← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

.............................................................................................. ــ على قصده، وهذا هو التردد فيعفى عنه أيضًا، وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر عنه لكن لا يصمم على فعله وهذا هو الهم فيعفى عنه أيضًا، وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر منه بل يصمم على فعله فهذا هو العزم، وهو منتهى الهم (وخمس بعضهم القسمة كما سبق في شرح حديث رقم ٦٣) ثم العزم على القسمين. القسم الأول: أن يكون من أعمال القلوب صرفًا كالشك في الواحدانية أو النبوة أو البعث فهذا كفر ويعاقب عليه جزمًا ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر كمن يحب ما يبغض الله ويبغض ما يحبه الله ويحب للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا يأثم ويلتحق به الكبر والعجب والبغي والمكر والحسد، وفي بعض هذا خلاف فعن الحسن البصري إن سوء الظن بالمسلم حسده معفو عنه، وحملوه على ما يقع في النفس مما لا يقدر على دفعه لكن من يقع له ذلك مأمور بمجاهدته النفس على تركه. والقسم الثاني: أن يكون من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة فهو الذي وقع فيه النزاع. فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلاً، ونقل عن نص الشافعي، ويؤيده ما وقع في حديث خريم بن فاتك المنبه عليه قبل فإنه حيث ذكر الهم بالحسنة. قال: علم الله أنه أشعرها قلبه وحرص عليها وحيث ذكر الهم بالسيئة لم يقيد بشيء بل قال: فيه ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، والمقام مقام الفضل فلا يليق التحجير فيه. وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم، وسأل ابن المبارك سفيان الثوري أيؤاخذ العبد بما يهم به قال: إذا جزم بذلك. واستدل كثير منهم بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٥) وحملوا حديث أبي هريرة الصحيح المرفوع إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم على الخطرات كما تقدم. ثم افترق هؤلاء فقالت طائفة يعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصة بنحو الهم والغم، وقالت طائفة بل يعاقب عليه يوم القيامة لكن بالعتاب لا بالعذاب، وهذا قول ابن جريج والربيع بن أنس وطائفة ونسب ذلك إلى ابن عباس أيضًا، واستدلوا بحديث النجوى المروي في باب ستر المؤمن على نفسه من كتاب الأدب واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهم بالمعصية، ما يقع في الحرام المكي ولو لم يصمم لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج: ٢٥) لأن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه فمن هم بالمعصية فيه خالف الواجب بانتهاك حرمته وانتهاك حرمة الحرم بالمعصية يستلزم انتهاك حرمة الله لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله فصارت المعصية في الحرم أشد من المعصية في غيره وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى، نعم من هم بالمعصية قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن هم بمعصية الله قاصدًا الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفو عنه الهم بالمعصية مع الذهول عن قصد الاستخفاف. وأجاب من لم يقل بالمؤاخذة بالعزم عن

стр. 3607

فإن هو همَّ بها فعملها، كتبها الله له سيئةً واحدةً. متفق عليه. ــ حديث الملتقيين بسيفيهما بأنه يتعلق بفعل خارجي أي يتعلق بالملتقيين عزم كل منهما على قتل صاحبه واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه وهو شهر السلاح وإشارته به إلى الآخرة، فهذا الفعل يؤاخذ به سواء حصل القتل أم لا، ولا يلزم من قوله فالقاتل والمقتول في النار أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق - انتهى كلام الحافظ. باختصار يسير (فإن هو) أي الشأن أو مريد العمل (هم بها) أي بالسيئة (فعملها) أي جمع بين القصد والعمل (كتبها الله له سيئة واحدة) في حديث أبي هريرة عند الشيخين فاكتبوها له بمثلها. ولمسلم من حديث أبي ذر: فجزاءه بمثلها أو اغفر له. وله في آخر حديث ابن عباس: أو محاها بالفضل أو بالتوبة أو بالاستغفار أو بعمل الحسنة التي تكفر السيئة. والأول أشبه بظاهر حديث أبي ذر ويستفاد من التأكيد بقوله واحدة إن السيئة لا تضاعف كما تضاعف الحسنة، وهو على وفق قوله تعالى: ﴿فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ (غافر: ٤٠) قال ابن عبد السلام في أماليه: فائدة التأكيد دفع توهم من يظن أنه إذا عمل السيئة كتبت عليه سيئة العمل، وأضيفت إليها سيئة الهم وليس كذلك، إنما يكتب عليه سيئة واحدة. وقد استثنى بعضهم وقوع المعصية في الحرم المكي والجمهور على التعميم في الأزمنة والأمكنة، ولكن قد تتفاوت بالعظم ولا يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (الأحزاب: ٣٠) لأن ذلك ورد تعظيمًا لحق النبي ﷺ ، لأن وقوع ذلك من نساءه يقتضي أمرًا زائدًا على الفاحشة وهو أذى النبي ﷺ ، وزاد مسلم بعد قوله أو محاها الله ((ولا يهلك على الله إلا هالك)) أي لا يهلك مع سعة هذه الرحمة إلا من حقت عليه الكلمة، أي من أصر على التجرؤ على السيئة عزمًا وقولاً وفعلاً، وأعرض عن الحسنات همًا وقولاً وفعلاً. قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضل الله العظيم على هذه الأمة، لأنه لولا ذلك كاد لا يدخل أحد الجنة لأن عمل العباد للسيئات أكثر من عملهم الحسنات. ويؤيد ما دل عليه هذا الحديث من الإثابة على الهم بالحسنة وعدم المؤاخذة على الهم بالسيئة قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦) إذ ذكر في السوء الافتعال الذي يدل على المعالجة والتكلف فيه بخلاف الحسنة وفيه: أن الله تعالى بفضله وكرمه جعل العدل في السيئة، والفضل في الحسنة فضاعف الحسنة ولم يضاعف السيئة، بل أضاف فيها إلى العدل الفصل، فأدارها بين العقوبة والعفو بقوله كتبت له واحدة أو يمحوها وبقوله فجزاءه بمثلها أو أغفر. (متفق عليه) أخرجه البخاري في باب من هم بحسنة أو سيئة من كتاب الرقاق، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٢٧ - ٢٧٩ - ٣١٠ - ٣٦١) والنسائي في الكبرى، وفي الباب عن أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما، وعن أبي ذر عند مسلم وعن أنس عند أبي يعلى.

стр. 3608

(الفصل الثاني) ٢٣٩٨- (١٢) عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات، كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة فانكفت حلقة ثم عمل أخرى فانفكت أخرى حتى تخرج إلى الأرض.رواه في ((شرح السنة)) . ٢٣٩٩- (١٣) وعن أبي الدرداء. أنه سمع النبي ﷺ : يقص على المنبر وهو يقول ــ ٢٣٩٨- قوله: (إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات) أي صفته (كمثل رجل) قيد به لمناسبته بالدرع (كانت عليه درع) بكسر الدال المهملة، وهي قميص من زر والحديد يلبس وقاية من سلاح العدو مؤنث، وقد يذكر بخلاف درع المرأة أي قميصها فإنه مذكر (قد خنقته) أي عصرت حلقه ولبته لضيقها (ثم عمل حسنة) أي أي حسنة كانت والتنوين للتنكير (فانفكت) أي انحلت (حلقة) بسكون اللام أي من حلق تلك الدرع (ثم عمل) أخرى أي حسنة أخرى (فانفكت أخرى) أي حلقة من الحلق وهكذا تنفك واحدة بواحدة بعد أخرى (حتى تخرج إلى الأرض) أي حتى تسقط تلك الدرع. قال الطيبي: أي حتى تنحل وتنفك بالكلية ويخرج صاحبها من ضيقها فقوله: تخرج إلى الأرض كناية عن سقوطها - انتهى. والمقصود من الحديث أن عمل السيئات يضيق صدر عاملها، ويحيره في أمره ويعسره عليه فلا تيسر له أموره ويسود قلبه ويضيق عليه رزقه ويبغضه إلى الناس، وإذا عمل الحسنات تذهب حسناته سيئاته كما قال الله : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (هود: ١١٤) فإذا زالت سيئاته انشرح صدره وتوسع رزقه وطاب قلبه وتيسر له أموره وصار محبوبًا في قلوب الناس فالحديث تمثيل وبيان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (رواه) أي البغوي (في شرح السنة) أي بإسناده، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص١٤٥) من رواية عبد الله بن المبارك. قال أنا ابن لهيعة قال حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: حدثا أبو الخير، أنه سمع عقبة بن عامر وابن لهيعة فيه كلام معروف، لكن رواية ابن المبارك عنه حسن. قال عبد الغني بن سعيد الأزدي، إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح ابن المبارك وابن وهب والمقري، وذكر الساجي وغيره مثله كذا في التهذيب (ج٥: ص ٣٧٨) وقال في التقريب: إنه صدوق خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون والحديث ذكره المنذري في الترغيب (ج٤ ص ٢٥) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص ٢٠١، ٢٠٢) وقالا: رواه أحمد والطبراني وأحد أسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح. ٢٣٩٩- قوله (يقص) أي يحدث الناس ويعظهم ويذكرهم (ويقول) أي والحال أنه يقول ويحتمل أن

стр. 3609

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ قلت: وإن زنى وإن سرق؟ يا رسول الله! فقال الثانية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ــ يكون للعطف على يقص (ولمن خاف) أي لكل فرد من أفراد الخائفين أو لمجموعهم يعني الكلام على سبيل التوزيع فإحدى الجنتين للخائف الإنسي، والأخرى للخاف الجني، فكل خائف ليس له إلا جنة واحدة والأول هو المعتمد (مقام ربه) مقامه سبحانه هو الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب أو قيام الخائف عند ربه للحساب يعني ولمن خاف من القيام بحضرة ربه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (المطففين: ٦) وقيل: المعنى خاف مقام ربه عليه وهو إشرافه على أحواله وإطلاعه على أفعاله وأقواله من قام عليه إذ راقبه، كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ، ومحصل ذلك احتمالات ثلاث في تفسير المقام. أولها: إنه اسم مكان. والثاني: أنه مصدر تحته احتمالان إما بمعنى قيام الخلائق بين يدي الله أو بمعنى قيام الله على الخلائق، وأضاف إلى الرب تفخيمًا وتهويلاً. وقيل: أي لمن خاف ربه مقام مقحم للمبالغة، كقوله: أنفيت عنه مقام الذئب. قال مجاهد والنخعي: هو الرجل الذي يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من خوفه، وفيه إشارة إلى سبب استحقاق الجنتين في نفس الأمر، وهو أنه ليس مجرد الخوف بل الخوف الناشئ عنه ترك المعاصي. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في هذه الآية قال: وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنة، وأخرج ابن جرير عنه أيضًا يقول خاف ثم أتقى والخائف من ركب طاعة الله وترك معصيته. (جنتان) أي جنتان ذواتا أفنان إلى آخر صفاتهما المذكورة في القرآن المبينة أنهما أعلى من الجنتين المذكورتين بعدهما من الجنان ومن ثمة قال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ أي في المرتبة والنعيم والشرف، واختلف في الجنتين أولاً، فقيل: جنة لفعل الطاعة وأخرى لترك المعصية. وقيل: جنة للعقيدة وأخرى للعمل. وقيد جنة بالعمل، وجنة بالتفضيل. وقيل: غير ذلك، والأظهر أن يقال: جنتان من ذهب آنيتهما وقصورهما وحليهما وما فيهما ومن دونهما جنتان أي من فضة كذلك وإليه ذهب ابن كثير حيث قال الصحيح إن هذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره بقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ (النازعات: ٤٠) بين يدي الله يوم القيامة ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (النازعات ٤٠) ولم يطغ ولا آثر الحياة الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى، فأدى فرائض الله واجتنب محارمه فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما روى البخاري (بسنده) عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما - الحديث. وقال في فتح القدير (ج٥: ص١٤١) أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي موسى عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: ٤٦) وفي قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: ٦٢) قال: جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من وِرق لأصحاب اليمين. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر، والحاكم

стр. 3610

فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق؟ يا رسول الله! فقال الثالثة: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فقلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله! قال: وإن رغم أنف أبي الدرداء. رواه أحمد. ٢٤٠٠- (١٤) وعن عامر الرام، ــ وصححه ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى في الآية. قال: جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين. (قلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله) إن وصلية. أي ولو زنى وسرق الخائف له جنتان. قال ابن حجر: إن سبق منه قبل هذا الخوف نحو الزنا والسرقة ويصح على بعد وإن فعلهما مع هذا الخوف، ووجه بعده اجتماع هذا الخوف وفعل ذينك وأمثالها - انتهى. وقيل: المعنى من خاف الله في معصيته فتركها يعطيه الله بستانين في الجنة وإن زنا وإن سرق في وقت وتاب لم يبطل زناه وسرقته ثواب خوفه من الله تعالى في معصية أخرى غير تلك الزنية والسرقة. (فقال الثانية) أي في المرة الثانية زيادة في التأكيد (وإن رغم أنف أبي الدرداء) بكسر الغين المعجمة أي لصق بالرغام وهو التراب ذلاً وهوانًا. قال القارئ: ظاهر الحديث إن من على عمومه، والمراد بالخائف المؤمن فكيف يكون نظير حديث رواه الشيخان عن أبي ذر مرفوعًا ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق. قال: وإن زنى وإن سرق، ثم قال في الثالثة أو الرابعة: على رغم أنف أبي ذر - الحديث. كما سبق في كتاب الإيمان - انتهى. قلت: ونحوه ما رواه أحمد (ج٦: ص٤٤٢) عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة. قال: قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق. ثم قال في الثالثة: على رغم أنف أبي الدرداء. قال: فخرجت لأنادي بها في الناس، قال: فلقيني عمر فقال: ارجع فإن الناس إن علموا بهذه اتكلوا عليها، فرجعت فأخبرته ﷺ فقال: صدق عمر. (رواه أحمد) لم أجده في مسنده في مسند أبي الدرداء. ويمكن أن يكون ذكره في غير مظنته، والحديث ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره ولم يعز لأحمد بل عزاه لابن جرير، والنسائي، وقال وقد روي موقوفًا على أبي الدرداء وروي عنه أنه قال: إن من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق. نعم عزا الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٧: ص١١٨) لأحمد والطبراني، وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح وذكره الشوكاني في فتح القدير (ج٥: ص١٤٠) وعزاه لابن أبي شيبة، وابن منيع، وأحمد، والحاكم والنسائي، والبزار، وأبي يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والطبراني. ٢٤٠٠- قوله (وعن عامر الرام) أي الرامي، فحذف الياء تخفيفًا كما في المتعال، وهو أخو الخضر بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين المحاربي من ولد مالك بن مطرف بن خلف بن محارب صحابي له حديث واحد. قال في التهذيب: عامر الرام. وقيل: الرامي أخو الخضر بن محارب عداده في الصحابة، روى عن النبي ﷺ -

стр. 3611

قال: بينا نحن عنده، يعني عند النبي ﷺ ، إذا أقبل رجل عليه كساء في يده شيء قد التفت عليه، فقال: يا رسول الله! مررت بغيضة شجر، فسمعت فيها أصوات فراخ طائر، فأخذتهن فوضعتهن في كسائي فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن، فوقعت عليهن فلففتهن بكسائي، فهن أولاء معي قال: ضعهن فوضعتهن وأبت أمهن إلا لزومهن. فقال رسول الله ﷺ : أتعجبون لرحم أم الأفراخ فراخها، فوا لذي بعثني بالحق: لله أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها إرجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن ــ : إن المؤمن إذا ابتلى ثم عافاه الله كان كفارة لذنوبه - الحديث. قاله محمد بن إسحاق عن رجل من أهل الشام يقال له: أبو منظور عن عمه عن عامر به، وقال في الإصابة: كان عامر راميًا حسن الرمي فلذلك قيل له الرامي وكان شاعرًا وفيه يقول الشماخ: فحلأها عن ذي الاراكة عامر ... أخو الخضر يرمي حيث تردى الهواجر وكان يقال لولد مالك الخضر لأنه كان شديد الأدمة، وقال في أسد الغابة: قيل لمالك وأولاده الخضر. لأنه كان آدم وكان عامر أرمى العرب (يعني عند النبي ﷺ ) تفسير من الرواي عن الرامي قاله القاري. والظاهر إن هذا التفسير من البغوي، إذ وقع كذلك في المصابيح (كساء) بكسر الكاف (قد التف عليه) أي لف الرجل كساءه على ذلك الشيء (فقال) أي الرجل (مررت بغيضة شجر) الغيضة بفتح الغين الأجمة ومجتمع الشجر وبالفارسية بيشه وجنكل. والأجمة الشجرة الكثيرة الملتف، وبالفارسية نيستان وأنبوه درختان. والشجر اسم الجنس يقع على القليل والكثير وأضاف الغيضة إليه لمزيد البيان (فسمعت فيها) أي في الغيضة (أصوات فِراخ طائر) بكسر الفاء جمع فرخ هو ولد الطائر (فأخذتهن) أي الفراخ (فاستدارت) أي دارت (فكشفت لها) أي لأم الفراخ (عنهن) أي عن الفراخ يعني رفعت الكساء ونحيته عن وجه الفراخ لأجل أمهن حتى رأتهن (فوقعت) أي سقطت أم الفراخ (فلففتهن) أي جميعهن (فهن) أي هن وأمهن (أولاء) اسم إشارة (معي) أي تحت كسائي. (فقال) أي النبي ﷺ ، وفي بعض النسخ قال: أي بدون الفاء كما في أبي داود (فوضعتهن) أي وكشفت عنهن وعن أمهن (وأبت أمهن) أي امتنعت (إلا لزومهن) أي عدم مفارقتهن استثناء مفرغ لما في أبت من معنى النفي، أي ما فارقتهن بعد كشف الكساء بل ثبتت معهن من غاية رحمتها بهن (أتعجبون لرحم أم الأفراخ) أي لشفقتها ورحمتها، والرحم بالضم وبضمتين مصدر كالرحمة وهو التعطف والشفقة (فراخها) منصوب على المفعولية (ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن)

