← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)) . ــ لأن ألفها مقصورة للتأنيث، أو هي تأنيث أدنى، وهي كافية في منع الصرف، وتنوينها في لغية شاذ، ولإجرائها مجرى الأسماء وخلعها عن الوصفية نكرت كرجعى، ولو بقيت على وصفيتها لعرفت كالحسنى (يصيبها) أي يحصلها (أو امرأة) قيل خصت بالذكر تنبيهاً على سبب الحديث وإن كانت العبرة بعموم اللفظ، وهو قصة مهاجر أم قيس المروية في المعجم الكبير للطبراني بإسناد رجاله ثقات، قال الحافظ بعد ذكره: لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك – انتهى. وقال ابن رجب في شرح الأربعين: قد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي ﷺ (من كانت هجرته إلى دنيا ... ) الخ، وذكر كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلا يصح – انتهى. قال الحافظ: لم نقف على تسمية مهاجر أم قيس، ونقل ابن دحية أن اسمها قيلة، وقال العلامة القنوجي في عون الباري: لم يسم هذا الرجل أحد ممن صنف في الصحابة فيما رأيته، والظاهر أن التنصيص على المرأة من باب التنصيص على الخاص بعد العام للاهتمام، والنكرة إذا كانت في سياق الشرط تعم، ونكتة الاهتمام الزيادة في التحذير؛ لأن الافتتان بها أشد، وإنما وقع الذم ههنا على مباح، ولا ذم فيه ولا مدح؛ لكون فاعله أبطن خلاف ما أظهر، إذ خروجه في الظاهر ليس لطلب الدنيا، وإنما خرج في صورة طلب فضيلة الهجرة. (فهجرته إلى ما هاجر إليه) أي منصرفة إلى الغرض الذي هاجر إليه، وفيه تحقير لما طلبه من أمر الدنيا واستهانة به، حيث لم يذكر بلفظه، وأيضاً أن الهجرة إلى الله ورسوله واحدة فلا تعدد فيها، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط، والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر، فقد يهاجر الإنسان لطلب الدنيا مباحة تارة ومحرمة تارة، وإفراد ما يقصد الهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر، فلذلك قال: (فهجرته إلى ما هاجر إليه) يعني كائنا ما كان، واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وفي كلام العلماء تقع بمعنيين: أحدهما تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلاً، وتمييز رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات كتمييز الغسل من لجنابة من غسل التبرد والتنظف ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيراً في كلام الفقهاء في كتبهم. والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريك له أم لله وغيره، وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيراً في كلام السلف المتقدمين، وهي التي يتكرر ذكرها في كلام النبي ﷺ تارة بلفظ النية وتارة بلفظ الإرادة وتارة بلفظ مقارب لذلك، قيل: وحديث الباب دل على هذه النية بالقصد، وإن كان يدخل في عموم قوله ﷺ (وإنما لامرئ ما نوى) المعنى الأول أيضاً، وفي بعض المسائل المتفرعة على المعنى الأول اختلاف مشهور بين العلماء، كما أنهم اختلفوا في اشتراط النية للطهارة بعد اتفاقهم على اشتراطها في العبادات المقصودة لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [٩٨: ٥] ، وهذا الخلاف يرجع إلى أن الطهارة هل هي عبادة مستقلة أم هي شرط من شروط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة، فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر شروط الصلاة، ومن اشترط لها النية جعلها

стр. 37

متفق عليه. ــ عبادة مستقلة، فإذا كانت عبادة في نفسها لم تصح بدون النية، وهذا قول جمهور العلماء مالك والشافعي وأبي ثور وداود، قال ابن رجب: ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ أن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا وأن من توضأ كما أمر كان كفارة لذنوبه، وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة بنفسها حيث رتب عليه تكفير الذنوب، والوضوء الخالي من النية لا يكفر شيئاً من الذنوب بالاتفاق، فلا يكون مأموراً به ولا تصح به الصلاة، ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة ما ورد في الوضوء من الثواب. (متفق عليه) أي اتفق البخاري ومسلم على روايته، ويقال عند المحدثين للحديث الذي اتفق الشيخان على روايته من صحابي واحد "متفق عليه"، أي بين الشيخين، وهذا الحديث قد اتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول، قال الحافظ: ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمدة عليها من لم يخرجه سوى مالك، فإنه لم يخرجه في موطئه، ووهم من زعم أنه في الموطأ مغتراً بتخريج الشيخين له، والنسائي من طريق مالك، ورده السيوطي في تنوير الحوالك بقوله: في موطأ محمد بن الحسن عن مالك أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطآت، منها حديث ((إنما الأعمال بالنية)) ، وبذلك يتبين صحة قول من عزى روايته إلى الموطأ، ووهم من خطأه في ذلك - انتهى.

стр. 38

(١) كتاب الإيمان ــ (كتاب الإيمان) الكتاب مصدر بمعنى المكتوب، مأخوذ من "الكتب" بمعنى الجمع والضم، أي هذا مجموع الأحاديث الواردة في الإيمان، والكتاب عند المصنفين: عبارة عن طائفة من المسائل اعتبرت مستقلة شملت أنواعاً أي أبواباً، أو لم تشمل، وإنما عنون به مع ذكره الإسلام أيضاً لأنهما بمعنى واحد في الشرع، وعلى اعتبار المعنى اللغوي من الفرق يكون فيه إشارة إلى أنه الأصل، وقدمه لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها، ولأنه أول واجب على المكلف؛ ولأنه شرط لصحة العبادات المتقدمة على المعاملات، والكلام في الإيمان على أنواع: الأول: في معناه اللغوي، وقد أوضحه الزمخشري وابن تيمية وغيرهما، والثاني: في معناه الشرعي، واختلفوا فيه على أقوال، فقال الحنفية: الإيمان هو مجرد تصديق النبي ﷺ فيما علم مجيئه به بالضرورة تفصيلاً في الأمور التفصيلية وإجمالاً في الأمور الإجمالية، تصديقاً جازماً ولو بغير دليل، فالإيمان بسيط عندهم غير مركب، لا يقبل الزيادة والنقصان من حيث الكمية، فجعلوه كالكلي المتواطئ لا تفاوت في صدقه على أفراده، واستدلوا على ذلك بوجوه، ذكرها العيني في شرح البخاري وغيره في غيره، لا يخلو واحد منها من الكلام، ثم المتكلمون منهم جعلوا الإقرار شرطاً لإجراء الأحكام، فمن صدق فهو مؤمن بينه وبين الله وإن لم يقر بلسانه، وقال الفقهاء منهم: الإقرار بالشهادتين ركن لكنه ليس بأصلي له كالتصديق، بل هو ركن زائد، ولهذا يسقط حالة الإكراه والعجز، قال القاري: والحق أنه ركن عند المطالبة به وشرط لإجراء الأحكام عند عدم المطالبة - انتهى. وفي المسايرة: وجعل الإقرار بالشهادتين ركناً من الإيمان هو الاحتياط بالنسبة إلى جعله شرطاً خارجاً عن حقيقة الإيمان - انتهى. وإنما جعل هؤلاء الإقرار بالشهادتين وبالتزام الطاعة ركناً أو شرطاً لإخراج تصديق أبي طالب وهرقل والذين قال الله فيهم: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً﴾ [٢٧: ١٤] من مسمى الإيمان الشرعي، وقال المرجئة: هو اعتقاد فقط، والإقرار باللسان ليس بركن فيه ولا شرط، فجعلوا العمل خارجاً من حقيقة الإيمان كالحنفية وأنكروا جزئيته، إلا أن الحنفية اهتموا به وحرضوا عليه وجعلوه سبباً سارياً في نماء الإيمان، وأما المرجئة فهدروه وقالوا: لا حاجة إلى العمل، ومدار النجاة هو التصديق فقط، فلا يضر المعصية عندهم مع التصديق، وقال الكرامية: هو نطق فقط، فالإقرار باللسان يكفي للنجاة عندهم سواء وجد التصديق أم لا، وقال السلف من الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من أصحاب الحديث: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، فالإيمان عندهم مركب ذو أجزاء، والأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، ومن ههنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقصان بحسب الكمية، فهو كالكلي المشكك عندهم، واحتجوا لذلك بالآيات والأحاديث، وقد بسطها البخاري في جامعه، والحافظ ابن تيمية في كتاب الإيمان، قيل وهو مذهب المعتزلة والخوارج، إلا أن السلف لم يجعلوا أجزاء الإيمان متساوية الأقدام، فالأعمال عندهم كواجبات الصلاة لا

стр. 39

﴿ الفصل الأول﴾ ٢- (١) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل ــ كأركانها، فلا ينعدم الإيمان بانتفاء الأعمال، بل يبقى مع انتفائها، ويكون تارك الأعمال وكذا صاحب الكبيرة مؤمناً فاسقاً لا كافراً بخلاف جزئيه: التصديق والإقرار، فإن فاقد التصديق وحده منافق، والمخل بالإقرار وحده كافر، وأما المخل بالعمل وحده ففاسق ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنة. وقال الخوارج والمعتزلة: تارك الأعمال خارج من الإيمان لكون أجزاء الإيمان المركب متساوية الأقدام في أن انتفاء بعضها - أي بعض كان - يستلزم انتفاء الكل، فالأعمال عندهم ركن من أركان الإيمان كأركان الصلاة، ثم اختلف هؤلاء، فقالت الخوارج: صاحب الكبيرة وكذا تارك الأعمال كافر مخلد في النار، والمعتزلة أثبتوا الواسطة فقالوا: لا يقال له مؤمن ولا كافر، بل يقال له فاسق مخلد في النار، وقد ظهر من هذا أن الاختلاف بين الحنفية وأصحاب الحديث اختلاف معنوي حقيقي لا لفظي كما توهم بعض الحنفية، والحق ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة والمحدثون لظاهر النصوص القرآنية والحديثية، ومحل الجواب عن دلائل الحنفية هو المطولات، والثالث في أن الإيمان هل يزيد وينقص؟ قيل: هو من فروع اختلافهم في حقيقة الإيمان، والرابع: في أن الإسلام مغاير للإيمان شرعاً، أو هما متحدان، فقال بعضهم بالترادف والتساوي، وإنهما عبارة عن معنى واحد، وإليه ذهب البخاري، وقيل بالتغاير والاختلاف والتباين، وقيل: إن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، وقال بعضهم: إن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه، وقيل: إنهما مختلفان باعتبار المفهوم، متحدان في المقاصد، والتفصيل في إحياء العلوم للغزالي، وشرحه للزبيدي الحنفي، والخامس: في قران المشيئة بالإيمان، ومحل بسط الدلائل والجواب عن أدلة الأقوال الزائغة هو المطولات مثل شرح مسلم للنووي، والفتح للحافظ، وكتاب الإيمان لابن تيمية، والعمدة للعيني، وحجة الله للشيخ ولي الله الدهلوي. ٢- قوله: (عن عمر بن الخطاب) قال القرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال له "أم السنة" لما تضمنه من جمل علم السنة، قال الطيبي: ولهذه النكتة استفتح به البغوي كتابه "المصابيح" و"شرح السنة" اقتداءً بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة؛ لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالاً - انتهى. وبالجملة إنه حديث جليل فيه وحده كفاية لمن تأمل فيه، سمي "حديث جبريل" و"أم الأحاديث"؛ لأن العلوم الشرعية التي يتكلم عليها فرق المسلمين من الفقه والكلام والمعارف والأسرار كلها منحصرة فيه، راجعة إليه، ومتشعبة منه، كما أن فاتحة الكتاب تسمى أم القرآن وأم الكتاب؛ لاشتمالها على المعاني القرآنية والمقاصد الفرقانية إجمالاً. (بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل) أي بين أوقات نحن حاضرون عنده فاجأنا وقت طلوع ذلك الرجل فأصله "بين" عوض بما عن كلمة أوقات المحذوفة التي تقتضيها بين عند الإضافة إلى الجملة، وهو ظرف زمان مثل إذ بمعنى المفاجأة، يضافان إلى الجملة الاسمية تارة، وإلى

стр. 40

شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد ــ الفعلية أخرى، ويكون العامل معنى المفاجأة في إذ ويكون بينما ظرفاً لفاجأنا المقدر، وإذ مفعول به لهذا المقدر بمعنى الوقت، ونحن مبتدأ وعند ظرف مكان ذات يوم ظرف لقوله عند باعتبار أن فيه معنى الاستقرار، أي بين أوقات نحن حاضرون عنده، فنحن مخبر عنه بجملة ظرفية، والمجموع صفة المضاف إليه المحذوف وزيادته ذات لدفع توهم التجوز بأن يراد باليوم مطلق الزمان لا النهار، وقيل: ذات مقحم، وقيل: بمعنى الساعة، وكان مجيء هذا الرجل في آخر عمر النبي ﷺ كما يدل عليه رواية ابن مندة في كتاب الإيمان بإسناده الذي هو على شرط مسلم، فجاء بعد إنزال جميع الأحكام لتقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة في مجلس واحد لتضبط وتحفظ. وسبب ورود الحديث ما في مسلم أن رسول الله ﷺ قال: سلوني، فهابوه أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه، وقوله: طلع علينا رجل، أي ظهر علينا رجل في غاية الأبهة ونهاية الجلالة، كما تطلع علينا الشمس، وفيه دليل على تمثل الملائكة بأي صورة شاءوا من صور بني آدم كقوله تعالى: ﴿فتمثل لها بشراً سوياً﴾ [١٩: ١٧] ، وقد كان جبريل يتمثل بصورة دحية وغيره كما في هذا الحديث. (شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر) بإضافة شديد إلى ما بعده إضافة لفظية مفيدة للتخفيف فقط، صفة رجل، واللام في الموضعين عوض عن المضاف إليه العائد إلى الرجل، أي شديد بياض ثيابه شديد سواد شعره، والمراد به شعر اللحية كما في رواية ابن حبان ((شديد سواد اللحية)) ، (لا يرى عليه أثر السفر) روي بصيغة المجهول الغائب ورفع الأثر، وهو رواية الأكثر والأشهر، وروي بصيغة المتكلم المعلوم ونصب الأثر، والجملة حال من رجل أو صفة له، والمراد بالأثر ظهور التعب والتغير والغبار. (ولا يعرفه منا أحد) استند في ذلك عمر إلى صريح قول الحاضرين، ففي رواية لأحمد: فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا، والمعنى تعجبنا من إتيانه وترددنا في أنه من الملك والجن، إذ لو كان بشراً من المدينة لعرفناه، أو كان غريباً لكان عليه أثر السفر. (حتى جلس) غاية لمحذوف دل عليه طلع؛ لأنه بمعنى أتى، أي أقبل واستأذن حتى جلس متوجهاً ومائلاً إلى النبي ﷺ . (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه) أي إلى ركبتي رسول الله ﷺ ؛ لأن الجلوس على الركبة أقرب إلى التواضع والأدب، وإيصال الركبة بالركبة أبلغ في الإصغاء وأكمل في الاستئناس (على فخذيه) أي على فخذي النبي ﷺ ، كما تفيده رواية ابن خزيمة في صحيحه وغيره، وحديث ابن عباس وأبي عامر الأشعري عند أحمد بإسناد حسن، ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وأبي ذر بلفظ: حتى وضع يده على ركبتي رسول الله ﷺ ، وسنده صحيح، والظاهر أنه أراد بذلك جبريل المبالغة في تعمية أمره؛ ليقوى الظن بأنه من جفاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس حتى انتهى إلى النبي ﷺ ، ولهذا استغرب الصحابة صنيعه. (وقال: يا محمد) أي بعد ما قال: "السلام عليك" كما في حديث أبي هريرة وأبي ذر عند أبي داود والنسائي، ووقع في حديث ابن عمر عند الطبراني وفي حديث عمر عند أبي عوانة في صحيحه وفي حديث أبي هريرة عند البخاري في تفسير سورة لقمان أنه قال له: "يا رسول الله"، ويجمع بأنه بدأ أولاً

