Полный текст (4 545 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
متفق عليه.
٢٥٦٧- (٤) وعن أبى سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخًا
ــ
عقيب الصلاة، وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير سواء، لأن الجميع قد روي عن النبي ﷺ من طرق صحيحة قال الأثرم: سألت أبا عبد الله أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة؟ أو إذا استوت به راحلته؟ فقال: كل ذلك قد جاء في دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوسع ذلك كله. والأولى الإحرام عقيب الصلاة لما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس وفيه بيان وزيادة علم فيتعين حمل الأمر عليه ولو لم يقله ابن عباس لتعين حمل الأمر عليه جمعًا بين الأخبار المختلفة، وهذا على سبيل الاستحباب، وكيفما أحرم جاز، لا نعلم أحدًا خالف في ذلك - انتهى مختصرًا. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢: ص١٠، ١٧، ١٨، ٢٨، ٢٩، ٣٧) ومالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي وغيرهم بألفاظ مختلفة، واللفظ المذكور لأحمد (ج٢: ص٢٩، ٣٧) ومسلم، وابن ماجة باختلاف يسير.
٢٥٦٧- قوله (خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ) بالضم حال أي نرفع أصواتنا بالتلبية وفي رواية: قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نصرخ، قال النووي: فيه استحباب رفع الصوت بالتلبية وهو متفق عليه بشرط أن يكون رفعًا مقتصدًا بحيث لا يؤذي نفسه، والمرأة لا ترفع بل تسمع نفسها، لأن صوتها محل فتنة، ورفع الرجل مندوب عند العلماء كافة، وقال أهل الظاهر: هو واجب - انتهى. ويأتي مزيد الكلام في هذه المسألة في شرح حديث خلاد بن السائب الآتي (بالحج صراخًا) بضم الصاد مفعول مطلق، ولعل الاقتصار على ذكر الحج لأنه الأصل والمقصود الأعظم أو لأنه المبدوء به ثم أدخل عليه العمرة، قال القاري: وقد يقال: هذا حال الراوي ومن وافقه، وأما حاله ﵊ فمسكوت عنه يعرف من محل آخر فلا ينافي ما سيأتي - انتهى. وفي الحديث دليل على استحباب ذكر النسك في التلبية، ويدل عليه أيضاً حديث أنس الآتي. قال المحب الطبرى: الظاهر من لفظ الحديث ذكر النسك في التلبية، وقد اختلف أصحابنا في استحباب ذلك فمنهم من استحبه لظاهر هذه الأحاديث، ومنهم من قال: لا يستحب لما تقدم من حديث جابر قال: ما سمى رسول الله ﷺ في تلبيته قط حجًا ولا عمرة، ومن حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر حجًا ولا عمرة. أخرجهما البيهقي ولما روي عن ابن عمر أنه كان إذا سمع بعض أهله يسمي حجًا يقول: لبيك بحج، صك في صدره وقال: أتعلم الله بما في صدرك؟ أخرجه البيهقي وسعيد بن منصور وقال: أتعلم الله بما في نفسك؟ قال الطبري: هذا الاختلاف - والله أعلم - في غير التلبية الأولى التي تكون عند عقد الإحرام، أما تلك فالظاهر استحباب ذكر النسك فيها قولاً واحدًا، وعلى ذلك يحمل ما ورد من الأحاديث، على أن حديث ابن عمر يعم الأولى وغيرها - انتهى. قال القاري: في حديث أبى سعيد رد على الشافعية أنه إنما يذكر الحج والعمرة في أول تلبيته فقط.
стр. 3957
رواه مسلم.
٢٥٦٨- (٥) وعن أنس، قال: كنت رديف أبى طلحة وإنهم ليصرخون بهما جميعًا الحج والعمرة.
ــ
وقال ابن قدامة (ج٣: ص٢٩٠، ٢٩١) : ويستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته. قال أحمد إن شئت لبيت بالحج، وإن شئت لبيت بالحج والعمرة، وإن شئت بعمرة، وإن لبيت بحج وعمرة بدأت بالعمرة، فقلت: لبيك بعمرة وحجة. وقال أبو الخطاب: لا يستحب ذلك، وهو اختيار ابن عمر، وقول الشافعي لأن جابرًا قال: ما سمى النبي ﷺ في تلبيته حجًا ولا عمرة، وسمع ابن عمر رجلاً يقول: لبيك بعمرة. فضرب صدره وقال: تعلمه ما في نفسك؟ ولنا ما روى أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك عمرة وحجًا، وقال جابر: قدمنا مع النبي ﷺ ونحن نقول: لبيك بالحج. وقال ابن عباس: قدم رسول الله وأصحابه وهم يلبون بالحج، وقال ابن عمر: بدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج. متفق على هذه الأحاديث. وقال أنس: سمعتهم يصرخون بهما صراخًا. رواه البخاري. وقال أبو سعيد: خرجنا مع النبي ﷺ نصرخ بالحج فحللنا. فلما كان يوم التروية لبينا بالحج وانطلقنا إلى منى. وهذه الأحاديث أصح وأكثر من حديثهم. وقول ابن عمر يخالفه قول أبيه، فإن النسائي روى بإسناده عن الصبي بن معبد أنه أول ما حج لبى بالحج والعمرة جميعًا، ثم ذكر ذلك لعمر فقال: هديت لسنة نبيك، وإن لم يذكر ذلك في تلبيته فلا بأس، فإن النية محلها القلب - انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أحمد (ج٣: ص٥، ٧٥) والبيهقي (ج٥: ص٤٠) .
٢٥٦٨- قوله: (كنت رديف أبى طلحة) أي راكبًا خلف ظهره وهو زوج أمه (وإنهم) أي الصحابة والنبي معهم (ليصرخون) اللام فيه للتأكيد (بهما) أي بالحج والعمرة (جميعًا الحج والعمرة) بالجر على أنه بدل من الضمير في بهما، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هما أو أحدهما الحج والآخر العمرة، ويجوز النصب على الاختصاص بتقدير أعني وفيه دليل على أنه ﷺ كان قارنًا. وقال المهلب: إنما سمع أنس من قرن خاصة، وليس في حديثه أنه سمع رسول الله ﷺ يصرخ بهما وإنما أخبر بذلك عن قوم، وقد يمكن أن يسمع قومًا يصرخون بحج وقومًا يصرخون بعمرة. قال العيني: هذا تحكم وخروج عما يقتضيه الكلام، فإن الضمير في ((يصرخون)) يرجع إلى النبي ﷺ ومن معه من أصحابه. والباء في بهما يتعلق بيصرخون، فكيف يفرق مرجع الضمير إلى بعضهم بشيء وإلى الآخرين بشيء آخر - انتهى مختصرًا. وقال الكرماني أيضاً: مراد أنس بذلك من نوى منهم القرآن، ويحتمل أن يكون على سبيل التوزيع بأن يكون بعضهم صارخًا بالحج وبعضهم بالعمرة. قال الحافظ ويشكل عليه قوله في الطريق الأخرى يقول: لبيك بحجة وعمرة معًا. وسيأتي إنكار ابن عمر على أنس ذلك، وسيأتي ما فيه في باب التمتع والقرآن - انتهى. وقال
стр. 3958
رواه البخاري.
٢٥٦٩- (٦) وعن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ع
ــ
العيني بعد ذكر كلام الكرماني: لا يوجد في الرد عليه أقوى من قوله ﷺ لبيك بحجة وعمرة معًا كما سيجيء بيانه - انتهى. وفى الحديث حجة للجمهور في استحباب رفع الصوت بالتلبية، وقد جاءت فيه أحاديث كما سيجيء الإشارة إليها في شرح حديث خلاد بن السائب. (رواه البخاري) في باب الارتداف في الغزو والحج من كتاب الجهاد، وأخرجه أيضاً في الحج مقطعًا في مواضع، منها في باب رفع الصوت بالإهلال بلفظ: ((صلى النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا)) ، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج٥: ص٤٠) ، ولمسلم: ((سمعت النبي ﷺ يلبى بالعمرة والحج جميعًا)) وفي لفظ: ((أنه رأى النبي ﷺ جمع بينهما بالحج والعمرة)) .
٢٥٦٩- قوله: (خرجنا) أي من المدينة، واختلف في عدد الذين كانوا معه ﷺ ، فقيل: تسعون ألفًا، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، ويقال: أكثر من ذلك، حكاه البيهقي. قال الزرقاني: هذا في عدة الذين خرجوا معه، وأما الذين حجوا معه فأكثر المقيمين بمكة، والذين أتوا من اليمن مع علي، وأبي موسى ﵄ انتهى. وقال القاري: بلغ جملة من معه ﷺ تسعين ألفًا، وقيل مائة وثلاثين ألفًا - انتهى. وقال الشيخ الدهلوي في اللمعات: ورد في بعض الروايات أنهم كانوا أكثر من الحصر والإحصاء ولم يعينوا عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك التي هي آخر غزواته ﷺ مائة ألف، وحجة الوداع كانت بعد ذلك، ولا بد أن يزدادوا فيها، ويروى: مائة وأربعة عشر ألفًا، وفي رواية: مائة وأربعة وعشرون ألفًا - انتهى. (مع رسول الله ﷺ ) زادت عمرة بنت عبد الرحمن عنها ((لخمس ليال بقين من ذي القعدة)) كما في الموطأ والصحيحين وغيرهما، وكذا وقع في حديث ابن عباس عند البخاري في باب ((الخروج آخر الشهر)) من كتاب الجهاد، وفي باب ((ما يلبس المحرم من الثياب)) من كتاب الحج، وكذا وقع في حديث جابر عند النسائي. قال القسطلانى: يقتضي أن تكون قالته عائشة بعد انقضاء الشهر، ولو قالته قبله لقالت إن بقين - انتهى. وقال الحافظ: فيه استعمال الفصيح في التاريخ وهو ما دام في النصف الأول من الشهر يؤرخ بما خلا وإذا دخل النصف الثاني يؤرخ بما بقى وقال أيضًا: فيه رد على من منع إطلاق القول في التاريخ لئلا يكون الشهر ناقصًا فلا يصح الكلام، فيقول مثلاً لخمس إن بقين بزيادة أداة الشرط، وحجة الجواز أن الإطلاق يكون على الغالب - انتهى. ويؤيده ما ورد في ليالي القدر عند الترمذي من حديث أبى بكر رفعه: ((التمسوها في تسع يبقين أو سبع يبقين)) الحديث. وما وقع في حديث آخر: ((تاسعة تبقى وسابعة تبقى)) واختلف في يوم خروجه ﷺ على ثلاثة أقوال، الأول: أنه خرج يوم الجمعة وهذا وهم قبيح وخطأ فاحش يرده الروايات الصحيحة، إذ من المعلوم الذي لا ريب أنه صلى الظهر يوم خروجه بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين. القول الثاني: ما ذهب إليه ابن حزم واختاره العيني في شرح البخاري: أن
стр. 3959
..............................................................................................
ــ
خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة، حكى هذا القول ابن القيم في الهدي (ج١: ص١٨١، ١٨٢) عن ابن حزم، وذكر كلامه مفصلاً ثم بسط في الرد عليه، وسيأتي شيء من كلامه مع الجواب عنه. القول الثالث: ما اختاره المحققون من شراح الحديث وأصحاب التاريخ: أن خروجه كان لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، وبه جزم ابن القيم في الهدي، وهو مختار الحافظ في الفتح (ج٦: ص٨٠) إذ قال في شرح قول ابن عباس: ((وذلك لخمس بقين من ذي القعدة)) ما لفظه: أخرج مسلم مثله من حديث عائشة، واحتج به ابن حزم في كتاب حجة الوداع له على أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس، قال: لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس بلا شك، لأن الوقفة كانت يوم الجمعة بلا خلاف، وظاهر قول ابن عباس: ((لخمس)) يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم الجمعة بناء على ترك عد يوم الخروج، وقد ثبت أنه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا كما سيأتي من حديث أنس، فتبين أنه لم يكن يوم الجمعة، فتعين أنه يوم الخميس، وتعقبه ابن القيم بأن المتعين أن يكون يوم السبت بناء على عد يوم الخروج أو على ترك عده، ويكون ذو القعدة تسعًا وعشرين يومًا - انتهى. ويؤيده ما رواه ابن سعد، والحاكم في الإكليل أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة. وقال الحافظ أيضاً (ج١٨: ص٨٥) : جزم ابن حزم بأن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس، وفيه نظر لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس قطعًا لما ثبت وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة وتعين أن أول الشهر يوم الخميس فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة لكن ثبت في الصحيحين عن أنس: ((صلينا الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين)) فدل على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقى إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويحمل قول من قال: ((لخمس بقين)) أي إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا وعشرين فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضي أربع ليالي لا خمس، وبهذا تتفق الأخبار. هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات، وقوي هذا الجمع بقول جابر أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع، وكان دخوله ﷺ مكة صبح رابعة كما ثبت في حديث عائشة وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت كما تقدم، فيكون مكثه في الطريق ثمان ليال وهى المسافة الوسطى - انتهى. وقال في شرح ((باب الخروج آخر الشهر)) من كتاب الجهاد: قد استشكل قول ابن عباس وعائشة أنه خرج لخمس بقين، لأن ذا الحجة كان أوله الخميس للاتفاق على أن الوقفة كانت يوم الجمعة، ولا يصح ذلك لقول أنس أنه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا ثم خرج. وأجيب بأن الخروج كان يوم السبت، وإنما قال الصحابة: ((لخمس بقين)) بناء على العدد، لأن ذا القعدة كان أوله الأربعاء فاتفق أن جاء ناقصًا، فجاء أول ذي الحجة الخميس، فظهر أن الذي كان بقى من الشهر أربع لا خمس، كذا أجاب به جمع من العلماء، ويحتمل أن يكون الذي قال: ((لخمس بقين)) أراد
стр. 3960
عام حجة الوداع، فمنَّا من أهل بعمرة، ومنَّا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج،
ــ
ضم يوم الخروج إلى ما بقى لأن التأهب وقع في أوله، وإن اتفق التأخير إلى أن صليت الظهر فكأنهم لما تأهبوا باتوا ليلة السبت على سفر اعتدوا به من جملة أيام السفر. والله أعلم، وقال ابن القيم: وجه ما اخترناه أن الحديث صريح في أنه خرج لخمس بقين وهى: يوم السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء فهذه خمس، وعلى قول ابن حزم يكون خروجه لسبع بقين، فإن لم يعد يوم الخروج كان لست، وأيهما كان فهو خلاف الحديث، وإن اعتبر الليالي كان خروجه لست ليال بقين لا خمس، فلا يصح الجمع بين خروجه يوم الخميس وبين بقاء خمس من الشهر ألبتة، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السبت كان الباقي بيوم الخروج خمس بلا شك، ويدل عليه أن النبي ﷺ ذكر لهم في خطبته شأن الإحرام، وما يلبس المحرم بالمدينة على منبره، والظاهر أن هذا كان يوم الجمعة لأنه لم ينقل أنه جمعهم ونادى فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر ﵄ هذه الخطبة بالمدينة على منبره، وكان عادته ﷺ أن يعلمهم في كل وقت ما يحتاجون إليه إذا حضر فعله، فأولى الأوقات به الجمعة التي تلي خروجه، والظاهر أنه لم يكن ليدع الجمعة وبينه وبينها بعض يوم من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخلق، وهو أحرص الناس على تعليمهم الدين، وقد حضر ذلك الجمع العظيم، والجمع بينه وبين الحج ممكن بلا تفويت. والله أعلم. (عام حجة الوداع) بكسر الحاء المهملة وبفتحها وبفتح الواو، وجاز كسرها، قال النووي: سميت بذلك لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها وقال لعليّ لا أحج بعد عامي هذا فلم يحج بعد الهجرة غيرها وكانت سنة عشر من الهجرة، وفيه دليل على أنه لا بأس بالتسمية بذلك خلافًا لمن كرهه، وتسمى البلاغ أيضًا، لأنه قال ﷺ فيها: هل بلغت؟ وحجة الإسلام، لأنها التي حج فيها بأهل الإسلام ليس فيها مشرك (فمنا من أهل بعمرة) أي لبى بها بأن قال لبيك بعمرة فقط، فقد كان ﷺ خيرهم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، (ومنَّا من أهل بحج وعمرة) أي جمع بينهما فكان قارنًا، (ومنَّا من أهل بالحج) وحده ويشكل على ما وقع في هذه الرواية من التخيير بين الأنساك الثلاثة ما ورد في الصحيحين وغيرهما من رواية الأسود عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا الحج، وللبخاري من وجه آخر عن أبى الأسود عن عروة عنها: مهلين بالحج، ولمسلم عن القاسم عنها: ((لا نذكر إلا الحج)) وله أيضاً: ((ملبين بالحج)) فظاهره أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا أولاً محرمين بالحج. وأجاب الحافظ وغيره بأن هذا محمول على أول الأمر إذ خرجوا من المدينة لا يرون إلا الحج لما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج، ورواية الباب على آخر الأمر إذ بين لهم النبي ﷺ وجوه الإحرام، وجوز لهم الاعتمار في أشهر الحج، وجمع القاري بينهما بأن قول عائشة لا نذكر إلا الحج أي ما كان قصدنا الأصلي
стр. 3961
..............................................................................................
