Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
٢٤١٨- (١٥) وعَنْ أَبِي عَيَّاشٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَانَ لَهُ عِدْلَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ
ــ
ليس بشيء. وقال البخاري، وأبو حاتم، والنسائي، والساجي: منكر الحديث. وقال البخاري في تاريخه الكبير (١، ١، ١٦٣) : كان الحميدي يتكلم فيه لضعفه، وقال ابن حبان حدث عن أبيه بنسخة شبيهًا بمأتى حديث كلها موضوعة لا يجوز الاحتجاج به ولا ذكره إلا على وجه التعجب. وقال ابن عدي: كل ما يرويه به ابن البيلماني فالبلاء فيه منه - انتهى. وأبوه عبد الرحمن البيلماني قال: عنه في التقريب: ضعيف. وقال في تهذيبه ذكره ابن حبان في الثقات. وقال: لا يحب أن يعتبر بشيء من حديثه إذا كان من رواية ابنه محمد لأن ابنه يضع على أبيه العجائب. وقال الدارقطني: ضعيف لا تقوم به الحجة. وقال الأزدي: منكر الحديث يروي عن ابن عمر بواطيل. وقال صالح جزرة: حديثه منكر ولا يعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلا من سُرَّق. قلت: فعلى هذا يكون حديثه هذا مرسلاً.
٢٤١٨- قوله: (وعن أبي عياش) بتشديد التحتانية وآخره معجمة. وقيل: ابن أبي عياش، وقيل: ابن عائش. قال الحافظ في التقريب: والصواب الأول. وقال في تهذيبه: أبو عياش الزرقي. وقيل: ابن أبي عياش. وقيل: ابن عائش. وروى عن النبي ﷺ ((من قال إذا أصبح لا إله إلا الله)) الحديث. قاله سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة. قلت: قد وقع في بعض طرقه أي: عند النسائي، وابن ماجة عن أبي عياش الزرقي. فقيل: هو أبو عياش الزرقي الأنصاري الصحابي الراوي لحديث صلاة الخوف بعسفان وقد اختلف في اسمه فقيل: هو زيد بن الصامت، وقيل ابن النعمان، وقيل: اسمه عبيد بن معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية بن الصامت شهد أحدًا وما بعدها ومات بعد الأربعين في خلافة معاوية. قال الحافظ في الإصابة: وعلى ذلك درى أبو أحمد الحاكم والذي يظهر أنه غيره. قلت: وقد جزم بالأول المصنف في الإكمال وإليه يظهر ميل الإمام أحمد حيث ذكر هذا الحديث في مسند أبي عياش الزرقي الراوي لحديث صلاة الخوف بعسفان. وقال الحافظ في تهذيبه: فإن كان (أي: الذي وقع في رواية النسائي، وابن ماجة) محفوظًا فهو الذي قبله وقد نص أبو أحمد للحاكم أن هذا الحديث من رواية أبي عياش الزرقي، ووقع في الكنى لأبي بشر الدولابي: أبو عياش الزرقي روى عنه زيد بن أسلم حديث ((من قال إذا أصبح)) (من قال) شرطية (إذا أصبح) ظرفية (له الملك وله الحمد) أي: على وجه الاختصاص حقيقة وإن وجدا في الجملة لغيره صورة زاد بعده في رواية ابن السني ((يحيي ويميت وهو حي لا يموت)) (كان) جواب الشرط (له) أي: لمن قال: ذلك المقال (عدل رقبة) أي: مثل إعتاقها وهو بفتح العين وكسرها روايتان بمعنى المثل، وقيل: بالفتح المثل من غير الجنس وبالكسر من الجنس وعلى هذا فالفتح ها هنا أظهر وقيل: بالعكس (من ولد إسماعيل) صفة ((رقبة)) وهو بفتح الواو واللام وبضم فسكون
стр. 3642
وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنْ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ قَالَهَا إِذَا أَمْسَى كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ. فَرَأَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا عَيَّاشٍ يُحَدِّثُ عَنْكَ بِكَذَا وَكَذَا قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَيَّاشٍ. رواه أَبُو دَاوُد وابن ماجة.
٢٤١٩- (١٦) وعَنْ الْحَارِثِ بْنِ مُسْلِمٍ التَّمِيمِيِّ عن أبيه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
أي: أولاده والتخصيص لأنهم أشرف من سبي (وكتب) أي: أثبت مع هذا (وحط) أي: وضع ومحى (ورفع له عشر درجات) أي: من درجات الجنان (وكان في حرز) بكسر المهملة أي: حفظ وصون (كان له مثل ذلك) أي: ما ذكر من الجزاء (فرأى رجل) وفي نسخة القاري ((قال حماد بن سلمة فرأى رجل)) وقد ذكر أبو داود هذه الزيادة بقوله: ((قال في حديث حماد)) وهو راوي هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح وهو حماد بن سلمة بفتح اللام ابن دينار البصري أبو سلمة، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بآخره مات سنة (١٦٧) قال المصنف: هو من أعلام البصريين وأئمتهم كثير الحديث واسع الرواية مشهور بالسنة والعبادة، مات سنة سبع وستين ومائة. وأطال الحافظ في ترجمته في تهذيب التهذيب فراجعه إن شئت (رسول الله ﷺ فيما يرى النائم) أي: في المنام، وفي رواية ابن السني ((فكأن رجلاً اتهمه فقال: أكثر أبو عياش على نفسه فنام الرجل فرأى رسول الله ﷺ في المنام)) (فقال) أي: الرجل في المنام (يحدث عنك بكذا وكذا) ، ولأحمد، وابن ماجة ((يروي عنك كذا وكذا)) (قال) ﷺ (صدق أبو عياش) وفي ابن السني (قال الرجل فأخذ رسول الله ﷺ بيدي ثم قال: صدق أبو عياش، صدق أبو عياش، صدق أبو عياش)) وقوله: ((فرأى الرجل)) إلخ، ذكر استظهارًا وتأييدًا للرواية وطمأنينة للقلب لا استدلالاً على صحتها وثبوتها للإجماع على أن الرؤيا لا تثبت بها الأحكام ولا الحديث لأن النائم لا يضبط فربما نقل خلاف ما سمع أو كلامه يحتاج إلى تأويل وتعبير ويقع الخلاف في التفسير ولأنها إن وافقت ما استقر في الشرع فالعبرة به وإلا فلا عبرة بها لأنها إذا خالفته لم يجز نسخه بها (رواه أبو داود) في الأدب، (وابن ماجة) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٦٠) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وابن أبي شيبة، وابن السني (ص٢٢، ٢٣) .
٢٤١٩- قوله: (وعن الحارث بن مسلم التميمي) تابعي قاله البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم وغير واحد، قال البغوي سكن الشام (عن أبيه) أي: مسلم بن الحارث التميمي صحابي صرح بكونه صحابيًا البخاري، وأبو حاتم، وأبو زرعة وغيرهم. وقال في التقريب: مسلم بن الحارث، ويقال: الحارث بن مسلم التميمي صحابي قليل الحديث. قلت: قوله: ((عن الحارث بن
стр. 3643
أَنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلْ قبل أن تكلم أحدًا: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي
ــ
مسلم عن أبيه)) كذا عند أبي داود، ووقع عند النسائي، وابن حبان ((عن مسلم بن الحارث بن مسلم عن أبيه)) والصواب ما وقع في أبي داود. قال الخزرجي في الخلاصة (ص٦٩) : الحارث بن مسلم عن النبي ﷺ كذا عند النسائي، والصواب ما عند أبي داود ((عن الحارث بن مسلم عن أبيه)) أي: عن النبي ﷺ . قال أبو حاتم، وأبو زرعة الرازي: الحارث بن مسلم تابعي - انتهى. ونحوه قال المنذري في الترغيب (ج١: ص١٤٠) وقال أبو زرعة الرازي كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١/٢/٨٨) : الصحيح الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: مسلم بن الحارث ورمز عليه لأبي داود، ويقال: الحارث بن مسلم التميمي روى عن النبي ﷺ في الدعاء عند الانصراف من صلاة المغرب. روى حديثه عبد الرحمن بن حسان الفلسطيني اختلف عليه فيه....... قلت (قائله الحافظ) : وصحح البخاري، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، والترمذي، وابن قانع وغير واحد أن مسلم بن الحارث هو: صحابي روى هذا الحديث. وأخرج ابن حبان الحديث في صحيحه من مسند الحارث بن مسلم، والذي يرجح ما قاله البخاري أن صدقة ابن خالد ومحمد بن شعيب بن شابور رويا عن عبد الرحمن بن حسان الذي مدار الحديث عليه فقالا: عن الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه، ورواه وليد بن مسلم فاختلف عليه. فقال داود بن رشيد، وهشام بن عمار، وعمرو بن عثمان الحمصي، وعلي بن سهل الرملي، ومؤمل بن الفضل الحراني عنه عن عبد الرحمن عن مسلم بن الحارث بن مسلم عن أبيه. وقال محمد بن مصفى وعبد الوهاب بن نجدة، ومحمد بن الصلت عن الوليد بقول صدقة بن خالد، ومحصل ذلك الاختلاف في الصحابي هل هو الحارث بن مسلم أو مسلم بن الحارث وفي التابعي كذلك ولم أجد في التابعين توثيقًا إلا ما اقتضاه صنيع ابن حبان حيث أخرج الحديث في صحيحه، وقد جزم الدارقطني بأنه مجهول، والحديث الذي رواه أصله تفرد به ما رأيته إلا من روايته، وتصحيح مثل هذا في غاية البعد لكن ابن حبان على عادته في توثيق من لم يرو عنه واحد إذا لم يكن فيما رواه ما ينكر - انتهى. وقال في الإصابة: وصحح البخاري، والترمذي وغير واحد: أن اسم الصحابي مسلم واسم التابعي ولده الحارث، والاختلاف فيه على الوليد بن مسلم فقال جماعة: عنه عن عبد الرحمن بن حسان عن الحارث بن مسلم عن أبيه. وقال هشام بن عمار وغيره عنه عن عبد الرحمن عن مسلم بن الحارث. والراجح الأول لأن محمد بن شعيب بن شابور رواه عن عبد الرحمن كذلك. وكذا قال: صدقة بن خالد عن عبد الرحمن في حديث آخر، وأخرجه البخاري في التاريخ (٤/١/٢٥٣) عن الحكم بن موسى عن صدقة ولفظه عن الحارث بن مسلم التميمي عن أبيه أن النبي ﷺ كتب له كتابًا بالوصاة إلى من يعرفه من ولاة الأمر، قال الدارقطني: مات في خلافة عثمان – انتهى. (أنه أسر) من الإسرار (إليه) إلى مسلم بن الحارث، والمعنى تكلم النبي ﷺ معه سرًا وخفية. قال الطيبي: في الإسرار ترغيبه فيه حتى يتلقاه ويتمكن في قلبه تمكن السر المكنون لا الضنة. أي: البخل به من غيره (إذا انصرفت) أي: فرغت (اللهم أجرني
стр. 3644
مِنْ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتَّ فِي لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا، وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كَذَلِكَ فَإِنَّكَ إِذا مِتَّ فِي يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا. رواه أبو داود.
٢٤٢٠- (١٧) وعن ابْنَ عُمَرَ قال: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ
ــ
من النار) ، أي خلصني منها، أمر من الإجارة من باب الأفعال من الجور. معناه: أمِنّي وأعذني وأنقذني وخلصني من النار، أجاره الله من العذاب أنقذه (سبع مرات) ظرف لقل، أي كرر ذلك سبع مرات (فإنك إذا قلت ذلك) ، أي الدعاء المذكور سبعًا، (ثم مت) بضم الميم وكسرها، (كتب لك جوار) ، أي أمان وخلاص، بكسر الجيم وإهمال الراء كذا وقع في أكثر نسخ المشكاة، وهكذا في التاريخ الكبير للبخاري، وجامع الأصول والأذكار، والجامع الصغير، والترغيب ووقع في بعض نسخ المشكاة، ((جواز)) بفتح الجيم وإعجام الزاي، وهكذا وقع في موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٥٨٣) وكذا وقع في بعض نسخ أبي داود، قال القاري: أي خلاص، والجواز في الأصل البراءة التي تكون مع الرجل في الطريق حتى لا يمنعه أحد من المرور، وحينئذ فلا يدفعه إلا تحلة القسم - انتهى. (وإذا صليت الصبح) ، أي وانصرفت (فقل) ، أي هذا الذكر سبعًا (كذلك) ، أي قبل أن تكلم أحدًا. قال المناوي: في فيض القدير (ج١: ص٣٩٣) تنبيه قال ابن حجر: يؤخذ من مجموع الأدلة أن الصلاة إما أن تكون مما يتطوع بعدها أو لا؟ فالأول اختلف فيه هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور كالمذكور في هذا الخير ثم يتطوع أو عكسه؟ ذهب الجمهور إلى الأول، والحنفية إلى الثاني، ويترجح تقديم الذكر المأثور لتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة، وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبرها ما قبل السلام ورد بعدة أخبار، وأما التي لا يتطوع بعدها فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور ولا يتعين له مكان، بل إن شاؤا انصرفوا أو مكثوا وذكروا، وعلى الثاني إن كان للإمام عادة أن يعظهم فليقبل عليهم جميعًا وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور فهل يقبل عليهم أو ينفتل فيجعل يمينه من قبل المأمومين ويساره من قبل القبلة ويدعو؟ الثاني هو ما عليه أكثر الشافعية - انتهى. (رواه أبو داود) ، أي في الأدب، وأخرجه أيضًا أحمد () ، والبخاري في تاريخه (١/٤/٢٥٣) ، والنسائي في الكبرى، وابن حبان في صحيحه، والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وقد عرفت ما في سنده من الكلام.
٢٤٢٠- قوله (لم يكن رسول الله ﷺ يدع) ، أي يترك (هؤلاء الكلمات) ، وعند أحمد، وابن ماجة ((هؤلاء الدعوات)) (حين يمسي وحين يصبح) ، الظاهر أن كان ناقصة وجملة يدع خبر لها، أي لم يكن تاركًا لهن في هذين الوقتين بل
стр. 3645
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي. يعني الخسف. رواه أبو داود.
ــ
يداوم عليها فيهما (اللهم إني أسالك العافية) ، أي السلامة من الآفات الدينية والشدائد الدنيوية. وقيل: السلامة من الأسقام والبلايا. وقيل: عدم الابتلاء بها والصبر عليها والرضا بقضائها، وهي مصدر أو اسم من عافى. قال في القاموس: والعافية دفاع الله عن العبد وعافاه الله تعالى من المكروه عفاء ومعافاة وعافية: وهب له العافية من العلل والبلاء كأعفاه (اللهم إني أسالك العفو) ، أي محو الذنوب والتجاوز عنها، (والعافية) ، أي السلامة من العيوب (في ديني ودنياي) ، أي في أمورهما (اللهم استر) بضم التاء الفوقية (عوراتي) ، أي عيوبي وهي بسكون الواو وجمع عورة وهي سوءة الإنسان وكل ما يستحيي منه إذا ظهر ويسوء صاحبه أن يرى ذلك منه (وآمن روعاتي) بفتح الراء وسكون الواو جمع روعة وهي الفزعة، وآمن أمر من الإيمان بمعنى إزالة الخوف وإعطاء الأمن، ومنه قوله تعالى ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (١٠٦: ٤) وحاصل المعنى: اجعل خوفي أمنًا وأبدله به، وقال السندي معنى ((آمن روعاتي)) ، أي ادفع عني خوفًا يقلقني ويزعجني وكأن التقدير وآمني من روعاتي على قياس ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (اللهم احفظني) ، أي ادفع البلاء عني، (من بين يدي) ، أي أمامي (ومن خلفي) إلخ، يعني من الجهات الست لأن كل بلية تصل الإنسان إنما تصله من إحداهن، وبالغ في جهة السفل لرداءة الآفة منها (وأعوذ بعظمتك أن أن أغتال) بصيغة المجهول من المتكلم، أي أؤخذ بغتة وأهلك غفلة (من تحتي) ، أي أهلك بالخسف، والأصل في الاغتيال أن يؤتي المرأ من حيث لا يشعر وأن يدهى بمكروه لم يرتقبه. قال في القاموس: غاله أهلكه كاغتاله وأخذه من حيث لم يدر (يعني الخسف) ، أي يريد النبي ﷺ بالاغتيال من الجهة التحتانية الخسف. في القاموس: خسف الله بفلان الأرض غيبه فيها، وهذا تفسير من راوي الحديث وكيع بن الجراح كما في أبي داود، وابن ماجة أو جبير كما في ابن السني، قال الطيبي: استوعب الجهات الست كلها لأن ما يلحق الإنسان من نكبة وفتنة فإنما يجيء به ويصل إليه من إحدى هذه الجهات وبالغ في جهة السفل حيث قال: ((وأعوذ بك أن أغتال من تحتي)) لرداء آفتها - انتهى. ولا يخفى حسن موقع قوله: بعظمتك. وقوله: يعني الخسف كذا في جميع النسخ وهكذا وقع عند الحاكم. وفي المسند قال: يعني الخسف، وفي أبي داود، وابن ماجة، وابن حبان ((قال وكيع (راوي الحديث) يعني الخسف)) ، وفي ابن السني قال جبير: (أي ابن أبي سليمان بن جبير بن مطعم رواي الحديث عن ابن عمر) : وهو الخسف. قال عبادة (شيخ وكيع وتلميذ جبير) : لا أدري هو قول رسول الله ﷺ أو قول جبير يعني هل فسره من قبل نفسه أورواه؟ قال الحافظ: وكأن وكيعًا لم يحفظ هذا التفسير فقال من نفسه - انتهى. (رواه أبو داود) في الأدب وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٦) ، والنسائي في الكبرى مطولاً وفي
стр. 3646
٢٤٢١- (١٨) عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ أَصْبَحْنا نُشْهِدُكَ وَنُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ إِلا غفرَ اللهُ له مَا أَصَابَه فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ مِنْ ذَنْبٍ وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي غفرَ الله لَهُ مَا أَصَابَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ ذَنْبٍ. رواه الترمذي وأبوداود وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
الصغرى مختصرًا، وابن ماجة في الدعاء، والبخاري في الأدب المفرد في موضعين، وابن حبان في صحيحه، والحاكم (ج١: ص٥١٧) ، وابن أبي شيبة، وابن السني (ص١٤) ، وقد سكت عنه أبو داود والمنذري. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال النووي: رويناه بالأسانيد الصحيحة.