стр. 3612

وأمهن معهن فرجع بهن. رواه أبو داود. (الفصل الثالث) ٢٤٠١- (١٥) عن عبد الله بن عمر، قال: كنا مع النبي ﷺ في بعض غزواته، فمر بقوم، فقال: من القوم؟ قالوا: نحن المسلمون وامرأة تحصب بقدرها، ــ من بمعنى في نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ﴾ (الجمعة: ٩) وقيل: إنها زائدة على مذهب الأخفش (وأمهن معهن) جملة حالية (فرجع) أي الرجل (بهن) أي بالفراخ من مجلس النبي ﷺ إلى موضعهن فوضعهن فيه مع أمهن لألفتهن بمكانهن (رواه أبو داود) في أول الجنائز، وأخرجه أيضًا أحمد كما في الإصابة كلاهما من طريق محمد بن إسحاق عن أبي منظور عن عمه عن عامر الرامي. قال: إنا لببلادنا إذ رفعت لنا رايات وألوية، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا لواء رسول الله ﷺ فأتيته وهو تحت شجرة قد بسط له كساء وهو جالس عليه، وقد اجتمع له أصحابه فذكر الحديث في ثواب الأسقام، ثم قال: فبينا نحن عنده إذا قبل رجل عليه كساء وفي يده شيء إلخ، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة، وابن أبي خيثمة، وابن السكن. وقد سكت عليه أبو داود ثم المنذري وفي سنده كما ترى أبو منظور عن عمه وهما مجهولان أبو منظور الشامي، قال في التقريب والخلاصة أنه مجهول. وقال البخاري: أبو منظور لا يعرف إلا بهذا، وعم أبي منظور لم أقف على حاله ولم أر له ترجمة في كتب الرجال الموجودة عندي. وقال في التقريب في ترجمة عامر: صحابي، له حديث يروى بإسناد مجهول. وقال ابن السكن: روي عنه حديث واحد فيه نظر. وقال المنذري في الترغيب: بعد عزوه لأبي داود في إسناده راو لم يسم. ٢٤٠١- قوله (فقال من: القوم قالوا نحن المسلمون) كأنهم توهموا أو خافوا إن رسول الله ﷺ ظنهم غير مسلمين. قال ابن حجر تبعًا للطيبي: كان من الظاهر أن يقال في الجواب: نحن مضريون أو قرشيون أو طائيون فعدلوا عن الظاهر، وعرفوا الخبر حصرًا أي نحن قوم لا نتجاوز الإسلام توهمًا إن رسول الله ﷺ ظن أنهم غير مسلمين - انتهى. قال القاري: وهذا تكلف وقال قوله: من القوم أي أنتم أوهم من الأعداء الكافرين أو الأحباء المسلمين. (وامرأة) أي والحال إن امرأة معهم (تحصب) بالحاء والصاد المهملتين كتضرب كذا وقع في بعض نسخ المشكاة من طبعات الهند، وهكذا وقع في سنن ابن ماجة (بقدرها) بكسر القاف أي ترمي الحصب والحطب تحت قدرها، وفي بعض طبعات الهند تحضب بالحاء المهملة والضاد

стр. 3613

ومعها ابن لها فإذا ارتفع وهج تنحت به فأتت النبي ﷺ فقالت: أنت رسول الله؟ قال: نعم. قالت: بأبي أنت وأمي، أليس الله أرحم الراحمين قال: بلى قالت: أليس الله أرحم بعبادة من الأم بولدها؟ قال: بلى. قالت: إن الأم لا تلقي ولدها في النار فأكب رسول الله ﷺ يبكي ثم رفع رأسه إليها فقال: إن الله لا يعذب من عباده إلا المارد المتمرد الذي يتمرد على الله وأبى أن يقوا: لا إله إلا الله ــ المعجمة المكسورة، وهكذا في نسخة القاري وفي نسخة التي على حاشية المرقاة من حضب النار إذا ألقى فيها الحطب. قال القاري: تحضب أي توقد وقوله: ((بقدرها)) كذا في جميع نسخ المشكاة الموجودة عندنا، والذي في ابن ماجه تنورها. قال السندي: تحصب تنورها أي ترمي فيه ما يوقد النار به فيه (ومعها ابن لها) أي صغير (فإذا ارتفع وهج) بالفتح حر النار وفي ابن ماجة فإذا ارتفع وهج التنور (تنحت به) أي تبعدت الأم بالولد عن النار (أنت رسول الله) استفهام بحذف أداته ولا ينافي إسلامها قبل ذلك لعلمها به إجمالاً وإن لم تعلم ذاته بعينها (قالت إن الأم لا تلقي ولدها في النار) أي فكيف أرحم الراحمين يلقي بعض العبيد فيها وإن كانوا كفرة (فأكب) أي طأطأ رأسه (عن الله لا يعذب) أي عذابًا مخلدًا (من عباده) أي من جميع عباده فالإضافة للاستغراق بدليل الاستثناء. وقال السندي: قوله: لا يعذب أي على الدوام. والظاهر أنه لا يدخل النار إلا هؤلاء إذا الكلام في إدخال النار في الخلود والدوام. والله أعلم. وبالجملة فالمعصية تعظم وتزيد قبحًا وشناعة بقدر حقارة العاصي وعظمة المعصي بها وكثرة إحسانه إلى المعاصي فيعظم جزاءها بذلك فبالنظر إلى حالة العبد العاصي وإنه خلق من أي شيء وأي شيء مقداره، وإلى عظمة خالق السماوات والأرض الذي قامت السماوات بأمره، وإلى كثرة نعمه وإحسانه تعظم أدنى المعاصي حتى تجاوز الجبال والبحار وتصير حقيقة بأن يجعل جزاءها الخلود في النار لولا رحمة الكريم العفو الغفور الرحيم فكيف هذه المعصية المتضمنة لتشبيهه بالأحجار التي هي أرذل الخلق فتعالى سبحانه عن ذلك علوًا كبيرًا. وحقائق هذه الأمور لا يعلمها إلا علام الغيوب، ثم ظاهر الحديث يقتضي أن جاحد النبوة قد أبى عن كلمة التوحيد على وجهها، وهو المراد ها هنا - انتهى كلام السندي. (إلا المارد) أي شيطان الإنس والجن المتعري عن الخيرات من مرد كنصر وكرم عتا وعصى. وجاوز حد أمثاله، أو بلغ الغاية التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف (المتمرد) مبالغة له (الذي يتمرد على الله) أي يتجرأ على مخالفته ويعتو عليه (وأبى) عطف على يتمرد عطف تفسير أي امتنع (أن يقول لا إله إلا الله) فيكون بمنزلة ولد يقول لست أمي وأمي غيرك ويعصيها ويتصورها بصورة كلب أو خنزير فلا شك أنها حينئذ تتبرأ عنه وتعذبه إن قدرت عليه، وحاصل الجواب إن الكافر خرج من العبودية

стр. 3614

رواه ابن ماجة. ٢٤٠٢- (١٦) وعن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: إن العبد ليلتمس مرضاة الله، فلا يزال بذلك، فيقول الله لجبريل: إن فلانًا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه. فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم، حتى يقولها أهل السماوات السبع، ثم تهبط له إلى الأرض. رواه أحمد. ــ وأن يسمى عبد الله فلهذا يعذب ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (رواه ابن ماجة) في باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، وفي سنده إسماعيل بن يحيى الشيباني ويقال له: الشعيري متهم بالكذب. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه وحكى عن يزيد بن هارون أنه قال: كان إسماعيل الشعيري كذابًا. وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه روى له ابن ماجة في الزهد حديثًا واحدًا عن ابن عمر في قصة المرأة التي تحصب تنورها، وهو الذي أشار إليه العقيلي كذا في تهذيب التهذيب (ج١: ص٣٣٦) وقال في الزهد: إسناد حديث ابن عمر ضعيف لضعف إسماعيل بن يحيى متفق على تضعيفه - انتهى. قال السندي أصل الحديث ليس من الزوائد ولعله يشير إلى حديث أبي هريرة عند البخاري بلفظ: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن أبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى. ويشهد له ما روى أحمد (ج٥: ص٢٨٥) برجال ثقات من حديث أبي أمامة بلفظ: كلكم في الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله. ورواه أيضًا الطبراني في الأوسط بإسناد حسن كما في مجمع الزوائد. ٢٤٠٢- قوله (إن العبد) أي الصالح (ليلتمس) أي يطلب (مرضاة الله) أي رضاه بأصناف الطاعات (فلا يزال بذلك) أي ملتبسًا أي بذلك الالتماس (إن فلانًا) كناية عن اسمه ووصفه (عبدي) أي المؤمن إضافة تشريف (يلتمس أن يرضيني) أي لأن أرحمه (ألا) للتنبيه (وإن رحمتي) أي الكاملة (عليه) أي واقعة عليه ونازلة إليه (رحمة الله على فلان) خبر أو دعاء وهو الأظهر. (ويقولها) أي هذه الجملة (ويقولها من حولهم) أي جميعًا (ثم يهبط) على بناء المفاعل، ويحتمل أن يكون على بناء المفعول أي تنزل الرحمة (له) أي لأجله (إلى الأرض) أي إلى أهل الأرض. قال القاري: يعني محبة الله إياه ثم يوضع له القبول فيها. قال الطيبي. هذا الحديث وحديث المحبة متقاربان - انتهى. ويريد بحديث المحبة ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا. إن الله تعالى إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض - الحديث. (رواه أحمد) (ج٥: ص٢٧٩) .

стр. 3615

٢٤٠٣- (١٧) وعن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ في قول الله : ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ قال: كلهم في الجنة. ــ قال الهيثمي (ج١٠: ص٢٠٢) ورجاله رجال الصحيح غير ميمون بن عجلان وهو ثقة - انتهى. ٢٤٠٣- قوله (في قول الله فمنهم ظالم لنفسه) الفاء تفصيل لقوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ (فاطر: ٣٢) والمفعول الأول، ((لأورثنا)) الموصول، والمفعول الثاني الكتاب وإنما قدم المفعول الثاني لقصد التشريف والتعظيم للكتاب، والمعنى ثم أورثنا أي أعطينا الذين اصطفيناهم من عبادنا الكتاب، وهو القرآن ((ومن)) للبيان أو للتبعيض، والمراد بعبادنا أمة الإجابة أو أمة الدعوة وبالموصول آله وأصحابه ومن بعدهم من أمته، والمعنى قضينا وقدرنا وحكمنا بتوريث القرآن منك الذين اخترناهم من أمتك أو عبر بالماضي عن المضارع لتحققه، ثم قسم سبحانه هؤلاء الذين أورثهم كتابه واصطفاهم من عباده إلى ثلاثة أقسام فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ (فاطر: ٣٢) أي بالتقصير في العمل به (ومنهم مقتصد) يعمل به في أغلب أحواله وأوقاته (ومنهم سابق بالخيرات) يضم إلى العمل به التعليم والإرشاد إلى العمل. وقيل: الظالم لنفسه هو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، والمقتصد هو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات، والسابق بالخيرات هو: الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات. وقيل: الظالم هو المرجأ لأمر الله والمقتصد هو الذي خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا. قال النسفي: وهذا التأويل يوافق التنزيل فإنه تعالى قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (التوبة: ١٠٠) الآية وقال بعده: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (التوبة: ١٠٢) الآية وقال بعده: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ١٠٦) - انتهى. وقيل: الظلم للنفس يصدق على الظلم للنفس بمجرد إحرامها للحظ وتفويت ما هو خير لها فتارك الاستكثار من الطاعات قد ظلم نفسه باعتبار ما فوتها من الثواب، وإن كان قائمًا بما أوجب الله عليه وتاركًا لما نهاه الله عنه، ومعنى المقتصد هو من يتوسط في أمر الدين ولا يميل إلى جانب الإفراط ولا إلى جانب التفريط. وأما السابق: فهو الذي سبق غيره في أمور الدين وهو خير الثلاثة وفي تفسير هؤلاء الثلاثة أقوال أخرى كثيرة ذكرها الثعلبي وغيره. (قال) أي النبي ﷺ (كلهم في الجنة) إيذان بأن قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ (النحل: ٣١) مبتدأ أو خبر، والضمير للثلاثة، والحديث ذكره الحافظ ابن كثير من رواية الطبراني بلفظ: قال: قال رسول الله ﷺ : كلهم من هذه الأمة. وذكره الشوكاني في فتح القدير (ج٤: ص٣٤١) وعزاه للطبراني وابن مردويه، والبيهقي بلفظ: كلهم من هذه الأمة وكلهم في الجنة. قال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ قال هم

стр. 3616

رواه البيهقي في ((كتاب البعث والنشور)) ــ أمة محمد ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله فظالمهم يغفر له ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. وكذا روي عن غير واحد من السلف: إن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين على ما فيه عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب، والصحيح إن الظالم لنفسه من هذه الأمة. وهذا اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ من طريق يشد بعضها بعضًا فذكرها، منها حديث أسامة بن زيد الذي نحن في شرحه، ومنها حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة أخرجه أحمد، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم. وفي أسانيد كلهم من لم يسم. قال ابن كثير: ومعنى قوله ((بمنزلة واحدة)) أي في أنهم من هذه الأمة وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة. ومنها حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب. وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحسبون في طول المحشر ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته فهم الذين يقولون ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر: ٣٤) إلى آخر الآية. أخرجه أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في البعث. وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، ويجب المصير إليها ويدفع بها قول من حمل الظالم لنفسه على الكافر، وفي الباب آثار عن عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، وابن مسعود وغيرهم. ذكرها الحافظ ابن كثير والشوكاني في تفسيرهما وكلها تؤيد ما ذهب إليه الجمهور في تفسير الآية إن الطبقات الثلاث هم الذين اصطفى من عباده وهم أهل الإيمان من هذه الأمة وكلهم ناج يدخل الجنة. (رواه البيهقي في كتاب البعث والنشور) وأخرجه أيضًا الطبراني، وابن مردويه.

