Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
رَوَاهُ أَبُو دَاود، والتِرْمذي وهذَا لفْظُه.
ــ
رابعًا وهو إن فعل ذلك استهزاء بآيات الله ومناقضة لما جاءت به فإن الله أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وشفاء لما في الصدور ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا وإنه لتذكرة للمتقين ولم ينزل القرآن ليتخذ حجبًا وتمائم ولا ليتلاعب به المتأكلون به الذين يشترون به ثمنًا قليلاً والذين يقرؤنه على المقابر وأمثال ذلك مما ذهب بحرمة القرآن وجرأ رؤساء المسلمين على ترك الحكم به. وأجاب هؤلاء عن حديث عبد الله بن عمرو أولاً بأنه ضعيف وإن حسنه الترمذي، وصححه الحاكم وذلك لأن في سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. وثانيًا بأنه لو فرضنا صحته فليس فيه أيضًا حجة لأنه ليس فيه الرسول ﷺ رأى ذلك وأقره. وثالثًا بأنه عمل فردي من عبد الله بن عمرو لا يترك به حديث رسول الله ﷺ وعمل كبار الصحابة الذين لم يعملوا مثل عبد الله بن عمرو ﵃، قال الوشاكاني في تحفة الذاكرين (ص ٨٩) في شرح حديث عبد الله بن عمرو هذا: قد ورد ما يدل على عدم جواز التمائم فلا تقوم بفعل عبد الله بن عمرو حجة - انتهى. ورابعًا: بأن غاية ما يدل عليه فعل عبد الله بن عمرو الصحابي هو جواز تعليق التمائم على الصغار الذين لا يعقلون ولا يقدرون على حفظ كلمات التميمة والذين ذهبوا إلى جواز التعليق أباحوه مطلقًا، أي لم يخصوه بالصغار بل توسعوا فيه عملاً للكبار والرجال والنساء حتى الكفرة الفجرة والفسقة أيضًا ولا يخفى ما في ذلك من القبائح. قال العلامة الشيخ أبو الطيب صديق بن حسن القنوجي البوفالي في ((الدين الخالص)) بعد نقل الوجوه الثلاثة المذكورة في فتح المجيد ما لفظه: الوجه الثالث لمنع التعليق ضعيف جدًا لأنه لا مانع من نزع التمائم عند قضاء الحاجة ونحوها لساعة ثم يعلقها، والراجح في الباب أن ترك التعليق أفضل في كل حال بالنسبة إلى التعليق الذي جوزه بعض أهل العلم بناء على أن يكون بما ثبت لا بما لم يثبت لأن التقوى له مراتب وكذا الإخلاص وفوق كل رتبة في الدين رتبة أخرى والمحصلون لها أقل ولهذا ورد في الحديث في حق السبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب أنهم هم الذين لا يرقون ولا يسترقون مع أن الرقى جائزة وردت بها الأخبار والآثار والله أعلم بالصواب. والمتقي من يترك ما ليس به بأس خوفًا مما به بأس - انتهى. كلامه. قلت: والأحوط عندي هو ترك التعليق وجوبًا لا ندبًا فقط سدًا للباب وقطعًا للذريعة والله تعالى أعلم (رواه أبو داود) في الطب، (والترمذي) في الدعوات، (وهذا) أي المذكور (لفظه) ، أي لفظ الترمذي فرواه أبو داود بمعناه وكذا ابن أبي شيبة، وأحمد (ج٢: ص١٨١) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عبد البر في التمهيد، وابن السني (ص٢٣٩) ، والحاكم (ج١: ص٥٤٨) وليس عنده تخصيصها بالنوم رواه جميعهم من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقد سكت عنه أبو داود وحسنه الترمذي. وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي (ج: ص٣٦٦) : وفي إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه وعلى عمرو بن شعيب - انتهى. قلت: الحديث المرفوع روي أيضًا من غير طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فقد روى أحمد (ج٤: ص٥٧، وج٦: ص٦) ، وابن السني (ص٢٠٦) ، والنسائي في اليوم والليلة من حديث
стр. 3747
٢٥٠٢- (٢٢) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَتْ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ اسْتَجَارَ مِنْ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ النَّارِ. رَوَاهُ التِرْمذي،
ــ
محمد بن يحيى بن حبان عن الوليد بن الوليد أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة، قال: إذا أخذت مضجعك فقل. فذكر مثله وهذا منقطع. محمد لم يسمع من الوليد، وروى أيضًا النسائي، وابن السني، وابن عبد البر في التمهيد من طريق محمد بن يحيى بن حبان: أن خالد بن الوليد الحديث. وهذا أيضًا مرسل، وروى ابن السني (ص٢٣٦، ٢٣٧) من طريق سفيان عن محمد بن المنكدر قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فشكا إليه أهاويل يراها في النوم فقال: إذا أويت إلى فراشك فقل فذكر مثله. وهذا أيضًا مرسل، وقال مالك في الموطأ بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله ﷺ : إني أروع في منامي، فقال له رسول الله ﷺ قل. فذكر مثله. وروى الطبراني في الأوسط عن أبي أمامة قال: حدث خالد بن الوليد رسول الله ﷺ عن أهاويل يراها بالليل حالت بينه وبين صلاة الليل فقال رسول الله ﷺ : يا خالد ألا أعلمك كلمات تقولهن الحديث. وهذه الطرق يشد بعضها بعضًا وتدل بمجموعها على أن للحديث أصلاً قويًا والله أعلم. وأما اختلاف الروايات في أن القصة للوليد بن الوليد أو لأخيه خالد أو لرجل منهم فيدفع بأن القصة وقعت لهما جميعًا.
٢٥٠٢- قوله (من سأل الله الجنة) ، أي دخولها بصدق وإيقان وحسن نية بأن قال: اللهم إني أسالك الجنة أو قال اللهم أدخلني الجنة (ثلاث مرات) ، أي كرره في مجالس أو في مجلس بطريق الإلحاح على ما ثبت أنه من آداب الدعاء (قالت الجنة) ببيان الحال أو بلسان القال لقدرته تعالى على إنطاق الجمادات وهو الظاهر، وقيل: المراد أهل الجنة من الحور والولدان أو خزنتها (اللهم أدخله الجنة) ، أي دخولاً أوليًا أو لحوقًا آخريًا (ومن استجار) ، أي استحفظ (من النار) بأن قال اللهم أجرني من النار (قالت النار اللهم أجره) ، أي احفظه أو أنقذه (من النار) ، أي من دخوله أو خلوده فيها. قال الطيبي: وفي وضع الجنة والنار موضع ضمير المتكلم تجريد ونوع من الالتفات، ثم قال وقول الجنة والنار يجوز أن يكون حقيقة ولا بعد فيه كما في قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ (٥٠: ٣٠) ويجوز أن يكون استعارة شبه استحقاق العبد بوعد الله ووعيده بالجنة والنار في تحققهما وثبوتهما بنطق الناطق كأن الجنة مشتاقة إليه سائلة داعية دخوله والنار نافرة منه داعية له بالبعد منها، فأطلق القول وأراد التحقق والثبوت، ويجوز أن يقدر مضاف، أي قال خزنتهما فالقول إذًا حقيقي. قال القاري: لكن الإسناد مجازي. قال ابن حجر: الحمل على لسان الحال وتقدير المضاف مخالف للقواعد المقررة أن كل ما ورد في الكتاب والسنة ولم يحل العقل حمله على ظاهره لم يصرف عنه إلا بدليل، ونطق الجمادات بالعرف واقع كتسبيح الحصى في يده ﷺ وحنين الجذع وغيره - انتهى. قلت: حمل القول على الحقيقة هو الظاهر الراجح ولا وجه للعدول عنه. وفي الحديث حث على كثرة سؤال الجنة والتعوذ من النار. (رواه الترمذي) .
стр. 3748
والنِسَائِّي.
(الفصل الثالث)
٢٥٠٣- (٢٣) وَعَنْ الْقَعْقَاعِ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا
ــ
في أواخر صفة الجنة، (والنسائي) في الاستعاذة وفي اليوم والليلة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص١١٧، ١٤١، ١٥٥، ٢٦٢) ، وابن ماجة في آخر سننه، وابن حبان في كتاب الأدعية من صحيحه، والحاكم (ج١: ص٥٣٤، ٥٣٥) ، والبغوي (ج٥: ص١٦٥) والحديث رجال إسناده ثقات. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
٢٥٠٣- قوله (عن القعقاع) بقافين وعينين مهملتين أولاهما ساكنة، وابن حكيم الكناني المدني تابعي ثقة وثقه يحيى ابن سعيد، وأحمد، وابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات (أن كعب الأحبار) تقدم (ج١: ص٣٥٤) (لولا كلمات أقولهن) ، أي أدعو بهن (لجعلتني يهود) ، يمنع الصرف للعملية ووزن الفعل، أي من السحر (حمارًا) ، أي بليدًا أو ذليلاً والمعنى أنهم سحرة وقد أغضبهم إسلامي فلولا استعاذتي بالكلمات الآتية لتمكنوا مني وغلبوا علي وجعلوني بليدًا وأذلوني كالحمار فإنه مثل في الذلة. قال الباجي: يحتمل أن يريد - والله أعلم - لبلدتني وأضلتني عن رشدي حتى أكون كالحمار الذي لا يفقه شيئًا وبه يضرب المثل في البلادة - انتهى. وقال الطيبي: لعله أراد أن اليهود سحرته ولولا استعاذتي بهذه الكلمات لتمكنوا من أن يقلبوا حقيقتي لبغضهم إياي من حيث أني أسلمت أو لتمكنوا من إذلالي وتوهيني كالحمار فإنه مثل في الذلة قال القاري: وفيه أن قلب الحقائق ليس إلا لله كما قال تعالى: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٢: ٦٥) وقال ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢٠: ٦٦) فهذا يدل على غاية سحرهم الذي أجمع عليه كيد السحرة في زمان فرعون الطامعين على مال فرعون وجاهه فلو كان في قدرتهم شيء أزيد من هذا لفعلوه في حق موسى ﵊ فإذا لم يقدروا في حقه فكيف يجوز أن يقدروا على سيد الخلق أن يقلبوا حقيقته. ولذا قال البيضاوي: والمراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس فإن التناسب شرط في التضام والتعاون وبهذا تميز الساحر عن النبي والولي، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية فتسميته سحرًا على التجوز - انتهى. فإذا كان ليس للشيطان أن يجعل نفسه حمارًا حقيقة فضلاً عن غيره فكيف للمتوسل إلى قربه أن يقلب الحقيقة. وأما قول صاحب المدارك: وللسحر حقيقة عند أهل السنة - كثرهم الله تعالى - وتخييل وتمويه عند المعتزلة - خذلهم الله - فمعناه أن السحر ثابت وحق لا أنه خيال فاسد كرؤية الأحوال شيئًا واحدًا شيئين وكتخيل الأشياء عند خلل الدماغ وحصول الأفكار الفاسدة لما يدل عليه الكتاب والسنة من قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٢: ١٠٢) وقوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (٢: ١٠٢) ، أي علم السحر الذي يكون سببًا في التفريق بين الزوجين بأن يحدث الله عنده النشور والخلاف، وقوله : ﴿وَمِن
стр. 3749
فَقِيلَ لَهُ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ.
ــ
شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (١١٣: ٤) كما هو مشهور في سحر اليهود له ﵊ وبهذا يتبين قول البغوي. والصحيح أن السحر عبارة عن التمويه والتخييل، والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة وعليه أكثر الأمم، حكي عن الشافعي أنه قال إن السحر يخبل ويمرض وقد يقتل حتى أوجب القصاص على من قتل به، وقيل إنه يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الآدمي على صورة حمار ويجعل الحمار على صورة الكلب والأصح أنه تخييل. قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢٠: ٦٦) لكنه يؤثر في الأبدان بالأمراض والموت والجنون - انتهى. ومما يدل على بطلان قلب الحقائق بعد إجماع أهل السنة والمعتزلة على خلافه أنه لم يقع مثل هذا أبدًا في الكون. ويدل على بطلانه النقل والعقل، ومما يذكر من بعض الحكايات لإثبات ذلك فهي مجرد حكاية فاسدة مما يستمرها الناس ويحكونها في بيوت القهوة وتجوز في عقول النساء وبعض الرجال ممن سخف عقله وسخف قلبه. انتهى كلام القاري بحذف واختصار يسير وارجع لمزيد الكلام في ذلك إلى تفسير سورة الفلق لابن القيم (فقيل له) ، أي لكعب (ما هن؟) ، أي تلك الكلمات (أعوذ بوجه الله) قال الباجي: قال القاضي أبو بكر: هو صفة من صفات الباري أمر ﷺ أن يتعوذ بها. وقال أبو الحسن المحاربي معناه: أعوذ بالله - انتهى. وقال الحافظ تحت ترجمة البخاري في صحيحه باب قول الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ (٢٨: ٨٨) قال ابن بطال: فيه دلالة على أن الله تعالى وجهًا من صفة ذاته وليس بجارحة ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين كما نقول: أنه عالم ولا نقول إنه كالعلماء إلى آخر ما بسطه (العظيم الذي ليس شيء أعظم منه) ، أي ولا مساويًا لعظمته ولا قريبًا منها بل ولا عظمة لغيره لأن الكل عبيده ثم يحتمل أن يكون الموصول صفة للمضاف أو المضاف إليه والمؤدى واحد قاله القاري: (وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن) ، أي لا يتعداهن (بر) بفتح الموحدة وتشديد الراء، أي تقي (ولا فاجر) ، أي مائل عن الحق وإعادة لا لزيادة التأكيد، أي لا ينتهي علم أحد إلى ما يزيد عليها. قال الطيبي: قوله ((لا يجاوزهن)) إلخ يشعر بأن المراد بالكلمات علم الله الذي ينفد البحر قبل نفاده وأراد بقوله ((بر ولا فاجر)) الاستيعاب كما في قوله تعالى: ﴿لَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٦: ٥٩) فإن تكرير حرف التأكيد للاستيعاب أو المراد بالكلمات القرآن لأن أحدًا من البر والفاجر لا يخرج عن وعده ووعيده بالثواب والعقاب (وبأسماء الله الحسنى) مؤنث الأحسن، وفي الموطأ بعده ((كلها)) قال الباجي: يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٧: ١٨٠) (مَا عَلِمْتُ منها) ، أي من الأسماء الحسنى (وما لم أعلم) ، أي منها ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ، أي أنشأ وقدر (وذرأ) بالهمز، أي بث ونشر (وبرأ) ، أي أوجد الخلق مبرأ عن التفاوت فخلق كل عضو على
стр. 3750
رَوَاهُ مَالِك.
٢٥٠٤- (٢٤) عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: عَنْكَ. قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ النِسَائِّي، والتِرْمذي.
ــ
ما ينبغي ووضعه في موضعه. قال تعالى: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ (٦٧: ٣) قال الزرقاني: قيل هما بمعنى خلق فذكرها لإفادة اتحاد معناهما، وقيل البرأ والذرأ يكون طبقة وجيلاً بعد جيل والخلق لا يلزم فيه ذلك (رواه مالك) في باب ما يؤمر به من التعوذ من كتاب الجامع ولم أجده عند غيره.
٢٥٠٤- قوله: (وعن مسلم بن أبي بكرة) بن الحارث الثقفي البصري صدوق من أوساط التابعين وثقه ابن حبان والعجلي، مات في حدود سنة تسعين (كان أبي) أي: أبو بكرة واسمه نفيع بن الحارث تقدم ترجمته (يقول في دبر الصلاة) أي: المكتوبة أو جنس الصلاة وهو يحتمل أن يكون آخرها وعقبها قبل السلام أو بعده وهو الأظهر قاله القاري. قلت: وقع عند النسائي، وأحمد في رواية بلفظ: ((في دبر كل صلاة)) أي: مكتوبة أو أعم من أن تكون فريضة أو نافلة والظاهر هو الأول وعليه حمله النسائي حيث ترجم لهذا الحديث باب التعوذ في دبر الصلاة وذكره أثناء أبواب ما يقول بعد تسليم الإمام (اللهم إني أعوذ بك من الكفر) أي: من أنواعه (والفقر) أي: الفقر الذي لا يصحبه خير ولا روع، ولذا ورد ((كاد الفقر أن يكون كفرًا)) رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عن أنس مرفوعًا وهو حديث ضعيف فيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف متروك، قال الصغاني: وصح من قول أبي سعيد ومعناه أي: قارب أن يوقع في الكفر لأنه يحمل على عدم الرضاء بالقضاء وتسخط الرزق وذلك يجر إلى الكفر والعياذ بالله، وقال القاري: أي من فتنة الفقر أو فقر القلب المؤدي إلى كفران النعمة وفي اقترانه بالكفر إشارة إلى ما ورد كاد الفقر أن يكون كفرًا حيث لم يكن راضيًا بما قسم الله له وشاكرًا لما أنعم عليه وللترمذي، والحاكم: ((أعوذ بك من الهم والكسل)) بدل قوله: ((أعوذ بك من الكفر والفقر)) (أي بنُيّ) بضم الموحدة وفتح الياء المشددة والتصغير للشفقة (عمن أخذت هذا) أي هذا الدعاء وفيه إيماء إلى أن الأليق للسالك أن يدعوا بالدعوات المأثورة (قلت عنك) أي أخذته، وفيه تنبيه على أفضلية الإجازة في الأذكار والدعوات (قال) أي تنبيهًا له تحصيل السند إلى رسول الله ﷺ ، وزاد في رواية لأحمد والنسائي ((فالزمهن)) أي حاف على قراءة هذه الكلمات (إن رسول الله ﷺ كان يقولهن في دبر الصلاة) في القاموس الدبر بالضم وبضمتين نقيض القبل ومن كل شيء عقبه ومؤخره. (رواه النسائي) في الصلاة، وفي الاستعاذة، (والترمذي) في الدعوات، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٥٣٣) ، وابن أبي شيبة، وابن السني (ص٣٩) . وقال الترمذي: هذا حديث
стр. 3751
إِلا أنَّه ((في دُبُرِ الصَّلَاة)) وَرَوَى أَحْمَد لَفْظ الحَدِيث عِنْدَهُ: ((في دُبُرِ كُلِّ صَلاة)) .