ــ
من هذا السفر إلا الحج بأحد أنواعه من القران والتمتع والإفراد فمنا من أفرد ومنَّا من قرن ومنَّا من تمتع - انتهى. وأما ما وقع عند مسلم وغيره من رواية ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، فقال الزرقاني: أي أدخلناها على الحج بعد أن أهللنا به ابتداء، وهو إخبار عن حالها، وحال من كان مثلها في الإهلال بعمرة لا عن فعل جميع الناس، فلا ينافي قولها: ((فمنَّا من أهل بعمرة ومنَّا من أهل بالحج، ومنَّا من أهل بحج وعمرة)) وفيه أن عائشة لم تكن ممن أهل بالحج ابتداءً، وقد تظافرت الروايات الواردة في هذا الباب على أنها كانت معتمرة ابتداءً، ولما شكت إلى النبي ﷺ أنها لم تطف أمرها برفض عمرتها، فانتقلت إلى الإفراد أو أدخلت عليها الحج وصارت قارنة. وقال الباجي: قولها ((فأهللنا بعمرة)) يحتمل أن تريد بذلك أزواج النبي ﷺ ، ويحتمل أن تريد من كان معها أو طائفة أشارت إليهم، ولا يصح أن تريد جماعة أصحاب النبي ﷺ لأنها قد ذكرت أن منهم من أهل بعمرة ومنهم من جمع بين العمرة والحج ومنهم من أهل بحج - انتهى. واعلم أنه اختلفت الروايات في إحرام عائشة في نفسها اختلافًا كثيرًا، ولذلك اختلف أهل العلم في إحرامها ابتداءً وانتهاءً هل أحرمت بالحج فقط فكانت مفردة، أو أحرمت بالعمرة فكانت متمتعة، وعلى الثاني هل فسخت العمرة وأهلت بالحج مفردًا أو قرنت العمرة مع الحج قال ابن القيم في الهدي (ج١: ص٢٠٤) : قد تنازع العلماء في قصة عائشة هل كانت متمتعة أو مفردة فإذا كانت متمتعة، فهل رفضت عمرتها وانتقلت إلى الإفراد أو أدخلت عليها الحج وصارت قارنة، وهل العمرة التي أتت بها من التنعيم كانت واجبة أم لا، وإذا لم تكن واجبة فهل هي مجزية عن عمرة الإسلام أم لا؟ واختلف العلماء في مسألة مبنية على قصة عائشة، وهى أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة فحاضت ولم يمكنها الطواف قبل التعريف فهل ترفض الإحرام بالعمرة وتهل بالحج مفردًا أو تدخل الحج على العمرة وتصير قارنة؟ فقال بالقول الأول فقهاء الكوفة منهم: أبو حنيفة وأصحابه ﵏، وبالثاني فقهاء الحجاز منهم: الشافعي، ومالك رحمهما الله، وهو مذهب أهل الحديث كالإمام أحمد ﵀ وأتباعه، ثم ذكر ابن القيم دليل الكوفيين وبسط الكلام في الرد عليه هذا، وقد تصدى الشيخ محمد عابد السندي وغيره من الحنفية لتقوية مذهبهم، والجواب عن حجة فقهاء الحجاز لكنهم لم يأتوا بشيء غير تأويلات بعيدة وقال الأبي في الإكمال: اختلفت الروايات في إحرام عائشة ففي رواية عروة عنها: ((أهللنا بعمرة)) وفي رواية القاسم عنها: ((لبينا بالحج)) وفي روايته الأخرى عنها: ((لا نعرف إلا الحج)) وهذا كله صريح في أنها أهلت بالحج، وفي رواية الأسود عنها: ((ملبين لا نذكر حجًا ولا عمرة)) واختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة فقال إسماعيل القاضي: إنها كانت مهلة بالحج لأنها رواية الأكثر عن عمرة، والقاسم، والأسود، وغلطوا رواية عروة، ورجحوا ذلك أيضاً بأن عروة قال في رواية حماد: حدثني غير واحد أن النبي ﷺ قال لها: دعي عمرتك. فقد بان أنه لم يسمع الحديث منها، ولا بيان فيه لأحد
стр. 3962
..............................................................................................
ــ
ممن حدثه ذلك، قالوا وأيضاً: فإن رواية عمرة، والقاسم ساقت عمل عائشة في الحج من أوله إلى آخره، ولذا قال القاسم عن رواية عمرة: أتتك بالحديث على وجهه - انتهى. قلت: وقع عند البخاري من رواية هشام، وابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: وكنت ممن أهل بعمرة، وهي نص في كونها معتمرة ابتداء، وقد رد الحافظ على من ادعى كون رواية عروة غلطًا فرجح رواية القاسم ومن وافقه على رواية عروة، قال الحافظ: ادعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة، وأن الصواب رواية الأسود والقاسم وعمر عنها أنها أهلت بالحج مفردًا، وتعقب بأن قول عروة عنها: ((أهلت بعمرة)) صريح، وأما قول الأسود وغيره عنها: ((لا نرى إلا الحج)) فليس صريحًا في إهلالها بحج مفرد، فالجمع بينهما ما تقدم (بأن المذكور في روايتهم ما كانوا يعهدون من ترك الاعتمار في أشهر الحج، فخرجوا لا يعرفون إلا الحج، ثم بين لهم النبي ﷺ وجوه الإحرام) من غير تغليط عروة وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله الصحابي كما أخرجه مسلم عنه، وكذا رواه طاوس، ومجاهد عن عائشة، ثم قال الحافظ: ويحتمل في الجمع أيضاً أن يقال: أهلت عائشة بالحج مفردًا كما فعل غيرها من الصحابة وعلى هذا يتنزل حديث الأسود ومن تبعه. ثم أمر النبي ﷺ أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة ففعلت عائشة ما صنعوا فصارت متمتعة، وعلى هذا يتنزل حديث عروة , ثم لما دخلت مكة وهي حائض فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تحرم بالحج - انتهى. قلت: في هذا الجمع نظر من وجوه، منها أن ألفاظ روايات عروة صريحة في أنها لم تهلل أولاً إلا بعمرة، فلفظ البخاري من رواية عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنَّا من أهل بحج - الحديث. وفيه: ((ولم أهلل إلا بعمرة فأمرني النبي ﷺ أن أنفض رأسي وأهل بالحج وأترك العمرة ففعلت ذلك - الحديث. فهذا نص في أنها لم تحرم أولاً إلا بعمرة، ومنها أنه يخالف هذا الجمع حديث جابر عند مسلم: قال أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ آن يهل منَّا من لم يكن معه هدي - الحديث. وقد بسط ابن القيم الكلام في الرد على إسماعيل القاضي ومن وافقه وحقق أن عائشة كانت ممن أهل بعمرة ابتداء حيث قال: اختلف الناس فيما أحرمت به عائشة أولاً على قولين أحدهما: أنه عمرة مفردة، وهذا هو الصواب لما ذكرنا من الأحاديث، وفي الصحيح عنها: ((قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع موافين (أي مقارنين) لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله ﷺ : من أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل، فلولا أني أهديت لأهلت بعمرة، قالت: وكان من القوم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بالحج، قالت: فكنت أنا ممن أهل بعمرة)) وذكرت الحديث. وقوله في الحديث ((دعي العمرة وأهلي بالحج)) قاله لها بسرف وهو صريح في أن إحرامها كان بعمرة، والقول الثاني: أنها أحرمت أولاً بالحج وكانت مفردة، قال ابن
стр. 3963
وأهل رسول الله ﷺ بالحج،
ــ
عبد البر: روى القاسم بن محمد والأسود بن يزيد وعمرة كلهم عن عائشة ما يدل على أنها كانت محرمة بحج لا عمرة، قال: وغلطوا عروة في قوله عنها: ((كنت ممن أهل بعمرة)) قال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء يعني الأسود، والقاسم، وعمرة على الروايات التي ذكرنا فعلمنا بذلك أن الروايات التي رويت عن عروة غلط. قال ابن القيم: من العجب رد هذه النصوص الصحيحة الصريحة التي لا مدفع لها ولا مطعن فيها ولا تحتمل تأويلاً البتة بلفظ مجمل ليس ظاهرًا في أنها كانت مفردة، فإن غاية ما احتج به من زعم أنها كانت مفردة قولها: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا أنه الحج. فيا لله العجب أيظن بالمتمتع أنه خرج لغير الحج. بل خرج للحج متمتعًا كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنع أن يقول: خرجت لغسل الجنابة، وصدقت أم المؤمنين إذا كانت لا ترى إلا أنه الحج حتى أحرمت بعمرة بأمره ﷺ ، وكلامها يصدق بعضه بعضًا. وأما قولها: ((لبينا بالحج)) فقد قال جابر عنها في الصحيحين: أنها أهلت بعمرة. وكذلك قال طاوس عنها في صحيح مسلم، وكذلك قال مجاهد عنها، فلو تعارضت الروايات عنها فرواية الصحابة عنها أولى أن يأخذ بها من رواية التابعين. كيف ولا تعارض في ذلك البتة. فإن القائل: ((فعلنا كذا)) يصدق ذلك منه بفعله وبفعل أصحابه. ومن العجب أنهم يقولون في قول ابن عمر: تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة، معناه تمتع أصحابه، فأضاف الفعل إليه لأمره به، فهلا قلتم في قول عائشة: ((لبينا بالحج)) أن المراد به جنس الصحابة الذين لبوا بالحج، ويتعين قطعًا إن لم تكن هذه الرواية غلطًا أن تحمل على ذلك للأحاديث الصحيحة أنها كانت أحرمت بعمرة، وكيف ينسب عروة في ذلك إلى الغلط وهو أعلم الناس بحديثها، وكان يسمع منها مشافهة بلا واسطة، وأما قوله في رواية حماد بن زيد: حدثني غير واحد أن رسول الله ﷺ قال لها: دعي عمرتك. فهذا إنما يحتج إلى تعليله ورده إذا خالف الروايات الثابتة عنها، فأما إذا وافقها وصدقها وشهد لها أنها أحرمت بعمرة فهذا يدل على أنه محفوظ، وأن الذي حدثه ضبطه وحفظه، هذا مع أن حماد بن زيد انفرد بهذه الرواية المعللة وهي قوله: ((فحدثني غير واحد)) وخالفه جماعة فرووه متصلاً عن عروة عن عائشة، فلو قدر التعارض فالأكثرون أولى بالصواب فيا لله العجب! كيف يكون تغليظ أعلم الناس بحديثها وهو عروة في قوله عنها: ((وكنت فيمن أهل بعمرة)) سائغًا بلفظ مجمل محتمل ويقضي به على النص الصحيح الصريح الذي شهد له سياق القصة من وجوه متعددة، إلى آخر ما قال (وأهل رسول الله ﷺ بالحج) أي وحده، احتج به من قال: كان حجه ﷺ مفردًا، وهم عامة الشافعية، والمالكية، وحمله المحققون منهم: كالقاضي عياض، والنووي، والحافظ وغيرهم على أن فيه بيان ابتداء الحال، ثم صار قارنًا، فإنه لا يلزم من إهلاله بالحج أن لا يكون أدخل عليه العمرة، وحمله الحنفية، والحنابلة القائلون بكونه ﷺ قارنًا ابتداءً، على أن عائشة سمعت تلبيته بالحج فقط، وللقارن أن يلبي بأيهما شاء، فيقول: تارة لبيك بحجة، وتارة لبيك عمرة، وتارة لبيك بحجة وعمرة، فحكت عائشة ما سمعت فلا يخالف
стр. 3964
..............................................................................................
ــ
قولها: من حكى أنه لبى بهما جميعًا وكان قارنًا من الابتداء. وسيأتي بيان الاختلاف في صفة إحرامه ﷺ ، وفي أن حجه هل كان إفرادًا أو تمتعًا أو قرانًا، اعلم أن الحج على ثلاثة أنواع: الإفراد، والتمتع، والقران، ويخير مريد الإحرام بين هذه الأنواع الثلاثة، قال ابن قدامة: إن الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران. وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء، وكذا حكى النووي في شرح المهذب وشرح مسلم الإجماع على جواز الأنواع الثلاثة وتأويل ما ورد من النهي عن التمتع عن بعض الصحابة. وقال الولي العراقي في طرح التثريب: أجمعت الأمة على جواز تأدية نسكي الحج والعمرة بكل من هذه الأنواع الثلاثة الإفراد، والتمتع، والقران. قال الحافظ: والإفراد هو الإهلال بالحج وحده في أشهره عند الجميع وفي غير أشهره أيضاً عند مجيزيه، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء - انتهى. ومعنى قوله: ((عند مجيزيه)) أن الإحرام بالحج قبل أشهره مختلف فيه، قال ابن قدامة: لا ينبغي أن يحرم بالحج قبل أشهره، هذا هو الأولى. فإن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه لكونه إحرامًا به قبل وقته، فأشبه الإحرام به قبل ميقاته، ولأن في صحته اختلافًا، فإن أحرم به قبل أشهره صح، وإذا بقى على إحرامه إلى وقت الحج جاز، نص عليه أحمد، وهو قول مالك، والثوري، وأبى حنيفة، وإسحاق، وقال عطاء وطاوس، ومجاهد، والشافعي: يجعله عمرة، لقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ (٢: ١٩٧) تقديره وقت الحج أشهر، أو أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ومتى ثبت أنه وقته لم يجز تقديم إحرامه عليه كأوقات الصلوات. ولنا قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٢: ١٨٩) فدل على أن جميع الأشهر ميقات - انتهى. وفيه أنه لو صح ذلك لجاز صيام رمضان في شهر آخر، فإن قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ لا يختلف عن تعيين شهر رمضان باسمه، فإن قوله: ﴿مَّعْلُومَاتٌ﴾ كتسميتها سواء. والتمتع أن يهل بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج فإذا فرغ منها أحرم بالحج من عامه. قال الحافظ: أما التمتع فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحج، ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج في تلك السنة، ويطلق التمتع في عرف السلف على القران أيضًا. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٢: ١٩٦) أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضاً القران لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتع أيضاً: فسخ الحج إلى العمرة - انتهى. وقال ابن قدامة في المغني: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أهل بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات وقدم مكة ففرغ منها وأقام بها وحج من عامه أنه متمتع. وقال أيضاً: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من اعتمر في غير أشهر الحج عمرة وحل منها قبل أشهر الحج أنه لا يكون متمتعًا إلا قولين شاذين أحدهما عن طاوس أنه قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج ثم أقمت حتى
стр. 3965
..............................................................................................
ــ
الحج فأنت متمتع، والثاني عن الحسن أنه قال: من اعتمر بعد النحر فهي متعة. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال بواحد من هذين القولين - انتهى. قال الراغب: المتاع انتفاع ممتد الوقت، يقال: متعة الله بكذا، ومتعة النكاح هي أن الرجل كان يشارط المرأة بمال معلوم يعطيها إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فارقها من غير طلاق، ومتعة الحج ضم العمرة إليه - انتهى. قال القاري: التمتع في اللغة بمعنى التلذذ والانتفاع بالشيء، قال: وإنما سمي متمتعًا لانتفاعه بالتقرب إلى الله تعالى بالعبادتين، أو لتمتعه بمحظورات الإحرام بعد التحلل من العمرة، أو لانتفاعه بسقوط العود إلى الميقات ولا يبعد أن يقال لتمتعه بالحياة حتى أدرك إحرام الحجة - انتهى. واختلف أصحاب المذاهب الأربعة في معنى التمتع المصطلح وشرائطه، من شاء الوقوف على ذلك فليرجع إلى كتب فروعهم ومناسكهم، كشرح اللباب لعلي القاري، وغنية الناسك من مناسك الحنفية، والمغني مع الشرح الكبير، ونيل المآرب، ونور الظلام من كتب الحنابلة، وشرح المنهاج المواهب من كتب الشافعية، والمنتقى للباجي، والدسوقي على الشرح الكبير للدردير والبداية لابن رشد من كتب المالكية. وأما القران فصورته: الإهلال بالحج والعمرة معًا وهذا متفق على جوازه، أو الإهلال بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه، وهذا مختلف فيه، وهو مصدر قرن من باب ((نصر)) وقيل: من باب ((ضرب)) وفعال يجيء مصدرًا من الثلاثي كلباس، وهو الجمع بين الشيئين، قال المحب الطبري: للقران ثلاث صور: الأولى: أن يهل بهما جميعًا، وعليه دل ظواهر الأحاديث. الثانية: أن يهل بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف، وعليه دل ما تقدم من حديث ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وحفصة. الثالثة: عكسه، وفيه قولان للشافعي، أحدهما: لا يجوز، وبه قال مالك وهو الأصح، والثاني: يجوز، وبه قال أبو حنيفة. والأول أصح، ويؤيده ما روي عن علي أنه سأله أبو نضرة فقال قد أهللت بالحج فهل أستطيع أن أضيف إليها عمرة؟ قال لا ذاك لو كنت بدأت بالعمرة، وبأن أفعال العمرة استحقت بالإحرام بالحج، فلم يبق في إدخالها فائدة بخلاف العكس - انتهى. قلت اختلفوا في مصداق القران اصطلاحًا كالتمتع، فقالت الشافعية: هو أن يحرم بهما معًا، ولو أحرم بعمرة في أشهر الحج أو قبلها ثم يحج في أشهره قبل الشروع في الطواف كان قارنًا بخلاف ما إذا شرع في الطواف ولو بخطوة فإنه لا يصح إدخاله حينئذ لأخذه في أسباب التحلل، ولا يجوز عكسه وهو إدخال العمرة على الحج في الجديد إذ لا يستفيد به شيئًا آخر، كذا في شرح المنهاج. وقال الولي العراقي: لو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة ففيه قولان للشافعي، أصحهما: لا يصح إحرامه بالعمرة، والثاني: يصح ويصير قارنًا بشرط أن يكون قبل الشروع في أسباب التحلل من الحج. وقيل: قبل الوقوف بعرفات، وقيل: قبل فعل فرض، وقيل: قبل فعل طواف القدوم أو غيره - انتهى. وقال أيضاً: اختلفوا في إدخال العمرة على الحج فجوزه أصحاب الرأي، وهو قول للشافعي لهذه الأحاديث يعني التي تدل على أنه ﷺ أحرم بالحج أولاً ثم صار قارنًا بإدخال
стр. 3966
..............................................................................................
