Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة. رواه أبو داود، وابن ماجة.
ــ
المسجد الأقصى قيل: إنما خص المسجد الأقصى لفضله، وفى رواية ابن ماجة: ((من بيت المقدس)) وكذا وقع في رواية لأحمد والدارقطني: (غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) أي من الصغائر ويرجى الكبائر (أو وجبت) أي ثبتت (له الجنة) أي ابتداء، و ((أو)) للشك من الراوي، ورواه الدارقطني بلفظ: ((غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ووجبت له الجنة)) من غير شك. وفيه: إشارة إلى أن موضع الإحرام متى كان أبعد كان الثواب أكثر، قال الطبري: قد استدل بهذا الحديث من ذهب إلى فضيلة تقديم الإحرام عن الميقات، ويحتمل أن تكون هذه الخصيصة ثبتت لبيت المقدس دون غيره، ولو كان لأجل البعد عن مكة لكان غيره مما هو بعد أولى بالذكر. وقال الخطابي: فيه جواز تقديم الإحرام على الميقات من المكان البعيد مع الترغيب فيه، وقد فعله غير واحد من الصحابة، وكره ذلك جماعة، أنكر عمر بن الخطاب على عمران بن الحصين إحرامه من البصرة، وكرهه الحسن البصري، وعطاء بن أبى رباح، ومالك بن أنس، وقال أحمد بن حنبل: وجه العمل المواقيت، وكذلك قال إسحاق. قلت: يشبه أن يكون عمر إنما كره ذلك شفقًا أن يعرض للمحرم إذا بعدت مسافته آفة تفسد إحرامه ورأى أن ذلك في قصير المسافة أسلم - انتهى. قلت: الأظهر أن عمر رأى أن ذلك باب في تعدي هدى الرسول ﷺ ومخالفة عن أمره فيجر إلى فتنة، وقد ذكر أبو شامة في كتاب البدع والحوادث أن مالكًا سئل عمن يحرم قبل الميقات فقال: يظن أنه أهدى من رسول الله ﷺ . وقد تقدم بسط الكلام في ذلك في شرح حديث جابر في المواقيت في الفصل الأول فتذكر. (رواه أبو داود، وابن ماجة) واللفظ لأبي داود ولفظ ابن ماجة في رواية: ((من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له)) وفى أخرى: ((من أهل بعمرة من بيت المقدس كانت كفارة لما قبلها من الذنوب)) والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص٢٩٩) وابن حبان بلفظ: ((غفر له ما تقدم من ذنبه)) فقط. ورواه البيهقي (ج٥: ص٣٠) بلفظ أبي داود. قال المنذري: قد اختلف الرواة في متنه وإسناده اختلافًا كثيرًا. وقال النووي: إسناده ليس بالقوي، وقال ابن القيم: هذا الحديث قال غير واحد من الحفاظ: إسناده ليس بالقوي، وقال السعاتي في شرح المسند (ج١١: ص١١٢) بعد نقل كلام النووي: إسناده عند الإمام أحمد لا بأس به - انتهى. وأراد بذلك ما رواه أحمد من طريق ابن إسحاق حدثني سليمان بن سحيم مولى آل جبير عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي عن أمه أم حكيم بنت أمية بن الأخنس السلمية عن أم سلمة، ومن هذا الطريق أخرجه ابن حبان في صحيحه، والدارقطني (ص٢٨٢) ، ويحيى بن أبي سفيان، ذكره الحافظ في تهذيب التهذيب فقال: يحيى بن أبي سفيان بن الأخنس الأخنسي المدني روى عن جدته، وقيل: عن أمه، وقيل: خالته أم حكيم حكيمة بنت أمية بن الأخنس عن أم سلمة في الإحرام من بيت المقدس، وروى عنه عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس ومحمد بن إسحاق بن يسار، وقيل بينهما
стр. 3922
(الفصل الثالث)
٢٥٥٧- (٢٩) عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجون فلا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون. فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ .
ــ
سليمان بن سحيم. قال ابن أبى حاتم عن أبيه: شيخ من شيوخ المدينة، ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في الثقات - انتهى. وقال في التقريب في ترجمته: ((مستور)) . وقال في ترجمة أم حكيم حكيمة: ((إنها مقبولة)) .
٢٥٥٧- قوله: (يحجون فلا يتزودون) قال الطيبي: كان الظاهر أن يقال: ((ولا يتزودون)) على الحال فجيء بالفاء لإرادة يقصدون الحج. قلت: كذا في جميع نسخ المشكاة بالفاء، ووقع في صحيح البخاري وسنن أبى داود وغيرهما ((ولا يتزودون)) أي بالواو، وهكذا ذكره ابن كثير وغيره، فالظاهر أن ما وقع في المشكاة من تصرف الناسخ، وزاد ابن أبى حاتم من وجه آخر عن ابن عباس ((يقولون نحج بيت الله أفلا يطعمنا)) ؟ (فإذا قدموا مكة سألوا الناس) أي أهل مكة أو أعم منهم، الزاد حيث فرغت أزودتهم، أو سألوا في مكة كما سألوا في الطريق فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾ أي خذوا زادكم من الطعام واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ أي من السؤال. قال الشوكاني: هو من إخبار بأن خير الزاد اتقاء المنهيات فكأنه قال: اتقوا الله في إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد فإن خير الزاد التقوى، وقيل المعنى: فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة والحاجة إلى السؤال والتكفف - انتهى.
وقيل معنى الآية: وتزودوا لمعادكم التقوى (أي الأعمال الصالحة التي هي كالزاد إلى سفر الآخرة) فإنه خير زاد، فمفعول تزودوا محذوف بقرينة خبر إن وهو التقوى بالمعنى الشرعي، وما يدل عليه سبب نزول الآية أرجح وأقوى، وعلى هذا يكون الزاد بمعناه الحقيقي الحسي، والتقوى بالمعنى اللغوي، أي الإتقاء والكف عن السؤال وإبرام الناس. وقال ابن كثير: لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى إليها كما قال: ﴿وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ﴾ (٧: ٢٦) لما ذكر اللباس الحسي نبه مرشدًا على اللباس المعنوي وهو الخشوع والطاعة والتقوى وذكر أنه خير من هذا أنفع - انتهى. قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى ويؤيده أن الله مدح من لم يسأل الناس إلحافًا، فإن قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ أي تزودوا واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم في ذلك، قال: وفيه أن التوكل لا يكون مع السؤال، وإنما التوكل المحمود أن لا يستعين بأحد في شيء، وقيل: هو قطع النظر عن الأسباب بعد تهيئة الأسباب كما قال ﵇: اعقلها وتوكل - انتهى. وقال القسطلاني: ليس في الحديث ذم التوكل لأن ما فعلوه تآكل لا توكل، لأن التوكل قطع النظر عن الأسباب مع تهيئتها لا ترك الأسباب بالكلية، فدفع الضرر المتوقع أو الواقع لا ينافي التوكل، بل هو واجب كالهرب من الجدار الهاوي إساغة اللقمة بالماء.
стр. 3923
رواه البخاري.
٢٥٥٨- (٣٠) وعن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله! على النساء جهاد؟ قال: نعم عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة. رواه ابن ماجة.
٢٥٥٩- (٣١) وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر،
ــ
(رواه البخاري) في الحج، وأخرجه أيضاً أبو داود في الحج والنسائي في السير، والتفسير من السنن الكبرى، والبيهقي (ج٤: ص٣٣٢) ، وابن حبان في صحيحه وعبد بن حميد، وابن أبى حاتم وغيرهم.
٢٥٥٨- قوله: (على النساء جهاد) بحذف الاستفهام، وفي المسند ((أعلى النساء جهاد)) ؟ أي بذكر همزة الاستفهام ورواه ابن خزيمة في صحيحه بلفظ: هل على النساء من جهاد (عليهن جهاد لا قتال فيه) بل فيه اجتهاد ومشقة سفر وتحمل زاد ومفارقة أهل وبلاد كما في الجهاد (الحج والعمرة) بدل من جهاد أو خبر مبتدأ محذوف ويجوز نصبهما بتقدير أعني قال السندى: أي فإن الحج والعمرة يشبهان الجهاد في السفر والخروج من البلاد والتعب، أما مقاتلة الأعداء فلا تقوى عليها المرأة، وقال الأمير اليماني: قوله: ((على النساء جهاد)) هو إخبار يراد به الاستفهام، وقوله: ((لا قتال فيه)) إيضاح للمراد، وبذكره خرج عن كونه استعارة، والجواب من الأسلوب الحكيم. وقوله: ((الحج والعمرة)) كأنها قالت ما هو؟ فقال: الحج والعمرة، أطلق عليهما لفظ الجهاد مجازًا، شبههما بالجهاد وأطلقه عليهما بجامع المشقة. والحديث فيه دليل على أن الجهاد ليس بواجب على النساء، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك. وفيه إشارة إلى وجوب العمرة وقد تقدم البحث عن ذلك. (رواه ابن ماجة) الحديث ذكره الحافظ في بلوغ المرام بلفظ المشكاة وقال: رواه أحمد، وابن ماجة واللفظ له. (أي لابن ماجة. ولفظ أحمد: ((قالت: يا رسول الله أعلى النساء جهاد؟ قال: الحج والعمرة هو جهاد النساء)) .) وإسناده صحيح، وأصله في الصحيح. قال الأمير اليماني: أي في صحيح البخاري، وأراد بذلك ما أخرجه البخاري من حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: يا رسول الله: نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لا، لكن أفضل الجهاد، حج مبرور. وأفاد تقييد إطلاق رواية أحمد وابن ماجة للحج، وأفاد أن الحج والعمرة تقوم مقام الجهاد في حق النساء، وأفاد أيضاً بظاهره أن العمرة واجبة إلا أنه ورد ما يخالفه - انتهى.
والحديث أخرجه أيضاً ابن خزيمة كما في الترغيب للمنذري.
٢٥٥٩- قوله: (حاجة ظاهرة) أي فقد زاد وراحلة، فإن الاستطاعة شرط الوجوب بلا خلاف، قاله القاري. (أو سلطان جائر) أي ظالم، وفيه إشارة إلى أن منعه بطريق الجور والعنف فلا عبرة بمنعه على سبيل المحبة واللطف،
стр. 3924
أو مرض حابس، فمات ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا. رواه الدارمي.
٢٥٦٠- (٣٢) وعن أبى هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: الحاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم.
ــ
وأيضاً من الموانع للوجوب إذا كان في الطريق سلطان جائر بالقتل وأخذ الأموال فالسلامة منهما من شروط الأداء الأصح نعم إذا كان الأمن غالبًا فيجب على الصحيح. قاله القاري. (أو مرض حابس) أي مانع من السفر لشدته، فسلامة البدن من الأمراض والعلل شرط الوجوب فحسب. وقيل: شرط الأداء. فعلى الأول لا يجب الحج ولا الإحجاج، ولا الإيصاء به على الأعمى، والمقعد، والمفلوج، والزمن، والمقطوع الرجلين، والمريض، والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة (فمات ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا) حيث ترك العمل بالكتاب مع إيمانه به وتلاوته وعمله بمواضع الخطاب. (رواه الدارمي) (ص٢٢٥) وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور في السنن وأحمد، وأبو يعلى، والبيهقي (ج٤: ص٣٣٤) كلهم من طريق شريك عن ليث بن أبى سليم عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة، وهذا إسناد ضعيف. ((ليث)) قال في التقريب عنه: صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك، وشريك سيء الحفظ، وقد خالفه سفيان الثوري فأرسله، رواه أحمد في كتاب الإيمان له عن وكيع عن سفيان عن ليث ابن سابط قال: قال رسول الله ﷺ : من مات ولم يحج ولم يمنعه من ذلك مرض حابس أو سلطان ظالم أو حاجة ظاهرة فذكره مرسلاً، وكذا ذكره ابن شيبة عن أبي الأحوص عن ليث مرسلاً، وأورده أبو يعلى من طريق أخرى عن شريك مخالفة للإسناد الأول وراويها عن شريك عمار بن مطر ضعيف ذكره الحافظ في التلخيص (ص٢٠٢) وللحديث شاهدان ضعيفان من حديث علي وهو ثاني أحاديث الفصل الثاني، ومن حديث أبى هريرة، وقد تقدم تخريجه هناك مع الكلام عليه، وله شاهد صحيح من قول عمر ابن الخطاب ﵁، رواه سعيد بن منصور والبيهقي وقد ذكرنا لفظه في شرح حديث علي، وقد ذكرنا أيضاً أن مجموع تلك الروايات لا يقصر عن كون الحديث حسنًا لغيره، وهو محتج به عند الجمهور.
٢٥٦٠- قوله (الحاج) أي الفريق الحاج، والمراد به الجنس. قال الطيبي: الحاج واحد الحجاج، وهو من إطلاق المفرد على الجمع باعتبار المعنى للجنس مجاز معروف (والعمار) بضم العين وتشديد الميم جمع العامر بمعنى المعتمر، قال الزمخشري: لم يجئ فيما أعلم عمر بمعنى اعتمر لكن عمر الله إذا عبده فيحتمل أن يكون العمار جمع عامر من عمر بمعنى اعتمر وإن لم نسمعه ولعل غيرنا سمعه وأن يكون مما استعمل منه في بعض التصاريف دون بعض كما قيل: يذر ويدع (وفد الله) الإضافة للتشريف والمراد وفد حرمه أي كجماعة قادمون عليه ونازلون لديه ومقربون إليه. قال الزمخشري: الوفد الذين يقصدون الأمراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك أي إنهم بسفرهم قاصدون التقرب إلى الله تعالى (إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم) وهذا في حج مبرور وعمرة كذلك كما لا يخفى، قال ابن حجر وجه إفراد الحاج
стр. 3925
رواه ابن ماجة.
٢٥٦١- (٣٣) وعنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وفد الله ثلاثة: الغازى، والحاج، والمعتمر. رواه النسائي، والبيهقي في شعب الإيمان.
٢٥٦٢- (٣٤) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا لقيت الحاج فسلم عليه وصافحه، ومره
ــ
وجمع ما بعده الإشارة إلى تميز الحج بأن المتلبس به وإن كان وحده يصلح لأن يكون قائمًا مقام الوفد الكثيرين بخلاف العمرة فإنها لتراخي مرتبتها عن الحج لا يكون المتلبس بها وحده قائمًا مقام أولئك - انتهى. قلت: قوله: ((الحاج)) كذا في جميع نسخ المشكاة بلفظ المفرد وهكذا وقع عند البيهقي في السنن (ج٥: ص٢٦٢) ، والذي في سنن ابن ماجة: ((الحجاج)) أي بلفظ الجمع وكذا ذكره المنذري في الترغيب، وهكذا وقع في حديث جابر عند البزاز، وحديث أنس عند البيهقي في الشعب، وحديث ابن عمر عند تمام الرازى. (رواه ابن ماجة) وكذا البيهقي، وفي إسنادهما صالح بن عبد الله بن صالح مولى بني عامر، قال فيه البخاري: ((منكر الحديث)) . وقال الحافظ في التقريب: مجهول.
٢٥٦١- قوله: (وفد الله ثلاثة) أي ثلاثة أشخاص أو أجناس (الغازي) في سبيل الله (والحاج والمعتمر) المتميزون عن سائر المسلمين بتحمل المشاق البدنية والمالية ومفارقة الأهلين. قال السندى: في القاموس: ((وفد إليه وعليه يفد وفدًا ورد)) وفي الصحاح: وفد فلان على الأمير أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد مثل صاحب وصحب فالمعنى السائرون إلى الله لقادمون عليه من المسافرين ثلاثة أصناف، فتخصيص هؤلاء من بين العابدين لاختصاص السفر بهم عادة، والحديث إما بعد انقطاع الهجرة أو قبلها لكن ترك ذكرها لعدم دوامها، والسفر للعلم لا يطول غالبًا فلم يذكر، والسفر على المساجد الثلاثة المذكورة في حديث ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) ليس بمثابة السفر إلى الحج ونحوه فترك، ويحتمل أن لا يراد بالعدد الحصر. والله تعالى أعلم. (رواه النسائي) في فضل الحج (والبيهقي في شعب الإيمان) ، وكذا في السنن الكبرى (ج٥: ص٢٦٢) ، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، وقدم ابن حبان الحاج والمعتمر كما في موارد الظمآن (ص٢٤٠) وفي الباب عن ابن عمر أخرجه ابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، وعن جابر أخرجه البزار برجال ثقات، وقال البوصيري: رواه إسحاق، والبزار بسند فيه: محمد بن أبى حميد وهو ضعيف - انتهى. وعن أنس أخرجه البيهقي بسند ضعيف.
٢٥٦٢- قوله: (إذا لقيت الحاج) أي بعد تمام حجه، وكذا عند قدومه من حجه، وفي معناه المعتمر (فسلم عليه) أي مبادرة إليه (وصافحه) أي ضع يدك اليمنى في يده اليمنى تواضعًا إليه (ومره) أمر من أمر أي اسأله التمس منه
стр. 3926
أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته، فإنه مغفور له. رواه أحمد.
٢٥٦٣- (٣٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من خرج حاجًا أو معتمرًا أو غازيًا ثم مات في طريقه، كتب الله له أجر الغازي والحاج والمعتمر. رواه البيهقي في شعب الإيمان.
