← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

متفق عليه. ٢٦٤٥ – (٤) وعن عبد الله بن مسعود، أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ــ لا مستند له البتة مع مخالفته للسنة الثابتة عنه ﷺ ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله، والعلم عند الله تعالى (متفق عليه) أخرجه البخاري في باب رمي الجمار معلقًا مجزومًا ومسلم. موصولاً، وكذا أخرجه موصولاً أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمه وابن حبان وإسحاق بن راهويه والدارمي والبيهقي (ج ٥: ١٣١، ١٤٩) . ٢٦٤٥ – قوله (انتهى) أي وصل (إلى الجمرة الكبرى) أي جمرة العقبة، ووهم الطيبي فقال: أي الجمرة التي عند مسجد الخيف. قال الحافظ: وتمتاز جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النحر، وأن لا يوقف عندها، وترمى ضحى، ومن أسفلها استحبابًا. قال: وجمرة العقبة هي الجمرة الكبرى وليست من منى بل هي حد منى من جهة مكة وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة (فجعل البيت) أي الكعبة (عن يساره ومنى عن يمينه) فيه أنه يستحب لمن وقف عند جمرة العقبة أن يجعل مكة عن يساره ومنى على جهة يمينه ويستقبل الجمرة بوجهه، وروى أحمد (ج ١: ص ٤٣٠، ٤٣٢) والترمذي وابن ماجة حديث ابن مسعود هذا بلفظ " لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي (أي قصد بطن الوادي ليقوم فيه للرمي) واستقبل القبلة " قال الحافظ بعد ذكره: وما رواه البخاري هو الصحيح، وهذا (أي ما رواه أحمد والترمذي وابن ماجة) شاذ، في إسناده المسعودي، وقد اختلط، وبالأول قال الجمهور، وجزم الرافعي من الشافعية بأنه يستقبل الجمرة ويستدبر القبلة، وقيل يستقبل القبلة ويجعل الجمرة عن يمينه، وقد أجمعوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها، والاختلاف في الأفضل – انتهى. فالأفضل عند الجمهور الكيفية التي وردت في حديث ابن مسعود عند الشيخين وغيرهما. قال النووي في شرح مسلم: في حديث ابن مسعود استحباب كون الرمي من بطن الوادي فيستحب أن يقف تحتها في بطن الوادي فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل جمرة العقبة ويرميها بالحصيات السبع، وهذا هو الصحيح في مذهبنا " وبه قال جمهور العلماء. وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الجمرة مستدبرًا مكة. وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الكعبة وتكون الجمرة عن يمينه والصحيح الأول - انتهى. وقال ابن بطال: رمي جمرة العقبة من حيث تيسر من العقبة من أسفلها أو أعلاها أو وسطها، كل ذلك واسع، والموضع الذي يختار بها بطن الوادي من أجل حديث ابن مسعود، وكان جابر بن عبد الله يرميها من بطن الوادي، وبه قال عطاء وسالم وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال مالك: رميها من أسفلها أحب إلي. وقد روي عن عمر ﵁ أنه جاء والزحام

стр. 4167

ورمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ــ عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها، ذكره العيني (ج ١٠: ص ٨٧) وأما الجمرة الأولى (أي الجمرة الدُنيا – بضم الدال وبكسرها – أي القريبة إلى جهة مسجد الخيف) والثانية فيرمي مستقبل القبلة عندهم جميعًا ندبًا لا وجوبًا (ورمى بسبع حصيات) بفتح الصاد والياء جمع حصاة، وفيه دليل على أن رمي الجمرة يكون بسبع حصيات، وقد ترجم البخاري لحديث ابن مسعود هذا ((باب رمي الجمار بسبع حصيات)) قال الحافظ: أشار في الترجمة إلى رد ما رواه قتادة عن ابن عمر، قال: ما أبالي رميت الجمار بست أو سبع، وقد أنكر ذلك ابن عباس، وقتادة لم يسمع من ابن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق قتادة، وروي من طريق مجاهد: من رمى بست فلا شيء عليه. ومن طريق طاوس يتصدق بشيء، وعن مالك والأوزاعي: من رمى بأقل من سبع وفاته التدارك يجبره بدم، وعن الشافعية في ترك حصاة مد، وفي ترك حصاتين مدان، وفي ثلاثة فأكثر دم. وعن الحنفية إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا فدم – انتهى. وقال العيني: يستفاد من حديث ابن مسعود أن رمي الجمرة لا بد أن يكون بسبع حصيات وهو قول أكثر العلماء، وذهب عطاء إلى أنه إن رمى بخمس أجزأه. وقال مجاهد: إن رمى بست فلا شيء عليه، وبه قال أحمد وإسحاق، واحتج من قال بذلك بما رواه النسائي من حديث سعد بن مالك ﵁ قال: رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ وبعضنا يقول رميت: بست حصيات، وبعضنا يقول: رميت بسبع، فلم يعب بعضنا على بعض. وروى أبو داود والنسائي أيضًا من رواية أبي مجلز قال: سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن شيء من أمر الجمار فقال: ما أدري رماها رسول الله ﷺ بست أو سبع. والصحيح الذي عليه الجمهور أن الواجب سبع كما صح من حديث ابن مسعود وجابر وابن عباس وابن عمر وغيرهم. وأجيب عن حديث سعد بأنه ليس بمسند، وعن حديث ابن عباس أنه ورد على الشك من ابن عباس، وشك الشاك لا يقدح في جزم الجازم، ومن رماها بأقل من سبع حصيات فذهب الجمهور فيما حكاه القاضي عياض إلى أن عليه دمًا، وهو قول مالك والأوزاعي. وذهب الشافعي وأبو ثور إلى أن على تارك حصاة مدًا من طعام وفي اثنتين مدين وفي ثلاث فأكثر دمًا، وللشافعي قول آخر أن في الحصاة ثلاث دم، وله قول آخر أن في الحصاة درهمًا. وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث فعليه دم، وإن ترك أقل من نصفها ففي كل حصاة نصف صاع – انتهى. (يكبر مع كل حصاة) فيه أنه يستحب التكبير عند رمي حصى الجمار. قال النووي: استحباب التكبير مع كل حصاة هو مذهبنا ومذهب مالك والعلماء كافة. قال القاضي عياض: وأجمعوا على أنه لو ترك التكبير لا شيء عليه. وقال الحافظ: قد أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء إلا الثوري فقال: يطعم، وإن جبره بدم أحب إلي – انتهى. وذكر الطبري عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهن بعد أن يكبر عند كل جمرة سبع تكبيرًا أجزأه. قال: وإنما جعل الرمي في ذلك بالحصي سببًا لحفظ التكبيرات السبع كما جعل

