديث ما يستحضره القاري من القراءات فالأول من الكمية والثاني من الكيفية. وقال الحافظ: قوله" منه" أي من المنزل (بالسبعة) وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وإنه للتيسير على القاري وهذا يقوى قول من قال المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة، لأن لغة هشام بلسان قريش، وكذلك عمرو، مع ذلك فقد اختلف قراءتهما نبه على ذلك ابن عبد البر- انتهى (متفق عليه) أي معنى (واللفظ لمسلم) أخرجه مسلم بهذا اللفظ في فضائل القرآن عن يحيى بن يحيى عن مالك عن ابن شهاب، وأخرجه البخاري في
стр. 3327
٢٢٣٤- (٢) وعن ابن مسعود، قال: سمعت رجلاً قرأ، وسمعت النبي ﷺ يقرأ خلافها، فجئت به النبي ﷺ ، فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية، فقال:
ــ
الخصومات عن عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك بنحوه، وأخرجه أيضاً في فضائل القرآن والتوحيد من طريق عقيل عن ابن شهاب، وفي فضائل القرآن أيضاً من طريق شعيب عنه وفي استتابة المرتدين من طريق يونس عنه وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص٢٤، ٤٠، ٤٣) ومالك في أواخر الصلاة والترمذي في القراءة، وأبوداود والنسائي في الصلاة، والطيالسي وأبوعوانة وابن حبان وابن جرير والبيهقي (ج٢ص٣٨٣) قال السيوطي في الإتقان: ورد حديث نزل القرآن على سبعة أحرف من رواية جمع من الصحابة فسرد أسمائهم ثم قال فهؤلاء أحد وعشرون صحابياً، وقد نص أبوعبيدة على تواترة. وقال القاري: حديث نزل القرآن على سبعة أحرف ادعى أبوعبيدة تواتره لأنه ورد من أحد وعشرين صحابياً، ومراده التواتر اللفظي، وإما تواتره المعنوي فلا خلاف فيه- انتهى. قلت: ذكر الهيثمي في أواخر التفسير أحاديث ثلاثة عشر صحابياً منهم مع الكلام فيها من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مجمع الزوائد (ج٧ص١٥٠- ١٥٤) .
٢٢٣٤- قوله: (سمعت رجلاً قرأ) أي آية كما في رواية وفي أخرى يقرأ آية. قال الحافظ. هذا الرجل يحتمل أن يكون هو أبي بن كعب فقد أخرج الطبري من حديث أبي بن كعب أنه سمع ابن مسعود يقرأ آية قرأ خلافها، وفيه أن النبي ﷺ قال: كلا كما محسن- انتهى. قلت: لكن بين الطبري من هذه الطريق إن السورة المذكورة سورة النحل ويظهر من روايات أحمد إن الاختلاف كان في سورة من آل حم يعني الأحقاف فقد روى هو (ج١ص٤٢١، ٤٥٢) من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه القصة. قال أقرأني رسول الله ﷺ سورة الأحقاف وأقرأها رجلاً آخر فخالفني في آية منها وعنده (ج١ص٤١٩) من طريق زر أيضاً اقرأني رسول الله ﷺ سورة من الثلاثين من آل حم يعني الأحقاف. قال: وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين- الحديث. وعنده أيضاً (ج١ص٤٠١) من طريق أبي وائل عن عبد الله قال: سمعت رجلاً يقرأ حم الثلاثين يعني الأحقاف إلخ، وذكر العيني رواية لابن مسعود من صحيح ابن حبان تدل على أن تلك الآية من سورة الرحمن والله أعلم (يقرأ خلافها) أي غير قراءة ذلك الرجل والضمير راجع إلى المصدر المفهوم من قرأ (فجئت به) أي أحضرته وفي رواية فأخذت بيده فأتيت به (فأخبرته) أي بما سمعت من الخلاف (فعرفت في وجهه الكراهية) بتخفيف الياء أي آثار الكراهة خوفاً من الاختلاف المتشابه باختلاف أهل الكتاب لأن الصحابة كلهم عدول، ونقلهم صحيح فلا وجه للخلاف قاله القاري.
стр. 3328
((كلا كما محسن، فلا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)) . رواه البخاري.