ــ
(أن يستغفر لك) أي يطلب لك المغفرة من الله، وقيل: يقول: استغفر الله لي ولك، وفيه مبالغة عظيمة في حقه حيث ترجى مغفرة غيره باستغفار (قبل أن يدخل بيته) أي محل سكنه، فإنه إذا دخل قد يخلط ويلهو ويتلوث بموجبات غفلته (فإنه) أي الحاج (مغفور له) الصغائر والكبائر إلا التبعات إذا كان حجه مبرورًا كما قيده في عدة أخبار، ومن دعا له مغفور له غفر له، فإن دعاء المغفور له مقبول، قال المناوى: فتلقي الحاج والسلام عليه ومصافحته وطلب الدعاء منه مندوب. وظاهر الحديث أن طلب الاستغفار منه موقت بما قبل الدخول، فإن دخل فات. قال: لكن الحديث محمول على الأولوية، فالأولى طلب ذلك منه قبل دخوله فلعله يخلط ويلهو. (رواه أحمد) (ج٢: ص٦٩، ١٢٨) بسند ضعيف، ورمز السيوطى في الجامع الصغير لحسنه، وليس كما قال. ففي سنده محمد بن عبد الرحمن بن البيلمانى وهو ضعيف وقد اتهمه ابن عدى، وابن حبان، وممن جزم بضعفه الحافظ الهيثمي حيث قال (ج٤: ص١٦) بعد ذكره: رواه أحمد وفيه: محمد بن البيلمانى. وهو: ضعيف.
٢٥٦٣- قوله (من خرج حاجًا أو معتمرًا أو غازيًا) أي قاصدًا للغزو في سبيل الله (ثم مات في طريقه) أي قبل العمل (كتب الله له أجر الغازي والحاج والمعتمر) لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ﴾ (٤: ١٠٠) قيل: فمن قال: إن من وجب عليه الحج وأخره ثم قصد بعد زمان فمات في الطريق كان عاصيًا فقد خالف هذا النص. ذكره الطيبي. قال القاري: وفيه: بحث إذ ليس نص في الحديث على مطلوبه، فإنه مطلق فيحمل على ما إذا خرج حاجًا في أول ما وجب عليه وخرج أهل بلده للحج أو على ما إذا تأخر لحدوث عارض من مرض أو حبس أو عدم أمن في الطريق ثم خرج فمات فإنه يموت مطيعًا، وأما إذا تأخر من غير عذر حتى فاته الحج فإنه يكون عاصيًا بلا خلاف عندنا على اختلاف في أن وجوب الحج على الفور أو التراخي، والصحيح هو الأول، ومع هذا يمكن أن نقول له أجر الحاج في الجملة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً - انتهى. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) ويؤيده ما روي عن أبى هريرة أيضاً مرفوعًا بلفظ: ((من خرج حاجًا فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرًا فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيًا فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٣: ص ٢٠٨، ٢٠٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جميل بن أبى ميمونة، وقد ذكره ابن أبى حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في الثقات - انتهى.
стр. 3927
(١) باب الإحرام والتلبية
ــ
وحديث أبى هريرة هذا ذكره المنذري في الترغيب (ج٢: ص٦٠) وقال: رواه أبو يعلى من رواية محمد بن إسحاق، وبقية رواته ثقات، ونسبه الحافظ أيضاً في المطالب العالية (ج١: ص٣٢٦) لأبي يعلى وسكت عليه. وقال البوصيري: رواه أبو يعلى بسند ضعيف لتدليس محمد بن إسحاق.
(باب الإحرام والتلبية) قال القاري: حقيقة الإحرام الدخول في الحرمة والمراد الدخول في حرمات مخصوصة أي التزامها، والتزامها شرط الحج شرعًا، غير أنه لا يتحقق ثبوته إلا بالنية والتلبية أو ما يقوم مقامها، فعطف التلبية على الإحرام من باب عطف الخاص على العام، أو مبني على القواعد الشافعية من أن الإحرام هو النية فقط، أو المراد بالتلبية غير المقرونة بالنية منب يان ألفاظها وأحوالها وفضائلها - انتهى. وقال في غنية الناسك (ص٣٢، ٣٣) : الإحرام لغة الدخول في حرمة لا تنتهك من الذمة وغيرها، وشرعًا الدخول في حرمات مخصوصة أي التزامها غير أن التزامها لا يتحقق شرعًا إلا بالنية مع الذكر أو الخصوصية - فتح - قال في النهر: فهما شرطان في تحققه لا جزآن لماهيته كما توهمه في البحر، حيث عرفه بنية النسك من الحج أو العمرة مع الذكر أو الخصوصية - انتهى. والمراد بالذكر التلبية ونحوها، وبالخصوصية ما يقوم مقامها من تقليد البدنة مع السوق، فلو نوى ولم يلب أو لب ولم ينو لا يصير محرمًا، وهل يصير محرمًا بالنية والتلبية أو بأحدهما بشرط الآخر؟ المعتمد ما ذكره الحسام الشهيد أنه بالنية لكن عند التلبية كما يصير شارعًا في الصلاة بالنية لكن بشرط التكبير لا بالتكبير، وعن أبى يوسف أنه يصير بالنية وحدها، وهو أحد قولي الشافعي قياسًا على الصوم بجامع أنهما عبادة كف عن المحظورات، وقياسه على الصلاة أولى لأنه التزام أفعال لا مجرد كف، بل التزام الكف شرط فكان بالصلاة أشبه، فلا بد من ذكر يفتتح به أو بما يقوم مقامه مما هو من خصوصياته - فتح - انتهى. وقال ابن جاسر النجدي في مفيد الأنام: الإحرام أول الأركان، وهو في اللغة الدخول في التحريم، يقال: أشتى إذا دخل في الشتاء، وأربع إذا دخل في الربيع، وأنجد إذا دخل نجدًا، وأتهم إذا دخل تهامة، وأصبح وأمسى إذا دخل في الصباح والمساء، وفي الشرع نية الدخول في النسك وإن لم يتجرد من ثيابه المحظورة على المحرم لا نيته ليحج أو يعتمر سمي الدخول في النسك إحرامًا لأن المحرم بإحرامه حرم على نفسه أشياء كانت مباحة له من النكاح، والطيب، والصيد، وأشياء من اللباس ونحوها، ومنه في الصلاة ((تحريمها التكبير)) - انتهى. وقال ابن قاسم الحنبلي: الإحرام لغة: الدخول في التحريم، لأنه يحرم على نفسه بنيته ما كان مباحًا له قبل الإحرام من النكاح والطيب والتقليم والحلق وأشياء من اللباس ونحو ذلك. وشرعًا: نية الدخول في النسك مع التلبية أو سوق الهدي، لا نية أن يحج أو يعتمر، فإن ذلك لا يسمى إحرامًا، وكذا التجرد وترك سائر المحظورات لكونه محرمًا بدونها. وقال الشيخ (يعني ابن تيمية) لا يكون الرجل محرمًا بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته، فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لابد من قول
стр. 3928
..............................................................................................
ــ
أو عمل يصير به محرمًا، هذا هو الصحيح من القولين - انتهى.
وفى تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيتمى المكي: الإحرام يطلق على نية الدخول في النسك، وبهذا الاعتبار أي المعنى يعد ركنًا، وعلى نفس الدخول فيه بالنية لاقتضاءه دخول الحرم، كأنجد إذا دخل نجدًا، وتحريم الأنواع الآتية. وهذا هو الذي يفسده الجماع وتبطله الردة، وهو أي المعنى الثاني المراد هنا. قال الشرواني في حاشيته: قوله: ((يطلق على نية الدخول)) إلخ. أي يطلق شرعًا على الفعل المصدري فيراد به نية الدخول في النسك، إذ معنى ((أحرم به)) نوى الدخول في ذلك، ويطلق على الأثر الحاصل بالمصدر فيراد به نفس الدخول في النسك، أي الحالة الحاصلة المترتبة على النية. قال: وقد يقال: المراد به (أي بالنسك) هنا حالة حرم عليه بها ما كان حلالاً - انتهى. وقال ابن دقيق العيد: الإحرام الدخول في أحد النسكين والتشاغل بأعمالهما، وقد كان شيخنا العلامة أبو محمد بن عبد السلام يستشكل معرفة حقيقة الإحرام جدًا، ويبحث فيه كثيرًا، وإذا قيل: إنه النية اعترض عليه بأن النية شرط في الحج الذي الإحرام ركنه وشرط الشيء غيره، ويعترض على أنه التلبية بأنها ليست بركن، والإحرام ركن هذا أو قريب منه، وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء - انتهى. وفى الشرح الكبير للدردير: وركن الحج والعمرة ثلاثة: الأول: الإحرام وهو: نية أحد النسكين مع قول أو فعل متعلقين به كالتلبية والتجرد من المخيط والراجح أنه النية فقط. قال الدسوقي: قوله ((الراجح النية)) أي نية الدخول في حرمات الحج أو العمرة، وأما التلبية والتجرد فكل منهما واجب على حدته يجبر بالدم - انتهى. وقال ابن العربي في عارضة الأحوذى: ينعقد الحج بمجرد النية عندنا وإن لم ينطق به، وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا ينعقد إلا بالنية والتلبية أو سوق الهدي. وقال أبو عبد الله الزبيري من أصحاب الشافعي: لا ينعقد إلا بالنية والتلبية خاصة - انتهى. وفى الهداية: ولا يصير شارعًا في الإحرام بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية خلافًا للشافعي لأنه عقد على الأداء فلابد من ذكر، كما في تحريمه الصلاة، ويصير شارعًا بذكر يقصد به التعظيم سوى التلبية فارسية كانت أو عربية، هذا هو المشهور عن أصحابنا، والفرق بينه وبين الصلاة على قولهما أن باب الحج أوسع من باب الصلاة حتى يقام غير الذكر مقام الذكر كتقليد البدن، فكذا غير التلبية وغير العربية. قال ابن الهمام: قوله ((خلفًا للشافعي)) في أحد قوليه، وروي عن أبى يوسف كقوله قياسًا على الصوم، إلى آخر ما قال. وقال ابن رشد: اتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنية، واختلفوا هل تجزئ النية فيه من غير التلبية؟ فقال مالك، والشافعي: تجزئ النية من غير التلبية، وقال أبو حنيفة: التلبية في الحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة، إلا أنه يجزئ عنده كل لفظ يقوم مقام التلبية كما في افتتاح الصلاة عنده - انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣: ص٢٨١) : يستحب للإنسان النطق بما أحرم به ليزول الالتباس، فإن لم ينطق بشيء واقتصر على مجرد النية كفاه في قول إمامنا ومالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية حتى تضاف إليها التلبية أو سوق الهدي لما روي من حديث خلاد بن السائب (الآتي في الفصل الثاني) ولأنها عبادة ذات تحريم وتحليل فكان لها نطق واجب كالصلاة....
стр. 3929
..............................................................................................
ــ
ولنا أنها عبادة ليس في آخرها نطق واجب فلم يكن في أولها كالصيام. والحديث المراد به الاستحباب فإن منطوقه رفع الصوت، ولا خلاف في أنه غير واجب فما هو من ضرورته أولى، ولو وجب النطق لم يلزم كونه شرطًا، فإن كثيرًا من واجبات الحج غير مشترطة فيه، والصلاة في آخرها نطق واجب بخلاف الحج والعمرة. قال: والتلبية في الإحرام مسنونة لأن النبي ﷺ فعلها وأمر برفع الصوت بها، وأقل أحوال ذلك الاستحباب. ثم ذكر حديث: العج والثج، وحديث سهل ابن سعد الآتي في الفصل الثاني، ثم قال: وليست بواجبة، وبهذا قال الحسن بن حي، والشافعي، وعن أصحاب مالك أنها واجبة يجب بتركها دم، وعن الثوري وأبى حنيفة: أنها من شرط الإحرام لا يصح إلا بها كالتكبير للصلاة، لأن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ قال ابن عباس: الإهلال، وعن عطاء، وطاوس، وعكرمة: هو التلبية، ولأن النسك عبادة ذات إحرام وإحلال فكان فيها ذكر واجب كالصلاة، ولنا أنها ذكر فلم تجب في الحج كسائر الأذكار، وفارق الصلاة، فإن النطق يجب في آخرها فوجب في أولها، والحج بخلافه - انتهى. وقال في حدائق الأزهار: وإنما ينعقد (أي الإحرام) بالنية مقارنة لتلبية أو تقليد. قال الشوكاني: أقول: الإحرام هو مصير الشخص من الحالة التي كان يحل له فيها ما يحرم عليه بعدها إلى الحالة التي يحرم عليه بعدها إلى الحالة التي يحرم عليه فيها ما كان يحل له فيها. ولو لم يكن إلا مجرد الكف عن محظورات الإحرام لكان ذلك معنى معقولاً لكل عاقل، كالصوم فإنه ليس إلا الكف عن تناول المفطرات. فمن قال إنه لا يعقل معنى الإحرام وإنه ليس هناك إلا مجرد النية وإن النية لا تنوى وإلا لزم التسلسل، فقد أخطأ خطأ بينًا ومعلوم أن الشريعة المطهرة بعضها أوامر وبعضها نواه، والتعبد في النواهي ليس إلا بالكف فيلزمه أن يطرد هذا التشكيك الركيك في شطر الشريعة. وأما إيجاب النية فقد عرفناك غير مرة أن كل عمل يحتاج إلى النية والعمل يشمل الفعل والترك والقول والفعل، وعرفناك أن ظاهر الأدلة يقتضي أن النية شرط في جميع ما تقدم من العبادات لدلالة أدلتها على أن عدمها يؤثر في العدم، وهذا هو معنى الشرط عند أهل الأصول. وأما كون النية تقارن التلبية فقد ثبت عن رسول الله ﷺ في دواوين الإسلام من غير وجه أنه أهل ملبيًا. وقد قدمنا لك أن أفعاله وأقواله في الحج محمولة على الوجوب لأنها بيان لمجمل القرآن وامتثال لأمره ﷺ لأمته أن يأخذوا عنه مناسكهم. فمن ادعى في شيء منها أنه غير واجب فلا يقبل منه ذلك إلا بدليل. وأما كونها تقارن التقليد فلما ثبت عنه ﷺ في عام الحديبية ((أنه لما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة)) . وقال في غنية الناسك بعد ذكر صفة التلبية وحكمها وذكر كيفية الإحرام، والحاصل أن التلبية: فرض، وسنة، ومستحب، ومؤكد، ومندوب، فالفرض: مرة واحدة عند الإحرام والزيادة على المرة سنة، وعند تغير الحالات مستحب مؤكد، والإكثار منها من غير تغير مندوب - انتهى. وقال الحافظ في الفتح: في التلبية مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة الأول: أنها سنة من السنن لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي وأحمد، ثانيها: واجبة، ويجب بتركها دم، حكاه الماوردي عن ابن
стр. 3930
..............................................................................................
ــ
أبى هريرة من الشافعية وقال: إنه وجد للشافعي نصًا يدل عليه، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابي عن مالك وأبى حنيفة. قلت: وهو مختار أصحاب الفروع من المالكية. قال الدسوقي: والحاصل أن التلبية في ذاتها واجبة وعدم الفصل بينها وبين الإحرام بكثير واجب أيضاً ومقارنتها للإحرام سنة وتجديدها مستحب - انتهى. قال الحافظ: وحكى ابن العربي أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم، وهذا قدر زائد على أصل الوجوب. ثالثها: واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج كالتوجه على الطريق، وبهذا صدر ابن شاس من المالكية كلامه في الجواهر له. وحكى صاحب الهداية من الحنفية مثله لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إن كبر أو هلل أو سبح ينوي بذلك الإحرام فهو محرم. رابعها: أنها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها حكاه ابن عبد البر عن الثوري، وأبى حنيفة، وابن حبيب، والزبيري من الشافعية، وأهل الظاهر قالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة، ويقويه ما تقدم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة الإحرام، وهو قول عطاء. أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه. قال: التلبية فرض الحج، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاوس، وعكرمة، وحكى النووي عن داود أنه لابد من رفع الصوت بها، وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنًا - انتهى. وقال ابن رشد: كان مالكًا لا يرى التلبية من أركان الحج، ويرى على تاركها دمًا، وكان غيره يراها من أركانه، وحجة من رآها واجبة أن أفعاله ﷺ إذا أتت بيانًا لواجب أنها محمولة على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك لقوله ﷺ : خذوا عني مناسككم - انتهى. وقال القاري في شرح النقاية: فرض الحج الإحرام بإجماع الأمة وهو عندنا شرط الأداء لا ركن كما قال الشافعي، ومالك، لأنه يدوم إلى الحلق ولا ينتقل إلى غيره، ويجامع كل ركن في الجملة ولو كان ركنًا لما كان كذلك - انتهى. وقد علم مما ذكرنا من كلام أصحاب الفروع وغيرهم أن ها هنا عدة مسائل: الأولى: أن الإحرام فرض للحج والعمرة وهي مما أجمعوا عليه. والثانية: هل هو شرط أو ركن؟ وهى خلافية، فذهبت الحنفية إلى أنه شرط وقالت المالكية والشافعية والحنابلة: إنه ركن. والثالثة: أنه لابد من النية وهى إجماعية. والرابعة: هل التلبية فرض للإحرام؟ وقد اختلفوا فيه فعند الحنفية: شرط، وعند المالكية: واجب، وعند الشافعية والحنابلة: سنة. وفي تركها أو ترك اتصالها بالإحرام هدي عند القائلين بالوجوب وبالشرطية إذا انعقد الإحرام بدونها من قول أو فعل متعلق به. والخامسة: هل لابد من التلبية خاصة أو يجزئ كل ذكر يقصد به التعظيم سوى التلبية أو ما يقوم مقامه مما هو من خصوصيات الحج والعمرة من تقليد البدنة مع السوق، وهي أيضاً خلافية، كما يدل عليه كلام صاحب الهداية وغيره. والسادسة: أنه إذا نوى بقلبه ما يحرم به من حج أو عمرة أو قران أو نسك من غير تعيين وعزم من قلبه على ذلك فهل يتلفظ بالنية مع ذلك ويقول: نويت الحج أو العمرة لله؟ فقالت الحنفية التلفظ بالنية مع ذلك حسن ليجتمع القلب
стр. 3931
..............................................................................................