стр. 4168

........................................................................................... ــ عقد الأصابع بالتسبيح سببًا لحفظ العدد، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز والنوى يسبح به قال: حسن قد كانت عائشة تقول: إنما الحصى للجمار ليحفظ به التكبيرات – انتهى. واستدل بهذا الحديث على اشتراط رمي الجمار واحدة واحدة لقوله ((يكبر مع كل حصاة)) وقد قال ﷺ : " خذوا عني مناسككم "، وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة فقالا: لو رمى السبع دفعة واحدة أجزأه، كذا ذكره الحافظ. وقال ابن قدامة: وإن رمى الحصاة دفعة واحدة لم يجزه إلا عن واحدة، نص عليه أحمد، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عطاء: يجزئه ويكبر لكل حصاة – انتهى. وما ذكره الحافظ من موافقة أبي حنيفة لعطاء في إجزاء رمي السبع دفعة واحدة لعله أخذه عن صاحب التوضيح من الشافعية كما سيأتي في كلام العيني أو عن الكرماني، فإنه ذهب إلى ذلك حيث قال: إذا وقعت السبع متفرقة على مواضع الجمرات جاز، كما لو جمع بين أسواط الحد بضربة واحدة وإن وقعت على مكان واحد لا يجوز، وليس هذا مشهور في مذهب الحنفية، بل المصرح في فروعهم عدم الإجزاء مطلقًا كما هو قول الأئمة الثلاثة، ففي الهداية: لورمي بسبع حصيات جملة فهذه الجملة واحدة لأن المنصوص عليه تفرق الأفعال، قال العيني في البناية: أي لأن المنصوص هو فعل الرمي بسبع حصيات متفرقات لا عين الحصيات – انتهى. وفي الغنية: الخامس (من الشرائط) تفريق الرميات، فلو رمى بسبع حصيات أو أكثر جملة واحدة لا يجزئه إلا عن واحدة ولو متفرقة عند الأربعة خلافًا لما في الكرماني أنها إذا وقعت متفرفة جاز، وتمامه في المنحة – انتهى. وفي اللباب: الرابع: تفريق الرميات، فلو رمي بسبع حصيات جملة واحدة لم يجزه إلا عن حصاة واحد. قال القاري: لأن المنصوص عليه تفرق الأفعال لا عين الحصيات، فإذا أتى بفعل واحد لا يكون إلا عن حصاة واحدة لاندراجها في ضمن الجملة، إلى آخر ما قال. وقال العيني: اختلفوا في من رمى سبع حصيات مرة واحدة فقال مالك والشافعي: لا يجزئه إلا عن حصاة واحدة ويرمي بعدها ستًا، وقال عطاء تجزئه عن السبع وهو قول أبي حنيفة، وهذا الذي ذكر عن أبي حنيفة ذكره صاحب التوضيح، وذكر في المحيط: ولو رمى إحدى الجمار بسبع حصيات رمية واحدة فهي بمنزلة حصاة وكان عليه أن يرمي ست مرات. قال العيني: العمدة في النقل عن صاحب مذهب من المذاهب على نقل صاحب من أصحاب ذلك المذهب – انتهى. فائدة: قال الحافظ: زاد محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي عن أبيه في هذا الحديث (عند أحمد ج ١: ص ٤٢٧) عن ابن مسعود أنه لما فرغ من رمي جمرة العقبة قال: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا – انتهى. وروى البيهقي في السنن (ج ٥: ص ١٢٩) عن سالم ابن عبد الله بن عمر أنه استبطن الوادي ثم رمي الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة: الله أكبر، الله أكبر، اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا وعملاً مشكورًا. وقال: حدثني أبي أن النبي ﷺ كان يرمي الجمرة في هذا المكان ويقول كلما رمى بحصاة مثل ما قلت. قال البيهقي: عبد الله بن حكيم بن الأزهر