ــ
العمرة عليه، قال: ومنعه آخرون وجعلوا هذا خاصًا بالنبي ﷺ لضرورة الاعتمار حينئذٍ في أشهر الحج - انتهى. ولا يخفى في دعوى الاختصاص. وقالت الحنابلة: القران هو أن يحرم بهما معًا أو يحرم بها ثم يدخل الحج عليها، ويشترط لصحة إدخال الحج عليها أن يكون ذلك قبل الشروع في طوافها، ولا يشترط للإدخال كون ذلك في أشهر الحج ولا كون ذلك قبل طوافها وسعيها لمن معه هدي فيصح ممن معه هدي ولو بعد سعيها، وإن أحرم بالحج ثم أحرم بها لم يصح إحرامه بها، كذا في نيل المآرب. وقال ابن قدامة: أما إدخال العمرة على الحج فغير جائز، فإن فعل لم يصح ولم يصر قارنًا، روى ذلك عن علي، وبه قال مالك، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: يصح ويصير قارنًا لأنه أحد النسكين، فجاز على الآخر قياسًا على إدخال الحج على العمرة، ولنا ما روى الأثرم بإسناده فذكر أثر عليّ بنحو ما تقدم، وقال أيضاً: وكل متمتع خشي فوات الحج فإنه يحرم بالحج ويصير قارنًا، وكذلك المتمع الذي معه هدي، فإنه لا يحل من عمرته بل يهل بالحج معها فيصير قارنًا. ولو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف من غير خوف الفوات جاز وكان قارنًا بغير خلاف. وقد فعل ذلك ابن عمر. ورواه عن النبي ﷺ ، فأما بعد الطواف فليس له ذلك ولا يصير قارنًا. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: يصير قارنًا وحكي ذلك عن أبى حنيفة - انتهى. وأما عند الحنفية، فهو أي القران من أحرم بهما معًا أو أدخل إحرام الحج على إحرام العمرة قبل أن يطوف لها أكثر الأشواط، أو أدخل العمرة على إحرام الحج قبل أن يطوف للقدوم ولو شوطًا ولا إساءة في القسمين الأولين وهو قارن مسيء في الثالث، قاله ابن نجيم، وارجع لمزيد التفصيل إلى ((غنية الناسك)) وأما عند المالكية، ففي البداية هو أن يهل بالنسكين معا أو يهل بالعمرة في أشهر الحج ثم يردف ذلك بالحج قبل أن يحل من العمرة، واختلف أصحاب مالك في الوقت الذي يكون ذلك له فيه، فقيل: ذلك له ما لم يشرع في الطواف ولو شوطًا واحدًا، وقيل ما لم يطف ويركع، ويكره بعد الطواف وقبل الركوع، فإن فعل لزمه، وقيل له ذلك ما بقي عليه شيء من عمل العمرة من طواف أو سعي، ما خلا أنهم اتفقوا على أنه إذا أهل بالحج ولم يبق عليه من أفعال العمرة إلا الحلاق فإنه ليس بقارن - انتهى. وقال الدردير: القران أن يحرم بهما معًا، أو يحرم بالعمرة ويردف الحج عليها بعد الإحرام قبل طوافها أو في طوافه قبل تمامه، وكره بعد الطواف قبل الركوع، ويصح في الركوع أيضاً لا بعده - انتهى باختصار. وقد ظهر بما قدمنا من اختلاف الأئمة في مصداق القران المصطلح أنه لا يصح إدخال العمرة على الحج عند مالك، وأحمد، والشافعي في أصح قوليه قلت: ويشكل هذا على المحققين من الشافعية، والمالكية: كالنووي، والحافظ، والقاضي عياض ومن تبعهم، فإنهم كما قدمنا أولوا الأحاديث التي تدل على أنه ﷺ كان مفردًا، بأنه لبى أولاً بالحج مفردًا ثم أدخل عليه العمرة وصار قارنًا، فإنه إذا لم يجز عند الشافعية والمالكية إدخال العمرة على الحج فكيف رجح هؤلاء في إحرامه ﷺ أنه أحرم بالحج أولاً ثم أدخل
стр. 3967
..............................................................................................
ــ
عليه العمرة وقد تقدم أنهم أجابوا عن ذلك بأنه خاص بالنبي ﷺ لضرورة الاعتمار حينئذٍ في أشهر الحج، ولا يخفى ما فيه. واعلم أنهم بعد ما أجمعوا على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء، اختلفوا في أفضلها قال ابن قدامة: اختلفوا في أفضلها، فاختار إمامنا: التمتع، ثم الإفراد، ثم القران، وروى المروذي عن أحمد: إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتمتع أفضل، وذهب أصحاب الرأي إلى اختيار القران، وذهب مالك إلى اختيار الإفراد، وهو ظاهر مذهب الشافعي - انتهى مختصرًا. وقال ابن القيم بعد ذكر رواية المروذي عن أحمد: فمن أصحابه من جعل هذه رواية ثانية، ومنهم من جعل المسألة رواية واحدة، وأنه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسق فالتمتع أفضل، وهذه طريقة شيخنا، وهي التي تليق بأصول أحمد - انتهى. قلت: والمرجح في فروع الحنابلة كون التمتع أفضل مطلقًا، وحكى النووي للإمام الشافعي ثلاثة أقوال ثم قال: والصحيح: تفضيل الإفراد، ثم التمتع، ثم القران، وهكذا في عامة فروع الشافعية، لكن أفضلية الإفراد عندهم مشروطة بأن يعتمر بعده في هذه السنة، وإلا فهما أفضل منه، كما صرح بذلك غير واحد من الشافعية في كتب فروعهم. قال النووي في مناسكه: القران أفضل من إفراد الحج بغير أن يعتمر بعده - انتهى. وقال الولي العراقي: ذهب القاضي حسين، والمتولي من الشافعية إلى ترجيح الإفراد على التمتع والقران ولو لم يعتمر في تلك السنة ولكن الأكثرون على أن شرط تفضيله عليهما أن يعتمر من سنته، فلو أخر العمرة عن تلك السنة فكل منهما أفضل منه للإتيان فيهما بالنسكين، وذكر النووي: أن ما قالاه شاذ ضعيف - انتهى. والمختار عند المالكية أن الإفراد أفضل مطلقًا، ثم القران، ثم التمتع. واشتراط الاعتمار في أفضلية الإفراد قول ضعيف، والمعتمد عندهم أن الإفراد أفضل ولو لم يعتمر بعده، وأما الحنفية فلهم قول واحد وهو أفضلية القران ثم التمتع ثم الإفراد. وقال المحب الطبري: قد اختلف الأئمة في أي الوجوه الثلاثة أفضل، ومنشأ اختلافهم ما تقدم من اختلاف الروايات في فعله ﷺ ، فقال مالك والشافعي: الإفراد أفضل، وقال أحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر: التمتع أفضل، وقال أبو حنيفة: القران أفضل، وبه قال أهل التحقيق من المحدثين والأئمة والحفاظ وهو المختار. انتهى مختصرًا. وقال الولي العراقي: اختلف العلماء في أفضل وجوه الإحرام بحسب اختلافهم فيما فعله النبي ﷺ عام حجة الوداع على أقوال أحدها: أن الأفضل الإفراد، وهو مذهب مالك، والشافعي، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وجابر، وعائشة، وأبى ثور، وحكاه النووي في شرح المهذب عنهم، وعن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، والأوزاعي، وداود. قال المالكية والشافعية: ثم الأفضل بعد الإفراد التمتع ثم القران. الثاني: أن التمتع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل. قال ابن قدامة في المغني: وممن روى عنه اختيار التمتع ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وسالم، والقاسم، وعكرمة وهو أحد قولي الشافعي، وحكاه الترمذي عنه وعن أحمد، وإسحاق وأهل الحديث. قال الحنابلة: ثم الأفضل
стр. 3968
..............................................................................................
ــ
بعد التمتع الإفراد ثم القران، والثالث: أن القران أفضل، وهذا قول أبى حنيفة، وحكاه ابن المنذر عن سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، ثم قال: لا شك أنه ﵊ كان قارنًا - انتهى. وهو قول للشافعي، وقال به من أصحابنا المزني، وأبو إسحاق، المروذي، وإليه ذهب ابن حزم الظاهري والمشهور عند الحنفية: أن الأفضل بعد القران التمتع ثم الإفراد، وعن أبى حنيفة: أن الإفراد أفضل من التمتع، الرابع: أنه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتمتع أفضل، حكاه المروذي عن أحمد بن حنبل. قلت: واختاره من الحنفية القاضي ثناء الله الفاني فتى حيث قال في تفسيره ((المظهري)) : التحقيق أنه ﷺ كان قارنًا، وأن القران أفضل من التمتع إن ساق الهدي، والتمتع أفضل إن لم يسق الهدي، وكل منهما أفضل من الإفراد - انتهى. الخامس: أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة، لا فضيلة لبعضها على بعض، حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء. قال الحافظ في الفتح: وهو مقتضى تصرف ابن خزيمة في صحيحه. السادس: أن التمتع والقران سواء في الفضل، وهما أفضل من الإفراد حكي عن أبى يوسف - انتهى. وقد ظهر من كلام الطبري، والولي العراقي أن منشأ اختلافهم في أفضل الوجوه الثلاثة ومناطه هو اختلافهم في إحرامه ﷺ ، وهكذا ذكر غير واحد من شراح الحديث ومحققي الفقهاء، وقيل بعكس ذلك بأن ترجيحهم في إحرامه وحجه ﷺ مبني على ما تحقق عندهم من أفضليته، لكن الصواب أنه ليس بمطرد عندهم. قال النووي: أما حجة النبي ﷺ فاختلفوا فيها هل كان مفردًا أو متمتعًا أو قارنًا؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة وكل رجحت نوعًا وادعت أن حجة النبي ﷺ كانت كذلك، والصحيح أنه ﷺ كان أولاً مفردًا ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنًا - انتهى. فهذا كما ترى قد صحح كونه ﷺ قارنًا انتهاءً، وصحح في بيان المذاهب أفضلية الإفراد على غيره، وكذا اختار القاضي عياض، والحافظ وغيرهما أنه ﷺ أفرد أولاً ثم أدخل العمرة عليه فصار قارنًا. واختار الخطابي في المعالم عكسه فقال بعد ذكر حديث حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال ((إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر)) فثبت أنه كان هناك عمرة إلا أنه أدخل عليها الحج قبل أن يقضي شيئًا من عمل العمرة فصار في حكم القارن. وقال في الروض المربع من فقه الحنابلة: قال أحمد: لا شك أنه ﷺ كان قارنًا والمتعة أحب إليّ. وقد اختلفت روايات الصحابة في حجه ﷺ حجة الوداع هل كان مفردًا أو قارنًا أو متمتعًا، وروي كل منها في الصحيحين وغيرهما، واختلف الناس في ذلك وفي إحرامه ﷺ على أقوال، أحدها: أنه حج مفردًا لم يعتمر معه، حكي هذا عن الإمام الشافعي وغيره. قال القسطلاني في المواهب: والذي ذهب إليه الشافعي في جماعة أنه ﷺ حج مفردًا، وحكاه الزرقاني في شرح المواهب عن الإمام مالك، وحكي عن الشافعي وغيره أن نسبة القران والتمتع إليه ﷺ على سبيل الاتساع لكونه أمر بهما - انتهى. وبه جزم الخطابي
стр. 3969
..............................................................................................
ــ
حيث قال: اختلفت الروايات فيما كان النبي ﷺ به محرمًا، والجواب عن ذلك أن كل راو أضاف إليه ما أمر به اتساعًا، ثم رجح أنه كان أفرد الحج. قال الحافظ في الفتح: هذا هو المشهور عند الشافعية والمالكية وقد بسط الشافعي القول فيه في اختلاف الحديث وغيره - انتهى. ومقتضى هذا القول أنه ﷺ لبى بالحج وحده واستمر عليه. الثاني: أنه لبى بالعمرة وحدها واستمر عليها حتى فرغ منها ثم أحرم بعد ذلك بالحج فكان متمتعًا وكان حجه حج تمتع، قاله القاضي أبو يعلى وغيره. الثالث: أنه حج متمتعًا تمتعًا لم يحل فيه لأجل سوق الهدي ولم يكن قارنًا، حكاه ابن القيم عن صاحب المغني وغيره، ومقتضى هذا أنه أحرم بالعمرة وحدها واستمر عليها حتى حل يوم النحر. الرابع: أنه لبى بالحج وحده وحج مفردًا واعتمر بعده من التنعيم. قال ابن تيمية: وهذا غلط لم يقله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أهل الحديث - انتهى. وقال ابن القيم: الذين قالوا: إنه حج مفردًا، اعتمر عقيبه من التنعيم لا يعلم لهم عذر ألبته إلا أنهم سمعوا أنه ﷺ أفرد الحج، وأن عادة المفردين أن يعتمروا من التنعيم فتوهموا أنه فعل كذلك. الخامس: أنه لبى بالحج مفردًا ثم أدخل عليه العمرة وصار قارنًا فكان مفردًا ابتداءً وقارنًا انتهاءً، وبه جزم عامة محققي الشافعية وبعض المالكية، قال النووي في شرح المهذب: والصواب الذي نعتقده أنه ﷺ أحرم بالحج أولاً مفردًا ثم أدخل عليه العمرة فصار قارنًا، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصح لا يجوز لنا، وجاز للنبي ﷺ تلك السنة للحاجة - انتهى. واختاره القاضي عياض إذ قال: أما إحرامه ﷺ بنفسه فأخذ بالأفضل فأحرم مفردًا للحج، تضافرت به الروايات الصحيحة، وأما رواية من روى أنه كان متمتعًا فمعناه أمر به، وأما رواية من روى القران فهو إخبار عن آخر أحواله لا عن ابتداء إحرامه، لأنه أدخل العمرة على الحج لما جاء إلى الوادي وقيل له: قل عمرة في حجة - انتهى. قال الحافظ: وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديمًا ابن المنذر، ومهده المحب الطبرى (في القرى ص٨٦ - ١٠٠) تمهيدًا بالغًا يطول ذكره، ومحصله أن كل من روي عنه الإفراد حمل على ما أهل به في أول الحال، وكل من روي عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روي عنه القران أراد ما استقر عليه أمره. السادس: أنه لبى بالعمرة وحدها ثم لم يتحلل منها إلى أن أدخل عليها الحج يوم التروية فصار قارنًا، حكاه الحافظ عن الطحاوي، وابن حبان، السابع: أنه أحرم إحرامًا مطلقًا لم يعين فيه نسكًا ثم عينه بعد، رجحه الشافعي في اختلاف الحديث، كما قال الحافظ في الفتح. وقال الولي العراقي: قال القاضي وقال بعض علمائنا: إنه أحرم إحرامًا مطلقًا منتظرًا ما يؤمر به من إفراد، أو تمتع، أو قران، ثم أمر بالحج، ثم أمر بالعمرة في وادي العقيق بقوله: ((صل في هذا الوادي وقل: عمرة في حجة)) ثم قال القاضي في موضع آخر بعد ذلك: لا يصح قول من قال: أحرم النبي ﷺ إحرامًا مبهمًا. لأن رواية جابر وغيره من الصحابة في الأحاديث الصحيحة ترده وهي مصرحة بخلافه - انتهى. الثامن: أنه لبى بالحج والعمرة معًا وكان قارنًا من أول
стр. 3970
..............................................................................................