ــ
واللسان، قال ابن الهمام وغيره من محققي الحنفية: إن التلفظ بالنية مع ذلك إنما يحسن لمن لا يجتمع عزيمة قلبه أما من اجتمعت عزيمته فلا يحسن له في جميع العبادات، بل هو بدعة - انتهى. وفى ((تحفة المحتاج)) من فروع الشافعية: المحرم أي مريد الإحرام ينوي بقلبه وجوبًا، لخبر ((إنما الأعمال بالنيات)) ولسانه ندبًا للإتباع، وعقبهما يلبي ندبًا فيقول: ((نويت الحج وأحرمت به لله تعالى، لبيك اللهم)) ، إلخ. قال الشرواني: قوله: ((ينوى بقلبه)) إلخ، أي دخوله في حج أو عمرة أو كليهما، وقوله: ((ولسانه ندبًا للإتباع)) إن أراد الإتباع في هذا أيضاً فقد ذكر المحقق ابن الهمام في شرحه على الهداية أنه لم يعلم أن أحدًا من الرواة لنسكه ﷺ روى أنه سمعه ﷺ يقول: نويت العمرة ولا الحج - انتهى. وفي شرح مختصر خليل لبهرام: ومما يستحب عند الإحرام ترك التلفظ بما يحرم به، وروى عن مالك كراهة التلفظ بذلك - انتهى. قلت: قد تواترت الروايات المصرحة بأنه ﷺ أحرم من ذي الحليفة وسمى وعين ما أحرم به من إفراد أو قران أو تمتع، واتفقت على تعيين النسك في التلبية الأولى التي تكون عند عقد الإحرام وإن اختلفت في نوعه، وصرحت أيضاً بأنه ﷺ لبى عند ذلك كما ورد في الروايات، وقال: خذوا عني مناسككم، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الإحرام والتلبية والتسمية، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل، أما كون الإحرام شرطًا أو ركنًا وكون التلبية مسنونة أو مستحبة أو واجبة يصح الحج بدونها وتجبر بدم، وكذا كون الذكر الدال على تعظيم الله سوى التلبية مجزئًا والتلفظ بالنية بأن يقول: نويت العمرة، أو: نويت الحج، أو: نويت العمرة والحج، أو: اللهم إني أريد العمرة أو الحج، أو: اللهم إني أهل أو أحرم بكذا، فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص، والخير كله في إتباعه ﷺ ، فعلى كل من وصل إلى ميقاته ممن يريد الحج أو العمرة أن يحرم وينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده ويعزم عليه بقلبه لقول النبي ﷺ ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) ويشرع له التلفظ بما نوى كما نقل، فإن كانت نية العمرة قال: لبيك عمرة، أو: اللهم لبيك عمرة، وإن كانت نية الحج قال: لبيك حجًا، أو: اللهم لبيك حجًا. لأن النبي ﷺ فعل ذلك. ولا يشرع له التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصة لوروده عن النبي ﷺ ، وأما الصلاة والطواف والصيام وغير ذلك من العبادات فلا ينبغي له أن يتلفظ بشيء منها بالنية، لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية مشروعًا لبينه الرسول ﷺ وأوضحه للأمة بفعله أو قوله، ولسبق إليه السلف الصالح، هذا والتلبية مصدر لبى أي قال: ((لبيك)) قال العيني: هي مصدر من لبى يلبى، وأصله لبب على وزن فعّل لا فعلل فقلبت الباء الثالثة ياء استثقالاً لثلاث باءات ثم قلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وما قال صاحب التلويح من أن قولهم: لبى مشتق من لفظ لبيك كما قالوا: حمدل وحوقل، ليس بصحيح، ثم بسط في الرد والتعقب عليه، قال: ومعنى التلبية الإجابة، فإذا قال الرجل لمن دعاه: ((لبيك)) فمعناه أجبت لك فيما قلت.
стр. 3932
(الفصل الأول)
٢٥٦٤- (١) عن عائشة، قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم،
ــ
٢٥٦٤- قوله: (كنت أطيب) أي أعطر (رسول الله ﷺ ) قال الحافظ: استدل بقولها: ((كنت أطيب)) على أن ((كان)) لا تقتضي التكرار لأنها لم يقع منها ذلك إلا مرة واحدة، وقد صرحت في رواية عروة عنها بأن ذلك كان في حجة الوداع كما سيأتي في كتاب اللباس (أي عند البخاري) كذا استدل به النووي في شرح مسلم، وتعقب بأن المدعي تكراره إنما هو التطيب لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرر التطيب لأجل الإحرام مع كون مرة واحدة، ولا يخفى ما فيه. وقال النووي في موضع آخر: المختار أنها لا تقتضي تكرارًا ولا استمرارًا، وكذا قال الفخر في المحصول وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه. قال: ولهذا استفدنا من قولهم: ((كان حاتم يقري الضيف)) ، أن ذلك كان يتكرر منه. وقال جماعة من المحققين: إنها تقتضي التكرار ظهورًا، وقد تقع قرينة تدل على عدمه، لكن يستفاد من سياقه لذلك المبالغة في إثبات ذلك، والمعنى أنها كانت تكرر فعل التطيب لو تكرر منه فعل الإحرام لما اطلعت عليه من استحبابه لذلك، على أن هذه النقطة لم تتفق الرواة عنها عليها، فرواها مالك عند الشيخين، وتابعه منصور عند مسلم، ويحيى بن سعيد عند النسائي كلهم عن عبد الرحمن بن القاسم شيخ مالك بلفظ ((كنت)) ورواه سفيان بن عينة عن عبد الرحمن بن القاسم عند البخاري بلفظ ((طيبت رسول الله ﷺ )) وكذا سائر الطرق ليس فيها صيغة ((كان)) انتهى بزيادة يسيرة. وتعقب العيني كلام الحافظ أن ((سائر الطرق ليس فيها صيغة كان)) وبسط الروايات التي وردت بصيغة كان، وقال بعد ذكر استدلال النووي، وما اعترض به عليه: قال الإمام فخر الدين: إن ((كان)) لا تقتضي التكرار ولا الاستمرار (أي عرفًا ولا لغةً) وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه وقال بعض المحققين: تقتضي التكرار ولكن قد تقع قرينة تدل على عدمه. قلت (قائله العيني) ((كان)) تقتضي الاستمرار بخلاف ((صار)) ولهذا لا يجوز أن يقال في موضع: ((كان الله)) ((صار)) - انتهى. وذكر الشيخ تقى الدين في شرح العمدة أنها تدل عليه عرفًا لا لغةً. والله تعالى أعلم (لإحرامه) أي عند إرادته فعل الإحرام لأجل دخوله فيه (قبل أن يحرم) أي يدخل فيه، وفي رواية للنسائي: ((عند إحرامه حين أراد أن يحرم)) ولمسلم نحوه، واستدل به على استحباب التطيب عند إرادة الإحرام وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، ولا يضر بقاء لونه ورائحته، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام. قال الولي العراقي في ((طرح التثريب)) (ج٥: ص٧٥) : وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأبى يوسف، وأحمد بن حنبل، وحكاه ابن المنذر عن سعد بن أبى وقاص، وابن الزبير، وابن عباس، وإسحاق، وأبى ثور، وأصحاب الرأي، وحكاه الخطابي عن أكثر الصحابة، وحكاه ابن عبد البر عن أبى سعيد الخدري، وعبد الله بن جعفر، وعائشة، وأم حبيبة، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، والشعبي، والنخعي
стр. 3933
..............................................................................................
ــ
وخارجة بن زيد، ومحمد بن الحنفية. قال: واختلف في ذلك عن الحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقال به الثوري، والأوزاعي، وداود، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء، وعد منهم غير من قدمنا معاوية. وحكاه ابن قدامة عن ابن جريج. قال ابن المنذر: وبه أقول. وذهب مالك إلى منع أن يتطيب قبل الإحرام بما تبقى رائحته بعده، لكنه قال: إن فعل فقد أساء ولا فدية عليه. وحكى الشيخ أبو الظاهر قولاً بوجوب الفدية وعلله بأن بقاء الطيب كاستعماله، وقال محمد بن الحسن: يكره أن يتطيب قبل الإحرام بما تبقى عينه بعده، وحكى ابن المنذر عن عطاء كراهة التطيب قبل الإحرام، وحكاه النووي عن الزهري. قال القاضي عياض: وحكي أيضاً عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقال ابن عبد البر: وممن كره الطيب للمحرم قبل الإحرام عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبى العاص، وعطاء، وسالم بن عبد الله على اختلاف عنه، والزهري، وسعيد بن جبير والحسن، وابن سيرين على اختلاف عنهم، وهو اختيار أبى جعفر الطحاوي إلا أن مالكًا كان أخفهم في ذلك قولاً، ذكر ابن عبد الحكم عنه قال: وترك الطيب عند الإحرام أحب إلينا - انتهى. وقال الشنقيطي في أضواء البيان (ج٥: ص٤٤٨) : اعلم أن العلماء اختلفوا في التطيب عند إرادة الإحرام قبله بحيث يبقى أثر الطيب وريحه أو عينه بعد التلبس بالإحرام هل يجوز ذلك؟ لأنه وقت الطيب غير محرم، والدوام على الطيب ليس كابتدائه كالنكاح عند من يمنعه في حال الإحرام مع إباحة الدوام على نكاح معقود قبل الإحرام، أو لا يجوز ذلك؟ لأن وجود ريح الطيب أو عينه أو أثره في المحرم بعد إحرامه كابتدائه للتطيب، ولأنه متلبس حال الإحرام بالطيب، مع أن الطيب منهي عنه في الإحرام فقال جماهير من أهل العلم: إن الطيب عند إرادة الإحرام مستحب. قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابه، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء، منهم: سعد بن أبى وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو يوسف، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود وغيرهم إلخ. وقال النووي في شرح مسلم: وبه قال خلائق من الصحابة والتابعين وجماهير الفقهاء والمحدثين منهم: سعد بن أبى وقاص، وابن عباس إلى آخره كما في شرح المهذب. وقال ابن قدامة في المغني: يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه خاصة، ولا فرق بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية أو أثره كالعود، والبخور، وماء الورد، هذا قول ابن عباس، وابن الزبير، وسعد بن أبى وقاص، وعائشة، وأم حبيبة، ومعاوية. وروى عن محمد بن الحنفية، وأبى سعيد الخدري، وعروة، والقاسم، والشعبي، وابن جريج إلخ. وقال جماعة آخرون من أهل العلم: لا يجوز التطيب عند إرادة الإحرام، فإن فعل ذلك لزمه غسله حتى يذهب أثره وريحه. وهذا هو مذهب مالك. قال النووي في شرح مسلم: وقال آخرون بمنعه منهم: الزهري ومالك ومحمد بن الحسن، وحكي أيضاً عن جماعة من الصحابة والتابعين إلخ. وقال ابن قدامة في المغني: وكان عطاء يكره ذلك وهو قول مالك، وروى ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر رضي الله
стр. 3934
..............................................................................................
ــ
عنهم إلخ – انتهى. قلت: هكذا أطلق ((مذاهب الأئمة الأربعة)) عامة شراح الحديث كالحافظ والنووي والعيني، ونقلة المذاهب كابن رشد، وابن قدامة، وابن عبد البر، وابن المنذر وغيرهم، لكن في فروعهم تفاصيل في هذه المسألة، ففي مفيد الأنام لابن جاسر النجدي: ((ويسن لمريد الإحرام أن يتطيب ولو امرأة غير محدة لحرمة الطيب عليها، في بدنه سواء كان الطيب مما تبقى عينه كالمسك أو أثره كالعود، والبخور، وماء الورد لقول عائشة: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم - الحديث. قال شيخ الإسلام (يعني ابن تيمية) : وكذلك إن شاء المحرم أن يتطيب في بدنه فهو حسن ولا يؤمر المحرم قبل الإحرام بذلك، فإن النبي ﷺ فعله ولم يأمر به الناس - انتهى. ويكره لمريد الإحرام تطييبه ثوبه الذي يريد الإحرام فيه، فإن طيبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه فليس له لبسه والطيب فيه لأن الإحرام يمنع الطيب ولبس المطيب دون الاستدامة، فإن لبسه بعد نزعه وأثر الطيب باق لم يغسله حتى يذهب، فدى لاستعماله الطيب، أو نقل الطيب من موضع بدنه إلى موضع آخر، أو تعمد مسه بيده فعلق الطيب بها، أو نحى الطيب عن موضعه ثم رده إليه بعد إحرامه فدى، لأنه ابتداء للطيب، فإن ذاب الطيب بالشمس أو بالعرق فسال إلى موضع آخر من بدن المحرم فلا شيء عليه لحديث عائشة قالت: كنا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي ﷺ فلا ينهاها. رواه أبو داود - انتهى. وهكذا ذكر في ((الروض المربع)) من فروع الحنابلة، ومذهب الشافعية في الطيب عند الإحرام كمذهب الحنابلة، ففي ((روضة المحتاجين)) : يسن أن يتطيب في بدنه للإحرام قبله ولو بما له جرم، ولا بأس باستدامته بعده. لكن لو نزع ثوبه المطيب وإن كان لا يسن تطييبه ثم لبسه ورائحة الطيب موجودة فيه لزمه الفدية في الأصح، كما لو ابتدأ لبس الثوب المطيب أو أخذ الطيب من بدنه ثم رده إليه، ولا عبرة بانتقال الطيب بإسالة العرق، ولو تعطر ثوبه من بدنه لم يضر جزمًا - انتهى. وفى الدر المختار: وطيب بدنه إن كان عنده لا ثوبه بما تبقى عينه، هو الأصح. قال ابن عابدين: قوله: ((طيب بدنه)) أي استحبابًا عند الإحرام ولو بما تبقى عينه كالمسك والغالية هو المشهور. قال: والفرق بين الثوب والبدن أنه اعتبر في البدن تابعًا، والمتصل بالثوب منفصل عنه. وأيضاً المقصود من استنانه وهو حصول الارتفاق حالة المنع منه حاصل بما في البدن فأغنى عن تجويزه في الثوب - انتهى. وفى البحر الرائق: يسن له استعمال الطيب في بدنه قبيل الإحرام بما تبقى عينه بعده أولا تبقى وكرهه محمد بما تبقى، وقيدنا بالبدن إذ لا يجوز التطيب في الثوب بما تبقى عينه على قول الكل على إحدى الروايتين عنهما. قالوا: وبه نأخذ. والفرق لهما بينهما أنه اعتبر في البدن تابعًا على الأصح، وما بالثوب منفصل عنه فلم يعتبر تابعًا - انتهى. واختار الطحاوي قول محمد ورجحه في شرح الآثار، لكنه لم يذكر الفرق بين الثوب والبدن في قول الشيخين وكذا لم يفرق بينهما محمد في موطأه. وكذا لا ذكر للفرق بينهما في عامة كتب الحنفية، نعم فرق بينهما ابن الهمام، وقال بعد ذكر الفرق الذي تقدم عن ابن نجيم في البحر: وقد قيل: يجوز في الثوب أيضاً على قولهما
стр. 3935
..............................................................................................
ــ
وقال في ((غنية الناسك)) : أما الثوب فلا يجوز أن يطيب بما تبقى عينه بعد الإحرام إجماعًا. وقيل يجوز في الثوب أيضاً عندهما كما في الفتح والبحر، والأولى أن لا يطيب ثوبه كما في اللباب - انتهى. وقال الباجى: إن مالكًا لا يجيز لأحد من الأمة استعمال الطيب عند الإحرام إذا كان طيب تبقى له رائحة بعد الإحرام، ولا يدهن بدهن فيه ريح تبقى، وإن تطيب لإحرامه فلا فدية عليه، لأن الفدية بإتلاف الطيب في وقت ممنوع من إتلافه وهذا أتلفه قبل ذلك، وإنما تبقى منه بعد الإحرام الرائحة، وليس ذلك بإتلاف فتجب الفدية، ورأيت لبعض الفقهاء أن من تطيب قبل الإحرام بما تبقى رائحته فهو بمنزلة من تطيب بعد الإحرام، لأن استدامته كابتداء التطيب، فإن أراد بذلك أنه ممنوع في الحالتين فهو صحيح، وإن أراد به وجوب الفدية فليس بصحيح لأنها إنما تجب بإتلاف الطيب أو لمسه - انتهى. وفى الشرح الكبير للدردير: وحرم عليهما تطيب بكورس إلا طيبًا يسيرًا باقيًا في ثوبه أو بدنه مما تطيب به قبل إحرام فلا فدية عليه وإن كره. قال الدسوقي: أي بشرط أن يكون الباقي أثره أو ريحه مع ذهاب جرمه، هذا مقتضى كلام سند، والذي يظهر من كلام الباجي وغيره أنها لا تسقط الفدية إلا في بقاء ريحه دون الأثر، فقد اتفق الجميع على أنه إذا كان الباقي شيئًا من جرمه فالفدية واجبة. وإن كان الباقي رائحته فلا فدية. والخلاف فيما إذا كان الباقي أثره أي لونه دون جرمه، فقيل بعدم وجوبها وقيل بوجوبها - انتهى. قال الشنقيطي: أظهر قولي أهل العلم عندي أنه إن طيب ثوبه قبل الإحرام فله الدوام على لبسه كتطييب بدنه، وإنه إن نزع عنه ذلك الثوب المطيب بعد إحرامه فليس له أن يعيد لبسه، فإن لبسه صار كالذي ابتدأ الطيب في الإحرام فتلزمه الفدية، وكذلك إن نقل الطيب الذي تلبس به قبل الإحرام من موضع من بدنه إلى موضع آخر بعد الإحرام فهو ابتداء تطيب في ذلك الموضع الذي نقله إليه وكذلك إن تعمد مسه بيده أو نحاه من موضعه ثم رده إليه لأن كل تلك الصور فيها ابتداء تلبس جديد بعد الإحرام بالطيب وهو لا يجوز. أما إن كان قد عرق فسال الطيب من موضعه إلى موضع آخر فلا شيء عليه في ذلك لأنه ليس من فعله، ولحديث عائشة عند أبى داود الذي ذكرناه قريبًا , وقال بعض علماء المالكية: ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطيب في بدنه أو ثوبه، إلا أنه إذا نزع ثوبه لا يعود إلى لبسه، فإن عاد فهل عليه في العود فدية؟ يحتمل أن نقول: لا فدية، لأن ما فيه قد ثبت له حكم العفو كما لو لم ينزعه، وقال أصحاب الشافعي: تجب عليه الفدية لأنه لبس جديد وقع بثوب مطيب - انتهى من الحطاب. قلت: واحتج الجمهور القائلون باستحباب الطيب عند الإحرام بحديث عائشة الذي نحن في شرحه، وقد وقع في رواية عنها عند مسلم، قالت: طيبت رسول الله ﷺ بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام. قال الجزري: الذريرة نوع من الطيب مجموع من أخلاط. وقال النووي: هي فتات قصب طيب يجاء به من الهند. وفي لفظ عند مسلم أيضاً عن عروة قال: سألت عائشة ﵂ بأي شيء طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه؟ قالت:
стр. 3936
..............................................................................................