٢٥٠٥- (٢٥) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْدِلُ الْكُفْرِ بالدَّيْنَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَفي رِوَايةٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ. قَالَ رَجُلٌ: وَيَعْدِلَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ النِسَائِّي.
(٩) باب جمع الدعاء
(الفصل الأول)
ــ
حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي (إلا أنه) أي الترمذي (لم يذكر ((في دبر الصلاة)) وروي أحمد لفظ الحديث وعنده ((في دبر الصلاة)) ) قلت روى الإمام أحمد هذا حديث ثلاث مرات الأولى: (ج٥: ص٣٦) بدون ذكر دبر الصلاة وبدون القصة، والثانية: (ج٥: ٣٩) مع ذكر دبر كل الصلاة، والثالثة: (ج٥: ص٤٤) مع ذكر القصة ودبر كل الصلاة.
٢٥٠٥ - قوله (أتعدل الكفر) أي تساويه وتقارنه (بالدين؟ قال: نعم) قال السندي: أراد الرجل أن قرانهما في الذكر يقتضي قوة المناسبة بينهما في المضرة بحيث أن كلا منهما يساوي الآخر فهل الدين بلغ هذا المبلغ حتى استحق أن يجعل عديلاً للكفر ويذكر قرينًا معه في الذكر فأجاب بأنه كذلك كيف وهو يمنع دخول الجنة كالكفر نعم هو دائمي ومنع الدين إلى غاية الأداء والله تعالى أعلم. (وفي رواية ((اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر)) قال) وفي النسائي ((فقال)) وهكذا في بعض النسخ للمشكاة (رجل: ويعدلان؟) بصيغة المجهول أو المعلوم أي: يعدل أحدهما بالآخر أي: يستويان (قال: نعم) أي نعم المديون يساوي الكافر المنافق لأن الرجل إذا غلب عليه الدين حدث فكذب ووعد فأخلف وتلك من صفات المنافقين وعلامات النفاق، والفقير أيضًا إذا لم يصبر كاد يفضى فقره إلى كفره فهو أسوأ حالاً من المديون (رواه النسائي) الرواية الأولى في باب الاستعاذة من الدين، والثانية في باب الاستعاذة من شر الكفر، وكذا أخرج الروايتين ابن حبان كما في موارد الظمآن (ص٦٠٤، ٦٠٥) ، وأخرج الحاكم الرواية الأولى فقط (ج١: ص٥٣٢) وقال: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قلت: في سنده عندهم دراج أبو السمح رواه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد وثقه ابن معين وضعفه الدارقطني. وقال أبو داود: حديثه مستقيم إلا عن أبي الهيثم. وقال أحمد: أحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف، وقال في التقريب: صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف.
(باب جامع الدعاء) هو من إضافة الصفة إلى الموصوف أي: الدعاء الجامع لمعان كثيرة في ألفاظ قليلة.
стр. 3752
٢٥٠٦- (١) عن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي
ــ
٢٥٠٦- قوله: (أنه كان يدعوا بهذا الدعاء) قال الحافظ: لم أر في شيء من طرقه محل الدعاء بذلك، وقد وقع معظم أخره في حديث ابن عباس أنه ﷺ كان يقوله في صلاة الليل، ووقع أيضًا في حديث علي عند مسلم أنه كان يقوله في آخر الصلاة، واختلف الرواية هل كان يقوله قبل السلام أو بعده؟ ففي رواية لمسلم ((ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والسلام: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت)) وفي رواية له (ولأحمد، وأبي داود، والترمذي) ((وإذا سلم قال: اللهم اغفر لي ما قدمت)) إلى آخره. ويجمع بينهما بحمل الرواية الثانية على إرادة السلام لأن مخرج الطريقين واحد، وأورده ابن حبان في صحيحه بلفظ: ((كان إذا فرغ من الصلاة وسلم)) وهذا ظاهر في أنه بعد السلام، ويحتمل أنه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده وقد وقع في حديث ابن عباس نحو ذلك كما بينته عند شرحه - انتهى (اللهم اغفر لي خطيتئي) أي: سيئتي أو ذنبي قال الحافظ: الخطئية الذنب يقال خطئي يخطأ، ويجوز تسهيل الهمزة فيقال خطية بتشديد الياء (وجهلي) أي: ما صدر مني من أجل جهلي، والجهل ضد العلم، وقال القاري: ((وجهلي)) أي: فيما يجب علي علمه وعمله، وقيل: أي: ما لم أعلمه (وإسرافي) الإسراف الإفراط في كل شيء، ومجاوزة الحد فيه أي: تجاوزي عن حدي (في أمري) أي: في أموري كلها قال الكرماني: يحتمل أن يتعلق بالإسراف فقط، ويحتمل أن يتعلق بجميع ما ذكر على سبيل التنازع بين العوامل (وما أنت أعلم به مني) أي: تعلمه ولا أعلمه من المعاصي والسيئات والتقصيرات في الطاعة، وقيل: أي: مما علمته وما لم أعلمه وهو تعميم بعد تخصيص وتتميم لما يستغفر منه (اللهم اغفر لي جدي) بكسر الجيم وهو الاجتهاد في الأمر والتحقيق وضد الهزل (وهزلي) بفتح الهاء وسكون الزاي وهو المزاح أي: ما وقع مني في الحالين أو هو التكلم بالسخرية والبطلان والهذيان (وخطائي) قال في الصحاح: الخطأ نقيض الصواب وقد يمد، والخطأ الذنب، وقال في القاموس: الخطء والخطأ والخطاء ضد الصواب. والخطيئة: الذنب أو ما تعمد منه كالخطء بالكسر والخطأ ما لم يتعمد – انتهى. وقوله: خطائي كذا في جميع نسخ المشكاة والمصابيح بلفظ ضد العمد وهكذا وقع عند مسلم ووقع عند أكثر رواة البخاري ((خطاياي)) قال الحافظ: وقع في رواية الكشميهني ((خطئي)) وكذا أخرجه البخاري في الأدب المفرد بالسند الذي في الصحيح وهو مناسب لذكر العمد، ولكن جمهور الرواة على الأول والخطايا جمع خطيئة وعطف العمد عليها من عطف الخاص على العام فإن الخطيئة أعم من أن تكون عن خطأ أو عمد أو هو من عطف أحد العامين على الآخر يعني أنه اعتبر المغايرة بينهما باختلاف الوصفين. وقال العيني: عطف العمد على الخطايا إما عطف الخاص على العام باعتبار أن الخطيئة
стр. 3753
وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. متفقٌ عليه.
٢٥٠٧- (٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي
ــ
أعم من التعمد، أو عطف أحد المتقابلين الآخر بأن الخطيئة على ما وقع على سبيل الخطأ (وعمدي) ، أي وتعمدي في ذنبي، (وكل ذلك) ، أي جميع مال ذكر من الذنوب والعيوب، (عندي) ، أي موجود أو ممكن وهو كالتذييل للسابق، أي أنا متصف بجميع هذه الأشياء فاغفرها لي قاله تواضعًا وهضمًا واستكانة وشكرًا لما أعلم أنه قد غفر له أو عد ترك الأولى وفوات الكمال ذنبًا وقيل: أراد ما كان عن غفلة وسهو، وقيل: أراد ما كان قبل النبوة، وقيل: هو محض مجرد تعليم للأمة وعلى كل حال فهو ﷺ مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فدعا بهذا وغيره تواضعًا لأن الدعاء عبادة، قاله النووي وغيره (اللهم اغفر لي ما قدمت) ، أي من الذنوب والأعمال السيئة أو من التقصير في العمل قبل هذا الوقت (وما أخرت) أي: وما يقع مني بعد ذلك على الفرض والتقدير، وعبر عنه بالماضي لأن المتوقع كالمتحقق، أو معناه ما تركت من العمل، أو قلت سأفعل أو سوف أترك، وقيل: يحتمل أن يكون المراد ما قدم الفاضل وأخر الأفضل، وهذا القدر من هذا الدعاء يدخل فيه جميع ما أشتمل عليه لأن جميع ما ذكر فيه لا يخلو عن أحد الأمرين فهما شاملان لجميع ما سبق كقوله (وما أسررت) أي: أخفيت (وما أعلنت) أي: أظهرت والمقصود استيفاء المغفرة لأنواع الذنوب كلها، وقيل: المراد ما حدثت به نفسي وما تحرك به لساني (أنت المقدم) لمن تشاء من خلقك بتوفيقك إلى رحمتك (وأنت المؤخر) لمن تشاء عن ذلك، وقيل: أي: أنت المقدم بعض العباد إليك بتوفيق الطاعة أو أنت المقدم لي بالبعث في الآخرة وأنت المؤخر بخذلان بعضهم عن التوفيق فتؤخره عنك أو أنت المؤخر لي بالبعث في الدنيا أو أنت الرافع والخافض أو المعز والمذل (وأنت على كل شيء قدير) جملة مؤكدة لمعنى ما قبلها وعلى كل شيء متعلق بقدير وهو فعيل بمعنى فاعل أي: كامل القدرة، وفي الحديث الإحاطة بمغفرة جميع الذنوب متقدمها ومتأخرها وسرها وعلنها وما كان منها على جهة الإسراف وما علم به الداعي وما لم يعلم به (متفق عليه) أخرجاه في الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٣٩١ - ٤١٧) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص١٣٩، ١٤٠، ١٤١) ، والبيهقي، والبغوي وغيرهم.
٢٥٠٧- قوله: (اللهم أصلح لي) أي: عن الخطأ (ديني الذي هو عصمة أمري) بكسر العين أي: يعصمني من النار وغضب الجبار وقيل: أي: ما يعتصم به فإن العصمة في النفس والمال والعرض إنما يحصل بالدين. والعصمة على ما في الصحاح المنع والحفظ، فقيل هو مصدر ها هنا بمعنى الفاعل أي: الذي هو حافظ لأمري أي: لجميع أموري لأنه مفرد مضاف. قال المناوي: فإن من فسد دينه فسدت جميع أموره وخاب وخسر في الدنيا والآخرة (وأصلح لي دنياي التي
стр. 3754
فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ. رواه مسلم.
٢٥٠٨- (٣) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى
ــ
فيها معاشي) أي: بإعطاء الكفاف فيما يحتاج إليه وكونه حلالاً معينًا على الطاعة. وقيل: معناه احفظ من الفساد ما أحتاج إليه في الدنيا (وأصلح لي آخرتي) أي: بالتوفيق للعبادة والإخلاص في الطاعة وحسن الخاتمة (التي فيها معادي) مصدر عاد إذا رجع أي: وفقني للطاعة التي هي إصلاح معادي قاله القاري. وقال الجزري: أي: ما أعود إليه يوم القيامة وهو إما مصدر أو ظرف انتهى أي: مكان عودي أو زمان إعادتي (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير) أي: اجعل حياتي سبب زيادة الخيرات من العبادة والطاعة والإخلاص وقيل: أي: اجعل عمري مصروفًا فيما تحب وترضى وجنبني عما تكره (واجعل الموت راحة لي من كل شر) أي: من الفتن والمحن والابتلاء بالمعصية والغفلة. وقال زين العرب: أي: بأن يكون على شهادة واعتقاد حسن وتوبة حتى يكون موتي سبب خلاصي عن مشقة الدنيا والتخليص من غمومها وهمومها وحصول الراحة في العقبى. وقيل: فيه إشارة إلى قوله ﷺ : ((إذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون)) وهذا هو النقصان الذي يقابل الزيادة في القرينة السابقة. قال الشوكاني في تحفة الذاكرين (ص٢٨٤) : هذا الحديث من جوامع الكلم لشموله لصلاح الدين والدنيا، ووصف إصلاح الدين بأنه عصمة أمره لأن صلاح الدين هو رأس مال العبد وغاية ما يطلبه، ووصف إصلاح الدنيا بأنها مكان معاشه الذي لا بد منه في حياته وسأله إصلاح آخرته التي هي المرجع وحولها يدندن العباد وقد استلزم ذلك سؤال إصلاح الدين لأنه إذا أصلح دين الرجل فقد أصلح له آخرته التي هي دار معاده، وسأله أن يجعل الحياة زيادة له في كل خير لأن من زاده الله خيرًا في حياته كانت حياته صلاحًا وفلاحًا وسأله أن يجعل له الموت راحة له من كل شر لأنه إذا كان الموت دافعًا للشرور قاطعًا لها ففيه الخير الكثير للعبد ولكنه ينبغي له أن يقول: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي كما علمنا رسول الله ﷺ فإنه يشمل كل أمره ومعلوم أن من لم يكن في حياته إلا الوقوع في الشرور فالموت خير له من الحياة وراحة له من محنها - انتهى. (رواه مسلم) في الدعاء، ولم يخرجه البخاري في صحيحه فهو من أفراد مسلم، نعم أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص١٢٢) ، وأبو عوانة في الدعوات، والطبراني في الصغير (ص١٢٨) .
٢٥٠٨- قوله: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى) بالضم والقصر أي: الهداية والتقوى (والعفاف) بالفتح الكف عن المعاصي وعما لا ينبغي (والغنى) بالكسر والقصر اليسار والمراد غنى القلب لا غنى اليد. قال النووي: العفاف والعفة هو التنزه عما لا يباح والكف عنه والغنى ها هنا غنى النفس والاستغناء عن الناس وعما في أيديهم. وقال في
стр. 3755
رَوَاهُ مُسْلِم.
٢٥٠٩- (٤) وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُلْ اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ وَبالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ. رواه مسلم.
ــ
المعتصر: ليس المراد بالغنى غنى المال بل غنى النفس القاطع عن المال الذي يقطع المرء عن الطاعات ويشغل القلب عن الله تعالى فالغنى المحمود هو الغنى الذي يتفرغ به القلب عن الدنيا وعن الاهتمام بها فقد صح عنه ﷺ أنه قال: ما أحب أن لي أحدًا ذهبًا تأتي عليّ ليلة وعندي منه دينار إلا دينارًا أرصده لدين أو أقول به في عباد الله هكذا وهكذا. قال الطيبي: أطلق الهدى والتقى ليتناول كل ما ينبغي أن يهتدي إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق وكل ما يجب أن يتقى منه من الشرك والمعاصي ورذائل الأخلاق وطلب العفاف والغنى تخصيص بعد تعميم (رواه مسلم) ، في الدعاء وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٣٨٩، ٤١١، ٤١٦، ٤٢٧) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص١٢٨) ، والترمذي، وابن ماجة في الدعاء والبغوي (ج٥: ص١٧٤) .
٢٥٠٩- قوله (اللهم اهدني) ، أي إلى مصالح أمري أو ثبتني على الهداية إلى الصراط المستقيم أو دلني على الكمالات الزائدة (وسددني) ، أمر من التسديد، أي اجعلني على السداد بفتح السين المهملة وهو الاستقامة وإصابة القصد في الأمر والعدل فيه، أي وفقني واجعلني مصيبًا في جميع أموري مستقيمًا. قال الطيبي: فيه معنى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (١١: ١١٢) و ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ ، أي اهدني هداية لا أميل بها إلى طرفي الإفراط والتفريط (واذكر) عطف على قل، أي اقصد وتذكر يا علي (بالهدى) بالضم والقصر معناه الرشاد ويذكر ويؤنث (هدايتك الطريق) ، أي المستقيم (وبالسداد) بفتح السين (سداد السهم) ، وفي رواية أحمد وأبي داود تسد يدك السهم. قال النووي: سداد السهم تقويمه. وأصل السداد الاستقامة والقصد في الأمور. قال الطيبي: أمره بأن يسأل الهدى والسداد وأن يكون في ذكره مخطرًا بباله أن المطلوب هداية كهداية من ركب متن الطريق وأخذ في المنهج المستقيم، وسداد يشبه بسداد السهم نحو الغرض. وقال الخطابي في المعالم (ج٦: ص١١٦) قوله: ((واذكر بالهدى هداية الطريق)) معناه أن سالك الطريق والفلاة وإنما يؤم سمت الطريق ولا يكاد يفارق الجادة ولا يعدل عنها يمنة ويسرة خوفًا من الضلال وبذلك يصيب الهداية وينال السلامة، يقول: إذا سألت الهدى فاخطر بقلبك هداية الطريق وسل الله الهدى والاستقامة كما تتحراه في هداية الطريق إذا سلكتها، وقوله: ((واذكر بالسداد تسديدك السهم)) معناه أن الرامي إذا رمى غرضًا سدد بالسهم نحو الغرض ولم يعدل عنه يمينَا ولا شمالاً ليصيب الرمية فلا يطيش سهمه ولا يخفق سعيه يقول: فاختر المعنى بقلبك حين تسأل الله السداد ليكون ما تنويه من ذلك على شاكلة ما تستعمله في الرمي. (رواه مسلم) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٨٨، ١٣٤، ١٣٨، ١٥٤) ، وأبو داود في الخاتم، والنسائي في الزينة.
стр. 3756
٢٥١٠- (٥) وعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي ﷺ الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني.
رواه مسلم.