ــ
الأمر، وحقق هذا القول ابن الهمام في شرح الهداية، وابن القيم في الهدي، وأجابا عن كل ما خالفه فعليك أن ترجع إليهما، وهذا القول هو الحق والصواب عندنا، قال ابن القيم: والصواب أنه أحرم بالحج والعمرة معًا من حيث أنشأ الإحرام ولم يحل حتى حل منهما جميعًا كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترًا يعلمه أهل الحديث - انتهى. وإليه مال ابن حزم الظاهري في كتابه ((حجة الوداع)) وتأول باقي الأحاديث إليه كما حكاه النووي، والولي العراقي، ثم إنه طاف طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وقد بسط ابن القيم الكلام في إثبات هذا القول أشد البسط وهذا القول هو الراجح المعول عليه عندنا قال الولي العراقي في شرح التقريب، والسيوطي في التنوير: قال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث أي المختلفة في إحرامه وحجته ﷺ ، فمن مجيد منصف، ومن مقصر متكلف، ومن مطيل مكثر، ومن مقتصر مختصر، وأوسعهم في ذلك نفسًا أبو جعفر الطحاوي الحنفي، فإنه تكلم في ذلك في زيادة على ألف ورقة وتكلم معه في ذلك أبو جعفر الطبري، ثم أبو عبد الله بن أبي صفرة، ثم المهلب، والقاضي أبو عبد الله بن المرابط، والقاضي أبو الحسن بن القتار، والحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيرهم وأولى ما يقال في هذا على ما لخصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الحديث أن النبي ﷺ أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدل على جواز جميعها إذ لو أمر بواحد لكان غيره يظن أنه لا يجزئ فأضيف الجميع إليه وأخبر كل واحد بما أمر به وأباحه ونسبه إلى النبي ﷺ إما لأمره به أو لتأويله عليه - انتهى. وقد سبق بهذا الجمع الخطابي كما تقدم وزاد، وقد يحتمل ذلك وجهًا آخر، وهو أن يكون بعضهم سمعه يقول: لبيك بحج، فحكى أنه أفردها، وخفي عليه قوله: ((وعمرة)) فلم يحك إلا ما سمع وهو عائشة، ووعى غيره الزيادة فرواها وهو أنس حين قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لبيك بحجة وعمرة، ولا تنكر الزيادات في الأخبار كما لا تنكر في الشهادات، وإنما كان يختلف ويتناقض لو كان الزائد نافيًا لقول صاحبه، وأما إذا كان مثبتًا له وزائدًا عليه فليس فيه تناقض ولا تدافع - انتهى. وجمع الحنفية كابن الهمام، وابن نجيم وغيرهما بين هذه الروايات بأن سبب رواية الإفراد سماع من رأى تلبيته بالحج وحده، ورواية التمتع سماع من سمعه يلي بالعمرة وحدها، ورواية القران سماع من سمعه يلبي بهما، وهذا لأنه لا مانع من إفراد ذكر نسك في التلبية وعدم ذكر شيء أصلاً وجمعه أخرى بنية القران - انتهى. وقال الأبي في الإكمال: اختلفت الرواة في صفة حجه ﷺ وطعن بعض الملحدة بذلك في الوثوق بنقل الصحابة، قال لأن القضية واحدة واختلفوا في نقلها اختلافًا متضادًا وذلك يؤدي إلى الخلف في خبرهم وعدم الوثوق بنقلهم، وقد أكثر الناس من الكلام على هذه الأحاديث وأوسعهم في ذلك نفسًا الطحاوي، والمتحصل من جواباتهم ثلاثة الأول: أن الكذب إنما يدخل فيما طريقه النقل لا فيما طريقة النظر
стр. 3971
فأما من أهل بعمرة فحل،
ــ
والاستدلال، وإنما استدلوا بما ظهر من فعله يعني أن التكاذب فيما طريقه النقل، ولم يقولوا: إن النبي ﷺ قال لهم إني فعلت كذا، وإنما استدلوا على نيته وقصده بما ظهر من أفعاله، وهذا موضع تأويل يجوز فيه الغلط والخطأ، فإذا إنما وقع فيما طريقه النظر والاستدلال لا النقل. الثاني: يصح أن يكون أمر بعض أصحابه بالإفراد وبعضهم بالقران وبعضهم بالتمتع، ليدل على جواز الجميع فأضاف النقلة ذلك إلى فعله كما يقال: قطع الأمير اللص. والثالث: يصح أن يكون قارنًا إلا أنه فرق بين زمن إحرامه بالعمرة وبين زمانه بالحج فسمعت طائفة قوله الأول، وطائفة الثاني، وطائفة القولين، فروت كل واحدة بما سمعت انتهى مختصرًا. (فأما من أهل بعمرة فحل) لما وصل مكة وأتى بأعمالها وهي الطواف والسعي والحلق أو التقصير وهذا مجمع عليه في حق من لم يسق معه هديًا، أما من أحرم بعمرة وساق معه الهدي فقال مالك، والشافعي، وجماعة هو كذلك، قال النووي في مناسكه: المتمتع هو الذي يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويفرغ منها ثم ينشئ الحج من مكة سمي متمتعًا لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بين الحج والعمرة فإنه يحل له جميع المحظورات إذا فرغ من العمرة سواء كان ساق هاديًا أو لم يسق - انتهى. وقال الأبي في الإكمال: إن المعتمر إذا فرغ من عمرته حل ثم ينشئ الحج من عامه وإن كان معه الهدي، فكذلك عند مالك، والشافعي قياسًا على من ليس معه هدي - انتهى. وقال أبو حنيفة، وأحمد وجماعة: لا يحل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. قال صاحب الهداية في المتمتع الذي ساق الهدي: إذا دخل مكة طاف وسعى، وهذا للعمرة على ما بينا في متمتع لا يسوق الهدي إلا أنه لا يتحلل حتى يحرم بالحج يوم التورية، لقوله ﵇: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وتحللت منها. وهذا ينفي التحلل عند سوق الهدي - انتهى. قال الحافظ في الدراية: رواه مسلم في حديث جابر الطويل، وفي الصحيحين عن أنس: ((لولا أن معي الهدى لأحللت)) - انتهى. وقال ابن قدامة في المغني (ج٣: ٣٩١) : أما من معه هدي (أي المتمتع الذي ساق الهدي) فليس له أن يتحلل لكن يقيم على إحرامه ويدخل الحج على العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا، نص عليه أحمد وهو قول أبى حنيفة ... وقال مالك، والشافعي: له التحلل ونحر هديه، ويستحب نحره عند المروة. ولنا حديث ابن عمر قال: تمتع الناس مع رسول الله ﷺ ، فلما قدم مكة قال للناس: من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل. وروت عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع - الحديث. وفيه قوله ﷺ : ((من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا)) وعن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر. متفق عليه. والأحاديث كثيرة أي في هذا المعنى. (وقال الحافظ: الأحاديث بذلك متضافرة) وذكر ابن قدامة روايتين أخريين لأحمد ثم قال: والرواية الأولى أولى لما
стр. 3972
وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. متفق عليه.
٢٥٧٠- (٧) وعن ابن عمر، قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، بدأ
ــ
فيها من الحديث الصحيح الصريح - انتهى. وفي الروض المربع: ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصر من شعره وتحلل لأنه تمت عمرته، وإن كان معه هدي لم يقصر وحل إذا حج، فيدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في باب قصة حجة الوداع، (وأما من أهل بالحج) أي مفردًا وأهدى، (أو جمع الحج والعمرة) قارنًا، (فلم يحلوا) بفتح الياء وضمها وكسر الحاء، يقال: حل المحرم، وأحل بمعنى واحد أي لم يخرجوا من الإحرام، (حتى كان يوم النحر) أي فحلوا، قال القاري: ففي يوم النحر برميهم جمرة العقبة والحلق حل لهم كل المحظورات إلا مباشرة النساء فحل لهم ذلك بطواف الركن - انتهى. وما ذكر في الحديث من أن من أهل بالحج مفردًا إنما حل يوم النحر، وهو محمول على من أهل بالحج وأهدى، وإلا فمن كان أهل بالحج ولم يهد أمره رسول الله ﷺ أن يفسخه إلى العمرة. ففي رواية الأسود عن عائشة عند البخاري قالت: خرجنا مع النبي ﷺ ولا نرى إلا أنه الحج فلما قدمنا أي مكة تطوفنا بالبيت فأمر النبي ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فحل من لم يكن ساق الهدى - الحديث. قال الحافظ: قوله: ((أن يحل)) أي من الحج بعمل العمرة، وهو فسخ الحج - انتهى. وعلى هذا يحمل ما وقع في رواية عقيل عن الزهري في الصحيحين: ((فقال رسول الله ﷺ : من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج (أي وأهدى) فليتم حجه)) ، وإنما حملنا الحديث على ذلك لأن ظاهره مخالف لأحاديث فسخ الحج، وعلى هذا لا يحتاج إلى تغليظ الرواية وإسقاطها كما ذهب إليه ابن القيم فتأمل، وقال الشنقيطى في ((أضواء البيان)) : دعوى من ادعى أنه لم يحل بعمرة من أصحاب النبي ﷺ في حجة الوداع إلا من أحرم بالعمرة وحدها، وأن من أحل بحج أو جمع الحج والعمرة لم يحل أحد منهم حتى كان يوم النحر، دعوى باطلة، لأن الروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ متظاهرة بكل الوضوح والصراحة أن النبي ﷺ أمر كل من لم يكن معه هدي أن يحل بعمرة سواء كان مفردًا أو قارنًا، ومستند من ادعى تلك الدعوى الباطلة هو ما أخرجه مسلم في صحيحه فذكر حديث عائشة الذي نحن في شرحه ثم قال: لأن الذين لم يحلوا من القارنين والمفردين في هذا الحديث ونحوه من الأحاديث يجب حملهم على أن معهم الهدي لأجل الروايات الصحيحة المصرحة بذلك وبأن من لم يكن معه هدي فسخوا حجهم في عمرة بأمر النبي ﷺ انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك، وأبو داود، والبيهقي (ج٥: ص١٠٩، ١١٠)
٢٥٧٠- قوله: (تمتع رسول الله ﷺ في حجه الوداع بالعمرة إلى الحج) أي استمتع بالعمرة منضمة إلى الحج وانتفع بها، قال القاري: قوله: ((إلى الحج)) حال من ((العمرة)) أي تمتع بها منضمة إلى الحج (بدأ) أي ابتدأ النسك
стр. 3973
فأهل بالعمرة ثم بالحج.
ــ
(فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج) بيان لقوله: تمتع، وظاهره أنه أدخل الحج على العمرة، وقال السندي: إن التمتع عند الصحابة كان شاملاً للقران أيضًا، وإطلاقه على ما يقابل القران اصطلاح حادث، وقد جاء أن النبي ﷺ كان قارنًا، فالوجه أن يراد بالتمتع ها هنا في شأنه ﷺ القران توفيقًا بين الأحاديث، والمعنى: انتفع بالعمرة إلى أن حج مع الجمع بينهما في الإحرام، ومعنى قوله: بدأ بالعمرة أنه قدم العمرة ذكرًا في التلبية فقال: لبيك عمرة وحجًا - انتهى. وقال القاضي قوله: تمتع رسول الله ﷺ ، إلخ هو محمول على التمتع اللغوي وهو القران آخرًا، ومعناه أنه ﷺ أحرم أولاً بالحج مفردًا ثم أحرم بالعمرة فصار قارنًا في آخر أمره. والقارن: هو متمتع من حيث اللغة ومن حيث المعنى، لأنه ترفه باتحاد الميقات والإحرام والفعل، ويتعين هذا التأويل هنا للجمع بين الأحاديث في ذلك، قلت: الحديث مشكل على من ذهب إلى أنه ﷺ كان مفردًا أولاً وآخرًا ولم يكن متمتعًا ولا قارنًا، فقال المهلب لدفع هذا الإشكال أن قوله: ((تمتع رسول الله ﷺ )) إلخ معناه أمر بذلك لأنه كان ينكر على أنس قوله: إنه قرن ويقول: إنه كان مفردًا، وأما قوله: ((بدأ فأهل بالعمرة)) فمعناه أمرهم بالتمتع وهو أن يهلوا بالعمرة أولاً ويقدموها قبل الحج، قال: ولا بد من هذا التأويل لدفع التناقض عن ابن عمر وقال ابن المنير: إن حمل قوله: ((تمتع)) على معنى ((أمر)) من أبعد التأويلات، والاستشهاد عليه بقوله: ((رجم)) وإنما أمر بالرجم من أوهن الاستشهادات، لأن الرجم وظيفة الإمام والذي يتولاه إنما يتولاه نيابة عنه، وأما أعمال الحج من إفراد وقران وتمتع فإنه وظيفة كل أحد عن نفسه، ثم أجاز تأويلاً آخر وهو: أن الراوي عهد أن الناس لا يفعلون إلا كفعله لا سيما مع قوله: ((خذوا عني مناسككم)) فلما تحقق أن الناس تمتعوا ظن أنه ﷺ تمتع فأطلق ذلك، قال الحافظ: ولا يتعين هذا أيضاً بل يحتمل أن يكون معنى قوله: ((تمتع)) محمولاً على مدلوله اللغوي وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها وغيره. قال النووي: إن هذا هو المتعين. قال: وقوله: ((بالعمرة إلى الحج)) أي بإدخال العمرة على الحج - انتهى. والحديث مشكل أيضًا على من قال إنه ﷺ كان مفردًا في أول الأمر ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارنًا. قال الحافظ: وإنما المشكل هنا قوله: فبدأ بالعمرة ثم أهل بالحج. لأن الجمع بين الأحاديث الكثيرة في هذا الباب استقر كما تقدم على أنه بدأ أولاً بالحج ثم أدخل عليه العمرة وهذا بالعكس، وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال، أي لما أدخل العمرة على الحج لبى بهما فقال: لبيك بعمرة وحجة معًا. وهذا مطابق لحديث أنس المتقدم، لكن قد أنكر ابن عمر ذلك على أنس فيحتمل أن يحمل إنكار ابن عمر عليه كونه أطلق أنه ﷺ جمع بينهما أي في ابتداء الأمر، ويعين هذا التأويل قوله في نفس الحديث: ((وتمتع الناس)) إلخ. فإن الذين تمتعوا إنما بدأوا بالحج، ولكن فسخوا حجهم إلى العمرة حتى حلوا بعد ذلك بمكة ثم حجوا من عامهم - انتهى. وقال القاضي: قوله: ((بدأ رسول الله ﷺ )) إلخ. محمول على التلبية في أثناء الإحرام وليس المراد أنه أحرم في أول أمره بعمرة ثم أحرم بحج، لأنه يفضي إلى مخالفة الأحاديث
стр. 3974
متفق عليه.
(الفصل الثاني)
٢٥٧١- (٨) عن زيد بن ثابت، أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل.
ــ
فوجب تأويل هذا على موافقها ويؤيد هذا التأويل قوله: ((وتمتع الناس)) إلخ. ومعلوم أن كثيرًا منهم أو كثيرًا منهم أو أكثرهم أحرموا بالحج أولاً مفردًا وإنما فسخوه إلى العمرة آخرًا فصاروا متمتعين، فقوله: ((تمتع الناس)) يعني في آخر الأمر وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح حديث ابن عمر في باب قصة حجة الوداع إن شاء الله تعالى. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أبو داود، والنسائي، والبيهقي (ج٥: ص١٧) .
٢٥٧١- قوله (تجرد) أي عن المخيط، ولبس إزارًا ورداءً، قاله القاري. (لإهلاله) أي لإحرامه، قال الراغب: الإهلال رفع الصوت عند رؤية الهلال ثم استعمل لكل صوت وبه شبه إهلال الصبي، ومنه الإهلال بالحج، وقال الحافظ: أصله رفع الصوت لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا (واغتسل) أي للإحرام قال الشوكاني: الحديث يدل على استحباب الغسل عند الإحرام وإلى ذلك ذهب الأكثر، وقال الناصر: إنه واجب، وقال الحسن البصرى، ومالك: محتمل. - انتهى. قيل: والحكمة في الاغتسال عند الإحرام هي: التنظيف، وقطع الرائحة الكريهة ودفع أذاها عن الناس، وقيل: الحكمة فيه أنه لإزالة التفث الذي يكون على الإنسان حتى يأتي تفل الحج مفردًا عما كان قبله، فتفل الحاج كخلوف فم الصائم. قال ابن قدامة في المغني (ج٣: ص٢٧١) : من أراد الإحرام استحب له أن يغتسل قبله في قول أكثر أهل العلم منهم: طاوس، والنخعي، ومالك، والثوري، والشافعي وأصحاب الرأي، لما روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه رأي النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل. رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، وثبت أن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء: أن تغتسل عند الإحرام، وأمر عائشة أن تغتسل عند الإهلال بالحج وهي حائض، ولأن هذه العبادة يجتمع لها الناس فسن لها الاغتسال كالجمعة، وليس ذلك واجبًا في قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإحرام جائز بغير اغتسال، وأنه غير واجب وحكي عن الحسن أنه قال: إذا نسى الغسل يغتسل إذا ذكر. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله قيل له عن بعض أهل المدينة: من ترك الغسل عند الإحرام فعليه دم، لقول النبي ﷺ لأسماء وهي نفساء: ((اغتسلي)) فكيف الطاهر؟ فأظهر التعجب من هذا القول، وكان ابن عمر يغتسل أحيانًا ويتوضأ أحيانًا، وأي ذلك فعل أجزأه ولا يجب الاغتسال ولا نقل الأمر به إلا لحائض أو نفساء، ولو كان واجبًا لأمر به غيرهما، ولأنه لأمر مستقبل فأشبه غسل الجمعة - انتهى. وقال الأبي في الإكمال: في الحج ثلاث اغتسالات: للإحرام، ولدخول مكة، وللوقوف بعرفة. (كما روي عن ابن عمر أنه كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة) وأطلق مالك على جميعها الاستحباب وهي عندنا
стр. 3975
رواه الترمذي، والدارمى.