ــ
بأطيب الطيب وفي رواية: ((بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم، ثم يحرم)) وفي رواية عنها: ((كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم، يتطيب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته)) وفي لفظ عنها: ((قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك)) كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم. قالوا: فهذا الحديث دليل صريح في مشروعية الطيب قبل الإحرام وإن كان أثره باقيًا بعد الإحرام، بل ولو بقى عينه وريحه، لأن رويتها وبيص الطيب في مفارقه ﷺ وهو محرم صريح في ذلك. قالوا: وقد وردت آثار بذلك تدل على عدم خصوصية ذلك برسول الله ﷺ ، فقد روي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يفعل ذلك، وروي عن ابن عباس أنه أحرم وعلى رأسه مثل الرُب من الغالية. وقال مسلم بن صبيح: رأيت ابن الزبير وهو محرم وعلى رأسه ولحيته من الطيب ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال. واحتج الذين منعوا ذلك بحديث يعلى بن أمية التميمى الآتي في باب ما يجتنبه المحرم، فقد صرح فيه النبي ﷺ بغسل الطيب الذي تضمخ به يعلى قيل الإحرام وأمر بإنقائه، فهو دليل واضح على أن من تضمخ بالطيب قبل إحرامه لا يجوز له الدوام بل يجب غسله وانقاؤه. وقد اعتضد حديث أبي يعلى هذا ببعض الآثار الواردة عن بعض الصحابة، منهم عمر، وعثمان، وابن عمر، وعثمان بن أبي العاص. قال المالكية ومن وافقهم: قد تبين بهذه الآثار المروية عن هؤلاء الصحابة أن حديث يعلى غير منسوخ. قالوا: وإنكار عمر ذلك في خلافته على صحابين معاوية، والبراء بن عازب، وعلى تابعي كبير كثير بن الصلت بمحضر الجمع الكثير من الناس صحابة وغيرهم مع عدم إنكار أحد عليه، من أقوى الأدلة على تأويل حديث عائشة. قلت: قد أجاب الجمهور عن حديث يعلى بوجهين: أحدهما أن قصته كانت بالجعرانة وهي سنة ثمان بلا خوف، وقد ثبت حديث عائشة الذي نحن في شرحه في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر، والثاني أن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب. فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقًا محرمًا وغير محرم. وفي حديث ابن عمر: ((ولا يلبس أي المحرم من الثياب شيئًا مسه الزعفران)) وقد جاء مصرحًا في الحديث في مسند أحمد (ج٤: ص٢٢٤) ، والطحاوي (ص٣٦٤) : ((قال له اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك الزعفران)) وأجاب المالكية عن حديث عائشة الذي احتج به الجمهور بوجوه منها أنهم حملوه على أنه تطيب، ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب قبل الإحرام، قالوا: ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرمًا، فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه ثم زال بالغسل بعده لا سيما وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى ولا يبقى مع ذلك طيب. ويكون قولها: ثم أصبح ينضح طيبًا، أي قبل غسله، وقد وقع في رواية للشيخين أن ذلك للطيب كان ذريرة وهي مما يذهبه الغسل. وقولها: ((كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارقة رسول الله ﷺ وهو محرم)) ، المراد به أثره لا جرمه، قاله القاضي عياض. وقال ابن العربي:
стр. 3937
..............................................................................................
ــ
ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت. وأجيب عن ذلك بأن دعوى أن التطيب للنساء، يرده صريح الحديث في قولها: ((طيبته لإحرامه)) وادعاء أن اللام للتوقيت خلاف الظاهر، وادعاء أن الطيب زال بالغسل قبل الإحرام، ترده الروايات الصريحة عن عائشة أنها كانت تنظر إلى وبيص الطيب في مفرقه ﷺ وهو محرم، لأن الوبيص في اللغة: البريق، واللمعان، وهو وصف وجودي، والوصف الوجودي لا يوصف به المعدوم وإنما يوصف به الموجود، فدل على أن الطيب الموصوف بالوبيص موجود بعينه، وهو يرد قول ابن العربي: ((أنه لم يرد في شيء من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت)) ويؤيده ما رواه أبو داود في سننه. قال النووي: بإسناد حسن، من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ قالت: كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال علو وجهها، فيراه النبي ﷺ فلا ينهانا. والمسك بضم السين وتشديد الكاف نوع من الطيب يضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل، فهذا حجة في جواز بقاء عين الطيب في المحرم بعد الإحرام إن كان استعماله للطيب يضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل، فهذا حجة في جواز بقاء عين الطيب في المحرم بعد الإحرام إن كان استعماله للطيب قبل الإحرام. قال الحافظ: يرد دعوى أنه لم يبق للطيب أثر بعد الغسل، قوله في رواية أخرى للحديث المذكور: ثم أصبح محرمًا ينضح طيبًا، فهو ظاهر في أن نضح الطيب وهو ظهور رائحته كان في حال إحرامه ودعوى بعض المالكية أن فيه تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: طاف على نسائه ينضح طيبًا، ثم أصبح محرمًا، خلاف الظاهر. ويرده قوله في رواية عند مسلم: كان إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد، ثم أراه في رأسه ولحيته بعد ذلك، وللنسائي وابن حبان: رأيت الطيب في مفرقه بعد ثلاث وهو محرم وقال بعض المالكية: إن الوبيص كان بقايا الدهن المطيب الذي تطيب به فزال وبقى أثره من غير رائحة، ويرده قول عائشة: ((ينضح طيبًا)) وقال بعضهم: بقى أثره لا عينه. قال ابن العربى: ليس في شتى من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت - انتهى. ثم ذكر الحافظ حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة وقال: فهذا صريح في بقاء عين الطيب ولا يقال: إن ذلك خاص بالنساء لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين. وقال بعضهم: كان ذلك طيبًا لا رائحة له تمسكًا برواية الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة: ((بطيب لا يشبه طيبكم)) قال بعض رواته: يعني لا بقاء له. أخرجه النسائي. ويرد هذا التأويل ما في الذي قبله، ولمسلم من رواية منصور بن زاذان عن عبد الرحمن بن القاسم: بطيب فيه مسك. وله من طريق الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم: كأني أنظر إلى وبيص المسك. وللشيخين من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: ((بأطيب ما أجد)) وللطحاوي، والدارقطني من طريق نافع عن ابن عمر عن عائشة: ((بالغالية الجيدة)) وهذا يدل على أن قولها: ((بطيب لا يشبه طيبكم)) أي أطيب منه، لا كما فهمه القائل يعني ليس له بقاء - انتهى. ومنها: أن ذلك التطيب خاص به ﷺ وأجيب عن ذلك بأن حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة المتقدم نص في عدم خصوص ذلك به
стр. 3938
..............................................................................................
ــ
ﷺ ويعضده الآثار المروية عن بعض الصحابة كما تقدم عن ابن عباس وابن الزبير. وأما إنكار عمر، وعثمان على بعض الصحابة فهو مما لا يعارض به الصحيح المرفوع إلى النبي ﷺ لأن سنته أولى بالاتباع من قول كل صحابي مع أنهم خالفهم بعض الصحابة وقد ثبت في صحيح مسلم أن عائشة أنكرت ذلك على ابن عمر ﵃. قال الحافظ: ادعى المالكية أن ذلك من خصائصه ﷺ قاله المهلب وأبو الحسن القصار، وأبو الفرج من المالكية، قال بعضهم: لأن الطيب من دواعي النكاح فنهى الناس عنه وكان هو أملك الناس لإربه ففعله. ورجحه ابن العربي بكثرة ما ثبت له من الخصائص في النكاح، وقد ثبت عنه أنه قال: حبب إليّ النساء والطيب. أخرجه النسائي من حديث أنس، وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالقياس. وقال المهلب: إنما خص بذلك لمباشرته الملائكة لأجل الوحي. وتعقب بأنه فرع ثبوت الخصوصية، وكيف بها ويردها حديث عائشة بنت طلحة المتقدم، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة قالت: طيبت أبي بالمسك لإحرامه حين أحرم. وقولها: طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين. أخرجه الشيخان. ومنها أن الدوام على الطيب بعد الإحرام كابتداء الطيب في الإحرام بجامع الاستمتاع بريح الطيب في حال الإحرام في كل منهما. وأجيب عن ذلك بأنه منتقض بالنكاح فإن ابتداء عقده في حال الإحرام ممنوع عند الجمهور خلافًا لأبى حنيفة مع الإجماع على جواز الدوام على نكاح وقع عقده قبل الإحرام، ثم أحرم بعد عقده الزوجان وهو دليل على أنه ما كل دوام كالابتداء، وقد تقرر في الأصول أن المانع بالنسبة إلى الابتداء والدوام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: هو المانع للدوام والابتداء معًا كالحديث، فإنه مانع من ابتداء الصلاة، مانع من الدوام عليها إذا طرأ في أثناءها. والثاني: هو المانع للدوام فقط دون الابتداء كالطلاق فإنه مانع من الدوام على العقد الأول والاستمتاع بالزوجية بموجبه، وليس مانعًا من ابتداء عقد جديد والاستمتاع بها بموجبه. والثالث: هو المانع من الابتداء فقط دون الدوام كالنكاح بالنسبة إلى الإحرام، فإن الإحرام مانع من ابتداء العقد، وليس مانعًا من الدوام على عقد كان قبله. قالوا: ومن هذا الطيب فإن الإحرام مانع من ابتدائه، وليس مانعًا من الدوام عليه. ومنها أن حديث عائشة المذكور يقتضي إباحة الطيب لمن أراد الإحرام، وحديث يعلى بن أمية يقتضي منع ذلك والمقر في الأصول أن الدال على المنع مقدم على الدال على الإباحة والجواز، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام. وأجيب عنه بأن محل ذلك فيما إذا جهل المتقدم منهما، أما إذا علم المتقدم فإنه يجب الأخذ بالمتأخر، لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث، وقصة يعلى وقعت بالجعرانة عام ثمان بلا خلاف، وحديث عائشة في حجة الوداع عام عشر، ومن المقرر في الأصول أن النصين إذا تعارضا وعلم المتأخر منهما فهو ناسخ للأول كما هو معلوم في محله. ومنها أن حديث يعلى من قول النبي ﷺ بلفظه الصريح في الأمر بإزالة الطيب وإلقائه من البدن وظاهره العموم لأن خطاب الواحد يعم حكمه الجميع لاستواء الجميع في التكليف، والعموم القولي لا يعارضه فعل
стр. 3939
ولحله قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك،
ــ
النبي ﷺ لأنه مخصص له كما تقرر في الأصول. وأجيب عنه بما قدمنا آنفًا من الأدلة على ذلك الفعل الذي هو التطيب قبل الإحرام ليس خاصًا به كما دل عليه حديث عائشة المذكور. وقولها في الصحيح: ((طيبته بيدي هاتين)) صريح في أنها شاركته في ملابسة ذلك الطيب. ومنها قياس الطيب على اللبس، وتعقب بأن استدامة اللبس لبس واستدامة الطيب ليس بطيب، ويظهر ذلك بما لو حلف، كذا في الفتح هذا. وقد اتضح بما ذكرنا من أدلة الفريقين ومناقشتها أن القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه الجمهور. قال الشنقيطي: أظهر قولي أهل العلم عندي في هذه المسألة أن الطيب جائز عند إرادة الإحرام ولو بقيت ريحه بعد الإحرام لحديث عائشة المتفق عليه، ولإجماع أهل العلم على أنه آخر الأمرين، والأخذ بآخر الأمرين أولى كما هو معلوم، وقد علمت الأدلة على أنه ليس من خصائصه ﷺ وحديث عائشة بعد حديث يعلى بسنتين، أي فيتعين الأخذ بحديث عائشة (ولحله) أي لأجل خروجه من إحرامه بعد أن يرمي ويحلق (قبل أن يطوف بالبيت) أي طواف الإفاضة. وفي اللباس عند البخاري: قبل أن يفيض. وللنسائي: ((وحين يريد أن يزور البيت)) ولمسلم نحوه. وللنسائي في رواية أخرى: ((ولحله بعد ما يرمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت)) قال القارى: قوله: ((قبل أن يطوف بالبيت)) متعلق بـ ((حله)) وفيه دليل على أن الطيب يحل بالتحلل الأول خلافًا لمن ألحقه بالجماع (بطيب) متعلق بأطيب (فيه مسك) قد تقدم في رواية أنه ذريرة، ولا تنافي إذ لا مانع أنهم كانوا يخلطون الذريرة بالمسك. قال الحافظ: واستدل به على حل الطيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي الجمرة، ويستمر امتناع الجماع ومتعلقاته إلى الطواف بالبيت، وهو دال على أن للحج تحللين، فمن قال: عن الحلق نسك كما هو قول الجمهور وهو الصحيح عند الشافعية، يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة عليه. ويؤخذ ذلك من كونه ﷺ في حجته رمى ثم حلق ثم طاف فلولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: ((قبل أن يطوف بالبيت)) - انتهى. والحاصل أن إضافة الحل إلى ما قبل الطواف يؤمي إلى أن الحل الأصغر أي التحلل الأول هو بعد الرمي والحلق وغيرهما ما سوى الطواف. واعلم أن ها هنا ثلاثة مسائل خلافية، الأولى: أن الحلاق هل هو نسك أو إطلاق من محظور أي استباحت محظور، فذهب الجمهور إلى الأول، واختلف فيه قول الشافعي، والصحيح عند الشافعية: أن الحلق نسك كما تقدم في كلام الحافظ. ولا شك أن الذي تدل نصوص الشرع على رجحانه أن الحلاق نسك على من أتم نسكه، وعلى من فاته الحج، وعلى المحصر بعدو، وعلى المحصر بمرض. قال ابن قدامة: والحلق والتقصير نسك، في الحج والعمرة في ظاهر مذهب أحمد، وقول الخرقي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي. وعن أحمد أنه ليس بنسك وإنما هو إطلاق من محظور كان محرمًا عليه بالإحرام فأطلق فيه عند الحل كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام الثانية: أن التحلل الأول هل يحصل بالرمي والحلق معًا أو بالرمي فقط، فمن قال: إن الحلق نسك، قال:
стр. 3940
..............................................................................................
ــ
إن التحلل الأول لا يكون إلا بعد الرمي والحلق معًا، ومن قال: إن الحلق غير نسك، قال: يحصل التحلل الأول بمجرد انتهائه من رمي جمرة العقبة يوم النحر، قال مالك: إذا رمى جمرة العقبة فقد حل له قتل القمل، وحلق الشعر، وإلقاء التفث ولبس الثياب. قال الزرقاني: ولم يبق عليه من محرمات الإحرام سوى النساء والصيد، وكره الطيب حتى يطوف للإفاضة - انتهى. قال الباجى: وذلك أن موانع الإحرام على ضربين: رفث، وإلقاء تفث، فالرفث هو الجماع، وما في معناه مما يدعو إليه، وأما إلقاء التفث فهو كحلق الشعر، وخلع ثياب الإحرام، فأما إلقاء التفث فهو مباح بأول التحللين وهو رمي الجمرة، وأما الرفث فإنه لا يستباح إلا بآخر التحللين وهو طواف الإفاضة - انتهى. قال الدردير: حل برميها أي جمرة العقبة، وكذا بخروج وقت أدائها غير جماع ومقدماته وغير صيد، فحرمتهما باقية، وكره الطيب وهذا هو التحلل الأصغر. ومذهب الحنفية في المشهور عندهم أن الرمي غير محلل، ولا يحصل التحلل عندهم إلا بالحلق أو التقصير، قال الشنقيطي (ج٥: ص٢٨٨) : مذهب مالك أنه بمجرد رمي جمرة العقبة يوم النحر يحل له كل شيء إلا النساء والصيد والطيب، والطيب مكروه عنده بعد رميها لإحرام. وإن طاف طواف الإفاضة وكان قد سعى حل له كل شيء. ومذهب أبى حنيفة أنه إذا حلق أو قصر حل التحلل الأول ويحل به كل شيء عنده إلا النساء، وإن طاف طواف الإفاضة حل له النساء، وهم يقولون: إن حل النساء بعد الطواف إنما هو بالحلق السابق لا بالطواف لأن الحلق هو المحلل دون الطواف غير أنه أخر عمله إلى ما بعد الطواف فإذا طاف عمل الحلق عمله، كالطلاق الرجعي أخر عمله إلى انقضاء العدة لحاجته إلى الاسترداد، فإذا انقضت عمل الطلاق عمله فبانت. والدليل على ذلك أنه لو لم يحلق حتى طاف بالبيت لم يحل له شتى حتى يحلق، وبذلك تعلم أن المدار عندهم على الحلق، إلا أن الحلق عندهم بعد رمي جمرة العقبة وبعد النحر إن كان الحاج يريد النحر، ومذهب الشافعي أنه على القول بأن الحلق نسك يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: هي رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة. فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة تحلل التحلل الأول، وإن فعل الثالث منها تحلل التحلل الثاني. وبالأول: يحل عنده كل شيء إلا النساء، وبالثاني: تحل النساء، وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك، فالتحلل الأول يحصل بواحد من اثنين هما: رمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة، ويحصل التحلل الثاني بفعل الثاني، ومذهب الإمام أحمد أنه إن رمى جمرة العقبة ثم حلق تحلل التحلل الأول، وبه يحل عنده كل شيء إلا النساء. فإن طاف طواف الإفاضة حلت له النساء - انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣: ص٣٩٢) : قول الخرقي: ((قصر من شعره ثم قد حل)) يدل على أنه لا يحل إلا بعد التقصير، وهذا ينبني على أن التقصير نسك وهو المشهور، فلا يحل إلا به، وفي رواية أخرى: أنه إطلاق من محظور. وقال أيضاً (ج٣: ص٤٣٩) : ظاهر كلام الخرقي أن الحل إنما يحصل بالرمي والحلق معا وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي لقول النبي ﷺ : إذا
стр. 3941
..............................................................................................
