Полный текст (4 545 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وصيام شهر رمضان، فقال: هل عليّ غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع، قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، فقال: هل عليّ غيرها؟ فقال: لا، إلا أن تطوع،
ــ
واجباً لأمر ﷺ جويرية بالقضاء، ونقل إلينا ألبتة، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو سلم أنه وقع القضاء منهما لما كفى لإثبات وجوب القضاء، فإن الفعل لا يدل على الوجوب، فيحتمل أن قضاءهما كان ندباً، لا لأنه واجب، وأما قول الزرقاني ففيه أن قوله ﷺ وأمره وفعله وتقريره حجة لكل شخص في كل زمان ومكان وحال، ما لم يدل دليل على الخصوصية، وقد تقدم أن الاستناد بالآية على وجوب الإتمام جهل، وقال العيني: ولو وقع التعارض بين الأخبار فالترجيح معنا لثلاثة أوجه، أحدها: إجماع الصحابة. والثاني: أحاديثنا مثبتة، وأحاديثهم نافية، والمثبت مقدم. والثالث: أنه احتياط في العبادة. قلت: قد عرفت فيما تقدم أن دعوى الإجماع باطلة، وأما قوله: إن أحاديث الحنفية تقدم على أحاديث الشافعية لكون الأولى مثبتة والثانية نافية، ففيه أن تقديم المثبت على النافي إنما هو إذا كانت أحاديث الطرفين متساوية في القوة والضعف، وهاهنا أحاديث النفي أرجح وأقوى من حيث الكثرة والصحة، وأحاديث الإثبات مرجوحة ضعيفة، فتقدم أحاديث النفي عليها، وليس الاحتياط في جعل الشيء واجباً من غير دليل قوي، بل الاحتياط في العمل بالسنة الصحيحة سواء كانت مثبتة للوجوب أو نافية له مع أن الأصل براءة الذمة، فافهم. (وصيام شهر رمضان) عطف على خمس صلوات، وجملة السؤال والجواب معترضة (قال) أي طلحة راوي الحديث (وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة) هذا قول الراوي، كأنه نسي ما نص عليه رسول الله ﷺ أو التبس عليه فقال: (وذكر له الزكاة) ، هذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ معتبرة في الرواية، فإذا التبس عليه يشير في لفظه إلى ما ينبئ عنه كما فعل الراوي هاهنا، وفي رواية البخاري في الصيام: قال: فأخبرني بماذا فرض الله علي من الزكاة، قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام أي بنصب الزكاة ومقاديرها وغير ذلك مما يتناول الحج وأحكامه وجميع المنهيات، وأما تعقب الأبيّ بإرجاع لفظ الشرائع إلى ما ذكر قبله لأن العام المذكور عقب خاص يرجع إلى ذلك الخاص على الصحيح، فهو مردود عليه، فإن الصحيح والحق في مثل هذا أن ذكر العام بعد الخاص يكون للتعميم ولدفع توهم اختصاص الحكم بالخاص المذكور قبله، فافهم، قال الحافظ: تضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجملت منها بيان نصب الزكاة، فإنها لم تفسر في الروايتين، وكذا أسماء الصلوات، وكان السبب فيه شهرة ذلك عندهم، أو القصد من القصة بيان أن المتمسك بالفرائض ناجٍ وإن لم يفعل النوافل – انتهى. (فقال: لا، إلا أن تطوع) قيل: يعلم منه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة بشروطها، قال القاري: وهو ظاهر إن أريد به الحقوق الأصلية المتكررة تكررها وإلا فحقوق المال كثيرة كصدقة الفطر والنفقات الواجبة، قلت: الكلام في حقوق المال وليس شيء من هذه الأشياء من حقوق المال بمعنى أنه يوجبه المال بل يوجبه أسباب أخر كالفطر والقرابة والزوجية وغير ذلك
стр. 72
قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : ((أفلح الرجل إن صدق)) ، متفق عليه.
١٧- (١٦) وعن ابن عباس – ﵄ – قال: إن وفد عبد القيس
ــ
(والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه) أي لا أزيد على شرائع الإسلام ولا أنقص منها شيئاً، والدليل عليه ما في رواية البخاري (ج١: ص٢٥٤) في الصيام لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله علي شيئاً، قيل: كيف أقرّه على حلفه وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيراً؟ وأجيب بأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جارٍ على الأصول بأن لا إثم على غير تارك الفرائض، فهو مفلح وإن كان غيره أكثر فلاحاً منه، وقال الباجي: يحتمل أنه سومح في ذلك لأنه في أول الإسلام (أفلح الرجل إن صدق) قال ابن بطال: دل هذا على أنه إن لم يصدق في التزامها أنه ليس بمفلح، وهذا خلاف قول المرجئة، وليس فيه تسويغ لترك السنن لما قال القرطبي: لم يسوغ له تركها دائماً ولكن لقرب عهده بالإسلام اكتفى منه بالواجبات، وأخره حتى يأنس وينشرح صدره ويحرص على الخير، فيسهل عليه المندوبات – انتهى، وفي الحديث رد على المرجئة إذ شرط في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال والفرائض المذكورة، وهو يقولون: التصديق وحده كافٍ للنجاة، لا حاجة إلى العمل، ولا يضر المعصية مع التصديق (متفق عليه) وأخرجه أيضاًَ أبوداود والنسائي.
١٧- قوله: (وعن ابن عباس) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبوالعباس المكي ثم المدني ثم الطائفي، ابن عم النبي ﷺ وصاحبه، وأمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين، ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقال أحمد: خمس عشرة سنة، والأول أثبت، كان يقال له: الحبر والبحر لكثرة علمه، وترجمان القرآن. دعا له النبي ﷺ بالحكمة والفقه والعلم وتأويل الكتاب، ورأى جبرائيل – ﵇ – مرتين، قال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا نطق قلت: أفصح الناس، وإذا حدث قلت: أعلم الناس، وكان عمر يدنيه ويقربه ويشاوره مع أجلة الصحابة، ومناقبه كثيرة وفضائله مشهورة، بسط ترجمته الحافظ في الإصابة، وابن عبد البر في الاستيعاب. روى عن النبي ﷺ ألفاً وستمائة وستين حديثاً، اتفقا على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، مات بالطائف سنة ٦٨، وهو ابن ٧١ سنة على الصحيح، في أيام ابن الزبير، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقد كف بصره في آخر عمره، وقال الخزرجي: ابن عباس سمع النبي ﷺ خمسة وعشرين حديثاً، وباقي حديثه من الصحابة، واتفقوا على قبول مرسل الصحابي – انتهى. (إن وفد عبد القيس) الوفد جمع وافد، وهو الذي أتى إلى الأمير برسالة من قوم، وقيل: الوفد الجماعة المختارة من
стр. 73
لما أتوا النبي ﷺ قال رسول الله ﷺ : ((مَن القوم أو مَن الوفد؟ قالوا: ربيعة، قال: مرحباً بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى)) .
ــ
القوم ليتقدموهم إلى لقي العظماء والمصير إليهم في المهمات، وعبد القيس: أبوقبيلة عظيمة تنتهي إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وربيعة: قبيلة عظيمة في مقابلة مضر، وكان قبيلة عبد القيس ينْزلون البحرين وحوالي القطيف وما بين هجر إلى الديار المضرية، وقال صاحب التحرير: وفد عبد القيس كانوا أربعة عشر راكباً، كبيرهم الأشج العصري، وقيل: كانوا ثلاثة عشر راكباً، كما في المعرفة لابن مندة، وقيل: كانوا أربعين رجلاً، رواه الدولابي، وجمع بأن لهم وفادتين: إحداهما في سنة خمس أو قبلها أو سنة ست، وكان عدد الوفد فيها ثلاثة عشر راكباً، وكان فيهم الأشج العصري. وثانيتهما كانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذٍ أربعين رجلاً، وكان فيهم الجارود العبدي، أو يقال بأن الأربعة عشر كانوا رؤوس الوفد وأشرافهم وكان الباقون أتباعاً، وقال العيني (ج١: ٣٠٩) جملة الجمع تكون خمسة وأربعين نفساً، فعلمنا أن التنصيص على عدد معين لم يصح، ولهذا لم يخرجه البخاري ومسلم بالعدد المعين، ثم ذكر العيني نقلاً عن شرح مسلم للنووي سبب قدومهم، قال القاضي: كان وفودهم عام الفتح قبل خروج النبي ﷺ إلى مكة، قال الحافظ: "تبع القاضي فيه الواقدي وليس بجيد؛ لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح، ولكن القاضي يختار أن فرض الحج كان سنة تسع حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور". (لما أتوا النبي ﷺ ) أي حضروه (مَن القوم أو مَن الوفد) شك من الراوي، والسؤال للاستئناس، أو ليعرفوا فينْزلوا منازهم (قالوا ربيعة) أي قال بعض الوفد: نحن ربيعة أو وفد ربيعة، على حذف مضاف، وفي نسخة بالنصب أي نسمى ربيعة، وفيه التعبير عن البعض بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض الرواة فإن عند البخاري في الصلاة: فقالوا: إنا هذا الحي من ربيعة (قال: مرحباً بالقوم أو بالوفد) أي أصاب الوفد رحباً – بضم الراء – أي سعة، والرحب – بالفتح -: الشيء الواسع أو أتى القوم موضعاً واسعاً، فالباء زائدة في الفاعل، ومرحباً مفعول به لمقدر، أو أتى الله بالقوم مرحباً، فالباء للتعدية ومرحباً مفعول مطلق، وقيل: هو من المفاعيل المنصوبة بعامل مضمر لازم إضماره لكثرة دورانه على ألسنة العرب، ويقال: هذا لتأنيس الوافد وإزالة الاستحياء عن نفس من أتى من باغي خير وقاصد حاجة (غير خزايا) بفتح الخاء جمع خزيان من الخزي وهو الذل والإهانة، أي غير أذلاء مهانين، ونصب غير على الحال من الوفد، والعامل فيه الفعل المقدر في مرحباً، وفي رواية للبخاري مرحباً بالوفد الذين جاءوا غير خزايا، قال القاري: وجوز جره على أنه بدل من القوم، وقال العيني: ويروى غير بكسر الراء على أنه صفة للقوم، فإن قلت: إنه نكرة كيف وقعت صفة للمعرفة؟ قلت: للمعرف بلام الجنس قرب المسافة بينه وبين النكرة فحكمه حكم النكرة إذ لا توقيت فيه ولا تعيين – انتهى. (ولا ندامى) جمع نادم على غير قياس، إذ قياسه نادمين، لكنه اتبع خزايا تحسيناً للكلام، كما قالوا العشايا والغدايا، والقياس الغدوات جمع غداة لكنه اتبع لما يقارنه،
стр. 74
قالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة،
ــ
وإذا أفردت لم يجز إلا الغدوات، وقيل: هو جمع ندمان بمعنى نادم من الندامة كما حكى القزاز والجوهري وغيرهما من أهل اللغة. وعلى هذا يكون الجمع على الأصل ولا يكون من باب الاتباع، والمعنى: ما كانوا بالإتيان إلينا خاسرين خائبين؛ لأنهم أسلموا طوعاً من غير حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم. (قالوا: يا رسول الله) فيه دليل على أنهم كانوا حين المقابلة مسلمين، وكذا في قولهم "كفار مضر" وفي قولهم "الله ورسوله أعلم". (لا نستطيع أن نأتيك) أي في جميع الأزمنة (إلا في الشهر الحرام) المراد به الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، ويؤيده رواية البخاري في المغازي بلفظ (إلا في أشهر الحرم) ، وفي المناقب (إلا في كل شهر حرام) ، وقيل: اللام للعهد، والمراد شهر رجب، وفي رواية للبيهقي التصريح به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة عند البخاري حيث قال: ((رجب مضر)) ، والظاهر أنهم يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى إلا أنهم ربما أنسوها بخلافه، وإنما قالوا ذلك اعتذاراً عن عدم الإتيان إليه ﷺ في غير هذا الوقت؛ لأن الجاهلية كانوا يحاربون بعضهم بعضاً، ويكفون في الأشهر الحرم تعظيماً لها وتسهيلاً على زوار البيت الحرام من الحروب والغارات الواقعة منهم في غيرها، ومن ثم كان يمكن مجيء هؤلاء إليه – ﵊ – فيها دون ما عداها، قال الحافظ: وفيه دليل على تقدم إسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضاً ما رواه البخاري في الجمعة عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين، وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام – انتهى. واحفظه فإنه ينفعك في مسألة الجمعة في القرى. (وبيننا وبينك هذا الحي) الجملة حال من فاعل نأتيك، أو بيان لوجه عدم الاستطاعة، والحي: هو اسم لمنْزل القبيلة ثم سميت القبيلة به اتساعاً لأن بعضهم يحيى ببعض (من كفار مضر) كلمة من للبيان، ومضر هو ابن نزار بن معد بن عدنان، فهو أخو ربيعة أبي عبد القيس (بأمر فصل) الفصل بمعنى الفاصل كالعدل بمعنى العادل، أي يفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى المفصل المبين المكشوف، حكاه الطيبي، وقال الخطابي: الفصل هو الواضح البيّن الذي ينفصل به المراد ولا يشكل، وقيل: المحكم، والأمر بمعنى الشأن، واحد الأمور، والباء صلة والمراد به معنى اللفظ ومورده، وقيل: الأمر واحد الأوامر أي القول الطالب للفعل والباء للاستعانة، والمراد به اللفظ والمأمور به محذوف، أي مرنا بعمل بقولك آمنوا أو قولوا آمنا كذا في المرقاة. (نخبر) بالرفع على أنه صفة ثانية لأمر أو استئناف، وبالجزم على أنه جواب الأمر (من وراءنا) بفتح الميم، والهمزة موصولة أي من استقروا خلفنا (وندخل) برفع اللام وجزمها عطفاً على نخبر الموجه بوجهين (به) أي بسبب قبول أمرك والعمل به (الجنة) هذا لا ينافي قوله ﷺ ((لن يدخل الجنة
стр. 75
وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس
ــ
أحد منكم بعمله؛ لأن المراد نفي كون العمل سبباً مستقلاً في الدخول مع قطع النظر عن كونه من الرحمة والفضل، إذ القصد به الرد على من يرى عمله متكفلاً بدخولها من غير ملاحظة لكونها من جملة رحمة الله، أو المراد الجنة العالية أو أن درجاتها بالعمل ودخولها بالفضل. (وسألوه عن الأشربة) جمع شراب وهو ما يشرب أي عن حكم ظروف الأشربة، فالمضاف محذوف، أو التقدير عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة فعلى هذا يكون محذوف الصفة، والمراد عن حكمها (فأمرهم بأربع) أي بأربع خصال، أو بأربع جمل بقولهم حدثنا بحمل من الأمر في رواية البخاري في المغازي (ونهاهن عن أربع) أي أربع خصال وهي أنواع الشرب باعتبار أصناف الظروف الآتية (قالوا: الله ورسوله أعلم) تأدباً وطلباً للسماع منه ﷺ ؛ لأن القوم كانوا مؤمنين (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) برفع شهادة لا غير على أنها خبر مبتدأ محذوف هو هو، أي الإيمان بالله وحده الذي هو بمعنى الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله ... الخ (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان) برفع الثلاثة على ما سيأتي بيانها، وقيل: بجرها عطفاً على الإيمان في قوله: أمرهم بالإيمان بالله وحده، (وأن تعطوا من المغنم) بفتح الميم والنون أي الغنيمة (الخمس) بضم الميم وسكونها، وأن تعطوا في محل الرفع عطفاً على قوله وصيام رمضان، فيكون واحداً من الأركان. قال الطيبي: في الحديث إشكالان: أحدهما: أن المأمور به واحد والأركان تفسير للإيمان بدلالة قوله ((أتدرون ما الإيمان بالله وحده)) ، وقد قال أربع أي الإيمان واحد والموعود بذكره أربع، فأين الثلاثة الباقية؟ وثانيهما: أن الأركان أي المذكورة خمسة، وقد ذكر أولاً أنها أربعة، وأجيب عن الأول بأنه جعل الإيمان أربعاً نظراً إلى أجزائه المفصلة، يعني أن الإيمان باعتبار أجزائه المفصلة أربع وهو في حد ذاته واحد، والمعنى: أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذكر أنه يأمرهم بها ثم فسرها، فهو واحد بالنوع متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهي عنه وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار واحد بالنوع متعدد بحسب أوعيته، وعن الثاني بأن عادة البلغاء إذا كان الكلام منصباً لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له، وكأن ما سواه مطروح، فهاهنا ذكر الشهادتين ليس مقصوداً؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صدر الإسلام، قال فلهذا لم يعد الشهادتين في الأوامر، وقال الكرماني: لم يجعل الشهادة بالتوحيد وبالرسالة من الأربع لعلمهم بذلك، وإنما أمرهم بأربع لم يكن في علمهم أنها دعائم الإيمان، وإلى هذا نحا القرطبي فقال: ذكر الشهادتين تبركاً بهما كما في قوله ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [٨: ٤١] ،
стр. 76
ونهاهم عن أربع، عن الحنتم
ــ
ومحمل كلام الطيبي والكرماني والقرطبي أن ذكرهما ليس مقصوداً من الأربع، بل هو جملة معترضة بين الأربع وبين مبينها، ويؤيده رواية البخاري (ج٢: ص٦١٢) في الأدب: ((أربع وأربع، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا خمس ما غنمتم ... )) الحديث. ويؤيده أيضاً حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد (ج٣: ص٢٣) في قصة وفد عبد القيس من طريق يحيى بن سعيد عن ابن عروبة، وفيه ((آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً)) ، فهذا ليس من الأربع ((وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا من الغنائم الخمس ... )) الحديث. لكن ينافي قولهم ويعارض حديث أبي سعيد هذا رواية البخاري في المغازي بلفظ: ((آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله، وعقد واحدة، وفي فرض الخمس، وعقد بيده)) ، وفي رواية أبي داود: ((وعقد بيده واحدة)) فدلت هذه الروايات أن الشهادة إحدى الأربع، لا يقال: إن العقد كان للإشارة إلى التوحيد؛ لأن المعهود فيها الإشارة بنصب المسبحة دون العقد، والراوي ذكر العقد، وكذا يخالفهم ما في رواية البخاري في أوائل المواقيت ولفظه: ((آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله)) ، ثم فسرها لهم ((شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ... )) الحديث، فهذا أيضاً يدل على أنه عدّ الشهادتين من الأربع؛ لأنه أعاد الضمير في قوله ((ثم فسرها)) مؤنثاً فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكراً، لكن يمكن أن يقال: إنه أنّث الضمير نظراً إلى أن المراد بالإيمان الشهادة أو إلى أنه خصلة، وأجيب أيضاً عن الإشكال الثاني بأنه عدّ الصلاة والزكاة واحدة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله، وتكون الرابعة أداء الخمس، وقيل: أداء الخمس داخل في عموم إيتاء الزكاة فلم يعده مستقلاً. والجامع بينهما أنهما إخراج مال معين في حال دون حال، هذا، وما ذكرناه في توضيح الإشكال ورفعه يوافق حديث جبريل ومذهب السلف في الإيمان من كون الأعمال داخلة في حقيقته، فإنه قد فسر الإسلام في حديث جبريل بما فسر به الإيمان في قصة وفد عبد القيس، فدل هذا على أن الأشياء المذكورة – وفيها أداء الخمس – من أجزاء الإيمان، وأنه لابد في الإيمان من الأعمال خلافاً للمرجئة. قال الحافظ معتذراً عن عدم ذكر الحج في الحديث: إنما أخبرهم ببعض الأوامر؛ لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلاً وتركاً، ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها – انتهى. (ونهاهم عن أربع) أي خصال (عن الحنتم) بدل من قوله عن أربع بإعادة الجار، وهو من إطلاق المحل وإرادة الحال أي ما في الحنتم ونحوه، وصرح بالمراد في رواية للنسائي فقال: ((وأنهاكم عن أربع ما ينتبذ في الحنتم ... )) الحديث، والحنتم – بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح المثناة من فوق -: هي الجرة مطلقاً، وقيل: خضراء، وقيل: حمراء، أعناقها من جنوبها يجلب فيها الخمر من مضر، وقيل: من الطائف، وقيل: هي جرار تعمل من طين ودم وشعر، أقوال للصحابة وغيرهم، ولعلهم كانوا ينتبذون في ذلك كله
стр. 77
والدباء والنقير والمزفت، وقال: احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم)) متفق عليه، ولفظه للبخاري.