стр. 4169

ثم قال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة. متفق عليه. ٢٦٤٦ – (٥) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : " الاستجمار تَوّ، ورمي الجمار تَوّ، والسعي بين الصفا والمروة تَوّ، والطواف تَوّ، وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتَوّ ". ــ ضعيف. وروى حنبل في المناسك عن زيد بن أسلم عن سالم بن عبد الله مثل ذلك كما في المغني (ثم قال) أي ابن مسعود (هكذا رمى) بصيغة الفعل (الذي أنزلت عليه سورة البقرة) قال ابن المنير: خص عبد الله سورة البقرة بالذكر لأنها التي ذكر الله فيها الرمي فأشار إلى أن فعله ﷺ مبين لمراد كتاب الله تعالى. قال الحافظ: ولم أعرف موضع ذكر الرمي من سورة البقرة، والظاهر أنه أراد أن يقول: إن كثيرًا من أفعال الحج مذكور فيها، فكأنه قال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه أحكام المناسك منبهًا بذلك على أن أفعال الحج توقيفية. وقيل خص البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام – انتهى. وقال في اللمعات بعد ذكر كلام الحافظ: " ولم أعرف موضع ذكر الرمي فيها، قلت: لعل الإشارة إلى ذكر الرمي في قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ (٢: ٢٠٣) فإن الرمي في تلك الأيام، وينبئ عنه أول حديثي عائشة في الفصل الثاني – انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد مختصرًا ومطولاً مرارًا (ج ١: ص ٣٧٤، ٤٠٨، ٤١٥، ٤٢٢، ٤٢٧، ٤٣٦، ٤٥٧، ٤٥٨) وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي (ج ٥: ص ١٢٩، ١٤٨) . ٢٦٤٦- قوله (الاستجمار) أي الاستنجاء بالأحجار (تَوّ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد الواو، أي فرد، قال النووي: التو – بفتح التاء المثناة فوق وتشديد الواو – هو الوتر، والمراد بالاستجمار الاستنجاء – انتهى. والإيتار والفردية هنا بالثلاثة، وفي البواقي بالسبعة بدليل الأحاديث المصرحة بذلك. وقد تقدم في باب آداب الخلاء أن الإيتار بالثلاثة في الاستنجاء واجب (ورمي الجمار) في الحج (توّ) أي سبع حصيات وكلها واجبة (والسعي بين الصفا والمروة توّ) أي سبع وكلها واجبة (والطواف توّ) أي سبعة أشواط وكلها فرائض عند الجمهور، وعند الحنفية أربعة أشواط فرض والباقي واجب. قال الجزري في النهاية: يريد أنه يرمي الجمار في الحج فردًا وهي سبع حصيات ويطوف سبعًا ويسعى سبعًا. وقيل أراد بفردية الطواف والسعي أن الواجب منهما مرة واحدة لا تثنى ولا تكرر سواء كان المحرم مفردًا أو قارنًا (وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو) قال المناوي: ليس هذا تكرارًا بل بالأول الفعل وبالثاني عدد الأحجار، وفيه وجوب تعدد الحجر لضرورة تصحيح الإيتار بما يتقدمه من الشفع، إذ لا قائل بتعيين الإيتار بحجر واحد – انتهى. وقال القاري: الظاهر أن المراد بالاستجمار هنا أي في قوله ((إذا استجمر أحدكم)) إلخ. هو التبخر، فإنه يكون بوضع العواد على جمرة النار فيرتفع التكرار وهو أولى من قول القاضي عياض وتبعه الطيبي أن المراد بالأول