ــ
رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما. ولأنهما نسكان يتعقبهما الحل، فكان حاصلاً بهما. وعن أحمد إذا رمى الجمرة فقد حل، ولم يذكر الحلق، وهذا يدل على أن الحل بدون الحلق، وهذا قول عطاء، ومالك، وأبى ثور، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقوله في حديث أم سلمة: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، وكذلك قال ابن عباس. قال بعض أصحابنا: هذا مبني على الخلاف في الحلق هل هو نسك أو لا؟ فإن قلنا: نسك حصل الحل به وإلا فلا. وفي الروض المربع: يحصل التحلل الأول باثنين من حلق، ورمي، وطواف، والتحلل الثاني بما بقى مع سعي - انتهى. وبه جزم النووي في مناسكه فقال: أي اثنين منها أتى بهما حصل التحلل الأول، ويحصل التحلل الثاني بالعمل الباقي من الثلاثة. هذا على المذهب الصحيح المختار أن الحلق نسك وقال الولي العراقي في طرح التثريب (ج٥: ص٨٠) : قال جمهور الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة: للحج تحللان، ثم اختلفوا في أمرين (أحدهما) فيما يحصل به التحلل الأول، فقال الشافعية: إن قلنا إن الحلق نسك وهو الصحيح المشهور حصل التحلل الأول بفعل أمرين من ثلاثة أمور: وهي رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعل اثنين منها أي اثنين كانا حصل التحلل الأول. وإن قلنا إن الحلق ليس نسكًا حصل التحلل الأول بواحد من الرمي والطواف، فأيهما فعله أولاً حل التحلل الأول، وعند أصحابنا يجوز تقديم بعض هذه الأمور على بعض، وترتيبها بتقديم الرمي ثم الحلق ثم الطواف مستحب فقط. قالوا: ولو لم يرم جمرة العقبة حتى خرجت أيام التشريق فات الرمي ولزمه دم، ويصير كأنه رمى بالنسبة لحصول التحلل به. والأصح عند الرافعي، والنووي أنه يتوقف تحلله على الإتيان ببدله، ولكن نص الشافعي على خلافه وحكى الرافعي وجهًا شاذًا أنه يحصل التحلل الأول بالرمي وحده أو الطواف وحده، ولو قلنا الحلق نسك. وقال الحنابلة: يحصل التحلل الأول بالرمي والحلق، وقال المالكية للحج تحللان يحصل أحدهما برمي جمرة العقبة والآخر بطواف الإفاضة، ولو قدم طواف الإفاضة على جمرة العقبة قال مالك، وابن القاسم: يجزئه وعليه هدي. وعن مالك أيضاً لا يجزئه، وهو كمن لم يفض، وقال أصبغ: أحب إلى أن يعيد الإفاضة وهو في يوم النحر آكد وقال الحنفية: إن التحلل الأول بالحلق خاصة دون الرمي والطواف فليسا من أسباب التحلل، وفرقوا بأن التحلل هو الجناية في غير أوانها، وذلك مختص بالحلق. وأما ذبح الهدي فليس مما يتوقف عليه التحلل، إلا أن الحنفية والحنابلة قالوا: إن المتمتع إذا كان معه هدي لا يحل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر ... (الأمر الثاني) فيما يحل بالتحلل الأول - وهي المسألة الثالثة - وقد اتفق هؤلاء على أنه يحل به ما عدا الجماع ومقدماته، وعقد النكاح، والصيد والطيب، وأجمعوا على أنه لا يحل الجماع. واختلفوا في بقية هذه الأمور فقال الشافعية: يحل الصيد والطيب، واختلفوا في عقد لنكاح والمباشرة فيما دون الفرج.
стр. 3942
..............................................................................................
ــ
وفيه قولان للشافعي أصحهما التحريم، كذا صححه النووي، ونقله عن الأكثرين. وذكر الرافعي أن القائلين به أكثر عددًا، وقولهم أوفق لظاهر النص في المختصر، ولكنه صحح في الشرح الصغير الحل. واقتضى كلامه في المحرر التفصيل بين المسألتين، فصرح بإباحة عقد النكاح بالأول وجعل المباشرة داخلة فيما يحل بالثاني، وكلام الحنابلة موافق للمرجح عندنا. وعبارة الشيخ مجد الدين ابن تيمية في المحرر: ثم قد حل من كل شيء إلا النساء، وعنه: يحل إلا من الوطء في الفرج، وكذا مذهب الحنفية. قال صاحب الهداية: وقد حل له كل شيء إلا النساء، ثم قال: ولا يحل الجماع فيما دون الفرج عندنا خلافًا للشافعي، فنصب الخلاف معه على أحد قوليه. وأما عقد النكاح فهو جائز عندهم في الإحرام وقال المالكية: يستمر تحريم النساء والصيد والطيب إلا أنهم أوجبوا في الصيد الجزاء ولم يوجبوا في الطيب الفدية كما تقدم. قال ابن حزم الظاهري: وهذا عجب، فإن احتجوا بالأثر الوارد في تطييب النبي ﷺ قبل أن يطوف بالبيت قلنا: لا يخلو هذا الأثر أن يكون صحيحًا ففرض عليكم ألا تخالفوه، وقد خالفتموه، أو غير صحيح فلا تراعوه، وأوجبوا الفدية على من تطيب كما أوجبتموها على من تصيد. وقال ابن عبد البر: راعى مالك الاختلاف في هذه المسألة فلم ير الفدية على من تطيب بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة. وقال أبو عباس القرطبي: اعتذر بعض أصحابنا عن هذا الحديث بادعاء خصوصية النبي ﷺ بذلك. قلنا الأصل التشريع وعدم التخصيص، والقول بالتخصيص يحتاج إلى دليل، وليس ثم دليل على ذلك. وقال ابن العربي: هذه مسألة مشكلة قديمًا، اختلف السلف فيها على أربعة أقوال: الأول: أن من رمى الجمرة حل له كل شيء إلا النساء والطيب. الثاني: زاد مالك: ((والصيد)) لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٥: ٩٥) وهذا حرام بعد. الثالث: قال عطاء إلا النساء والصيد لأن الطيب حل بفعله ﷺ فبقى النساء والصيد على تحريمه. الرابع: النساء خاصة، وهو قول الشافعي وهو حديث عائشة وهو الصحيح. وبه قال ابن عباس، وطاوس، وعلقمة - انتهى. قلت: وفيه قول خامس كما قال ابن النذر: وهو أن المحرم إذا رمى الجمرة يكون في ثوبيه حتى يطوف بالبيت، كذلك قال أبو قلابة. قال ابن قدامة: روي عن عروة أنه قال: لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب. وروي في ذلك عن النبي ﷺ حديثًا وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فقال عبد الله بن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم بن عبد الله، وطاوس، والنخغي، وعبد الله بن حسن، وخارجة بن زيد، والشافعي، وأحمد , وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يحل له كل شيء إلا النساء، وروينا ذلك عن ابن عباس، وقال عمر بن الخطاب، وابن عمر: يحل له كل شيء إلا النساء والطيب. وقال مالك: يحل له كل شيء إلا النساء والطيب والصيد - انتهى. قال الباجى: مذهب مالك المنع من ذلك ومن دواعي النكاح. قال: ومن رمى جمرة العقبة حل له كل شيء إلا النساء والطيب والصيد، فإذا أفاض حل له كل شيء، فمن تطيب قبل أن يفي فلا فدية عليه، لأنه وجد منه أحد التحللين، ووجه آخر أنه محل اختلف في استباحة
стр. 3943
..............................................................................................
ــ
استعمال الطيب فيه فلم يجب له فدية، أصل ذلك التطيب للإحرام - انتهى. وقال الأبي: القول بسقوط الفدية هو له في المدونة. وعنه رواية أخرى بثبوتها، ولا يتحقق لزومها إلا إذا كان المنع على وجه التحريم - انتهى. وذكر ابن قدامة في المغني (ج٣: ص٤٣٨) اختلاف العلماء في هذه المسألة نحو ما تقدم عن ابن المنذر، وقال: إن المحرم إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق حل له كل ما كان محظورًا بالإحرام إلا النساء، هذا الصحيح من مذهب أحمد نص عليه في رواية جماعة فيبقى ما كان محرمًا عليه من النساء من الوطء والقبلة واللمس بشهوة وعقد النكاح، ويحل له ما سواه، وعن أحمد أنه يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج لأنه أغلظ المحرمات، ويفسد النسك بخلاف غيره - انتهى. وفى الروض المربع من فروع الحنابلة: ثم إذا رمى، وحلق، أو قصر، فقد حل له كل شيء كان محظورًا بالإحرام إلا النساء وطئًا ومباشرة وقبلة ولمسًا بشهوة وعقد النكاح - انتهى. وبه جزم النووي في المناسك إذ قال: ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات بالإحرام إلا الاستمتاع بالنساء فإنه يستمر تحريمه حتى يتحلل التحللين، وكذا يستمر تحريم المباشرة بغير الجماع على الأصح، زاد ابن حجر: أي وتحريم عقد النكاح كما في المنهاج وغيره - انتهى. وقال العيني (ج١٠: ص٩٣) بعد ذكر اختلاف العلماء عن ابن المنذر: قلت مذهب عروة وجماعة من السلف أنه لا يحل للحاج اللباس والطيب يوم النحر وإن رمى جمرة العقبة وحلق وذبح حتى تحل له النساء، ولا تحل له النساء حتى يطوف طواف الزيارة. وقال علقمة، وسالم، وطاوس، وخارجة بن زيد، وإبراهيم النخعي، وأبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وأحمد في الصحيح، وأبو ثور، وإسحاق: إذا رمى المحرم جمرة العقبة ثم حلق حل له كل شيء كان محظورًا بالإحرام إلا النساء، واختلفوا في حكم الطيب فقال أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد في رواية: حكم الطيب حكم اللباس فيحل كما يحل اللباس. وقال مالك، وأحمد في رواية: حكم الطيب حكم الجماع فلا يحل له حتى يحل الجماع - انتهى. قلت: قد تقدم في بيان المسألة الثانية أن المحلل عند الحنفية الحلق، ولذا قال القاري في شرح اللباب: حكمه أي الحلق التحلل فيباح به جميع ما حظر بالإحرام من الطيب والصيد ولبس المخيط وغير ذلك إلا الجماع ودواعيه كالتقبيل واللمس على ما ذكره الكرماني، لكن في منسك الفارسي والطرابلسى: لا يحل الجماع فيما دون الفرج بخلاف اللمس والقبلة - انتهى. ولعل مرادهما أنهما مكروهان بخلاف الجماع فيما دون الفرج فإنه حينئذٍ حرام فلا تنافي، فإنه أي الجماع وتوابعه يتوقف حله على طواف الإفاضة - انتهى. قال الشنقيطى: لم أر لمالك بالنسبة إلى الصيد مستندًا من النقل إلا أمرين: أحدهما: أثر مروي عن مكحول عن عمر ﵁ أنه قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب والصيد. ذكر هذا الأثر صاحب المهذب. وقال النووي في شرحه: وأما الأثر المذكور عن عمر ﵁ فهو مرسل، لأن مكحولاً لم يدرك عمر، فحديثه عنه منقطع. والثاني التمسك بظاهر قوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٩٥: ٥) لأن حرمة الجماع المتفق عليها بعد رمي جمرة العقبة دليل على بقاء إحرامه في الجملة فيشمله عموم
стр. 3944
..............................................................................................
ــ
﴿لا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ لأنه لو زال حكم إحرامه بالكلية لما حرم عليه الوطء. وأما حجته مالكًا أعني مالكًا بالنسبة إلى النساء والطيب فهي ما روى في موطأه عن نافع، وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب خطب الناس بعرفة وعلمهم أمر الحج وقال لهم فيما قال: إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء والطيب، لا يمس أحد نساء ولا طيبًا حتى يطوف بالبيت. قال الباجي: لم يذكر عمر تحريم الصيد لأن المقيم بها مقيم بالحرم، والصيد ممنوع فيه للحلال فلا يستبيحه لطواف الإفاضة ولا غيره، وإنما تكلم على ما يستباح بطواف الإفاضة ويمنع منه الإحرام خاصة دون حرمة الحرم. ولا خلاف على المذهب أن الصيد ممنوع في ذلك الوقت في الحل، فلو أصابه في الحل قبل طواف الإفاضة لكان عليه جزاؤه، وقد قال به ابن القاسم - انتهى. ومما يستدل به لمالك على منع الطيب ما رواه الحاكم في المستدرك (ج١: ص٤٦١) من طريق يحيى بن سعيد، وعن القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير، قال: من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح بمنى ثم يغدو إلى عرفة - الحديث. وفيه فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت. ثم قال: هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولم يتعقبه عليه الذهبي. ولا يخفى أن هذه الآثار لا تصلح لمعارضة أحاديث حل الطيب المرفوعة الصحيحة، وعلى فرض أن أثر ابن الزبير مرفوع، فهو أيضاً لا يعتد به بجنب الأحاديث الدالة على حل الطيب ولا سيما وهى مثبته لحله. قال الشنقيطي: وأما حجة من قال: إنه إن رمى جمرة العقبة وحلق حل له كل شيء إلا النساء، كأحمد والشافعي ومن وافقهما فمنها حديث عائشة المتفق عليه يعني الحديث الذي نحن في شرحه، وقد ذكر مسلم لهذا الحديث ألفاظًا متعددة متقاربة معناها واحد، ومنها ما رواه أحمد (ج١: ص٢٣٤، ٣٤٤، ٣٦٩) والنسائي، وابن ماجة، والطحاوي، والبيهقي من طريق الحسن العرني عن ابن عباس، قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء. قال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟ قال في البدر المنير: إسناده حسن كما قاله المنذري، إلا أن يحيى بن معين وغيره قالوا: إن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس. ومنها ما رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني، والبيهقي، وسعيد بن منصور، والطحاوي من طريق الحجاج بن أرطاة عن الزهري عن عمرة عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء. قال أبو داود، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: إن الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه شيئًا. ورواه الطحاوي والبيهقي أيضاً من طريق الحجاج بن أرطاة عن أبى بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة. قال المنذري: قد ذكر غير واحد من الحفاظ أن الحجاج بن أرطاة لا يحتج بحديثه - انتهى. وقد ذكر المصنف حديث ابن عباس المتقدم وحديث عائشة هذا في باب خطبة يوم النحر
стр. 3945
..............................................................................................
ــ
ورمي أيام التشريق، ويأتي بقية الكلام عليهما هناك إن شاء الله. ومنها ما رواه أبو داود والحاكم (ج١: ص٤٨٩) والبيهقي من حديث أم سلمة: أن رسول الله ﷺ قال يوم النحر: إن هذا يوم رخص لكم إذا رميتم أن تحلوا يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء. وفي إسناده محمد بن إسحاق، ولكنه صرح بالتحديث، قال الحافظ وأعتذر بعض المالكية عن الأحاديث الدالة على حل الطيب بعد رمي جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة بأن عمل أهل المدينة على خلافها، وتعقب بما رواه النسائي من طريق أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن سليمان بن عبد الملك لما حج جمع ناسًا من أهل العلم منهم: القاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر، وعمر عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فسألهم عن التطيب قبل الإفاضة فكلهم أمره به، فهؤلاء فقهاء أهل المدينة من اعين قد اتفقوا على ذلك فكيف يدعي مع ذلك العمل على خلافه؟ قال الشنقيطي: وأما ما ذكرنا عن الشافعي من أنه يحل له كل شيء إلا النساء باثنين من ثلاثة: هي الرمي، والحلق، والطواف وتحل النساء بالثالث منها، بناء على أن الحلق نسك، وعلى أنه ليس بنسك يحل له كل شيء إلا النساء بواحد من اثنين: هما: الرمي، والطواف، وتحل له النساء بالثاني منهما. لم نعلم له نصًا يدل عليه هكذا، والظاهر أنه رأى هذه الأشياء لها مدخل في التحلل، وقد دل النص الصحيح على حصول التحلل الأول بعد الرمي والحلق فجعل هو الطواف كواحد منهما قال: والتحقيق أن الطيب يحل له بالتحلل الأول لحديث عائشة المتفق عليه الذي هو صريح في ذلك، وكذلك لبس الثياب، وقضاء التفث، وأن الجماع لا يحل له إلا بالتحلل الأخير، وأما حلية الصيد بالتحلل الأول فهي محل نظر، لأن الأحاديث التي فيها التصريح بأنه يحل له كل شيء إلا النساء، قد علمت ما فيها من الكلام، وحديث عائشة المتفق عليه لم يتعرض لحل الصيد، وظاهر قوله: ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ يمكن أن يتناول ما بعد التحلل الأول لأن حرمة الجماع تدل على أنه متلبس بالإحرام في الجملة وإن كان قد حل له بعض ما كان حرامًا عليه - انتهىكلام الشنقيطي. تنبيه: عقد الترمذي لحديث عائشة هذا ((باب ما جاء في الطيب عند الإحلال قبل الزيارة)) وقال بعد روايته: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر وذبح وحلق أو قصر فقد حل له كل شيء إلا النساء وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق (وهو قول الحنفية) وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: حل له كل شيء إلا النساء والطيب. (أخرجه محمد في الموطأ بلفظ ((من رمى الجمرة ثم حلق أو قصر ونحر هديًا إن كان معه، حل له ما حرم عليه في الحج إلا النساء والطيب حتى يطوف بالبيت)) .) وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم (وبه قال ابن عمر ﵁ وهو قول مالك) وهو قول أهل الكوفة (ليس المراد بأهل الكوفة الإمام أبا حنيفة لأن مذهبه في هذا الباب هو ما ذهب إليه الشافعي، وأحمد، وإسحاق) . قال محمد في الموطأ بعد رواية أثر عمر المذكور: هذا قول عمر، وابن عمر، وقد روت عائشة خلاف ذلك. قالت: طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين
стр. 3946
كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم.
