← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

٢٥٢٠- (١٥) وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : كان من دعاء داود يقول: اللهم إني أسالك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إليَّ من نفسي ومالي وأهلي، ومن الماء البارد قال: وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر داود يحدث عنه يقول: كان أعبد البشر. ــ الخطاب وقد تقدم بسط ذلك في شرح حديث ابن مسعود (ج٢ ص ٤٧٢، ٤٧٣) فنذكر، وقد علم بما ذكرنا أن النداء المذكور ليس مما يدعيه ويفعله أهل البدع من دعاء الأنبياء وندائهم وخطابهم معتقدين حضورهم في الخارج للاستعانة والاستعانة بهم في تفريج الكرب وقضاء الحوائج، وهذا ظاهر جلي إلا لأهل الجدل والعناد. ٢٥٢٠- قوله (يقول) اسم كان بحذف أن، أي قوله ((اللهم إني أسالك حبك)) من إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول، أي حبك إياي أو حبي إياك والأول أظهر إذ فيه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (- ٥: ٥٤) قاله القاري: ((وحب من يحبك)) كما سبق، أما الإضافة إلى المفعول فهو ظاهر كمحبتك للعلماء والصلحاء، وأما الإضافة إلى الفاعل فهو مطلوب أيضًا كما ورد في الدعاء ((حببنا إلى أهلها وحبب صالحي أهلها إلينا)) (والعمل) بالنصب عطف على المفعول الثاني ويحتمل الجر عطفًا على من يحبك، أي وحب العمل من إضافة المصدر إلى مفعوله فقط، ويؤيده حديث معاذ بن جبل عند الترمذي في تفسير ص بلفظ: وأسالك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك (الذي يبلغني) بتشديد اللام، أي يوصلني ويحصل لي (حبك) يحتمل لاحتمالين (اللهم اجعل حبك) أي حبي إياك (أحب إليَّ من نفسي ومالي) أي من حبهما حتى أوثره عليهما ((وأهلي)) كذا وقع في نسخ المشكاة الحاضرة عندنا ((من نفسي ومالي وأهلي)) وهكذا في جامع الأصول (ج٥ ص١١٠) وجمع الفوائد (ج٢ ص٦٥٨) ، وفي الترمذي ((من نفسي وأهلي)) ، أي بدون لفظة ((ومالي)) وهكذا عند الحاكم (ج٢ ص٤٣٣) ، وكذا ذكر ابن الجزري في الحصن. قال في اللمعات قوله ((من نفسي)) ، أي من حب نفسي، والمراد اجعل حب نفسك أحب إليَّ من نفسي لكنه لم يقل كذلك وإن جاز إطلاقه عليه مشاكلة لغاية التأدب - انتهى. قلت: وقع إطلاقه عليه في الحديث من غير مشاكلة أيضًا ((أنت كما أثنيت على نفسك)) (ومن الماء البارد) أعاد ((من)) ها هنا ليدل على استقلال الماء البارد في كونه محبوبًا وذلك في بعض الأحيان فإنه يعدل بالروح. قال في اللمعات: فيه مبالغة لأن حب الماء البارد طبيعي لا اختيار فيه، ففيه إشارة إلى سراية المحبة إلى الطبيعة أيضًا وذلك أكمل مراتب المحبة (قال) أي أبو الدرداء: (إذا ذكر) ، أي هو (داود يحدث عنه) أي يحكي (يقول) بدل من يحدث ذكره الطيبي. قال القاري: والأظهر أنه حال من الضمير في يحدث، وفي الترمذي ((قال)) مكان ((يقول)) وفي المستدرك ((وكان إذا ذكر داود وحدث عنه قال)) وهذا يدل على أن قوله ((يحدث)) في رواية الترمذي حال من الضمير في ((ذكر)) وقوله ((يقول)) أو ((قال)) جزاء للشرط، وعلى قول الطيبي والقاري يكون ((يحدث)) جزاء للشرط ولا يخفي ما فيه (كان) أي داود (أعبد البشر) أي أكثرهم عبادة في زمانه كذا قيد الطيبي. قال القاري: وعلى تقدير الإطلاق لا محذور فيه إذ لا يلزم من الأعبدية الأعلمية فضلاً عن الأفضلية.

стр. 3782

رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. ٢٥٢١- (١٦) وعن عطاء بن السائب عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خففت وأوجزت ــ وقيل: أي أشكر شكرًا، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ (- ٣٤: ١٣) أي بالغ في شكر وابذل وسعك فيه كذا ذكره الطيبي، وتعقبه القاري (رواه الترمذي) في جامع الدعوات، وأخرجه أيضًا الحاكم في تفسير سورة ص (ج٢ ص٤٣٣) كلاهما من رواية محمد بن سعد الأنصاري عن عبد الله بن ربيعة الدمشقي عن عائذ الله أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء (وقال: هذا حديث حسن غريب) وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه فرده الذهبي بأن عبد الله هذا قال أحمد: أحاديثه موضوعة - انتهى. وقال الحافظ: في التقريب عبد الله بن ربيعة بن يزيد الدمشقي، وقيل ابن يزيد بن ربيعة مجهول، وروى البخاري قوله: كان النبي ﷺ إذا ذكر داود قال: كان أعبد البشر، من هذا الطريق في التاريخ الكبير (١/٣/٢٢٨) ، في ترجمة عبد الله بن يزيد بن ربيعة الدمشقي ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في الثقات كما يظهر من التهذيب (ج٥ ص٢٠٨) وعلى كل حال لا يخلو تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم لهذا الحديث عن النظر. ٢٥٢١- قوله: (وعن عطاء بن السائب) الثقفي الكوفي يكنى أبا محمد، وقيل: أبا السائب. قال الحافظ في التقريب: صدوق اختلط، مات سنة ست وثلاثين ومائة. قلت: من سمع منه قديمًا فهو صحيح الحديث منهم الثوري وشعبة وزائدة وحماد بن زيد، فأما من سمع منه بآخره ففي حديثهم نظر، ومنهم جرير وهشيم وابن علية، واختلف حماد بن سلمة فقيل سمع منه قبل الاختلاط وقيل بعده. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٧ ص٢٠٧) بعد ذكر أقوال أئمة الجرح والتعديل في ذلك فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثوري وشعبة وزهيرًا وزائدة وحماد بن زيد وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم والظاهر أنه سمع منه مرتين مرة مع أيوب كما يؤمى إليه كلام الدارقطني حيث قال: دخل عطاء البصرة مرتين فسماع أيوب وحماد بن سلمة في الرحلة الأولى صحيح - انتهى. ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة وسمع منه جرير وذويه، والله أعلم (عن أبيه) أي السائب بن مالك أو ابن زيد أو ابن يزيد أبي يحيى ويقال أبو كثير ويقال أبو عطاء الثقفي الكوفي ثقة من كبار التابعين، روى عن علي وسعد وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم، وعنه ابنه عطاء وأبو إسحاق السبيعي وأبو البختري (فأوجز) أي اقتصر (فيها) ، أي مع إتمام أركانها وسننها (فقال له بعض القوم) ، أي ممن حضرها (لقد خففت) بالتشديد، قال القاري: أي الأركان بأن فعلت ما يطلق عليها الركن (وأوجزت) أي اقتصرت بأن أتيت بأقل ما يؤدي به السنن، وقوله

стр. 3783

الصلاة، فقال: أما على ذلك، لقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله ﷺ فلما قام تبعه رجل من القوم ــ (الصلاة) تنازع فيه الفعلان. قلت: قوله ((وأوجزت)) كذا وقع في جميع نسخ المشكاة أي بواو العطف، والذي في النسائي ((أو أوجزت)) أي بأو بدل الواو. قال في اللمعات: قوله ((وأوجزت الصلاة)) يشبه أن يكون بتخفيف الدعاء فيه كما ينظر إليه سياق الحديث، ويحتمل أن يكون بإيجاز القراءة ويكون المعنى وإن أوجزت الصلاة بتخفيف القراءة فيها لكني دعوت بدعوات تجبر النقصان كما قيل إن النوافل تكمل الفرائض - انتهى. ولأحمد والنسائي من طريق أبي مجلز عن عطاء قال: صلى بنا عمار صلاة فأوجز فيها فأنكروا ذلك فقال: ألم أتم الركوع والسجود؟ قالوا: بلي. قال الشوكاني: قوله: ((فأوجز فيها)) لعله لم يصاحب هذا الإيجاز تمام الصلاة على الصفة التي عهدوا عليها رسول الله ﷺ وألا لم يكن للإنكار عليه وجه، فقد ثبت من حديث أنس في مسلم وغيره أنه قال: ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام. وقوله ((فأنكروا ذلك)) فيه جواز الإنكار على من أخف الصلاة من دون استكمال، وقوله ((ألم أتم الركوع والسجود؟ قالوا: بلى)) فيه إشعار بأنه لم يتم غيرهما ولذلك أنكروا عليه (فقال: أما) بالتخفيف (عليَّ) بالتشديد (ذلك) وجه الطيبي هذه العبارة بثلاثة وجوه: أحدها أن الهمزة يحتمل أن تكون للإنكار كأنه قال: أتقول هذا وتنكرون عليَّ؟ وما عليَّ ضرر من ذلك، قال الشيخ الدهلوي: يعنى قوله ((ما عليَّ ذلك)) جملة حالية والواو مقدرة ولا حاجة إلى تقديرها فقد يقع حالاً بدون الواو نحو كلمته فوه إلى في، وكان تقديره الواو إشارة إلى كونها حالاً، وقوله ((ضرر من ذلك)) بيان لحاصل المعنى. وثانيها أن يكون الهمزة لنداء القريب، والمنادي محذوف، أي يا فلان ليس عليَّ ضرر من ذلك. وثالثها أن يكون أما للتنبيه، ثم قال عليَّ بيان ذلك فتدبر - انتهى. وفي المستدرك ((ما عليَّ في ذلك)) أي بدون الهمزة وبزيادة في قبل ذلك (لقد دعوت) كذا في جميع النسخ، وللنسائي ((أما عليَّ ذلك فقد دعوت)) قال السندي: أي أما مع التخفيف والإيجاز فقد دعوت، ألخ. وأما على تقدير اعتراضكم بالتخفيف فأقول قد دعوت، ألخ. والظاهر أن أما هذه لمجرد التأكيد وليس لها عديل في الكلام كأما الواقع في أوائل الخطب في الكتب بعد ذكر الحمد والصلاة من قولهم أما بعد فكذا (فيها) أي في أواخرها أو سجودها، قاله القاري. ومال النسائي إلى الأول حيث أورد هذا الحديث في أثناء أبواب الدعاء بعد التشهد والصلاة على النبي ﷺ (بدعوات) قال السندي: جمع الدعوات باعتبار أن كل كلمة دعوة بفتح الدال، أي مرة من الدعاء فإن الدعوة للمرة كالجلسة (سمعتهن من رسول الله ﷺ ) قال القاري: أي داخلها أو خارجها، وفي المسند وكذا في رواية للنسائي ((أما إني قد دعوت فيها بدعاء كان رسول الله ﷺ يدعو به)) قال الشوكاني: يحتمل أنه كان يدعو به في الصلاة ويكون فعل عمار قرينة تدل على ذلك ويحتمل أنه كان يدعو به من غير تقييد بحال الصلاة كما هو الظاهر من كلام (فلما قام) أي عمار (تبعه رجل من القوم) إلى هنا قول السائب عبَّر عن نفسه

стр. 3784

هُوَ أُبَيٌّ غَيْرَ أَنَّهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ فَسَأَلَهُ عَنْ الدُّعَاءِ ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ ــ برجل من القوم ولذا فسره عطاء بقوله (هو أُبَيّ) ، أي ذلك الرجل الذي تبع عمارًا هو أبي أي السائب (غير أنه) ، أي أبي (كنى عن نفسه) ، أي برجل فقال: تبعه رجل ولم يقل تبعته، ثم قال السائب (فسأله) أي الرجل عمارًا (عن الدعاء) ، أي فأخبره (ثم جاء) ، أي الرجل (فأخبر به) ، أي بالدعاء (اللهم) ، أي وهو هذا (بعلمك الغيب) ، أي المغيبات عن خلقك فضلاً عن المشاهدات، والباء للاستعطاف والتذلل، أي أنشدك بحق علمك ما خفي على خلقك مما استأثرت به (وقدرتك على الخلق) أي بقدرتك على خلق كل شيء تتعلق به مشيئك أو على جميع المخلوقات بأن تفعل فيهم ما تقضي إرادتك، وفيه دليل على جواز التوسل إليه تعالى بصفات كماله وخصال جلاله (أحيني) أي أمدني بالحياة (ما علمت الحياة) ما مصدرية ظرفية (خيرًا لي) بأن يغلب خيري على شري ((وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي)) بأن تغلب سيئاتي على حسناتي أو بأن تقع الفتن ما ظهر منها وما بطن، قاله القاري وعبر بما في الحياة لاتصافه بالحياة حالاً وبإذا الشرطية في الوفاء لانعدامها حال التمني إذا آل الحال إلى أن تكون الوفاة بهذا الوصف فتوفني، قلت قوله ((أحيني)) إلى قوله ((خيرًا لي)) ثابت في الصحيحين من حديث أنس بلفظ ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)) وهو يدل على جواز الدعاء بهذا لكن عند نزول الضرر كما وقع التقييد بذلك في حديث أنس المذكور وقد تقدم في (ج٢ ص٤٣٨) (اللهم وأسألك) عطف على ((أنشدك)) المقدر، أي وأطلب منك و ((اللهم)) معترضة. وقال القاري: والظاهر أن اللهم عطف على الأول بحذف العاطف كما في كثير من الدعوات الحديثية ومنه تكرار ((ربنا)) من غير عاطف في الآيات القرآنية، ولا يضره الواو في قوله ((وأسالك)) لأنها نظيرة الواو في قوله تعالى ((ربنا وآتنا)) (خشيتك) ، أي خوفك (في الغيب والشهادة) أي في السر والعلانية أو في الحالين من الخلوة والجلوة أو في الباطن والظاهر، والمراد استيعابها في جميع الأوقات فإن الخشية رأس كل خير والشأن في الخشية في الغيب لمدحه تعالى من يخافه بالغيب، وقال الشوكاني: أي في مغيب الناس وحضورهم لأن الخشية بين الناس فقط ليست من الخشية لله بل من خشية الناس (وأسألك كلمة الحق) ، أي النطق بالحق (في الرضا والغضب) ، أي في حالتي رضا الخلق مني وغضبهم عليَّ فيما أقوله فلا أداهن ولا أنافق، أو في حالتي رضاي وغضبي بحيث لا تلجئني شدة الغضب إلى النطق بخلاف الحق ككثير من الناس إذا اشتد غضبه أخرجه من الحق إلى الباطل، والمعنى أسألك أن أكون مستمرًا على النطق بالحق في جميع أحوالي وأوقاتي. قال الشوكاني: جمع بين الحالتين لأن الغضب ربما حال بين الإنسان وبين الصدع بالحق، وكذلك الرضا ربما قاد في بعض الحالات إلى المداهنة وكتم كلمة الحق (القصد) أي الاقتصاد

стр. 3785

فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ ــ وهو التوسط بلا إفراط وتفريط (في الفقر والغنى) لأن المختار أن الكفاف أفضل من الفقر ومن الغنى قاله في اللمعات، وقال المناوي: القصد أي التوسط في الفقر والغنى هو الذي ليس معه إسراف ولا تقتير، فإن الغنى يبسط اليد ويطغي النفس، والفقر يكاد أن يكون كفرًا، فالتوسط هو المحبوب المطلوب. وقال الشوكاني: القصد في كتب اللغة بمعنى استقامة الطريق والاعتدال، وبمعنى ضد التفريط وهو المناسب هنا لأن بطر الغني ربما جر إلى الإفراط وعدم الصبر على الفقر ربما أوقع في التفريط فالقصد فيهما هو الطريقة القويمة (لا ينفد) بفتح الفاء وبالدال المهملة أي لا يفنى ولا ينقضي ولا ينقص، وذلك ليس إلا نعيم الآخرة، وأما غيره فكل نعيم لا محالة زائل (قرة عين لا تنقطع) يحتمل أن يراد الذرية التي لا تنقطع بعده، بل تستمر ما بقيت الدنيا. ولعله مأخوذ من قوله تعالى ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (٢٥: ٧٤) وقيل: أراد المداومة على الصلاة والمحافظة عليها لقوله ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) أو المراد ثواب الجنة الذي لا ينقطع فيكون تأكيدًا لقوله ((نعيمًا لا ينفد)) فيكون بعد تخصيصًا بعد تعميم، وقيل: أراد قرة عينه أي بدوام ذكر الله وكمال محبته والأنس به (وأسألك الرضاء) بالمد، وفي المستدرك الرضى أي بالقصر. قال الجوهري: الرضى مقصورًا مصدر محض والاسم الرضاء ممدودًا (بعد القضاء) وفي رواية للنسائي الرضاء بالقضاء أي بما قدرته لي في الأزل لأتلقاه بوجه منبسط وخاطر منشرح وأعلم أن كل قضاء قضيته لي فلي فيه خير، قيل في وجه الأول: كأنه طلب الرضاء بعد تحقق القضاء وتقرره (برد العيش) أي طيبه وحسنه (بعد الموت) برفع الروح إلى منازل السعداء ومقامات المقربين، والعيش في هذه الدار لا يبرد لأحد بل محشو بالغصص والكدر والنكد ممحوق بالآلام الباطنة والأسقام الظاهرة (لذة النظر إلى وجهك) قال الطيبي: قيد النظر باللذة لأن النظر إلى الله تعالى إما نظر هيبة وجلال في عرصات القيامة، وإما نظر لطف وجمال في الجنة ليؤذن بأن المراد هذا، وفيه أعظم دليل على رؤية الله تعالى في الدار الآخرة كما هو مذهب أهل السنة والجماعة (والشوق إلى لقاءك) أي الاشتياق إلى ملاقاتك في دار المجازاة. قال الشوكاني: إنما سأله ع لأنه من موجبات محبة الله تعالى للقاء عبده لحديث ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)) ومحبة الله تعالى من أسباب المغفرة. وقال ابن القيم: جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا وهو الشوق إلى لقاءه، وأطيب ما في الآخرة وهو النظر إليه، ولما كان كلامه موقوفًا على عدم ما يضر في الدنيا ويفتن في الآخرة قال (في غير ضراء) أي شدة، وقيل: أي الحالة التي تضر وهي نقيض السراء وهما بناءان للمؤنث ولا مذكر لهما (مضرة) اسم فاعل من أضر والجار إما متعلق بقوله ((والشوق إلى لقاءك)) أي أسألك شوقًا لا يؤثر في سيري وسلوكي بحيث يمنعني عن ذلك وأن يضرني مضرة، وإما متعلق بأحيني، الثاني أظهر معنى وأقرب لفظًا