ــ
سنة مؤكدة، وآكدها عندنا وعن الشافعي ما للإحرام لأمره ﷺ به - انتهى. وقال الزرقاني: الغسل للإحرام سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه لا يرخص في تركه إلا لعذر، وهو آكد اغتسالات الحج. وقال ابن خويرز منداد: إنه آكد من غسل الجمعة، وأوجبه أهل الظاهر، والحسن، وعطاء في أحد قوليه على مريد الإحرام طاهرًا أم لا - انتهى. وفى الشرح الكبير للدردير: السنة لمريد الإحرام ولو صبيًا أو حائضًا أو نفساء غسل متصل بالإحرام، فلو اغتسل غدوة وأحرم وقت الظهر لم يجزه، ولا يضر الفصل لشد رحاله وإصلاح جهازه، ولا دم في تركه عمدًا وقد أساء أي ارتكب مكروهًا - انتهى. وقال القاري في شرح المناسك: يغتسل (أي مريد الإحرام) بسدر ونحوه، أو يتوضأ، والغسل أفضل لأنه سنة مؤكدة والوضوء يقوم مقامه في إقامة السنة المستحبة لا السنة المؤكدة، وفيه إشارة إلى أن التيمم لا يقوم مقام الغسل مطلقًا - انتهى. وذكر ابن عابدين الاختلاف فيما بينهم في أن التيمم يجزئ أم لا؟ ومنشأه الاختلاف في أن غسل الإحرام للطهارة فيقوم مقامه، أو للنظافة فلا، قال ابن قدامة (ج٣: ص٢٧٢) : إن لم يجد ماء لم يسن له التيمم. وقال القاضي: يتيمم لأنه غسل مشروع، فناب عنه التيمم كالواجب، ولنا أنه غسل مسنون فلم يستحب التيمم عند عدمه كغسل الجمعة ونحوه من الأغسال المسنونة. والفرق بين الغسل الواجب والمسنون أن الواجب يراد لإباحة الصلاة، والتيمم يقوم مقامه في ذلك، والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة، والتيمم لا يحصل هذا بل يزيد شعثًا وتغييرًا، ولذلك افترقا في الطهارة الصغرى فلم يشرع تجديد التيمم ولا تكرار المسح به - انتهى. وفى الروض المربع من فقه الحنابلة: سن لمريده غسل ولو حائضًا ونفساء أو تيمم لعدم الماء أو لنحو مرض - انتهى. وهكذا في شرح الإقناع. (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث حسن غريب، (والدارمي) كلاهما من طريق عبد الله بن يعقوب المدني عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه، وعبد الله بن يعقوب قال الذهبي عنه: لا أعرفه. وقال الحافظ: مجهول الحال. قال ابن القطان في كتابه: وإنما حسنه الترمذي ولم يصححه للاختلاف في عبد الرحمن بن أبي الزناد، والراوي عنه عبد الله بن يعقوب المدني أجهدت نفسي في معرفته فلم أجد أحدًا ذكره - انتهى. كذا في نصب الراية. وقال ابن الملقن في شرح المنهاج جوابًا على من أنكر على الترمذي تحسين الحديث: لعله إنما حسنه لأنه عرف عبد الله بن يعقوب المدني في إسناده أي عرف حاله، والحديث رواه أيضاً الدارقطني (ص٢٥٦) ، والبيهقي (ج٥: ص٣٢) ، والطبراني، والعقيلي كلهم من طريق محمد بن موسى بن مسكين أبى غزية عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه، وأعله العقيلي بأبى غزية وقال: عنده مناكير، ولا يتابع عليه إلا من طريق فيها ضعف - انتهى. وقال البيهقي: أبو غزية ليس بالقوي، وقال الدارقطني: قال يحيى بن صاعد: (شيخ الدارقطني، والراوي عن يحيى بن خالد عن أبي غزية) هذا حديث حسن غريب ما سمعناه إلا منه. قال البيهقي وروي عن غير أبى غزية، ثم روى الحديث من طريق الأسود بن عامر عن ابن أبي الزناد قال ابن التركماني: مدار الحديث على
стр. 3976
٢٥٧٢- (٩) وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ لبد رأسه بالغسل. رواه أبو داود.
٢٥٧٣- (١٠) وعن خلاد بن السائب
ــ
عبد الرحمن بن أبي الزناد وقد ضعفه النسائي وغيره، فالصواب أن يعلل به لا بأبي غزية، لأن غيره تابعه عليه فأخرجه البيهقي من حديث الأسود بن عامر وهو ثقة عن ابن الزناد، وأخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن يعقوب عنه أي عن ابن أبي الزناد، وقال: حسن غريب - انتهى. قلت: ابن أبي الزناد وثقه الترمذي والعجلي ويعقوب بن شيبة، وصحح الترمذي عدة من أحاديثه، وقال في اللباس: ثقة حافظ. وقال الحافظ في التقريب: صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد. فالظاهر أن حديثه لا ينحط عن درجة الحسن وللحديث عدة شواهد، منها حديث ابن عباس أخرجه الدارقطني (ص٢٥٦) ، والحاكم (ج١: ص٤٤٧) ، والبيهقي (ج٥: ص٣٣) وفيه: يعقوب بن عطاء وهو ضعيف، ومنها حديث ابن عمر عند الدارقطني، والحاكم، والبزار، وابن أبى شيبة، والبيهقي، قال من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم، ومنها حديث عائشة عند الطبراني في الأوسط قالت: ((إن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى مكة اغتسل حين يريد أن يحرم)) . ذكره الزيلعي.
٢٥٧٢- قوله: (لبد رأسه بالغسل) بكسر الغين المعجمة وسكون السين المهملة. ما يضاف إلى الماء للتنقية والتنظيف من خطمي وأشنان وصابون وغيره. وقال الجزري: الغسل بالكسر هو ما يغسل به من خطمي وغيره والحديث دليل على مشروعية تلبيد الشعر للإحرام خلافًا للحنفية، ويؤيده ما تقدم من حديث ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبدًا، ويؤيده أيضاً ما روي عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما بال الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي - الحديث. ويؤيده أيضًا ما روي عن عائشة. قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأشنان. أخرجه أحمد والدارقطني، وزاد: ((ودهنه بزيت غير كثير)) وقد تقدم الكلام في ذلك وفي ضبط الغسل ومعناه في شرح ثاني أحاديث اللباب، وتقدم هناك تأويل الحنفية لأحاديث الباب. قال القاري: ليس في حديث ابن عمر دلالة على أنه كان قبل إحرامه، ولا عبرة بذكر المصنف هنا لابتنائه على فهمه وفقهه. قلت: ما فهمه المصنف هو مواف لما تقدم من قول ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبدًا، وهو الذي فهمه جمهور الفقهاء المحدثين كأبي داود، والحاكم، والبيهقي، والمحب الطبري، والحافظ (رواه أبو داود) في المناسك وكذا الحاكم. كما قال العيني (ج٩: ص١٥٩) ، والبيهقي (ج٥: ص٣٦) كلهم من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، وقد سكت عنه أبو داود والمنذري، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (ج١: ص٤٥٠) .
٢٥٧٣- قوله: (عن خلاد) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام وإهمال الدال (بن السائب) بن خلاد بن سويد الأنصاري الخزرجي التابعي، وقد ذكره جماعة في الصحابة منهم ابن حبان ولم يرفع نسبه وقال: له صحبة. ثم أعاده في
стр. 3977
عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : أتاني جبرئيل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو التلبية.
ــ
التابعين وشبهتهم في ذلك الحديث الذي رواه عنه عبد الملك بن أبى بكر فقال: عن خلاد عن أبيه رفعه، وقيل: عن خلاد بن السائب عن النبي ﷺ . وقال الترمذي: والسائب بن خلاد أصح، ذكره الحافظ في تهذيب التهذيب وقال في التقريب: خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد الخزرجي، ثقة من الثالثة، (أي من الطبقة الوسطى من التابعين) ووهم من زعم أنه صحابى، (عن أبيه) أي السائب بن خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة الخزرجي أبي سهلة المدني، قال في التقريب: له صحبة، وعمل لعمر على اليمن، وقال أبو عبيد: شهد بدرًا وولي اليمن لمعاوية، توفي سنة إحدى وسبعين، وقال ابن عبد البر: لم يرو عنه غير ابنه خلاد فيما علمت، وحديثه في رفع الصوت بالتلبية مختلف فيه، (فأمرني) عن الله تعالى أمر إيجاب، إذ تبليغ الشرائع واجب عليه، (أن آمر أصحابي) أمر ندب عند الجمهور ووجوب عند الظاهرية، (بالإهلال أو التلبية) إظهار لشعار الإحرام وتعليمًا للجاهل ما يستحب في ذلك المقام، و ((أو)) للشك من الراوي، والإهلال: هو رفع الصوت بالتلبية كما تقدم، فالتصريح بالرفع معه زيادة بيان، قاله الزرقاني. وقال أبو الطيب: المراد بالإهلال التلبية على طريق التجريد لأن معناه رفع الصوت بالتلبية وكلمة أو للشك. وزاد مالك، وأبو داود، وأحمد في رواية: ((يريد أحدهما)) يعني أنه ﷺ إنما قال أحد هذين اللفظين لكن الرواي شك فيما قاله من ذلك فأتى بأو التي لأحد الشيئين، ثم زاد ذلك بيانًا بقوله: ((يريد أحدهما)) وفي رواية للنسائي: ((بالتلبية)) بدون شك، وابن ماجة ((بالإهلال)) ، ولأحمد (ج٥: ص١٩٢) ، وابن ماجة، والحاكم (ج١: ص٤٥٠) ، والبيهقي (ج٥: ص٤٢) من حديث زيد بن خالد الجهني التصريح بالتلبية أيضاً، وقد روي في رفع الصوت بالتلبية أحاديث عن جماعة من الصحابة منهم: أنس، وهو خامس أحاديث الباب، ومنهم: السائب بن خلاد بن سويد وهو الذي نحن في شرح حديثه، وزيد بن خالد الجهني، وقد تقدم تخريج حديثه، وأبو هريرة عند أحمد، والحاكم، والبيهقي، وابن عباس عند أحمد (ج١: ص٣٢١) ، وجابر عند سعيد بن منصور في سننه من رواية أبي الزبير عنه، وعائشة عند البيهقي (ج٥: ص٤٣) ، وأبو بكر الصديق عند الترمذي، وابن ماجة، والحاكم والبيهقي، وسهل بن سعد عند الحاكم، والبيهقي، وأبى ذر. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من طريق المطلب بن عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم، وهذه الأحاديث حجة لما ذهب إليه الجمهور من استحباب رفع الصوت بالتلبية. وذهب داود إلى أن رفع الصوت واجب. قال الشنقيطي: القاعدة المقررة في الأصول مع الظاهرية، وهي أن الأمر يقتضي الوجوب إلا لدليل صارف عنه، وقال الشوكاني: وهو ظاهر قوله: ((فأمرنى أن آمر أصحابي)) لا سيما وأفعال الحج وأقواله بيان لمجمل واجب هو قول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ وقوله ﷺ : ((خذوا عني مناسككم)) . قال: وخرج بقوله: ((أصحابي)) النساء، فإن المرأة لا
стр. 3978
رواه مالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة: والدارمى.
ــ
تجهر بها بل تقتصر على إسماع نفسها. وقال ابن رشد أجمع أهل العلم على أن تلبية المرأة فيما حكاه أبو عمر هو أن تسمع نفسها بالقول. وفي الدر المختار: ولا تلبي جهرًا بل تسمع نفسها دفعًا للفتنة، وما قيل: ((أن صوتها عورة)) ضعيف - انتهى. قال المحب الطبري: رفع الصوت عندنا أي الشافعية بالتلبية مشروع في المساجد وغيرها، وقال مالك: لا يرفع الصوت بها في مساجد الجماعات بل يسمع نفسه ومن يليه، إلا في مسجد منى، والمسجد الحرام فإنه يرفع صوته فيهما، وهو قول قديم للشافعي، وزاد مسجد عرفة، لأن هذه المساجد تختص بالنسك - انتهى. وقال الباجي: المحرم لا يرفع صوته بالإهلال في غير مسجد منى، والمسجد الحرام، من مساجد الجماعات، هذا هو المشهور عن مالك، وروى القاضي أبو الحسن عن ابن نافع عن مالك أنه قال: يرفع صوته في المساجد التي بين مكة والمدينة. قال أبو الحسن: هذا وفاقًا للشافعي في أحد قوليه وله قول ثان: أنه يستحب رفع الصوت بالتلبية في سائر المساجد ووجه قول مالك المشهور: أن المساجد مبنية للصلاة، وذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، فلا يصح رفع الصوت فيها بما ليس من مقصودها، لأنه لا تعلق لشيء منها بالحج، أما المسجد الحرام، ومسجد الخيف فللحج اختصاص بهما من الطواف والصلاة أيام منى ولسبب الحج بنيا - انتهى. وقال ابن قدامة: لا يستحب رفع الصوت في الأمصار ولا في مساجدها إلا بمكة والمسجد الحرام، وهو قول مالك، وقال الشافعي يلبي في المساجد كلها. ولنا ما روس عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يلبي بالمدينة فقال: إنه لمجنون، إنما التلبية إذا برزت، ولأن المساجد إنما بنيت للصلاة وجاءت الكراهة لرفع الصوت فيها عامًا فوجب إبقاءها على عمومها، فأما مكة فتستحب التلبية فيها لأنها محل النسك، وكذا المسجد الحرام وسائر مساجد الحرم كمسجد منى وفي عرفات أيضًا - انتهى. هذا وقد بسط الشافعي في الأم (ج: ص) في رفع الصوت بها في المساجد كلها بدون التخصيص بمسجد مكة ومنى والراجح عندنا هو ما ذهب إليه مالك، وأحمد. والله أعلم. (رواه مالك) إلخ. وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص٥٥، ٥٦) ، والشافعي (ج٢: ص١٣٣) ، وابن حبان، وابن خزيمة، والحاكم (ج١: ص٤٥٠) ، والبيهقي (ج٥:ص٤٢) كلهم من رواية عبد الملك بن أبى بكر الحارث بن هشام عن خلاد بن السائب عن أبيه وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي. قال الترمذي: وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد عن النبي ﷺ ولا يصح، والصحيح هو خلاد بن السائب عن أبيه وهو خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد الأنصارى - انتهى. وذكر الحافظ في الفتح هذا الحديث من رواية خلاد بن السائب عن أبيه وذكر من خرجه وصححه. ثم قال: ورجاله ثقات إلا أنه اختلف على التابعي في صحابيه - انتهى. وقال ابن عبد البر: هذا حديث اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا، وأرجو أن تكون رواية مالك أصح، فروي هكذا أي عن خلاد بن السائب عن أبيه، وروي عن خلاد عن زيد بن خالد الجهني، وروي عن خلاد عن أبيه عن زيد بن خالد، كذا ذكره السيوطي في التنوير ثم
стр. 3979
٢٥٧٤- (١١) وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا. رواه الترمذي، وابن ماجة.
ــ
حكى عن المزي تفصيل الاختلاف. وقال الزرقاني بعد ذكر كلام ابن عبد البر: وهذا الاختلاف لا يضر، أما في الصحابي فلا مانع أن خلادًا سمعه من أبيه ومن زيد كما أن أباه قد يكون سمعه من زيد ثم من المصطفى، فحدث به كل منهما على الوجهين، أو كان السائب يرسله تارة، وأما رواية الثوري: (أي عن عبد الله بن أبى لبيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن خلاد عن زيد بن خالد عند أحمد، وابن ماجة، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي) فمن الجائز أن يسمعه من خلاد الرجلان إلى هذا الاختلاف وصححوه كما مر - انتهى. وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكر تصحيح الترمذي ونقل كلامه: وقال البيهقي أيضاً الأول: (أي خلاد بن السائب عن أبيه) هو الصحيح، وأما ابن حبان فصححهما وتبعه الحاكم، وزاد رواية ثالثة من طريق المطلب بن عبد الله عن أبى هريرة - انتهى. قلت: قال الحاكم (ج١: ص٤٥٠) بعد رواية الحديث من طريق عبد الملك عن خلاد عن أبيه، ومن طريق المطلب بن عبد الله عن خلاد عن زيد، ومن طريق المطلب بن عبد الله بسماعه عن أبى هريرة ما لفظه: وهذه الأسانيد كلها صحيحة وليس يعلل واحد منها الآخر فإن السلف كان يجتمع عندهم الأسانيد لمتن واحد كما يجتمع عندنا الآن - انتهى. وأقره الذهبي.
٢٥٧٤- قوله: (إلا لبى من عن يمينه) كلمة من بفتح الميم موصولة (من حجر أو شجر أو مدر) من بيان من قال الطيبي: لما نسب التلبية إلى هذه الأشياء عبر عنها بما يعبر عن أولى العقل - انتهى. قلت: كذا وقع في رواية الترمذي بلفظة من، وهكذا ذكر الجزري في جامع الأصول (ج٩: ص٢٨٣) ، وعزا الحديث للترمذي فقط، وعند ابن ماجة، والحاكم، والبيهقي: إلا لبى ما عن يمينه، والمدر بفتحتين قطع الطين اليابس (حتى تنقطع) أي تنتهي (من ها هنا وها هنا) إشارة إلى المشرق والمغرب والغاية محذوفة أي إلى منتهى الأرض، والمعنى حتى يلبي جميع ما على يمينه وشماله من حجر الأرض ومدرها وشجرها إلى منتهاها من المشرق إلى المغرب. قال الطيبي: أي يوافقه في التلبية جميع ما في الأرض -انتهى. وفائدة المسلم من تلبية الحجر، والشجر، والمدر، معرفة فضل هذا الذكر وإن له عند الله شرفًا ومكانة ولا يبعد أن يكتب له ثواب ذلك كأنه فعله بنفسه زيادة عن ذكره الخاص لأنه المتسبب فيه. قال السندى: إن قلت: أي فائدة للمسلم في تلبيته الأحجار وغيرها مع تلبيته، قلت: إتباعهم في هذا الذكر دليل على فضيلته وشرفه ومكانته عند الله إذ ليس إتباعهم في هذا الذكر إلا لذلك على أنه يجوز أن يكتب له أجر هذه الأشياء لما أن هذه الأشياء صدر عنها الذكر تبعًا فصار المؤمن بالذكر كأنه دال على الخير. والله أعلم. (رواه الترمذي، وابن ماجة)
стр. 3980
٢٥٧٥- (١٢) وعن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا
ــ
كلاهما من رواية إسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزية (الأنصاري المازني المدني) عن أبى حازم عن سهل ورواه أيضًا الترمذي من طريق عبيدة بن حميد عن عمارة بن غزيه عن أبى حازم عن سهل، لكن لم يسق لفظه بل قال: ((نحو حديث إسماعيل بن عياش)) ورواه من طريق عبيدة، ابن خزيمة في صحيحه كما في الترغيب (ج٢: ص٦٦) ، والحاكم (ج١: ص٤٥١) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والبيهقي (ج٥: ص ٤٣) .
