Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
﴿فاقرؤا ما تيسر منه﴾ )) . متفق عليه واللفظ لمسلم.
ــ
ما يخالف الخط امتثالاً لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأو في ذلك من الاحتياط للقرآن. فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة. وقال مكي بن أبي طالب: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ثم ساق نحو ما تقدم قال، وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطاً عظيماً قال، ويلزم من هذا إن ما خرج من قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهم ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآناً وهذا غلط عظيم- انتهى. وقد بسط الحافظ الكلام في هذا في الفتح (ج٢ص٤٣١، ٤٣٢) فعليك أن تراجعه فإنه مفيد جداً الخامس وهو تتمة الرابع قال أبوشامة المقدسي: قد اختلف السلف في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هل مجموعة في المصحف الذي بأيدي الناس اليوم أو ليس فيها الأحرف واحد منها، مال ابن الباقلاني إلى الأول وصرح الطبري، وجماعة بالثاني: قال الحافظ وهو المعتمد قال: والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبي ﷺ وفيه بعض ما اختلف فيه الأحرف السبعة لا جميعها قال، وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم فهو مما كانت القراءة جوزت به توسعه على الناس وتسهيلاً، فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان وكفر بعضهم بعضاً اختار الاقتصار على المأذون في كتابته وتركوا الباقي. قال الطبري: وصار ما اتفق عليه الصحابة من الاقتصار كمن اقتصر مما خير فيه على خصلة واحدة لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة لم يكن على سبيل الإيجاب بل على سبيل الرخصة، قال الحافظ: ويدل عليه قوله ﷺ في حديث الباب ﴿فاقرؤا ما تيسر منه﴾ [المزمل: ٢٠] وقد قرر الطبري ذلك تقريراً أطنب فيه ووهّى من قال بخلافه ووافقه على ذلك جماعة، منهم أبوالعباس بن عمار في شرح الهداية، وقال أصح ما عليه الحذاق إن الذي يقرأ الآن بعض الحروف السبعة المأذون في قراءتها لا كلها إلى آخر ما قال (فاقرؤا ما تيسر منه) أي من أنواع القراءات بخلاف قوله تعالى ﴿فاقرؤا ما تيسر منه﴾ فإن المراد به الأعم من المقدار والجنس والنوع قاله القاري. وقال القسطلاني: أي من الأحرف المنزل بها فالمراد بالتيسير في الآية غير المراد به في الحديث، لأن الذي في الآية المراد به القلة والكثرة، والذي في الحديث ما يستحضره القاري من القراءات فالأول من الكمية والثاني من الكيفية. وقال الحافظ: قوله" منه" أي من المنزل (بالسبعة) وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وإنه للتيسير على القاري وهذا يقوى قول من قال المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة، لأن لغة هشام بلسان قريش، وكذلك عمرو، مع ذلك فقد اختلف قراءتهما نبه على ذلك ابن عبد البر- انتهى (متفق عليه) أي معنى (واللفظ لمسلم) أخرجه مسلم بهذا اللفظ في فضائل القرآن عن يحيى بن يحيى عن مالك عن ابن شهاب، وأخرجه البخاري في
стр. 3327
٢٢٣٤- (٢) وعن ابن مسعود، قال: سمعت رجلاً قرأ، وسمعت النبي ﷺ يقرأ خلافها، فجئت به النبي ﷺ ، فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية، فقال:
ــ
الخصومات عن عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك بنحوه، وأخرجه أيضاً في فضائل القرآن والتوحيد من طريق عقيل عن ابن شهاب، وفي فضائل القرآن أيضاً من طريق شعيب عنه وفي استتابة المرتدين من طريق يونس عنه وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص٢٤، ٤٠، ٤٣) ومالك في أواخر الصلاة والترمذي في القراءة، وأبوداود والنسائي في الصلاة، والطيالسي وأبوعوانة وابن حبان وابن جرير والبيهقي (ج٢ص٣٨٣) قال السيوطي في الإتقان: ورد حديث نزل القرآن على سبعة أحرف من رواية جمع من الصحابة فسرد أسمائهم ثم قال فهؤلاء أحد وعشرون صحابياً، وقد نص أبوعبيدة على تواترة. وقال القاري: حديث نزل القرآن على سبعة أحرف ادعى أبوعبيدة تواتره لأنه ورد من أحد وعشرين صحابياً، ومراده التواتر اللفظي، وإما تواتره المعنوي فلا خلاف فيه- انتهى. قلت: ذكر الهيثمي في أواخر التفسير أحاديث ثلاثة عشر صحابياً منهم مع الكلام فيها من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مجمع الزوائد (ج٧ص١٥٠- ١٥٤) .
٢٢٣٤- قوله: (سمعت رجلاً قرأ) أي آية كما في رواية وفي أخرى يقرأ آية. قال الحافظ. هذا الرجل يحتمل أن يكون هو أبي بن كعب فقد أخرج الطبري من حديث أبي بن كعب أنه سمع ابن مسعود يقرأ آية قرأ خلافها، وفيه أن النبي ﷺ قال: كلا كما محسن- انتهى. قلت: لكن بين الطبري من هذه الطريق إن السورة المذكورة سورة النحل ويظهر من روايات أحمد إن الاختلاف كان في سورة من آل حم يعني الأحقاف فقد روى هو (ج١ص٤٢١، ٤٥٢) من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه القصة. قال أقرأني رسول الله ﷺ سورة الأحقاف وأقرأها رجلاً آخر فخالفني في آية منها وعنده (ج١ص٤١٩) من طريق زر أيضاً اقرأني رسول الله ﷺ سورة من الثلاثين من آل حم يعني الأحقاف. قال: وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين- الحديث. وعنده أيضاً (ج١ص٤٠١) من طريق أبي وائل عن عبد الله قال: سمعت رجلاً يقرأ حم الثلاثين يعني الأحقاف إلخ، وذكر العيني رواية لابن مسعود من صحيح ابن حبان تدل على أن تلك الآية من سورة الرحمن والله أعلم (يقرأ خلافها) أي غير قراءة ذلك الرجل والضمير راجع إلى المصدر المفهوم من قرأ (فجئت به) أي أحضرته وفي رواية فأخذت بيده فأتيت به (فأخبرته) أي بما سمعت من الخلاف (فعرفت في وجهه الكراهية) بتخفيف الياء أي آثار الكراهة خوفاً من الاختلاف المتشابه باختلاف أهل الكتاب لأن الصحابة كلهم عدول، ونقلهم صحيح فلا وجه للخلاف قاله القاري.
стр. 3328
((كلا كما محسن، فلا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)) . رواه البخاري.
ــ
وقال الطيبي: أي للجدال الواقع بينهما، وفي رواية زر المذكورة فغضب وتمعر وجهه (كلا كما محسن) قال القاري: أي في رواية القراءة وأفراد الخبر باعتبار لفظ كلا. وقال القسطلاني فإن قلت: كيف يستقيم هذا القول مع إظهار الكراهية، أجيب بأن معنى الإحسان راجع إلى ذلك لقراءته وإلة ابن مسعود لسماعه من رسول الله ﷺ ثم تحريه الاحتياط، والكراهية راجعة إلى جداله مع ذلك الرجل كما فعل عمر بهشام، كما تقدم، لأن ذلك مسبوق بالاختلاف. وكان الواجب عليه أن يقره على قراءته ثم يسأل النبي ﷺ عن وجهها. وقال المظهري: الاختلاف في القرآن غير جائز لأن كل لفظ منه إذا جاز قراءته على وجهين أو أكثر فلو أنكر واحد أحداً من ذينك الوجهين أو الوجوه فقد أنكر القرآن ولا يجوز في القرآن القول بالرأي، لأن القرآن سنة متبعة بل عليهما أن يسألا عن ذلك ممن هو أعلم منهما- انتهى. وقال ابن الملك: إنما كره اختلاف ابن مسعود مع ذلك الرجل في القرآن، لأن قراءته على وجوه مختلفة جائزة فإنكار بعض تلك الوجوه إنكار للقرآن وهو غير جائز. قال القاري: هذا وقع من ابن مسعود قبل العلم بجواز الوجوه المختلفة وإلا فحاشاه أن ينكر بعد العلم ما يوجب إنكاره وإنكار القرآن وهو من أجل الصحابة بعلم القرآن وافقهم بأحكامه، ولعل وجه ظهور الكراهية في وجهه ﵊ إحضاره الرجل، فإنه كان حقه أن يحسن الظن به ويسأل النبي ﷺ عما وقع له، ويمكن أنه ظهرت الكراهية في وجهه ﵊ عندما صنع عمر أيضاً لكن عمر لشدة غضبه ما شعر أو حلم ﵊ لما رأى به من الشدة. (فلا تختلفوا) أي أيها الصحابة أو أيها الأمة وصدقوا بعضكم بعضاً في الرواية بشروطها المعتبرة قاله القاري، وقال القسطلاني: أي لا تختلفوا اختلافاً يؤدي إلى الكفر أو البدعة كالاختلاف في نفس القرآن، وفيما جازت قراءته بوجهين وفيما يوقع في الفتنة أو الشبهة. (فإن من كان قبلكم) أي من بني إسرائيل (اختلفوا) بتكذيب بعضهم بعضاً (فهلكوا) أي باختلافهم وفي رواية فأهلكوا بضم أوله وفي أخرى فأهلكهم أي الله بسبب الاختلاف. قال الحافظ: وعند ابن حبان والحاكم (ج٢ص٢٢٤) من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه القصة فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف-انتهى. وكذا وقع عند أحمد (ج١ص٤١٩) وفي رواية أخرى له (ج١ص٤٢١، ٥٤٢) فإنما هلك أو أهلك من كان قبلكم بالاختلاف. قال الحافظ: وفي الحديث الحض على الجماعة والتحذير من الفرقة والاختلاف والنهي عن المراء في القرآن بغير حق، ومن شر ذلك أن يظهر دلالة الآية على شيء يخالف الرأي فبتوسل بالنظر وتدقيقه إلى تأويلها وحملها على ذلك الرأي ويقع اللجاج في ذلك والمناضلة عليه- انتهى. (رواه البخاري) في أول الخصومات وفي ذكر بني إسرائيل وفي آخر فضائل القرآن من طريق عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة عن عبد الله بن مسعود،
стр. 3329
٢٢٣٥- (٣) وعن أبي بن كعب، قال: ((كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعاً على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه. فأمرهما النبي ﷺ فقرأ، فحسن شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية،
ــ
واللفظ المذكور له في الخصومات وأخرجه أيضاً أحمد من هذا الطريق (ج١ص٣٩٣، ٤١١- ٤١٢، ٤٥٦) قال العيني: وأخرجه النسائي في فضائل القرآن.
٢٢٣٥- قوله: (كنت في المسجد) أي النبوي (فدخل رجل) وعند أحمد (ج٥ص١٢٤) والطبري والبيهقي (ج٢ص٣٨٥) من وجه آخر إن هذا الرجل هو عبد الله بن مسعود والله أعلم (يصلي) استئناف أو حال (فقرأ قراءة أنكرتها عليه) أي بالجنان أو باللسان (ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه) أي فانكرتها عليه أيضاً. وقيل: الظاهر إنه لم تكن قراءة هذا الآخر منكرة عند أبي وإلا لذكر الإنكار عليه أيضاً (فلما قضينا الصلاة) دل على أن أبيا أيضاً كان في الصلاة، والظاهر إنها صلاة الضحى أو نحوها من النوافل قاله القاري (دخلنا جميعاً) أي كلنا أو مجتمعون (على رسول الله ﷺ أي في حجرة من حجراته (فقرأ) بلفظ التثنية أي كلاهما (فحسن) من التحسين (شأنهما) أي قال كلا كما محسن أو قال لكل واحد منهما أحسنت وعند البيهقي فقال أحسنتما أو أصبتما، وفي رواية لعبد الله بن أحمد قال: قد أحسنتم (فسقط في نفسي من التكذيب) أي خطر في قلبي من التكذيب من جهة تحسينه ﷺ قراءتهما ظناً مني إن كلام الله الواحد يكون على وجه واحد ولا يجوز أن يقرأه كل رجل كيفما شاء (ولا إذ كنت في الجاهلية) أي ولا وقع في نفسي التكذيب والوسوسة إذ كنت في الجاهلية وهذا مبالغة "لأنه كان في الجاهلية جاهلاً فلا يستبعد وقوع التكذيب والوسوسة إذ ذاك. وأما بعد حصول اليقين والمعرفة فهو بعيد وأمر عظيم. قال النووي: معناه وسوس لي الشيطان تكذيباً للنبوة أشد مما كنت عليه في الجاهلية، لأنه في الجاهلية كان غافلاً أو متشككاً فوسوس له الشيطان الجزم بالتكذيب. وقال القاضي عياض: معنى قوله "سقط في نفسي" إنه اعترته حيرة ودهشة قال: وقوله: "ولا إذ كنت في الجاهلية" معناه إن الشيطان نزغ في نفسه تكذيباً لم يعتقده قال: وهذه الخواطر إذا لم يستمر عليها لا يواخذ بها. قال القاضي قال المازري: معنى هذا إنه وقع في نفس أبي بن كعب نزغة من الشيطان غير مستقرة ثم زالت في الحال حين ضرب
стр. 3330
فلما رآى رسول الله ﷺ ما قد غشبني، ضرب في صدري، ففضت عرقاً، وكأنما أنظر إلى الله فرقاً، فقال لي: يا أبي: أرسل إلى: أن أقرأ القرآن على حرف. فرددت إليه: أن هون على
أمتي،
ــ
النبي ﷺ بيده في صدره ففاض عرقاً- انتهى. وقال الطيبي: يعني وقع في خاطري من تكذيب النبي ﷺ لتحسينه بشأنهما تكذيباً أكثر من تكذيبي إياه قبل الإسلام لأنه كان قبل الإسلام غافلاً أو مشككاً. وإنما استعظم هذه الحالة لأن الشك الذي داخله في أمر الدين إنما ورد على مورد اليقين. وقيل: فاعل سقط محذوف أي وقع في نفسي من التكذيب ما لم أقدر على وصفه ولم أعهد بمثله ولا وجدت مثله إذ كنت في الجاهلية وكان أبي من أكابر الصحابة وكان ما وقع له نزغة من نزغات الشيطان، فلما ناله بركة يد النبي ﷺ زال عنه الغفلة والإنكار وصار في مقام الحضور والمشاهدة-انتهى. قلت: وفي رواية عند أحمد ما تخلج في نفسي من الإسلام ما تخلج يومئذ، وفي أخرى ما حك في صدري شيء منذ أسلمت إلا إني قرأت آية وقرأها رجل آخر غير قراءتي-الحديث. وفي رواية عند الطبري فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى أحمر وجهي فضرب في صدري فقال اللهم اخسأ عنه الشيطان (فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني) أي اعترافي وحصل لي من وسوسة الشيطان ونزغته (ضرب في صدري) قال القاضي: ضربه ﷺ في صدره تثبيتاً له حين رآه قد غشيه ذلك الخاطر المذموم (ففضت) بكسر الفاء الثانية وسكون الضاد المعجمة (عرقاً) بالتحريك تمييز أي فجري وسأل عرقي من جميع بدني من فاض الماء يفيض فيضاً إذا كثر حتى سأل وهذا أبلغ من فاض عرقي، فإن في الأول إشارة إلى أن العرق فاض منه حتى كأن النفس فاضت منه، ومثله قول القائل سألت عيني دمعاً (وكأنما أنظر إلى الله فوقاً) أي خوفاً. قيل: تمييز والأظهر إن نصبه على المفعول له قاله القاري. قال التوربشتي. الفرق بالتحريك الخوف أي أصابني من خشية الله والهيبة فيما قد غشيني ما أوقفني موقف الناظر إلى الله إجلالاً وحياء. وقال الطيبي: كان أبي ﵁ من أفضل الصحابة ومن الموقنين وإنما طرأ عليه ذلك التلويث بسبب الاختلاف نزغة من الشيطان، فلما أصابته بركة ضربه ﷺ بيده على صدره ذهبت تلك الهاجسة وخرجت مع العرق فرجع إلى اليقين، فنظر إلى الله تعالى خوفاً وخجلاً مما غشيه من الشيطان (فقال لي) أي تسكيناً وتبييناً (أرسل إلى) على بناء المجهول أي أرسل الله جبريل، وفي بعض النسخ من المشكاة على بناء المعلوم أي أرسل الله إلى قاله القاري قلت: وعند أحمد إن ربي ﵎ أرسل إلى (أن أقرأ القرآن) بلفظ الأمر أو المتكلم المعلوم. قال الطيبي: "إن" مفسرة وجوز كونها مصدرية على مذهب سيبويه وإن كانت داخلة على الأمر (فرددت إليه) أي جبريل إلى الله تعالى (أن هون) أي سهل ويسر. قال
стр. 3331
فرد إلى الثانية: أقرأه على حرفين: فرددت إليه: أن هون على أمتي، فرد إلى الثالثة: أقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألينها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي،
ــ
القاري "أن" مصدرية ولا يضر كون مدخولها أمراً، لأنها تدخل عليه عند سيبويه، أو مفسرة لما في رددت من معنى القول يقال رد إليه إذا رجع قلت قال الأبي: إن مفسرة لأن رددت في معنى القول وهو رجع أي فرجعت إليه القول إن هوّن من معنى قوله في الحديث الآخر (عند مسلم) فقلت اسأل الله معافاته ومغفرته (فرد إلى الثانية) ماض مجهول أو معلوم أي رد الله إلى إلإرسالة الثانية (اقرأه) بصيغة الأمر أو المتكلم وهو بدون إن في جميع النسخ الحاضرة من المشكاة، وفي مسلم إن أقرأه أي بإثبات أن وكذا نقله في جامع الأصول (ج٣ص٣٤) وهكذا وقع في مسند الإمام أحمد والسنن للبيهقي. (فرد إلى الثالثة أقرأه على سبعة أحرف) كذا في هذه الرواية، وهي رواية عبد الله بن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن أبي بن كعب، ووقع في طريق مجاهد عن ابن أبي ليلي عند مسلم أيضاً بعده ثم جاءه الرابعة، فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أن أمتك القرآن على سبعة أحرف. قال النووي: هذا مما يشكل معناه. وأقرب ما يقال في الجمع بين الروايتين إن قوله في الرواية الأولى "فرد إلى الثالثة" المراد بالثالثة الأخيرة وهي الرابعة فسماها ثالثة مجازاً، وحملنا على هذا التأويل تصريحه في الرواية الثانية إن الأحرف السبعة إنما كانت في المرة الرابعة وهي الأخيرة ويكون قد حذف في الرواية الأولى أيضاً بعض المرات- انتهى (ولك بكل ردة رددتكها) قال النووي: هذا يدل على سقط في الرواية الأولى ذكر بعض الرواة الثلاث وقد جاءت مبينة في الرواية الثانية- انتهى. أي لك بمقابلة كل دفعة رجعت إلى ورودتكها بمعنى أرجعتك إليها بحيث ما هونت على أمتك من أول الأمر (مسألة تسألنيها) أي إجابة مسألة أي مسألة كانت. وقال النووي: معناه مسألة مجابة قطعاً. وأما باقي الدعوات فمرجوة ليست قطعية الإجابة. وقال الأبي تقدم (أي في كتاب الإيمان) ما في حديث لكل نبي دعوة إن معناه إن تلك الدعوة محققة الإجابة وإن غيرها على الرجاء وإن كونها محققة الإجابة لا يمنع من قبول غيرها ومن قبول غيرها هذا الحديث، لأنه لو لم تكن الأولى والثانية هنا مقبولتين لم يكن لقوله لك بكل ردة مسألة فائدة. وقال الطيبي: أي ينبغي لك أن تسألنيها فأجيبك إليها (اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي) قالها مرتين قيل: الأولى لأهل الكبائر والأخرى لأهل الصغائر. وقيل: بالعكس. وقيل: لما انقسم المحتاج إلى المغفرة من أمته إلى مُفَرِّط ومُفْرِط استغفر ﷺ للمقتصد المَفّرِّط في الطاعة وأخرى للظالم المفرط في المعصية، أو الأولى للخواص لأن كل أحد لا يخلو عن تقصير ما في حقه تعالى كما قال تعالى: ﴿كلا لما يقض ما أمره﴾
стр. 3332
وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ﵇) . رواه مسلم.