стр. 41

أخبرني عن الإسلام، قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته ــ ببداءة اسمه قصداً للتعمية، فصنع صنيع الأعراب، ثم خاطبه بعد ذلك بقوله "يا رسول الله"، (أخبرني عن الإسلام) فيه أنه قدم السؤال عن الإسلام وثنى بالإيمان وثلث بالإحسان، وفي رواية أبي عوانة بدأ بالإسلام وثنى بالإحسان وثلث بالإيمان، وفي حديث أبي هريرة عند البخاري قدم السؤال بالإيمان وثنى بالإسلام وثلث بالإحسان، قال الحافظ: لا شك أن القصة واحدة، واختلفت الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق عند أبي عوانة، فالحق أن الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة، عبروا عنه بأساليب مختلفة. واعلم أن البغوي ذكر في المصابيح السؤال عن الإيمان وجوابه مقدماً على الإسلام، هو خلاف ما وقع في حديث عمر عند مسلم وغيره، ففي إيراد الحديث بهذا اللفظ اعتراض فعلي من صاحب المشكاة على البغوي في المصابيح. (وتقيم) أي وأن تقيم، وكذا بالنصب في تؤتي وتصوم وتحج. (الصلاة) أي المكتوبة كما في حديث أبي هريرة عند مسلم (الزكاة) أي المفروضة (البيت) أي الحرام، قال فيه للعهد، أو اسم جنس غلب على الكعبة علماً، واللام فيه جزء كما في النجم (إن استطعت إليه سبيلاً) المراد بهذه الاستطاعة: الزاد والراحلة، وكان طائفة لا يعدونهما منها، ويثقلون على الحاج فنهو عن ذلك، وإيراد الأفعال المضارعة لإفادة الاستمرار التجددي لكل من الأركان الإسلامية، وحكم الإسلام يظهر بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الأعمال المذكورة لأنها أظهر شعائره وأعظمها. (قال) أي الرجل (صدقت) بفتح الفوقية، دفعاً لتوهم أن السائل ما عده من الصواب (قال) أي عمر (فعجبنا له) أي للسائل (يسأله ويصدقه) سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل، إنما هذا كلام خبير بالمسؤول عنه، ولم يكن في ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبي ﷺ ، وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي ﷺ ولا بالسماع منه (فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله) دل الجواب على أنه ﷺ علم أنه سأله عن متعلقات الإيمان لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب: الإيمان التصديق، وقال الطيبي: هذا يوهم التكرار وليس كذلك، فإن قوله "أن تؤمن بالله" مضمن معنى تعترف به، ولهذا عداه بالباء أي أن تصدق معترفاً بكذا، والإيمان بالله هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال منَزه عن صفات النقص (وملائكته) أي تصدق بوجودهم وأنهم – كما وصفهم الله – عباد مكرمون، وقدم الملائكة على الكتب والرسل نظراً للترتيب الواقع؛ لأنه أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه تمسك

стр. 42

وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ــ لمن فضل الملك على الرسول. (وكتبه) أي تصدق بأنها كلام الله، وأن ما تضمنته حق (ورسله) أي تصدق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله. ودل الإجمال في الملائكة والكتب والرسل على الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل إلا من ثبتت تسميته فيجب الإيمان به على التعيين. (واليوم الآخر) أي يوم القيامة؛ لأنه آخر أيام الدنيا، والمراد بالإيمان به التصديق بما يقع فيه من الحساب والميزان والجنة والنار، (وتؤمن) أي وأن تؤمن (بالقدر) بفتح الدال ويسكن ما قدره الله وقضاه، والمراد أن الله علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، وهذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وسيجيء الكلام عليه في كتاب القدر، وأعاد العامل ومتعلقه تنبيهاً على الاهتمام بالتصديق به لشرف قدره وتعاظم أمره. (خيره وشره) بالجر بدل من القدر (فأخبرني عن الإحسان) أي الإحسان في العبادة، وهو إتقانها والإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود، قال الحافظ: وأشار في الجواب إلى حالتين أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق حتى كأنه يراه بعينه هو قوله "كأنك تراه" أي وهو يراك، والثانية: أن يستحضر أن الحق مطلع عليه، يرى كل ما يعمل، وهو قوله "يراك"، وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته، وقال النووي: معناه أنك إنما تراعي الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك لكونه يراك لا لكونك تراه، فهو دائماً يراك فأحسن عبادته وإن لم تره، فتقدير الحديث: فإن لم تكن تراه فاستمر على إحسان العبادة فإنه يراك (كأنك تراه) صفة مصدر محذوف، أي عبادة شبيهة بعبادتك حين تراه، أو حال من الفاعل أي حال كونك مشبهاً بمن يراه، قاله الكرماني، وقال العيني: التقدير: الإحسان عبادتك الله تعالى حال كونك في عبادتك مثل حال كونك رائياً، وهذا التقدير أحسن وأقرب للمعنى من تقدير الكرماني؛ لأن المفهوم من تقديره أن يكون هو في حال العبادة مشبهاً بالرائي إياه، وفرق بين عبادة الرائي بنفسه وعبادة المشبه بالرائي بنفسه – انتهى. وقال السندهي: وليس المقصود على تقدير الحالية أن ينتظر بالعبادة تلك الحال فلا يعبد قبل تلك الحال، بل المقصود تحصيل تلك الحال في العبادة، والحاصل أن الإحسان هو مراعاة الخشوع والخضوع وما ي معناهما في العبادة على وجه مراعاته لو كان رائياً، ولا شك أنه لو كان رائياً حال العبادة لما ترك شيئاً مما قدر عليه من الخشوع وغيره، ولا منشأ لتلك المراعاة حال كونه رائياً إلا كونه رقيباً مطلعاً على حاله، وهذا موجود وإن لم يكن العبد يراه تعالى. ولذلك قال ﷺ في تعليله: فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أي هو يكفي في مراعاة الخشوع على ذلك الوجه، فإن على هذا وصلية لا شرطية، والكلام بمنْزلة فإنك وإن لم تكن تراه فإنه يراك – انتهى. (فإن لم تكن تراه) أي تعامله معاملة من تراه (فإنه يراك) أي فعامل معاملة من يراك أو فأحسن في عملك فإنه يراك.

стр. 43

قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البيان، قال: ثم انطلق، فلبثت ملياً ــ فالفاء دليل الجواب وتعليل الجزء الأول؛ لأن ما بعدها لا يصلح للجواب؛ لأن رؤية الله للعبد حاصلة سواء رآه العبد أم لا، بل الجواب محذوف استغناء عنه بالمذكور؛ لأنه لازمه، كذا في المرقاة. (عن الساعة) أي عن وقت قيامها (ما المسؤول) ما نافية (عنها) أي عن وقتها (بأعلم من السائل) الباء مزيدة لتأكيد النفي، والمقام يقتضي أن يقال: لست بأعلم بها منك، لكنه عدل إشعاراً بالتعميم تعريضاً للسامعين أن كل سائل ومسؤول فهو كذلك، قال الحافظ: هذا وإن كان مشعراً بالتساوي في العلم لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعد خمس: لا يعلمها إلا الله – انتهى. فهو كناية عن تساويهما في عدم العلم، وإنما سأل جبريل ليعلمهم أن الساعة لا يسأل عنها (عن أماراتها) بفتح الهمزة جمع أمارة أي علامة، والمراد منها ما يكون من نوع المعتاد ويكون سابقاً على غير المعتاد مثل طلوع الشمس من مغربها (أن تلد الأمة ربتها) أي تحكم البنت على الأم من كثرة العقوق حكم السيدة على أمتها، ولما كان العقوق في النساء أكثر خصصت البنت والأمة بالذكر، ووقع في الرواية الأخرى ربها على التذكير والمراد بالرب والربة السيد والسيدة، أو المالك والمالكة، واختلفوا في معنى ذلك على وجوه، والأوجه عندنا ما قدمنا من أنه يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليها ربها مجازاً لذلك، قال الحافظ: أو المراد بالرب المربي، فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه؛ ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الحال مستغربة، ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربى مربياً، والسافل عالياً، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى ((أن تصير الحفاة العراة ملوك الأرض)) انتهى. (الحفاة) بضم الحاء جمع الحافي، وهو من لا نعل له (العراة) جمع العاري، وهو المجرد عن الثياب (العالة) جمع عائل، وهو الفقير من عال يعيل إذا افتقر، أو من عال يعول، إذا افتقر وكثر عياله (رعاء الشاء) بكسر الراء والمد جمع راعٍ والشاء جمع شاة (يتطاولون في البنيان) أي يتفاضلون في ارتفاعه وكثرته ويتفاخرون في حسنه وزينته، وهو مفعول ثانٍ إن جعلت الرؤية فعل البصيرة، أو حال إن جعلتها فعل الباصرة، والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه (قال) أي عمر: (ثم انطلق) أي السائل (فلبثت ملياً) بفتح الميم وتشديد الياء، من الملاوة، أي زماناً أو مكثاً طويلاً، وبينته رواية أبي داود والنسائي والترمذي، قال عمر: فلبثت ثلاثاً، وهو مخالف لحديث أبي هريرة من أنه ﷺ ذكره في ذلك المجلس، وجمع النووي بين الحديثين بأن عمر لم يحضر قول النبي ﷺ في المجلس، بل كان ممن قام، إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له

стр. 44

ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبرئيل أتاكم يعلمكم دينكم)) رواه مسلم. ــ فأخبر النبي ﷺ الحاضرين في الحال ولم يتفق الإخبار لعمر إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: فقال لي: يا عمر، فوجه الخطاب له وحده بخلاف إخباره الأول (فإنه جبريل) أي إذا فوضتم العلم إلى الله ورسوله فإنه جبريل على تأويل الإخبار أي تفويضكم ذلك سبب للإخبار به، وقرينة المحذوف قوله (الله ورسوله أعلم) فالفاء فصيحة لأنها تفصح عن شرط محذوف (أتاكم) استئناف بيان أو خبر لجبريل على أنه ضمير الشأن (يعلمكم دينكم) جملة حالية من الضمير المرفوع في أتاكم أي عازماً تعليمكم، فهو حال مقدرة لأنه لم يكن وقت الإتيان معلماً، أو مفعول له بتقدير اللام كما في رواية، أسند التعليم إليه مجازاً لأنه السبب فيه، أو لأن غرضه من السؤال كان التعليم، فأطلق عليه المعلم لذلك، وفيه دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علماً وتعليماً، لأن جبريل لم يصدر منه سوى السؤال ومع ذلك فقد سماه معلماً، وقد اشتهر قولهم "السؤال نصف العلم"، فإن قيل: قد فرق النبي ﷺ في هذا الحديث بين الإسلام والإيمان، وجعل الأعمال كلها من الإسلام لا من الإيمان، والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، تدل على دخول الأعمال في الإيمان النصوص الصريحة من آيات القرآن والأحاديث الصحيحة، وأيضاً ظاهر سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان وجوابه يقتضي تغايرهما، وأن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة، والإسلام إظهار أعمال مخصوصة، وتقدم عن البخاري أنه يرى أنهما عبارة عن معنى واحد، قلت: عقد البخاري على حديث جبريل هذا باباً في صحيحه ليرد ذلك التأويل إلى مسلكه وطريقته فارجع إليه، وقال البغوي في الكلام على حديث جبريل هذا: جعل النبي ﷺ الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك قال ﷺ : ((أتاكم يعلمكم دينكم)) ، والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعاً، يدل عليه قوله سبحانه تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [٣: ١٨] ، ﴿ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [٥: ٣] ، ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ [٣: ٨٣] ، فأخبر أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين في محل القبول والرضاء إلا بانضمام التصديق إلى العمل – انتهى. وقيل: فسر في الحديث الإيمان بالتصديق والإسلام بالعمل، وإنما فسر إيمان القلب والإسلام في الظاهر لا الإيمان الشرعي والإسلامي الشرعي، ولا شك في تغايرهما لغة، وأجاب ابن رجب في شرح الأربعين (١٩) بوجه آخر، ومحصل جوابه أن الإيمان والإسلام يفترقان إذا اجتمعا، وحيث أفرد كل منهما بالذكر فلا فرق بينهما، وارجع للتفصيل إلى شرح الأربعين وكتاب الإيمان لابن تيمية. (رواه مسلم) هذا الحديث تفرد به مسلم عن البخاري بإخراجه، قال الحافظ: وإنما لم يخرجه البخاري

стр. 45

٣- (٢) ورواه أبوهريرة مع اختلاف، وفيه: ((وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض)) . ــ لاختلاف فيه على بعض رواته – انتهى. وحديث عمر هذا أخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في السنة والترمذي والنسائي في الإيمان وابن ماجه في السنة وابن خزيمة وأبوعوانة وابن حبان وغيرهم، وفي الباب عن غير واحد من الصحابة، ذكرهم الحافظ في الفتح والعيني في العمدة. ٣- (رواه أبوهريرة) الدوسي اليماني الصحابي الجليل حافظ الصحابة الفقيه كان من أوعية العلم ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة والعبادة والتواضع، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً يبلغ إلى نحو ثلاثين قولاً، وأشهر ما قيل فيه: إنه كان في الجاهلية عبد شمس أو عبد عمرو، وفي الإسلام عبد الله أو عبد الرحمن، وقال أبوأحمد الحاكم في الكنى: أصح شيء عندنا في اسم أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر، وقد غلبت عليه كنيته فهو كمن لا اسم له غيرها، أسلم عام خيبر وشهدها مع النبي ﷺ ثم لزمه وواظب عليه رغبة في العلم راضياً بشبع بطنه، فكانت يده مع يد رسول الله ﷺ ، وكان يدور معه حيث ما دار، وكان من أحفظ الصحابة، وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار؛ لاشتغال المهاجرين بالتجارة والأنصار بحوائطهم، وقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص على العلم والحديث، وقال أبوهريرة: يا رسول الله إني قد سمعت منك حديثاً كثيراً وأنا أخشى أن أنسى، فقال: ابسط رداءك، قال: فبسطته فغرف بيده فيه، ثم قال: ضمه فضممته، فما نسيت شيئاً بعد، وقال البخاري: روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من بين صاحب وتابع، وممن روى عنه من الصحابة ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس وواثلة، ولم يزل يسكن المدينة وبها كانت وفاته سنة ٥٧هـ، وقيل سنة ٥٨هـ، وقيل سنة ٥٩هـ، وهو ابن ثمان وسبعين، وقيل مات بقصره بالعقيق، فحمل إلى المدينة وصلى عليه الوليد بن عقبة بن أبي سفيان، وكان يومئذٍ أميراً على المدينة، كذا في الاستيعاب، قال أبوهريرة: كنت أرعى غنماً وكان لي هرة صغيرة ألعب بها فكنوني بها، وقيل: رآه النبي ﷺ وفي كمه هرة فقال: يا أباهريرة، وهو أكثر الصحابة رواية بإجماع، روى له خمسة آلالف حديث وثلاثمائة وأربعة وستون حديثاً، اتفقا على ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين ومسلم بمائة وتسعين، ذكره العيني (ج١: ص١٢٤) ، (مع اختلاف) أي بين بعض ألفاظهما (وفيه) أي في مروي أبي هريرة (الصم) أي عن قبول الحق (البكم) أي عن النطق بالصدق جعلوا لبلادتهم وحماقتهم كأنه أصيبت مشاعرهم مع كونها سليمة تدرك ما ينتفعون به (ملوك الأرض) زاد مسلم: فذاك من أشراطها، وقوله (ملوك الأرض) منصوب على أنه مفعول ثانٍ لرأيت، أو على أنه حال، ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذين الحديثين يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها كما قال النبي ﷺ لمن سأله عن الساعة: ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) ، فإنه إذا صار الحفاة العراة

стр. 46

في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم قرأ: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينَزل الغيث ... ﴾ الآية [٣١: ٤] ، متفق عليه. ٤- (٣) وعن ابن عمر – ﵄ – قال: قال رسول الله ﷺ : ــ رعاء الشاء، وهم أهل الجهل والجفاء رؤساء الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولون في البنيان، فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا، فإنه إذا كان رؤوس الناس من كان فقيراً عائلاً فصار ملكاً على الناس سواء كان ملكه عاماً أو خاصاً في بعض الأشياء، فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليهم من المال، وإذا كان مع هذا جاهلاً جافياً فسد بذلك الدين؛ لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم، بل همته في جمع المال وإكثاره ولا يبالي بما أفسده من دين الناس ولا بمن ضاع من أهل حاجاتهم. (في خمس) أي معرفة وقت الساعة هي واحدة من خمس لا يعملهن إلا الله، وقيل: أي علم وقت قيام الساعة داخل في خمس من الغيب، فهو مرفوع المحل على الخبرية، تدل عليه رواية أبي نعيم في الحلية، وفيها قال: فمتى الساعة؟ قال: هي في خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله، ووجه الانحصار في هذه الخمس مع أن الأمور التي لا يعلمها إلا الله كثيرة هو أنهم سألوا الرسول عن هذه الخمس، فنَزلت الآية جواباً لهم، أو أن هذه الخمسة أمهاتها وأصولها وما سواها راجعة إليها، والمراد من العلم في الحديث والآية العلم الكلي، وإليه إشارة بقوله: ﴿وعنده مفاتح الغيب﴾ [٦: ٥٩] ، فلا يعترض بما صدر عن الأولياء وبما يخبر به بعض الكهنة والمنجمين؛ لأن علم الجزئيات ليس بعلم في الحقيقة، فالعلم هو العلم الكلي، أو لأنه من الظن لا من العلم، فافهم، الآية تمامها: ﴿ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت. إن الله عليم خبير﴾ [٣١: ٣٤] . (متفق عليه) أي اتفق الشيخان على رواية أصل حديث أبي هريرة، مع قطع النظر عن خصوص الزيادة المذكورة، فإنها تفرد بها مسلم عن البخاري، نعم هي رواية الإسماعيلي كما ذكره الحافظ في الفتح، وحديث أبي هريرة أخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه ورواه النسائي أيضاً عن أبي ذر مقروناً مع أبي هريرة. ٤- (وعن ابن عمر) المراد به حيث أطلق عبد الله بن عمر بن الخطاب، وإن كان لعمر أبناء آخرون أيضاً، كما أنه يراد بابن عباس وابن مسعود وابن الزبير عند الإطلاق هو عبد الله، بسط ترجمته الذهبي في تذكرته، والحافظ في الإصابة، وهو أبوعبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المكي، أسلم بمكة قديماً مع أبيه وهو صغير وهاجر معه واستصغر عن أحد وشهد الخندق وله خمس عشرة سنة وما بعدها، وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية، وأحد العبادلة الأربعة، وكان من أهل الورع والعلم والزهد، شديد التحري والاحتياط والاتباع للأثر، قال جابر بن عبد الله: ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها، ما خلا عمر وابنه عبد الله، وقال ميمون بن مهران: ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس، وقال نافع: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان، أو زاد، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : إنه رجل صالح، ومناقبه وفضائله كثيرة جداً، روي له ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثاً، اتفقا منها على مائة وسبعين حديثاً، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد

стр. 47

((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)) . ــ وثلاثين، وهو أكثر الصحابة رواية بعد أبي هريرة، ولد بعد البعثة بقليل، وما بعد الحج سنة ٧٣هـ، وقيل: سنة ٧٤هـ، بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر، ودفن بالمحصب أو بفخ أو بذي طوى، وكلها مواضع بقرب مكة، ذكر الزبير أن عبد الملك لما أرسل إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر شق عليه ذلك، فأمر رجلاً معه حربة يقال: إنها كانت مسمومة، فلما دفع الناس من عرفة لصق ذلك الرجل به فأمر الحربة على قدمه فمرض منها أياماً ثم مات وله ٨٤ سنة، وقيل ٨٦، روى عن خلق كثير. (بني الإسلام) ذكر المصنف هذا الحديث في كتاب الإيمان ليبين أن الإسلام يطلق على الأفعال، وأن الإسلام والإيمان بمعنى واحد، ولاشتماله على لفظ البناء الدال على تركب الإيمان صراحة، ولاحتوائه على أهم أجزاء الإيمان، وقد تقدم أن الإيمان عند السلف مركب ذو أجزاء، وأن الأعمال داخلة في حقيقتها. (على خمس) أي خمس دعائم، كما في رواية عبد الرزاق ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، أو خصال أو قواعد أو نحو ذلك، مثلت حالة الإسلام مع أركانه الخمس بحالة خباء أقيمت على خمسة أعمدة وقطبها الذي تدور عليه الأركان هو الشهادة المشبهة بالعمود الوسط للخيمة، وبقية شعب الإيمان وخصاله بمنْزلة الأوتاد للخباء وتتمة لها، فإذا فقد منها شيء نقص الخباء وهو قائم لا ينقض بنقص ذلك بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس، فإن الإسلام يزول بفقدها جميعاً بغير إشكال، وكذلك يزول بفقد الشهادتين، واختلفوا في ترك الصلاة، فذهب أحمد وطائفة من السلف والخلف إلى أن تركها كفر، واستدلوا بأحاديث متعددة تدل على كون تاركها كافراً، قال محمد بن نصر: هو قول جمهور أهل الحديث، وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئاً من أركان الإسلام الخمس عمداً أنه كافر، قال النووي: حكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين، وإنما أضيف إليهما الصلاة ونحوها لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم إسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله، فإن قيل المبنى لا بد أن يكون غير المبنى عليه، أجيب بأن الإسلام عبارة عن المجموع، والمجموع غير كل واحد من أركانه، أو يقال: إن المراد بالإسلام هو التذلل العام الذي هو اللغوي لا التذلل الشرعي الذي هو فعل الواجبات حتى يلزم بناء الشيء على نفسه، ومعنى الكلام أن التذلل اللغوي يترتب على هذه الأفعال مقبولاً من العبد طاعة وقربة. (شهادة أن لا إله إلا الله) بالجر على البدل من خمس، ويجوز الرفع على حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أن لا إله إلا الله، أو على حذف المبتدأ والتقدير: أحدها شهادة أن لا إله إلا الله، ويجوز النصب بتقدير أعني. (وإقام) أصلة إقامة، حذفت تاؤه للازدواج، وقيل: هما مصدران (الصلاة) المفروضة أي المداومة عليها، أو الإتيان بها بشروطها وأركانها (وإيتاء الزكاة) أي إعطائها أهلها (والحج وصوم رمضان) لم يذكر الجهاد؛ لأنه من فروض الكفاية وتلك فرائض الأعيان، ولم يذكر

стр. 48

متفق عليه. ٥- (٤) وعن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول "لا إله إلا الله"، وأدناها إماطة الأذى ــ الإيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه حديث جبريل؛ لأن المراد بالشهادة تصديق الرسل بكل ما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات، والواو لمطلق الجمع فلا يرد أن الصوم فرض في السنة الثانية من الهجرة، والحج سنة ست أو تسع على أنه ورد في رواية لمسلم بتقديم الصوم على الحج، ووجه الحصر في الخمس أن العبادة إما قولية وهي الشهادة، أو غير قولية فهي إما تركي وهو الصوم، أو فعلي وهو إما بدني وهو الصلاة، أو مالي وهو الزكاة، أو مركب منهما وهو الحج (متفق عليه) أخرجه البخاري في الإيمان وفي التفسير، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي في الإيمان. ٥- قوله: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) البضع بكسر الباء وقد تفتح: القطعة من الشيء، وهو في العدد ما بين الثلاث إلى التسع؛ لأنه قطعة من العدد، وكونه عدداً مبهماً مقيداً بما بين الثلاث إلى التسع هو الأشهر، وفيه أقوال أخرى ذكرها العيني، واختلفت الروايات الصحيحة في ذكر العدد من غير شك، ففي مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي (بضع وسبعون) ، وفي رواية البخاري (بضع وستون) ، فرجح الحليمي وعياض والنووي الرواية الأولى؛ لأنها زيادة من ثقة فتقبل وتقدم، وليس في رواية الأقل ما يمنعها ويخالفها، قال الحافظ: لا يستقيم ذلك إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم، لاسيما مع اتحاد المخرج، وقد رجح ابن الصلاح الأقل لكونه المتيقن – انتهى. وقيل: هو كناية عن الكثرة، وليس المراد التحديد، فإن كثيراً من أسماء العدد تجيء كذلك، ويحمل الاختلاف على تعدد القضية ولو من جهة راوٍ واحد، و (الشعبة) بالضم القطعة والفرقة، وهي واحدة "الشعب" وهي أغصان الشجر، والمراد في الحديث الخصلة أي الإيمان ذو خصال متعددة، وكما شبه الإسلام في حديث ابن عمر المتقدم بخباء ذات أعمدة وأطناب شبه الإيمان في هذا الحديث بشجرة ذات أغصان وشعب، ومن المعلوم أن الشعب وكذا الأوراق والثمار أجزاء للشجرة، والأغصان والأوراق والثمار قد تكون وقد لا تكون مع بقاء الشجرة، كذلك الأعمال قد تكون وقد لا تكون مع بقاء أصل الإيمان، فنسبة الأعمال إلى الإيمان كنسبة الأغصان والأوراق والثمار إلى الشجرة، (فأفضلها) هو جزاء شرط محذوف، كأنه قيل: إذا كان الإيمان ذا شعب يلزم التعدد، وحصول الفاضل والمفضول بخلافه إذا كان أمراً واحداً، (قول لا إله إلا الله) المراد به مجموع الشهادتين عن صدق قلب، أو الشهادة بالتوحيد فقط لكن عن صدق قلب على أن الشهادة بالرسالة شعبة أخرى (وأدناها) أو أدونها مقداراً ومرتبة، بمعنى أقربها تناولاً وأسهلها تواصلاً من الدنو بمعنى القرب (إماطة الأذى) أي إزالته وتنحيته وإبعاده، والأذى اسم لما يؤذي

стр. 49

عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) متفق عليه. ٦- (٥) وعن عبد الله بن عمرو – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : ــ في الطريق كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها، وفي الحديث إشارة إلى أن مراتب الإيمان متفاوتة (والحياء) بالمد (شعبة) أي عظيمة (من الإيمان) أي من شعبه، وهو في اللغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه، وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث: ((الحياء خير كله)) ، فإن قيل: الحياء من الغرائز، فكيف جعل شعبة من الإيمان؟ أجيب بأنه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقاً، ولكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثاً على أفعال الطاعة وحاجزاً عن فعل المعصية، ولا يقال: رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير، فكيف يصح أن يقال: الحياء خير كله، ولا يأتي إلا بخير؛ لأن ذلك ليس شرعياً بل هو عجز وخور، وإنما تسميته حياءً من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازاً لمشابهته الحياء الحقيقي الشرعي، وإنما أفرد الحياء بالذكر من بين سائر الشعب لأنه كالداعي إلى سائر الشعب، فإن الحي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينْزجر، وقال الطيبي: معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب كأنه يقول: هذه شعبة واحدة من شعبه، فهل تحصى شعبه كلها؟ هيهات إن البحر لا يغرف، قال القاضي عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد وفي الحكم يكون ذلك مراد النبي ﷺ صعوبة، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها، ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان، إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة، والإيمان بأنها هذا العدد واجب في الجملة – انتهى. (متفق عليه) أي اتفق الشيخان على رواية أصل الحديث، وليس المراد أنهما اتفقا على خصوص اللفظ الذي ذكره، فلا يعترض بأن قوله ((بضع وسبعون)) من إفراد مسلم، وكذا قوله ((فأفضلها)) إلى قوله ((عن الطريق)) من إفراده فلا يكون متفقاً عليه. ٦- قوله: (وعن عبد الله بن عمرو) كتب بالواو ليتميز عن عمر، ومن ثمة لم يكتب حالة النصب لتميزه عنه بالألف، وهو ابن العاص السهمي القرشي أبومحمد، أسلم قبل أبيه، وكان بينه وبين أبيه في السن اثنتي عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة، وكان غزير العلم كثير الاجتهاد في العبادة، وكان أكثر حديثاً من أبي هريرة لأنه كان يكتب وأبوهريرة لا يكتب، ومع ذلك فالذي روي له قليل بالنسبة إلى ما روي لأبي هريرة، روي له سبعمائة حديث، اتفقا منها على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين، روى عنه خلق كثير، كان يلوم أباه على القتال في الفتنة بأدب وتؤدة، ويقول: واصفين مالي ولقتال المسلمين لوددت أني مت قبلها بعشرين سنة، توفي بمكة أو بالطائف أو بمصر في ذي الحجة من سنة (٦٣) ، أو (٦٥) ، أو (٦٧) ، وقيل مات سنة (٧٢) ، أو (٧٣) ، عن

стр. 50

((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ــ اثنتين وسبعين سنة. (المسلم) أي الكامل، نحو زيد الرجل، أي كامل في الرجولة، والمال الإبل، والناس العرب، وقيل: معناه: المسلم الممدوح، قال ابن جني: من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يخصونه بالمدح اسم الجنس، ألا ترى كيف سموا الكعبة بالبيت، وكتاب سيبويه بالكتاب – انتهى. فإن قيل: إنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملاً، أجيب بأن المراد هو الكامل مع مراعاة باقي الأركان والصفات، قال الخطابي: المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله، وأداء حقوق المسلمين – انتهى. واقتصر على الثاني لأن الأول مفهوم بالطريق الأولى، ويمكن أن يكون هذا وارداً على سبيل المبالغة تعظيماً لترك الإيذاء، فهو محصور فيه على سبيل الادعاء، وأمثاله كثيرة، والحاصل أن القصر فيه باعتبار تنْزيل الناقص منْزلة المعدوم، فلا حاجة إلى تقدير الكمال، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده كما ذكر مثله في علامة المنافق (من) أي إنسان كان ذكراً أو أنثى (سلم المسلمون) أي والمسلمات إما تغليباً، أو تبعاً كما في سائر النصوص والمخاطبات، ويلحق بهم أهل الذمة حكماً، فذكر المسلمين خرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيداً، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا وإن كان فيهم من يجب الكف عنه، ووقع في رواية ابن حبان: من سلم الناس (من لسانه) أي بالشتم واللعن والغيبة والبهتان والنميمة والسعي إلى السلطان وغير ذلك، (ويده) بالضرب والقتل والهدم والدفع والكتابة بالباطل ونحوها، وخصا بالذكر لأن أكثر الأذى بهما، أو أريد بهما مثلاً، وقدم اللسان لأن الإيذاء به أكثر وأسهل، ولأنه أشد نكاية، ولهذا كان النبي ﷺ يقول لحسان: اهج المشركين فإنه أشق عليه من رشق النبل، ولأنه يعم الأحياء والأموات، وابتلي به الخاص ولعام خصوصاً في هذه الأيام، وعبر به دون القول ليشمل إخراجه استهزاء لغيره، وقيل: خص اليد مع أن الفعل قد يحصل بغيرها لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر بها إذ بها البطش والقطع والوصل والمنع والإعطاء والأخذ ونحوه، وقال الزمخشري: لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت، فقيل في كل عمل "هذا مما عملته أيديهم" وإن لم يكن وقوعه بها، ثم الحد والتعزير وتأديب الأطفال والدفع لنحو الصيال ونحوها فهي استصلاح وطلب السلامة، أو مستثنى شرعاً، أو لا يطلق عليه الأذى عرفاً. (والمهاجر) هو بمعنى الهاجر وإن كان لفظ المفاعل يقتضي وقوع فعل من اثنين لكنه هنا للواحد كالمسافر بمعنى السافر، والمنازع بمعنى النازع، لأن باب فاعل قد يأتي بمعنى فعل (هجر) أي ترك وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة، وباطنة، فالباطنة ترك ما تدعوا إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفرار بالدين من الفتن، وكان المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد تحولهم من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك بعد انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييباً لقلوب من لم يدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى

стр. 51

ما نهى الله عنه)) ، وهذا لفظ البخاري، ولمسلم قال: ((إن رجلاً سأل النبي ﷺ أي المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده)) . ٧- (٦) وعن أنس – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه ــ الله عنه، فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام، كذا في الفتح، وفي الحديث بيان شعبتين من شعب الإيمان وهما سلامة المسلمين من لسان المسلم ويده، وهجر ما نهى الله عنه. (هذا لفظ البخاري) وأخرجه أبوداود والنسائي، (ولمسلم) أي في صحيحه عن عبد الله بن عمرو (خير) أي أفضل وأكمل، ورواه البخاري من حديث أبي موسى بلفظ ((قالوا: أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون ... )) الخ، والمراد أي ذوي الإسلام، أو أي أصحاب الإسلام، وفيه بيان للتأويل الذي ذكرناه في قوله ((المسلم)) من أنه محمول على التفضيل، والمراد المسلم الكامل، أو أفضل المسلمين، هذا، وقد ثبت من كون من سلم الناس من أذاه أفضل المسلمين وأخيرهم وأكملهم أن بعض خصال المسلمين المتعلقة بالإسلام أفضل من بعض، وحصل منه القول بقبول الإيمان للزيادة والنقصان، ففيه رد على المرجئة فإنه ليس عندهم إيمان وإسلام ناقص. ٧- قوله: (وعن أنس) بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري الخزرجي النجاري، خادم رسول الله ﷺ ، نزيل البصرة، خدمه عشر سنين بعد ما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهو ابن عشر سنين، روي له عن رسول الله ﷺ ألفا حديث ومائتا حديث وست وثمانون حديثاً، اتفقا على مائة وثمانية وستين حديثاً منها، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وتسعين، وكان أكثر الصحابة ولداً، قالت أمه: يا رسول الله خويدمك أنس ادع الله له، فقال: اللهم بارك في ماله وولده وأطل عمره واغفر ذنبه، فقال: لقد دفنت من صلبي مائة إلا اثنين، وكان له بستان يحمل في سنة مرتين، وفيه ريحان يجيء منه ريح المسك، وقال لقد بقيت حتى سئمت من الحياة وأنا أرجو الرابعة أي المغفرة، قيل: عمّر مائة سنة وزيادة، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة (٩٣هـ) ، روى عنه خلق كثير، وكنيته أبوحمزة، وهي اسم بقلة كان يحبها، ومنه حديث أنس: ((كناني رسول الله ﷺ ببقلة كنت أجتنيها)) ، (لا يؤمن) أي لا يكمل إيمان من يدعي الإيمان، فالمراد بالنفي كمال الإيمان ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم كقولهم: فلان ليس بإنسان. (حتى أكون) بالنصب بأن مضمرة، وحتى جارة، ومعنى هذه الغاية أعني حتى أكون ههنا وفي أمثاله هو أنه لا يكمل الإيمان بدون هذه الغاية، لا أن حصول هذه الغاية كافية في كمال الإيمان وإن لم يكن هناك شيء آخر. (أحب) بالنصب لأنه خبر أكون، وهو أفعل التفضيل بمعنى المفعول، وهو على خلاف القياس وإن كان كثيراً، إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل، وقال ابن