٢٤٢١- قوله (نشهدك) من الإشهاد، أي نجعلك شاهدًا على إقرارنا بوحدانيتك في الألوهية والربوبية وهو إقرار للشهادة وتأكيد لها وتجديد لها في كل صباح ومساء وعرض من أنفسهم أنهم ليسوا عنها غافلين، وقوله: ((أصبحنا ونشهد)) بصيغة الجمع للترمذي، وفي أبي داود ((اللهم إني أصبحت وأشهدك حملة عرشك)) ، (وملائكتك) بالنصب عطف على ما قبله تعميمًا بعد تخصيص (وجميع خلقك) ، أي مخلوقاتك تعميم آخر (أنك) ، بفتح الهمزة، أي على شهادتنا واعترافنا بأنك (أنت الله هذا لفظ أبي داود، وفي الترمذي بأنك الله (إلا غفر الله له) ، قال القاري: استثناء مفرغ مما هو جواب محذوف للشرط المذكور، أي الذي قال فيه ذلك الذكر تقديره: ما قال قائل هذا الدعاء إلا غفر له، أو يقدر نفي، أي من قال ذلك لم يحصل له شيء من الأحوال إلا هذه الحالة العظيمة من المغفرة الجسيمة فعلى هذا ((من)) في ((من قال)) بمعنى ما النافية، ويمكن أن تكون ((إلا)) زائدة - انتهى. قال الشيخ: كون إلا ههنا زائدة هو الظاهر وقد صرح صاحب القاموس بأنها قد تكون زائدة (ما أصابه في يومه ذلك من ذنب) زيادة ((من ذنب)) لأبي داود فقط (وإن قالها) أي هذه الكلمات (حين يمسي غفر الله له ما أصابه في تلك الليلة من ذنب) ، أي أي ذنب كان واستثنى الكبائر، وكذا ما يتعلق بحقوق العباد والإطلاق للترغيب مع أن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء. (رواه الترمذي) في الدعوات، (وأبو داود) في الأدب واللفظ للترمذي، وأخرجه أيضًا النسائي في عمل اليوم والليلة، والطبراني في الأوسط كلهم من رواية بقية بن الوليد عن مسلم بن زياد الشامي عن أنس. وبقية مدلس ورواه عندهم بالعنعنة، نعم صرح بالتحديث عند ابن السني (ص٢٥) ، في رواية المتن الآتي. واعلم أن حديث أنس هذا ليس في رواية اللؤلؤي، ولذلك لم يذكره المنذري في مختصر السنن، قال الحافظ المزي في الأطراف (ج١: ص٤٠٦) : وحديث أبي داود في رواية أبي بكر بن داسة عنه ولم يذكره أبو القاسم انتهى. وروى أبو داود، وابن السني (ص٢٣٤) من طريق مكحول عن أنس مرفوعًا ((من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك
стр. 3647
٢٤٢٢- (١٩) وعن ثوبان قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقُولُ إذا أمسى وإذا أصبح ثَلاثًا: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. رواه أحمد
ــ
ورسولك أعتق الله ربعه من النار، فمن قالها مرتين أعتق الله نصفه، ومن قالها ثلاثًا أعتق الله ثلاثة أرباعه، فإن قالها أربعًا أعتقه الله من النار)) ، وقد سكت عنه أبو داود. قال النووي: روينا في سنن أبي داود بإسناد جيد لم يضعفه. وقال المنذري في مختصر السنن: في إسناده عبد الرحمن بن عبد الحميد أبو رجاء المهري مولاهم المصري المكفوف. قال ابن يونس: كان يحدث حفظًا وكان أعمى وأحاديثه مضطربة - انتهى. وقال في حاشية شرح السنة (ج٥: ص١١١) : قد حسن هذا الحديث الحافظ ابن حجر في أمالي الأذكار كما نقله عنه ابن علان في الفتوحات الربانية (ج٣: ص١٠٥، ١٠٦) .
٢٤٢٢- قوله (ما من عبد مسلم يقول إذا أمسى وإذا أصبح ثلاثًا) لفظ أحمد من رواية أبي سلام ممطور الحبشي التابعي عن رجل خدم النبي ﷺ عن النبي ﷺ ((ما من عبد مسلم يقول حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات)) إلخ، ولفظ الترمذي من رواية أبي سلمة عن ثوبان عن النبي ﷺ من قال حين يمسي رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، كان حقًا على الله أن يرضيه. (رضيت بالله) ، أي بقضائه. وقال القاري: هو يشمل الرضا بالأحكام الشرعية والقضايا الكونية (وبالإسلام) ، أي بأحكامه (دينًا) فيه التبرؤ عن جميع ما سوى الإسلام من الأديان (وبمحمد) ، أي بمتابعته (نبيًا) ، وفي حديث أبي سلام عن خادم النبي ﷺ ((وبمحمد رسولاً)) ، قال النووي في الأذكار بعد ذكر الروايتين: فيستحب أن يجمع الإنسان بينهما فيقول نبيًا رسولاً ولو اقتصر على أحدهما كان عاملاً بالحديث. قيل: ويصح أن يقول ((نبيًا ورسولاً)) بواو العطف لأن المراد إثبات الوصفين له ﷺ عملاً بقضية الخبرين، والمنصوبات تمييزات، ويمكن أن تكون حالات مؤكدات (إلا كان حقًا على الله) ، أي يمضي وعده، وقيل: أي واجبًا على الله وجوب تفضل وتكرم ورحمة وهو الذي أوجب ذلك على نفسه حيث قال ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٦: ٥٤) والمعنى أن الله يحقق لهذا العبد ما وعده وهو إعطاءه من واسع فضله، وقوله حقًا خبر كان (أن يرضيه) من الإرضاء، أي يعطيه ثوابًا جزيلاً حتى يرضى. وهو اسم كان والجملة خبر ما والاستثناء مفرغ (يوم القيامة) ، هذا عند أحمد فقط (رواه أحمد) لم أجد الحديث عند أحمد في مسند ثوبان، نعم رواه أحمد (ج٤: ص٣٣٧، وج٥: ص٣٦٧) ، من رواية أبي عقيل عن سابق بن ناجية عن أبي سلام قال: مر رجل في مسجد حمص فقالوا: هذا خدم النبي ﷺ . قال: فقمت إليه فقلت: حدثني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ لا يتداوله بينك وبينه الرجال. قال: سمعت النبي ﷺ يقول ما من عبد إلخ. وهكذا رواه أبو داود في الأدب، والنسائي في الكبرى، وابن ماجة في الدعاء والحاكم، (ج١: ص٥١٨) وابن أبي شيبة
стр. 3648
والترمذي.
٢٤٢٣- (٢٠) عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَجْمَعُ أَوْ تَبْعَثُ عِبَادَكَ. رواه الترمذي.
٢٤٢٤- (٢١) ورواه أحمد عن البراء.
ــ
والطبراني، وابن السني (ص٢٤) ، وابن سعد والروياني، والبغوي وغيرهم، وقد سكت عنه أبو داود، والمنذري وجود النووي سنده وقال الهيثمي (ج١٠: ص١١٦) : رجال أحمد والطبراني ثقات. وقال البوصيري: إسناده صحيح رجاله ثقات. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. قيل: والخادم المبهم عند هؤلاء المخرجين هو ثوبان. والله أعلم. (والترمذي) في الدعوات من طريق سعيد بن المرزبان البقال عن أبي سلمة عن ثوبان. وسعيد بن المرزبان ضعيف مدلس باتفاق الحفاظ، وقد قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. والظاهر أنه حسنه لشواهده. منها حديث أبي سلام عن خادم النبي ﷺ ، وقد تقدم أن سنده جيد، ومنها حديث أبي سعيد عند ابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ومنها حديث المنيذر صاحب رسول الله ﷺ أخرجه الطبراني وابن مندة كما في مجمع الزوائد (ج١٠: ص١١٦) ، وفي الإصابة (ج٤: ص١٩٢) ، وفي إسناده رشدين وهو ضعيف وقع بعض نسخ المشكاة بعد الترمذي، ((وأبو داود)) وهو خطأ من الناسخ.
٢٤٢٣- قوله (وضع يده) ، أي اليمنى كما في رواية أحمد (تحت رأسه) ، وفي رواية ((تحت خده)) وهو محمول على اختلاف الأوقات فكان تارة كذا، وتارة كذا. أو على أن بعض اليد تحت خده وبعضها تحت رأسه فعبر عن بعض ما تبين له أو يكون ذلك لقرب كل واحد منهما من الآخر (اللهم قني) بكسر القاف أمر من وقي يقي، أي احفظني (يوم تجمع أو تبعث عبادك) ، أي يوم القيامة وأو للشك من الراوي يشك هل قال: تجمع أو تبعث. وقد ورد في حديث ابن مسعود عند أحمد تجمع بغير شك وسيأتي في حديث حفصة ((تبعث)) بغير شك، فأي اللفظين قال جاز له ذلك. ولما كان النوم في حكم الموت والاستيقاظ كالبعث دعا بهذا الدعاء متذكرًا لتلك الحالة ويستحب أن يقول ذلك ثلاث مرات كما سيأتي في حديث حفصة (رواه الترمذي) في الدعوات، أي عن حذيفة وقال: حديث حسن صحيح. قلت: وصححه أيضًا الحافظ وحديث حذيفة هذا رواه أيضًا الحميدي في مسنده (ج١: ص٢١٠، ٢١١) ، وأحمد (ج٥ ص٣٨٢) ونسبه الشوكاني في تحفة الذاكرين (ص٨٨) للترمذي والبزار.
٢٤٢٤- قوله (ورواه أحمد عن البراء) (ج٤: ص٢٨١، ٢٩٠، ٢٩٨، ٣٠٠، ٣٠١، ٣٠٣) ، وأخرجه أيضًا الترمذي في السنن وفي الشمائل والبغوي في شرح السنة، (ج٥: ص٩٧) ، والنسائي في اليوم والليلة، وابن حبان في صحيحه وسنده
стр. 3649
٢٤٢٥- (٢٢) وعَنْ حَفْصَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ. ثَلَاثَ مِرات. رواه أبو داود.
٢٤٢٦- (٢٣) وعن عَلِيٍّ أَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ مَضْجَعِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّات مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ تَكْشِفُ الْمَغْرَمَ وَالْمَأْثَمَ اللَّهُمَّ لا يُهْزَمُ جُنْدُكَ
ــ
صحيح كما قال الحافظ: وصنيع المصنف يدل على أن حديث حذيفة ليس عند أحمد، وحديث البراء لم يروه الترمذي والأمر ليس كذلك كما عرفت.
٢٤٢٥- قوله (وعن حفصة) أم المؤمنين ﵂ (كان إذا أراد أن يرقد) ، أي ينام (قني عذابك يوم تبعث عبادك) فيه أنه ينبغي للعاقل أن يجعل النوم وسيلة لذكر الموت والبعث الذي بعده (ثلاث مرات) ، في بعض النسخ مرار (رواه أبو داود) في الأدب وسكت عنه هو والمنذري وقال: وأخرجه النسائي أيضًا مختصرًا في وضع الكف خاصة. قلت: وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص٢٨٧، ٢٨٨) ، وابن السني (ص٢٣١، ٢٣٢) مختصرًا ومطولاً وعزاه في الحصن للبزار، وابن أبي شيبة أيضًا، وفي الباب عن ابن مسعود أخرجه أحمد (ج١: ص٣٩٥، ٤٠١، ٤١٥، ٤٤٤) ، وابن ماجة، ورجال إسناده ثقات إلا أنه منقطع أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه شيئًا.
٢٤٢٦- قوله (كان يقول عند مضجعه) اسم مكان أي عند اضطجاعه في مضجعه أو اسم زمان أو مصدر (إني أعوذ بوجهك) ، أي بذاتك والوجه يعبر به عن الذات كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٢٨: ٨٨) (وكلماتك التامات) وفي بعض النسخ من سنن أبي داود ((التامة)) ، أي بالإفراد، أي الكاملات في إفادة ما ينبغي وهي أسماءه وصفاته أو آياته القرآنية (من شر ما أنت آخذ بناصيته) ، أي هو في قبضتك وتصرفك كقوله تعالى: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ (١١: ٥٦) ، وهي عبارة عن القدرة أي من شر جميع الأشياء لأنه على كل شيء قدير. (أنت تكشف) ، أي تزيل وتدفع (المغرم) مصدر وضع موضع الاسم والمراد مغرم الذنوب والمعاصي، وقيل المغرم كالغرم الدين. والمراد به ما استدين فيما يكرهه الله أو فيما يجوز ثم يعجز عن أداءه، فأما دين احتاج إليه وهو قادر على أداءه فلا يستعاذ منه ذكره الجزري في النهاية، وقال التوربشتي: الغرم والمغرم ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر بغير جناية منه وكذلك ما يلزمه أداءه، ومنه الغرامة والغريم الذي عليه الدين والأصل فيه الغرام وهو الشر الدائم والعذاب والمراد من المغرم ما يلزم به الإنسان من غرامة أو يصاب به في ماله من خسارة وما يلزمه كالدين وما يلحق به من المظالم (والمأثم) ، أي ما يأثم به الإنسان أو هو الإثم نفسه وضعًا للمصدر موضع الاسم (لا يهزم) بصيغة المجهول، أي لا يغلب ولو في عاقبة الأمر
стр. 3650
وَلا يُخْلَفُ وَعْدُكَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ. رواه أبو داود.
٢٤٢٧- (٢٤) وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ أو عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ
ــ
(ولا يخلف وعدك) ، بصيغة المجهول من الإخلاف ورفع وعدك، وفي بعض النسخ بلفظ المخاطب المعلوم فوعدك منصوب، (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) ، الجد بفتح الجيم وفسر بالغني وعليه الأكثرون، أي لا ينفع ذا الغني غناه منك، أي بدل طاعتك وإنما ينفعه العمل الصالح، وقيل: الجد هو البخت والحظ والعظمة، أي لا ينفعه ولا ينجيه حظه بالمال والولد والعظمة إنما ينفعه وينجيه منك فضلك ورحمتك. قال الجزري الجد البخت، وقيل: الغني، أي لا ينفع المبخوت والمسعود حظه وغناه اللذان هما منك، إنما ينفعه العمل والطاعة والإخلاص - انتهى. وقيل منك معناه عندك. وقيل الجد أبو الأب والأم، أي لا ينفع أحدًا مجرد نسبه، وقيل الجد بكسر الجيم بمعنى الجد والاجتهاد في الدنيا، والمعنى أن صاحب الجد على حيازة الدنيا الحريص عليها لا ينفعه ذلك وإنما ينفعه عمل الآخرة (سبحانك وبحمدك) ، أي أجمع بين تننزيهك وتحميدك (رواه أبو داود) في الأدب وأخرجه أيضًا النسائي، وابن أبي شيبة وسكت عنه أبو داود وصححه النووي.
٢٤٢٧- قوله (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم) ، يجوز فيهما النصب صفة لله بعد صفة أو مدحًا بعد مدح، والرفع بدلاً من الضمير أو على أنه خبر مبتدأ محذوف (وأتوب إليه) ، أي أطلب المغفرة وأريد التوبة فكأنه قال: اللهم اغفر لي ووفقني للتوبة (ثلاث مرات) ظرف قال (غفر الله له ذنوبه) ، أي المتعلقة بحق الله أو الذنوب مطلقًا إن قصد بذلك التوبة وعدم العود وعجز عن إرضاء أصحاب الحقوق فلا يبعد أن الله تعالى يقبل توبته ويرضي خصومه من عنده وفضل الله واسع (وإن كانت) ، أي ولو كانت ذنوبه في الكثرة (مثل زبد البحر) ، الزبد محركة ما يعلو الماء وغيره من الرغوة (أو) للتنويع (عدد رمل عالج) بفتح اللام وكسرها. قال في مرآة الزمان: عالج موضع بالشام رمله كثير، وقال الطيبي: موضع بالبادية فيه رمل كثير، وفي النهاية: العالج ما تراكم من الرمل ودخل بعضه على بعض وجمعه عوالج. فعلى هذا لا يضاف الرمل إلى عالج لأنه صفة له، أي رمل يتراكم، وفي التحرير عالج موضع مخصوص فيضاف، قال ميرك: الرواية بالإضافة فعلى قول صاحب النهاية وجهه أن يقال: إنه من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة أو الإضافة بيانية وعدد منصوب عطفًا على مثل ويجوز جره عطفًا على الزبد وكذا قوله أو عدد ورق الشجر أو عدد أيام الدنيا. كذا في المرقاة. قلت: لفظ الترمذي ((وإن كانت عدد ورق الشجر وإن كانت عدد رمل عالج وإن كانت عدد أيام الدنيا، وهذا يعين أن العدد في لفظ المشكاة منصوب عطفًا على مثل، والمصنف تبع البغوي في نقل لفظ الحديث، وفي
стр. 3651
أو عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ أو عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا. رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب.
