Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
أعلى المقامات أن يدعو بلسانه ويرضي بقلبه، والثاني لا يتأتي من كل أحد بل ينبغي أن يختص به الكمل قال القشيري ويصح أن يقال ما كان للمسلمين فيه نصيب أو لله فيه حق فالدعاء أولى لكونه عبادة وإن كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم، وعبر ابن بطال عن هذا القول لما حكاه بقوله يستحب أن يدعوا لغيره وبترك لنفسه يعني إن دعا لغيره من المسلمين فحسن وإن دعا لنفسه فالأولى تركه. قال النووي في شرح مسلم: القول باستحباب الدعاء مطلقاً هو القول الصحيح الذي أجمع عليه العلماء وأهل الفتاوى في الأمصار في كل الأعصار، ودليلهم ظواهر القرآن والسنة في الأمر بالدعاء وفعله، والأخبار عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بفعله. وقال في الأذكار: المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف إن الدعاء مستحب. قال الله تعالى وقال ربكم ﴿ادعوني استجب لكم﴾ وقال تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ [الأعراف: ٥٥] والآيات في ذلك كثير مشهورة. وأما الأحاديث الصحيحة فهي أشهر من أن تشهر، وأظهر من أن تذكر واعلم أن للدعاء آداباً يجب على الداعي مراعاتها، وقد ذكرها الجزري في الحصن والنووي في الأذكار وبسط الكلام عليها مع البحث عن أدلتها الشوكاني في تحفة الذاكرين، وكذا الغزالي في الإحياء والزبيدي في شرحه فعليك أن تراجع هذه الكتب، وسيأتي التنبيه على بعض آداب الدعاء وشرائطه في شرح أحاديث الباب. قال الغزالي في الإحياء (ج١ص١٩٨) فإن قلت فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له، فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة، كما أن الترس سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان، وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يجعل السلاح. وقد قال تعالى: ﴿خذوا حذركم﴾ [النساء: ٧١] ولا أن لا يسقى الأرض بعد بث البذر، فيقال إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت، بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر، وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج، والتقدير هو القدر والذي قدر الخير قدره بسبب، والذي قدر الشر قدر لدفعه سبباً، فلا تناقض بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته. ثم في الدعاء من الفائدة (أي زيادة على الفائدة التي هي الإتيان بالسبب في رد البلاء) ما ذكرناه في الذكر وهو حضور القلب مع الله تعالى وهو منتهى العبادات، ولذلك قال ﷺ : الدعاء مخ العبادة، والغالب على الخلق إنه لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمة، فإن الإنسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض فالحاجة تحوج إلى الدعاء، والدعاء يرد القلب إلى الله عزوجل بالتضرع والاستكانة، فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات، ولذلك صار البلاء موكلاً بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل، لأنه يرد القلب بالافتقار والتضرع إلى الله وتمنع من نسيانه ويذكر بنعمته وإحسانه.
стр. 3362
﴿الفصل الأول﴾
٢٢٤٥- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي إلى يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)) .
ــ
٢٢٤٥- قوله: (لكل نبي دعوة مستجابة) قال النووي: معناه إن كل نبي له دعوة متيقنة الإجابة، وهو على يقين من إجابتها. وأما باقي دعواتهم فهم على طمع من إجابتها، وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب، وذكر القاضي عياض أنه يحتمل أن يكون المراد لكل نبي دعوة لأمته كما في الروايتين الأخيريتين يعني من روايات مسلم بلفظ: لكل نبي دعوة دعا بها في أمته، وبلفظ: لكل نبي دعوة دعاها لأمته. والمراد إن لكل منهم دعوة عامة مستجابة في حق الأمة إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم. وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب، ومنها ما لا يستجاب. وقيل معناه إن لكل منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه كقول نوح ﴿رب لا تذر على الأرض﴾ [نوح: ٢٦] وقول زكريا ﴿فهب لي من لدنك ولياً يرثني﴾ [مريم: ٥] وقول سليمان ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ [ص٣٥] حكاه ابن التين (فتجعل كل نبي دعوته) أي استعجل في دعوته المقطوع بإجابتها وإني اختبأت دعوتي) أي ادخرت دعوتي المقطوع بالإجابة وجعلتها خبيئة من الاختباء وهو الستر. ووقع في رواية للشيخين، وإني أريد أن اختبىء، وفي حديث أنس عند البخاري فجعلت دعوتي. قال الحافظ: وكأنه ﷺ أراد أن يؤخرها ثم عزم ففعل ورجا وقوع ذلك فأعلمه الله به فجزم به (شفاعة لأمتي) أي أمة الإجابة يعني لأجل أن أصرفها لهم خاصة بعد العامة وفي جهة الشفاعة أو حال كونها شفاعة (إلى يوم القيامة) أي مؤخرة إلى ذلك اليوم وفي نسخة يوم القيامة على أنه ظرف للشفاعة قاله القاري. قلت: وفي صحيح مسلم يوم القيامة أي بدون إلى وكذا وقع في المصابيح، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج١١ص ١٢٢) فالظاهر إن ما وقع في أكثر نسخ المشكاة بذكر إلى غلط من النساخ فهي) أي الشفاعة (نائلة) أي واصلة حاصلة (إن شاء الله) قاله ﷺ على جهة التبرك والامتثال لقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشي إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣] (من مات) في محل نصب على أنه مفعول به لنائلة (لا يشرك بالله) حال من فاعل مات (شيئاً) أي من الأشياء أو من الإشراك وهي أقسام. عدم دخول قوم النار. وتخفيف لبثهم فيها. وتعجيل دخولهم الجنة. ورفع درجات فيها. قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضل نبينا ﷺ على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها أيضاً دعاء عليهم بالهلاك، كما وقع لغيره ممن تقدم. وقال ابن الجوزي:
стр. 3363
رواه مسلم وللبخاري أقصر منه.
٢٢٤٦- (٢) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللهم إني اتخذت عندك عهداً لن تخلفينه،
ــ
هذا من حسن تصرفه ﷺ لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي ومن كثرة كرمه لأنه آثر أمته على نفسه ومن صحة نظره، لأنه جعلها للمذنبين من أمته لكونهم أحوج إليها من الطائعين. وقال النووي: فيه كمال شفقة النبي ﷺ على أمته ورأفته بهم واعتناءه بالنظر في مصالحهم المهمة فأخر دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجتهم. وأما قوله فهي نائلة" الخ ففيه دليل لمذهب أهل الحق أهل السنة إن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لا يخلد في النار ولو مات مصراً على الكبائر، يعني ففيه رد على من أنكر ذلك، ويرى أن الشفاعة لرفع الدرجات وغيره، ولا شفاعة لأهل الكبائر بل هم مخلدون في النار (رواه مسلم) في أواخر الإيمان (وللبخاري أقصر منه) فقد رواه في أول الدعوات بلفظ: لكل نبي دعوة يدعوا بها، وأريد أن أختبىء دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة، وفي باب المشيئة والإرادة من كتاب التوحيد بلفظ: لكل نبي دعوة فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. وأخرجه مسلم مطولاً كما في المشكاة ومقتصراً أيضاً كما عند البخاري. وأخرجه أحمد في مواضع منها في (ج٢ص٢٧٥) ومنها في صحيفة همام بن منبه (ج٢ص٣١٣) ومالك في أواخر الصلاة والترمذي في الدعوات وابن ماجه في ذكر الشفاعة والخطيب في تاريخ بغداد (ج٣ص٤٢٤، ج١١ص ١٤١) وفي الباب عن أنس عند الشيخين وجابر عند مسلم، وابن عباس ضمن حديث مطول عند أبي يعلى وأحمد (ج١ص٢٨١- ٢٩٥) وعبد الله بن عمرو بن العاص ضمن حديث أيضاً عند أحمد (ج٢ص٢٢٢) وعبادة بن الصامت عند أحمد والطبراني وعبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي عند الحاكم، والطبراني والبزار، وأبي سعيد عند أحمد والبزار وأبي يعلى والطبراني وأبي ذر عند البزار، وأبي موسى عند أحمد والطبراني وابن عمر عند الطبراني.
٢٢٤٦- قوله: (اللهم إني اتخذت) وقع في رواية لمسلم في أول الحديث، اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عند الله الخ. وأخرج مسلم من حديث عائشة بيان سبب هذا الحديث قالت: دخل على رسول الله ﷺ رجلان فكلماه بشي لا أدري ما هو، فأغضباه فسبهما ولعنهما فلما خرجا قلت له: فقال أو ما علمت ما شارطت عليه ربي. قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجراً، وقوله "اتخذت" كذا في جميع النسخ بلفظ الماضي، وفي المصابيح اتخذ أي بصيغة المضارع كما في صحيح مسلم، وهكذا نقله الجزري (ج١١ص٣٣٠) نعم وقع في روايات أخرى لمسلم اتخذت أي بصيغة الماضي (عندك عهداً) أي أخذت منك وعداً أو أماناًَ (لن تخلفنيه) من الإخلاف لأن الكريم لا يخلف وعده قيل
стр. 3364
فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته: شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك
يوم القيامة)) .
ــ
أصل الكلام إني طلبت منك حاجة اسعفني بها ولا تخيبني فيها، فوضع العهد موضع الحاجة مبالغة في كونها مقضية ووضع لن تخلفنيه موضع لا تخيبني. وقيل وضع العهد موضع الوعد مبالغة وإشعاراً بأنه وعد لا يتطرق إليه الخلف كالعهد ولذلك استعمل فيه الخلف لا النقض لزيادة التأكيد. وقيل أراد بالعهد الأمان، والمعنى أسألك أماناً لن تجعله خلاف ما أترقبه وأرتجيه بأن تجعل ما بدر مني مما يناسب ضعف البشرية إلى مؤمن من أذية أنحوها نحوه أو دعوة أدعوا بها عليه قربة تقربه بها إليك، فإنما أنا بشر أتكلم في الرضا والغضب فلا آمن أن أدعوا على مسلم فيستضر به، وهذه الرأفة التي أكرم الله بها وجهه حتى حظي بها المسيء فما ظنك بالمحسن، وإنما وضع الاتخاذ موضع السؤال تحقيقاً للرجاء بأنه حاصل إذ كان موعوداً بإجابة الدعاء، ولهذا قال لن تخلفنيه أحل العهد المسؤل محل الشيء الموعود. ثم أشار إلى أن وعد الله لا يتأتي فيه الخلف فإن الألوهية تنافيه (فإنما أنا بشر) تمهيد لمعذرته فيما يندر عنه صلوات الله وسلامه عليه، يعني فيصدر مني ما يصدر من البشر، فأغضب نادراً في بعض الأحيان بحكم البشرية (فأي المؤمنين) وفي رواية فأي رجل من المسلمين وهو بيان وتفصيل لما كان يلتمسه ﷺ بقوله اتخذت عندك عهداً (آذيته) أي بأي نوع من أنواع الأذى (شتمته إلخ) بيان لقوله آذيته وتفصيل له، ولذا لم يعطف. ومن ثم أفرد الضمير في فاجعلها رداً إلى الأذية. (لعنته جلدته) أي ضربته. قال الطيبي: ذكر هذه الأمور أي أنواع الإيذاء الثلاثة على سبيل التعداد من غير عاطف كقولك واحد اثنان ثلاثة، وقابلها بما يقابلها من أنواع التعطف والألطاف متناسقة أي بإثبات العاطف ليجمعها بإزاء كل واحد من تلك الأمور على سبيل الاستقلال، وليس من باب اللف والنشر - انتهى. قلت: وقع في الروايات الأخرى ذكر هذه الأمور بلفظ: "أو" ففي رواية لمسلم فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة، وفي أخرى له فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها زكاة ورحمة، وفي حديث عائشة فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله زكاة وأجراً (فاجعلها) أي تلك الأذية التي صدرت بمقتضى ضعف البشرية. وقيل: أي الكلمات المفهمة شتماً أو نحو لعنة (له) أي لمن آذيته من المؤمنين (صلاة) أي رحمة ورأفة تخصه بها وإكراماً وتلطفاً وتعطفاً توصله به إلى المقامات العلية (وزكاة) أي طهارة له من الذنوب ونماء وبركة في الأعمال والأموال (وقربة تقربه) أي تجعل ذلك المؤمن مقرباً (بها) أي بتلك القربة أو بكل واحدة من الصلاة وأختيها (إليك يوم القيامة) أي ولا تعاقبه بها في العقبى. ووقع في حديث أنس عند مسلم تقييد المدعو عليه بأن يكون ليس لذلك بأهل، ولفظه إنما أنا بشر أرضى كما يرضي البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها
стр. 3365
له طهوراً وزكاة وقربة تقربه بها منه يوم القيامة، وفيه قصة لأم سليم. قال النووي: في الحديث بيان ما كان عليه ﷺ من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم. ورواية أنس تبين المراد بباقي الروايات المطلقة وإنما يكون دعاءه عليه رحمة وكفارة وزكاة، ونحو ذلك إذا لم يكن أهلا للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه وما كان مسلماً وإلا فقد دعا ﷺ على الكفار والمنافقين ولم يكن ذلك رحمة لهم. قلت: وهذا هو الجواب عما استشكل بأنه لعن جماعة كثيرة منها المصور والعشار ومن ادعى إلى غير أبيه والمحلل والسارق وشارب الخمر وآكل الربا وغيرهم. فيلزم أن يكون لهم رحمة وطهوراً، فالمراد في الحديث من لم يكن أهلا لذلك ومن لعنه في حال غضبه على مقتضى ضعف البشرية، فمن فعل منهياً عنه فلا يدخل في ذلك. فإن قيل كيف يدعوا ﷺ بدعوة على من ليس لها بأهل أو يسبه أو يلعنه أو نحو ذلك أجيب بأن المراد بقوله ليس لها بأهل عندك في باطن أمره لا على ما يظهر مما يقتضيه حاله وجنايته حين دعائي عليه، يعني إن المراد ليس بأهل لذلك عند الله وفي باطن الأمر ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له ﷺ استحقاقه لذلك بإمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك فكأنه يقول من كان باطن أمره عندك إنه ممن ترضي عنه فاجعل دعوتي التي اقتضاها ما ظهر لي من مقتضى حاله حينئذ طهوراً وزكاة، وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه لأنه ﷺ كان متعبداً ومأموراً بالحكم بالظواهر وحساب الناس في البواطن على الله فإنه هو المتولي للسرائر. فإن قيل فما معنى قوله "وأغضب كما يغضب البشر" فإن هذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سورة الغضب لا أنها على مقتضى الشرع فيعود السؤال. فالجواب إنه يحتمل أنه ﷺ أراد أن دعوته عليه أو سبه أو جلده كان مما خير فيه بين أمرين عقوبة للجاني أحدهما هذا فعله والثاني تركه والزجر له بأمر آخر سوى ذلك فيكون الغضب لله تعالى حمله وبعثه على أحد الأمرين المخير فيهما وهو سبه أو لعنه أو جلده ونحو ذلك وليس ذلك خارجاً من حكم الشرع. ويحتمل أن يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد إليه فلا يكون في ذلك كاللعنة الواقعة رغبة إلى الله وطلباً للاستجابة. وأشار عياض إلى ترجيح هذا الاحتمال فقال: يحتمل أن يكون ما ذكره من سب ودعاء غير مقصود ولا منوي، لكن جرى على عادة العرب في دعم كلامها وصلة خطابها عند الحرج والتأكيد للعتب لا على نية وقوع ذلك كقولهم "عقري حلقي" و "تربت يمينك" وفي قصة أم سليم المذكورة في حديث أنس عند مسلم الذي أشرنا إليه "لا كبرت سنك" وفي حديث معاوية عند مسلم أيضاً "لا أشبع الله بطنه" ونحو ذلك لا يقصدون بشي من ذلك حقيقة الدعاء فخاف ﷺ أن يصادف شيء من ذلك الإجابة وأشفق من موافقة أمثالها القدر فعاهد ربه ورغب إليه وسأله أن يجعل ذلك القول رحمة وكفارة وقربة وطهوراً وأجراً. وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان ولم يكن ﷺ فاحشاً ولا متفشحاً ولا لعاناً ولا منتقماً لنفسه. قال الحافظ: وهذا الاحتمال الذي أشار عياض إلى
стр. 3366
متفق عليه.