стр. 3786

وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ. رواه النسائي. ٢٥٢٢- (١٧) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ الْفَجْرِ: ــ ويؤيد الثاني ما وقع عند أحمد والنسائي أيضًا بلفظ: أعوذ بك من ضراء مضرة. وقال الطيبي متعلق الظرف مشكل ولعله متصل بالقرينة الأخيرة وهي ((الشوق إلى لقاءك)) ، سأل شوقًا إليه بحيث يكون في ضراء غير مضرة أي شوقًا لا يضر في سيري وسلوكي، وإن ضرني مضرة ما، فإن الشوق قد يفضي إلى ذلك عند غلبة الحال وتهيج السكر وهو المراد بفتنة مضلة، ويجوز أن يتصل بقوله: أحيني ... إلى آخره حتى يتعلق بالكل أي أحيني متلبسًا بنعمك المذكورة حال عدم كوني في ضراء مضرة وهي البلية لا أصبر عليها (ولا فتنة مضلة) أي موقعة في الحيرة والضلال ومفضية إلى الهلاك، وقد وقع عند أحمد والنسائي في رواية: وأعوذ بك من ضراء مضرة وفتنة مضلة. قال الشوكاني: إنما قيد ضراء بمضرة لأن الضراء ربما كانت نافعة آجلاً أو عاجلاً فلا يليق الاستعاذة منها أي مطلقًا، ووصف الفتنة بالمضلة لأن من الفتن ما يكون من أسباب الهداية، وهي بهذا الاعتبار مما لا يستعاذ منه. قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار (زيِّنا) بتشديد الياء المكسورة والنون (بزينة الإيمان) أي بثباته وتوفيق الطاعة وحيلة الإحسان. قال المناوي: وهي زينة الباطن ولا معول إلا عليها لأن الزينة زينتان زينة البدن وزينة القلب وهي أعظمها قدرًا وإذا حصلت زينة البدن على أكمل وجه في العقبى، ولما كان كمال العبد في كونه عالمًا بالحق متبعًا له معلمًا لغيره قال (واجعلنا هداة) جمع هاد أي هادين إلى الدين (مهتدين) أي ثابتين على الهداية وطريق اليقين. قال الطيبي: وصف الهداة بالمهتدين لأن الهادي إذا لم يكن مهتديًا في نفسه لم يصلح أن يكون هاديًا لغيره لأنه يوقع الناس في الضلال من حيث لا يشعر. قلت: ومن حيث لا يشعرون (رواه النسائي) في الصلاة من طريق حماد عن عطاء بن السائب عن أبيه. وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٥٢٤) من هذا الطريق، وسماه حماد بن زيد، وقال: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وأخرجه أحمد (ج٤: ص٢٦٤) من طريق أبي هاشم عن أبي مجلز، قال: صلى بنا عمار صلاة فأوجز فيها، والنسائي أيضًا من طريق أبي مجلز عن قيس بن عباد قال: صلى عمار ابن ياسر بالقوم صلاة أخفها، وهذا يدل على أن طريق أحمد فيها انقطاع، والله أعلم، ورواه أبو يعلى أيضًا قال الهيثمي (ج١٠: ص١٧٧) ورجاله ثقات إلا أن عطاء بن السائب اختلط. انتهى. قلت: ولا يضر ذلك فإن الحديث رواه الحاكم من طريق حماد بن زيد وروايته عن عطاء قبل الاختلاط كما تقدم. ٢٥٢٢- قوله (كان يقول في دبر الفجر) أي في دبر صلاة الفجر، ولفظ أحمد (ج٦: ٣١٨) ((كان يقول في دبر الفجر إذا صلى)) وفي رواية له ((كان يقول إذا صلى الصبح حين سلم)) وفي رواية ((حين يسلم)) وكذا وقع عند ابن ماجه وللطبراني ((كان يقول بعد صلاة الفجر)) ووقع في بعض نسخ المشكاة ((في دبر صلاة الفجر)) ولم يرد بهذا اللفظ

стр. 3787

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا وَرِزْقًا طَيِّبًا. رواه أحمد، وابن ماجة، والبيهقي في الدعوات الكبير. ٢٥٢٣- (١٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: دُعَاءٌ حَفِظْتَهُ مِن رسُولِ اللهِ ﷺ لا أَدَعَهُ: اللهمَّ اجعَلْنِي أُعَظّم شُكْرك، ــ في الكتب التي أخرجها أصحابها ولا في جامع الأصول (علمًا نافعًا) أي بالعمل به فيكون حجة لي لا عليَّ. وقال في الحرز: أي شرعيًا أعمل به (وعملاً ومتقبلاً) بفتح الموحدة أي مقبولاً بأن يكون مقرونًا بالإخلاص (ورزقًا طيبًا) أي حلالاً ملائمًا للقوة معينًا على الطاعة. في مختصر الطيبي: فإنه أس لهما ولا يعتد بهما دونه. قال الشوكاني: إنما قيد العلم بالنافع والرزق بالطيب والعمل بالمتقبل لأن كل علم لا ينفع فليس من عمل الآخرة، وربما كان ذرائع الشقاوة ولهذا كان ع يتعوذ من علم لا ينفع، وكل رزق غير طيب موقع في ورطة العقاب، وكل عمل غير متقبل إتعاب للنفس. انتهى. وقوله ((اللهم إني أسألك علمًا نافعًا)) إلخ. كذا وقع بتقديم العلم والعمل على الرزق عند أحمد (ج٦: ص٢٩٤، ٣١٩) وهكذا عند ابن السني، ووقع عند أحمد أيضًا (ج٦: ص٣٠٥، ٣٢٢) ، وابن ماجة بتقديم الرزق على العمل وتأخيره عن العلم، وعند الطبراني في الصغير بتقديم الرزق على العلم والعمل وهذا الترتيب هو الظاهر، وأما ما وقع في الروايات الأخرى فلعله من تصرف الرواة، والحديث دليل صريح على مشروعية الدعاء بعد السلام من الصلاة المكتوبة (رواه أحمد) (ج٦: ص٢٩٤، ٣٠٥، ٣١٩، ٣٢٢) (وابن ماجة) في الصلاة (والبيهقي في الدعوات الكبير) وأخرجه أيضًا ابن السني (ص٣٨) وابن أبي شيبة كما في النيل (ج٢: ص٢٠٤) كلهم من رواية موسى بن أبي عائشة عن مولى لأم سلمة عن أم سلمة. قال الشوكاني: رجاله ثقات لولا جهالة مولى أم سلمة. ونقل السندي عن البوصيري أنه قال في الزوائد: رجال إسناده ثقات خلا مولى أم سلمة فإنه لم يعرف ولم أر أحدًا ممن صنف في المبهمات ذكره ولا أدري ما حاله - انتهى. ورواه الطبراني في معجمه الصغير (ص١٥٢) من طريق عامر بن إبراهيم بن واقد الأصبهاني عن النعمان ابن عبد السلام عن الثوري عن منصور عن الشعبي عن أم سلمة. وهذا سند جيد. قال الهيثمي بعد ذكر الحديث (ج١٠: ص١١١) : رواه الطبراني في الصغير ورجاله ثقات. ٢٥٢٣- قوله (دعاء) مبتدأ (حفظته من رسول الله ع) صفة للمبتدأ مسوغ وخبره قوله (لا أدعه) أي لا أتركه لنفاسته، ولأحمد (ج٢: ص٣١١) : دعوات سمعتها من رسول الله ع لا أتركها ما عشت حيًا سمعته يقول: اللهم، إلخ (اللهم اجعلني أعظم) بالتخفيف والتشديد ورفع الميم وهو مفعول ثان بتقدير أن أو بغيره أي معظمًا (شكرك) أي وفقني لإكثاره والدوام على استحضاره لأكون قائمًا بما وجب عليَّ من شكر نعمائك التي لا تحصى. قال الطيبي:

стр. 3788

وأكثر ذكرك، وأتبع نصحك، وأحفظ وصيتك. رواه الترمذي. ٢٥٢٤- (١٩) وعن عبد الله بن عمرو قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أسألك الصحة والعفة، ــ اجعلني بمعنى صيرني ولذلك أتى بالمفعول الثاني فعلاً لأن صار من دواخل المبتدأ والخبر (وأكثر) مخففًا ومشددًا (ذكرك) أي لسانًا وجنانًا وهو يحتمل أن يكون تخصيصًا بعد تعميم وقيل إن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه (وأتبع) بتشديد التاء وكسر الموحدة من الإتباع وبسكون الأولى وفتح الثانية (نصحك) بضم النون كذا وقع في جميع النسخ من المشكاة وهكذا في جامع الأصول، والذي في الترمذي والمسند ((نصيحتك)) أي بامتثال ما يقربني إلى رضاك ويبعدني عن غضبك. وقال شيخنا: النصيحة هي الخلوص وإرادة الخير للمنصوح له والإضافة يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول والأول أظهر (وأحفظ وصيتك) بملازمة فعل المأمورات وتجنب المنهيات أو المذكورة في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ﴾ (- ٤: ١٣١) فإنها للأولين والآخرين وهي التقوى، أو بالتسليم لله العظيم في جميع الأمور والرضا بالمقدور على ممر الدهور. وقال الطيبي: النصيحة هي إرادة الخير للمنصوح له فيراد بها حقوق العباد وبالوصية متابعة الأمر والنهي من حقوق الله تعالى والله أعلم (رواه الترمذي) في الدعوات من طريق الفرج بن فضالة عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، وقال حديث غريب، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٣١١) من رواية الفرج عن أبي سعيد المديني عن أبي هريرة قال الشيخ أحمد شاكر في شرح المسند: إسناده ضعيف جدًا الفرج بن فضالة ضعيف منكر الحديث، وأبو سعيد المديني ذكر الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد والسنن أنه ((مولي عبد الله بن عامر بن كريز)) وقد يكون هو وقد يكون غيره من اضطراب الفرج بن فضالة، فإن الحديث سيأتي أي في المسند عن وكيع عن الفرج بن فضالة عن ((أبي سعيد الحمصي)) وكذلك ذكره الحافظ ابن كثير في ترجمة أبي سعيد الحمصي دون أن يبين من هو، ورواية وكيع أيضًا في الترمذي وفيها ((عن أبي سعيد المقبري)) وعندنا أن هذا كله تخليط من الفرج بن فضالة وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠ ص١٧٢) وقال: رواه أحمد من طريق أبي يزيد المديني، وفي رواية ((عن أبي سعيد الحمصي ولم أعرفهما، وبقية رجالهما ثقات)) وهكذا قال الهيثمي، فأما أولاً فإن الحديث ليس من الزوائد على الكتب الستة، وقد رواه الترمذي، وثانيًا ليس في المسند ((عن أبي يزيد المديني)) بل هو كما ترى ((حدثنا أبو سعيد المديني)) فإما أن يكون الهيثمي سها، وإما أن يكون خطأ في النسخة التي كانت معه من المسند، وثالثًا ليس بقية رجالهما ثقات وفي الإسنادين الفرج بن فضالة وهو ضعيف - انتهى. ٢٥٢٤- قوله (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (اللهم إني أسالك الصحة) أي العافية من الأمراض والعاهات وقال القاري: أي صحة البدن من سيء الأسقام أو صحة الأحوال والأقوال والأعمال (والعفة) هي بمعنى العفاف

стр. 3789

والأمانة، وحسن الخلق، والرضى بالقدر. ٢٥٢٥- (٢٠) وعن أم معبد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ــ والعفاف هو التنزه عما لا يباح والكف عنه، وقال المناوي: أي عن المحرمات والمكروهات وما يخل بكمال المروءة (والأمانة) ضد الخيانة والمراد حفظ ما ائتمنت عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده (وحسن الخلق) بضم اللام وسكونها أي مع الخلق بالصبر على أذاهم وكف الأذى عنهم والتلطف بهم. وقال القاري: أي حسن المعاشرة مع أهل الإسلام (والرضى بالقدر) أي بما قدرته عليَّ في الأزل، وهذا تعليم لأمته وتمرين للنفس على الرضاء بالقضاء وذلك لأمرين الأول: أن يتفرغ العبد للعبادة لأنه إذا لم يرض بالقضاء يكون مهمومًا مشغول القلب أبدًا بأنه لِمَ كان كذا؟ ولماذا لا يكون كذا؟ فإذا اشتغل القلب بشيء من هذه الهموم كيف يتفرغ للعبادة إذ ليس له إلا قلب واحد وقد امتلأ من الهموم وما كان وما يكون فأي محل فيه لذكر العبادة وفكر الآخرة ولقد صدق شقيق في قوله: حسرة الأمور الماضية وتدبير الآتية ذهبت ببركة الساعات. الثاني: خطر ما في السخط من مقت الله وغضبه مع أنه لا فائدة لذلك، إذ القضاء نافذ ولا بد منه رضي العبد أم سخط. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١٠ ص١٧٣) وقال: رواه الطبراني (في الكبير) والبزار (في مسنده) وقال: أسألك العصمة بدل الصحة، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف الحديث وقد وثق وبقية رجال أحد الإسنادين رجال الصحيح. ٢٥٢٥- قوله (وعن أم معبد) بفتح الميم والموحدة - قال الحافظ في الإصابة (ج٤ ص٤٧٦) : أم معبد غير منسوبة، وقيل إنها أنصارية روى حديثها عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن مولى لأم معبد عن أم معبد أن النبي ﷺ كان يدعو ويقول: ((اللهم طهر قلبي من النفاق)) ، إلخ. وأخرجه أبو نعيم وأفردها عن أم معبد الخزاعية الكعبية عاتكة بنت خالد التي نزل عليها النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة وتبع أبا نعيم أبو موسى، وأما ابن السكن فذكر الحديث في ترجمة الخزاعة في الأسماء في عاتكة فقال روى عن مولي لأم معبد عن أم معبد حديث في الدعاء فذكره، ثم قال في الكنى: أم معبد الأنصارية وليست صاحبة الخيمتين يعني الخزاعية، ثم ساق الحديث عن شيخ آخر بالسند والمتن بعينه، ثم قال: لم أجد لأم معبد هذه حديثًا غير هذا. وفي إسناده نظر وهو كما قال، ثم قال: وقد روى عن ابن الحارث عن أم معبد مولاة قرظة حديث في الظروف ولست أدرى هي هذه أو غيرها فتناقض في ذلك مع جلالته في الحظ وإتقانه - انتهى. وقال ابن عبد البر: أم معبد الأنصارية روى عنها مولاها عن النبي ﷺ حديثها في الدعاء وهي غير التي قبلها يعني بها أم معبد زوجة كعب بن مالك الأنصاري السلمي التي روت عن النبي في الخليطين وروت ((البذاذة من الإيمان)) وقال الجزري في أسد الغابة (ج٥ ص٦٢٠) : أم معبد غير منسوبة قاله أبو نعيم، وقال أبو عمر: أنصارية، ثم روى

стр. 3790

اللهم طهر قلبي من النفاق، وعملي من الرياء ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. رواهما البيهقي في الدعوات الكبير. ٢٥٢٦- (٢١) وعن أنس أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خفت، فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : هل كنت تدعو الله بشيء أو ــ الجزري هذا الحديث من طريق أبي نعيم ثم قال: أخرجها أبو نعيم وأبو عمر وأبو موسى - انتهى. وتحصل من هذا كله أن أم معبد راوية حديث الدعاء المذكور صحابية أخرى غير الخزاعية وغير زوجة كعب بن مالك راوية حديث الخليطين وغير مولاة قرظة بن كعب راوية حديث الظروف (اللهم طهر قلبي من النفاق) أي بتحصيل اليقين في الدين وتسوية السر والعلانية بين المسلمين، قاله القاري. وقال العزيزي: أي من إظهار خلاف ما في الباطن وهذا وما بعده قاله تعليمًا لأمته كيف تدعو وألا فهو معصوم من ذلك (وعملي من الرياء) بمثناة تحتية أي حب إطلاع الناس على عملي، وقيل: أي من الرياء والسمعة بتوفيق الإخلاص (ولساني من الكذب) أي ونحوه من الغيبة والنميمة. وقال القاري: الكذب بفتح الكاف وكسر الذال ويجوز بكسر الكاف وسكون الذال وخص من معاصي اللسان لأنه أعظمها وأقبحها عند الله وعند الخلق (وعيني) بالتثنية والإفراد قاله المناوي (من الخيانة) أي بأن ينظر بها إلى ما لا يجوز النظر إليه أو يشير بها إلى ما يترتب الفساد عليه (فإنك تعلم خائنة الأعين) مصدر بمعنى الخيانة أي الرمز بها أو النظرة إلى المحرم بعد النظرة أو مسارقة النظر إلى ما نهى عنه، أو هو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الأعين الخائنة (وما تخفي الصدور) أي القلوب الحالة في الصدور من الوسوسة أو ما تضمر من أمانة أو خيانة (رواهما) أي الحديثين السابقين (البيهقي في الدعوات الكبير) قد تقدم تخريج عبد الله بن عمرو وأما حديث أم معبد فذكره السيوطي في الجامع الصغير وعزاه للحكيم الترمذي في النوادر (ص٢٠٢) والخطيب في التاريخ وقد تقدم أنه رواه أيضًا أبو نعيم وأبو موسى وابن السكن وقال: في إسناده نظر. قال الحافظ: وهو كما قال فإنه من رواية فرج بن فضالة عن ابن أنعم وهما ضعيفان - انتهى. وفيه أيضًا مولى أم معبد وهو مجهول، وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: بسنده ضعيف. ٢٥٢٦- قوله (عاد) من العيادة (رجلاً) أي مريضًا (قد خفت) بفتح الفاء من باب نصر أي ضعف من خفت الصوت إذا ضعف وسكن. وفي الترمذي ((قد جهد)) وهو بصيغة المجهول. قال في القاموس: جهد المرض فلانًا هزله (مثل الفرخ) بفتح الفاء وسكون الراء، ولد الطير عند خروجه من البيضة، يعني أضعفه المرض حتى صار ضعيفًا مثل الفرخ لضعفه وكثرة نحافته، وفي الأدب المفرد ((دخل على رجل قد جهد من المرض فكأنه فرخ منتوف)) أي ولد الطائر الذي استوصل ريشه، وفي شرح السنة ((عاد رجلاً قد صار مثل الفرخ المنتوف)) (هل كنت تدعو الله بشيء أو