٢٤٢٨- (٢٥) وعن شَدَّاد بْنَ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ بقرأة سُورَة مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا فَلا يَقْرَبُهُ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ حَتَّى يَهُبَّ مَتَى هَبَّ. رواه الترمذي.
٢٤٢٩- (٢٦) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَلَّتَانِ
ــ
الحديث فضيلة عظيمة ومنقبة جليلة في مغفرة ذنوب القائل بهذا الذكر ثلاث مرات وإن كانت بالغة إلى هذا الحد الذي لا يحيط به عدد وفضل الله واسع وعطاؤه جم (رواه الترمذي) في الدعاء من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية عن أبي سعيد، وعبيد الله بن الوليد هذا ضعيف متروك وعطية بن سعد العوفي قال في التقريب عنه: صدوق يخطئ كثيرًا وكان شيعيًا مدلسًا (وقال هذا حديث غريب) وفي نسخ الترمذي الموجودة عندنا ((هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عبيد الله بن الوليد الوصافي)) وهكذا نقل المنذري في الترغيب وقال بعد ذكره: عبيد الله هذا واه ولكن تابعه عليه عصام بن قدامة وهو ثقة خرجه البخاري في تاريخه من طريقه بنحوه وعطية هذا هو العوفي، قال أحمد وغيره ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه ووثقه ابن معين وغيره، وحسن له الترمذي غير ما حديث وأخرج حديثه ابن خزيمة في صحيحه، وقال في القلب من عطية شيء.
٢٤٢٨- قوله (ما من مسلم يأخذ مضجعه بقراءة سورة) ، أي مفتتحًا بقراءة سورة وقيل: أي متلبسًا بقراءتها، وقوله ((بقراءة)) كذا في كثير من نسخ المشكاة، وهكذا وقع في المصابيح ووقع في بعض نسخ المشكاة ((يقرأ)) بلفظ المضارع وهكذا وقع في الترمذي وذكره في جامع الأصول بلفظ ((فيقرأ)) ، أي بزيادة الفاء على صيغة المضارع. وهكذا وقع عند أحمد، وابن السني (من كتاب الله) ، أي القرآن المجيد (إلا وكل الله به ملكًا) ، أي أمره بأن يحرسه من المضار وهو استثناء مفرغ (فلا يقربه) بفتح الراء (شيء يؤذيه) ، وفي رواية أحمد ((إلا بعث الله إليه ملكًا يحفظه من كل شيء يؤذيه)) ولابن السني، ((إلا وكل الله به ملكًا لا يدع شيئًا يقربه ويؤذيه)) (حتى يهب) بضم الهاء وتشديد الباء من باب نصر (متى هب) ، أي يستيقظ متى استيقظ بعد طول الزمان أو قربه من النوم (رواه الترمذي) في الدعوات وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص١٢٥) ، وابن السني (ص٢٣٨) كلهم من رواية أبي العلاء بن الشخير عن رجل من بني حنظلة عن شداد بن أوس، قال الترمذي: هذا حديث غريب. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص١٢٠) ، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح وحسنه السيوطي كما قال الشوكاني: في تحفة الذاكرين (ص٨٧) ورد عليهما بأن في إسناده مجهولاً وهو الحنظلي وأيضًا قد ضعف النووي في الأذكار إسناده.
٢٤٢٩- قوله (خلتان) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، أي خصلتان كما صرح بذلك في بعض روايات
стр. 3652
لا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ أَلا وَهُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا وَيَحْمَدُهُ عَشْرًا وَيُكَبِّرُهُ عَشْرًا قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ. قَالَ: فَتِلْكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ وَإِذَا أَخَذ مَضْجَعَه يسَبِّحُهُ وَيكَبِّرُهُ وَيحْمَدُهُ مِائَةً فَتِلْكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانِ فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ؟
ــ
الحديث (لا يحصيهما رجل مسلم) ، أي لا يحافظ عليهما كما في رواية أحمد (ج٢: ص٢٠٦) ، والحميدي (ج١: ص٢٦٥) ، وأبي داود، يعني لا يواظب عليهما. قيل: والأظهر أنه ليس المراد إجراء هذه الألفاظ على اللسان فقط بل التذكر والتيقظ في فهم معانيها وإن لم يحرم من البركة من يذكرها وقلبه لاه عنها (إلا دخل الجنة) ، أي مع الناجين. وقيل: أي مع السابقين وإلا فإنه يدخل الجنة كل مؤمن إن شاء الله تعالى وإن كان بعد أمد والاستثناء مفرغ وفيه بشارة عظيمة بحسن الخاتمة للمواظب على هذه الأذكار (ألا) بالتخفيف حرف تنبيه (وهما) ، أي الخصلتان وهما الوصفان كل واحد منهما (يسير) ، أي سهل خفيف لعدم صعوبة العمل بهما على من يسره الله (ومن يعمل بهما) ، أي على وصف المداومة (قليل) عددهم، أي نادر لعزة التوفيق وجملة التنبيه معترضة لتأكيد التحضيض على الإتيان بهما والترغيب في المداومة عليهما، والظاهر أن الواو في ((وهما للحال والعامل فيه معنى التنبيه. قاله القاري. (يسبح الله) بأن يقول سبحان الله، وهو بيان لإحدى الخلتين والضمير للرجل المسلم (في دبر) بضمتين، أي عقب (كل صلاة) ، أي مكتوبة كما في رواية أحمد (ج٢: ص١٦٢) (عشرًا) ، أي من المرات (ويحمده) بأن يقول الحمد لله (ويكبره) بأن يقول الله أكبر (قال) ، أي ابن عمرو (يعقدها) ، أي العشرات (بيده) ، أي بأصابعها أو بأناملها أو بعقدها. والمراد يضبط الأذكار المذكورة وبحفظ عددها أو يعقد لأجلها بيده. (قال) : أي النبي ﷺ (فتلك) ، أي العشرات الثلاث دبر كل صلاة من الصلوات الخمس (خمسون ومائة) ، أي في يوم وليلة حاصلة من ضرب ثلاثين في خمسة، أي مائة وخمسون حسنة (باللسان) ، أي بمقتضى نطقه في العدد (وألف وخمسمائة في الميزان) ، لأن كل حسنة بعشر أمثالها على أقل مراتب المضاعفة الموعودة في الكتاب والسنة (وإذا أخذ مضجعه) ، في الترمذي ((وإذا أخذت مضجعك تسبحه وتكبره وتحمده)) وهذا بيان للخلة الثانية (يسبحه ويكبره ويحمده مائة) ، أي مائة مرة يعني يسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويكبره أربعًا وثلاثين، ويحمده، ثلاثًا وثلاثين، فيكون عدد المجموع مائة يدل على ذلك رواية النسائي، وابن السني. ((وإذا أوى أحدكم إلى فراشه أو مضجعه يسبح ثلاثًا وثلاثين، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، وكبر أربعًا وثلاثين)) ، ولأبي داود ((ويكبر أربعًا وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويسبح ثلاثًا وثلاثين)) . (فتلك) ، أي المائة من أنواع الذكر (مائة) ، أي مائة حسنة (وألف) ، أي ألف حسنة على جهة المضاعفة (فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمس مائة سيئة) كذا عند أحمد، والنسائي، وابن ماجة، والبخاري في
стр. 3653
قَالُوا: وَكَيْفَ لا نحْصِيهَا؟ قَالَ: يَأْتِي أَحَدَكُمْ الشَّيْطَانُ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ فَيَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا حَتَّى يَنْفَتِلَ فَلَعَلَّهُ لا يَفْعَلُ وَيَأْتِيهِ فِي مَضْجَعِهِ فَلا يَزَالُ يُنَوِّمُهُ حَتَّى يَنَامَ. رواه الترمذي وأبو داود
ــ
الأدب المفرد وفي الترمذي، ((ألفي وخمسائة سيئة)) وفي مسند الحميدي ((ألفي سيئة وخمسمائة سيئة)) قال القاري: الفاء جواب شرط محذوف وفي الاستفهام نوع إنكار يعني إذا حافظ على الخصلتين وحصل ألفان وخمسمائة حسنة في يوم وليلة فيعفي عنه بعدد كل حسنة سيئة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١١: ١١٤) فأيكم يأتي بأكثر من هذا من السيئات في يومه وليلته حتى لا يصير معفوًا عنه فما لكم لا تأتون بهما ولا تحصونهما؟ انتهى. وقال السندي: في حاشية النسائي: قوله: ((فأيكم يعمل)) إلخ، أي لتساوي هذه الحسنات ولا يبقى منها شيء، أي بل السيئات في العادة أقل من هذا العدد فتغلب عليها هذه الحسنات الحاصلة بهذا الذكر المبارك، وقال في حاشية ابن ماجة: أي إنها تدفع هذا العدد من السيئات وإن لم تكن له سيئات بهذا العدد ترفع له بها درجات وقلما يعمل الإنسان في اليوم والليلة هذا القدر من السيئات فصاحب هذا الورد مع حصول مغفرة السيئات لابد أن يحرز بهذا الورد فضيلة هذه الدرجات (قالوا وكيف لا نحصيها) ، أي المذكورات، وفي رواية أحمد ((قالوا: كيف من يعمل بهما قليل)) ؟ والمعنى أنهم قالوا مستفهمين استفهام تعجب إذا كان هذا الثوب الجزيل لمن يعمل هذا العمل القليل فكيف يقل العاملون به؟ قال الطيبي: أي كيف لا نحصي المذكورات في الخلتين، وأي شيء يصرفنا فهو استبعاد لإهمالهم في الإحصاء فرد استبعادهم بأن الشيطان يوسوس له في الصلاة حتى يغفل عن الذكر عقيبها وينومه عند الاضطجاع كذلك. وهذا معنى قوله (قال) : أي النبي ﷺ (يأتي أحدكم) مفعول مقدم (فيقول) ، أي يوسوس له ويلقي في خاطره (اذكر كذا اذكر كذا) ، من الأشغال الدنيوية والأحوال النفسية الشهوية أو ما لا تعلق له بالصلاة ولو من الأمور الأخروية (حتى ينفتل) ، أي ينصرف عن الصلاة (فلعله) ، أي فعسى (أن لا يفعل) ، أي الإحصاء، قيل: الفاء في ((فلعله)) جزاء شرط محذوف يعني أن الشيطان إذا كان يفعل كذا فعسى الرجل أن لا يفعل، وإدخال إن في خبره دليل على أن لعل ههنا بمعنى عسى، وفيه إيماء إلى أنه إذا كان يغلبه الشيطان عن الحضور المطلوب المؤكد في صلاته، فكيف لا يغلبه ولا يمنعه عن الأذكار المعدودة من السنن في حال انصرافه عن طاعته، وفي راوية أحمد (ج٢: ص٢٠٦) ((فيذكر حاجة كذا فيقوم ولا يقولها)) ، والمعنى أنه ينصرف عن الصلاة وهو مشغول بالحاجة التي ذكره بها الشيطان فلا يقول الذكر المطلوب إما نسيانًا أو عمدًا لاشتغاله بغيره، وهكذا يفعل معه عند النوم حتى ينام بدون ذكر (ويأتيه) ، أي الشيطان أحدكم (فلا يزال ينوّمه) بتشديد الواو، أي يلقي عليه النوم (حتى ينام) ، أي بدون الذكر، وفي رواية أحمد ((فينومه فلا يقولها)) وفي أخرى له أيضًا ولأبي داود ((فينومه قبل أن يقولها)) (رواه الترمذي) في الدعوات من طريق إسماعيل بن علية عن عطاء ابن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو (وأبو داود) في الأدب من
стр. 3654
والنسائي. وفي رواية أبي داود قَالَ: خَصْلَتَانِ أَوْ خَلَّتَانِ لا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وكذا في روايته بعد قوله ((وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ)) . قال: وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ وَيَحْمَدُ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَيُسَبِّحُ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ. وفي أكثر نسخ المصابيح ((عن عبد الله بن عمر)) .
٢٤٣٠- (٢٧) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أو بأحد من خلقك
ــ
رواية شعبة عن عطاء، (والنسائي) في الصلاة من طريق حماد بن زيد عن عطاء واللفظ للترمذي، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١٦٠، ١٦١) من طريق جرير عن عطاء، و (ج٢: ص٢٠٥) من طريق شعبة، وابن ماجة في الصلاة من طريق ابن علية ومحمد بن فضيل وأبي يحيى التيمي، وابن الأجلح عن عطاء والحميدي في مسنده (ج١: ص٢٦٥) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص٦٢١) من طريق سفيان عن عطاء، وابن حبان من طريق حماد بن زيد عنه، وابن السني (ص٢٣٦) من طريق حماد بن سلمة عن عطاء. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وقال النووي في الأذكار: إسناد صحيح إلا أن فيه عطاء بن السائب وفيه اختلاف بسبب اختلاطه. قلت: قال المنذري قال أحمد فيه: ثقة ثقة صالح من سمع منه قديمًا، أي قبل الاختلاط والتغير كان صحيحًا ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء. وقال النسائي: ثقة في حديثه القديم لكنه تغير، ورواية الثوري وحماد بن زيد عنه جيدة وصحح حديثه الترمذي، وابن خزيم، وابن حبان، والحاكم وغيرهم - انتهى. قلت: سمع سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد من عطاء قبل الاختلاط كما في تهذيب التهذيب ويكفي في صحة الحديث من هؤلاء التسعة الذين رووه عن عطاء، شعبة، والثوري، وحماد بن زيد الذين سمعوا من عطاء قديمًا. (وفي رواية أبي داود قال خصلتان أو خلتان) . أي على الشك وكذا وقع بالشك في رواية أحمد (ج٢ ص٢٠٦) (لا يحافظ عليهما عبد مسلم) ، أي بدل لا يحصيهما رجل مسلم، (وكذا في روايته) ، أي رواية أبي داود (وفي أكثر نسخ المصابيح عن عبد الله بن عمر) ، أي بدون الواو وهو خطأ من غير شك فإن الحديث من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص عند جميع المخرجين.
٢٤٣٠- قوله (عند عبد الله بن غنام) بفتح الغين المعجمة وتشديد النون وبعد الألف ميم. ابن أوس بن عمرو بن مالك بن عامر بن بياضة الأنصاري البياضي صحابي له حديث في سنن أبي داود والنسائي في القول عند الصباح يرويه عنه عبد الله بن عنبسة، ويأتي بقية الكلام عليه عند تخريج الحديث، (ما أصبح بي) ، أي حصل لي في الصباح. قاله القاري. وقيل: أي ما أصبح متصلاً بي، (من نعمة) ، أي دنيوية أو أخروية (أو بأحد من خلقك) أو للتنويع والمراد التعميم، وهذا ليس في رواية أبي داود نعم هو عن النسائي كما يظهر من تحفة الذاكرين وكذا هو في حديث ابن عباس عند ابن حبان
стр. 3655
فَمِنْكَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ. فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ. وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ. رواه أبو داود.
٢٤٣١- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ:
ــ
وابن السني (فمنك) ، أي فحاصل منك (وحدك) حال من الضمير المتصل في قوله ((فمنك)) ، أي فهو حاصل منك منفردًا (ومن قال مثل ذلك حين يمسي) لكن يقول أمسى بدل أصبح (فقد أدى شكر ليلته) ، هذا يدل على أن الشكر هو الاعتراف بالمنعم الحقيق ورؤية كل النعم دقيقها وجليلها منه، وكماله أن يقوم بحق النعم ويصرفها في مرضاة المنعم. قال الشوكاني: وفي الحديث فضيلة عظمية ومنقبة كريمة حيث تكون تأدية واجب الشكر بهذه الألفاظ اليسيرة القليلة وأن قائلها صباحًا قد أدى شكر يومه وقائلها مساءً قد أدى شكر ليلته مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١٤: ٣٤) وإذا كانت النعم لا يمكن إحصاءها فكيف يقدر العبد على شكرها فلله الحمد ولله الشكر على هذه الفائدة الجليلة المأخوذة من معدن العلم ومنبعه - انتهى. (رواه أبو داود) في الأدب، وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١١٥) كلهم من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي عن عبد الله بن عنبسة عن عبد الله بن غنام البياضي، وقد سكت عنه أبو داود، وقال النووي: روينا في سنن أبي داود بإسناد جيد لم يضعفه عن عبد الله بن غنام فذكره. وقال الشوكاني: وجود النسائي إسناده، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن السني (ص١٥) من طريق ربيعة الرأي عن عبد الله بن عنبسة عن ابن عباس، وهذا تصحيف من بعض الرواة، والصحيح ابن غنام، قال الحافظ: في تهذيب التهذيب (ج٥: ص٣٥٤) ، عبد الله بن عنبسة عن عبد الله بن عباس، وقيل: ابن غنام البياضي وهو الصحيح حديث ((من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة)) ، وعنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومحمد بن سعيد الطائفي، روى له أبو داود، والنسائي هذا الحديث الواحد، ووقع في رواية النسائي على الوجهين ورجح الطبراني وغيره ابن غنام، قلت (قائله الحافظ) : وقال أبو زرعة: لا أعرفه إلا في حديث واحد، وأخرجه ابن حبان في صحيحه فقال ابن عباس، وأما أبو نعيم فجزم في معرفة الصحابة بأن من قال ابن عباس فقد صحف، وكذا قال ابن عساكر أنه خطأ - انتهى.