٢٢٤٧- (٣) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت،
ــ
ترجيحه حسن إلا أنه يرد عليه قوله جلدته فإن هذا الجواب لا يتمشى فيه إذ لا يقع الجلد عن غير قصد، وقد ساق الجمع مساقاً واحداً إلا أن حمل على الجلدة الواحدة فيتجه. ويحتمل أن يقال إنه كان لا يقول ولا يفعل ﷺ في حال غضبه إلا الحق لكن غضبه الله قد يحمله على تعجيل معاقبة مخالفة وترك الاغضاء والصفح، ويؤيده حديث عائشة ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله وهو في الصحيح. قال الحافظ: فعلى هذا فمعنى قوله ليس لها بأهل أي من جهة تعين التعجيل قال. وفي الحديث كمال شفقته ﷺ على أمته وجميل خلقه وكرم ذاته حيث قصد مقابلة ما وقع منه بالجبر والتكريم، وهذا كله في حق المعين في زمنه واضح. وأما ما وقع منه بطريق التعميم لغير معين حتى يتناول من لم يدرك زمنه ﷺ فما أظنه يشمله والله اعلم - انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الدعوات، ومسلم في الأدب واللفظ المذكور لمسلم، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢ص٢٤٣) وأبويعلى وقد جاء هذا الحديث من طرق مختلفة اللفظ باتفاق المعنى، فقد ورد عن عائشة وجابر وأنس عند مسلم وعن أبي سعيد عند أبي يعلى وسمرة بن جندب عند الطبراني وأبي الطفيل عامر بن واثلة عند الطبراني أيضاً وأنس وعائشة أيضاً عند أحمد بغير السياق الذي في صحيح مسلم.
٢٢٤٧- قوله: (إذا دعا أحدكم) أي طلب من الله وسأله شيئاً (فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت إلخ) قال في المفاتيح: نهى عن قول إن شئت في الدعاء لأن هذا شك في قبول الدعاء، ولأن لفظ إن شئت إذا قلته لأحد معناه إني جعلت الخيرة إليك يعني لم يكن قبل قولك إن شئت مختاراً، بل لو لم تقل إن شئت كان يلزم عليه قبول الدعاء شاء أو لم يشأ فإذا قلت إن شئت جعلته مخيراً وهذا لا يجوز في حق الله فإنه لا حكم لأحد عليه وليس لأحد أن يكرهه بل هو فعال لما يريد. فكيف يجوز أن يقال له إن شئت بل يعزم السائل مسألته وليسأل من غير شك وتردد بل ليكن متيقناً في قبول الدعاء، فإن الله كريم لا بخل عنده وقدير لا يعجز عن شيء – انتهى. وقال الباجي: معنى الحديث لا يشترط مشيئة باللفظ، فإن ذلك أمر معلوم متيقن إنه لا يغفر إلا أن يشاء ولا يصح غير هذا، فلا معنى لاشتراط المشيئة لأنها إنما تشترط فيمن يصح منه أن يفعل دون أن يشاء بالإكراه وغيره مما تنزه الله سبحانه عنه. وقد بين ذلك ﷺ في آخر الحديث بقوله "فإنه لا مكره له" - انتهى. مع أنه يتضمن إيهام الاستغناء الغير اللائق بمقام الدعاء والسؤال فاللائق بالمقام تركه، والنهي للتحريم أو للتنزيه فيه خلاف. قال الحافظ قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقول اللهم أعطني إن شئت وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، لأنه كلام مستحيل لا وجه له، لأنه لا يفعل إلا ما شاءه وظاهره إنه
стр. 3367
ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسئلته إنه يفعل ما يشاء، ولا مكره له)) .
ــ
حمل النهي على التحريم وهو الظاهر. وحمل النووي النهي في ذلك على كراهة التنزيه وهو أولى يؤيده حديث الاستخارة. قال وقال الداودي: لا يقل إن شئت كالمستثنى ولكن دعاء البائس الفقير. قلت: وكأنه أشار بقوله كالمستثنى إلى أنه إذا قالها على سبيل التبرك لا للاستثناء لا يكره وهو جيد – انتهى. (ارحمني إن شئت ارزقني إن شئت) أي ونحو ذلك فالمذكور كله أمثلة (وليعزم) بكسر الزاء (مسئلته) أي ليطلب جازماً من غير شك وتردد، والمراد بالمسألة الدعاء. وقد وقع في رواية لأحمد ومسلم الدعاء، يقال عزم الأمر وعليه عقد ضميره على فعله وصمم عليه وعزم الرجل جدّ في الأمر. قال الجزري: عزمت على الأمر إذا عقدت قلبك عليه وجددت في فعله، والعزم الجد والقطع، على فعل الشيء ونفي التردد عنه، والمعنى لا تكن في دعائك متردداً بل أجزم المسألة – انتهى. وقال غيره: عزم المسألة الشدة في طلبها، والجزم بها من غير ضعف في الطلب ولا تعليق على مشيئة ونحوها، يعني هو أن يجزم بوقوع مطلوبة ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى. وقيل هو حسن الظن بالله تعالى في الإجابة. وقال الداودي: ليعزم المسألة أي يجتهد ويلح ولا يقل إن شئت كالمستثنى ولكن دعاء البائس الفقير. قلت: وأخرج الطبراني في الدعاء قال الحافظ: بسند رجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة بقية عن عائشة مرفوعاً (إن الله يحب الملحين في الدعاء) قال ابن بطال: في الحديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعوا كريماً: وقال ابن عيينة: لا يمنعن أحداً الدعاء ما يعلم في نفسه يعني من التقصير فإن الله تعالى قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال ﴿رب أنظرني إلى يوم يبعثون﴾ [الأعراف: ١٤] (إنه يفعل ما يشاء) استئناف فيه معنى التعليل، وفي رواية لمسلم فإن الله صانع ما شاء (ولا مكره) بكسر الراء وفي حديث أنس عند الشيخين لا مستكره من الاستكراه، وهما بمعنى وقوله "ولا مكره" كذا وقع في أكثر النسخ بذكر العاطف، وفي بعضها لا مكره أي بحذفه، وهكذا في البخاري وكذا في المصابيح وجامع الأصول (له) أي لله على الفعل أو لا يقدر أحد أن يكرهه على فعل أمر أراد تركه ولا حكم لأحد عليه بل يفعل ما يشاء فلا معنى لقوله "إن شئت" لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة فلا حاجة إلى التقييد به مع أنه موهم لعدم الاعتناء بوقوع ذلك الفعل أو لاستعظامه على الفاعل على المتعارف بين الناس. وقال الحافظ: المراد أن الذي يحتاج إلى التعليق بالمشيئة ما إذا كان المطلوب منه يتأتي إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه ويعلم بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه. وأما الله سبحانه فهو منزه عن ذلك فليس للتعليق فائدة. وقيل: المعنى أي سبب المنع إن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه والأول أولى – انتهى. وقد تقدم إن للدعاء شروطاً وآداباً كثيرة، وقد ذكر في هذا الحديث ما هو من أهم آدابه وأفرده بالذكر
стр. 3368
رواه البخاري.
٢٢٤٨- (٤) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه)) . رواه مسلم.
٢٢٤٩- (٥) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة،
ــ
اهتماماً بشأنه (رواه البخاري) في باب المشيئة والإرادة من كتاب التوحيد إلا أنه ليس فيه قوله إذا دعا أحدكم بل أول الحديث لا يقل أحدكم "اللهم اغفر لي الخ" وأخرجه في الدعوات مختصراً بلفظ: لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسئلة فإنه لا مكره له، وأخرج مسلم نحوه وكذا أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة، وفي الباب عن أنس عند أحمد والشيخين والنسائي وأبي سعيد عند ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد.
٢٢٤٨- قوله: (إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت) أي مثلا (ولكن ليعزم) أي ليجزم بالمسئلة (وليعظم) بالتشديد (الرغبة) أي الميل فيه بالإلحاح. قال الحافظ: معنى قوله "ليعظم الرغبة" أي يبالغ في ذلك بتكرار الدعاء والإلحاح فيه، ويحتمل أن يراد به الأمر بطلب الشيء العظيم الكثير ويؤيده ما في آخر هذه الرواية، فإن الله لا يتعاظمه شيء – انتهى. (فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه) الضمير المنصوب في "أعطاه" يرجع إلى شيء يعني لا يعظم عليه إعطاء شيء بل جميع الموجودات في أمره يسير وهو على كل شيء قدير، يقال تعاظم زيداً هذا الأمر أي كبر وعظم عليه وعسر عليه (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد وابن حبان وأبوعوانة.
٢٢٤٩- قوله: (يستجاب) بصيغة المجهول من الاستجابة بمعنى الإجابة. قال الشاعر: فلم يستجبه عند ذاك مجيب (للعبد) أي بعد شروط الإجابة وقوله "يستجاب" كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة من المشكاة وكذا في المصابيح، ولمسلم لا يزال يستجاب، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول والحافظ والقسطلاني في شرحيهما (ما) ظرف ليستجاب بمعنى المدة أي مدة كونه (لم يدع بإثم) أي بمعصية مثل أن يقول اللهم قدرني على قتل فلان وهو مسلم ليس مستوجباً للقتل، أو اللهم ارزقني الخمر أو الفلانة وهي محرمة عليه ويريد زناها. (أو قطيعة رحم) أي بالقطع بينه وبين أقاربه مثل أن يقول اللهم بعد بيني وبين أبي وأمي أو أخي وما أشبه ذلك فهو تخصيص بعد تعميم. قال الجزري: القطيعة الهجر والصّد والرحم والأقارب والأهلون، والمراد أن
стр. 3369
ما لم يستعجل. قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال! قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت. فلم أر
يستجاب لي،
ــ
لا يصل أهله ويبرّهم ويحسن إليهم (ما لم يستعجل) وفي رواية ما لم يعجل بفتح التحتية، والجيم بينهما عين ساكنة من سمع يعني يقبل دعاءه بشرط أن لا يستعجل. قال الطيبي: الظاهر ذكر العاطف في قوله "ما لم يستعجل" لكنه ترك تنبيها على استقلال كل من القيدين أي يستجاب ما لم يدع بإثم يستجاب ما لم يستعجل (قال) أي النبي ﷺ (يقول) أي الدعي (قد دعوت وقد دعوت) أي مرة بعد أخرى يعني مرات كثيرة فتكرار "دعوت" للاستمرار أي دعوت مراراً كثيراً (فلم أر يستجاب لي) قال القاري: أي لم أر آثار استجابة دعائي وهو إما استبطاء أو إظهار يأس وكلاهما مذموم، أما الأول فلأن الإجابة لها وقت معين كما ورد إن بين دعاء موسى وهارون على فرعون وبين الإجابة أربعين سنة. وأما القنوط فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون مع أن الإجابة على أنواع: منها تحصيل عين المطلوب في الوقت المطلوب ومنها وجوده في وقت آخر لحكمة اقتضت تأخيره ومنها دفع شر بدله أو إعطاء خير آخر خير من مطلوبه ومنها ادخاره ليوم يكون أحوج إلى ثوابه – انتهى. قلت: المراد بالاستجابة في الحديث وفي قوله تعالى: ﴿ادعواني استجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] وقوله ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٦] ما هو أعم من تحصيل المطلوب بعينه، أو ما يقوم مقامه ويزيد عليه، فكل داع يستجاب له بشروط الإجابة لكن تتنوع الإجابة فتارة تقع بعين ما دعا به وتارة بعوضه. وقد ورد في ذلك حديث صحيح أخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبادة بن الصامت رفعه ما على الأرض مسلم يدعوا بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه السوء مثلها، ولأحمد من حديث أبي هريرة إما أن يعجلها له وإما أن يدخرها له، وسيأتي حديث أبي سعيد في الفصل الثالث ما من مسلم يدعوا بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث، إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها وإلى ذلك أشار القاري، وأشار إليه أيضاً ابن الجوزي بقوله اعلم أن دعاء المؤمن لا يرد غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة أو يعوض بما هو أولى له عاجلاً أو آجلاً، فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض، وفي رواية للشيخين وغيرهما يستجاب لأحدكم (أي يجاب دعاء كل واحد منكم إذا سم الجنس المضاف يفيد العموم على الأصح) ما لم يعجل بقول (بيان لقوله يعجل) دعوت فلم يستجب لي (بضم المثناة التحتية وفتح الجيم) قال الباجي: قوله "يستجاب لأحدكم" الخ يحتمل معنيين أن يكون بمعنى الإخبار عن وجوب وقوع الإجابة. والثاني: الإخبار عن
стр. 3370
فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء)) . رواه مسلم.
٢٢٥٠- (٦) وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : ((دعوة المرء المسلم لأخيه،
ــ
جواز وقوعها فإذا كانت بمعنى الإخبار عن الوجوب فالإجابة تكون لأحد الثلاثة أشياء إما أن يعجل ما سأل فيه وإما أن يكفر عنه به، وإما أن يدخر له فإذا قال دعوت فلم يستجب لي بطل وجوب أحد هذه الثلاثة الأشياء وعري الدعاء من جميعها. وإذا كان بمعنى جواز الإجابة فالإجابة تكون حينئذ بفعل ما دعا به خاصة، ويمنع من ذلك قول الداعي قد دعوت فلم يستجب لي لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين والسخط – انتهى. (فيستحسر) أي ينقطح ويمل ويفتر وهو بمهملات استفعال من حسر إذا أعي وتعب وانقطع عن الشي. وقال الجزري: الاستحسار الاستنكاف عن السؤال وأصله من حسر الطرف إذا كل وضعف نظره يعني أن الداعي إذا تأخرت إجابته تضجر ومل فترك الدعاء واستنكف – انتهى. (عند ذلك) أي عندْ رؤيته عدم الاستجابة في الحال (ويدع) بفتح الدال المهلة (الدعاء) أي يتركه مطلقاً أو ذلك الدعاء. قال المظهري: من كان له ملالة من الدعاء لا يقبل دعاءه، لأن الدعاء عبادة حصلت الإجابة أو لم تحصل فلا ينبغي للمؤمن أن يمل من العبادة وتأخير الإجابة إما لأنه لم يأت وقتها فإن لكل شيء وقتا مقدارا في الأزل فما لم يأت وقته لا يكون ذلك الشي، وإما لأنه لم يقدر في الأزل قبول دعاءه في الدنيا وإذا لم يقبل دعاءه يعطيه الله في الآخرة من الثواب عوضه، وإما أن يؤخر قبول دعاءه ليلح ويبالغ في الدعاء فإن الله تعالى يحب الإلحاح في الدعاء مع ما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، ومن يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له، ومن يكثر الدعاء يوشك أن يستجاب له فلا ينبغي أن يترك الدعاء. وقال ابن بطال: المعنى إنه يسأم فيترك الدعاء كالمانّ بدعاءه أو إنه أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء. وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء وهو أنه يلازم الطلب ويديم الدعاء ولا يستبطىء الإجابة ولا ييأس منها، لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار حتى قال بعض السلف لأنا أشد خشية أن أحرم الدعاء من أحرم الإجابة وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر الآتي في الفصل الثاني من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة – الحديث. (رواه مسلم) وأخرج أيضاً مالك والبخاري والترمذي وأبوداود وابن ماجه نحوه مختصراً ومطولاً بألفاظ، وفي الباب عن أنس عند أحمد وأبي يعلى والبزار والطبراني، وفيه أبوهلال الراسبي وهو ثقة، وفيه خلاف وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح، وعن عبادة الصامت أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه مسلمة بن علي وهو ضعيف كذا في مجمع الزوائد.