٢٢٣٦- (٤) وعن ابن عباس، قال: إن رسول الله ﷺ ، قال: ((أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني: حتى انتهت إلى سبعة أحرف. قال ابن شهاب،
ــ
[عبس:٢٣] والثانية للعوام، أو الأولى في الدنيا، والأخرى في العقبي. (وأخرت الثالثة) أي المسألة الثالثة وهي الشفاعة الكبرى (ليوم) أي لأجل يوم أو إلى يوم (يرغب إلى) بتشديد الياء أي يحتاج إلى شفاعتي (الخلق كلهم) حين يقولون نفسي نفسي (حتى إبراهيم ﵇ بالرفع معطوف على الخلق، وفيه دليل على رفعة إبراهيم على سائر الأنبياء وتفضيل نبينا على الكل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (رواه مسلم) من طريق عبد الله بن عيسى عن ابن أبي ليلي عن أبي بن كعب، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص١٢٧، ١٢٨، ١٢٩) والبيهقي (ج٢ص٣٨٣) وأخرجه أبوداود والنسائي في الصلاة والطحاوي في مشكله (ج٤ص١٩١) ومسلم وأحمد (ج٥ص١٢٧) أيضاً من طريق مجاهد عن ابن أبي ليلي نحوه.
٢٢٣٦- قوله: (وعن ابن عباس قال إن رسول الله ﷺ قال) قال الحافظ: هذا مما لم يصرح ابن عباس بسماعه من النبي ﷺ وكأنه سمعه من أبي بن كعب فقد أخرج النسائي من طريق عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب نحوه، والحديث مشهور عن أبي أخرجه مسلم وغيره من حديثه كما تقدم وسيأتي أيضاً (أقرأني جبريل) ﵇ القرآن (على حرف) واحد أي أولاً (فراجعته) أي الله أو جبريل، وفي رواية أبي التقدمة فرددت عليه أن هون على أمتي، وفي رواية له عند مسلم أيضاً إن أمتي لا تطيق ذالك (فلم أزل أستزيده) أي أطلب من الله الزيادة أو أطلب من جبريل أن يطلب من الله الزيادة في الأحرف للتوسعة والتخفيف (ويزيدني) أي ويسأل جبرئيل ربه تعالى فيزيدني (حتى انتهي) أي طلب الزيادة والإجابة أو أمر القرآن (إلى سبعة أحرف) أي أوجه يجوز أن يقرأ بكل وجه منها. وقد تقدم الكلام في المراد منه وتحقيق ما هو الراجح منه، وفي رواية سليمان بن صرد عن أبي عند عبد الله بن أحمد (ج٥ص١٢٤) قال رسول الله ﷺ : يا أبي إن ملكين أتياني فقال أحدهما أقرأ على حرف فقال الآخر زده فقلت زدني قال اقرأ على حرفين فقال الآخر زده قال اقرأ على ثلاثة فقال الآخر زده فقلت زدني قال اقرأ على أربعة أحرف قال الآخر زده قلت زدني، قال اقرأ على خمسة أحرف، قال الآخر زده قلت زدني، قال اقرأ على ستة، قال الآخر زده قال اقرأ على سبعة أحرف، فالقرآن أنزل على سبعة أحرف (قال ابن شهاب) أي الزهري راوي الحديث (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس)
стр. 3333
بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر تكون واحداً لا تختلف في حلال ولا حرام.
ــ
(بلغني) وجعل في رواية أحمد والبيهقي القول الآتي من كلام الزهري نفسه حيث وقع فيها عقب الحديث.
قال الزهري: وإنما هذه الأحرف الخ (إن تلك سبعة الأحرف) بالنصب على الوصفية. وقيل: بالجر على الإضافة (في الأمر تكون واحداً لا تختلف في حلال ولا حرام) كذا في جميع النسخ الحاضرة من المشكاة والذي في صحيح مسلم "في الأمر الذي يكون واحداً لا يختلف في حلال ولا حرام" وهكذا وقع في جامع الأصول (ج٣ص٣٨) والفتح، وعند الطحاوي "إن تلك السبعة الأحرف إنما تكون في الأمر الذي يكون واحداً لا يختلف في حلال ولا حرام" ولأحمد والبيهقي "وإنما هذه الأحرف في الأمر الواحد وليس يختلف في حلال ولا حرام" ومعنى هذا الكلام إن مرجع الجميع واحد في المعنى، وإن اختلف اللفظ في هيأته، وأما الإختلاف بأن يصير المثبت منفياً والحلال حراماً فذلك لا يجوز في القرآن. قال تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء: ٨٢] وهذا لما كان من عند الله فلم يجدوا فيه اختلافاً يسيراً، وكأن ابن شهاب قصد بذلك رد ما سبق في شرح حديث عمر من قول طائفة في بيان معنى الحديث، إن المراد بالأحرف السبعة إن القرآن أنزل على سبعة أصناف من الكلام. واختلف القائلون به فقيل أمر ونهى وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، واحتجوا بما ذكرنا هناك من حديث ابن مسعود، وعند أبي عبيد وغيره مرفوعاً. قال كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال-الحديث. وقد تقدم إن هذا الحديث منقطع وأجاب عنه آخرون من جهة النظر فقال البيهقي: إن صح فمعنى قوله في هذا الحديث سبعة أحرف أي سبعة أوجه كما فسرت في الحديث، وليس المراد الأحرف السبعة التي تقدم ذكرها في الأحاديث الأخرى، لأن سياق تلك الأحاديث يأبى حملها على هذا، بل هي ظاهرة في أن المراد إن الكلمة الواحدة تقرأ على الوجهين وثلاثة وأربعة إلى سبعة تهوينا وتيسيراً، والشيء الواحد لا يكون حراماً وحلالاً في حالة واحدة. وقال ابن أبي عمر: إن من أول السبعة الأحرف بهذا فهو عندي فاسد، وممن ضعف هذا القول ابن عطية، فقال الإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل حرام ولا تحريم حلال ولا في تغيير شيء من المعاني المذكورة، وبه صرح الماوردي حيث قال هذا القول خطأ لأنه ﷺ أشار إلى جواز القراءة بكل واحد من الحروف وإبدال حرف بحرف. وقد اجمع المسلمون على تحريم إبدال آية أمثال بآية أحكام. وقال أبوعلي الأهوازي وأبوالعلاء الهمداني: قوله في الحديث زاجر وآمر الخ. استئناف كلام آخر أي هو زاجر أي القرآن ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، وإنما توهم ذلك من توهمه من جهة الاتفاق في العدد، ويؤيده أنه جاء في بعض طرقه زاجراً وآمراً بالنصب أي نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف حال كونه زاجراً الخ. وقال أبوشامة: يحتمل أن التفسير المذكور للأبواب لا للأحرف أي هي سبعة أبواب من
стр. 3334
متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
٢٢٣٧- (٥) عن أبي بن كعب، قال: لقي رسول الله ﷺ جبرئيل، فقال: ((يا جبرئيل! إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط. قال: يا محمد! إن القرآن أنزل على سبعة أحرف)) . رواه الترمذي.
ــ
أبواب الكلام وأقسامه أي أنزله الله على هذه الأصناف لم يقتصر منها على صنف واحد كغيره من الكتب-انتهى. قال القاري: وهو الظاهر المتبادر. وقال الحافظ: ومما يوضح أن قوله زاجر وآمر الخ ليس تفسير للأحرف السبعة ما وقع في مسلم من طريق يونس عن ابن شهاب عقب حديث ابن عباس، قال ابن شهاب: بلغني أن تلك الأحرف السبعة الخ (متفق عليه) أخرجه البخاري في ذكر الملائكة من بدء الخلق وفي فضائل القرآن ومسلم في فضائل القرآن وبلاغ الزهري من أفراد مسلم، والحديث مع هذه الزيادة أخرجه أحمد (ج١ص٣١٣) والطحاوي في مشكله (ج٤ص١٩٠) والبيهقي (ج٢ص٣٨٤) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص٢٦٣، ٢٦٤، ٢٩٩) بدون ذلك.
٢٢٣٧- قوله: (لقي رسول الله ﷺ جبرئيل) أي عند أحجار المراء كما في رواية أحمد (ج٥ص١٣٢) وكذا وقع في حديث حذيفة عند أحمد (ج٥ص٣٨٥، ٤٠٠، ٤٠٥) والبزار كما في مجمع الزوائد (ج٧) (ص٥٠) وأحجار المراء موضع بقباء قاله المجد. وقال في النهاية: فيه إنه ﷺ كان يلقي جبرئيل بأحجار المراء. قال مجاهد: هي قباء، وقد تقدم أنه وقع في رواية مجاهد عن ابن أبي ليلي عن أبي بن كعب عند مسلم وغيره إن النبي ﷺ كان عند إضاءة بني غفار، فأتاه جبريل- الحديث. (إني بعثت) بصيغة المجهول (إلى أمة أميين) أي لا يحسنون القراءة للمكتوب. قال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ [الجمعة: ٢] والأمي من لا يكتب ولا يقرأ كتاباً، وقال ﷺ : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، أراد أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على جبلتهم الأولى (منهم العجوز) بفتح المهملة وهي المرأة المسنة (والشيخ الكبير) وهما عاجزان عن التعلم للكبر (والغلام والجارية) وهما غير متمكنين من القراءة للصغر (والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط) المعنى إني بعثت إلى أمة أميين منهم هؤلاء المذكورون فلو اقرأتهم على قراءة واحدة لا يقدرون عليها (قال يا محمد إن القرآن انزل على سبعة أحرف) أي فليقرأ كل بما يسهل عليه (رواه الترمذي) في القراءات
стр. 3335
وفي رواية لأحمد، وأبي داود قال: ليس منها إلا شاف كاف وفي رواية للنسائي، قال: إن جبرئيل وميكائيل أتياني، فقعد جبرئيل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبرئيل: اقرأ القرآن على حرف، قال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف، فكل حرف شاف كاف.
٢٢٣٨- (٦) وعن عمران بن حصين، إنه مر على قاص يقرأ ثم يسأل.
ــ
وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥ص١٣٢) كلاهما من رواية عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قلت: عاصم هذا. قال في التقريب إنه صدوق له أوهام وحديثه في الصحيحين مقرون. وقال العجلي: كان يختلف عليه في زر وأبي وائل. قلت: قد اختلف هنا على عاصم. فقال شيبان النحوي وزائدة عن عاصم عن زر عن أبي بن كعب. وقال حماد بن سلمة: عنه عن زر عن حذيفة، أخرجه احمد (ج٥ص٤٠٠، ٤٠٥) والطحاوي في مشكله (ج٤ص١٨٣) والبزار، والحديث مشهور عن أبي. قال القاري: الظاهر إن رواية أبي عن جبرئيل هذا الإجمال رواية عنه بالمعنى والظاهر إن أبياً سمع من النبي ﷺ يحكي عن جبريل ما مر عنه من التفصيل إنه لم يزل يستزيده حتى انتهى إلى السبعة فروى هنا حاصل ذلك فهو إنه بعد الاستزادة نزل على سبعة أحرف (وفي رواية لأحمد) (ج٥ص١٢٤) أخرجاها من طريق سليمان بن صرد عن أبي بن كعب وأخرجها أيضاً الطحاوي (ج٤ص١٨٩) وقد سكت عنها أبوداود والمنذري (قال) أي جبريل بعد قوله سبعة أحرف (ليس منها) أي ليس حرف من تلك الأحرف (إلا شاف) أي لأمراض الجهل (كاف) في أجزاء الصلاة أو شاف للعليل في فهم المقصود كاف للإعجاز في إظهار البلاغة. وقيل: أي شاف لصدور المؤمنين للاتفاق في المعنى وكاف في الحجة على صدق النبي ﷺ كذا في المرقاة (وفي رواية للنسائي) أخرجها من طريق أنس عن أبي بن كعب، وأخرجها أيضاً أحمد (ج٥ص١٢٢) (فقال) لي (جبريل اقرأ القرآن على حرف) واحد (قال ميكائيل استزده) أي اطلب زيادة قراءة القرآن على حرف واحد من الله، أو من جبريل ليعرض على الله بناء على أنه واسطة ثم لا يزال يقول له ذلك. وهو يطلب الزيادة ويجاب. (حتى بلغ سبعة أحرف فكل حرف شاف) أي في إثبات المطلوب للمؤمنين (كاف) في الحجة على الكافرين.