стр. 52

من والده وولده والناس أجمعين)) متفق عليه. ٨- (٧) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: ــ مالك: إنما يشذ بناءه للمفعول إذا خيف اللبس بالفاعل، فإن أمن بأن لم يستعمل للفاعل، أو قرن به ما يشعر بأنه للمفعول لا يشذ ... الخ، وفصل بينه وبين معموله "من والده" لأن الممتنع الفصل بأجنبي لا مطلقاً، والظرف فيه توسع فلا يمنع. (من والده) المراد به ذات له ولد، أو هو بمعنى ذو ولد نحو لابن وتامر، فيتناول الأب والأم كليهما، أو يقال: اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفى عن أحد الضدين بالآخر، ولم يذكر النفس لأنها داخلة في عموم قوله "والناس أجمعين"، أو لم تكن حاجة إلى ذكرها مع ذكر الوالد والولد لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفس الرجل على الرجل، فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل، فكأنه قال "حتى أكون أحب إليه من جميع أعزته"، ويعلم منه حكم غير الأعزة؛ لأنه يلزم في غيرهم بالطريق الأولى. (وولده) أي الذكر والأنثى (والناس أجمعين) هو من عطف العام على الخاص، وهو كثير كقوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ [١٥: ٨٧] ، قال الخطابي: لم يرد بالحب حب الطبع، بل أراد به حب الاختيار المسند إلى الإيمان؛ لأن حب الإنسان أهله وماله طبع مركوز فيه، خارج عن حد الاستطاعة، ولا سبيل إلى قلبه، قال: فمعناه لا يصدق في إيمانه حتى يفدي في طاعتي نفسه ويؤثر رضاي على هواه وإن كان فيه هلاكه – انتهى. وحاصله ترجيح جانبه ﷺ في أداء حقه بالتزام طاعته، واتباع طريقته على كل من سواه، قال النووي: المحبة أصلها الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد يكون بما يستلذه بحواسه كحسن الصورة والصوت والطعام وبما يستلذه بعقله كمحبة الفضل والجمال، وقد يكون لإحسانه إليه ودفعه المضار عنه، ولا يخفى أن المعاني الثلاثة كلها موجودة في رسول الله ﷺ ، لما جمع من جمال الظاهر والباطن وكمال أنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعيم، والإبعاد من الجحيم، ولا شك أن الثلاثة فيه أكمل مما في الوالدين لو كانت فيها فيجب كونه أحب منهما؛ لأن المحبة ثابتة لذلك، حاصلة بحسبها، كاملة بكمالها، ومن محبته وحقه نصرة سنته والذب عن شريعته وقمع مخالفيها وامتثال أوامره وتمني إدراكه في حياته ليبذل نفسه وماله دونه، والحديث صريح في أن محبة الرسول من أمور الإيمان، والناس فيها متفاوتون وهو يستلزم زيادة الإيمان ونقصانه. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي في الإيمان وابن ماجه في السنة. ٨- قوله: (ثلاث) مبتدأ والجملة الشرطية خبر، وجاز مع أنه نكرة لأن التقدير خصال ثلاث، أو ثلاث خصال، أو تنوينه للتعظيم فجاز الابتداء به، ويجوز أن تكون الشرطية صفة له ويكون الخبر من كان (من كن) أي حصلن فيه فهي تامة، أو من كن مجتمعة فيه وهي ناقصة (وجد بهن) أي بسبب وجودهن في نفسه (حلاوة الإيمان) أي حسنه

стр. 53

من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب ــ من حلي فلان في عيني وبعيني بالكسر يحلى بالفتح: إذا حسن وأعجب، أو لذته وطعمه من حلاله الشيء يحلو: أي لذ فهو حلو وهو نقيض المر، والأظهر الثاني على ما لا يخفى، فالمراد بحلاوة الإيمان التلذذ بالطاعات، وتحمل المشاق في رضى الله ورسوله، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، وذلك لأن المرء إذا تأمل أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل يصير هواه تبعاً له فيلتذ بامتثال أوامره، وتحمل المشقة في رضى الله ورسوله، قال الحافظ في الفتح: قوله حلاوة الإيمان استعارة تخييلية، شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشيء، وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مراً، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئاً ما نقص ذوقه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوي استدلال المصنف أي البخاري على الزيادة والنقص – انتهى. وإنما عبر الالتذاذ بالطاعات بالحلاوة لأنها أظهر اللذائذ الحسية، وإن كان لا نسبة بين هذه اللذة واللذات الحسية، وهذه الأمور الثلاثة عنوان لكمال الإيمان المحصل لتلك اللذة التي ربما تغلب على جميع لذات الدنيا، قال البيضاوي: وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنواناً لكمال الإيمان لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الذي يبين له مراد ربه اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحب إلا ما يحب ولا يحب من يحب إلا من أجله، وإن يتيقن أن جملة ما وعدوا وعد حق يقيناً ويخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار – انتهى ملخصاً، قال القاضي عياض: هذا الحديث بمعنى حديث ((ذاق طعم الإيمان من رضي الله رباً ... )) الخ، وذلك أنه لا تصح محبة الله ورسوله حقيقة وحب الآدمي في الله ورسوله وكراهة الرجوع في الكفر إلا لمن قوي الإيمان في نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه، هذا هو الذي وجد حلاوته، قال: والحب في الله من ثمرات حب الله (من كان) لا بد من تقدير مضاف قبله؛ لأنه على الوجه الأول إما بدل أو بيان أو خبر لمبتدأ محذوف هو "هي" أو "هن"، أو "إحداها" وعلى الثاني خبر، أي محبة من كان (الله ورسوله) برفعهما (أحب إليه) بالنصب على أنه خبر كان (مما سواهما) من نفس وأهل ومال وكل شيء، ولم يقل ممن سواهما ليعم من يعقل ومن لا يعقل، ومحبة العبد ربه بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك محبة الرسول، وثنى الضمير في سواهما مع أنه رد على الخطيب قوله ((ومن يعصهما فقد غوى)) فقال: ((بئس الخطيب أنت)) إيماءً إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها ضائعة لاغية، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعاراً بأن كل واحد من المعطوفين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، وله أجوبة أخرى ذكرها الحافظ في الفتح (ومن أحب) أي

стр. 54

عبداً لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)) متفق عليه. ٩- (٨) وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : ــ وثانيتها محبة من أحب (لا يحبه) أي لشيء (إلا لله) استثناء مفرغ، والجملة حال من الفاعل أو المفعول أو منهما. (ومن يكره) أي وثالثتها كراهة من كره (أن يعود) أي يصير أو يرجع ويتحول (في الكفر بعد أن أنقذه الله) أي أخلصه: قال الحافظ: الإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداءً بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول فيحمل قوله "يعود" على معنى الصيرورة بخلاف الثاني فإن العود فيه على ظاهره – انتهى، و"في" هذا بمعنى "إلى" كما في قوله تعالى: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ [٧: ٨٨] ، أي تصيرن إلى ملتنا (كما يكره) الكاف للتشبيه وما مصدرية، أي مثل كرهه (أن يلقى) في محل النصب؛ لأنه مفعول يكره، وأن مصدرية أي الإلقاء وهو على صيغة المجهول (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه. ٩- قوله: (وعن العباس بن عبد المطلب) أي عم النبي ﷺ ، وكنيته أبوالفضل، وكان أسن من النبي ﷺ بسنتين، وقيل بثلاث سنين، وضاع وهو صغير فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته فكست البيت الحرير، فهي أول عربية كست ذلك، وكان إليه في الجاهلية سقاية الحاج وعمارة البيت، والمراد بها أنه كان يحمل قريشاً على عمارته بالخير وترك السيئات فيه وقول الهجر، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم، وشهد بدراً مع المشركين مكرهاً، فأسر فافتدى نفسه وابن أخيه عقيل بن أبي طالب ورجع إلى مكة، فيقال: إنه أسلم وكتم قومه ذلك وصار يكتب إلى النبي ﷺ بالأخبار، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح وثبت يوم حنين، وقال النبي ﷺ : ((من آذى العباس فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه)) ، أخرجه الترمذي في قصة، قال سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: كان العباس أعظم الناس عند رسول الله ﷺ ، والصحابة يعترفون للعباس فضله ويشاورونه ويأخذون رأيه، وقال مجاهد: أعتق العباس عند موته سبعين مملوكاً، وقال ابن عبد البر: كان رئيساً في الجاهلية، وإليه العمارة والسقاية وأسلم قبل فتح خيبر، وكان أنصر الناس لرسول الله ﷺ بعد أبي طالب، وكان جواداً مطعماً وصولاً للرحم ذا رأي حسن ودعوة مرجوة، وكان لا يمر بعمر وعثمان وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز إجلالاً له، وفضائله ومناقبه كثيرة وترجمته مطولة في تاريخ دمشق، مات بالمدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب، أو رمضان سنة ٣٢هـ، وهو ابن (٨٨) سنة ودفن بالبقيع، روي له خمسة وثلاثون حديثاً، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري

стр. 55

ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً)) رواه مسلم. ١٠- (٩) وعن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله: ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)) . ــ بحديث، ومسلم بثلاثة، روى عنه جماعة (ذاق طعم الإيمان) أي حلاوة الإيمان ولذته (من رضي الله بالله رباً) منصوب على التمييز وكذا أخواته، قال صاحب التحرير: معنى رضيت بالشيء: قنعت به، واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره، فمعنى الحديث: لم يطلب غير الله تعالى ولم يسع في غير طريق الإسلام ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد ﷺ ، ولا شك في أن من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه وذاق طعمه، وقال القاضي عياض: معنى الحديث: صح إيمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه؛ لأن رضاه بالمذكورات دليل لثبوت معرفته ونفاذ بصيرته ومخالطة بشاشته قلبه؛ لأن من رضي أمراً سهل عليه فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعات الله تعالى ولذت له (رواه مسلم) وكذا أحمد (ج١: ص٢٠٨) والترمذي في الإيمان وصححه. ١٠- قوله: (لا يسمع بي) هو جواب القسم، والباء زائدة، وقيل: بمعنى من، قال القاري: والأظهر أنها لتأكيد التعدية كما في قوله تعالى: ﴿ما سمعنا بهذا﴾ [٣٨: ٧] ، وضمن معنى الإخبار أي ما يسمع مخبراً ببعثي، وحاصل المعنى لا يعلم برسالتي (أحد) أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم ممن يجب عليه الدخول في طاعته (من هذه الأمة) أي أمة الدعوة وهم الخلق جميعاً، ومن تبعيضية، وقيل: بيانية (يهودي ولا نصراني) صفتان لأحد، وحكم المعطلة وعبدة الأوثان يعلم بالطريق الأولى؛ لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى، أو بدلان عنه بدل البعض من الكل، وخصا بالذكر لأن كفرهما أقبح لكونهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، قال تعالى: ﴿يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل﴾ [٧: ١٥٧] وعلى كلٍ لا زائدة لتأكيد الحكم (ثم يموت) ثم للاستبعاد كما في قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها﴾ [٣٢: ٢٢] ، أي ليس أحد أظلم ممن بينت له آيات الله الظاهرة والباطنة ودلائله القاهرة فعرفها ثم أنكرها أي بعيد عن العاقل، قاله الطيبي (إلا كان) أي في علم الله، أو بمعنى يكون وتعبيره بالمضي لتحقق وقوعه، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال، قال القاري: "لا" في لا يسمع بمعنى ليس، و"ثم يموت" عطف على يسمع المثبت، و"لم يؤمن" عطف على يموت، أو حال من فاعله وليس لنفي هذا المجموع، وتقديره: ليس أحد يسمع بي ثم يموت ولم يؤمن، أو غير مؤمن كائناً من أصحاب شيء إلا من أصحاب النار – انتهى. وذلك لأن معجزته القرآن المستمر إلى يوم القيامة مع خرقه العادة في

стр. 56

رواه مسلم. ١١- (١٠) وعن أبي موسى الأشعري – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب ــ أسلوبه وأخباره بالمغيبات، وعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بسورة مثله يوجب الإيمان برسالته، ويوجب الدخول على الكل في طاعته، فمن لم يؤمن بما أرسل به كان من أصحاب النار. قال النووي: في الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا ﷺ ، وفي مفهومه دلالة على أن من لم يبلغه دعوة الإسلام فهو معذور. (رواه مسلم) هو من إفراد مسلم من بين أصحاب الكتب الستة. ١١- قوله: (وعن أبي موسى الأشعري) نسبة إلى الأشعر، أحد أجداده وهو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري، مشهور باسمه وكنيته معاً، قيل: إنه قدم مكة قبل الهجرة، فأسلم ثم هاجر إلى الحبشة، ثم قدم المدينة مع أصحاب السفينتين بعد فتح خيبر، وقيل: بل رجع إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى الحبشة، ثم خرج من بلاد قومه في سفينة فألقتهم الريح بأرض الحبشة، فوافقوا بها جعفر بن أبي طالب، فأقاموا عنده ورافقوه إلى المدينة، وهذا قول الأكثر، وهو أصح، واستعمله النبي ﷺ على بعض اليمن كزبيد وعدن وأعمالهما، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة فافتتح الأهواز ثم الأصبهان ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين، وكان حسن الصوت بالقرآن، وفي الصحيح المرفوع: ((لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود)) ، وقال أبوعثمان النهدي: صليت خلف أبي موسى فما سمعت في الجاهلية صوت صنج ولا بربط ولا نأي أحسن من صوت أبي موسى بالقرآن، وكان عمر إذا رآه قال: ذكرنا يا أباموسى، وفي رواية: شوقنا إلى ربنا، فيقرأ عنده، وكان أبوموسى هو الذي فقه أهل البصرة وأقرأهم، وأخرج البخاري عن الحسن قال: ما أتاها – يعني البصرة – راكب خير لأهلها منه، يعني من أبي موسى، قال الشعبي: كتب عمر في وصيته أن لا يقر لي عامل أكثر من سنة، واقروا الأشعري أربع سنين، ومناقبه كثيرة، له ثلاثمائة وستون حديثاً، اتفقا على خمسين، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة وعشرين، روى عن خلق، مات سنة (٥٠) ، وقيل بعد ذلك، وهو ابن (٦٣) ، قيل: بالكوفة، وقيل: بمكة. (ثلاثة) مبتدأ تقديره: ثلاثة رجال، أو رجال ثلاثة (لهم أجران) أي لكل واحد أجران يوم القيامة، وهو مبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ الأول (رجل) خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أولهم أو أحدهم بدل من ثلاثة بدل البعض، بالنظر إلى كل رجل بدل الكل بالنظر إلى المجموع، وقيل: غير ذلك، وحكم المرأة الكتابية حكم الرجل كما هو مطرد في جل الأحكام، حيث يدخلن مع الرجال بالتبعية إلا ما خصه الدليل (من أهل الكتاب) في محل الرفع؛ لأنه صفة لرجل، ولفظ الكتاب عام ومعناه خاص أي المنَزل من عند الله، والمراد به التوراة والإنجيل، كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة، حيث يطلق