١٨- (١٧) وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ وحوله عصابة من أصحابه: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم،
ــ
(والدباء) بضم المهملة وتشديد الموحدة والمد وقد يقصر: وعاء القرع وهو اليقطين اليابس، وهو جمع والواحدة دباءة، ومن قصر قال: "دباة" (والنقير) بفتح النون وكسر القاف: أصل النخلة ينقر وسطه فيتخذ من وعاء وينبذ فيه (والمزفت) بتشديد الفاء أي المطلي بالزفت أي القار، وربما قال ابن عباس المقير بدل المزفت، ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع فيها الإسكار، فربما شرب منها من لا يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر كما سيأتي في باب النقيع. (احفظوهن) أي الكلمات المذكورات (وأخبروا بهن) بفتح الهمزة (من وراءكم) بفتح مَن وهي موصولة، ووراءكم يشمل من جاءوا من عندهم، وهذا باعتبار المكان، ويشمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم، وهذا باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالها في المعنيين حقيقة ومجازاً (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والترمذي والنسائي وغيرهم (ولفظه للبخاري) يعني لمسلم معناه، فبهذا المعنى صار الحديث متفقاً عليه.
١٨- قوله: (وعن عبادة) بضم العين وتخفيف الموحدة (بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي المدني، يكنى أباالوليد، شهد العقبتين وبدراً والمشاهد كلها، وهو أحد النقباء، ثم وجهه عمر إلى الشام قاضياً ومعلماً، فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين ومات بها في الرملة، وقيل: ببيت المقدس سنة ٣٤ وهو ابن ٧٢سنة، وقيل عاش إلى خلافة معاوية، وهو أحد من جمع القرآن في زمن النبي ﷺ ، رواه البخاري في تاريخه الصغير وابن سعد عن محمد بن كعب القرظي، وكان طويلاً جسيماً جميلاً فاضلاً، قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار. له مائة وأحد وثمانون حديثاً، اتفقا منها على ستة، وانفرد البخاري بحديثين، وكذا مسلم، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين. (وحوله) نصب على الظرفية خبر لقوله (عصابة) بالكسر اسم جمع كالعصبة لما بين العشرة إلى الأربعين من العصب وهو الشد، كأن بعضهم يشد بعضاً، والجملة حالية (من أصحابه) في محل الرفع؛ لأنه صفة لعصابة، أي عصابة كائنة من أصحابه، وكلمة (من) للتبعيض، ويجوز أن تكون للبيان (بايعوني) أي عاقدوني، سميت المعاهدة على الإسلام بالمبايعة تشبيهاً لنيل الثواب في مقابلة الطاعة بعقد البيع الذي هو مقابلة مال، ووجه المفاعلة أن كلاً من المتبايعين يصير كأنه باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته كما في قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [٩: ١١١] . (لا تشركوا بالله شيئاً) مفعول به أو مفعول مطلق (ولا تسرقوا) من سرق بالفتح يسرق بالكسر سرقاً، وهو أخذ مال الغير محرزاً بخفية (ولا تقتلوا أولادكم) خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه
стр. 78
ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا
ــ
آكد ولأنه كان شائعاً فيهم، هو وأد البنات خوف لحوق عيب وعار، وقتل البنين خشية إملاق وإقتار، أو خصهم بالذكر لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم (ولا تأتون ببهتان) الباء للتعدية والبهتان - بالضم - الكذب الذي يبهت سامعه أي يدهشه لفظاعته (تفترونه) أي تخلقونه، صفة بهتان (بين أيديكم وأرجلكم) أصل هذا كان في بيعة النساء، وكنى بذلك عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها كذباً؛ لأن بطنها الذي يحمله بين يديها وفرجها الذي تلد منه بين رجليها، ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولاً، فقيل معناه: لا تأتوا ببهتان من قبل أنفسكم ومن عند ذواتكم، فاليد والرجل كنايتان عن الذات؛ لأن معظم الأفعال يقع بهما، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية، فيقال له: هذا بما كسبت يداك. أو معناه: لا تنسبوا مبنياً على ظن فاسد وغش مبطن من ضمائركم وقلوبكم التي بين أيديكم وأرجلكم، فالأول كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهم، والثاني: عن إنشاء البهتان من دخيلة قلوبهم مبنياً على الغش المبطن. وقيل معناه: لا تبهتوا الناس بالعيوب كفاحاً مواجهة، كما يقال: فعلت هذا بين يديك أي بحضرتك، وأراد هاهنا الأيدي، وذكر الأرجل تأكيداً له (ولا تعصوا) بضم الصاد، وفي رواية للبخاري: ((ولا تعصوني)) وهو مطابق للآية، (في معروف) قال في النهاية: هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات – انتهى. ونبه بذلك على أن طاعة المخلوق إنما تجب فيما كان غير معصية لله، فهي جديرة بغاية التوقي في معصية الله (فمن وفى) أي ثبت على ما بايع عليه بتخفيف الفاء وتشديدها وهما بمعنى (فأجره على الله) قال الحافظ: أطلق هذا على سبيل التفخيم لأنه لما ذكر المبايعة المقتضية لوجود العوضين أثبت ذكر الأجر في موضع أحدهما، وأفصح في رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث في الصحيحين بتعيين العوض فقال: بالجنة، وعبر هنا بلفظ على للمبالغة في تحقيق وقوعه كالواجبات. فإن قيل: لم اقتصر على المنهيات ولم يذكر المأمورات؟ فالجواب: أنه لم يهملها بل ذكرها على طريق الإجمال في قوله ((ولا تعصوا)) ، إذ العصيان مخالفة الأمر، والحكمة في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات أن الكف أيسر من إنشاء الفعل؛ لأن اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح والتخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل، وترك سائر المنهيات لزيادة الاهتمام بالمذكورات، وفيه رد على المرجئة الذين يقولون بأن التصديق وحده كافٍ للنجاة، وأنه لا تضر المعصية مع الإيمان. (ومن أصاب من ذلك) أي من المذكور (فعوقب به) هو أعم من أن تكون العقوبة حداً أو تعزيراً، واختلفوا في أنه يعم العقوبات الشرعية ويشمل العقوبات القدرية كالمصائب والآلام والأسقام وغيرها أم لا؟ فقيل: نعم، كما في الحديث: ((لا يصيب المسلم نصب ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها الرجل إلا كفر الله بها من خطاياه)) ، وقيل: لا، لحديث
стр. 79
فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك،
ــ
خزيمة بن ثابت عند أحمد في مسنده (ج٥: ص٢١٤، ٢١٥) بإسناد حسن: ((من أصاب ذنباً أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته)) ، فإنه صريح في أن المراد عن العقوبة المذكورة في الحديث الحدود دون المصائب، وقال الحافظ: يحتمل أن يراد أن المصائب تكفر ما لا حد فيه. (فهو) العقاب، وهذا مثل هو في قوله تعالى: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [٥: ٨] ، (كفارة له) زاد في رواية للبخاري: ((وطهور)) بفتح الطاء أن يكفر إثم ذلك ولم يعاقب به في الآخرة، قال النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [٤: ٤٨] ، فالمرتد إذا قتل على الردة لا يكون القتل له كفارة – انتهى. ويستفاد من الحديث أن إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود، وهو قول الجمهور، وقيل: لا بد من التوبة، وبذلك جزم بعض التابعين، وهو قول للمعتزلة، ووافقهم ابن حزم، ومن المفسرين البغوي وطائفة يسيرة – انتهى. قلت: الأول قول مجاهد وزيد بن أسلم والثوري والإمام أحمد، ورجحه ابن جرير وضعف القول بخلاف ذلك ووهنه جداً، قال الحافظ في الفتح: واستدل البغوي ومن وافقه باستثناء من تاب في قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ [٥: ٣٤] ، قال: والجواب في ذلك أنه في عقوبة الدنيا ولذلك قيدت بالقدرة عليه. انتهى. (ثم ستره الله) أي ذلك الشيء المصاب (فهو إلى الله) أي أمره وحكمه من العفو العقاب مفوض إليه فلا يجب عليه عقاب عاص كما لا يجب عليه ثواب مطيع على المذهب الحق، وفيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة؛ لأن النبي ﷺ أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل: لا بد أن يعذبه (إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه) يشمل من تاب من ذلك ومن لم يتب، وقال بذلك طائفة، وذهب الجمهور إلى أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة ومع ذلك فلا يأمن مكر الله؛ لأنه لا إطلاع له هل قبلت توبته أو لا، وقيل: يفرق بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب، كذا في الفتح. اعلم أنه ذهب أكثر العلماء ومنهم الشافعية إلى أن الحدود كفارات وسواتر، واستدلوا بحديث عبادة هذا، وهو صريح في ذلك، ويؤيده ما رواه غير واحد من الصحابة منهم علي بن أبي طالب، أخرج حديثه أحمد والترمذي في الإيمان وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه، ومنهم أبوتميمة الجهيمي أخرجه حديثه الطبراني بإسناد حسن، ومنهم خزيمة بن ثابت أخرج حديثه أحمد، وقد تقدم لفظه، ومنهم ابن عمر وأخرج حديثه الطبراني مرفوعاً، واختلفت الحنفية فيه، فقال أبولحسن الطالقاني الحنفي كما في طبقات الشافعية وأبوبكر الكاساني صاحب البدائع: إن الحدود كفارات، وصرح صاحب الدر المختار بأنها ليست بكفارة بل هي روادع وزواجر فقط. واستدل له بقوله تعالى: ﴿ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ [٥: ٣٣] في آية المحاربة، فإنه يدل على أنه يعذبون في الآخرة بعد إقامة الحد عليهم في
стр. 80
الدنيا فلم يكن الحد كفارة لهم، وأجيب بأن الآية نزلت في العرنيين، ومعلوم أنهم كانوا ارتدوا بعد إسلامهم، وحينئذٍ فالآية خارجة عن موضع النِزاع؛ لأن المسألة إنما كانت في المسلمين؛ لأن التكفير في حق المشركين لم يقل به أحد، والآية وإن لم تأخذ الكفر والارتداد في العنوان بل أدارت الحكم على وصف قطع الطريق وهو يقتضي أن يدور الحكم على هذا الوصف سواءً كان من المسلم أو المرتد أو الكافر أو الذمي، ولا يقتصر على المرتد والكافر فقط، لكن يمكن أن يقال: إنه جرى ذكر العذاب في الآخرة في الآية لحال الفاعلين أي لحال كفرهم لا لحال الفعل، فإن المعصية الواحدة تختلف شدة وضعفاً باعتبار حال الفاعلين، فقد تكون المعصية من المؤمن ويخف العذاب عليها رعاية لإيمانه، وقد تكون تلك المعصية بعينها من الكافر ويزاد في عقوبته لحال كفره، فقطع الطريق من المسلمين شنيع، وهو من المرتدين أشنع، وعلى هذا فلا دليل في الآية على أن المسلم لو فعل ذلك ثم أقيم عليه الحد كان له عذاب في الآخرة أيضاً؛ لأنه ليس جزاء للفعل على هذا التقدير بل الشناعة في الجزاء بشناعة الفاعلين، كذا قرره الشيخ محمد أنور الحنفي. ويمكن أن يقال: إنه يحتمل أن يكون حديث عبادة مخصصاً لعموم الآية أو مبيناً أو مفسراً لها، واستدلوا له أيضاً بقوله تعالى: ﴿فمن تاب من بعده ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم﴾ [٥: ٣٩] في آية حد السرقة، قيل: هو دليل صريح على أن إقامة الحد لا تكون كفارة إلا بعد التوبة من ظلمه وإصلاح عمله. وأجيب عنه بأنه لا دليل في الآية على ذلك؛ لأن ظاهر معنى الآية: أن من تاب من بعد ظلمه، أي سرقته يعني حسن حاله في المستقبل وأصلح عمله وعزم على ترك العود إلى مثل ذلك فيقبل الله توبته ويرحمه ويطهره من جميع الذنوب، وأما ذنب هذه السرقة فقد زال بنفس إقامة حد السرقة، ولم يتوقف على التوبة، وبالجملة الآية إنما تتعلق بالتوبة والإصلاح في الاستقبال لا بما تقدم من ذنب السرقة، وقيل: معنى الآية: فمن تاب أي من السرقة وأصلح أمره فإن الله يتوب عليه، أي يغفر له ويتجاوز عنه ويقبل توبته أي يسقط عنه حق الله، وأما حق الآدميين من القطع، ورد المال فلا يسقط، نعم إن عفا قبل الرفع إلى الإمام سقط القطع، كما ذهب إليه الشافعي، واستدل له أيضاً بقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾ [٢٤: ٤-٥] في آية حد القذف، قيل: هو أقوى دليل على أن إقامة الحد لا تطهر القاذف من الذنب ولا تخرجه من الفسق إلا بعد التوبة، وإنما وعد الله المغفرة والرحمة لمن تاب بعد ذلك وأصلح عمله. وأجيب عنه بأن حد القذف ليس هو الجلد فقط، بل هو مجموع أمرين أو ثلاثة أمور: الجلد، وعدم قبول الشهادة، والحكم بكونه فاسقاً، لكن بينها فرق وهو أن الجلد لا يرتفع بالتوبة، فإنه يجلد التائب كالمصر بالإجماع، وأما عدم قبول الشهادة والحكم بالفسق فيزولان بالتوبة بناءً على أن الاستثناء يتعلق بالجملتين، وهذا عند الأئمة الثلاثة، خلافاً لأبي حنيفة، فإنه ذهب إلى أنه لا يقبل شهادة القاذف أبداً أي مادام حياً وإن تاب، وهذا لأن الاستثناء عنده يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط، فلا يزول عنده بالتوبة إلا اسم الفسق، وأما عدم قبول الشهادة فيبقى على حاله بعد التوبة، وإصلاح العمل أيضاً كالجلد، ففرق أبوحنيفة بين القذف
стр. 81
وسائر الكبائر مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر والميسر، فقال بقبول الشهادة من التائبين من هذه المعاصي بعد إقامة الحدود عليهم كالأئمة الثلاثة، وخالفهم في التائب من ذنب القذف، فلم يقبل شهادته أبداً، وإذا كان عدم قبول الشهادة داخلاً في حد القذف وجزءاً منه خلافاً لسائر الحدود، حتى إنه لا يقبل شهادته بعد التوبة أيضاً عند أبي حنيفة، ظهر منه أن حكم حد القذف مخالف لحكم سائر الحدود، فلا يتطهر القاذف من ذنب القذف إلا بالتوبة كما نص على ذلك الآية بخلاف سائر الحدود، فإنها تكون كفارة ومطهرة بنفسها من غير احتياج إلى التوبة بعد إقامة الحد، واستدل له أيضاً بما سيأتي في باب الشفاعة في الحدود من حديث أبي أمية المخزومي أن النبي ﷺ أتي بلص قد اعترف اعترافاً ... الحديث، وفيه ((فأمر به فقطع فجيء به، فقال له رسول الله ﷺ : استغفر الله وتب إليه، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال رسول الله ﷺ : اللهم تب عليه)) أخرجه أبوداود والنسائي وابن ماجه، قالو: لو كان الحد كفارة لما احتاج إلى الاستغفار بعد القطع مع أن النبي ﷺ أمره بالاستغفار، فعلم أن الحدود أصلها للزجر لا للستر والتكفير. وأجيب عنه بأن معنى قوله ((تب)) أي في الاستقبال بأن لا تفعله ثانياً، فيخرج الحديث عما نحن فيه ولا يتم الاستدلال، وقال السندي في حاشية النسائي: قوله ((استغفر الله)) – أي في حديث أبي أمية المذكور – لعل المراد الاستغفار والتوبة من سائر الذنوب، أو لعله قال ذلك ليعزم إلى عدم العود إلى مثله، فلا دليل لمن قال الحدود ليست كفارات لأهلها مع ثبوت كونها كفارات بالأحاديث الصحاح التي كادت تبلغ حد التواتر، كيف والاستغفار مما أمر به النبي ﷺ فقال: ((استغفر لذنبك)) ، وقد قال الله تعالى: ﴿لقد تاب الله على النبي﴾ [٩: ١١٧] لمعانٍ ومصالح ذكروا في محله، فمثله لا يصلح دليلاً على بقاء ذنب السرقة، والله تعالى أعلم – انتهى. وقال القاري: هذا منه ﷺ يدل على أن الحد ليس مطهراً بالكلية مع فساد الطوية وإنما هو مطهر لعين ذلك الذنب، فلا عقاب عليه ثانياً من جهة الرب – انتهى. وتوقف بعض العلماء في كون الحدود كفارات ولم يقضوا في ذلك بشيء؛ لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((لا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا)) أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه البزار وأحمد أيضاً، واختلف في وصله وإرساله، وأجيب عنه بأن حديث عبادة أصح وصحته متفق عليها، بخلاف حديث أبي هريرة على ما نص عليه القاضي وغيره، فلا تعارض لكون حديث عبادة واجب التقديم فلا وجه للتوقف في كون الحدود كفارة، ولو سلم التساوي والمعارضة جمع بينهما بأنه يمكن أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولاً قبل أن يعلمه الله ثم أعلمه بعد ذلك، قال القاضي: فإن قيل: حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله ﷺ البيعة الأولى بمنى، وأبوهريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر، فكيف يكون حديثه متقدماً؟ قيل: يمكن أن يكون أبوهريرة ما سمعه من النبي ﷺ ، وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي ﷺ قديماً، ولم يسمع من النبي ﷺ بعد ذلك أن الحدود كفارة كما سمعه عبادة، انتهى. وقال الحافظ: الحق عندي أن حديث أبي هريرة صحيح، وهو سابق عن حديث عبادة، والمبايعة المذكورة
стр. 82
متفق عليه.