стр. 4170

رواه مسلم. (الفصل الثاني) ٢٦٤٧ – (٦) عن قدامة بن عبد الله بن عمار، قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء، ليس ضرب ولا طرد، وليس قيل: إليك، إليك. رواه الشافعي، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي. ٢٦٤٨ – (٧) وعن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: " إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، لإقامة ذكر الله ". ــ الفعل وبالثاني عدد الأحجار – انتهى. وقال السندي في حاشية مسلم: يحتمل عندي في وجوه التكرير أن يحمل الاستجمار في هذا الحديث في أحد الموضعين على الاستنجاء وفي الموضع الآخر على التبخر، كتبخر أكفان الميت ونحوه والله تعالى أعلم (رواه مسلم) هذا الحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري ولا أصحاب السنن، وخرج منه البخاري الاستجمار خاصة من حديث أبي هريرة، والحديث ذكره المحب الطبري في القرى وقال: أخرجاه. وهو وهم منه. ٢٦٤٧- قوله (عن قدامة) بضم القاف وتخفيف الدال المهملة (بن عبد الله بن عَمّار) بفتح المهملة وتشديد الميم (رأيت النبي ﷺ ) وفي بعض النسخ ((رسول الله ﷺ )) (يرمي الجمرة) أي جمرة العقبة (على ناقة صهباء) بفتح الصاد المهملة وسكون الهاء، هي التي يخالط بياضها حمرة، وذلك بأن يحمر أعلى الوبر وتبيض أجوافه، وقال الطيبي: الصهبة كالشقرة. وقال الجزري: المعروف أن الصهبة مختصة بالشعر وهي حمرة يعلوها سواد (ليس) أي هناك (ضرب) أي منع بالعنف (ولا طرد) أي دفع باللطف (وليس) أي ثمة (قيل) بكسر القاف ورفع اللام مضافًا إلى (إليك إليك) أي قول ((إليك)) أي تنح وتبعد. قال ابن حجر تبعًا للطيبي: والتكرير للتأكيد، قال القاري: وهذا إنما يصح لو قيل لواحد إليك إليك، والظاهر أن المعنى أنه ما كان يقال للناس ((إليك إليك)) وهو اسم فعل بمعنى تنح عن الطريق، فلا يحتاج إلى تقرير متعلق كما نقله الطيبي بقوله: ضم إليك ثوبك وتنح عن الطريق - انتهى. والمقصود والغرض من هذا الحديث أنه ﷺ على سجيته المتواضعة كان يرمي من غير أن يكون هناك ضرب للناقة أو طرد للناس أو قول إليك، فلا فعل صدر للضرب والطرد ولا قول ظهر للتبعيد والتنحية. والحديث يدل على رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا (رواه الشافعي) إلخ. وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٦: ص ٤١٢) وابن حبان والبيهقي (ج ٥: ص ١٣٠) والحاكم (ج ١: ص ٤٦٦) وصححه الترمذي، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري أقره الذهبي. ٢٦٨٤ – قوله (إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله) يعني إنما شرع ذلك لإقامة

стр. 4171

رواه الترمذي، والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ٢٦٤٩ - (٨) وعنها، قالت: قلنا: يا رسول الله! ألا نبني لك بناء يظلك بمنى؟ قال: " لا، ــ شعار النسك، قاله المناوي، وقال القاري: أي لأن يذكر الله في هذه المواضع المتبركة، فالحذر الحذرمن الغفلة. وإنما خُصا بالذكر مع أن المقصود من جميع العبادات هو ذكر الله تعالى لأن ظاهرهما فعل لا تظهر فيهما العبادة، وإنما فيهما التعبد للعبودية بخلاف الطواف حول بيت الله، والوقوف للدعاء فإن أثر العبادة لائحة فيهما. وقيل إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة سنة لإقامة ذكر الله، يعني التكبير مع كل حجر والدعوات المذكورة في السعي سنة، ولا يبعد أن يكون لك من الرمي والسعي حكمة ظاهرة ونكتة باهرة غير مجرد التعبد وإظهار المعجزة، ثم أطال القاري الكلام في ذلك نقلاً عن الطيبي والغزالي، من شاء الوقوف على ذلك رجع إلى المرقاة وأضواء البيان (ج٥: ص ٣١٥) للشنقيطي، وقد تقدم شيء من الكلام على ذلك في شرح حديث جابر الطويل، واللفظ المذكور في الكتاب للترمذي، ورواه أحمد وأبو داود والدارمي والحاكم بلفظ ((إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)) زاد الحاكم ((لا غيره)) وفي الحديث حث على المحافظة على سنن الحج من ذكر الطواف ونحوه، وقال العزيزي: لعل المراد بالحديث الحث على الذكر في الطواف وتألييه – انتهى. (رواه الترمذي) إلخ، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود في باب الرمل، وابن الجارود والحاكم (ج ١: ص ٤٥٩) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره، وقال النووي في شرح المهذب بعد ذكر الحديث عن أبي داود بسنده ما لفظه: هذا الإسناد كله صحيح إلا عبيد الله فضعفه أكثرهم ضعفًا يسيرًا، ولم يضعف أبو داود هذا الحديث فهو حسن عنده. ورواه الترمذي من رواية عبيد الله هذا، وقال: هو حديث حسن، وفي بعض النسخ " حسن صحيح " فلعله اعتضد براوية أخرى – انتهى. قال الشنقيطي: عبيد الله بن أبي زياد المذكور هو القداح أبو الحصين المكي، وقد وثقه جماعة وضعفه آخرون، وحديثه معناه صحيح بلا شك، ويشهد لصحة معناه قوله تعالى ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ (٢: ٢٠٣) لأنه يدخل في الذكر المأمور به رمي الجمار بدليل قوله بعده ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ الآية. وذلك يدل على أن الرمي شرع لإقامة ذكر الله كما هو واضح – انتهى. ٢٦٤٩ – قوله (قالت: قلنا) أي معشر الصحابة، وهذا لفظ الترمذي، وفي أبي داود والدرامي وابن ماجة ((قالت: قلت)) وفي السنن للبيهقي والمستدرك للحاكم ((قالت: قيل)) (ألا نبني) بصيغة المتكلم (بناء) وفي ابن ماجة ((بيتًا)) وفي أبي داود ((بيتًا أو بناء)) (يظلك) زاد في أبي داود ((من الشمس)) (قال: لا) أي لا تبنوا لي بناء بمنى لأنه ليس مختصًا بأحد، إنما هو موضع العبادة من الرمي وذبح الهدي والحلق ونحوها، فلو أجيز البناء فيه لكثرت الأبنية وتضيق المكان