стр. 57

آمن بنبيه وآمن بمحمد، ــ أهل الكتاب، ويؤيد العموم أي الحمل على أهل التوراة والإنجيل، أعني اليهود والنصارى ما رواه أحمد في مسنده (ج٥: ص٢٥٩) عن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله ﷺ يوم الفتح، فقال قولاً حسنا جميلاً وقال فيما قال: ((من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا، وعليه ما علينا، ومن أسلم من المشركين فله أجره، وله ما لنا وعليه ما علينا)) ، وما رواه النسائي في آداب القضاة (ج٢: ص٢٦٥) عن ابن عباس في تأويل قوله : ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [٥: ٤٤] من حديث طويل وفيه فقال الله ﵎: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته﴾ [٥٧: ٢٨] أجرين بإيمانهم بعيسى وبالتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد ﷺ ... الحديث، ويؤيده أيضاً أن الحديث مستفاد من قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ [٢٨: ٥٣] ، وأنه نزل في عبد الله بن سلام وأشباهه، كما رواه الطبراني من حديث رفاعة القرظي، والطبري عن علي بن رفاعة القرظي وغيره أنها نزلت في رفاعة القرظي، وعبد الله بن سلام، وسلمان وغيرهم من أهل الكتاب الذين كانوا بالمدينة، وأما ما ورد في البخاري (ج١: ص٤٩٠) في كتاب الأنبياء، وإذا آمن بعيسى ثم آمن بي بدل قوله "من أهل الكتاب" وهو يدل على أن المراد في حديث الباب أهل الإنجيل أي النصارى فقط، فهو محمول على اقتصار الراوي واختصاره، والأصل كما ذكره آخرون، فإن قيل: حمل الكتاب على العموم حتى يشمل اليهود صعب جداً؛ لأنهم كفروا بعيسى – ﵇ – فحبط إيمانهم بموسى، ثم إنهم لما آمنوا بمحمد ﷺ لم يبق لهم إلا عمل واحد، وهو الإيمان بنبينا ﷺ فلا يستحقون عليه إلا أجراً واحداً، قلنا: من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل ولم يكن بحضرة عيسى ﵇ فلم تبلغه دعوته، يصدق عليه أنه يهودي مؤمن، إذ هو مؤمن بنبيه موسى ﵇، ولم يكذب نبينا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد ﷺ ممن كان بهذه المثابة وآمن به لا يشكل أنه يدخل في حديث أبي موسى، ومن هؤلاء عرب نحو اليمن متهودون ولم تبلغهم دعوة عيسى لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة إجماعاً دون غيرهم، وكذا يدخل في قوله "أهل الكتاب" يهود المدينة الذين كانوا بحضرة النبي ﷺ كما دخلوا في قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ لأنه لم تبلغهم دعوة عيسى ﵇؛ لكونها لم تنتشر في أكثر العباد فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى ﵇ إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد ﷺ ، وقيل: الظاهر أنه بلغ عبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلموا من يهود المدينة خبر عيسى ﵇ كسائر الأخبار تحمل من بلد إلى بلد من غير أن يبلغ إليه الدعوة إلى شريعته بخصوصها، فآمنوا به وصدقوه، فحاشا مثل ابن سلام وأضرابه مع سعة علومهم، وكمال عقولهم، وسلامة فطرتهم، أن يبلغ إليهم خبر عيسى ثم يكذبوه، فلا نسيء الظن بهم، وإذا كان الأمر كذلك فقد كفاهم تصديقهم به إجمالاً لاستحقاق أجر إيمانهم عن عهدة التزام شريعته؛ لأنه لم تبلغهم الدعوة إلى شريعته بخصوصها

стр. 58

والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطأها فأدبها ــ فلم يكن عليهم إلا التصديق مجملاً، وحينئذٍ بقاءهم على اليهودية لا يمنع من إحراز الأجر، ثم لما آمنوا بنبينا ﷺ حصل لهم الأجر مرتين، نعم يخرج من الحديث يهود الشام من بني إسرائيل الذين بعث فيهم عيسى ودعاهم إلى شريعته، فكذبوه وكفروا به، فلا يحصل لهم بالإيمان بالنبي ﷺ إلا أجر واحد، وقال الطيبي: يحتمل إجراء الحديث على عمومه، إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمد ﷺ سبباً لثوابه على الإيمان السابق وسبباً لقبول تلك الأعمال والأديان، وإن كانت منسوخة كما ورد في الحديث ((إن مبرات الكفار وحسناتهم مقبولة بعد إسلامهم)) – انتهى. واعلم أنه قال بعضهم: إن الكتابي الذي يضاعف أجره مرتين هو الذي بقي على ما بعث به نبيه من غير تبديل وتحريف، فمن كان على الحق في شرعه عقداً وفعلاً إلى أن آمن بمحمد ﷺ فله الأجر مرتين، ومن بدل منهم أو حرف لم يبق له أجر في دينه، فليس له أجر إلا بإيمانه بنبينا ﷺ . قلت: هذا خلاف نص الحديث؛ لأنه ﷺ قال ذلك في أهل زمانه من اليهود والنصارى، وحالهم في التحريف والتبديل معلوم، وقال الحافظ: ويشكل عليه أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل: ((أسلم يؤتك الله أجرك مرتين)) ، وهرقل ممن دخل النصرانية بعد التبديل، ثم إن الكرماني قال: هذا مختص بمن آمن من أهل الكتاب في عهد البعثة، فلا يشمل من آمن منهم في زماننا، وعلل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة إنما هو محمد ﷺ باعتبار عموم بعثته، قال الحافظ: وقضيته أن ذلك أيضاً لا يتم لمن كان في عهد النبي ﷺ ، فإن خصه بمن لم تبلغه الدعوة فلا فرق في ذلك بين عهده وبعده، فما قاله شيخنا أظهر، أراد به ما قاله من أن هذه الثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة، وتعقبهما العيني بما يطول الكلام بذكره، ثم إنه مخصوص بما عدا أكابر الصحابة بالإجماع، فيدخل في هذا الحكم كل صحابي لا يدل دليل على زيادة أجره على من كان كتابياً، والله أعلم. (والعبد المملوك) وصف به لأن جميع الناس عباد الله، فأراد تمييزه بكونه مملوكاً للناس (إذا أدى حق الله) مثل الصلاة والصوم ونحوهما (وحق مواليه) من خدمتهم الجائزة جهده وطاقته، وجمع الموالي لأن المراد بالعبد جنس العبيد، حتى يكون عند التوزيع لكل عبد مولى؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع أو ما يقوم مقامه مفيدة للتوزيع، أو أراد أن استحقاق الأجرين إنما هو عند أداء حق جميع مواليه لو كان مشتركاً بين طائفة مملوكاً لهم، لا يقال: إنه يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات؛ لأنه قد يكون للسيد جهات أخر يستحق بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيع العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما (كانت عنده أمة) في محل الرفع؛ لأنها صفة رجل، وارتفاع أمة لكونها اسم كانت (يطأها) أي يحل وطؤها سواء صارت موطوءة أو لا، وهو في محل الرفع؛ لأنه صفة لأمة (فأدبها) بأن راضها بحسن الأخلاق وحملها على جميل الخصال من الأدب، وهو حسن الأحوال والأخلاق، فالتأديب

стр. 59

فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران، ــ يتعلق بالمروءات والأمور الدنيوية، وهو عطف على يطأها (فأحسن تأديبها) أن استعمل معها الرفق واللطف واجتنب العنف والضرب، وبذل الجهد في إصلاحها (وعلمها) ما لا بد من أحكام الشريعة لها (فأحسن تعليمها) بتقديم الأهم فالأهم (ثم أعتقها) بعد ذلك كله، عطفه بثم خلا الجميع فإنه عطفه بالفاء، قال العيني: لأن التأديب والتعليم يتعقبان على الوطأ، بل لابد ههنا من نفس الوطأ، بل قبله أيضاً لوجوبهما على السيد بعد التملك بخلاف الإعتاق، أو لأن الإعتاق نقل من صنف من أصناف الأناسي إلى صنف آخر منها، ولا يخفى ما بين الصنفين المنتقل منه والمنتقل إليه من البعد من الضدية في الأحكام، والمنافاة في الأحوال، فناسب لفظ دال على التراخي بخلاف التأديب – انتهى. (فله) أي فللرجل الأخير (أجران) أجر على إعتاقه وأجر على تزوجه، فالأجران على هذين العملين على الإعتاق؛ لأنه عبادة بنفسها، وعلى النكاح لأن التزوج بعد العتق عبادة أخرى، وفائدة ذكر التأديب والتعليم أنها أكمل للأجر إذ تزوج المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة وأقرب أن تعين زوجها على دينه، ولم يقتصر على قوله أولاً فلهم أجران، مع كونه داخلاً في الثلاثة بحكم العطف؛ لأن الجهة كانت فيه متعددة، هي التأديب والتعليم والعتق والتزوج، وكانت مظنة أن يستحق الأجر أكثر من ذلك، فأعاد قوله "فله أجران" إشارة إلى أن المعتبر من الجهات أمران: وهو الإعتاق والتزوج، ولذا ذكر عقبهما قوله "فله أجران"، بخلاف التأديب والتعليم، فإنهما موجبان للأجر في الأجنبي والأولاد وجميع الناس، فلا يكون مختصاً بالإماء، فلم يبق الاعتبار إلا في الجهتين: العتق والتزويج؛ لأنه يصير محسناً إليها إحساناً أعظم بعد إحسان أعظم بالعتق؛ لأن الأول فيه تخليص من الرق وأسره، والثاني فيه الترقي إلى إلحاق المقهور بقاهره، وقيل: في بيان تكرير الحكم غير ذلك، ويجوز أن يعود الضمير في "فله" إلى كل واحد من الثلاثة، فيكون التكرير للتأكيد أو لطول الكلام، فيكون كالفذلكة ويمكن أن يكون من باب اختصار الراوي أو نسيانه، قلت: هذان الأخيران هو الظاهر؛ لأن الحديث أخرجه البخاري في العلم، وفي العتق، وفي الجهاد، وفي الأنبياء، وفي النكاح، ومسلم في الإيمان مطولاً، وفي النكاح مختصراً، والنسائي مطولاً ومختصراً، والترمذي وابن ماجه الثلاثة في النكاح، وعند الجميع كرر الحكم في الأمور الثلاثة، ما خلا البخاري في العلم، والنسائي في النكاح، واعلم أنه لا مفهوم للعدد المذكور في حديث أبي موسى، فالمراد هذه الأشياء وأمثالها، وليس المقصود بذكرها نفي ما عداها، فإن التنصيص باسم الشيء لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وهو مذهب الجمهور، وهذا لأن عدد الذين يؤتون أجرهم مرتين بلغ بالتتبع إلى عشرين، بل يحصل بمزيد التتبع أكثر من ذلك، وقد ذكر بعضها العزيزي في السراج المنير (ج١: ص١٨٩) ، والحافظ في الفتح في شرح باب اتخاذ السراري (ج١١: ص٣٨) ، والعلقمى والسيوطي، وقال بعضهم: الظاهر أن المراد بالحديث لهم أجران على كل عمل لا أن لهم أجرين على العملين، إذ ثبوت أجرين على

стр. 60

متفق عليه. ١٢- (١١) وعن ابن عمر – ﵄ – قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ــ عملين لا يختص بأحد دون أحد، نعم يمكن لهؤلاء أن يكون لهم أجران على كل عمل من جميع أعمالهم، والله تعالى أعلم. وقيل: في وجه التخصيص لهؤلاء الثلاثة أن في هذه الخصال الثلاثة أشكالاً لا يتعقل حصول الأجرين فيها لما قد يتوهم في العبد أنه مملوك لمولاه، فلعله لا يستحق الأجر والثواب في خدمته؛ لأنه يؤدي بخدمته ما لزمه من حق مولاه، وكذلك تزوجها لغرض نفسه وفائدته، فلا يحصل له فيه الأجر أيضاً، وكذلك قد يخطر في البال أن مؤمن أهل الكتاب لابد أن يكون مؤمناً بنبينا ﷺ لما أخذ الله عليهم العهد والميثاق، فإذا بعث فإيمانه مستمر، فكيف يتعدد إيمانه حتى يتعدد أجره؟ وأيضاً يتبادر إلى بعض الأذهان أن الإيمان عمل واحد، فإن أصل جميع الأديان السماوية واحد لا فرق إلا في الفروع، فاعتبار الإيمان بعيسى أو بموسى أولاً، ثم اعتبار الإيمان بمحمد ﷺ ثانياً وعدهما شيئين ربما يستبعد، فنبه في الحديث أن الإيمان التفصيلي بعد بعثة محمد بأنه هو الموصوف والمنعوت في الكتابين مغاير للإيمان الإجمالي بأن الموصوف بكذا هو رسول الله ﷺ ، فثبت التعدد وصرح بأن الإيمان وإن كان عملاً واحداً إجمالاً لكنه لما تعلق بعيسى أو بموسى بخصوصه تفصيلاً، ولا شك أنه عمل ثم تعلق بمحمد كذلك صار متعدداً، أو صار عملين وحصل إيمانان بالنظر إلى التفصيل، وفي وجه التخصيص بهؤلاء الثلاثة أقوال أخر، وأورد المصنف هذا الحديث في الإيمان؛ لأنه يدل على فضل من آمن من أهل الكتاب بنبينا ﷺ وأن له ضعف أجر من لم يكن كتابياً، فإيمانه بمحمد ﷺ من هذه الجهة أفضل من إيمان غيره، والله أعلم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في العلم والعتق والجهاد والأنبياء والنكاح، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضاً الترمذي والنسائي وابن ماجه في النكاح. ١٢- قوله: (أمرت) على صيغة المجهول أي أمرني الله؛ لأنه لا آمر لرسول الله ﷺ إلا الله (أن أقاتل) أي بأن أقاتل، وحذف الجار من أن كثير سائغ مطرد، وأن مصدرية تقديره: مقاتلة الناس (حتى يشهدوا) أي يقروا ويذعنوا (أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر فمقتضاه أن من شهد وأقام وآتى عصم دمه ولو جحد باقي الأحكام، لكنه ليس كذلك، والجواب أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بجميع ما جاء به مع أن نص الحديث وهو قوله "إلا بحق الإسلام" يدخل فيه جميع ذلك، فكأنه أراد الخمسة التي بني الإسلام عليها، فإن قيل: فلم لم يكتف به ونص على الصلاة والزكاة؟ أجيب بأن ذلك لعظمهما والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أم العبادات البدنية والمالية وأساسهما والعنوان لغيرهما، قلت: والذي يتبين ويظهر من ألفاظ أحاديث الباب أن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما ويصير بذلك مسلماً، فإذا دخل في الإسلام فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بشرائع

стр. 61

ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله، ــ الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، وإن أخل بشيء من هذه الأركان فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا، وقد ظن بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يقاتل حتى يأتي بالشهادتين ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، وجعلوا ذلك حجة على خطاب الكفار بالفروع، وفي هذا نظر، وسيرة النبي ﷺ في قتال الكفار تدل على خلاف ذلك (ويقيموا الصلاة) أي يداوموا على الإتيان بشروطها، والمراد بالصلاة المفروضة منها لا جنسها، واستدل بالحديث على مذهب الشافعي ومالك أن تارك الصلاة عمداً يقتل حداً، ومذهب أحمد أن تاركها يقتل كفراً وردة، وفي هذا الاستدلال نظر للفرق بين أقاتل وأقتل، فالكلام في المقاتلة لا في القتل، ومقاتلة الإمام لتاركي الصلاة إلى أن يأتوا بها محل وفاق، مع أنه منقوض بترك الزكاة فإنه لم يقل بقتل تاركها. وقد أطنب ابن دقيق العيد في شرح العمدة في الإنكار على من استدل بهذا الحديث على جواز قتل تارك الصلاة، قال: ولا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل ... الخ. (ويؤتوا الزكاة) فيه دليل لقتال مانعي الزكاة، ولا نزاع فيه، ومن ثم قاتلهم الصديق، وأجمع عليه الصحابة، ولم ينقل أنه قتل أحداً منهم صبراً، قلت: وكذا لا نزاع في من ترك سائر أركان الإسلام أن يقاتلوا عليها كما يقاتلوا على ترك الصلاة والزكاة. (فإذا فعلوا ذلك) أي المذكور من الشهادة والصلاة والزكاة، ويسمى القول فعلاً؛ لأنه فعل اللسان أو تغليباً (عصموا) بفتح الصاد أي منعوا وحفظوا (مني) أي من أتباعي أو من قبلي وجهة ديني (دماءهم وأموالهم) استباحتهم بالسيف والنهب (إلا بحق الإسلام) الإضافة لامية، ويجوز أن تكون بمعنى "في" وبمعنى "من" على ما لا يخفى، والاستثناء مفرغ، والمستثنى منه أعم عام الجار والمجرور، والعصمة متضمنة لمعنى النفي حتى يصح تفريغ الاستثناء، إذ هو شرط أي إذا فعلوا ذلك لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحق الإسلام من نحو قصاص أو حد أو غرامة متلف ونحو ذلك (وحسابهم) فيما يسرون من الكفر والمعاصي بعد ذلك (على الله) أي كالواجب على الله في تحقق الوقوع، وكان الأصل فيه أن يقال: وحسابهم لله، أو إلى الله، والمعنى أن أمور سرائرهم إلى الله، وأما نحن فنحكم بالظاهر، فنعاملهم في الدنيا بمقتضى ظاهر أقوالهم وأفعالهم، ففيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر، ومقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد، فيدخل فيه أهل الكتاب الملتزمون لأداء الجزية وكذا المعاهد، والجواب من أوجه، منها دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية، والمعاهدة متأخراً عن هذه الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله ﴿اقتلوا المشركين﴾ [٩: ٥] ، ومنها أن يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المراد بالناس في قوله "أقاتل الناس" أي المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ "أمرت أن أقاتل المشركين"، فإن قيل: إذا تم هذا في أهل الجزية لم يتم