١٩- (١٨) وعن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار،
ــ
في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، ثم ذكر نص بيعة ليلة العقبة من مغازي ابن إسحاق وغيره، وقال بعد سرد الروايات من صحيحي البخاري ومسلم والنسائي والطبراني: فهذه أدلة ظاهرة في أن هذه البيعة صدرت بعد نزول آية الممتحنة بل بعد صدور بيعة النساء بل بعد فتح مكة وذلك بعد إسلام أبي هريرة – انتهى. هذا، وقد أطال الحافظ البحث هاهنا، وتقبه العيني فارجع إلى الفتح والعمدة وتأمل في تعقبات العيني (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم.
١٩- قوله: (وعن أبي سعيد الخدري) بضم الخاء وسكون الدال المهملة نسبة إلى خدرة، وهو أبجر بن عوف أحد أجداد أبي سعيد، اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري الخزرجي، اشتهر بكنيته، استصغر يوم أحد فرد ثم غزا بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة مع رسول الله ﷺ ، فأول مشاهده الخندق، واستشهد أبوه يوم أحد، روي له ألف حديث ومائة وسبعون حديثاً، اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، قال ابن عبد البر: كان ممن حفظ عن رسول الله ﷺ سنناً كثيرة، وروى عنه علماً جماً، وكان من نجباء الأنصار وعلمائهم وفضلائهم، قال حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﷺ أفقه من أبي سعيد، مات بالمدينة سنة (٦٣) أو (٦٤) أو (٦٥) ، وقيل: سنة (٧٤) . (في أضحى) بفتح الهمزة والتنوين واحدة أضحاة، لغة في الأضحية، أي في عيد أضحى على حذف المضاف، بل غلب على عيد النحر فحينئذٍ مغنٍ عن التقدير كالفطر، وفي بعض النسخ بترك التنوين، سمي بذلك لأنه يفعل وقت الضحى وهو ارتفاع النهار. (أو فطر) شك من الراوي (إلى المصلى) هو موضع صلاة العيد في الجبانة (يا معشر النساء) أي جماعتهن، قال الليث: المعشر: كل جماعة أمرهم واحد (أريتكن) بضم الهمزة وكسر الراء على صيغة المجهول، أي أراني الله إياكن (أكثر أهل النار) بالنصب على الحال بناءً على أن أفعل لا يتعرف بالإضافة كما صار إليه الفارسي وغيره، قيل: المراد أن الله تعالى أراهن في ليلة الإسراء، والظاهر أن هذه الرؤية وقعت في صلاة الكسوف كما يدل عليه رواية ابن عباس الآتية في صلاة الكسوف، وقيل: أريتكن متعدٍ إلى ثلاثة مفاعيل: الأول التاء التي هي مفعول ناب عن الفاعل، والثاني: كن، والثالث: أكثر، أي أخبرت وأعلمت على طريق الوحي بأنكن أكثر دخولاً في النار من الرجال، والصدقة تقي منها، قال – ﵇: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) ، ولا يعارض هذا ما أخرجه أبويعلى عن أبي هريرة في حديث الصور الطويل مرفوعاً: ((فيدخل الرجل على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله وزوجتين من ولد آدم)) وغير ذلك من الأحاديث
стр. 83
فقلنا: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك
ــ
الدالة على كون الزوجتين من نساء الدنيا، وكثرة النساء في الجنة دون النار لأنه يحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة، وقيل: كانت الأكثرية عند مشاهدته إذ ذاك ولا تنسحب على مجموع الزمان، فتأمل (وبم) أصله بما حذفت ألف ما الاستفهامية بدخول حرف الجر عليها تخفيفاً، والباء للسببية متعلقة بمقدر بعدها، والواو للعطف على مقدر قبله، والتقدير: كيف يكون ذلك وبأي شيء نكن أكثر أهل النار، أو ما ذنبنا وبم ... الخ. (تكثرن اللعن) في مقام التعليل، وكان المعنى لأنكن تكثرن اللعن، وهو في اللغة الطرد والإبعاد، وفي الشرع الإبعاد من رحمة الله تعالى، قال القاري: لعل وجه التقييد بالإكثار أن اللعن يجري على ألسنتهن لاعتيادهن من غير قصد لمعناه السابق فخفف الشارع عنهن ولم يتوعدهن بذلك إلا عند إكثاره، قال: وقد يستعمل في الشتم والكلام القبيح، يعني عادتكن إكثار اللعن والشتم والإيذاء باللسان، انتهى. (وتكفرن) بضم الفاء، قال الراغب: الكفر في اللغة: ستر الشيء، وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك أداء شكرها، والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالاً، والكفر في الدين أكثر والكفور فيهما. (العشير) أي المعاشر، وهو المخالط، والمراد به الزوج أو أعم من ذلك، وكفران العشير جحد نعمته وإحسانه واستقلال ما كان منه. (ما رأيت ناقصات عقل ودين) من مزيدة للاستغراق بمجيئها بعد النفي، صفة لمفعوله المحذوف، أي ما رأيت أحداً من ناقصات. العقل: غزيرة في الإنسان يدرك بها المعنى ويمنعه عن القبائح، وهو نور الله في قلب المؤمن. (أذهب) بالنصب، وهو صفة أخرى للمفعول المحذوف إن كان رأيت بمعنى أبصرت، وهو مفعول ثانٍ له إن كان بمعنى علمت، والمفضل عليه مفروض مقدر، وهو أفعل التفضيل من الإذهاب لمكان اللام في قوله (للب الرجل) أي أكثر إذهاباً للب، وهذا جائز على رأي سيبويه حيث جوزه من الثلاثي المزيد، واللب: العقل الخالص من شوائب الهوى، وسمي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من قواه كاللباب من الشيء، وقيل: ما ذكا من العقل، فكل لب عقل ولا يعكس. (الحازم) الضابط لأمره من الحزم، وهو ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة، وهذه مبالغة في وصفهن بذلك؛ لأن الضابط لأمره إذا كان ينقاد لهن فغير الضابط أولى (من إحداكن) متعلق بأذهب (وما نقصان ديننا وعقلنا) هذا استفسار منهن عن وجه نقصان دينهن، وذلك لأنه خفي عليهن ذلك حتى استفسرن، وما ألطف ما أجابهن به ﷺ من غير تعنيف ولا لوم بل خاطبهن على قدر عقولهن وفهمهن (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [٢: ٢٨٢] ؛ لأن الاستظهار بأخرى مؤذن بقلة ضبطها وهو مشعر بنقص عقلها (فذلك) بكسر الكاف خطاباً للواحدة التي تولت الخطاب، ويجوز
стр. 84
من نقصان عقلها، قال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها)) ، متفق عليه.
ــ
فتحها على أنه للخطاب العام، والإشارة للحكم السابق (من نقصان عقلها) فيه دلالة على أن ملاك الشهادة العقل مع اعتبار الأمانة والصدق، وعلى أن شهادة المغفل ضعيف وإن كان قوياً في الدين والأمانة. (قال) هو موجود في أكثر النسخ، وأما في أصل السيد جمال الدين ومتن صحيح البخاري فغير موجود، قاله القاري. (فذلك من نقصان دينها) قال النووي: قد يستشكل معنى وصفه ﷺ النساء بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم في زمن الحيض، وليس بمشكل، فإن الدين والإيمان والإسلام مشتركة في معنى واحد، وقد قدمنا أن الطاعات تسمى إيماناً وديناً، وإذا ثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص إيمانه ودينه – انتهى. قال الحافظ: وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومهن على ذلك؛ لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيراً من الافتتان بهن، ولذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين منحصراً فيما يحصل به الإثم بل في أعم من ذلك، فإنه قد يكون على وجه لا إثم فيه كمن ترك الجمعة أو الغزو أو غير ذلك مما لا يجب عليه لعذر، وقد يكون على وجه هو مكلف به كترك الحائض الصلاة والصوم، قال: فالنقص أمر نسبي، فالكامل مثلاً ناقص عن الأكمل ومن ذلك الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض لكنها ناقصة عن المصلي. وفي الحديث دليل على أن جحد النعم حرام، وكذا كثرة استعمال الكلام القبيح كاللعن والشتم. واستدل النووي على أنهما من الكبائر بالتوعد عليهما بالنار، وفيه ذم اللعن وهو الدعاء بالإبعاد من رحمة الله، وهو محمول على ما إذا كان في معين، وفيه إطلاق الكفر على الذنوب التي لا تخرج من الملة تغليظاً على فاعلها، لقوله في رواية أخرى ((بكفرهن)) ففيه دلالة على جواز إطلاق الكفر على غير الكفر بالله ككفر العشير والإحسان والنعمة والحق، لكنه كفر دون كفر أي كفر أدون وأخف من الكفر بالله، فالكفر متنوع متفاوت زيادة ونقصاناً بعضه أخف من بعض، فكما أن الإيمان ذو شعب كثيرة، أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وبينها مراتب كثيرة، كذلك في الكفر مراتب بعضها أخف من بعض، وبين أعلاه وأدناه مراتب كثيرة، أو يقال: إن الكفر نوعان: كفر بالله، وله أربعة أقسام: كفر إنكار، وجحود، وعناد، ونفاق، على ما قاله الأزهري، وكفر بغير الله، وهو كفر دون كفر، أي مغاير للكفر بالله، فالأول مخرج من الملة موجب للخلود، والثاني موجب للفسوق فقط غير موجب للخلود، مثلاً الرجل يقر بالوحدانية والنبوة بلسانه ويعتقد ذلك بقلبه لكنه يرتكب الكبائر من القتل والسعي في الأرض بالفساد وكفران الحقوق والنعم ونحو ذلك، ويوجد في ذلك صحة تأويل الأحاديث التي أطلق فيه الكفر على الكبائر مثل قوله: ((وقتاله كفر)) ، وقوله: ((من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر)) ، وغير ذلك، فلا حجة فيها للخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة. (متفق عليه) وأخرجه
стр. 85
٢٠- (١٩) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ((كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته،
ــ
أيضاً النسائي وابن ماجه، وأخرجه مسلم عن أبي هريرة وابن عمر أيضاً وأخرجاه عن جابر أيضاً.
٢٠- قوله: (قال الله تعالى) هذا من الأحاديث الإلهية، وتسمى القدسية والربانية، وهي أكثر من مائة، وقد جمعها بعضهم في جزء كبير، والفرق بين الحديث القدسي وبين القرآن أن الأول يكون بإلهام أو منام أو بواسطة ملك بالمعنى فيعبره بلفظه وينسبه إلى ربه، والثاني لا يكون إلا بإنزال جبريل باللفظ المعين، وهو أيضاً متواتر بخلاف الأول فلا يكون حكمه حكمه في الفروع وبقية الأحاديث وإن كانت كلها بالوحي لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى﴾ ، لكنها لم يضفها إلى الله تعالى ولم يروها عنه تعالى، فهي في الدرجة الثالثة، وإن شئت التفصيل فارجع إلى قواعد التحديث (٣٩-٤٤) . (كذبني) بتشديد الذال المعجمة من التكذيب، وهو نسبة المتكلم إلى أن خبره خلاف الواقع، والمعنى نسب إلي الكذب حيث أخبرته أني أعيده يوم القيامة، وهو ينكر البعث ويكذبني في ذلك الإخبار (ابن آدم) المراد به بعض بني آدم وهم من أنكر البعث من العرب وغيرهم من عباد الأوثان والدهرية وغيرهم. (ولم يكن) أي ما صح وما استقام وما كان ينبغي له (ذلك) أي التكذيب (وشتمني) ابن آدم أي بعضهم، وهم من ادعى أن لله ولداً من اليهود والنصارى، ومن مشركي العرب من قال إن الملائكة بنات الله، والشتم توصيف الشيء بما فيه ازدراء ونقص، وإثبات الولد له كذلك؛ لأنه قول بمماثلة الولد في تمام حقيقته، وهي مستلزمة للإمكان المتداعي إلى الحدوث، وذلك غاية النقص في حق البارئ تعالى، ولأن الحكمة في التوالد استبقاء النوع فلو كان البارئ تعالى متخذاً ولداً لكان مستخلفاً خلفاً يقوم بأمره بعد عصره، فيلزم زواله وفناءه سبحانه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. (ولم يكن له ذلك) أي الشتم. (فقوله لن يعيدني) الإعادة هي الإيجاد بعد العدم المسبوق بالوجود، فالمعنى لن يحييني بعد موتي كما بدأني أي أوجدني عن عدم وخلقني ابتداءً أي إعادة مثل بدئه إياي أو لن يعيدني مماثلاً لما بدأني عليه. (وليس أول الخلق) من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، أي ليس الخلق الأول للمخلوقات أو من قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي ليس أول خلق الخلق، والخلق بمعنى المخلوق، أو اللام عوض عن المضاف إليه أي أول خلق الشيء (بأهون) الباء زائدة للتأكيد، من هان الأمر: إذا سهل (علي من إعادته) أي المخلوق أو الشيء، بل هو يستويان في قدرتي بل الإعادة أسهل عادة لوجود أصل البنية وأثرها، أو أهون على زعمكم وبالنسبة إليكم، ففيه إشارة إلى تحقيق المعاد وإمكان الإعادة، وهو أن ما يتوقف عليه تحقق البدن من أجزائه وصورته لو لم يكن وجوده ممكناً لما وجد أولاً وقد وجد، وإذا أمكن
стр. 86
وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد)) .