стр. 3791

تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فجعله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله لا تطيقه ولا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ قال: فدعا الله به فشفاه الله. رواه مسلم. ٢٥٢٧- (٢٢) وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه. قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض ــ تسأله إياه) ؟ قيل: هو شك من الراوي. وقال الطيبي: والظاهر أنه من كلامه ﷺ أي هل كنت تدعو الله بشيء من الأدعية التي يسئل فيها مكروه؟ أو هل سألت الله البلاء الذي أنت فيه؟ وعلى هذا فالضمير المنصوب عائد إلى البلاء الذي دلَّ عليه الحال، وينبئ عنه ((خفت)) فيكون قد عم أولاً وخص ثانيًا، وفي الترمذي: أما كنت تدعو، أما كنت تسأل ربك العافية؟ (قال: نعم) فيه دلالة على أن أو للشك من الراوي لا للترديد منه ﷺ ، قاله القاري. (ما كنت معاقبي به) ما شرطية أو موصولة (فعجله لي في الدنيا) يعني فاستجاب الله دعاءه وابتلاه بالمرض حتى ضعف وصار مثل الفرخ كما تقدم (سبحان الله) تعجب من الداعي في هذا المطلب (لا تطيقه) أي في الدنيا (ولا تستطيعه) أي في العقبى أو كرر للتأكد، قاله القاري. قلت: كذا في جميع النسخ من المشكاة أي بواو العطف وهكذا وقع في مسند الإمام أحمد وفي جامع الأصول وجمع الفوائد، والذي في مسلم والترمذي، وشرح السنة ((لا تطيقه أو لا تستطيعه)) أي بأو للشك من الراوي، والظاهر أن ما في المشكاة سهو من الناسخ أو تبع المؤلف في ذلك صاحب جامع الأصول (أفلا قلت) أي بدل ما قلت (اللهم آتنا في الدنيا حسنة) ألخ، معناه أنه لو قال ذلك لغفر الله له ذنوبه وعافاه من المرض (قال) أي أنس (فدعا الله به) أي دعا الرجل بهذا الدعاء الجامع (فشفاه الله) وفي مسلم ((قال: فدعا الله له فشفاه)) قال النووي: في هذا الحديث النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة، وفيه فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وفيه جواز التعجب بقول: سبحان الله، وقد سبقت نظائره، فيه استحباب عيادة المريض والدعاء له، وفيه كراهة تمني البلاء لئلا يتضجر منه ويسخطه وربما شكا. وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا أنها العبادة والعافية، وفي الآخرة الجنة والمغفرة، وقيل: الحسنة نعم الدنيا والآخرة (رواه مسلم) في الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ص) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢ ص١٩١) ، والترمذي في الدعوات، والبغوي (ج٥ ص١٨١، ١٨٢) وانتهت روايتهما عند قوله ((عذاب النار)) . ٢٥٢٧- قوله (لا ينبغي للمؤمن) أي لا يجوز له (أن يذل) بضم الياء وكسر الذال المعجمة من الإذلال (قالوا: وكيف يذل يا نفسه) وَجه استبعادهم أن الإنسان مجبول على حب إعزاز نفسه، قاله القاري. (قال: يتعرض) أي

стр. 3792

من البلاء لما لا يطيق. رواه الترمذي، وابن ماجة، والبيهقي في شعب الإيمان، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ٢٥٢٨- (٢٣) وعن عمر ﵁ قال: علمني رسول الله ﷺ قال: قل: اللهم اجعل سريرتي خيرًا من علانيتي، واجعل علانيتي صالحة، اللهم إني أسألك من صالح ما تؤتي الناس من الأهل، والمال، والولد غير الضال ولا المضل. رواه الترمذي. ــ يتصدى (من البلاء) إما بالدعاء على نفسه به أو بأن يأتي بأسبابه العادية، وهو بيان مقدم لقوله ((لما لا يطيق)) . (رواه الترمذي، وابن ماجة) كلاهما في الفتن، (والبيهقي في شعب الإيمان) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص٤٠٥) ، (وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب) في سنده عندهم علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وإنما حسن حديثه الترمذي لأنه صدوق عنده. ٢٥٢٨- قوله (علمني رسول الله ﷺ ) أي دعاء (قال) بيان لقوله علمني (اللهم اجعل سريرتي) هي والسر بمعنى وهو ما يكتم (خيرًا من علانيتي) بالتخفيف (واجعل علانيتي صالحة) طلب أولاً سريرة خيرًا من العلانية ثم عقب بطلب علانية صالحة لدفع توهم أن السريرة ربما تكون خيرًا من علانية غير صالحة (اللهم إني أسألك من صالح ما تؤتي الناس) قيل: من زائدة كما هو مذهب الأخفش وقوله (من الأهل والمال والولد) لبيان ما ويجوز أن تكون للتبعيض، وقوله ((من الأهل والمال)) كذا في جميع النسخ من المشكاة وهكذا في جامع الأصول، ووقع في الترمذي، ((من المال والأهل)) أي بتقديم المال على الأهل (غير الضال) أي بنفسه (ولا المضل) أي لغيره. قال الطيبي: مجرور بدل من كل واحد من الأهل والمال والولد، ويجوز أن يكون الضال بمعنى النسبة أي غير ذي ضلال (رواه الترمذي) في الدعوات عن محمد بن حميد عن علي بن أبي بكر عن الجراح بن الضحاك عن أبي شيبة عن عبد الله بن عكيم عن عمر. وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي - انتهى. قلت: محمد بن حميد بن حيان ضعيف، وأبو شيبة قال في التقريب: أبو شيبة عن عبد الله بن عكيم يحتمل أن يكون أحد هؤلاء وإلا فمجهول من السادسة. والمراد بهؤلاء المكنون بأبي شيبة المذكور قبله وفيهم ثقات وضعفاء ولا يدري من هذا منهم، ولذلك ضعف الترمذي هذا الحديث.

стр. 3793

(١٠) كتاب المناسك ــ (كتاب المناسك) أي مناسك الحج وهكذا عقد النسائي في سننه والطحاوي في شرح معاني الآثار، وهو جمع المنسك بفتح السين وكسرها وقرئ بهما في السبعة قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾ (- ٢٢: ٣٤) وهو مصدر ميمي من نسك ينسك إذا تعبد ثم سميت أفعال الحج كلها مناسك، قاله القاري. وقال ابن جرير: أصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، يقال: إن لفلان منسكًا يعتاده، وإنما سميت مناسك الحج بذلك لتردد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحج والعمرة، وقال العيني: المناسك جمع منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سميت أمور الحج كلها مناسك، والمنسك المذبح، وقد نسك ينسك نسكًا إذا ذبح والنسيكة الذبيحة وجمعها نسك، والنسك أيضًا الطاعة والعبادة وكل ما تقرب به إلى الله ، والنسك ما أمرت به الشريعة والورع وما نهت عنه، والناسك العابد وسئل ثعلب عن الناسك ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النسكية وهي سبيكة الفضة المصفاة كأن الناسك صفي نفسه لله تعالى - انتهى. والحج بفتح الحاء وكسرها لغتان قرئ بهما قوله تعالى ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (- ٣: ٩٧) في السبع وأكثر السبعة على الفتح، وفي أمالي الهجري أكثر العرب يكسرون الحاء فقط، ونقل الطبري أن الفتح لغة أهل نجد والكسر لغيرهم. والحجة فيها لغتان أيضًا فتح الحاء وكسرها فمعناه على الفتح الفعلة من الحج، أي المرة وعلى الكسر الحالة والهيئة كالتلبية والإجابة. وقال الجوهري: والحجة بالكسر المرة الواحدة وهو من الشواذ لأن القياس بالفتح وهو مبني على اختياره أنه بالفتح الاسم. ومعنى الحج في اللغة القصد هكذا أطلقه أئمة اللغة، وقيده بعضهم بكثرة القصد إلى معظم، واستدل بقول المخبل السعدي: وأشهد من عوف حلولاً ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا يقول: يأتونه مرة بعد أخرى لسؤدده وارجع لشرح البيت إلى هامش القرى لقاصد أم القرى (ص٣٥) . وقيل: هو إطالة الاختلاف إلى الشيء واختاره ابن جرير، وقال الحافظ: أصل الحج في اللغة القصد. وقال الخليل: كثرة القصد إلى معظم، وفرق بعضهم بين فتح الحاء وكسرها فنقل الطبري عن حسين الجعفي أن الفتح الاسم والكسر المصدر وعن غيره عكسه. وقال النووي: الحج بالفتح هو المصدر وبالفتح والكسر جميعًا الاسم منه. وقال سيبوبه: المكسور مصدر واسم للفعل، والمفتوح مصدر فقط. وقال ابن السكيت: بفتح الحاء القصد وبالكسر القوم الحجاج، والحاج الذي يحج، وربما يظهرون التضعيف في ضرورة الشعر، قال: بكل شيخ عامًر أو حاجًج ويجمع على حجاج وحجيج وحجج بضم الحاء كبازل وبزل ونازل ونزل وعائذ وعوذ ومعناه في عرف الشرع القصد إلى زيارة البيت الحرام على وجه التعظيم في وقت مخصوص بأفعال مخصوصة كالطواف والسعي والوقوف بعرفة وغيرها

стр. 3794

.............................................................................................. ــ بإحرام، وقيل: هو زيارة مكان مخصوص وهو البيت العتيق في زمان مخصوص وهو أشهر الحج لعمل مخصوص وهو الطواف والسعي والوقوف محرمًا وهو فرض بالكتاب والسنة والإجماع وجاحده كافر عند الكل بلا نزاع، وقال الحافظ: وجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وقال ابن قدامة: والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع وأما سبب الحج فهو البيت لأنه يضاف إليه ولذا لا يجب في العمرة إلا مرة واحدة لعدم تكرار السبب، قال الحافظ: أجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر - انتهى. وفي شرح الإقناع: وكالقضاء عند إفساد التطوع، وأما ما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما وأبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه والطبراني في الأوسط والبيهقي في سننه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا ((يقول الله ﵎: إن عبدًا صححت له جسمه وأوسعت له في رزقه يأتي عليه خمس سنين لا يفد إليَّ لمحروم)) فهو محمول على الندب يدل على ذلك حديث ابن عباس الآتي في الفصل الثاني: الحج مرة فمن زاد فهو تطوع واختلف هل هو على الفور أو التراخي فقال بالأول مالك وأحمد وأبو يوسف والمزني من أصحاب الشافعي، وقال بالثاني الشافعي والثوري والأوزاعي ومحمد بن الحسن ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس، واختلفت الرواية فيه عن أبي حنيفة قال ابن قدامة: من وجب عليه الحج وأمكنه فعله وجب عليه على الفور ولم يجز له تأخيره، أي فيأثم إن أخره بلا عذر وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعي: يجب الحج وجوباً موسعاً وله تأخيره لأن النبي ﷺ أمَّر أبا بكر على الحج وتخلف بالمدينة لا محاربًا ولا مشغولاً بشيء وتخلف أكثر الناس قادرين على الحج، ولأنه إذا أخره ثم فعله في السنة الأخرى لم يكن قاضيًا له دل على أن وجوبه على التراخي، ثم بسط ابن قدامة في الاستدلال على وجوبه على الفور، والجواب عما استدل به القائلون بالتراخي، وقال النووي في مناسكه: إذا وجدت شرائط الوجوب وجب على التراخي فله تأخيره ما لم يخش العضب فإن خشيه حرم عليه التأخير على الأصح، وإذا أخر فمات تبين أنه مات عاصيًا على الأصح لتفريطه، وقال الزبيدي في شرح الإحياء (ص) : اختلف فيه عند أصحابنا فقال أبو يوسف: هو في أول أوقات الإمكان فمن أخره عن العام الأول أثم، وهو أصح الروايتين عن أبي حنيفة كما في المحيط والخانية وشرح المجمع، وفي القنية أنه المختار. قال القدوري: وهو قول مشائخنا وبالتراخي قال محمد. لكن جوازه مشروط بأن لا يفوته حتى لو مات ولم يحج أثم عنده أيضًا، ووقت الحج عند الأصوليين يسمى مشكلاً لوجهين. الوجه الأول أنه يشبه المعيار، لأنه لا يصح في عام واحد إلا حج واحد، ويشبه الظرف لأن أفعاله لا تستغرق أوقاته. والوجه الثاني أن أبا يوسف لما قال بتعيين أشهر الحج من العام الأول جعله كالمعيار ومحمد لما قال بعدمه جعله كالظرف ولم يجزم كل منهما بما قال فإن أبا يوسف لو جزم بكونه معيارًا لقال من أخره عن العام الأول يكون قضاء لا أداء مع أنه لا يقول به، بل يقول إنه يكون أداء، ولقال إن التطوع في العام الأول لا يجوز مع أنه لا يقول به بل يقول إنه يجوز، وإن محمدًا لو جزم بكونه ظرفًا لقال إن من أخره عن العام الأول لا يأثم أصلاً لا في مدة حياته ولا

стр. 3795

.............................................................................................. ــ في آخر عمره مع أنه لا يقول به بل يقول: إن مات ولم يحج أثم في آخر عمره فحصل الإشكال، ثم إن القائل بالفور لا يجزم بالمعيارية، والقائل بالتراخي لم يجزم بالظرفية بل كل منهما يجوز الجهتين لكن القائل بالفور يرجح جهة المعيارية ويوجب أداءه في العام الأول حتى لو أخره عنه بلا عذر أثم لتركه الواجب لكن لو أداه في العام الثاني كان أداء لا قضاء، والقائل بالتراخي يرجح جهة الظرفية حتى لو أداه بعد العام الأول لا يأثم بالتأخير لكن لو أخره فمات ولم يحج أثم في آخر عمره، وقال بعض أصحابنا المتأخرين: والمعتمد أن الخلاف في هذه المسألة ابتدائي فأبو يوسف عمل بالاحتياط لأن الموت في سنته غير نادر فيأثم، ومحمد حكم بالتوسع لظاهر الحال في بقاء الإنسان - انتهى. قال الشوكاني في السيل الجرار (ج٢ ص١٥٩) : أما الخلاف في كون الحج على الفور أو التراخي فمرجعه ما وقع في الأصول من الخلاف في صيغة الإيجاب هل هي للفور أو للتراخي، وقد دل على الفور عند الاستطاعة الأحاديث الواردة في الوعيد لمن وجد زادًا ولم يحج وهي وإن كان فيها مقال فمجموع طرقها منتهض. واستدل القائلون بالتراخي بما وقع منه ﷺ من تأخير حجه إلى سنة عشر مع كون فرض الحج نزل في سنة خمس أو ست على خلاف في ذلك - انتهى. قلت: استدل لأحمد ومالك ومن وافقهما بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ (- ٢: ١٩٦) والأمر يقتضي الفور، وبقوله ﷺ تعجلوا الحج يعني الفريضة فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له. وأخرجه أحمد، والبيهقي من حديث ابن عباس، وبما سيأتي في الفصل الثاني من حديث ابن عباس ((من أراد الحج فليعجل)) ومن حديث علي ((فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا)) وفي الفصل الثالث من حديث أبي أمامة ((من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة)) ألخ وبقوله ﷺ ((حجوا قبل أن لا تحجوا)) الحديث أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة، وارجع للجواب عن ذلك إلى القرى لقاصد أم القرى (ص ٣٧) وإلى الفتح الرباني (ج١١ ص٢١) وكيف ما كان الأمر التسارع إلى أدائه مطلوب والأحوط هو التعجيل للمستطيع بقدر الإمكان لأن الأجل غير معلوم وحينئذ يشكل تأخير النبي ﷺ في حجه إلى العاشرة مع فرضيته قبل ذلك سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان على اختلاف في ذلك والقائلون بالفور أشد احتياجًا إلى الاعتذار عن ذلك، والتخلص من هذا الإشكال وقد أجيب بأنه اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج على أقوال ومن جملتها أنه فرض سنة تسع حكاه النووي في الروضة وصححه القاضي عياض والقرطبي، ومنها أنه تأخر نزوله إلى أواخر تسع أو إلى سنة عشر حكاه العيني عن أمام الحرمين، وبه جزم ابن القيم في الهدي (ج١ ص١٨٠) ، وعلى هذا فلا تأخير لأنه لما فرض الحج بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (- ٣: ٩٧) في أواخر السنة التاسعة وهي سنة الوفود أو في العاشرة بادر النبي ﷺ إلى الحج من غير تأخير، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ (- ٢: ١٩٦) فإنه وإن نزل سنة ست عام الحديبية فليس فيه فريضة الحج وإنما فيه الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيها وذلك لا يقتضي