٢٥٧٥- قوله: (كان رسول الله ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين) قيل: أي ركعتي الإحرام فقد روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلاً أن رسول الله ﷺ كان يصلي بمسجد ذي الحليفة ركعتين، فإذا استوت به راحلته أهل. قال الزرقاني: قوله: ((ركعتين)) أي سنة الإحرام ففيه صلاتهما قبل الإحرام وأنها نافلة وبه قال الجمهور سلفًا وخلفًا، واستحب الحسن البصري الإحرام بعد صلاة فرض لأنه روى أن الركعتين كانتا الصبح، وأجيب بأن هذا لم يثبت، وقال الباجي: هذا اللفظ إذا أطلق في الشرع اقتضى ظاهره في عرف الاستعمال النافلة، وهو المفهوم من قولهم: صلى فلان ركعتين، وإن كان روي أن صلاة النبي ﷺ بذي الحليفة كانت صلاة الفجر، وقد اختار مالك أن يكون إحرامه بأثر نافلة لأنه زيادة خير - انتهى. وقال النووي: في حديث استحباب صلاة الركعتين عند الإحرام ويصليهما قبل الإحرام ويكونان نافلة هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي وغيره عن الحسن البصري: أنه استحب كونه بعد صلاة فرض لأنه روى أن هاتين الركعتين كانت صلاة الصبح، والصواب ما قاله الجمهور وهو ظاهر الحديث - انتهى. وفى المحلى شرح الموطأ للشيخ سلام الله الدهلوي: في الحديث ندب كون الإحرام بعد الصلاة ويكون نافلة عند أبى حنيفة، والشافعي، والجمهور. ولو صلى المكتوبة أجزأته كما يجزئه عن تحية المسجد كذا ذكره فقهاء الفريقين. وعند مالك: يحرم الحاج والمعتمر بأثر فريضة أو نافلة كما في الرسالة، وبه قال أحمد غير أن ظاهر مذهبه كونه بعد الفرض أولى للإتباع - انتهى. وقال ابن قدامة: المستحب أن يحرم عقيب الصلاة فإن حضرت مكتوبة أحرم عقيبها، وإلا صلى ركعتين تطوعًا وأحرم عقيبهما. استحب ذلك عطاء، وطاوس، ومالك، والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس - انتهى. وقال الدردير: ثم رابع السنن ركعتان والفرض مجزئ عنهما وفاته الأفضل. قال الدسوقي: والفرض يجزئ أي في أصل السنة. والحاصل أن السنة تحصل بإيقاع الإحرام عقيب صلاة ولو فرضًا وتجزئ المكتوبة. قلت: واستدل أيضاً للجمهور بما روى أبو داود، والحاكم من طريق ابن إسحاق عن خصيف بن عبد الرحمن الجزري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ حاجًا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتين أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، مختصر. وابن إسحاق، وخصيف فيهما مقال. قلت:
стр. 3981
استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك،
ــ
ظاهر النصوص أن هاتين الركعتين كانت لفريضة الظهر لا تحية الإحرام ولا للفجر وبه صرح ابن القيم في الهدي حيث قال: لم ينقل عنه ﷺ أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، وقال: المحفوظ أنه إنما أهل بعد صلاة الظهر، وقال أيضاً: قد قال ابن عمر: ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره، وقد قال أنس: إنه صلى الظهر ثم ركب، والحديثان في الصحيح فإذا جمعت أحدهما إلى الآخر تبين أنه إنما أهل بعد صلاة الظهر - انتهى ملخصًا. وقال ابن تيمية في مناسكه: يستحب أن يحرم عقيب صلاة إما فرض، وإما تطوع إن كان وقت تطوع في أحد القولين، وفي الآخر إن كان يصلي فرضًا أحرم عقيبه وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه وهذا أرجح، (أهل) أي رفع صوته (بهؤلاء الكلمات) يعني التلبية المشهورة، وقد تقدمت في الفصل الأول من حديث ابن عمر (ويقول) أي يزيد عبد الله ابن عمر أو أبوه عمر ابن الخطاب ففي رواية لمسلم: كان عبد الله بن عمر يقول (أي بعد رواية التلبية المشهورة) : هذه تلبية رسول الله ﷺ ، قال نافع: كان عبد الله (بن عمر) يزيد مع هذا: لبيك، لبيك، لبيك وسعديك، إلخ. وفي رواية أخرى لمسلم (وهي رواية الباب) بعد قوله: ((أهل بهؤلاء الكلمات)) : وكان عبد الله بن عمر يقول: كان عمر بن الخطاب يهل بإهلال رسول الله ﷺ من هؤلاء الكلمات ويقول (أي يزيد) : لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، إلخ. وهكذا ذكر الجزري في جامع الأصول (ج٣: ص٤٤١) ، ولأحمد (ج٢: ص١٣١) بعد ذكر التلبية المشهورة ((قال أي عبد الله بن عمر وسمعت عمر بن الخطاب يهل بإهلال رسول الله ﷺ ويزيد فيها: لبيك وسعديك)) إلخ. قال الحافظ بعد ذكر الروايتين: فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة: قال كانت تلبية عمر، فذكر مثل المرفوع وزاد: ((لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك، ذا النعماء والفضل الحسن)) - انتهى. ورواية المصابيح انتهت على قوله: ((أهل بهؤلاء الكلمات يعني التلبية)) وقوله: ((ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك)) إلخ. هو مما زاده المصنف وقد ذكره بحيث يتبادر منه أن هذه الزيادة أيضًا مرفوعة، وهذا اختصار من المصنف مخل أو زيادة منه موهمة فليتنبه لذلك، (لبيك اللهم لبيك، لبيك) ثلاث مرات مع الفصل بين الأولى والثانية بلفظ: ((اللهم)) كما في المرفوع، وفي رواية الموطأ، وأبى داود، وفي رواية لمسلم أيضًا ثلاث مرات في زيادة ابن عمر لكن بدون الفصل (وسعديك) هو من باب لبيك، فيأتي فيه ما سبق، ومعناه أسعدني إسعادًا بعد إسعاد، فالمصدر فيه مضاف للفاعل وإن كان الأصل في معناه أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعاد، على أن المصدر فيه مضاف للمفعول. وقيل: المعنى مساعدة على طاعتك بعد مساعدة، فيكون من المضاف للمنصوب، قال عياض: إعرابها وتثنيتها كما في لبيك، ومعناه مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. وقال المازري: وقيل: معناه أسعدنا سعادة بعد سعادة وإسعادًا بعد إسعاد، وكذلك قال ابن العربي: إنه سؤال من الله السعد وتأكيد فيه، وقال إبراهيم الحربي: لم يسمع سعديك مفردًا (أي عن لبيك) وهو من المصادر المنصوبة بفعل مضمر.
стр. 3982
والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل. متفق عليه، ولفظه لمسلم.
٢٥٧٦- (١٣) وعن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه عن النبي ﷺ ، أنه كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله رضوانه.
ــ
(والخير في يديك) كذا في زيادة عمر عند مسلم، وأحمد، وفي زيادة ابنه عبد الله: ((بيديك)) أي الخير كله بيد الله ومن فضله أي بقدرته وكرمه. قال الباجي: الألف واللام لاستغراق الجنس، فكأن الملبي يلبي ربه ويعتقد أن جميع الخير بيديه - انتهى. وهو من باب الاكتفاء وإلا فالأمر كله لله والخير والشر كله بقدره وقضائه، أو هو من إصلاح المخاطبة أي من باب حسن الأدب في الإضافة والنسب كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٢٦: ٨٠) ومن ها هنا ورد: ((والشر ليس إليك)) أي لا ينسب إليك أبدًا، (والرغباء إليك) فيه ثلاثة أوجه: فتح الراء والمد وهو أشهرها، وضم الراء مع القصر وهو مشهور أيضاً، وفتح الراء مع القصر مثل سكرى وهو غريب، حكاه أبو علي الجبائي، ونظير الوجهين الأولين العلياء والعليا، والنعماء والنعمى، ومعنى اللفظة الطلب والمسألة أي إنه تعالى هو المطلوب المسئول منه فبيده جميع الأمور، قال شمر: معنى رغب النفس سعة الأمل وطلب الكثير (والعمل) أي إن العمل كله لله تعالى لأنه المستحق للعبادة وحده وفيه حذف يحتمل أن تقريره كالذي قبله أي والعمل إليك أي إليك القصد به والانتهاء به إليك لتجازى عليه فيكون عطفًا على الرغباء، ويحتمل أن تقريره والعمل لك، وقال الطيبي: أي وكذلك العمل منته إليك إذ أنك المقصود منه. قال القاري: والأظهر أن التقدير ((والعمل لك)) أي لوجهك ورضاك، أو العمل بك أي بأمرك وتوفيقك، أن المعنى أمر العمل رادع إليك في الرد والقبول، هذا وتقدم الكلام مبسوطًا في وقت التلبية وابتداء الإحرام وفي حكم الزيادة على التلبية المرفوعة المشهورة. (متفق عليه) فيه نظر، فإن الزيادة المذكورة انفرد مسلم عن البخاري بروايتها. (ولفظه لمسلم) قد تقدم أن المصنف اختصر رواية مسلم اختصارًا مخلاً يتبادر منه أن الزيادة أيضاً مرفوعة مع أنها موقوفة على عبد الله، وأنه اقتدى في ذلك بأبيه، والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١٣١) ، والنسائي، والبيهقي (ج٥: ص٤٤) وغيرهم. وأما الزيادة المذكورة فأخرجها أحمد، ومالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والشافعي، والبيهقي. هذا وقد خالف البغوي ها هنا ما اصطلحه من ذكر أحاديث غير الشيخين في الحسان حيث أورد رواية مسلم فيها.
٢٥٧٦- قوله: (عن عمارة) بضم أوله والتخفيف وزيادة الهاء في آخره (بن خزيمة) بضم الخاء المعجمة، وفتح الزاي (بن ثابت) الأنصاري الأوسي، كنيته أبو عبد الله، أو أبو محمد المدني، ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين مات سنة خمس ومائة، وهو ابن خمس وسبعين، (عن أبيه) أي خزامة بن ثابت المعروف بذي الشهادتين، تقدم ترجمته في (ج٣: ص١٨٧) (سأل الله رضوانه) بكسر الراء، أي رضاه في الدنيا والآخرة، وفي رواية الدارقطني، والبيهقي: سأل
стр. 3983
والجنة، واستعفاه برحمته من النار. رواه الشافعي.
(الفصل الثالث)
٢٥٧٧- (١٤) عن جابر، أن رسول الله ﷺ لما أراد الحج أذن في الناس، فاجتمعوا، فلما أتى البيداء أحرم. رواه البخاري.
ــ
الله مغفرته ورضوانه (والجنة) أي في العقبى (واستعفاه) أي طلب عفوه، فهو عطف على ((سأل)) وفي الدارقطني، والبيهقي: ((استعاذ)) وفي الحصن: ((استعتقه)) ونسبه للطبراني، (برحمته) أي بسبب رحمته تعالى لا بكسب نفسه، (من النار) أي نار العذاب. والحديث دليل على استحباب الدعاء بعد الفراغ من كل تلبية يلبيها المحرم في أي حين بهذا الدعاء ونحوه بأن يقول: اللهم إني أسألك مغفرتك ورضاك والجنة في الآخرة، وأن تعفو عني وتعيذني وتعتقني برحمتك من النار، ويحتمل أن المراد بالفراغ منها انتهاء وقت مشروعيتها وهو عند رمي جمرة العقبة، والأول أوضح (رواه الشافعي) في الأم (ج٢: ص١٣٤) بإسناد ضعيف، لأن فيه صالح بن محمد بن أبى زائدة وهو ضعيف. قاله الحافظ، وقال الولي العراقي: صالح هذا ضعفه الجمهور، وقال أحمد: لا أرى به بأسًا. وفيه أيضًا إبراهيم بن أبى يحيى الراوي عنه ولكنه قد تابعه عليه عبد الله بن عبد الله الأموي، أخرجه البيهقي (ج٥: ص٤٦) ، والدارقطني (ص٢٦٣) ، وروى الشافعي والدارقطني، والبيهقي عن القاسم بن محمد يقول: كان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلى على النبي ﷺ .
٢٥٧٧- قوله: (أذن في الناس) لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٢٢: ٢٧) الآية أي نادي بينهم بأني أريد الحج، قاله ابن الملك. قال القاري: والأظهر أنه أمر مناديًا بأنه ﷺ يريد الحج كما سيأتي في حديث جابر الطويل، (فاجتمعوا) أي خلق كثير في المدينة، (فلما أتى البيداء) هي: الشرف أي المكان العالي الذي قدام ذي الحليفة بقربها إلى جهة مكة سميت بيداء لأنها لا بناء بها ولا أثر، وكل مفازة لا شيء فيها سمي بيداء، وهي ها هنا اسم موضع مخصوص بذي الحليفة كما ذكرنا، (أحرم) أي كرر إحرامه أو أظهره، قال القاري هو أظهر لما ثبت أنه أحرم ابتداء في مسجد ذي الحليفة بعد ركعتي الإحرام - انتهى. وقد تقدم بيان اختلاف الروايات في موضع إحرامه ﷺ ووجه الجمع بينها. (رواه البخاري) هذا وهم من المصنف فإن حديث جابر هذا ليس في صحيح البخاري لا بلفظه ولا بمعناه بل هو مما انفرد الترمذي بروايته هكذا. ولذلك اقتصر الساعاتي في الفتح الرباني على نسبته إلى الترمذي، والظاهر أن المصنف تبع في ذلك الجزري حيث قال بعد ذكر هذه الرواية في جامع الأصول (ج٣: ص٤٣٦) : أخرجه البخاري، والترمذي، وكذلك نسبه إليهما محمد بن محمد بن سليمان الفاسي في جمع الفوائد (ج١: ص٤٦١) والحديث أخرجه مسلم مطولاً كما سيأتي.
стр. 3984
٢٥٧٨- (١٥) وعن ابن عباس قال: كان المشركون يقولون لبيك لا شريك لك فيقول رسول الله ﷺ ((ويلكم قد قد)) . إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت. رواه مسلم.
ــ
٢٥٧٨- قوله: (ويلكم قد قد) قال القاضي: روى بإسكان الدال وكسرها مع التنوين فيهما، ومعناه كفاكم هذا الكلام فاقتصروا عليه ولا تزيدوا، فلا تقولوا ما بعده من الاستثناء، وفيه: بيان أن من رأى منكرًا ولم يقدر على تغييره باليد فإنه يغيره بالقول لأن قد قد إنكار (إلا شريكًا) كذا في جميع النسخ من المشكاة. وهو متعلق بمقول المشركين، وقوله: ((فيقول رسول الله ﷺ قد قد)) جملة معترضة للتنبيه على أن رسل الله ﷺ يقول لهم ذلك بين الاستثناء وما قبله قبل أن يتكلموا الاستثناء. وفي صحيح مسلم: ((فيقولون إلا شريكًا)) وهكذا في جامع الأصول (ج٣: ص٤٤٤) (هو لك تملكه وما ملك) ما نافية، وقيل: موصولة عطف على مفعول تملكه، والمعنى على الأول: أنت تملكه وهو لا يملك وعلى الثاني: أنت تملك إياه وما في ملكه، قال الطيبي كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. فإذا انتهى كلامهم إلى ((لا شريك لك)) قال رسول الله ﷺ قد قد. أي اقتصروا عليه ولا تتجاوزوا عنه إلى ما بعده، وقوله: ((إلا شريكًا)) الظاهر فيه الرفع على البداية من المحل كما في كلمة التوحيد، فاختير في الكلمة السفلى اللغة السافلة كما اختير في الكلمة العليا العالية، (يقولون) أي المشركون، وهو مقول ابن عباس (هذا) أي هذا القول وهو قولهم إلا شريكًا مع ما قبله وما بعده. (رواه مسلم) الحديث من أفراد مسلم، لم يخرجه البخاري ولا أحد من أصحاب السنن، نعم أخرجه البيهقي (ج٥: ص٤٥) وزاد في آخره: فيقولون: ((غفرانك غفرانك)) قال: فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٨: ٣٣) فقال ابن عباس: كان فيهم أمانان، نبي الله ﷺ والاستغفار، قال فذهب نبي الله ﷺ وبقي الاستغفار ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَاّ الْمُتَّقُونَ﴾ (٨: ٣٤) قال: فهذا عذاب الآخرة، وذلك عذاب الدنيا. قال البيهقي بعد روايته: أخرجه مسلم في الصحيح من حديث النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار مختصرًا دون قولهم: غفرانك إلى آخره - انتهى. وفى الباب عن أنس بن مالك، قال: كان الناس بعد إسماعيل على الإسلام فكان الشيطان يحدث الناس بالشيء يريد أن يردهم عن الإسلام حتى أدخل عليهم في التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. قال فما زال حتى أخرجهم عن الإسلام إلى الشرك، أخرجه البزار. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٣: ص٢٢٣) : رجاله رجال الصحيح.