ــ
لم يمتنع لذاته وجوده ثانياً وإلا لزم انقلاب الممكن لذاته ممتنعاً لذاته وهو محال، وتنبيه على مثال يرشد العامي وهو ما يرى في الشاهد أن من اخترع صنعة لم ير مثلها ولم يجد لها أصلاً، صعب عليه ذلك وتعب فيها تعباً شديداً وافتقر فيها إلى مكابدة أفعال ومعاونة أعوان ومرور أزمان، ومع ذلك فكثيراً لا يستت له الأمر ولا يتم له المقصود، ومن أراد إصلاح منكسر أو إعادة منهدم، وكانت العدد حاصلة والأصول باقية هان عليه ذلك وسهل جداً، فيا معشر الغواة! تحيلون إعادة أبدانكم وأنتم تعترفون بجواز ما هو أصعب منها، بل هو كالمتعذر بالنسبة إلى قدركم وقواكم، وأما بالنسبة إلى قدرة الله تعالى فلا سهولة ولا صعوبة، يستوي عنده تكوين بعوض طيار وتخليق فلك دوار كما قال: ﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾ [٥٤: ٥٠] ، والحاصل أن إنكارهم الإعادة بعد أن أقروا بالبداية تكذيب منهم له تعالى، والجملة حالية وعاملها قوله في "فقوله" وصاحبها الضمير المضاف إليه في قوله (اتخذ الله ولداً) أي اختاره سبحانه، وإنما كان ذلك شتماً لما فيه من التنقيص؛ لأن الولد إنما يكون أي عادة عن والدة تحمله ثم تضعه ويستلزم ذلك سبق نكاح، والتناكح يستدعي باعثاً له على ذلك، والله تعالى منَزه عن جميع ذلك (وأنا الأحد) أي المنفرد المطلق ذاتاً وصفاتاً، وقيل: إن أحداً وواحداً بمعنى، وأصل أحد وحد بفتحتين، وقيل: ليسا مترادفين بل بينهما فرق من حيث اللفظ والمعنى جميعاً من وجوه، ذكره القسطلاني في شرح البخاري نقلاً عن شرح المشكاة. والجملة حالية كما مر (الصمد) فعل بمعنى مفعول كالقنص والنقص، وهو السيد المصمود أي المقصود إليه في الحوائج، الغني عن كل أحد (لم ألد ولم أولد) لأنه لما كان الواجب الوجود لذاته قديماً موجوداً قبل وجود الأشياء وكان كل مولود محدثاً انتفت عنه الولدية، ولما كان لا يشبهه أحد من خلقه ولا يجانسه حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالد انتفت عنه الوالدية. ومن هذا قوله: ﴿أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة﴾ [٦: ١٠٢] . (ولم يكن لي كفواً) بضم الكاف والفاء وسكونها مع الهمزة وضمهما مع الواو، ثلاث لغات متواترات يعني مثلاً وهو خبر كان وقوله (أحد) اسمها أخر عن خبرها رعاية للفاصلة، ولي متعلق بكفواً وقدم عليه لأنه محط القصد بالنفي، ونفي الكفو يعم الوالدية والزوجية وغيرها، قال الطيبي: ذكر الله تعالى تكذيب ابن آدم وشتمه وعظمتهما، ولعمري أن أقل الخلق وأدناه إذا نسب ذلك إليه استنكف وامتلأ غضباً وكاد يستأصل قائله، فسبحانه ما أحمله وما أرحمه ﴿وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً﴾ [١٨: ٥٧] ثم انظر إلى كل واحد من التكذيب والشتم وما يؤديان إليه من التهويل والفظاعة، أما الأول فإن منكر الحشر يجعل الله عزوجل كاذباً، والقرآن الذي هو مشحون بإثباته مفترى، ويجعل كلمة الله تعالى في خلق السموات والأرض عبثاً ولعباً. قال الله تعالى: ﴿إن ربكم الله الذي خلق
стр. 87
٢١- (٢٠) وفي رواية ابن عباس
ــ
السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرض يدبر الأمر﴾ إلى قوله: ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون﴾ [١٠: ٣، ٤] علل الله خلق السماوات والأرض والاستواء على العرض لتدبير العالم بالجزاء من ثواب المؤمن وعقاب الكافر، ولا يكون ذلك إلا في القيامة، فيلزم منه أن لو لم يكن الحشر لكان ذلك عبثاً ولهواً. وقال تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [٢١: ١٦] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. وأما الثاني فإن قائله يحاول إزالة المخلوقات بأسرها وتخريب السماوات من أصلها، قال تعالى: ﴿تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً. أن دعوا للرحمن ولداً﴾ [١٩: ٩٠-٩١] ، ثم تأمل في مفردات التركيب لفظة لفظة فإن قوله (لم يكن له ذلك) من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب المشعر بالعلية؛ لأن قوله (لم يكن له ذلك) نفي الكينونة التي بمعنى الانتفاء، كقوله تعالى: ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ [٢٧: ٦٠] ، أراد أن تأتي ذلك محال من غيره تعالى ومنه قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يغل﴾ [٣: ١٦١] معناه: ما صح له ذلك، يعني أن النبوة تنافي الغلول، فحينئذٍ يجب أن يحمل لفظ ابن آدم على الوصف الذي يعلل الحكم به بحسب التلميح وإلا لم يكن لتخصيص لفظ ابن آدم دون الناس والبشر فائدة، وذلك من وجوه، أحدها: أنه تمليح إلى قوله: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ [٧: ١١] من الله تعالى عليهم بها، المعنى إنا أنعمنا عليكم بإيجادكم من العدم، وصورناكم في أحسن تقويم ثم أكرمنا الملائكة المقربين بالسجود لأبيكم لتعرفوا قدر الإنعام فتشكروا، فقلبتم الأمر فكفرتم ونسبتم المنعم المتفضل إلى الكذب، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [٥٦: ٨٢] أي شكر رزقكم. وثانيها: تلميح إلى قوله تعالى: ﴿أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين﴾ [٣٦: ٧٧] المعنى أم تر أيها المكذب إلى أنا خلقناك من ماء مهين، خرجت من إحليل أبيك واستقرت في رحم أمك فصرت تخاصمني بحججك وبرهانك فيما أخبرت به من الحشر والنشر بالبرهان فأنت خصيم لي بين الخصومة، وما أحسن موقع المفاجأة التي يعطيها قوله تعالى: ﴿فإذا هو خصيم مبين﴾ . وثالثها إلى قوله تعالى: ﴿أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ [٣٦: ٨١] المعنى أو ليس الذي خلق هذه الأجرام العظام بقادر على أن يخلق مثل هذا الجرم الصغير الذي خلق من تراب ثم من نطفة، وكذلك قوله: (أنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد) أوصاف مشعرة بعلية الحكم، أما قوله (الأحد) فإنه بنى لنفي ما يذكر معه من العدد، فلو فرض له ولد يكون مثله، فلا يكون أحداً، والصمد هو الذي يصمد إليه في الحوائج، فلو كان له ولداً لشركه فيه، فيلزم إذاًً فساد السماوات والأرض، وقوله (كفواً) أي صاحبة لا ينبغي له لأنه لو فرض له ذلك للزم منه الاحتياج إلى قضاء الشهوة، وكل ذلك وصف له بما فيه نقص وإزراء، وهذا معنى الشتم، والله أعلم – انتهى كلام الطيبي.
٢١- قوله: (وفي رواية ابن عباس) أي في هذا الحديث، قال الحافظ بعد ذكر الاختلاف بين روايتي أبي هريرة
стр. 88
وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، وسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً)) رواه البخاري.
٢٢- (٢١) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: ((يؤذيني ابن آدم يسب الدهر
ــ
وابن عباس: وهو محمول على أن كلاً من الصحابيين حفظ في آخره ما لم يحفظ الآخر (لي ولد) اسم جنس يشمل الذكر والأنثى (وسبحاني) وفي نسخة صحيحة بالفاء، وكذا في البخاري، وهو مضاف إلى ياء المتكلم، أي نزهت ذاتي (أن أتخذ) أي من أن أتخذ، وأن مصدرية (صاحبة) أي زوجة (أو ولداً) أو للتنويع لا للشك، ومناسبة الحديث لكتاب الإيمان من حيث إنكار الحشر والنشر ونسبة الولد إلى الله تعالى ضد للإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالله المنعوت في حديث جبريل. (رواه البخاري) عن أبي هريرة في بدء الخلق، وفي تفسير سورة الإخلاص، وعن ابن عباس في تفسير سورة البقرة، وأخرجه أحمد والنسائي أيضاً عن أبي هريرة.
٢٢- قوله: (يؤذيني ابن آدم) أي يقول في حقي ما أكره، وينسب إلي ما لا يليق لي أو ما يتأذى به من يجوز في حقه التأذي، وهذا من المتشابهات، والله تعالى منَزه عن أن يلحقه أذى، إذ هو محال عليه، فإما أن يفوض أو يؤول كما تقدم، ويقال: هو من التوسع في الكلام، والمراد أن من وقع ذلك منه تعرض لسخط الله وغضبه. وقال الطيبي: الإيذاء إيصال المكروه إلى الغير قولاً أو فعلاً أثر فيه أو لم يؤثر، وإيذاء الله تعالى عبارة عن فعل ما يكرهه ولا يرضى به وكذا إيذاء رسول الله ﷺ , وقال تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾ [٣٣: ٥٧] ، (يسب الدهر) بصيغة المضارع استئناف بيان، يعني يقول إذا أصابه مكروه من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك: تباً للدهر وبؤساً له ويا خيبة الدهر ونحو ذلك، والدهر اسم لمدة العالم من مبدأ تكوينه إلى انقراض العالم، كانت الجاهلية تضيف المصائب والنوائب للدهر الذي هو من الليل والنهار، وهم في ذلك فرقتان، فرقة لا تؤمن بالله ولا تعرف إلا الدهر الليل والنهار اللذان هما محل للحوادث وظرف لساقط الأقدار، فتنسب المكاره إليه على أنها من فعله، ولا ترى أن لها مدبراً غيره، وهذه الفرقة هي الدهرية من الكفار والفلاسفة الدورية المنكرين للصانع، المعتقدين أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾ [٤٥: ٢٤] أي مر الزمان وطول العمر واختلاف الليل والنهار، وفرقة تعرف الخالق وتنَزهه من أن تنسب إليه المكاره فتضيفها إلى الدهر والزمان، وعلى هذين الوجهين كانوا يسبون الدهر ويذمونه، وقد يقع من بعض عوام المؤمنين غفلة وجهالة، قال المحققون من نسب شيئاً من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر لكنه يكره له ذلك لشبهه بأهل
стр. 89
وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار)) متفق عليه.
٢٣- (٢٢) وعن أبي موسى قال: قال رسول ﷺ : ((ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يدعون له
ــ
الكفر في الإطلاق (وأنا الدهر) برفع الراء، قيل: هو الصواب، ويؤيده الرواية التي فيها: ((فإن الله هو الدهر)) ، وهو مضاف إليه أقيم مقام المضاف، أي أنا خالق الدهر أو صاحب الدهر، فحذف اختصاراً للفظ وتوسعاً في المعنى، وقيل: التقدير مقلب الدهر ولذا عقبه بقوله: بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، وقيل: الدهر في قوله (وأنا الدهر) غير الأول، فإنه بمعنى زمان مدة العالم من مبدأ التكوين إلى أن ينقرض العالم، والثاني مصدر بمعنى الفاعل ومعناه أنا الداهر المتصرف المدبر المفيض لما يحدث، واستضعف هذا القول لعدم الدليل عليه، وقيل: الأظهر في معناه أنا فاعل ما يضاف إلى الدهر من الخير والشر والمسرة والمساءة، فإذا سب ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إليّ؛ لأني فاعلها وإنما الدهر زمان جعلته ظرفاً لمواقع الأمور. قال عياض: زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله تعالى، وهو غلط، فإن الدهر مدة زمان الدنيا، وقال ابن كثير: قد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذاً من هذا الحديث – انتهى. ويروى بنصب الدهر على الظرفية، أي أنا المتصرف في الدهر، أو أنا مدة الدهر، أقلب ليله ونهاره، أو أنا باقٍ مقيم أبداً لا أزول (بيدي الأمر) بالإفراد وفتح الياء وتسكن، وجوز التثنية وفتح الياء المشددة للتأكيد والمبالغة، أي الأمور كلها خيرها وشرها حلوها ومرها مما تنسبونها إلى الدهر تحت تصرفي (أقلب الليل والنهار) ، وعند أحمد (ج٢: ص٤٩٦) بسند صحيح عن أبي هريرة: ((لا تسبوا الدهر فإن الله تعالى قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي أجددها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك)) ، ولا تخفى مطابقة الحديث لكتاب الإيمان على من تأمل في معناه. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود.
٢٣- قوله: (ما أحد أصبر) أي ليس أحد أشد صبراً، وهو حبس النفس على المكروه، والله تعالى منَزه عن ذلك، فالمراد لازمه وهو حبس العقوبة عن مستحقها إلى زمن آخر وتأخيرها أي ترك المعاجلة بالعقوبة، وقال الحافظ: أصبر: أفعل تفضيل من الصبر ومن أسمائه الحسنى الصبور، ومعناه: الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة، وهو قريب من معنى الحليم، والحليم أبلغ في السلامة من العقوبة (على أذى) قيل: إنه اسم مصدر آذى يؤذي بمعنى المؤذي، صفة محذوف أي كلام مؤذٍ قبيح صادر من الكفار (يسمعه) صفة أذى، وهو تتميم لأن المؤذى إذا كان بمسمع من المؤذي كان تأثير الأذى أشد، وهذا بالنسبة إلينا وإلا فالمسموع وغيره معلوم عنده تعالى (من الله) متعلق بقوله أصبر لا بيسمعه (يدعون له) بسكون الدال، وقيل بتشديدها أي ينسبون إليه، والجملة استئناف بيان للأذى، واستشكل بأن الله تعالى منَزه عن تعلق الأذى به؛ لكونه صفة نقص، وهو منَزه عن كل نقص، وأجيب بأن المراد أذى يلحق
стр. 90
الولد ثم يعافيهم ويرزقهم)) متفق عليه.
٢٤- (٢٣) وعن معاذ كنت ردف النبي ﷺ على حمار ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال: ((يا معاذ هل تدري
ــ
رسله وصالحي عباده، إذ في إثبات الولد له إيذاء لهم؛ لأنه تكذيب لهم في نفي الصاحبة والولد عن الله وإنكاره لمقالتهم، فأضيف الأذى لله تعالى للمبالغة في الإنكار عليهم والاستعظام لمقالتهم (ثم يعافيهم) بدفع المكاره والبليات والمضرات عنهم (ويرزقهم) السلامة وأصناف الأموال، ولا يعجل تعذيبهم، فهو أصبر على الأذى من الخلق، لكن لا يؤخر النقمة قهراً بل تفضلاً مع القدرة على الانتقام، وفي الحديث إشارة إلى أن الصبر على احتمال الأذى محمود، وترك الانتقام ممدوح، ولهذا كان جزاء كل عمل محصوراً وجزاء الصبر غير محصور، قال تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [٣٩: ١٠] (متفق عليه) أخرجه البخاري في التوحيد باللفظ الذي ذكره المصنف، إلا أن فيه سمعه بصيغة الماضي مكان قوله "يسمعه"، وأخرجه أيضاً في الأدب، وأخرجه مسلم في باب الكفار من كتاب صفة القيامة، وأخرجه النسائي في النعوت.
٢٤- قوله: (عن معاذ) بضم الميم هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي الأنصاري الخزرجي، أبوعبد الرحمن المدني، أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، وشهد بدراً وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، روى الترمذي وغيره عن أبي قلابة عن أنس مرفوعاً في ذكر بعض الصحابة: وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ويروى عن النبي ﷺ مرسلاً ومتصلاً: ((يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة)) ، وقال ابن مسعود: كنا نشبهه بإبراهيم – ﵇، وكان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، وقال الأعمش عن أبي سفيان حدثني أشياخ لنا فذكر قصة فيها فقال عمر: عجزت النساء أن تلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر، وبعثه النبي ﷺ قاضياً ومعلماً إلى اليمن، وقال أبونعيم في الحلية: إمام الفقهاء وكنْز العلماء، شهد العقبة وبدراً والمشاهد وكان من أفضل شباب الأنصار حلماً وحياء وسخاء وكان جميلاً وسيماً، ومناقبه كثيرة جداً، روى عنه خلق من الصحابة والتابعين، له مائة وسبعة وخمسون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث، قدم اليمن في خلافة أبي بكر، وكانت وفاته بالطاعون في الشام سنة سبع عشرة أو التي بعدها، وهو قول الأكثر، وعاش أربعاً وثلاثين سنة، وقيل غير ذلك (كت ردف النبي ﷺ ) الردف بكسر الراء وسكون الدال، والرديف: الراكب خلف الراكب بإذنه، وردف كل شيء مؤخره، وأصله من الركوب على الردف وهو العجز، ولهذا قيل للراكب الأصلي: ركب صدر الدابة، وردفت الرجل إذا ركبت وراءه وأردفته إذا أركبته وراءك (على حمار) اسمه عفير تصغير أعفر، أهداه المقوقس أو فرزة بن عمرو (ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة، وهو للبعير كالسرج للفرس، والمراد قدر مؤخرة الرحل
стр. 91
ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً)) .