٢٥١١- (٦) وعن أنس قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ : اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
ــ
٢٥١٠- قوله (وعن أبي مالك الأشجعي) اسمه سعد بن طارق بن أشيم، تقدم ترجمته وترجمة أبيه في (ج٢: ص٢٢٣) (كان الرجل إذا أسلم علمه النبي ﷺ الصلاة) ، أي جنس مسائل الصلاة من شروطها وأركانها أو الصلاة تحضره فإنه فرض عينه (ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات) لكونها جامعة لجميع خيرات الدنيا والآخرة (اللهم اغفر لي) ، أي بمحو ذنوبي (وارحمني) ، أي بستر عيوبي (واهدني) ، أي إلى سبيل السلامة أو ثبتني على نهج الاستقامة (وعافني) ، أي من البلايا والخطايا (وارزقني) ، أي رزقًا حلالاً. (رواه مسلم) ، في الدعاء وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص٤٧٢) ، وروى مسلم وأحمد أيضًا (ج٣: ص٤٧٢، وج٦: ص٣٩٤) ، وابن ماجة في الدعاء من طريق يزيد بن هارون عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول الله كيف أقول حين أسأل ربي؟ قال: قل اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني، ويجمع أصابعه إلا الإبهام فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك.
٢٥١١- قوله (كان أكثر دعاء النبي ﷺ ) ، أي لكونه دعاء جامعًا ولكونه من القرآن مقتبسًا وجعل الله داعية ممدوحًا (اللهم آتنا في الدنيا) ، أي قبل الموت، وهذا لفظ البخاري في الدعوات ورواه في تفسير البقرة بلفظ ((كان النبي ﷺ يقول: اللهم ربنا آتنا في الدنيا)) . وأخرجه مسلم وغيره بلفظ ((كان أكثر دعوة يدعو بها يقول اللهم آتنا في الدنيا)) إلى آخرة. قال: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة (أي واحدة) ، دعا بها، (أي بهذه الدعوة أي اللهم آتنا في الدنيا حسنة إلى آخره) ، وإذا أراد أ، يدعو بدعاء (أي كثير طويل) دعا بها فيه (أي بهذه الدعوة في ضمن دعواته الكثيرة) وللبغوي قال: ((كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول)) (حسنة) ، أي كل ما يسمى نعمة ومنحة عظيمة وحالة مرضية (وفي الآخرة) ، أي بعد الموت (حسنة) ، أي مرتبة مستحسنة (وقنا عذاب النار) ، أي احفظنا منه وما يقرب إليه، قال الطيبي: قوله ((وقنا عذاب النار)) تنميم، أي إن صدر منا ما يوجبه من التقصير والعصيان فاعف عنا وقنا عذاب النار. قيل: المراد بالحسنة كل ما يعطاه العبد في الدنيا مما يلائم طبعه من العيشة الطيبة والغنى والعافية والمرأة الحسنة وغير ذلك مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من المباح والحلال وكذلك كل ما يعطاه في الآخرة يكون حسنة بلا واسطة أو بواسطة،
стр. 3757
متفق عليه.
ــ
وأما ما يذكر عن علي أن الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحور العين، وعذاب النار المرأة السوء، وعن الحسن البصري أنها العلم النافع والعبادة والرزق الطيب، وفي الآخرة الجنة، وعن قتادة أنها العافية في الدنيا والآخرة. وعن السدي ومقاتل أن حسنة الدنيا الرزق الحلال الواسع والعمل الصالح وحسنة الآخرة المغفرة والثوب. وعن عطية: حسنة الآخرة تيسير الحساب ودخول الجنة، وعن غيره: أن حسنة الدنيا الصحة والكفاف والعفاف في الدنيا والثواب والرحمة في الآخرة ونحو ذلك فمثال لا غير. قال القاضي عياض: إنما كان يكثر الدعاء بهذه الآية لجمعها معاني الدعاء كلها من أمر الدنيا والآخرة، قال: والحسنة عندهم ها هنا النعمة، فسأل نعيم الدنيا والآخرة، والوقاية من العذاب. وقال ابن كثير في تفسيره: جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجة حسنة، وولد بار، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل، إلى غير ذلك، مما اشتملت عليه عبارات المفسرين ولا منافاة بينها فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار والوقاية من عذابه فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام. قال الحافظ: أو العفو محضًا ومراده بقوله وتوابعه ما يلتحق به في الذكر لا ما يتبعه حقيقة - انتهى. وقال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعيم الدنيا والآخرة. قال: وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هذا كله فإن ((حسنة)) نكرة في سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل وحسنة الآخرة الجنة بإجماع - انتهى. وقال القاري: لعله ﷺ كان يكثر هذا الدعاء لأنه من الجوامع التي تحوز جميع الخيرات الدنيوية والأخروية، وبيانه أنه ﷺ كرر الحسنة ونكرها وقد تقرر في علم المعاني أن النكرة إذا أعيدت كانت غير الأول فالمطلوب في الأولى الحسنات الدنيوية من الاستقامة والتوفيق والوسائل إلى اكتساب الطاعات والميراث بحيث تكون مقبولة عند الله، وفي الثانية ما يترتب عليها من الثواب والرضوان في العقبى، وفي تفسير الآية أقوال كثيرة كلها ترجع إلى المعنى الأعم - انتهى. وقال الشوكاني: الظاهر أن المراد أنه يكون ما يعطاه في الدنيا حسنة فيكون كل خصلة من خصال الدنيا حسنة وكل خصلة من خصال الآخرة حسنة. أو يقال: المراد حسن المعاش وحسن المعاد وحسن الحياة وحسن الممات فإن ذلك يستلزم أن يكون كل أمور دنياه وآخرته حسنة (متفق عليه) أخرجه البخاري في تفسير البقرة، وفي الدعوات، ومسلم في الدعاء. واللفظ للبخاري في الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج: ص) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص١٣٠، ١٣٤) ، وأبو داود في أواخر الصلاة، والنسائي في اليوم والليلة، والبغوي (ج٥: ص١٨١، ١٨٢) .
стр. 3758
(الفصل الثاني)
٢٥١٢- (٧) عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يدعو يقول: رب أعني ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني، ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليَّ، رب اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا، لك مطواعًا، إليك مخبتًا
ــ
٢٥١٢- قوله (يقول) بدل أو حال (رب أعني) من الإعانة، ((أي على أعدائي في الدين والدنيا من النفس والشيطان والجن والإنس)) (ولا تعن عليّ) ، أي أحدًا منهم (وانصرني ولا تنصر عليّ) أحدًا من خلقك، أي لا تسلطهم عليّ (وامكر لي ولا تمكر عليّ) بضم الكاف فيهما، أي أعني على أعدائي بإيقاع المكر منك عليهم لا عليّ. قال الطيبي: المكر الخداع وهو من الله إيقاع بلائه بأعدائه من حيث لا يشعرون، وقد يكون مكر الله باستدارجه بطول العمر وحسن الصحة وبظاهر النعمة، وقد يكون باستدراج العبد بالطاعات فيتوهم أنها مقبولة، وهي مردودة بما وقع فيها من الرياء والسمعة. والحاصل ألحق مكرك بأعدائي لا بي. وقال ابن الملك: المكر الحيلة والفكر في دفع عدو بحيث لا يشعر به العدو، فالمعنى اللهم اهدني إلى طريق دفع أعدائي عني ولا تهد عدوي إلى طريق دفعه إياي عن نفسه (واهدني) ، أي دلني على الخيرات والمبرآت، (ويسر الهدى لي) ، أي وسهل إتباع الهداية أو طرق الدلالة لي حتى لا أستثقل الطاعة ولا أشتغل عن الطاعة (وانصرني على من بغي علي) ، أي ظلمني وتعدى على (رب اجعلني لك شاكرًا) ، أي لا لغيرك (لك ذاكرًا) ، أي لا لمن سواك (لك راهبًا) ، أي خائفًا منك خاصة في السراء والضراء، فتقديم الجار والمجرور للاهتمام والاختصاص أو لتحقيق مقام الإخلاص، وهذا لفظ أبي داود. ولأحمد، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، والبغوي: ((لك ذكارًا، لك شكارًا، لك رهابًا)) ، أي على وزن فعال بصيغة المبالغة في المواضع الثلاثة، أي كثير الذكر لك في الأوقات والآناء، كثير الشكر على النعماء والآلاء، كثير الخوف والرهبة من المعصية ومن الغضب والسخط، أو جامعًا لشكر القلب وشكر العمل وشكر اللسان، وشكر القلب أن تعلم أن كل نعمة عليك فهي من الله وأن تلتذ بكونها من الله وشكر العمل أن تجعل النعمة في محلها كما أمر الله وشكر اللسان التلفظ بحمده بعد هذا والعلم والعمل (لك مطواعًا) بكسر الميم مفعال للمبالغة، أي كثير الطوع وهو الانقياد والطاعة يعني كثير الطاعة لأمرك والانقياد إلى قبول أوامرك ونواهيك، وفي رواية ابن ماجة، وابن أبي شيبة: ((مطيعًا)) من الإطاعة، أي منقادًا (لك مخبتًا) من الإخبات وهو الخشوع والتواضع والخضوع، أي اجعلني لك خاشعًا خاضعًا متواضعًا، قال في القاموس: أخبت: خشع. وقيل: من الخبت بفتح فسكون وهو المطئن من الأرض، يقال أخبت الرجل قصد الخبت أو نزله نحو أسهل، ثم استعمل الخبت استعمال اللين والتواضع، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ (١١: ٢٣) ، أي اطمأنوا وسكنت نفوسهم إلى أمره فالمخبت هو
стр. 3759
إليك أواهًا منيبًا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، وسدد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري. رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجة.
ــ
المتواضع الذي اطمأن قلبه إلى ذكر ربه وأقيم اللام مقام ((إلى)) لتفيد الاختصاص قال تعالى: ﴿وبشر المخبتين الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية (٢٢: ٣٥) وفي رواية البغوي: ((إليك مخبتًا)) (إليك) وللبغوي: ((لك)) مكان ((إليك)) (أوّاهًا) بتشديد الواو أي أكثر التأوه من الذنوب وهو التضرع , وقيل: كثير الدعاء، وقيل: كثير البكاء. وقال القاري: أي متضرعًا فعال للمبالغة من أوه تأويهًا وتأوه تأوهًا إذا قال: أوه أي قائلاً لفظ أوه وهو صوت الحزين أي: اجعلني حزنيًا ومتفجعًا على التفريط أو هو قول النادم من معصيته المقصر في طاعته، وقيل: الأواه البكاء (منيبًا) من الإنابة، أي راجعًا إليك في أموري كلها، وقيل التوبة رجوع من المعصية إلى الطاعة والإنابة من الغفلة إلى الذكر والفكرة والأوبة من الغيبة إلى الحضور والمشاهدة. قال الطيبي: وإنما اكتفى في قوله: ((أواهًا منيبًا)) بصلة واحدة لكون الإنابة لازمة للتأوه ورديفًا له فكأنه شيء واحد ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ (١١: ٧٥) (رب تقبل توبتي) بجعلها صحيحة بشرائطها واستجماع آدابها فإنها لا تتخلف عن حيز القبول قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٤٢: ٢٥) (واغسل حوبتي) بفتح الحاء وتضم، أي امح ذنبي وأزل خطيئتي وإثمي. قيل: هي مصدر حبت بكذا، أي أثمت، تحوب حوبة وحوبًا وحبابة والجواب بالضم، والحاب الإثم سمي بذلك لكونه مزجورًا عنه إذ الحوب في الأصل لزجر الإبل وذكر المصدر دون الإثم وهو الحوب لأن الاستبراء من فعل الذنب أبلغ منه من نفس الذنب كذا قيل، ويمكن أن يكون مراعاة للسجع، ثم ذكر الغسل ليفيد إزالته بالكلية بحيث لا يبقى منه أثر، والتنزة والتفصي عنه عن القذر الذي يستنكف عن مجاورته (وأجب دعوتي) ، أي دعائي (وثبت حجتي) ، أي على أعدائك في الدنيا والعقبى أو ثبت قولي وتصديق في الدنيا وعن جواب الملكين في القبر وقيل: أي قو إيماني بك وثبتني على الصواب عند السؤال (وسدد لساني) ، أي صوبه وقومه حتى لا ينطق إلا بالصدق ولا يتكلم إلا بالحق (واهد قلبي) ، أي إلى الصراط المستقيم وقيل: أي إلى معرفة ربي، وقيل: أي إلى درك الحقائق الشرعية (واسلل) بضم اللام الأولى، أي أخرج وأنزع من سل السيف إذا أخرجه من الغمد (سخيمة صدري) ، بضم المهملة وكسر المعجمة، أي غشه وغله وحقده. قيل: السخيمة الضغينة من السخمة وهو السواد ومنه سخام القدر وإنما أضاف السخيمة إلى المصدر إضافة الشيء إلى محله والمعنى أخرج من صدري وانزع عنه ما ينشأ منه ويسكن فيه ويستولى عليه من مساوي الأخلاق وفي رواية ابن حبان، والبغوي ((قلبي)) بدل ((صدري)) . (رواه الترمذي) في الدعوات، (وأبو داود) في أواخر الصلاة، (وابن ماجة) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٢٧) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص١١٨، ١١٩) ، والنسائي في اليوم والليلة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم (ج١: ص٥٢٠) ، وابن أبي شيبة، والبغوي (ج٥: ص١٧٥، ١٧٦) وقال
стр. 3760
٢٥١٣- (٨) وعن أبي بكر قال: قام رسول الله ﷺ على المنبر ثم بكى، فقال: سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية.
ــ
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. كت عنه أبو داود، ونقل المنذري كلام الترمذي وأقره. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
٢٥١٣- قوله: (ثم بكى) وفي رواية ابن حبان ((فخنقته العبرة ثلاث مرات)) قيل إنما بكى لأنه علم وقوع أمته في الفتن وغلبة الشهوة والحرص على جمع المال وتحصيل الجاه فأمرهم بطلب العفو والعافية ليعصمهم من الفتن (سلوا الله العفو) أي: عن الذنوب، قال في النهاية العفو معناه التجاوز عن الذنب، وترك العقاب عليه وأصله المحو والطمس (والعافية) زاد في رواية لأحمد، والحاكم، والبغوي: ((واليقين في الأولى والآخرة)) قيل العافية هي السلامة في الدين من الفتنة وفي البدن من الأسقام والمحنة، قال في الصحاح: عافاه الله وأعفاه بمعنى واحد والاسم العافية وهي دفاع الله تعالى عن العبد، وتوضع موضع المصدر فيقال: عافاه عافية فقوله: دفاع الله عن العبد يفيد أن العافية تشمل جميع ما يدفعه الله عن العبد من البلايا كائنة ما كانت. وقال في النهاية: العافية أن تسلم من الأسقام والبلايا وهذا يفيد العموم كما أفاده كلام صاحب الصحاح، وقال في القاموس: والعافية دفاع الله عن العبد، عافاه الله من المكروه معافاة وعافية وهب له العافية من العلل كأعفاه - انتهى. وهكذا كلام سائر أئمة اللغة، وبهذا علم أن العافية هي دفاع الله عن العبد، وهذا الدفاع المضاف إلى الإسم الشريف يشمل كل نوع من أنواع البلايا والمحن فكل ما دفعه الله عن العبد منها فهو عافية، ولهذا قال النبي ﷺ : (فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين) أي: الإيمان، وفي رواية لأحمد، وابن حبان ((بعد كلمة الإخلاص)) (خيرًا من العافية) قال الطيبي: وهي السلامة من الآفات فيندرج فيها العفو - انتهى. يعني ولعموم معنى العافية الشاملة للعفو اكتفى بذكرها عنه والتنصيص عليه سابقًا للإيماء إلى أنه أهم أنواعها قال الشوكاني: أمر النبي ﷺ أن يسأل الإنسان ربه أن يرزقه العفو الذي هو العمدة في الفوز بدار المعاد وبأن يرزقه العافية التي هي العمدة في صلاح أمور الدنيا والسلامة من شرورها ومحنها فكان هذا الدعاء من الكلم الجوامع والفوائد النوافع فعلى العبد أن يكثر من الدعاء بالعافية وقد أغنى عن التطويل في ذكر فوائدها ومنافعها ما ذكره رسول الله ﷺ في هذا الحديث فإنها إذا كانت بحيث أنه لم يعط أحد بعد اليقين خيرًا منها فقد فاقت كل الخصال وارتفعت درجتها كل خير وقد ورد في حديث العباس عند أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والترمذي، والطبراني ما يدل على أن العافية تشمل أمور الدنيا والآخرة وهو الظاهر من كلام أهل اللغة لأن قولهم دفاع الله عن العبد غير مقيد بدفاعه عنه لأمور الدنيا فقط بل يعم كل دفاع يتعلق بالدنيا والآخرة، قال: وفي أمره ﷺ للعباس بالدعاء بالعافية بعد تكرير العباس سؤاله بأن يعلمه شيئًا يسأل الله به دليل جلي بأن الدعاء بالعافية لا يساويه شيء
стр. 3761
رواه الترمذي، وابن ماجة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب إسنادًا.