стр. 3617

(٦) باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام (الفصل الأول) ٢٤٠٤- (١) عن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، ــ (باب ما يقول عند الصباح والمساء) قال الراغب: الصبح والصباح أول النهار وهو وقت ما احمر الأفق بحاجب الشمس، قال: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (١١: ٨١) ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٣٧: ١٧٧) وقال في القاموس: الصبح الفجر أو أول النهار وهو الصبيحة والصباح، والإصباح والمصبح. كمكرم، والمساء والإمساء ضد الصباح والإصباح. قلت: الظاهر المتبادر من بعض الأحاديث الواردة في الباب أن المساء أول الليل، ويمكن حمل كلام صاحب القاموس عليه كما لا يخفى، وقال في هامش ((تحفة الذاكرين)) الصباح من طلوع الفجر أي إلى طلوع الشمس، والمساء من غروب الشمس كما يدل له ما أخرجه عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وصححه عن أبي رزين. قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس فقال هل تجد الصلوات الخمس في القرآن قال: نعم. فقرأ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قال: صلاة المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٣٠: ١٧) قال: صلاة الصبح ﴿وَعَشِيّاً﴾ صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (٣٠: ١٨) صلاة الظهر. فهذا تفسير الصحابي اللغوي للصباح والمساء ومثله عن مجاهد،.فالمساء لا يكون إلا من بعد غروب الشمس، فأذكاره من ذلك الوقت نحو أمسينا وأمسى الملك لله. الخ - انتهى. قلت: فمن قال إن المساء يدخل وقته بالزوال، والصباح يدخل وقته بانتصاف الليل، وإنه تدخل أوراد الصباح من نصف الليل الأخير والمساء من الزوال فقد أبعد جدًا، قال النووي في الأذكار تحت باب ما يقال عند الصباح وعند المساء: اعلم أن هذا الباب واسع جدًا ليس في الكتاب باب أوسع منه وأنا أذكر إن شاء الله تعالى فيه جملاً من مختصراته فمن وفق للعمل بكلها فهي نعمة وفضل من الله تعالى عليه وطوبى له من عجز عن جميعها فليقتصر من مختصراتها على ما شاء ولو كان ذكرًا واحدًا، ثم ذكر النووي آيات من القرآن العزيز ورد فيها الأمر بالذكر أو التسبيح أو الدعاء في العشي والإبكار والإشراق والغدو والآصال وقبل طلوع الشمس وقبل غروبها أو ورد فيها مدح القائمين بذلك، ثم سرد جملاً من الأحاديث أورد المصنف أكثرها في المشكاة (والمنام) أي زمان النوم، أو هو مصدر ميمي أي عند إرادة النوم، والظاهر أن المراد به نوم الليل فلا يشمل القيلولة. ٢٤٠٤- قوله (أمسينا وأمسى الملك لله) أي دخلنا في المساء ودخل الملك فيه كائنًا لله ومختصًا به، أو الجملة حالية بتقدير ((قد)) أو بدونه أي أمسينا وقد صار بمعنى كان ودام الملك لله (والحمد لله) قال الطيبي: عطف على ((أمسينا وأمسى الملك)) أي صرنا نحن وجميع الحمد لله - انتهى. قال القاري: أي عرفنا فيه أن الملك لله وأن الحمد لله

стр. 3618

ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم إني أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل، والهرم، وسوء الكبر، وفتنة الدنيا، وعذاب القبر، وإذا أصبح قال ذلك ــ لا لغيره، ويمكن أن يكون جملة ((الحمد الله)) مستقلة والتقدير ((والحمد لله على ذلك)) وقيل: ويجوز أن يكون قوله ((والحمد لله)) معطوفًا على قوله ((الملك لله)) فيكون هذا أيضًا اسمًا لأصبح (ولا إله إلا الله) كذا في جميع نسخ المشكاة بزيادة الواو وهكذا وقع في المصابيح وجامع الأصول وكذا وقع عند ابن السني، قال الطيبي: عطف على ((الحمد لله)) على تأويل وأمسى الفردانية والوحدانية مختصين بالله - انتهى. والذي في صحيح مسلم ((لا إله إلا الله)) أي بدون الواو وهكذا وقع عند الترمذي وأبي داود وكذا نقله النووي في الأذكار وابن الجزري في الحصن، والظاهر أن ما وقع في المشكاة تبعًا للمصابيح وجامع الأصول خطأ والصواب بحذف الواو (وحده) حال مؤكدة. أي منفردًا بالألوهية (اللهم إني أسألك) أي مصيرًا وافرًا وحظًا وافيًا (من خير هذه الليلة) أي ذاتها وعينها (وخير ما فيها) قال الطيبي: أي من خير ما ينشأ (يقع ويحدث) فيها وخير ما يسكن فيها، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ﴾ (٦: ١٣) وقال ابن حجر: أي مما أردت وقوعه فيها لخواص خلقك من الكمالات الظاهرة والباطنة وخير ما يقع فيها من العبادات التي أمرنا بها فيها، أو المراد خير الموجودات التي قارن وجودها تلك الليلة وخير كل موجود الآن. وقيل: الأظهر أن يراد بخيرها ما يعمل فيها بنفسه وبخير ما فيها ما يقع ويحدث فيها من الكوائن والحوادث (وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها) وفي رواية لمسلم ((رب أسألك خير ما في الليلة وخير ما بعدها (أي من الليالي أو مطلقًا) وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها)) (اللهم إني أعوذ بك من الكسل) بفتحتين أي التثاقل في الطاعة مع الاستطاعة. قال الطيبي: الكسل التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه، ويكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة. (والهرم) بفتحتين، أي كبر السن المؤدي إلى تساقط بعض القوى وضعفها وهو الرد إلى أرذل العمر لأنه يفوت فيه المقصود بالحياة من العلم والعمل، ولذا قال تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ (١٦: ٧٠) (وسوء الكِبَر) بكسر الكاف وفتح الباء بمعنى الهرم والخرف، وروي بإسكان الباء بمعنى البطر أي الطغيان عند النعمة والتعاظم على الناس. والأول أصح رواية ودراية وتعضده رواية النسائي ((وسوء العمر)) والمراد بسوء الكبر ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل، واختلاط الرأي والتخبط فيه، والقصور عن القيام بالطاعة وغير ذلك مما يسوء الحال. وقال في اللمعات: في الفقرات كلها ترق من الأدنى إلى الأعلى استعاذ أولاً من الكسل أي من التثاقل في الطاعة مع الاستطاعة، ثم من الهرم الذي فيه سقوط بعض الاستطاعة فيفوت به بعض وظائف العبادات، ثم من سوء الكبر الذي يصير فيه كالحلس الملقى على الأرض لا يصدر منه شيء من الخيرات (وفتنة الدنيا) أي الافتتان بها ومحبتها أو الابتلاء بفتنة فيها (وعذاب القبر) أي من نفس عذابه أو مما يوجبه (وإذا أصبح) أي دخل ﷺ في الصباح (قال ذلك) أي

стр. 3619

أيضًا: أصبحنا وأصبح الملك لله. وفي رواية: رب إني أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر. رواه مسلم. ٢٤٠٥- (٢) وعن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده، ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحيى. وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا ــ ما يقول في المساء (أيضًا) أي لكن يقول بدل ((أمسينا وأمسى الملك لله)) (أصبحنا وأصبح الملك لله) ويبدل اليوم بالليلة فيقول: اللهم إني أسالك من خير هذا اليوم، ويذكر الضمائر بعده (وفي رواية) أي لمسلم وغيره يقول بعد قوله: ((سوء الكبر)) (رب إني أعوذ بك) كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا والذي في صحيح مسلم ((رب أعوذ بك)) أي بسقوط ((إني)) وكذا وقع عند الترمذي وأبي داود وهكذا في المصابيح وجامع الأصول والحصن (من عذاب في النار وعذاب في القبر) التنكير فيهما للتقليل لا للتفخيم كما وهم ابن حجر. وفي الحديث إظهار العبودية والافتقار إلى تصرفات الربوبية، وإن الأمر كله خيره وشره بيد الله، وأن العبد ليس له من الأمر شيء، وفيه تعليم للأمة ليتعلموا آداب الدعوة (رواه مسلم) وكذا الترمذي في الدعوات، وأبو داود في الأدب، وابن السني (ص١٣) ، والنسائي، وابن أبي شيبة كما في الحصن، ورواه أحمد (ج١: ص٤٤٠) مختصرًا جدًا. وفي الباب عن أنس أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، وأبو داود، وابن السني، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٣٢) . ٢٤٠٥- قوله (إذا أخذ مضجعه) بفتح الجيم أي أتى فراشه ومرقده (من الليل) أي في بعض أجزاء الليل فالمضجع كمقعد موضع الضجع، وفي رواية للبخاري: ((إذا أوى إلى فراشه)) أي دخل فيه، وقال الطيبي: قوله: ((من الليل)) صلة لأخذ على طريق الاستعارة كأنه قيل إذا أخذ حظه من الليل أي أراد أن ينام، لأن لكل أحد حظًا منه وهو السكون والنوم والراحة فكأنه يأخذ منه نصيبه وحظه بالسكون والنوم قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ (١٠: ٦٧) والمضجع مصدر - انتهى (وضع يده) أي كفه اليمنى (تحت خده) وعند أحمد (ج٥: ص٣٨٧) ((وضع يده اليمنى تحت خده اليمنى)) (اللهم باسمك) بوصل الهمزة، أي بذكر اسمك جادًا لا بكف اللسان عن ذكرك ولا بقلب غافل (أموت) قدم الموت لأن النوم أخوه وهذا وقت النوم (وأحيي) بفتح الهمزة أي أنام واستيقظ يعني بذكر اسمك أحيى ما حييت وعليه أموت. ويسقط بهذا سؤال من يقول بالله الحياة والموت لا باسمه، ويحتمل أن يكون لفظ الاسم هنا زائدًا كما في قول الشاعر: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) ولأحمد في الرواية المذكورة ((أحياني بعد ما أماتني)) قيل: هذا ليس إحياء ولا إماتة

стр. 3620

وإليه النشور. رواه البخاري. ٢٤٠٦- (٣) ومسلم عن البراء. ــ بل إيقاظ وإنامة، وأجيب بأن الموت عبارة عن انقطاع تعلق الروح بالبدن، وذلك قد يكون ظاهرًا فقط وهو النوم ولهذا يقال ((النوم أخو الموت)) أو ظاهرًا وباطنًا وهو الموت المتعارف فإطلاق الموت على النوم يكون مجازًا لاشتراكهما في انقطاع تعلق الروح بالبدن، وقيل سمي النوم بالموت لأن الصفات السمع من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام كما تزول بالموت بتة تبقى بالنوم بحيث لم تكن. فالنوم يعطل هذه الصفات بحيث نستطيع أن نقول إنها بطلت كلها سوى الحياة حتى يستيقظ، والحياة وإن كانت باقية للنوم لكن النائم لا يدر بها ففي حقه لا يبعد أن يقال: زالت عنه تلك الصفات السبع كلها فيدخل في سلك الموتى. وقال أبو إسحاق الزجاج: النفس التي تفارق الإنسان عند النوم هي التي للتمييز، والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة، وهي التي تزول معها التنفس، وسمي النوم موتًا لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلاً وتشبيهًا لا تحقيقًا. وقال الخطابي: هذا مجاز لأن الحياة غير زائلة عند النوم لكن جعل السكون عن الحركات وزوال القدرة عند النوم بمنزلة الموت فقال: ((بعد ما أماتنا)) أي رد علينا القوة والحركة بعدما أن أزالهما منا بعد النوم (وإليه النشور) أي البعث يوم القيامة والإحياء بعد الإماتة. يقال: نشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم فحيوا. قاله الحافظ. وقال في النهاية: نشر الميت نشورًا، إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أي أحياه. قيل: ما سبب الشكر على الانتباه من النوم، وأجاب الطيبي مبينًا لحكمة إطلاق الموت على النوم بأن انتفاع الإنسان بالحياة إنما هو بتحري رضا الله عنه وتوخي طاعته والاجتناب عن سخطه وعقابه فمن نام زال عنه هذا الانتفاع بالكلية ولم يأخذ نصيب حياته وكان كالميت فكان قوله: ((الحمد لله)) شكرًا لنيل هذه النعمة وزوال ذلك المانع وقال الطيبي: وهذا التأويل موافق للحديث الآخر الذي فيه ((وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)) وينتظم معه قوله ((وإليه النشور)) أي وإليه المرجع في نيل الثواب بما يكتسب في الحياة. قيل الذكر في بدء نومه والحمد بعد يقظته مشعر بأنه ينبغي أن يكون السالك عند نومه ذاكرًا الله تعالى متهيئًا للموت لأنه خاتمة أمره وعمله، وعند تنبهه حامدًا لله وشاكرًا على فضله، ويتذكر باليقظة بعد النوم البعث بعد الموت، وأن يعلم أن مرجع الخلق كله إلى مولاه. (رواه البخاري) في الدعوات والتوحيد أي عن حذيفة، وكذا رواه عنه أحمد (ج٥: ص٣٨٥، ٣٨٧، ٣٩٧، ٣٩٩، ٤٠٧) ، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الأدب، وابن ماجة في الدعاء، والنسائي، وابن السنى (ص٢٢٥) ، وابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، والدارمي في الاستيذان، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص ٩٨، ٩٩) . ٢٤٠٦- قوله (ومسلم عن البراء) قال القاري: فالحديث متفق عليه، والخلاف في الصحابي. قلت: ليس هذا الحديث متفقًا عليه في عرف المحدثين إذا شرطوا فيه اتحاد الصحابي. والحديث رواه أحمد أيضًا عن البراء (ج٤: ص٢٩٤، ٣٠٢) .

стр. 3621

٢٤٠٧- (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه. ــ ٢٤٠٧- قوله (إذا أوى) بقصر الهمزة أي نزل (إلى فراشه) بكسر الفاء أي أتى إليه لينام عليه. وفي رواية البخاري في التوحيد ((إذا جاء أحدكم إلى فراشه)) ولابن ماجة ((إذا أراد أحدكم أن يضطجع على فراشه)) وللترمذي: ((إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه)) ولأحمد (ج٢: ص٢٨٣) ((إذا قام أحدكم من الليل ثم رجع إلى فراشه)) (فلينفض) بضم الفاء من باب نصر من النفض بالنون والفاء والضاد المعجمة وهو تحريك الشيء ليسقط ويزول ما عليه من غبار ونحوه ومعناه بالفارسية بيفشاند (فراشه) قبل أن يدخل إليه (بداخلة إزاره) ولابن ماجة ((فلينزع داخلة إزاره ثم لينقض بها فراشه)) . وللبخاري في الأدب المفرد ((فليحل)) وله أيضًا ولمسلم: ((فليأخذ)) قال الحافظ: قوله ((بداخلة إزاره)) كذا للأكثر، وفي رواية أبي زيد المروزي ((بداخل)) بلا هاء. وداخلة الإزار حاشيته التي تلي الجسد وتماسه، وقيل هي طرفه مطلقًا، وفي القاموس: طرفه الذي يلي الجسد ويلي الجانب الأيمن. قال القرطبي: حكمة هذا النفض قد ذكرت في الحديث، وأما اختصاص النفض بداخلة الإزار فلم يظهر لنا، ويقع لي أن في ذلك خاصية طبية تمنع من قرب بعض الحيوانات كما أمر بذلك العائن، ويؤيده ما وقع في بعض طرقه ((فلينفض بها ثلاثًا)) فخذا بها حذو الرقى في التكرير – انتهى. وأشار الداودي إلى أن الحكمة في ذلك أن الإزار يستر بالثياب فيتوارى بما يناله من الوسخ فلو نال ذلك بكمه صار غير لدن الثوب، والله يحب إذا عمل العبد عملاً أن يحسنه. وقال صاحب النهاية (ج٢: ص١٧) : داخلة الإزار طرفه وحاشيته من داخل، وإنما أمر بداخلته دون خارجته لأن المؤتزر يأخذ إزاره بيمينه وشماله فيلزق ما بشماله على جسده وهي داخلة إزاره (يعني أن المؤتزر إذا ائتزر يأخذ أحد طرفي إزاره بيمينه والآخر بشماله فيرد ما أمسكه بشماله عل جسده) ثم يضع ما بيمينه فوق داخلته فمتى عاجله أمر وخشى سقوط إزاره أمسكه بشماله ودفع عن نفسه بيمينه، فإذا صار إلى فراشه فحل إزاره فإنما يحل بيمينه خارجة الإزار وتبقى الداخلة معلقة وبها يقع النفض لأنها غير مشغولة باليد - انتهى. وأشار الكرماني إلى أن الحكمة فيه أن يكون يده حين النقض مستورة لئلا يكون هناك شيء فيحصل في يده ما يكره. قال الحافظ: وهي حكمة النفض بطرف الثوب دون اليد لا خصوص الداخلة. وقال القاري: قيد النفض بإزاره لأن الغالب في العرب أنه لم يكن لهم ثوب غير ما هو عليهم من إزار ورداء، وقيد بداخل الإزار ليبقى الخارج نظيفًا، ولأن هذا أيسر ولكشف العورة أقل وأستر. وإنما قال: هذا لأن رسم العرب ترك الفراش في موضعه ليلاً ونهارًا ولذا علله وقال: (فإنه) أي الشأن أو المريد للنوم (لا يدري ما خلفه) بالفتحات والتخفيف (عليه) أي جاء عقبه على الفراش، قال البغوي: يريد لعل هامة دبت فصارت فيه بعده. ولمسلم وكذا للبخاري في الأدب المفرد ((وليسم الله فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه)) أي ما صار بعده خلفًا وبدلاً عنه إذا غاب، خلف فلان فلانًا إذا قام مقامه، والمراد ما يكون قد دب على فراشه بعد