ــ
قاله النووي، والمؤخرة: هي العود التي يجعل خلف الراكب يستند إليه، بضم الميم وسكون الهمزة بعدها خاء مكسورة، وقد تفتح، وفيه لغة أخرى بفتح الهمزة والخاء المشددة المكسورة وقد تفتح، وفائدة ذكره المبالغة في شدة قربه؛ ليكون أرقع في نفس سامعه أنه ضبط ما رواه (ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله) قال الطيبي: الحق نقيض الباطل؛ لأنه ثابت والباطل زائل، ويستعمل في الواجب واللازم والجدير والنصيب والملك، وحق الله تعالى بمعنى الواجب واللازم، وحق العباد بمعنى الجدير لأن الإحسان إلى من لم يتخذ رباً سواه جدير في الحكمة أن يفعله، قال هذا هو الوجه، وقيل: حق العباد على الله تعالى ما وعدهم به من الثواب والجزاء، ومن صفة وعده أن يكون واجب الإنجاز فهو حق بوعده الصدق، وقوله الحق الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر ولا الخلف في الوعد، أو المراد أنه كالواجب في تحققه وتأكده، أو قال حقهم على الله على جهة المقابلة والمشاكلة لحقه عليهم، فالله تعالى لا يجب عليه شيء بحكم الأمر، إذ لا آمر فوقه، ولا حكم للعقل لأنه كاشف لا موجب، قال الحافظ: وتمسك بعض المعتزلة بظاهره ولا متمسك لهم مع قيام الاحتمال (قال: فإن) أي إذا فوضت فاعلم أن (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي، عطف عليها عدم الإشراك لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه على العبادة أن بعض الكفرة كانوا يدعون أنهم يعبدون الله، ولكنهم يعبدون آلهة أخرى، فاشترط نفي ذلك، والجملة حالية، والتقدير: يعبدونه في حال عدم الإشراك به، قال ابن حبان: عبادة الله إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل الجوارح، ولهذا قال في الجواب: فما حق العباد إذا فعلوا ذلك؟ فعبر بالفعل ولم يعبر بالقول كذا في الفتح (وحق العباد) بالنصب ويجوز رفعه (أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً) من الأشياء أو الإشراك، وفي رواية لمسلم: ((أتدري ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟)) والإشارة إلى ما تقدم من قوله: يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وفي رواية للبخاري: ((إذا فعلوه)) ، قال القاري: أي لا يعذبهم عذاباً مخلداً، فلا ينافي دخول جماعة النار من عصاة هذه الأمة كما ثبت به الأحاديث الصحيحة – انتهى. قلت: لا حاجة إلى هذا التأويل فإن عدم التعذيب إنما هو لمن عبده ولم يشرك به شيئاً، والمراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي مع الإقرار باللسان والتصديق بالقلب كما علمت، ومن كان كذلك لا يعذب مطلقاً ويدخل الجنة أولاً معافى، ومن هاهنا ظهر أن الوعد المذكور في الحديث إنما هو بعد ملاحظة جميع ما ورد في الشرع من الأوامر والنواهي، ومراعاة جميع الفرائض والواجبات الشرعية، ثم الاتكال فيما وراء ذلك من فضائل الأعمال وفواضلها أي السنن والنوافل، وهذا لأن الإنسان أرغب في دفع المضرة من جلب المنفعة،
стр. 92
قلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا)) متفق عليه.
٢٥- (٢٤) وعن أنس أن النبي ﷺ ، ومعاذ رديفه على الرحل، قال: يا معاذ! قال: ((لبيك يا رسول الله
ــ
فإذا علم أن الإقرار والتصديق والعمل بالفرائض والاجتناب عن المعاصي يكفي له في نجاته من العذاب وتخليصه منه ذهب يقنع ويتكاسل عن السنن والمستحبات ولا يجتهد في تحصيل الدرجات العليا، وهذا أمر كأنه جبل عليه، ولا شك أن الاكتفاء بالفرائض والواجبات والتقاعد عن السنن والنوافل نقيصة وحرمان عن المدارج العالية، فمنع النبي ﷺ معاذاً أن يخبر به لئلا يتكلوا وليجتهدوا في معالي الأمور، والدليل على أن المراد من الاتكال الآتي في الحديث الاتكال عن السنن والنوافل ما رواه الترمذي في صفة الجنة عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: ((من صام رمضان وصلى الصلاة وحج البيت – لا أدري أذكر الزكاة أم لا – إلا كان حقاً على الله أن يغفر له إن هاجر في سبيل الله أو مكث بأرضه التي ولد بها، قال معاذ: ألا أخبر بها الناس؟ فقال رسول الله ﷺ : ذر الناس يعملون فإن في الجنة مائة درجة، والفردوس أعلا الجنة وأوسطها، قال: فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس)) ، ففيه ذكر الفرائض أيضاً والتحريض على الدرجة العلياء، ويدل عليه أيضاً ما رواه أحمد عن معاذ، وسيأتي في آخر الفصل الثالث، فظهر أنه لم يرد في الحديث المجمل الاتكال عن الفرائض كيف وترك الفرائض لا يرجى من عوام المؤمنين وشأن الصحابة أرفع. (أفلا أبشر به الناس) الهمزة للاستفهام، ومعطوف الفاء محذوف، تقديره: أقلت ذلك فلا أبشر، وبهذا يجاب عما قيل إن الهمزة تقضي الصدارة والفاء تقتضي عدم الصدارة فما وجه جمعهما؟ قاله العيني. وقال القاري: الفاء في جواب الشرط المقدر أي إذا كان كذلك أفلا أبشرهم بما ذكرت من حق العباد، والبشارة: إيصال خبر إلى أحد يظهر أثر السرور منه على بشرته، وأما قوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ ، فمن الاستعارة التهكمية (لا تبشرهم) بذلك (فيتكلوا) منصوب في جواب النهي بتقدير أن بعد الفاء أي يعتمدوا ويتركوا الاجتهاد في حق الله تعالى، فالنهي منصب على السبب والمسبب معاً أي لا يكن منك تبشير فاتكال منهم، قال الطيبي: وإنما رواه معاذ مع كونه منهياً لأنه علم أن هذا الإخبار يتغير بتغير الأزمان والأحوال، والقوم يومئذٍ كانوا حديثي عهد بالإسلام ولم يعتادوا بتكاليفه، فلما استقاموا وتثبتوا أخبرهم به بعد ورود الأمر بالتبليغ والوعيد على الكتمان والتضييع، ثم إن معاذاً مع جلالة قدره لم يخف عليه ثواب من نشر علماً، ووبال من كتمه ضناً فرأى التحديث به واجباً، ويؤيده ما ورد في الحديث الذي يتلوه: فأخبر به معاذ عند موته تأثماً. انتهى (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجهاد وفي الاستئذان وفي الرقاق وفي التوحيد، وأخرجه مسلم والترمذي في الإيمان وأبوداود في الجهاد مختصراً.
٢٥- قوله: (أن النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل) أي راكب خلفه ﷺ ، والجملة حالية معترضة بين اسم أن وخبرها، والرحل أكثر ما يستعمل في البعير لكن معاذاً كان في تلك الحالة رديفه على حمار كما مر، فيأول بما تقدم في كلام النووي (قال: يا معاذ) في محل الرفع لأنه خبر أن المتقدمة (لبيك) بفتح اللام مثنى مضاف بني للتكرير والتكثير من
стр. 93
وسعديك، قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك – ثلاثاً -، قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار)) .
ــ
غير حصر، من لب أي أجاب أو أقام، أي أجبت لك إجابة بعد إجابة، أو أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة، وكان حقه أن يقال لبالك فثنى على معنى التأكيد، وقال العيني: قال ابن الأنباري: في لبيك أربعة أقوال، أحدها: إجابتي لك، مأخوذ من لب بالمكان وألب به: إذا أقام به، وقالوا: لبيك فثنوا لأنهم أرادوا إجابة بعد إجابة كما قالوا حنانيك أي رحمة بعد رحمة، والثاني: اتجاهي يا رب وقصدي لك، فثنى للتأكيد أخذاً من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها، والثالث: محبتي لك يا رب، من قول العرب امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه. الرابع: إخلاصي لك يا رب، من قولهم: حسب لباب إذا كان خالصاً محضاً، ومن ذلك لب الطعام ولبابه (وسعديك) تثنية سعد، والمعنى أنا مسعد طاعتك إسعاداً بعد إسعاد، فثنى للتأكيد وتكرير النداء بقوله (يا معاذ) لتأكيد الاهتمام بما يخبر به وليكمل تنبيه معاذ فيما يسمعه، فيكون أوقع في النفس وأشد في الضبط والحفظ (ثلاثاً) أي قيلاً ثلاثاً، وهو يتعلق بقول كل واحد من النبي ﷺ ومعاذ أي وقع هذا النداء والجواب ثلاث مرات (ما من أحد) من زائدة لاستغراق النفي، وأحد مبتدأ وصفته قوله (يشهد) وخبر المبتدأ قوله: إلا حرمه الله على النار، وهو استثناء مفرغ أي ما من أحد يشهد محرم على شيء إلا محرماً على النار، والتحريم بمعنى المنع، قاله القاري. وقال العيني: كلمة ما للنفي، وكلمة من زائدة لتأكيد النفي، وأحد اسم ما ويشهد خبرها وأن مفسرة، وإلا حرمه الله على النار استثناء من أعم عام الصفات، أي ما أحد يشهد كائناً بصفة التحريم، انتهى. فتأمل (صدقاً) يجوز أن يكون حالاً عن فاعل يشهد بمعنى صادقاً، أو يكون صفة مصدر محذوف أي شهادة صدقاً، وقال القاري: هو مصدر فعل محذوف أي يصدق صدقاً، وقوله (من قلبه) صفة صدقاً؛ لأن الصدق قد لا يكون من قلب أي اعتقاد كقول المنافقين: ﴿إنك لرسول الله﴾ ، وقال العيني: قوله من قلبه يجوز أن يتعلق بقوله صدقاً، أي يشهد بلفظه ويصدق بقلبه، فالشهادة لفظية، ويجوز أن يتعلق بقوله يشهد، فالشهادة قلبيه أي يشهد بقلبه ويصدق بلسانه، قال السندهي: الشهادة فعل اللسان، وفعل القلب لا يسمى شهادة، فجعل من قلبه متعلقاً بيشهد على معنى أنه يشهد بالقلب غير ظاهر، نعم يمكن جعله متعلقاً به على معنى شهادة ناشئة من مؤاطاة قلبه، لكن لا يبقى حينئذٍ لقوله صدقاً كثير فائدة – انتهى. (إلا حرمه الله على النار) ظاهر هذا يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشهادتين النار لما فيه من التعميم والتأكيد، وهو مصادم للأدلة القطعية الدالة على دخول طائفة من عصاة الموحدين النار ثم يخرجون بالشفاعة، وقد أجيب عنه بأجوبة، منها أن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك قبل أن يتمكن من الإتيان بفرض آخر، وهذا قول البخاري، ومنها أن المراد بالتحريم تحريم الخلود لا أصل الدخول، ومنها أنه خرج مخرج الغالب إذ الغالب
стр. 94
قال: يا رسول الله! أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا)) .
ــ
أن الموحد يعمل بالطاعات ويجتنب المعاصي، ومنها أن ذلك لمن قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها ليكون الامتثال والانتهاء مندرجين تحت الشهادة، وهذا قول الحسن، ومنها أن المراد تحريم جملته؛ لأن النار لا تأكل موضع السجود من المسلم وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، ومنها أن معناه حرمه الله على النار الشديدة المؤبدة التي أعدها للكافرين وإن عمل الكبائر، وقد أوضحه الشاه ولي الله في حجة الله، ومنها أن ذلك يختص لمن أخلص، والإخلاص يقتضي تحقيق القلب بمعناها، ولا يتصور حصول التحقيق مع الإصرار على المعصية لامتلاء القلب بمحبة الله تعالى وخشيته، فتنبعث الجوارح إلى الطاعة وتنكف عن المعصية، ومنها ما قاله الطيبي: إن قوله صدقاً أقيم هنا مقام الاستقامة؛ لأن الصدق يعبر به قولاً عن مطابقة القول المخبر عنه، ويعبر به فعلاً عن تحري الأخلاق المرضية كقوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾ [٣٩: ٣٢] ، أي حقق ما أورده قولاً بما تحراه فعلاً – انتهى. وحاصل ما قال: إن ذلك مقيد بمن عمل الأعمال الصالحة، قال ولأجل خفاء ذلك لم يؤذن لمعاذ في التبشير به، ومنها أنه مقيد بوجود شرائط وارتفاع موانع كما ترتب الأحكام على أسبابها المقتضية المتوقفة على انتفاء الموانع، فإذا تكامل ذلك عمل المقتضى علمه، وإنما يذكر الكلام في مواقع الوعد والبشارة مرسلاً مع كون الشرائط والموانع معتبرة وملحوظة هناك لظهوره، ولأن المناسب للبشارة الإجمال والإبهام، فلا يتعرض فيها لتحقق الشرائط وانتفاء الموانع واستيفاء الأمور الواجبة، والحاصل أن الامتثال بالطاعات والاجتناب عن المعاصي مراعى هاهنا، وإن لم يذكر في العبارة، وهذا لأنه ﷺ قد كان فرغ من ذكر أكثر الفرائض والمناهي، وتفصيلها واحدة واحدة، والترغيب في الطاعات طاعة طاعة، والترهيب في المعاصي معصية معصية؛ لأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة كما رواه مسلم، وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض، كذا ورد نحوه من حديث أبي موسى رواه أحمد بإسناد حسن، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبوهريرة، فاستغنى عن ذكرها في كل مرة؛ لأنه قد بين لهم أن الأعمال الصالحة لابد منها في الإيمان، وأن المعاصي مضرة موجبة لسخط الله، فحصلت غنية عن تكريرها في كل موضع لكون المعلوم كالمذكور، وإنما خص كلمة الشهادتين بالذكر من بين أجزاء الإيمان لكونها أصلاً وأساساً للكل ومداراً للحياة الأبدية، وحاصل الكلام أن تحريم النار وإن حصل بالمجموع لكنه خص من هذا المجموع ما كان أهم من بينها وهو الكلمة، فهي كأصل الشجرة فإنه لا حياة لها بدون الأصل، وهو أحسن الأجوبة عندي، وهو نحو قول الحسن البصري. (فيستبشروا) بحذف النون؛ لأن الفعل ينصب بعد الفاء المجاب بها بعد النفي والاستفهام والعرض والتقدير: فأن يستبشروا أي يفرحوا بأن يظهر أثر السرور على بشرتهم (إذاً يتكلوا) بتشديد المثناة الفوقية وكسر الكاف، وإذا حرف جواب وجزاء، وقد يستعمل لمحض الجواب كما هنا، أي لا تخبرهم بذلك لأنك إن أخبرتهم يعتمدوا على الكلمة والفرائض ويتركوا فضائل الأعمال وفواضلها من السنن والنوافل فينجروا
стр. 95
فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً)) متفق عليه
٢٦- (٢٥) وعن أبي ذر قال: أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ
ــ
إلى نقصان درجاتهم وتنَزل حالاتهم، وهذا حكم الأغلب من العوام وإلا فالخواص كلما بشروا ازدادوا في العبادة، فتضمن هذا الحديث أنه يخص بالعلم قوم فيهم الضبط وصحة الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله، ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لتقصير فهمه. (فأخبر بها) أي بهذه البشارة (عند موته) أي موت معاذ (تأثماً) مفعول له، وهو بفتح الهمزة وتشديد المثلثة المضمومة، أي تجنباً وتحرزاً عن الوقوع في إثم كتمان العلم، إذ في الحديث: ((من كتم علماً ألجم بلجام من نار)) ، فإن قلت: سلمنا أنه تأثم من الكتمان، فكيف لا يتأثم من مخالفة رسول الله ﷺ في التبشير؟ أجيب بأن النهي كان مقيداً بالاتكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، وإذا زال القيد زال المقيد، أو أن معاذاً عرف أنه لم يكن المقصود من النهي التحريم بل هو محمول على التنْزيه وإلا لما كان يخبر به أصلاً، والحاصل أنه اطلع على أن النهي للمصلحة لا للتحريم، فلذلك أخبر لعموم الآية بالتبليغ، والله أعلم (متفق عليه) أخرجه البخاري في أواخر العلم، ومسلم في الإيمان، وهو من مسند أنس، ذكر فيه حكم الشهادتين، والذي قبله من مسند معاذ، ذكر فيه ما يتعلق بحق الله على العباد، قال الحافظ في شرح حديث معاذ المتقدم في باب اسم الفرس والحمار من كتاب الجهاد ما لفظه: تقدم في العلم من حديث أنس بن مالك أيضاً لكن فيما يتعلق بشهادة أن لا إله إلا الله، وهذا فيما يتعلق بحق الله على العباد، فهما حديثان، ووهم الحميدي ومن تبعه حيث جعلوهما حديثاً واحداً، نعم وقع في كل منهما منعه ﷺ أن يخبر بذلك الناس لئلا يتكلوا، ولا يلزم من ذلك أن يكونا حديثاً واحداً، وزاد في الحديث الذي في العلم: فأخبر به معاذ عند موته تأثماً، ولم يقع ذلك هنا – انتهى.