٢٤٣١- قوله (أنه كان يقول إذا أوى) بقصر الهمزة ومدها وجهان ومعناه الاضطجاع للنوم (إلى فراشه) ، هذا لفظ أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وأبي داود وابن ماجة في رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، ولمسلم، وابن السني عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمين، ثم يقول: اللهم رب السموات إلخ، وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وللترمذي، ومسلم أيضًا من طريق سهيل عن أبيه عن أبي هريرة كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: اللهم رب السموات، إلخ،
стр. 3656
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى مُنَزِّلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الآخِرُ
ــ
ورواه أيضًا ابن ماجة من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: أتت فاطمة النبي ﷺ تسأله خادمًا فقال لها: ما عندي أعطيك. فرجعت فأتاها بعد ذلك. فقال: الذي سألت أحب إليك أو ما هو خير منه فقال لها علي: قولي لا بل ما هو خير منه. فقالت. فقال: قولي اللهم رب السموات إلخ وهذه الرواية عند مسلم، والترمذي أيضًا لكن لم يسق مسلم لفظها (اللهم رب السموات) ، زاد في رواية لمسلم، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد لفظه ((السبع)) (ورب الأرض) ، وللترمذي ((ورب الأرضين)) ، أي خالقهما ومربي أهلهما وزاد في رواية لمسلم، وابن ماجة، والترمذي، وابن السني ((ورب العرش العظيم)) يجر العظيم صفة للعرش والنصب نعتًا للرب (ورب كل شيء) تعميم بعد تخصيص، وفي مسلم، والترمذي ((ربنا ورب كل شيء (فالق الحب) الفلق الشق (والنوى) جمع النواة وهي عجم التمر وفي معناه عجم غيره والتخصيص لفضلها أو لكثرة وجودها في ديار العرب، أي يامن يشق حب الطعام ونوى التمر ونحوهما بإخراج الزرع والنخيل منهما (منزل التوراة) من الإنزال وقيل: من التنزيل (والإنجيل والقرآن) زاد في رواية الأعمش عند ابن ماجة، ((العظيم)) ولمسلم، وابن السني الفرقان بدل القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل ولعل ترك الزبور لأنه مندرج في التوراة أو لأنه ليس فيه أحكام إنما هو مواعظ. قال الطيبي: فإن قلت: ما وجه النظم بين هذه القرائن؟ قلت: وجهه أنه ﷺ لما ذكر أنه تعالى رب السموات والأرض، أي مالكهما ومدبر أهلهما عقبه بقوله ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ لينتظم معنى الخالقية والمالكية لأن قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ تفسير لفالق الحب والنوى، ومعناه يخرج الحيوان النامي من النطفة والحب من النوى ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ ، أي يخرج هذه الأشياء من الحيوان والنامي، ثم عقب ذلك بقوله ((منزل التوراة)) ليؤذن بأنه لم يكن إخراج الأشياء من كتم العدم إلى فضاء الوجود إلا ليعلم ويعبد ولا يحصل ذلك إلا بكتاب ينزله ورسول يبعثه. كأنه قيل يا مالك، يا مدبر، يا هادي أعوذ بك - انتهى كلام الطيبي (أعوذ) ، أي أعتصم وألوذ، ووقع في بعض النسخ ((وأعوذ)) بواو العطف وهو خطأ من الناسخ (من شر كل ذي شر) كذا لأحمد وأبي داود، والترمذي، والبخاري في الأدب المفرد، وفي رواية مسلم والترمذي، وابن السني ((من شر كل شيء)) (أنت آخذ بناصيته) ، أي من شر كل شيء من المخلوقات لأنها كلها في سلطانه وهو آخذ بنواصيها، وفي رواية لمسلم، وابن ماجة ((من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها)) ، أي أعوذ بك من شر كل دابة مؤذية (أنت الأول) ، وفي مسلم ((اللهم أنت الأول)) ، أي القديم الذي لا ابتداء له (فليس قبلك شيء) قيل هذا تقرير للمعنى السابق وذلك أن قوله ((أنت الأول)) مفيد للحصر قرينة الخير باللام فكأنه قيل: أنت مختص بالأولية فليس قبلك شيء (وأنت الآخر) ، أي الباقي بعد فناء خلقك لا انتهاء
стр. 3657
فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ. اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنْ الْفَقْرِ. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، ورواه مسلم مع اختلاف يسير.
٢٤٣٢- (٢٩) وعَنْ أَبِي الأَزْهَرِ الأَنْمَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ:
ــ
لك ولا انقضاء لوجودك. وقال الجزري: أي الباقي بعد فناء خلقه كله ناطقة وصامتة (فليس بعدك شيء) لعدم البعدية (وأنت الظاهر) أي فلا ظهور لشيء ولا وجود له إلا من آثار ظهورك ووجودك (فليس فوقك) أي فوق ظهورك (شيء) يعني ليس شيء أظهر منك لدلالة الآيات الباهرة عليك. وقيل الظاهر هو الذي ظهر فوق كل شيء وعلا عليه. وليس فوقك شيء أي لا يقهرك شيء. أي: ليس فوقك غالب (وأنت الباطن) يعني الذي حجب أبصار الخلائق وأوهامهم عن إدراكه فلا يدركه بصر ولا يحيط به وهم (فليس دونك شيء) أي لا يحجبك شيء عن إدراك مخلوقاتك يعني مع كونه يحتجب عن أبصار الخلائق فليس دونه ما يحجبه عن إدراكه شيئًا من خلقه، وقيل أنت الباطن أي بعظمة جلالك وكمال كبرياءك حتى لا يقدر أحد على إدراك ذاتك مع كمال ظهورك، وقوله: فليس دونك شيء أي وراءك شيء يكون أبطن منك، وقيل: الباطن هو العالم بما بطن. يقال: بطنت الأمر إذا عرفت باطنه (اقض عني الدين واغنني من الفقر) . وفي رواية مسلم، والحاكم: اقض عنا الدين وأغننا من الفقر. قال النووي: يحتمل أن المراد بالدين هنا حقوق الله تعالى وحقوق العباد كلها من جميع الأنواع، وأما معنى الظاهر من أسماء الله فقيل: هو من الظهور بمعنى القهر والغلبة وكمال القدرة ومنه ظهر فلان على فلان، وقيل: الظاهر بالدلائل القطعية والباطن المحتجب عن خلقه، وقيل: العالم بالخفيات، وأما تسميته تعالى بالآخر فقال الإمام أبو بكر الباقلاني: معناه الباقي بصفاته من العلم والقدرة وغيرهما التي كان عليها في الأزل يكون كذلك بعد موت الخلائق وذهاب علومهم وقدرهم وحواسهم وتفرق أجسامهم - انتهى. (رواه أبو داود) في الأدب واللفظ له، (والترمذي، وابن ماجة) في الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج) ، والنسائي في الكبرى، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص٦١٩) ، وابن السنى (ص٢٢٧) ، وابن أبي شيبة، وأبو عوانة في الدعوات، وابن حبان، والحاكم (ج١: ص٥٤٦) وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وسكت عنه أبو داود، والمنذري. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (ورواه مسلم) في الدعاء (مع اختلاف يسير) وقد ذكرنا مواضع الاختلاف.
٢٤٣٢- قوله: (وعن أبي الأزهر) ويقال: أبو زهير مصغرًا (الأنمارى) بفتح الهمزة وسكون النون ويقال: النميري بالتصغير صحابي سكن الشام لا يعرف اسمه، وقيل: يحيى بن نفير روى عن النبي ﷺ في القول: إذا أخذ مضجعه. وعنه خالد بن معدان وغيره (كان إذا أخذ مضجعه) بفتح الميم والجيم أي موضع ضجوعه يعني استقر فيه لينام
стр. 3658
بِسْمِ اللَّهِ وَضَعْتُ جَنْبِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي وَأَخْسِئْ شَيْطَانِي وَفُكَّ رِهَانِي وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الْأَعْلَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
ــ
(بسم الله وضعت جنبي لله) كذا في جميع النسخ من المشكاة وهكذا نقله في جامع الأصول وقع في المصابيح بدون ((لله)) وكذا في الأذكار، والحصن، والجامع الصغير. وهكذا وقع في سنن أبي داود. قال القاري: فوضعت متعلق الجار ويحتمل على الأول أيضًا أن يتعلق بقوله: وضعت أي: باسم الله وضعت جنبي حال كون وضعه لله أي للتقوى على عبادته (اللهم اغفر لي ذنبي) المراد به ذنبه اللائق بذاته الشريفة أو وقع تعليمًا لأمته (واخسأ شيطاني) أي: اجعله خاسئًا أي: مطرودًا وهو بوصل الهمزة وفتح السين من خسأت الكلب أي: طردته وزجرته مستهينًا به فانزجر وخسأ الكلب بنفسه فهو يتعدى ولا يتعدى ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٢٣: ١٠٨) والمعنى اجعله مطرودًا عني كالكلب المهين. قال الطيبي: أضافه إلى نفسه لأنه أراد به قرينه من الجن أو أراد الذي يقصد إغواءه ويبغي غوايته أي من شياطين الإنس والجن (وفك) بضم الفاء وتشديد الكاف المفتوحة ويجوز ضمها وكسرها (رهاني) بكسر الراء كسهام أي خلص نفسي ورقبتي عن كل حق علي. وأصل الفك الفصل بين الشَّيْئَيّنِ وتخليص بعضهما من بعض. والرهان الرهن وجمعه ومصدر راهنه وهو ما يوضع وثيقة للدين يعني المال المحبوس عند المرتهن والمراد هنا نفس الإنسان لأنها مرهونة بعملها لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٧٤: ٣٨) وقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٥٢: ٢١) ولقوله ﷺ : نفس المؤمن مرتهنة بدينه. أي محبوسة عن مقامها الكريم حتى يقضى عنه دينه. وفك الرهن تخليصه من يد المرتهن يعني خلص نفسي عن حقوق الخلق ومن عقاب ما اقترفت من الأعمال التي لا ترتضيها بالعفو عنها، وزاد في المستدرك وعمل اليوم والليلة لابن السني ((وثقل ميزاني)) أي بالأعمال الصالحة (واجعلني في النديّ الأعلى) النديّ: بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء هو النادي، قال الجزري: الندي النادي وهو المجلس يجتمع فيه القوم، فإذا تفرقوا عنه فليس بناد ولا ندي، والمراد بالندي الأعلى مجتمع الملائكة المقربين ولهذا وصفه بالعلو. وقال الخطابي: الندي القوم المجتمعون في مجلس، ومثله النادي وجمعه أندية، قال: ويريد بالندي الأعلى الملأ الأعلى من الملائكة - انتهى. وقيل: الندي أصله المجلس، ويقال للقوم أيضًا تقول: ندوت القوم أي جمعتهم، والمعنى اجعلني من القوم المجتمعين. ويريد بالأعلى الملأ الأعلى. وهم الملائكة أو من أهل الندي إذا أريد به المجلس، وهذا دعاء يجمع خير الدنيا والآخرة فتتأكد المواظبة عليه كلما أريد النوم وهو من أجل الأدعية المشروعة عنده على كثرتها (رواه أبو داود) في الأدب قال الحافظ في الإصابة في ترجمة أبي الأزهر الأنماري: بسند جيد. وقال النووي في الأذكار: بالإسناد الحسن، ورمز السيوطي في الجامع الصغير لصحته وسكت عنه أبو داود، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٥٤٠، ٥٤٩) ، وابن السنى (ص٢٢٨) بلفظ ((كان إذا أخذ مضجعه قال: اللهم اغفر لي)) . إلخ، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
стр. 3659
٢٤٣٣- (٣٠) وعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ من الليل قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي وَآوَانِي وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي وَالَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ أَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ. رواه أبو داود.
٢٣٣٤- (٣١) وعَنْ بُرَيْدَةَ قال: شَكَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَامُ اللَّيْلَ مِنْ الأَرَقِ فَقَالَ نبِيُّ الله ﷺ : إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظَلَّتْ وَرَبَّ الأَرَضِينَ
ــ
٢٤٣٣- قوله: (الحمد لله الذي كفاني) أي دفع عني شر كل موذ من خلقه وكفى مهماتي وقضى حاجاتي أو أغناني عن الخلق (وآواني) بالمد أي جعل لي مسكنًا يقيني الحر والبرد وأحرز فيه متاعي (والذي من) أي أنعم من المن العطاء لا من المنة (عليَّ فأفضل) بالفاء وفي رواية أحمد بالواو أي زاد في المن أو أكثر (والذي أعطاني فأجزل) أي: فأعظم العطاء أو أكثر من النعمة. قال الطيبي: الفاء فيه لترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك خذ الأفضل فالأكمل واعمل الأحسن فالأجمل فالإعطاء حسن وكونه جزيلاً أحسن وهكذا المن، وقدم المن لأنه غير مسبوق بعمل العبد بخلاف الإعطاء فإنه قد يكون بإزاء عمل من العبد ومسبوقًا به كذا قال، وفيه بحث (الحمد لله على كل حال) وفي رواية ابن السني ((اللهم فلك الحمد على كل حال)) (اللهم رب كل شيء) أي: مربيه ومصلحه (ومليكه) وفي رواية أحمد ((وملك كل شيء)) ، ولابن حبان ((ومالك كل شيء)) (وإله كل شيء) زاد في رواية أحمد، وابن حبان ((ولك كل شيء)) (أعوذ من النار) أي مما يقرب إليها من علم أو عمل أو حال يوجب العذاب (رواه أبو داود) في الأدب، قال النووي: بالإسناد الصحيح. قلت: سكت عنه أبو داود، والمنذري، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١١٨) ، والنسائي في الكبرى، وابن حبان، وأبو عوانة في صحيحهما، وابن السني (ص٢٣٠) ، والبغوي في شرح السنة (ج٥:ص١٠٦) ، وأخرجه الحاكم من حديث أنس (ج١: ص٥٤٥، ٥٤٦) وصححه وأقره الذهبي.
٢٤٣٤- قوله: (وعن بريدة) بن الحصيب الأسلمي الصحابي (شكا خالد بن الوليد) المخزومي (إلى النبي ﷺ ) في القاموس: شكا أمره إلى الله شكوى، وينون وشكاية بالكسر وشكيت لغة في شكوت - انتهى. فعلى اللغة الأولى التي هي الفصحى يكتب شكا بالألف وعلى الثانية بالياء بناء على القاعدة المقررة في علم الخط (فقال: يا رسول الله ما أنام الليل من الأرق) هذا بيان لقوله: شكا، والأرق بفتحتين السهر في الليل لامتناع النوم لعلة من وسواس أو حزن أو غير ذلك. فمن ابتدائية للتعليل أي لأجل السهر (إذا أويت) بالقصر (وما أظلت) بتشديد اللام من الإظلال أي: وما أوقعت ظلها
стр. 3660
وَمَا أَقَلَّتْ وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ كُنْ لِي جَارًا مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ كُلِّهِمْ جَمِيعًا أَنْ يَفْرُطَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَنْ يَبْغِيَ عَزَّ جَارُكَ وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ. رواه الترمذي وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ وَالْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ الراوي قَدْ تَرَكَ حَدِيثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
ــ
عليه، قال الجزري: أظلت السماء الأرض أي: ارتفعت عليها فهي لها كالمظلة (وما أقلت) بتشديد اللام من الإقلال، أي حملت ورفعت من المخلوقات. قال الجزري: أقلت الأرض ما عليها أي: حملته (وما أضلت) من الإضلال وهو الحمل على الضلال ضد الهدى. أي: وما صيرته بإغوائها ضالاً. قال القاري: أي: وما أضلت الشياطين من الإنس والجن فما هنا بمعنى من، وفيما قبل غلب فيها غير العاقل، ويمكن أن ما هنا للمشاكلة يعني ليطابق ما قبله من تغليب غير ذوي العقول لكثرته على العقلاء (كن لي جارًا) من استجرت فلانًا فأجارني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ (٢٣: ٨٨) أي: كن لي معينًا ومانعًا ومجيرًا وحافظًا في القاموس الجار المجير والمستجير والحليف والناصر (من شر خلقك كلهم جميعًا) حال فهو تأكيد معنوي بعد تأكيد لفظي، وفي حديث خالد بن الوليد عند الطبراني ((من شر خلقك أجمعين)) (أن يفرط) بفتح الياء التحتية وضم الراء وهو العدوان ومجاوزة الحد، يقال: فرط عليه أي: عدا عليه ومنه قوله تعالى: ﴿أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ (٢٠: ٤٥) (على أحد منهم) أي: من يفرط على أحد من خلقك على أنه بدل اشتمال من شر خلقك أو لئلا يفرط أو كراهة أن يفرط. قال في المفاتيح: أي: يقصدني بالأذى مسرعًا (أو أن يبغي) بكسر الغين أي: يظلم على أحد، وفي حديث خالد ((أو أن يطغى)) من الطغيان وأو للتنويع وهو على منوال قوله تعالى حكاية عن موسى وهارون: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى﴾ (٢٠: ٤٥) (عز جارك) أي: غلب مستجيرك وصار عزيزًا (وجل) أي: عظم (ثناءك) يحتمل إضافته إلى الفاعل والمفعول ويحتمل أن يكون المثني غيره أو ذاته فيكون كقوله ﷺ : ((أنت كما أثنيت على نفسك)) وفي حديث خالد بن الوليد ((تبارك اسمك)) (رواه الترمذي) في الدعوات. قال النووي: بإسناد ضعيف، وقال المنذري: بإسناد فيه ضعف، وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث خالد بن الوليد أنه أصابه أرق فقال رسول الله ﷺ : ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن نمت، قل: اللهم رب السماوات السبع إلخ. قال المنذري: إسناده جيد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح إلا أن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من خالد بن الوليد، ورواه أي: الطبراني في الكبير بسند ضعيف بنحوه (والحكم) بفتحتين وفي بعض النسخ ((الحكيم)) بالياء وهو خطأ والصواب الحكم (بن ظهير) بالمعجمة مصغرًا (الراوي) بتخفيف الياء (قد ترك حديثه بعض أهل الحديث) قال الحافظ في التقريب: الحكم بن ظهير الفزاري أبو محمد وكنية أبيه أبو ليلى، ويقال أبو خالد متروك رمي بالرفض واتهمه ابن معين - انتهى. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: قال أبو زرعة: إنه واهي الحديث متروك الحديث، وقال أبو حاتم: متروك
стр. 3661
(الفصل الثالث)
٢٤٣٥- (٣٢) عَنْ أَبِي مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ وَنُورَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ. رواه أبو داود.