стр. 3622

ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فأرحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين. وفي رواية: ثم ليضطجع على شقه الأيمن ــ مفارقته. قال الطيبي: معناه لا يدري ما وقع في فراشه بعد ما خرج منه من تراب أو قذاة أو هوام. وقال النووي: معناه أنه يستحب أن ينفض فراشه قبل أن يدخل فيه لئلا يكون قد دخل فيه حية أو عقرب أو غيرهما من المؤذيات وهو لا يشعر ولينفض ويده مستورة بطرف إزاره لئلا يحصل في يده مكروه إن كان شيء هناك (ثم يقول) أي بعد النفض ووضع الجنب كما يدل عليه الرواية الآتية ((ثم ليضطجع ثم ليقل)) (باسمك ربي وضعت جنبي) أي مستعينًا باسمك يا ربي. وفي الأدب المفرد: ((وليقل سبحانك ربي بك وضعت جنبي)) . ولمسلم: ((وليقل سبحانك اللهم ربي بك وضعت جنبي)) (وبك أرفعه) أي باسمك أو بحولك وقوتك أرفعه حين أرفعه فلا أستغني عنك بحال (إن أمسكت نفسي) . وفي رواية: ((احتبست نفسي)) أي قبضت روحي في النوم توفيتها (فارحمها) أي بالمغفرة والتجاوز عنها (وإن أرسلتها) بأن رددت الحياة إلى وأيقظتني من النوم (فاحفظها) أي من المعصية والمخالفة (بما تحفظ به) أي من التوفيق والعصمة والأمانة (عبادك الصالحين) أي القائمين بحقوق الله وعباده. والباء في ((بما تحفظ)) مثلها في ((كتبت بالقلم)) وما موصولة مبهمة، وبيانها ما دل عليه صلتها لأن الله تعالى إنما يحفظ عباده الصالحين من المعاصي ومن أن لا يتهاونوا في طاعته وعبادته بتوفيقه ولطفه ورعايته، والحديث موافق لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ (٣٩: ٤٢) جمع النفسين في حكم التوفي ثم فرق بين جهتي التوفي بالحكم بالإمساك وهو قبض الروح، وبالإرسال وهو رد الحياة، أي الله يتوفى الأنفس التي تقبض والتي لا تقبض فيمسك الأولى ويرسل الأخرى. وزاد في رواية الترمذي في آخر هذا الحديث شيئًا لم أره عند غيره وهو قوله: ((وإذا استيقظ فليقل الحمد الله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي (أي روحي المميزة برد تميزها الزائل عنها بنومها) وأذن لي بذكره)) وهو يشير إلى ما ذكره الكرماني أن الإمساك كناية عن الموت فالرحمة أو المغفرة تناسبه والإرسال كناية عن استمرار البقاء والحفظ يناسبه. وقد تقدم قول الزجاج في الكلام على حديث حذيفة وكذلك كلام الطيبي. قال ابن بطال: في هذا الحديث أدب عظيم وقد ذكر حكمته في الخبر وهو خشية أن يأوي إلى فراشه بعض الهوام الضارة فتؤذيه. وقال القرطبي يؤخذ من هذا الحديث أنه ينبغي لمن أراد المنام أن يمسح فراشه لاحتمال أن يكون فيه شيء يخفى من رطوبة أو غيرها. وقال ابن العربي: هذا من الحذر ومن النظر في أسباب دفع سوء القدر، أو هو من الحديث الآخر ((اعقلها وتوكل)) . قلت: الظاهر هو الأول ففيه حث على الحزم والاحتراس من مظان الضر والأذى وقد ورد فيما يقال عند النوم أحاديث أخرى ذكر أكثرها في هذا الباب (وفي رواية) لمسلم وغيره: (ثم ليضطجع على شقه الأيمن) فيه ندب اليمين في النوم لأنه أسرع إلا الانتباه لعدم استقرار القلب حينئذ لأنه معلق بالجانب الأيسر فيعلق فلا يستغرق في النوم بخلاف النوم على الأيسر فإن القلب ليستقر

стр. 3623

ثم ليقل: باسمك. متفق عليه. وفي رواية: فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات، وإن أمسكت نفسي فاغفر لها. ٢٤٠٨- (٥) وعن البراء بن عازب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك، ــ فتكون الاستراحة له بطأ للانتباه، ثم هذا إنما هو بالنسبة إلينا دونه ﷺ لأنه لا ينام قلبه فلا فرق في حقه ﵊ بين النوم على شقه الأيمن والأيسر، وإنما كان يؤثر الأيمن لأنه كان يحب التيامن في شأنه كله ولتعليم أمته (متفق عليه) أخرجه البخاري في الدعوات وفي التوحيد، ومسلم في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٤٦، ٢٨٣، ٢٩٥) والبخاري في الأدب المفرد في موضعين، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الأدب، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وابن ماجة في الدعاء، والدارمي في الاستيذان (ص٣٦٠) ، والدارقطني في غرائب مالك، وابن السني (ص٢٢٦) ، والطبراني في الدعاء، وابن أبي شيبة، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص٩٩، ١٠٠) . (وفي رواية) للبخاري في التوحيد وكذا للترمذي والطبراني (فلينفضه) قيل: لأن البيوت إذ ذاك كانت مظلمة لم يكن فيها المصابيح فأمر بالنفض من قبل التلبس به حتى لا يؤذيه ما دخله من المؤذيات (بصنفة ثوبه) وللترمذي: ((بصنفة إزاره)) بباء الجر بعدها صاد مهملة مفتوحة فنون مكسورة ففاء فهاء تأنيث. أي بطرف ثوبه. وقال الطيبي: أي بحاشية إزاره التي تلي الجسد. فكأنه أراد الجمع بين الروايتين وإلا ففي النهاية: صنفة الإزار بكسر النون طرفه مما يلي طرته. وفي القاموس صَنِفة الثوب كفرحة، وصِنْفه وصِنْفته بكسرهما حاشيته أي جانب كان أو جانبه الذي لا هدب له أو الذي فيه الهدب - انتهى. (ثلاث مرات) حذرًا من وجود مؤذية وهو لا يشعر وقيد بالثلاثة مبالغة في النظافة (فاغفر لها) أي بدل قوله ((فارحمها)) وهذا اللفظ للبخاري، ومسلم، والدارمي، وأحمد (ج٢: ص٢٨٣، ٢٩٥) . ٢٤٠٨- قوله (كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه) إلخ. هكذا وقع في رواية العلاء بن المسيب عن أبيه عن البراء من فعل النبي ﷺ ، وهي عند البخاري في باب النوم على الشق الأيمن من كتاب الدعوات، وكذا رواه في الأدب المفرد، وهكذا وقع في رواية للنسائي في عمل اليوم والليلة، والبغوي في شرح السنة. ووقع في رواية سعد بن عبيدة وأبي إسحاق عن البراء من قوله وتعليمه كما سيأتي وهي عند الشيخين وأصحاب السنن وغيرهم فيستفاد مشروعية هذا الذكر من قوله ﷺ ومن فعله (نام على شقه) بكسر المعجمة وتشديد القاف أي جانبه (الأيمن) لأنه كان يحب التيامن في شأنه كله (ثم قال: اللهم) وفي رواية للنسائي ((كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه توسد يمنيه (أي جعل يده اليمني تحت رأسه من التوسد وهو اتخاذ النائم تحت رأسه وسادة وهي المخدة) ثم قال بسم الله)) (أسلمت) أي سلمت. وقيل: أي أخلصت (نفسي) أي: ذاتي (إليك) أي مائلة إلى حكمك، وقيل أسلمت نفسي إليك أي استسلمت وانقدت. والمعنى جعلت ذاتي منقادة لك طائعة لحكمك إذ لا قدرة لي على تدبيرها، ولا على جلب ما ينفعها إليها، ولا دفع ما يضرها عنها فأمرها مفوض إليك

стр. 3624

ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك. ــ تفعل بها ما تريد واستسلمت لما تفعل فلا اعتراض عليك فيه (ووجهت وجهي) أي: وجهتي وتوجهي وقصد قلبي (إليك) وقيل: الوجه هنا بمعنى الذات والشخص كالنفس، وفيه نظر لأن الجمع بينهما يدل على تغايرهما فالمراد بالنفس الذات وبالوجه القصد (وفوضت أمري إليك) من التفويض وهو تسليم الأمر إلى الله تعالى أي: رددت أمري إليك والمعنى توكلت عليك في أمري كله لتكفيني همه وتتولى صلاحه (وألجأت) أي: أسندت (ظهري إليك) أي: اعتمدت في أموري (ومنها القيام لصلاة التهجد ولصلاة الفجر) عليك لتعينني على ما ينفعني لأن من استند إلى شيء تقوَّى به واستعان به تشبيهًا للاستناد المعنوي بالاستناد الحسي بجامع الراحة في كل وخصه بالظهر لأن العادة جرت أن الإنسان يعتمد بظهره إلى ما يستند إليه. وقال الطيبي: في هذا النظم عجائب وغرائب لا يعرفها إلا النقاد من أهل البيان فقوله: ((أسلمت نفسي)) إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه، وقوله: ((وجهت وجهي)) إلى أن ذاته وحقيقته مخلصة له تعالى بريئة من النفاق. وقوله: ((فوضت أمري إليك)) إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه لا مدبر لها غيره. وقوله: ((ألجأت ظهري إليك)) بعد قوله: ((فوضت أمري)) إشارة إلى أنه بعد تفويض أموره التي هو مفتقر إليها وبها معاشه وعليها مدار أمره يلتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة (رغبة ورهبة) علة لكل من المذكورات أي: طمعًا في رفدك وثوابك وخوفًا من غضبك ومن عذابك. وقال الطيبي: منصوبان على العلة بطريق اللف والنشر أي: فوضت أموري إليك رغبة أي: طمعًا في ثوابك وألجأت ظهري من المكاره والشدائد إليك رهبة منك أي: محافة من عذابك. وقيل: مفعول لهما لألجأت. وقال القاري: الأظهر أن نصبهما على الحالية أي: راغبًا وراهبًا أو الظرفية أي: في حال الطمع والخوف يتنازع فيهما الأفعال المتقدمة كلها. (إليك) متعلق برغبة ومتعلق الرهبة محذوف أي: منك، يدل عليه أنه وقع في الرواية الآتية عند أحمد (ج٤: ص٢٩٦) ، والنسائي ((رهبة منك ورغبة إليك)) ، وقيل: ((إليك)) متعلق برغبة ورهبة وإن تعدى الثاني بمن لكنه أجرى مجرى رغب تغليبًا يعني أعطى للرهبة حكم الرغبة، والعرب تفعل ذلك كثيرًا كقوله: ورأيت بعلك في الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحًا والرمح لا يتقلد. ونحوه: علفتها تبنًا وماء باردًا والماء لا يعلف. وقال الجزري في النهاية، وجامع الأصول: قد عطف الرهبة على الرغبة ثم أعمل لفظ الرغبة وحدها ولو أعمل الكلمتين معًا لقال: ((رغبة إليك ورهبة منك)) ولكن هذا سائغ في العربية أن يجمع بين الكلمتين في النظم ويحمل إحداهما على الأخرى في اللفظ، كقول الشاعر: إذا ما الغانيات برزن يومًا ... وزججن الحواجب والعيونا

стр. 3625

لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ. آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. وقال رسول الله ﷺ من قالهن ثم مات تحت لَيْلَتِه مات عَلَى الْفِطْرَةِ. ــ والعيون لا تزجج وإنما تكحل - انتهى بتوضيح. وكذلك قال البغوي، وابن الجوزي، والطيبي: (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) أي: لا مهرب ولا ملاذ ولا مخلص من عقوبتك إلا إلى رحمتك. قال الحافظ: أصل ملجأ بالهمزة ومنجأ بغير همزة ولكن لما جمعا جاز أن يهمزا للازدواج وأن يترك الهمز فيهما وأن يهمز المهموز ويترك الآخر فهذه ثلاثة أوجه ويجوز التنوين مع القصر فتصير خمسة. قال العيني: إعرابهما مثل إعراب ((عصا)) وفي هذا التركيب خمسة أوجه لأنه مثل لا حول ولا قوة إلا بالله أي: فتجري فيه الأوجه الخمسة المشهورة وهي فتح الأول والثاني، وفتح الأول ونصب الثاني، وفتح الأول ورفع الثاني، ورفع الأول وفتح الثاني، ورفع الأول والثاني. قال العيني: والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين وعدمه، وعند التنوين تسقط الألف، ثم إنهما إن كانا مصدرين يتنازعان في ((منك)) وإن كانا مكانين فلا، إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجأ إلا إليك (آمنت بكتابك) أي: صدقت أنه كتابك، وهو يحتمل أن يريد به القرآن ويحتمل أن يريد اسم الجنس فيشمل كل كتاب سماوي أنزل (الذي أنزلت) أي: أنزلته (ونبيك الذي أرسلت) وقع في رواية: ((أرسلته وأنزلته)) في الأول بزيادة الضمير المنصوب فيهما (من قالهن) أي: الكلمات المذكورة (ثم مات تحت ليلته) قال الطيبي: معنى ((تحت ليلته)) أنه لم يتجاوز عنه إلى النهار لأن الليل يسلخ منه النهار فهو تحته يعني أنه يقع ذلك قبل أن ينسلخ النهار من الليل وهو تحته، قال: أو يكون بمعنى مات تحت نازلة تنزل عليه في ليلته، وكذا معنى ((من)) في الرواية الأخرى أي: من أجل ما يحدث في ليلته، وقال ابن حجر: سبب التعبير بالتحت أن الله جعل الليل لباسًا فالناس مغمورون ومستورون تحته كالمستور تحت ثيابه ولباسه (مات على الفطرة) أي: على الدين القويم ملة إبراهيم ﵇ فإن إبراهيم ﵇ أسلم واستسلم، قال الله تعالى عنه: ﴿جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٣٧: ٨٤) وقال عنه: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢: ١٣١) وقال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ (٣٧: ١٠٣) وقال ابن بطال وجماعة: المراد بالفطرة هنا دين الإسلام وهو بمعنى الحديث الآخر: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) . قال القرطبي في المفهم: كذا قال الشيوخ وفيه نظر لأنه إذا كان قائل هذه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذكرت من التوحيد والتسليم والرضا إلى أن يموت كمن يقول: لا إله إلا الله ممن لم يخطر له شيء من هذه الأمور فأين فائدة هذه الكلمات العظيمة وتلك المقامات الشريفة ويمكن أن يكون الجواب أن كلاً منهما وإن مات على الفطرة فبين الفطرتين ما بين الحالتين ففطرة الأول فطرة المقربين وفطرة الثاني فطرة أصحاب اليمين. قلت: وقع في حديث رافع بن خديج عند الترمذي وقد حسنه ((فإن مات من ليلته دخل الجنة)) . ووقع في رواية حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عند أحمد بدل قوله: ((مات على الفطرة)) ((بنى له بيت في الجنة)) قال الحافظ: وهذا يؤيد ما ذكره القرطبي، وقال الشيخ أكمل الدين الحنفي في شرحه لمشارق الأنوار فإن قلت:

стр. 3626

وفي رواية قال قال رسول الله ﷺ لرجل: يا فلان إِذَا أَوَيت إِلَى فِرَاشِك فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نفسي إليك ... إلى قوله: أَرْسَلْتَ. وقال: فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ متَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وإن أصبحت أصبت خيرًا. متفق عليه. ٢٤٠٩- (٦) وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا ــ إذا مات الإنسان على إسلامه ولم يكن ذكر من هذه الكلمات شيئًا فقد مات على الفطرة لا محالة فما فائدة ذكر هذه الكلمات؟ أجيب بتنويع الفطرة ففطرة القائلين فطرة المقربين الصاحين، وفطرة الآخرين فطرة عامة المؤمنين، ورد بأنه يلزم أن يكون للقائلين فطرتان: فطرة المؤمنين وفطرة المقربين، وأجيب بأنه لا يلزم ذلك بل إن مات القائلون فهم على فطرة المقربين، وغيرهم لهم فطرة غيرهم - انتهى. (وفي رواية) للشيخين وغيرهما (قال) ، أي البراء (قال رسول الله ﷺ لرجل) هو البراء راوي الحديث ففي رواية للبخاري ((قال لي رسول الله ﷺ : إذا أتيت مضجعك)) . وفي رواية للترمذي عن البراء ((أن النبي ﷺ قال له: ألا أعلمك كلمات تقولها إذا أويت إلى فراشك)) ، (إذا أويت إلى فراشك) أي انضممت إليه ودخلت فيه للنوم كما قال في الرواية الأخرى ((إذا أخذت مضجعك)) أي أتيت مكان نومك وأردت أن تضطجع (فتوضأ) أمر ندب (وضوءك للصلاة) أي كوضوئك للصلاة فهو منصوب بنزع الخافض. قال الترمذي: لا نعلم في شيء من الروايات ذكر الوضوء عند النوم إلا في هذا الحديث. وفي رواية لأبي داود: ((إذا أويت إلى فراشك وأنت طاهر فتوسد يمينك)) الحديث. (ثم اضطجع) أصله اضتجع لأنه من باب الافتعال فقلبت التاء طاء (وقال) أي النبي ﷺ فيكون من جملة كلام البراء عطف على ((قال رسول الله)) (فإن مت) بضم الميم وكسرها (من ليلتك) أي في ليلتك (وإن أصبحت أصبت خيرًا) أي خيرًا كثيرًا. أو خيرًا في الدارين. قال النووي: في هذا الحديث ثلاث سنن مهمة مستحبة ليست بواجبة. إحداها: الوضوء عند إرادة النوم، فإن كان متوضأ كفاه ذلك الوضوء لأن المقصود النوم على طهارة مخافة أن يموت في ليلته وليكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به في منامه وترويعه إياه. والثانية النوم على الشق الأيمن لأن النبي ﷺ كان يحب التيامن، ولأنه أسرع إلى الانتباه، الثالثة ذكر الله تعالى ليكون خاتمة عمله - انتهى. (متفق عليه) فيه نظر فإن الرواية الأولى للبخاري وحده كما تقدم والرواية الثانية رواها البخاري في آخر الوضوء وفي الدعوات وفي التوحيد في باب قوله ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ورواها مسلم في الدعاء، وكذا الترمذي، وابن ماجة، ورواها أبو داود في الأدب، والنسائي في: عمل اليوم والليلة، وأخرجها أيضًا أحمد: (ج٤: ص٢٩٠، ٢٩٢، ٢٩٦، ٣٠٢) ، والدارمي في: الاستيذان، وابن السني (ص٢٢٥) ، والبغوي في شرح السنة: (ج٥: ص١٠٣، ١٠٤) . ٢٤٠٩- قوله (وكفانا) أي كفى مهماتنا وقضى حاجتنا ودفع عنا شر ما يؤذينا فهو تعميم بعد تخصيص