стр. 62

متفق عليه، إلا أن مسلماً لم يذكر ((إلا بحق الإسلام)) . ١٣- (١٢) وعن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته ــ في المعاهدين ولا في منع الجزية، أجيب بأن الممتنع في ترك المقاتلة رفعها لا تأخيرها مدة كما في الهدنة، ومقاتلة من امتنع من أداء الجزية بدليل الآية، ومنها أن يقال: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، قال الحافظ: وهذا أحسن، وفي الحديث رد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال، وفيه تنبيه على أن الأعمال من الإيمان، والحديث موافق لقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [٩: ٥] . (متفق عليه) أخرجه البخاري في الإيمان والصلاة، ومسلم في الإيمان، (إلا أن مسلماً لم يذكر إلا بحق الإسلام) لكنه مراد، والحديث أخرجه أيضاً الشيخان من حديث أبي هريرة والبخاري من حديث أنس ومسلم من حديث جابر. ١٣- قوله: (من صلى صلاتنا) منصوب بنَزع الخافض، وهو في نفس الأمر صفة لمصدر محذوف، أي من صلى صلاة كصلاتنا، ولا يوجد إلا من معترف بالتوحيد والنبوة، ومن اعترف بنبوة محمد ﷺ فقد اعترف بجميع ما جاء به عن الله تعالى، فلهذا جعل الصلاة علماً لإسلامه، ولم يذكر الشهادتين لأنهما داخلتان في الصلاة (واستقبل قبلتنا) إنما ذكره والصلاة متضمنة له مشروطة به؛ لأن القبلة أعرف من الصلاة، فإن كل أحد يعرف قبلته، وإن كان لا يعرف صلاته، ولأن من أعمال صلاتنا ما هو يوجد في صلاة غيرنا كالقيام والقراءة، واستقبال قبلتنا مخصوص بنا، ثم لما ذكر من العبادات ما يميز المسلم من غيره أعقبه بذكر ما يميزه عادة وعبادة (وأكل ذبيحتنا) فإن التوقف عن أكل الذبائح كما هو من العادات، فكذلك هو من العبادات الثابتة في كل ملة، كذا في شرح الطيبي، والذبيحة: فعيلة بمعنى مفعولة، والتاء للجنس كما في الشاة، وقيل في تخصيص هذه الثلاثة من بين سائر الأركان وواجبات الدين أنها أظهرها وأعظمها وأسرعها علماً بها إذ في اليوم الأول عن الملاقاة مع الشخص يعلم صلاته وطعامه غالباً، بخلاف نحو الصوم فإنه لا يظهر الامتياز بيننا وبينهم به، ونحو الحج فإنه قد يتأخر إلى شهور وسنين وقد لا يجب عليه أصلاً (فذلك) أي من جمع هذه الأوصاف الثلاثة، وهو جواب الشرط وذلك مبتدأ وخبره (المسلم) أو هو صفة وخبره (الذي له ذمة الله وذمة رسوله) أي أمانهما وعهدهما وضمانهما من وبال الكفار وما شرع لهم من القتل والقتال وغيرهما، أي يرتفع عنه هذا (فلا تخفروا الله في ذمته) بضم التاء من الإخفار، والهمزة فيه للسلب، أي لسلب الفاعل عن المفعول أصل الفعل نحو أشكيته أي أزلت شكايته، وكذلك أخفرته أي أزلت خفارته، ويقال أخفره: إذا نقض عهده وغدر به، أي لا تخونوا الله في عهده ولا تتعرضوا في حقه من ماله ودمه وعرضه، أو الضمير للمسلم أي فلا تنقضوا عهد الله بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، في ذمته أي مادام هو في أمانه، وقال التوربشتي:

стр. 63

رواه البخاري. ١٤- (١٣) وعن أبي هريرة قال: أتى أعرابي النبي ﷺ فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: ((تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة ــ المعنى أن الذي يظهر عن نفسه شعار أهل الإسلام والتدين بدينهم، فهو في أمان الله لا يستباح منه ما حرم من المسلم، فلا تنقضوا عهد الله فيه – انتهى، وإنما اكتفى في النهي بذمة الله وحده ولم يذكر الرسول كما ذكر أولاً لأنه ذكر الأصل لحصول المقصود به ولاستلزامه عدم إخفاره ذمة الرسول، وأما ذكره أولاً فللتأكيد وتحقيق عصمته مطلقاً، وفي الحديث دليل كالذي قبله على أن أمور الناس محمولة على الظاهر دون باطنها، فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك، وفيه أنه لابد للمؤمن من الأعمال خلافاً للمرجئة. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً النسائي في الإيمان. ١٤- قوله: (أتى أعرابي) أي بدوي منسوب إلى الأعراب، وهم سكان البادية، قال بعضهم: الأعرابي السائل في حديث أبي هريرة هذا هو ابن المنتفق على ما رواه البغوي وابن السكن والطبراني في الكبير وأبومسلم الكجي في السنن، وزعم الصيرفي أن اسم ابن المنتفق هذا لقيط بن صبرة، وافد بني المنتفق، قلت: في قول هذا البعض عندي نظر، فإن قصة سؤال ابن المنتفق شبيهة بسياق حديث أبي أيوب عند مسلم دون سياق حديث أبي هريرة كما لا يخفى على من له اطلاع على الروايات، وقال العيني: هو سعد بن الأخرم، وفيه أيضاً نظر. (دلني) بضم الدال وفتح اللام المشددة (على عمل) صفة أنه (إذا عملته دخلت الجنة) دخولاً أولياً (قال: تعبد الله) مرفوع المحل بالخبرية لمبتدأ محذوف، أي هو يعني العمل الذي إذا عملته دخلت الجنة هو عبادة الله، قال النووي: العبادة هي الطاعة مع خضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى، والإقرار بوحدانيته، وهو شامل للنبوة لأنه لا يعتبر بدونها، فذكره مغنٍ عن ذكرها، قال: فعلى هذا يكون عطف الصلاة والزكاة والصوم عليها لإدخالها في الإسلام، فإنها لم تكن دخلت في العبادة، وعلى هذا إنما اقتصر على هذه الثلاث لكونها من أركان الإسلام وأظهر شعائره، والباقي ملحق بها، ويحتمل أن يكون المراد بالعبارة الطاعة مطلقاً، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من باب ذكر الخاص بعد العام، تنبيهاً على شرفه ومرتبته، وأما قوله: (لا تشرك به شيئاً) فإنما ذكره بعد العبادة لأن الكفار يعبدونه سبحانه في الصورة ويعبدون معه أوثاناً يزعمون أنها شركاء، فنفى هذا (الصلاة المكتوبة) أي المفروضة (الزكاة المفروضة) فرق بن القيدين للتفنن، أي كراهية لتكرير اللفظ الواحد، وقيل: عبر في الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوع، فإنها زكاة لغوية، وقيل: احترز من الزكاة المعجلة قبل الحول،

стр. 64

وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فلما ولى قال النبي ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)) متفق عليه. ١٥- (١٤) وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، وفي رواية: غيرك ــ فإنها زكاة وليست مفروضة (وتصوم رمضان) ولا يكون إلا مفروضاً، ولذا لم يقيده (لا أزيد على هذا) أي ما ذكر (شيئاً) من عند نفسي (ولا أنقص منه) برأيي، ولما كانت العبادة شاملة لفعل الواجبات وترك المنكرات صح إثبات النجاة له بمجرد ذلك (من سره ... ) الخ، الظاهر أنه ﷺ علم أنه يوفي ما التزم، وأنه يدوم على ذلك ويدخل الجنة، ولم يخبر السائل بالتطوع في هذا الحديث، وكذا في حديث طلحة الآتي في قصة الأعرابي وغيرهما، بل أقره على الحلف بترك التطوعات في حديث طلحة؛ لأن أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم لئلا يثقل ذلك عليهم فيملوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه والحرص على تحصيل ثواب المندوبات سهلت عليهم، وقيل: لئلا يعتقدوا أن التطوعات واجبة، واعلم أنه لم يأت ذكر الحج في هذا الحديث، وكذا لم يذكر في بعض هذه الأحاديث الصوم، ولم يذكر في بعضها الزكاة، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها ذكر الإيمان فتفاوت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصاناً وإثباتاً وحذفاً، وأجاب القاضي عياض وغيره بما ملخصه: أن سبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فالاقتصار على بعض الخصال إنما لقصور حفظ الراوي عن تمامه، وليس هذا باختلاف صادر عن رسول الله ﷺ ، وقد استحسن النووي هذا الجواب، وقال العيني بعد ذكره: والأحسن أن يقال: إن رواة هذه الأحاديث متعددة، وكل ما روى واحد منهم بزيادة على ما رواه غيره أو بنقص لم يكن بتقصير الراوي وإنما وقع ذلك بحسب اختلاف الموقع واختلاف الزمان – انتهى. وفي الحديث دليل على أنه لابد من أعمال الجوارح في الإيمان خلافاً للمرجئة. ١٥- قوله: (وعن سفيان بن عبد الله) بن ربيعة بن الحارث الثقفي الطائفي، يكنى أباعمرو، وقيل: أباعمرة، أسلم مع وفد ثقيف، واستعمله عمر على صدقات الطائف، روى عنه أولاده عاصم وعبد الله وعلقمة وعمرو وأبوالحكم وغيرهم، قال ابن عبد البر: هو معدود في أهل الطائف، له صحبة وسماع ورواية، كان عاملاً لعمر بن الخطاب على الطائف، ولاه عليها إذ عزل عثمان بن أبي العاص عنها، ونقل عثمان حينئذٍ إلى البحرين – انتهى. قال الخزرجي: انفرد له مسلم بحديث، وقال القاري: مروياته خمسة أحاديث – انتهى. (الثقفي) بفتحتين نسبة إلى قبيلة ثقيف. (قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك) أي بعد سؤالك، طلب منه ﷺ أن يعلمه كلاماً جامعاً لأمر الإسلام كافياً حتى لا يحتاج بعده إلى غيره (وفي رواية غيرك) أي لا أسأل عنه أحداً غيرك، والأول مستلزم

стр. 65

قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم)) ، رواه مسلم. ١٦- (١٥) وعن طلحة بن عبيد الله ــ لهذا؛ لأنه إذا لم يسأل أحداً بعد سؤاله لم يسأل غيره، وبهذا يظهر وجه أولوية الأول يجعله أصلاً والثاني رواية خلافاً لما فعل النووي في أربعينه، قاله القاري، (قل آمنت بالله) أي جدد إيمانك بالله ذكراً بقلبك ونطقاً بلسانك وعملاً بمقتضاه بجوارحك، وفي رواية ((قل ربي الله)) أي وحد ربك، وأراد به التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار، هو تحقيق معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية وإجلالاً ومهابة ومحبة ورجاءً وتوكلاً ودعاءً، والمعاصي كلها قادحة في هذا التوحيد؛ لأنها إجابة لداعي الهوى، وهو الشيطان، وعلى رواية الكتاب المعنى أظهر، فإن الإيمان يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهل الحديث (ثم استقم) الاستقامة: هي سلوك الطريق المستقيم، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنه ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها، فالحديث من جوامع الكلم الشامل لأصول الإسلام: التوحيد والطاعة، وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [٤١: ٣٠] أي لم يحيدوا عن التوحيد، والتزموا طاعته سبحانه إلى أن توفوا على ذلك، وهو معنى الحديث، ولا يخفى مناسبة الحديث لكتاب الإيمان، فإن يدل على وجوب امتثال الطاعات والانتهاء عن المعاصي، ففيه رد على المرجئة (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن حبان في صحيحه. ١٦- قوله: (وعن طلحة بن عبيد الله) بن عثمان التيمي القرشي المدني، يكنى أبامحمد، يجتمع مع رسول الله ﷺ في الأب السابع كأبي بكر، أحد العشرة وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق، والستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، شهد المشاهد كلها غير بدر لأن النبي ﷺ بعثه مع سعيد بن زيد يتعرفان خبر العير التي كانت لقريش مع أبي سفيان، ثم رجعاً إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر، وقد ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، وآجره فيها وأبلى يوم أحد بلاءً شديداً، ووقى النبي ﷺ بيده فشلت، وجرح يومئذٍ أربعة وعشرين جراحة، وقيل خمساً وسبعين جراحة بين طعنة وضربة ورمية، وكان أبوبكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك يوم كله لطلحة، وروى من وجوه عن النبي ﷺ أنه قال: طلحة ممن قضى نحبه، وروي أيضاً أنه نظر إليه فقال: من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة، وسماه النبي ﷺ ((طلحة خير)) ، و ((طلحة الفياض)) و ((طلحة الجواد)) ، له ثمانية وثلاثون حديثاً، اتفقا منها على حديث، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة، وقال القسطلاني: له في البخاري أربعة أحاديث، استشهد يوم الجمل، أتاه سهم غرب لا يدرى من رماه واتهم به مروان، لعشر خلون من جمادى الأولى سنة (٣٦) عن (٦٤) سنة، وقيل (٦٣) ، وقيل غير ذلك، ودفن بالبصرة، وقال ابن قتيبة: دفن بقنطرة قرة ثم رأته بنته بعد ثلاثين سنة في المنام أنه يشكر إليها النداوة، فأمرت

стр. 66

قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول: حتى دنا من رسول الله ﷺ ، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات ــ فاستخرج طرياً، ودفن بدار البحرتين بالبصرة، روى له جماعة، وقال ابن عبد البر: لا يختلف العلماء في أن مروان قتل طلحة يوم الجمل، قال الخزرجي: خلف طلحة ثلاثين ألف ألف درهم، ومن العين ألفي ألف ومائتي ألف دينار. (جاء رجل) قيل: هو ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بني بكر، وفيه نظر، والتفصيل في الفتح (ج١: ص٥٦) وفي مقدمته، (من أهل نجد) صفة رجل، ونجد من بلاد العرب خلاف الغور، والغور: هو تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة أي مكة إلى أرض العراق فهو نجد، وهو في الأصل ما ارتفع من الأرض (ثائر الرأس) أي منتفش شعر الرأس ومنتشره من عدم الارتفاق والرفاهة، ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة، من ثار الغبار: إذا ارتفع وانتشر، أطلق اسم الرأس على الشعر مجازاً تسمية للحال باسم المحل، أو مبالغة بجعل الرأس كأنه المنتشر، أو يكون هو من باب حذف المضاف بقرينة عقلية، وهو مرفوع على أنه صفة، وقيل: إنه منصوب على الحالية من رجل لوصفه بقوله من أهل نجد، والإضافة في ثائر الرأس لفظية فلا تفيد إلا تخفيفاً، ويجوز وقوع صاحب الحال نكرة إذا اتصف بشيء كما في المبتدأ أو أضيف أو وقع بعد نفي (نسمع) بصيغة المتكلم المعلوم على الصحيح (دوي صوته) بالنصب على أنه مفعوله، وفي بعض النسخ يسمع بالياء مجهولاً ورفع دوي على النيابة عن الفاعل، وكذا الوجهان في قوله ((لا نفقه)) بالنون والياء، قال العيني: رواية النون فيهما هي المشهورة، وعليها الاعتماد، والدوي: بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، قال الخطابي: الدوي: صوت مرتفع متكرر لا يفهم، وإنما كان كذلك لأنه نادى من بُعد، ويقال: الدوي شدة الصوت وبُعده في الهواء وعلوه، والمعنى نسمع شدة صوته وبُعده في الهواء فلا يفهم منه شيء كدوي النحل والذباب (ما يقول) في محل النصب على أنه مفعول، أو في الرفع على النيابة والمعنى نسمع كلامه ولا نفهمه لبُعده (حتى) للغاية بمعنى إلى أن (دنا من رسول الله ﷺ ) ففهمنا كلامه (فإذا) للمفاجأة (هو) أي الرجل (يسأل عن الإسلام) أي عن شرائعه وفرائضه، يدل عليه ما زاد البخاري في آخر حديث طلحة هذا في كتاب الصيام، فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وإنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها، أو علم أنه يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذكر الشهادة له ولم يسمعها طلحة منه لبعد موضعه، أو نسيها أو اختصرها لشهرتها، ولم يذكر الحج؛ لأن الراوي اختصره، ويؤيده ما ذكرنا من الزيادة في آخر هذا الحديث، فقد دخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات (خمس صلوات) الرفع على الصحيح، على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الإسلام، أو هي خمس صلوات، أو مبتدأ محذوف الخبر من شرائعه أداء خمس صلوات، ويجوز النصب بتقدير خذ أو صل، قال