ــ
الحديث، وقال البخاري: متروك الحديث تركوه، وقال النسائي: متروك، روى له الترمذي حديثًا واحدًا في القول عند الأرق، وقال قد تركه بعض أهل الحديث، وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث، وفي الكامل لابن عدي: قال يحيى كذاب. وقال ابن حبان: كان يشتم الصحابة ويروي عن الثقات الأشياء الموضوعات وهو الذي روى عن عاصم عن ذر عن عبد الله ((إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)) .
٢٤٣٥- قوله: (عن أبي مالك) الأشعري (اللهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه) أي الظفر على المقصود (ونصره) أي النصرة على العدو) (ونوره) بتوفيق العلم والعمل (وبركته) بتيسير الرزق الحلال الطيب (وهداه) أي: الثبات على متابعة الهدى ومخالفة الهوى. وقال الطيبي: قوله: فتحه وما بعده بيان لقوله: ((خير هذا اليوم)) والفتح هو الظفر بالتسلط صلحًا أو قهرًا، والنصر الإعانة والإظهار على العدو وهذا أصل معناهما ويمكن التعميم فيهما يعني فيفيد التأكيد (وأعوذ بك من شر ما فيه) أي: في هذا اليوم (ومن شر ما بعده) كذا في أكثر النسخ من المشكاة ووقع في بعض النسخ ((وشر ما بعده)) أي: بدون ((من)) وهكذا في أبي داود، وكذا نقله الجزري في الحصن، وجامع الأصول، والنووي في الأذكار واكتفى به عن سؤال خير ما بعده إشعارًا بأن درء المفاسد أهم من جلب المنافع (ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك) بأن يقول: أمسينا وأمسى الملك وخير هذه الليلة ويؤنث الضمائر (رواه أبو داود) في الأدب. قال النووي: بإسناد لم يضعفه قلت: سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: في سنده محمد بن إسماعيل بن عياش وأبوه وكلاهما فيه مقال - انتهى. قلت: قال الحافظ في التقريب: محمد بن إسماعيل بن عياش الحمصي عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع. وقال في تهذيب التهذيب: قال أبو حاتم لم يسمع من أبيه شيئًا حملوه على أن يحدث فحدث، وقال الآجري: سئل أبو داود عنه فقال: لم يكن بذاك قد رأيته ودخلت حمص غير مرة وهو حي وسألت عمرو بن عثمان عنه فذمه، قلت (قائله الحافظ) : وقد أخرج أبو داود عن محمد بن عوف عنه عن أبيه عدة أحاديث لكن يروونها بأن محمد بن عوف رآها في أصل إسماعيل - انتهى. وأما أبوه إسماعيل بن عياش فهو صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم كما في التقريب وتهذيب التهذيب. وهذا الحديث رواه إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة الحمصي فلا بأس بروايته.
стр. 3662
٢٤٣٦- (٣٣) وعن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قلت لأَبِي: يَا أَبَتِ أَسْمَعُكَ تَقول كُلَّ غَدَاةٍ اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ تُكررهَا ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِحُ وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي فَقَالَ: يا بني سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِنَّ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ. رواه أبو داود.
ــ
٢٤٣٦- قوله: (وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة) بالتاء واسمه نفيع بن الحارث. قال المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكرة هو عبد الرحمن بن أبي بكرة الأنصاري البصري الثقفي ولد بالبصرة سنة أربع عشرة حيث نزلها المسلمون وهو أول مولود ولد للمسلمين بها، تابعي كثير الحديث سمع أباه وعليًّا، وروى عنه جماعة - انتهى. وقال الحافظ فيه: ثقة من كبار التابعين (قال) أي: عبد الرحمن: (يا أبت) بكسر التاء وفتحها (أسمعك) أي أسمع منك أو أسمع كلامك حال كونك (تقول: كل غداة) أي: صباح أو كل يوم. قال القاري: وهو الأظهر لما سيأتي. وقال الشيخ الدهلوي في اللمعات: لعل المراد بالغداة هنا اليوم فيصح تفصيله بقوله: تكررها ثلاثًا حين تصيح وثلاثًا حين تمسي، أو يقدر بعد قوله: كل غداة ((وكل عشية)) ويكون قوله: ((حين تصبح وتمسي)) تعيينًا للوقت لأن الغداة والعشي أوسع من الصبح والمساء لأنهما اسمان لما قبل الزوال وبعده (اللهم عافني في بدني) أي: من الآلام والأسقام، والمفاعلة لقصد والعافية دفاع الله عن العبد السيئة والمكروه، وعافاه الله معافاة وعافية: وهب له العافية من العلل والبلايا (اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري) خص السمع والبصر بالذكر بعد ذكر البدن مع أنه مشتمل عليهما لشرفهما فإن السمع يدرك ويعي الآيات المنزلة على الرسل، والعين هي التي تدرك وتجلو آيات الله المنبثة في الآفاق فهما جامعان لدرك الآيات النقلية والأدلة العقلية والنقلية وإليه ينظر قوله ﷺ : ((اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا)) (تكررها) وفي أبي داود، ومسند أحمد، والأدب المفرد، ((تعيدها)) وكذا نقله النووي في الأذكار، والشوكاني في تحفة الذاكرين يعني تكرر هذه الجمل أو هذه الدعوات بدل من ((تقول)) أو حال (فقال: يا بني) بفتح الياء والتصغير، وفي أبي داود ((فقال إني)) وهكذا في الأذكار ووقع في المسند، وابن السني، والأدب المفرد ((قال: نعم يا بني إني)) (يدعو بهن) أي: كذلك (فأنا أحب أن أستن) أي: أقتدي (بسنته) وأتتبع سيرته (رواه أبو داود) في الأدب وسكت عنه، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٤٢) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص١٥٩) ، والنسائي في الكبرى، وابن السني (ص٢٤، ٢٥) كلهم من طريق جعفر بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال المزي: قال النسائي: جعفر بن ميمون ليس بالقوي، وقال المنذري بعد نقل كلام النسائي: وقال: فيه يحيى بن معين: ليس بذاك، وقال مرة: ليس بثقة، وقال مرة: بصري صالح الحديث. وقال الإمام أحمد ليس بقوي في الحديث، وقال أبو حاتم الرازي: صالح - انتهى. وقال الحافظ فيه: صدوق يخطئ.
стр. 3663
٢٤٣٧- (٣٤) وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، والكبرياء والعظمة لله، والخلق والأمر والليل والنهار وما سكن فيهما لله، اللهم اجعل أول هذا النهار صلاحًا وأوسطه نجاحاً وآخره فلاحًا يا أرحم الراحمين.
ــ
٢٤٣٧- قوله: (الكبرياء) أي: العظمة والتجبر (والعظمة) بفتح العين والظاء قال في القاموس: العظم بكسر العين حرف عظم كصغر عظمًا وعظامة فهو عظيم وعظم الرجل تكبر، والعظمة محركة الكبر والنخوة والزهو، وأما عظمة الله فلا توصف بهذا، ومتى وصف عبد بالعظمة فهو ذم - انتهى. والعظيم من أسماءه تعالى هو الذي جاوز قدره كل قدر وجل عن حدود العقول حتى لا تتصور الإحاطة بكهنة وحقيقته، والعظيم في صفات الأجسام كبر الطول والعمق والله تعالى جل عن ذلك (والخلق) أي: الإيجاد أو هو بمعنى المخلوق (والأمر) واحد الأوامر والمراد به الجنس أو واحد الأمور والمراد به التصرف والحكم، وقال الشوكاني في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ (٧: ٥٤) الخلق المخلوق والأمر كلامه وهو كن في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ أو المراد بالأمر ما يأمر به على التفصيل أو التصرف في مخلوقاته (وما سكن فيه٢ا) أي وتحرك فهو من باب الاكتفاء نحو ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (١٦: ٨١) أي والبرد، أو سكن بمعنى ثبت (لله) أي وحده لا شريك له وفيه رمز إلى قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٦: ١٣) وفي رواية ابن أبي شيبة: وما يضحى فيهما لله وحده. وهو بفتح الياء التحتية وإسكان الضاد المعجمة، وفتح الحاء المهملة، أي يبرز ويظهر، (اللهم اجعل أول هذا النهار صلاحًا) أي في ديننا ودنيانا، (وأوسطه نجاحًا) أي فوزًا بالمطالب المناسبة لصلاح الدارين (وآخره فلاحًا) . أي ظفرًا بما يوجب حسن الخاتمة وعلو المرتبة في درجات الجنة، والظاهر أن المراد من الأول والآخر والأوسط استيعاب الأوقات والساعات في صرفها إلى العبادات والطاعات لحصول حسن الحالات، والمعاملات في الدنيا ووصول أعلى الدرجات في الأخرى. قاله القاري. وقال الطيبي: صلاحًا في ديننا بأن يصدر منا ما ننخرط به في زمرة الصالحين من عبادك، ثم اشغلنا بقضاء مآربنا في دنيانا، لما هو صلاح في ديننا فانجحنا، واجعل خاتمة أمرنا بالفوز، بما هو سبب لدخول الجنة، فنندرج في سلك من قيل في حقهم: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢: ٥) - انتهى. ولذا قالوا أجمع كلمة في الشريعة كلمة الفلاح. قال القاري: ولذا قال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى آخر الآيات، ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ (٢٣: ١٠: ١١) (يا أرحم الراحمين) قال القاري: ختم بهذا لأنه سبب لسرعة إجابة الدعاء، كما جاء في حديث. وروى الحاكم في مستدركه وصححه من حديث أبي أمامة مرفوعًا ((إن لله ملكًا موكلاً بمن يقول يا أرحم الراحمين، فمن قالها ثلاثًا قال له الملك: إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فسل)) والظاهر أن قيد الثلاث لأن الغالب أن من قالها ثلاثًا حضر قلبه ورحمه
стр. 3664
ذكره النووي في كتابه الأذكار برواية ابن السني.
٣٤٣٨- (٣٥) وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول إِذَا أَصْبَحَ: أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ وَكَلِمَةِ الإِخْلَاصِ وَعلى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَعلى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ
ــ
ربه. قلت: حديث أبي أمامة هذا سكت عليه الحاكم (ج١: ص٥٤٤) وقال الذهبي: فضال بن جبير (الراوي عن أبي أمامة) ليس بشيء، (ذكره النووي) بحذف الألف وإثباته، (برواية ابن السني) ، وذكره الجزري في الحصين، برواية ابن أبي شيبة والهيثمي في مجمع الزوائد، (ج١٠: ص١١٤، ١١٥) برواية الطبراني مع اختلاف يسير وفيه: ((وأوسطه فلاحًا وآخرة نجاحًا أسألك خير الدنيا والآخرة)) قلت: أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص١٤) والطبراني في معجمه، وابن أبي شيبة في مصنفه من طريق فائد أبي الورقاء وهو متروك اتهموه. فالحديث ضعيف جدًا. وانظر: تفصيل الكلام في أبي الورقاء في تهذيب التهذيب (ج٨: ص٢٥٥، ٢٥٦) .
٢٤٣٨- قوله (أصبحنا على فطرة الإسلام) بكسر الفاء أي دينه الحق. وقال القاري: أي خلقته قيل الفطرة الخلقة من الفطر، كالخلقة في أنها اسم للحالة كالجلسة، ثم إنها جعلت اسمًا للخلقة القابلة لدين الحق على الخصوص ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٣٠: ٣٠) وحديث كل مولود يولد على الفطرة (وكلمة الإخلاص) في المسند ((وعلى كلمة الإخلاص)) أي التوحيد الخالص وهي كلمة لا إله إلا الله، وإنما سميت كلمة التوحيد كلمة الإخلاص لأنها لا تكون سببًا للخلاص إلا إذا كانت مقرونة بالإخلاص فالإضافة لأدنى ملابسة فإنها كلمة يحصل بها الإخلاص (وعلى دين نبينا محمد ﷺ ) وهو أخص مما قبله لأن ملل الأنبياء كلهم تسمى إسلامًا على الأشهر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ (٣: ١٩) ولقول إبراهيم ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢: ١٣١) ولوصية يعقوب لبنيه ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إَلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٢: ١٣٢) والظاهر أنه قاله تعليمًا لغيره. قال النووي في الأذكار: كذا في كتاب ابن السني ((دين نبينا محمد)) وهو غير ممتنع، ولعله ﷺ قال ذلك جهرًا ليسمعه غيره فيتعلمه. والله أعلم. قال القاري: لا وجه لقوله ((لعل)) فإن الرواية متفرعة على السماع وهو لا يتحقق إلا بالجهر، وقيل الأظهر أنه ﷺ أيضًا مأمور بالإيمان بنفسه كما ورد جوابه للمؤذن عند الشهادتين بقوله ((وأنا أنا)) قال ابن عبد السلام في أماليه: و ((على)) في مثل هذا تدل على الاستقرار والتمكن من ذلك المعنى لأن المجسم إذا علا شيئًا تمكن منه واستقر عليه ومنه، ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ (٢: ٥) (وعلى ملة أبينا إبراهيم) الخليل ﷺ ، وهو أبو العرب لأنهم من ولد إسماعيل ونسله ففيه تغلب، أو الأنبياء بمنزلة الآباء ولذا قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٣٣: ٦) وفي قراءة شاذة وهو أب لهم، فأبو النبي يكون أبا أمته، وإنما احتيج لهذا التخصيص، لقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ (١٦: ١٢٣) أي في أصول
стр. 3665
حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. رواه أحمد والدارمي.
(٧) باب الدعوات في الأوقات
(الفصل الأول)
ــ
الدين أو في بعض الفروع، كالختان وبقية العشرة من السنن المشهورة، (حنيفًا) حال من إبراهيم وهو المائل إلى دين الحق، المستقيم ضد الملحد المائل، إلى دين الباطل، وإن كان الحنف والإلحاد في أصل اللغة بمعنى مطلق الميل لكن خصا في الشرع بما ذكرنا. وقال ميرك: الحنيف المسلم المستقيم، وغلب هذا الوصف على إبراهيم الخليل. قال الأزهري: الحنيفية في الإسلام الميل إليه والإقامة على عقده، والحنيف الصحيح الميل إلى الإسلام والثابت عليه. وقال ابن سيده في محكمه: الحنيف المسلم الذي يتحنف عن الأديان أي يميل إلى الحق. قال وقيل هو المخلص. وقوله: ((حنيفًا)) كذا وقع مقتصرًا عليه في جميع النسخ من المشكاة وهكذا عند أحمد في بعض الروايات ووقع في رواية عنده بعد هذا زيادة ((مسلمًا)) ، وهكذا وقع عند غيره من المخرجين وكذا نقله في الأذكار وجامع الأصول (ج٥: ص٦٩) والحصن والجامع الصغير، والمعنى منقادًا كاملاً بحيث لا يلتفت إلى غيره تعالى (وما كان من المشركين) فيه رد على كفار العرب في قولهم: نحن على دين أبينا إبراهيم وتعريض باليهود والنصارى، ثم هو مع ما قبله من الأحوال المتداخلة أتى بها تقريرًا وصيانة للمعنى المراد تحقيقًا عما يتوهم من أنه يجوز أن يكون حنيفًا حالاً منتقلة فرد ذلك التوهم بأنه لم يزل موحدًا ومثبتًا لأنها حال مؤكدة كذا في المرقاة (رواه أحمد) (ج٣: ص٤٠٦، ٤٠٧) ، (والدارمي) في الاستيذان، وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى، والطبراني، وابن السني (ص١٢) ، لكن عند أحمد والطبراني في الصباح والمساء جميعًا، وعند النسائي، والدارمي، وابن السني في الصبح فقط، والحديث صححه النووي في الأذكار، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص١١٦) : رجالهما أي رجال أحمد والطبراني رجال الصحيح , وقال صاحب السلاح بعد عزوه إلى النسائي: رجال إسناده رجال الصحيح. (باب الدعوات) المتفرقة (في الأوقات) أي المختلفة مما قدر لها الشارع، والوقت هو الزمان المضروب للفعل، كوقت الصلاة ووقت الزكاة ووقت الحج، وقد وردت دعوات في أحوال مخصوصة مختلفة كحال الغضب، وحال الصف، عند قتال الكفار، ونحو ذلك من الأحوال، كما وردت في أوقات مخصوصة بينها الشارع. ولما كان الدعاء في حال مخصوص مستلزمًا للدعاء في زمان مخصوص أدخل المصنف ذلك في الأوقات وقد أفرد بعضهم ذكر الأحوال لأن المعتبر فيها هو الحال لا الوقت فافهم. واعلم أن كل ما ورد من الشارع في زمن أو حال مخصوص يسن لكل أحد أن يأتي به لذلك ولو مرة للإتباع ما يربو على غيره، ومن ثم قالوا: صلاة النافلة في البيت أفضل منها في المسجد الحرام وإن قلنا بالأصح أن المضاعفة تختص به – انتهى باختصار يسير.
стр. 3666
٢٤٣٩- (١) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ.