٢٥١٤- (٩) وعن أنس أن رحلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أي الدعاء أفضل؟ قال: سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله! أي الدعاء أفضل؟ فقال له مثل ذلك، ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك. قال: فإذا أعطيت العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة
ــ
من الأدعية، وقد كان رسول الله ﷺ ينزل عمه العباس منزلة أبيه ويرى له من الحق ما يراه الولد لوالده ففي تخصيصه بهذا الدعاء وقصروه على مجرد الدعاء بالعافية تحريك لهمم الراغبين على ملازمته، وأن يجعلوه من أعظم ما يتوسلون به إلى ربهم ويستدفعون به في كل ما يهمهم ثم كلمه ﷺ بقوله: ((سل الله العافية في الدنيا والآخرة)) فكأن الدعاء من هذه الحيثية قد صار لدفع كل ضر وجلب كل خير (رواه الترمذي، وابن ماجة) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٣، ٤، ٥، ٧، ٨، ٩، ١٠) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص١٨٦) ، والنسائي، وابن حبان، والحاكم (ج١: ص٥٢٩) ، والبغوي (ج٥: ص١٧٨) ، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر الصديق (وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب إسنادًا تمييز عن الثاني فإن الغرابة قد تكون في المتن وأخرى في الإسناد كما هو مقرر في موضعه، وأما الحسن فلا يكون إلا باعتبار إسناده، فليس فيه إبهام ليحتاج إلى رفعه بالتمييز قاله القاري. قلت: الذي في الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه عن أبي بكر - انتهى. وهذا واضح، وكأن ما في المشكاة نقل بالمعنى. وقال البغوي بعد روايته: هذا حديث غريب. والحديث رواه النسائي من طرق وعن جماعة من الصحابة. قال المنذري: وأحد أسانيده صحيح. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
٢٥١٤- قوله: (سل ربك العافية والمعافاة) يعني أن الدعاء بالعافية أفضل من غيره من الأدعية لاشتماله على جلب كل نفع ودفع كل ضر، وقد تقدم كلام وصاحب القاموس: في بيان العافية والمعافاة، وقال الجزري في النهاية: العافية أن تسلم من الأسقام والبلايا وهي الصحة وضد المرض والمعافاة هي أن يعافيك الله من الناس ويعافيهم منك أي: يغنيك عنهم، ويغنيهم عنك ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم. وقيل: هي مفاعلة من العفو وهو أن يعفو عن الناس ويعفو لهم عنه - انتهى. وقال في اللمعات: أراد بالعافية السلامة عن جميع الآفات الظاهرة والباطنة ويدخل فيه الإيمان ولذلك سمي هذا الدعاء أفضل، والمعافاة مفاعلة من العافية فالمعنى أن يعافيك الله عن الناس، يصرف عنك أذاهم وأذاك عنهم، وقيل: مفاعلة من العفو يعني عفوك عنهم وعفوهم عنك والمآل واحد (فقال له مثل ذلك)
стр. 3762
فقد أفلحت. رواه الترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب إسنادًا.
٢٥١٥- (١٠) وعن عبد الله بن يزيد الخطمي عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول في دعائه: اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب. اللهم ما زويت عني
ــ
أي: مثل ذلك القول فنصبه على المصدرية (فقد أفلحت) أي: فزت بمرادك وظفرت بمقصودك له بذلك عظم ذلك الدعاء وعموم بركته لمصالح الدنيا والآخرة، وفي الحديث التصريح بأن الدعاء بالعفاية أفضل الدعاء ولاسيما بعد تكريره للسائل في ثلاثة أيام حين أن يأتيه للسؤال عن أفضل الدعاء فأفاد هذا أن الدعاء بالعافية أفضل من غيره من الأدعية، ثم في قوله: ((فإذا أعطيت العافية)) إلخ. دليل ظاهر واضح بأن الدعاء بالعافية يشمل أمور الدنيا والآخرة لأنه قال هذه المقالة بعد أن قاله له: سل ربك العافية ثلاث مرات فكان ذلك كالبيان لعموم بركة هذه الدعوة بالعافية لمصالح الدنيا والآخرة ثم رتب على ذلك الفلاح الذي هو المقصد الأسنى والمطلب الأكبر (رواه الترمذي، وابن ماجة) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج: ص) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص٩٣) ، وابن أبي الدنيا كلهم من طريق سلمة بن وردان عن أنس وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه إنما نعرفه من حديث سلمة بن وردان - انتهى. قلت: سلمة هذا ضعيف، والظاهر أن الترمذي حسنه لشواهده.
٢٥١٥- قوله: (وعن عبد الله بن يزيد) بمثناتين تحتيتين من الزيادة، ابن زيد بن حصين الأنصاري الأوسي (الخطمي) بفتح المعجمة وسكون المهملة نسبة إلى خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس، كان من أفاضل أصحاب النبي ﷺ ، قال ابن الأثير: يكنى أبا موسى وهو كوفي وله بها دار، شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة وشهد ما بعدها، واستعمله عبد الله بن الزبير على الكوفة، وكان الشعبي كاتبه لما كان أميرًا على الكوفة وشهد مع علي بن أبي طالب الجمل وصفين والنهروان. قال الدارقطني: له ولأبيه صحبة، شهد بيعة الرضوان وهو صغير، وشهد أبوه أحدًا وما بعدها وهلك قبل فتح مكة (اللهم ارزقني حبك) أي: لأنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون الله أحب إليه مما سواه، فقوله ((حبك)) ، فيه إضافة المصدر إلى مفعولة (وحب من ينفعني حبه عندك) كالملائكة والأنبياء والأصفياء والأتقياء، والظرف متعلق بينفعني (اللهم ما رزقتني مما أحب) ، أي الذي أعطيتني من الأشياء التي أحبها منصحة البدن وقوته وأمتعة الدنيا من المال والجاه والأولاد والفراغ وسائر النعم (فاجعله قوة) ، أي عدة (لي فيما تحب) بأن أصرفه فيما تحبه وترضاه من الطاعة والعبادة (اللهم ما زويت عني) في الترمذي ((اللهم وما زويت عني)) بزيادة الواو وهكذا نقله في جامع الأصول والجامع الصغير وجمع الفوائد والحصن، أي ما صرفت ونحيت من الزى بمعنى القبض
стр. 3763
مما أحب فاجعله فراغًا لي فيما تحب. رواه الترمذي.
٢٥١٦- (١١) وعن ابن عمر قال: قلما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك،
ــ
والجمع، يقال: زوى فلان المال عن وارثه زيًا، ومنه قوله ﵊: اللهم ازو لنا الأرض وهون علينا السفر، أي اطوها كما في رواية أخرى، أي وما قبضته ونحيته وصرفته عنى بأن منعتني ولم تعطني (مما أحب) أي: مما أشتهيه من المال والجاه والأولاد وأمثال ذلك (فاجعله فراغًا لي) أي: سبب فراغ خاطري (فيما تحب) أي: من الذكر والفكر والطاعة والعبادة، قال القاضي: يعني ما صرفت عني من محابي فنحه عن قلبي واجعله سببًا لفراغي لطاعتك ولا تشغل به قلبي فيشغل عن عبادتك. وقال الطيبي: أي: اجعل ما نحيته عني من محابي عونًا على شغلي بمحابك وذلك أن الفراغ خلاف الشغل فإذا زوى عنه الدنيا ليتفرغ لمحاب ربه كان ذلك الفراغ عونًا له على الاشتغال بطاعة الله ذكره القاري (رواه الترمذي) في الدعوات وقال: هذا حديث حسن غريب، قال ابن القطان: ولم يصححه لأن رواته ثقات إلا سفيان بن وكيع فمتهم بالكذب وترك الرازيان حديثه بعد ما كتباه. وقيل لأبي زرعة أكان يكذب؟ قال: نعم. كذا في فيض القدير (ج٢: ص١٠٢) قلت: سفيان هذا من شيوخ الترمذي، قال الحافظ عنه: كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل فسقط حديثه.
٢٥١٦- قوله: (قلما كان رسول الله ﷺ ) أي: ما كان رسول الله ﷺ ، اتصلت ها هنا حرف ما الكافة الزائدة بقل فكفته عن عمل الرفع كما في قول الشاعر:
قلما يبرح اللبيب إلى ما ... يورث المجد داعيًا أو مجيبًا
قال شيخنا: قد تتصل ما بقل فيقال: قلما جئت وتكون ما كافة عن عمل الرفع فلا اقتضاء للفاعل وتستعمل قلما لمعنيين أحدهما النفي الصرف والثاني إثبات الشيء القليل (يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه) وبعض نسخ الترمذي بهذه الكلمات، وفي رواية ابن السني ((كان ابن عمر إذا جلس مجلسًا لم يقم حتى يدعو لجلسائه بهذه الكلمات)) وزعم أن رسول الله ﷺ كان يدعو بهن لجلسائه (اللهم اقسم لنا) ، أي اجعل لنا قسمًا ونصيبًا (من خشيتك) ، أي من خوفك، والخشية الخوف أو خوف مقترن بالتعظيم (ما تحول به) من حال يحول حيلولة، أي مقدار تحجب أنت بسببه (بيننا وبين معاصيك) فإنه لا أمنع لها من خشية الله تعالى. وقيل: لأن القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت الأعضاء جميعها من ارتكاب المعاصي وبقدر قله الخوف يكون الهجوم على المعاصي فإذا قل الخوف جدًا واستولت الغفلة كان ذلك من علامة الشقاء، ومن ثم قالوا: المعاصي بريد الكفر كما أن القبلة بريد الجماع والغناء بريد الزنا والنظر بريد العشق والمرض بريد الموت وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالعقل والبدن والدنيا
стр. 3764
ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا،
ــ
والآخرة ما ل يحصيه إلا الله وقوله: ((ما تحول به)) ، كذا وقع في أكثر نسخ المشكاة، وهكذا في المصابيح، وشرح السنة، وابن السني، وعدة الحصن، ووقع في بعض نسخ المشكاة: ما يحول بالتحية، أي بالتذكير على أن الضمير لما وترك به وهكذا وقع في الترمذي، أي اجعل لنا من خوفك قسما ونصيبًا يحجب ويمنع هو بيننا وبينها واختلفت نسخ الحصن في ذلك (ومن طاعتك) ، بإعطاء القدرة عليها والتوفيق لها (ما تبلغنا) بتشديد اللام المكسورة، أي توصلنا أنت (به جنتك) ، أي مع شمولنا برحمتك، وليست الطاعة وحدها مبلغة (ومن اليقين) ، أي بك وبأنه لا راد لقضائك وبأنه لا يصيبنا إلا ما كتبت لنا وبأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وما أصابنا لم يكن ليخطئنا وبأن ما قدرته لا يخلو عن حكمه ومصلحة واستجلاب منفعة ومثوبة (ما تهون به) ، من التهوين أي تسهل به أنت بذلك اليقين (مصيبات الدنيا) ، وفي رواية الحاكم، وابن السني ((مصائب الدنيا)) ، أي من المرض والغم والجراحة وتلف المال والأولاد فإن من علم يقينًا أن ما يصيبه من المصيبات في الدنيا يعطيه الله عوضه في الآخرة الثواب ويكفر السيئات ويرفع الدرجات لا يغتم بما أصابه ولا يحزن بما نابه بل يفرح بذلك غاية حرصه على تحصيل الثواب (ومتعنا) ، أي التمتيع، أي اجعلنا متمتعين منتفعين (بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا) ، أي بأن نستعملها في طاعتك، وقال ابن الملك: التمتيع بالسمع والبصر إبقاءهما صحيحين إلى الموت (ما أحييتنا) ، أي مدة حياتنا، قال الطيبي: وإنما خص السمع والبصر بالتمتيع من الحواس لأن الدلائل الموصلة إلى معرفة الله وتوحيده إنما تحصل من طريقهما لأن البراهين إنما تكون مأخوذة من الآيات المنزلة وذلك بطريق السمع أو من الآيات المنصوبة في الآفاق والأنفس وذلك بطريق البصر فسأل التمتيع بهما حذرًا من الانخراط في سلك الذين ختم لله عَلَى قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ولما حصلت المعرفة بالأولين يترتب عليها العبادة فسأل القوة ليتمكن بها من عبادة ربه - انتهى. والمراد بالقوة قوة سائر الأعضاء والحواس أو جميعها فيكون تعميمًا بعد تخصيص (واجعله) ، أي كل واحد منها أو أي المذكور من الأسماع والأبصار والقوة، فالضمير راجع لما سبق من الأسماع والأبصار والقوة وإفراده وتذكيره على تأيلها بالمذكور، أي اجعل ما متعتنا به (الوارث) ، أي الباقي (منا) ، أي بأن يبقى إلى الموت. قال البغوي: قوله ((واجعله الوارث منا)) ، أي أبقه معي حتى أموت. قيل: أراد بالسمع وعي ما يسمع والعمل به وبالبصر الاعتبار بما يرى، وقيل: يجوز أن يكون أراد بقاء السمع والبصر بعد الكبر وانحلال القوى فيكون السمع والبصر وارثي سائر القوى والباقيين بعدها ورد الهاء إلى الإمتاع فلذلك وحده فقال ((واجعله الوارث منا)) - انتهى. وقال في اللمعات: الضمير في قوله اجعله للمصدر المحذوف الذي هو الجعل أي اجعل الجعل وهو المفعول المطلق وعلى هذا الوارث مفعول أول ومنا في محل المفعول الثاني أي اجعل الوارث من نسلنا لا كلالة خارجة منا، والكلالة قرابة ليست من جهة
стр. 3765
واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب.
ــ
الولادة وهذا الوجه قد ذكره بعض النحاة في قولهم: أن المفعول قد يضمر ولكن لا يتبادر إلى الفهم من الفظ ولا ينساق الذهن إليه كما لا يخفى. وقيل: أن الضمير فيه للمتمتع الذي هو مدلول متعنا والمعنى اجعل تمتعنا بها باقيًا مأثورًا فيمن بعدنا لأن وارث المرأ لا يكون إلا الذي يبقى بعده وهو المفعول الأول والوارث مفعول ثان و ((منا)) صلته، وهذا المعنى يشبه سؤال خليل الرحمن على نبينا وعليه الصلاة والسلام ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ (٢٦: ٨٤) وقيل: معنى وراثنه دوامه إلى يوم الحاجة إليه يعني يوم القيامة والأول أوجه لأن الوارث إنما يكون باقيًا في الدنيا. وقيل: إن الضمير للأسماع والأبصار والقوة بتأويل المذكور ومثل هذا شائع في العبارات لا كثير تكلف فيها، وإنما التكليف فيما قيل: أن الضمير راجع إلى أحد المذكورات، ويدل ذلك على وجود الحكم في الباقي لأن كل شيئين تقاربا في معنييهما فإن الدلالة على أحدهما دلالة على الآخر والمعنى بوراثتها لزومها إلى موته لأن الوارث يلزم إلى موته - انتهى. (واجعل ثأرنا) بالهمزة بعد المثلثة المفتوحة، أي إدراك ثأرنا (على من ظلمنا) ، أي مقصورًا عليه ولا تجعلنا ممن تعدى في طلب ثأره فأخذ به غير الجاني كما كان معهودًا في الجاهلية فنرجع ظالمين بعد أن كنا مظلومين. وأصل الثأر الحقد والغضب ثم غلب استعماله في طلب الدم من القاتل يقال ثأرت القتيل وبالقتيل، أي قتلت قاتله (وانصرنا على من عادانا) ، أي ظفرنا عليه وانتقم منه، (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) ، أي لا تصبنا بما ينقص ديننا من اعتقاد السوء وأكل الحرام والفترة في العبادة وغيرها (ولا تجعل الدنيا أكبر همنا) ، ((الهم)) القصد والحزن، أي لا تجعل طلب المال والجاه أكبر قصدنا أو حزننا أو لا تجعل أكبر قصدنا أو حزننا لأجل الدنيا بل اجعل أكبر قصدنا أو حزننا مصروفًا في عمل الآخرة، وفيه أن قليلاً من الهم فيما لابد منه في أمر المعاش مرخص فيه بل مستحب بل واجب (ولا مبلغ علمنا) ، أي غاية علمنا، أي لا تجعلنا بحيث لا نعلم ولا نتفكر إلا في أمور الدنيا بل اجعلنا متفكرين في أحوال الآخرة متفحصين عن العلوم التي تتعلق بالله تعالى وبالدار الآخرة والمبلغ بفتح الميم واللام بينهما موحدة ساكنة. الغاية التي يبلغه الماشي والمحاسب فيقف عنده (ولا تسلط علينا من لا يرحمنا) أي: لا تجعلنا مغلوبين للكفار والظلمة أو لا تجعل الظالمين علينا حاكمين فإن الظالم لا يرحم الرعية. وقيل: المراد ملائكة العذاب في القبر وفي النار ولا مانع من إرادة معنى الجمع هذا وقد أطال الشوكاني في شرح هذا الدعاء وأطاب في بيان فوائده في تحفة الذاكرين (ص٣٠٠، ٣٠١) فارجع إليه (رواه الترمذي) في الدعوات، وأخرجه أيضًا النسائي، وابن السني (ص١٤٣) ، والحاكم (ج١: ص٥٢٨) ، والبغوي (ج٥: ص١٧١) (وقال: هذا حديث حسن غريب) . وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري
стр. 3766
٢٥١٧- (١٢) وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا. الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار. رواه الترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث غريب إسنادًا.
ــ
وأقره الذهبي، وفي إسناده عبيد الله بن زحر وقد ضعفوه بما يقتضي أن لا يكون حديثه صحيحًا، بل غاية رتبة هذا الحديث أن يكون حسنًا كما قال الترمذي. فقد قال أبو زرعة: أنه صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. قال في المنار: فالحديث لأجله حسن لا صحيح.