стр. 3796

.............................................................................................. ــ وجوب الابتداء ولو سلم أنه فرض من قبل العاشرة سنة خمس لما وقع في قصة ضمام بن ثعلبة من ذكر الأمر بالحج وكان قدومه على ما ذكر الواقدي ومحمد بن حبيب سنة خمس، أو فرض سنة ست كما هو المشهور عند الجمهور بناء على أنها نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ وأن المراد بالإتمام ابتداء الفرض لما ورد في قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي بلفظ: ((وأقيموا)) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم فكان تراخيه ﷺ لعذر مع علمه ببقاء حياته ليكمل التبليغ وسيأتي بيان العذر في ذلك والإشكال إنما هو في التراخي مع عدم العذر. قال ابن الهمام: إن تأخيره ﵊ ليس يتحقق فيه تعريض الفوات وهو الموجب للفور لأنه كان يعلم أنه يعيش حتى يحج ويعلم الناس مناسكهم تكميلاً للتبليغ. قال القاري: والأظهر أنه ﵊ أخره عن سنة خمس أو ست لعدم فتح مكة، وأما تأخيره عن سنة ثمان فلأجل النسيء وأما تأخيره عن سنة تسع فلما ذكرنا في رسالة مسماة بالتحقق في موقف الصديق وقال ابن رشد في مقدماته: أما قول من قال إن حجة أبي بكر كانت تطوعًا لأنه حج في ذي القعدة قبل وقت الحج على النسيء وإنه ﷺ إنما أخر إلى عام عشر ليوقعه في وقته فليس ذلك عندي بصحيح بل حج أبي بكر في ذي القعدة هو وقته حينئذٍ شرعًا ودينًا قبل أن ينسخ النسيء ثم حج النبي في ذي الحجة من العام المقبل وأنزل الله ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (٩: ٣٧) فنسخ ذلك النسيء ولو كان في الحج فرض في ذي الحجة ونسخ النسيء عند فرض الحج قبل حج أبي بكر لما حج أبو بكر في ذلك العام إلا في ذي الحجة ولا مكن رسول الله ﷺ ذلك في ذلك العام لو شاء فيه فالصحيح أنه إنما أخر الحج في ذلك العام للعراة الذين كانوا يطوفون بالبيت من المشركين حتى يعهد إليهم في ذلك ما جاء في الحديث لا ليوقعه في ذي الحجة إذ كان قادرًا على أن يوقعه في ذلك العام في ذي الحجة - انتهى. وقال التوربشتي في شرح المصابيح: قد ذهب قوم إلى أن تأخير الحج بعد الفتح إنما كان للنسيء المذكور في كتاب الله وهو تأخير الأشهر عن مواضعها حتى عاد الحساب في الأشهر إلى أن أصله الموضع الذي بدأ الله به في أمر الزمان يوم خلق السماوات والأرض وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض. وهذا التأويل في سنة عتاب بن أسيد (أي في سنة ثمان بعد الفتح) محتمل، وفي العام الذي بعث أبا بكر أميرًا على أهل الموسم غير المحتمل لأن النبي ﷺ لم يكن ليأمر بالحج في غير وقته المعلوم، وقد ذكر بعض أهل العلم بالسير أن الحج عام الفتح وقع في ذي القعدة على الحساب الذي ابتدعوه وكانوا ينسأون في كل عامين من شهر إلى شهر وكان الحج عام حجة أبي بكر الصديق ﵁ في ذي الحجة على الحساب القويم وإنما وجه استينائه بالحج إلى السنة العاشرة - والله أعلم - هو أن لم يرض أن يحضر الموسم وأهل الشرك حضور هناك، لأنه لو تركهم على ما يتدينون به من هديهم المخالف لدين الحق لكان ذلك وهنًا في الدين، ولو منعهم لأفضى ذلك إلى التشاغل إلى ما أرادوه من النسك بالقتال ثم إلى استحلال حرمة الحرم، وقد كان أخبر يوم الفتح أن حرمتها عادت إلى ما كانت عليه، وأنه لم يحل له إلا ساعة من النهار فرأى أن يبعث الناس إلى الحج وينادي في أهل

стр. 3797

.............................................................................................. ــ الموسم أن لا يحج بعد العام مشرك ليكون حجه خاليًا عن العوارض التي ذكرناها، وقد ذكرنا لذلك وجوهًا غيرها في كتاب المناسك واكتفينا ها هنا بالقول الوجيز إيثارًا للاختيار - انتهى. قال الأبي المالكي في شرح صحيح مسلم: والقول بالتراخي إنما هو ما لم يخف الفوات وخوفه يكون بعلو السن وخوف تعاهد الأمراض، وعلو السن حده ابن رشد بالستين. والله أعلم. واختلف في أن الحج كان واجبًا على الأمم قبلنا أم وجوبه مختص بنا؟ قال القاري: الأظهر الثاني، واختار ابن حجر الأول مستدلاً بقوله: ((ما من نبي إلا وحج)) فهو من الشرائع القديمة، وجاء أن آدم ﵇ حج أربعين سنة من الهند ماشيًا. قال القاري: وهذا كما ترى لا دلالة فيه على إثباته ولا على نفيه وإنما يدل على أنه مشروع فيما بين الأنبياء ولا يلزم من كونه مشروعًا أن يكون واجبًا مع أن الكلام إنما هو في الأمم قبلنا، ولا يبعد أن يكون واجبًا على الأنبياء دون أممهم، وقد صح أنه ﵊ لما بلغ عسفان في حجة الوداع قال: لقد مر به هود وصالح على بكرين أحمرين خطهما الليف وأزرهم العباء وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق رواه أحمد - انتهى. وأما فضل الحج فمشهور قد وردت فيه النصوص الحديثية الكثيرة الصحيحة وسيأتي بعضها في الكتاب وأما حكمه وأسراره وفوائده ومصالحه المرعية فيه فهي أكثر من أن تحصى ولا يوفيها بيانًا إلا التصانيف المستقلة وقد نوه بها حكماء الإسلام وأشادوا بها في مؤلفاتهم ولنلم بنبذة منها ليقف القارئ على قُلّ من كُثر من أسرار شريعته الرشيدة وأهدافها الحميدة فيرى أن له دينًا يهدف بعبادته إلى صلاح الدين والدنيا. قال صاحب تيسير العلام شرح عمدة الأحكام: هذا المؤتمر الإسلامي العظيم وهذا الاجتماع الحاشد فيه من المنافع الدينية والدنيوية والثقافية والاجتماعية والسياسية ما يفوت الحصر والعد، أما الدينية فما يقوم به الحاج من هذه العبادة الجليلة التي تشتمل على أنواع من التذلل والخضوع بين يدي الله تعالى فمنها تقحم الأسفار وإنفاق الأموال والخروج من ملاذ الحياة بخلع الثياب واستبدالها بإزار ورداء حاسر الرأس وترك الطيب والنساء وترك الترفة بأخذ الشعور والأظفار ثم التنفل بين هذه المشاعر. كل هذا بقلوب خاشعة وأعين دامعة وألسنة مكبرة ملبية قد حدا بهم الشوق إلى بيت ربهم ناسين في سبيل ذلك الأهل والأوطان والأموال والنفس النفيس. وأما الثقافية فقد أمر الله بالسير في الأرض للاستبصار والاعتبار ففيه من معرفة أحوال الناس والاتصال بهم والتعرف على شئون الوفود التي تمثل أصقاع العالم كله ما يزيد الإنسان بصيرة وعلمًا إذا تحاك بعلمائهم واتصل بنبهائهم فيجد لكل علم وفن طائفة تمثله. وأما الاجتماعية والسياسية فإن الحج مؤتمر عظيم يضم وفودًا متنوعة العلوم مختلفة الثقافات متباينة الاتجاهات والنزعات فإذا كل حزب بحزبه وطائفة بشبيهتها ومثلوا ((لجان الحكومة الواحدة)) ودرسوا وضعهم الغابر والحاضر والمستقبل. ورأوا ما الذي أخرهم وما الذي يقدمهم وما هي أسباب الفرقة بينهم وما أسباب الائتلاف والاجتماع وتوحيد الكلمة؟ وبحثوا شئونهم الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية

стр. 3798

.............................................................................................. ــ على أساس المحبة والوئام وبروح الوحدة والالتئام وأصبحوا يدًا واحدة ضد عدوهم وقوة مرهوبة في وجه المعتدي عليهم وبهذا يصير لهم كيان مستقل خاص له مميزاته وأهدافه ومقاصده يسمع صوته ويصغى إلى كلمته ويحسب له ألف حساب وبهذا يعود للمسلمين عزهم ويرجع إليهم سؤددهم ويبنون دولة إسلامية دستورها كتاب الله وسنة رسوله وشعارها العدل والمساواة وهدفها الصالح العام وغايتها الأمن والسلام حينئذٍ تتجه إليهم أنظار الدنيا وتسلم الزمام بأيديهم فيقوضون مجالس بنيت على الظلم والبغي ويبنون على أنقاضها العدل والإحسان وبهذا يقر السلام ويستتب الأمن وتتجه المصانع النهوج التي تصنع للموت الذريع أسلحة الدمار والخراب إلى أن تخترع المعدات التي تساعد على التثمير والتصنيع وإخراج خيرات الأرض فتحقق حكمة الله بخلقه حيث يحل الخصب والرخاء والأمن والسلام، مكان الجدب والغلاء والخوف والدماء، وإذا علم المسلم المؤمن ثمرات هذه الاجتماعيات الإسلامية فهم جيدًا أن له دينًا عظيمًا جليل القدر يقصد منها بعد عبادة الله صلاح الكون واتساقه لأن الاجتماع هو أعظم وسيلة لجمع الأمة وتوحيد الكلمة، ولذا فإنه عني بالاجتماعات عناية عظيمة تحقيقًا للمقاصد الكريمة، ففرض على أهل المحلة الاجتماع في مسجدهم كل يوم خمس مرات، وفرض على أهل البلد عامة الاجتماع للجمعة في كل أسبوع، وفرض على المسلمين الاجتماع في كل عام - انتهى. وقال الشيخ مصطفى السقاء في مقدمته على القرى لقاصد أم القرى: لفريضة الحج من الفضائل النفسية والاجتماعية ما لا يخفى على المتأمل فمن أول تلك الفضائل تعظيم ذلك البيت المقدس وعمارته إذ هو الرمز الباقي لقيام ديانة التوحيد في الأرض، وخلاص الإنسان من فوضى الوثنية والنحل الزائغة الضالة ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٣: ٩٦) ومن ذلك تعمير الأرض المقدسة التي حضنت ذلك الدين الجديد دين التوحيد إلى أن ترعرع وقوى، ونما وانتشر وقضى على الأوثان والأصنام في جزيرة العرب أولاً، فلولا هذه البيئة البعيدة عن معترك الحياة الصاخبة بتيارات المدنيات وغطرسة الملوك والجبابرة لم يتح لهذا الدين أن ينمو ويذيع، وحسبنا دليلاً على هذا ما لقيه إبراهيم من اضطهاد بين قومه وعشيرته حتى اضطروا إلى الهجرة بدينه من بلاده، والآية الكريمة ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (١٤: ٣٧) مفصحة بهذا المعنى أي إفصاح. ثم بسط في ذكر المنافع السياسية والاجتماعية بنحو ما تقدم، ثم قال: أما الفائدة التهذيبية التي يجنيها الحاج من رحلته فهي رياضة النفس وتذليلها فإن أعمال الحج منذ يشرع الحاج في توجيه النية والنطق بالتلبية تدخل في نفسه شعورًا قلبيًا بالقرب من الله ولا يزال هذا الشعور ينمو ويزيد كلما اقترب من الأماكن المقدسة حتى إذا حل تلك الرحاب النضرة والساحات المطهرة وانغمس في أداء الأعمال شعر بسمو روحي وفيض إلهي يدب في نفسه وينتقل

стр. 3799

.............................................................................................. ــ به من حال إلى حال حتى ينتهي إلى احتقار سلطان المادة وتأثيره في النفس، وهذا الفيض الشعوري تمتزج فيه العناصر الروحية بعضها ببعض وتتجاوب في النفس وتتبين آثارها في الإرادة والعمل من تعظيم للدين وحب شديد للرسول الأكرم ﷺ والسلف الصالح من الأمة وغيرة على المجتمع الإسلامي ورغبة في إسعاده، ومن ندم على ما سبق من التفريط في جنب الله ورغبة في استدراك ما فات في أزمان الغفلة وغرة الشباب من الطاعات والقربات وهذه الرياضة النفسية هي ثمرة الحج الكبرى حتى إذا انتهت أعماله وعاد الحاج إلى وطنه وأهله لم يفارقه ذلك الشعور الرباني ولا ريب أن كثيرًا ممن حجوا مخلصين لله تتأثر حياتهم بذلك الشعور الفياض الذي كسبوه في أثناء ارتحالهم في الأراضي المقدسة وتلمح في أخلاقهم الاستقامة والإقلاع عن كثير من المساوي التي كانت تشوب حياتهم قبل الحج ومثل هذا يسمى الحج المبرور الذي يتقبله الله ويعظم الثواب عليه، كما جاء في الحديث. ثم ذكر ما يحصل في هذا السفر الطويل الشاق من فائدة تعويد المسافر خلال تلك الرحلة احتمال كثير من المشقات بالتنقل المستمر لأداء المناسك ونقل الأمتعة والأزواد ونصب الخيام أو تقويضها وإعداد الرواحل أو السيارات وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ثم قال: وبعض الحجاج يلتمسون مع أداء فريضة الحج في هذا الموسم ضروبًا من النفع المادي فينقلون المتاجر من شتى البلاد إلى الحجاز ويبيعونها هناك ويتزودون لبلادهم وأهليهم من طرائف الحجاز ومما يحمله إليه الناس من سائر البقاع والأصقاع، وليس هذا العمل محرمًا في الدين تقول الآية الكريمة ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (٢: ١٩٨) وتقول آية أخرى ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٢٢: ٢٧، ٢٨) ومن هذه المنافع التجارة التي يقوم عليها الموسم ويمكن أن تجعل البلاد المقدسة سوقًا إسلامية للتجارة (بدل أن تكون سوقًا تجارية لمصنوعات: أوربا، وروسيا، وأمريكا،، واليابان، والصين. وغير ذلك من بلاد الشرق والغرب) كما كانت في القرون الإسلامية الأولى سوقًا من أعظم الأسواق بين الممالك الإسلامية الشرقية والغربية ومن أعظم الأسباب لنشر الحضارة والثقافة في أحقاب طويلة، فقد كان التجار يتحينون موسم الحج لينقلوا حاصلات بلادهم وثمرات اجتهادهم إلى مكة والمدينة حيث يجتمع العديد الأكبر فيقبل الناس على اقتناء الطرف والنفائس من الثياب والحلي والطنافس والأواني النحاسية وأنواع الطيب ونحو ذلك ويتخذون منها الهدايا للأهل والأصحاب، وكان العلماء وأصحاب الفنون يلتقون في الموسم فيأخذ بعضهم عن بعض ويتبادلون الكتب والآثار العلمية والفنية وخاصة علماء الحديث الذين يجدون في هذا الموسم أحسن الفرص للرواية والإجازة وكان هذا التبادل التجاري والثقافي في جميع مظاهره من أحسن الوسائل لتعميم الحضارة وبعث روح التنافس الجدي بين المسلمين في الممالك والأقطار المختلفة - انتهى. وقال الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة (ج٢: ص٤٢) : المصالح المرعية في الحج أمور منها تعظيم البيت فإنه من شعائر الله وتعظيمه هو تعظيم الله تعالى ومنها تحقيق معنى العرضة فإن لكل دولة أو ملة اجتماعًا يتوارده الأقاصي والأداني ليعرف فيه بعضهم بعضًا ويستفيدوا أحكام

стр. 3800

.............................................................................................. ــ الملة ويعظموا شعائرها، والحج عرضة المسلمين وظهور شوكتهم واجتماع جنودهم وتنويه ملتهم وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ (٢: ١٢٥) ومنها موافقة ما توارث الناس عن سيدنا إبراهيم وإسماعيل ﵉ فإنهما إمامًا الملة الحنيفية ومشرعاها للعرب والنبي ﷺ بعث لتظهر به الملة الحنيفية وتعلو به كلمتها وهو قوله تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢٢: ٧٨) فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إماميها كخصال الفطرة ومناسك الحج وهو قوله ﷺ : قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم ومنها الاصطلاح على حال يتحقق بها الرفق لعامتهم وخاصتهم كنزول منى والمبيت بمزدلفة فإنه لو لم يصطلح على مثل هذا لشق عليهم ولو لم يسجل عليه لم تجتمع كلمتهم عليه مع كثرتهم وانتشارهم. ومنها الأعمال التي تعلن بأن صاحبها موحد تابع للحق متدين بالملة الحنيفية شاكر لله على ما أنعم على أوائل هذه الملة كالسعي بين الصفا والمروة، ومنها أن أهل الجاهلية كانوا يحجون وكان الحج أصل دينهم ولكنهم خلطوا أعمالاً ما هي مأثورة عن إبراهيم ﵇ وإنما هي اختلاق منهم وفيها إشراك لغير الله كتعظيم أساف ونائله وكالإهلال لمناة الطاغية وكقولهم في التلبية: لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، ومن حق هذه الأعمال أن ينهي عنها ويؤكد في ذلك، وأعمالاً انتحلوها فخرًا وعجبًا كقول حمس: نحن قطان الله فلا نخرج من حرم الله فنزل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ومنها أنهم ابتدعوا قياسات فاسدة هي من باب التعمق في الدين، وفيها حرج للناس ومن حقها أن تنسخ وتهجر كقولهم: يجتنب المحرم دخول البيوت من أبوابها وكانوا يستورون من ظهورها ظنًا منهم أن الدخول من الباب ارتفاق ينافي هيئة الإحرام فنزل: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ (٢: ١٨٩) وككراهيتهم في التجارة موسم الحج ظنًا منهم أنها تخل بإخلاص العمل لله فنزل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (٢: ١٩٨) وكاستحبابهم أن يحجوا بلا زاد ويقولون: نحن المتوكلون وكانوا يضيقون على الناس ويعتدون فنزل: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٢: ١٩٧) انتهى باختصار يسير. قلت: شرع الحج لجميع هذه الفوائد والمصالح المذكورة وغيرها مما نعلم منها الكثير ونجهل منها الكثير، وربما كان ما نجهله ونتمتع به أكثر مما نعرفه فقد قال الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٢٢: ٢٨) فأطلق المنافع ونكرها وأبهمها ودل هذا التعبير البليغ على كثرتها وتنوعها وتجددها في كل زمان وأنها أكثر من أن يأتي عليها الإحصاء والاستقصاء ويحيطها المحيطون ولكن من أوضح ملامح الحج والروح المسيطرة على جميع أعماله ومناسكه هو الحب والهيام والوله والتفاني وإعطاء زمام الجسم والفكر للقلب والعاطفة وتقليد العشاق والمحبين إمامهم وزعيمهم إبراهيم الخليل فحينًا طواف الحب والهيام حول البيت الحرام وحينًا تقبيل الحجر الأسود والاستلام وحينًا سعى بين غايتين وتقليد ومحاكاة للأم الحنون حتى في تؤدتها ووقارها وفي جريها وهرولتها. ثم قصد لمنى في يوم معين هو يوم التروية، ثم قصد