ــ
٢٤٣٩- قوله (لو أن أحدكم) . قال القاري: وفي نسخة صحيحة يعني من المشكاة ((أحدهم)) قلت: وهكذا وقع عند البخاري في الدعوات، وكذا لمسلم، ووقع عند البخاري في التوحيد في بعض النسخ، ((أحدكم)) وفي أخرى ((أحدهم)) وهكذا اختلفت نسخ المصابيح في ذلك، ((ولو)) هذه يجوز أن تكون للتمني على حد، ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ (٢٦: ١٠٢) والمعنى أنه ﷺ تمنى لهم ذلك الخير يفعلونه لتحصل لهم السعادة، وحينئذٍ فيجئ فيه الخلاف المشهور هل يحتاج إلى جواب أم لا؟ وبالثاني قال ابن الصائغ وابن هشام. ويجوز أن تكون شرطية والجواب محذوف، والتقدير: لنال خيرًا كثيرًا أو لكان حسنًا، أو لسلم من الشيطان أو نحو ذلك، ويؤيده سياق الحديث كما لا يخفى، (إذا أراد أن يأتي أهله) أي يجامع امرأته أو جاريته، فالإتيان كناية عن الجماع، وهذه الرواية تدل على أن القول يكون قبل الشروع فهي مفسرة لغيرها من الروايات، التي فيها ((يقول حين يأتي أهله)) أو ((يقول حين يجامع أهله)) فإن هذا ظاهر في أن القول يكون مع الفعل فهو محمول على المجاز كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ (١٦: ٩٨) أي إذا أردت القراءة، ويجوز كون إذا ظرفًا لقال، وقال خبر لأن وكونها شرطية وجزاءها قال والجملة خبر أن. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفًا كما في الحصن والفتح إنه إذا أنزل قال: اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقتني نصيبًا. قال القاري: ولعله يقولها في قلبه أو عند انفصاله لكراهة ذكر الله، في حال الجماع بالإجماع (قال بسم الله) إلخ، أفاد الكرماني أنه رأى في نسخة قرئت على الفربري قيل لأبي عبد الله يعني البخاري من لا يحسن العربية يقولها بالفارسية؟ قال: نعم، (اللهم) أي يا الله (جنبنا) بتشديد النون من جنب الشيء يجنبه تجنيبًا إذا أبعده منه (الشيطان) أي بعده عنا وهو مفعول ثان (وجنب الشيطان ما رزقتنا) أي حينئذ من الولد، وصيغة الماضي للتفاؤل وتحقيق الرجاء، وهو في محل النصب، على أنه مفعول ثان. وأطلق ((ما)) على من يعقل لأنها بمعنى شيء كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ (٣: ٣٦) وقال العيني كلمة ما موصولة والعائد محذوف تقديره الذي رزقتناه، وقول من قال من الشارحين ما ها هنا بمعنى شيء ليس بشيء (فإنه) علة للجزاء المحذوف أي الشأن (إن يقدر) بالبناء للمفعول (بينهما) ، أي بين الأحد والأهل (ولد) ذكر أو أنثى (في ذلك) أي الوقت أو الإتيان، والمراد إن كان قدر لأن التقدير أزلى لكن عبر بصيغة المضارعة بالنسبة للتعلق، قاله الحافظ: (لم يضره) بفتح الراء وضمها، ويقال الضم أفصح أي لم يضر ذلك الولد (شيطان) أي من الشياطين قيل نكره بعد تعريفه أولاً لأنه أراد في الأول الجنس وفي الآخر إفراده على سبيل الاستغراق والعموم، ويجوز أن يراد بالأول إبليس وبالثاني أعم،
стр. 3667
أبدًا.
ــ
أو بالثاني سائر أعوانه. كذا في المرقاة. قلت: وقع في رواية أحمد (ج١: ص٢١٧) ((لم يضر ذلك الولد الشيطان أبدًا)) وفي أخرى له (ج١: ص٢٨٧) ولمسلم، وابن ماجة ((لم يسلط عليه الشيطان أو لم يضره)) وهكذا وقع معرفًا في بعض الروايات عند البخاري وغيره. قال الحافظ: واللام للعهد المذكور في لفظ الدعاء، وفي مرسل الحسن عند عبد الرزاق إذا أتى الرجل أهله فليقل بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، ولا تجعل للشيطان نصيبًا فيما رزقتنا فكان يرجى، إن حملت أن يكون ولدًا صالحًا (أبدًا) . قال القاري: فيه إيماء إلى حسن خاتمة الولد ببركة ذكر الله في ابتداء وجود نطفته في الرحم. فالضر مختص بالكفر. وقال السندي: لم يحمل أحد حديث الباب على العموم الضرر لعموم ضرر الوسوسة للكل، وقد جاء كل مولود يمسه الشيطان، إلا مريم وابنها، فقيل لا يضره بالإغواء والإضلال بالكفر، وقيل بالكبائر، وقيل: بالصرف عن التوبة إذا عصى، قيل إنه يأمن مما يصيب الصبيان من جهة الجان، وقيل لا يكون للشيطان عليه سلطان، فيكون من المحفوظين، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (١٥: ٤٢) انتهى. وقال الحافظ: اختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على ما نقل عياض، على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر، وإن كان ظاهرًا في الحمل على عموم الأحوال من صيغة الماضي مع التأبيد، وكان سبب ذلك ما ثبت في الصحيح، أن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد، إلا من استثنى. فإن هذا الطعن نوع ضرر، في الجملة مع أن ذلك سبب صراخه ثم اختلفوا، فقيل: المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية، (بحيث لا يكون له عمل صالح) ، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (١٥: ٤٢) ويؤيد مرسل الحسن المذكور: وقيل المراد لم يطعنه في بطنه وهو بعيد، لمنابذته ظاهر الحديث المتقدم، وليس تخصيصه بأولى من تخصيصه هذا، وقيل المراد لم يصرعه، وقيل لم يضره في بدنه - انتهى. يعني أن الشيطان لا يتخبطه ولا يداخله بما يضر عقله أو بدنه، قال العيني: وهو الأقرب، وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن لا يضره في دينه أيضًا، ولكن يبعده انتفاء العصمة، وتعقب بأن اختصاص من خص بالعصمة بطريق الوجوب، لا بطريق الجواز فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمدًا، وإن لم يكن ذلك واجبًا له، وقال الداودي معنى لم يضره أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية، وقيل لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه، كما جاء عن مجاهد أن الذي يجامع ولا يسمي يلتف الشيطان على إحليله، فيجامع معه. قال الحافظ: ولعل هذا أقرب الأجوبة. ويتأيد الحمل على الأول بأن الكثير ممن يعرف هذا الفضل العظيم يذهل عنه إرادة المواقعة، والقليل الذي قد يستحضره ويفعله لا يقع معه الحمل، فإذا كان ذلك نادرًا لم يبعد، وفي الحديث من الفوائد أيضًا استحباب التسمية والدعاء والمحافظة على ذلك، حتى في حالة الملاذ كالوقاع، وفيه الاعتصام بذكر الله ودعاءه من الشيطان والتبرك باسمه والاستعاذة به من جميع الأسواء، وفيه الاستشعار بأنه الميسر لذلك العمل والمعين عليه، وفيه إشارة إلى أن الشيطان
стр. 3668
متفق عليه.
٢٤٤٠- (٢) وعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ.
ــ
ملازم لابن آدم لا ينطرد عنه إلا إذا ذكر الله، (متفق عليه) أخرجه البخاري في الطهارة، وفي صفة إبليس، وفي النكاح، وفي الدعوات، وفي التوحيد، ومسلم في النكاح، وكذا الترمذي، وأبو داود، والنسائي في عشرة النساء من الكبرى، وفي عمل اليوم والليلة، وابن ماجة وأحمد (ج١: ص٢١٢، ٢١٧، ٢٤٤، ٢٨٤، ٢٨٧) ، وابن السني (ص١٩٥) ، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١١٩) .
٢٤٤٠- قوله (كان يقول عند الكرب) أي عند حلول الكرب وهو بفتح الكاف وسكون الراء بعدها موحدة، أي الغم الذي يأخذ النفس كذا في الصحاح. وقيل: الكرب أشد الغم. وقال الحافظ: هو ما يدهم المرأ مما يأخذ بنفسه فيغمه ويحزنه، وفي رواية للبخاري: كان يدعوا عند الكرب. وفي رواية لمسلم: كان يدعوا بهن ويقولهن عند الكرب. وفي أخرى له: كان إذا حز به أمر أي نزل به أمر مهم. قال الحافظ: هو بفتح المهملة والزاي وبالموحدة، أي هجم عليه أو غلبه، وفي حديث علي عند النسائي وصححه الحاكم ((لقنني رسول الله ﷺ هؤلاء الكلمات وأمرني إن نزل بي كرب أو شدة أن أقولها)) (لا إله إلا الله العظيم) ، الذي لا يعظم عليه شيء، وقيل أي البالغ أقصى مراتب العظمة التي لا يتصورها عقل ولا تحيط بكنهها بصيرة فلا يعظم عليه شيء (الحليم) هو الذي يؤخر العقوبة مع القدرة، وقيل هو الذي لا يستفزه غضب، ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام، (لا إله إلا الله رب العرش العظيم) بالجر على أنه نعت للعرش عند الجمهور، ونقل ابن التين عن الداودي أنه رواه برفع العظيم على أنه نعت للرب، وكذا برفع الكريم في قوله: ((رب العرش الكريم)) وبه قرأ ابن محيصن في آخر التوبة، وفي آية المؤمنين نعتًا للرب، والذي ثبت في رواية الجمهور بالجر فيهما، على أنه نعت للعرش ووصف العرش بالكريم، أي الحسن من جهة الكيفية، ووصفه بالعظيم من جهة الكمية، فهو ممدوح ذاتًا وصفة وخص بذكره لأنه أعظم الأجسام، فيدخل تحته الجميع، وقيل وصفه بالكرم، لأن الرحمة تنزل منه أو لنسبة إلى أكرم الأكرمين، وبالعظيم لأنه أعظم خلق الله، مطافًا لأهل السماء وقبلة للدعاء. قال الطيبي: صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب لأنه مقتضى التربية، وفيه التهليل المشتمل على التوحيد، وهو أصل التنزيهات الجلالية والعظمة التي تدل على تمام القدرة والحلم الذي يدل على العلم إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم. وهما أصل الأوصاف الإكرامية. وقال القسطلاني أخذا عن ابن القيم: قد صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب لأنه مقتضى التربية ووصف الرب تعالى بالعظمة والحلم وهما صفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز ووصفه بكمال والربوبية
стр. 3669
..............................................................................................
ــ
للعالم العلوي والسفلي والعرش الذي هو سقف، المخلوقات وأعظمها والربوبية التامة تستلزم توحيده، وإنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له، وسلب كل نقص وتمثيل عنه، وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه، فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى، فإذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف، التي تضمنها دعاء الكرب المذكور في هذا الحديث، وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور، وهذه الأمور إنما يصدق بها من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبه حقائقها - انتهى. قال النووي: هذا حديث جليل ينبغي الاعتناء به والإكثار عنه عند الكرب، والأمور العظيمة. قال الطبري: كان السلف يدعون به ويسمونه دعاء الكرب. قلت: حكى الحافظ عن ابن بطال أنه سعى بأبي بكر بن على عند السلطان بأصبهان، وكان عليه مدار الفتيا هناك فرأى أبو بكر الرازي في المنام، النبي ﷺ وأنه قال له: قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب، الذي في صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه. قال الرازي: فأصبحت فأخبرته فدعا به، فلم يكن إلا قليلاً حتى أخرج. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ((الفرج بعد الشدة)) أنه كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان: انظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة جلده، وأوقفه للناس قال: فبعث إليه فجيء به فقام إليه علي الحسين فقال: يا ابن عم تكلم بكلام الفرج يفرج الله عنك، فقالها فرفع إليه عثمان رأسه فقال: أرى وجه رجل كذب عليه خلوا سبيله، فسأكتب إلى أمير المؤمنين بعذره فأطلق. وأخرج النسائي، والطبري، من طريق الحسن بن الحسن بن علي قال: لما زوج عبد الله بن جعفر ابنته قال: لها إن نزل بك أمر فاستقبليه بأن تقولي: لا إله الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين. قال الحسن: فأرسل إلى الحجاج فقلتهن، فقال: والله لقد أرسلت إليك وأنا أريد أن أقتلك: فلأنت اليوم أحب إليّ من كذا وكذا، وفي لفظ ((فسل حاجتك)) . قال الطبري: معنى قول ابن عباس (في بعض الروايات) ((يدعو)) ، وإنما هو تهليل وتعظيم أي ليس فيه دعاء، يحتمل أمرين. أحدهما: أن المراد تقديم ذلك قبيل الدعاء، فيستفتح بهذا الذكر الدعاء ثم يدعو بما شاء، كما ورد في مسند أبي عوانة، في آخر الحديث ثم يدعو بعد ذلك. وعند عبد بن حميد: كان إذا حز به أمر قال: فذكر الذكر المأثور وزاد، ((ثم دعا)) وفي الأدب المفرد (ج٢: ص١٦١) من طريق آخر زاد في آخره ((اللهم اصرف عنى شره)) ، قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء، ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة عن الحديث الذي فيه ((كان أكثر ما يدعو به النبي ﷺ بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) ، الحديث. فقال سفيان: هو ذكر وليس فيه دعاء ولكن قال النبي ﷺ : من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. قال: وقال أمية بن الصلت في مدح عبد الله بن جدعان:
стр. 3670
متفق عليه.
٢٤٤١- (٣) وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنُ صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدْ احْمَرَّ وَجْهُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)) فَقَالُوا لِلرَّجُلِ:
ــ
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباءك إن شيمتك الحباء
إذا أثنى عليك المرأ يومًا ... كفاه من تعرضك الثناء
قال سفيان: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم، اكتفى بالثناء عن السؤال فكيف بالخالق - انتهى. وحاصل هذا الجواب أن الدعاء قد يكون صريحًا، وقد يكون تعريضًا، فإن الثناء على الكريم يتضمن الدعاء، والسؤال تعريضًا بألطف إيماء كمدح السائل والشاعر. قال الحافظ: ويؤيد الاحتمال الثاني حديث سعد بن أبي وقاص في دعوة ذي النون، إذ دعا وهو في بطن الحوت ((لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)) الحديث. وقد تقدم في الفصل الثاني من كتاب أسماء الله تعالى: (ج٣: ص٤٤٠) قلت: ويؤيد الاحتمال الأول رواية أبي عوانه والأدب المفرد (متفق عليه) أخرجه البخاري في الدعوات، وفي التوحيد، ومسلم في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٢٩، ٢٥٥، ٢٦٠، ٢٦٩، ٢٨١، ٢٨٤) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢ ص١٥٧، ١٦١) ، وابن ماجة في الدعاء، وأبو عوانة في صحيحه.
٢٤٤١- قوله (عن سليمان بن صرد) بضم الصاد وفتح الراء بعدها دال مهملات، (استب رجلان) افتعال من السب أي تشاتما يعني شتم أحدهما الآخر، ولم يعرف الحافظ أسماء الرجلين، (عند النبي ﷺ ) أي بمحضر منه، (وأحدهما يسب صاحبه) ، أي سبًا شديدًا (مغضبًا) ، بفتح الضاد حال من فاعل يسب (قد احمر وجهه) زاد في رواية: وانتفخت أوداجه. أي من شدة غضبه، ففي رواية للبخاري ((فغضب أحدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير)) ، وفي حديث معاذ بن جبل عند أحمد وأصحاب السنن، حتى إنه ليخيل إلى أن أنفه ليتمزع من الغضب، (إني لأعلم كلمة) ، أي بالمعنى اللغوي الشامل للجملة المفيدة، (لو قالها لذهب) أي زال (عنه ما يجد) ، أي ما يجده من الغضب ببركتها (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) بدل من كلمة. وفي البخاري ((لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) أي ذهب عنه ما يجد، كما في رواية أخرى له وفي حديث معاذ: إني لأعلم كلمة لو يقولها هذا الغضبان لذهب عنه الغضب. ((اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم)) ، والحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٧: ٢٠٠) قال الطيبي: أي ولا تنفع الاستعاذة من أمتك إلا المتقين، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ أي ما أمرهم به تعالى ونهاهم عنه ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (٧: ٢٠١) لطريق السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم (فقالوا للرجل) في
стр. 3671
ألا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. متفق عليه.