٢٦- قوله: (عن أبي ذر) الغفاري الزاهد المشهور الصادق اللهجة، في اسمه أقوال أشهرها جندب بن جنادة، كان من كبار الصحابة قديم الإسلام، يقال: أسلم بمكة بعد أربعة فكان خامساً في الإسلام ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم على النبي ﷺ المدينة بعد الخندق، وله في إسلامه خبر حسن ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب، والحافظ في الإصابة، روي مرفوعاً: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر)) ، حسنه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال أبوداود: كان يوازي ابن مسعود في العلم، ومناقبه وفضائله كثيرة جداً، روي له مائتا حديث وأحد وثمانون حديثاً، اتفقا على اثني عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بتسعة عشر، سكن الربذة إلى أن مات بها سنة (٣٢) في خلافة عثمان، وكان يتعبد قبل أن يبعث النبي ﷺ ، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين. (أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض) حال من النبي ﷺ (وهو نائم) عطف على الحال (ثم أتيته وقد استيقظ) حال من الضمير المنصوب، وفائدة ذكر الثواب والنوم والاستيقاظ تقرير التثبت والإتقان فيما يرويه في
стр. 96
فقال: ((ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق؟ قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق،
ــ
آذان السامعين ليتمكن في قلوبهم (ما من عبد قال لا إله إلا الله) وإنما لم يذكر "محمد رسول الله" لأنه معلوم أنه بدونه لا ينفع (ثم مات على ذلك) أي الإقرار والاعتقاد، وثم للتراخي في الرتبة؛ لأن العبرة بالخواتيم، وفيه إشارة إلى الثبات على الإيمان حتى الموت احترازاً عمن ارتد ومات عليه، فحينئذٍ لا ينفع إيمانه السابق (إلا دخل الجنة) استثناء مفرغ، أي لا يكون له حال من الأحوال إلا حال استحقاق دخول الجنة، قال الحافظ: ليس في قوله ((دخل الجنة)) من الإشكال ما تقدم في السياق الماضي، أي في حديث أنس المتقدم؛ لأنه أعم من أن يكون قبل التعذيب أو بعده – انتهى. ففيه إشارة إلى أنه مقطوع له بدخول الجنة، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصراً عليها دخل الجنة أولاً، وإن كان صاحب كبيرة مات مصراً عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفى عنه دخل أولاً وإلا عذب بقدرها ثم أخرج من النار وخلد في الجنة، كذا قرروا في شرح الحديث، والظاهر أن الذي مات على التوحيد موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداءً، وقد تقدم أن الائتمار بالطاعات والانتهاء عن المعاصي مراعى في هذه الأحاديث، ورفع الموانع وتحقق الشرائط ملحوظ ومعتبر في مواقع الوعد والوعيد، وإنما ذكر الكلام مرسلاً من غير تعرض للقيود لكونها معلومة، ولأن المناسب في حق الوعد والبشارة هو الإجمال والإبهام، وهذا كقولهم "من توضأ صحت صلاته" أي مع سائر الشرائط والأركان، وعلى هذا معنى الحديث: إن من مات مؤمناً بجميع ما يجب الإيمان به مؤتمراً بالطاعات ومحترزاً عن المعاصي دخل الجنة ابتداءً، والله أعلم. (قلت: وإن زنى وإن سرق) قال ابن مالك: حرف الاستفهام في أول هذا الكلام مقدر، ولابد من تقديره أي أدخل الجنة وإن زنى وإن سرق؟ وقال غيره: التقدير: أو إن زنى أو إن سرق دخل الجنة، وتسمى هذه الواو واو المبالغة، و"إن" بعدها وصلية، وجزاءها محذوف لدلالة ما قبلها عليه، قاله القاري. (قال: وإن زنى وإن سرق) أي وإن ارتكب كل كبيرة فلابد من دخوله الجنة إما ابتداءً إن عفي عنه، أو بعد دخوله النار حسبما نطقت به الأخبار، وإنما ذكر من الكبائر نوعين ولم يقتصر على واحد؛ لأن الذنب إما حق الله وهو الزنا، أو حق العباد وهو أخذ مالهم بغير حق، وفي تكريره أيضاً معنى الاستيعاب والعموم كقوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً﴾ [١٩: ٦٢] أي دائماً، قاله الطيبي، وفيه دليل على أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان فإن من ليس بمؤمن لا يدخل الجنة وفاقاً، وأنها لا تحبط الطاعات لتعميمه ﷺ الحكم وعدم تفصيله، وأن صاحبها لا يخلد في النار، وأن عاقبته دخول الجنة، ففيه رد على الخوارج والمعتزلة الذي يدعون وجود خلود من مات من مرتكبي الكبائر من غير
стр. 97
على رغم أنف أبي ذر)) ، وكان أبوذر إذا حدث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر، متفق عليه.
٢٧- (٢٦) وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : ((من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه،
ــ
توبة في النار (على رغم أنف أبي ذر) بفتح الراء وضمها وكسرها - أي كراهة منه (وإن رغم أنف أبي ذر) بكسر الغين وقيل بالفتح والضم، أي لصق بالرغام - بفتح الراء - وهو التراب، ويستعمل مجازاً بمعنى كره أو ذل، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وأما تكرير أبي ذر فلاستعظام شأن دخول الجنة مع اقتراف الكبائر وتعجبه منه؛ وذلك لشدة نفرته من معصية الله تعالى وأهلها، وأما تكريره ﷺ فلإنكار استعظامه وتحجيره واسعاً، أي أتبخل يا أباذر برحمة الله، فرحمة الله واسعة على خلقه وإن كرهت ذلك، وأما حكاية أبي قول رسول الله ﷺ على رغم أنف أبي ذر فللتشرف والافتخار (متفق عليه) أخرجه البخاري في اللباس، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أحمد (ج٥: ص١٦٦) وابن حبان وغيرهما أيضاً.
٢٧- قوله: (وأن عيسى عبد الله) قال النووي: هذا حديث عظيم الموقع، وهو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه جمع فيه ما يخرج عنه جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم، وقال الطيبي: في ذكر عيسى تعريض بالنصارى وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض، وكذا قوله (عبده ورسوله) تعريض باليهود في إنكارهم رسالته وانتمائهم إلى ما لا يحل من قذفه أمه (وابن أمته) تعريض بالنصارى وتقرير لعبديته، أي هو عبدي وابن أمتي، كيف ينسبونه إلى البنوة؟ وتعريض باليهود ببراءة ساحته من قذفهم، فالإضافة في أمته إذاً للتشريف، (وكلمته) إشارة إلى أنه حجة الله على عباده، أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيى الموتى على يده، فالإضافة للتشريف، وقيل: سمي بكلمة الله لأنه أوجده بقوله ﴿كن﴾ ، فلما كان بكلامه سمي به، وقيل لما انتفع بكلامه سمي به، كما يقال: فلان سيف الله وأسد الله، وقيل: لما قال في صغره: ﴿إني عبد الله﴾ (ألقاها إلى مريم) استئناف بيان، أي أوصلها الله تعالى إليها وحصلها فيها (وروح منه) قيل: سماه بالروح لما كان له من إحياء الموتى بإذن الله، فكان كالروح، أو لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة عن حي وإنما اخترع اختراعاً من عند الله تعالى، قال الطيبي: الإضافة في أمته للتشريف، وعلى هذا تسميته بالروح ووصفه بقوله ((منه)) إشارة إلى أنه – ﵊ – مقربه وحبيبه، وتعريض باليهود بحطهم من منْزلته، وتنبيه للنصارى على أنه مخلوق من المخلوقات، وهذا كقوله تعالى: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً﴾ [٤٥: ١٣] ، فمعنى قوله "روح منه" أي كائن منه وحاصل
стр. 98
والجنة والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)) متفق عليه.
٢٨- (٢٧) وعن عمرو بن العاص
ــ
من عنده وهو خالقه وموجده بقدرته، كما أن معنى الآية أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده، أي أنه مكون كل ذلك وموجده بقدرته وحكمته ثم سخره لخلقه (والجنة) منصوب ويرفع (والنار حق) مصدر مبالغة في الحقية، وإنهما عين الحق، كزيد عدل، أو صفة مشبهة أي ثابت، وأفرد لأنه مصدر أو لإرادة كل واحدة منهما، وفيه تعريض بمن ينكر دار الثواب والعقاب (أدخله الله الجنة) ابتداءً وانتهاءً، والجملة جواب الشرط أو خبر المبتدأ (على ما كان) حال من ضمير المفعول من قوله "أدخله الله" أي كائناً على ما كان عليه موصوفاً به (من العمل) من صلاح أو فساد، لكن أهل التوحيد لابد لهم من دخول الجنة، ويحتمل أن يكون معنى قوله "على ما كان من العمل" أي يدخل أهل الجنة الجنة على حسب أعمال كل منهم في الدرجات، كذا في الفتح، قال القسطلاني: في الحديث أن عصاة أهل القبلة لا يخلدون في النار لعموم قوله: ((من شهد أن لا إله إلا الله)) ، وأنه تعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة واستيفاء العقوبة؛ لأن قوله (على ما كان من العمل) حال من قوله (أدخله الله الجنة) ، ولا ريب أن العمل غير حاصل حينئذٍ بل الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يناسب عمله من الثواب والعقاب، لا يقال: إن ما ذكر يستدعي أن لا يدخل أحد من العصاة النار؛ لأن اللازم منه عموم العفو وهو لا يستلزم عدم دخول النار؛ لجواز أن يعفو عن بعضهم بعد الدخول وقبل استيفاء العذاب، وقال الطيبي: التعريف في العمل للعهد والإشارة به إلى الكبائر، يدل له نحو قوله "وإن زنى وإن سرق" في حديث أبي ذر، وقوله (على ما كان) حال، والمعنى: من شهد أن لا إله إلا الله يدخل الجنة في حال استحقاقه العذاب بموجب أعماله من الكبائر، أي حال هذا مخالفة للقياس في دخول الجنة، فإن القياس يقتضي أن لا يدخل الجنة من شأنه هذا كما زعمت المعتزلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبوذر في قوله ((وإن زنى وإن سرق)) ، ورد بقوله: ((وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر)) – انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الأنبياء، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (ج٥: ص٣١٤) ، والنسائي في التفسير وفي اليوم والليلة.
٢٨- قوله: (وعن عمرو) بالفتح (بن العاص) بن وائل السهمي القرشي، أسلم عام الحديبية، وأمّره النبي ﷺ على جيش ذات السلاسل ثم استعمله على عمان فقبض النبي ﷺ وهو أميرها، وكان أحد أمراء الأجناد في فتوح الشام، وافتتح مصر في عهد عمر بن الخطاب وعمل عليها له ولعثمان ثم عمل عليها زمن معاوية منذ غلب عليها معاوية إلى أن مات عمرو، أخرج أحمد من حديث ابن أبي مليكة عن طلحة أحد العشرة رفعه: ((عمرو بن العاص من صالحي قريش)) ورجال سنده ثقات إلا أن فيه انقطاعاً بين ابن أبي مليكة وطلحة، وقال مجاهد عن الشعبي: دهاة العرب في الإسلام أربعة، فعدّ منهم عمراً، وقال فأما عمرو فللمعضلات، وقال أبوعمر: كان عمرو من أبطال قريش في الجاهلية
стр. 99
قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: أبسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط، قال تشترط ماذا؟ قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة
ــ
مذكوراً بذلك فيهم، وفضائله ومناقبه كثيرة جداً، قال الخزرجي: له تسعة وثلاثون حديثاً، اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بطرف حديث، ومسلم بحديثين، مات بمصر سنة (٤٣) وله (٩٠) سنة، ودفن بالمقطم، وخلف أموالاً جزيلة، واعلم أنهم اختلفوا في لفظ العاصي المذكور هل هو بالياء أو بدونها؟ قال الزرقاني في شرح الموطأ: بالياء وبحذفها والصحيح بالياء، وقال في شرح المواهب: العاص بالياء وحذفها، والصحيح الأول عند أهل العربية، وهو قول الجمهور كما قال النووي وغيره، وفي تبصير المنتبه قال النحاس: سمعت الأخفش يقول: سمعت المبرد يقول: هو بالياء لا يجوز حذفها، وقد لهجت العامة بحذفها، قال النحاس: هذا مخالف لجميع النحاة يعني أنه من الأسماء المنقوصة فيجوز فيه إثبات الياء وحذفها، كذا في التعليق الممجد، وقال القاري: الأصح عدم ثبوت الياء إما تخفيفاً أو بناءً على أنه أجوف، ويدل عليه ما في القاموس: الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر، وهم العاص وأبوالعاص والعيص وأبوالعيص، فعلى هذا لا يجوز كتابة العاص بالياء ولا قراءته بها لا وقفاً ولا وصلاً، فإنه معتل العين، بخلاف ما يتوهم بعض الناس أنه اسم فاعل من عصى، فحينئذٍ يجوز إثبات الياء وحذفه وقفاً ووصلاً بناءً على أنه معتل اللام – انتهى. (ابسط يمينك) أي افتحها ومدها (فلأبايعك) بكسر اللام وفتح العين على الصحيح، والتقدير لأبايعك تعليلاً للأمر والفاء مقحمة، وقيل: بضم العين، والتقدير فأنا أبايعك، وأقحم اللام توكيداً، ويحتمل وجوهاً أخرى، ذكرها القاري، (فقبضت يدي) بسكون الياء وتفتح أي إلى جهتي (ما لك يا عمرو) أي أيّ شيء خطر لك حتى امتنعت عن البيعة (أردت أن أشترط) مفعوله محذوف أي شرطاً أو شيئاً يحصل لي به الانتفاع (قال: تشترط ماذا) قيل: حق ماذا أن يكون مقدماً على تشترط؛ لأنه يتضمن معنى الاستفهام وهو يقتضي الصدارة، فحذف ماذا وأعيد بعد تشترط تفسيراً للمحذوف، وقيل: كأنه – ﵊ – لم يستحسن منه الاشتراط في الإيمان، فقال: أتشترط؟ إنكاراً فحذف الهمزة ثم ابتدأ فقال: ماذا، أي ما الذي تشترط أو أي شيء تشترط، وقال المالكي في قول عائشة: أقول ماذا شاهد؟ على أن ما الاستفهامية إذا ركبت مع ذا تفارق وجوب التصدير فيعمل فيها ما قبلها رفعاً ونصباً، فالرفع كقولك "كان ماذا"، والنصب كما في الحديث (أن يغفر لي) بالبناء للمفعول، وقيل: للفاعل أي الله (أما علمت يا عمرو) أي من حقك مع رزانة عقلك وجودة رأيك وكمال حذقك أن لا يكون خفي عن علمك (أن الإسلام) أي إسلام الحربي؛ لأن إسلام الذي لا يسقط شيئاً من حقوق العباد، قاله القاري (يهدم) بكسر الدال أي يمحو ويسقط (ما كان قبله) من الكفر والمعاصي مطلقاً مظلمة كانت أو غيرها صغيرة أو كبيرة (وأن الهجرة) من دار الحرب إلى دار الإسلام
стр. 100
تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟)) رواه مسلم، والحديثان المرويان عن أبي هريرة قال: قال الله تعالى: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك)) ، والآخر: ((الكبرياء ردائي)) سنذكرهما في بابي الرياء والكبر إن شاء الله تعالى.
﴿الفصل الثاني﴾
٢٩- (٢٨) عن معاذ قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار، قال: لقد سألت عن أمر عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه، تعبد الله
ــ
(تهدم ما كان قبلها) أي من الخطايا المتعلقة بحق الله لا التبعات، وتكفر الكبائر التي بين العبد ومولاه لا المظالم بين العباد وحقوق الآدميين (وأن الحج) أي المبرور (يهدم ما كان قبله) الحكم فيه كالذي قبله، قيل: وعليه الإجماع، وإنما حملوا الحديث في الحج والهجرة على ما عدا حقوق العباد والمظالم لما عرفوا ذلك من أصول الدين فردوا المجمل إلى المفصل، وعليه اتفاق الشارحين، وقد تكلم الطيبي في الحديث كلاماً حسناً بحسب ما تقتضيه البلاغة، وهو كالتعقب على الشارحين، إن شئت الوقوف عليه فارجع إلى شرحه للمشكاة (رواه مسلم) في الإيمان، وأخرجه أحمد أيضاً في مسنده (ج٤: ص٢٠٤، ٢٠٥) .
قوله: (والحديثان المرويان عن أبي هريرة) أي المذكوران هنا في المصابيح (قال الله تعالى ... ) الخ بيان للحديث (سنذكرهما في بابي الرياء والكبر) لف ونشر مرتب، أي لأن الحديثين أنسب بالبابين من هذا الباب.
(الفصل الثاني) أي المعبر به عن قوله من الحسان في المصابيح.