стр. 3801

(الفصل الأول) ٢٥٢٩- (١) عن أبي هريرة، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ ــ إلى عرفات ووقوف بساحتها ودعاء وابتهال ثم بيتوتة في المزدلفة وعودة إلى منى فرمي ونحر وحلق اقتداء بسنة إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم قلت: وزعم بعض المتنورين أن الحج مؤتمر سياسي ثقافي فحسب وليس كذلك فإنه لو كانت هذه هي الحكمة التي شرع لها الحج استقرار وساده جو من الهدوء يساعد على ذلك ولكنه اضطراب وانتقال من مكان إلى مكان ومن نسك إلى نسك، ولكانت دعوة مقصورة على العلماء والزعماء والأذكياء والنبهاء وعلى الخاصة من المسلمين، إنها لا شك ثمرة من ثمرات الحج ولكن ليست هي الغاية التي شرعت لها هذه الفريضة العظيمة وفرضت على المسلمين فقال: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٣: ٩٧) وقال رسول الله ﷺ : من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا. ولكان له وضع غير هذا الوضع ومكان غير هذا المكان القاحل النائي، إنه عبادة ونسك، وطاعة وانقياد وحب وهيام واتصال بمؤسس هذه الملة وتجديد العهد بالمركز الروحي والمنبع الأصيل وتقليد للمحبين وتمثيل لما جرى لهم وتذكير للرحيل من دار الفناء إلى دار القرار والبقاء ويتبع ذلك فوائد وحكم وأسرار لا يحصيها إلا الله، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء منها. ٢٥٢٩- قوله (خطبنا رسول الله ﷺ ) ، أي خطب لنا عام فرض الحج فيه أو ذكر لنا أثناء خطبة له. قال الأبي: يمنع أن يكون هذه الخطبة في الحج لأنه ﷺ إنما حج في العاشرة وفرض الحج كان سابقًا، قيل سنة خمس وقيل تسع إلا أن يكون قاله أيضًا في حجة الوداع (قد فرض) بصيغة المجهول (فحجوا) بضم الحاء المهملة صيغة الأمر (فقال رجل) هو الأقرع بن حابس كما في حديث ابن عباس أول أحاديث الفصل الثاني (أكل عام؟) بالنصب لمقدر، أي أتأمرنا أن نحج كل عام؟ أو أفرض علينا أن نحج كل عام؟ وفي النسائي: فقال رجل: في كل عام؟ أي هو مفروض على كل إنسان مكلف في كل سنة أو هو مفروض عليه مرة واحدة؟ قال النووي: واختلف الأصوليون في أن الأمر هل يقتضي التكرار؟ والصحيح عند أصحابنا لا يقتضيه، والثاني يقتضيه، والثالث يتوقف فيما زاد على مرة على البيان فلا يحكم باقتضاءه ولا بمنعه، وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف لأنه سأل فقال أكل عام؟ ولو كان مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه لم يسأل ولقال له النبي ﷺ : لا حاجة إلى السؤال بل مطلقه محمول على كذا وقد يجيب الآخرون عنه بأنه سأل استظهارًا واحتياطًا، وقوله: ذروني ما تركتكم، ظاهر في أنه لا يقتضي التكرار. قال المازري: ويحتمل أنه

стр. 3802

فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتم ــ إنما احتمل التكرار عنده من وجه آخر، لأن الحج في اللغة قصد فيه تكرار فاحتمل عنده التكرار من جهة الاشتقاق لا من مطلق الأمر - انتهى. قال القاري بعد ذكر هذا الاحتمال بلفظة قيل: والأظهر أن مبني السؤال قياسه على سائر الأعمال من الصلاة والصوم وزكاة الأموال ولم يدر أن تكراره كل عام بالنسبة إلى جميع المكلفين من جملة المحال كما لا يخفى (فسكت) ، أي عن جوابه (حتى قالها) ، أي قال الرجل السائل الكلمة التي تكلمها (ثلاثًا) قال التوربشتي: إنما سكت زجرًا له عن السؤال الذي كان السكوت عنه أولى لأن الرسول ﷺ إنما بعث لبيان الشريعة فلم يكن ليسكت عن بيان أمر علم أن بالأمة حاجة إلى الكشف عنه، فالسؤال عن مثله تقدم بين يدي رسول الله ﷺ وقد نهوا عنه، والإقدام عليه ضرب من الجهل وشر فيه احتمال أن يعاقبوا بزيادة التكليف، وإليه أشار ﷺ بقوله ((لو قلت نعم لوجبت)) قال القاري: ثم لما رآه ﷺ لا ينزجر ولا يقنع إلا بالجواب الصريح صرح به (فقال لو قلت نعم) ، أي فرضًا وتقديرًا، ولا يبعد أن يكون سكوته ﵊ انتظار للوحي أو الإلهام. وقال السندي: وهذا بظاهره يقتضي أن أمر افتراض الحج كل عام كان مفوضًا إليه حتى لو قال نعم لحصل وليس بمستبعد إذ يجوز أن يأمر الله تعالى بالإطلاق ويفوض أمر التقييد إلى الذي فوض إليه البيان فهو إن أراد أن يبقيه على الإطلاق يبقيه عليه وإن أراد أن يقيده بكل عام يقيده به، ثم فيه إشارة إلى كراهة السؤال في النصوص المطلقة والتفتيش عن قيودها بل ينبغي العمل على إطلاقها حتى يظهر فيها قيد، وقد جاء القرآن موافقًا لهذه الكراهة - انتهى. وقال الحافظ: استدل به على أن النبي ﷺ كان له أن يجتهد في الأحكام لقوله: ((لو قلت: نعم لوجبت)) ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي، وأجاب من منع باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك في الحال (لوجبت) ، أي هذه العبادة أو فريضة الحج المدلول عليها بقوله فرض، أو الحجة كل عام أو حجج كثيرة على كل أحد (ولما استطعتم) ، أي وما قدرتم كلكم إتيان الحج في كل عام، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ (ذروني) ، وفي رواية البخاري ((دعوني)) ، قال السندي: أي اتركوني من السؤال عن القيود في المطلقات. قال في القاموس: ذره، أي دعه، يذره تركًا ولا تقل وذرًا وأصله وذره يذره كوسعه يسعه لكن ما نطقوا بماضيه ولا بمصدره ولا باسم الفاعل، أو قيل وذرته شاذًا (ما تركتكم) ، أي لأني مبعوث لبيان الشرائع وتبليغ الأحكام، فما كان مشروعًا أبينه لكم لا محالة ولا حاجة إلى السؤال. قال السندي: ما مصدرية ظرفية، أي مدة تركي إياكم عن التكليف بالقيود فيها، وليس المراد لا تطلبوا مني العلم ما دام لا أبين لكم بنفسي - انتهى. وقال الحافظ: قوله ((ما تركتكم)) ، أي مدة تركي إياكم بغير أمر بشيء ولا نهي عن شيء وإنما غاير بين اللفظين لأنهم أماتوا الماضي واسم الفاعل منهما واسم مفعولهما وأثبتوا الفعل المضارع وهو يذر، وفعل الأمر وهو ذر ومثله دع ويدع ولكن سمع ودع كما قرئ به في الشاذ في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٩٣: ٣) وقال الشاعر:

стр. 3803

فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ــ ونحن ودعنا آل عمرو بن عامر ... فرائس أطراف المثقفة السمر ويحتمل أن يكون ذكر ذلك على سبيل التفنن في العبارة وإلا لقال: اتركوني. قال: والمراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع خشية أن ينزل به وجوبه أو تحريمه وعن كثرة السؤال لما فيه غالبًا من التعنت وخشية أن تقع الإجابة بأمر يستثقل فقد يؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة. قال ابن فرج: معنى قوله ((ذروني ما تركتكم)) لا تكثروا من الاستفسار عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظهر ولو كانت صالحة لغيره، كما أن قوله ((حجوا)) وإن كان صالحًا للتكرار فينبغي أن يكتفي بما يصدق عليه اللفظ وهو المرة فإن الأصل عدم الزيادة ولا تكثروا التنقيب عن ذلك لأنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل إذ أمروا أن يذبحوا البقرة فلو ذبحوا، أي بقرة كانت لامتثلوا ولكنهم شددوا فشدد عليهم وبهذا تظهر مناسبة قوله: ((فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم)) بقوله: ((ذروني ما تركتكم)) قال النووي: وهو دليل على أن لا حكم قبل ورود الشرع، وأن الأصل في الأشياء عدم الوجوب وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين. (فإنما هلك من كان قبلكم) ، أي من اليهود والنصارى، (بكثرة سؤالهم) كسؤال الرؤية والكلام وقضية البقرة. قال الأبي: وفيه مرجوحية كثرة السؤال، ومنه ما اتفق لأسد بن الفرات مع مالك حين أكثر السؤال بقوله: فإن كان كذا، فإن كان كذا؟ فقال له مالك: هذه سلسلة بنت أخرى، إن أردت هذا فعليك بأهل العراق، إلا أن يقال لا يلزم من المنع هنا المنع في غيره لما أشار إليه ﷺ من أنه في مقام التشريع فخاف الافتراض فيما يشق ولا يقدر عليه - انتهى. وقال الحافظ: استدل به على النهى عن كثرة المسائل والتعمق في ذلك. قال البغوي: في شرح السنة: المسائل على وجهين: أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين فهو جائز بل مأمور به لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (١٦: ٤٥. و ٢١، ٦) الآية، وعلى ذلك تنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما، ثانيهما: ما كان على وجه التعنت والتكلف، وهو المراد في هذا الحديث والله أعلم. ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف، فعند أحمد من حديث معاوية أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات. قال الأوزاعي: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعي أيضًا: إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط فلقد رأيتهم أقل الناس علمًا. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل. وقال ابن العربي: كان النهي عن السؤال في العهد النبوي خشية أن ينزل ما يشق عليهم فأما بعد فقد أمن ذلك لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع. قال: وإنه لمكروه إن لم يكن حرامًا إلا للعلماء فإنهم فرعوا ومهدوا فنفع الله من بعدهم بذلك ولا سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم - انتهى ملخصًا. وينبغي أن يكون محل الكراهة للعالم إذا شغله ذلك عما هو أهم منه وكان ينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجردًا عما يندر ولا سيما في المختصرات ليسهل تناوله والله المستعان – انتهى كلام الحافظ.

стр. 3804

واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، ــ (واختلافهم) عطف على كثرة السؤال لا السؤال، إذ الاختلاف وإن قل يؤدي إلى الهلاك، ويحتمل أنه عطف على سؤالهم هو إخبار عمن تقدم بأنه كثر اختلافهم في الواقع فأداهم إلى الهلاك وهو لا ينافي أن القليل من الاختلاف مؤد إلى الفساد، قاله السندي (على أنبيائهم) ، يعني إذا أمرهم الأنبياء بعد السؤال أو قبله اختلفوا عليهم فهلكوا واستحقوا الإهلاك. قال الأبي: قوله ((واختلافهم على أنبيائهم)) هو زيادة على ما وقع فإن الذي وقع إنما هو إلحاح في السؤال لا الاختلاف (فإذا أمرتكم بشيء) ، أي من الفرائض وفي رواية بأمر: (فأتوا منه ما استطعتم) ، أي افعلوا قدر استطاعتكم. قال السندي: يريد أن الأمر المطلق لا يقتضي دوام الفعل وإنما يقتضي جنس المأمور به وأنه طاعة مطلوبة ينبغي أن يأتي كل إنسان منه على قدر طاقته، وأما النهي فيقتضي دوام الترك - انتهى. وقال: في اللمعات قوله: ((فأتوا منه ما استطعتم)) يجوز أن يكون تأكيدًا ومبالغة في إتيان ما أمر به وبذل الطاقة فيه، وأن يكون إشارة إلى التيسير ورفع الحرج كما في الصلاة وأركانها وشرائطها إذا عجز عن بعضها أتى بما استطاع، وهذا الأمر وأما في النهي فينبغي أن يحتاط في تركه ويبذل المجهود بالغًا ما بلغ. وقال النووي: هذا من قواعد الإسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن، وأشباه هذا غير منحصرة، وأما قوله: ((وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)) فهو على إطلاقه، فإن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة أو شرب الخمر عند الإكراه أو التلفظ بكلمة الكفر إذا أكره ونحو ذلك، فهذا ليس منهيًا عنه في هذا الحال. قال وهذا الحديث موافق لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٦٤: ١٦) وأما قوله تعالى: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ففيها مذهبان: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ والثاني وهو الصحيح أو الصواب وبه جزم المحققون: أنها ليست منسوخة بل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مفسرة لها ومبينة للمراد بها. قالوا: و ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو امتثال أمره واجتناب نهيه، أي مع القدرة لا مع العجز ولم يأمر الله تعالى إلا بالمستطاع. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ (٢: ٢٨٦) انتهى. قال الحافظ: في الحديث إشارة إلى الاشتغال بالأهم المحتاج إليه عاجلاً عما لا يحتاج إليه في الحال فكأنه قال: عليكم بفعل الأوامر واجتناب النواهي فاجعلوا اشتغالكم بها عوضًا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله ثم يجتهد في تفهم ذلك والوقوف على المراد به ثم يتشاغل بالعمل به، فإن كان من العمليات يتشاغل بتصديقه واعتقاد حقيته، وإن كان من العمليات بذل وسعه في القيام به فعلاً وتركًا فإن وجد وقتًا زائدًا على ذلك فلا بأس أن يصرفه في الاشتغال بتعرف حكم ما سيقع على قصد العمل به إن لو وقع، فأما إن كانت

стр. 3805

وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه. رواه مسلم. ٢٥٣٠- (٢) وعنه قال: سئل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. ــ الهمة مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع مع الإعراض عن القيام بمقتضي ما سمع فإن هذا مما يدخل في النهي فالتفقه في الدين إنما يحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدل وسيأتي بسط ذلك قريبًا، أي في باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه من كتاب الاعتصام - انتهى. (وإذا نهيتكم عن شيء) ، أي من المحرمات (فدعوه) ، أي اتركوه كله، قال الحافظ: استدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتناءه بالمأمورات لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات، ولو مع المشقة في الترك، وقيد في المأمورات بقدر الطاقة، وهذا منقول عن الإمام أحمد. فإن قيل: إن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضًا إذا لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا فجوابه أن الاستطاعة تطلق باعتبارين كذا قيل. والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة لا يدل على المدعي من الاعتناء به بل هو من جهة الكف إذ كل أحد قادر على الكف لولا داعية الشهوة مثلاً، فلا يتصور عدم الاستطاعة عن الكف بل كل مكلف قادر على الترك بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثم قيد في الأمر بالاستطاعة دون النهي، وادعى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يتناول امتثال المأمور واجتناب المنهي، وقد قيد بالاستطاعة واستويا فحينئذٍ يكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون النهي أن العجز يكثر تصوره في الأمر بخلاف النهي فإن تصور العجز فيه محصور في الاضطرار - انتهى (رواه مسلم) في الحج من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة، وكذا النسائي، وأحمد، وابن حبان، والطبري، والبيهقي (ج٤: ص٣٢٦) ، والدارقطني، وفي الباب عن ابن عباس، وسيأتي في الفصل الثاني، وعن علي عند الترمذي، وعن أبي أمامة عند الطبري، وعن أنس عند ابن ماجة، والحديث رواه البخاري من طريق آخر مختصرًا. أي من غير ذكر السبب في باب الإقتداء بسنن رسول الله ﷺ من كتاب الاعتصام، ومسلم أيضًا في الفضائل، وأحمد (ج٢: ص٣١٢) ، والترمذي في العلم، وابن ماجة في السنة. ٢٥٣٠- قوله (سئل) بالبناء للمفعول، أبهم السائل وهو أبو ذر الغفاري وحديثه في العتق عند البخاري، (أي العمل) ، وفي رواية أي الأعمال وهو مبتدأ خبره (أفضل) ، أي أكثر ثوابًا عند الله تعالى (قال) ، أي رسول الله ﷺ هو (إيمان بالله ورسوله) نكر الإيمان ليشعر بالتعظيم والتفخيم، أي التصديق المقارن بالإخلاص المستتبع للأعمال الصالحة قال النووي: فيه تصريح بأن العمل يطلق على الإيمان والمراد به - والله أعلم - الإيمان الذي يدخل به في ملة الإسلام وهو التصديق بقلبه والنطق بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب والنطق عمل اللسان ولا يدخل في الإيمان هنا الأعمال بسائر الجوارح: كالصوم، والصلاة، والحج، والجهاد وغيرها. لكونه جعل قسيمًا للجهاد والحج، ولقوله ﷺ : إيمان بالله