стр. 3627

وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ. رواه مسلم. ٢٤١٠- (٧) وعن علي: أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى ــ (وآوانا) بالمد ويجوز القصر أي جعل لنا مأوى نأوى أي نضم إليه ونسكن فيه. قال الجزري: أي ردنا إلى مأوى لنا ولم يجعلنا منتشرين كالبهائم (في الصحاري) والمأوى المنزل، وفي حديث البيعة أنه قال للأنصار ((أبايعكم على أن تأوونى وتنصروني)) أي تضموني إليكم وتحوطوني بينكم، يقال: أوى وآوى بمعنى واحد أي ضم، والمقصود منهما لازم ومتعد ومنه قوله ((لا قطع في ثمر حتى يأويه الجرين)) أي يضمه البيدر ويجمعه، ومنه لا يأوي الضالة إلا ضال، كل هذا من أوى يأوى. يقال: أويت إلى المنزل وأويت غيري وآويته. وأنكر بعضهم المقصود المتعدي. وقال الأزهري: هي لغة فصيحة - انتهى. وقال النووي: إذا أوى إلى فراشه وأويت مقصور، وأما آوانا فممدود وهذا هو الصحيح الفصيح المشهور، وحكى القصر فيهما وحكى بالمد فيهما - انتهى (فكم ممن لا كافي له) بفتح الياء (ولا مؤوي) بضم ميم وسكون همزة ويبدل، وبكسر واو اسم فاعل من الإيواء وله مقدر. أي فكم من شخص لا يكفيهم الله شر الأشرار بل تركهم وشرهم حتى غلب عليهم أعداءهم ولا يهيئ لهم مأوى بل تركهم يهيمون في البوادي ويتأذون بالحر والبرد. قال الطيبي: ذلك قليل نادر فلا يناسب ((كم)) المقتضى للكثرة على أنه افتتح بقوله ((أطعمنا وسقانا)) ويمكن أن ينزل هذا على معنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (٤٧: ١١) فالمعنى إنا نحمد الله عل أن عرفنا نعمه ووفقنا لأداء شكره فكم من منعم عليه لا يعرفون ذلك ولا يشكرون. وكذلك الله مولى الخلق كلهم بمعنى أنه ربهم ومالكهم لكنه ناصر للمؤمنين ومحب لهم فالفاء في ((فكم)) للتعليل. قيل وإنما حمد الله على الطعام والسقي وكفاية المهمات في وقت الاضطجاع لأن النوم فرع الشبع والري وفراغ الخاطر عن المهمات والأمن من الشرور. (رواه مسلم) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الأدب، والنسائي، والبخاري في الأدب المفرد، وابن السني (ص٢٢٦) ، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٠٥) . ٢٤١٠- قوله (وعن علي) ، أي ابن أبي طالب (أن فاطمة) الزهراء بنت النبي ﷺ (أتت النبي ﷺ ) ، أي بيته (تشكو إليه) قال القاري: إما مفعول له بحذف ((أن)) تخفيفًا أي أتت إليه إرادة أن تشكو أو حال مقدرة من فاعل أتت، أي مقدرة الشكوى (ما تلقى) ، أي من الكلفة والمشقة أو من ((المجل)) ففي الترمذي، وزوائد عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (ج١: ص١٢٤) شكت فاطمة مجل يديها من الطحن. وهو بفتح الميم وسكون الجيم بعدها لام. قال الطبري: المراد به غلظ اليد، وكل من عمل عملاً بكفه فغلظ جلدها. قيل: مجلت كفه. وقال الجزري: مجلت يده تمجُل مجلاً ومجِلت تمجل مجلاً إذا ثخن جلدها وتعجز وظهر منها ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة (في يدها من الرحى) زاد في رواية ((مما

стр. 3628

وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ فَلَمْ تُصَادِفْهُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا ــ تطحن)) ، أي من أجل إدارة الرحى بالقصر لطحن الشعير للخبز وهو سبب آخر من أسباب الشكوى وبقي أسباب أخرى ورد ذكرها عند أبي داود، وعبد الله بن أحمد في زوائده في مسند أبيه (ج١: ص١٥٤) ، من طريق أبي الورد عن علي بن أعبد عن علي قال: كانت فاطمة زوجتي فجرت بالرحى حتى أثر الرحى بيدها، واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها وقمت، (أي كنست) البيت حتى اغبرت ثيابها وأوقدت تحت القدر حتى دنست (وفي رواية ((دكنت)) ) ثيابها فأصابها من ذلك ضرر (وبلغها) حال من ضمير ((أتت)) ، أي وقد بلغ فاطمة (أنه) ، أي الشأن (جاءه) ، أي النبي ﷺ (رقيق) من السبي والرقيق المملوك وقد يطلق على الجماعة. وقال الجزري: الرقيق اسم للعبيد والإماء فعيل بمعنى مفعول. أي إنه في الرق الملكة (فلم تصادفه) بالفاء، أي لم تجد فاطمة النبي ﷺ في بيته حتى تلتمس منه خادمًا، فإن قلت: في رواية أبي الورد عن ابن أعبد عن علي عند أبي داود، ((فوجدت عنده حداثًا - بضم المهملة وتشديد الدال وبعد الألف مثلثة - أي جماعة يتحدثون، فاستحيت فرجعت)) . قلت: يحمل على أن المراد أنها لم تجده في المنزل بل في مكان آخر كالمسجد وعنده من يتحدث معه (فذكرت ذلك) ، أي الذي تشكوه (لعائشة فلما جاء) أي النبي ﷺ (أخبرته عائشة) ، أي بمجيء فاطمة إليها في طلب الخادم، وفي رواية للبخاري ((فذكرت ذلك عائشة له)) قال الحافظ: وفي رواية مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلي (عن علي) عند جعفر الفريابي في الذكر، والدارقطني في العلل، وأصله في مسلم: ((حتى أتت منزل النبي ﷺ فلم توافقه فذكرت ذلك له أم سلمة بعد أن رجعت فاطمة)) ويجمع بأن فاطمة التمسته في بيتي أمي المؤمنين، وقد وردت القصة من حديث أم سلمة نفسها أخرجها الطبري في تهذيبه من طريق شهر بن حوشب عنها قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله ﷺ تشكو إليه الخدمة. فذكرت الحديث مختصرًا. وفي رواية السائب (عن علي عند أحمد (ج١: ص١٠٧) وابن سعد) : فأتت النبي ﷺ فقال: ما جاء بك يا بنية؟ قالت: جئت لأسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت. فقلت: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتيناه جميعًا. قال الحافظ: وهذا مخالف لما في الصحيح ويمكن الجمع بأن تكون لم تذكر حاجتها أولاً على ما في هذه الرواية ثم ذكرتها ثانيًا لعائشة لما لم تجده، ثم جاءت هي وعلي على ما في رواية السائب فذكر بعض الرواة ما لم يذكر بعض وقد اختصره بعضهم. ففي رواية مجاهد الماضية في النفقات عند البخاري: أن فاطمة أتت النبي ﷺ تسأله خادمًا فقال ألا أخبرك ما هو خير لك منه؟ . وفي رواية هبيرة بن يريم عن علي عند أحمد (ج١: ص١٤٧) قال: قلت لفاطمة: لو أتيت النبي ﷺ فسألتيه خادمًا فقد أجهدك الطحن والعمل. قالت: فانطلق معي. قال فانطلقت معها فسألناه فقال: ألا أدلكما - الحديث. ووقع عند مسلم من حديث أبي هريرة أن فاطمة أتت النبي ﷺ تسأله خادمًا وشكت العمل فقال: ما ألفيته عندنا (قال) أي علي (فجاءنا وقد أخذنا) الواو فيه للحال (مضاجعنا) جمع مضجع وهو المرقد أي جاءنا النبي ﷺ حال كوننا مضطجعين،

стр. 3629

فَذَهَبْنَا نَقُومُ فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا. فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا ــ زاد في رواية السائب ((فأتيناه جميعًا فقلت: بأبي يا رسول الله والله لقد سنوت)) أي: استقيت من البير فكنت مكان السانية. وهي الناقة التي تسقى عليها الأرض. حتى اشتكيت صدري. وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا فقال: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم. ووقع في رواية عبيدة بن عمرو عن علي عند ابن حبان من الزيادة ((فأتانا وعلينا قطيفة إذا لبسناها طولاً خرجت منها جنوبنا، وإذا لبسناها عرضًا خرجت منها رؤوسنا وأقدامنا)) وفي رواية السائب ((فرجعا فأتاهما النبي ﷺ وق دخلا في قطيفة لهما إذا غطيا رؤوسهما، تكشف أقدامها، وإذا غطيا أقدامهما تكشف رؤوسهما)) (فذهبنا نقوم) أي شرعنا وقصدنا لأن نقوم له (على مكانكما) أي لا تفارقا عن مكانكما والزماه. وقيل أي اثبتا واستمرا على ما أنتما عليه من الاضطجاع (فجاء فقعد بيني وبينها) . وفي رواية عند أحمد: (ج١: ص١٤٥) والنسائي: (أتانا النبي ﷺ ذات ليلة حتى وضع قدمه يني وبين فاطمة) (حتى وجدت برد قدمه) بالإفراد وفي بعض النسخ بالتثنية وهكذا وقع عند البخاري في المناقب والنفقات والدعوات. أي بالتثنية، وكذا وقع عند مسلم. قال القسطلاني: ولأبي ذر ((قدمه)) أي بالإفراد (على بطني) . وفي رواية: ((قال على مكانكما حتى وجدت برد قدميه على صدري)) قال العيني: كلمة ((حتى)) غاية لمقدر تقديره فدخل هو في مضجعنا. ولظهوره ترك - انتهى. وقيل: أي: فأدخل قدميه بيننا من البرد حتى وجدت إلخ. وزاد في رواية الطبري ((فسخنتهما)) . وفي لفظ: وكانت ليلة باردة وقد دخلت هي وعلي في اللحاف فأرادا أن يلبسا الثياب وكان ذلك ليلاً. قال الحافظ: وفي رواية علي بن أعبد ((فجلس عند رؤوسهما وإنها أدخلت رأسها في اللفاع يعني: اللحاف حياء من أبيها)) ويحمل على أنه فعل ذلك أولاً فلما تأنست به دخل معهما في الفراش مبالغة في التأنيس، وفيه غاية التلطف على ابنته وصهره وإذا جاءت الألفة رفعة الكلفة. وزاد في رواية علي بن أعبد ((فقال: ما كان حاجتك أمس. فسكتت مرتين فقلت: أنا والله أحدثك يا رسول الله فذكرته له)) . ويجمع بين الروايتين بأنها أولاً استحيت فتكلم علي عنها فأنشطت للكلام فأكملت القصة، واتفق غالب الرواة على أنه ﷺ جاء إليهما وفي مرسل علي بن الحسين عند جعفر الفريابي في الذكر ((أن فاطمة أتت النبي ﷺ تسأله خادمًا وبيدها أثر الطحن من قطب الرحى فقال: إذا أويت إلى فراشك)) . فيحتمل أن تكون قصة أخرى فقد أخرج أبو داود من طريق أم الحكم أو ضباعة بنت الزبير أي ابن عبد المطلب قالت: أصاب رسول الله ﷺ سبيًا فذهبت أنا وأختي فاطمة بنت رسول الله ﷺ نشكوا إليه ما نحن فيه وسألناه أن يأمر لنا بشيء من السبي فقال: سبقكن يتامى بدر. فذكر قصة التسبيح أثر كل صلاة ولم يذكر قصة التسبيح عند النوم فلعله علم فاطمة في كل مرة أحد الذكرين. كذا في الفتح فقال: (ألا) . بالتخفيف وفتح الهمزة: (أدلكما على خير مما سألتما) وفي رواية: ((مما سألتماني)) أي طلبتما من الرقيق، وفي رواية السائب: ((ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ فقالا: بلى.

стр. 3630

إِذَا أَخَذْتُمَا مَضجَعْكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ــ فقال: كلمات علمنيهن جبريل)) (إذا أخذتما مضجعكما) زاد في رواية لمسلم ((من الليل)) ، وزاد في رواية السائب عند أحمد (ج١: ص١٠٧) ، ((تسبحان دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا)) وهذه الزيادة ثابتة في رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أصحاب السنن الأربعة في حديث أوله: ((خصلتان لا يحصيهما عبد إلا دخل الجنة)) وصححه الترمذي، وابن حبان وفيه ذكر ما يقال عند النوم أيضًا (فسبحا) بكسر الموحدة (واحمدا) بفتح الميم (وكبرا) وبكسر الموحدة (أربعًا وثلاثين) كذا وقعي في رواية القطان عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن علي عند البخاري في النفقات بالجزم بأربع في التكبير وتقديم التسبيح. وهكذا وقع في روايات أخرى، ومثله لسليمان بن حرب عن شعبة عند البخاري أيضًا لكن قدم التكبير وأخر التسبيح، وزاد في رواية هبيرة عن علي في آخر الحديث ((فتلك مائة باللسان وألف في الميزان)) قال الجزري في شرحه للمصابيح: في بعض الروايات الصحيحة التكبير أولاً وكان شيخنا الحافظ ابن كثير يرجحه ويقول: تقديم التسبيح يكون عقب الصلاة وتقديم التكبير عند النوم، أقول: الأظهر أنه يقدم تارة ويؤخر أخرى عملاً بالروايتين وهو أولى وأحرى من ترجيح الصحيح على الأصح مع أن الظاهر أن المراد تحصيل هذا العدد وبأيهن بدأ لا يضر كما ورد في سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ((لا يضرك بأيهن بدأت)) . وفي تخصيص الزيادة بالتكبير إيماء إلى المبالغة في إثبات العظمة والكبرياء فإنه يستلزم الصفات التنزيهية والثبوتية المستفادة من التسبيح والحمد. والله أعلم. كذا في المرقاة. قلت: وفي رواية: ((التكبير ثلاث وثلاثون)) وفي رواية: ((التسبيح أربع وثلاثون)) . وفي رواية: ((التحميد أربع وثلاثون)) واتفاق أكثر الرواة على أن الأربع للتكبير أرجح. قال ابن بطال: هذا نوع من الذكر عند النوم ويمكن أن يكون ﷺ كان يقول جميع ذلك عند النوم وأشار لأمته بالاكتفاء ببعضها إعلامًا منه أن معناه الحض والندب لا الوجوب. وقال عياض: جاءت عن النبي ﷺ أذكار عند النوم مختلفة بحسب الأحوال والأشخاص والأوقات وفي كل فضل (فهو) أي: التسبيح وما بعده إذا قلتماه في الوقت المذكور، وقيل: أي: ما ذكر من الذكر (خير) أي: أفضل (لكما) أي: خاصة، وكذا لمن قاله وعمل به (من خادم) الخادم واحد الخدم يقع على الذكر والأنثى قال العيني: وجه الخيرية إما أن يراد به أن يتعلق بالآخرة والخادم بالدنيا والآخرة خير وأبقى. وإما أن يراد بالنسبة إلى ما طلبته بأن يحصل لها بسبب هذه الأذكار قوة تقدر على الخدمة أكثر مما يقدر الخادم عليه. وفي الحديث حمل الإنسان أهله على ما يحمل على نفسه من إيثار الآخرة على الدنيا إذا كانت لهم قدرة على ذلك. وفيه بيان إظهار غاية التعطف والشفقة على البنت والصهر ونهاية الاتحاد برفع الحشمة والحجاب حيث لم يزعجهما عن مكانهما فتركهما على حالة اضطجاعهما وبالغ حتى أدخل رجله بينهما ومكث بينهما حتى علمهما ما هو الأولى بحالهما من الذكر عوضًا عما طلباه من الخادم فهو من باب تلقي المخاطب بغير ما يطلب إيذانًا بأن الأهم من المطلوب هو التزود للمعاد والصبر على

стр. 3631

.............................................................................................. ــ مشاق الدنيا والتجافي عن دار الغرور. وفيه أن الزوج لا يلزمه إخدام زوجته إذا كانت لا تخدم في بيت أبيها وكانت تقدر على الخدمة من طبخ وخبز وملء ماء وكنس بيت. ولما سألت فاطمة الخادم لم يأمر النبي ﷺ عليًّا أن يخدمها. قال الطبري: يؤخذ منه أن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز أو طحن أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج إذا كان معروفًا أن مثلها يلي ذلك بنفسه ولو كانت كفاية ذلك إلى علي لأمره به كما أمره أن يسوق إليها صداقها قبل الدخول مع أن سوق الصداق ليس بواجب إذا رضيت المرأة أن تؤخره فكيف يأمره بما ليس بواجب عليه ويترك أن يأمره بالواجب. وحكى ابن حبيب عن أصبغ وابن الماجشون عن مالك أن خدمة البيت تلزم المرأة ولو كانت الزوجة ذات قدر وشرف إذا كان الزوج معسرًا. قال: ولذلك ألزم أن النبي ﷺ فاطمة بالخدمة الباطنة وعليًّا بالخدمة الظاهرة. وحكى ابن بطال أن بعض الشيوخ قال: لا نعلم في شيء من الآثار أن النبي ﷺ قضى على فاطمة بالخدمة الباطنة وإنما جرى الأمر بينهم على ما تعارفوه من حسن العشرة وجميل الأخلاق وأما أن تجبر المرأة على شيء من الخدمة فلا أصل له بل الإجماع منعقد على أن على الزوج مؤنة الزوجة كلها. ونقل الطحاوي الإجماع على أن الزوج ليس له إخراج خادم المرأة من بيته فدل على أنه يلزمه نفقة الخادم على حسب الحاجة إليه. وقال الشافعي والكوفيون: يفرض لها ولخادمها النفقة إذا كانت ممن تخدم. وقال مالك والليث ومحمد بن حسن: يفرض لها ولخادمها إذا كانت خطيرة. وشذ أهل الظاهر فقالوا: ليس على الزوج أن يخدمها ولو كانت بنت الخليفة، وحجة الجماعة قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤: ١٩) وإذا احتاجت إلى من يخدمها فامتنع لم يعاشرها بالمعروف كذا في الفتح. وفيه أن للإمام أن يقسم الخمس حيث رأى لأن السبي لا يكون إلا من الخمس. وأما الأربعة أخماس فهو حق الغانمين، وهو قول مالك وجماعة. وذهب الشافعي جماعة إلى أن لآل البيت سهمًا من الخمس. قال إسماعيل القاضي: هذا الحديث يدل على أن للإمام أن يقسم الخمس حيث يرى. لأن الأربعة الأخماس استحقاق الغانمين، والذي يختص بالإمام هو الخمس، وقد منع النبي ﷺ ابنته وأعز الناس عليه من أقربيه وصرفه إلى غيرهم. وقال نحوه الطبري: لو كان سهم ذوي القربى قسمًا مفروضًا لأخدم ابنته ولم يكن ليدع شيئًا اختاره الله ولها وامتن به على ذوي القربى. وكذا قال الطحاوي وزاد: وإن أبا بكر وعمر أخذا بذلك وقسما جميع الخمس ولم يجعلا لذوي القربى منه حقًا مخصوصًا به بل بحسب ما يرى الإمام وكذلك فعل علي. قال الحافظ: في الاستدلال بحديث علي هذا نظر لأنه يحتمل أن يكون ذلك من الفيء وأما خمس الخمس من الغنيمة فقد روى أبو داود من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي، قال: قلت: يا رسول الله إن رأيت أن توليني حقنًا من هذا الخمس - الحديث. وله من وجه آخر عنه ((ولاني رسول الله ﷺ خمس الخمس فوضعته مواضعه حياته - الحديث. فيحتمل أن تكون قصة فاطمة وقعت قبل فرض الخمس. والله أعلم. وهو بعيد لأن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ (٨: ٤١) .