ــ
وقال الطيبي: أي للجدال الواقع بينهما، وفي رواية زر المذكورة فغضب وتمعر وجهه (كلا كما محسن) قال القاري: أي في رواية القراءة وأفراد الخبر باعتبار لفظ كلا. وقال القسطلاني فإن قلت: كيف يستقيم هذا القول مع إظهار الكراهية، أجيب بأن معنى الإحسان راجع إلى ذلك لقراءته وإلة ابن مسعود لسماعه من رسول الله ﷺ ثم تحريه الاحتياط، والكراهية راجعة إلى جداله مع ذلك الرجل كما فعل عمر بهشام، كما تقدم، لأن ذلك مسبوق بالاختلاف. وكان الواجب عليه أن يقره على قراءته ثم يسأل النبي ﷺ عن وجهها. وقال المظهري: الاختلاف في القرآن غير جائز لأن كل لفظ منه إذا جاز قراءته على وجهين أو أكثر فلو أنكر واحد أحداً من ذينك الوجهين أو الوجوه فقد أنكر القرآن ولا يجوز في القرآن القول بالرأي، لأن القرآن سنة متبعة بل عليهما أن يسألا عن ذلك ممن هو أعلم منهما- انتهى. وقال ابن الملك: إنما كره اختلاف ابن مسعود مع ذلك الرجل في القرآن، لأن قراءته على وجوه مختلفة جائزة فإنكار بعض تلك الوجوه إنكار للقرآن وهو غير جائز. قال القاري: هذا وقع من ابن مسعود قبل العلم بجواز الوجوه المختلفة وإلا فحاشاه أن ينكر بعد العلم ما يوجب إنكاره وإنكار القرآن وهو من أجل الصحابة بعلم القرآن وافقهم بأحكامه، ولعل وجه ظهور الكراهية في وجهه ﵊ إحضاره الرجل، فإنه كان حقه أن يحسن الظن به ويسأل النبي ﷺ عما وقع له، ويمكن أنه ظهرت الكراهية في وجهه ﵊ عندما صنع عمر أيضاً لكن عمر لشدة غضبه ما شعر أو حلم ﵊ لما رأى به من الشدة. (فلا تختلفوا) أي أيها الصحابة أو أيها الأمة وصدقوا بعضكم بعضاً في الرواية بشروطها المعتبرة قاله القاري، وقال القسطلاني: أي لا تختلفوا اختلافاً يؤدي إلى الكفر أو البدعة كالاختلاف في نفس القرآن، وفيما جازت قراءته بوجهين وفيما يوقع في الفتنة أو الشبهة. (فإن من كان قبلكم) أي من بني إسرائيل (اختلفوا) بتكذيب بعضهم بعضاً (فهلكوا) أي باختلافهم وفي رواية فأهلكوا بضم أوله وفي أخرى فأهلكهم أي الله بسبب الاختلاف. قال الحافظ: وعند ابن حبان والحاكم (ج٢ص٢٢٤) من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه القصة فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف-انتهى. وكذا وقع عند أحمد (ج١ص٤١٩) وفي رواية أخرى له (ج١ص٤٢١، ٥٤٢) فإنما هلك أو أهلك من كان قبلكم بالاختلاف. قال الحافظ: وفي الحديث الحض على الجماعة والتحذير من الفرقة والاختلاف والنهي عن المراء في القرآن بغير حق، ومن شر ذلك أن يظهر دلالة الآية على شيء يخالف الرأي فبتوسل بالنظر وتدقيقه إلى تأويلها وحملها على ذلك الرأي ويقع اللجاج في ذلك والمناضلة عليه- انتهى. (رواه البخاري) في أول الخصومات وفي ذكر بني إسرائيل وفي آخر فضائل القرآن من طريق عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة عن عبد الله بن مسعود،
стр. 3329
٢٢٣٥- (٣) وعن أبي بن كعب، قال: ((كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعاً على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه. فأمرهما النبي ﷺ فقرأ، فحسن شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية،
ــ
واللفظ المذكور له في الخصومات وأخرجه أيضاً أحمد من هذا الطريق (ج١ص٣٩٣، ٤١١- ٤١٢، ٤٥٦) قال العيني: وأخرجه النسائي في فضائل القرآن.