٢٥١٧- قوله: (اللهم انفعني بما علمتني) أي: في الأزمنة السابقة يعني بالعمل بمقتضاه خالصًا لوجهك (وعلمني) أي: فيما بعد (ما ينفعني) أي: علمًا ينفعني، فيه أنه لا يطلب من العلم إلا النافع والنافع ما يتعلق بأمر الدين والدنيا فيما يعود فيها على نفع الدين وإلا فما عدا هذا العلم فإنه ممن قال الله فيه: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ (٢: ١٠٢) أي: بأمر الدين فإنه نفى العلم عن علم السحر لعدم نفعه في الآخرة بل لأنه ضار فيها وقد ينفعهم في الدنيا لكنه لم يعد نفعًا (وزدني علمًا) مضافًا إلى ما علمتنيه. وقال السندي: أي: نافعًا بقرينة السياق أو هو مبني على تنزيل غير النافع بمنزلة الجهل. قال الطيبي: طلب أولاً النفع بما رزق من العلم وهو العمل بمقتضاه ثم توخى علمًا زائدًا عليه ليترقى منه إلى عمل زائد على ذلك، وفيه إشارة إلى أن من عمل بما علم ورثه الله علمًا لا يعلم، ثم قال: ((رب زدني علمًا)) يشير إلى طلب الزيادة في السير والسلوك إلى أن يوصله إلى مخدع الوصال فظهر من هذا أن العلم وسيلة إلى العمل وهما متلازمان. ومن ثم قيل: ما أمر الله ورسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم بقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (٢٠: ١١٤) وهذا من جامع الدعاء الذي لا مطمع وراءه (الحمد لله على كل حال) من أحوال السراء والضراء فيحمده تعالى لكونه لم ينزل به أشد من هذا البلاء الذي نزل به وكم يترتب على الضراء من عواقب حميدة ومواهب كريمة يستحق الحمد عليها: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (٢: ٢١٦) قال في الحكم: من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذاك لقصور نظره. وقال الغزالي: لا شدة إلا وفي جنبها نعم لله فليلزم الحمد والشكر على تلك النعم المقترنة بها. وقوله: ((الحمد لله)) إلخ كذا وقع في الترمذي بغير عطف ووقع عند ابن ماجة، والحمد لله أي بزيادة الواو. قال السندي: قوله: ((والحمد لله على كل حال)) أي: زيادة العلم وقيل: أن يزداد وظاهر العطف يقتضي أن الجملة إنشائية فلذلك عطفت على إنشائية (وأعوذ بالله من حال أهل النار) من الكفر والفسوق في الدنيا والعذاب والعقاب في العقبى. (رواه الترمذي) في الدعوات، (وابن ماجة) في السنة، والدعاء، وأخرجه أيضًا البغوي (ج٥: ص١٢٣) ، وابن أبي شيبة كما في الحصن، والبزار كما في تفسير الحافظ ابن كثير (وقال الترمذي: هذا حديث غريب إسنادًا) في سنده عندهم موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة وموسى ضعفه النسائي وغيره ومحمد بن ثابت لم يروه عنه غير موسى. قال الذهبي ((مجهل)) ذكره المناوي، وقال الحافظ في التقريب: محمد بن ثابت عن أبي هريرة مجهول
стр. 3767
٢٥١٨- (١٣) وعن عمر بن الخطاب قال: كان النبي ﷺ إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه دوي كدوي النحل، فأنزل عليه يومًا فمكثنا ساعة، فسري عنه، فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا،
ــ
وقيل: هو محمد بن ثابت بن شرحبيل، وقال فيه: إنه مقبول. وفي الباب عن أنس أخرجه النسائي، والحاكم (ج١: ص٥١٠) .
٢٥١٨- قوله: (سمع) على بناء الماضي المجهول، وهذا لفظ الترمذي، وفي المسند ((يسمع)) أي: بلفظ المضارع المجهول وكذا نقله الشوكاني في فتح القدير، وفي المستدرك وشرح السنة ((نسمع)) بصيغة المضارع المتكلم المعلوم، ونقله الذهبي في تلخيصه بلفظ: ((يسمع)) أي: كرواية المسند (عند وجهه) أي: عند قرب وجهه بحذف المضاف (دويّ كدويّ النحل) كذا وقع في أكثر نسخ المشكاة وهكذا في المسند ووقع في بعض نسخ المشكاة ((سمع عند وجهه كدويّ النحل)) أي: بإسقاط ((دويّ)) وهكذا عند الترمذي، والبغوي وكذا نقله المناوي في فيض القدير والشوكاني في تحفة الذاكرين وفتح القدير. والدويّ بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء وهو صوت لا يفهم منه شيء، وهذا هو صوت جبريل ﵇ يبلغ إلى رسول الله ﷺ الوحي ولا يفهم الحاضرون من صوته شيئًا. وقال الطيبي: أي: سمع من جانب وجهه وجهته صوت خفي كأن الوحي يؤثر فيهم وينكشف لهم انكشافًا غير تام فصاروا كمن يسمع دويّ صوت ولا يفهمه لما سمعوه من غطيطه وشدة تنفسه عند نزول الوحي - انتهى. وقال في اللمعات: وهذا الدويّ إما صوت الوحي يسمعها الصحابة ولا ينكشف لهم انكشافًا تامًا، أو ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ من شدة تنفسه من ثقل الوحي، والأول أظهر لأنه قد وصف الوحي بأنه كان تارة مثل صلصة الجرس - انتهى. (فأنزل عليه يومًا) أي: نهارًا أو وقتًا (فمكثنا) بفتح الكاف وضمها أي: لبثنا (ساعة) أي: زمنًا يسيرًا ننتظر الكشف عنه (فسرى عنه) بصيغة المجهول من التسرية وهو الكشف والإزالة أي: كشف عنه وأزيل ما اعتراه من برحاء الوحي وشدته (اللهم زدنا) أمر من الزيادة أي: من الخير والترقي أو كثرنا (ولا تنقصنا) بفتح حرف المضارعة وضم القاف من نقص المتعتدى أي: لا تنقص خيرنا ومرتبتنا وعددنا وعددنا. قال القاضي والطيبي: عطفت هذه النواهي على الأوامر للمبالغة والتأكيد وحذف ثواني المفعولات في بعض الألفاظ للتعميم والمبالغة كقولك فلان يعطي ويمنع (وأكرمنا) بقضاء مآربنا في الدنيا ورفع منازلنا في العقبى (ولا تهنا) بضم تاء وكسرها وتشديد نون على أنه نهى من الإهانة وأصله ولا تهوننا، نقلت كسرة الواو إلى الهاء فالتقت ساكنة مع النون الأولى الساكنة فحذفت وأدغمت النون الأولى في الثانية أي: لا تذلنا (وأعطنا) من الإعطاء (ولا تحرمنا) بفتح التاء وكسر الراء. وفي القاموس: حرمه
стр. 3768
وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا، ثم قال: أنزل عليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى ختم عشر آيات. رواه أحمد، والترمذي.
ــ
الشيء كضربه وعلمه حرمانًا بالكسر منعه حقه وأحرمه لغية، أي لا تمنعنا ولا تجعلنا محرومين (وآثرنا بالمد وكسر المثلثة أمر من الإيثار، أي اخترنا برحمتك وإكرامك وعنايتك (ولا تؤثر علينا) ، أي غيرنا بلطفك وحمايتك، وقيل لا تغلب علينا أعداءنا (وأرضنا) أمر من الإرضاء، أي أرضنا عنك بمعنى اجعلنا راضين بما قضيت لنا أو علينا بإعطاء الصبر وتوفيق الشكر وتحمل الطاعة والتقنع بما قسمت لنا (وارض عنا) بهمزة وصل وفتح ضاد أمر من الرضاء، أي كن راضيًا عنا بالطاعة اليسيرة الحقيرة التي في جهدنا ولا تؤاخذنا بسوء أعمالنا (ثم قال: انزل عليَّ) ، أي آنفًا (من أقامهن) ، أي حافظ وداوم عليهن وعمل بهن (دخل الجنة) ، أي دخولاً أولياً، هذا وارجع للبسط في شرح الحديث إلى فيض القدير (ج٢ ص١٠٧، ١٠٨) ، وتحفة الذاكراين (ص ٢٩٨) (رواه أحمد) (ج١ ص٣٤) عن عبد الرزاق عن يونس بن سليم قال: أملى عليَّ يونس بن يزيد الأبلي عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر بن الخطاب. ومن هذا الطريق أخرجه البغوي (ج٥، ١٧٧) ، (والترمذي) في الدعوات من طريق عبد الرزاق عن يونس بن سليم عن الزهري. ثم رواه الترمذي من طريق عبد الرزاق أيضًا عن يونس بن سليم عن يونس بن يزيد عن الزهري. ثم قال: هذا أصح من الحديث الأول سمعت إسحاق بن منصور يقول: روى أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن يونس بن سليم عن يونس بن يزيد عن الزهري هذا الحديث. قال أبو عيسى: ومن سمع من عبد الرزاق قديمًا فإنهم إنما يذكرون فيه عن يونس بن يزيد، وبعضهم لا يذكر فيه عن يونس بن يزيد. ومن ذكر فيه عن يونس بن يزيد فهو أصح، وكان عبد الرزاق ربما ذكر في هذا الحديث يونس بن يزيد وربما لم يذكره، وإذا لم يذكر فيه يونس فهو مرسل - انتهى. وذكر نحو هذا الكلام البغوي في شرح السنة. والحديث نسبه السيوطي في الدر المنثور (ج٥ ص٢) والشوكاني في فتح القدير (ج٣ ص٤٦٠) لعبد الرزاق وعبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر، والعقيلي، والحاكم، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة وفي سنده عندهم جميعًا يونس بن سليم الصنعاني. قال الحافظ في التقريب: مجهول. وقال الذهبي: في الميزان في ترجمته: حدث عنه عبد الرزاق وتكلم فيه ولم يعتمد في الرواية ومشاه غيره. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به - انتهى. وقال في تهذيب التهذيب: قال النسائي: هذا حديث منكر لا نعلم أحدًا رواه غير يونس، ويونس لا نعرفه، وذكره ابن حبان في الثقات - انتهى. ورواه الحاكم (ج١ ص٥٣٥) بإسنادين أحدهما من طريق المسند وصححه ووافقه الذهبي فهذا موافقة من الحاكم والذهبي على توثيق يونس بن سليم، وهو يدل على أن توثيق ابن حبان ليونس بن سليم صحيح ولذا حسن هذا الحديث البغوي في شرح السنة وصححه الشيخ أحمد شاكر في شرح المسند.
стр. 3769
(الفصل الثالث)
٢٥١٩- (١٤) عن عثمان بن حنيف قال: إن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك. قال: فادعه. قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي
ــ
٢٥١٩- قوله: (عن عثمان بن حنيف) بالحاء المهملة والنون مصغرًا ابن واهب الأنصاري الأوسي المدني صحابي شهير شهد أحدًا والمشاهد بعدها، واستعمله عمر على مساحة سواد العراق، واستعمله عليٌ على البصرة فبقي عليها إلى أن قدمها طلحة والزبير مع عائشة ﵃ في نوبة وقعة الجمل فأخرجوه منها، ثم قدم عليٌّ إليها فكانت وقعة الجمل فلما ظفر بهم عليٌّ استعمل على البصرة عبد الله بن عباس وسكن عثمان بن حنيف الكوفة. روى عنه ابن أخيه أبو أمامة بن سهل بن حنيف وعمارة بن خزيمة بن ثابت وهانئ بن معاوية الصدفي وغيرهم، مات في خلافة معاوية (إن رجلاً ضرير البصر) ، أي ضعيف النظر أو أعمى، قاله القاري. قلت: في رواية النسائي ((أن أعمى أتى النبي ﷺ )) وفي رواية لأحمد ((إن رجلاً أتى النبي ﷺ قد ذهب بصره)) وللطبراني، وابن السني ((أتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره (ادع الله أن يعافيني) ، أي من ضرري في نظري (فقال) ، في الترمذي ((قال)) ، أي بدون الفاء (إن شئت) ، أي اخترت الدعاء (دعوت) ، أي لك (وإن شئت) ، أي أردت الصبر والرضا (فهو) ، أي الصبر (خير لك) ، فإن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته منهما الجنة (قال) ، أي الرجل (فادعه) بالضمير، أي ادع الله واسأل العافية، ويحتمل أن تكون الهاء للسكت، قال الطيبي: أسند النبي ﷺ الدعاء إلى نفسه وكذا طلب الرجل أن يدعو هو? ﷺ ?ثم أمره? ﷺ ?أن يدعو هو، أي الرجل كأنه? ﷺ ?لم يرتض منه اختياره الدعاء بعد قوله ((الصبر خير لك)) ، ولذلك أمره أن يدعو هو لنفسه، لكن في جعله شفيعًا له ووسيلة في استجابة الدعاء ما يفهم أنه ﷺ شريك فيه (قال) ، أي عثمان (فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه) أي يأتي بكمالاته من سننه وآدابه، وزاد في رواية أحمد وابن ماجة والحاكم ((ويصلي ركعتين)) وفي رواية للنسائي ((قال (أي النبي ﷺ ) فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين)) (اللهم إني أسالك) أي أطلب منك حاجتي وقال القاري: أي أطلبك مقصودي، فالمفعول مقدر (وأتوجه إليك بنبيك) الباء للتعدية، أو المعنى أتوجه إليك بدعاء نبيك وشفاعته (محمد نبي الرحمة) أي المبعوث رحمة للعالمين (إني توجهت بك) ، أي استشفعت بك، والخطاب للنبي ﷺ على طريق الالتفات، ففي رواية أحمد وابن ماجة ((يا محمد إني قد توجهت بك)) ، وفي رواية لأحمد أيضًا والنسائي والحاكم ((يا محمد إني أتوجه بك)) وفيه إن إحضاره في القلب وتصوره في أثناء الدعاء، والخطاب معه فيه جائز كإحضاره في أثناء التشهد في
стр. 3770
ليقضي لي في حاجتي هذه اللهم فشفعه في.
ــ
الصلاة، والخطاب فيه وسيأتي الكلام فيه وفيه قصر السؤال الذي هو أصل الدعاء على الملك المتعال ولكنه توسل به ﵊، أي بدعائه كما قال عمر: كنا نتوسل إليك بنبيك ﵊، فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد، ولذا قال في آخره ((اللهم فشفعه في)) إذ شفاعته لا تكون إلا بدعاء ربه وقطعًا، ولو كان المراد بذاته الشريفة لم يكن لذلك التعقيب معنى، إذ التوسل بقوله ((بنبيك)) كاف في إفادة هذا المعنى وأيضًا قول الأعمى للنبي ﷺ ((أدع الله تعالى أن يعافيني)) وجوابه ﵊ له ((إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك)) وقول الأعمى ((فادعه)) دليل واضح وبرهان راجح على أن التوسل كان بدعائه لا بنفس ذاته المطهرة ﵊، وقوله ((إني توجهت بك إلى ربي)) قال الطيبي: الباء في ((بك)) للاستعانة، أي استعنت بدعائك إلى ربي، وسيأتي مزيد توضيح ذلك إنشاء الله تعالى فانتظر (ليقضي) بالغيبة أي ربي، وقيل بالخطاب أي لتوقع القضاء (لي في حاجتي هذه) وجعلها مكانًا له على طريقة قوله ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ (- ٤٦: ١٥) قال الطيبي: إن قلت: ما معنى ((لي)) و ((في)) ؟ قلت: معنى ((لي)) كما في قوله تعالى ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ (- ٢٠: ٢٥) أجمل أولاً ثم فصل ليكون أوقع في النفس، ومعنى ((في)) كما في قول الشاعر:
يجرح في عراقيبها نصلي
أي أوقع القضاء في حاجتي واجعلها مكانًا له، ونظيره قوله تعالى ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ (- ٤٦: ١٥) انتهى. قلت: ولفظ الترمذي ((إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي)) وهو بصيغة المجهول أي لتقضى لي حاجتي بشفاعتك يعنى ليقضيها ربي لي بشفاعتك (اللهم) التفات ثان (فشفعه) بتشديد الفاء، أي اقبل شفاعته (في) أي في حقي. قال المناوي: والعطف بالفاء على معطوف عليه مقدر، أي اجعله شفيعًا لي فشفعه فيكون قوله: اللهم معترضة، سأل الله أولاً بطريق الخطاب أن يأذن لنبيه أن يشفع له، ثم أقبل على النبي ﷺ ملتمسًا شفاعته له ثم كر مقبلاً على ربه طالباً منه أن يقبل شفاعته في حقه. والحديث قد استدل به على جواز التوسل والسؤال بذوات الأنبياء والصالحين والميتين لأنه ﷺ أمر الضرير أن يقول في دعائه ((وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي)) وإذا جاز السؤال به جاز السؤال بذاته وحقه وجاهه وحرمته وكرامته، وإذا جاز التوسل والسؤال بهذا كله من النبي ﷺ جاز التوسل والسؤال بغيره من الأنبياء والصالحين، ولا فرق. واستدل به أيضًا على دعاء غير الله من الأموات والغائبين حيث أنه ﷺ أمر الضرير بعد الوضوء والصلاة أن يدعو ويقول في دعائه: يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى. ففي قوله ((يا محمد)) جواز دعوة الغائبين لأن الرسول أمره أن يدعو بهذا الدعاء وهو عنه غائب، وإذا جاز دعاء الغائبين جاز دعاء الميتين. قال الشيخ محمد عابد السندي في رسالته التي أفردها لمسألة التوسل: والحديث يدل على جواز التوسل والاستشفاع بذاته
стр. 3771
..............................................................................................