стр. 3632

متفق عليه. ٢٤١١- (٨) وعن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى النبي ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَقَالَ: أَلا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ خَادِمٍ؟ تُسَبِّحِينَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ــ الآية نزلت في غزوة بدر وقد مضى قريبًا أن الصحابة أخرجوا الخمس من أول غنيمة غنموها من المشركين فيحتمل أن حصة خمس الخمس وهو حق ذوي القربى من الفيء المذكور لم يبلغ قدر الرأس الذي طلبته فاطمة فكان حقها من ذلك يسيرًا جدًا يلزم منه أن لو أعطاها الرأس أثر في حق بقية المستحقين ممن ذكر. وقال المهلب: في هذا الحديث أن للإمام أن يؤثر بعض مستحقي الخمس على بعض ويعطي الأوكد فالأوكد ويستفاد من الحديث حمل الإنسان أهله على ما يحمل عليه نفسه من التقلل والزهد في الدنيا والقنوع بما أعد الله لأولياءه الصابرين في الآخرة. قلت (قائله الحافظ) : وهذا كله بناء على ما يقتضيه ظاهر الترجمة (أي: ترجمة البخاري بلفظ باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله ﷺ والمساكين وإيثار النبي ﷺ أهل الصفة والأرامل حين سألته فاطمة وشكت إليه الطحن والرحى أن يخدمها من السبي فوكلها إلى الله) وأما مع الاحتمال الذي ذكرته أخيرًا فلا يمكن أن يؤخذ من ذكر الإيثار عدم وقوع الاشتراك في الشيء، ففي ترك القسمة وإعطاء أحد المستحقين دون الآخر إيثار الآخذ على الممنوع فلا يلزم منه نفي الاستحقاق، كذا تكلم الحافظ في الفتح تحت الترجمة المذكورة من الخمس فتأمله. وقال في الدعوات بعد ذكر كلام القاضي إسماعيل: ثم وجدت في تهذيب الطبري من وجه آخر ما لعله يعكر على ذلك. فساق من طريق أبي أمامة الباهلي عن علي ((قال: أهدي لرسول الله ﷺ رقيق أهداهم له بعض ملوك الأعاجم، فقلت لفاطمة: ائت أباك فاستخدميه)) فلو صح هذا لأزال الإشكال من أصله لأنه حينئذ لا يكون للغانمين فيه شيء، وإنما هو من مال المصالح يصرفه الإمام حيث يراه - انتهى. وإن شئت الوقوف على اختلاف العلماء في كيفية تقسيم خمس الغنيمة فارجع إلى فتح القدير للشوكاني (ج٢: ص٢٩٥، ٢٩٦) (متفق عليه) . أخرجه البخاري في الخمس ومناقب علي والنفقات والدعوات، ومسلم في الدعاء واللفظ المذكور للبخاري في النفقات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٨٠، ٨١، ٩٧، ١٠٧، ١٣٧، ١٤٥، ١٤٧) مختصرًا ومطولاً وكذا ابنه عبد الله في زوائده (ج١: ص١٢٤، ١٥٤) ، وأخرجه أيضًا الحميدي في مسنده (ج١: ص٢٤) ، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الخراج وفي الأدب، والنسائي في الكبرى، وابن حبان في صحيحه، وابن السنى (ص٢٣٥) ، وابن سعد، والدارمي في الاستيذان، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٠٨) . ٢٤١١- قوله: (تسأله خادمًا) أي: رقيقًا ولم تصادفه فلما علم بها جاءها، وفي صحيح مسلم بعد هذا ((وشكت العمل فقال: ما ألفيتيه عندنا)) قال الحافظ: هو بالفاء، أي: ما وجدته ويحمل على أن المراد ما وجدته عندنا فاضلاً عن حاجتنا إليه لما ذكر من إنفاق أثمان السبي على أهل الصفة (تسبحين الله) إلخ. بصيغة المضارع، وذكر الجلالة في

стр. 3633

وَتَحْمَدِينَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتُكَبِّرِينَ الله أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ عند كل صلاة وعند منامك. رواه مسلم. (الفصل الثاني) ٢٤١٢- (٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. وَإِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ. ــ المواضع الثلاثة وليس في مسلم ذكر الجلالة (أربعًا وثلاثين) تكملة للمائة (عند كل صلاة) أي: بعد كل مفروضة كما ورد في الأحاديث وقوله: ((عند كل صلاة)) هكذا وقع في جميع نسخ المشكاة الحاضرة وكذا في المصابيح، وشرح السنة. وليس هو في صحيح ومسلم. ولم يذكره الجزري في جامع الأصول. (وعند منامك) ، وفي مسلم: حين تأخذ مضجعك. ولعل تخصيصها بالخطاب في هذا الحديث لأنها الباعث الأصلي في طلب الخادم أو هذا الحديث نقل بالمعنى أو بالاختصار وهذا هو الراجح. وفي الحديث أن من واظب على هذا الذكر عند النوم يصبه إعياء لأن فاطمة شكت التعب من العمل فأحالها ﷺ على ذلك. كذا أفاده ابن تيمية، قال الحافظ: وفيه نظر ولا يتعين رفع التعب بل يحتمل أن يكون من واظب عليه لا يتضرر بكثرة العمل ولا يشق عليه ولو حصل له التعب. والله أعلم (رواه مسلم) في الدعاء ولم أجد من أخرجه سواه. ٢٤١٢- قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا أصبح) أي: دخل في الصباح وهذا لفظ أحمد، وأبي داود، والبخاري في الأدب المفرد. وللترمذي: ((كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه يقول: إذا أصبح أحدكم فليقل)) . ولابن ماجة، وابن السنى ((قال: رسول الله ﷺ إذا أصبحتم فقولوا)) . فقد اجتمع في الحديث القول والفعل (اللهم بك أصبحنا) الباء متعلق بمحذوف وهو خبر ((أصبحنا)) ولا بد من تقدير مضاف أي: أصبحنا متلبسين بحفظك، أو مغمورين بنعمتك، أو مشتغلين بذكرك، أو مستعينين باسمك، أو مشمولين بتوفيقك، أو متحركين بحولك وقوتك ومتقلبين بإرادتك وقدرتك. وتقديم ((بك)) على أصبحنا وما بعده يفيد الاختصاص (وبك أمسينا) هذا مبني على أن المراد المساء السابق أو اللاحق وصيغة الماضي للتفاؤل (وبك نحيى وبك نموت) أي: أنت تحيينا وأنت تميتنا يعني يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال (وإليك) لا إلى غيرك (المصير) أي: المرجع بعد البعث (وإذا أمسى) عطف على ((إذا أصبح)) (اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا) بتقديم ((أمسينا)) (وإليك النشور) أي: البعث بعد الموت. قال الجزري: يقال: نشر الميت ينشر نشورًا إذا عاش بعد الموت وأنشره الله أحياه. وقال المجد: النشر إحياء الميت كالنشور والإنشار والحياة نشره فنشر. وأفادت رواية الكتاب أن لفظ ((المصير)) في الصباح ولفظ ((النشور)) في المساء وهكذا وقع في نسخ الترمذي الموجودة عندنا وكذا ذكر الشوكاني في تحفة

стр. 3634

رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة. ٢٤١٣- (١٠) وعنه قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِشَيْءٍ أَقُولُهُ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ قَالَ: قُلْ اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ ــ الذاكرين ويظهر من تصحيح المصابيح وجامع الأصول (ج٥: ص٦٢) أن في الترمذي ((المصير)) في الموضعين، وهكذا رواه البغوي في شرح السنة (ج٥: ص١١٢) أي: بلفظ: ((المصير)) في الموضعين قال: ويروى ((وإليك النشور)) وجاء في أبي داود فيهما النشور. وفي أبي عوانة، والأدب المفرد: ((النشور)) في الصباح و ((المصير)) في المساء عكس ما في نسخ الترمذي، ورواه ابن ماجة بذكر المصير في المساء ولم يذكر لفظ النشور مطلقًا، ومؤدي النشور والمصير واحد وهو الرجوع إلى الله بعد الموت فلا تخالف بين الروايات ولا اعتراض على البغوي والمصنف في إيرادهما الرواية المذكورة (رواه الترمذي) في الدعوات وحسنه (وأبو داود) في الأدب وسكت عنه. وذكر المنذري تحسين الترمذي وأقره (وابن ماجة) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد بإسناد رجله رجال الصحيح، والنسائي في الكبرى، والبخاري في الأدب المفرد، وأبو عوانة، وابن حبان في صحيحيهما، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص١٣) ، والبغوي في شرح السنة وقال: هذا حديث حسن وذكره النووي في الأذكار وصححه. ٢٤١٣- قوله (وعنه قال) الظاهر أن الحديث من رواية أبي هريرة مباشرة عن رسول الله ﷺ وأنه شهد سؤال أبي بكر (قال أبو بكر: قلت يا رسول الله) كذا في بعض النسخ ووقع في بعضها ((قال أبو بكر: يا رسول الله)) ، أي بدون لفظ ((قلت)) وهكذا وقع عند جميع المخرجين وكذا ذكره البغوي في المصابيح، والنووي في الأذكار، والجزري في جامع الأصول، والشوكاني في تحفة الذاكرين وهو الصواب. (وإذا أمسيت) زاد في رواية أحمد (ج١: ص١٠) ((إذا أخذت مضجعي)) (اللهم عالم الغيب والشهادة) ، أي ما غاب من العباد وظهر لهم، ونصبه على أنه صفة المنادي أو على النداء فإن قوله: اللهم بمعنى يا الله. وكذا ما بعده من الأوصاف وهو قوله: (فاطر السموات والأرض) أي مخترعهما وموجدهما ومبدعهما على غير مثال سبق. وقوله: ((اللهم عالم الغيب)) إلخ. وهكذا وقع بتقديم العالم على الفاطر عند أحمد (ج١: ص١١، وج٢: ص٢٩٨) ، والترمذي، والبخاري في الأدب المفرد، وأفعال العباد، وابن حبان، وفي بعض الطرق ابن السني. ووقع عند أحمد (ج١: ص١٥) ، وأبي داود، والدارمي، والحاكم وفي بعض الروايات لابن السني بتقديم الفاطر على العالم، ووقع عند أحمد (ج١: ص١٠) بالشك أنه قال: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة. أو قال: اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض. والجزم مقدم على الشك. ورواية تقديم الفاطر أرجح لموافقتها لحديث عبد الله بن عمرو عند أحمد (ج٢: ص١٩٧) ، والترمذي، والبخاري في الأدب المفرد، ولكونها موافقة للتنزيل. والله أعلم. (رب كل شيء) بالنصب أيضًا، أي

стр. 3635

وَمَلِيكَهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ. رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي. ٢٤١٤- (١١) وعن أبان ــ مصلح كل شيء ومربيه. (ومليكه) ، أي وملك كل شيء أو مالكه وقاهرة، فعيل بمعنى الفاعل للمبالغة كالقدير بمعنى القادر (أعوذ بك من شر نفسي) ، أي من ظهور السيئات الباطنية التي جبلت النفس عليها، وقيل: أي من شر هواها المخالف للهدي قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ (٢٨: ٥٠) . أما إذا وافق الهوى الهدى فهو كزبد وعسل. وقيل: الاستعاذة منها لكونها أسرع إجابة إلى داعي الشر من الهوى والشيطان. وحاصله مزيد الاعتناء بتطهير النفس فقدم إشارة لكمال الصديق أن يفعله ليكون وسيلة إلى كل كمال يترقى إليه بعد، إذ الترقي يتفاوت بحسب تفاوت مراتب ذلك التطهير (ومن شر الشيطان) ، أي وسوسته وإغواءه وإضلاله، ثم يحتمل أن يكون المراد جنس الشياطين أو رئيسهم وهو إبليس (وشركه) روي على وجهين أظهرهما وأشهرهما بكسر الشين مع إسكان الراء أي: ما يدعو إليه الشيطان ويوسوس به من الإشراك بالله. والثاني: بفتح الشين والراء. أي: جبائله ومصائده (جمع مصيدة وهي ما يصاد بها من كل شيء) التي يفتتن الناس بها، وإحداها شركة بفتح الشين والراء وآخرها هاء. والإضافة على الأول إضافة المصدر إلى الفاعل وعلى الثاني محصنة، والعطف على التقديرين للتخصيص بعد التعميم للاهتمام به (قله) أي: قل هذا القول (وإذا أخذت مضجعك) بفتح الميم والجيم بينهما ضاد ساكنة أي: إذا أردت النوم (رواه الترمذي) في الدعوات، وصححه (وأبو داود) في الأدب، وسكت عليه. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره (الدارمي) في الاستيذان، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص١٠، ١١، وج٢: ص٢٩٨) ، والنسائي في الكبرى، والبخاري في الأدب المفرد، وأفعال العباد، وابن حبان في صحيحه، والحاكم (ج١: ص٥١٣) ، وصححه وأقره الذهبي، وابن أبي شيبة، وابن السنى (ص١٦، ٢٣٠، ٢٣١) ، وأبو داود الطيالسي، والخطيب في تاريخ بغداد (ج١١: ص١٦٦، ١٦٧) ، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو عند أحمد (ج٢: ص١٧٢، ١٩٧) ، والترمذي في الدعوات، والبخاري في الأدب المفرد من طريق أبي راشد الحبراني قال: أتيت عبد الله بن عمرو ابن العاص فقلت له: حدثنا بما سمعت من رسول الله ﷺ فألقى بين يدي صحيفة. فقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ فنظرت فيها فإذا فيها ((أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال له رسول الله: يا أبا بكر قل: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت، رب كل شيء ومليكه أعوذ بك من شري نفسي ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إليّ مسلم)) . ٢٤١٤- قوله: (وعن أبان) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة يصرف لأنه على وزن فعال، ويمنع لأنه يجعل على