٢٢٥٠- قوله: (دعوة المرء المسلم) أي الشخص الشامل للرجل والمرأة (لأخيه) في الدين أي المسلم
стр. 3371
بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك مؤكل، كلما دعا لأخيه بخير. قال الملك المؤكل به: آمين، ولك بمثل)) . رواه مسلم.
٢٢٥١- (٧) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم،
ــ
(بظهر الغيب) أي في غيبة المدعو له وفي السر. قال القاري: الظهر مقحم للتأكيد أي في غيبة المدعو له عنه وإن كان حاضراً معه بأن دعا له بقلبه حينئذ أو بلسانه ولم يسمعه. (مستجابة) يعني إذا دعا مسلم لمسلم بخير في غيبة أي بحيث لا يشعر ولو كان حاضراً في المجلس يستجاب دعاءه، لأن هذا الدعاء أبلغ في الإخلاص لله تعالى، وليس للرياء ولا لطمع عوض وما كان كذلك يكون مقبولاً. قال الطيبي: موضع بظهر الغيب نصب على الحال من المضاف إليه، لأن الدعوة مصدر أضيف إلى فاعله، ويجوز أن يكون ظرفاً للمصدر وقوله "مستجابة" خبر لها (عند رأسه) أي الداعي (ملك) جملة مستأنفة مبينة لسبب استجابة دعا الشخص بالغيب. وتخلف الإجابة لعائق من عدم أكل الحلال أو عدم صدق نية مثلاً (مؤكل) أي بتأمين دعاءه أو بالدعاء له عند دعاءه لأخيه (كلما دعا لأخيه بخير) أي أو دفع شر (آمين) أي استجب له يا رب دعاءه لأخيه فقوله (ولك) فيه التفات أو استجباب الله دعاءك في حق أخيك ولك أيها الداعي (بمثل) بكسر الميم وإسكان المثلثة وتنوين اللام يقال هو مثله ومثيله بزيادة الياء أي عديلة سواء يعني ولك مثل ما دعوت به لأخيك، قال الطيبي: الباء زائدة في المبتدأ كما في بحسبك درهم – انتهى. قال النووي: في هذا الحديث فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب ولو دعا لجماعة من المسلمين حصلت هذه الفضيلة ولو دعا لجميع المسلمين، فالظاهر حصولها أيضاً وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة لأنها تستجاب ويحصل له مثلها (رواه مسلم) في الدعوات، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص١٩٥) وأبوداود في أواخر الصلاة وابن ماجه في الحج، والبخاري في الأدب المفرد وابن أبي شيبة وأبوعوانة وابن حبان، وفي الباب عن أنس أخرجه البزار، وعن أم كرز أخرجه أبوبكر في الغيلانيات وعن أبي هريرة أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق.
٢٢٥١- قوله: (لا تدعوا) أي دعاء سوء (على أنفسكم) أي بالهلاك والويل ونحو ذلك عند التضجر في مصيبة المرض أو الموت مثلا (ولا تدعوا على أولادكم) أي بالعمى واللعن ونحو ذلك وقد كثرت وغلبت هذه البلية في النساء فإنهن يدعون على أولادهن عند الضجر والملال (ولا تدعوا على أموالكم) قال القاري: أي من العبيد والإماء بالموت وغيره. قلت: زاد في رواية أبي داود ولا تدعوا على خدمكم قبل قوله "ولا تدعوا على
стр. 3372
لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم)) . رواه مسلم، وذكر حديث ابن عباس: ((اتق دعوة المظلوم)) . في كتاب الزكاة.
﴿الفصل الثاني﴾
٢٢٥٢- (٨) عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدعاء هو العبادة.
ــ
أموالكم" فالظاهر إن المراد بالأموال في رواية مسلم ما هو الأعم من العبيد والإماء (لا توافقوا) نهى للداعي أي وعلة للنهي أي لا تدعوا على من ذكر لئلا توافقوا (من الله ساعة) أي ساعة إجابة (يسأل) أي الله (فيها عطاء) بالنصب على أنه مفعول ثان. قال القاري: وفي نسخة يعني من المشكاة بالرفع على أنه نائب الفاعل ليسأل – انتهى. وفي رواية أبي داود لا توافقوا من الله ساعة نيل فيها عطاء. قال المظهر: العطاء ما يعطي من خير أو شر وأكثر استعمال العطاء يكون في الخير والمعنى ههنا يسئل فيها مسئلة (فيستجيب) بالرفع عطفاً على يسئل أو التقدير فهو يستجيب (لكم) يعني لا تدعوا دعاء سوء على ما ذكر مخافة أن يصادف دعوتكم ساعة إجابة فيستجاب دعاءكم السوء ثم تندموا على ما دعوتم ولا ينفعكم الندامة يعني لا تدعوا إلا بخير. وقيل "فيستجيب" منصوب لأنه جواب "لا توافقوا" قال الطيبي: جواب النهي من قبيل لا تدن من الأسد فيأكلك على مذهب أي مذهب الكسائي ويحتمل أن يكون مرفوعا أي فهو يستجيب (رواه مسلم) في أثناء حديث جابر الطويل في آخر صحيحه، وأخرجه أيضاً أبوداود في أواخر الصلاة، وفي الباب عن أم سلمة بلفظ: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، وقد تقدم في باب ما يقال عند من حضره الموت (ج١ص٤٤٩) .
(وذكر حديث ابن عباس إتق) أي احذر (دعوة المظلوم) أي لا تظلم أحداً بأن تأخذ منه شيئاً ظلماً أو تمنع أحداً حقه تعدياً أو تتكلم في عرضه افتراء حتى لا يدعوا عليك، وتمام الحديث فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. (في كتاب الزكاة) في أوله لكونه في ضمن حديث طويل هناك فأسقطه للتكرار ونبه عليه لا لكون الحديث أنسب بذلك الكتاب حتى يرد السؤال والجواب.
٢٢٥٣- قوله: (الدعاء هو العبادة) هذه الصفة المقتضية للحصر من جهة تعريف المسند إليه ومن جهة تعريف المسند ومن جهة ضمير الفصل تقتضي أن الدعاء هو أعلى أنواع العبادة وأرفعها وأشرفها، وإلى هذا أشار بقوله الدعاء مخ العبادة. قال الطيبي: معنى الحديث أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي إذا الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له، وما شرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار وينصر هذا
стр. 3373
ثم قرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾
ــ
التأويل ما بعد الآية المتلوة ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم﴾ [غافر: ٦] داخرين حيث عبر عن عدم الافتقار والتذلل والخضوع بالاستكبار، ووضع عبادتي موضع دعائي وجعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار والهوان. وقيل: لا وجه لحمل العبادة على المعنى اللغوي ولا فائدة فيه والأقرب أن يقال أن العبادة سواء كانت دعاء أم غيره لا يخلو أن يقصد بها استدعاء رضوان الله تعالى واستدفاع سخطه أو يقصد بها غرض دنيوي محض كالتوسعة في الرزق ليتنعم والشفاء من المرض ليتخلص من الألم وعلى كل فذلك القصد يصح أن يسمى دعاء، لأنه دعاء قلبي وإذا اعتبرنا العبادات الشرعية سوى الدعاء وجدنا الشارع، قد شرع الدعاء في كل منهما بما يوافق ذلك القصد فصار الدعاء عبارة عن الأمرين، السؤال باللسان والقصد بالجنان، لأن الدعاء باللسان إنما هو ترجمة لذلك القصد فإذا صح هذا فإننا إذا أفرزنا الدعاء من العبادة وهو القصد القلبي وترجمته اللسانية لم يبق من العبادة إلا صورتها. ولا شك أن القصد القلبي مع الترجمة عنه أكرم على الله تعالى وأشرف من صورة العبادة مجردة عن ذلك، ولهذا صح إن الدعاء مخ العبادة، وهو معنى قوله إن الدعاء هو العبادة على وزان قوله الحج عرفة وقد يتوسع في هذا فيقال إن صورة العبادة كالصوم دعاء بالحال، وبهذا يصح إن العبادات كلها دعاء. وقال ميرك: أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء مبالغة ومعناه إن الدعاء معظم العبادة كما قال ﷺ (الحج عرفة أي معظم أركان الحج الوقوف بعرفة) . قال القاري في شرح الحصن بعد نقل كلام ميرك: والأظهر أن الحصر حقيقي لا ادعائي فإن إظهار العبد العجز، والاحتياج عن نفسه والاعتراف بأن الله تعالى قادر على إجابته سواء استجاب له أو لم يستجب كريم غني لا بخل له ولا فقر ولا احتياج له إلى شيء حتى يدخر لنفسه ويمنعه من عباده هو عين العبادة بل مخها – انتهى. (ثم قرأ وقال ربكم ادعوني استجب لكم) ذكر الآية بعد الحديث على وجه البيان لأن في الآية الأمر بالدعاء والقيام بحكم الأمر هو العبادة. قال القاري: قيل استدل بالآية على أن الدعاء عبادة لأنه مأمور به والمأمور به عبادة. وقال القاضي البيضاوي: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستحق أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله تعالى معرض عمن سواه لا يرجو ولا يخاف إلا منه استدل عليه بالآية فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط، والمسبب على السبب وما كان كذلك كان أتم العبادات وأكملها، ويقرب منه قوله مخ العبادة أي خالصها. وقيل الاستدلال بالآية بتمامها وذلك لأن أول الكلام مسوق للدعاء، فالمناسب به أن يقول: إن الذين يستكبرون عن دعائي، فإطلاق العبادة في موضع الدعاء ويدل على أن الدعاء عبادة. قال الحافظ: هذه الآية ظاهرة في ترجيح الدعاء على
...
стр. 3374
رواه أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
٢٢٥٣- (٩) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدعاء مخ العبادة)) . رواه الترمذي.
٢٢٥٤- (١٠) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس شيء أكرم
ــ
التفويض وأجاب عنها من ذهب إلى أن الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء بأن آخرها دل على أن المراد بالدعاء (أي في الآية) العبادة لقوله: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾ واستدلوا بحديث النعمان يعني الذي نحن في شرحه. وأجاب الجمهور أي الذين قالوا بترجيح الدعاء على التفويض بأن الدعاء من أعظم العبادة فهو كالحديث الآخر الحج عرفة أي معظم الحج وركنه الأكبر، ويؤيده حديث الدعاء مخ العبادة، وقد تواردت الآثار عن النبي ﷺ بالترغيب في الدعاء والحث عليه. وقال الشيخ تقي الدين السبكي: الأولى حمل الدعاء في الآية على ظاهره، وأما قوله بعد ذلك عن عبادتي فوجه الربط إن الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكباراً، ومن فعل ذلك كفراً، وأما من تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة في الحث عليه – انتهى. قلت: الأمر في الآية للاستحباب والوعيد ليس على ترك الدعاء مطلقاً بل على تركه استكباراً (رواه أحمد) (ج٤ص٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦) (والترمذي) في تفسير سورتي البقرة والمؤمن وفي الدعوات. وقال: هذا حديث حسن صحيح. (وأبوداود) في أواخر الصلاة وسكت عنه. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره (والنسائي) في الكبرى (وابن ماجه) في الدعاء وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد وابن أبي شيبة في مصنفه وابن حبان في صحيحه، والحاكم (ج١ص٤٩١) والطبراني في كتاب الدعاء. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وأخرجه أبويعلى من حديث البراء كما في الكنز.
٢٢٥٣- قوله: (الدعاء مخ العبادة) المخ بالضم نقي العظيم والدماغ وشحمة العين وخالص كل شي، والمعنى إن الدعاء لب العبادة وخالصها، وذلك لأن الداعي إنما يدعوا الله عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص ولا عبادة فوقهما، قال ابن العربي: وبالمخ تكون القوة للأعضاء فكذا الدعاء مخ العبادة به تتقوى عبادة العابدين فإنه روح العبادة (رواه الترمذي) في الدعوات. وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة – انتهى. وابن لهيعة فيه مقال مشهور، وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة مرفوعاً أشرف العبادة الدعاء.
٢٢٥٤- قوله: (ليس شيء أكرم) بالنصب على أنه خبر ليس أي أكثر كرامة أي شرفاً يعني أعلى قدراً
стр. 3375
على الله من الدعاء)) . رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
٢٢٥٥- (١١) وعن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرد القضاء
ــ
وأرفع درجة. وقيل أي أفضل وأشرف (على الله) أي عند الله (من الدعاء) أي من حسن السؤال والطلب لأن فيه إظهار الفقر والعجز والتذلل والاعتراف بقوة الله وقدرته والمعنى ليس شيء من أنواع العبادات القولية أكرم عند الله من الدعاء لأن شرف كل شيء يعتبر في بابه فلا يرد أن الصلاة أفضل العبادات البدنية، ولا يتوهم أنه مناف لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وقيل: الأظهر أن الدعاء أفضل من جميع الأذكار والطاعات وقيل: المراد بقوله أكرم أسرع قبولاً وأنفع تأثيراً. وقيل يمكن أن يراد بالدعاء الدعاء إلى الله تعالى فيكون المعنى أكرم الأعمال هو الهداية إلى الله تعالى التي هي وظيفة الرسل والعلماء النائبين عنهم، وهذا معنى صحيح ولا يظهر فيه إشكال فتأمل (رواه الترمذي وابن ماجه) في الدعوات وأخرجه أيضاً أحمد، والبخاري في الأدب المفرد وفي التاريخ وابن حبان والحاكم (ج١ص٤٩٠) (وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي. قال الشوكاني: وإنما لم يصححه الترمذي لأن في إسناده عمران بن داور القطان ضعفه النسائي وأبوداود ومشاة أحمد. وقال ابن القطان: رواته كلهم ثقات إلا عمران، وفيه خلاف - انتهى. قلت: عمران هذا قال البخاري فيه: إنه صدوق يهم، ووثقه عفان والعجلي. وقال الساجي والحاكم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث وضعفه أبوداود والنسائي. وقال ابن معين: ليس بالقوي. وقوله هذا حديث حسن غريب كذا وقع في النسخ المطبوعة في الهند من المشكاة وفي النسخة التي على هامش المرقاة، وهكذا نقله الشوكاني في تحفة الذاكرين وليس في نسخ الترمذي الموجودة عندنا لفظ حسن، وكذا لم يقع في متن المرقاة ولم يذكره البغوي أيضاً والحديث لا ينزل عن درجة الحسن.