٢٢٣٨- قوله: (مر على قاص) بتشديد الصاد وهذا لفظ أحمد، وعند الترمذي مر على قاري، والقاص من يحكي القصص والأخبار، ويطلق القصاص على الوعاظ أيضاً. والمراد به هنا الواعظ بالقرآن بقرينة ما بعده (يقرأ) أي القرآن على قوم وهو حال (ثم يسأل) أي يطلب منهم شيئاً من مال الدنيا بالقرآن وقوله
стр. 3336
فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرؤن القرآن يسألون به الناس)) . رواه أحمد والترمذي.
﴿الفصل الثالث﴾
٢٢٣٩- (٧) عن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قرأ القرآن يتأكل به الناس، جاء يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم)) . رواه البيهقي "في شعب الإيمان"
ــ
يسأل بلفظ: المضارع في جميع النسخ الحاضرة من المشكاة، وكذا نقله الجزري عن الترمذي والذي في نسخ الترمذي الموجودة عندنا، ثم سأل أي بلفظ الماضي، وهكذا وقع عند أحمد (فاسترجع) أي قال عمران ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦] لابتلاء القاص بهذا المصيبة التي هي السؤال من أموال الناس بالقرآن، لأنه بدعة ومعصية، وظهور البدعة والمعصية بين المسلمين مصيبة. أو لابتلاء عمران بمشاهدة هذه الحالة الشنيعة وهي مصيبة. (من قرأ القرآن فليسأل الله به) أي فليطلب من الله تعالى بالقرآن ما شاء من أمور الدنيا والآخرة، لا من الناس. أو المراد أنه إذا مر بآية رحمة فليسألها من الله تعالى، أو بآية عقوبة فيتعوذ إليه بها منها. وإما أن يدعوا الله عقيب القراءة بالأدعية الماثورة، وينبغي أن يكون الدعاء في أمر الآخرة وإصلاح المسلمين في معاشهم ومعادهم. (فإنه) أي الشأن (سيجيء أقوام يقرؤن القرآن يسألون به الناس) أي بلسان القال أو ببيان الحال (رواه أحمد) (ج٤ص٤٣٢، ٤٣٦، ٤٣٩، ٤٤٥) (والترمذي) في فضائل القرآن كلاهما عن خيثمة بن أبي خيثمة البصري عن الحسن البصري عن عمران بن حصين، وخيثمة هذا قال في التقريب عنه لين الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد أخرجه أيضاً الطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان كما في الكنز.
٢٢٣٩- قوله: (من قرأ القرآن يتأكل به الناس) أي يطلب به الأكل من الناس. قال الطيبي: يعني يستأكل كتعجل بمعنى استعجل، والباء في "به" للآلة أي أموالهم (جاء يوم القيامة ووجهه عظم) بفتح العين وسكون الظاء (ليس عليه لحم) أي من جعل القرآن وسيلة إلى حطام الدنيا جاء يوم القيامة على أقبح صورة وأسوأ حالة حيث عكس، وجعل أشرف الأشياء وأعزها واسطة إلى أذل الأشياء وأحقرها، وذريعة إلى أردئها وأدونها، وفي الحديث وعيد شديد لمن يستأكل بالقرآن (رواه البيهقي في شعب الإيمان) قال العزيزي: بإسناد ضعيف وقد أخرج أبوعبيد في فضائل القرآن عن أبي سعيد وصححه الحاكم رفعه تعلموا القرآن وأسألوا الله به،
стр. 3337
٢٢٤٠- (٨) وعن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ رواه أبوداود.
ــ
قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاث نفر، رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يأكله لله. وأخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار عن عبد الرحمن بن شبل رفعه إقرؤه القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به- الحديث. قال الحافظ: سنده قوى. وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات. وأخرج أبوعبيد عن عبد الله بن مسعود سيجيء زمان يسئل فيه بالقرآن فإذا سألوكم فلا تعطوهم. وأخرج الطبراني في الأوسط (عن شيخة المقدام بن داود وهو ضعيف) عن أبي هريرة رفعه إقرؤا القرآن ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به ولا تخفوا عنه-الحديث. وهذه الأحاديث شواهد لحديث بريدة وحديث عمران بن حصين المتقدم في الفصل الثاني.
٢٢٤٠- قوله: (كان رسول الله ﷺ لا يعرف فصل السورة) بالصاد المهملة أي انفصالها وانقضاءها أو فصلها عن سورة أخرى (حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم) ورواه الحاكم بلفظ: كان لا يعلم ختم السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، ورواه البزار بلفظ: كان لا يعرف خاتمة السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم فإذا نزل بسم الله الرحمن الرحيم علم أن السورة قد ختمت واستقبلت وابتدئت سورة أخرى. واستدل به الحنفية لما هو المختار عندهم في هذه المسئلة من أن البسملة آية مستقلة في القرآن وليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما أنزلت لافتتاح القراءة بها، وللفصل بين السورتين. قال الطيبي: هذا الحديث وما سرد في آخر هذا الباب دليلان ظاهر أن على أن البسملة آية من كل سورة أنزلت مكررة للفصل. قال صاحب اللمعات: في دلالتهما على أنها جزء من كل سورة كما هو مذهب الشافعي خفاء ظاهر نعم يدلان على أنها من القرآن أنزلت للفصل كما هو مذهبنا والله أعلم. قلت: ويدل على كونها آية من القرآن في كل موضع كتبت فيه إجماع المسلمين على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى والوفاق على إثباتها في المصاحف بخط القرآن مع المبالغة في تجريد القرآن عما ليس منه أسماء السور وأعداد الآي ولفظة آمين، واتفاق أئمة القراءات على قراءة البسملة في ابتداء كل سورة سواء الفاتحة أو غيرها من السور سوى براءة هذا. وقد تقدم الكلام في ذلك في باب القراءة في الصلاة فراجعة (رواه أبوداود) في الصلاة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس وسكت عنه، ورواه أيضاً في مراسيله عن سعيد بن جبير أي مرسلاً. وقال المرسل أصح وأخرجه أيضا الحاكم (ج١ص٢٣١) والبيهقي (ج٢ص٤٢) قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وقال الذهبي في تلخيصه: قلت: أما هذا فثابت، ورواه البزار أيضاً. قال الهيثمي (ج٦٠ص٣١٠) بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح.
стр. 3338
٢٢٤١- (٩) وعن علقمة، قال كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا أنزلت. فقال عبد الله: ((والله لقرأتها على عهد رسول الله ﷺ ، فقال: أحسنت فبينا هو يكلمه إذا وجد منه ريح الخمر. فقال: أتشرب الخمر. وتكذب بالكتاب؟
ــ
٢٢٤١- قوله: (وعن علقمة) بن قيس النخعي أنه (قال كنا بحمص) بكسر الحاء وسكون الميم وهو غير منصرف، وقد ينصرف بلدة من بلاد الشام مشهورة (فقرأ ابن مسعود سورة يوسف) قال الحافظ: قوله "كنا بحمص" فقرأ ابن مسعود الخ هذا ظاهره إن علقمة حضر القصة، وكذا أخرجه الإسماعيلي، وأخرجه أبونعيم فقال فيه عن علقمة قال كان عبد الله بحمص. وقد أخرجه مسلم بلفظ: عن علقمة عن عبد الله قال كنت بحمص فقرأت فذكر الحديث، وهذا يقتضي إن علقمة لم يحضر القصة وإنما نقلها عن ابن مسعود وكذا أخرجه أبوعوانة ولفظه كنت جالساً بحمص. وعند أحمد (ج١ص٣٧٨) عن عبد الله أنه قرأ سورة يوسف بحمص (فقال رجل ما هكذا أنزلت) أي السورة ولم يعرف الحافظ اسم هذا الرجل المبهم نعم، قيل أنه نهيك بن سنان. قال الحافظ: ولم أر ذلك صريحاً، وفي رواية مسلم فقال لي بعض القوم إقرأ علينا فقرأت عليهم سورة يوسف، فقال رجل من القوم والله ما هكذا أنزلت وعند أحمد (ج١ص٤٢٥) عن علقمة قال أتى عبد الله الشام فقال له ناس من أهل حمص إقرأ علينا فقرأ عليهم سورة يوسف فقال رجل من القوم والله ما هكذا أنزلت، وفيه مبهم آخر وهو السائل ولم يعرف اسمه أيضاً (فقال عبد الله والله لقرأتها على عهد رسول الله ﷺ أي في حضرته وهو يسمع وهذا السياق هكذا وقع في جميع نسخ المشكاة الحاضرة عندنا، والذي في صحيح البخاري قال "قرأت على رسول الله ﷺ " وفي رواية مسلم "قال قلت: ويحك والله لقد قرأتها على رسول الله ﷺ " وعند أحمد (ج١ص٤٢٥) "فقال عبد الله ويحك والله لقد قرأتها على رسول الله ﷺ هكذا" وله أيضاً (ج١ص٣٧٨) "قال: والله لكهذا أقرأنيها رسول الله ﷺ " (فقال) أي رسول الله ﷺ لي (أحسنت) هذه منقبة عظيمة لم يذكرها افتخاراً بل تحديثاً بنعمة الله واحتجاجاً على عدو الله (فبينا هو) أي ابن مسعود (يكلمه) أي ذلك الرجل ويحتمل العكس قاله القاري (إذ وجد) أي ابن مسعود (منه) أي من ذلك الرجل (ريح الخمر) قوله فبينا هو يكلمه الخ، كذا وقع في جميع النسخ من المشكاة وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج٣ص٤٠) والمجد بن تيمية في المنتقى ولفظ البخاري "فقال أحسنت ووجد منه ريح الخمر" ولمسلم "فبينما أنا أكلمه إذ وجدت منه ريح الخمر" والظاهر إن المصنف تبع في ذلك الجزري (فقال) في رواية مسلم قال فقلت (أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب) هذا لفظ مسلم، وللبخاري "فقال: أتجمع أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر" قال في اللمعات. لا شك إن ما ثبت كونه من كتاب الله
стр. 3339
فضربه الحد)) .
ــ
يقيناً تكذيبه كفر، وكان ذلك معلوماًُ قطعاً عند الصحابة، خصوصاً لأمثال ابن مسعود وبعدهم يثبت ذلك بالتواتر. وقد ادعى الجمهور ذلك في القراءات السبع، وبعضهم في العشرة وإن لم يكن ما قرأ ابن مسعود في هذه القصة من هذا القبيل، فإطلاق تكذيب الكتاب المستلزم للكفر تغليظ وتشديد، ولذا لم يحكم بارتداده والله أعلم – انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في ذلك (فضربه الحد) أي فضربه ابن مسعود حد شرب الخمر وهذا لفظ البخاري، وفي رواية مسلم "لا تبرح حتى أجلدك قال فجلدته الحد" وفي رواية لأحمد "لا أدعك حتى أجلدك حداً قال فضربه الحد" قال النووي: هذا محمول على أن ابن مسعود كانت له ولاية إقامة الحدود نيابة عن الإمام إما عموماً وإما خصوصاً. وعلى أن الرجل اعترف بشربها بلا عذر وإلا فلا يجب الحد بمجرد ريحها. وعلى أن التكذيب كان بإنكار بعضه جاهلاً إذ لو كذب به حقيقة لكفر فقد أجمعوا على أن من جحد حرفاً مجمعاً عليه من القرآن كفر – انتهى. قال الحافظ: الاحتمال الأول جيد ويحتمل أيضاً أن يكون قوله فضربه الحد أي رفعه إلى الأمير فضربه فأسند الضرب إلى نفسه مجازاً لكونه كان سبباً فيه. وقال القرطبي: إنما أقام عليه الحد لأنه جعل له ذلك من له الولاية أو لأنه رأى أنه قال عن الإمام بواجب أو لأنه كان ذلك في زمان ولايته الكوفة فإنه وليها في زمن عمر وصدراً من خلافة عثمان – انتهى. والاحتمال الثاني موجه وفي الأخير غفلة عما في أول الخبر إن ذلك كان بحمص ولم يلها ابن مسعود وإنما دخلها غازياً وكان ذلك في خلافة عمر. وأما الجواب الثاني عن الرائحة فيرده النقل عن ابن مسعود إنه كان يرى وجوب الحد بمجرد وجود الرائحة، وقد وقع مثل ذلك لعثمان في قصة الوليد بن عقبة، ووقع عند الإسماعيلي أثر هذا الحديث النقل عن علي أنه أنكر على ابن مسعود جلده الرجل بالرائحة وحدها إذ لم يقر ولم يشهد عليه. وقال القرطبي: في الحديث حجة على من يمنع وجوب الحد بالرائحة كالحنفية وقد قال به مالك وأصحابه وجماعة من أهل الحجاز. قلت: (قائله الحافظ) والمسئلة خلافية شهيرة وللمانع أن يقول إذا احتمل أن يكون أقر سقط الاستدلال بذلك، ولما حكى الموفق في المغنى (ج٨ص٣٠٩) الخلاف في وجوب الحد بمجرد الرائحة اختار أن لا يحد بالرائحة وحدها، بل لا بد معها من قرينة كان يوجد سكران أو يتقيأها ونحوه أن يوجد جماعة شهر وبالفسق ويوجد معهم خمر، ويوجد من أحدهم رائحة الخمر. وحكى ابن المنذر عن بعض السلف أن الذي يجب عليه الحد بمجرد الرائحة من يكون مشهوراً بإدمان شرب الخمر. وأما الجواب عن الثالث فجيد أيضاً لكن يحتمل أن يكون ابن مسعود كان لا يرى بمؤاخذة السكران بما يصدر منه من الكلام في حال سكره. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون الرجل كذب ابن مسعود ولم يكذب بالقرآن وهو الذي يظهر من قوله ما هكذا أنزلت فإن ظاهره إنه أثبت إنزالها ونفي الكيفية التي أوردها ابن مسعود. وقال الرجل ذلك إما جهلاً منه أو قلة حفظ أو عدم تثبت بعثه عليه السكر – انتهى. وقال القاري: ظاهر الحديث
стр. 3340
متفق عليه.
٢٢٤٢- (١٠) وعن زيد بن ثابت، قال: ((أرسل إلى أبوبكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبوبكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى إن استحر القتل
ــ
إنه ضربه حد الخمر بناء على ثبوت شربه بالرائحة وهو مذهب جماعة ومذهبنا ومذهب الشافعي خلافة لأن الريح نحوه التفاح الحامض، وكذا السفرجل يشبه رائحة الخمر ولاحتمال إنه شربها إكراهاً أو اضطراراً، وقد صح الخبر ادرؤا الحد بالشبهات ولعله حصل منه اقراراً أو قام عليه بينة – انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، ومسلم في الصلاة وقد عرفت ما وقع من التصرف من المصنف في ألفاظ الحديث فإن السياق المذكور بتمامه ليس لهما ولا لأحدهما بل بعضه للبخاري وبعضه لمسلم، إلا قوله على عهد رسول الله فإنه ليس لأحد منهما ولم أجد زيادة لفظ "عهد" عند أحد ممن أورد هذا الحديث في كتابه، وقد أخرجه أحمد (ج١ص٣٧٨، ٤٢٥) وأبوعوانة وغيرهما.