ــ
بعد ما حلق قبل أن يزور البيت. فأخذنا بقولها، وعليه أبو حنيفة والعامة من فقهائنا - انتهى. والعبارات المذكورة بين القوسين كلها لشيخنا في شرح كلام الترمذي، وكلام شيخنا في شرح هذا المقام وكذا كلام الترمذي كلاهما. واضح بين حق وصواب ليس فيه أدنى خفاء وغموض لكن مع وضوحه لم يفهمه البنوري بل أخطا خطأ فاحشًا فاعترض على شيخنا، وليس ذلك إلا لسوء فهمه وسقمه:
وكم من عائب قولاً صحيحًا وآفته من الفهم السقيم أو لعدائه الكامن في قلبه مع أصحاب الحديث عامة ومع شيخنا خاصة، حيث اعترض عليه ولم يدر ما يخرج من فيه وما يسود به القرطاس قال البنوري في ((معارف السنن)) (ج٦: ص٥٢٦) : وما ذكره الترمذي من عدم الجواز قول أهل الكوفة فليس هو مذهبه أهل الكوفة من الإمام أبى حنيفة وأصحابه، بل هو مذهب محمد بن الحسن الشيباني من أصحابه كما صرح به الموطأ بعد رواية أثر عمر الفاروق: فقال وبهذا نأخذ ... قال: وأما أبو حنيفة فإنه كان لا يرى به بأسًا - انتهى. هكذا عبارة الإمام محمد في موطأه، وما ذكره الشيخ المباركفوري في تحفته معزوًا إلى الموطأ فقد غلط وأخطأ في نقل عبارته، ولا أدري ماذا حدث له. والله أعلم - انتهى كلام البنوري. قلت: لم يخطأ شيخنا في نقل العبارة عن الموطأ كما لا يخفى على من طالع موطأه (ص٢٢٧) باب ما يحرم على الحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر فكل ما كتبه شيخنا في شرح الترمذي في هذا الباب هو حق وصواب. نعم كلام البنوري يدل على أنه لم يفهم كلام الترمذي أصلاً حيث نقل كلام الإمام محمد عن موطأه من باب من تطيب قبل أن يحرم (ص١٩٧، ١٩٨) مع أنه لا علاقة له بما ذكره الترمذي في الباب المذكور من أثر عمر، واختلاف أهل العلم في مسألة التطيب بعد الرمي والحلق قبل طواف الزيارة (كأني أنظر) أرادت بذلك قوة تحققها لذلك بحيث أنها لشدة استحضارها له كأنها ناظرة إليه (إلى وبيص الطيب) أي بريقه ولمعانه، وفي رواية لمسلم: ((وبيص المسك)) والوبيص بفتح الواو وكسر الموحدة بعدها ياء تحتانية ثم صاد مهملة البريق، من وبص الشيء يبص وبيصًا أي برق. وقال الإسماعيلي: الوبيص زيادة على البريق وأن المراد به التلألؤ وأنه يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط (في مفارق رسول الله ﷺ ) بفتح الميم جمع مفرق بفتح الميم وكسر الراء ويجوز فتحها وهو المكان الذي يفرق فيه الشعر في وسط الرأس، قيل: ذكرته بصيغة الجمع نظرًا إلى أن كل جزء منه كان مفرقًا. قال القاري: المفرق وسط الرأس الذي يفرق فيه شعر الرأس وإنما ذكر على لفظ الجمع تعميمًا لسائر جوانب الرأس التي يفرق فيها كأنهم سموا كل موضع منه مفرقًا وفي رواية للشيخين: ((مفرق)) على لفظ الواحد وهكذا ذكره البغوي في مصابيح السنة. وفي رواية البخاري في اللباس ((كنت أطيب النبي ﷺ بأطيب ما يجد حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته)) (وهو محرم) زاد النسائي، وابن حبان، وابن ماجة: ((بعد ثلاث)) وفيه دليل
стр. 3947
متفق عليه.
٢٥٦٥- (٢) وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبداً
ــ
على أن بقاء أثر الطيب ورائحته بعد الإحرام لا يضر ولا يوجب فدية كما هو مذهب الجمهور: الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم من السلف والخلف خلافًا لمالك ومن وافقه. (متفق عليه) أي على أصل الحديث، وقد رواه البخاري في الطهارة، وفي الحج، وفي اللباس، ومسلم في الحج، وصنيع المصنف والبغوي يدل على أن سياق الحديث على النسق المذكور للشيخين جميعًا وأنهما أورداه بهذا اللفظ، والأمر ليس كذلك فقولها: ((لإحرامه قبل أن يحرم ولحله)) لمسلم. ولفظ البخاري: ((لإحرامه حين يحرم)) وفي أخرى له: ((حين أحرم ولحله حين أحل)) وقولها: ((بطيب فيه مسك)) لمسلم وحده. وأما قولها: ((كأني أنظر)) إلخ. فقد اتفقنا عليه، رواه البخاري في الطهارة، والحج، ومسلم في الحج والحديث أخرجه أيضاً أحمد، ومالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، والطحاوي، وابن الجارود، والبيهقي وغيرهم بألفاظ مختلفة متقاربة المعنى من شاء الوقوف على اختلاف روايات الشيخين وأصحاب السنن رجع إلى جامع الأصول (ج٣: ص٣٩٧) .
٢٥٦٥- قوله: (يهل) من الإهلال وهو رفع الصوت بالتلبية (ملبدًا) بكسر الباء وفتحها، حال من فاعل يهل، أي سمعته يرفع صوته بالتلبية حال كونه ملبدًا شعر رأسه بنحو الصمغ لينضم الشعر ويلتصق بعضه ببعض احترازًا عن تمعطه وتقمله. قال العلماء: التلبيد إلصاق شعر الرأس عند الإحرام بالصمغ أو الخطمي وشبههما مما يضم الشعر ويلزق بعضه ببعض ويمنعه من التشعث، والتمعط، والتقمل، وتخلل الغبار في الإحرام، وإنما يفعل ذلك من يطول مكثه في الإحرام، واستفيد من استحباب التلبيد قبل الإحرام لكونه أرفق به. وقد نص عليه الشافعي وأصحابه، وهو موافق لحديث الأعرابي الذي خر عن بعيره وهو محرم فأمرهم النبي ﷺ أن لا يمسوه بطيب ولا يخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا. وفي رواية ((ملبدًا)) رواه أحمد، والشيخان. قلت: التلبيد مندوب عند الشافعية صرح به العيني، والقسطلاني، والطبري وغيرهم، وكذا ذكره في مندوبات الإحرام أصحاب فروع الشافعية كصاحب تحفة المحتاج (ج٤: ص٥٦) وغيره، وأما عند الحنفية فصرح أهل فروعهم أن التلبيد إن كان بالثخين ففيه دم للتغطية وإن كان مع الطيب أيضاً ففيه دمان. قال ابن الملك: التلبيد جائز عند الشافعي، وعندنا يلزمه دم إن لبد بما ليس فيه طيب لأنه كتغطية الرأس، ودمان إن كان فيه طيب. وأشكل عليه صاحب البحر بما ثبت في الصحيحين من تلبيده ﷺ . قال ابن عابدين في هامشه: أجاب عنه العلامة المقدسي في شرحه بقوله: أقول لا ريب في وجوب حمل فعله ﷺ على ما هو سائغ بل ما هو أكمل. فالتلبيد الذي فعله ﷺ يسير لا يحصل به التغطية، ولا يمنع ابتداء فعله في الإحرام ولا بقاؤه. والموجب للدم يحمل على المبالغة فيه بحيث تحصل منه تغطية. وقال أيضاً في رد المحتار: وعليه يحمل ما في الفتح عن رشيد الدين في مناسكه إذ قال: وحسن أن يلبد رأسه قبل الإحرام - انتهى. وقال صاحب الغنية (ص٣٥) : وحسن أن يلبد رأسه بنحو خطمي أو
стр. 3948
يقول: لبيك
ــ
غيره لكن تلبيدًا سائغًا وهو اليسير الذي لا يحصل به التغطية، فإن استصحاب التغطية الكائنة قبل الإحرام لا يجوز بخلاف الطيب، وعليه يجب أن يحمل تلبيده ﷺ في إحرامه، وتمامه في جنايات رد المحتار. وقال القاري: ولعله كان به ﷺ عذر، قال: ويمكن حمله على التلبيد اللغوي من جمع الشعر ولفه وعدم تخليته متفرقًا، ففي القاموس: تلبد الصوف ونحوه تداخل ولزق بعضه ببعض - انتهى. قلت: حمل فعله ﷺ على عذر يحتاج إلى دليل، والأصل عدم العذر وأما حمل التلبيد على المعنى اللغوي ففيه: أن شراح الحديث، وأهل اللغة، وأصحاب غريب الحديث: كالخطابي، والحافظ، والعيني، والمجد، والجوهري، والجزري، والزمخشري وغيرهم قد اتفقوا على ما ذكرنا من العلماء من معنى التلبيد، ولزوق بعض الصوف أو الشعر ببعضه لا يحصل إلا بما يصلح للإلزاق والإلصاق كالصمغ أو الخطمي أو العسل وما يشبه ذلك، ويؤيد ذلك ما سيأتي في الفصل الثاني من حديث ابن عمر أنه ﷺ لبد رأسه بالغسل. قال الحافظ: قال ابن عبد السلام يحتمل أنه بفتح المهملتين، ويحتمل أنه بكسر المعجمة وسكون المهملة، وهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره. قال الحافظ ضبطناه في روايتنا في سنن أبى داود بالمهملتين - انتهى. والظاهر أن ابن عمر ذكر ما رأى من تلبيده ﷺ عند الإحرام وهو الذي فهمه أبو داود وغيره حيث أورد حديثه هذا في المناسك (يقول) بدل من يهل (لبيك) اختلف في لفظه وفي اشتقاقه ومعناه، أما لفظة فتثنية عند سيبويه ومن تبعه، يراد بها التكثير في العدد والعود مرة لا أنها لحقيقة التثنية بحيث لا يتناول إلا فردين وقال يونس بن حبيب البصري: هو اسم مفرد، والياء فيه كالياء في لديك وعليك وإليك، يعني في انقلاب الألف ياء لاتصالها بالضمير، ورد بأنها قلبت ياء مع المظهر. وعن الفراء: هو منصوب على المصدر ولا يكون عامله إلا مضمرًا وأصله ((لبا لك)) فثني على التأكيد أي ألب إلبابًا بعد إلبابٍ. وأما معناه: فقيل: معناه أجبتك إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة، قال ابن الأنباري: ومثله حنانيك أي تحننًا بعد تحنن، وقيل: معناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، من ألب بالمكان كذا ولب به، إذا أقام به ولزمه، وقيل معناه: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: دارى تلب دارك وتواجهها. وقيل: معناه محبتي لك من قولهم: امرأة لبة إذا كانت محبة لزوجها، وعاطفة على ولدها، وقيل: إخلاصي لك من قولهم: حسب لبابك أي خالص محض ومن ذلك لب الطعام، ولبابه، وقيل: قربًا منك من الإلباب وهو: القرب، وقيل: معناه أنا ملب بين يديك، أي خاضع لك. حكى هذه الأقوال القاضي عياض وغيره. قال الحافظ، والعيني: والأول منها أظهر وأشهر، لأن المحرم مستجيب لدعاء الله إياه في حج بيته، ولهذا من دعا فقال: لبيك فقد استجاب. وقال ابن عبد البر: قال جماعة من أهل العلم: إن معنى التلبية: إجابة دعوة إبراهيم ﵇ حين أذن في الناس بالحج - انتهى. قال الحافظ: وهذا أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبى حاتم بأسانيدهم في تفاسيرهم عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة وقتادة وغير واحد، والأسانيد إليهم قوية، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في مسنده، وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبى ذبيان عن أبيه، عنه، قال: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قيل له:
стр. 3949
اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك،
ــ
أذن في الناس بالحج، قال: رب! وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليّ البلاغ. قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون. ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وفيه: ((فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء)) ، وأول من أجابه أهل اليمن. فليس حاج يحج من يومئذٍ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذٍ. قال ابن المنير في الحاشية: وفي مشروعيته التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه (اللهم لبيك) أي يا الله! أقمت ببابك إقامة بعد إقامة وأجبت نداءك إجابة بعد أخرى. وجملة ((اللهم)) بمعنى يا الله بين المؤكد والمؤكد، والتثنية لإفادة التكرار والتكثير، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ (٦٧: ٤) أي كرات كثيرة، وتكرار اللفظ لتوكيد ذلك (لبيك لا شريك لبيك) استئناف فيستحسن الوقف على لبيك الثانية كما يستحسن على الرابعة. قال القاري: التلبية الأولى المؤكدة بالثانية لإثبات الألوهية، وهذه بطرفيها لنفي الشركة الندية والمثلية في الذات والصفات (إن الحمد) روى بكسر الهمزة على الاستيناف وفتحها على التعليل، وجهان مشهوران لأهل الحديث واللغة. قال الجمهور: والكسر أجود. وحكاه الزمخشري عن أبى حنيفة، وابن قدامة عن أحمد بن حنبل، وحكاه ابن عبد البر عن اختيار أهل العربية. وقال الخطابي: الفتح رواية العامة. وحكاه الزمخشري عن الشافعي. وقال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو أجود في المعنى من الفتح، لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد والنعمة لك على كل حال، ومن فتح قال معناه: لبيك لهذا السبب، وكذا رجح الكسر ابن دقيق العيد، والنووي، قال ابن دقيق العيد: لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة، وأن الحمد والنعمة لله على كل حال، والفتح يدل على التعليل، فكأنه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعم وأكثر فائدة. وقال ابن الهمام: الكسر أوجه ويحوز الفتح، أما الكسر فهو على استيناف الثناء وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية، أي لبيك لأن الحمد والنعمة لك. ومال الباجي إلى أن لا مزية لأحد الوجهين على الآخر، وقال ابن عبد البر: المعنى عندي واحد، لأنه يحتمل أن يكون من فتح الهمزة أراد لبيك لأن الحمد على كل حال، والملك لك والنعمة وحدك دون غيرك حقيقة لا شريك لك. وتعقب بأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية، فمعنى الفتح تلبيته بسبب أن له الحمد، ومعنى الكسر تلبيته مطلقًا غير معلل ولا مقيد فهو أبلغ في الاستجابة لله (والنعمة لك) المشهور فيه النصب. قال عياض: ويجوز الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفًا، والتقدير: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك. قال ابن الأنباري: إن شئت جعلت خبر إن محذوًفا، والموجود خبر المبتدأ تقديره: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك (والملك) بالنصب أيضاً على المشهور، ويجوز الرفع وتقديره: والملك كذلك، قال الحافظ: وقال الولي العراقي: فيه وجهان أيضاً، أشهرهما النصب
стр. 3950
لا شريك لك. لا يزيد على هؤلاء الكلمات
ــ
عطفًا على اسم إن، والثاني الرفع على الابتداء، والخبر محذوف لدلالة الخبر المتقدم عليه. ويحتمل أن تقديره: والملك كذلك. وقال القاري: بالنصب عطف على الحمد ولذا يستحب الوقف عند قوله: ((والملك)) قال ابن المنير: قرن الحمد والنعمة وأفرد ((الملك)) لأن الحمد متعلق بالنعمة ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه فجمع بينهما، وأما الملك فهو معنى مستقل بنفسه ذكر لتحقيق أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك. قال القاري: ولا مانع من أن يكون ((الملك)) مرفوعًا، وخبره (لا شريك لك) أي فيه (لا يزيد) أي رسول الله ﷺ (هؤلاء الكلمات) أي التلبية المذكورة. قيل: هذا لا ينافي ما رواه النسائي وغيره من حديث أبى هريرة قال: كان من تلبية رسول الله ﷺ ((لبيك إله الحق)) لاحتمال أن ابن عمر لم يسمعها من النبي ﷺ وسمعها أبو هريرة، والظاهر أنه كان يقول هذه الجملة التي رواها أبو هريرة قليلاً لتضافر الروايات على رواية ابن عمر. قلت حديث ابن عمر الذي نحن في شرحه رواه الشيخان من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وروى أحمد (ج٢: ص٤٧، ٧٧) ، ومالك، ومسلم من طريق نافع عن ابن عمر مرفوعًا لفظ التلبية كما هو متفق عليه، ثم زادوا ((قال (أي نافع) وكان عبد الله بن عمر يزيد مع هذا: لبيك، لبيك، لبيك وسعديك والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل)) فإن قيل: كيف زاد ابن عمر في التلبية ما ليس منها مع أنه كان شديد التحري لإتباع السنة؟ واللائق بورعه وشدة إتباعه للنبي ﷺ أن لا يزيد على تلبيته ﷺ أجاب الأبي بأنه رأى أن الزيادة على النص ليست نسخًا، وأن الشيء وحده كذلك هو مع غيره، فزيادته لا تمنع من إتيانه بتلبية النبي ﷺ ، أو فهم عدم القصر على أولئك الكلمات، وأن الثواب يتضاعف بكثرة العمل، واقتصار المصطفى ﷺ بيان لأقل ما يكفي وأجاب الولي العراقي بأنه ليس فيه خلط السنة بغيرها، بل لما أتى بما سمعه ضم إليه ذكرًا آخر في معناه، وباب الأذكار لا تحجير فيه إذا لم يؤد إلى تحريف ما قاله النبي ﷺ فإن الذكر خير موضوع والاستكثار منه حسن، على أن أكثر هذا الذي زاده كان ﷺ يقوله في دعاء استفتاح الصلاة، وهو: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك - انتهى. والجوابان متقاربان. وفي مسلم وأحمد (ج٢: ص١٣١) : عن ابن عمر، كان عمر يهل بإهلال رسول الله ﷺ من هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللهم لبيك وسعديك، إلى آخر ما زاده هنا، قال الحافظ: فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه، وأخرج ابن أبى شيبة عن المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر، فذكر مثل المرفوع وزاد: لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك، ذا النعماء والفضل الحسن - انتهى. واعلم أنه أجمع المسلمون على لفظ التلبية المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه، وحديث جابر الطويل عند مسلم في قصته حجة الوداع، ولكن اختلفوا في الزيادة عليه بألفاظ فيها تعظيم الله ودعاءه ونحو ذلك، فكره بعضهم الزيادة على تلبية رسول الله ﷺ ، وحكاه ابن عبد البر عن مالك قال: وهو أحد قولي الشافعي. وقال آخرون: لا بأس بالزيادة المذكورة، واستحب بعضهم الزيادة المذكورة. قال ابن عبد البر: أجمع
стр. 3951
..............................................................................................