٢٢٥٥- قوله: (لا يرد القضاء) بالنصب على المفعولية (إلا الدعاء) قال القاري أخذاً عن التوربشتي: القضاء هو الأمر المقدر. وتأويل الحديث إنه إن أراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه به ويتوقاه، فإذا وفق للدعاء دفعه الله عنه فتسميته قضاء مجاز على حسب ما يعتقده المتوقي عنه يوضحه، قوله ﷺ في "الرقى" هو من قدر الله، وقد أمر بالتداوي والدعاء مع أن المقدور كائن لخفاءه على الناس وجوداً وعدماً. ولما بلغ عمر الشام وقيل له إن بها طاعونا رجع. فقال أبوعبيدة: أتفر من القضاء يا أمير المؤمنين؟ فقال لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم! نفر من قضاء الله أو أراد برد القضاء إن كان المراد حقيقته تهوينه وتيسير الأمر حتى كأنه لم ينزل يؤيده قوله في الحديث الآتي إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل - انتهى. وقيل هكذا كله تكلف وحقيقة المعنى إن المراد بالقضاء
стр. 3376
إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)) . رواه الترمذي.
ــ
القضاء الذي علق رده بالدعاء وجعل الدعاء سبباً لرده، فإن القضاء لا ينافي السبب والمسبب، فمن جملة القضاء أن يكون شيء سبباً لحصول شيء أو يكون سبباً لرده فالدعاء ورد البلاء به من قدر الله تعالى فقد يقضى بشي على عبده قضاء مقيداً بأن لا يدعوه، فإن دعاءه اندفع عنه فالدعاء كالترس والبلاء كالسهم (ولا يزيد في العمر) بضم الميم وتسكن (إلا البر) بكسر الباء وهو الإحسان والطاعة. والظاهر إنه يزاد حقيقة قال تعالى: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾ [فاطر: ١١] وقال: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩] والمعنى أنه لو لم يكن باراً لقصر عمره من القدر الذي كان إذا بر، والتفاوت إنما يظهر في التقدير المعلق لا فيما يعلم الله تعالى إن الأمر يصير إليه فإن ذلك لا يقبل التغيير، ولا يخفي ما بين الحصرين المستفادين من الجملتين من التناقض فيجب حمل القدر أي المقدر في الجملة الأولى على غير العمر فليتأمل ذكر في الكشاف إنه لا يطول عمر الإنسان ولا يقصر إلا في كتاب، وصورته أن يكتب في اللوح إن لم يحج فلان أو يغز فعمره أربعون سنة وإن حج وغزا فعمره ستون سنة فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمر وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهو الستون، وذكر نحوه في معالم التنزيل وقيل معناه إذا بر لا يضيع عمره فكأنه زاد وقيل قدر أعمال البر سبباً لطول العمر كما قدر الدعاء سبباً لرد البلاء، فالبر على الوالدين وبقية الأرحام يزيد في العمر، إما بمعنى أنه يبارك له في عمره فييسر له في الزمن القليل من الأعمال الصالحة ما لا يتيسر لغيره من العمل الكثير فالزيادة مجازية لأنه يستحيل في الآجال الزيادة الحقيقية. قال الطيبي: اعلم أن الله تعالى إذا علم أن زيداً يموت سنة خمس مائة استحال أن يموت قبلها أو بعدها فاستحال أن تكون الآجال التي عليها علم الله تزيد أو تنقص فتعين تأويل الزيادة إنها النسبة إلى ملك الموت أو غيره ممن وكل بقبض الأرواح وأمره بالقبض بعد آجال محدودة فإنه تعالى بعد أن يأمره بذلك أو يثبت في اللوح المحفوظ ينقص منه أو يزيد على ما سبق علمه في كل شيء وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ وعلى ما ذكر يحمل قوله عزوجل ﴿ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده﴾ [الأنعام: ٢] فالإشارة بالأجل الأول إلى ما في اللوح المحفوظ، وما عند ملك الموت وأعوانه، وبالأجل الثاني إلى ما في قوله تعالى: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ وقوله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٣٤] والحاصل أن القضاء المعلق يتغير. وأما القضاء المبرم فلا يبدل ولا يغير - انتهى. (رواه الترمذي) في القدر. وقال: حديث حسن غريب. قال الشوكاني: وصححه ابن حبان ولم يصححه الترمذي لأن في إسناده أبا مودود البصري واسمه فضة بكسر أوله وتشديد المعجمة. قال أبوحاتم: ضعيف. قلت: فضة أبومودود بصري مشهور بكنيته.
стр. 3377
٢٢٥٦- (١٢) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)) . رواه الترمذي.
٢٢٥٧- (١٣) ورواه أحمد عن معاذ بن جبل، قال
ــ
قال الحافظ في التقريب: فيه لين. قال الشوكاني: وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير والضياء في المختارة، ومثله حديث ثوبان الذي أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك (ج١ص٤٩٣) وابن حبان في صحيحه لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه - انتهى. قلت: حديث ثوبان أخرجه أيضاً ابن ماجه في السنة والفتن. قال في الزوائد: سألت شيخنا أبا الفضل القرافي عن هذا الحديث فقال: حسن. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي.
٢٢٥٦- قوله: (إن الدعاء ينفع مما نزل) أي من بلاء نزل بالرفع إن كان معلقاً وبالصبر إن كان محكماً فيسهل عليه تحمل ما نزل به فيصبره أو يرضيه به حتى لا يكون في نزوله متمنياً خلاف ما كان بل يتلذذ بالبلاء كما يتلذذ أهل الدنيا بالنعماء (ومما لم ينزل) أي بأن يصرفه عنه ويدفعه منه أو يمده قبل النزول بتأييد من عنده يخف معه أعباء ذلك إذ أنزل به (فعليكم) أي إذا كان هذا شأن الدعاء فالزموا (عباد الله) أي يا عباد الله (بالدعاء) لأنه من لوازم العبودية التي هي القيام بحق الربوبية (رواه الترمذي) في الدعوات، وكذا الحاكم (ج١ص٤٩٣) كلاهما من رواية عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي وهو ضعيف في الحديث قد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه – انتهى. والحديث قال الحافظ في الفتح. في سنده: لين. وسكت عنه الحاكم. وقال الذهبي في مختصره: قلت عبد الرحمن واه، وقال المنذري في الترغيب: هو ذاهب الحديث.
٢٢٥٧- قوله: (ورواه أحمد) (ج٥ص٢٣٤) (عن معاذ بن جبل) وكذا الطبراني كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي عن شهر بن حوشب عن معاذ بلفظ: لن ينفع حذر من قدر ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم بالدعاء عباد الله. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠ص١٤٦) شهر بن حوشب لم يسمع من معاذ ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز ضعيفة - انتهى. قلت: ورواه أيضاً البزار عن معاذ بن جبل، وفيه إبراهيم بن خيثم وهو متروك، ورواه البزار أيضاً والطبراني في الأوسط والحاكم (ج١ص٤٩٢) عن عائشة. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي بأن زكريا ابن منظور أحد رجاله مجمع على ضعفه. وقال الهيثمي (ج٧ص٢٠٩، ج١٠ص١٤٦) : زكريا بن منظور وثقه
стр. 3378
وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
٢٢٥٨- (١٤) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أحد يدعوا بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كف عنه من السوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم)) . رواه الترمذي.
٢٢٥٩- (١٥) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وأفضل العباد انتظار الفرج)) .
ــ
أحمد بن صالح المصري وضعفه الجمهور وبقية رجاله ثقات (وقال الترمذي هذا) أي حديث ابن عمر (غريب) ومع غرابته فهو ضعيف كما تقدم.
٢٢٥٨- قوله: (إلا آتاه الله ما سأل) أي إن جرى في الأزل تقدير إعطاءه ما سأل (أو كف عنه من السوء مثله) أي دفع عنه من البلاء عوضا مما منع قدر مسئوله إن لم يجر التقدير. قال الطيبي: فإن قلت كيف مثل جلب النفع بدفع الضرر وما وجه التشبيه. قلت: الوجه ما هو السائل مفتقر إليه وما هو ليس مستغني عنه. وقال ابن حجر: أي يدفع الله عنه سوأ تكون الراحة في دفعه بقدر الراحة التي تحصل له لو أعطى ذلك المسئول فالمثلية بإعتبار الراحة في دفع ذلك. وجلب هذا (ما لم يدع بإثم) أي بمعصية (أو قطيعة رحم) تخصيص بعد تعميم (رواه الترمذي) لم يحكم الترمذي عليه بشي من الصحة أو الضعف وفي سنده ابن لهيعة وفي الباب عن عبادة بن الصامت. أخرجه الترمذي وصححه هو والحافظ في الفتح، ونسبه المنذري والحافظ للحاكم أيضاً، وعن أبي سعيد أخرجه أحمد، وسيأتي في الفصل الثالث وعن أبي هريرة أخرجه أحمد. قال المنذري: بإسناد لا بأس به والترمذي والحاكم وقال صحيح الإسناد.
٢٢٥٩- قوله: (وعن ابن مسعود) كذا في جميع النسخ الحاضرة عندنا، وهكذا وقع في الترغيب للمنذري والجامع الصغير وكنز العمال. قال القاري: وفي نسخة يعني من المشكاة أبي مسعود بالياء بدل النون - انتهى. وهكذا وقع في جامع الأصول للجزري (ج٥ص١٩) وهو غلط من الناسخ والصواب ابن مسعود فإن الحديث من مسند عبد الله بن مسعود كما وقع مصرحاً بذلك في جامع الترمذي وهكذا ذكره الحافظ في الفتح (سلوا الله من فضله) أي بعض فضله فإن فضله واسع وليس هناك مانع (فإن الله يحب أن يسأل) أي من فضله. وقال الطيبي: أي لا يمنعكم شيء من السؤال فإن الله يحب أن يسأل من فضله لأن خزائنه ملأي لا تغضيها نفقة سحاء الليل والنهار فلما حث على السؤال هذا الحث البليغ وعلم أن بعضهم يمتنع من الدعاء لاستبطاء الإجابة قال (وأفضل العبادة انتظار الفرج) أي إذا سألتم وأبطئت عنكم الإجابة فلا تضجروا، لأن انتظار الفرج من أفضل
стр. 3379
رواه الترمذي. وقال: هذا حديث غريب.
٢٢٦٠- (١٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يسأل الله يغضب عليه)) . رواه الترمذي.
ــ
العبادة، والفرج بفتحتين بالفارسية كشايس، يقال فرج الله الغم عنه أي كشفه وأذهبه. قال القاري: انتظار الفرج أي ارتقاب ذهاب البلاء والحزن بالصبر وترك الشكاية إلى غيره تعالى، وكونه أفضل العبادة لأن الصبر في البلاء انقياد للقضاء (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً ابن مردوية وابن أبي الدنيا كلهم من طريق حماد بن واقد عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله (وقال: هذا حديث غريب) ليست هذه الجملة في نسخ الترمذي الموجودة عندنا بل فيها بعد تمام الحديث "هكذا روي حماد بن واقد هذا الحديث وحماد بن واقد ليس بالحافظ وروى أبونعيم (الفضل بن دكين) هذا الحديث عن إسرائيل عن حكيم بن جبير عن رجل عن النبي ﷺ ، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح" انتهى كلام الترمذي. قلت: حماد بن واقد العيشي أبوعمرو الصفار البصري قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته: قال ابن معين: ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبوزرعة: لين الحديث. له عند الترمذي حديث واحد وهو في انتظار الفرج وأعله – انتهى مختصراً. وإنما رجح الترمذي حديث أبي نعيم لأن أبا نعيم وهو الفضل بن دكين ثقة ثبت. وأما حماد بن واقد فضعيف كما عرفت آنفا والرجل المبهم في طريق أبي نعيم يحتمل أن يكون صحابياً ويحتمل أن يكون تابعياً، وعلى الثاني يكون هذا الطريق مرسلا، وفي الباب عن أنس بلفظ: إن أفضل العبادة انتظار الفرج أخرجه البزار. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠ص١٤٧) وفيه من لم أعرفه.
٢٢٦٠- قوله: (من لم يسأل الله يغضب عليه) لأن ترك السؤال تكبر واستغناء وهذا لا يجوز للعبد ولنعم ما قيل:
الله يغضب إن تركت سؤاله وترى ابن آدم حين يسأل يغضب
وقال الطيبي: وذلك لأن الله يحب أن يسئل من فضله فمن لم يسأل الله يبغضه، والمبغوض مغضوب عليه – انتهى. قال الحافظ: ويؤيده حديث ابن مسعود رفعه سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسئل أخرجه الترمذي، وفي الحديث دليل على أن الدعاء من العبد لربه من أهم الواجبات وأعظم المفروضات لأن تجنب ما يغضب الله منه لا خلاف في وجوبه (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن ماجه والبزار والحاكم (ج١ص٤٩١) وابن أبي شيبة كلهم من رواية أبي صالح الخوزي بضم الخاء المعجمة وسكون الواو ثم زاي عن أبي هريرة، وهذا الخوزي مختلف فيه ضعفه ابن معين وقواه أبوزرعة، وظن الحافظ ابن كثير أنه
стр. 3380
٢٢٦١- (١٧) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سأل الله شيئاً - يعني أحب إليه - من أن يسأل العافية)) . رواه الترمذي.
ــ
أبوصالح السمان فجزم بأن أحمد تفرد بتخريجه وليس كما قال، فقد جزم شيخه المزي في الأطراف بأن أبا صالح هو الخوزي وقع في رواية البزار والحاكم عن أبي صالح الخوزي سمعت أبا هريرة كذا في الفتح (ج٢٦ص١٩، ٢٠) .
٢٢٦١- قوله: (من الفتح) بصيغة المفعول (له منكم باب الدعاء) أي بأن وفق لأن يدعوا الله كثيراً مع وجود شرائطه وحصول آدابه (فتحت له أبواب الرحمة) يعني أنه يجاب لمسئوله تارة ويدفع عنه مثله من السوء أخرى كما في رواية ابن أبي شيبة فتحت له أبواب الإجابة، وفي رواية الحاكم فتحت له أبواب الجنة ورواية الكتاب أعم وأشمل (وما سأل) بصيغة المجهول (الله) بالرفع نائب الفاعل (شيئاً) وفي رواية الحاكم ولا يسأل الله عبد شيئاً (يعني أحب إليه) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا في المصابيح وجامع الترمذي وهكذا نقله المنذري في الترغيب أي بزيادة لفظة يعني قبل أحب ولا توجد هذه اللفظة في جامع الأصول والحصن والكنز وتحفة الذاكرين وليست أيضاً في رواية الحاكم. قال الطيبي: أحب إليه تقييد للمطلق بيعني وفي الحقيقة صفة شيئاً – انتهى. قلت قوله يعني من كلام بعض الرواة وذكر ذلك لأنه لم يحفظ ولم يستحضر لفظ الحديث بعد قوله شيئا فرواه بالمعنى فما بعد يعني نقل ورواية بالمعنى و "شيئاً" مفعول مطلق وأحب إليه صفته وإن في قوله (من أن يسأل العافية) مصدرية، والمعنى ما سئل الله سؤالا أحب إليه من سؤال العافية، ويجوز أن يكون "شيئا" مفعولا به أي ما سئل الله مسؤلا أحب إليه من العافية وزيد أن يسئل اهتماما بشأن المسؤل وللإيذان بأن الأحب إليه سؤال العافية لا ذاتها. قال الطيبي إنما كانت العافية أحب لأنها لفظة جامعه لخير الدارين من الصحة في الدنيا والسلامة فيها. وفي الآخرة. لأن العافية أن يسلم من الأسقام والبلايا وهي الصحة ضد المرض – انتهى. وقيل: المراد بالعافية السلامة عن جميع الآفات الظاهرة والباطنة في الدنيا والآخرة (رواه الترمذي) وكذا الحاكم (ج١ص٤٩٨) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي المليكي عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال الترمذي: حديث غريب، والمليكي ضعيف في الحديث. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي بأن المليكي ضعيف. وقال المنذري: هو ذاهب الحديث. وقال الحافظ في سنده: لين. وقد صححه مع ذلك الحاكم.