٢٤٤٢- (٤) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ
ــ
رواية مسلم ((فقام إلى الرجل ممن سمع النبي ﷺ )) ، فدلت هذه الرواية على أن الذي خاطبه من الصحابة واحد وهو معاذ بن جبل، كما بينته رواية معاذ بن جبل عند أبي داود ولفظه، ((قال فجعل معاذ يأمره فأبى ومحك، (أي لج في الخصومة) وجعل يزداد غضبًا)) ، (لا تسمع) وفي بعض النسخ ألا تسمع، كما في البخاري (ما يقول النبي ﷺ ) ، أي فتمتثل وتقول ذلك، (قال إني لست بمجنون) ، وفي رواية ((أترى بي بأسًا أمجنون أنا اذهب)) قال الحافظ: هو خطاب من الرجل للرجل الذي أمره بالتعوذ، أي امض في شغلك، واخلق بهذا المأمور أن يكون كافرًا أو منافقًا، أو كان غلب عليه الغضب حتى أخرجه عن الاعتدال بحيث زجر الناصح الذي دله على ما يزيل عنه ما كان به من وهج الغضب بهذا الجواب السييء. وقيل: إنه كان من جفاة الأعراب، وظن أنه لا يستعيذ من الشيطان إلا من به جنون، ولم يعلم أن الغضب من شر الشيطان ومسه، ولهذا يخرج به عن صورته، ويزين إفساد ماله كتقطيع ثوبه وكسر آنيته، أو الإقدام على من أغضبه، ونحو ذلك مما يتعاطاه من يخرج عن الاعتدال، وقد أخرج أحمد، وأبو داود، من حديث عطية السعدي: أن الغضب من الشيطان - الحديث. أي هو المحرك له الباعث عليه بإلقاء الوسوسة في قلب الآدمي ليغريه. وقال النووي: قول هذا الرجل الذي اشتد غضبه ((هل تري بي من جنون)) ، كلام من لم يفقه في دين الله تعالى، ولم يتهذب بأنوار الشريعة، وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالجنون، ولم يعلم أن الغضب من نزعات الشيطان، ولهذا يخرج الإنسان عن اعتدال حاله، ويتكلم بالباطل ويفعل المذموم وينوي الحقد والبغض، وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب، ولهذا قال النبي ﷺ للذي قال له أوصني: ((لا تغضب)) فردد مرارًا، فقال: لا تغضب. فلم يزده في الوصية على لا تغضب، مع تكراره الطلب. وهذا دليل ظاهر في عظم مفسدة الغضب، وما ينشأ منه ويحتمل أن هذا القائل كان من المنافقين، أو من جفاة الأعراب - انتهى. قلت: الظاهر أن قوله هذا أيضًا نشأ من شدة غضبه، وغلبة غيظه حتى أخرجه عن الاعتدال بحيث قال للناصح ما قال. قال الشوكاني: في الحديث دليل على أن الغضب متسبب عن عمل الشيطان، ولهذا كانت الاستعاذة مذهبة للغضب، فمن غضب في غير حق ولا موعظة، صدق فليعلم أن الشيطان هو الذي يتلاعب به وأنه مسه طائف منه. وفي هذا ما يزجر عن الغضب لكل من يود أن لا يكون في يد الشيطان يصرفه كيف يشاء - انتهى. ومن أحب الوقوف على حقيقة الغضب والأسباب المهيجة له وعلاج الغضب بعد هيجانه، رجع إلى الإحياء للغزالي مع شرحه للزبيدي، (متفق عليه) أخرجه البخاري في صفة إبليس وفي الأدب، ومسلم في الأدب واللفظ للبخاري في باب الحذر من الغضب، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص٣٩٤) ، وأبو داود في الأدب، والنسائي في عمل اليوم والليلة، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٢٤) .
٢٤٤٢- قوله (إذا سمعتم صياح) ، بكسر الصاد (الديكة) بكسر الدال المهملة وفتح التحتانية جمع ديك، كفيلة
стр. 3672
فَسلوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا.
ــ
جمع فيل وهو ذكر الدجاج، وليس المراد حقيقة الجمع لأن سماع واحد كاف، وللديك خصيصة ليست لغيره من معرفة الوقت الليلي، فإنه يقسط أصواته فيها تقسيطًا، لا يكاد يتفاوت ويوالي صياحه قبل الفجر وبعده، لا يكاد يخطئ سواء طال الليل أم قصر، وزاد في رواية أحمد (ج٢: ص٣٠٨) ، والبخاري في الأدب المفرد، وابن السني ((في الليل)) (فسلوا الله) ، بنقل الهمزة، وروي بإثباته، أي فاطلبوا (من فضله) ، أي زيادة إنعامه عليكم، (فإنها رأت ملكًا) ، بفتح اللام نكرة إفادة للتعميم، قال عياض: كأن السبب فيه رجاء تأمين الملائكة على دعاءه، واستغفارهم له وشهادتهم له بالإخلاص. ويؤخذ منه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين تبركًا بهم، وصحح ابن حبان، وأخرجه أبو داود، وأحمد من حديث زيد بن خالد رفعه ((لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى الصلاة)) وفي رواية ((يوقظ للصلاة)) ، وعند البزار من هذا الوجه سبب قوله ﷺ : ذلك أن ديكًا صرخ فلعنه رجل فقال ذلك. قال الحليمي: يؤخذ منه أن كل من استفيد منه الخير لا ينبغي أن يسب، ولا أن يستهان به بل يكرم ويحسن إليه، قال وليس معنى قوله: ((يدعو إلى الصلاة)) أن يقول حقيقة صلوا أو حانت الصلاة، بل معناه أن العادة جرت بأنه يصرخ عند طلوع الفجر فطرة فطره الله عليها، (وإذا سمعتم نهيق الحمار) ، أي صوته المنكر. وزاد البخاري في الأدب المفرد، وابن السني في عمل اليوم والليلة ((من الليل)) ، وكذا وقع في حديث جابر عند أحمد، وأبي داود وغيره كما سيأتي في باب تغطية الأواني، وزاد فيه أيضًا ((نباح الكلاب)) ، قيل: أطلق الأمر بالتعوذ عند نهيق الحمر، في حديث الباب فاقتضى أنه لا فرق في طلبه بين الليل والنهار، وخصه في رواية أخرى بالليل. فإما أن يحمل المطلق على المقيد، أو يقال: خص الليل لأن انتشار الشياطين فيه أكثر، فيكون نهيق الحمير فيه أكثر، فلو وقع نهارًا كان ذلك. وقال الشوكاني: في قوله في الحديث الآخر ((من الليل)) يقيد المطلق فتكون الاستعاذة إذا سمع (النهيق) ، والنباح ليلاً لا نهارًا (فتعوذوا بالله من الشيطان) كذا في بعض النسخ من المشكاة، وهكذا وقع في الصحيحين، والمسند، والترمذي، وبعض نسخ أبي داود، وزاد في بعض نسخ المشكاة ((الرجيم)) ، وهكذا وقع في المصابيح، وبعض نسخ أبي داود، قال الحفني: أي اعتصموا بالله منه بأن يقول أحدكم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو نحو ذلك من صيغ التعوذ. وقال المناوي: فتعوذا أي ندبًا بأي صيغة كانت، والأولى ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) (فإنه) أي الحمار (رأى شيطانًا) في الصحيحين والمصابيح ((فإنها رأت شيطانًا)) على تأويل الدابة ورعاية المقابلة، ووقع في المسند، والترمذي، وشرح السنة كما في المشكاة، يعني وحضور الشيطان مظنة الوسوسة والطغيان ومعصية الرحمن فناسب التعوذ لدفع ذلك، قال عياض: وفائدة الأمر بالتعوذ لما يخشى من شر الشيطان وشر وسوسته، فيلجأ إلى الله في رفع ذلك. وقال الطيبي: لعل السر فيه أن الديك أقرب الحيوانات صوتًا إلى الذاكرين الله، لأنها تحفظ غالبًا أوقات الصلاة وأنكر الأصوات صوت الحمير فهو أقربها صوتًا إلى من هو أبعد من
стр. 3673
متفق عليه.
٢٤٤٣- (٥) وابْنَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قَالَ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ
ــ
رحمة الله. وفيه دلالة على أن الله تعالى: خلق للديكة إدراكًا تدرك به النفوس القدسية، كما خلق للحمير والكلاب إدراكًا تدرك به النفوس الشريرة الخبيثة، ونزول الرحمة عند حضور الصلحاء، ونزول الغضب عند حضور أهل المعاصي. فائدة قال الداودي: ينبغي أن يتعلم من الديك خمسة أشياء: حسن الصوت، والقيام بالسحر، والسخاء، والغيرة، وكثيرة النكاح. تنبيه قيل: قوله: ((فإنها رأت ملكًا)) و ((إنه رأى شيطانًا)) ليس المعنى أنها لا تصوت إلا إذا رأت ملكًا أو شيطانًا، فإن صياح الديكة وكذلك نهيق الحمار، كثيرًا ما يكون لعوارض وأسباب غير رؤية الملك والشيطان، بل المعنى أن صوتهما قد يكون لذلك أيضًا، فلا يتعين أي الأصوات لذلك، وأيها لغيره فيستحب الدعوة والتعوذ عند كل تصويت منهما، ليقع البعض منهما موقعهما، وإن لم يقع الكل مقام الرؤية، مع أن زيادة الدعاء والتعوذ مطلوبة، وإن لم يكن في محل إجابة، وكذلك حضور شيطان، ووجوده لا يتوقف التعوذ عليه لأن الإنسان أحوج ما يكون إليهما، فكان تعميم فكان تعميم الأمر بالدعاء والتعوذ عند كل صياح ديك ونهيق حمار كتعميم أمر العبادة في ليالي القدر تحريًا لمظان القبول - انتهى. وفيه أنه روى الطبراني وأبو موسى الأصبهاني في ترغيبه من حديث أبي رافع رفعه ((لا ينهق الحمار، (ولابن السني ((لن ينهق الحمار)) ) حتى يرى شيطانًا أو يتمثل له شيطان، فإذا كان كذلك فاذكروا الله وصلوا عليّ)) ، وهذا يخالف ما أول به هذا القائل حديث الباب فتأمل (متفق عليه) . أخرجه البخاري في أواخر بدء الخلق، ومسلم في الدعاء، وأخرجه أيضا أحمد (ج٢: ص٢٠٧) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص٢٣٧) ، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الأدب، والنسائي في التفسير وفي عمل اليوم والليلة، وابن السني فيه (ص١٠٢) ، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٢٦) .
٢٤٤٣- قوله (كان إذا استوى على بعيره) ، أي استقر على ظهر مركوبه (خارجًا) ، أي من البلد منتهيًا (إلى السفر) ، كذا في جميع النسخ، أي معرفًا باللام وهكذا وقع في المصابيح، وشرح السنة، وكذا نقله الشوكاني في تحفة الذاكرين، والذي في صحيح مسلم خارجًا إلى سفر، وهكذا وقع في المسند (ج٢: ص١٥١) وأبي داود، وكذا نقله في جامع الأصول وفي الأذكار. وللترمذي، والدارمي ((كان إذا سافر فركب راحلته)) (كبر ثلاثًا) لعل الحكمة أن المقام مقام علو، وفيه نوع عظمة فاستحضر عظمة خالقه، ويؤيده أن المسافر إذا صعد عاليًا كبر وإذا نزل سبح، ويمكن أن يكون التكبير للتعجب من التسخير. (ثم قال) أي قرأ. أي قال: بنية القراءة امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا﴾ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ﴾ أي ذلل
стр. 3674
لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ لنَا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ،
ــ
(لنا هذا) أي المركوب فانقاد لأضعفنا ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ، أي مطيقين ومقتدرين عليه من أقرن له إذا أطاقه وقوي عليه، أي ما كنا نطيق قهره واستعماله، لولا تسخير الله تعالى إياه لنا: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (٤٣: ١٤) ، أي لصائرون إليه بعد مماتنا وإليه سيرنا الأكبر واللام للتأكيد، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٢: ١٩٧) وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى ﴿وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٧: ٢٦) قال البيضاوي: اتصال قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ بما قبله لأن الركوب للنقل والنقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله تعالى، فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه، ويستعد للقاء الله، يعني من شكر هذه النعمة أن يذكر عاقبة أمره، ويعلم أن استواءه على مركب الحياة كاستواءه، على ظهر ما سخر له ما لم يكن في المبدأ مطيقًا له ولا يجد في المنتهى بدًا من النزول عنه. كذا في اللمعات. وهذا الدعاء يسن عند ركوب أي دابة كانت لسفر أو غيره. فقول الراوي ((خارجًا إلى السفر)) حكاية للحال ودلالة على ضبط المقال، (اللهم) وفي رواية أحمد (ج٢: ص١٤٥) ، والترمذي ((ثم يقول: اللهم)) (البر) أي الطاعة (والتقوى) ، أي عن المعصية أو المراد من البر الإحسان إلى الناس، أو من الله إلينا ومن التقوى امتثال الأوامر واجتناب النواهي، (ومن العمل) أي جنسه (ما ترضى) ، أي به عنا (اللهم هون) أمر من التهوين أي يسر (علينا سفرنا) ، مفعول لهون (هذا) ، وفي رواية الترمذي ((اللهم هون علينا المسير)) ، (واطو) أمر من طوى يطوي طيا (لنا بعده) كذا في جميع النسخ، وهكذا في المصابيح، وشرح السنة، والمسند (ج٢: ص١٤٥) ، وسنن أبي داود، والدارمي، والذي في صحيح مسلم ((واطو عنا بعده)) ، وهكذا في المسند (ج٢: ص١٥١) ، وجامع الأصول، والحصن. وللترمذي ((واطو عنا بعد الأرض)) أي قرب لنا بعد هذا السفر. قيل: هو عبارة عن تسير السير بإعطاء القوة له ولمركوبه. وقال ابن حجر: اطو لنا بعده حقيقة إذ ورد ((أن لله ملائكة يطوون الأرض للمسافر كما تطوى القراطيس)) ، أو المراد خفف مشاقه. قلت: لا مانع من حمله على الحقيقة ففيه إشارة إلى طي المكان والزمان، والمعنى ارفع عنا مشقة السفر بتقريب المسافة البعيدة لنا حسًا. (اللهم أنت الصاحب في السفر) ، أي الحافظ والمعين. والصاحب في الأصل الملازم وأراد بذلك مصاحبة الله إياه بالعناية والحفظ، وذلك أن الإنسان أكثر ما يبغي الصحبة في السفر، يبتغيها للاستيناس بذلك والاستظهار به والدفاع لما ينو به من النوائب فنبه بهذا القول على حسن الاعتماد عليه وكمال الاكتفاء عن صاحب سواه. قال البغوي: قوله ((أنت الصاحب في السفر)) أي الحافظ يقال صحبك الله، أي حفظك، وقوله : ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ (٢١: ٤٣) أي لا يجارون، ومن صحبه الله
стр. 3675
وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. رواه مسلم.
ــ
لم يضره شيء (والخليفة في الأهل) ، الخليفة من ينوب عن المستخلف، فيما يستخلفه فيه يعني الذي يقوم مقام أحد في إصلاح أمره، والمعنى أنت الذي أرجوه وأعتمد عليه في غيبتي عن أهلي، أن يلم شعثهم ويثقف أودهم ويداوي سقمهم ويحفظ عليهم دينهم وأمانتهم، (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر) ، بفتح الواو وإسكان العين المهملة وبالثاء المثلثلة وبالمد، أي شدته ومشقته وتعبه وأصله من الوعث وهو الرمل والمشي فيه يشتد على صاحبه ويشق ويقال رمل أوعث ورملة وعثاء أي لما يشتد فيه السير للينه ثم قيل للشدة والمشقة وعثاء على التمثيل. وقال التوربشتي: وعثاء السفر مشقته أخذ من الوعث وهو مكان السهل الكثير الدهس الذي يتعب الماشي فيه ويشق عليه (وكآبة المنظر) ، قال الجزري: المنظر هو ما ينظر إليه من أهله وماله وحاله، والكآبة بفتح الكاف وبالمد وهي تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن يقال كئب كآبة واكتئب فهو مكتئب وكئيب - انتهى. وقال الشوكاني: الكآبة بالمد التغير والانكسار من مشقة السفر وما يحصل على المسافر من الاهتمام بأموره - انتهى. والمنظر بفتح الظاء المعجمة مصدر ميمي أي من تغير الوجه بنحو مرض والنفس بالانكسار مما يعرض لها فيما يحبه مما يورث الهم والحزن وقيل: المراد منه الاستعاذة من كل منظر يعقب الكآبة عند النظر إليه (سوء المنقلب) بفتح اللام مصدر ميمي أي سوء الرجوع (في المال والأهل) أي من سوء الانقلاب إلى أهله وماله وذلك بأن يرجع منقوصًا مهمومًا بما يسوءه وقيل أي من أن يعود إلى وطنه فيرى في أهله وماله ما يسوءه مثل أن يصيب ماله آفة أو يجد أهله مرضى أو فقد بعضهم، وقيل أي من أن يطمع ظالم أو فاجر في المال والأهل (وإذا رجع) ، أي النبي ﷺ من سفره إلى أهله (قالهن) ، أي الكلمات أو الجمل المذكورة وهي اللهم إنا نسألك (وزاد فيهن) ، أي في جملتهن بأن قال بعدهن (آئبون) ، بهمزة ممدودة بعدها همزة مكسورة اسم فاعل من آب يئوب إذا رجع، ومن تكلم به بالياء بعد الهمزة الممدودة فقد أخطأ كذا قيل: أي نحن راجعون من السفر بالسلامة إلى الوطن (تائبون) أي من المعصية إلى الطاعة (عابدون لربنا حامدون) ، قال الطيبي: لربنا يجوز أن يتعلق بقوله عابدون لأن عمل اسم الفاعل ضعيف فيقوى به أو بحامدون ليفيد التخصيص، أي نحمد ربنا لا نحمد غيره وهذا أولى لأنه كالخاتمة للدعاء - انتهى. وفي الحديث استحباب هذا الذكر عند ابتداء الأسفار كلها، وقد جاءت فيه أذكار كثيرة (رواه مسلم) في المناسك، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١٤٥، ١٥١) والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الجهاد، والنسائي، والدارمي، والبغوي في شرح السنة (ج٥: ص١٤٠) ، وفي رواية أحمد (ج٢: ص١٤٥) ، والدارمي، والترمذي بعد قوله ((في الأهل)) ((اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا)) ، وكان يقول إذا رجع إلى أهله، ((آئبون إن شاء الله تائبون عابدون لربنا حامدون)) . وفي رواية أبي داود نحوه بزيادة ونقصان يسير وفي آخره، ((وكان النبي ﷺ وجيوشه إذا علوا الثنايا كبروا وإذا هبطوا سبحوا فوضعت الصلاة على ذلك)) .