٢٢٣٥- قوله: (كنت في المسجد) أي النبوي (فدخل رجل) وعند أحمد (ج٥ص١٢٤) والطبري والبيهقي (ج٢ص٣٨٥) من وجه آخر إن هذا الرجل هو عبد الله بن مسعود والله أعلم (يصلي) استئناف أو حال (فقرأ قراءة أنكرتها عليه) أي بالجنان أو باللسان (ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه) أي فانكرتها عليه أيضاً. وقيل: الظاهر إنه لم تكن قراءة هذا الآخر منكرة عند أبي وإلا لذكر الإنكار عليه أيضاً (فلما قضينا الصلاة) دل على أن أبيا أيضاً كان في الصلاة، والظاهر إنها صلاة الضحى أو نحوها من النوافل قاله القاري (دخلنا جميعاً) أي كلنا أو مجتمعون (على رسول الله ﷺ أي في حجرة من حجراته (فقرأ) بلفظ التثنية أي كلاهما (فحسن) من التحسين (شأنهما) أي قال كلا كما محسن أو قال لكل واحد منهما أحسنت وعند البيهقي فقال أحسنتما أو أصبتما، وفي رواية لعبد الله بن أحمد قال: قد أحسنتم (فسقط في نفسي من التكذيب) أي خطر في قلبي من التكذيب من جهة تحسينه ﷺ قراءتهما ظناً مني إن كلام الله الواحد يكون على وجه واحد ولا يجوز أن يقرأه كل رجل كيفما شاء (ولا إذ كنت في الجاهلية) أي ولا وقع في نفسي التكذيب والوسوسة إذ كنت في الجاهلية وهذا مبالغة "لأنه كان في الجاهلية جاهلاً فلا يستبعد وقوع التكذيب والوسوسة إذ ذاك. وأما بعد حصول اليقين والمعرفة فهو بعيد وأمر عظيم. قال النووي: معناه وسوس لي الشيطان تكذيباً للنبوة أشد مما كنت عليه في الجاهلية، لأنه في الجاهلية كان غافلاً أو متشككاً فوسوس له الشيطان الجزم بالتكذيب. وقال القاضي عياض: معنى قوله "سقط في نفسي" إنه اعترته حيرة ودهشة قال: وقوله: "ولا إذ كنت في الجاهلية" معناه إن الشيطان نزغ في نفسه تكذيباً لم يعتقده قال: وهذه الخواطر إذا لم يستمر عليها لا يواخذ بها. قال القاضي قال المازري: معنى هذا إنه وقع في نفس أبي بن كعب نزغة من الشيطان غير مستقرة ثم زالت في الحال حين ضرب
стр. 3330
فلما رآى رسول الله ﷺ ما قد غشبني، ضرب في صدري، ففضت عرقاً، وكأنما أنظر إلى الله فرقاً، فقال لي: يا أبي: أرسل إلى: أن أقرأ القرآن على حرف. فرددت إليه: أن هون على
أمتي،
ــ
النبي ﷺ بيده في صدره ففاض عرقاً- انتهى. وقال الطيبي: يعني وقع في خاطري من تكذيب النبي ﷺ لتحسينه بشأنهما تكذيباً أكثر من تكذيبي إياه قبل الإسلام لأنه كان قبل الإسلام غافلاً أو مشككاً. وإنما استعظم هذه الحالة لأن الشك الذي داخله في أمر الدين إنما ورد على مورد اليقين. وقيل: فاعل سقط محذوف أي وقع في نفسي من التكذيب ما لم أقدر على وصفه ولم أعهد بمثله ولا وجدت مثله إذ كنت في الجاهلية وكان أبي من أكابر الصحابة وكان ما وقع له نزغة من نزغات الشيطان، فلما ناله بركة يد النبي ﷺ زال عنه الغفلة والإنكار وصار في مقام الحضور والمشاهدة-انتهى. قلت: وفي رواية عند أحمد ما تخلج في نفسي من الإسلام ما تخلج يومئذ، وفي أخرى ما حك في صدري شيء منذ أسلمت إلا إني قرأت آية وقرأها رجل آخر غير قراءتي-الحديث. وفي رواية عند الطبري فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى أحمر وجهي فضرب في صدري فقال اللهم اخسأ عنه الشيطان (فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني) أي اعترافي وحصل لي من وسوسة الشيطان ونزغته (ضرب في صدري) قال القاضي: ضربه ﷺ في صدره تثبيتاً له حين رآه قد غشيه ذلك الخاطر المذموم (ففضت) بكسر الفاء الثانية وسكون الضاد المعجمة (عرقاً) بالتحريك تمييز أي فجري وسأل عرقي من جميع بدني من فاض الماء يفيض فيضاً إذا كثر حتى سأل وهذا أبلغ من فاض عرقي، فإن في الأول إشارة إلى أن العرق فاض منه حتى كأن النفس فاضت منه، ومثله قول القائل سألت عيني دمعاً (وكأنما أنظر إلى الله فوقاً) أي خوفاً. قيل: تمييز والأظهر إن نصبه على المفعول له قاله القاري. قال التوربشتي. الفرق بالتحريك الخوف أي أصابني من خشية الله والهيبة فيما قد غشيني ما أوقفني موقف الناظر إلى الله إجلالاً وحياء. وقال الطيبي: كان أبي ﵁ من أفضل الصحابة ومن الموقنين وإنما طرأ عليه ذلك التلويث بسبب الاختلاف نزغة من الشيطان، فلما أصابته بركة ضربه ﷺ بيده على صدره ذهبت تلك الهاجسة وخرجت مع العرق فرجع إلى اليقين، فنظر إلى الله تعالى خوفاً وخجلاً مما غشيه من الشيطان (فقال لي) أي تسكيناً وتبييناً (أرسل إلى) على بناء المجهول أي أرسل الله جبريل، وفي بعض النسخ من المشكاة على بناء المعلوم أي أرسل الله إلى قاله القاري قلت: وعند أحمد إن ربي ﵎ أرسل إلى (أن أقرأ القرآن) بلفظ الأمر أو المتكلم المعلوم. قال الطيبي: "إن" مفسرة وجوز كونها مصدرية على مذهب سيبويه وإن كانت داخلة على الأمر (فرددت إليه) أي جبريل إلى الله تعالى (أن هون) أي سهل ويسر. قال
следующие страницы →