стр. 3381
٢٢٦٢- (١٨) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء)) . رواه الترمذي. وقال: هذا حديث غريب.
٢٢٦٣- (١٩) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء
ــ
٢٢٦٢- قوله: (من سره) أي أعجبه وأوقعه في الفرح والسرور (أن يستجيب الله له عند الشدائد) جمع الشديدة وهي الحادثة الشاقة. وقال الجزري: الشديدة كل ما يمر بالإنسان من مصائب الدنيا، وفي الترمذي زيادة، والكرب بضم الكاف وفتح الراء جمع الكربة، وهي الغم الذي يأخذ بالنفس لشدته (فليكثر) أمر من الإكثار (الدعاء في الرخاء) بفتح الراء والخاء المعجمة ممدود أي في حالة الصحة والفراغ والعافية. قال الجزري: الرخاء السعة في العيش وطيبة وهو ضد الشدة – انتهى. والمعنى فليلازم الدعاء في حال الصحة والرفاهية والسلامة من المحن، فإن من شيمة المؤمن الحازم أن يريش أسهم قبل أن يرمي ويلتجىء إلى الله قبل مس الاضطرار إليه بخلاف الكافر والفاجر كما قال الله تعالى: ﴿وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إلى خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل﴾ الآية [الزمر: ٨] وقال ﴿وإذا مس الإنسان ضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه﴾ [يونس:١٢] (رواه الترمذي) وكذا الحاكم (ج١ص٥٤٤) وقال حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قال المنذري في الترغيب: ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة ومن حديث سلمان وقال في كل منهما صحيح الإسناد.
٢٢٦٣- قوله: (وأنتم موقنون بالإجابة) المراد ملزومه أي ادعوا الله والحال إنكم ملتبسون بالصفات التي هي سبب في الإجابة. قال التوربشتي: أي كونوا عند الدعاء على حالة تستحقون فيها الإجابة وذلك إتيان المعروف واجتناب المنكر وغير ذلك من مرعاة أركان الدعاء وآدابه حتى تكون الإجابة على قلوبكم أغلب من الردأ، والمراد ادعوه معتقدين لوقوع الإجابة لأن الداعي إذا لم يكن متحققاً في الرجاء لم يكن رجاءه صادقاً وإذا لم يكن الرجاء صادقاً لم يكن الدعاء خالصاً والداعي مخلصاً فإن الرجاء هو الباعث على الطلب ولا يتحقق الفرع إلا بتحقق الأصل. وقيل: لا بد من اجتماع المعنيين إذ كل منهما مطلوب لرجاء الإجابة، وقال المظهر: المعنى ليكن الداعي ربه على يقين بأن الله تعالى يجيبه لأن رد الدعاء إما لعجز في إجابته أو لعدم كرم في المدعو أو لعدم علم المدعو بدعاء الداعي وهذه الأشياء منتفية عن الله تعالى فإن الله ﷻ عالم كريم قادر لا مانع له من الإجابة، فإذا علم الداعي إنه لا مانع لله في إجابة الدعاء فليكن موقناً بالإجابة. فإن قيل قد قلتم إن الداعي ليكن موقنا بالإجابة واليقين إنما يكون إذا لم يكن الخلاف في ذلك الأمر، ونحن قد نرى بعض الدعاء يستجاب وبعضها لا يستجاب
стр. 3382
من قلب غافل لاه)) . رواه الترمذي. وقال: هذا حديث غريب.
٢٢٦٤- (٢٠) وعن مالك بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها)) .
ــ
فكيف يكون للداعي يقين. قلنا: الداعي لا يكون محروماً عن إجابة الدعاء البتة لأنه يعطي ما يسأل وإن لم يكن إجابته مقدراً في الأزل لا يستجاب دعاءه فيما يسأل ولكن يدفع عنه السوء مثل ما يسأل كما جاء في الحديث أو يعطي عوض ما يسأل يوم القيامة من الثواب والدرجة، لأن الدعاء عبادة ومن عمل عبادة لا يجعل محروماً من الثواب – انتهى. (من قلب غافل) بالإضافة وتركها أي معرض عن الله أو عما يسأله (لاه) من اللهو أي لاعب بما سأله أو مشتغل بغير الله وهذا عمدة آداب الدعاء ولهذا خص بالذكر (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١ص٤٩٣) وفي سندهما صالح بن بشير بن وداع البصري القاص الزاهد المعروف بالمرى بضم الميم وتشديد الراء وهو ضعيف. (وقال هذا حديث غريب) وقال الحاكم: حديث مستقيم الإسناد تفرد به صالح المرى وهو أحد زهاد أهل البصرة. قال المنذري: لا شك في زهده لكن تركه أبوداود والنسائي – انتهى. قلت: وقال البخاري منكر الحديث. وضعفه الجمهور. وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمرو إن رسول الله ﷺ قال القلوب أوعية وبعضها أوعي من بعض فإذا سألتم الله عزوجل أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاءه عن ظهر قلب غافل. أخرجه أحمد (ج٢ص١٧٧) وحسن المنذري والهيثمي إسناده، ويؤيده ما روى الطبراني من حديث ابن عمر بنحو ذلك. قال الهيثمي (ج١٠ص١٤٨) بعد ذكره: وفيه بشير بن ميمون الواسطي وهو مجمع على ضعفه.
٢٢٦٤- قوله: (وعن مالك بن يسار) بفتح الياء السكوني بفتح السين. قال في التقريب: صحابي قليل الحديث - انتهى. وقال سلمان بن عبد الحميد: شيخ أبي داود لمالك بن يسار عندنا صحبة. قال المنذري في مختصر السنن والحافظ في الإصابة: وفي نسخة من السنن "ما" لمالك بزيادة "ما" النافية وقال أبوالقاسم البغوي: لا اعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث ولا أدري له صحبة أو، لا – انتهى. وقال المصنف: قد اختلف في صحبته. (إذا سألتم الله) شيئاً من جلب نفع (فاسألوه ببطون أكفكم) جمع الكف أي مع رفعها إلى السماء (ولا تسألوه بظهورها) قال ابن حجر: لأن اللائق لطالب شيء يناله أن يمد كفه إلى المطلوب ويبسطها متضرعاً ليملأها من عطاءه الكثير المؤذن به رفع اليدين إليه جميعاً، أما من سأل رفع شيء وقع به من البلاء فالسنة أن يرفع إلى السماء ظهر كفيه إتباعاً له ﵊ وحكمته التفاؤل في الأول بحصول المأمول، وفي الثاني بدفع المحظور - انتهى.
стр. 3383
٢٢٦٥- (٢١) وفي رواية ابن عباس، قال: ((سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم)) . رواه أبوداود.
ــ
قلت يدل على هذا الفرق ما ذكرنا في (ج٢ص٣٩٤) من حديث السائب بن خلاد عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا سأل جعل باطن كفيه إليه وإذ استعاذ جعل ظاهرهما إليه أخرجه أحمد وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال مشهور. وقيل: جعل ظهر الكف فوق بطنها مخصوص بالاستسقاء كقلب الرداء. واستدل لذلك بما تقدم في الاستسقاء من حديث أنس، أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء رواه مسلم وفيه إنه ليس فيه ما يدل على اختصاص ذلك بالاستسقاء وفي الباب عن أبي بكرة أخرجه الطبراني: قال الهيثمي (ج١٠ص١٦٩) ورجاله رجال الصحيح غير عمار بن خالد الواسطي وهو ثقة.
٢٢٦٥- قوله: (وفي رواية ابن عباس إلخ) أي زاد في حديث ابن عباس بعد قوله بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم" (قال) أي رسول الله ﷺ (سلوا الله ببطون أكفكم) لأن هذه هيئة السائل الطالب المنتظر للأخذ إذ مادة من طلب شيئاً من غيره أن يمده يده إليه ليضع ما يعطيه له فيها (فإذا فرغتم) أي من الدعاء (فامسحوا بها) أي بأكفكم (وجوهكم) فإنها تنزل عليها آثار الرحمة فتصل بركتها إليها. قال في اللمعات: أي تبركاً بما فاض من أنوار الإجابة وإيصالها إلى الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأقربها أولى – انتهى. وفيه استحباب مسح اليدين بالوجه عقب الدعاء. واتفقوا على ذلك خارج الصلاة. وإما في الصلاة فقال البيهقي (ج٢ص٢١٢) بعد رواية أثر عمر في رفع اليدين في القنوت. أما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت وإن كان يروي عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة وقد روي فيه عن النبي ﷺ حديث فيه ضعف (يشير إلى حديث ابن عباس) وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة وإما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس. فالأولى أن يفعله ويقتصر على ما فعله السلف ﵃ من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة - انتهى. (رواه أبوداود) في أواخر الصلاة. وحديث مالك بن يسار أخرجه البغوي وابن أبي عاصم وابن السكن والمعمري في اليوم والليلة وابن قانع كلهم من طريق ضمضم بن زرعة الحضرمي الشامي عن شريح بن عبيد عن أبي ظبية عن أبي بحرية عنه. وقد اقتصر أبوداود على ذكر كلام شيخه في مالك بن يسار. ونقل المنذري بعد ذكره اختلاف النسخة التي أشرنا إليه وكلام البغوي، ثم قال وفي إسناده إسماعيل بن عياش (راوي الحديث عن ضمضم) وقد تكلم فيه غير واحد وصحح بعضهم روايته عن الشاميين وفي إسناده أيضاً ضمضم بن زرعة الحضرمي وهو شامي وثقه يحيى بن معين – انتهى. وحديث ابن عباس رواه أبوداود من طريق عبد الله بن يعقوب بن
стр. 3384
٢٢٦٦- (٢٢) وعن سلمان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً))
ــ
إسحاق عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن عباس. قال أبوداود: روى هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية وهذا الطريق قائلها وهو ضعيف أيضاً - انتهى. قلت: عبد الله بن يعقوب بن إسحاق. قال الحافظ في التقريب في ترجمته: وهو مجهول الحال. وقال في مبهماته: عبد الله بن يعقوب عمن حدثه عن محمد بن كعب يقال هو أبوالمقدام هشام بن زياد. وقال في مبهمات التهذيب: عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس الحديث مشهور برواية المقدام هشام بن زياد عن محمد بن كعب – انتهى. قلت: وأبوالمقدام هشام بن زياد ضعيف متروك. والحديث رواه ابن ماجه في الدعاء والحاكم (ج١ص٥٣٦) من طريق صالح بن حسان عن محمد بن كعب، وصالح هذا ضعيف متروك وحديث ابن عباس وأخرجه أيضاً البيهقي في السنن الكبرى (ج٢ص٢١٢) من طريق أبي داود ثم نقل كلام أبي داود المتقدم.
٢٢٦٦- قوله: (إن ربكم) هذا لفظ أبي داود وللترمذي والبيهقي إن الله (حيي) بكسر الياء الأولى وتشديد الثانية فعيل من الحياء أي كثير الحياء ووصفه تعالى بالحياء يحمل على ما يليق له كسائر صفاته نؤمن بها ولا نكيفها (كريم) هو الذي يعطي من غير سؤال فكيف بعده. وقيل: الكريم هو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاءه وهو الكريم المطلق (يستحي) عينه ولامه حرفاً علة (من عبده إذا رفع يديه إليه) ولفظ الترمذي والبيهقي يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه (أن يردهما صفراً) بكسر الصاد المهملة وسكون الفاء أي خاليتين فارغتين يقال صفر الشيء بكسر الفاء أي خلا، والمصدر الصفر بالتحريك ولا يدخلون فيه تاء التأنيث بل يستعملونه على صيغته هذه في المذكر والمؤنث والتثنية والجمع، وزاد في رواية الترمذي والبيهقي خائبتين من الخيبة وهو الحرمان وفي الحديث دلالة على استحباب رفع اليدين في الدعاء ويكونان مضمومتين، لما روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس كان رسول الله ﷺ (إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما مما يلي وجهه) ذكره ابن رسلان كذا في السراج المنير. وقال في هامش تحفة الذاكرين نقلاً عن عدة الحصن الحصين بعد ذكر حديث ابن عباس هذا وسنده ضعيف - انتهى. وقد ورد في رفع الأيدي عند الدعاء أحاديث كثيرة صحيحة صريحة كما ذكرها شيخنا في شرح الترمذي في باب ما يقول إذا سلم، والحافظ في الفتح في باب رفع الأيدي في الدعاء من كتاب الدعوات والجمع بين هذه الأحاديث وبين ما تقدم من حديث أنس إنه لم يكن النبي ﷺ يرفع يديه في شيء من دعاءه إلا في الاستسقاء رواه الشيخان بأن المنفي صفة خاصة لا أصل الرفع، قال الحافظ: ما حاصله إن الرفع
стр. 3385
رواه الترمذي، وأبوداود، والبيهقي في "الدعوات الكبير"
٢٢٦٧- (٢٣) وعن عمر، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه)) رواه الترمذي.
ــ
في الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان حذو الوجه مثلاً وفي الدعاء إلى حذو المنكبين ولا يعكر على ذلك إنه ثبت في كل منهما حتى يرى بياض أبطيه بل يجمع بأن تكون روية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره. وأما إن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء. قال المنذري: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح – انتهى. (رواه الترمذي) في الدعوات (وأبوداود) في أواخر الصلاة (والبيهقي في الدعوات الكبير) وكذا في السنن الكبرى (ج٢ص٢١١) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص٤٣٨) وابن ماجه وابن حبان والحاكم (ج١ص٤٩٧- ٥٣٥) قال الترمذي: حديث حسن غريب. وروى بعضهم ولم يرفعه. وقال البيهقي: رفعه جعفر بن ميمون بياع الأنماط عن أبي عثمان النهدي عن سلمان هكذا، ووفقه سليمان التيمي عن أبي عثمان في إحدى الروايتين عنه. قلت: رواه أحمد والحاكم موقوفاً ومرفوعاً وقال الحاكم: إسناد صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وسكت عنه أبوداود. وقال الحافظ في الفتح: سنده جيد. قال الحاكم: وله شاهد بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك ثم رواه نحو حديث سلمان. قال المنذري: في تصحيح سنده نظر. وقال الذهبي: عامر بن يساف (أحد رواة حديث أنس) ذو مناكير – انتهى. قلت: ونسب في الكنز (ج١ص١٦٩) حديث أنس إلى عبد الرزاق وأبي يعلى أيضاً.