ــ
المكرم في حياته، وأما بعد مماته فقد روى البيهقي والطبراني في الصغير (ص ١٠٣) عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد? ﷺ ?نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك ورُح إلى حتى أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتى كلمته فيَّ. فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فذكر الحديث. وزادا فيه هما وابن السني والحاكم ((فقال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل عليه الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط)) . قال الطبراني بعد ذكر طرقه التي روى بها: والحديث صحيح. وقال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) (ص ١٣٨) : وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله ﷺ إلى الله مع اعتقاد أن الفاعل هو الله وأنه المعطي المانع ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقال فيه أيضًا (ص ٣٧) في شرح قول العدة ((ويتوسل إلى الله سبحانه بأنبيائه والصالحين)) ما نصه: من التوسل بالأنبياء ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث عثمان بن حنيف أن أعمى أتي النبي ﷺ فذكر الحديث. ثم قال: وأما التوسل بالصالحين فمنه ما ثبت في الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس ﵁ عم رسول الله ﷺ ، وقال عمر ﵁: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا، ألخ - انتهى. وقال العز بن عبد السلام حينما سئل عن التوسل بالذوات الفاضلة ما لفظه: إن صح حديث الأعمى فهو مقصور على النبي ﷺ ويكون من خصوصياته. وتعقبه المجوزون بقياس غيره عليه ﷺ ، ومن أدلتهم أنه قد أوجب الله تعالى تعظيم أمره وتوقيره والزم إكرامه وقد كانت الصحابة تتبرك بآثاره وشعره ولا شك أن حرمته ﷺ بعد وفاته وتوقيره لازم كما كان حال حياته كذا في ((جلاء العينين)) (ص ٤٣٨) للسيد نعمان خير الدين الشهير بابن الآلوسي البغدادي وقال الشوكاني في رسالته ((الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد)) لا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به ﷺ في حياته، وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعًا سكوتيًا لعدم إنكار أحد منهم على عمر ﵁ في توسله بالعباس ﵁، وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي ﷺ كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين: الأول ما عرفناك به من إجماع الصحابة ﵃، والثاني أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة، إذا لا يكون الفاضل فاضًلا إلا بأعماله، فإذا قال القائل: اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني فهو
стр. 3772
..............................................................................................
ــ
باعتبار ما قام به من العلم. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله تعالى بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة، فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركًا لم تحصل الإجابة لهم ولا سكت النبي ﷺ عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم - انتهى. قلت: الحق والصواب عندنا أن التوسل بالنبي ﷺ في حياته بمعنى التوسل بدعائه وشفاعته جائز وهذا هو الذي وقع في حديث الأعمى الذي نحن في شرحه كما تقدم وسيأتي أيضًا، وكذا التوسل بغيره ﷺ من أهل الخير والصلاح في حياتهم بمعنى التوسل بدعائهم وشفاعتهم جائز أيضًا، وأما التوسل به ﷺ بعد وفاته وكذا التوسل بغيره من أهل الخير والصلاح بعد مماتهم فلا يجوز سواء كان بذواتهم أو جاههم أو حرمتهم أو كرامتهم أو حقهم أو نحو ذلك من الأمور المحدثة في الإسلام، وكذا لا يجوز دعاء غير الله من الأموات والغائبين، وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية في رسالته في التوسل والوسيلة، وقد أشبع الكلام في تحقيقه وأجاد فعليك أن تراجعها. وحديث الأعمى هو العمدة في الاستدلال عند المجوزين لأن غيره من الأحاديث إما أن يكون ضعيفًا لا يصلح للاستدلال كما بين ذلك حديثا حديثا العلامة السهسواني في ((صيانة الإنسان)) والعلامة السويدي الشافعي في ((العقد الثمين)) وذكره ملخصًا العلامة ابن الآلوسي في ((جلاء العينين)) أو أنه دليل على المجوزين لا لهم كحديث استسقاء عمر بالعباس ﵄، وقد ذكرنا في (ص٣٣٩) من الجزء الثاني وجه فساد الاستدلال بذلك على جواز التوسل بذاته ﷺ وسيأتي أيضًا، وكقصة أصحاب الغار التي ذكرها الشوكاني في أثناء الاستدلال لذلك فإن فيها توسل الإنسان بعمل نفسه لا بعمل غيره أو بذات غيره، لأن أصحاب الغار إنما توسلوا بأعمالهم لا بأعمال غيرهم فلا يتم التقريب بل توسل الإنسان بعبادة غيره ومزاياه غير مشروع ولا مأثور ولا معقول، وتوسل الإنسان بعمل نفسه مما لا ينكره أحد من الأئمة وفيه أيضًا ما قال العلامة السهسواني في ((صيانة الإنسان)) : إنا لا نسلم أن الفاضل إذا كان فضله بالأعمال كان التوسل به توسلاً بأعماله الصالحة لم لا يجوز أن يكون التوسل به توسلاً بذاته، بل هو الظاهر فإن حقيقة التوسل بالشيء التوسل بذاته والتوسل بالأعمال أمر خارج زائد على الحقيقة ولا يصرف عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمانع. قال صاحب المنار: إن المعلوم من حال هؤلاء المتوسلين بالأشخاص أنهم يتوسلون بذواتهم الممتازة بصفاتهم وأعمالهم المعروفة عنهم لاعتقاد أن لهم تأثيرًا في حصول المطلوب بالتوسل إما بفعل الله تعالى لأجلهم وإما بفعلهم أنفسهم مما يعدونه كرامة لهم. وقد سمعنا الأمرين منهم وممن يدافع عنهم وكل من الأمرين باطل. وفيه أيضًا أنه لو سلم أن مراد القائل: اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني هو التوسل بأعماله لا التوسل بذاته فاللفظ محتمل للتوسل بالذات أيضًا وهذا مما لا شك فيه وقد نهانا الله تعالى عن استعمال لفظ موهم لأمر غير جائز فقال في سورة البقرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (- ٢: ١٠٤) قال الإمام العلامة القنوجي البوفالي في تفسيره ((فتح البيان)) : وفي ذلك
стр. 3773
رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
ــ
دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها هذا المعنى المفيد للشتم سدًا للذريعة وقطعًا لمادة المفسدة والتطرق إليه - انتهى. وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي القصيمي: في تفسيره (ج١ ص٥٨) فيه الأدب واستعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن وعدم الفحش وترك الألفاظ القبيحة أو التي فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق - انتهى. قلت: وكذلك ما قال بعض الحنفية من أن المراد به التوسل بصفة من صفات الله تعالى مثل أن يراد به التوسل بمحبة الله تعالى لعباده الكاملين التامة المستدعية عدم رده وأن يراد به التوسل برحمته الخاصة الشاملة لهم لأجل أعمالهم الفاضلة ولا شك في جواز التوسل بصفة الله تعالى هذا أيضًا مخدوش ومحل نظر فإن إرجاع ذلك إلى التوسل بصفة من صفاته تعالى، فيه تكلف وتعسف جدًا ولذلك لا يستشعر بذلك عامة المتوسلين بالأشخاص كما لا يخفى، ولو سلم فاللفظ محتمل للتوسل بالذات أيضًا، واستعمال الألفاظ المحتملة للأمر الغير المشروع منهي عنه بدليل الآية المتقدمة. وأما حديث الأعمى فالجواب عنه من ناحيتين: ناحية الإسناد وناحية المعنى. فإذا صح الإسناد أو حسن وكان المعنى في متنه ولفظه ما ذكره المجوزون قامت حجتهم ونهضت دعواهم وإلا فلا، ونحن سنورد ما نستطيع الكلام في الناحيتين إن شاء الله تعالى (رواه الترمذي) في ((أحاديث شيء)) من أبواب الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص١٣٨) وزاد ((ففعل الرجل فبرأ)) ، والنسائي في الكبرى وزاد ((فرجع وقد كشف الله عن بصره)) ، وابن ماجة في ((صلاة الحاجة)) ، وابن السني (ص٢٠٢) ، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم (ج١ ص٣١٣، ٥١٩، ٥٢٦) ، والبيهقي في دلائل النبوة، وابن أبي خيثمة في تاريخه والطبراني في الصغير (ص١٠٣) (وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب) في الترمذي بعد هذا ((لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي)) انتهى. قلت: وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي وصححه أيضًا الطبراني كما تقدم، وأبو عبد الله المقدسي كما في التوسل والوسيلة (ص٨١) وفي تصحيحهم للحديث عندي نظر والراجح أنه حديث ضعيف لا يبلغ درجة الحسن فضلاً أن يكون صحيحًا، فإن إسناد هذا الحديث في جميع طرقه عند جميع رواته قد انفرد به راو واحد، هذا الراوي هو أبو جعفر الذي رواه عنه شعبة عند أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم (ج١ ص ٣١٣، ٥١٩) ، والبيهقي، وابن أبي خيثمة، والذي رواه عند هؤلاء السبعة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، وقد قال الترمذي كما تقدم بعد رواية الحديث: غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي جعفر، أما الذين رووه عن أبي جعفر هذا فشعبة عند هؤلاء السبعة، وروح بن القاسم عند ابن السني (ص٢٠٢) ، والحاكم (ج١ ص٥٢٦) ، والبيهقي أيضًا، والطبراني في الصغير (ص ١٠٣) ، وحماد بن سلمة عند ابن أبي خيثمة، وهشام الدستوائي عند ابن السني على ما ذكر الإمام ابن تيمية في رسالته (ص ٧٨) والحديث إلى أبي جعفر هذا صحيح السند لا بأس به وهذا
стр. 3774
..............................................................................................
ــ
ظاهر لمن تفحص عن رجاله بين أبي جعفر وبين من أخرج هذا الحديث فلا كلام للناقد في إسناده حتى يصل أبا جعفر الذي قيل أنه الخطمي، وقيل: أنه غير الخطمي، وروى أبو جعفر هذا عند السبعة عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف الصحابي شاهدًا لقصة. وعمارة هذا ثقة لا كلام فيه وعثمان بن حنيف صحابي جليل لا كلام فيه أيضًا، وقد تابع عمارة بن خزيمة في روايته عن ابن حنيف أبو أمامة واسمه أسعد بن سهل بن حنيف ابن أخي عثمان بن حنيف رواه عن عمه عثمان عند البيهقي وابن السني والحاكم والطبراني فيكون أبو جعفر هذا رواه عن عمارة بن خزيمة وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، فالحديث إذا لا يكون غريبًا إلا عند أبي جعفر المذكور، ولا ينفرد به سواه وسوى الصحابي عثمان بن حنيف، أما ما بين ذلك فالرواة متعددون وانفراد عثمان بن حنيف لا يضير الخبر لأنه صحابي جليل، فالكلام هنا يجب أن يقصر على أبي جعفر هذا، والترمذي كما تقدم يقول: إنه غير الخطمي. وسائر العلماء يقولون: أنه الخطمي، والغريب أن اسمه لم يقع مصرحًا به في واحد من الروايات فمن الخطمي إذا كان هو إياه ومن هو إذا كان سواه؟ أما أبو جعفر الخطمي فهو عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب الأنصاري المدني ثم البصري وهو ثقة من رجال الأربعة، روى عن أبيه وعمارة بن خزيمة وآخرين، وعنه هشام الدستوائي وشعبة وروح بن القاسم وحماد بن سلمة ويحيى القطان وآخرون، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: وثقه ابن معين والنسائي، وابن نمير والعجلي والطبراني، وذكره ابن حبان في الثقات وأثنى عليه ابن مهدي. وقال الحافظ وقال أبو الحسن المديني: وهو مدني، قدم البصرة وليس لأهل المدنية عنه أثر ولا يعرفونه - انتهى. فأبو جعفر هذا إن كان هو الخطمي كما ظنه غير الترمذي فالحديث في درجة متوسطة في الصحة والجودة لا يبلغ مكانة أحاديث الصحيحين ولا ينزل إلى أن يكون ضعيفًا باطلاً مردودًا، وإنما هو كالأحاديث التي يصححها أمثال الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ونحوهم ممن عندهم نحو تساهل في التصحيح ونقد الأخبار، هذا إن كان أبو جعفر هذا هو الخطمي، ولكن وقع اختلاف كما تقدم، فالترمذي يقول في جامعه إنه غير الخطمي، والحافظ ابن حجر يميل في التقريب إلى أنه غير الخطمي كالترمذي ويرجح أنه أبو جعفر عيسى بن ماهان الرازي التميمي. قال الحافظ في الكنى من التقريب: أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة قال الترمذي: ليس هو الخطمي فلعله الذي بعده يريد به أبا جعفر عيسى بن ماهان الرازي التميمي الذي قال الحافظ فيه: إنه صدوق سيئ الحفظ. وفي تهذيب التهذيب أيضًا ما يدل على أنه يرجح كونه غير الخطمي، وذلك أنه قال في الكنى من التهذيب (ج١٢ ص٥٨) : أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة وعنه شعبة، قال الترمذي: ليس هو الخطمي ولم يزد على ذلك ولم ينكر على الترمذي ما حكاه عنه فكأنه يميل إلى الأخذ بقوله وعند ما ذكر ترجمة الخطمي من التهذيب لم يتعرض لذلك الخلاف ولم يقل إنه الذي روى ذلك الخبر عن عمارة مع أنه معروف التنقيب على ما يراه يستحق ذلك، فالظاهر من مجموع ذلك أنه يميل إلى موافقة الترمذي في القول بأنه غير الخطمي. هذا قول الترمذي ومن في جانبه، وأما الأكثرون فقد ذكروا أنه الخطمي بعينه وقد وقع ذلك في كثير
стр. 3775
..............................................................................................
ــ
من الكتب التي رُوي الحديث فيها، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك الرأي الأخير، إذًا فالخلاف قائم بين أهل الحديث في أبي جعفر راوي الحديث وقد يقول قائل إنه يجب إسقاط خلاف الترمذي ومن معه في هذا الخلاف لأنه قائم على الظن والتوهم فلا حجة فيه وإنما الحجة في قول سواهم وهم الذين صرحوا بأنه هو الخطمي كما وقع مصرحًا به عند ابن أبي خيثمة في التاريخ وعند الطبراني في المعجم الصغير وعند الحاكم في المستدرك، وعند ابن السني في عمل اليوم والليلة، فإن هؤلاء قد صرحوا بأن راوي الحديث هو الخطمي عينه وهم ما قالوا ذلك إلا لأنهم علموا أو حدثوا أنه هو نصًا لا توهمًا، وذلك يقتضي ترجيح رأيهم على رأى الترمذي فيجب المصير إليه علمًا وبحثًا وتحقيقًا. قيل في الجواب: كلا إنه لا يجب بل لا يجوز إطراح قول الترمذي اعتباطًا ولا الذهاب إلى تخطئته جزافًا إذ لو صح لنا أن نقول إنه ظن محض بلا دليل لصح لنا أن نقول إن هؤلاء الذين صرحوا في كتبهم أنه هو الخطمي نفسه ليس لهم دليل أيضًا سوى التوهم والظن وهذا قريب جدًا، وذلك أنهم وجدوا أبا جعفر في الإسناد مجردًا مطلقًا مما يمكن أن يعينه فوثب إلى توهمهم وأوهامهم أنه الخطمي فصرحوا بما توهموه لا بما علموه. وهذا يحتمل في الترمذي كما يحتمل في الآخرين المخالفين له وإن كان يبدو للمتأمل جيدًا تقديم ما ذهب إليه الترمذي وترجيحه وذلك أنه يبعد جدًا أن يصرح عالم بالحديث مثله بأن هذا ليس هو الخطمي بمجرد الظن المحض لأنه إذا لم يكن لديه سوى التوهم كانت منطقة السكوت أرحب وأوسع وما أبعد أن يقع اسم أو كنية بين يدي ناقد بصير مثل الترمذي فيقول مبادرًا إن صاحب ذلك الاسم أو تلك الكنية ليس هو فلانًا ممن يسمون ذلك الاسم بلا حجة ولا برهان سوى الظن البحت، أما من قالوا إنه الخطمي فمن القريب للغاية أن يسمعوا الراوي يقول حدثني أبو جعفر فينساق بسرعة إلى أذهانهم أنه هو الخطمي أو غيره ممن يكنون تلك الكنية، وإذا لا يسوغ لنا شد المعرفة والحقيقة أن يبادر إلى الحكم بتخطئة الترمذي زاعمًا أنه الخطمي قولاً واحدًا بل يجب على الأقل التريث والتوقف ما لم ينبثق له في تلك الظلمة شعاع من نور ولا سيما أن ذلك الراوي المختلف فيه لم يتابعه أحد على روايته الحديث عن عمارة بن خزيمة وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف بل انفرد به في جميع الأسانيد والروايات وهذا ما يزيد الباحث الحريص على الحقيقة والمعرفة توقفًا وتريثًا. ولا سيما والحديث وارد في مسألة كهذه لها من الخطورة ما لها وإذ وصلنا إلى ذلك الدور من التحقيق وجدنا أمامنا أمرين لا مندوحة لنا من اختيار أحدهما: الأول أن نذهب قولاً واحدًا إلى أن ذلك الراوي ليس هو الخطمي كما قال الترمذي وكما رجح الحافظ ابن حجر على ما سبق. الثاني أن نلتزم التوقف وتجويز كلا الاحتمالين والقولين ريثما يقدر لنا قبس من نور في تلك الدجنة نتلمس به حقيقة ما غم علينا وعلى الباحثين وعلى الاحتمالين والقولين لا يصح لنا أن نبادر إلى القول بصحة الحديث وإلى الأخذ به حتى نأمن من أن يكون ذلك الراوي راويًا ضعيفًا متروكًا أو ممن لا يحتج به إذا انفراد برواية الحديث، وما دمنا جوزنا أن يكون الخطمي وأن يكون سواه فلا سبيل إلى الضمان من أن يكون ضعيفًا حتى نعلم أن جميع من يكنون تلك الكنية ممن هم في تلك الطبقة ثقات
стр. 3776
..............................................................................................