٢٢٤٢- قوله: (أرسل إلى) بتشديد الياء أي رجلاً. قال الحافظ: لم أقف على اسم الرسول إليه بذلك (أبوبكر) الصديق في خلافته (مقتل أهل اليمامة) هو مفعل من القتل ونصب على أنه ظرف زمان بمعنى أو إن قتلهم، والمراد عقب زمان قتل أهل اليمامة، واليمامة بفتح التحتية وتخفيف الميم اسم مدينة باليمن وسميت باسم المصلوبة على بابها، وهي التي كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام وتعرف بالزرقاء لزرقة عينها، واسمها عنزة. وقال في النهاية، اليمامة هي الصقع المعروف شرقي الحجاز ومدينتها العظمى حجر اليمامة، والمراد بأهل اليمامة هنا من قتل بها من الصحابة في الوقعة مع مسيلمة ادعى النبوة وقوى أمره بعد موت النبي ﷺ بارتداد كثير من العرب فجهز إليه أبوبكر الصديق خالد بن الوليد في جمع كثير من الصحابة فحاربوه أشد محاربة إلى أن خذله الله وقتله وقتل في غضون ذلك من الصحابة جماعة كثيرة. قيل سبع مائة، وقيل أكثر. (فإذا عمر) كلمة "إذا" للمفاجأة أي قال زيد فجئته فإذا عمر (عنده) أي عند أبي بكر (قد استحر) بسين مهملة ساكنة ومثناة مفتوحة بعدها حاء مهملة مفتوحة ثم راء ثقيلة أي اشتد وكثر استفعل من الحر، لأن المكروه غالباً يضاف إلى الحر، كما أن المحبوب يضاف إلى البرد يقولون أسخن الله عينه وأقر عينه ومنه المثل تولى حارها من تولى قارها (يوم اليمامة) أي وقعة اليمامة أو يوم القتال الواقع في اليمامة (بقراءة القرآن) سمى منهم في رواية سفيان عن الزهري عن عبيد عن زيد بن ثابت في فوائد لدعا قولي سالماً مولى أبي حذيفة (وإني أخشى أن استحر القتل) بفتح همزة أن وتكسر وفي البخاري أن يستحر القتل. قال القسطلاني: بلفظ المضارع أي يشتد ولأبي ذر
стр. 3341
بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟
ــ
أن استحر (بالقراء) متعلق بالفعل أو القتل (بالمواطن) أي في المواطن أي الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار، وفي رواية سفيان وأنا أخشى أن لا يلقى المسلمون زحفاً آخر إلا استحر القتل بأهل القرآن. قال الطيبي قوله " أخشى أن استحر القتل" أي أخشى استحراره. والمراد الزيادة على ما كان يوم اليمامة، لأن الخشية إنما تكون مما لم يوجد من المكاره فقوله (إن استحر" مفعول أخشى، والفاء في "فيذهب" للتعقيب، ويحتمل أن يكون إن بالكسر، والجملة الشرطية دالة على مفعول أخشى (فيذهب كثير من القرآن) بقتل حفظته أي إلا أن يجمعوه قبل أن يقتل الباقون. قال القاري: قوله "فيذهب" في بعض النسخ بالنصب، وهو ظاهر لفظاً ومعنى عطفاً على استحر على أن إن مصدرية وهي الرواية الصحيحة، وفي أكثر النسخ المصححة المقروءة على المشائخ بالرفع مع فتح الهمزة في أن، فقيل رفعه على أنه جواب شرط محذوف أي فإذا استحر فيذهب، أو عطف على محل إني أخشى أي فيذهب حينئذ كثير من القرآن بذهاب كثير من قراء الزمان – انتهى. قال الحافظ: هذا يدل على أن كثيراً ممن قتل في وقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن لكن يمكن أن يكون المراد إن مجموعهم جمعة لا أنه كل فرد فرد جمعه (وإن أرى أن تأمر) من الرأي أي أذهب إلى أن تأمر كتبه الوحي (بجمع القرآن) قبل تفرق القراء (قلت) خطاب أبي بكر لعمر حكاه ثانياً لزيد بن ثابت لما أرسل إليه وهو كلام من يؤثر الإتباع وينفر من الابتداع أي قال أبوبكر قلت (لعمر كيف تفعل) بصيغة الخطاب، وقيل بالتكلم أي أنت أو نحن، وفي رواية كيف أفعل (شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ هذا لا ينافي ما ذكره الحاكم في مستدركه جمع القرآن ثلاث مرات، إحداها بحضرة النبي ﷺ ، ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد كنا عند النبي ﷺ نؤلف القرآن في الرقاع – الحديث. لأن ذلك الجمع غير الجمع الذي نحن فيه، ولذا قال البيهقي: يشبه أن يكون المراد تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ كذا في المرقاة. قال الحافظ في الفتح قال الخطابي وغيره: يحتمل أن يكون ﷺ إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ﷺ ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء لوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية زادها الله شرفاً، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق ﵁ بمشورة عمر. ويؤيده ما أخرجه ابن أبي داود في المصاحف بإسناد حسن عن عبد خير قال سمعت علياً يقول: أعظم الناس في المصاحف أجراً أبوبكر رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله. وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال: ((قال رسول الله ﷺ : لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن)) – الحديث.
стр. 3342
قال: فقال عمر: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد قال أبوبكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك،
ــ
فلا ينافي ذلك، لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة. وقد كان القرآن كله كتب في عهد النبي ﷺ لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور. وأما ما أخرجه ابن أبي داود في المصاحف من طريق ابن سيرين قال قال علي: لما مات رسول الله ﷺ آليت أن لا أخذ على ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه فإسناده ضعيف لانقطاعه وعلى تقدير أن يكون محفوظاً، فمراده بجمعه حفظه في صدره قال، والذي وقع في بعض طرقه حتى جمعته بين اللوحين وهم من رواته. وقال الحافظ: ورواية عبد خير يعني التي تقدمت آنفاً أصح فهو المعتمد ووقع عند ابن أبي داود أيضاً بيان السبب في إشارة عمر بن الخطاب بذلك فأخرج من طريق الحسن إن عمر سأل عن آية من كتاب الله قيل كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة فقال إنا لله وأمر بجمع القرآن فكان أول من جمعه في المصحف، وهذا منقطع فإن كان محفوظاً حمل على أن المراد بقوله، فكان أول من جمعه أي أشار بجمعه في خلافة أبي بكر فنسب الجمع إليه لذلك – انتهى. (هذا) أي جمع القرآن في مصحف واحد (خير) من تركه فإن قلت كيف ترك رسول الله ﷺ ما هو خير؟ قلت هذا خير في هذا الزمان وتركه كان خيراً في زمانه ﷺ لعدم تمام النزول واحتمال النسخ كما تقدم الإشارة إليه (فلم يزل عمر يراجعني) في ذلك أي في جمع القرآن (حتى شرح الله صدري لذلك) الذي شرح له صدر عمر (ورأيت في ذلك الذي رأى عمر) اذهوا من النصح لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين وإذن فيه ﵊ بقوله في حديث أبي سعيد عند مسلم لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن، وقد أعلم الله في القرآن بأنه مجموع في الصحف في قوله ﴿يتلوا صحفاً مطهرة﴾ الآية [البينة: ٢] وكان القرآن مكتوباً في الصحف لكن كانت مفرقة فجمعها أبوبكر في مكان واحد، فغاية ما فعله أبوبكر جمع ما كان مكتوباً قبل في مصحف، فلا يتوجه اعتراض الرافضة على الصديق. قال الحارث المحاسبي في كتاب فهم السنن: كتابة القرآن ليست بمحدثة فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته ولكنه كان مفرقا في الرقاع وإلاكتاف والعسب، فإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعاً وكان ذلك بمنزلة أوراق. وجدت في بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتشراً فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شي كذا في الإتقان (ج١ص٥٨) (قال زيد) أي ابن ثابت (قال أبوبكر) أي لي بعد أن ذكر الأمر الذي هو توطئة للأمر بالجمع (إنك رجل شاب) أشار إلى نشاطه وقوته وضبطه وإتقانه وحدة نظره وبعده عن النسيان، وإنما قال شاب لأن عمره كان حينئذ ما دون خمس وعشرين سنة، وهي أيام الشاب (عاقل) تعني المراد أشار به إلى غزارة علمه وشدة تحقيقه (لا نتهمك) بتشديد التاء أي لا ندخل عليك التهمة لعدالتك في شي مما تنقله، يقال إتهمه بكذا كافتعله
стр. 3343
وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه. فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قال: قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال! هو والله خير. فلم يزل أبوبكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف
ــ
أدخل عليه التهمة وظنه به، والتهمة بفتح الهاء وسكونها اسم من الاتهام وما يتهم عليه، وأشار به إلى عدم كذبه وإنه صدوق (وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ قال الحافظ: ذكر له أربع صفات مقتضية خصوصيته بذلك كونه شاباً فيكون أنشط لما يطلب منه، وكونه عاقلاً فيكون أوعى له، وكونه لا يتهم فتركن النفس إليه، وكونه كان يكتب الوحي فكون أكثر ممارسة له، وهذه الصفات التي اجتمعت له قد توجد في غيره لكن مفرقة. (فتتبع القرآن) أمر من باب التفعل (فأجمعه) بصيغة الأمر أي جمعاً كلياً في مصحف واحد، وقد كان القرآن كله كتب في العهد النبوي لكن غير مجموع في موضع واحد. (فو الله) أي قال زيد فو الله (لو كلفوني) أي أبوبكر وعمر ومن تبعهما أو بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو المراد به أبوبكر والجمع للتعظيم (نقل جبل من الجبال ما كان) نقله (أثقل علي مما أمرني به) قال الحافظ: كأنه جمع أولاً باعتبار أبي بكر ومن وافقه وأفرد باعتبار أنه الآمر وحده بذلك، ووقع في رواية لو كلفني بالإفراد أيضاً. وإنما قال زيد بن ثابت ذلك لما خشية من التقصير في إحصاء ما أمر بجمعه لكن الله تعالى يسر له ذلك. (قال) أي زيد (قلت) لهم (كيف تفعلون) وفي رواية كيف تفعلان (فلم يزل أبوبكر يراجعني) أي يذكر أبوبكر السبب وأنا أدفعه (فتتبعت القرآن أجمعه) حال من الفاعل أو المفعول أي حال كوني اجمعه وقت التتبع من الأشياء التي عندي وعند غيري (من العسب) بضم المهملتين ثم موحدة جمع عسيب وهو جريد النخل كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض وقيل: العسيب طرف الجريدة العريض الذي لم ينبت عليه الخوص والذي ينبت عليه الخوص هو السعف، ووقع في رواية ابن عيينة عن الزهري القصب والعسب والكرانيف وجرائد النخل، والكرانيف جمع كرناف، وهي أصول سعف النخل تبقى في الجذع بعد قطع السعف من النخلة، ووقع في رواية للبخاري من الرقاع والأكتاف، والرقاع بكسر الراء جمع رقعة، وقد يكون من جلد أو ورق أو كاغذ، والأكتاف جمع كتف وهو العظم العريض الذي يكون في أصل كتف الحيوان كانوا إذا جف كتبوا فيه، وفي رواية وقطع الأديم، وفي رواية ابن أبي داود والصحف (واللخاف) بكسر اللام ثم خاء معجمة خفيفة وأخره فاء جمع لخفة بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وهي الحجر الأبيض الرقيق. وقيل: الخزف. وقال
стр. 3344
وصدور الرجال،
ــ
الخطابي: اللخاف صفائح الحجارة الرقاق، وفي رواية ابن أبي داود والأضلاع وعنده من وجه آخر، والأقتاب بقاف ومثناة وآخره موحدة جمع قتب بفتحتين، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه، وعند ابن أبي داود أيضاً في المصاحف من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قام عمر فقال من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئاً من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب. قال وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان، وهذا يدل على أن زيداً كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوباً حتى يشهد به من تلقاه سماعاً مع كون زيد كان يحفظه وكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط. وعند ابن أبي داود أيضا من طريق هشام بن عروة عن أبيه إن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكم بشاهدين على شي من كتاب الله فاكتباه ورجاله ثقات مع انقطاعه. وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب، أو المراد إنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ ، أو المراد إنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة كما سيأتي لم أجدها مع غيره، لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة. قال السيوطي: أو المراد إنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي ﷺ عام وفاته كما يستفاد مما أخرجه ابن اشته في المصاحف وابن أبي شيبة في فضائله من طريق ابن سيرين عن عبيدة السلماني. قال القراءة التي عرضت على النبي ﷺ في العام الذي قبض فيه هي القراءة التي يقرأها الناس اليوم، وأخرج ابن اشته أيضاً عن ابن سيرين قال كان جبريل يعارض النبي ﷺ كل سنة في شهر رمضان مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه مرتين فيرون أن تكون قراءتنا هذه العرضة الأخيرة. قال البغوي: يقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة. التي بين فيها ما نسخ وما بقي وكتبها للرسول ﷺ وقرأها عليه وكان يقري الناس بها حتى مات ولذلك اعتمده أبوبكر وعمر وجمعه وولاه عثمان كتب المصاحف - انتهى. (وصدور الرجال) أي الحفاظ منهم "والواو" بمعنى مع أي اكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدور. قال القسطلاني: المراد بصدور الرجال الذين جمعوا القرآن وحفظوه في صدورهم كاملاً في حياته ﷺ كأبي بن كعب ومعاذ بن جبل، فيكون ما في الرقاع والأكتاف وغيرها تقريراً على تقرير - انتهى. وقال في اللمعات: قوله "وصدور الرجال" هذا هو الأصل المعتمد ووجدانه من العسب واللخاف وغيرها تقرير على تقرير، وقوله "لم أجدها مع غيره" يعني مكتوبة لا محفوظة، وكذا ما ورد في بعض الروايات إنهم يحلفون من عنده آية من القرآن أو قام على ذلك شاهد إن المراد به التأكيد والتحقيق والمبالغة في الاحتياط
стр. 3345
حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره.
ــ
وإلا فقد كان زيد وعدة من الأصحاب كأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وغيرهم حافظين له في حياته ﷺ ، أقول لا شبهة إن القرآن كان معلوماً بالقطع ومعروفاً عندهم ومتميزاً عما سواه وكان مجمعاً عليه ومقطوعاً به، لا أنه كان مشتبهاً وكان بعضه عند أحد ولا يعرفه آخر أو ينكر كونه قرآناً ويثبت بالحلف والشهادة حاشاً من ذلك وكانوا يبدون عن تأليف معجز ونظم معروف، وقد شاهدوا تلاوته من النبي ﷺ ثلاث وعشرين سنة فكان عن تزوير ما ليس منه مأموناً، وإنما كان الخوف من ذهاب شي من صحفه – انتهى. (حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة) بضم الخاء وفتح الزاء (الأنصاري) النجاري. قال الحافظ: وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد عن الزهري (عن عبيد عن زيد بن ثابت) "مع خزيمة بن ثابت" أخرجه أحمد والترمذي، ووقع في رواية شعيب عن الزهري كما تقدم في سورة التوبة (عند البخاري) "مع خزيمة الأنصاري". وقد أخرجه الطبراني في مسند الشاميين من طريق أبي اليمان عن شعيب فقال فيه "خزيمة بن ثابت الأنصاري". وكذا أخرجه ابن أبي داود من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب وقول من قال عن إبراهيم بن سعد "مع أبي خزيمة" أصح، وقد تقدم البحث فيه في تفسير سورة التوبة وإن الذي وجد معه آخر سورة التوبة غير الذي وجد معه الآية التي في الأحزاب، فالأول اختلف الرواة فيه على الزهري، فمن قائل "مع خزيمة" ومن قائل "مع أبي خزيمة" ومن شاك فيه يقول "خزيمة أو أبي خزيمة" والأرجح إن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أبوخزيمة بالكنية، والذي وجد معه الآية من الأحزاب خزيمة. وأبو خزيمة هذا هو ابن أوس بن زيد بن أصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار مشهور بكنيته لا يعرف اسمه شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وتوفي في خلافة عثمان ﵁ وهو أخو مسعود بن أوس. وقيل: هو الحارث ابن خزيمة وفيه نظر وأما خزيمة فهو ابن ثابت بن الفاكه الخطمي الأنصاري الأوسي يعرف بذي الشهادتين جعل رسول الله ﷺ شهادته كشهادة رجلين يكنى أبا عمارة شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وكانت راية خطمة بيده يوم الفتح شهد صفين مع علي ﵁ وقتل يومئذ سنة سبع وثلاثين، روى عنه ابناه عبد الله وعمارة وجابر بن عبد الله (لم أجدها مع أحد غيره) بالجر على البدلية أي لم أجدها مكتوبة مع غيره لما تقدم من أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها من النبي ﷺ ، وإنما كان زيد يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة، ولعلهم لما وجدها زيد عند أبي خزيمة تذكروها كما تذكرها زيد، وفائدة التتبع المبالغة في الاستظهار والوقوف عند ما كتب بين يدي النبي ﷺ ، ولقد اجتمع في هذه الآية زيد بن ثابت وعمر وأبو خزيمة وأبي بن كعب كما ورد ذلك في
стр. 3346
﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حبوته، ثم عند حفصة بنت عمر)) . رواه البخاري.