٢٢٦٧- قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء) قيل: حكمة الرفع إلى السماء إنها قبله الدعاء ومهبط الرزق والوحي وموضع الرحمة والبركة (لم يحطهما) بضم الحاء المهملة ونصب الطاء المشددة أي لم يضعهما حتى يمسح بهما وجهه) وذلك على طريق التيمن والتفاؤل فكأنه يشير إلى أن كفيه ملئتا من البركات السماوية والأنوار الإلهية فهو يفيض منها على وجه الذي هو أولى الأعضاء بالكرامة قاله التوربشتي وقال في السبل: في الحديث دليل على مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء. وقيل: وكأن المناسبة إنه تعالى لما كان لا يردهما صفراً فكان الرحمة أصابتهما فناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم - انتهى. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج١ص٥٣٦) كلاهما من طريق حماد بن عيسى الجهني عن حنظلة بن أبي سفيان الجحمي عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى وقد تفرد به وهو قليل الحديث. وقد حدث عنه الناس وحنظلة
стр. 3386
٢٢٦٨- (٢٤) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك)) . رواه أبوداود.
٢٢٦٩- (٢٥) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب)) . رواه الترمذي وأبوداود.
ــ
ابن أبي سفيان ثقة وثقة يحيى القطان – انتهى. قلت: حماد هذا ضعيف ضعفه أبوحاتم وأبوداود والدارقطني. وقال مأكولاً: ضعفوا أحاديثه كذا في تهذيب التهذيب، والحديث سكت عنه الحاكم والذهبي. وقال النووي في الأذكار (ص٢٩٤) في إسناده ضعف، وأما قول الحافظ عبد الحق إن الترمذي قال فيه إنه حديث صحيح فليس في النسخ المعتمدة من الترمذي إنه صحيح بل قال حديث غريب - انتهى.
٢٢٦٨- قوله: (كان رسول الله ﷺ يستحب) أي يحب (الجوامع من الدعاء) أي الجامعة لخير الدنيا والآخرة. وقيل: هي ما كان لفظه قليلاً ومعناه كثيراً شاملاً لأمور الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١] ومثل الدعاء بالعافية في الدنيا والآخرة وقيل: هي الجامعة للتحميد والصلاة وجميع آداب الدعاء. وقيل: هي ما يجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة (ويدع) أي يترك (ما سوى ذلك) أي من الأدعية في غالب الأحيان (رواه أبوداود) في آخر الصلاة وسكت عنه هو والمنذري وأخرجه الحاكم (ج١ص٥٣٩) وقال حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
٢٢٦٩- قوله: (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (إن أسرع الدعاء إجابة) تمييز، وهذا لفظ أبي داود وللترمذي ما دعوة أسرع إجابة من دعوة غائب لغائب (دعوة غائب لغائب) معناه في غيبة المدعو له أو في سره كأنه من وراء معرفته أو معرفة الناس. روى الخرائطي في مكارم الأخلاق عن يوسف بن أسباط قال مكثت دهراً وأنا أظن هذا الحديث إذا كان غائباً عن شخصه ثم نظرت فيه فإذا هو لو كان على المائدة وهو لا يسمع كان غائباً، وخص حالة الغيبة بالذكر للبعد عن الرياء والأغراض الفاسدة المنقصة من الأجر فإنه في حالة الغيبة يتمحض الإخلاص ويصح قصد وجه الله تعالى بذلك فيوافقه الملك فيدعو له بمثل ذلك ويؤمن على دعاءه كما تقدم دعاءه أقرب إلى الإجابة لأن الملك معصوم. وفي الحديث الحث على الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب. (رواه الترمذي) في البر والصلة (وأبو داود) في أواخر الصلاة كلاهما من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه والإفريقي يضعف في الحديث – انتهى. وسكت عنه أبوداود ونقل المنذري كلام الترمذي وأقره. قلت:
стр. 3387
٢٢٧٠- (٢٦) وعن عمر بن الخطاب، قال: ((استأذنت النبي ﷺ في العمرة فأذن لي، وقال: شركنا يا أخي! في دعائك ولا تنسنا. فقال كلمة ما يسرني إن لي بها الدنيا)) . رواه أبوداود والترمذي وانتهت روايته عند قوله: ولا تنسنا.
ــ
والحديث أخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد والطبراني في الكبير، وفي الباب أحاديث كثيرة، منها حديث أبي الدرداء، وقد تقدم، ومنها حديث عمران بن حصين أخرجه البزار، ومنها حديث ابن عباس الآتي في آخر الباب، ومنها حديث واثلة عند أبي نعيم في الحلية.
٢٢٧٠- قوله: (استأذنت النبي ﷺ في العمرة) أي من المدينة. قال ابن حجر: في قضاء عمرة كان نذرها في الجاهلية ذكره القاري (فأذن لي) أي فيها (أشركنا) يحتمل نون العظمة وأن يريد نحن وأتباعنا (يا أخيّ) بالتصغير أو بدونه، والمراد بالتصغير الاختصاص بالتلطف والتعطف لا التحقير (في دعائك) في إظهار الخضوع والمسكنة في مقام العبودية بالتماس الدعاء ممن عرف له الهداية وحث للأمة على الرغبة في دعاء الصالحين وأهل العبادة وتنبيه لهم أن لا يخصوا أنفسهم بالدعاء ولا يشاركوا فيه أقاربهم وأحباءهم لا سيما في مظان الإجابة وتفخيم لشأن عمر وإرشادة بذكره في السامعين وإرشاد إلى ما يحمى دعاءه من الرد (ولا تنسنا) تأكيد أو أراد به في سائر أحواله (فقال) قال القاري: عطف على "قال أشركنا" لتعقيب المبين بالمبين أي قال عمر فقال بمعنى تكلم النبي ﷺ (كلمة) وهي أشركنا أو يا أخي! بالإضافة إلى نفسه الشريفة أو لا تنسنا أو غير ما ذكر ولم يذكره توقياً عن التفاخر ونحوه من آفات النفوس (ما يسرني) بضم السين (إن لي بها الدنيا) الباء للبدلية و "ما" نافية وإن مع اسمه وخبره فاعل يسرني أي لا يعجبني ولا يفرحني كون جميع الدنيا لي بدلها قاله القاري. قلت: وفي رواية أحمد فقال عمر: ما أحب إن لي بها ما طلعت عليه الشمس لقوله يا أخي (رواه أبوداود) في أواخر الصلاة (والترمذي) في الدعوات وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص٢٩) (ج٢ص٥٩) وابن ماجه في فضل دعاء الحاج من كتاب الحج ونسبة في التنقيح لأبي داود الطيالسي والبيهقي في الشعب أيضاً (وانتهت روايته) أي الترمذي وكذا رواية ابن ماجه (عند قوله ولا تنسنا) والحديث صححه الترمذي وسكت عنه أبوداود. قلت: في سنده عندهم عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي وهو ضعيف. كما ستعرف. فالحديث ضعيف الإسناد. قال المنذري بعد نقل تصحيح الترمذي: وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة – انتهى. قلت: ضعفه ابن معين والنسائي
стр. 3388
٢٢٧١- (٢٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب! وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)) . رواه الترمذي.
ــ
وابن خراش وغيرهم. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ولا يحتج به. وقال ابن نمير وأبوحاتم والبخاري: منكر الحديث. وقال شعبة: كان عاصم لو قيل له: من بنى مسجد البصرة لقال فلان عن فلان عن النبي ﷺ وقال الدارقطني: مديني يترك وهو مغفل. وقال ابن حبان: كان سيء الحفظ كثير الوهم فاحش الخطأ فترك من أجل كثرة خطأه كذا في تهذيب التهذيب.
٢٢٧١- قوله: (ثلاثة) أي أشخاص أو ثلاثة رجال (الصائم) أي منهم أو أحدهم الصائم (حين يفطر) لأنه بعد عبادة وحال تضرع ومسكنة (والإمام العادل) بين رعيته (ودعوة المظلوم) كان مقتضى الظاهر أن يقول، والمظلوم، ولعله لما كانت المظلومية ليست بذاتها مطلوبة عدل عنه قاله القاري. وقال الطيبي: أي دعوة الصائم ودعوة الإمام بدليل قوله ودعوة المظلوم، ويكون بدلا من دعوتهم وقوله "يرفعها" حال كذا قيل، والأولى أن يكون أي يرفعها خبراً لقوله ودعوة المظلوم وقطع هذا القسم عن أخويه لشدة الاعتناء بشأن دعوة المظلوم ولو فاجراً أو كافراً وينصر هذا الوجه عطف قوله ويقول الرب على قوله ويفتح فإنه لا يلائم الوجه الأول لأن ضمير يرفعها للدعوة حينئذ لا لدعوة المظلوم كما في الوجه الأول. قال القاري: والظاهر إن الضمير على الوجهين لدعوة المظلوم وإنما بولغ في حقها لأنه لما لحقته نار الظلم واحترقت أحشاءه خرج منه بالتضرع والانكسار وحصل له حاله الاضطرار فيقبل دعاءه كما قال تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾ [النمل: ٦٢] (يرفعها الله فوق الغمام) أي تجاوز الغمام أي السحاب (ويفتح) أي الله (لها) أي لدعوته (أبواب السماء) بالنصب على أن يفتح مذكر معلوم وبالرفع على أنه مؤنث مجهول. قيل: رفعها فوق الغمام وفتح أبواب السماء لها كناية عن سرعة القبول والوصول إلى مصعد الإجابة (لأنصرنك) بفتح الكاف أي أيها المظلوم (ولو بعد حين) الحين يستعمل لمطلق الوقت ولستة أشهر ولأربعين سنة، والمعنى لا أضيع حقك ولا أرد دعائك ولو مضي زمان طويل لأني حليم لا أعجل عقوبة العباد لعلهم يرجعون عن الظلم والذنوب إلى إرضاء الخصوم والتوبة، وفيه إيماء إلى أنه تعالى يمهل ولا يهمله (رواه الترمذي) في موضعين الأول في باب صفة الجنة ونعيمها من طريق حمزة الزيات عن زياد الطائي عن أبي هريرة. وقال بعد روايته: هذا حديث ليس إسناده بذلك القوى، وليس هو عندي بمتصل – انتهى. قلت: زياد الطائي. قال الذهبي في الميزان: فيه
стр. 3389
٢٢٧٢- (٢٨) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث دعوات مستجابات. لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم)) . رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه.
ــ
لا يعرف. وقال الحافظ في التقريب: مجهول أرسل عن أبي هريرة، والثاني في الدعوات في باب بعد باب أي الكلام أحب إلى الله من طريق سعدان القمي وهو صدوق عن أبي مجاهد سعد الطائي وهو لا بأس به عن أبي مدلة بضم الميم وكسر المهملة وتشديد اللام وهو مقبول عن أبي هريرة: قال الترمذي، حديث حسن. ونسبه السيوطي في الجامع الصغير لأحمد أيضاً والشوكاني في تحفة الذاكرين لابن خزيمة وابن حبان أيضاً.
٢٢٧٢- قوله: (ثلاث دعوات) مبتدأ خبره (مستجابات) قال الطيبي: الحديث السابق ثلاثة، وفي هذا ثلاث دعوات، لأن الكلام على الأول في شأن الداعي وتحرية في طريق الاستجابة وما هي منوطة به من الصوم والعدل بخلاف الوالد والمسافر إذ ليس عليهما الاجتهاد في العمل. (لا شك فيهن) أي في استجابتهن وهو أكد من حديث لا ترد. وإنما أكد به لالتجاء هؤلاء الثلاثة إلى الله تعالى بصدق الطلب ورقة القلب وانكسار الخاطر قاله القاري. (في دعوة الوالد) أي لولده أو عليه ولم يذكر الوالدة لأن حقها أكد فدعاءها أولى بالإجابة وقوله "دعوة الوالد" هذه رواية أبي داود، وكذا وقع في رواية لأحمد ولفظ الترمذي "دعوة الوالد على ولده" وهكذا وقع في أكثر روايات أحمد وفي رواية الأدب المفرد "دعوة الوالدين على ولدهما" وفي رواية ابن ماجه "دعوة الوالد لولده" وكذا وقع في رواية أبي داود الطيالسي (ودعوة المسافر) يحتمل أن تكون دعوته لمن أحسن إليه وبالشر لمن آذاه وأساء إليه لأن دعاءه لا يخلو عن الرقة (ودعوة المظلوم) أي لمن ينصره ويعينه أو يسليه ويهون عليه أو على من ظلمه بأي نوع من أنواع الظلم. وقال السندي: قوله "دعوة المظلوم" أي في حق الظالم وأثر الاستجابة قد لا يظهر في الحال لكون المجيب تعالى حكيماً –انتهى. قال التوربشتي: اختص هؤلاء الثلاثة بإجابة الدعوة لانقطاعهم إلى الله لصدق الطلب ورقة القلب وانكسار البال ورثاثة الحال. أما المسافر فلأنه منقطع عن الوطن المألوف مفارق عما كان يستأنس به مستشعر في سفره من طوارق الحدثان فلا يخلو ساعتئذ عن الرقة والرجوع إلى الله بالباطن. وأما المظلوم فإنه منقلب إلى ربه على صفة الاضطرار. وأما الوالد فإنه يدعو لولده على نعت الحنو والرقة وإيثار الولد على نفسه بما يستطيع فيخلص في دعاءه مبلغ جهده. (رواه الترمذي) في باب دعاء الوالدين في أوائل البر والصلة وفي باب دعوة المسافر من أبواب الدعوات. وقال: حديث حسن. (وأبوداود) في أواخر الصلاة وسكت عنه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره (وابن ماجه) في الدعاء وأخرجه أيضاً أحمد في مواضع، والبخاري في الأدب المفرد وأبوداود الطيالسي، وفي الباب عن عقبة بن عامر الجهني عند الطبراني بإسناد جيد.
стр. 3390
﴿الفصل الثالث﴾
٢٢٧٣- (٢٩) عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع)) .
٢٢٧٤- (٣٠) زاد في رواية عن ثابت البناني مرسلاً، ((حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شسعة إذا انقطع)) . رواه الترمذي.
ــ
٢٢٧٣- قوله: (حاجته) مفعول ثان (كلها) تأكيد لها أي جميع مقصوداته إشعاراً بالافتقار إلى الاستعانة في كل لحظة ولمحة، ولأن خزائن الجود بيده وأزمته إليه ولا معطي إلا هو (حتى يسأل) أي ربه وفي بعض النسخ حتى يسأله (شسع نعله) بكسر المعجمة وسكون المهملة، أي شراكها. قال في المجمع: هو من سيور النعل ما يدخل بين الإصبعين ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام سير يعقد فيه الشسع. وقال الجزري: شسع النعل سير من سيورها التي تكون على وجهها يدخل بين الإصبعين – انتهى. قال الطيبي: وهذا من باب التتميم لأن ما قبله جئ في المهمات وما بعده في المتمات.