٢٩- قوله: (عن معاذ) أي ابن جبل (أخبرني بعمل) التنوين للتعظيم أو للتنويع، أي بعمل عظيم أو معتبر في الشرع (يدخلني) من الإدخال، وهو بالرفع صفة العمل، وإسناد العمل إلى الإدخال مجازاً، وبالجزم على أنه جزاء شرط محذوف هو صفة العمل، أي أخبرني بعمل إن عملته يدخلني الجنة، أو لأنه جواب الأمر؛ لأنه ترتب على فعل العمل المترتب على الإخبار، فترتبه على الإخبار إشارة إلى سرعة الامتثال بعد الاطلاع على حقيقة الحال، وعطف (يباعدني من النار) على يدخلني الجنة يفيد أن مراده دخول الجنة من غير سابقة عذاب (عن أمر عظيم) أي مستعظم الحصول لصعوبته على النفوس إلا من سهل الله عليه (وإنه ليسير) أي فعله سهل (على من يسره الله تعالى عليه) فيه إشارة إلى أن التوفيق كله بيد الله (تعبد الله) خبر بمعنى الأمر، وهو خبر مبتدأ محذوف على تقدير أن المصدرية، واستعمال الفعل موضع المصدر مجاز، أي هو ذلك العمل أن تعبد الله، وقد تقدم معنى العبادة وبيان الحكمة في
стр. 101
ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ ﴿يعملون﴾ ، ثم قال: ألا أدلك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟
ــ
عطف عدم الإشراك على العبادة (ألا أدلك على أبواب الخير) أي الطرق الموصلة به، والمراد بها النوافل، يدل عليه قوله: ((صلاة الرجل في جوف الليل)) لئلا يلزم التكرار؛ لأنه قد تقدم ذكر الصلاة وغيرها من الفرائض، وجعل هذه الأشياء أبواب الخير لأن الصوم شديد على النفس وكذا إخراج المال في الصدقة وكذا الصلاة في جوف الليل، فمن اعتادها يسهل عليه كل خير؛ لأن المشقة في دخول الدار تكون بفتح الدار المغلق (الصوم جُنَّة) بضم الجيم: الترس والوقاية، أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات والمعاصي المؤدية إلى النار في الآخرة، كالمجن الذي يقي صاحبه عند القتال من الضرب، فالشبع مجلبة للآثام منقصة للإيمان، فإنه يوقع الإنسان في مداحض فيزيغ عن الحق ويغلب عليه الكسل، فيمنعه من وظائف العبادات ويكثر المواد الفضول فيه فيكثر غضبه وشهوته ويزيد حرصه، فيوقعه في طلب ما زاد على حاجته فيوقعه في المحارم (تطفئ الخطيئة) من الإطفاء يعني تذهبها وتمحو أثرها، أي إذا كانت متعلقة بحق الله، وإذا كانت من حقوق العباد فتدفع تلك الحسنة إلى خصمه عوضاً من مظلمته، ونزل في الحديث الخطيئة منْزلة النار المؤدية هي إليها على الاستعارة المكنية، ثم أثبت لها على الاستعارة التخييلية ما يلازم النار من الإطفاء (وصلاة الرجل في جوف الليل) مبتدأ حذف خبره، أي هي مما لا يكننه كنهها، أو هي مما نزلت فيها الآية المذكورة، أو هي من أبواب الخير، أو هي شعار الصالحين، والأظهر بل المتعين أن يقدر خبره كذلك، أي أنها تطفئ الخطيئة أيضاً كالصدقة، يدل عليه ما أخرجه أحمد من رواية عروة بن النَزال عن معاذ قال: أقبلت مع النبي ﷺ من غزوة تبوك ... فذكر الحديث، وفيه ((إن الصوم جنة، والصدقة وقيام العبد في جوف الليل يكفر الخطيئة)) ، (ثم تلا) يعني قرأ هاتين الآيتين عند ذكره فضل صلاة الليل ليبين بذلك فضل صلاة الليل (تتجافى جنوبهم) أي تتباعد (يدعون ربهم) بالصلاة والذكر والقراءة والدعاء، ويدخل في عموم لفظ الآية من صلى بين العشائين ومن انتظر صلاة العشاء فلم يقم حتى يصليها لا سيما مع حاجته إلى النوم ومجاهدة نفسه على تركه لأداء الفريضة، ومن نام ثم قام من نومه بالليل للتهجد، وهو أفضل أنواع التطوع بالصلاة مطلقاً، وربما دخل فيه من ترك النوم عند طلوع الفجر وقام إلى أداء صلاة الصبح لا سيما مع غلبة النوم عليه (حتى بلغ يعملون) بقية الآية: ﴿خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [سورة السجدة] (ألا أدلك برأس الأمر) أي مخبراً بأصله، والمراد بالأمر الدين الذي بعث به (وعموده) بفتح أوله أي ما يقوم به الدين ويعتمد عليه (وذروة سنامه) بكسر الذال وهو الأشهر وبضمها، وحكى
стр. 102
قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه فقال: كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم
ــ
فتحها: أعلى الشيء والجمع ذرى بالضم، والسنام بفتح السين ما ارتفع من ظهر الجمل قريب عنقه يقال له بالفارسية "كوهان شتر"، (رأس الأمر الإسلام) قد جاء تفسير الإسلام في رواية أخرى بالشهادتين، ففي رواية أحمد من طريق شهر بن حوشب عن ابن غنم عن معاذ أن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، قال القاري: وهو من باب التشبيه المقلوب، إذ المقصود تشبيه الإسلام برأس الأمر؛ ليشعر بأنه من سائر الأعمال بمنْزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه وعدم بقائه دونه (وعموده الصلاة) أي ما يقوم به الدين كما يقوم الفسطاط على عموده هي الصلاة، وفي الرواية المشار إليها ((وأن قوام هذا الأمر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة)) ، (وذروة سنامه الجهاد) فيه إشارة إلى صعوبة الجهاد وعلو أمره، وهو يدل على أنه أفضل الأعمال بعد الفرائض كما هو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء، قال التوربشتي: المراد بالإسلام كلمتا الشهادة، وبالأمر أمر الدين يعني ما لم يقر العبد بكلمتي الشهادة لم لكن له من الدين شيء أصلاً، وإذا أقر بهما حصل له أصل الدين إلا أنه ليس له عمود، فإذا صلى وداوم على الصلاة قوي دينه ولكن لم يكن له رفعة وكمال، فإذا جاهد حصل لدينه رفعة (بملاك ذلك كله) الملاك بكسر الميم وفتحها لغة، والرواية الكسر: ما به إحكام الشيء وتقويته، أي بما به يملك الإنسان ذلك كله بحيث يسهل عليه جميع ما ذكر من تلك العبادات (فأخذ) أي رسول الله ﷺ (بلسانه) الضمير راجع إلى النبي ﷺ (كف) الرواية بفتح الفاء المشدد أي امنع (هذا) إشارة إلى اللسان، وتقديم المجرور على المنصوب للاهتمام به، وتعديته بعلى للتضمين أو بمعنى عن، وإيراد اسم الإشارة لمزيد التعيين أو للتحقير، وهو مفعول كف، والمعنى: لا تتكلم بما لا يعنيك، فإن من كثر من كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ولكثرة الكلام مفاسد يطول إحصاءها وارجع لذلك إلى الإحياء (لمؤاخذون) بالهمزة ويبدل، أي هل يؤاخذنا ويعاقبنا أو يحاسبنا ربنا (بما نتكلم به) أي بجميعه، إذ لا يخفى على معاذ المؤاخذة ببعض الكلام (ثكلتك أمك) بكسر الكاف أي فقدتك، وهو دعاء عليه بالموت ظاهراً، ولا يراد وقوعه بل هو تأديب وتنبيه من الغفلة (وهل يكب) بفتح الياء وضم الكاف وتشديد الباء، من كبه إذا صرعه على وجهه، بخلاف أكب فإن معناه سقط على وجهه، وهو من النوادر، وهو عطف على مقدر، أي هل تظن غير ما قلت، وهل يكب (على وجوههم أو على مناخرهم) شك من الراوي، والمناخر جمع منخر بفتح الميم وكسر الخاء وفتحها ثقب الأنف
стр. 103
إلا حصائد ألسنتهم؟)) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.
٣٠- (٢٩) وعن أبي أمامة
ــ
والمراد هنا الأنف، والاستفهام للنفي، خصهما بالكب لأنهما أول الأعضاء سقوطاً (إلا حصائد ألسنتهم) جمع حصيدة، فعيلة بمعنى مفعولة من حصد إذا قطع الزرع، وهذا إضافة اسم المفعول إلى فاعله، أي محصودات الألسنة، شبه ما يتكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالمنجل، وهو من بلاغة النبوة، فكما أن المنجل يقطع ولا يميز بين الرطب واليابس والجيد والرديء، فكذلك لسان بعض الناس يتكلم بكل نوع من الكلام حسناً وقبيحاً، والمعنى: لا يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم من الكفر والشرك والقول على الله بغير علم وشهادة الزور والسحر والقذف والشتم والكذب والغيبة والنميمة والبهتان ونحوها، وسائر المعاصي الفعلية لا يخلو غالباً من قول يقترن بها يكون معيناً عليها، وهذا الحكم وارد على الأغلب؛ لأنك إذا جربت لم تجد أحداً حفظ اللسان عن السوء ولا يصدر عنه شيء يوجب دخول النار إلا نادراً (رواه أحمد) في مسنده (ج٥: ص٢٣١) ، (والترمذي) في الإيمان (وابن ماجه) في الفتن، وأخرجه أيضاً النسائي، كلهم من طريق معمر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ بن جبل، وقال الترمذي: حسن صحيح، قال ابن رجب في شرح الأربعين: وفيما قاله نظر من وجهين: أحدهما أنه لم يثبت سماع أبي وائل من معاذ وإن كان قد أدركه بالسن، وكان معاذ بالشام وأبووائل بالكوفة، ومازال الأئمة كأحمد وغيره يستدلون على انتفاء السماع بمثل هذا، وقد قال أبوحاتم الرازي في سماع أبي وائل من أبي الدرداء: قد أدركه وكان بالكوفة وأبوالدرداء بالشام يعني أنه لم يصح له سماع منه، وقد حكى أبوزرعة الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر أو نفوه فسماعه من معاذ أبعد، والثاني: أنه قد رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن شهر بن حوشب عن معاذ، خرجه الإمام أحمد مختصراً (ج٥: ص٢٤٨) ، قال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب؛ لأن الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عليه فيه. قلت: رواية شهر عن معاذ مرسلة يقيناً، وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه، قد خرجه الإمام أحمد (ج٥: ص٢٤٥) من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وخرجه الإمام أحمد أيضاً (ج٥: ص٢٣٧) من رواية عروة بن النَزال بن عروة وميمون بن أبي شبيب كلاهما عن معاذ، ولم يسمع عروة ولا ميمون عن معاذ، وله طرق أخرى عن معاذ كلها ضعيفة – انتهى.
٣٠- قوله: (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة، اسمه صدي – بالتصغير - ابن عجلان بن وهب الباهلي، غلبت عليه كنيته، سكن مصر ثم انتقل منها إلى حمص فسكنها ومات بها، وكان من المكثرين في الرواية عن رسول الله ﷺ ، وأكثر حديثه عند الشاميين، قال له ﷺ : ((أنت مني وأنا منك)) ، ذكره الحافظ في الإصابة (ج٢: ص١٧٢) ، له مائتا حديث وخمسون حديثاً، روى له البخاري خمسة أحاديث، ومسلم ثلاثة، روى عنه خلق كثير، مات سنة (٨١) .
стр. 104
قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)) ، رواه أبوداود.
٣١- (٣٠) ورواه الترمذي عن معاذ بن أنس مع تقديم وتأخير، وفيه: ((فقد استكمل إيمانه)) .
ــ
وقيل: سنة (٨٦) وهو ابن (٩١) سنة، وقيل: ابن (١٠٦) سنة، وهو آخر من مات بالشام من أصحاب رسول الله ﷺ في قول بعضهم. (من أحب لله) أي لأجله ولوجهه لا لحظ نفسه (وأبغض لله) أي لكفره وعصيانه لا لإيذائه له (وأعطى لله) أي لثوابه ورضاه لا لميل نفسه وريائه (ومنع لله) أي لأمر الله فلا يصرف الزكاة عن كافر لخسته ولا عن هاشمي لشرفه بل لمنع الله لهما منها، وكذلك سائر الأعمال، فسكت لله وتكلم لله، واختلط بالناس لله واعتزل عن الخلق لله، كقوله تعالى حاكياً: ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ [٦: ١٦٢] ، وإنما خص الأفعال الأربعة لأنها حظوظ نفسانية، إذ قلما يمحضها الإنسان لله، فإذا محضها مع صعوبة تمحيضها كان تمحيض غيرها بالطريق الأولى، ولذا أشار إلى استكمال الدين بتمحيضها بقوله (فقد استكمل الإيمان) بالنصب أي أكمله، وقيل بالرفع، أي تكمل إيمانه. (رواه أبوداود) في السنة وسكت عليه، وفي إسناده القاسم بن عبد الرحمن أبوعبد الرحمن الشامي، قال المنذري: قد تكلم فيه غير واحد – انتهى. وأخرجه أيضاً الضياء المقدسي، قال العزيزي: بإسناد ضعيف، والطبراني في الأوسط، وفي إسناده صدقة بن عبد الله السمين، ضعفه البخاري وأحمد وغيرهما، وقال أبوحاتم: محله الصدق، كذا في مجمع الزوائد.
٣١- قوله: (ورواه الترمذي) أي في آخر أبواب الزهد (عن معاذ بن أنس) الجهني حليف الأنصار، قال ابن يونس: صحابي كان بمصر والشام، قد ذكر فيهما، روى عن النبي ﷺ أحاديث، وله رواية عن أبي الدرداء وكعب الأحبار، روى عنه ابنه سهل بن معاذ وحده، وهو لين الحديث إلا أن أحاديثه حسان في الفضائل والرغائب، قال الخزرجي: له ثلاثون حديثاً، وروى البغوي في معجمه من طريقه ما يدل على أنه بقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان. (مع تقديم وتأخير) ولفظه: ((من أعطى لله ومنع لله، وأحب لله وأبغض لله، وأنكح لله)) ، (وفيه) أي في حديث الترمذي أو في مروي معاذ (فقد استكمل إيمانه) أي بالإضافة، قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث منكر، قال شيخنا في شرح الترمذي: لم يظهر لي وجه كون هذا الحديث منكراً – انتهى. ويمكن أن يقال: إن الترمذي أراد بقوله منكر أنه غريب من حديث معاذ بن أنس، فقد تفرد بروايته عنه ابنه سهل، فهو غريب من جهة هذا الطريق، والمنكر يطلق على معنيين: أحدهما ما خالف فيه الضعيف القوي، والثاني ما تفرد به الضعيف من دون اشتراط المخالفة، وهاهنا قد انفرد بروايته سهل بن معاذ عن أبيه، وقد ضعفه ابن معين، وقال أبوحاتم الرازي: لا يحتج به، ووقع في بعض نسخ الترمذي: "حديث حسن"، بدل قوله "منكر" فليحرر، ولعل الترمذي حسنه مع أن في سنده أبامرحوم عبد الرحيم بن ميمون، وضعفه ابن معين وتكلم فيه غير واحد، وسهل بن معاذ قد عرفت حاله؛ لأن أبامرحوم هذا قد قال فيه
стр. 105
٣٢- (٣١) وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله)) رواه أبوداود.
٣٣- (٣٢) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس
ــ
النسائي: أرجو أنه لا بأس به، وقال الحافظ: صدوق، وسهل بن معاذ وثقه ابن حبان، وقال الحافظ: لا بأس به، إلا في رواية زبان عنه، وفي الاستيعاب وتهذيب التهذيب: هو لين الحديث إلا أن أحاديثه حسان في الفضائل والرغائب، ولأن له شاهدين، أحدهما حديث أبي أمامة، والثاني حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد والبزار بلفظ: ((من سره أن يجد طعم الإيمان فليحب المرء لا يحبه إلا لله ... )) الحديث، ورجاله ثقات، وحديث معاذ أخرجه أيضاً الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه أحمد بعين لفظ الترمذي من روايتين، من رواية عبد الله بن يزيد عن سعيد بن أبي أيوب عن عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ عن أبيه (ج٣: ص٤٤٠) ، وهي طريق الترمذي، والأخرى من طريق ابن لهيعة عن زبان بن فائد عن سهل عن أبيه معاذ (ج٣: ص٤٣٨) .
٣٢- قوله: (أفضل الأعمال) أي من أفضل أعمال الإيمان (الحب في الله) أي لوجهه وفي سبيله لا لغرض آخر كميل قلب وإحسان، ومن لازم الحب في الله حب أولياءه وأصفياءه، ومن شرط محبتهم اقتفاء آثارهم وطاعتهم. (والبغض في الله) أي لأمر يسوغ له البغض كالفسق والظلم والكفر والعصيان. قال ابن رسلان: فيه دليل على أنه يجب أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله كما يكون له أصدقاء يحبهم في الله، بيانه أنك إذا أحببت إنساناً لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله، فإن عصاه فلا بد أن تبغضه لأنه عاصٍ لله وممقوت عند الله، فمن أحب بسبب فبالضرورة يبغض لضده، وهذان وصفان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وهو مطرد في الحب والبغض في العادات – انتهى. (رواه أبوداود) قال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد الكوفي، ولا يحتج بحديثه، وقد أخرج له مسلم متابعة، وفيه أيضاً رجل مجهول – انتهى. وأخرجه أحمد مطولاً وفيه أيضاً رجل لم يسم، وللحديث شواهد من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في الكبير، ومن حديث البراء بن عازب أخرجه أحمد والبيهقي، ومن حديث ابن مسعود أخرجه الطبراني في الصغير، وفيه عقيل بن الجعد قال البخاري: منكر الحديث.