стр. 67

في اليوم والليلة، فقال: هل عليّ غيرهن؟ فقال: لا، إلا أن تطوع ــ العيني: ويجوز الجر على أنه بدل من الإسلام، قال القاري: لا يصح الجر رواية ولا دراية، أما الأول فيظهر من تتبع النسخ المصححة، وأما الثاني فلأن البدل والمبدل لا يكونان إلا في كلام شخص واحد ... الخ. (هل عليّ غيرهن) أي هل يجب عليّ من الصلاة غير الصلوات الخمس في اليوم والليلة، أو الجار خبر مقدم وغيرهن مبتدأ مؤخر (فقال: لا) أي لا يجب عليك غيرها، وفيه حجة على من أوجب الوتر، وهو الحنفية، وأجاب القاري عنه بأن هذا قبل وجوب الوتر، أو إنه تابع للعشاء، وقال العيني: لم يكن الوتر واجباً حينئذٍ، يدل عليه أنه لم يذكر الحج – انتهى. وتعقب بأن هذا يحتاج إلى معرفة التاريخ، ودونها خرط القتاد، على أنه موقوف على ثبوت وجوب صلاة الوتر، ولا دليل على وجوبها لا من كتاب ولا من سنة صحيحة ولا من إجماع، بل الأمر على عكس ما قالوا، فإن الدلائل الصحيحة الصريحة من السنة قائمة على عدم وجوبها كما ستعرف إن شاء الله، فلا يصح أن يقال: إن هذا كان قبل وجوب الوتر، وأما قول العيني "يدل عليه أنه لم يذكر الحج" ففيه أنه إنما يتم ذلك إذا ثبت أنه لم يفرض الحج حينئذٍ، وفيه نظر؛ لأنه يحتمل أن الرجل سأل عن حاله خاصة، حيث قال ((هل علي غيرها)) فأجابه – ﵇ – بما عرف من حاله، ولعله ممن لم يكن الحج واجباً عليه، والظاهر أنه ﷺ ذكره له لكن اختصره الراوي، يدل عليه رواية البخاري في الصيام، فأخبره بشرائع الإسلام كما تقدم، فحصره ﷺ جنس الصلاة الواجبة في اليوم والليلة في الخمس ونفي وجوب الصلاة الأخرى مع ذكر باقي الواجبات يدل على عدم وجوب الوتر، وأما قول القاري: إنه تابع للعشاء، ففيه أنه قد أنكر أبوبكر بن مسعود الكاساني الحنفي كونه تابعاً للعشاء حيث قال في بدائعه (ج١: ص٢٧٠) : وذا – أي كون تقديم العشاء شرطاً عند التذكر – لا يدل على التبعية كتقديم كل فرض على ما يعقبه من الفرائض، ولهذا اختص بوقت استحساناً فإن تأخيرها إلى آخر الليل مستحب، وتأخير العشاء إلى آخر الليل يكره أشد الكراهة، وذا أمارة الأصالة، إذ لو كانت تابعة للعشاء لتبعته في الكراهة والاستحباب جميعاً، انتهى. (إلا أن تطوع) بتشديد الطاء والواو، وأصله "تتطوع" بتائين، فأدغمت إحداهما في الطاء، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما، قال النووي: المشهور التشديد، ومعناه: إلا أن تفعله بطواعيتك. واعلم أن هذا الاستثناء يجوز أن يكون منقطعاً بمعنى لكن، ويجوز أن يكون متصلاً، واختارت الشافعية والحنابلة الانقطاع، والمعنى: لكن يستحب لك أن تطوع، وتمسكوا به على أنه لا يلزم إتمام النفل بالشروع، بل يستحب فقط فيجوز قطعه، ولا يجب القضاء عمداً قطعه أو من عذر، واختارت الحنفية والمالكية الاتصال فإنه هو الأصل في الاستثناء، واستدلوا به على أن من شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه إتمامه، ولا يجوز القطع إلا بعذر، ثم اختلفوا فقال الحنفية: يلزم القضاء مطلقاً عمداً قطعه أو عذراً،

стр. 68

قال رسول الله ﷺ : ــ وقالت المالكية: لا يلزم القضاء إلا إذا قطعه عمداً من غير عذر، وقال القرطبي المالكي: نفى في الحديث وجوب شيء آخر، والاستثناء من النفي إثبات، فيلزم أن يكون التطوع واجباً، ولا قائل لوجوبه لاستحالته، فتعين أن يكون المراد إلا أن تشرع في تطوع فيلزمك إتمامه – انتهى. قالت الحنفية: ويدل على كون الاستثناء في الحديث للاتصال حديث عائشة عند أحمد والنسائي والترمذي، وفيه أنه قال: صوما يوماً مكانه، فأمر بالقضاء، فدل على أن الشروع ملزم، وأن القضاء بالإفساد واجب. وأجيب عن تقرير القرطبي أولاً بأنه مغالطة؛ لأن الاستثناء ههنا من غير الجنس؛ لأن التطوع لا يقال فيه: عليك، فكأنه قال: لا يجب عليك شيء إلا إن أردت أن تطوع، فذلك لك، وقد علم أن التطوع ليس بواجب فلا يجب شيء آخر أصلاً، وثانياً: بأن الحنفية لا يقولون بفرضية الإتمام، بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتبيانهما، فلا يصح حملهم الاستثناء في الحديث على الاتصال، وثالثاً: بأن الاستثناء من النفي عندهم ليس للإثبات، بل مسكوت عنه. ورابعاً بما قاله بعض العلماء الحنفية: إن الحديث خارج عن موضع النِزاع، فإن الإيجاب المذكور فيه إنما هو الإيجاب من جهة الوحي، ومسألة لزوم النفل بالشروع إنما هو إيجاب العبد على نفسه شيئاً بخيرته وطوعه. وخامساً: بأنه قال ﷺ في الزكاة مثل ما قال في الصلاة والصوم، لكن لا يمشي تقرير القرطبي وغيره ممن قال بوجوب الإتمام في الزكاة، قال السندهي الحنفي: لا يظهر هذا في الزكاة إذ الصدقة قبل الإعطاء لا تجب، وبعده لا توصف بالوجوب، ولا يقال: إنه صار واجباً بالشروع فلزم إتمامه، فالوجه أنه استثناء منقطع، أي لكن التطوع جائز أو خير، ويمكن أن يقال من باب المبالغة في نفي واجب آخر، على معنى ليس عليك واجب آخر إلا التطوع، والتطوع ليس بواجب، فلا واجب غير المذكور – انتهى. قال القاري مجيباً عن الثاني: بأنه ممنوع، فإن الواجب عندنا فرض عملي لا اعتقادي، وبهذا الاعتبار يطلق عليه أنه فرض، فالمراد بالفرض في الحديث المعنى الأعم، مع أنه لا محذور في جعل الاستثناء منقطعاً لصحة الكلام، فيكون المعنى: لكن التطوع باختيارك، أي ابتداءً كما هو مذهبنا، قلت: الفرق بين الفرض والواجب بالمعنى الاصطلاحي، ثم تقسيم الفرض إلى الفرض الاعتقادي والعملي، وجعل الواجب الاصطلاحي فرضاً عملياً من المصطلحات الحادثة لم يعرفها الصحابة، فلا ينبغي أن يحمل الحديث على مصطلحات الفنون الحادثة بعد عصر الصحابة، والظاهر بل المتعين في معناه على كون الاستثناء للانقطاع هو أن يقال لكن يستحب لك أن تطوع، أو لكن التطوع باختيارك انتهاء كما هو في طواعيتك ابتداءً، ويؤيده حديث أم هانئ عند الترمذي وغيره، وفيه الصائم المتطوع أمير أو أمين نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر، ويؤيده أيضاً ما رواه النسائي عن عائشة مرفوعاً: إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل الذي يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها، وقال القاري مجيباً عن الثالث: بأنه مدخول، فإن هذا إنما يرد عليهم لو استدلوا بهذا الحديث، وتقدم أن دليلهم الآية والإجماع، وإنما حملوا لفظ الحديث على المعنى المستفاد منهما يعني بالآية قوله تعالى:

стр. 69

﴿لا تبطلوا أعمالكم﴾ [٤٧: ٣٣] . قلت: قد استدل بهذا الحديث غير واحد من الحنفية والمالكية على مذهبهم، وذكروه في معرض الاستدلال، كما صرح به العيني في شرح البخاري، والقرطبي في شرح مسلم، والزرقاني في شرح الموطأ وغيرهم، وأما الاحتجاج بالآية والإجماع فهو مخدوش كما ستعرف، فلا يصح حمل هذا الحديث على ما ذهبوا إليه في معناه، وذلك لفساد البناء، وأما حديث عائشة الذي جعلوه قرينة على حمل الاستثناء على الاتصال، فالجواب عنه أن الأمر فيه للاستحباب لا للوجوب، والقرينة على ذلك حديث أبي سعيد عند البيهقي، وسنذكره على أن حديث عائشة مرسل، والمرسل على الصحيح ليس بحجة، قال الخلال: اتفق الثقات على إرساله، وشذ من وصله، وتوارد الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا، ضعفه أحمد والبخاري والنسائي بجهالة زميل، كذا في الفتح، قلت: قد استدل عامة الحنفية على لزوم الإتمام بعد الشروع بقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا أعمالكم﴾ وبإجماع الصحابة على وجوب الإتمام، وبالقياس على الحج والعمرة. وأجيب عن الاستدلال بالآية بوجوه: الأول أنه يلزم الحنفية حيث استدلوا بها أن يقولوا إن الإتمام فرض، وهم إنما يقولون بوجوبه، قال القاري: هذا مدفوع بأن الآية قطعية، والدلالة ظنية – انتهى. وفيه أن هذا لا يفيد الحنفية بل يضرهم، إذ يقطع أصل الاستدلال؛ لأن أحاديث أم هانئ وعائشة وأبي سعيد وما في معناها وإن كانت ظنية لكن دلالتها على التخير قطعية بلا شبهة، ومن المعلوم أن مناط الاستدلال هي الدلالة لا الثبوت، وعلى هذا ففي الاستدلال بالآية المذكورة على وجوب الإتمام ترجيح ما هو ظني الدلالة على ما هو قطعي الدلالة، ولا شك أنه ترجيح المرجوح، وذا لا يجوز عند أحد، والثاني: أن الآية المذكورة عامة، قال ابن المنير المالكي: ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله لا تبطلوا أعمالكم، إلا أن الخاص مقدم على العام كحديث سلمان – انتهى. والثالث: أن المراد في الآية بالإبطال هو الإبطال الأخروي بالرياء والسمعة، لا الإبطال الفقهي، قال ابن عبد البر المالكي: من احتج في هذا بقوله لا تبطلوا أعمالكم فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء، كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء، بل أخلصوها لله، وقال الآخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يفرض الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر أو غيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك – انتهى. وقال الشيخ محمد أنور الحنفي: أما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا أعمالكم﴾ فليس بناهض؛ لأن الآية إنما سيقت لبطلان الثواب لا للبطلان الفقهي، كما يدل عليه السياق، فهي كقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [٢: ٢٦٢] –انتهى. والرابع: ما ذكره الشيخ بحر العلوم اللكنوي الحنفي في شرح مسلم الثبوت (٥٨ من طبعة الهند) : إن ههنا كلامان عويصان: الأول أن الدليل لو تم لدل على وجوب الإتمام، فتركه يكون إثماً، وقد صح عن رسول الله ﷺ في صحيح مسلم إفساد صوم النفل بالأكل، ولا ينفع حينئذٍ ما في فتح القدير أنه – ﵊– لعله قضاه، فإن الكلام في نفس الإفطار فإنه حينئذٍ مشتمل على ترك الواجب، فإن قلت: لعله يكون الإفطار في صيام التطوع رخصة مطلقاً كما أنه رخصة في الفرض في حق المسافر، قلت: فأين الوجوب فإن

стр. 70

الواجب ما يأثم بتركه، ولا مخلص عند هذا العبد إلا بإبداء عذر (أي معين لا احتمالاً) أو بإثبات المنسوخية، أو بالقول بأن الوجوب كوجوب الصلاة على من استأهل في الآخر، فتدبر، الثاني: أن بعض الصوم لما لم يكن صوماً لم يكن فيه إبطال العمل، فإنه ما عمل إلا بعد الصوم، وليس بعمل، فالإفطار لا يوجب إبطال العمل، فتأمل فيه – انتهى. وأجاب بعضهم عن الثاني بأن بعض الصوم وإن لم يكن عملاً بالفعل لكنه في معرض أن يصير عملاً، فتركه إبطال للعمل، وتعقب بأن إطلاق العمل على ما هو معرض أن يصير عملاً لا شك أنه مجاز، وعلى هذا فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو لا يجوز عند الحنفية، وأجيب عن الاحتجاج بإجماع الصحابة بأنه مجرد دعوى بلا سند، فلا يقبل، قال القاري: هو مردود؛ لأن ذكر السند ليس بشرط لصحة الإجماع، مع أن الآية سند معتمد لصحة الإجماع، قلت: لم يثبت نصاً عن أحد من الصحابة أنه ذهب إلى وجوب الإتمام بعد الشروع، فضلاً عن إجماعهم على ذلك فلا يلتفت إلى دعوى الإجماع مع وجود النصوص الصريحة على عدم الوجوب، وأما الاستناد بالآية فقد عرفت فساده، وأما الجواب عن القياس فهو أن الحج امتاز عن غيره بلزوم المضي في فاسده، فكيف في صحيحه، وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله كفرضه، ويرد على أصل مذهب الحنفية بأن النفل إذا كان واجباً بالشروع كما في كتب الأصول ففي التلويح (ج١: ص٣٠٦ – طبعة مصر) : والنفل لا يضمن بالترك، وأما إذا شرع فيه، وأفسد فقد صار بالشروع واجباً فيقضي – انتهى. وفي كشف الأسرار (ج١: ص١٣٥) : وأما إذا شرع النفل ثم أفسده، فإنما يجب القضاء؛ لأنه بالشروع صار ملحقاً بالواجب، لا لأنه نفل كما قبل الشروع – انتهى. فيلزم حينئذٍ أن لا يكون النفل من حيث أنه نفل عبادة عملاً، وعلى هذا فالمسائل التي تتعلق بنفس النفل لا يكون لها مصداق في الواقع، مثل قولهم: صلاة المفترض خلف المتنفل لا تجوز، فتأمل. وقالت الشافعية: الدليل على كون الاستثناء في الحديث منقطعاً ما روى النسائي وغيره أن النبي ﷺ كان أحياناً ينوي صوم التطوع ثم يفطر، وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت، ولم يأمرها بالقضاء، وروى البيهقي عن أبي سعيد قال: صنعت للنبي ﷺ طعاماً، فلما وضع قال رجل أنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : ((دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر فصم مكانه إن شئت)) ، قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: إسناده حسن – انتهى. ففي هذه الأحاديث الثلاثة، وحديثي أم هانئ وعائشة المتقدمين دليل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام إذا كانت نافلة، بهذه النصوص في الصوم، وبالقياس في الباقي إلا الحج. وأجاب العيني عن ذلك بأن حديث النسائي لا يدل على أنه ﷺ ترك القضاء، وإفطاره ﷺ ربما كان لعذر مثل الجوع أو غيره، وحديث جويرية إنما أمرها بالإفطار عند تحقق واحد من الأعذار كالضيافة، أو لأنها صامت بغير إذنه واحتاج إليها، وليس فيه أنها تركت القضاء، وكل ما جاء من أحاديث الباب محمول على مثل هذا – انتهى. وقال الزرقاني: وإذا احتمل ذلك سقط به الاستدلال؛ لأن القصتين من وقائع الأحوال التي لا عموم لها، وقد قال تعالى: ﴿لا تبطلوا أعمالكم﴾ – انتهى. قلت: إبداء مثل هذه الاحتمالات من غير منشأ وقرينة تدل عليها مما لا يلتفت إليه، فإنه تحكم محض، يفعله صاحبه ترويجاً لدعواه وتمشية لمذهبه، ولو كان القضاء