بعون الله وحسن توفيقه تم الجزء الثامن من مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح،
ويليه الجزء التاسع إن شاء الله تعالى. وأوله ((باب قصة حجة الوداع)) .
стр. 3985
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٢) باب قصة حجة الوداع
(الفصل الأول)
٢٥٧٩ - (١) عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ
ــ
(باب قصة حجة الوداع) وبوب أبو داود لحديث جابر بـ ((باب صفة حجة النبي ﷺ )) والنووي في شرح مسلم بـ ((باب حجة النبي ﷺ )) قال القاري: الوداع بفتح الواو مصدر ودع توديعًا، كسلم سلامًا وكلم كلامًا، وقيل: بكسر الواو فيكون مصدرًا لموادعة وهو لوداعه الناس في تلك الحجة، وهي بفتح الحاء وكسرها. قال الشمني: لم يسمع في حاء ذي الحجة إلا الكسر، قال صاحب الصحاح: الحجة المرة الواحدة، وهو من الشواذ، لأن القياس بالفتح - انتهى. وعلى القياس روى سيبويه ((قالوا: حجة واحدة يعني بالفتح يريدون عمل سنة واحدة)) .
٢٥٧٩ - قوله (عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ ) إلخ، حديث جابر هذا أصل كبير وأجمع حديث في الباب، قال النووي: هو أي جابر أحسن الصحابة سياقة لرواية حديث حجة الوداع، فإنه ذكرها من حين خروج النبي ﷺ من المدينة إلى آخرها فهو أضبط لها من غيره، وقال: وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ومهمات من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم. قال عياض: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا. وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءًا كبيرًا، وخرج فيه من الفقه مائة ونيفًا
стр. 3986
مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشر: أن رسول الله ﷺ حاج،
ــ
وخمسين نوعًا ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه – انتهى. ونوه به الحافظ الذهبي في ترجمته جابر، فقال: وله منسك صغير في الحج، أخرجه مسلم، وعقد له الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية فصلاً خاصًا قال فيه: وهو وحده منسك مستقل. ثم ساقه (ج ٥: ص ١٤٦ – ١٤٩) وقال الأبي: حديث جابر هذا عظيم القدر، اشتمل على قواعد كثيرة من الدين بينها ﷺ عند خروجه من الدنيا وانتقاله إلى ما أعد الله سبحانه له من الكرامة، ولم يبق ﷺ بعد حجته هذه إلا قليلاً بعد أن أشرقت الأرض بنوره وعلت كلمة الإيمان (مكث) بضم الكاف وفتحها أي لبث (بالمدينة) كذا في جميع النسخ مطابقًا للمصابيح وليس هو عند مسلم بل هو للنسائي والشافعي وابن الجارود وأحمد فهو من الزيادات على رواية مسلم (تسع سنين لم يحج) بعد الهجرة أي لكنه اعتمر. قال الألباني: اتفق العلماء على أن النبي ﷺ لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة وهي حجة الوداع هذه، وعلى أنها كانت سنة عشر، واختلفوا في وقت ابتداء فرضه على أقوال، أقربها إلى الصواب أنه سنة تسع أو عشر، وهو قول غير واحد من السلف، واستدل له ابن القيم في ((زاد المعاد)) بأدلة قوية فليراجعها من شاء، وعلى هذا فقد بادر رسول الله ﷺ إلى الحج فورًا من غير تأخير، بخلاف الأقوال الأخرى فيلزم منها أنه تأخر بأداء الفريضة، ولذا اضطر القائلون بها إلى الاعتذار عنه ﷺ ولا حاجة بنا نحن إلى ذلك – انتهى. وقد سبق الكلام في ذلك مفصلاً (ثم أُذِن) بضم الهمزة وكسر الذال المشددة مبني للمجهول، أي نادى مناد بإذنه، ويجوز بناؤه للمعلوم أي أمر بأن ينادي بيتهم، وقال السندي: قوله ((ثم أذن)) من التأذين والإيذان أي نادى وأعلم، والمراد أمر بالنداء فنادى المنادي، ويحتمل على بعد أن يقرأ على بناء المفعول – انتهى. وعلى كلا الاحتمالين فالمراد إعلام الناس بحجه ﷺ وإشاعته بينهم ليتأهبوا للحج معه ويتعلموا المناسك والأحكام ويشاهدوا أفعاله وأقواله ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب وتشيع دعوة الإسلام وتبلغ الرسالة القريب والبعيد، وفيه أنه يستحب للإمام إيذان الناس بالأمور المهمة ليتأهبوا لها لا سيما في هذه الفريضة الكثيرة الأحكام المفروضة ابتداء (في العاشرة) أي السنة العاشرة من الهجرة (أن) أي بأن (رسول الله ﷺ حاج) أي خارج
стр. 3987
فقدم المدينة بشر كثير، فخرجنا معه، حتى إذا أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ
ــ
إلى الحج ومريد له وقاصده. قال القاري: وفي النسخ أي من المشكاة ((إن)) بالكسر فيكون من جملة المقول – انتهى. وزاد في رواية أحمد والنسائي وابن الجارود ((هذا العام)) (فقدم المدينة بشر كثير) قال القاري: تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يأتوك رجالاً﴾ أي مشاة ﴿وعلى كل ضامر﴾ أي راكبين على كل بعير ضعيف ﴿يأتين من فج عميق﴾ أي طريق بعيد ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ (٢٢ – ٢٧، ٢٨) أي ليحضروا منافع دينية ودنيوية وأخروية – انتهى. وتقدم الكلام في عدد الذين كانوا معه ﷺ في حجة الوداع، وفي رواية مسلم بعد هذا ((كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله)) . وفي رواية للنسائي: ((فلم يبق أحد يقدر أن يأتي راكبًا أو راجلاً إلا قدم فتدارك الناس ليخرجوا معه)) (فخرجنا معه) أي لخمس بقين من ذي القعدة كما رواه النسائي وابن الجارود والبيهقي أي بين الظهر والعصر. وروى الترمذي وابن ماجة عن أنس والطبراني عن ابن عباس أن حجه ﵊ كان على رحل رث يساوي أربعة دراهم (حتى إذا أتينا) كذا في جميع النسخ من المشكاة، وهكذا في المصابيح وفي صحيح مسلم ((حتى أتينا)) أي بسقوط لفظة ((إذا)) وكذا وقع عند أبي داود وغيره (فولدت أسماء بن عميس) بمهملتين مصغرًا، الخثعمية، صحابية فاضلة، كانت أولاً تحت جعفر بن أبي طالب ثم تزوجها أبو بكر بعد قتل جعفر ثم علي بن أبي طالب وولدت لهم، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر. قال الحافظ: كان عمر يسألها عن تعبير الرؤيا، ماتت بعد علي (محمد بن أبي بكر) الصديق وهو من أصغر الصحابة، ولاه علي بن أبي طالب مصر وكان ربيبه، قتله أصحاب معاوية بمصر سنة ثمان وثلاثين. وقال الحافظ: له رؤية، وكان عليّ يثني عليه ويفضله لأنه كانت له عبادة واجتهاد، وكان على رجالة عليّ يوم صفين، قتل سنة ثمان وثلاثين (فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ) الظاهر أنها أرسلت زوجها الصديق، ويدل له ما رواه مالك في موطأه عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبي بكر فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله ﷺ ويدل عليه أيضًا ما رواه النسائي من حديث أبي بكر فأتى أبو بكر النبي ﷺ فأخبره فأمره أن
стр. 3988
كيف أصنع؟ قال: " اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي ". فصلى رسول الله ﷺ في المسجد،
ــ
يأمرها أن تغتسل (كيف أصنع؟) أي في باب الإحرام. وقال الباجي في شرح رواية الموطأ: يحتمل أن أبا بكر سأل أن النفاس الذي يمنع صحة الصلاة والصوم يمنع صحة الحج فبين ﷺ أنه لا ينافي الحج؛ ويحتمل أنه سأل عن اغتسالها للإحرام إن علم أن إحرامها بالحج يصح فخاف أن النفاس يمنع الاغتسال الذي يوجب حكم الطهر (قال: اغتسلي) فيه غسل النفساء للإحرام وإن لم تطهر، وفي حكمها الحائض فهو للنظافة لا للطهارة. قال القاري: ولذا لا ينوبه التيمم ويظهر من كلام الخطابي أن العلة عنده التشبه بالطاهرات حيث قال في معالم السنن: في الحديث استحباب التشبه من أهل التقصير بأهل الفضل والكمال والإقتداء بأفعالهم طمعًا في درك مراتبهم ورجاء لمشاركتهم في نيل المثوبة، ومعلوم أن اغتسال الحائض والنفساء قبل أوان الطهر لا يطهرهما ولا يخرجهما عن حكم الحدث وإنما هو لفضيلة المكان والوقت. قال الولي العراقي: هذا يدل على أن العلة عنده في اغتسالهما التشبه بأهل الكمال وهن الطاهرات. والظاهر أنه إنما هو لشمول المعنى الذي شرع الغسل لأجله وهو التنظيف وقطع الرائحة الكريهة لدفع أذاها عن الناس عند اجتماعهم، وبذلك علَّلَه الرافعي ولا يرد عليه التيمم عند العجز، لأن التنظيف هو أصل مشروعيته للإحرام فلا ينافيه قيام التراب مقامه، لأنه يقوم مقام الغسل الواجب فأولى المسنون وبعد استمرار الحكم قد لا توجد علته في بعض المحال – انتهى. قلت: وهذا عند من قال بمشروعية التيمم وإجزائه عند العجز. وأما الذي لم يقل به فلا إيراد عليه. وقد تقدم الكلام في ذلك في شرح حديث زيد بن ثابت في الفصل الثاني من باب الإحرام والتلبية. قال الخطابي: وفي أمره ﷺ الحائض والنفساء بالاغتسال دليل على أن الطاهر أولى بذلك. وقال الزرقاني: وفيه الاغتسال للإحرام مطلقًا لأن النفساء إذا أمرت به مع أنها غير قابلة للطهارة كالحائض فغيرهما أولى (واستثفري) بالثاء المثلثة بعد الفوقية أمر من الاستثفار وهو أن تحتشي المرأة قطنًا وتشد في وسطها شيئًا وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، والمقصود أن تجعل هناك ما يمنع من سيلان الدم تنزيهًا أن تظهر النجاسة عليها، إذ لا تقدر على أكثر من ذلك. قال النووي: فيه أمر الحائض والنفساء والمستحاضة بالاستثفار وهو أن تشد في وسطها شيئًا وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بثفَر الدابة بفتح الفاء (وأحرمي) أي بالنية والتلبية، قاله القاري. وفيه صحة إحرام النفساء ومثلها الحائض، وأولى منهما الجنب لأنهما شاركتاه في شمول اسم الحدث وزادتا عليه بسيلان الدم وهو مجمع عليه (فصلى رسول الله ﷺ ) أي ركعتين للظهر، وقيل سنة الإحرام (في المسجد) أي في مسجد ذي الحليفة. قال ابن العجمي في منسكه: ينبغي إن كان الميقات مسجد أن يصلي ركعتي الإحرام فيه ولو صلاهما في غير المسجد فلا بأس، ولو أحرم بغير صلاة جاز، ولا يصلي في الأوقات المكروهة، وتجزئ المكتوبة عنهما كتحية المسجد. وقيل:
стр. 3989
ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ". قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج،
ــ
صلى الظهر. وقد قال ابن القيم: ولم ينقل أنه ﵊ صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، كذا في المرقاة. وقد تقدم الكلام في ذلك في شرح حديث ابن عمر في الفصل الثاني من باب الإحرام والتلبية (ثم ركب القصواء) بفتح القاف وبالمد، اسم ناقته ﷺ ولها أسماء أخرى مثل العضباء والجدعاء، وقيل: هي أسماء لنوق له ﷺ فقال القاضي: قال ابن قتيبة: كانت للنبي ﷺ نوق: القصواء والجدعاء والعضباء. قال أبو عبيد: العضباء اسم لناقة النبي ﷺ ولم تسم بذلك لشيء أصابها. قال القاضي: قد ذكر هنا أنه ركب القصواء، وفي آخر هذا الحديث ((خطب على القصواء)) ، وفي غير مسلم ((خطب على ناقته الجدعاء)) . وفي حديث آخر: ((على ناقة خرماء)) . وفي آخر ((العضباء)) ، وفي حديث آخر ((كانت له ناقة لا تسبق)) ، وفي آخر ((تسمى مخضرمة)) . وهذا كله يدل على أنها ناقة واحدة خلاف ما قاله ابن قتيبة وأن هذا كان اسمها أو وصفها لهذا الذي بها خلاف ما قال أبو عبيد. لكن يأتي في كتاب النذر أن القصواء غير العضباء كما سنبينه هناك. قال الحربي: العضب والجدع والخرم والقصو والخضرمة في الآذان، قال ابن الأعرابي: القصواء التي قطع طرف أذنها، والجدع أكثر منه. وقال الأصمعي: والقصو مثله. قال: وكل قطع في الأذان جدع، فإن جاوز الربع فهي عضباء، والمخضرم مقطوع الأذنين، فإن اصطلمتا فهي صلماء، وقال أبو عبيد: القصواء المقطوعة الأذن عرضًا، والمخضرمة المستأصلة والمقطوعة النصف فما فوفه. وقال الخليل: المخضرمة مقطوعة الواحدة والعضباء مشقوقة الأذن، قال الحربي: فالحديث يدل على أن العضباء اسم لها، وإن كانت عضباء الأذن فقد جعل اسمها، هذا آخر كلام القاضي. وقال محمد بن إبراهيم التيمي التابعي: إن العضباء والقصواء والجدعاء اسم لناقة واحدة كانت لرسول الله ﷺ (حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل) وفي صحيح مسلم ((حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به، فأهل يعني رفع صوته)) واللفظ المذكور في الكتاب هو لابن الجارود (بالتوحيد) يعني قوله: لبيك لا شريك لك. وفيه إشارة إلى مخالفة ما كانت الجاهلية تزيده بعد قوله ((لا شريك لك)) فقد كانوا يقولون: ((إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)) كما تقدم (لبيك اللهم لبيك) إلخ. وفي رواية مسلم بعد ذكر التلبية ((وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئًا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته)) وفي رواية أحمد وابن الجارود ((ولبى الناس والناس يزيدون ((ذا المعارج)) ونحوه من الكلام، والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا)) (قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج) أي لسنا ننوي شيئًا من النيات إلا نية
стр. 3990
لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن
ــ
الحج. قال السندي: قوله ((لا ننوي إلا الحج)) أي أول الأمر ووقت الخروج من البيوت وإلا فقد أحرم بعض بالعمرة أو هو خبر عما كان عليه حال غالبهم، أو المراد أن المقصد الأصلي من الخروج كان الحج وإن نوى بعض العمرة – انتهى. (لسنا نعرف العمرة) هو تأكيد للحصر السابق قبل. قال القاضي: أي لا نرى العمرة في أشهر الحج استصحابًا لما كان من معتقدات أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يرون العمرة محظورة في أشهر الحج ويعتمرون بعد مضيها. وقيل: معناه ((ما قصدناها ولم تكن في ذكرنا)) وقد تقدم شيء من الكلام في هذا في شرح حديث عائشة الذي فيه ذكر انقسام الناس بين مفرد ومتمتع وقارن (حتى إذا أتينا البيت معه) أي وصلناه بعد ما نزل بذي طوى وبات بها واغتسل فيها ودخل مكة من الثنية العليا صبيحة الأحد رابع ذي الحجة وقصد المسجد من شق باب السلام ولم يصل تحية المسجد لأن تحية البيت المقصود منه هو الطواف، فمن ثم استمر ﷺ على مروره في ذلك المقام حتى (استلم الركن) أي الركن الأسود وإليه ينصرف الركن عند الإطلاق، وفي رواية أحمد وابن الجارود ((الحجر الأسود)) والاستلام افتعال من السلام بمعنى التحية، وأهل اليمن يسمون الركن بالمحيا لأن الناس يحيونه بالسلام، وقيل من السلام بكسر السين، وهي الحجارة واحدتها سلِمة بكسر اللام، يقال: استلم الحجر إذا لثمه وتناوله، والمعنى: وضع يديه عليه وقبله، واستلم النبي ﷺ الركن اليماني أيضًا في هذا الطواف كما في حديث ابن عمر ولم يقبله، وإنما قبل الحجر الأسود وذلك في كل طوفة. قلت: والسنة في الحجر الأسود تقبيله إن تيسر ذلك، فإن شق التقبيل استلمه بيده وقبلها، وإلا استلمه بنحو عصا وقبلها وإلا أشار إليه، ولا يقبل ما يشير به ولا يشرع شيء من هذا في الأركان الأخرى إلا الركن اليماني فإنه يحسن استلامه أي لمسه فقط، وفي المواهب وشرحه للزرقاني: واعلم أن للبيت أربعة أركان، الأول له فضيلتان، كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم أي أساس بنائه، وللثاني وهو الركن اليماني الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما فلذلك يقبل الأول كما في الصحيحين عن ابن عمر: أنه ﷺ قبل الحجر الأسود. وفي البخاري عن ابن عمر: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله. ويستلم الثاني فقط لما في الصحيح عن ابن عمر: أنه ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني. ولا يقبل الآخران ولا يستلمان إتباعًا للفعل النبوي لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم، هذا على قول الجمهور. واستحب بعضهم تقبيل اليماني أيضًا، وأجاب الشافعي عن قول من قال كمعاوية ((وقد قبل الأربعة: ليس شيء من البيت مهجورًا)) فرد عليه ابن عباس فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، بأنا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به، ولكنا نتبع السنة فعلاً أو تركًا، ولو كان ترك استلامهما هجرًا لها لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرًا لها، ولا قائل به. وروى الشافعي عن ابن عمر قال: استقبل رسول الله ﷺ الحجر الأسود فاستلمه أي مسح بيده عليه ثم وضع شفتيه عليه طويلاً يقبله. ومفاده استحباب الجمع بينهما – انتهى. ويسن عند التكبير عند الركن