٢٢٤٣- (١١) وعن أنس بن مالك، ((إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذر بيجان مع أهل العراق،
ــ
الروايات (لقد جاءكم) بدل من آخر (فكانت الصحف) أي التي جمع فيها زيد بن ثابت القرآن (عند أبي بكر حتى توفاه الله) في موطأ ابن وهب عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال جمع أبوبكر القرآن في قراطيس، وكان سأل زيد بن ثابت في ذلك فأبى حتى استعان عليه بعمر ففعل (ثم عند عمر حياته) أي ثم كانت عند عمر بن الخطاب مدة حياته (ثم عند حفصة بنت عمر) أي ثم بعد عمر كانت عند حفصة بنت عمر في خلافة عثمان إلى أن شرع في كتابة المصحف. وإنما كانت عند حفصة لأن عمر أوصى بذلك فاستمر ما كان عنده عندها إلى أن طلبه منها من له طلب ذلك (رواه البخاري) في تفسير سورة براءة وفضائل القرآن والأحكام والتوحيد. وأخرجه أيضاً أحمد (ج١ص١٠- ١٣) والترمذي في تفسير سورة التوبة، وعزاه في التنقيح للنسائي والطيالسي وابن سعد وابن أبي داود وابن المنذر وابن حبان والطبراني والبيهقي أيضاً.
٢٢٤٣- قوله: (قدم على عثمان) أي المدينة في خلافته (وكان) أي عثمان (يغازي) أي يغزى (أهل الشام) بالنصب على المفعولية (في فتح أرمينية وآذر بيجان مع أهل العراق) أي كان عثمان يجهز أهل الشام وأهل العراق لغزو أرمينية وآذر بيجان وفتحهما. قال الحافظ: إن أرمينية فتحت في خلافة عثمان وكان أمير العسكر من أهل العراق سلمان بن ربيعة الباهلي، وكان عثمان أمر أهل الشام وأهل العراق أن يجتمعوا على ذلك وكان أمير أهل الشام على ذلك العسكر حبيب بن مسلمة الفهري، وكان حذيفة من جملة من غزا معهم وكان هو على أهل المدائن وهي من جملة أعمال العراق. وأرمينية بكسر الهمزة وسكون الراء وكسر الميم بعدها تحتانية ساكنة ثم نون مكسورة ثم تحتانية مفتوحة خفيفة، وقد تثقل. وقال ابن السمعاني: بفتح الهمزة. قال أبوعبيد هي بلد معروف يضم كوراً كثيرة. وقيل: مدينة عظيمة بين بلاد الروم وخلاط. وقال ابن السمعاني: هي من جهة بلاد الروم يضرب بحسنها وطيب هوائها وكثرة مياهها وشجرها المثل. وقيل: إنها من بنا أرمين من ولد يافث بن نوح والنسبة إليها أرمني بفتح الهمزة. قال الرشاطي: افتتحت سنة أربع وعشرين في خلافة عثمان ﵁ على يد سلمان بن ربيعة. وآذر بيجان قال الحافظ: بفتح الهمزة والذال المعجمة وسكون الراء. وقيل: بسكون الذال وفتح الراء وبكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم جيم خفيفة وبعد الألف نون، وحكى ابن مكي كسر أوله
стр. 3347
فافرغ حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان! يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف،
ــ
وضبطها صاحب المطالع ونقله عن ابن الأعرابي بسكون الذال وفتح الراء بلد كبير من نواحي جبال العراق وهي الآن تبريز وقصباتها وهي تلي أرمينية من جهة غربيها واتفق غزوهما في سنة واحدة واجتمع في غزوة كل منهما أهل الشام وأهل العراق والذي ذكرته الأشهر في ضبطها، وقد تمد الهمزة وقد تحذف، وقد تفتح الموحدة، وقد يزاد بعدها ألف مع مد الأولى حكاه الهجري وأنكره الجواليقي – انتهى. وقال الكرماني: الأشهر عند العجم آذر بيجان بالمد والألف بين الموحدة والتحتانية هو بلدة تبريز وقصباتها. وقال القسطلاني: هو اسم اجتمعت فيه خمس موانع من الصرف العجمة والتعريف والتأنيث والتركيب ولحاق الألف والنون وهو إقليم واسع، ومن مشهور مدنه تبريز وهو صقع جليل ومملكة عظيمة (فافزغ) من الافزاغ (حذيفة) بالنصب مفعوله (اختلافهم) بالرفع فاعله أي أوقعه في الفزع والخوف اختلاف أهل العراق وأهل الشام (في القراءة) أي قراءة القرآن وذكر الحافظ هنا روايات توضح ما كان فيهم من الاختلاف حيث قال وقع في رواية فيتنازعون في القرآن حتى سمع حذيفة من اختلافهم ما ذعره. وفي رواية فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة، وفي رواية إن حذيفة قدم من غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان فقال يا أمير المؤمنين! أدرك الناس قال وما ذاك؟ قال غزوت فرج أرمينية فإذا أهل الشام يقرؤن بقراءة أبي بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرؤن بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضاً. وفي رواية إنه سمع رجلاً يقول قراءة عبد الله بن مسعود وسمع آخر يقول قراءة أبي موسى الأشعري فغضب ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: هكذا كان من قبلكم اختلفوا والله لأركبن إلى أمير المؤمنين. وفي رواية إن اثنين اختلفا في آية من سورة البقرة قرأ هذا ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] وقرأ هذا وأتموا الحج والعمرة للبيت فغضب حذيفة وأحمرت عيناه. وفي رواية قال حذيفة يقول أهل الكوفة قراءة ابن مسعود، ويقول أهل البصرة قراءة أبي موسى، والله لئن قدمت على أمير المؤمنين لامرته أن يجعلها قراءة واحدة (أدرك هذه الأمة) أمر من الإدراك بمعنى التدارك، ومعناه بالفارسية درياب أمت راودستكيري كن (قبل أن يختلفوا في الكتاب) أي القرآن (اختلاف اليهود والنصارى) بالنصب أي كاختلافهم في التوراة والإنجيل إلى أن حرفوا وزادوا ونقصوا (فأرسل عثمان إلى حفصة) بنت عمر بن الخطاب (أن أرسلي إلينا بالصحف) التي كان أبوبكر أمر زيداً بجمعها وكانت بعد ما جمعه عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة
стр. 3348
ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف،
ــ
بنت عمر كما تقدم (ننسخها) بالجزم ويرفع أي ننقلها في المصاحف ثم نردها) بضم الدال وفتحها (إليك) والمصاحف جمع مصحف. قيل: الفرق بين الصحف والمصحف إن الصحف هي الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر وكانت سوراً مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم يرتب بعضها أثر بعض فلما نسخت ورتب بعضها أثر بعض صارت مصحفاً. وقد جاء عن عثمان إنه إنما فعل ذلك بعد أن استشار الصحابة فأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال: قال علي لا تقولوا في عثمان إلا خيراً فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأمنا. قال: ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني إن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفراً قلنا: فما ترى قال نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف قلنا فنعم ما رأيت (فأمر) عثمان (زيد بن ثابت) هو الأنصاري والبقية قرشيون وتقدم ترجمة زيد ابن ثابت في (ص١٢٥) من الجزء الأول (وعبد الله بن الزبير) تقدم ترجمته في (ص٦٦٢) من الجزء الأول (وسعيد بن العاص) سبق ترجمته في (ص٣٤٣) من الجزء الثاني (وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة المخزومي المدني له رؤية وكان من كبار ثقات التابعين روى عن أبيه وعمر وعثمان وعلي وأبي هريرة وحفصة وعائشة وأم سلمة وآخرين وروى عنه أولاده أبوبكر وعكرمة والمغيرة والشعبي وآخرون ذكره ابن سعد فيمن أدرك النبي ﷺ ورآه ولم يحفظ عنه شيئاً. قال الواقدي: أحسبه كان ابن عشر سنين حين قبض النبي ﷺ وجزم بذلك مصعب الزبيري. قالت عائشة: كان عبد الرحمن رجلاً سرياً. وقال ابن سعد: كان من أشراف قريش مات أبوه في طاعون عمواس، فخلف عمر بن الخطاب على امرأته فاطمة بنت الوليد بن المغيرة فكان عبد الرحمن في حجره مات سنة ثلاث وأربعين، ووقع في النسخ الحاضرة من المشكاة عبد الله بدل عبد الرحمن وهو غلط (فنسخوها) أي الصحف أي ما في الصحف التي أرسلتها حفصة إلى عثمان (في المصاحف) أي المتعددة في كتاب المصاحف لابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين. قال: جمع عثمان اثنى عشر رجلاً من قريش والأنصار منهم أبي بن كعب، وفي رواية مصعب بن سعد فقال: عثمان من اكتب الناس قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت. قال: فأي الناس أعرب، وفي رواية أفصح قالوا: سعيد بن العاص قال عثمان: فليمل سعيد. وليكتب زيد. ووقع عند أبي داود تسمية جماعة ممن كتب أو أملى، منهم مالك بن أبي عامر جد مالك بن أنس وكثير بن أفلح وأبي بن كعب وأنس بن مالك وعبد الله بن عباس. قال الحافظ بعد ذكرهم: فهؤلاء تسعة عرفنا تسميتهم من الاثنى عشر، وكأن ابتداء الأمر كان لزيد وسعيد للمعنى المذكور
стр. 3349
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شي من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم،
ــ
فيهما في رواية مصعب، ثم احتاجوا إلى من يساعد في الكتابة بحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التي ترسل إلى الآفاق فأضافوا إلى زيد من ذكر ثم استظهروا، بأبي بن كعب في الإملاء، وقد شق على ابن مسعود صرفه عن كتابة المصحف حتى قال ما أخرجه الترمذي في آخر هذا الحديث، إن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، وقال: يا معشر المسلمين: أعزل عن ننسخ كتابة المصاحف ويتولاها رجل، والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت. وأخرج ابن أبي داود من طريق خمير بن مالك سمعت ابن مسعود يقول: لقد أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان، ومن طريق أبي وائل عن ابن مسعود بضعاً وسبعين سورة، والعذر لعثمان في ذلك إنه فعله بالمدينة وعبد الله بالكوفة ولم يؤخر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر، وأيضاً فإن عثمان إنما أراد نسخ الصحف التي كانت جمعت في عهد أبي بكر وأن يجعلها مصحفاً واحدا، وكان الذي نسخ ذلك في عهد أبي بكر هو زيد بن ثابت كما تقدم لكونه كان كاتب الوحي، فكانت له في ذلك أولية ليست لغيره. وقد أخرج الترمذي في آخر الحديث المذكور عن ابن شهاب قال بلغني إنه كره ذلك من مقالة عبد الله بن مسعود رجال من أفاضل الصحابة – انتهى كلام الحافظ. (وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة) يعني عبد الله وسعيد أو عبد الرحمن لأن الأول أسدى، والثاني أموي، والثالث مخزومي، وكلها من بطون قريش (في شي من القرآن) وفي رواية في عربية من عربية القرآن، وزاد الترمذي في روايته. قال ابن شهاب: فاختلفوا يومئذ في التابوت، والتابوه، فقال القرشييون التابوت وقال زيد التابوه، فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال اكتبوه التابوت، فإنه نزل بلسان قريش (فإنما نزل بلسانهم) أي لغة قريش. قال القاضي أبوبكر بن الباقلاني: معنى قول عثمان نزل القرآن بلسان قريش أي معظمه وإنه لم تقم دلالة قاطعة إن جميعه بلسان قريش فإن ظاهر قوله تعالى: ﴿إن جعلناه قرآناً عربياً﴾ [الزخرف: ٣] إنه نزل بجميع السنة العرب، ومن زعم أنه أراد مضر دون ربيعة أو هما دون اليمن أو قريشاً دون غيرهم فعليه البيان، لأن اسم العرب يتناول الجميع تناولاً واحداً ولو ساغت هذه الدعوى لساغ للآخر أن يقول نزل بلسان بني هاشم مثلاً، لأنهم أقرب إلى النبي ﷺ نسباً من سائر قريش. وقال أبوشامة: يحتمل أن يكون قوله: "نزل بلسان قريش" أي ابتداء نزوله ثم أبيح أن يقرأ بلغة غيرهم. كما تقدم تقريره في شرح حديث نزل القرآن على سبعة أحرف – انتهى. وتكملته أن يقال إنه نزل أولاً بلسان قريش أحد الحروف السبعة، ثم نزل بالأحرف السبعة المأذون في قراءتها تسهيلاً وتيسيراً كما سبق بيانه، فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد رأى
стр. 3350
ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق
بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
ــ
أن الحرف الذي نزل القرآن أولاً بلسانه أولى الأحرف فحمل الناس عليه لكونه لسان النبي ﷺ ولما له من الألوية المذكورة (ففعلوا) ذلك كما أمرهم. قال القاري: فإن قيل فلم أضاف عثمان هؤلاء النفر إلى زيد ولم يفعل ذلك أبوبكر قلت كان غرض الصديق جمع القرآن بجميع أحرفه ووجوهه التي نزل بها، وذلك على لغة قريش وغيرها، وكان غرض عثمان تجريد لغة قريش من تلك القراءات فجمع أبي بكر غير جمع عثمان، فإن قيل فما قصد بإحضار تلك الصحف؟ وقد كان زيد ومن أضيف إليه حفظة قلت: الغرض بذلك سد باب المقال وأن يزعم زاعم إن في المصحف قرآناً لم يكتب ولئلا يرى إنسان فيما كتبوه شيئاً مما لم يقرأ به فينكره فالصحف شاهدة بصحة جميع ما كتبوه (حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة) فكانت عندها حتى توفيت فأخذها مروان حين كان أميراً على المدينة من قبل معاوية فأمر بها فشققت. وقال إنما فعلت هذا لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب، رواه ابن أبي داود وغيره، ووقع في رواية فشقها وحرقها، وفي أخرى فغسلها غسلاً. قال الحافظ: ويجمع بأنه صنع بالصحف جميع ذلك من تشقيق ثم غسل ثم تحريق، ويحتمل أن يكون خرقها بالخاء المعجمة فيكون مزقها ثم غسلها (وأرسل إلى كل أفق) بضمتين أي ناحية ويجمع على آفاق (بمصحف مما نسخوا) وفي رواية فأرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف، واختلف في عدة المصاحف التي اكتبتها عثمان، فالمشهور إنها خمسة أرسل منها أربعة وأمسك واحداً. وقال الداني في المقنع: أكثر العلماء إنها أربعة أرسل واحداً للكوفة، وآخر للبصرة. وآخر للشام، وترك واحداً عنده. وقال أبوحاتم السجستاني: فيما رواه عنه ابن أبي داود كتبت سبعة مصاحف إلى مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة وحبس بالمدينة واحداً (وأمر بما سواه) أي بما سوى المصحف الذي استكبته والمصاحف التي نقلت منه وسوى الصحف التي كانت عند حفصة وردها إليها، ولهذا استدرك مروان الأمر بعدها وأعدمها أيضاً خشية أن يقع لأحد منهم توهم أن فيها ما يخالف المصحف الذي استقر الأمر عليه كما تقدم (من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) بسكون الحاء المهملة وفتح الراء، ولأبي ذر عن الحموي والمستلي يحرق بفتح المهملة وتشديد الراء مبالغة في إذهابها وسداً لمادة الاختلاف. ووقع في رواية سويد ابن غفلة عن علي قال لا تقولوا لعثمان في إحراق المصاحف إلا خيراً، ومن طريق مصعب بن سعد قال أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك، أو قال لم ينكر ذلك منهم أحد. قال ابن بطال: في هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار، وإن ذلك إكرام لها وصون عن وطئها بالأقدام. وقد
стр. 3351
قال ابن شهاب: فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: أنه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف،
ــ
أخرج عبد الرزاق من طريق طاوس إنه كان يحرق الرسائل التي فيها البسملة إذا اجتمعت، وكذا فعل عروة وكرهه إبراهيم. وقال ابن عطية: هذا أي التحريق كان في ذلك الوقت وأما الآن فالغسل أولى إذا دعت الحاجة إلى إزالته. قال العيني: وقال أصحابنا الحنفية إن المصحف إذا بلى بحيث لا ينتفع به يدفن في مكان طاهر بعيد عن وطء الناس. وقال القاري: يتعين الغسل بل ينبغي أن يشرب ماءه. قال شيخنا في شرح الترمذي بعد نقل كلام العيني: لو تأملت عرفت أن الاحتياط هو في الإحراق دون الدفن ولهذا اختار عثمان ﵁ ذلك دون هذا والله تعالى أعلم. قلت: وإحراقه بقصد صيانته بالكلية لا امتهان فيه بوجه بل فيه دفع سائر صور الإهانة فهو الأولى بل المتعين، وأما القول بتعين الغسل ففساده ظاهر مع أنه لا يمكن في الأوراق المطبوعة كما لا يخفى. قال البغوي في شرح السنة: في هذا الحديث البيان الواضح إن الصحابة ﵃ جمعوا بين الدفتين القرآن المنزل من غير أن يكونوا زادوا أو نقصوا منه شيئاً باتفاق منهم من غير أن يقدموا شيئاً أو يؤخروه بل كتبوه في المصاحف على الترتيب المكتوب في اللوح المحفوظ بتوقيف جبريل ﵇ على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية بموضعها وأين تكتب. وقال أبوعبد الرحمن السلمي: كان قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، وهي التي قرأها النبي ﷺ على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان زيد شهد العرضة الأخيرة وكان يقري الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده الصديق في جمعه وولاه عثمان كتبة المصاحف. قال السفاقسي: فكان جمع أبي بكر خوف ذهاب شي من القرآن بذهاب حملته إذ أنه لم يكن مجموعاً في موضع واحد وجمع عثمان لما كثر الاختلاف في وجوه قراءته حين قرؤا بلغاتهم حتى أدى ذلك إلى تخطيئة بعضهم بعضاً، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مقتصراً من اللغات على لغة قريش إذ هي أرجحها كذا في شرح البخاري للقسطلاني (قال ابن شهاب) أي الزهري وهذه القصة موصولة بالإسناد الذي روى به الحديث الأول أي قصة جمع عثمان ونسخه القرآن في المصاحف. وقد رواها البخاري موصولة مفردة في الجهاد، وفي المغازي في باب غزوة أحد وفي تفسير سورة الأحزاب (فأخبرني) هذا لأبي ذر ولغيره وأخبرني بالواو (خارجة بن زيد بن ثابت) الأنصاري النجاري أبوزيد المدني من كبار ثقات التابعين أدرك زمن عثمان وسمع أباه وغيره من الصحابة وهو أحد فقهاء المدينة السبعة روى عنه الزهري وغيره مات سنة مائة وقيل: سنة تسع وتسعين (إنه سمع) أباه (زيد بن ثابت قال فقدت) بفتح القاف (آية من الأحزاب حين نسخنا) أي أنا والقرشيون الثلاثة (المصحف) أي المصاحف في زمن عثمان
стр. 3352
قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ فألحقناها في سورتها في المصحف.