стр. 71

وصيام شهر رمضان، فقال: هل عليّ غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع، قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، فقال: هل عليّ غيرها؟ فقال: لا، إلا أن تطوع، ــ واجباً لأمر ﷺ جويرية بالقضاء، ونقل إلينا ألبتة، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو سلم أنه وقع القضاء منهما لما كفى لإثبات وجوب القضاء، فإن الفعل لا يدل على الوجوب، فيحتمل أن قضاءهما كان ندباً، لا لأنه واجب، وأما قول الزرقاني ففيه أن قوله ﷺ وأمره وفعله وتقريره حجة لكل شخص في كل زمان ومكان وحال، ما لم يدل دليل على الخصوصية، وقد تقدم أن الاستناد بالآية على وجوب الإتمام جهل، وقال العيني: ولو وقع التعارض بين الأخبار فالترجيح معنا لثلاثة أوجه، أحدها: إجماع الصحابة. والثاني: أحاديثنا مثبتة، وأحاديثهم نافية، والمثبت مقدم. والثالث: أنه احتياط في العبادة. قلت: قد عرفت فيما تقدم أن دعوى الإجماع باطلة، وأما قوله: إن أحاديث الحنفية تقدم على أحاديث الشافعية لكون الأولى مثبتة والثانية نافية، ففيه أن تقديم المثبت على النافي إنما هو إذا كانت أحاديث الطرفين متساوية في القوة والضعف، وهاهنا أحاديث النفي أرجح وأقوى من حيث الكثرة والصحة، وأحاديث الإثبات مرجوحة ضعيفة، فتقدم أحاديث النفي عليها، وليس الاحتياط في جعل الشيء واجباً من غير دليل قوي، بل الاحتياط في العمل بالسنة الصحيحة سواء كانت مثبتة للوجوب أو نافية له مع أن الأصل براءة الذمة، فافهم. (وصيام شهر رمضان) عطف على خمس صلوات، وجملة السؤال والجواب معترضة (قال) أي طلحة راوي الحديث (وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة) هذا قول الراوي، كأنه نسي ما نص عليه رسول الله ﷺ أو التبس عليه فقال: (وذكر له الزكاة) ، هذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ معتبرة في الرواية، فإذا التبس عليه يشير في لفظه إلى ما ينبئ عنه كما فعل الراوي هاهنا، وفي رواية البخاري في الصيام: قال: فأخبرني بماذا فرض الله علي من الزكاة، قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام أي بنصب الزكاة ومقاديرها وغير ذلك مما يتناول الحج وأحكامه وجميع المنهيات، وأما تعقب الأبيّ بإرجاع لفظ الشرائع إلى ما ذكر قبله لأن العام المذكور عقب خاص يرجع إلى ذلك الخاص على الصحيح، فهو مردود عليه، فإن الصحيح والحق في مثل هذا أن ذكر العام بعد الخاص يكون للتعميم ولدفع توهم اختصاص الحكم بالخاص المذكور قبله، فافهم، قال الحافظ: تضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجملت منها بيان نصب الزكاة، فإنها لم تفسر في الروايتين، وكذا أسماء الصلوات، وكان السبب فيه شهرة ذلك عندهم، أو القصد من القصة بيان أن المتمسك بالفرائض ناجٍ وإن لم يفعل النوافل – انتهى. (فقال: لا، إلا أن تطوع) قيل: يعلم منه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة بشروطها، قال القاري: وهو ظاهر إن أريد به الحقوق الأصلية المتكررة تكررها وإلا فحقوق المال كثيرة كصدقة الفطر والنفقات الواجبة، قلت: الكلام في حقوق المال وليس شيء من هذه الأشياء من حقوق المال بمعنى أنه يوجبه المال بل يوجبه أسباب أخر كالفطر والقرابة والزوجية وغير ذلك

стр. 72

قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : ((أفلح الرجل إن صدق)) ، متفق عليه. ١٧- (١٦) وعن ابن عباس – ﵄ – قال: إن وفد عبد القيس ــ (والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه) أي لا أزيد على شرائع الإسلام ولا أنقص منها شيئاً، والدليل عليه ما في رواية البخاري (ج١: ص٢٥٤) في الصيام لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله علي شيئاً، قيل: كيف أقرّه على حلفه وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيراً؟ وأجيب بأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جارٍ على الأصول بأن لا إثم على غير تارك الفرائض، فهو مفلح وإن كان غيره أكثر فلاحاً منه، وقال الباجي: يحتمل أنه سومح في ذلك لأنه في أول الإسلام (أفلح الرجل إن صدق) قال ابن بطال: دل هذا على أنه إن لم يصدق في التزامها أنه ليس بمفلح، وهذا خلاف قول المرجئة، وليس فيه تسويغ لترك السنن لما قال القرطبي: لم يسوغ له تركها دائماً ولكن لقرب عهده بالإسلام اكتفى منه بالواجبات، وأخره حتى يأنس وينشرح صدره ويحرص على الخير، فيسهل عليه المندوبات – انتهى، وفي الحديث رد على المرجئة إذ شرط في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال والفرائض المذكورة، وهو يقولون: التصديق وحده كافٍ للنجاة، لا حاجة إلى العمل، ولا يضر المعصية مع التصديق (متفق عليه) وأخرجه أيضاًَ أبوداود والنسائي. ١٧- قوله: (وعن ابن عباس) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبوالعباس المكي ثم المدني ثم الطائفي، ابن عم النبي ﷺ وصاحبه، وأمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين، ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقال أحمد: خمس عشرة سنة، والأول أثبت، كان يقال له: الحبر والبحر لكثرة علمه، وترجمان القرآن. دعا له النبي ﷺ بالحكمة والفقه والعلم وتأويل الكتاب، ورأى جبرائيل – ﵇ – مرتين، قال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا نطق قلت: أفصح الناس، وإذا حدث قلت: أعلم الناس، وكان عمر يدنيه ويقربه ويشاوره مع أجلة الصحابة، ومناقبه كثيرة وفضائله مشهورة، بسط ترجمته الحافظ في الإصابة، وابن عبد البر في الاستيعاب. روى عن النبي ﷺ ألفاً وستمائة وستين حديثاً، اتفقا على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، مات بالطائف سنة ٦٨، وهو ابن ٧١ سنة على الصحيح، في أيام ابن الزبير، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقد كف بصره في آخر عمره، وقال الخزرجي: ابن عباس سمع النبي ﷺ خمسة وعشرين حديثاً، وباقي حديثه من الصحابة، واتفقوا على قبول مرسل الصحابي – انتهى. (إن وفد عبد القيس) الوفد جمع وافد، وهو الذي أتى إلى الأمير برسالة من قوم، وقيل: الوفد الجماعة المختارة من

стр. 73

لما أتوا النبي ﷺ قال رسول الله ﷺ : ((مَن القوم أو مَن الوفد؟ قالوا: ربيعة، قال: مرحباً بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى)) . ــ القوم ليتقدموهم إلى لقي العظماء والمصير إليهم في المهمات، وعبد القيس: أبوقبيلة عظيمة تنتهي إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وربيعة: قبيلة عظيمة في مقابلة مضر، وكان قبيلة عبد القيس ينْزلون البحرين وحوالي القطيف وما بين هجر إلى الديار المضرية، وقال صاحب التحرير: وفد عبد القيس كانوا أربعة عشر راكباً، كبيرهم الأشج العصري، وقيل: كانوا ثلاثة عشر راكباً، كما في المعرفة لابن مندة، وقيل: كانوا أربعين رجلاً، رواه الدولابي، وجمع بأن لهم وفادتين: إحداهما في سنة خمس أو قبلها أو سنة ست، وكان عدد الوفد فيها ثلاثة عشر راكباً، وكان فيهم الأشج العصري. وثانيتهما كانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذٍ أربعين رجلاً، وكان فيهم الجارود العبدي، أو يقال بأن الأربعة عشر كانوا رؤوس الوفد وأشرافهم وكان الباقون أتباعاً، وقال العيني (ج١: ٣٠٩) جملة الجمع تكون خمسة وأربعين نفساً، فعلمنا أن التنصيص على عدد معين لم يصح، ولهذا لم يخرجه البخاري ومسلم بالعدد المعين، ثم ذكر العيني نقلاً عن شرح مسلم للنووي سبب قدومهم، قال القاضي: كان وفودهم عام الفتح قبل خروج النبي ﷺ إلى مكة، قال الحافظ: "تبع القاضي فيه الواقدي وليس بجيد؛ لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح، ولكن القاضي يختار أن فرض الحج كان سنة تسع حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور". (لما أتوا النبي ﷺ ) أي حضروه (مَن القوم أو مَن الوفد) شك من الراوي، والسؤال للاستئناس، أو ليعرفوا فينْزلوا منازهم (قالوا ربيعة) أي قال بعض الوفد: نحن ربيعة أو وفد ربيعة، على حذف مضاف، وفي نسخة بالنصب أي نسمى ربيعة، وفيه التعبير عن البعض بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض الرواة فإن عند البخاري في الصلاة: فقالوا: إنا هذا الحي من ربيعة (قال: مرحباً بالقوم أو بالوفد) أي أصاب الوفد رحباً – بضم الراء – أي سعة، والرحب – بالفتح -: الشيء الواسع أو أتى القوم موضعاً واسعاً، فالباء زائدة في الفاعل، ومرحباً مفعول به لمقدر، أو أتى الله بالقوم مرحباً، فالباء للتعدية ومرحباً مفعول مطلق، وقيل: هو من المفاعيل المنصوبة بعامل مضمر لازم إضماره لكثرة دورانه على ألسنة العرب، ويقال: هذا لتأنيس الوافد وإزالة الاستحياء عن نفس من أتى من باغي خير وقاصد حاجة (غير خزايا) بفتح الخاء جمع خزيان من الخزي وهو الذل والإهانة، أي غير أذلاء مهانين، ونصب غير على الحال من الوفد، والعامل فيه الفعل المقدر في مرحباً، وفي رواية للبخاري مرحباً بالوفد الذين جاءوا غير خزايا، قال القاري: وجوز جره على أنه بدل من القوم، وقال العيني: ويروى غير بكسر الراء على أنه صفة للقوم، فإن قلت: إنه نكرة كيف وقعت صفة للمعرفة؟ قلت: للمعرف بلام الجنس قرب المسافة بينه وبين النكرة فحكمه حكم النكرة إذ لا توقيت فيه ولا تعيين – انتهى. (ولا ندامى) جمع نادم على غير قياس، إذ قياسه نادمين، لكنه اتبع خزايا تحسيناً للكلام، كما قالوا العشايا والغدايا، والقياس الغدوات جمع غداة لكنه اتبع لما يقارنه،

стр. 74

قالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، ــ وإذا أفردت لم يجز إلا الغدوات، وقيل: هو جمع ندمان بمعنى نادم من الندامة كما حكى القزاز والجوهري وغيرهما من أهل اللغة. وعلى هذا يكون الجمع على الأصل ولا يكون من باب الاتباع، والمعنى: ما كانوا بالإتيان إلينا خاسرين خائبين؛ لأنهم أسلموا طوعاً من غير حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم. (قالوا: يا رسول الله) فيه دليل على أنهم كانوا حين المقابلة مسلمين، وكذا في قولهم "كفار مضر" وفي قولهم "الله ورسوله أعلم". (لا نستطيع أن نأتيك) أي في جميع الأزمنة (إلا في الشهر الحرام) المراد به الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، ويؤيده رواية البخاري في المغازي بلفظ (إلا في أشهر الحرم) ، وفي المناقب (إلا في كل شهر حرام) ، وقيل: اللام للعهد، والمراد شهر رجب، وفي رواية للبيهقي التصريح به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة عند البخاري حيث قال: ((رجب مضر)) ، والظاهر أنهم يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى إلا أنهم ربما أنسوها بخلافه، وإنما قالوا ذلك اعتذاراً عن عدم الإتيان إليه ﷺ في غير هذا الوقت؛ لأن الجاهلية كانوا يحاربون بعضهم بعضاً، ويكفون في الأشهر الحرم تعظيماً لها وتسهيلاً على زوار البيت الحرام من الحروب والغارات الواقعة منهم في غيرها، ومن ثم كان يمكن مجيء هؤلاء إليه – ﵊ – فيها دون ما عداها، قال الحافظ: وفيه دليل على تقدم إسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضاً ما رواه البخاري في الجمعة عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين، وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام – انتهى. واحفظه فإنه ينفعك في مسألة الجمعة في القرى. (وبيننا وبينك هذا الحي) الجملة حال من فاعل نأتيك، أو بيان لوجه عدم الاستطاعة، والحي: هو اسم لمنْزل القبيلة ثم سميت القبيلة به اتساعاً لأن بعضهم يحيى ببعض (من كفار مضر) كلمة من للبيان، ومضر هو ابن نزار بن معد بن عدنان، فهو أخو ربيعة أبي عبد القيس (بأمر فصل) الفصل بمعنى الفاصل كالعدل بمعنى العادل، أي يفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى المفصل المبين المكشوف، حكاه الطيبي، وقال الخطابي: الفصل هو الواضح البيّن الذي ينفصل به المراد ولا يشكل، وقيل: المحكم، والأمر بمعنى الشأن، واحد الأمور، والباء صلة والمراد به معنى اللفظ ومورده، وقيل: الأمر واحد الأوامر أي القول الطالب للفعل والباء للاستعانة، والمراد به اللفظ والمأمور به محذوف، أي مرنا بعمل بقولك آمنوا أو قولوا آمنا كذا في المرقاة. (نخبر) بالرفع على أنه صفة ثانية لأمر أو استئناف، وبالجزم على أنه جواب الأمر (من وراءنا) بفتح الميم، والهمزة موصولة أي من استقروا خلفنا (وندخل) برفع اللام وجزمها عطفاً على نخبر الموجه بوجهين (به) أي بسبب قبول أمرك والعمل به (الجنة) هذا لا ينافي قوله ﷺ ((لن يدخل الجنة

стр. 75

وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس ــ أحد منكم بعمله؛ لأن المراد نفي كون العمل سبباً مستقلاً في الدخول مع قطع النظر عن كونه من الرحمة والفضل، إذ القصد به الرد على من يرى عمله متكفلاً بدخولها من غير ملاحظة لكونها من جملة رحمة الله، أو المراد الجنة العالية أو أن درجاتها بالعمل ودخولها بالفضل. (وسألوه عن الأشربة) جمع شراب وهو ما يشرب أي عن حكم ظروف الأشربة، فالمضاف محذوف، أو التقدير عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة فعلى هذا يكون محذوف الصفة، والمراد عن حكمها (فأمرهم بأربع) أي بأربع خصال، أو بأربع جمل بقولهم حدثنا بحمل من الأمر في رواية البخاري في المغازي (ونهاهن عن أربع) أي أربع خصال وهي أنواع الشرب باعتبار أصناف الظروف الآتية (قالوا: الله ورسوله أعلم) تأدباً وطلباً للسماع منه ﷺ ؛ لأن القوم كانوا مؤمنين (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) برفع شهادة لا غير على أنها خبر مبتدأ محذوف هو هو، أي الإيمان بالله وحده الذي هو بمعنى الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله ... الخ (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان) برفع الثلاثة على ما سيأتي بيانها، وقيل: بجرها عطفاً على الإيمان في قوله: أمرهم بالإيمان بالله وحده، (وأن تعطوا من المغنم) بفتح الميم والنون أي الغنيمة (الخمس) بضم الميم وسكونها، وأن تعطوا في محل الرفع عطفاً على قوله وصيام رمضان، فيكون واحداً من الأركان. قال الطيبي: في الحديث إشكالان: أحدهما: أن المأمور به واحد والأركان تفسير للإيمان بدلالة قوله ((أتدرون ما الإيمان بالله وحده)) ، وقد قال أربع أي الإيمان واحد والموعود بذكره أربع، فأين الثلاثة الباقية؟ وثانيهما: أن الأركان أي المذكورة خمسة، وقد ذكر أولاً أنها أربعة، وأجيب عن الأول بأنه جعل الإيمان أربعاً نظراً إلى أجزائه المفصلة، يعني أن الإيمان باعتبار أجزائه المفصلة أربع وهو في حد ذاته واحد، والمعنى: أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذكر أنه يأمرهم بها ثم فسرها، فهو واحد بالنوع متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهي عنه وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار واحد بالنوع متعدد بحسب أوعيته، وعن الثاني بأن عادة البلغاء إذا كان الكلام منصباً لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له، وكأن ما سواه مطروح، فهاهنا ذكر الشهادتين ليس مقصوداً؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صدر الإسلام، قال فلهذا لم يعد الشهادتين في الأوامر، وقال الكرماني: لم يجعل الشهادة بالتوحيد وبالرسالة من الأربع لعلمهم بذلك، وإنما أمرهم بأربع لم يكن في علمهم أنها دعائم الإيمان، وإلى هذا نحا القرطبي فقال: ذكر الشهادتين تبركاً بهما كما في قوله ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [٨: ٤١] ،
следующие страницы →