ــ
العلماء على القول بهذه التلبية المروية عن النبي ﷺ ، واختلفوا في الزيادة فيها فقال مالك: أكره الزيادة فيها على تلبية رسول الله ﷺ ، وقد روى عنه أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيده. وقال الثورى، والأوزاعي، ومحمد ابن الحسن: له أن يزيد فيها ما شاء وأحب، وقال أبو حنيفة، وأحمد، وأبو ثور: لا بأس بالزيادة. وقال الترمذي: قال الشافعي: إن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم الله تعالى فلا بأس إن شاء الله، وأحب إلى أن يقتصر على تلبية رسول الله ﷺ ، وقال أبو يوسف والشافعي في قول لا ينبغي أن يزاد فيها على تلبية النبي ﷺ المذكورة وإليه ذهب الطحاوي واختاره، ذكره العيني. وقال الحافظ بعد ذكر ما روى عن ابن عمر وأبيه ﵄ من الزيادة على التلبية المروية عنه ﷺ ما لفظه: واستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي ﷺ في ذلك. قال الطحاوي بعد أن أخرجه أي لفظ التلبية المرفوع من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وجابر، وعمرو بن معد يكرب: أجمع المسلمون جميعًا على هذه التلبية غير أن قومًا قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر لله ما أحب، وهو قول محمد، والثوري، والأوزاعي، واحتجوا بحديث أبى هريرة يعني الذي أخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجة، وصححه ابن حبان، والحاكم، قال: كان من تلبية رسول الله ﷺ لبيك إله حق لبيك، وبزيادة ابن عمر المذكورة. وخالفهم آخرون فقالوا: لا ينبغي أن يزاد على ما عمله رسول الله ﷺ الناس كما في حديث عمرو بن معد يكرب ثم فعله هو ولم يقل: لبوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، بل علمهم كما علمهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئًا مما علمه ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه: أنه سمع رجلاً يقول: لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله ﷺ ، قال: فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، وبه نأخذ - انتهى. قال في البحر: هذا اختيار الطحاوي، ولعل مراده من الكراهة أن يزيد الرجل من عند نفسه على التلبية المأثورة، أو أراد الزيادة في خلال التلبية المسنونة، فإن أصحابنا قالوا: إن زاد عليها فهو مستحب. قال صاحب السراج الوهاج: هذا بعد الإتيان بها، أما في خلالها فلا - انتهى. وفي ((غنية الناسك)) ندب أن يزيد فيها لا في خلالها بل بعدها وجاز قبلها فيقول: لبيك إله الخلق لبيك، أو لبيك لبيك وسعديك، إلخ. ولا يستحب الزيادة من غير المأثور بل هو جائز كما يفهم من الفتح والتبيين. أما النقص عنها أو الزيادة في خلالها فيكره تنزيهًا، ذكره في الكبير. وفي شرح اللباب: ما وقع من الزيادة مأثورًا يستحب، وما ليس مرويًا فجائز أو حسن، كذا في رد المحتار. وقال محمد بعد رواية حديث ابن عمر من طريق نافع، وفيه الزيادة المذكورة، وبهذا نأخذ، التلبية هي التلبية الأولى التي روى عن النبي ﷺ ، وما زدت فحسن وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهائنا - انتهى. قال الحافظ: ويدل على الجواز ما وقع عند النسائي من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال: كان من تلبية النبي ﷺ ، فذكره. ففيه دلالة على أنه كان يلبي بغير ذلك. وما تقدم من حديث أبى هريرة عند النسائي وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم وما تقدم عن عمر وابن عمر من فعلهما، وروى سعيد بن منصور
стр. 3952
متفق عليه.
ــ
من طريق الأسود بن يزيد أنه كان يقول: لبيك غفار الذنوب. وللحاكم، والبيهقي عن ابن عباس أنه ﷺ وقف بعرفات، فلما قال: لبيك اللهم لبيك، قال: إنما الخير خير الآخرة. وللدارقطني في العلل وأبي ذر الهروي، والبزار عن أنس أنه ﷺ قال: لبيك حجًا تعبدًا ورقًا. ولمسلم في حديث جابر الطويل في صفة الحج: حتى استوت به ناقته على البيداء وأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك إلخ. وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد عليهم شيئًا منه، ولزم تلبيته وأخرجه أبو داود من الوجه الذي أخرجه منه مسلم، قال: والناس يزيدون ((ذا المعارج)) ونحوه من الكلام، والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا. وفي رواية البيهقي ((ذا المعارج)) و ((ذا الفواصل)) قال الحافظ بعد ذكر حديث جابر من رواية مسلم وأبى داود: وهذا يدل على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو ﷺ عليها، وأنه لا بأس بالزيادة لكونه لم يردها عليهم وأقرهم عليها وهو قول الجمهور، وبه صرح أشهب، وحكى عن ابن عبد البر عن مالك الكراهة. قال: وهو أحد قولي الشافعي، وحكى الترمذي عن الشافعي، قال: فإن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم الله فلا بأس، وأحب إلى أن يقتصر على تلبية رسول الله ﷺ وذلك أن ابن عمر حفظ التلبية عنه، ثم زاد من قبله زيادة ونصب البيهقي الخلاف بين أبى حنيفة والشافعي فقال: الاقتصار على المرفوع أحب ولا ضيق أن يزيد عليها، قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن، وحكى في المعرفة عن الشافعي قال: ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر وغيره من تعظيم الله ودعائه، غير أن الاختيار عندي أن يفرد ما روى عن النبي ﷺ في ذلك - انتهى. وهذا أعدل الوجوه فيفرد ما جاء مرفوعًا. وإذا اختار قول ما جاء موقوفًا أو أنشأه هو من قبل نفسه مما يليق قاله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، وهو شبيه بحال الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه: ثم ليتخير من المسألة والثناء ما شاء أي بعد أن يفرغ من المرفوع، كما تقدم ذلك في موضعه - انتهى. قلت: الأفضل والأولى هو الإقتداء بالنبي ﷺ والاقتصار على لفظ تلبيته الثابت في الصحيحين وغيرهما، لأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وهو ﷺ يقول: ((لتأخذوا عني مناسككم)) ، وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها، لما روي من فعل عمر وابنه، ومعلوم أن الزيادة على تلبيته النبي ﷺ لو كان فيها محذور لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄، ولما وقع في حديث جابر الطويل عند مسلم وأبى داود، وهو واضح في أنهم يزيدون على تلبيته ﷺ ويقرهم على ذلك. ولم ينكره عليهم كما ترى. (متفق عليه) رواه البخاري في اللباس ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٥: ص٤٤) ، وأخرجه البخاري أيضاً في الحج من طريق نافع عن ابن عمر مختصرًا، ورواه أحمد بذكر التلبيد والتلبية جميعًا في (ج٢: ص١٣١) وبذكر التلبية فقط مرارًا، وروى النسائي، وأبو داود، وابن ماجة التلبيد في باب التلبيد والتلبية في باب صفة التلبية، وروى مالك، والترمذي فقط. وأما قوله: ((لا يزيد على هؤلاء الكلمات)) فلم أجده إلا عند الشيخين والبيهقي. والله أعلم.
стр. 3953
٢٥٦٦- (٣) وعنه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أدخل رجله في الغرز واستوت به ناقته قائمة
أهل من عند مسجد ذي الحليفة.
ــ
٢٥٦٦- قوله: (إذا أدخل) كذا في جميع النسخ للمشكاة والمصابيح، وهكذا في رواية أحمد (ج٢:ص٢٩، ٣٧) ، والبيهقي (ج٥: ص٣٥) ، وابن ماجة، وكذا ذكر المحب الطبري في القرى (ص٦٥) وعزاه لمسلم. والذي في صحيح مسلم ((وضع)) مكان أدخل (في الغرز) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها زاي أي الركاب من جلد أو خشب، وقيل: هو ركاب كور البعير من جلد أو خشب أو حديد، وقيل: هو للكور مطلقًا مثل الركاب للسرج الذي يضع الراكب قدميه فيه، والكور بالضم بالفارسية ((بالان)) والركاب بالكسر حلقه آهني كه بر زين بندند تا وقت سواري بائي در آن نهند (واستوت به ناقته) أي رفعته مستويًا على ظهرها فالباء للتعدية، وفي مسلم: ((وابعثت به راحلته قائمة)) وفي أخرى له: ((أهل حين استوت به ناقته)) ومعنى انبعاثها به استواءها قائمة (أهل) أي رفع صوته بالتلبية ونوى أحد النسكين أو بهما (من عند مسجد ذي الحليفة) يريد بدأ بالإهلال منه، وكان ابن عمر ينكر بذلك على من روى أنه ﷺ إنما أهل حين استوى على البيداء وقد اختلفت الروايات عن الصحابة في مبدأ إهلاله ﷺ فمنها ما يدل على أنه أهل في دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة كما في رواية ابن عباس عند أحمد، والترمذي، والنسائي، والبيهقي (ج٥: ص٣٧) وفي رواية أبى داود المازني عند ابن حزم (ج٧: ص٩٣) ، ومنها ما يدل على أنه أهل حين استوت به ناقته قائمة خارج مسجد ذي الحليفة عند الشجرة كما وقع في روايات ابن عمر عند أحمد، والشيخين وغيرهم، وفى حديث أنس عند البخاري، وأبى داود، والبيهقي، والطحاوي. وقال الزيلعي بعد ذكر حديث أنس: وأخرج أي البخاري أيضاً عن عطاء عن جابر أن إهلال رسول الله ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته - انتهى. وقال المجد في المنتقى بعد ذكر حديث جابر: رواه البخاري، وقال: رواه أنس، وابن عباس - انتهى. ومنها ما يدل على أنه أهل حين استوت به على البيداء أي بعد ما علا على شرف البيداء كما وقع في روايات ابن عباس أيضاً عند أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وأبي داود، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم (ج١: ص٤٤٧) ، والطحاوي. وفي حديث جابر عند مسلم، والترمذي، والطحاوي. وفي حديث أنس عند أحمد، والنسائي، وأبي داود. وفي حديث سعد بن أبي وقاص عند أبى داود، والنسائي، والبيهقي، والحاكم. والبيداء هذه قال العلماء: هي الشرف الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة وهي بقرب ذي الحليفة، وذكره النووي، وقال البكري: البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد الوادي، وفي أول البيداء بئر ماء. وقد جمع بين هذه الروايات المختلفة بأن الناس كانوا يأتون أرسالاً جماعة بعد أخرى فرأى قوم شروعه ﷺ في الإهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذي الحليفة فنقلوا عنه أنه أهل بذلك المكان ثم أهل لما استقلت به راحلته فسمعه
стр. 3954
..............................................................................................
ــ
آخرون فظنوا أنه شرع في الإهلال في ذلك الوقت لأنهم لم يسمعوا إهلاله بالمسجد فقالوا: إنما أهل عندما استقلت به راحلته، ثم روى كذلك من سمعه يهل على شرف البيداء، وإلى هذا الجمع مال ابن القيم حيث قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر ركعتين ثم أهل بالحج والعمرة في مصلاه ثم ركب على ناقته وأهل أيضاً، ثم أهل لما استقلت به على البيداء - انتهى مختصرًا ملخصًا. ويؤيد هذا الجمع ما رواه أحمد (ج١: ص) ، وأبو داود، والحاكم (ج١: ص٤٥١) ، والبيهقي (ج٥: ص٣٧) ، والطحاوي (ج١: ص٣٦٢) عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: عجبًا لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلاله فقال: إني لأعلم الناس بذلك إنما كانت منه حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا، خرج رسول الله ﷺ حاجًا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس كانوا يأتون أرسالاً فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل رسول الله ﷺ حين استقلت به ناقته ثم مضى رسول الله ﷺ فلما علا شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل رسول الله ﷺ حين علا على شرف البيداء، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء - انتهى. قال الحافظ في الفتح: وقد أزال الإشكال أي إشكال اختلاف الروايات في مكان إهلاله ﷺ ما رواه أبو داود، والحاكم من طريق سعيد بن جبير قلت لابن عباس: عجبت، فذكر الحديث، ثم قال: فعلى هذا فكان إنكار ابن عمر على ما يخص الإهلال بالقيام على شرف البيداء - انتهى. وقال الشوكاني في شرح حديث ابن عباس المذكور: هذا الحديث يزول به الإشكال، ويجمع بين الروايات المختلفة بما فيه، فأوضحه ثم قال: وهذا يدل على أن الأفضل لمن كان ميقاته ذا الحليفة أن يهل في مسجدها بعد فراغه من الصلاة، ويكرر الإهلال عند أن يركب على راحلته وعند أن يمر بشرف البيداء - انتهى. وقال الطحاوي بعد رواية حديث ابن عباس المذكور: فبين عبد الله ابن عباس الوجه الذي جاء اختلافهم، وأن إهلال النبي ﷺ الذي ابتدأ الحج ودخل به فيه كان في مصلاه، فبهذا نأخذ، ينبغي للرجل إذا أراد الإحرام أن يصلي ركعتين ثم يحرم في دبرهما كما فعل رسول الله ﷺ وهذا قول أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد - انتهى. وقال الحافظ في الدراية: قوله: ((ولو لبى بعد ما استوت به راحلته جاز)) ولكن الأول يعني الإهلال دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة أفضل لما روينا، كذا قال. والأحاديث في أنه لبى بعد ما استوت به راحلته أكثر وأشهر من الحديث الذي احتج به فذكرها من رواية ابن عمر، وأنس، وجابر، ثم قال: وقد ورد ما يجمع بين هذه الأحاديث (المختلفة) من حديث ابن عباس عند أبى داود، والحاكم فذكره، ثم قال: وهذا لو ثبت لرجح ابتداء الإهلال عقيب الصلاة إلا أنه من رواية خصيف (بن عبد الرحمن) وفيه ضعف - انتهى. وقال ابن حزم:
стр. 3955
..............................................................................................
ــ
حديث ابن عباس هذا في طريقه خصيف وهو ضعيف، وحديث أبى داود الأنصاري المازني من طريقة قوم غير مشهورين والأحاديث الدالة على إحرامه ﷺ بعد ما استقلت به راحلته، وإحرامه بعد الاستواء على البيداء كلها صحيحة، متفق علي صحتها، إلا أن في أحاديث ابن عمر زيادة على حديث جابر، وأنس وعائشة، وهو: أنه ﷺ أهل من عند مسجد ذي الحليفة حين أدخل رجله في الغرز واستقلت به الراحلة، وهذا صريح في الدلالة على أنه لم يكن عقيب الركوب ولا في مصلاه، ولو صح حديث ابن عباس، وأبى داود لوجب تقديم العمل به على حديث ابن عمر لما فيه من الزيادة، لكن لما كان حديث ابن عمر متفقًا على صحته ولم يصح حديثهما وجب المصير إليه دونهما، ولما كان في حديث ابن عمر زيادة على حديث من سواه ممن اتفق على صحة روايته وهي كون الإهلال من عند المسجد فيكون ذلك قبل الاستواء على البيداء، وجب العمل به، ويكون من رواه عند الاستواء على البيداء إنما سمعه حالتئذٍ يلبي فظن أن ذلك أول إهلاله. ويمكن أن يقضي بحديث ابن عمر على حديث ابن عباس، ويكون قوله: ((في مصلاه)) زيادة من الراوي ليس من قول ابن عباس ويصدق على من أحرم من عند المسجد عند استقلال ناقته به أنه لما فرغ من ركعتيه أهل، ولا يلزم من ذلك التعقيب. وهذا الجمع أولى من إسقاط حديث من أصله. والله أعلم، هذا آخر كلام ابن حزم. قال الطبري بعد ذكره: وما رواه الترمذي وقال: ((هو حسن)) فيه دلالة على جواز الاحتجاج به، والمختار المصير إليه والعمل به - انتهى. قلت: وقع في نسخ الترمذي الموجودة عندنا بعد رواية حديث ابن عباس من طريق خصيف مختصرًا ((هذا حديث غريب)) ليس فيها لفظ: ((حسن)) ونسب الزيلعي إليه أنه قال: حديث حسن غريب، وهذا يدل على اختلاف نسخ الترمذي. والله أعلم. قال الحافظ في الفتح: قد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل - انتهى. قلت: ذهب مالك، والشافعي والجمهور إلى أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت راحلته لاتفاق أغلب الروايات في المعنى وأصحها وأشهرها على أنه ﷺ أهل عند انبعاث راحلته وانبعاثها هو استواؤها قائمة. وقال أبو حنيفة، وأحمد، وداود: يحرم عقب الصلاة وهو جالس في مصلاه قبل ركوب دابته وقبل قيامه. قال النووى: وهو قول ضعيف للشافعي، وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف - انتهى. قلت: يشير إلى حديث ابن عباس الذي أحال عليه الزيلعي، والحافظ، والشوكاني وغيرهم للجمع بين الأحاديث المختلفة في مبدأ إحرامه ﷺ ، وقد سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم مفسر (أي لغيره من الأحاديث الواردة) في الباب ولم يخرجاه، وأقره عليه الذهبي، وإنما ضعفه من ضعفه كالنووي، والبيهقي والمنذري لأن في إسناده خصيف بن عبد الرحمن وهو غير متفق على ضعفه، على أن النووي نفسه قال في شرح المهذب: وأما قول البيهقي أن خصيفًا غير قوي، فقد خالفه فيه كثيرون من الحفاظ والأئمة المتقدمين فوثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، ومحمد بن سعد. وقال النسائي فيه: ((هو صالح)) - انتهى. قال ابن قدامة في المغني (ج٣: ص٢٧٥) : قد روى عن أحمد أن الإحرام
стр. 3956
متفق عليه.