стр. 4172

منى مناخ من سبق ". رواه الترمذي، وابن ماجة، والدارمي. ــ (منى) مبتدأ و (مناخ من سبق) خبره، والمُناخ بضم الميم، موضع إناخة الإبل، والمعنى أن الاختصاص فيه بالسبق لا بالبناء فيه. قال الطيبي: أي أتأذن أن نبني لك بيتًا في منى لتسكن فيه فمنع وعلل بأن منى موضع لأداء النسك من النحر ورمي الجمار والحلق يشترك فيه الناس فلو بني فيها لأدى إلى كثرة الأبنية تأسيًا به فتضيق على الناس وكذلك حكم الشوارع ومقاعد الأسواق، وعند أبي حنيفة ﵀ أرض الحرم موقوفة لأن رسول الله ﷺ فتح مكة قهرًا وجعل أرض الحرم موقوفة فلا يجوز أن يمتلكها أحد – انتهى. وقال الخطابي في معالم السنن: قد يحتج بهذا من لا يرى دور مكة مملوكة لأهلها ولا يرى بيعها وعقد الإجارة عليها جائزًا، وقد قيل: إن هذا خاص للنبي ﷺ وللمهاجرين من أهل مكة فإنها دار تركوها لله تعالى فلم ير أن يعود فيها فيتخذوها وطنًا أو يبنوا فيها بناء، والله أعلم – انتهى. قال القاري: وفي أن هذا التعليل يخالف تعليله ﷺ مع أن منى ليست دارًا هاجروا منها – انتهى. قلت: عدم جواز بيع أرض الحرم وبيوت مكة وإجارتها هو مذهب أبي حنيفة ومحمد والثوري، وإليه ذهب عطاء ومجاهد ومالك وإسحاق وأبو عبيد، وذهب أبو يوسف والشافعي وأحمد وطاوس وعمرو بن دينار وابن المنذر إلى الجواز، واحتج الأولون بحديث عائشة هذا، وما أجيب به من اختصاص ذلك بالنبي ﷺ والمهاجرين فلا يخفى ما فيه، فإن الخصوصية لا تثبت بالادعاء، وقال المحب الطبري في القرى (ص ٤٣٨) بعد ما حكى نحو كلام الخطابي: ويحتمل أن يكون ذلك مخصوصًا بمنى لمكان اشتراك الناس في النسك المتعلق بها فلم ير ﷺ لأحد اقتطاع موضع منها ببناء وغيره بل الناس فيها سواء، وللسابق حق السبق وكذلك الحكم في عرفة ومزدلفة إلحاقًا بها – انتهى. هذا وقد أطال الكلام في بيان حكم بيع دور مكة وإجارتها وحكم البناء بمنى التقي الفاسي في شفاء الغرام (ج ١: ص ٢٦، ٣٢، ٣٢٠، ٣٢١) فعليك أن ترجع إليه (رواه الترمذي) إلخ، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود في باب تحريم مكة، والحاكم (ج ١: ص ٣٦٧) والبيهقي (ج ٥: ص ١٣٩) وابن عساكر كلهم من طريق يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة عن عائشة، والحديث حسنه الترمذي. وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وقرره الذهبي في تلخيصه. وقال ابن القيم: قال ابن القطان: وعندي أن الحديث ضعيف لأنه من رواية يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة وهي مجهولة لا نعرف روى عنها غير ابنها – انتهى. قلت: مدار هذا الحديث على مسيكة وهي مجهولة. قال الحافظ في التقريب: مسيكة المكية لا يعرف حالها، من الثالثة، وذكرها الذهبي في المجهولات من النساء، وفي تهذيب التهذيب " قال ابن خزيمة: لا أحفظ عنها راويًا غير ابنها ولا أعرفها بعدالة ولا حرج " – انتهى. وقيل: الصواب تحسين الحديث فإن أم يوسف بن ماهك تابعية قد سمعت عائشة ولم يعلم فيها جرح، ومثل هذا الحديث حسن عند أهل العلم بالحديث، ولذلك سكت عليه أبو داود وحسنه الترمذي وقرره المنذري وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