стр. 3806

قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور. ــ ورسوله. ولا يقال هذا في الأعمال ولا يمنع من تسمية الأعمال المذكورة إيمانًا فقد قدمنا دلائله - انتهى (قيل) القائل هو السائل في الأول (ثم ماذا؟) كلمة ثم للعطف مع الترتيب الذكرى، وما مبتدأ وذا خبره والمعنى ثم، أي شيء أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله؟ (قال الجهاد في سبيل الله) ، أي قتال الكفار لإعلاء كلمة الله، (قيل ثم ماذا؟) أفضل (قال: حج مبرور) ، أي مقبول من البر وهو القبول ومن علامات القبول أن يزداد بعده خيرًا، أي يكون حاله بعد الرجوع خيرًا مما قبله ولا يعاود المعاصي، وهو مفعول من بر المتعدي يقال: بر الله حجه، أي قبله ويبني للمفعول. فيقال بر حجه فهو مبرور ويستعمل لازمًا. فيقال بر حجه، ويقال أيضًا أبر الله حجه إبراًر، قال الجزري: يقال بر حجه وبر حجه وبر الله حجه، وأبره برًا بالكسر في الجميع وإبرارًا، وقيل: المبرور المقابل بالبر وهو الثواب، وقيل: هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة، وقيل: الذي لا يعقبه معصية، وقيل: هو الذي لا يخالطه شيء من المأثم مأخوذ من البر وهو الطاعة، ومنه برت يمينه إذا سلم من الحنث وبر بيعه إذا سلم من الخداع ورجح هذا المعنى النووي. وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه فوقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، ولأحمد والحاكم من حديث جابر قالوا: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال: إطعام الطعام وإفشاء السلام. قال في الفتح: وفي إسناده ضعف، ولو ثبت كان هو المتعين دون غيره - انتهى. قلت حديث جابر هذا قال الحاكم: إنه صحيح الإسناد ولم يخرجاه لأنه لم يحتجا بأيوب بن سويد لكنه حديث له شواهد كثيرة. وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح. وحسن سنده المنذري في الترغيب، والهيثمي في مجمع الزوائد، ولفظ الطبراني ((إطعام الطعام وطيب الكلام)) . قيل المراد أن هذه الخصال من علامات الحج المبرور وليست علاماته قاصرة على هذه، والظاهر أنه ﷺ أجاب السائل بذلك لكونه رأى منه التقصير في هذه الخصال لأنه ﷺ كان يجيب كل إنسان على حسب حاله ثم إنه عرف الجهاد باللام دون الإيمان والحج لأن المعرف بلام الجنس كالنكرة في المعنى فيوافق تنكير قسيميه. وقيل لأن الإيمان والحج لا يتكرر وجوبهما فناسبهما التنكير ليدل على الإفراد الشخصي بخلاف الجهاد فإنه قد يتكرر فعرف والتعريف للكمال إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل كذا قيل. وقد تعقبه الحافظ في الفتح واعترضه العيني حسب عادته بما لا طائل تحته. قال الحافظ: وقع في مسند الحارث بن أبي أسامة ((ثم جهاد)) ، أي بالتنكير فقد ظهر من هذه الرواية أن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة لأن مخرجه واحد فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة ثم أنه قدم الجهاد على الحج مع أنه فرض كفاية، والحج فرض عين وذلك لأنه كان أول الإسلام ومحاربة أعداءه والجد في إظهاره، وقيل: هو محمول على الجهاد في وقت الزحف الملجئ والنفير العام فإنه حينئذ يجب الجهاد

стр. 3807

.............................................................................................. ــ على الجميع. وإذا كان هكذا فالجهاد أولى بالتحريض والتقديم من الحج لأنه يكون حينئذٍ فرض عين ووقوعه فرض عين إذ ذاك متكرر فكان أهم منه. وقيل: قدم لأن نفع الجهاد متعد لما فيه من المصلحة العامة للمسلمين مع بذل النفس فيه بخلاف الحج فيهما، لأن نفعه قاصر ولا يكون فيه بذل النفس. وقيل ((ثم)) ها هنا للترتيب في الذكر كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٩٠: ١٧) فإنه من المعلوم أنه ليس المراد ها هنا الترتيب في الفعل وفي الحديث دليل على أن الإيمان بالله ورسوله أفضل من الجهاد والجهاد أفضل من الحج، وقد اختلفت الأحاديث المشتملة على بيان فاضل الأعمال من مفضولها فتارة تجعل الأفضل الإيمان كما في الحديث الذي نحن في شرحه، وتارة الصلاة لوقتها كما في حديث ابن مسعود، وتارة إطعام الطعام وقراءة السلام كما في حديث ابن عمرو، وتارة السلامة من اليد واللسان كما في حديث أبي موسى، وتارة الجهاد كما في حديث أبي سعيد، وتارة ذكر الله كما في حديث أبي الرداء، وتارة غير ذلك، واستشكلت للمعارضة الظاهرة، أي تباين الأجوبة واختلافها مع اتحاد السؤال. وأجيب بأنه ﷺ سئل عن المفاضلة في الأعمال عدة مرات وكان يجيب على ذلك بما يناسب المقام والوقت ويصلح لحال السائل والمخاطب، فإن لكل إنسان عملاً يصلح له ولا ينجح إلا به فينبغي توقيفه على ما خفى عليه وتوجيهه إليه، وكذلك الوقت يختلف، فوقت تكون الصدقة أفضل من غيرها كوقت المجاعات والحاجة، وتارة يكون الجهاد أفضل من غيره كوقت الزحف الملجئ والنفير العام، وتارة يكون طلب العلم الشرعي أنفع للحاجة إليه والانصراف عنه، وكذلك وظائف اليوم والليلة، فساعة يكون الاستغفار والتوبة والدعاء أولى من القراءة، وساعة أخرى تكون الصلاة وهكذا. وقال الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله (ج٢: ص٤٣) : الفضل يختلف باختلاف الاعتبار والمقصود هنا، أي في حديث أبي هريرة الذي نحن في شرحه بيان الفضل باعتبار تنويه دين الله وظهور شعار الله، وليس بهذا الاعتبار بعد الإيمان كالجهاد والحج - انتهى. وقال القفال الشافعي الكبير: إن ذلك اختلاف جواب جرى على حسب اختلاف الأحوال والأشخاص فإنه قد يقال ((خير الأشياء كذا)) ولا يراد به خير جميع الأشياء من جميع الوجوه والحيثيات والاعتبارات وفي جميع الأحوال والأوقات ولجميع الأشخاص والأفراد بل في حال دون حال ولواحد دون واحد ومن وجه دون وجه وفي وقت دون وقت، قال: ويجوز أن يكون المراد من أفضل الأعمال كذا أو من خيرها أو من خيركم من فعل كذا فحذفت من وهي مرادة كما يقال فلان أعقل الناس وأفضلهم ويراد أنه من أعقلهم وأفضلهم. ومن ذلك قول رسول الله ﷺ : خيركم خيركم لأهله، ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقًا. قال النووي: وعلى هذا الجواب يكون الإيمان أفضلها مطلقًا، والباقيات متساويات في كونها من أفضل الأعمال والأحوال، ويعرف فضل بعضها على بعض بدلائل تدل عليها وتختلف باختلاف الأحوال والأشخاص انتهى. وقد تقدم شيء من الكلام في هذا في الفصل الثاني من باب الذكر، وإن شئت

стр. 3808

متفق عليه. ٢٥٣١- (٣) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : من حج لله فلم يرفث ولم يفسق ــ مزيد التفضيل فارجع إلى شرح عمدة الأحكام (ج١: ص١٣٢) ، وفتح الملهم شرح صحيح مسلم (ج١: ص٢١٤، ٢١٥) (متفق عليه) رواه البخاري في الإيمان، والحج، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٦٤، ٢٦٨، ٢٦٩، ٢٨٧) ، والترمذي في فضائل الجهاد، والنسائي في الحج، والبيهقي (ج٥: ص٢٦٢) وأخرج أيضًا بنحوه ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما والطيالسي. ٢٥٣١- قوله (من حج لله) ، أي لابتغاء وجه الله تعالى، والمراد الإخلاص، وفي رواية للبخاري من حج هذا البيت، أي قصد البيت الحرام لحج أو عمرة، ولمسلم في رواية ((من أتى هذا البيت)) قال الحافظ: وهو أعم من قوله: ((من حج)) يعني أنه يشمل الحج والعمرة، ويجوز حمل لفظ حج على ما هو أعم من الحج والعمرة فتساوي رواية ((من أتى)) من حيث أن الغالب أن إتيانه إنما هو للحج والعمرة، وللدارقطني (ص٢٨٢) بسند فيه ضعف: ((من حج أو اعتمر)) (فلم يرفث) بتثليث الفاء والضم المشهور في الرواية واللغة. قال الحافظ: فاء الرفث مثلثة في الماضي والمضارع، والأفصح الفتح في الماضي والضم في المستقبل، قال: والرفث الجماع ويطلق على التعريض به وعلى الفحش من القول. وقال الأزهري: الرفث اسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر يخصه بما خوطب به النساء. وقال عياض: هذا من قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (٢: ١٩٣) والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع - انتهى. والذي يظهر أن المراد به في الحديث ما هو أعم من ذلك وإليه نحا القرطبي وهو المراد بقوله في الصيام ((فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث)) - انتهى. قلت: روى البغوي في شرح السنة (ج٦: ص) عن ابن عباس أنه أنشد شعرًا فيه ذكر الجماع فقيل: أتقول الرفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما وُوجِه، أي روجع وخوطب به النساء، فكأنه يرى الرفث المنهي عنه في الآية ما خوطب به المرأة دون ما يتكلم به من غير أن تسمع المرأة. وقال سعيد ابن جبير في قوله تعالى ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢: ١٩٣) : الرفث إتيان النساء، والفسوق السباب، والجدال المراء يعني مع الرفقاء والمكارين (ولم يفسق) بضم السين، أي لم يأت بسيئة ولا معصية. وقيل: أي لم يخرج عن حدود الشرع وأصله انفسقت الرطبة إذا خرجت فسمي الخارج عن الطاعة فاسقًا، قال في القاموس: الفسق بالكسر الترك لأمر الله تعالى، والعصيان والخروج عن طريق الحق أو الفجور كالفسوق، فسق كنصر وضرب وكرم فسقًا وفسوقًا. وإنه لفسق خروج عن الحق، وفسق جار، وعن أمر ربه خرج، والرطبة عن قشرها خرجت كانفسقت قيل: ومنه الفاسق لانسلاخه عن الخير والفويسقة الفارة لخروجها من حجرها على الناس - انتهى. والفاء في قوله ((فلم)) والواو في قوله

стр. 3809

رجع كيوم ولدته أمه. متفق عليه. ٢٥٣٢- (٤) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : العمرة إلى العمرة ــ ((ولم)) عطف على الشرط في قوله من حج وجوابه قوله: (رجع) أي صار أو رجع من ذنوبه أو حجته أو فرغ من أعمال الحج وحمله على معنى رجع إلى بيته بعيد، وقوله (كيوم ولدته أمه) خير على الأول وحال على الوجهين الأخيرين بتأويل مشابهًا في البراءة من الذنوب لنفسه في يوم ولدته أمه فيه، إذ لا معنى لتشبيه الشخص باليوم، أو المعنى مشابهًا يومه بيوم ولادته في خلوه من الذنوب، وقوله ((كيوم)) يحتمل الإعراب، أي كسر الميم والبناء على الفتح والإضافة لقوله: ولدته أمه. وهو المختار في مثل هذا لأن صدر الجملة المضاف إليها مبني. وفي رواية للبخاري، ومسلم: كما ولدته أمه، وفي رواية أحمد (ج٢: ص٢٢٩) ، والدراقطني (ص٢٨٢) : كهيئته يوم ولدته أمه. وظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر والتبعات، وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس الآتي المصرح بذلك وله شاهد من حديث ابن عمر في تفسير الطبري، وإليه ذهب القرطبي وعياض لكن قال الطبري: وهو محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها. قال الحافظ: وذكر لنا بعض الناس أن الطيبي أفاد أن الحديث إنما لم يذكر فيه الجدال كما ذكر في الآية على طريق الاكتفاء بذكر البعض وترك ما دل عليه ما ذكر. ويحتمل أن يقال إن ذلك يختلف بالقصد لأن وجوده لا يؤثر في ترك مغفرة ذنوب الحاج إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحج لما يظهر من الأدلة أو المجادلة بطريق التعميم فلا يؤثر أيضًا فإن الفاحش منها داخل في عموم الرفث، والحسن منها ظاهر في عدم التأثير، والمستوى الطرفين لا يؤثر أيضًا. قيل: ذكر الفسق في الحديث والنهي عنه في الحج مع كونه ممنوعًا في كل حال وفي كل حين هو لزيادة التقيح والتشنيع ولزيادة التأكيد في النهي عنه في الحج وللتنبيه على أن الحج أبعد الأعمال عن الفسق والله أعلم (متفق عليه) رواه البخاري في موضعين من كتاب الحج: في باب فضل الحج المبرور، وقبل جزاء الصيد، ورواه مسلم في أواخر الحج، وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة، والدراقطني (ص٢٨٢) ، والبيهقي (ج٥: ص٦٥) ، والدارمي كلهم في الحج، وفي رواية الترمذي ((غفر له ما تقدم من ذنبه)) بدل قوله: ((كيوم ولدته أمه)) . ٢٥٣٢- قوله (العمرة) بضم العين مع ضم الميم وإسكانها، وهي في اللغة الزيادة، وقيل: القصد إلى مكان عامر، وقيل: إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، وفي الشريعة زيادة البيت الحرام وقصده بكيفية مخصوصة وشروط مخصوصة ذكرت في كتب الحديث والفقه، وقيل: هي في الشرع إحرام وسعي وطواف وحلق أو تقصير، سميت بذلك لأنه يزار بها البيت ويقصد، وقال الراغب: العمارة نقيض الخراب، والاعتمار والعمرة الزيارة فيها عمارة الود، وجعل في الشريعة للقصد المخصوص - انتهى. (إلى العمرة) ، أي منتهية إلى العمرة، قال القاري: قوله: ((العمرة إلى العمرة)) ، أي العمرة

стр. 3810

كفارة لما بينهما، ــ المنضمة أو العمرة الموصولة أو المنتهية إلى العمرة، وقال المناوي: أي العمرة حال كون الزمن بعدها ينتهي إلى العمرة، فإلى للانتهاء على أصلها، وقال الباجي وتبعه ابن التين: إن إلى يحتمل أن تكون بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٤: ٢) وكقوله: ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾ (٦١: ١٤) فيكون التقدير: العمرة مع العمرة مكفرة لما بينهما، فإذا كانت للغاية كان المكفر هو العمرة الأولى، وإذا كانت بمعنى مع كان المكفر العمرتين، ويدل للثاني حديث ((العمرتان تكفران ما بينهما)) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي هريرة. قال المناوي: فيه من لم أعرفهم ولم أرهم في كتب الرجال، وقال السندي: قيل: يحتمل أن تكون إلى بمعنى مع أي العمرة مع العمرة أو بمعناها متعلقة بكفارة، أي تكفر إلى العمرة ولازمه أنها تكفر الذنوب المتأخرة (كفارة لما بينهما) هذا ظاهر في فضل العمرة وأنها مكفرة للخطايا الواقعة بين العمرتين، قال في المطامح: نبه بهذا الحديث على فضل العمرة الموصولة بعمرة، قال العيني (ج١٠: ص ١٠٨، ١٠٩) : ظاهر الحديث أن الأولى هي المكفرة لأنها هي التي وقع الخبر عنها أنها تكفر ولكن الظاهر من جهة المعنى أن العمرة الثانية هي التي تكفر ما قبلها إلى العمرة التي قبلها فإن التكفير قبل وقوع الذنب خلاف الظاهر - انتهى. وقال الأبي: الأظهر أن الحديث خرج مخرج الحث على تكرير العمرة والإكثار منها لأنه إذا حمل على غير ذلك يشكل بما إذا اعتمر مرة واحدة فإنه يلزم عليه أن لا فائدة لها لأن فائدتها وهو التكفير مشروطة بفعلها ثانية إلا أن يقال: لم تنحصر فائدة العبادة في تكفير السيئات بل يكون فيها وفي ثبوت الحسنات ورفع الدرجات كما ورد في بعض الأحاديث ((من فعل كذا وكتب له كذا حسنة ومحيت عنه كذا كذا سيئة، ورفعت له كذا كذا درجة)) فتكون فائدتها إذا لم تكرر ثبوت الحسنات ورفع الدرجات. وقال شيخنا أبو عبد الله يعني ابن عرفة: إذا لم تكرر كفر بعض ما وقع بعدها لا كله - والله أعلم - بقدر ذلك البعض، وكذا في شرح الموطأ للزرقاني (ج٢: ص٢٦٩) قال ابن عبد البر: المراد تكفير الصغائر دون الكبائر، وذهب بعض علماء عصرنا إلى تعميم ذلك، ثم بالغ في الإنكار عليه، وكأنه يعني الباجي فإنه قال: ما من ألفاظ العموم فتقضي من جهة اللفظ تكفير جميع ما يقع بينهما إلا ما خصه الدليل واستشكل بعضهم كون العمرة كفارة للصغائر فقط مع أن اجتناب الكبار مكفر لها لقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (٤: ٣١) الآية فماذا تكفر العمرة؟ وأجيب بأن تكفير العمرة مقيد بزمنها وتكفير الاجتناب عام لجميع عمر العبد فتغايرا من هذه الحيثية وقال السندي: هذا الاستشكال ليس بشيء لأن الذي لا يجتنب الكبائر فصغائره يكفرها العمرة، ومن ليس له صغيرة أو صغائره مكفرة بسبب آخر فالعمرة له فضيلة - انتهى. قال الحافظ: وفي الحديث دلالة على استحباب الاستكثار من الاعتمار خلافًا لقول من قال: يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرة

стр. 3811

والحج المبرور ــ كالمالكية ولمن قال مرة في الشهر من غيرهم واستدل لهم بأنه ﷺ لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة، وأفعاله على الوجوب أو الندب وتعقب بأن المندوب لم ينحصر في أفعاله فقد كان يترك الشيء وهو يستحب فعله لرفع المشقة عن أمته وقد ندب إلى ذلك بلفظه فثبت الاستحباب من غير تقييد. وقال عياض: احتج به الجمهور وكثير من أصحاب مالك على جواز تكرير العمرة في السنة الواحدة وكرهه مالك لأنه ﷺ اعتمر أربع عمر كل واحدة في سنة مع تمكنه من التكرير وتقدم كلام الأبي المالكي أن الحديث خرج مخرج الحث على تكرير العمرة والإكثار منها، قال الحافظ: واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبسًا بأعمال الحج إلا ما نقل عن الحنفية أنه يكره في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ونقل الأثرم عن أحمد: إذا اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام ليمكن حلق الرأس فيها. قال ابن قدامة: هذا يدل على كراهة الاعتمار عنده في دون عشرة أيام، وارجع لتفصيل الكلام في مسألة تكرار العمرة وتفضيل الطواف على العمرة إلى شفاء الغرام (ج١: ص١٧٩، ١٨٠) ، والقرى (ص٢٩٧، ٢٩٨) (والحج المبرور) قال ابن العربي: قيل هو الذي لا معصية بعده. قال الأبي: وهو الظاهر لقوله في الحديث الآخر: ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق)) إذ المعنى حج ثم لم يفعل شيئًا من ذلك، ولهذا عطفها بالفاء المشعرة بالتعقيب، وإذا فسر بذلك كان الحديثان بمعنى واحد وتفسير الحديث بالحديث أولى. فإن قلت: المرتب على المبرور غير المرتب على عدم الرفث والفسق، لأن المرتب على المبرور هو دخول الجنة وهو أخص من الرجوع بلا ذنب لأن المراد بدخولها الدخول الأول والدخول الأول لا يكون إلا مع مغفرة كل الذنوب السابقة واللاحقة والرجوع بلا ذنب إنما هو في تكفير السابقة. قلت: إذا فسر المبرور بذلك فسر الرجوع بلا ذنب بأنه كناية عن دخول الجنة الدخول الأول المذكور - انتهى. تنبيه قال ابن بزيزة: قال العلماء: شرط الحج المبرور حلية النفقة فيه، وقيل لمالك رجل سرق فتزوج به أيضارع الزنا؟ قال: أي والذي لا إله إلا هو. وسئل عمن حج بمال حرام فقال: حجه مجزئ وهو آثم بسبب جنايته، وبالحقيقة لا يرقى إلى العالم المطهر إلا المطهر - انتهى. وقال الدردير: صح الحج فرضًا أو نفلاً بالحرام من المال فيسقط عنه الفرض والنفل وعصى إذ لا منافاة بين الصحة والعصيان - انتهى. وبه قالت الحنفية كما في رد المحتار عن البحر حيث قال: يجتهد في تحصيل نفقة حلال فإنه لا يقبل بالنفقة الحرام كما ورد في الحديث مع أنه يسقط الفرض عنه معها ولا تنافي في سقوطه وعدم قبولها - انتهى. وذلك لأن القبول أخص من الإجزاء، فإن القبول عبارة عن ترتيب الثواب على الفعل والإجزاء عبارة عن سقوط القضاء، وقال النووي في مناسكه: ليحرص أن تكون نفقته حلالاً خالصة عن الشبهة فإن خالف وحج بما فيه شبهة أو بمال مغصوب صح حجه في ظاهر الحكم لكنه ليس حجًا مبرورًا ويبعد قبوله، وهذا هو مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وجماهير العلماء من السلف والخلف. وقال أحمد بن

стр. 3812

ليس له جزاء إلا الجنة. متفق عليه. ٢٥٢٣- (٥) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : إن عمرة في رمضان تعدل حجة. ــ حنبل: لا يجزيه الحج بمال حرام - انتهى. (ليس له جزاء) ، أي ثواب (إلا الجنة) بالرفع أو النصب وهو نحو ((ليس الطيب إلا المسك)) بالرفع فإن بني تميم يرفعونه حملاً لها على ما في الإهمال عند انتقاض النفي كما حمل أهل الحجاز ((ما)) على ((ليس)) في الإعمال عند استيفاء شروطها كذا في مغني اللبيب (ج١: ص٢٢٧) قال النووي: ((ليس له جزاء إلا الجنة)) معناه أنه لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه بل لابد أن يدخل الجنة. وقال السندي: أي ابتداء وإلا فأصل الدخول فيها يكفي الإيمان ولازمه أن يغفر له الذنوب كلها صغائرها وكبائرها بل المتقدمة منها والمتأخرة - انتهى. قال في المطامح: وقضية جعل العمرة مكفرة والحج جزاءه الجنة أنه أكمل. وقال ابن القيم: في الحديث دليل على التفريق بين الحج والعمرة في التكرار إذ لو كانت العمرة كالحج لا يفعله في السنة إلا مرة لسوى بينهما ولم يفرق (متفق عليه) ، وأخرجه أيضًا أحمد (ج: ص) ، ومالك، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، وابن الجارود (ص١٧٨) ، والبيهقي (ج٤: ص٤٧٣، وج٥: ص٢٦١) . ٢٥٣٣- قوله (إن عمرة في رمضان) ، أي كائنة، وسبب الحديث أن رسول الله ﷺ لما رجع عن حجة الوداع قال لأم سنان الأنصارية ما منعك أن تحجي معنا، قالت: لم يكن لنا ناضحان فحج أبو ولدها وابنها على ناضح وترك لنا ناضحًا ننضح عليه قال فإذا جاء رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة (تعدل حجة) ، أي تعادلها وتماثلها في الثواب لأن الثواب يفضل بفضيلة الوقت ذكره المظهر. قال الطيبي: وهذا من باب المبالغة وإلحاق الناقص بالكامل ترغيبًا وبعثًا عليه وإلا كيف يعدل ثواب العمرة ثواب الحج انتهى. وقال ابن خريمة في هذا الحديث: إن الشيء يشبه بالشيء ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر انتهى. ووقع في رواية لمسلم: ((فعمرة في رمضان تقضي حجة أو معي)) ، أي بالشك، وفي رواية البخاري في باب حج النساء: ((فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي)) بالجزم من غير شك، وفي رواية لأبي داود والحاكم (ج١: ص٤٨٤) : ((أنها تعدل حجة معي)) وهكذا وقع عند ابن حبان في قصة أم سليم من حديث ابن عباس وفي حديث أنس عند الطبراني في الكبير ((عمرة في رمضان كحجة معي)) وفي حديث أبي طليق في قصة له ولامرأته عند الطبراني في الكبير والبزار ((قلت: فما يعدل الحج معك؟ قال: عمرة في رمضان)) وفي هذه الروايات ما يدل على أن المرأة المذكورة جعلت على نفسها حجة مع النبي ﷺ لتحوز بذلك شرف المعية وكثرة الثواب فأجابها ﷺ بأن ذلك يحصل لها بالاعتمار في رمضان واختلف العلماء في معنى حديث الباب فقال بعهضم: إن الحجة التي فاتت هذه المرأة كانت تطوعًا لإجماع الأمة على أن العمرة لا تجزئ عن حجة الفريضة

стр. 3813

.............................................................................................. ــ إذ لا مانع من أن تكون حجت مع أبي بكر ﵁ في السنة التاسعة فسقط عنها الفرض ثم أرادت أن تحج مع النبي ﷺ في حجة الوادع في السنة العاشرة فمنعها عدم تيسر الراحلة، وقال بعضهم: إن الحجة التي فاتت هذه المرأة هي حجة الوداع وكانت أول حجة أقيمت في الإسلام فرضًا لأن حج أبي بكر كان إنذارًا فعلى هذا يستحيل أن تكون تلك المرأة كانت قامت بوظيفة الحج بعد، لأن أول حج لم تحضره هي، ولم يأت زمان حج ثان عند قوله ﵊ لها ذلك، وما جاء الحج الثاني إلا والرسول ﵊ قد توفي فإنما أراد ﵊ أن يستحثها على استدراك ما فاتها من البدار ولا سيما الحج معه ﵊ لأن فيه مزية على غيره قلت: وهذا مبني على أن الحج إنما فرض في السنة العاشرة ولكنه غير متفق عليه وقد تقدم ذكر الخلاف فيه، وعلى كل حال فإن كان ما فاتها حجة الفرض فيكون المراد من الحديث بيان فضل العمرة في رمضان وإعلامها أن ثوابها كثواب حجة لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن فرض الحج، فالعمرة في رمضان لا تسقط الحجة المفروضة بل من الإتيان بها من قابل، وإن كان ما فاتها تطوعًا فالعمرة في رمضان تقوم مقام الحجة في التطوع ونقل الترمذي عن إسحاق ابن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن وقال ابن العربي: حديث العمرة هذا صحيح وهو فضل من الله ونعمة فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها، وهكذا قال أبو بكر المعافري، كما في ((القرى)) وقد تقدم ما قال الطيبي وابن خزيمة في معنى الحديث وتوجيهه، وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القلب، وقال غيره يحتمل أن يكون المراد عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة، وعمرة نافلة في رمضان كحجة نافلة وقال ابن التين: قوله كحجة يحتمل أن يكون على بابه ويحتمل أن يكون لبركة رمضان، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بهذه المرأة. قال الحافظ: الثالث قال به بعض المتقدمين ففي رواية أحمد بن منيع قال سعيد بن جبير: ولا نعلم هذا إلا لهذه المرأة وحدها، ووقع عند أبي داود من حديث أم معقل فكانت تقول الحج حجة، والعمرة عمرة، وقد قال هذا لي رسول الله ﷺ ما أدري ألي خاصة تعني أو للناس عامة، قال الحافظ: والظاهر حمله على العموم كما تقدم، والسبب في التوقف استشكال ظاهره وقد صح جوابه. تنبيه لما ثبت أن عمره ﷺ كانت كلها في ذي القعدة وقع تردد لبعض أهل العلم في أن أفضل أوقات العمرة أشهر الحج أو رمضان فحديث الباب يدل على الثاني، أي كون رمضان أفضل أوقات العمرة لكن فعله ﵊ لما لم يقع إلا في أشهر الحج كان ظاهرًا أنه أفضل إذ لم يكن الله يختار لنبيه إلا ما هو الأفضل أو أن رمضان أفضل لتنصيصه ﵊ على ذلك فتركه لاقترانه بأمر يخصه كاشتغاله بعبادات أخرى في رمضان تبتلاً، وأن لا يشق على أمته فإنه لو اعتمر في رمضان لبادروا إلى ذلك وخرجوا مع ما هم عليه من المشقة في

стр. 3814

متفق عليه. ٢٥٣٤- (٦) وعنه قال: إن النبي ﷺ لقي ركبًا بالروحاء، ــ الجمع بين العمرة والصوم، ولقد كان بهم رؤوفًا رحيمًا، وقد كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته وخوفًا من المشقة عليهم كالقيام في رمضان بهم، ومحبته لأن يستقي بنفسه مع سقاة زمزم كيلا يغلبهم الناس على سقايتهم. وقال الحافظ: والذي يظهر أن العمرة في رمضان لغير النبي ﷺ أفضل، وأما في حقه فما صنعه هو أفضل لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فأراد الرد عليهم بالقول والفعل وهو لو كان مكروهًا لغيره لكان في حقه أفضل - انتهى. تنبيه آخر قد استدل بقوله ﷺ ((عمرة في رمضان تعدل حجة)) على استحباب تكرار العمرة والإكثار منها. قال المحب الطبري في القرى (ص٥٦٦) : فيه دليل على استحباب تكرار العمرة من وجهين الأول: أن النكرة في سياق التفضيل، الظاهر منها إرادة العموم، فإنك إذا قلت: رجل من بني تيم يعدل قبيلة من غيرها، لم يتبادر إلى الفهم إلا أن كل واحد منها كذلك، فكذلك، كل عمرة في رمضان، والثاني: المراد بعمرة في رمضان إما أن يقال: كل عمرة لكل أحد أو عمرة لكل أحد أو عمرة لواحد لا بعينه، والأول هو المطلوب، والثالث غير مراد بالاتفاق، والثاني لازم للأول فيتعدى الحكم، بيان الملازمة أن اتصاف الفعل بالفضل إنما نشأ من جهة الزمان لا محالة، فإذا ثبت لفعل لزم ثبوته لمثله، وإن تكرر لقيام موجب الصفة ولعدم جواز تخلف الحكم عن مقتضيه، ومن ادعى تخصصها بعدم التكرار أو تخصيصها بالمخاطبة أو بميقات دون غيره أو معارضًا فعليه البيان - انتهى. قلت: قد ذهب إلى جواز تكرار العمرة واستحباب الإكثار منها الشافعي، وأبو حنيفة. وكرهه مالك إلا مرة في سنة، وأحمد في دون عشرة أيام كما تقدم في كلام ابن قدامة، ويؤيده ما أخرجه الشافعي عن أنس ﵁ أنه كان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر، وقوله: ((حمم)) بالحاء المهملة، أي اسود بعد الحلق في الحج بنبات الشعر، والمعنى أنه كان لا يؤخر العمرة إلى المحرم، بل كان يخرج إلى الميقات، ويعتمر في ذي الحجة، وهكذا ذكره الجوهري، وابن الأثير وقيد بالمهملة (متفق عليه) واللفظ لمسلم. وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٢٩، ٣٠٨) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، وابن الجارود (ص١٧٩) ، والبيهقي وفي الباب عن جماعة من الصحابة ذكر أحاديثهم العيني (ج١٠: ص١١٧) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج٣: ص٢٨٠) . ٢٥٣٤- قوله (إن النبي ﷺ لقي ركبًا) بفتح الراء وسكون الكاف جمع راكب أو اسم جمع كصاحب وصحب وهم العشرة فما فوقها من أصحاب الإبل في السفر دون بقية الدواب، ثم اتسع فيه فأطلق على كل جماعة (بالروحاء) بفتح الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة ثم ألف ممدودة. قال عياض: في المشارق هي من أعمال الفرع بينها وبين المدنية

стр. 3815

فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله. فرفعت إليه امرأة صبيًا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر. ــ نحو أربعين ميلاً، وفي صحيح مسلم ستة وثلاثون، وفي كتاب ابن أبي شيبة ثلاثون ميلاً، زاد في رواية أحمد وأبي داود: ((فسلم عليهم)) وكان ذلك اللقاء كما قال ابن حبان حين رجوعه من مكة إلى المدينة ففي رواية النسائي عن ابن عباس ((قال صدر رسول الله ﷺ ، فلما كان بالروحاء لقي قومًا)) الحديث. وفي رواية الشافعي في مسنده (ج١: ص٢٨٩) وكذا عند البيهقي (ج٥: ص١٥٥) من طريق الشافعي، ((أن النبي ﷺ قفل، فلما كان بالروحاء لقي ركبًا)) الحديث، وبه جزم ابن القيم في الهدي حيث قال: ثم ارتحل ﷺ راجعًا إلى المدينة فلما كان بالروحاء لقي ركبًا فذكر قصة الصبي، وقيل وقعت هذه القصة في مقدمه إلى بيت الله، والمراد بالصدور والقفول صدوره من المدينة للحج ولا يخفى ما فيه، وارجع إلى ((القرى)) (ص٤٩، ٥٠) (فقال: من القوم؟) بالاستفهام (قالوا) ، أي بعضهم (المسلمون) ، أي نحن المسلمون (فقالوا: من أنت؟) يعني أن الذي أجاب رسول الله ﷺ سأل بعد ذلك ليعرف من يخاطب (قال) ، أي النبي (رسول الله) أي أنا رسول الله فلفظ رسول الله خبر مبتدأ محذوف. قال عياض: يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلاً فلم يعرفوه ﷺ ، ويحتمل كونه نهارًا لكنهم لم يروه ﷺ قبل ذلك لعدم هجرتهم فأسلموا في بلدانهم ولم يهاجروا قبل ذلك، وسيأتي في حديث جابر في قصة حجة الوداع أنه أذن في الناس أن النبي ﷺ حاج فقدم المدينة بشر كثير ليأتموا به، فلعل هؤلاء ممن قدم فلم يلقوه إلا هنالك، وفي رواية مالك في موطأه، ((أن رسول الله ﷺ مر بامرأة وهي في محفتها (بكسر الميم وفتح المهملة وتشديد الفاء - مركب للنساء كالهودج إلا أنها لا تقبب كما تقبب الهوادج) فقيل لها ((هذا رسول الله)) الحديث. قال الباجي: فقد كانت المرأة فيمن آمن به ولم تره ولم تعرف عينه فلذلك أخبرت به (فرفعت إليه امرأة صبيًا) ، أي أخرجته من المحفة رافعة له على يديها، وفي رواية أحمد وأبي داود: ((ففزعت امرأة فأخذت بعضد صبي فأخرجته من محفتها)) (فقالت: ألهذا؟) ، أي يحصل لهذا الصغير (حج) ، أي ثوابه، قيل: قوله: ((حج)) فاعل الظرف لاعتماده على الهمزة، ويجوز أن يكون مبتدأ مؤخرًا و ((لهذا)) خبر مقدم، وفي رواية أحمد، وأبي داود: ((هل لهذا حج؟)) (قال) في الجواب (نعم) ، أي له حج (ولك أجر) زادها على السؤال ترغيبًا لها. قال القاري: أي أجر السببية وهو تعليمه إن كان مميزًا أو أجر النيابة في الإحرام والرمي والإيقاف والحمل في الطواف والسعي إن لم يكن مميزًا، وقال عياض: وأجرها فيما تتكلفه في أمره في ذلك وتعليمه وتجنيبه ما يجتنب المحرم. وقال النووي: معناه: بسبب حملها وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحرم وفعل ما يفعله المحرم، وقال الأمير اليماني: قوله: ((لك أجر)) ، أي بسبب حملها وحجها به، أو بسبب سؤالها عن ذلك الحكم، أو بسبب الأمرين، وفي الحديث دليل على مشروعية الحج بالصبيان وجوازه، ولا خلاف فيه بين العلماء