ــ
أثبات أما إذا ذهبنا إلى القطع بأنه غير الخطمي فقد يحتمل أن يكون راويًا ضعيفًا، وكذلك إذا جوزنا أن يكون إياه وأن يكون سواه لأنه لا سبيل إلى القطع بأنه هو قولاً واحدًا إلا لمن كان متسرعًا إلى ما يجب التأني والبطء فيه، ومادام ذلك الاحتمال موجودًا فلا شك أن العمل بالحديث غير جائز، ومن ثم ذهب المحدثون إلى أن رواية المجهول مردودة لاحتمال أن يكون ضعيفًا وأجمعوا على أنه إذا جاءت رواية باسم مشترك بين ثقات وضعفاء فاحتمل أن تكون الرواية رواية ضعيف، واحتمل أن تكون رواية ثقة وجب طرح تلك الرواية والتوقف في العمل بها، ثم نقول إن أبا جعفر هذا إذا لم يكن الخطمي فيحتمل أن يكون هو أبا جعفر عيسى بن ما هان الرازي التميمي، وقد تقدم أنه سيء الحفظ، وقد تفرد برواية هذا الحديث لم يتابعه أحد ولا شاهد له فلا يصح الاحتجاج بروايته، واعترض على هذا التجويز والاحتمال بأنه وقع في بعض الروايات نسبة أبي جعفر هذا إلى المدينة فجاء في سنن ابن ماجة عن أبي جعفر المدني وكذا جاء في مسند أحمد وعند البيهقي والحاكم والطبراني، وابن السني وهذا في الظاهر يأبى احتمال أن يكون أبو جعفر هذا هو عيسى بن ماهان الرازي لأنه ليس مدنيًا بل مروزي الأصل سكن الريّ وقيل أصله من البصرة ومتجره إلى الري فنسب إليها كذا في تهذيب التهذيب، وهناك رواة آخرون يكنون تلك الكنية منهم الثقات ومنهم الضعفاء ويجوز أن يكون أبو جعفر الذي في الخبر أحدهم ويجوز العكس وأن يكون رجلاً مجهولاً ليس له إلا ذلك الحديث ولم يرو عنه شعبة وروح بن القاسم سواه ولم يروه عن عمارة غيره، وقد يفهم هذا من صنع الحافظ ابن حجر، وذلك أنه قال فيمن يكنون بأبي جعفر أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة وعنه شعبة، قال الترمذي ليس هو الخطمي - انتهى. وقد يشهد لهذا أيضًا قول الترمذي أنه غير الخطمي ولم يزد على ذلك القول شيئًا فلم يسمه ولم يصفه ولم ينسبه فكأنه ما يعرف عنه شيئًا وإنما صحح حديثه اعتمادًا على رواية شعبة عنه لأن شعبة لا يروى إلا عن الثقات غالبًا وألا فقد روى عن غير الثقات، علا أن الترمذي معروف بالتساهل واللين في التحسين والتصحيح وقد اتضح بهذا البيان للمنصف أن حديث الأعمى ليس من الصحاح ولا الحسان وأنه لا يسوغ لمن لا يرضى لنفسه وعقيدته إلا الصحة واليقين أن يعمل به. أو إلزام الناس به فإن أبا جعفر المنفرد بروايته رجل مجهول لا نعرف حاله ولا يدرى مكانه من الصحة والقوة والضعف على وجه اليقين فيجب التوقف في روايته بل يجب ردها، وأما تصحيح من صححوه فليس بحجة وفي سنده ما ذكرناه من النقد والقدح، والذين صححوه كلهم من المتساهلين في التصحيح أمثال الترمذي والحاكم. وأما رواية ابن خزيمة في صحيحه فلا تقتضي الصحة مطلقًا كما بينه الأمير اليماني في توضح الأفكار (ج١ ص٦٤) ويحتمل أن يكون الذين صححوه اعتمدوا في ذلك على رواية شعبة بن الحجاج له عن أبي جعفر المختلف فيه، وذلك أن شعبة قد عهد منه كثيرًا اجتناب الضعفاء واجتناب حديثهم والرواية عنهم ولكن هذا ليس بلازم فقد روى شعبة عن قوم ضعفاء، ولعلهم أيضًا صححوه حاسبين أن أبا جعفر الراوي هو الخطمي لأن الخطمي ثقة ولم يعلموا أنه سواه كما علم الترمذي
стр. 3777
..............................................................................................
ــ
فكأن التصحيح قائم على هذا الوهم الذي فطن إليه الترمذي فرده، ومنشأ هذا الوهم والظن اتفاق الكنى وتحصل من هذا كله أن حديث الأعمى هذا ضعيف لا يحل الاحتجاج به، أما أولاً فلجهالة أبي جعفر المنفرد به عن عمارة بن خزيمة وعن أبي أمامة بن سهل، واختلاف الناس فيه، إذ زعم فريق أنه الخطمي وزعم فريق آخر أنه سواه، ولم يظهر لنا أصح القولين فوجدنا أن التوقف في ذلك هو المصير الصحيح، وأما ثانيًا فلتفرد ذلك الراوي المجهول المختلف فيه به دون غيره من أقرانه وممن هم أكثر منه حديثًا وتحديثًا وأكثر اجتماعًا بعمارة وبأبي أمامة وقد كان المظنون أن يرويه سواه إذا كان صحيحًا، وأما ثالثًا فلغرابة معنى الحديث وشذوذه عما عرفه الخاص والعام من أصول الإسلام وفروعه وعما علم بالضرورة منه فإن سؤال الله بخلقه كأن يقال يا الله أسألك بفلان أو أتوجه إليك بعبدك فلان أو نبيك فلان ونحو ذلك لم يعهد مثله في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة أو الأئمة وما نقل شيء من هذا النوع إلا ما جاء في الأخبار الواهية الباطلة، ومثل تلك الروايات لا يحل بها حكم من أحكام المياه والوضوء والطهارة فضلاً عن أن يثبت بها قاعدة من قواعد الإسلام ومناجاة الله وسؤاله، أما الروايات الصحيحة فلم يجئ في شيء منها من ذلك هذا، وأما الكلام على الحديث من جهة المعنى على افتراض كونه حسنًا أو صحيحًا فيقال إنه دليل جلي على بطلان ما ذهب إليه المجوزون وذلك أن المراد بقوله أتوجه إليك بنبيك التوجه بدعاء الرسول ﷺ لا بذاته ولا بشخصه، والدليل على ذلك أن أصل المسألة كان في الدعاء وفي طلبه من النبي ﷺ ولم يكن أصلها في سؤال الله بجاهه أو بذاته حتى يصح ما زعمه المجوزون. ومن الدليل عليه أيضًا قوله في خاتمة الحديث ((اللهم شفعه فيَّ)) فالأمر إذا أمر شفاعة. ومن الدليل عليه قوله أيضًا ((وإن شئت دعوت)) وقد شاء بلا خلاف، ولا شك فقد دعا أيضًا بلا خلاف، ولا شك قد علق الدعاء بالمشيئة والمشيئة قد وقعت فالدعاء كذلك قد وقع وهو مثل حديث الاستسقاء بالعباس. ومثل قول الفاروق ﵁: اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. وهم كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ وشفاعته لا بذاته وشخصه، وهذا ظاهر في الشرع وفي اللسان إلا عمن حجب الله بصيرته فإن قيل: إن هذا عدول عن ظاهر الخبر وهو لا يجوز الذهاب إليه إلا بدليل ملجئ ولا دليل على هذا العدول قلنا: إن من الكذب القول بأن ما ذهب إليه المجوزون هو ظاهر الخبر بل الظاهر هو ما ذهب إليه المانعون وهو مقتضى اللغة العربية فإنه لا يفهم من قوله ﵊ في تعليمه الدعاء ((اللهم إني أسالك وأتوجه إليك بنبيك)) وقوله ((توجهت بك)) إلا التوجه بالعمل لا بالذات والعمل هنا هو الدعاء والشفاعة بلا ريب. فإن قيل: إن هذا يقضي بأن يكون في الحديث كلمة محذوفة وهي كلمة الدعاء والشفاعة التي تزعمون أن التوجه والسؤال بها لا بالذات فيقدر في قوله ((أتوجه إليك بنبيك)) بدعاء نبيك، وفي قوله ((توجهت بك)) بدعائك، وهذا تقدير وادعاء في الحديث لا دليل عليه ولا ملجأ إليه أجيب أن التقدير في الحديث يجب على قول المجوزين وقول المانعين وعلى كل قول، فالمجوزون يقولون التقدير: اللهم إني أسالك وأتوجه إليك بذات نبيك أو بحرمته أو بجاهه أو بكرامته عليه أو مكانته لديك ونحو ذلك من
стр. 3778
..............................................................................................
ــ
المحذوفات، ولا دليل في الحديث على واحد منها، وأما المانعون فهم يقدرون الدعاء فقط، والدعاء مذكور فيه مدلول عليه بأول الخبر وآخره فكان تقديره سائغًا بل واجبًا بل هو في حكم المذكور المنصوص عليه فالعلم به لا يحتاج إلى تفكير ولا إلى دلالة ولا إلى شيء غير الفهم والإنصاف بل هذا ما يتبادر إلى فهم كل قارئ له ما عدا أهل الهوى والجدل والعناد وإننا نتحدى المجوزين ونطلب إليهم جميعًا أن يذكروا كلمة واحدة في الشرع وفي اللسان جاء استعمالها كاستعمال الحديث وكان التفسير لها كما ذكروا، فإن جاءوا بشيء من ذلك قلنا: صدقوا وألا فلا مهرب لهم من اقتحام الحقيقة والرضاء بالأمر الوقع والحق الذي لا غضاضة على قابله، قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته (ص٥٠) : حديث الأعمى لا حجة لهم، أي لمجوزي التوسل بالنبي ﷺ فيه فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته وهو طلب من النبي ﷺ الدعاء وقد أمره النبي ﷺ أن يقول ((اللهم شفعه فيَّ)) ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي ﷺ وكان ذلك يعد من آيات النبي ﷺ ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار، وقوله: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته إذ لو كان هذا مشروعًا لم يعدل عمر والمهاجرون والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس - انتهى. وأما رواية الطبراني التي استدلوا بها على جواز التوسل به ﷺ بعد مماته فيجاب عنها بما قال أيضًا شيخ الإسلام (ص٨٣) من أنه لا حجة فيها إذ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على ما فهمه بل على خلافه، ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال ((اللهم فشفعه في وشفعني فيه)) مع أن النبي ﷺ لم يدع له كان هذا كلامًا باطلاً مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره أن يسأل النبي ﷺ شيئًا ولا أن يقول ((فشفعه فيَّ)) ولم يأمره بالدعاء على وجهه وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من النبي ﷺ شفاعة ولا ما يظن أنه شفاعة فلو قال بعد موته ((فشفعه في)) لكان كلامًا لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان، والدعاء المأثور عن النبي ﷺ لم يأمر به، والذي أمر به ليس مأثور عن النبي ﷺ ، ومثل هذا لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في حسن العبادات أو الإباحات أو الايجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما ثبت عن النبي ﷺ يخالفه لا يوافقه لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين إتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد ومما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول، ولهذا نظائر كثيرة ثم ذكرها، ثم قال (ص٨٦) : يجب فيما تنازع فيه الصحابة الرد إلى الله والرسول فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله ﷺ ، ومن قال من العلماء ((إن قول الصحابي حجة)) فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقراراً على القول فقد يقال هذا إجماع إقراري إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد منهم وهم لا يقرون على باطل، وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال هو حجة، وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة
стр. 3779
..............................................................................................
ــ
بالاتفاق، وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله ﷺ لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم، وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي ﷺ بعد موته من غير أن يكون النبي ﷺ داعيًا له ولا شافعًا فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته كما كان يشرع في حياته بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به فلما مات لم يتوسلوا به بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهورة لما اشتدت بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل سمنًا حتى يخصب الناس، ثم لما استسقي بالناس قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون، وهذا دعاء أقره عليه جمع الصحابة، لم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته لما استسقى بالناس فلو كان توسلهم بالنبي ﷺ بعد مماته كتوسلهم في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما؟ ونعدل عن النبي ﷺ الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله، فلما لم يقل ذلك أحد منهم وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته، وحديث الأعمى حجة لعمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي ﷺ ودعاته لا بذاته، وقال له في الدعاء: قل ((اللهم فشفعه فيَّ)) . وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن التوسل بشفاعته كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة رسول الله ﷺ وكان المخالف محجوجًا بسنة رسول الله ﷺ ، وكان الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ حجة عليه لا له والله أعلم. وقال في (ص٧٤) : وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ في الشريعة فإن كثيرًا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب والمخلوقين ويحصل ما يحصل من غرضهم، وبعض الناس يقصد الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك، ويدعو التماثيل التي في الكنائس، ويحصل ما يحصل من غرضه، وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين ويحصل ما يحصل من غرضه. وقال في (ص١٠٩) : حديث الأعمى فيه التوسل بالنبي ﷺ إلى الله في الدعاء فمن الناس من يقول: هذا يقضي جواز التوسل به مطلقًا حيًا وميتًا وهذا يحتج به من يتوسل بذاته بعد موته وفي مغيبه ويظن هؤلاء أن توسل الأعمى والصحابة في حياته كان بمعنى الإقسام به على الله أو بمعنى أنهم سألوا الله بذاته أن يقضي حوائجهم ويظنون أن التوسل به لا يحتاج إلى أن يدعو هو لهم ولا إلى أن يطيعوه فسواء عند هؤلاء دعا الرسول لهم أو لم يدع، الجميع عندهم توسل به، وسواء أطاعوه أو لم يطيعوه، ويظنون أن الله تعالى يقضي حاجة هذا الذي توسل به بزعمهم ولم يدع له الرسول كما يقضي حاجة هذا الذي توسل بدعائه ودعا له الرسول ﷺ إذ
стр. 3780
..............................................................................................
ــ
كلاهما متوسل به عندهم ويظنون أن كل من سأل الله بالنبي ﷺ فقد توسل به كما توسل به ذلك الأعمى، وأن ما أمر به الأعمى مشروع لهم وقول هؤلاء باطل شرعًا وقدرًا، فلا هم موافقون لشرع الله ولا ما يقولون مطابق لخلق الله. ومن الناس من يقولون هذه قضية عين يثبت الحكم في نظائرها التي تشبهها في مناط الحكم لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل لها. والفرق ثابت شرعًا وقدرًا بين من دعا له النبي ﷺ وبين من لم يدع له، ولا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخر، وهذا الأعمى شفع له النبي ﷺ فلهذا قال في دعائه: ((اللهم فشفعه في)) فعلم أنه شفيع فيه ولفظه ((إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك، فقال: ادع لي)) فهو طلب من النبي ﷺ أن يدعو له فأمره النبي ﷺ أن يصلي وأن يدعو هو أيضًا لنفسه ويقول في دعاته: ((اللهم فشفعه فيَّ)) فدل ذلك على أن معنى قوله ((أسالك وأتوجه إليك بنبيك محمد)) ، أي بدعائه وشفاعته كما قال عمر ((اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا)) فالحديثان معناهما واحد فهو ﷺ علم رجلاً أن يتوسل به في حياته كما ذكر عمر أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا، ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلاً عنه، فلو كان التوسل به حيًا وميتًا سواء والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن لم يدع له الرسول لم يعدلوا عن التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه وأقربهم إليه وسيلة إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله، وكذلك لو كان أعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى كان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، فعدو لهم عن هذا إلى هذا مع إنهم السابقون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فإنهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وينفع وما لم يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن دليل على أن المشروع ما سألوه دون ما تركوه، وذلك أن التوسل به حيًا هو من جنس مسألته أن يدعو لهم وهذا مشروع، فما زال المسلمون يسألون رسول الله ﷺ في حياته أن يدعو لهم، وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه الدعاء لا عند قبره ولا عند غير قبره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين، يسأل أحدهم حاجته أو يقسم على الله به، ونحو ذلك وإن كان روى في ذلك حكايات عن بعض المتأخرين - انتهى. وأما ما استدل بالحديث على جواز دعاء غير الله وندائه من الأموات والغائبين فيجاب عنه بعد افتراض كون الحديث حسنًا بما قال الطيبي من أن قوله ((إني توجهت بك إلى ربي)) بعد قوله ((أتوجه إليك بنبيك)) فيه معنى قوله تعالى ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ (- ٢: ٢٥٥) فيكون خطابًا لحاضر معاين في قلبه مرتبط بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه عليه الصلاة السلام الذي هو عين شفاعته ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية المفيد كل ذلك أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيه ﵊ فكأنه استحضر وقت ندائه ومثل ذلك كثير في المقامات الخطابية والقرائن الاعتبارية كما يقول المصلي في تشهده ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) . ونقل السويدي عن اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية: أن الإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع
стр. 3781
٢٥٢٠- (١٥) وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : كان من دعاء داود يقول: اللهم إني أسالك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إليَّ من نفسي ومالي وأهلي، ومن الماء البارد قال: وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر داود يحدث عنه يقول: كان أعبد البشر.
ــ
الخطاب وقد تقدم بسط ذلك في شرح حديث ابن مسعود (ج٢ ص ٤٧٢، ٤٧٣) فنذكر، وقد علم بما ذكرنا أن النداء المذكور ليس مما يدعيه ويفعله أهل البدع من دعاء الأنبياء وندائهم وخطابهم معتقدين حضورهم في الخارج للاستعانة والاستعانة بهم في تفريج الكرب وقضاء الحوائج، وهذا ظاهر جلي إلا لأهل الجدل والعناد.