стр. 4173

(الفصل الثالث) ٢٦٥٠ - (٩) عن نافع، قال: إن ابن عمر كان يقف عند الجمرتين الأوليين وقوفًا طويلاً. يكبر الله ــ ٢٦٥٠ – قوله (عن نافع) أي مولى ابن عمر (كان يقف) أي بعد الرمي (عند الجمرتين الأوليين) أي الأول والوسطى ففيه تغليب، والمراد بالأولى التي تقرب من مسجد الخيف بمنى وهي التي يقال لها الجمرة الدنيا، وهي أول الجمرات التي ترمى من ثاني يوم النحر، والثانية الجمرة الوسطى (وقوفًا طويلاً) مقدار ما يقرأ سورة البقرة، كما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء عن ابن عمر، قال ابن قدامة في المغني: قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل أيقوم الرجل عند الجمرتين إذا رمى؟ قال: إي لعمري شديدًا، ويطيل القيام أيضًا. قيل فإلى أين يتوجه في قيامه؟ قال إلى القبلة ويرميها في بطن الوادي، والأصل في هذا ما روت عائشة قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها، رواه أبو داود – انتهى. وقد ورد القيام عند الجمرتين بعد رميهما في حديث سالم عن ابن عمر عند البخاري كما سيأتي. وذكر ابن قدامة الإجماع على جميع ما ذكر فيه، وصرح أصحاب الفروع من المذاهب الأربعة باستحباب القيام الطويل بعد رمي الجمرتين الأوليين، منهم النووي وابن حجر من الشافعية والدردير من المالكية والقاري وغيره من الحنفية، ثم قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٥٣) : وإن ترك الوقوف عندها والدعاء ترك السنة ولا شيء عليه، وبذلك قال الشافعي وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الثوري قال: يطعم شيئًا، وإن أراق دمًا أحب إليّ لأن النبي ﷺ فعله فيكون نسكًا – انتهى. (يكبر الله) في هذا الوقوف الطويل الذي بعد الرمي بسبع حصيات كما هو ظاهر السياق، وإليه نحى الباجي حيث قال: بين عبد الله أن وقوفه عند الجمرتين إنما هو للتكبير والتسبيح والدعاء – انتهى. وقال النووي: ثم ينحرف قليلاً ويستقبل القبلة ويحمد الله ويكبر ويهلل ويسبح ويدعو، إلخ. وقال القاري في شرح اللباب فيقف بعد تمام الرمي لا عند كل حصاة مستقبل القبلة فيحمد الله ويكبر ويهلل ويسبح ويصلي على النبي ﷺ ويدعو – انتهى. ويحتمل على بعد التكبير عند كل حصاة كما هو مؤدى رواية سالم عن أبيه عند البخاري بلفظ ((كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على أثر كل حصاة ثم يتقدم فيسهل)) الحديث. وإليه مال الزرقاني إذ قال: قوله ((يكبر الله)) زاد سالم ((على أثر كل حصاة أي من السبع، ففيه مشروعية التكبير عند كل حصاة، وأجمعوا على أن من تركه لا شيء عليه إلا الثوري فقال: يطعم وإن جبره بدم أحب إلي – انتهى. والحاصل أن التكبير مشروع في كلا الموضعين عند الرمي بكل حصاة، وبعد الرمي في الوقوف الطويل بعد الجمرتين الأوليين لكن ظاهر أثر ابن عمر هذا هو الثاني، ويأتي بيان الأول في حديث

стр. 4174

ويسبحه ويحمده ويدعو الله، ولا يقف عند جمرة العقبة. ــ سالم عن ابن عمر في باب خطبة يوم النحر وسنذكر لفظه (ويحمده) من الحمد أو من التحميد (ويدعو الله) قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٥١) : روى أبو داود أن ابن عمر كان يدعو بدعائه الذي دعى به بعرفة ويزيد ((وأصلح وأتم لنا مناسكنا)) وقال ابن المنذر: كان ابن عمر وابن مسعود يقولان عند الرمي: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا (ولا يقف عند جمرة العقبة) بعد الرمي للدعاء، وجمرة العقبة هي التي يبدأ بها في الرمي في أول يوم، ويقتصر عليها، ثم تصير أخيرة في كل يوم بعد ذلك، ولفظ البخاري فيما رواه عن سالم عن عبد الله بن عمر أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على أثر كل حصاة ثم يتقدم فيسهل فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلاً فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك فيأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلاً فيدعو ويرفع يديه ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله. قال الحافظ: قال ابن قدامة: لا نعلم لما تضمنه حديث ابن عمر هذا مخالفًا إلا ما روي عن مالك من ترك رفع اليدين عند الدعاء بعد رمي الجمار، وأما ترك الوقوف عند جمرة العقبة فهو مجمع عليه، حكى الإجماع على ذلك في المحلى شرح الموطأ. وقال الحافظ في الفتح: لا نعرف فيه خلافًا. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٢٧) : ولا يسن الوقوف عندها لأن ابن عمر وابن عباس رويا أن رسول الله ﷺ كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف. رواه ابن ماجة – انتهى. وأخرج أبو داود وغيره من رواية سليمان بن عمرو عن أمه وهي أم جندب الأزدية أنه ﷺ لم يقم عندها أي لم يقف عند جمرة العقبة. وتقدم حديث عائشة من رواية أبي داود بلفظ: يقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها. واختلف في تعليل ذلك على أقوال: ففي المحلى: السر في الوقوف والدعاء بعد الأوليين دون العقبة أن يقع الدعاء في وسط العبادة. وقيل: إنها وقعت في ممر الناس، فكان في الوقوف هناك قطع للسبيل على الناس – انتهى. وعامة أهل العلم على الثاني. قال القاري في شرح اللباب: إذا فرغ من الرمي لا يقف للدعاء عند هذه الجمرة في الأيام كلها بل ينصرف داعيًا، ولعل وجه عدم الوقوف للدعاء ها هنا على طبق سائر الجمرات تضييق المكان. وقال النووي: ولا يقف عندها للدعاء. قال ابن حجر: أي لا في يوم النحر ولا في ما بعده لضيق محلها فيضر بغيره، لكن هذا باعتبار ما كان على أنه لو علل بالتفاؤل بالقبول مقارنًا لفراغه منها لم يبعد – انتهى. وقال الباجي: شرع الوقوف عند الأولى والوسطى ولم يشرع عند الآخرة، ويحتمل أن يكون ذلك – والله أعلم – من جهة المعنى أن موضع الجمرتين الأوليين فيه سعة للقيام للدعاء ولمن يرمي، وأما جمرة العقبة فموضعها ضيق للوقوف عندها للدعاء لامتناع الرمي على من يريد الرمي، ولذلك الذي يرميها لا ينصرف على طريقه، وإنما ينصرف من أعلى الجمرة، ولو انصرف من طريقه ذلك