٢٢٧٤- قوله: (وزاد في رواية) حق المصنف أن يقول وفي رواية أو يقول رواه الترمذي زاد في رواية قاله القاري (عن ثابت) بن أسلم (البناني) بضم الموحدة وخفة النون الأولى وكسر الثانية منسوب إلى بنانة اسم أم سعد بن لؤي، وثابت هذا من ثقات التابعين وحكى عنه قال: صحبت أنساً أربعين سنة (مرسلاً) أي مرفوعاً بحذف الصحابي (حتى يسأله الملح) ونحوه من الأشياء التافهة وهذا هو القدر الزائد، وأما قوله "حتى يسأله شسع نعله الخ" فهو موجود في الروايتين وإنما ذكره تنبيهاً على موضع الزائد (حتى يسأله شسعة) فإنه لم ييسره لم يتيسر ودفع به وبما قبله ما قد يتوهم من أن الدقائق لا ينبغي أن تطلب منه لحقارتها (رواه الترمذي) الحديث الموصول رواه الترمذي عن أبي داود صاحب السنن عن قطن بن نسير البصري وهو صدوق يخطئ كما في التقريب عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس. قال الترمذي: هذا حديث غريب وروى غير واحد هذا الحديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت البناني عن النبي ﷺ ولم يذكروا فيه عن أنس حدثنا صالح بن عبد الله نا جعفر بن سليمان عن ثابت البناني إن رسول الله ﷺ قال: ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع، وهذا أصح من حديث قطن عن جعفر بن سليمان – انتهى. يعني إن حديث صالح بن عبد الله عن جعفر بن سليمان مرسلا أصح من حديث قطن عن جعفر متصلا، لأن صالح بن عبد الله أوثق من قطن ومع ذلك
стр. 3391
٢٢٧٥- (٣١) وعنه، قال: ((كان رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه)) .
ــ
قد تابع صالح بن عبد الله غير واحد. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة قطن ما لفظه. قال ابن عدي: حدثنا البغوي ثنا القواريري ثنا جعفر عن ثابت بحديث ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها فقال رجل للقواريري إن شيخا يحدث به عن جعفر عن ثابت عن أنس. فقال القواريري: باطل. قال ابن عدي: وهو كما قال – انتهى. قلت: حديث أنس نسبه السيوطي وغيره لابن حبان أيضاً ونسبه الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠ص١٥٠) للبزار وفيه زيادة قوله حتى يسأله الملح. قال الهيثمي: رواه الترمذي غير قوله وحتى يسأله الملح. ورجاله أي عند البزار رجال الصحيح غير سيار بن حاتم وهو ثقة. وفي الباب عن عائشة بلفظ سلوا الله كل شيء حتى الشسع فإن الله إن لم ييسره لم يتيسره. قال الهيثمي: رواه أبويعلى ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبيد الله بن المنادي وهو ثقة.
٢٢٧٥- قوله: (وعنه) أي عن أنس (كان رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء) أي في مواضع مخصوصية قاله القاري. (حتى يرى) بصيغة المجهول أي يبصر (بياض إبطيه) قال القاري: لعل المراد بياض طرفي إبطيه ولا ينافيه حديث أبي داود المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك فإنه يحمل على الأقل في الرفع أو على أكثر الأوقات، والأول على بيان الجواز وفي الاستسقاء ونحوه من شدة البلاء والمبالغة في الدعاء - انتهى. قلت: قد ثبت في كل من الاستسقاء وغيره حتى يرى بياض إبطيه، أما الاستسقاء ففي الصحيحين من حديث أنس قال كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعاء إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه، وأما غير في الاستسقاء ففي البخاري عن أبي موسى في قصة قتل عمه أبي عامر الأشعري قال: فدعا النبي ﷺ بماء فتوضع ثم رفع يديه، فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه، وفي الصحيحين من حديث أبي عبيد في قصة ابن اللتبية ثم رفع يديه حتى رأيت عفرتي إبطيه يقول: اللهم هل بلغت. قال الحافظ: في ذلك رد على من قال لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء. قلت: ويدل على رفع اليدين كذلك مطلقاً ما روى البخاري معلقاً في الاستسقاء والدعوات عن أنس أن النبي ﷺ رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، وما روى مسلم من وجه آخر عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه ويجمع بين ذلك بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره وفي الباب عن أبي برزة عند أبي يعلى وعن عائشة عند البزار ذكرهما الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠ص١٦٨) مع الكلام عليهما.
стр. 3392
٢٢٧٦- (٣٢) وعن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ ، قال: ((كان يجعل إصبعيه حذاء منكبيه، ويدعوا)) .
٢٢٧٧- (٣٣) وعن السائب بن يزيد، عن أبيه: ((أن النبي ﷺ كان إذا دعا، فرفع يديه مسح وجهه بيديه)) . رواه البيهقي الأحاديث الثلاثة في الدعوات.
ــ
٢٢٧٦- قوله: (كان يجعل إصبعيه) أي أصابع يديه مرتفعة (حذاء منكبيه) دل الحديث على القصد والتوسط في رفع اليدين وهو الأكثر والحديث السابق على الزيادة وهي حالة المبالغة والإلحاح في الدعاء والمسألة قاله القاري (ويدعوا) أي بعد ذلك.
٢٢٧٧- قوله: (وعن السائب بن يزيد) تقدم ترجمته في باب أحكام المياه (عن أبيه) هو يزيد بن سعيد ابن ثمامة بن الأسود الكندي والد السائب بن يزيد المعروف بابن أخت النمر صحابي أسلم يوم الفتح. قال الزهري: عن سعيد بن المسيب قال ما اتخذ النبي ﷺ قاضياً ولا أبوبكر ولا عمر حتى كان في وسط خلافة عمر فإنه قال ليزيد ابن أخت النمر: اكفني بعض الأمر يعني صغارها. وقال ابن سعد: استعمله عمر على السوق (فرفع يديه) عطف على دعا (مسح وجهه بيديه) قال ابن حجر: جواب "إذا" والصواب إنه خبر كان، وإذا ظرف له. قال الطيبي: دل على أنه إذا لم يرفع يديه في الدعاء لم يمسح وهو قيد حسن، لأنه ﷺ كان يدعوا كثيراً كما في الصلاة والطواف وغيرهما من الدعوات المأثورة دبر الصلوات وعند النوم وبعد الأكل وأمثال ذلك ولم يرفع يديه لم يمسح بهما وجهه (روى البيهقي الأحاديث الثلاثة) حديث أنس قد أخرجه أيضاً البخاري ومسلم كما تقدم. وأما حديث سهل بن سعد فأخرجه أحمد (ج٥ص٣٣٧) والحاكم (ج١ص٥٣٦) من رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الرحمن بن معاوية عن ابن أبي ذباب عن سهل بن سعد قال: ما رأيت رسول الله ﷺ شاهراً يديه قط يدعوا على منبر ولا غيره ما كان يدعوا إلا يضع يديه حذو منكبيه ويشير بإصبعه إشارة لفظ أحمد، وفي رواية الحاكم كان يجعل إصبعيه بحذاء منكبيه ويدعوا. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي: (ج١٠ص١٦٧) فيه عبد الرحمن بن إسحاق الزرقي المدني وثقه ابن حبان، وضعفه مالك وجمهور الأئمة، وبقية رجاله ثقات - انتهى. وأما حديث السائب بن يزيد عن أبيه فأخرجه أيضاً أبوداود في أواخر الصلاة من طريق حفص بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن السائب بن يزيد عن أبيه. وقد سكت عنه أبوداود. وقال المنذري: في إسناده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف. وقال الحافظ في الإصابة: (ج٣ص٦٥٦) في ترجمة يزيد والد السائب بن يزيد بعد ذكر هذا الحديث من رواية أبي داود وفي السند ابن لهيعة
стр. 3393
٢٢٧٨- (٣٤) وعن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعاً)) وفي رواية قال: والابتهال هكذا ورفع يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه. رواه أبوداود.
٢٢٧٩- (٣٥) وعن ابن عمر، أنه يقول: ((إن رفعكم أيديكم بدعة، ما زاد رسول الله ﷺ على هذا - يعني إلى الصدر -
ــ
واختلف عليه في سنده – انتهى. قلت: ذكر الحافظ هذا الاختلاف في تهذيب التهذيب في ترجمة حفص بن هاشم بن عتبة من شاء الوقوف عليه رجع إلى تهذيبه وحفص هذا قال الحافظ: مجهول. وقال الذهبي: لا يدري من هو – انتهى. ويؤيده حديث عمر المتقدم في الفصل الثاني.
٢٢٧٨- قوله: (المسألة) مصدر بمعنى السؤال والمضاف مقدر ليصح الحمل أي أدبها (أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما) أي قريباً منهما (والاستغفار) أي أدبه (أن تشير بإصبع واحدة) وهي السبابة سباً للنفس الأمارة والشيطان والتعوذ منهما إلى الله تعالى وقيده بواحدة لأنه يكره الإشارة بالإصبعين قاله الطيبي: (والابتهال) أي التضرع والاجتهاد والمبالغة في الدعاء في دفع المكروه عن النفس أدبه (أن تمد يديك جميعاً) أي حتى يرى بياض أبطيك (وفي رواية قال والابتهال هكذا) تعليم فعلى والمشار إليه قوله: (ورفع) أي ابن عباس (يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه) أي رفع يديه رفعاً كلياً حتى ظهر بياض الإبطين جميعاً وصارت كفاءة محاذيين لرأسه. قال الطيبي: ولعله أراد بالابتهال دفع ما يتصوره من مقابلة العذاب فيجعل يديه كالترس يستره من المكروه – انتهى. والفرق بين الروايتين، إن في الرواية الأولى بيان الابتهال بالقول، وفي الثانية بالفعل. (رواه أبوداود) في أواخر الصلاة وسكت عليه هو والمنذري ونسبه الحافظ في الفتح للحاكم أيضاً وسكت عنه.
٢٢٧٩- قوله: (إن رفعكم أيديكم) أي مبالغتكم في الرفع في الدعاء (بدعة ما زاد رسول الله ﷺ ) أي غالباً (على هذا يعني) أي يريد بالمشار إليه (إلى الصدر) قال الطيبي: يعني تفسير لما فعله ابن عمر من رفع اليدين إلى الصدر وأنكر عليهم غالب أحوالهم في الدعاء وعدم تمييزهم بين الحالات من الرفع إلى الصدر لأمر وفوقه إلى المنكبين لأمر آخر وفوقهما لغير ذلك – انتهى. وقال في اللمعات: قوله "إن رفعكم أيديكم" بدعة يعني رفعكم فوق صدوركم دائماً أو في أكثر الأحوال من غير تمييز بين الأحوال المذكورة في الحديث السابق بدعة، لم يفعله رسول الله ﷺ ، بل كان حاله ﷺ مختلفاً تارة، كما ذكر قوله على هذا قد رفعهما ابن عمر إلى الصدر فأراهم إياه بقوله وفعله، ولذلك فسر الراوي بقوله يعني إلى الصدر - انتهى. وقال ابن حجر:
стр. 3394
رواه أحمد.
٢٢٨٠ – (٣٦) وعن أبي بن كعب، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه)) . رواه الترمذي.
ــ
استند ابن عمر في قوله ما زاد إلى علمه فهو ناف وغيره أثبت عنه ﷺ الرفع إلى حذو المنكبين تارة وإلى أعلى من ذلك أخرى والحجة للمثبت. وقال الحافظ: وما نقل عن ابن عمر من إنكار رفع اليدين في الدعاء فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين. وقال ليجعلهما حذو صدره كذلك أسنده الطبري عنه قال: وقد صح عن ابن عمر خلاف ذلك أخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق القاسم بن محمد رأيت ابن عمر يدعو عند القاص يرفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه. (رواه أحمد) قال الهيثمي: (ج١٠:ص١٦٨) فيه بشر بن حرب وهو ضعيف وفي الباب عن أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ واقفاً بعرفة يدعو هكذا ورفع يديه وجعل يديه حيال ثندوته وجعل بطون كفيه مما يلى الأرض، وفي رواية جعل ظهر كفيه مما يلى وجهه ورفعهما فوق ثندوته وأسفل من منكبيه، رواه أحمد وفيه أيضاً بشر بن حرب، وعن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ يدعو بعرفة ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحسين بن عبد الله بن عبيد الله وهو ضعيف كذا في مجمع الزوائد (ج١٠:ص١٦٧) .
٢٢٨٠ – قاله: (فدعا له) عطف على ذكر أي فأراد أن يدعو له (بدأ نفسه) جزاء إذا ذكر وفيه تعليم للأمة وأنه يندب للداعي أن يبدأ بنفسه ثم يثني بمن أراد الدعاء له، وقد عقد البخاري في صحيحه باب قول الله تعالى وصل عليهم، ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه، ثم ذكر فيه ثمانية أحاديث تدل على ذلك. قال الحافظ: في هذه الترجمة إشارة إلى رد ما جاء عن ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة والطبري من طريق سعيد بن يسار قال: ذكرت رجلاً عند ابن عمر فترحمت عليه فلهز في صدري، وقال لي: إبدأ بنفسك. وعن إبراهيم النخعي: كان يقال إذا دعوت فابدأ بنفسك فإنك لا تدري في أي دعاء يستجاب لك، وأحاديث الباب ترد على ذلك قال: وأما ما أخرجه الترمذي من حديث أبي بن كعب رفعه: أن النبي ﷺ كان إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه وهو عند مسلم في أول قصة موسى والخضر، ولفظه: وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه، قال: ويؤيد هذا القيد أن النبي ﷺ دعا لغير نبي فلم يبدأ بنفسه كقوله في قصة هاجر يرحم الله أم إسماعيل لوتركت زمزم لكانت عيناً معيناً. وحديث أبي هريرة: اللهم أيده بروح القدس يريد حسان بن ثابت، وحديث ابن عباس: اللهم فقهه في الدين وغيره ذلك من الأمثلة مع أن الذي جاء في حديث أبي لم يطرد، فقد ثبت أنه دعا لبعض الأنبياء فلم يبدأ بنفسه كحديث أبي هريرة: يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد – انتهى كلام الحافظ. قلت: فظهر إن بدأه ﷺ بنفسه عند ذكر أحد والدعاء له لم يكن من عادته المستمرة (رواه الترمذي) في الدعوات وأخرجه
стр. 3395
وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
٢٢٨١ – (٣٧) وعن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه قال: ((ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطعية رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذا نكثر قال: الله أكثر)) رواه أحمد.
ــ
أيضاً أحمد (ج٥:ص١٢١) وأبوداود في الحروف والنسائي، ونسبه في الجامع الصغير لابن حبان والحاكم أيضاً وفي الباب عن أبي أيوب: أن النبي ﷺ كان إذا دعا بدأ بنفسه رواه الطبراني. قال الهيثمي: إسناده حسن (وقال هذا حديث حسن غريب صحيح) وسكت عنه أبوداود والمنذري، وقد تقدم أن أصل الحديث عند مسلم.