٣٣- قوله: (والمؤمن من أمنه الناس)) الخ كعلمه أي ائتمنوه يعني جعلوه أميناً عليها وصاروا منه على أمن؛ لكونه مجرباً مختبراً في حفظها وعدم الخيانة فيها، يقال: أمنت زيداً على هذا الأمر وأتمنته أي جعلته أميناً وصرت منه على أمن، يعني المؤمن الكامل هو الذي ظهرت أمانته وعدالته وصدقه بحيث لا يخاف منه الناس على إذهاب مالهم وقتلهم ومد اليد على نسائهم، والمقصود أن الكمال في الإيمان لا يتحقق بدون هذا، ولا يكون المرء بدون هذا الوصف مؤمناً كاملاً لا أنه
стр. 106
على دمائهم وأموالهم)) ، رواه الترمذي والنسائي.
٣٤- (٣٣) وزاد البيهقي في شعب الإيمان برواية فضالة: ((والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)) .
٣٥- (٣٤) وعن أنس قال: قلما خطبنا رسول الله ﷺ
ــ
إذا تحقق هذا الوصف تحقق الكمال في الإيمان، وإن كان مع ترك الصلاة ونحوها، لجواز عموم المحمول من الموضوع، قاله السندهي. قال الطيبي: وفي ترتب من سلم على المسلم ومن أمنه على المؤمن رعاية للمطابقة لغة – انتهى. وقال القاري: حاصل الفقرتين إنما هو التنبيه على تصحيح اشتقاق الاسمين، فمن زعم أنه متصف به ينبغي أن يطالب نفسه بما هو مشتق منه، فإن لم يوجد فيه فهو كمن زعم أنه كريم ولا كرم له – انتهى. قال المناوي: وذكر المسلم والمؤمن بمعنى واحد تأكيد أو تقرير. (رواه الترمذي) وقال: حسن صحيح، (والنسائي) كلاهما في الإيمان، وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم وابن حبان.
٣٤- (برواية فضالة) بفتح الفاء أي ابن عبيد الأنصاري الأوسي، كنيته أبومحمد، أسلم قديماً، أول مشاهده أحد ثم شهد ما بعدها وبايع تحت الشجرة وشهد فتح مصر والشام قبلها ثم سكن الشام وولي الغزو، وولاه معاوية قضاء دمشق بعد أبي الدرداء، وكان ذلك بمشورة من أبي الدرداء، قال ابن حبان: مات في خلافة معاوية، وكان معاوية ممن حمل سريره، وكان معاوية استخلفه على دمشق في سفرة سافرها، أرّخ المدائني وغيره وفاته سنة (٥٣) ، قال الخزرجي: له خمسون حديثاً انفرد مسلم بحديثين. روى عنه جماعة. (والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله) يعني المجاهد ليس من قاتل الكفار فقط، بل المجاهد من جاهد نفسه وحملها وأكرهها على طاعة الله تعالى؛ لأن نفس الرجل أشد عداوة من الكفار؛ لأن الكفار أبعد منه، ولا يتفق التلاحق والتقاتل معهم إلا حيناً بعد حين، وأما نفسه فأبداً يلازمه ويمنعه من الخير والطاعة، ولا شك أن القتال مع العدو الذي يلزم الرجل أهم من القتال مع العدو الذي هو بعيد منه. قال الطيبي: اللام في قوله (المجاهد) للجنس أي المجاهد الحقيقي الذي ينبغي أن يسمى مجاهداً من جاهد نفسه، وكان مجاهدته مع غيره بالنسبة إليه كلا مجاهدته، ونحوه قوله ﷺ ((فذلك الرباط)) ، (والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب) قال القاري: أي ترك الصغائر والكبائر، وقيل: الذنب أعم من الخطيئة؛ لأنه يكون عن عمد بخلاف الخطيئة – انتهى. قال الطيبي: الحكمة في الهجرة أن يتمكن المؤمن من الطاعة بلا مانع، ويتخلص عن صحبة الأشرار المؤثرة بدوامها في اكتساب الأخلاق الذميمة والأفعال الشنيعة، فهي في الحقيقة التحرز عن ذلك، والمهاجر الحقيقي من يتحاشا عنها – انتهى. وحديث فضالة هذا أخرجه أيضاً أحمد في مسنده (ج٦: ص٢١، ٢٢) ، والحاكم في مستدركه بإسناد على شرط مسلم، وابن حبان في صحيحه، والطبراني في الكبير.
٣٥- قوله: (قلما خطبنا) ما مصدرية أي قل خطبة خطبنا، ويجوز أن تكون كافة، وهو يستعمل في النفي ويدل
стр. 107
إلا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) رواه البيهقي في شعب الإيمان.
(الفصل الثالث)
عليه الاستثناء أي ما وعظنا (إلا قال) أي فيها، ولعل الحصر غالبي (لا إيمان لمن لا أمانة له) فإن المؤمن من أمنه الخلق على أنفسهم وأموالهم، فمن خان وجار فليس بمؤمن، أراد نفي الكمال دون الحقيقة، قاله المناوي. وقال القاري: انتفى كمال الإيمان بانتفاء الأمانة؛ لأنه يؤدي إلى استباحة الأموال والأعراض والأبضاع والنفوس، وهذه فواحش تنقص الإيمان وتقهقره إلى أن لا يبقى منه إلا أقله بل ربما أدت إلى الكفر، ومن ثم قيل: المعاصي بريد الكفر – انتهى. (ولا دين لمن لا عهد له) المراد به الزجر والردع ونفي الفضيلة والكمال دون الحقيقة، والمعنى أن من جرى بينه وبين أحد عهد وميثاق ثم غدر من غير عذر شرعي فدينه ناقص، قال الطيبي: وفي هذا الحديث إشكال، وهو أنه قد سبق أن الدين والإيمان الإسلام أسماء مترادفة، فلم فرق بينها وخص كل واحد منها بمعنى؟ والجواب: أنها وإن اختلفت لفظاً فقد اتفقا هاهنا معنى، فإن الأمانة ومراعاتها إما مع الله تعالى فهي ما كلف به من الطاعة وسمي أمانة لأنه لازم الوجود كما أن الأمانة لازم الأداء، قال الله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان﴾ [٣٤: ٧٢] ، وإما مع الخلق فظاهر، ولأن العهد وتوثيقه إما مع الله تعالى فاثنان العهد الأول الذي أخذه على جميع ذرية آدم في الأزل، وهو الإقرار بربوبيته قبل الأجساد، مصداقه قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم ... ﴾ الآية [٧: ١٧٢] ، والثاني ما أخذه عند هبوط آدم – ﵊ – إلى الدنيا من متابعة هدى من الاعتصام بكتاب ينْزله ورسول يبعثه، مصداقه قوله تعالى: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى ... ﴾ [٢: ٣٨] ، وإما مع الخلق وحينئذٍ فمرجع الأمانة والعهد إلى طاعة الله بأداء حقوقه وحقوق العباد كأنه قال: لا إيمان ولا دين لمن لا يفي بعهد الله بعد ميثاقه، ولا يؤدي أمانة الله بعد حملها، وهي التكاليف من الأوامر والنواهي، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين – إلى قوله – دين القيمة﴾ [٩٨: ٥] ، والتكرير المعنوي توكيد وتقرير – انتهى. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وكذا رواه في السنن الكبرى (ج٦: ص٢٨٨) قال القاري: وكذا رواه محي السنة أي صاحب المصابيح في شرح السنة بإسناده – انتهى. قلت: وأخرجه أيضاً أحمد في المسند (ج٣: ص١٣٥، ١٥٤، ٢١٠، ٢٥١) ، وفي السنة (ص٩٧) ، وابن حبان وأبويعلى والبزار والطبراني في الأوسط والضياء في المختارة، قال العزيزي: إسناده قوي، وقال الهيثمي: فيه أبوهلال وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره – انتهى. وللحديث شاهدان من حديث أبي أمامة عند الطبراني في الكبير ومن حديث ابن مسعود ذكرهما الهيثمي، وقال الشيخ الألباني: رواه الضياء في الأحاديث المختارة (ق٢٣٤/٢) من طريقين عن أنس أحد إسناديه حسن وله شواهد.
قوله (الفصل الثالث) المراد به الأحاديث الملحقة بالباب ألحقها صاحب المشكاة غير مقيدة بأن تكون مما أخرجها الشيخان أو غيرهما من أصحاب السنن، ولا بأن تكون عن صحابي أو تابعي.
стр. 108
٣٦- (٣٥) عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار)) رواه مسلم.
٣٧- (٣٦) وعن عثمان – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة،
ــ
٣٦- قوله: (قال سمعت رسول الله ﷺ يقول) هذا ما يتكرر كثيراً، وقد اختلف في المنصوبين بعد سمعت، فالجمهور على أن الأول مفعول، وجملة يقول حال، أي سمعت كلامه؛ لأن السمع لا يقع على الذوات، ثم بين هذا المحذوف بالحال المذكور فهي حال مبينة لا يجوز حذفها، واختار الفارسي أن ما بعد سمعت إن كان مما يسمع كسمعت القرآن تعدت إلى مفعول واحد، وإلا كما هنا تعدت إلى مفعولين، فجملة يقول على هذا مفعول ثانٍ (من شهد أن لا إله إلا الله ... ) الخ، أي صادقاً من قلبه كما في حديث أنس في قصة معاذ، وقد تقدم الكلام على معنى الحديث هناك (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥: ص٣١٨) ، والترمذي في الإيمان.
٣٧- قوله: (وعن عثمان) أي ابن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي المدني، يكنى أباعبد الله وأباعمرو، أمير المؤمنين ومجهز جيش العسرة ومشتري بئر رومة، وأحد العشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين أخبر عمر أن رسول الله ﷺ مات وهو عنهم راضٍ، ولد بعد الفيل بست سنين، أسلم في أول الإسلام على يدي أبي بكر قبل دخول رسول الله ﷺ في دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين ولم يشهد بدراً لتخلفه على تمريض زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وضرب له النبي ﷺ فيها بسهم، ولم يشهد بالحديبية بيعة الرضوان لأن النبي ﷺ كان بعثه إلى مكة في أمر الصلح، فلما كانت البيعة ضرب النبي ﷺ يده على يده وقال: هذه لعثمان، وسمي ذا النورين لجمعه بين بنتي رسول الله ﷺ رقية وأم كلثوم، واحدة بعد أخرى، قال ابن عمر: كنا نقول على عهد النبي ﷺ : أبوبكر ثم عمر ثم عثمان، وقال ابن سيرين: كان يحيي الليل كله بركعة، ومناقبه وفضائله كثيرة شهيرة جداً، بويع له بالخلافة بعد دفن عمر بثلاثة أيام، وذلك غرة المحرم سنة (٢٤) ، وقتل مظلوماً في ذي الحجة سنة (٣٥) وهو ابن (٨٢) سنة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا أياماً، له مائة وستة وأربعون حديثاً، اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة، روى عنه خلق. قال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق إلى يوم القيامة، وترجمته مستوفاة في تاريخ دمشق (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله) هذه الكلمة علم لكلمتي الشهادة، ولذا اقتصر عليها، قال النووي: في قوله (وهو يعلم) إشارة إلى الرد على غلاة المرجئة أن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وقد قيد ذلك في حديث آخر بقوله ((غير شاك فيهما)) ، وهذا يؤيد ما قلنا، قال القاضي: وقد يحتج به أيضاً من يرى أن مجرد
стр. 109
رواه مسلم.
٣٨- (٣٧) وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثنتان موجبتان، قال رجل: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار، ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)) ، رواه مسلم.
٣٩- (٣٨) وعن أبي هريرة قال: ((كنا قعوداً حول رسول الله ﷺ ، ومعنا أبوبكر وعمر – ﵄ – في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا
ــ
معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم، ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع أحداًهما ولا تنجي من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر على الشهادة بلسانه إذا لم تمهله المدة ليقولها بل اخترمته المنية، ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ، إذ قد ورد مفسراً في الحديث الآخر: ((من قال لا إله إلا الله ومن شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)) ، وقد جاء هذا الحديث وأمثاله كثيرة، في ألفاظها اختلاف ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف – انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج١: ٦٥، ٦٩) .
٣٨- قوله: (وعن جابر) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي أبوعبد الله، شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صغير ولم يشهد الأولى، قال ابن عبد البر: ذكره بعضهم في البدريين ولا يصح لأنه قد روي عنه أنه قال: لم أشهد بدراً ولا أحداً، منعني أبي، وذكر البخاري أنه شهد بدراً وكان ينقل لأصحابه الماء يومئذٍ ثم شهد بعدها مع النبي ﷺ ثمان عشرة غزوة، ذكر ذلك الحاكم أبوأحمد، وكان من المكثرين الحفاظ للسنن، وكف بصره في آخر عمره، روي عنه أنه قال: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمساً وعشرين مرة، وقال هشام بن عروة: رأيت لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم، توفي بالمدينة سنة (٧٣) ، وقيل (٧٤) ، وقيل (٧٧) ، وقيل (٧٨) ، ويقال: مات وهو ابن (٩٤) سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة في قول. له ألف وخمسمائة حديث وأربعون حديثاً، اتفقا على ثمانية وخمسين حديثاً، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين (ثنتان) صفة مبتدأ محذوف أي خصلتان (موجبتان) يقال: أوجب الرجل إذا عمل ما يجب به الجنة أو النار، ويقال للحسنة والسيئة موجبة، فالوجوب عند أهل السنة بالوعد أو الوعيد، وعند المعتزلة بالعمل (ما الموجبتان) السبباًن، فإن الموجب الحقيقي هو الله تعالى (من مات يشرك بالله ... ) الخ فالموت على الشرك سبب لدخول النار وخلودها، والموت على التوحيد سبب لدخول الجنة (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (ج٣: ص٣٤٥، ٣٧٤، ٣٩١) ، وأخرج الطبراني في الكبير نحوه عن عمارة بن رويبة، وفيه محمد بن أبان وهو ضعيف.
٣٩- قوله: (كنا قعوداً) أي ذوي قعود أو قاعدين (في نفر) أي مع جماعة من الصحابة (من بين أظهرنا)
стр. 110
فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له باباً فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة، والربيع الجدول، قال: فاحتفزت فدخلت على رسول الله ﷺ ، فقال أبوهريرة؟ فقلت: نعم يا رسول الله، قال: ما شأنك؟ قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال: يا أباهريرة!
ــ
أظهر زائدة للتأكيد أي من بيننا (فأبطأ علينا) أي مكث وتوقف عنا كثيراً (أن يقتطع) بصيغة المجهول (دوننا) حال من الضمير المستتر في يقتطع، أي خشينا أن يصاب بمكروه من عدو أو غيره متجاوزاً عنا وبعيداً منا (وفزعنا) بكسر الزاي أي اضطربنا. قال عياض: الفزع يكون بمعنى الروع، وبمعنى الهبوب للشيء والاهتمام به، وبمعنى الإغاثة، قال فتصح هنا هذه المعاني الثلاثة أي ذعرنا لاحتباس النبي ﷺ عنا، ألا تراه كيف قال: وخشينا أن يقتطع دوننا؟ ويدل على الوجهين الآخرين قوله: فكنت أول من فزع – انتهى. وقال الطيبي: عطف أحد المترادفين على الآخر لإرادة الاستمرار كما في قوله تعالى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا﴾ [٥٤: ٩] ، أي كذبوه تكذيباً غب تكذيب – انتهى. (فقمنا) للتجسس والتحفص (فخرجت) أي من المجلس (أتيت حائطاً) أي بستاناً له حيطان أي جدران (لبني النجار) تخصيص بعد تعميم أو بدل بعض (فدرت به) أي بحول الحائط (فإذا ربيع) إذا للمفاجأة أي فاجأ عدم وجودي للباب روية نهر صغير (يدخل في جوف حائط) أي في جوف جداًر من جدران ذلك الحائط، مبتدأ أو مستمد ذلك النهر (من بئر) مؤنثة مهموزة يجوز تخفيف همزها (خارجة) روي على ثلاثة أوجه: أحدها بالتنوين في بئر وفي خارجة على أن خارجة صفة لبئر، والثاني بئر خارجة بتنوين بئر وبهاء في آخر خارجه مضمومة، وهي هاء الضمير للحائط أي البئر في موضع خارج عن الحائط، والثالث من بئر خارجة بإضافة بئر إلى خارجة آخره تاء التأنيث، وهو اسم رجل، والوجه الأول هو المشهور الظاهر، قال النووي: هكذا ضبطناه بالتنوين في بئر وخارجة، وكذا نقله ابن الصلاح – انتهى. وقيل: البئر هنا البستان، سمي بما فيها من الآبار، يقولون: بئر بضاعة، وبئر أريس، وبئر خارجة، وهي بساتين. (والربيع الجدول) تفسير من بعض الرواة (فاحتفزت) بالزاي المعجمة أي تضاممت ليسعني المدخل (فقال: أبوهريرة؟) أي فقال النبي ﷺ أأنت أبوهريرة؟ خبر مبتدأ محذوف، والاستفهام إما للتقرير وهو الظاهر، وإما للتعجب لاستغرابه أنه من أين دخل عليه والطرق مسدودة (ما شأنك) أي ما حالك وما سبب مأتاك واضطرابك؟ (وهؤلاء الناس ورائي) أي ينتظرون علم ما وقع لك (فقال: يا أباهريرة) يقرأ بالهمز ولا يكتب، قاله
следующие страницы →