стр. 4175

رواه مالك. (٧) باب الهدي ــ لمنع من يأتي بالرمي – انتهى. وأما التعليل بوقوع الدعاء في وسط العبادة فأصله من صاحب الهداية، إذ قال: الأصل أن كل رمي بعده رمي يقف بعده لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه، وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف لأن العبادة قد انتهت، ولذا لا يقف بعد العقبة في يوم النحر أيضًا – انتهى. وقد ظهر من هذا كله أن ترك الوقوف للدعاء بعد العقبة ثابت بالأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة، ومجمع عليه عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وإنما الاختلاف في تعليله، فقيل: وقوع الدعاء في الوسط، وقيل: ضيق المكان، وقيل: التفاؤل بالقبول. وقريب من هذا الأخير ما ذكره الشيخ الدهلوي قال: لما تشرفت بهذه العبادة ألقي في روعي بلا سابقة فكر وتأمل بطريق الإلهام نكتة في عدم الوقوف عند هذه الجمرة وأرجو أن يكون صوابًا، وهو أن في عدم وقوفه عندها إشارة من الرب الرحيم ورسوله الكريم إلى أن العبد لما بلغ الجهد في العبادة وسعى في طريق المجاهدة والرياضة ووقف على باب الرحمة فدعا وسأل وأدى حق الخدمة والطاعة في الجمرتين الأوليين سهل الله تعالى عليه الأمر وأباح عليه الدعة والراحة بفضله وكرمه وأفاض عليه آثار رحمته وعفوه ومغفرته ولا سيما في هذه العبادة التي هي الحج المثمر لغاية آثار الرحمة والمغفرة، فكأنه قال: يا عبادي قد أتعبتم أنفسكم وجاهدتم حق الجهاد اربعوا على أنفسكم فقد غفرت لكم. وعرضت هذه النكتة على أكابر علماء مكة الذين كانوا حاضرين في ذلك المقام فقبلوه واستحسنوه. (رواه مالك) في باب رمي الجمار عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقف، الخ. وهو من أصح الأسانيد، وأخرجه أيضًا البيهقي (ج ٥: ص ١٤٩) من طريق مالك، وأصله في صحيح البخاري مرفوعًا كما تقدم. (باب الهدي) بفتح الهاء وإسكان الدال وكسرها مع تشديد الياء لغتان، والأول أفصح، اسم لما يهدى إلى الحرم من النعم شاة كانت أو بقرة أو بعيرًا ليتقرب بإراقة دمه في الحرم. قيل: والواحدة هدية. قال الجوهري: الهديُ ما يهدى إلى الحرم من النعم، والهديّ على فعيل مثله، وقرئ ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ (٢: ١٩٦) بالتخفيف والتشديد، الواحدة هدْية وهديّة. قال ابن رشد: إن النظر في الهدي يشتمل على معرفة وجوبه وعلى معرفة جنسه وعلى معرفة حسنه وكيفية سوقه ومن أين يساق؟ وإلى أين ينتهي بسوقه؟ وهو موضع نحره وحكم لحمه بعد النحر، فنقول: إنهم أجمعوا على أن الهدي المسوق في هذه العبادة منه واجب ومنه تطوع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر ومنه ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة. قال: فأما جنس الهدي فإن العلماء متفقون على أنه لا يكون الهدي إلا من الأزواج الثمانية التي نص الله تعالى عليها، وأن الأفضل في الهدايا هي الإبل ثم البقر ثم الغنم، وإنما اختلفوا في الضحايا وأما الأسنان فإنهم أجمعوا أن الثني فما فوقه يجزئ منها وأنه لا يجزئ الجذع من المعز في الضحايا والهدايا، واختلفوا في