٢٥٢٠- قوله (يقول) اسم كان بحذف أن، أي قوله ((اللهم إني أسالك حبك)) من إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول، أي حبك إياي أو حبي إياك والأول أظهر إذ فيه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (- ٥: ٥٤) قاله القاري: ((وحب من يحبك)) كما سبق، أما الإضافة إلى المفعول فهو ظاهر كمحبتك للعلماء والصلحاء، وأما الإضافة إلى الفاعل فهو مطلوب أيضًا كما ورد في الدعاء ((حببنا إلى أهلها وحبب صالحي أهلها إلينا)) (والعمل) بالنصب عطف على المفعول الثاني ويحتمل الجر عطفًا على من يحبك، أي وحب العمل من إضافة المصدر إلى مفعوله فقط، ويؤيده حديث معاذ بن جبل عند الترمذي في تفسير ص بلفظ: وأسالك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك (الذي يبلغني) بتشديد اللام، أي يوصلني ويحصل لي (حبك) يحتمل لاحتمالين (اللهم اجعل حبك) أي حبي إياك (أحب إليَّ من نفسي ومالي) أي من حبهما حتى أوثره عليهما ((وأهلي)) كذا وقع في نسخ المشكاة الحاضرة عندنا ((من نفسي ومالي وأهلي)) وهكذا في جامع الأصول (ج٥ ص١١٠) وجمع الفوائد (ج٢ ص٦٥٨) ، وفي الترمذي ((من نفسي وأهلي)) ، أي بدون لفظة ((ومالي)) وهكذا عند الحاكم (ج٢ ص٤٣٣) ، وكذا ذكر ابن الجزري في الحصن. قال في اللمعات قوله ((من نفسي)) ، أي من حب نفسي، والمراد اجعل حب نفسك أحب إليَّ من نفسي لكنه لم يقل كذلك وإن جاز إطلاقه عليه مشاكلة لغاية التأدب - انتهى. قلت: وقع إطلاقه عليه في الحديث من غير مشاكلة أيضًا ((أنت كما أثنيت على نفسك)) (ومن الماء البارد) أعاد ((من)) ها هنا ليدل على استقلال الماء البارد في كونه محبوبًا وذلك في بعض الأحيان فإنه يعدل بالروح. قال في اللمعات: فيه مبالغة لأن حب الماء البارد طبيعي لا اختيار فيه، ففيه إشارة إلى سراية المحبة إلى الطبيعة أيضًا وذلك أكمل مراتب المحبة (قال) أي أبو الدرداء: (إذا ذكر) ، أي هو (داود يحدث عنه) أي يحكي (يقول) بدل من يحدث ذكره الطيبي. قال القاري: والأظهر أنه حال من الضمير في يحدث، وفي الترمذي ((قال)) مكان ((يقول)) وفي المستدرك ((وكان إذا ذكر داود وحدث عنه قال)) وهذا يدل على أن قوله ((يحدث)) في رواية الترمذي حال من الضمير في ((ذكر)) وقوله ((يقول)) أو ((قال)) جزاء للشرط، وعلى قول الطيبي والقاري يكون ((يحدث)) جزاء للشرط ولا يخفي ما فيه (كان) أي داود (أعبد البشر) أي أكثرهم عبادة في زمانه كذا قيد الطيبي. قال القاري: وعلى تقدير الإطلاق لا محذور فيه إذ لا يلزم من الأعبدية الأعلمية فضلاً عن الأفضلية.
стр. 3782
رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.
٢٥٢١- (١٦) وعن عطاء بن السائب عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خففت وأوجزت
ــ
وقيل: أي أشكر شكرًا، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ (- ٣٤: ١٣) أي بالغ في شكر وابذل وسعك فيه كذا ذكره الطيبي، وتعقبه القاري (رواه الترمذي) في جامع الدعوات، وأخرجه أيضًا الحاكم في تفسير سورة ص (ج٢ ص٤٣٣) كلاهما من رواية محمد بن سعد الأنصاري عن عبد الله بن ربيعة الدمشقي عن عائذ الله أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء (وقال: هذا حديث حسن غريب) وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه فرده الذهبي بأن عبد الله هذا قال أحمد: أحاديثه موضوعة - انتهى. وقال الحافظ: في التقريب عبد الله بن ربيعة بن يزيد الدمشقي، وقيل ابن يزيد بن ربيعة مجهول، وروى البخاري قوله: كان النبي ﷺ إذا ذكر داود قال: كان أعبد البشر، من هذا الطريق في التاريخ الكبير (١/٣/٢٢٨) ، في ترجمة عبد الله بن يزيد بن ربيعة الدمشقي ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في الثقات كما يظهر من التهذيب (ج٥ ص٢٠٨) وعلى كل حال لا يخلو تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم لهذا الحديث عن النظر.
٢٥٢١- قوله: (وعن عطاء بن السائب) الثقفي الكوفي يكنى أبا محمد، وقيل: أبا السائب. قال الحافظ في التقريب: صدوق اختلط، مات سنة ست وثلاثين ومائة. قلت: من سمع منه قديمًا فهو صحيح الحديث منهم الثوري وشعبة وزائدة وحماد بن زيد، فأما من سمع منه بآخره ففي حديثهم نظر، ومنهم جرير وهشيم وابن علية، واختلف حماد بن سلمة فقيل سمع منه قبل الاختلاط وقيل بعده. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٧ ص٢٠٧) بعد ذكر أقوال أئمة الجرح والتعديل في ذلك فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثوري وشعبة وزهيرًا وزائدة وحماد بن زيد وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم والظاهر أنه سمع منه مرتين مرة مع أيوب كما يؤمى إليه كلام الدارقطني حيث قال: دخل عطاء البصرة مرتين فسماع أيوب وحماد بن سلمة في الرحلة الأولى صحيح - انتهى. ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة وسمع منه جرير وذويه، والله أعلم (عن أبيه) أي السائب بن مالك أو ابن زيد أو ابن يزيد أبي يحيى ويقال أبو كثير ويقال أبو عطاء الثقفي الكوفي ثقة من كبار التابعين، روى عن علي وسعد وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم، وعنه ابنه عطاء وأبو إسحاق السبيعي وأبو البختري (فأوجز) أي اقتصر (فيها) ، أي مع إتمام أركانها وسننها (فقال له بعض القوم) ، أي ممن حضرها (لقد خففت) بالتشديد، قال القاري: أي الأركان بأن فعلت ما يطلق عليها الركن (وأوجزت) أي اقتصرت بأن أتيت بأقل ما يؤدي به السنن، وقوله
стр. 3783
الصلاة، فقال: أما على ذلك، لقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله ﷺ فلما قام تبعه رجل من القوم
ــ
(الصلاة) تنازع فيه الفعلان. قلت: قوله ((وأوجزت)) كذا وقع في جميع نسخ المشكاة أي بواو العطف، والذي في النسائي ((أو أوجزت)) أي بأو بدل الواو. قال في اللمعات: قوله ((وأوجزت الصلاة)) يشبه أن يكون بتخفيف الدعاء فيه كما ينظر إليه سياق الحديث، ويحتمل أن يكون بإيجاز القراءة ويكون المعنى وإن أوجزت الصلاة بتخفيف القراءة فيها لكني دعوت بدعوات تجبر النقصان كما قيل إن النوافل تكمل الفرائض - انتهى. ولأحمد والنسائي من طريق أبي مجلز عن عطاء قال: صلى بنا عمار صلاة فأوجز فيها فأنكروا ذلك فقال: ألم أتم الركوع والسجود؟ قالوا: بلي. قال الشوكاني: قوله: ((فأوجز فيها)) لعله لم يصاحب هذا الإيجاز تمام الصلاة على الصفة التي عهدوا عليها رسول الله ﷺ وألا لم يكن للإنكار عليه وجه، فقد ثبت من حديث أنس في مسلم وغيره أنه قال: ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام. وقوله ((فأنكروا ذلك)) فيه جواز الإنكار على من أخف الصلاة من دون استكمال، وقوله ((ألم أتم الركوع والسجود؟ قالوا: بلى)) فيه إشعار بأنه لم يتم غيرهما ولذلك أنكروا عليه (فقال: أما) بالتخفيف (عليَّ) بالتشديد (ذلك) وجه الطيبي هذه العبارة بثلاثة وجوه: أحدها أن الهمزة يحتمل أن تكون للإنكار كأنه قال: أتقول هذا وتنكرون عليَّ؟ وما عليَّ ضرر من ذلك، قال الشيخ الدهلوي: يعنى قوله ((ما عليَّ ذلك)) جملة حالية والواو مقدرة ولا حاجة إلى تقديرها فقد يقع حالاً بدون الواو نحو كلمته فوه إلى في، وكان تقديره الواو إشارة إلى كونها حالاً، وقوله ((ضرر من ذلك)) بيان لحاصل المعنى. وثانيها أن يكون الهمزة لنداء القريب، والمنادي محذوف، أي يا فلان ليس عليَّ ضرر من ذلك. وثالثها أن يكون أما للتنبيه، ثم قال عليَّ بيان ذلك فتدبر - انتهى. وفي المستدرك ((ما عليَّ في ذلك)) أي بدون الهمزة وبزيادة في قبل ذلك (لقد دعوت) كذا في جميع النسخ، وللنسائي ((أما عليَّ ذلك فقد دعوت)) قال السندي: أي أما مع التخفيف والإيجاز فقد دعوت، ألخ. وأما على تقدير اعتراضكم بالتخفيف فأقول قد دعوت، ألخ. والظاهر أن أما هذه لمجرد التأكيد وليس لها عديل في الكلام كأما الواقع في أوائل الخطب في الكتب بعد ذكر الحمد والصلاة من قولهم أما بعد فكذا (فيها) أي في أواخرها أو سجودها، قاله القاري. ومال النسائي إلى الأول حيث أورد هذا الحديث في أثناء أبواب الدعاء بعد التشهد والصلاة على النبي ﷺ (بدعوات) قال السندي: جمع الدعوات باعتبار أن كل كلمة دعوة بفتح الدال، أي مرة من الدعاء فإن الدعوة للمرة كالجلسة (سمعتهن من رسول الله ﷺ ) قال القاري: أي داخلها أو خارجها، وفي المسند وكذا في رواية للنسائي ((أما إني قد دعوت فيها بدعاء كان رسول الله ﷺ يدعو به)) قال الشوكاني: يحتمل أنه كان يدعو به في الصلاة ويكون فعل عمار قرينة تدل على ذلك ويحتمل أنه كان يدعو به من غير تقييد بحال الصلاة كما هو الظاهر من كلام (فلما قام) أي عمار (تبعه رجل من القوم) إلى هنا قول السائب عبَّر عن نفسه
стр. 3784
هُوَ أُبَيٌّ غَيْرَ أَنَّهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ فَسَأَلَهُ عَنْ الدُّعَاءِ ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ
ــ
برجل من القوم ولذا فسره عطاء بقوله (هو أُبَيّ) ، أي ذلك الرجل الذي تبع عمارًا هو أبي أي السائب (غير أنه) ، أي أبي (كنى عن نفسه) ، أي برجل فقال: تبعه رجل ولم يقل تبعته، ثم قال السائب (فسأله) أي الرجل عمارًا (عن الدعاء) ، أي فأخبره (ثم جاء) ، أي الرجل (فأخبر به) ، أي بالدعاء (اللهم) ، أي وهو هذا (بعلمك الغيب) ، أي المغيبات عن خلقك فضلاً عن المشاهدات، والباء للاستعطاف والتذلل، أي أنشدك بحق علمك ما خفي على خلقك مما استأثرت به (وقدرتك على الخلق) أي بقدرتك على خلق كل شيء تتعلق به مشيئك أو على جميع المخلوقات بأن تفعل فيهم ما تقضي إرادتك، وفيه دليل على جواز التوسل إليه تعالى بصفات كماله وخصال جلاله (أحيني) أي أمدني بالحياة (ما علمت الحياة) ما مصدرية ظرفية (خيرًا لي) بأن يغلب خيري على شري ((وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي)) بأن تغلب سيئاتي على حسناتي أو بأن تقع الفتن ما ظهر منها وما بطن، قاله القاري وعبر بما في الحياة لاتصافه بالحياة حالاً وبإذا الشرطية في الوفاء لانعدامها حال التمني إذا آل الحال إلى أن تكون الوفاة بهذا الوصف فتوفني، قلت قوله ((أحيني)) إلى قوله ((خيرًا لي)) ثابت في الصحيحين من حديث أنس بلفظ ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)) وهو يدل على جواز الدعاء بهذا لكن عند نزول الضرر كما وقع التقييد بذلك في حديث أنس المذكور وقد تقدم في (ج٢ ص٤٣٨) (اللهم وأسألك) عطف على ((أنشدك)) المقدر، أي وأطلب منك و ((اللهم)) معترضة. وقال القاري: والظاهر أن اللهم عطف على الأول بحذف العاطف كما في كثير من الدعوات الحديثية ومنه تكرار ((ربنا)) من غير عاطف في الآيات القرآنية، ولا يضره الواو في قوله ((وأسالك)) لأنها نظيرة الواو في قوله تعالى ((ربنا وآتنا)) (خشيتك) ، أي خوفك (في الغيب والشهادة) أي في السر والعلانية أو في الحالين من الخلوة والجلوة أو في الباطن والظاهر، والمراد استيعابها في جميع الأوقات فإن الخشية رأس كل خير والشأن في الخشية في الغيب لمدحه تعالى من يخافه بالغيب، وقال الشوكاني: أي في مغيب الناس وحضورهم لأن الخشية بين الناس فقط ليست من الخشية لله بل من خشية الناس (وأسألك كلمة الحق) ، أي النطق بالحق (في الرضا والغضب) ، أي في حالتي رضا الخلق مني وغضبهم عليَّ فيما أقوله فلا أداهن ولا أنافق، أو في حالتي رضاي وغضبي بحيث لا تلجئني شدة الغضب إلى النطق بخلاف الحق ككثير من الناس إذا اشتد غضبه أخرجه من الحق إلى الباطل، والمعنى أسألك أن أكون مستمرًا على النطق بالحق في جميع أحوالي وأوقاتي. قال الشوكاني: جمع بين الحالتين لأن الغضب ربما حال بين الإنسان وبين الصدع بالحق، وكذلك الرضا ربما قاد في بعض الحالات إلى المداهنة وكتم كلمة الحق (القصد) أي الاقتصاد
стр. 3785
فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ
ــ
وهو التوسط بلا إفراط وتفريط (في الفقر والغنى) لأن المختار أن الكفاف أفضل من الفقر ومن الغنى قاله في اللمعات، وقال المناوي: القصد أي التوسط في الفقر والغنى هو الذي ليس معه إسراف ولا تقتير، فإن الغنى يبسط اليد ويطغي النفس، والفقر يكاد أن يكون كفرًا، فالتوسط هو المحبوب المطلوب. وقال الشوكاني: القصد في كتب اللغة بمعنى استقامة الطريق والاعتدال، وبمعنى ضد التفريط وهو المناسب هنا لأن بطر الغني ربما جر إلى الإفراط وعدم الصبر على الفقر ربما أوقع في التفريط فالقصد فيهما هو الطريقة القويمة (لا ينفد) بفتح الفاء وبالدال المهملة أي لا يفنى ولا ينقضي ولا ينقص، وذلك ليس إلا نعيم الآخرة، وأما غيره فكل نعيم لا محالة زائل (قرة عين لا تنقطع) يحتمل أن يراد الذرية التي لا تنقطع بعده، بل تستمر ما بقيت الدنيا. ولعله مأخوذ من قوله تعالى ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (٢٥: ٧٤) وقيل: أراد المداومة على الصلاة والمحافظة عليها لقوله ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) أو المراد ثواب الجنة الذي لا ينقطع فيكون تأكيدًا لقوله ((نعيمًا لا ينفد)) فيكون بعد تخصيصًا بعد تعميم، وقيل: أراد قرة عينه أي بدوام ذكر الله وكمال محبته والأنس به (وأسألك الرضاء) بالمد، وفي المستدرك الرضى أي بالقصر. قال الجوهري: الرضى مقصورًا مصدر محض والاسم الرضاء ممدودًا (بعد القضاء) وفي رواية للنسائي الرضاء بالقضاء أي بما قدرته لي في الأزل لأتلقاه بوجه منبسط وخاطر منشرح وأعلم أن كل قضاء قضيته لي فلي فيه خير، قيل في وجه الأول: كأنه طلب الرضاء بعد تحقق القضاء وتقرره (برد العيش) أي طيبه وحسنه (بعد الموت) برفع الروح إلى منازل السعداء ومقامات المقربين، والعيش في هذه الدار لا يبرد لأحد بل محشو بالغصص والكدر والنكد ممحوق بالآلام الباطنة والأسقام الظاهرة (لذة النظر إلى وجهك) قال الطيبي: قيد النظر باللذة لأن النظر إلى الله تعالى إما نظر هيبة وجلال في عرصات القيامة، وإما نظر لطف وجمال في الجنة ليؤذن بأن المراد هذا، وفيه أعظم دليل على رؤية الله تعالى في الدار الآخرة كما هو مذهب أهل السنة والجماعة (والشوق إلى لقاءك) أي الاشتياق إلى ملاقاتك في دار المجازاة. قال الشوكاني: إنما سأله ع لأنه من موجبات محبة الله تعالى للقاء عبده لحديث ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)) ومحبة الله تعالى من أسباب المغفرة. وقال ابن القيم: جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا وهو الشوق إلى لقاءه، وأطيب ما في الآخرة وهو النظر إليه، ولما كان كلامه موقوفًا على عدم ما يضر في الدنيا ويفتن في الآخرة قال (في غير ضراء) أي شدة، وقيل: أي الحالة التي تضر وهي نقيض السراء وهما بناءان للمؤنث ولا مذكر لهما (مضرة) اسم فاعل من أضر والجار إما متعلق بقوله ((والشوق إلى لقاءك)) أي أسألك شوقًا لا يؤثر في سيري وسلوكي بحيث يمنعني عن ذلك وأن يضرني مضرة، وإما متعلق بأحيني، الثاني أظهر معنى وأقرب لفظًا
следующие страницы →