ــ
لا في زمن أبي بكر لأن الذي فقده في خلافة أبي بكر الآيتان من آخر سورة براءة (قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها) قال الحافظ: هذا يدل على أن زيداً لم يكن يعتمد في جمع القرآن على علمه ولا يقتصر على حفظه لكن فيه إشكال لأن ظاهره إنه اكتفى مع ذلك بخزيمة وحده، والقرآن إنما يثبت بالتواتر والذي يظهر في الجواب إن الذي أشار إليه أن فقده فقد وجودها مكتوبة لا فقد وجودها محفوظة عنده وعند غيره. ويدل على هذا قوله في حديث جمع القرآن فأخذت اتتبعه من الرقاع والعسب - انتهى. (فالتمسناها) أي طلبناها (مع خزيمة) بضم الخاء وفتح الزاي المعجمتين (بن ثابت) بن الفاكه (الأنصاري) الخطمي الأوسي المعروف بذي الشهادتين من كبار الصحابة شهد بدراً مع علي يوم صفين، فلما قتل عمار بن ياسر جرد سيفه فقاتل حتى قتل، وتقدم شي من ترجمته في شرح حديث زيد بن ثابت، وهو غير أبي خزيمة بالكنية الذي وجد معه آخر التوبة كما بين هناك. ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الزخرف: ٢٣] من الثبات مع النبي ﷺ والمراد إلى آخر الآية (فألحقناها في سورتها في المصحف) قال القاري: فيه إشكال وهو إنه بظاهره يدل على أن تلك الآية ما كانت موجودة في الصحف (أي الأولى التي كتبت في الجمع الأول جمع أبي بكر) وإنما كتبت في المصحف بعد ذلك (أي زمن في عثمان) وهذا مستبعد جداً، فالصواب أن يراد بالمصحف الصحف التي كتبت في الجمع الأول ويكون ضمير المتكلم بالنون تعظيماً – انتهى. قلت: قد وقع في نسخة القسطلاني من صحيح البخاري الصحف بدل المصحف. قال القسطلاني: قوله "في الصحف" بضم الصاد من غير ميم في الفرع، والذي في اليونينة بالميم انتهى. ويؤيد ذلك ما وقع في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن ابن شهاب إن فقده آية الأحزاب إنما كان في خلافة أبي بكر، وقد جزم بذلك ابن كثير لكن هذا كله يخالف ما حققه الحافظ في الفتح، حيث قال تحت هذا الحديث: ظاهر حديث زيد بن ثابت هذا إنه فقد آية الأحزاب من الصحف التي كان نسخها في خلافة أبي بكر حتى وجدها مع خزيمة بن ثابت. ووقع في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع إن فقده إياها إنما كان في خلافة أبي بكر وهو وهم منه، والصحيح ما في الصحيح وإن الذي فقده في خلافة أبي بكر الآيتان من آخر براءة. وأما التي في الأحزاب ففقدها لما كتب المصحف في خلافة عثمان، وجزم ابن كثير بما وقع في رواية ابن مجمع وليس كذلك والله أعلم – انتهى. وتأول الحديث بعضهم بوجه يرتفع به الإشكال الذي أبداه القاري إذ قال إن زيد بن ثابت قد التزم في كتابته الأولى أي في جمعه القرآن وكتابته في الصحف في عهد أبي بكر أن يسمع الآية من جماعة من الحفاظ ويجدها مكتوبة عند اثنين، ولا يكتفي
стр. 3353
رواه البخاري.
٢٢٤٤- (١٢) وعن ابن عباس، قال: قلت لعثمان: ((ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني،
ــ
بمجرد الحفظ دون الكتابة ولا بمجرد وجدانها مكتوبة عند واحد إلا أنه لم يجد آخر سورة براءة مكتوباً إلا عند أبي خزيمة وإن كان قد سمعه من جماعة من الحفاظ وكان يحفظه بنفسه أيضاً، ووقع مثل هذا التفرد حين كتبت الصحف في المصاحف في عهد عثمان، وكان هذا التفرد في آية ﴿من المؤمنين رجال﴾ الآية وكان زيد قد التزم في كتابته الثانية أيضاً مثل ما التزمه في الأولى مع أمر زائد، وهو العرض والمقابلة مع الصحف التي كتبت أولاً أي في عهد أبي بكر فاتفق أنه لم يجد آية ﴿من المؤمنين رجال﴾ مكتوبة عند اثنين وإن كانت مكتوبة في المصحف ومحفوظة في صدور الرجال والله أعلم (رواه البخاري) في باب جمع القرآن من فضائل القرآن. وأخرجه أيضاً الترمذي في تفسير سورة التوبة والبيهقي (ج٢ص٤١، ٤٢) ونسبه في التنقيح للنسائي وابن سعد وابن أبي داود وابن الأنباري والبيهقي وابن حبان أيضاً، تنبيه قال ابن التين وغيره: الفرق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان: إن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب من القرآن شي بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعاً في موضع واحد فجمعه في صحائف مرتباً لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ . وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرؤه بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتباً لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجاً بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر فرأى إن الحاجة إلى ذلك انتهت فاقتصر على لغة واحدة، وكانت لغة قريش أرجح اللغات فاقتصر عليها. وقال الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس إن جامع القرآن عثمان وليس كذلك إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينة وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق وقد قال علي لو وليت لعملت بالمصاحف التي عمل بها عثمان كذا في الإتقان.
٢٢٤٤- قوله: (قلت لعثمان) بن عفان (ما حملكم) أي ما الباعث لكم (على أن عمدتم) بفتح الميم أي قصدتم، وهذا لفظ أحمد، وعند الترمذي وأبي داود ما حملكم إن عمدتم أي بدون علي (إلا الأنفال) أي سورة الأنفال (وهي من المثاني) المثاني من القرآن ما كان من سوره أقل من المئين، فإنهم قسموا القرآن إلى أربعة
стр. 3354
وإلى براءة، وهي من المائين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ووضعتموها في السبع الطول؟ ما حملكم على ذلك؟
ــ
أقسام وجعلوا لكل قسم منه اسماً، فقالوا أول القرآن السبع الطول، ثم ذوات المئين أي ذوات مائة آية ونحوها، ثم المثاني ثم المفصل. والسبع الطول هي من البقرة إلى الأعراف ست سور، واختلف في السابعة فقيل الفاتحة عدت منها مع قصرها لكثرة معانيها. وقيل: مجموع الأنفال وبراءة فهما كالسورة الواحدة، ولذا لم يفصل بينهما ببسملة وسيأتي مزيد الكلام في ذلك، ويقال للقسم الثاني المئون أيضاً، وسميت بذلك لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها وهي إحدى عشرة سورة، والمثاني ما لم يبلغ مائة آية وهي عشرون سورة سميت بذلك لأنها ثنت المئين أي كانت بعدها فهي لها ثوان والمئون لها أوائل. قال في النهاية: المثاني السورة التي تقصر عن المئين وتزيد على المفصل كان المئين جعلت مبادى والتي تليها مثاني – انتهى. ويسمى جميع القرآن مثاني لاقتران آية الرحمة بآية العذاب. وقيل لأن فيه بيان القصص الماضية فهو ثان لما تقدمه. وقيل: لتكرار القصص والمواعظ فيه. وقيل: لغير ذلك وتسمى الفاتحة مثاني أي لأنها تثني في الصلاة. وقيل لغير ذلك وقد بسطه في الإتقان (ج١ص٥٣) فراجعه إن شئت وأما المفصل فسمي بذلك لكثرة الفصول التي بين السور بالبسملة. وقيل: لقلة المنسوخ منه، ولهذا يسمى بالمحكم أيضاً (وإلى براءة) هي سورة التوبة وهي أشهر أسماءها، ولها أسماء أخرى تزيد على العشرة ذكرها السيوطي في الإتقان (ج١ص٥٤) (وهي من المئين) لكونها مائة وثلاثين آية والمئين جمع المائة، وأصل المائة مائي كمعي والهاء عوض عن الياء، وإذا جمعت المائة قلت مئون ولو قلت مآت جاز (فقرنتم بينهما) أي جمعتموهما (ووضعتموها) كذا وقع في رواية أحمد والترمذي، ولأبي داود فجعلتموهما بضمير التثنية وفي بعض النسخ من سنن أبي داود فجعلتموها أي بضمير الوحدة، فضمير التثنية بإعتبار إنهما سورتان وضمير الوحدة بإعتبار أنهما سورة واحدة من حيث المعنى والقصة (في السبع الطول) بضم ففتح قال ابن الأثير: جمع الطولي مثل الكبر في الكبرى وهذا البناء يلزمه الألف واللام والإضافة وهذا عند الترمذي وأبي داود وفي رواية أحمد الطوال أي بكسر الطاء وبالألف بعد الواو (ما حملكم على ذلك) تكرير للتأكيد. قال القاري: توجيه السؤال إن الأنفال ليست من السبع الطول لقصرها عن المئين، لأنها سبع وسبعون آية وليست غيرها لعدم الفصل بينها وبين براءة. قلت: المراد بقول ابن عباس إن الأنفال سورة قصيرة من المثاني أي السورة التي لا تبلغ آيها مائة لأنها سبع وسبعون آية فجعلتموها داخلة السبع الطول، وبراءة سورة طويلة لأنها مائة وثلاثون آية فينبغي لها أن تكون من الطول فجعلتموها من المئين، ثم بعد تقدير هذا الجعل لم تكتبوا بينهما سطر ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فكأنه سأل سؤالين وأجاب عثمان بما حاصله إنه وقع الاشتباه في أمر هاتين
стр. 3355
قال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان، وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه شي دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا. فإذا نزلت عليه الآية فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا.