٢٥٦٧- (٤) وعن أبى سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخًا
ــ
عقيب الصلاة، وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير سواء، لأن الجميع قد روي عن النبي ﷺ من طرق صحيحة قال الأثرم: سألت أبا عبد الله أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة؟ أو إذا استوت به راحلته؟ فقال: كل ذلك قد جاء في دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوسع ذلك كله. والأولى الإحرام عقيب الصلاة لما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس وفيه بيان وزيادة علم فيتعين حمل الأمر عليه ولو لم يقله ابن عباس لتعين حمل الأمر عليه جمعًا بين الأخبار المختلفة، وهذا على سبيل الاستحباب، وكيفما أحرم جاز، لا نعلم أحدًا خالف في ذلك - انتهى مختصرًا. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢: ص١٠، ١٧، ١٨، ٢٨، ٢٩، ٣٧) ومالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي وغيرهم بألفاظ مختلفة، واللفظ المذكور لأحمد (ج٢: ص٢٩، ٣٧) ومسلم، وابن ماجة باختلاف يسير.
٢٥٦٧- قوله (خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ) بالضم حال أي نرفع أصواتنا بالتلبية وفي رواية: قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نصرخ، قال النووي: فيه استحباب رفع الصوت بالتلبية وهو متفق عليه بشرط أن يكون رفعًا مقتصدًا بحيث لا يؤذي نفسه، والمرأة لا ترفع بل تسمع نفسها، لأن صوتها محل فتنة، ورفع الرجل مندوب عند العلماء كافة، وقال أهل الظاهر: هو واجب - انتهى. ويأتي مزيد الكلام في هذه المسألة في شرح حديث خلاد بن السائب الآتي (بالحج صراخًا) بضم الصاد مفعول مطلق، ولعل الاقتصار على ذكر الحج لأنه الأصل والمقصود الأعظم أو لأنه المبدوء به ثم أدخل عليه العمرة، قال القاري: وقد يقال: هذا حال الراوي ومن وافقه، وأما حاله ﵊ فمسكوت عنه يعرف من محل آخر فلا ينافي ما سيأتي - انتهى. وفي الحديث دليل على استحباب ذكر النسك في التلبية، ويدل عليه أيضاً حديث أنس الآتي. قال المحب الطبرى: الظاهر من لفظ الحديث ذكر النسك في التلبية، وقد اختلف أصحابنا في استحباب ذلك فمنهم من استحبه لظاهر هذه الأحاديث، ومنهم من قال: لا يستحب لما تقدم من حديث جابر قال: ما سمى رسول الله ﷺ في تلبيته قط حجًا ولا عمرة، ومن حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر حجًا ولا عمرة. أخرجهما البيهقي ولما روي عن ابن عمر أنه كان إذا سمع بعض أهله يسمي حجًا يقول: لبيك بحج، صك في صدره وقال: أتعلم الله بما في صدرك؟ أخرجه البيهقي وسعيد بن منصور وقال: أتعلم الله بما في نفسك؟ قال الطبري: هذا الاختلاف - والله أعلم - في غير التلبية الأولى التي تكون عند عقد الإحرام، أما تلك فالظاهر استحباب ذكر النسك فيها قولاً واحدًا، وعلى ذلك يحمل ما ورد من الأحاديث، على أن حديث ابن عمر يعم الأولى وغيرها - انتهى. قال القاري: في حديث أبى سعيد رد على الشافعية أنه إنما يذكر الحج والعمرة في أول تلبيته فقط.
стр. 3957
رواه مسلم.
٢٥٦٨- (٥) وعن أنس، قال: كنت رديف أبى طلحة وإنهم ليصرخون بهما جميعًا الحج والعمرة.
ــ
وقال ابن قدامة (ج٣: ص٢٩٠، ٢٩١) : ويستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته. قال أحمد إن شئت لبيت بالحج، وإن شئت لبيت بالحج والعمرة، وإن شئت بعمرة، وإن لبيت بحج وعمرة بدأت بالعمرة، فقلت: لبيك بعمرة وحجة. وقال أبو الخطاب: لا يستحب ذلك، وهو اختيار ابن عمر، وقول الشافعي لأن جابرًا قال: ما سمى النبي ﷺ في تلبيته حجًا ولا عمرة، وسمع ابن عمر رجلاً يقول: لبيك بعمرة. فضرب صدره وقال: تعلمه ما في نفسك؟ ولنا ما روى أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك عمرة وحجًا، وقال جابر: قدمنا مع النبي ﷺ ونحن نقول: لبيك بالحج. وقال ابن عباس: قدم رسول الله وأصحابه وهم يلبون بالحج، وقال ابن عمر: بدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج. متفق على هذه الأحاديث. وقال أنس: سمعتهم يصرخون بهما صراخًا. رواه البخاري. وقال أبو سعيد: خرجنا مع النبي ﷺ نصرخ بالحج فحللنا. فلما كان يوم التروية لبينا بالحج وانطلقنا إلى منى. وهذه الأحاديث أصح وأكثر من حديثهم. وقول ابن عمر يخالفه قول أبيه، فإن النسائي روى بإسناده عن الصبي بن معبد أنه أول ما حج لبى بالحج والعمرة جميعًا، ثم ذكر ذلك لعمر فقال: هديت لسنة نبيك، وإن لم يذكر ذلك في تلبيته فلا بأس، فإن النية محلها القلب - انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أحمد (ج٣: ص٥، ٧٥) والبيهقي (ج٥: ص٤٠) .
٢٥٦٨- قوله: (كنت رديف أبى طلحة) أي راكبًا خلف ظهره وهو زوج أمه (وإنهم) أي الصحابة والنبي معهم (ليصرخون) اللام فيه للتأكيد (بهما) أي بالحج والعمرة (جميعًا الحج والعمرة) بالجر على أنه بدل من الضمير في بهما، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هما أو أحدهما الحج والآخر العمرة، ويجوز النصب على الاختصاص بتقدير أعني وفيه دليل على أنه ﷺ كان قارنًا. وقال المهلب: إنما سمع أنس من قرن خاصة، وليس في حديثه أنه سمع رسول الله ﷺ يصرخ بهما وإنما أخبر بذلك عن قوم، وقد يمكن أن يسمع قومًا يصرخون بحج وقومًا يصرخون بعمرة. قال العيني: هذا تحكم وخروج عما يقتضيه الكلام، فإن الضمير في ((يصرخون)) يرجع إلى النبي ﷺ ومن معه من أصحابه. والباء في بهما يتعلق بيصرخون، فكيف يفرق مرجع الضمير إلى بعضهم بشيء وإلى الآخرين بشيء آخر - انتهى مختصرًا. وقال الكرماني أيضاً: مراد أنس بذلك من نوى منهم القرآن، ويحتمل أن يكون على سبيل التوزيع بأن يكون بعضهم صارخًا بالحج وبعضهم بالعمرة. قال الحافظ ويشكل عليه قوله في الطريق الأخرى يقول: لبيك بحجة وعمرة معًا. وسيأتي إنكار ابن عمر على أنس ذلك، وسيأتي ما فيه في باب التمتع والقرآن - انتهى. وقال
стр. 3958
رواه البخاري.
٢٥٦٩- (٦) وعن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ع
ــ
العيني بعد ذكر كلام الكرماني: لا يوجد في الرد عليه أقوى من قوله ﷺ لبيك بحجة وعمرة معًا كما سيجيء بيانه - انتهى. وفى الحديث حجة للجمهور في استحباب رفع الصوت بالتلبية، وقد جاءت فيه أحاديث كما سيجيء الإشارة إليها في شرح حديث خلاد بن السائب. (رواه البخاري) في باب الارتداف في الغزو والحج من كتاب الجهاد، وأخرجه أيضاً في الحج مقطعًا في مواضع، منها في باب رفع الصوت بالإهلال بلفظ: ((صلى النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا)) ، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٥: ص٤٠) ، ولمسلم: ((سمعت النبي ﷺ يلبى بالعمرة والحج جميعًا)) وفي لفظ: ((أنه رأى النبي ﷺ جمع بينهما بالحج والعمرة)) .
٢٥٦٩- قوله: (خرجنا) أي من المدينة، واختلف في عدد الذين كانوا معه ﷺ ، فقيل: تسعون ألفًا، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، ويقال: أكثر من ذلك، حكاه البيهقي. قال الزرقاني: هذا في عدة الذين خرجوا معه، وأما الذين حجوا معه فأكثر المقيمين بمكة، والذين أتوا من اليمن مع علي، وأبي موسى ﵄ انتهى. وقال القاري: بلغ جملة من معه ﷺ تسعين ألفًا، وقيل مائة وثلاثين ألفًا - انتهى. وقال الشيخ الدهلوي في اللمعات: ورد في بعض الروايات أنهم كانوا أكثر من الحصر والإحصاء ولم يعينوا عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك التي هي آخر غزواته ﷺ مائة ألف، وحجة الوداع كانت بعد ذلك، ولا بد أن يزدادوا فيها، ويروى: مائة وأربعة عشر ألفًا، وفي رواية: مائة وأربعة وعشرون ألفًا - انتهى. (مع رسول الله ﷺ ) زادت عمرة بنت عبد الرحمن عنها ((لخمس ليال بقين من ذي القعدة)) كما في الموطأ والصحيحين وغيرهما، وكذا وقع في حديث ابن عباس عند البخاري في باب ((الخروج آخر الشهر)) من كتاب الجهاد، وفي باب ((ما يلبس المحرم من الثياب)) من كتاب الحج، وكذا وقع في حديث جابر عند النسائي. قال القسطلانى: يقتضي أن تكون قالته عائشة بعد انقضاء الشهر، ولو قالته قبله لقالت إن بقين - انتهى. وقال الحافظ: فيه استعمال الفصيح في التاريخ وهو ما دام في النصف الأول من الشهر يؤرخ بما خلا وإذا دخل النصف الثاني يؤرخ بما بقى وقال أيضًا: فيه رد على من منع إطلاق القول في التاريخ لئلا يكون الشهر ناقصًا فلا يصح الكلام، فيقول مثلاً لخمس إن بقين بزيادة أداة الشرط، وحجة الجواز أن الإطلاق يكون على الغالب - انتهى. ويؤيده ما ورد في ليالي القدر عند الترمذي من حديث أبى بكر رفعه: ((التمسوها في تسع يبقين أو سبع يبقين)) الحديث. وما وقع في حديث آخر: ((تاسعة تبقى وسابعة تبقى)) واختلف في يوم خروجه ﷺ على ثلاثة أقوال، الأول: أنه خرج يوم الجمعة وهذا وهم قبيح وخطأ فاحش يرده الروايات الصحيحة، إذ من المعلوم الذي لا ريب أنه صلى الظهر يوم خروجه بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين. القول الثاني: ما ذهب إليه ابن حزم واختاره العيني في شرح البخاري: أن
стр. 3959
..............................................................................................
ــ
خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة، حكى هذا القول ابن القيم في الهدي (ج١: ص١٨١، ١٨٢) عن ابن حزم، وذكر كلامه مفصلاً ثم بسط في الرد عليه، وسيأتي شيء من كلامه مع الجواب عنه. القول الثالث: ما اختاره المحققون من شراح الحديث وأصحاب التاريخ: أن خروجه كان لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، وبه جزم ابن القيم في الهدي، وهو مختار الحافظ في الفتح (ج٦: ص٨٠) إذ قال في شرح قول ابن عباس: ((وذلك لخمس بقين من ذي القعدة)) ما لفظه: أخرج مسلم مثله من حديث عائشة، واحتج به ابن حزم في كتاب حجة الوداع له على أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس، قال: لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس بلا شك، لأن الوقفة كانت يوم الجمعة بلا خلاف، وظاهر قول ابن عباس: ((لخمس)) يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم الجمعة بناء على ترك عد يوم الخروج، وقد ثبت أنه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا كما سيأتي من حديث أنس، فتبين أنه لم يكن يوم الجمعة، فتعين أنه يوم الخميس، وتعقبه ابن القيم بأن المتعين أن يكون يوم السبت بناء على عد يوم الخروج أو على ترك عده، ويكون ذو القعدة تسعًا وعشرين يومًا - انتهى. ويؤيده ما رواه ابن سعد، والحاكم في الإكليل أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة. وقال الحافظ أيضاً (ج١٨: ص٨٥) : جزم ابن حزم بأن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس، وفيه نظر لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس قطعًا لما ثبت وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة وتعين أن أول الشهر يوم الخميس فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة لكن ثبت في الصحيحين عن أنس: ((صلينا الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين)) فدل على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقى إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويحمل قول من قال: ((لخمس بقين)) أي إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا وعشرين فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضي أربع ليالي لا خمس، وبهذا تتفق الأخبار. هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات، وقوي هذا الجمع بقول جابر أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع، وكان دخوله ﷺ مكة صبح رابعة كما ثبت في حديث عائشة وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت كما تقدم، فيكون مكثه في الطريق ثمان ليال وهى المسافة الوسطى - انتهى. وقال في شرح ((باب الخروج آخر الشهر)) من كتاب الجهاد: قد استشكل قول ابن عباس وعائشة أنه خرج لخمس بقين، لأن ذا الحجة كان أوله الخميس للاتفاق على أن الوقفة كانت يوم الجمعة، ولا يصح ذلك لقول أنس أنه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا ثم خرج. وأجيب بأن الخروج كان يوم السبت، وإنما قال الصحابة: ((لخمس بقين)) بناء على العدد، لأن ذا القعدة كان أوله الأربعاء فاتفق أن جاء ناقصًا، فجاء أول ذي الحجة الخميس، فظهر أن الذي كان بقى من الشهر أربع لا خمس، كذا أجاب به جمع من العلماء، ويحتمل أن يكون الذي قال: ((لخمس بقين)) أراد
стр. 3960
عام حجة الوداع، فمنَّا من أهل بعمرة، ومنَّا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج،
ــ
ضم يوم الخروج إلى ما بقى لأن التأهب وقع في أوله، وإن اتفق التأخير إلى أن صليت الظهر فكأنهم لما تأهبوا باتوا ليلة السبت على سفر اعتدوا به من جملة أيام السفر. والله أعلم، وقال ابن القيم: وجه ما اخترناه أن الحديث صريح في أنه خرج لخمس بقين وهى: يوم السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء فهذه خمس، وعلى قول ابن حزم يكون خروجه لسبع بقين، فإن لم يعد يوم الخروج كان لست، وأيهما كان فهو خلاف الحديث، وإن اعتبر الليالي كان خروجه لست ليال بقين لا خمس، فلا يصح الجمع بين خروجه يوم الخميس وبين بقاء خمس من الشهر ألبتة، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السبت كان الباقي بيوم الخروج خمس بلا شك، ويدل عليه أن النبي ﷺ ذكر لهم في خطبته شأن الإحرام، وما يلبس المحرم بالمدينة على منبره، والظاهر أن هذا كان يوم الجمعة لأنه لم ينقل أنه جمعهم ونادى فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر ﵄ هذه الخطبة بالمدينة على منبره، وكان عادته ﷺ أن يعلمهم في كل وقت ما يحتاجون إليه إذا حضر فعله، فأولى الأوقات به الجمعة التي تلي خروجه، والظاهر أنه لم يكن ليدع الجمعة وبينه وبينها بعض يوم من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخلق، وهو أحرص الناس على تعليمهم الدين، وقد حضر ذلك الجمع العظيم، والجمع بينه وبين الحج ممكن بلا تفويت. والله أعلم. (عام حجة الوداع) بكسر الحاء المهملة وبفتحها وبفتح الواو، وجاز كسرها، قال النووي: سميت بذلك لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها وقال لعليّ لا أحج بعد عامي هذا فلم يحج بعد الهجرة غيرها وكانت سنة عشر من الهجرة، وفيه دليل على أنه لا بأس بالتسمية بذلك خلافًا لمن كرهه، وتسمى البلاغ أيضًا، لأنه قال ﷺ فيها: هل بلغت؟ وحجة الإسلام، لأنها التي حج فيها بأهل الإسلام ليس فيها مشرك (فمنا من أهل بعمرة) أي لبى بها بأن قال لبيك بعمرة فقط، فقد كان ﷺ خيرهم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، (ومنَّا من أهل بحج وعمرة) أي جمع بينهما فكان قارنًا، (ومنَّا من أهل بالحج) وحده ويشكل على ما وقع في هذه الرواية من التخيير بين الأنساك الثلاثة ما ورد في الصحيحين وغيرهما من رواية الأسود عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا الحج، وللبخاري من وجه آخر عن أبى الأسود عن عروة عنها: مهلين بالحج، ولمسلم عن القاسم عنها: ((لا نذكر إلا الحج)) وله أيضاً: ((ملبين بالحج)) فظاهره أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا أولاً محرمين بالحج. وأجاب الحافظ وغيره بأن هذا محمول على أول الأمر إذ خرجوا من المدينة لا يرون إلا الحج لما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج، ورواية الباب على آخر الأمر إذ بين لهم النبي ﷺ وجوه الإحرام، وجوز لهم الاعتمار في أشهر الحج، وجمع القاري بينهما بأن قول عائشة لا نذكر إلا الحج أي ما كان قصدنا الأصلي
следующие страницы →