стр. 3636

بْنِ عُثْمَانَ قَال سَمِعْتُ أبي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ. فَكَانَ أَبَانُ قَدْ أَصَابَهُ طَرَفُ فَالِجٍ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَبَانُ مَا تَنْظُرُ إليَّ؟ ــ وزن أفعل، والأشهر الصرف (ابن عثمان) أي: ابن عفان الأموي المدني ثقة من كبار التابعين قال عمرو بن شعيب: ما رأيت أعلم بحديث ولا أفقه منه. وعده يحيى القطان في فقهاء المدينة. وكان به صمم ووضح وأصابه الفالج قبل أن يموت بسنة، مات سنة (١٠٥) حكى البخاري في التاريخ عن مالك أنه كان قد علم أشياء من قضاء أبيه، وأنكر أحمد سماعه من أبيه، وفي هذا الحديث تصريح بسماعه منه، وكذا حديثه في صحيح مسلم مصرح بالسماع (قال) أي أبان (سمعت أبي) أي عثمان: ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة) أي بعد طلوع الفجر وبعد غروب الشمس، وفي رواية أحمد (ج١: ص٦٧) : قال في أول يومه أو في أول ليلته (بسم الله) قيل الباء متعلقة الاستعاذة المقدرة أي: أعوذ باسم الله، وقيل متعلَّقة هو أصبحنا وأمسينا حسبما يقتضيه المقام أو متعلقة أستعين أو أتحفظ أي: أستعين أو أتحفظ من كل مؤذ باسم الله. المعنى أذكر اسمه على وجه التعظيم والتبرك (الذي لا يضر مع اسمه) أي: مع ذكره باعتقاد حسن ونية خالصة (شيء) كائن (في الأرض ولا في السماء) أي: من البلاء النازل منها (وهو السميع) أي: بأقوالنا (العليم) أي: بأحوالنا (ثلاث مرات) ظرف ((يقول)) (فيضره شيء) بالنصب جواب ((ما من عبد)) . قال الطيبي: وبالرفع عطفًا على يقول: على أن الفاء هنا كهي في قوله: ((لا يموت لمؤمن ثلاثة من الولد فتمسه النار)) أي: لا يجتمع هذا القول مع المضرة كما لا يجتمع مس النار مع موت ثلاثة من الولد بشرطه. ورواه أحمد (ج١: ص٦٣، ٦٧) ، والبخاري في الأدب المفرد بلفظ: ((من قال صباح كل يوم ومساء كل ليلة ثلاثًا ثلاثًا بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، لم يضره شيء في ذلك اليوم أو في تلك الليلة)) . وفي الحديث دليل على أن هذه الكلمات تدفع عن قائلها كل ضر كائنًا ما كان وأنه لا يصاب بشيء في ليله ولا نهاره إذا قالها في أول الليل والنهار (فكان) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وفي الترمذي، وابن ماجة ((وكان)) (أبان) بالوجهين (طرف فالج) كذا للترمذي، وفي ابن ماجة: طرف من الفالج أي: نوع منه وهو بكسر اللام داء يحدث في أحد شقي البدن فيبطل إحساسه وحركته. قال في القاموس: الفالج (بكسر اللام على وزن فاعل) استرخاء لأحد شقي البدن لانصباب خلط بلغمي تنسد منه مسالك الروح (فجعل الرجل) الذي سمع منه الحديث (ينظر إليه) أي: إلى أبان تعجبًا وإنكارًا بأنك كنت تقول هذه الكلمات في كل صباح ومساء فكيف أصابك الفالج إن كان الحديث صحيحًا؟ (ما تنظر إلى) أي: ما سبب نظرك إلي؟ قال الطيبي: ((ما)) هي استفهامية وصلتها محذوفة و ((تنظر

стр. 3637

أَمَا إِنَّ الْحَدِيثَ كَمَا حَدَّثتكَ وَلَكِنِّي لَمْ أَقُلْهُ يَوْمَئِذٍ لِيُمْضِيَ اللَّهُ عَلَيَّ قَدَرَهُ. رواه الترمذي، وابن ماجة، وأبو داود. وفي روايته: ((لَمْ تُصِبْهُ فَجْاءَةُ بَلاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ لَمْ تُصِبْهُ فَجْاءَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ)) . ــ إليّ)) حال، أي: ما لك تنظر إلي؟ (أما) للتنبيه وقيل: بمعنى حقًا (ولكني لم أقله) أي: ما قدر الله لي أن أقوله (يومئذ ليمضي) من الإمضاء (عليّ) بتشديد الياء (قدره) بفتح الدال أي: مقدره. قال الطيبي: قوله: ((ليمضي الله)) علة لعدم القول وليس بغرض له كما في قعدت عن الحرب جبنًا، وقيل: اللام فيه للعاقبة. كما في قوله: لدوا للموت وابنوا للخراب، ذكره القاري. وفي رواية أبي داود ((فجعل الرجل الذي سمع منه الحديث ينظر إليه، فقال: ما لك تنظر إلي؟ فو الله ما كذبت على عثمان ولا كذب عثمان على النبي ﷺ ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني فيه غضبت فنسيت أن أقولها)) . (رواه الترمذي، وابن ماجة) في الدعاء. وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح (وأبو داود) في الأدب، وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٦٣، ٦٧) ، وابنه عبد الله في زوائده (ج١: ص٧٣) ، والبخاري في الأدب المفرد، والنسائي في الكبرى، وابن حبان، والحاكم (ج١: ص٥١٤) وصححه ووافقه الذهبي، وابن أبي شيبة، وابن السني (ص١٦) ، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١١٣) (وفي روايته) أي: رواية أبي داود (لم تصبه فجاءة بلاء) بالإضافة بيانية، وهو بضم الفاء ممدودًا مصدر بمعنى المفعول أو بمعنى ما فاجأك. يقال: فجأه الأمر يفجأه، وفجئه يفجأه فجأ، وفجأة وفجأءة، وفاجأه مفاجأة، وافتجأ افتجاء هجم عليه أو طرقه بغتة من غير أن يشعر به. قال القاري: وفي نسخة بفتح الفاء وسكون الجيم في مختصر النهاية فجأه الأمر وفجئه فجاءة بالضم والمد وفجأ بالفتح وسكون الجيم من غير مد وفاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب - انتهى. وفيه إشارة إلى أن المراد بالفجأءة ما يفجأ به، والمصدر بمعنى المفعول وهو أعم من أن يكون بالمد وغيره (حتى يصبح، ومن قالها) أي: تلك الكلمات (حين يصبح لم تصبه فجاءة بلاء حتى يمسي) وعند ابن حبان وعبد الله بن أحمد في زوائده في مسند أبيه (ج١: ص٧٣) ((لم تفجأه فاجئة بلاء حتى الليل، ومن قالها حين يمسي لم تفجأه فاجئة بلاء حتى يصبح إن شاء الله)) يعني من قال ذلك في الصباح يحفظه الله من كل ضرر مفاجئ حتى يغيب الشمس، ومن قالها في المساء يحفظه الله كذلك حتى يطلع الفجر، وفي شرح السنة ((لم تفجأه فاجئة حتى يمسي ... وحتى يصبح)) . قال القاري: وفي الغايتين أعني حتى يصبح وحتى يمسي إيماء إلى أن ابتداء الحفظ من الفجاءة والمضرة عقب قول القائل في أي: جزأ من أجزاء الليل أو النهار بل وفي سائر أثناءهما.

стр. 3638

٢٤١٥- (١٢) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى: أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ والحَمْدُ لله لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَمِنْ سُوءِ الْكِبَرِ أَوْ الْكُفْرِ. وفي رواية: ((مِنْ سُوءِ الْكِبَرِ والكبر)) ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ. وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ. رواه أَبُو دَاوُد، والترمذي. وفي روايته لَمْ يَذْكُرْ: ((مِن سُوءَ الْكُفْرِ)) . ٢٤١٦- (١٣) وعن بَعْضَ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهَا فَيَقُولُ: قُولِي حِينَ تُصْبِحِينَ سُبْحَانَ اللَّهِ ــ ٢٤١٥- قوله: (وعن عبد الله) أي: ابن مسعود (كان يقول إذا أمسى أمسينا) إلى قوله: (وهو على كل شيء قدير) سبق الكلام عليه إعرابًا. ومعنى (رب) أي: يا ربي (وخير ما بعدها) أي: من الليالي أو مطلقًا (من الكسل) أي: في صالح العمل، وهو بفتحتين عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة مع إمكانه يقال: كسل كسمع يكسل فتر وتثاقل وتوانى عما لا ينبغي أن يتوانى عنه (ومن سوء الكبر) . قال النووي: قال القاضي: روينا الكبر بإسكان الباء وفتحها. فالإسكان بمعنى التعاظم على الناس والفتح بمعنى الهرم والخرف والرد إلى أرذل العمر كما في الحديث الآخر. قال القاضي: وهذا أظهر وأشهر مما قبله. قال: وبالفتح ذكره الهروي، وبالوجهين ذكره الخطابي وصوب الفتح وتعضده رواية النسائي: ((وسوء العمر)) انتهى. (أو الكفر) شك من الراوي وفي جامع الأصول: ((والكفر)) أي: بالواو بدل أو، أي: من سوء الكفر أي: من شر ما فيه الكفر أو الكفران. وقال القاري: أي: من شر الكفر وإثمه وشؤمه، أو المراد بالكفر الكفران (وفي رواية) أي: لأبي داود (من سوء الكبر) بفتح الباء أي: كبر السن (والكبر) بسكونها أي التكبر عن الحق (رب أعوذ بك من عذاب في النار) أي: عذاب كائن في النار (وإذا أصبح قال ذلك) أي: ما يقول في المساء من الذكر المذكور (أيضًا) أي إلا أنه يقول: (أصبحنا وأصبح الملك لله) بدل ((أمسينا وأمسى الملك لله)) ويبدل اليوم بالليلة فيقول: رب أسألك خير ما في هذا اليوم، ويذكر الضمائر بعده (رواه أبو داود) في الأدب، (والترمذي) في الدعوات، وأخرجه أيضًا مسلم وقد تقدم في الفصل الأول من هذا الباب والنسائي، وابن أبي شيبة، وابن السنى (ص١٣) (وفي روايته) أي: الترمذي (لم يذكر) بصيغة المجهول وروي معلومًا (من سوء الكفر) وكذا لم يذكر في رواية لأبي داود وليس هو عند مسلم أيضًا فالمحفوظ هو من سوء الكبر. ٢٤١٦- قوله: (وعن بعض بنات النبي ﷺ ) قال الحافظ في التقريب لم أقف على اسمها وكلهن صحابيات. أي: فلا يضر جهالة اسمها (فيقول) الفاء تفسيرية (سبحان الله) هو علم للتسبيح منصوب على المصدرية تقديره سبحت الله سبحانًا

стр. 3639

وَبِحَمْدِهِ ولا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. اعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا فَإِنَّهُ مَنْ قَالَها حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ حَتَّى يُمْسِيَ وَمَنْ قَالَها حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتَّى يُصْبِحَ. رواه أبو داود. ٢٤١٧- (١٤) وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: قال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ ــ ولا يستعمل غالبًا إلا مضافًا، ومعنى التسبيح تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص وعيب (وبحمده) قيل الواو للحال والتقدير: أسبح الله متلبسًا بحمدي له من أجل توفيقه. وقيل: عاطفة. والتقدير: أسبح الله وأقوم أو أبتدئ بحمده، ويمكن أن تكون زائدة والمعنى أسبحه مقرونًا بحمده (لا قوة) وفي عمل اليوم والليلة لابن السني: ولا حول ولا قوة (إلا بالله) أي: إلا بإقداره تعالى (ما شاء الله) أي: وجوده (كان) أي: وجد في وقت أراده (وما لم يشأ لم يكن) أي: لم يوجد أي: سواء يشاء العبد أو لم يشأ. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ﴾ (٧٦: ٣٠) (أعلم) بصيغة المتكلم أي: أعتقد (أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا) أي: له القدرة الكاملة والعلم الشامل. قال الطيبي: هذان الوصفان أعني: القدرة الشاملة، والعلم الكامل، هما عمدة أصول الدين وبهما يتم إثبات الحشر والنشر ورد الملاحدة في إنكارهم البعث وحشر الأجساد لأن الله تعالى إذا علم الحزئيات والكليات على الإحاطة علم الأجزاء المتفرقة المتلاشية في أقطار الأرض فإذا قدر على جمعها أحياها فلذلك خصهما بالذكر في هذا المقام (فإنه) أي: الشأن وهو تعليل لقولي (حفظ) بصيغة المجهول أي: من البلايا والخطايا (رواه أبو داود) في الأدب، وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى، وابن السني (ص١٦) كلهم من رواية عبد الحميد مولى بني هاشم عن أمه وكانت تخدم بعض بنات النبي ﷺ : أن بنت النبي ﷺ حدثتها أن النبي ﷺ كان يعلمها إلخ. وقد سكت عنه أبو داود. وقال المنذري في مختصر السنن: في إسناده امرأة مجهولة وهي أم عبد الحميد. وقال الحافظ في الكنى من النساء من التقريب: أم عبد الحميد الهاشمية مولاهم مقبولة من الثالثة. أي: من الطبقة الوسطى من التابعين، ثم قال في المبهمات من النسوة على ترتيب من روى عنهن رجالاً ثم نساء: عبد الحميد بن أبي هاشم عن أمه كانت تخدم بعض بنات النبي ﷺ ، لم أقف على اسمها وكأنها صحابية - انتهى. وحكى في هامش شرح السنة (ج٥: ص١١٥) عن الحافظ بعد نقل كلام المنذري المذكور أنه قال (أي: الحافظ) لكن يغلب على الظن أنها. أي: أم عبد الحميد صحابية، فإن بنات النبي ﷺ متن في حياته إلا فاطمة فعاشت بعده ستة أشهر أو أقل وقد وصفت بأنها كانت تخدم التي روت عنها، لكنها لم تسمها. فإن كانت غير فاطمة قوي الاحتمال، وإلا احتمل أنها جاءت بعد موت النبي ﷺ . والعلم عند الله - انتهى. ٢٤١٧- قوله: (من قال حين يصبح) أي: يدخل في الصباح ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: نزهوه عما لا يليق بعظمته تعالى

стр. 3640

حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إِلَى قوله ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي لَيْلَتِهِ. رواه أبو داود. ــ أو أريد به الصلاة على ما روي عن ابن عباس، والمعنى فصلوا له ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ من الإمساء أي: تدخلون في المساء وهو وقت المغرب والعشاء بناء على ما قدمناه من أن المساء أول الليل أي من غروب الشمس ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ من الإصباح أي: تدخلون في الصباح وهو وقت الفجر. يعني صلوا لله صلاة المساء. أي: المغرب والعشاء وصلاة الصبح ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جملة اعتراضية حالية ومعناها يحمده أهلهما ﴿وَعَشِيّاً﴾ بفتح العين عطف على ((حين)) أي: وحين العشي وهو ما بين زوال الشمس إلى غروبها والمشهور أنه آخر النهار فالمراد به وقت العصر أي: صلوا لله عشيًا. أي: صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أي: تدخلون في الظهيرة وهي وقت الظهر. قال نافع بن الأزرق لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم. وقرأ هاتين الآيتين، وقال: جمعت الآية الصلوات الخمس ومواقيتها. واختار الطيبي عموم معنى التسبيح الذي هو مطلق التنزيه فإنه المعنى الحقيقي الأولى من المعنى المجاز من إطلاق الجزء وإرادة الكل مع أن العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب فإن فائدة الأعم أتم. قاله القاري (إلى قوله) أي: تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ بصيغة المجهول من الإخراج، وهذا اقتصار من الرواي وهو من سورة الروم وتمامه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كالطائر من البيضة، والحيوان من النطفة، والنبات من الحبة، والمؤمن من الكافر، والذاكر من الغافل، والعالم من الجاهل، والصالح من الطالح ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ على عكس ما ذكر ﴿وَيُحْيِي الأَرْضَ﴾ أي: بالإنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: يبسها ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإحياء ﴿تُخْرَجُونَ﴾ (٣٠: ١٨، ١٩) أي: من قبوركم إحياء للحساب والعذاب والنعيم، والمراد أن الإبداء والإعادة متساويتان في قدرة من هو قادر على إخراج الميت وعكسه (أدرك ما فاته) أي: من الخير. أي حصل له ثواب ما فاته من ورد وخير (ومن قالهن) أي: تلك الكلمات أو الآيات (رواه أبو داود) في الأدب، وأخرجه أيضًا الطبراني، وابن السني (ص٢٠، ٢٨) كلهم من حديث سعيد بن بشير النجارى عن محمد بن عبد الرحمن ابن البيلماني عن أبيه عن ابن عباس، وقد سكت عنه أبو داود. قال النووي في الأذكار: لم يضعفه أبو داود وقد ضعفه البخاري في تاريخه الكبير، وفي كتاب الضعفاء. وقال المنذري: في إسناده محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه وكلاهما لا يحتج به - انتهى. قلت: إسناد الحديث ضعيف جدًا. سعيد بن بشير قال الحافظ في التقريب فيه: إنه مجهول، وقال في تهذيبه: روى له أبو داود حديثًا واحدًا يعني حديث الباب وذكره البخاري في الضعفاء. وقال: لا يصح حديثه، وسعيد شبه المجهول. وقال العقيلي: مجهول ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني قال فيه في التقريب: ضعيف واتهمه ابن عدي، وابن حبان، وقال في تهذيبه: قال ابن معين:

стр. 3641

٢٤١٨- (١٥) وعَنْ أَبِي عَيَّاشٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَانَ لَهُ عِدْلَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ ــ ليس بشيء. وقال البخاري، وأبو حاتم، والنسائي، والساجي: منكر الحديث. وقال البخاري في تاريخه الكبير (١، ١، ١٦٣) : كان الحميدي يتكلم فيه لضعفه، وقال ابن حبان حدث عن أبيه بنسخة شبيهًا بمأتى حديث كلها موضوعة لا يجوز الاحتجاج به ولا ذكره إلا على وجه التعجب. وقال ابن عدي: كل ما يرويه به ابن البيلماني فالبلاء فيه منه - انتهى. وأبوه عبد الرحمن البيلماني قال: عنه في التقريب: ضعيف. وقال في تهذيبه ذكره ابن حبان في الثقات. وقال: لا يحب أن يعتبر بشيء من حديثه إذا كان من رواية ابنه محمد لأن ابنه يضع على أبيه العجائب. وقال الدارقطني: ضعيف لا تقوم به الحجة. وقال الأزدي: منكر الحديث يروي عن ابن عمر بواطيل. وقال صالح جزرة: حديثه منكر ولا يعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلا من سُرَّق. قلت: فعلى هذا يكون حديثه هذا مرسلاً. ٢٤١٨- قوله: (وعن أبي عياش) بتشديد التحتانية وآخره معجمة. وقيل: ابن أبي عياش، وقيل: ابن عائش. قال الحافظ في التقريب: والصواب الأول. وقال في تهذيبه: أبو عياش الزرقي. وقيل: ابن أبي عياش. وقيل: ابن عائش. وروى عن النبي ﷺ ((من قال إذا أصبح لا إله إلا الله)) الحديث. قاله سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة. قلت: قد وقع في بعض طرقه أي: عند النسائي، وابن ماجة عن أبي عياش الزرقي. فقيل: هو أبو عياش الزرقي الأنصاري الصحابي الراوي لحديث صلاة الخوف بعسفان وقد اختلف في اسمه فقيل: هو زيد بن الصامت، وقيل ابن النعمان، وقيل: اسمه عبيد بن معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية بن الصامت شهد أحدًا وما بعدها ومات بعد الأربعين في خلافة معاوية. قال الحافظ في الإصابة: وعلى ذلك درى أبو أحمد الحاكم والذي يظهر أنه غيره. قلت: وقد جزم بالأول المصنف في الإكمال وإليه يظهر ميل الإمام أحمد حيث ذكر هذا الحديث في مسند أبي عياش الزرقي الراوي لحديث صلاة الخوف بعسفان. وقال الحافظ في تهذيبه: فإن كان (أي: الذي وقع في رواية النسائي، وابن ماجة) محفوظًا فهو الذي قبله وقد نص أبو أحمد للحاكم أن هذا الحديث من رواية أبي عياش الزرقي، ووقع في الكنى لأبي بشر الدولابي: أبو عياش الزرقي روى عنه زيد بن أسلم حديث ((من قال إذا أصبح)) (من قال) شرطية (إذا أصبح) ظرفية (له الملك وله الحمد) أي: على وجه الاختصاص حقيقة وإن وجدا في الجملة لغيره صورة زاد بعده في رواية ابن السني ((يحيي ويميت وهو حي لا يموت)) (كان) جواب الشرط (له) أي: لمن قال: ذلك المقال (عدل رقبة) أي: مثل إعتاقها وهو بفتح العين وكسرها روايتان بمعنى المثل، وقيل: بالفتح المثل من غير الجنس وبالكسر من الجنس وعلى هذا فالفتح ها هنا أظهر وقيل: بالعكس (من ولد إسماعيل) صفة ((رقبة)) وهو بفتح الواو واللام وبضم فسكون

стр. 3642

وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنْ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ قَالَهَا إِذَا أَمْسَى كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ. فَرَأَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا عَيَّاشٍ يُحَدِّثُ عَنْكَ بِكَذَا وَكَذَا قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَيَّاشٍ. رواه أَبُو دَاوُد وابن ماجة. ٢٤١٩- (١٦) وعَنْ الْحَارِثِ بْنِ مُسْلِمٍ التَّمِيمِيِّ عن أبيه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ــ أي: أولاده والتخصيص لأنهم أشرف من سبي (وكتب) أي: أثبت مع هذا (وحط) أي: وضع ومحى (ورفع له عشر درجات) أي: من درجات الجنان (وكان في حرز) بكسر المهملة أي: حفظ وصون (كان له مثل ذلك) أي: ما ذكر من الجزاء (فرأى رجل) وفي نسخة القاري ((قال حماد بن سلمة فرأى رجل)) وقد ذكر أبو داود هذه الزيادة بقوله: ((قال في حديث حماد)) وهو راوي هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح وهو حماد بن سلمة بفتح اللام ابن دينار البصري أبو سلمة، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بآخره مات سنة (١٦٧) قال المصنف: هو من أعلام البصريين وأئمتهم كثير الحديث واسع الرواية مشهور بالسنة والعبادة، مات سنة سبع وستين ومائة. وأطال الحافظ في ترجمته في تهذيب التهذيب فراجعه إن شئت (رسول الله ﷺ فيما يرى النائم) أي: في المنام، وفي رواية ابن السني ((فكأن رجلاً اتهمه فقال: أكثر أبو عياش على نفسه فنام الرجل فرأى رسول الله ﷺ في المنام)) (فقال) أي: الرجل في المنام (يحدث عنك بكذا وكذا) ، ولأحمد، وابن ماجة ((يروي عنك كذا وكذا)) (قال) ﷺ (صدق أبو عياش) وفي ابن السني (قال الرجل فأخذ رسول الله ﷺ بيدي ثم قال: صدق أبو عياش، صدق أبو عياش، صدق أبو عياش)) وقوله: ((فرأى الرجل)) إلخ، ذكر استظهارًا وتأييدًا للرواية وطمأنينة للقلب لا استدلالاً على صحتها وثبوتها للإجماع على أن الرؤيا لا تثبت بها الأحكام ولا الحديث لأن النائم لا يضبط فربما نقل خلاف ما سمع أو كلامه يحتاج إلى تأويل وتعبير ويقع الخلاف في التفسير ولأنها إن وافقت ما استقر في الشرع فالعبرة به وإلا فلا عبرة بها لأنها إذا خالفته لم يجز نسخه بها (رواه أبو داود) في الأدب، (وابن ماجة) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٦٠) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وابن أبي شيبة، وابن السني (ص٢٢، ٢٣) . ٢٤١٩- قوله: (وعن الحارث بن مسلم التميمي) تابعي قاله البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم وغير واحد، قال البغوي سكن الشام (عن أبيه) أي: مسلم بن الحارث التميمي صحابي صرح بكونه صحابيًا البخاري، وأبو حاتم، وأبو زرعة وغيرهم. وقال في التقريب: مسلم بن الحارث، ويقال: الحارث بن مسلم التميمي صحابي قليل الحديث. قلت: قوله: ((عن الحارث بن

стр. 3643

أَنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلْ قبل أن تكلم أحدًا: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي ــ مسلم عن أبيه)) كذا عند أبي داود، ووقع عند النسائي، وابن حبان ((عن مسلم بن الحارث بن مسلم عن أبيه)) والصواب ما وقع في أبي داود. قال الخزرجي في الخلاصة (ص٦٩) : الحارث بن مسلم عن النبي ﷺ كذا عند النسائي، والصواب ما عند أبي داود ((عن الحارث بن مسلم عن أبيه)) أي: عن النبي ﷺ . قال أبو حاتم، وأبو زرعة الرازي: الحارث بن مسلم تابعي - انتهى. ونحوه قال المنذري في الترغيب (ج١: ص١٤٠) وقال أبو زرعة الرازي كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١/٢/٨٨) : الصحيح الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: مسلم بن الحارث ورمز عليه لأبي داود، ويقال: الحارث بن مسلم التميمي روى عن النبي ﷺ في الدعاء عند الانصراف من صلاة المغرب. روى حديثه عبد الرحمن بن حسان الفلسطيني اختلف عليه فيه....... قلت (قائله الحافظ) : وصحح البخاري، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، والترمذي، وابن قانع وغير واحد أن مسلم بن الحارث هو: صحابي روى هذا الحديث. وأخرج ابن حبان الحديث في صحيحه من مسند الحارث بن مسلم، والذي يرجح ما قاله البخاري أن صدقة ابن خالد ومحمد بن شعيب بن شابور رويا عن عبد الرحمن بن حسان الذي مدار الحديث عليه فقالا: عن الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه، ورواه وليد بن مسلم فاختلف عليه. فقال داود بن رشيد، وهشام بن عمار، وعمرو بن عثمان الحمصي، وعلي بن سهل الرملي، ومؤمل بن الفضل الحراني عنه عن عبد الرحمن عن مسلم بن الحارث بن مسلم عن أبيه. وقال محمد بن مصفى وعبد الوهاب بن نجدة، ومحمد بن الصلت عن الوليد بقول صدقة بن خالد، ومحصل ذلك الاختلاف في الصحابي هل هو الحارث بن مسلم أو مسلم بن الحارث وفي التابعي كذلك ولم أجد في التابعين توثيقًا إلا ما اقتضاه صنيع ابن حبان حيث أخرج الحديث في صحيحه، وقد جزم الدارقطني بأنه مجهول، والحديث الذي رواه أصله تفرد به ما رأيته إلا من روايته، وتصحيح مثل هذا في غاية البعد لكن ابن حبان على عادته في توثيق من لم يرو عنه واحد إذا لم يكن فيما رواه ما ينكر - انتهى. وقال في الإصابة: وصحح البخاري، والترمذي وغير واحد: أن اسم الصحابي مسلم واسم التابعي ولده الحارث، والاختلاف فيه على الوليد بن مسلم فقال جماعة: عنه عن عبد الرحمن بن حسان عن الحارث بن مسلم عن أبيه. وقال هشام بن عمار وغيره عنه عن عبد الرحمن عن مسلم بن الحارث. والراجح الأول لأن محمد بن شعيب بن شابور رواه عن عبد الرحمن كذلك. وكذا قال: صدقة بن خالد عن عبد الرحمن في حديث آخر، وأخرجه البخاري في التاريخ (٤/١/٢٥٣) عن الحكم بن موسى عن صدقة ولفظه عن الحارث بن مسلم التميمي عن أبيه أن النبي ﷺ كتب له كتابًا بالوصاة إلى من يعرفه من ولاة الأمر، قال الدارقطني: مات في خلافة عثمان – انتهى. (أنه أسر) من الإسرار (إليه) إلى مسلم بن الحارث، والمعنى تكلم النبي ﷺ معه سرًا وخفية. قال الطيبي: في الإسرار ترغيبه فيه حتى يتلقاه ويتمكن في قلبه تمكن السر المكنون لا الضنة. أي: البخل به من غيره (إذا انصرفت) أي: فرغت (اللهم أجرني

стр. 3644

مِنْ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتَّ فِي لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا، وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كَذَلِكَ فَإِنَّكَ إِذا مِتَّ فِي يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا. رواه أبو داود. ٢٤٢٠- (١٧) وعن ابْنَ عُمَرَ قال: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ ــ من النار) ، أي خلصني منها، أمر من الإجارة من باب الأفعال من الجور. معناه: أمِنّي وأعذني وأنقذني وخلصني من النار، أجاره الله من العذاب أنقذه (سبع مرات) ظرف لقل، أي كرر ذلك سبع مرات (فإنك إذا قلت ذلك) ، أي الدعاء المذكور سبعًا، (ثم مت) بضم الميم وكسرها، (كتب لك جوار) ، أي أمان وخلاص، بكسر الجيم وإهمال الراء كذا وقع في أكثر نسخ المشكاة، وهكذا في التاريخ الكبير للبخاري، وجامع الأصول والأذكار، والجامع الصغير، والترغيب ووقع في بعض نسخ المشكاة، ((جواز)) بفتح الجيم وإعجام الزاي، وهكذا وقع في موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٥٨٣) وكذا وقع في بعض نسخ أبي داود، قال القاري: أي خلاص، والجواز في الأصل البراءة التي تكون مع الرجل في الطريق حتى لا يمنعه أحد من المرور، وحينئذ فلا يدفعه إلا تحلة القسم - انتهى. (وإذا صليت الصبح) ، أي وانصرفت (فقل) ، أي هذا الذكر سبعًا (كذلك) ، أي قبل أن تكلم أحدًا. قال المناوي: في فيض القدير (ج١: ص٣٩٣) تنبيه قال ابن حجر: يؤخذ من مجموع الأدلة أن الصلاة إما أن تكون مما يتطوع بعدها أو لا؟ فالأول اختلف فيه هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور كالمذكور في هذا الخير ثم يتطوع أو عكسه؟ ذهب الجمهور إلى الأول، والحنفية إلى الثاني، ويترجح تقديم الذكر المأثور لتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة، وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبرها ما قبل السلام ورد بعدة أخبار، وأما التي لا يتطوع بعدها فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور ولا يتعين له مكان، بل إن شاؤا انصرفوا أو مكثوا وذكروا، وعلى الثاني إن كان للإمام عادة أن يعظهم فليقبل عليهم جميعًا وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور فهل يقبل عليهم أو ينفتل فيجعل يمينه من قبل المأمومين ويساره من قبل القبلة ويدعو؟ الثاني هو ما عليه أكثر الشافعية - انتهى. (رواه أبو داود) ، أي في الأدب، وأخرجه أيضًا أحمد () ، والبخاري في تاريخه (١/٤/٢٥٣) ، والنسائي في الكبرى، وابن حبان في صحيحه، والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وقد عرفت ما في سنده من الكلام. ٢٤٢٠- قوله (لم يكن رسول الله ﷺ يدع) ، أي يترك (هؤلاء الكلمات) ، وعند أحمد، وابن ماجة ((هؤلاء الدعوات)) (حين يمسي وحين يصبح) ، الظاهر أن كان ناقصة وجملة يدع خبر لها، أي لم يكن تاركًا لهن في هذين الوقتين بل

стр. 3645

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي. يعني الخسف. رواه أبو داود. ــ يداوم عليها فيهما (اللهم إني أسالك العافية) ، أي السلامة من الآفات الدينية والشدائد الدنيوية. وقيل: السلامة من الأسقام والبلايا. وقيل: عدم الابتلاء بها والصبر عليها والرضا بقضائها، وهي مصدر أو اسم من عافى. قال في القاموس: والعافية دفاع الله عن العبد وعافاه الله تعالى من المكروه عفاء ومعافاة وعافية: وهب له العافية من العلل والبلاء كأعفاه (اللهم إني أسالك العفو) ، أي محو الذنوب والتجاوز عنها، (والعافية) ، أي السلامة من العيوب (في ديني ودنياي) ، أي في أمورهما (اللهم استر) بضم التاء الفوقية (عوراتي) ، أي عيوبي وهي بسكون الواو وجمع عورة وهي سوءة الإنسان وكل ما يستحيي منه إذا ظهر ويسوء صاحبه أن يرى ذلك منه (وآمن روعاتي) بفتح الراء وسكون الواو جمع روعة وهي الفزعة، وآمن أمر من الإيمان بمعنى إزالة الخوف وإعطاء الأمن، ومنه قوله تعالى ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (١٠٦: ٤) وحاصل المعنى: اجعل خوفي أمنًا وأبدله به، وقال السندي معنى ((آمن روعاتي)) ، أي ادفع عني خوفًا يقلقني ويزعجني وكأن التقدير وآمني من روعاتي على قياس ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (اللهم احفظني) ، أي ادفع البلاء عني، (من بين يدي) ، أي أمامي (ومن خلفي) إلخ، يعني من الجهات الست لأن كل بلية تصل الإنسان إنما تصله من إحداهن، وبالغ في جهة السفل لرداءة الآفة منها (وأعوذ بعظمتك أن أن أغتال) بصيغة المجهول من المتكلم، أي أؤخذ بغتة وأهلك غفلة (من تحتي) ، أي أهلك بالخسف، والأصل في الاغتيال أن يؤتي المرأ من حيث لا يشعر وأن يدهى بمكروه لم يرتقبه. قال في القاموس: غاله أهلكه كاغتاله وأخذه من حيث لم يدر (يعني الخسف) ، أي يريد النبي ﷺ بالاغتيال من الجهة التحتانية الخسف. في القاموس: خسف الله بفلان الأرض غيبه فيها، وهذا تفسير من راوي الحديث وكيع بن الجراح كما في أبي داود، وابن ماجة أو جبير كما في ابن السني، قال الطيبي: استوعب الجهات الست كلها لأن ما يلحق الإنسان من نكبة وفتنة فإنما يجيء به ويصل إليه من إحدى هذه الجهات وبالغ في جهة السفل حيث قال: ((وأعوذ بك أن أغتال من تحتي)) لرداء آفتها - انتهى. ولا يخفى حسن موقع قوله: بعظمتك. وقوله: يعني الخسف كذا في جميع النسخ وهكذا وقع عند الحاكم. وفي المسند قال: يعني الخسف، وفي أبي داود، وابن ماجة، وابن حبان ((قال وكيع (راوي الحديث) يعني الخسف)) ، وفي ابن السني قال جبير: (أي ابن أبي سليمان بن جبير بن مطعم رواي الحديث عن ابن عمر) : وهو الخسف. قال عبادة (شيخ وكيع وتلميذ جبير) : لا أدري هو قول رسول الله ﷺ أو قول جبير يعني هل فسره من قبل نفسه أورواه؟ قال الحافظ: وكأن وكيعًا لم يحفظ هذا التفسير فقال من نفسه - انتهى. (رواه أبو داود) في الأدب وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٦) ، والنسائي في الكبرى مطولاً وفي
следующие страницы →