стр. 3676
٢٤٤٤- (٦) وعن عبد الله بن سرجس قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور، ودعوة المظلوم،
ــ
٢٤٤٤- قوله: (وعن عبد الله بن سرجس) بفتح السين وكسر الجيم على وزن نرجس مصروفًا، (إذا سافر يتعوذ) ، أي بالله (وكآبة المنقلب) بفتح الكاف وهمزة ممدودة أو ساكنة كرأفة ورآفة. في القاموس: الكأب والكأبة والكآبة: الغم وسوء الحال والانكسار من حزن والمنقلب بفتح اللام مصدر بمعنى الانقلاب أو اسم مكان والإضافة ظرفية. قال الخطابي: معناه أن ينقلب إلى أهله كئيبًا حزينًا لعدم قضاء حاجته أو إصابة آفة له أو يجدهم مرضى أو مات منهم بعضهم. وقال الجزري: المعنى أنه يرجع من سفره بأمر يحزنه إما إصابة في سفره وإما قدم عليه مثل أن يعود غير مقضي الحاجة أو أصابت ماله آفة أو يقدم على أهله فيجدهم مرضى أو قد فقد بعضهم (والحور بعد الكور) بفتح فسكون فيهما والحاء مهملة، أي من الانتقاص بعد الزيادة والاستكمال يعني من نقصان الحال والمال بعد زيادتهما وتمامهما، أي من أن ينقلب حالنا من السراء إلى الضراء ومن الصحة إلى المرض، وقيل: من فساد الأمور بعد صلاحها، وقيل: من التفرق بعد الاجتماع، وأصل الحور نقض العمامة بعد لفها، وأصل الكور من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها، وقيل الحور الرجوع عن الجماعة بعد أن كان فيهم. وروى مسلم في صحيحه: ((من الحور بعد الكون)) بالنون مصدر كان يكون كونًا من كان التامة دون الناقصة يعني من النقصان والتغير بعد الثبات والاستقرار. وقيل: معناه الرجوع عن الحالة المستحسنة بعد أن كان عليها وفي، كلامهم حار بعد ما كان يريد كان على حالة جميلة فحار عن ذلك أي: رجع. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَى﴾ (٨٤: ١٤، ١٥) أي: لن يرجع. قال النووي في شرح مسلم: هكذا هو في معظم النسخ من صحيح مسلم ((بعد الكون)) بالنون بل لا يكاد يوجد في بلادنا إلا بالنون وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في صحيح مسلم. وقال في الأذكار: رواية النون أكثر وهي التي في أكثر أصول صحيح مسلم بل هي المشهورة فيها. قال الترمذي بعد ذكر الروايتين: وكلاهما له وجه. قال: يقال: إنما هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني الرجوع من شيء إلى شيء من الشر. قال النووي بعد ذكر كلام الترمذي هذا وكذا قال غيره من العلماء معناه بالراء والنون جميعًا الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص. قالوا ورواية مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها، ورواية النون مأخوذة من الكون مصدر كان يكون كونًا إذا وجد واستقر أي أعوذ بك من النقص بعد الوجود والثبات. قال المازري في رواية الراء: قيل أيضًا: أن معناه أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها، يقال: كار عمامته إذا لفها، وحارها إذا نقضها. وقيل: نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها كفساد العمامة بعد استقامتها على الرأس، وعلى رواية النون قال أبو عبيد سئل عاصم عن معناه فقال: ألم تسمع قولهم حار بعد ما كان أي إنه كان على حالة جميلة فرجع عنها - انتهى (ودعوة المظلوم) أي أعوذ بك من الظلم
стр. 3677
وسوء المنظر في الأهل والمال. رواه مسلم.
٢٤٤٥- (٧) وعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ
ــ
فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. ففيه التحذير من الظلم ومن التعرض لأسبابه. قال الطيبي: فإن قلت: دعوة المظلوم يحترز عنها سواء كانت في الحضر أو السفر. قلت: كذلك الحور بعد الكور لكن السفر مظنة البلايا والمصائب والمشقة فيه أكثر فخصت به، أو لأن دعوة المظلوم المسافر الذي لا يلقى الإعانة والإغاثة أقرب إلى الإجابة لاجتماع الكربة والغربة وعدم الإعانة والإغاثة (وسوء المنظر) بفتح الظاء المعجمة (في الأهل والمال) وهو كل ما يسوء النظر إليه وسماعه فيهما. قال الباجي: يريد الاستعاذة من أن يكون في أهله وماله ما يسوء النظر إليه. يقال: منظر حسن ومنظر قبيح. وقال القاري: أي من أن يطمع ظالم أو فاجر في المال والأهل. وقال السندي: المراد بسوء المنظر كل منظر يعقب النظر إليه سوءًا. (رواه مسلم) في المناسك وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٨٢، ٨٣) والترمذي في الدعوات، والنسائي في الاستعاذة، وفي السير من الكبرى، وفي اليوم والليلة، وابن ماجة في الدعاء، وابن السني (ص١٥٧) والبغوي (ج٥: ص١٣٦) .
٢٤٤٥- قوله: (وعن خولة) بفتح المعجمة وسكون الواو (بنت حكيم) بن أمية السلمية يقال: كنيتها أم شريك ويقال لها أيضًا: خويلة بالتصغير صحابية شهيرة. يقال: إنها كانت من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ وكانت قبل تحت عثمان ابن مظعون. قال ابن عبد البر: وكانت صالحة فاضلة روت عن النبي ﷺ ، وعنها سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير وغيرهما. قال الخزرجي: لها خمسة عشر حديثًا انفرد لها مسلم بحديث. يعني الذي نحن بصدد شرحه. قال القاري: وليس لها في الكتب (أي صحيح مسلم، وجامع الترمذي، والسنن الكبرى للنسائي، وسنن ابن ماجة، والموطأ) سوى هذا الحديث الواحد (من نزل منزلاً) في سفر أو حضر ولا وجه لتقييده بالسفر مع التنكير. قال الزرقاني: منزلاً أي مظنة للهوام والحشرات ونحوهما مما يؤذي ولو في غير سفر (فقال) في صحيح مسلم: ((ثم قال)) وهكذا في جامع الأصول والأذكار وكذا وقع عند الترمذي وأحمد في رواية وفي أخرى له ((فقال)) وفي رواية لمسلم ((إذا نزل أحدكم منزلاً فليقل)) وفي الموطأ وشرح السنة ((من نزل منزلاً فليقل)) وهو أمر ندب يدل عليه رواية الكتاب، ورواية أحمد بلفظ ((لو أن أحدكم إذا نزل منزلاً قال: أعوذ)) الحديث. (أعوذ) أي أعتصم (بكلمات الله) قال الهروي وغيره: الكلمات هي القرآن وقيل أسماءه وصفاته لأن كل واحد منها تامة لا نقص فيها لأنها قديمة والنقصان إنما يكون في المحدثات. وقيل هي جميع ما أنزله على أنبياءه لأن الجمع المضاف إلى المعارف يعم أي يقتضي العموم (التامات) أي الكاملات التي
стр. 3678
مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ. رواه مسلم.
٢٤٤٦- (٨) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله ﷺ
ــ
لا يدخل فيها نقص ولا عيب، وقيل: هي النافعات الكافيات الشافيات من كل ما يتعوذ منه. يعني أنها تنفع المقولة له وتحفظه من الآفات وتكفيه. قال الجزري: وصف كلمات بالتمام إذ لا يجوز أن يكون شيء من كلامه ناقصًا ولا فيه عيب كما يكون في كلام الآدميين. وقيل: معنى التمام ههنا: أن ينتفع بها المتعوذ وتحفظه من الآفات - انتهى. وقال الباجي: وصفها بالتمام على الإطلاق يحتمل أن يريد به أنه لا يدخلها نقص وإن كان كلمات غيره يدخلها النقص، ويحتمل أن يريد بذلك الفاضلة، يقال: فلان تام وكامل أي فاضل، ويحتمل أن يريد به الثابت حكمها، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ (٧: ١٣٧) انتهى. قال الخطابي: كان الإمام أحمد يستدل به على أن كلام الله غير مخلوق لأنه ﷺ لا يستعيذ بمخلوق (من شر ما خلق) عبر بما للتعميم (لم يضره) بفتح الراء وضمها (شيء) أي من المخلوقات. قال المناوي: الشيء عند أهل السنة الموجود ويدخل فيه الموجودات كلها (حتى يرتحل) أي ينتقل (من منزله ذلك) قال الباجي: يريد أن تعوذه يتناول مدة مقامه فيه. قال الزرقاني: وشرط نفع ذلك الحضور والنية وهي استحضار أنه ﷺ أرشده إلى التحصن به وأنه الصادق المصدوق، فلو قاله أحد واتفق أنه ضره شيء فلأنه لم يقله بنية وقوة يقين وليس ذلك خاصًا بمنازل السفر بل عام في كل موضع جلس فيه أو نام. وقال المناوي: والظاهر حصول ذلك لكل داع بقلب حاضر وتوجه تام فلا يختص بمجاب الدعوة. قال القاري: في الحديث رد على ما كان يفعله أهل الجاهلية من كونهم، إذا نزلوا منزلاً قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي ويعنون به كبير الجن ومنه قوله تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ (٧٢: ٦) (رواه مسلم) في الدعاء، وأخرجه أيضًا البخاري في خلق أفعال العباد، وأحمد (ج٦: ص٣٧٧، ٤٠٩) ، والترمذي في الدعوات، والنسائي في الكبرى، ومالك في كتاب الجامع من الموطأ، وابن ماجة في الطب، وابن السني (ص١٦٨) والدارمي (ص٣٥٩) ، والبغوي (ج٥: ص١٤٥) ، وابن أبي شيبة، والطبراني، وزاد البخاري، والبغوي في آخره ((إن شاء الله)) وفي الباب عن عبد الرحمن بن عائش أخرجه أبو نعيم في المعرفة، وفي اليوم والليلة كما في الإصابة (ج٢: ص٤٠٦) ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠: ص١٣٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
٢٤٤٦- قوله (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ) وفي خلق أفعال العباد والموطأ، وشرح السنة عن أبي صالح عن أبي هريرة ((أن رجلاً من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة فقال له رسول الله ﷺ : من أي شيء؟ فقال: لدغتني عقرب)) الحديث. وهكذا وقع في رواية لأحمد، وهذا ظاهر في أن اللديغ رجل من أسلم، وروى أبو داود عن أبي صالح عن رجل من أسلم قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ فجاء رجل من أصحابه فقال يا رسول الله: لدغت الليلة فلم أنم
стр. 3679
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ. قَالَ: أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ. رواه مسلم.
٢٤٤٧- (٩) وعنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ: سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ
ــ
الحديث. وأخرجه النسائي كذلك، وهذا يدل على أن اللديغ رجل آخر غير الأسلمي، ويحتمل أنهما قصتان وقعت القصة مرة للرجل الأسلمي وأخرى لغيره. والله تعالى أعلم. (فقال يا رسول الله ما لقيت) ما استفهامية للتعجب أي أي شيء لقيت، أي لقيت أمرًا عظيمًا ووجعًا شديدًا. أو موصولة والخبر محذوف، أي الذي لقيته لا أقدر وصفه لعظم شدته (من عقرب لدغتني البارحة) ، أي الليلة الماضية (قال) أي النبي ﷺ : (أما) بفتح الهمزة وخفة الميم (لو قلت) شرطية (من شر ما خلق) ، أي من شر خلقه وهو ما يفعله المكلفون من إثم ومضارة بعض لبعض من نحو ظلم وبغي وقتل وضرب وشتم وغيرهم من نحو لدغ ونهش وعض، وزاد ابن السني ((ثلاثًا)) ، أي لو قلت هذا التعوذ ثلاث مرات (لم تضرك) أي العقرب بأن يحال بينك وبين كمال تأثيرها بحسب كمال المتعوذ وقوته وضعفه لأن الأدوية الإلهية تمنع من الداء بعد حصوله وتمنع من وقوعه وإن وقع لم يضره. قال القرطبي: جربت ذلك فوجدته صدقًا تركت ليلة فلدغتني عقرب فتفكرت فإذا أنا نسيت هذا التعوذ. (رواه مسلم) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد، ومالك في كتاب الجامع من الموطأ، وأبو داود في الطب، والنسائي في الكبرى، وابن ماجة في الطب، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص٢٢٧) ، والبغوي (ج٥: ص١٤٦) وزاد في آخره ((إن شاء الله)) وروى أحمد (ج٢: ص١٩١) ، والترمذي، والحاكم (ج٤: ص٤١٦) ، وابن حبان عن سهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ واللفظ لأحمد قال: من قال إذا أمسى ثلاث مرات ((أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)) لم يضره حمة تلك الليلة. قال (سهيل) : فكان أهلنا قد تعلموها فكانوا يقولونها فلدغت جارية منهم فلم تجد لها وجعًا. ورواه الطبراني بلفظ: من قال إذا أمسى ((أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)) لم يضره شيء. وزاد أحمد في آخر حديث سهيل عن أبيه عن رجل من أسلم قال سهيل فكان أبي (أي أبو صالح) إذا لدغ أحد منا يقول: قالها؟ فإن قالوا نعم قال: كأنه يرى أنها لا تضره.
٢٤٤٧- قوله (كان إذا كان في سفر وأسحر) ، أي دخل في وقت السحر بفتحتين وهو قبيل الصبح، وقال الزمخشري هو السدس الأخير من الليل (سمع سامع بحمد الله) روى سمع بفتح الميم وتشديدها من التسميع بمعنى الإسماع للغير كذا ضبطه القاضي عياض وصاحب المطالع وأشار إلى أنه رواية أكثر رواة مسلم. قالا: ومعناه بلغ سامع قولي هذا لغيره وقال مثله تنبيهًا على الذكر في السحر والدعاء في ذلك، وروي بكسر الميم وتخفيفها من السمع وكذا ضبطه الخطابي وآخرون. قال الخطابي: معناه شهد شاهد وهو أمر بلفظ الخبر يريد به الإشهاد على ما يقوله وحقيقته ليسمع السامع
стр. 3680
وَحُسْنِ بَلائِهِ عَلَيْنَا رَبَّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ. رواه مسلم.
٢٤٤٨- (١٠) وعن ابْنِ عُمَرَ قال: كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ
ــ
وليشهد الشاهد حمدنا لله تعالى وحسن بلائه، أي إنعامه علينا فإنا نعترف بذلك ونشهده عليه، وقال في اللمعات بعد ذكر الروايتين: وعلى الوجهين هو خبر بمعنى الأمر فالمعنى على الأول ليبلغ سامع قولي هذا إلى غيره ليسعى إلى الحمد والذكر والدعاء في هذا الوقت. وعلى الثاني ليسمع كل من يأتي منه السماع وليشهد على حمدنا لله تعالى. وقال التوربشتي: الحمل على الخبر أولى وأقوى لظاهر اللفظ، والمعنى أن من كان له سمع فقد سمع بحمدنا وحسن بلائه، أي حسن إنعامه وأفضاله علينا وأن كلا الأمرين أي حمدنا لله تعالى على نعمه وإنعامه علينا قد اشتهر واستفاض حتى لا يكاد يخفى على ذي سمع (وحسن بلائه علينا) ، أي حسن إنعامه وأفضاله علينا. قال الجزري في جامع الأصول: حسن البلاء النعمة والبلاء الاختبار والامتحان فالاختبار بالخير ليتبين الشكر وبالشر ليظهر الصبر. وقال التوربشتي: أراد بالبلاء النعمة والله سبحانه يبلو عباده تارة بالمضار ليصبروا وطوراً بالمسار ليشكروا ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢١: ٣٥) فالمحنة والمنحة جميعًا بلاء لمواقع الاختبار وكلاهما نعمة باعتبار حصول الأجر والمنحة أعظم البلائين لا سيما لذوي النفوس الكاملة لأنها الموجبة للقيام بحقوق الشكر والقيام بها أتم وأصعب وأعلى وأفضل من القيام بحقوق الصبر (ربنا صاحبنا) بسكون الموحدة صيغة الأمر من المصاحبة، أي كن لنا صاحبًا بالإعانة والإغاثة والكلاءة والحفظ. قال النووي: أي احفظنا وحطنا واكلأنا ومن صحبه الله لم يضره شيء (وأفضل علينا) أمر من الإفضال، أي أحسن إلينا وتفضل علينا بإدامة النعمة والتوفيق للقيام بحقوقها (عائذًا بالله من النار) اسم فاعل أقيم مقام المصدر كقولهم قم قائمًا، أي قيامًا فالنصب على المصدر يعني نعوذ بالله عياذًا، أو حال من فاعل يقول فيكون من كلام الراوي. ويجوز أن يكون من كلام الرسول فيكون حالاً من فاعل فعل مقدر هو أقول بصيغة المتكلم والتقدير: أقول ذلك عائذًا بالله من النار. وإليه مال النووي حيث قال: منصوب على الحال، أي أقول هذا في حال استعاذتي واستجارتي بالله من النار. (رواه مسلم) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أبو داود في الأدب، والنسائي، وابن السني (ص١٦٤) ، والحاكم (ج١: ص٤٤٦) ، وأبو عوانة، وزاد أبو داود والحاكم بعد قوله بحمده ((ونعمته)) وزاد أيضًا الحاكم وأبو عوانة ((يقول ذلك ثلاث مرات ويرفع صوته)) كذا في الحصن.
٢٤٤٨- قوله (إذا قفل) بقاف ثم فاء أي رجع وزنه ومعناه، ومنه تسمى القافلة، في النهاية: قفل أي عاد من سفره وقد يقال للسفر قفول في الذهاب والمجئي وأكثر ما يستعمل في الرجوع (من غزو أو حج أو عمرة) كأنه قصد استيعاب أنواع سفره ﷺ ببيان أنه لا يخرج عن هذه الثلاثة وإلا فظاهره اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاث وليس الحكم كذلك عند الجمهور بل يشرع قول ذلك في كل سفر إذا كان سفر طاعة كصلة الرحم وطلب العلم لما يشمل الجميع من اسم الطاعة. وقيل: يتعدى أيضًا إلى المباح لأن المسافر فيه لا ثواب له فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب
следующие страницы →