ــ
السورتين، فإنه يحتمل أن تكونا سورة واحدة، وعلى هذا فيصح وضعها في السبع الطول، وعدم كتابة البسملة بينهما ويحتمل أن تكونا سورتين فصح وضع الفاصلة بينهما بالبياض لمكان الاشتباه والاحتمال لعدم القطع بكونهما سورة واحدة فافهم (كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان) أي الزمان الطويل ولا ينزل عليه شي وربما يأتي عليه الزمان (وهو) أي النبي ﷺ والواو للحال (ينزل عليه) بصيغة المجهول وذكره الجزري بلفظ التأنيث فيكون معلوماً (السور) كذا للترمذي وعند أحمد من السور (ذوات العدد) صفة للسور على الروايتين أي السور للتعددة أو ذوات الآيات المتعددة (وكان إذا نزل عليه شي) في جامع الترمذي فكان إذا نزل عليه الشي، ولأحمد وكان إذا أنزل عليه الشي أي من القرآن (دعا بعض من كان يكتب) أي الوحي وهذا لفظ الترمذي، وعند أحمد يدعوا بعض من يكتب عنده، ولفظ أبي داود كان النبي ﷺ مما تنزل عليه الآيات فيدعوا بعض من كان يكتب له (فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا فإذا نزلت عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) هذا لفظ الترمذي، ووقع عند أحمد ذكر الأمر بالوضع ثلاث مرات. وهذا زيادة جواب تبرع به ﵁ للدلالة على أن ترتيب الآيات توقيفي وعليه الإجماع والنصوص المترادفة. أما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان وأبو جعفر بن الزبير في مناسبته، وعبارته ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ ، وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين – انتهى. وأما النصوص الدالة على ذلك تفصيلاً أو إجمالاً فقد سردها السيوطي في الإتقان (ج١ص٦٠، ٦١) وأما ترتيب السورة على ما هو عليه الآن فهل هو توقيفي أيضاً أو هو باجتهاد من الصحابة ففيه خلاف فذهب طائفة من العلماء إلى الثاني منهم مالك والقاضي أبوبكر في أحد قوليه وابن فارس وذهب جماعة إلى الأول منهم القاضي في أحد قوليه وأبو بكر بن الأنباري والبغوي وأبو جعفر النحاس وابن الحصار والكرماني والطيبي إن شئت الوقوف على أقوال هؤلاء وعلى النصوص التي احتجوا لما ذهبوا إليه فارجع إلى الإتقان (ج١ص٦٢، ٦٣) قال الزركشي في البرهان: والخلاف بين الفريقين لفظي، لأن القائل بالثاني يقول إنه رمز إليهم ذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته ولهذا قال مالك: إنما الفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي
стр. 3356
وكانت الأنفال من أوائل ما نزلت بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً، وكانت قصتها شبيهة بقصتها،
ــ
ﷺ مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قولي أو بمجرد إسناد فعلي بحيث يبقى لهم فيه مجال للنظر وسبقه إلى ذلك أبوجعفر بن الزبير. وقال البيهقي في المدخل: كان القرآن على عهد النبي ﷺ مرتباً سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان يعني الذي نحن في شرحه ومال السيوطي إلى قول البيهقي حيث قال في الإتقان (ج١ص٦٣) بعد بسط الخلاف وسرد أقوال العلماء في ذلك والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي، وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال – انتهى. والقول الراجح المعول عليه عندنا هو ما ذهب إليه البغوي وابن الأنباري والكرماني وغيرهم إن ترتيب المصحف على ما هو عليه الآن تولاه النبي ﷺ كما أخبر به جبرئيل عن أمر ربه فجميع السور ترتيبها توقيفي، وكل ما يدل على خلاف هذا فهو مدفوع، وحديث ابن عباس الذي نحن في شرحه مدخول أيضاً كما ستعرف (وكانت الأنفال من أوائل ما نزلت) كذا عند الترمذي، ولأحمد ما أنزل أي من الإنزال ولأبي داود من أول ما نزل عليه (بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً) كذا في جميع النسخ الحاضرة من المشكاة بزيادة نزولاً بعد لفظ القرآن، وهكذا ذكره الجزري في جامع الأصول (ج٢ص٢٣٢) والسيوطي في الإتقان (ج١ص٦٠) والشوكاني في فتح القدير (ج٢ص٣١٦) وكذا وقع في رواية البيهقي (ج٢ص٤٢) ولم يقع هذا اللفظ عند أحمد والترمذي ولا ذكره الحافظ في الفتح، ولفظ أبي داود وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن. قال القاري: أي فهي مدنية أيضاً وبينهما النسبة الترتيبية بالأولية والآخرية، فهذا أحد وجوه الجمع بينهما، ويؤيده ما وقع في رواية بعد ذلك فظننت أنها منها، وكأن هذا مستند من قال إنهما سورة واحدة وهو ما أخرجه أبوالشيخ عن دوق وأبويعلى عن مجاهد وابن أبي حاتم عن سفيان وابن لهيعة كانوا يقولون: إن براءة من الأنفال ولهذا لم تكتب البسملة بينهما مع اشتباه طرقها، ورد بتسمية النبي ﷺ لكل منها باسم مستقل قال القشيري: الصحيح إن التسمية لم تكن فيها لأن جبريل ﵇ لم ينزل بها فيها، وعن ابن عباس لم تكتب البسملة في براءة لأنها أمان وبراءة نزلت بالسيف وعن مالك إن أولها لما سقط سقطت معه البسملة، فقد ثبت إنها كانت تعدل البقرة لطولها. وقيل: إنها ثابتة أولها في مصحف ابن مسعود ولا يعول على ذلك - انتهى. قلت: قوله "فظننت أنها منها" ثابت في هذه الرواية عند الثلاثة الذين عزى إليهم – الحديث. وكذا عند الحاكم والبيهقي، والظاهر إن المصنف تبع في ذلك الجزري حيث ذكر هذا الحديث في جامع الأصول بدون تلك الجملة (وكانت قصتها) أي الأنفال (شبيهة بقصتها)
стр. 3357
فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم اكتب السطر ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ووضعتها في السبع الطول)) . رواه أحمد، والترمذي، وأبوداود.
ــ
أي براءة ويجوز العكس قاله القاري. قلت: في رواية ابن حبان فوجدت قصتها شبيهاً بقصة الأنفال وهذا وجه آخر معنوي، ولعل وجه كون قصتها شبيهة بقصتها إن في الأنفال ذكر العهود، وفي البراءة نبذها فضمت إليها (ولم يبين لنا أنها منها) أي لم يبين لنا رسول الله ﷺ إن التوبة من الأنفال أو ليست منها (فمن أجل ذلك) أي لما ذكر من عدم تبيينه ووجود ما ظهر لنا من المناسبة بينهما (قرنت بينهما ولم اكتب) أي بينهما وسقط هذا اللفظ في جميع النسخ من المشكاة وهو ثابت عند الثلاثة، والمصنف تبع في ذلك الجزري (سطر بسم الله الرحمن الرحيم) أي لعدم العلم بأنها سورة مستقلة لأن البسملة كانت تنزل عليه ﷺ للفصل ولم تنزل ولم اكتب (ووضعتها في السبع الطول) أي ولكن فصلت بينهما بسطر لا كتابة فيه للاشتباه في أمرهما. قال الطيبي: دل هذا الكلام على أنهما نزلتا منزلة سورة واحدة وكمل السبع الطول بها. قلت: حاصل الكلام هنا إن ترك البسملة لعدم الجزم بكونهما سورتين، وجعل الفرجة والفصل بينهما بالبياض لعدم الجزم بكونهما سورة واحدة، وأما الوضع في الطول فلأنهما إن كانتا سورتين فلا بأس في وضعهما هناك. فقد تخلل بعض المئين في المثاني كسورة الرعد وسورة إبراهيم، وإن كانتا سورة واحدة فهي في محلها بخلاف ما لو وضعتها في المثاني، فإن وضعها ثمة لم يكن مناسباً فلذلك أخرتها عن الست الطوال وقدمتها على المئين لأجل الاشتباه. ثم قيل: السبع الطول هي البقرة وبراءة وما بينهما وهو المشهور، ولكن روى النسائي والحاكم عن ابن عباس إنها البقرة والأعراف وما بينهما. قال الراوي: وذكر السابعة فنسيتها وهو يحتمل أن تكون الفاتحة فإنها من السبع المثاني أو هي السبع المثاني ونزلت سبعتها منزلة المئين، ويحتمل أن تكون الأنفال بإنفرادها أو بانضمام ما بعدها إليها، وصح عن ابن جبير إنها يونس، وجاء مثله عن ابن عباس ولعل وجهه إن الأنفال وما بعدها مختلف في كونها من المثاني، وإن كلا منهما سورة أو هما سورتان كذا في المرقاة. قال الحافظ: هذا الحديث يدل على أن ترتيب الآيات في كل سورة كان توقيفاً، ولما لم يفصح النبي ﷺ بأمر براءة أضافها عثمان إلى الأنفال اجتهاداً منه رضي الله تعالى عنه. يعني فيكون دليلا على أن ترتيب بعض السور كان من اجتهاد الصحابة، لا بتوقيف النبي ﷺ ، لكن الحديث ليس مما يصلح أن يؤخذ به في ترتيب القرآن الذي يطلب فيه التواتر (رواه أحمد) (ج١ص٥٧) (والترمذي) في تفسير سورة التوبة (وأبوداود) في باب من جهر ببسم الله الرحمن الرحيم من كتاب الصلاة، وأخرجه أيضاً الحاكم (ج٢ص٢٢١- ٣٣٠) والبيهقي (ج٢ص٤٢) وابن حبان (ج١ص١٨٦، ١٨٧) وابن أبي داود في كتاب المصاحف (ص٣١، ٣٢) كلهم من طريق عوف بن أبي جميلة عن يزيد الفارسي عن ابن
стр. 3358
عباس ونسبه السيوطي أيضاً في الدر المنثور (ج٣ص٧٠) لابن أبي شيبة والنسائي وابن المنذر وابن الأنباري وأبي عبيد وغيرهم. والحديث قد حسنه الترمذي. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وسكت عليه أبوداود. وقال المنذري في مختصر السنن: أخرجه الترمذي. وقال هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس، ويزيد الفارسي قد روى عن ابن عباس غير حديث. ويقال هو يزيد بن هرمز وهذا الذي حكاه الترمذي هو الذي قاله عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وذكر غيرهما إنهما اثنان، وإن الفارسي غير ابن هرمز، وإن ابن هرمز ثقة، والفارسي لا بأس به - انتهى كلام المنذري. قلت: يزيد بن هرمز من رجال مسلم متفق على توثيقه، ويزيد الفارسي من رجال السنن، قال أبوحاتم عنه: لا بأس به كما في التهذيب (ج١١ص٣٧٤) وقال في التقريب: إنه مقبول. ونقل الحافظ حديث ابن عباس هذا في الفتح (ج٢٠ص٤٣٧) في معرض الاحتجاج به على كون ترتيب الآيات في كل سورة توقيفاً وكون ترتيب بعض سور القرآن من اجتهاد الصحابة، وهذا يدل على أن الحديث حسن أو صحيح عنده، وعليه يدل صنيع البيهقي في المدخل والسيوطي في الإتقان كما سبق، وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير وفي فضائل القرآن ولم يتكلم فيه، وكذا نقله الشوكاني في تفسيره من غير كلام فيه، ولم أجد أحداً من العلماء المتقدمين والمتأخرين إنه ضعفه أو أشار إلى ضعفه غير أن البخاري ذكر يزيد الفارسي، هذا في كتاب الضعفاء الصغير (ص٣٧) وضعف الحديث جداً العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر وبسط الكلام في ذلك، ولنورد كلامه فإنه مهم جداً. والمسألة تحتاج إلى عناية كبيرة فإن هذا الحديث مما يتطرق به المستشرقون وعبيدهم المتفرنجون إلى الطعن والتشكيك في ثبوت القرآن وترتيبه، فإن التواتر المعلوم من الدين بالضرورة إن القرآن بلغه رسول الله ﷺ لأمته سوراً معروفة مفصلة مبينة مواضعها، يفصل بين كل سورتين منها بالبسملة إلا في أول براءة، لأن جبريل لم ينزل بها فيها ليس لعثمان ﵁ ولا لغيره أن يرتب فيه شيئاً، ولا أن يبين موضع سورة أو يثبت البسملة ويتركها برأيه. قال العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في شرح المسند (ج١ص٣٢٩، ٣٣٠) تحت هذا الحديث: "في إسناده نظر كثير بل هو عندي ضعيف جداً بل هو حديث لا أصل له يدور إسناده في كل رواياته على يزيد الفارسي الذي رواه عن ابن عباس تفرد به عنه عوف بن أبي جميلة وهو ثقة، قال: ويزيد الفارسي هذا اختلف فيه أهو يزيد بن هرمز أم غيره؟ قال البخاري في التاريخ الكبير: قال لي علي قال عبد الرحمن: يزيد الفارسي هو ابن هرمز، قال: فذكرته ليحيي فلم يعرفه قال وكان يكون مع الأمراء" وفي تهذيب التهذيب" قال ابن أبي حاتم: اختلفوا هل هو يعني ابن هرمز يزيد الفارسي أو غيره، فقال ابن مهدي وأحمد: هو ابن هرمز وأنكر يحيى بن سعيد القطان أن يكونا واحداً، وسمعت أبي يقول يزيد بن هرمز هذا ليس بيزيد الفارسي هو سواه" وذكر البخاري أيضاً في كتاب الضعفاء الصغير (ص٣٧) وقال نحواً من قوله في التاريخ الكبير: فهذا يزيد الفارسي الذي انفرد
стр. 3359
برواية هذا الحديث يكاد يكون مجهولاً حتى شبه على مثل ابن مهدي وأحمد والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو غيره، ويذكره البخاري في الضعفاء فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعي قراءة وسماعاً وكتابة في المصاحف، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه وحاشاه من ذلك فلا علينا إذا قلنا إنه "حديث لا أصل له" تطبيقاً للقواعد الصحيحة التي لا خلاف فيها بين أئمة الحديث. قال السيوطي في تدريب الراوي (ص٩٩) في الكلام على إمارات الحديث الموضوع أن "يكون منافياً لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي". وقال الحافظ في شرح النخبة": ومنها ما يؤخذ من حال المروي كأن يكون مناقضاً لنص القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي". وقال الخطيب في كتاب الكفاية: (ص٤٣٢) "ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل وحكم القرآن الثابت المحكم والسنة المعلومة والفعل الجاري مجرى السنة وكل دليل مقطوع به" وكثيراً يضعف أئمة الحديث راوياً لإنفراده برواية حديث منكر يخالف المعلوم من الدين بالضرورة، أو يخالف المشهور من الروايات فأولى أن نضعف يزيد الفارسي هذا بروايته هذا الحديث منفرداً به إلى أن البخاري ذكره في الضعفاء، وينقل عن يحيى القطان أنه كان يكون مع الأمراء ثم بعد كتابة ما تقدم وجدت الحافظ ابن كثير نقل هذا الحديث في التفسير، وفي كتاب فضائل القرآن المطبوع آخر التفسير، ووجدت أستاذنا العلامة السيد محمد رشيد رضا رحمة الله عليه علق عليه في الموضعين. فقال في الموضع الأول بعد الكلام على يزيد الفارسي": فلا يصح أن يكون ما انفرد به معتبراً في ترتيب القرآن الذي يطلب فيه التواتر". وقال في الموضع الثاني: "فمثل هذا الرجل لا يصح أن تكون روايته التي انفرد بها مما يؤخذ به في ترتيب القرآن المتواتر" وهذا يكاد يوافق ما ذهبنا إليه فلا عبرة بعد هذا كله في هذا الموضع بتحسين الترمذي، ولا بتصحيح الحاكم، ولا بموافقة الذهبي، وإنما العبرة للحجة والدليل والحمد لله على التوفيق – انتهى كلامه باختصار يسير.
стр. 3360
(٩) كتاب الدعوات
ــ
(٩) (كتاب الدعوات) بفتح الدال والعين المهملتين، جمع دعوة بفتح أوله، وهو مصدر يراد به الدعاء وهو هنا السؤال، يقال دعوت الله أي سألته. قال القاري: الدعوة بمعنى الدعاء وهو طلب الأدنى بالقول من الأعلى شيئاً على جهة الاستكانة - انتهى. وقال الشيخ أبوالقاسم القشيري في شرح الأسماء الحسنى ما ملخصه: جاء الدعاء في القرآن على وجوه، منها العبادة ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾ [يونس: ١٠] ومنها الاستغاثة ﴿وادعوا شهداءكم﴾ [البقرة: ٢٣] ومنها السؤال ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] ومنها، القول دعواهم فيها ﴿سبحانك اللهم﴾ [يونس: ١٠] والنداء ﴿يوم يدعوكم﴾ [الإسراء: ٥٢] والثناء ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ [الإسراء: ١١٠] اعلم أن الدعاء والتضرع من أشرف أنواع الطاعات وأفضل العبادات أمر الله تعالى به عباده فضلاً وكرماً وتكفل لهم بالإجابة، وحكى القشيري في الرسالة، الخلاف في المسألة فقال: اختلف الناس في أن الأفضل الدعاء أم السكوت والرضا؟ فمنهم من قال الدعاء في نفسه عبادة قال ﷺ الدعاء هو العبادة، وقال الدعاء مخ العبادة، فالإتيان بما هو عبادة أولى من تركها ثم هو حق الحق فإن لم يستحب للعبد ولم يصل إلى حظ نفسه فلقد قام بحق ربه، لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية. قال الحافظ: وهذا القول هو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة الواردة في الحث عليه ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار وقالت طائفة: السكوت والخمود تحت جريان الحكم أتم والرضا بما سبق به القدر أولى لما في التسليم من الفضل. قال الحافظ: وشبهتهم أن الداعي لا يعرف ما قدر له فدعاءه إن كان على وقف المقدور فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاندة. والجواب عن الأول إن الدعاء من جملة العبادة لما فيه من الخضوع والافتقار، وعن الثاني إنه إذا اعتقد إنه لا يقع إلا ما قدر الله تعالى كان إذعاناً لا معاندة، وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفاً على الدعاء، لأن الله خالق الأسباب ومسبباتها. قال القشيري: وقالت طائفة: ينبغي أن يكون صاحب دعاء بلسانه وصاحب رضي بقلبه ليأتي بالأمرين جميعاً. قال الأولى: أن يقال الأوقات مختلفة ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت وهو الأدب، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وهو الأدب. وإنما يعرف ذلك بالوقت فإذا وجد في قلبه إلى الدعاء فالدعاء أولى به، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم. قال الحافظ: القول الأول
стр. 3361
أعلى المقامات أن يدعو بلسانه ويرضي بقلبه، والثاني لا يتأتي من كل أحد بل ينبغي أن يختص به الكمل قال القشيري ويصح أن يقال ما كان للمسلمين فيه نصيب أو لله فيه حق فالدعاء أولى لكونه عبادة وإن كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم، وعبر ابن بطال عن هذا القول لما حكاه بقوله يستحب أن يدعوا لغيره وبترك لنفسه يعني إن دعا لغيره من المسلمين فحسن وإن دعا لنفسه فالأولى تركه. قال النووي في شرح مسلم: القول باستحباب الدعاء مطلقاً هو القول الصحيح الذي أجمع عليه العلماء وأهل الفتاوى في الأمصار في كل الأعصار، ودليلهم ظواهر القرآن والسنة في الأمر بالدعاء وفعله، والأخبار عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بفعله. وقال في الأذكار: المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف إن الدعاء مستحب. قال الله تعالى وقال ربكم ﴿ادعوني استجب لكم﴾ وقال تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ [الأعراف: ٥٥] والآيات في ذلك كثير مشهورة. وأما الأحاديث الصحيحة فهي أشهر من أن تشهر، وأظهر من أن تذكر واعلم أن للدعاء آداباً يجب على الداعي مراعاتها، وقد ذكرها الجزري في الحصن والنووي في الأذكار وبسط الكلام عليها مع البحث عن أدلتها الشوكاني في تحفة الذاكرين، وكذا الغزالي في الإحياء والزبيدي في شرحه فعليك أن تراجع هذه الكتب، وسيأتي التنبيه على بعض آداب الدعاء وشرائطه في شرح أحاديث الباب. قال الغزالي في الإحياء (ج١ص١٩٨) فإن قلت فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له، فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة، كما أن الترس سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان، وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يجعل السلاح. وقد قال تعالى: ﴿خذوا حذركم﴾ [النساء: ٧١] ولا أن لا يسقى الأرض بعد بث البذر، فيقال إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت، بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر، وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج، والتقدير هو القدر والذي قدر الخير قدره بسبب، والذي قدر الشر قدر لدفعه سبباً، فلا تناقض بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته. ثم في الدعاء من الفائدة (أي زيادة على الفائدة التي هي الإتيان بالسبب في رد البلاء) ما ذكرناه في الذكر وهو حضور القلب مع الله تعالى وهو منتهى العبادات، ولذلك قال ﷺ : الدعاء مخ العبادة، والغالب على الخلق إنه لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمة، فإن الإنسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض فالحاجة تحوج إلى الدعاء، والدعاء يرد القلب إلى الله عزوجل بالتضرع والاستكانة، فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات، ولذلك صار البلاء موكلاً بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل، لأنه يرد القلب بالافتقار والتضرع إلى الله وتمنع من نسيانه ويذكر بنعمته وإحسانه.