стр. 3991
فطاف سبعًا، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ فصلى ركعتين، فجعل المقام بينه وبين البيت. وفي رواية: أنه قرأ في الركعتين ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾
ــ
الأسود في كل طوفة لحديث ابن عباس الآتي في باب الطواف: قال طاف النبي ﷺ بالبيت على بعيره كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر. رواه البخاري. قال الألباني: وأما التسمية فلم أرها في حديث مرفوع، وإنما صح عن ابن عمر أنه كان إذا استلم الحجر قال: بسم الله والله أكبر. أخرجه البيهقي (ج ٥: ٧٩) وغيره بسند صحيح كما قال النووي والعسقلاني. ووهم ابن القيم فذكره من رواية الطبراني مرفوعًا، وإنما رواه موقوفًا كالبيهقي كما ذكر الحافظ في التلخيص – انتهى. (فطاف سبعًا) كذا في جميع النسخ من المشكاة، وهكذا وقع في المصابيح، وفي رواية مختصرة عند النسائي والترمذي وليس هو عند مسلم (فرمل) أي مشى بسرعة مع تقارب الخطى وهز كتفيه، وفي رواية لمسلم ((ثم مشى على يمينه فرمل)) (ثلاثًا) أي ثلاث مرات من الأشواط السبعة، زاد في رواية لأحمد ((حتى عاد إليه)) . (ومشى) أي على السكون والهينة (أربعًا) أي في أربع مرات وكان مضطبعًا في جميعها، والاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر ويكون منكبه الأيمن منكشفًا والأيسر مستورًا. قال النووي: في الحديث أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات يسن له طواف القدوم وهو مجمع عليه، وفيه أن الطواف سبعة أشواط. وفيه أن السنة الرمل في الثلاث الأول ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة (ثم تقدم) قال القاري: وفي نسخة صحيحة من نسخ مسلم (نفذ) بالنون والفاء والذال المعجمة، أي توجه، قلت: وكذا وقع في رواية لابن الجارود (إلى مقام إبراهيم) بفتح الميم أي موضع قيامه، وهو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، وفيه أثر قدميه، موضوع قبالة البيت (فقرأ: واتخذوا) بكسر الخاء على الأمر وبفتحها على الخبر (من مقام إبراهيم) أي بعض حواليه (مصلى) بالتنوين أي موضع صلاة الطواف (فصلى ركعتين) كذا في جميع النسخ الحاضرة عندنا، وهكذا وقع في المصابيح، وفي السنن للنسائي والترمذي، وليس هو عند مسلم، ووقع عند أحمد وابن الجارود ((حتى إذا فرغ)) أي من الطواف ((عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين)) (فجعل المقام بينه وبين البيت) أي صلى خلفه بيانًا للأفضل وإن جاز في أي موضع شاء (وفي رواية) وفي المصابيح ((ويروى)) وفي صحيح مسلم ((فكان أبي أي محمد بن علي بن الحسين يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ : كان يقرأ في الركعتين)) إلخ (أنه قرأ في الركعتين) أي بعد الفاتحة (قل هو الله أحد) أي إلى آخرها في إحداهما (وقل يا أيها الكافرون) أي بتمامها في الأخرى. والواو لمطلق الجمع فلا إشكال. قال الطيبي: كذا في صحيح مسلم وشرح السنة في إحدى الروايتين، وكان من الظاهر تقديم سورة الكافرون كما في رواية المصابيح. وقال النووي: معناه قرأ
стр. 3992
ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: " لا إله إلا الله
ــ
في الركعة الأولى بعد الفاتحة ((قل يا أيها الكافرون)) وفي الثانية بعد الفاتحة ((قل هو الله أحد)) وقد ذكر البيهقي (ج ٥: ص ٩١) بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي ﷺ طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثًا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما ((قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد)) كذا في المرقاة. قلت: وفي رواية للنسائي ((فصلى ركعتين)) فقرأ فاتحة الكتاب، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد)) ، وفي رواية للترمذي ((قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ((قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد)) وفي الحديث دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان؟ وسيأتي ذكر الخلاف في باب الطواف إن شاء الله (ثم رجع إلى الركن فاستلمه) قال النووي: فيه دلالة لما قاله الشافعي وغيره من العلماء أنه يستحب للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب وإنما هو سنة لو تركه لم يلزمه دم – انتهى. وعند الحنفية العود إلى الحجر إنما يستحب لمن أراد السعي بعده وإلا فلا، كما في البحر وغيره (ثم خرج من الباب) أي باب الصفا (إلى الصفا) أي إلى جانبه،قال في الهداية: إن خروجه ﵊ من باب الصفا لأنه كان أقرب الأبواب إلى الصفا لا أنه سنة. والصفا والمروة علمًا جبلين بمكة ومن مشاعرها (فلما دنا) أي قرب (قرأ: إن الصفا والمروة من شعائر الله) أي من أعلام مناسكه. قال القاري: جمع شعيرة وهي العلامة التي جعلت للطاعات المأمور بها في الحج عندها كالوقوف والرمي والطواف والسعي (أَبْدَأُ) بصيغة المتكلم أي وقال: أبدأ (بما بدأ الله به) يعني ابتدأ بالصفا لأن الله بدأ بذكره في كلامه، فالترتيب الذكري له اعتبار في الأمر الشرعي إما وجوبًا أو استحبابًا وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية. قال السندي: هذا يفيد أن بداءة الله تعالى ذكرًا تقتضي البداءة عملاً، والظاهر أنه يقتضي ندب البداءة عملاً لا وجوبًا، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر (فبدأ) أي في سعيه (فرقِي) بكسر القاف أي صعد (عليه) أي على جبل الصفا (حتى رأى البيت) أي إلى أن رآه (فاستقبل القبلة) وضع الظاهر موضع الضمير تنصيصًا على أن البيت قبلة وتنبيهًا على أن المقصود بالذات هو التوجه إلى القبلة لا خصوص رؤية البيت، قاله القاري. وقال في اللمعات: وكان إذ ذاك يرى من الصفا، والآن حجبها بناء الحرم (وقال لا إله إلا الله) قال الطيبي: إنه قول آخر غير التوحيد والتكبير، ويحتمل أن يكون كالتفسير له والبيان، والتكبير وإن لم يكن ملفوظًا به لكن معناه مستفاد من هذا
стр. 3993
وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ". ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل ومشى إلى المروة،
ــ
القول، أي لأن معنى التكبير التعظيم. قال القاري: والأظهر أنه قول آخر (وحده) حال مؤكدة أي منفردًا بالألوهية أو متوحدًا بالذات (لا شريك له) في الألوهية فيكون تأكيدًا، أو في الصفات فيكون تأسيسًا وهو الأولى (له الملك وله الحمد) زاد في رواية أبي داود والنسائي والدرامي وابن ماجه والبيهقي والشافعي ((يحيي ويميت)) (أنجز وعده) أي وفَّى بما وعده بإظهاره للدين (ونصر عبده) أي عبده الخاص نصرًا عزيزًا، وعند أحمد ((صدق عبده)) بدل ((نصر)) ومعنى تصديق الله تعالى لعبده تأييده بالمعجزات والله تعالى أعلم (وهزم) وفي رواية ((وغَلب)) (الأحزاب وحده) أي هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم. قال تعالى ﴿فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها﴾ (٢٣: ٩) والمراد بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ يوم الخندق وكان ذلك في شوال سنة أربع من الهجرة، وقيل سنة خمس ويمكن أن يكون المراد بالأحزاب أنواع الكفار الذين تحزبوا لحرب رسول الله ﷺ وغُلبوا بالهزيمة والفرار (ثم) لمجرد الترتيب دون التراخي (دعا بين ذلك) أي بين مرات هذا الذكر بما شاء (قال مثل هذا) أي الذكر (ثلاث مرات) قال الطيبي: كلمة ((ثم)) تقتضي التراخي وأن يكون الدعاء بعد الذكر، ((وبين)) تقتضي التعدد والتوسط بين الذكر بأن يدعو بعد قوله ((على كل شيء قدير)) الدعاء، فتمحل من قال: لما فرغ من قوله ((وهزم الأحزاب وحده)) دعا بما شاء ثم قال مرةً أخرى هذا الذكر ثم دعا، حتى فعل ذلك ثلاثًا، فهذا إنما يستقيم على التقديم والتأخير بأن يذكر قوله ((ثم دعا بين ذلك)) بعد قوله ((قال مثل هذا ثلاث مرات)) وتكون ((ثم)) للتراخي في الإخبار لا تأخر زمان الدعاء عن الذكر، ويلزم أن يكون الدعاء مرتين – انتهى. وقال السندي: يقول الذكر ثلاث مرات ويدعو بعد كل مرة. قال النووي: قوله ((أبدأ بما بدأ الله به)) إلخ. في هذا أنواع من المناسك: منها أن السعي يُشترط فيه أن يبدأ من الصفا وبه قال الشافعي ومالك والجمهور. وقد ثبت في رواية النسائي هذا الحديث بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: " ابدأوا بما بدأ الله به ". هكذا بصيغة الجمع. ومنها أنه ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة، وفي هذا الرقي خلاف، قال جمهور أصحابنا: هو سنة ليس بشرط ولا واجب، فلو تركه صح سعيه لكن فاتته الفضيلة. قال أصحابنا: يستحب أن يرقى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه. ومنها أنه يسن أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة ويذكر الله تعالى بهذا الذكر المذكور ويدعو ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات، هذا هو المشهور عند أصحابنا. وقال جماعة من أصحابنا يكرر الذكر ثلاثًا والدعاء مرتين فقط والصواب الأول – انتهى. (ثم نزل ومشى إلى المروة) كذا في جميع النسخ،
стр. 3994
حتى انصبت قدماه في بطن الوادي، ثم سعى حتى إذا صعدنا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف على المروة، نادى وهو على المروة والناس تحته،
ــ
وهكذا في المصابيح، وفي مسلم ((ثم نزل إلى المروة)) وفي رواية النسائي ((ثم نزل ماشيًا)) أي إلى المروة (حتى انصبَّت) بتشديد الباء (قدماه) أي انحدرتا بالسهولة، ومنه ((إذا مشى كأنه ينحط في صبب)) أي موضع منحدر، وهو مجاز من قولهم ((صببت الماء فانصب)) أي سكبته فانسكب (في بطن الوادي) أي المسعى، وفي رواية للنسائي ((في بطن المسيل)) يعني انحدرتا بالسهولة حتى وصلتا إلى بطن الوادي، والمراد به المنخفض من (ثم سعى) وفي رواية لأحمد ((رمل)) يعني أسرع في المشي مع تقارب الخطى في بطن الوادي (حتى إذا صعِدتا) بكسر العين، أي ارتفعت قدماه عن بطن الوادي وخرجتا منه إلى طرفه الأعلى. قال الطيبي: معناه ارتفعتا عن بطن الوادي إلى المكان العالي لأنه في مقابلة ((انصبت قدماه)) أي دخلتا في الحدور (مشى) أي سار على السكون، يعني إذا بلغ المرتفع من الوادي مشى باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه. قال النووي: فيه استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة، هذا مذهب الشافعي وموافقيه. وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما كما ذكر، والثانية تجب عليه إعادته – انتهى. وقال في اللباب: ويستحب أن يكون السعي بين الميلين فوق الرمل دون العدو، وهو في كل شوط، أي بخلاف الرمل في الطواف فإنه مختص بالثلاثة الأول خلافًا لمن جعله مثله، فلو تركه أو هرول في جميع السعي، فقد أساء ولا شيء عليه، وإن عجز عنه صبر حتى يجد فرجة، وإلا تشبه بالساعي في حركته، وإن كان على دابة حركها من غير أن يؤذي أحدًا – انتهى. (حتى أتى المروة) زاد في رواية أحمد ((فرقى عليها حتى نظر إلى البيت)) (ففعل على المروة كما فعل) أي مثل ما فعله (على الصفا) من الرقي واستقبال القبلة والذكر والدعاء. قال النووي: فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقي مثل ما يسن على الصفا، وهذا متفق عليه (حتى إذا كان) تامة أي وجد (آخر طواف) أي سعى (على المروة) متعلق بكان. وفي رواية لأحمد وابن الجارود ((فلما كان السابع عند المروة)) قال النووي: قوله ((حتى إذا كان آخر طواف على المروة)) فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يحسب مرة، والرجوع إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة وهكذا فيكون ابتداء السبع من الصفا وآخرها بالمروة. وقال ابن بنت الشافعي وأبو بكر الصيرفي من أصحابنا يحسب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرةً واحدة فيقع آخر السبع في الصفا، وهذا الحديث الصحيح يرد عليهما. وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان، والله أعلم – انتهى. (نادى وهو على المروة والناس تحته) كذا في جميع النسخ
стр. 3995
فقال: " لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي، فليحل وليجعلها عمرة ".
ــ
الحاضرة عندنا، وهكذا في المصابيح، وليست هذه الجملة في صحيح مسلم (فقال) وفي بعض النسخ ((قال)) أي بدون الفاء، قال الطيبي: هو جواب إذا، قال القاري: وفي نسخة صحيحة أي من المشكاة ((فقال)) بزيادة الفاء، وأما ما في بعض النسخ ((نادى وهو على المروة والناس تحته فقال)) فلا أصل له، وزاد في رواية لأحمد وابن الجارود بعد قوله ((قال)) ((يا أيها الناس)) (لو أني استقبلت) أي لو علمت في قبل (من أمري ما استدبرت) أي ما علمته في دبر منه، والمعنى لو ظهر لي هذا الرأي الذي رأيته الآن لأمرتكم به في أول أمري وابتداء خروجي و (لم أسُق الهدي) بضم السين، يعني لما جعلت عليَّ هديًا وأشعرته وقلدته وسقته بين يدي، فإنه إذا ساق الهدي لا يحل حتى ينحر، ولا ينحر إلا يوم النحر، فلا يصح له فسخ الحج بعمرة بخلاف من لم يسق، إذ يجوز له فسخ الحج، وهذا صريح في أنه ﷺ لم يكن متمتعًا. قال الخطابي: إنما قال هذا استطابة لنفوس أصحابه لئلا يجدوا في أنفسهم أنه أمرهم بخلاف ما يفعله في نفسه. وقد يستدل بهذا الحديث من يجعل التمتع أفضل (وجعلتها) أي الحجة (عمرة) يعني كنت متمتعًا من أول الأمر من غير سوق الهدي، وقال القاري: أي جعلت إحرامي بالحج مصروفًا إلى العمرة كما أمرتكم به موافقة. قال ابن القيم في شرح قوله ﷺ ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت)) إلخ: يعني أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة ولم يسق الهدي، لأن الذي استدبره هو الذي فعله ومضى فصار خلفه والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعد، بل هو أمامه، فمقتضاه أنه لو كان كذلك لأحرم بالعمرة دون هدي. وقال الزرقاني في شرحه: أي لو عن لي هذا الرأي الذي رأيته آخر وأمرتكم به في أول أمري لما سقت الهدي، أي لما جعلت عليَّ هديًا وسقته بين يدي، فإن من ساقه لا يحل حتى ينحره وإنما ينحره يوم النحر، فلا يصح له فسخ الحج بعمرة، ومن لا هدي معه يجوز له فسخه – انتهى. قال النووي: وفي الحديث دليل على جواز قول ((لو)) في التأسف على فوات أمور الدين ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح في أن ((لو)) تفتح عمل الشيطان، فمحمول على التأسف على حظوظ الدنيا ونحوها وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في استعمال ((لو)) في غير حظوظ الدنيا ونحوها، فيجمع بين الأحاديث بما ذكرناه، والله أعلم (فمن كان منكم) الفاء جواب شرط محذوف، أي إذا كان الأمر ما ذكرت من أني سقت الهدي فمن كان منكم (ليس معه هدي) بإسكان الدال وكسرها وتشدد الياء مع الكسرة وتخفف مع الفتح، قاله النووي. (فليحل) بكسر الحاء، وفي رواية عند أحمد ((فليحْلل)) بسكون الحاء، أي ليصر حلالاً وليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة (وليجعلها) أي الحجة (عمرة) إذ قد أبيح له ما حرم عليه بسبب الإحرام حتى يستأنف الإحرام للحج، والواو لمطلق الجمع إذ الجعل مقدم على الخروج، لأن المراد من الجعل
следующие страницы →