٢٢٨١ – قوله: (ليس فيها إثم) أي معصية (ولا قطعية رحم) تخصيص بعد تعميم والقطيعة الهجران والصد أي ترك البر إلى الأهل والأقارب (إلا أعطاه الله بها) أي بتلك الدعوة (إحدى ثلاث) أي من الخصال (إما أن يعجل له دعوته) أي بخصوصها أو من جنسها في الدنيا في وقت إرادة إن قدر وقوعها في الدنيا يعني يعجل له دعوته في الدنيا في أحوج أوقاته وأوفقها لا على أوقات تمنيه (وإما أن يدخرها) أي تلك المطلوبة أو مثلها أو أحسن منها أو ثوابها وبدلهها يعني يجعلها ذخيرة بأن يعطيه جزيل ثوابها (له) أي للداعي (في الآخرة) إن لم يقدر وقوعها في الدنيا (وإما أن يصرف) أي يدفع (من السوء) أي البلاء النازل أو غيره في أمر دينه أو دنياه أو بدنه (مثلها) أي مثل تلك الدعوة كمية وكيفية إن لم يقدر له وقوعها في الدنيا. والحاصل إن ما لم يقدر له فيها أحد الأمرين إما الثواب المدخر وإما دفع قدرها من السوء (قالوا) أي بعض الصحابة (إذا) أي إذا كان الدعاء لا يرد منه شيء ولا يخيب الداعي في شيء منه (نكثر) أي من الدعاء لعظيم فوائده (قال) النبي ﷺ (الله أكثر) قال الطيبي: أي الله أكثر إجابة من دعاءكم. وقيل: إن معناه فضل الله أكثر أي ما يعطيه من فضله وسعة كرمه أكثر مما يعطيكم في مقابلة دعاءكم. وقيل: الله أغلب في الكثرة يعني فلا تعجزونه في الاستكثار فإن خزائنه لا تنفد وعطاياه لا تفنى. وقيل الله أكثر ثواباً وعطاء مما في نفوسكم فأكثروا ما شئتم فإنه تعالى يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل (رواه أحمد) (ج٣ص١٨) وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد والطحاوي في مشكل الآثار وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠ص١٤٨) وعزاه لأحمد ثم قال: ورواه أبويعلى بنحوه والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجاله
стр. 3396
٢٢٨٢- (٣٨) وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: ((خمس دعوات يستجاب لهن: دعوة المظلوم حتى ينتصر، ودعوة الحاج حتى يصدر، ودعوة المجاهد حتى يفقد، ودعوة المريض حتى يبرأ، ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب، ثم قال: وأسرع هذه الدعوات إجابة دعوة الأخ بظهر الغيب)) . رواه البيهقي في الدعوات الكبير.
ــ
رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة – انتهى. وقال المنذري رواه أحمد وأبويعلى والبزار بأسانيد جيدة، والحاكم (ج١ص٤٩٣) وقال صحيح الإسناد. قلت: ووافقه الذهبي ونسبه في الكنز (ج١ص١٧٩) لابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب أيضاً، وفي الباب عن جابر. وقد تقدم في الفصل الثاني وعن عبادة بن الصامت وأبي هريرة وقد سبق تخريجهما هناك.
٢٢٨٢- قوله: (خمس دعوات يستجاب لهن) مبتدأ وخبره (دعوة المظلوم) وإن كان كافراً أو فاجراً (حتى ينتصر) أي إلى أن ينتقم من الظالم بلسانه أو يده. قال القاري: لأنه إن انتقم بمثل حقه شرعاً فقد استوفى أو انقص فواضح أولاً بمثله شرعاً أو بأزيد صار ظالماً. قال الطيبي: حتى في القرائن الأربع بمعنى إلى كقولك سرت حتى تغيب الشمس لأن ما بعدها غير داخل فيما قبلها (ودعوة الحاج) حجاً مبروراً (حتى يصدر) بضم الدال أي إلى أن يرجع إلى بلده وأهله. وقيل: أي يرجع من الحج ويدخل بيته (ودعوة المجاهد) وفي الجامع الصغير والكنز (ج١ص١٧٤) الغازي بدل المجاهد، أي الغازي في سبيل الله لإعلاء كلمة الله (حتى يفقد) بسكون الفاء وكسر القاف من الفقدان، من باب ضرب أي إلى أن يفرغ من الجهاد ويفقد أسبابه. قال الطيبي: أي يفقد ما يستتب له من مجاهدته أي حتى يفرغ منها – انتهى. واستتب له الأمر أي تهيأ واستقام على ما في الصحاح وفي بعض النسخ حتى يقعد بسكون القاف وضم العين من القعود أي عن الجهاد وفي بعضها يقفل بسكون القاف وضم الفاء من القفول بمعنى يرجع أي إلى وطنه ومنه القافلة تفاؤلاً. قلت: والظاهر هي النسخة الأخيرة، ويؤيدها إنه هكذا نقلها السيوطي في الجامع الصغير وعلى المتقي في الكنز عن الشعب للبيهقي (ودعوة المريض حتى يبرأ) من علته أو يتعافى أو يموت (ودعوة الأخ لأخيه) في الدين (بظهر الغيب) أي بحيث لا يشعر وإن كان حاضراً في المجلس (وأسرع هذه الدعوات إجابة دعوة الأخ) لأخيه (بظهر الغيب) لدلالتها على خلوص النية وصفاء الطوية والبقية لا تخلو دعوتهم عن حظوظهم النفسية وأغراضهم الطبيعية، ولذا ورد الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم كذا في المرقاة (رواه البيهقي في الدعوات الكبير) وكذا في شعب الإيمان كما في الجامع الصغير والكنز والله أعلم بحال إسناده.
стр. 3397
(١) باب ذكر الله عزوجل والتقرب إليه
ــ
(باب ذكر الله عزوجل) أي فضل ذكر الله (والتقرب إليه) أي التقرب بذكر الله إلى الله والمراد بالذكر هنا الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها، مثل الباقيات الصالحات وهي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار ونحو ذلك والدعاء بخير الدنيا والآخرة. ويطلق ذكر الله أيضاً ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة. ثم الذكر يقع تارة باللسان ويوجر عليه الناطق ولا يشترط استحضاره لمعناه، ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه وإن إنضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل فإن إنضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالاً، فإن وقع ذلك في عمل صالح مهما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالاً، فإن صحح التوجه وأخلص لله تعالى في ذلك فهو أبلغ الكمال قاله الحافظ. وقال الفخر الرازي: المراد بذكر اللسان الألفاظ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد والذكر بالقلب التفكر في أدلة الذات والصفات وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي حتى يطلع على أحكامها وفي أسرار مخلوقات الله، والذكر بالجوارح هو أن تصير مستغرقة في الطاعات ومن سمي الله تعالى الصلاة ذكراً فقال: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩] ونقل عن بعض العارفين. قال: الذكر على سبعة إنحاء فذكر العينين بالبكاء، وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء وذكر القلوب بالخوف والرجاء وذكر الروح بالتسليم والرضا. وقال القاضي عياض: ذكر القلب نوعان: أحدهما، وهو أرفع الأذكار وأجلها الفكر في عظمة الله وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في سماواته وأرضه، ومنه حديث خير الذكر الخفي (أخرجه أحمد وأبويعلى من حديث سعد بن أبي وقاص ذكره الهيثمي (ج١٠ص٨١) مع الكلام عليه) والمراد به هذا، والثاني ذكره بالقلب عند الأمر والنهي فيمتثل ما أمر به ويترك ما نهى عنه، ويقف عما أشكل عليه. وأما ذكر اللسان مجرداً فهو أضعف الأذكار ولكن فيه فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث، قال وذكر ابن جرير الطبري وغيره اختلاف السلف في ذكر القلب واللسان أيهما أفضل. قال القاضي: والخلاف عندي إنما يتصور في مجرد ذكر القلب تسبيحاً وتهليلاً وشبههما، وعليه يدل كلامهم لا أنهم مختلفون في الذكر الخفي الذي ذكرناه أولا فذلك لا يقاربه ذكر اللسان فكيف يفاضله، وإنما الخلاف في ذكر القلب بالتسبيح المجرد ونحوه. والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب فإن كان لاهيا فلا خلاف في فضل الذكر بالقلب حينئذ، واحتج من رجح ذكر القلب وحده بأن عمل السر أفضل. ومن رجح ذكر اللسان أي
стр. 3398
﴿الفصل الأول﴾
٢٢٨٣- ٢٢٨٤- (١- ٢) عن أبي هريرة، وأبي سعيد، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة،
ــ
مع حضور القلب قال: لأن العمل فيه أكثر لأنه زاد باستعمال اللسان فاقتضى زيادة أجر. قال النووي والصحيح أن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب وحده. وقال ابن القيم في الوابل الصيب. الذكر يكون بالقلب واللسان تارة وذلك أفضل الذكر وبالقلب وحده تارة، وهي الدرجة الثانية، وباللسان وحده تارة وهي الدرجة الثالثة، فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان. وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده لأن ذكر القلب يثمر المعرفة ويهيج المحبة ويثير الحياء ويبعث على المخافة ويدعوا إلى المراقبة ويزع عن التقصير في الطاعات والتهاون في المعاصي والسيئات وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئاً من هذه الآثار وإن أثمر شيئاً منها فثمرة ضعيفة – انتهى. قال النووي في الأذكار: فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كل عامل لله تعالى بطاعة فهو ذاكر لله تعالى كذا قاله سعيد بن جبير وغيره من العلماء. وقال عطاء: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه هذا. وقال ابن حجر: مجالس الذكر مجالس سائر الطاعات، ومن قال: هي مجالس الحلال والحرام أراد التنصيص على أخص أنواعه. وقال النووي: أيضاً الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها واجبة كانت أو مستحبة لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع لا عارض له. قال القاري: ومقصودة الحكم الفقهي وهو أنه إذا قرأ في باطنه حال القراءة أو سبح بلسان قلبه حال الركوع والسجود لا يكون آتيا بفرض القراءة وسنة التسبيح لا أن الذكر القلبي لا يترتب عليه الثواب الأخروي هذا، وقد ورد الذكر القرآن على عشرة أوجه يدل كل واحد منها على أهميته وغاية عظمته، وقد سردها ابن القيم في مدارج السالكين وقال في الوابل الصيب بعد سرد، الأحاديث في فضل الذكر: وفي الذكر أكثر من مائة فائدة، ثم ذكر منها تسعاً وسبعين فائدة مع البسط من أحب الوقوف على ذلك رجع إلى هذين الكتابين.
٢٢٨٣- ٢٢٨٤- قوله: (لا يقعد قوم يذكرون الله) قال ابن حجر: التعبير بالقعود للغالب كما هو ظاهر لأن المقصود حبس النفس على ذكر الله مع الدخول في عداد الذاكرين لتعود عليه بركة أنفاسهم ولحظ إيناسهم - انتهى. وقيل: فيه إشارة إلى أن القعود أحسن هيئات الذكر لدلالته على جميعه الحواس الظاهرة والباطنة. وقيل: هو كناية عن الاستمرار ومداومة الأذكار (إلا حفتهم) بتشديد الفاء أي أحاطت بهم (الملائكة) أي
стр. 3399
وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة،
ــ
الذين يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر (وغشيتهم) بكسر الشين أي غطتهم (الرحمة) الخاصة بالذاكرين. قال السندي: أي غطتهم الرحمة من كل جانب إذ الغشيان يستعمل فيما يشمل المغشي من جميع جوانبه. وقال الشوكاني: "قوله حفتهم الملائكة" أي أحدقت بهم واستدارت عليهم، ومعنى غشتهم الرحمة سترتهم من التغشي بالثواب. (ونزلت عليهم السكينة) أي الطمأنينة والوقار لقوله تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] ومنه قوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾ [الفتح:٤] وقيل: المراد بالسكينة الرحمة ويرد ذلك عطفها على قوله غشيتهم الرحمة. وقيل: أنها الملائكة وقيل: هي ما يحصل به السكون وقوة القلب وذهاب الظلمة النفسانية. وقال ابن القيم في مدارج السالكين: وقد ذكر الله تعالى السكينة في كتابه في ستة مواضع الأول قوله تعالى: ﴿وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم﴾ [البقرة: ٢٤٨] الثاني قوله تعالى: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ [التوبة:٢٦] الثالث قوله تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها﴾ [التوبة: ٤٠] الرابع ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيماً﴾ [الفتح: ٤] الخامس قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾ [الفتح: ١٨] السادس قوله تعالى: ﴿إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ الآية [الفتح: ٢٦] وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة وقد جربت أنا أيضاً قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب فرأيت لها تأثيراً عظيماً في سكونه وطمأنينته. وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات ولهذا أخبر عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب كيوم الهجرة إذ هو وصاحبه في الغار والعدو فوق رؤسهما لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما وكيوم حنين إذ ولو مدبرين من شدة بأس الكفار لا يلوي أحد منهم على أحد وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار ودخولهم تحت شروطهم التي تحملها النفوس وحسبك بضعف عمر عن حملها وهو عمر حتى ثبته الله بالصديق. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة. ثم بين ابن القيم الفرق بين السكينة والطمأنينة فقال الفرق بينهما إن السكينة صولة تورث خمود الهيبة الحاصلة في القلب وذلك في بعض الأوقات فليس حكماً دائما مستمراً، وهذا يكون لأهل الطمأنينة دائماً ويصحبه الأمن والإنس والاستراحة.
стр. 3400
وذكرهم الله فيمن عنده)) . رواه مسلم.
٢٢٨٥- (٣) وعن أبي هريرة، قال: ((كان رسول الله ﷺ ، يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له: جمدان، فقال: سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون.
ــ
والفرق الثاني إن السكينة تكون نعتاً لا تزول وقد تكون حيناً بعد حين. وأما الطمأنينة فهي لا تفارق صاحبها، والفرق الثالث إن السكينة بمنزلة من واجهه عدو يريد هلاكه فهرب منه عدوه فسكن روحه، والطمأنينة بمنزلة حصن رآه مفتوحاً فدخله وأمن فيه وتقوى بصاحبه وعدته – انتهى. (وذكرهم الله) أي مباهاة وافتخاراً بهم بما يعظم به شأنهم ويرتفع به مكانهم من الثناء الجميل عليهم ووعد الجزاء الجزيل لهم (فيمن عنده) أي من الملائكة المقربين الذين كانوا يدعون لأنفسهم التسبيح والتقديس ولبني آدم الفساد وسفك الدماء ووجه المفاخرة بهم أنهم مع موانعهم من النفس والشيطان وسائر العلائق والعوائق لا يغفلون عن ذكره ويقومون بوظيفة شكره. وفي الحديث ترغيب عظيم للاجتماع على الذكر، فإن هذه الأربع الخصائص في كل واحدة منها على انفرادها ما يثير رغبة الراغبين ويقوى عزم الصالحين على ذكر رب العالمين. ووقع في حديث أبي هريرة عند مسلم من وجه آخر ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة الخ. قال النووي: في هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد وهو مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال مالك: يكره. وتأوله بعض أصحابه ويلتحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة ورباط ونحوهما إنشاء الله ويدل عليه الحديث الذي بعده يعني الذي نحن في شرحه، فإنه مطلق يتناول جميع المواضع ويكون التقييد في هذا الحديث خرج على الغالب لا سيما في ذلك الزمان فلا يكون له مفهوم يعمل به – انتهى. (رواه مسلم) في الدعوات وكذا الترمذي وابن ماجه ونسبه الشوكاني في تحفة الذاكرين لأحمد وأبي داود الطيالسي وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن حبان وابن أبي شيبة وابن شاهين في الترغيب في الذكر أيضاً.
٢٢٨٥- قوله: (كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة) يحتمل أن يكون ذاهباً إلى مكة أو راجعاً إلى المدينة (فمر على جبل يقال له جمدان) بضم الجيم وسكون الميم وفي آخره نون جبل على ليلة من المدينة (فقال سيروا) أي سيراً حسناً مقروناً بذكر وحضور وشكر وسرور (هذا جمدان) ومع جماديته يشعر بذكر الرحمن ويستبشر بمن مر عليه من أرباب العرفان، كما ورد أن الجبل ينادي الجبل باسمه أي فلان هل مربك أحد ذكر الله فإذا قال نعم استبشر، رواه الطبراني عن ابن مسعود من قوله. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (سبق المفردون) قال الجزري: هو بضم الميم وفتح الفاء وكسر الراء مشددة كذا روينا وضبطنا
следующие страницы →