стр. 3362
﴿الفصل الأول﴾
٢٢٤٥- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي إلى يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)) .
ــ
٢٢٤٥- قوله: (لكل نبي دعوة مستجابة) قال النووي: معناه إن كل نبي له دعوة متيقنة الإجابة، وهو على يقين من إجابتها. وأما باقي دعواتهم فهم على طمع من إجابتها، وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب، وذكر القاضي عياض أنه يحتمل أن يكون المراد لكل نبي دعوة لأمته كما في الروايتين الأخيريتين يعني من روايات مسلم بلفظ: لكل نبي دعوة دعا بها في أمته، وبلفظ: لكل نبي دعوة دعاها لأمته. والمراد إن لكل منهم دعوة عامة مستجابة في حق الأمة إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم. وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب، ومنها ما لا يستجاب. وقيل معناه إن لكل منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه كقول نوح ﴿رب لا تذر على الأرض﴾ [نوح: ٢٦] وقول زكريا ﴿فهب لي من لدنك ولياً يرثني﴾ [مريم: ٥] وقول سليمان ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ [ص٣٥] حكاه ابن التين (فتجعل كل نبي دعوته) أي استعجل في دعوته المقطوع بإجابتها وإني اختبأت دعوتي) أي ادخرت دعوتي المقطوع بالإجابة وجعلتها خبيئة من الاختباء وهو الستر. ووقع في رواية للشيخين، وإني أريد أن اختبىء، وفي حديث أنس عند البخاري فجعلت دعوتي. قال الحافظ: وكأنه ﷺ أراد أن يؤخرها ثم عزم ففعل ورجا وقوع ذلك فأعلمه الله به فجزم به (شفاعة لأمتي) أي أمة الإجابة يعني لأجل أن أصرفها لهم خاصة بعد العامة وفي جهة الشفاعة أو حال كونها شفاعة (إلى يوم القيامة) أي مؤخرة إلى ذلك اليوم وفي نسخة يوم القيامة على أنه ظرف للشفاعة قاله القاري. قلت: وفي صحيح مسلم يوم القيامة أي بدون إلى وكذا وقع في المصابيح، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج١١ص ١٢٢) فالظاهر إن ما وقع في أكثر نسخ المشكاة بذكر إلى غلط من النساخ فهي) أي الشفاعة (نائلة) أي واصلة حاصلة (إن شاء الله) قاله ﷺ على جهة التبرك والامتثال لقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشي إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣] (من مات) في محل نصب على أنه مفعول به لنائلة (لا يشرك بالله) حال من فاعل مات (شيئاً) أي من الأشياء أو من الإشراك وهي أقسام. عدم دخول قوم النار. وتخفيف لبثهم فيها. وتعجيل دخولهم الجنة. ورفع درجات فيها. قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضل نبينا ﷺ على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها أيضاً دعاء عليهم بالهلاك، كما وقع لغيره ممن تقدم. وقال ابن الجوزي:
стр. 3363
رواه مسلم وللبخاري أقصر منه.
٢٢٤٦- (٢) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللهم إني اتخذت عندك عهداً لن تخلفينه،
ــ
هذا من حسن تصرفه ﷺ لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي ومن كثرة كرمه لأنه آثر أمته على نفسه ومن صحة نظره، لأنه جعلها للمذنبين من أمته لكونهم أحوج إليها من الطائعين. وقال النووي: فيه كمال شفقة النبي ﷺ على أمته ورأفته بهم واعتناءه بالنظر في مصالحهم المهمة فأخر دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجتهم. وأما قوله فهي نائلة" الخ ففيه دليل لمذهب أهل الحق أهل السنة إن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لا يخلد في النار ولو مات مصراً على الكبائر، يعني ففيه رد على من أنكر ذلك، ويرى أن الشفاعة لرفع الدرجات وغيره، ولا شفاعة لأهل الكبائر بل هم مخلدون في النار (رواه مسلم) في أواخر الإيمان (وللبخاري أقصر منه) فقد رواه في أول الدعوات بلفظ: لكل نبي دعوة يدعوا بها، وأريد أن أختبىء دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة، وفي باب المشيئة والإرادة من كتاب التوحيد بلفظ: لكل نبي دعوة فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. وأخرجه مسلم مطولاً كما في المشكاة ومقتصراً أيضاً كما عند البخاري. وأخرجه أحمد في مواضع منها في (ج٢ص٢٧٥) ومنها في صحيفة همام بن منبه (ج٢ص٣١٣) ومالك في أواخر الصلاة والترمذي في الدعوات وابن ماجه في ذكر الشفاعة والخطيب في تاريخ بغداد (ج٣ص٤٢٤، ج١١ص ١٤١) وفي الباب عن أنس عند الشيخين وجابر عند مسلم، وابن عباس ضمن حديث مطول عند أبي يعلى وأحمد (ج١ص٢٨١- ٢٩٥) وعبد الله بن عمرو بن العاص ضمن حديث أيضاً عند أحمد (ج٢ص٢٢٢) وعبادة بن الصامت عند أحمد والطبراني وعبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي عند الحاكم، والطبراني والبزار، وأبي سعيد عند أحمد والبزار وأبي يعلى والطبراني وأبي ذر عند البزار، وأبي موسى عند أحمد والطبراني وابن عمر عند الطبراني.
٢٢٤٦- قوله: (اللهم إني اتخذت) وقع في رواية لمسلم في أول الحديث، اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عند الله الخ. وأخرج مسلم من حديث عائشة بيان سبب هذا الحديث قالت: دخل على رسول الله ﷺ رجلان فكلماه بشي لا أدري ما هو، فأغضباه فسبهما ولعنهما فلما خرجا قلت له: فقال أو ما علمت ما شارطت عليه ربي. قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجراً، وقوله "اتخذت" كذا في جميع النسخ بلفظ الماضي، وفي المصابيح اتخذ أي بصيغة المضارع كما في صحيح مسلم، وهكذا نقله الجزري (ج١١ص٣٣٠) نعم وقع في روايات أخرى لمسلم اتخذت أي بصيغة الماضي (عندك عهداً) أي أخذت منك وعداً أو أماناًَ (لن تخلفنيه) من الإخلاف لأن الكريم لا يخلف وعده قيل
стр. 3364
فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته: شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك
يوم القيامة)) .
ــ
أصل الكلام إني طلبت منك حاجة اسعفني بها ولا تخيبني فيها، فوضع العهد موضع الحاجة مبالغة في كونها مقضية ووضع لن تخلفنيه موضع لا تخيبني. وقيل وضع العهد موضع الوعد مبالغة وإشعاراً بأنه وعد لا يتطرق إليه الخلف كالعهد ولذلك استعمل فيه الخلف لا النقض لزيادة التأكيد. وقيل أراد بالعهد الأمان، والمعنى أسألك أماناً لن تجعله خلاف ما أترقبه وأرتجيه بأن تجعل ما بدر مني مما يناسب ضعف البشرية إلى مؤمن من أذية أنحوها نحوه أو دعوة أدعوا بها عليه قربة تقربه بها إليك، فإنما أنا بشر أتكلم في الرضا والغضب فلا آمن أن أدعوا على مسلم فيستضر به، وهذه الرأفة التي أكرم الله بها وجهه حتى حظي بها المسيء فما ظنك بالمحسن، وإنما وضع الاتخاذ موضع السؤال تحقيقاً للرجاء بأنه حاصل إذ كان موعوداً بإجابة الدعاء، ولهذا قال لن تخلفنيه أحل العهد المسؤل محل الشيء الموعود. ثم أشار إلى أن وعد الله لا يتأتي فيه الخلف فإن الألوهية تنافيه (فإنما أنا بشر) تمهيد لمعذرته فيما يندر عنه صلوات الله وسلامه عليه، يعني فيصدر مني ما يصدر من البشر، فأغضب نادراً في بعض الأحيان بحكم البشرية (فأي المؤمنين) وفي رواية فأي رجل من المسلمين وهو بيان وتفصيل لما كان يلتمسه ﷺ بقوله اتخذت عندك عهداً (آذيته) أي بأي نوع من أنواع الأذى (شتمته إلخ) بيان لقوله آذيته وتفصيل له، ولذا لم يعطف. ومن ثم أفرد الضمير في فاجعلها رداً إلى الأذية. (لعنته جلدته) أي ضربته. قال الطيبي: ذكر هذه الأمور أي أنواع الإيذاء الثلاثة على سبيل التعداد من غير عاطف كقولك واحد اثنان ثلاثة، وقابلها بما يقابلها من أنواع التعطف والألطاف متناسقة أي بإثبات العاطف ليجمعها بإزاء كل واحد من تلك الأمور على سبيل الاستقلال، وليس من باب اللف والنشر - انتهى. قلت: وقع في الروايات الأخرى ذكر هذه الأمور بلفظ: "أو" ففي رواية لمسلم فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة، وفي أخرى له فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها زكاة ورحمة، وفي حديث عائشة فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله زكاة وأجراً (فاجعلها) أي تلك الأذية التي صدرت بمقتضى ضعف البشرية. وقيل: أي الكلمات المفهمة شتماً أو نحو لعنة (له) أي لمن آذيته من المؤمنين (صلاة) أي رحمة ورأفة تخصه بها وإكراماً وتلطفاً وتعطفاً توصله به إلى المقامات العلية (وزكاة) أي طهارة له من الذنوب ونماء وبركة في الأعمال والأموال (وقربة تقربه) أي تجعل ذلك المؤمن مقرباً (بها) أي بتلك القربة أو بكل واحدة من الصلاة وأختيها (إليك يوم القيامة) أي ولا تعاقبه بها في العقبى. ووقع في حديث أنس عند مسلم تقييد المدعو عليه بأن يكون ليس لذلك بأهل، ولفظه إنما أنا بشر أرضى كما يرضي البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها
стр. 3365
له طهوراً وزكاة وقربة تقربه بها منه يوم القيامة، وفيه قصة لأم سليم. قال النووي: في الحديث بيان ما كان عليه ﷺ من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم. ورواية أنس تبين المراد بباقي الروايات المطلقة وإنما يكون دعاءه عليه رحمة وكفارة وزكاة، ونحو ذلك إذا لم يكن أهلا للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه وما كان مسلماً وإلا فقد دعا ﷺ على الكفار والمنافقين ولم يكن ذلك رحمة لهم. قلت: وهذا هو الجواب عما استشكل بأنه لعن جماعة كثيرة منها المصور والعشار ومن ادعى إلى غير أبيه والمحلل والسارق وشارب الخمر وآكل الربا وغيرهم. فيلزم أن يكون لهم رحمة وطهوراً، فالمراد في الحديث من لم يكن أهلا لذلك ومن لعنه في حال غضبه على مقتضى ضعف البشرية، فمن فعل منهياً عنه فلا يدخل في ذلك. فإن قيل كيف يدعوا ﷺ بدعوة على من ليس لها بأهل أو يسبه أو يلعنه أو نحو ذلك أجيب بأن المراد بقوله ليس لها بأهل عندك في باطن أمره لا على ما يظهر مما يقتضيه حاله وجنايته حين دعائي عليه، يعني إن المراد ليس بأهل لذلك عند الله وفي باطن الأمر ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له ﷺ استحقاقه لذلك بإمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك فكأنه يقول من كان باطن أمره عندك إنه ممن ترضي عنه فاجعل دعوتي التي اقتضاها ما ظهر لي من مقتضى حاله حينئذ طهوراً وزكاة، وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه لأنه ﷺ كان متعبداً ومأموراً بالحكم بالظواهر وحساب الناس في البواطن على الله فإنه هو المتولي للسرائر. فإن قيل فما معنى قوله "وأغضب كما يغضب البشر" فإن هذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سورة الغضب لا أنها على مقتضى الشرع فيعود السؤال. فالجواب إنه يحتمل أنه ﷺ أراد أن دعوته عليه أو سبه أو جلده كان مما خير فيه بين أمرين عقوبة للجاني أحدهما هذا فعله والثاني تركه والزجر له بأمر آخر سوى ذلك فيكون الغضب لله تعالى حمله وبعثه على أحد الأمرين المخير فيهما وهو سبه أو لعنه أو جلده ونحو ذلك وليس ذلك خارجاً من حكم الشرع. ويحتمل أن يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد إليه فلا يكون في ذلك كاللعنة الواقعة رغبة إلى الله وطلباً للاستجابة. وأشار عياض إلى ترجيح هذا الاحتمال فقال: يحتمل أن يكون ما ذكره من سب ودعاء غير مقصود ولا منوي، لكن جرى على عادة العرب في دعم كلامها وصلة خطابها عند الحرج والتأكيد للعتب لا على نية وقوع ذلك كقولهم "عقري حلقي" و "تربت يمينك" وفي قصة أم سليم المذكورة في حديث أنس عند مسلم الذي أشرنا إليه "لا كبرت سنك" وفي حديث معاوية عند مسلم أيضاً "لا أشبع الله بطنه" ونحو ذلك لا يقصدون بشي من ذلك حقيقة الدعاء فخاف ﷺ أن يصادف شيء من ذلك الإجابة وأشفق من موافقة أمثالها القدر فعاهد ربه ورغب إليه وسأله أن يجعل ذلك القول رحمة وكفارة وقربة وطهوراً وأجراً. وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان ولم يكن ﷺ فاحشاً ولا متفشحاً ولا لعاناً ولا منتقماً لنفسه. قال الحافظ: وهذا الاحتمال الذي أشار عياض إلى
следующие страницы →