стр. 3816

.............................................................................................. ــ قال الأمير اليماني: الحديث دليل على أنه يصح حج الصبي وينعقد سواء كان مميزًا أم لا حيث فعل عنه وليه ما يفعل الحجاج وإلى ذلك ذهب الجمهور. واعلم أن في مسألة حج الصبي عدة أبحاث ينبغي التنبيه عليها. الأول: جواز الحج ومشروعيته بالصغار، وإليه ذهب الجمهور منهم الأمة الأربعة. قال الزرقاني: في الحديث مشروعية الحج بالصغار وبه قالت الأمة. قال عياض: لا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان، وإنما منعه طائفة من أهل البدع ولا يلتفت إلى قولهم بل هو مردود بفعل النبي ﷺ وأصحابه وإجماع الأمة، وقال الطبري: لا خلاف بي أهل العلم في جواز الحج بالصبي إلا قومًا من أهل العراق منعوه وفعل رسول الله ﷺ وقوله وإجماع الأمة يرد قولهم، وإنما الخلاف في أنه هل ينعقد حكم الحج عليهم؟ وفائدة الخلاف تظهر في وجوب الفدية، فأبو حنيفة لا يلزمهم شيًا إنما يجتنبون ذلك على وجه التمرين والتعليم، وفي ما تقدم من قول عطاء: يفعل بالصغير ما يفعل بالكبير ويشهد به المناسك كلها إلا أنه لا يصلي عنه وإن شاءوا قمصوه موافقة له، وباقي الأئمة يرون وجوب الفدية - انتهى. وقال ابن البر في التمهيد: في الحديث الحج بالصبيان الصغار واختلف العلماء في ذلك فأجازه مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز من أصحابنا وغيرهم وأجازه الثوري، وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفة، وأجازه الأوزاعي والليث فيمن سلك مسلكهما من أهل الشام ومصر وكل من ذكرناه يستحب الحج بالصبيان ويأمر به ويستحسنه، وعلى ذلك جمهور العلماء في كل قرن. وقالت طائفة: لا يحج بالصبيان، وهو قول لا يشتغل به ولا يعرج عليه لأن النبي ﷺ حج بأغيلمة بني عبد المطلب وحج السلف بصبيانهم ولحديث الباب. وروينا عن أبي بكر الصديق أنه طاف بعبد الله بن الزبير في خرقة، وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانوا يحبون إذا حج الصبي أن يجردوه وأن يجنبوه عن الطيب وأن يلبي عنه إذا كان لا يحسن التلبية - انتهى. وقال ابن حزم في المحلى (ج٧: ص٢٧٦) : ونستحب الحج بالصبي وإن كان صغيرًا جدًا أو كبيرًا وله أجر وحج وهو تطوع وللذي يحج به أجر، وكذلك ينبغي أن يدربوا ويعلموا الشراع من الصلاة والصوم إذا أطاقوا ذلك - انتهى. وقال الباجي: الصبيان على ضربين: ضرب يفهم ما يؤمر به، وضرب يصغر عن ذلك فلا يفهم ما يؤمر به ولا ينتهي عما نهي عنه. فأما الأول فروى ابن المواز وابن وهب عن مالك لا يحج بالرضيع، وأما ابن أربع سنين وخمس فنعم. وهذا إنما هو على الاستحباب، فإن أحرم به وألزم الإحرام لزمه، وإن كان صغيرًا جدًا لا يفهم - انتهى. وقال الأبي في الإكمال: اختلف قول مالك في الحج بالرضيع ومن لا يفهم، وحمل أصحابنا قوله بالمنع على الكراهة، وفي المدونة: يحج بالصبي وإن لم يبلغ أن يتكلم، وفي كتاب محمد: لا يحج بالرضيع، وأما ابن أربع فنعم اللخمي، ولا أرى أن يحج إلا بمن يعقل القربة، وأما الرضيع فهو كالبهيمة، قال وعلى هذا فلا يحج بالمجنون - انتهى. وقال ابن رشد في البداية (ج١: ص٢٥٢) : اختلف أصحاب مالك في صحة

стр. 3817

.............................................................................................. ــ وقوعه من الطفل الرضيع وينبغي أن لا يختلف في صحة وقوعه ممن يصح وقوع الصلاة منه، وهو كما قال ﵊ من السبع إلى العشر - انتهى. الثاني: هل ينعقد حجه أم لا؟ قال النووي: في الحديث حجة للشافعي، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء: أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزئه عن حجة الإسلام، بل يقع تطوعًا. وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه، قال أصحابه وإنما فعلوه تمرينًا له ليعتاده فيفعله إذا بلغ. قال: وإنما خلاف أبي حنيفة في أنه هل ينعقد حجه ويجري عليه أحكام الحج ويجب فيه الفدية ودم الجبران وسائر أحكام البالغ، فأبو حنيفة يمنع ذلك كله ويقول: إنما يجنب ذلك تمرينًا على التعليم، والجمهور يقولون يجري عليه أحكام الحج في ذلك وحجه منعقد يقع نقلاً - انتهى. قلت: هكذا نقل غير واحد من شراح الحديث وأصحاب كتب الفقه الجامع مذهب الحنفية في ذلك، منهم الحافظ في الفتح، وابن قدامة في المغني (ج٣: ص٢٥٢) ، وابن رشد في البداية (ج١: ص٢٥٣) قال الحافظ: قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ إلا أنه إذا حج به كان له تطوعًا عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء من محظورات الإحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب - انتهى. والذي يظهر من كتب الفقه الحنفي المعتبرة أن قول أبي حنيفة مثل قول الجمهور يعني أن الصبي ينعقد نقلاً، وإنما خلافه في وجوب الفدية والكفارات، ففي المبسوط: الصبي لو أحرم بنفسه وهو يعقل أو أحرم عنه أبوه صار محرمًا - انتهى. وفي العالمكيرية: لو أن الصبي حج قبل البلوغ لا يكون من حجة الإسلام ويكون تطوعًا - انتهى. وقال في الدر المختار: لو أحرم صبي عاقل أو أحرم عنه أبوه صار محرمًا وينبغي أن يجرده قبله ويلبسه إزارًا ورداءً، وقال القاري: في شرح اللباب ينعقد إحرام الصبي المميز للنفل لا للفرض ويصح أداءه بنفسه ولا يصح من غيره في الأداء ولا الإحرام بل يصحان من وليه له نيابة، وهذا كله مبني على انعقاده نفلاً. لكن في شرح المجمع: وعندنا إذا أهل الصبي أو وليه لم ينعقد فرضًا ولا نفلاً. وفي الهداية ما يدل على انعقاده نفلاً، ثم قال صاحب الهداية: واختلف المتأخرون فمنع بعضهم انعقاده أصلاً، وقيل ينعقد ويكون حج تمرين واعتياد - انتهى. ويمكن الجمع بأنه لا ينعقد انعقادًا ملزمًا وينعقد نقلاً غير ملزم لأنه غير مكلف ويتفرع عليه لو أنه لم يفعل شيًا من المأمورات أو ارتكب شيئًا من المحظورات لا يجب عليه شيء من القضاء والكفارات ويقوي ما ذكرنا في اختلاف المسائل: اختلفوا في حج الصبي، قال أبو حنيفة: لا يصح منه. قال يحيى بن محمد: معنى قول أبي حنيفة ((لا يصح منه)) على ما ذكره أصحابه: أنه لا يصح صحة يتعلق بها وجوب الكفارات، لا أنه يخرجه من ثواب الحج، وكذا يؤيد ما قلنا ما في الغاية من أن اعتكاف الصبي وصومه وحجه صحيح شرعي بلا خلاف - انتهى. ما في شرح اللباب، وقد صرح بانعقاد حجه نقلاً صاحب الهداية والغنية وابن نجيم، وابن عابدين، وغيرهم أيضًا. وقال الطحاوي: أخبر رسول الله ﷺ في هذا الحديث، أي الحديث الذي نحن في شرحه أن

стр. 3818

.............................................................................................. ــ للصبي حجًا وهذا مما قد أجمع الناس جميعًا عليه ولم يختلفوا أن للصبي حجًا كما أن له صلاة - انتهى. وقد تبين مما ذكرنا أن حج الصبي يصح وينعقد نفلاً عند الحنفية أيضًا وأن خلافهم إنما هو في وجوب القضاء والكفارات، الثالث: هل يجب عليه الجزاء والفدية والكفارة والقضاء أم لا؟ وقد تقدم في كلام النووي من مذهب الجمهور وجوب ذلك خلافًا لأبي حنيفة. وقال الزرقاني: في حديث انعقاد حج الصبي وصحة وقوعه نفلاً وأنه مثاب عليه فيجتنب ما يجتنبه الكبير مما يمنعه الإحرام ويلزمه من الفدية والهدي ما يلزمه، وبه قال الأئمة الثلاثة والجمهور خلافًا لأبي حنيفة. وقال ابن عبد البر: قال مالك: ما أصاب الصبي من صيد أو لباس أو طيب فدى عنه، وبذلك قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا جزاء عليه ولا فدية - انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج٢: ص٢٨١) : وفي ذلك دليل على أن حجه إذا فسد أو دخله نقص فإن جبرانه واجب عليه كالكبير، وإن اصطاد صيدًا لزمه الفداء كما يلزم الكبير. وفي وجوب هذه الغرامات عليه في ماله كما يلزمه لو أتلف مالاً لإنسان فيكون غرمه في ماله أو وجوبها على وليه إذ كان هو الحامل له على الحج والنائب عنه وفي ذلك نظر وفيه اختلاف بين الفقهاء - انتهى. قلت: في وجوب الكفارة والجزاء والقضاء عند أتباع الأئمة الثلاثة تفاصيل، اختلفوا فيها وأسقط بعهم في بعض الصور الكفارة والقضاء، وهي مبسوطة في كتب فروعهم، من شاء الوقوف عليها رجع إلى المغني لابن قدامة (ج٢: ص٢٥٥) ، ومناسك الحج والمجموع للنووي، والدسوقي على الشرح الكبير للدردير المالكي. وقال في شرح اللباب من فروع الحنفية: ولو أفسد أي الصبي نسكه أو ترك شيئًا من أركانه وواجباته لا جزاء عليه ولا قضاء حيث شروعه ليس بملزم له لأنه غيره مكلف في فعله - انتهى. وقد وافق ابن حزم الحنفية في ذلك حيث قال في المحلى (ج٧: ص٢٧٦، ٢٧٧) : وإذا الصبي قد رفع عنه القلم فلا جزاء عليه في صيد إن قتله في الحرم أو في إحرامه ولا في حلق رأسه لأذى به عن تمتعه ولا لإحصاره لأنه غير مخاطب بشيء من ذلك ولو لزمه هدى للزمه أن يعوض منه الصيام وهو في المتعة وحلق الرأس وجزاء الصيد وهم لا يقولون بذلك. هذا ولا يفسد حجه بشيء مما ذكرنا إنما هو ما عمل، أو عمل به أجر وما لم يعمل فلا إثم عليه - انتهى. قلت: واستدل الحنفية بالحديث المشهور بين الفقهاء وأئمة الحديث ((رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ)) الحديث أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، وابن حبان من حديث عائشة. وأحمد وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، والحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان من حديث علي. والطبراني بسنده عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ : ثوبان، ومالك بن شداد وغيرهما. قال الحافظ: الرفع مجاز عن عدم التكليف لأنه يكتب لهم فعل الخير قاله ابن حبان: قلت: والراجح عندنا هو ما ذهب إليه الحنفية وابن حزم، لأنه لا نص لمن ذهب إلى خلاف ذلك ولا حجة لهم فيما قالوه، هذا ما عندي والعلم عند الله تعالى. والرابع: هل يثاب الصبي على حسناته من الصلاة والصوم

стр. 3819

.............................................................................................. ــ والحج وغيرها؟ قال العيني: استدل بالحديث بعضهم على أن الصبي يثاب على طاعته ويكتب له حسناته وهو قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب فيما حكاه المحب الطبري وحكاه النووي في شرح مسلم عن مالك، والشافعي، وأحمد والجمهور - انتهى. وقال الخطابي: إنما كان للصبي الحج من ناحية الفضيلة من دون أن يكون محسوبًا عن فرضه لو بقي حتى يبلغ ويدرك مدرك الرجال، وهذا كالصلاة يؤمر بها إذا أطاقها وهي غير واجبة عليه وجوب فرض، ولكن يكتب له أجرها تفضلاً من الله، ويكتب لمن يأمره بها ويرشده إليها أجر. فإذا كان له حج فقد علم أن من سنته أن يوقف به في الموقف ويطاف به حول البيت محمولاًً إن لم يطق المشي، وكذلك السعي بين الصفا والمروة ونحوه من أعمال الحج - انتهى. وقال الطبري: قد قال كثير من أهل العلم إن الصبي يثاب على طاعته وتكتب له حسناته دون سيئاته، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وقد تقدم ما يدل عليه في باب تسمية الحج جهادًا، وهو قوله ﷺ : جهاد الكبير والصغير والمرأة: الحج والعمرة. أخرجه النسائي. قال: ففيه دلالة على أن ثواب عبادة الصغير لنفسه، ثم إن كان الصبي يعقل عقل مثله أحرم بنفسه، وإن لم يعقل أحرم عنه. وفي التمهيد: قال أبو عمر: فإن قيل: فما معنى الحج بالصغير وهو عندكم غير مجزئ عنه من حجة الإسلام وليس ممن تجري الأقلام له وعليه؟ قيل: أما جري القلم له بالعمل الصالح فغير منكر أن تكتب للصبي درجة وحسنة في الآخرة بصلاته وزكاته وحجه وسائر أعمال البر التي يعملها على سنتها تفضلاً من الله كما تفضل على الميت بأن يؤجر لصدقة الحي عنه ويلحقه ثواب ما لم يقصده ولم يعمله مثل الدعاء والصلاة عليه ونحو ذلك. ألا ترى أنهم أجمعوا على أن الصبي إذا عقل الصلاة يصلي، وقد صلى رسول الله ﷺ بأنس واليتيم معه وأكثر السلف على إيجاب الزكاة في أموال اليتامى ويستحيل أن لا يؤجروا على ذلك، وللذي يقوم بذلك عنهم أجر كما للذي يحجهم أجر فضلاً من الله ونعمة، فلا شيء يحرم الصغير التعرض لفضل الله، وقد روي عن عمر بن الخطاب معنى ما ذكرنا، ولا مخالف له أعلمه ممن يجب إتباع قوله، ثم ذكر بسنده إلى عمر قال: تكتب للصغير حسناته ولا تكتب عليه سيئاته - انتهى. وقال ابن حزم في المحلى (ج٧: ص٢٧٦) : والله تعالى يتفضل بأن يأجرهم ولا يكتب عليهم إثمًا حتى يبلغوا، فإن قيل: لا نية للصبي، قلنا: نعم ولا تلزمه، إنما تلزم النية المخاطب المأمور المكلف والصبي ليس مخاطبًا ولا مكلفًا، وإنما أجره تفضل من الله تعالى مجرد عليه كما يتفضل على الميت بعد موته ولا نية له ولا عمل بأن يأجره بدعاء ابنه له بعد موته وبما يعمله غيره عنه من حج أو صيام أو صدقة ولا فرق، ويفعل الله ما يشاء - انتهى. وفي شرح اللباب: اتفقت الأئمة الأربعة على أن الصبي يثاب على طاعته وتكتب له حسناته سواء كان مميزًا أو غير مميز، لكن اختلف أصحابنا هل تكون حسناته له دون أبويه أو يكون الأجر لوالديه من غير أن ينقص من أجر الولد شيء؟ ففي قاضي خان: قال أبو بكر الإسكاف: حسناته تكون له دون أبويه، وإنما يكون للوالد من ذلك

стр. 3820

.............................................................................................. ــ أجر التعليم والإرشاد إذا فعل ذلك. وفي الغاية: أن اعتكاف الصبي وصومه وحجه صحيح شرعي بلا خلاف وأجره له دون أبويه - انتهى. وقال بعضهم: تكون حسناته لأبويه أيضًا بناء على التسبب، والأحاديث تدل عليه فقد روي عن أنس أنه قال: من جملة ما ينتفع به المرء بعد موته إن ترك ولدًا تعلم القرآن والعلم فيكون لوالده أجر ذلك من غير أن ينقص من أجر الولد شيء - انتهى. الخامس: هل يجزئ الصبي عن حجة الإسلام، أي الحجة الفريضة؟ قال العيني: وفي أحكام ابن بزيزة: أما الصبي فاختلف القائلون بانعقاد حجه هل يجزيه عن حجة الفريضة؟ فقال داود وغيره يجزيه وقال مالك، والشافعي وغيرهما لا يجزيه، وقال ابن البر في التمهيد: اختلف العلماء أيضًا هل يجزئه عن حجة الإسلام فالذي عليه فقهاء الأمصار الذين قدمنا ذكرهم في هذا الباب أن ذلك لا يجزيه، وذكر أبو جعفر الطحاوي في معاني الآثار حديث الباب ثم قال: فذهب قوم إلى أن الصبي إذا حج قبل بلوغه أجزأه عن حجة الإسلام، واحتجوا بهذا الحديث وخالفهم آخرون فقالوا: لا يجزيه عن حجة الإسلام، وعليه بعد بلوغه حجة أخرى، وكان لهم من الحجة على أهل المقالة الأولى أن في هذا الحديث أن للصبي حجًا، وهذا مما قد أجمع الناس عليه، ولم يختلفوا في أن للصبي حجًا وليس ذلك عليه بفريضة ومن جهة القياس فكما له صلاة وليست بفريضة فكذلك قد يجوز أن يكون له حج وليس بفريضة، وإنما هذا الحديث حجة على من زعم أنه لا حج له، وأما من يقول إن له حجًا وأنه غير فريضة فلم يخالف شيئًا من هذا الحديث، وهذا ابن عباس هو الذي روى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ، ثم قد صرف حج الصبي إلى غير الفريضة ثم ذكر ابن عبد البر بسند الطحاوي قول ابن عباس بلفظ: أيما غلام حج به أهله فمات فقد قضى حجة الإسلام وإن أدرك فعليه الحج. قال أبو عمر: على هذا جماعة فقهاء الأمصار وأئمة الأثر. وقال الشوكاني: وشذ بعضهم فقال: إذا حج الصبي أجزاه ذلك عن حجة الإسلام لظاهر قوله ﷺ : ((نعم)) في جواب قوله: ((ألهذا حج؟)) وقال الطحاوي: لا حجة في قوله ﷺ : ((نعم)) على أنه يجزيه عن حجة الإسلام بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له. قال لأن ابن عباس راوى الحديث قال أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى، ثم ساقه بإسناد صحيح وقد أخرج هذا الحديث مرفوعًا الحاكم (ج١: ص٤٨١) وقال: صحيح على شرطهما، والبيهقي (ج٥: ص١٥٦) ، وابن حزم (ج٧: ص٤٤) وصححه. وقال ابن خزيمة: الصحيح موقوف، وأخرجه كذلك، قال البيهقي: تفرد برفعه محمد بن المنهال. ورواه الثوري عن شعبة موقوفًا ولكنه قد تابع محمد بن المنهال على رفعه الحارث بن شريح، أخرجه كذلك الإسماعيلي والخطيب، ويؤيد صحة رفعه ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس: قال احفظوا عني ولا تقولوا. قال ابن عباس فذكره. وهو ظاهر في الرفع وقد أخرج ابن عدي من حديث جابر بلفظ ((لو حج صغير حجة لكان عليه حجة أخرى)) ومثل هذا حديث محمد بن كعب القرظي عن النبي ﷺ ، قال: أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن
следующие страницы →