стр. 4176

(الفصل الأول) ٢٦٥١ – (١) عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها ــ الجذع من الضان قال: وليس في عدد الهدي حد معلوم، وكان هدي رسول الله ﷺ في حجة الوداع مائة، وأما كيفية سوق الهدي فهو التقليد والإشعار وإذا كان الهدي من الإبل والبقر فلا خلاف أنه يقلد نعلاً أو نعلين، واختلفوا في تقليد الغنم فقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلد الغنم، وقال الشافعي وأحمد: تقلد (إلى آخر ما قال) . ٢٦٥١ – قوله (صلى رسول الله ﷺ الظهر بذي الحليفة) أي ركعتين لكونه مسافرًا، واكتفى بهما عوضًا عن ركعتي الإحرام، أو صلى ركعتين أخريين سنة الإحرام، قاله القاري. وقال الأبي: صلاته الظهر بذي الحليفة لا ينافي أن يكون إحرامه أثر نافلة (ثم دعا بناقته) قيل: لعلها كانت من جملة رواحله فأضافها إليه. وقال الطيبي: أي بناقته التي أراد أن يجعلها هديًا، فاختصر الكلام. يعني فالإضافة جنسية (فأشعرها) أي طعنها، من الإشعار وهو في اللغة الإعلام، مأخوذ من الشعور وهو العلم بالشيء من شعر يشعر كنصر ينصر، قاله العيني. وقال الراغب: الشعر معروف قال تعالى ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها﴾ (١٦: ٨٠) الآية. ومنه استعير شعرت كذا أي علمت علمًا في الدقة كإصابة الشعر، وسمي الشاعر شاعرًا لفطنته ودقة معرفته ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾ (٥: ٢) أي ما يهدى إلى بيت الله، سمي بذلك لأنها تشعر أي تعلم بأن تدمي بشعيرة أي حديدة – انتهى. وفي الشرع هو أن يشق أحد سنامي البدن ويطعن فيه حتى يسيل دمها ليعرف أنها هدي وتتميز إن خلطت وتعرف إن ضلت ويرتدع عنها السراق ويأكلها الفقراء إذا ذبحت في الطريق لخوف الهلاك. والحديث يدل على أن الإشعار سنة، وبه قال الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، وروي عن أبي حنيفة أن الإشعار بدعة مكروه لأنه مثلة وتعذيب الحيوان وهو حرام، وإنما فعله ﷺ لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا بالإشعار. وقال الجمهور: القول بكراهته مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار وليس هو مثلة بل هو كالفصد والحجامة والختان والكي للمصلحة، وأيضًا تعرض المشركين في ذلك الوقت بعيد لقوة الإسلام. وقد قيل إن كراهة أبي حنيفة الإشعار إنما كان من أهل زمانه فإنهم كانوا يبالغون فيه بحيث يخاف سراية الجراحة وفساد العضو، كذا في اللمعات. وقال الحافظ في شرح حديث المسور بن مخرمة في إشعار النبي ﷺ الهدي زمن الحديبية وحديث عائشة في إشعاره عند بعثه إلى مكة ما لفظ ((فيه مشروعية الإشعار وهو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته فيكون ذلك علامة على كونها هديًا وقال أيضًا: وفائدته الإعلام بأنها صارت هديًا ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت أو ضلت عرفت أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع وحث الغير عليه. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: السر في الإشعار التنويه بشعائر الله وأحكام

стр. 4177

.............................................................................................. ــ الملة الحنيفية يري ذلك منه الأقاصي والأداني، وأن يكون فعل القلب منضبطًا بفعل ظاهر – انتهى. قال الحافظ: وبمشروعيته قال الجمهور من السلف والخلف، وذكر الطحاوي في اختلاف العلماء كراهته عن أبي حنيفة، وذهب غيره إلى استحبابه للإتباع حتى صاحباه أبو يوسف ومحمد فقالا: هو حسن. قال: وقال مالك: يختص الإشعار بمن لها سنام. قال الطحاوي: ثبت عن عائشة وابن عباس التخيير في الإشعار وتركه فدل على أنه ليس بنسك، لكنه غير مكروه لثبوت فعله عن النبي ﷺ قال الحافظ: وأبعد من منع الإشعار واعتل باحتمال أنه كان مشروعًا قبل النهى عن المثلة، فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في حجة الوداع وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان. وقال الخطابي وغيره: اعتلال من كره الإشعار بأنه من المثلة مردود بل هو باب آخر كالكى وشق أذن الحيوان ليصير علامة وغير ذلك من الوسم وكالختان والحجامة. وشفقة الإنسان على المال عادة فلا يخشى ما توهموه من سريان الجرح حتى يفضي إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيده الذي كرهه به كأن يقول: الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تهلك البدنة مكروه فكان قريبًا، قال الحافظ: وقد كثر تشنيع المتقدمين على أبي حنيفة في إطلاق كراهة الإشعار وانتصر له الطحاوي في المعاني فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاك البدن كسراية الجرح لا سـ ... مع الطعن بالشفرة فأراد سد الباب عن العامة، لأنهم لا يراعون الحد في ذلك، وأما من كان عارفًا بالسنة في ذلك فلا. وروي عن إبراهيم النخعي أيضًا أنه كره الإشعار، ذكر ذلك الترمذي، قال سمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في الرأي: أشعر رسول الله ﷺ ويقول أبو حنيفة: هو مثلة. قال الرجل فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة. قال: فرأيت وكيعًا غضب غضبًا شديدًا وقال: أقول لك: قال رسول الله ﷺ وتقول قال إبراهيم ما أحقك أن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا – انتهى. قال الحافظ: وفي هذا تعقب على الخطابي حيث قال: لا أعلم أحدًا من أهل العلم أنكر الإشعار غير أبي حنيفة وخالفه صاحباه وقالا في ذلك بقول عامة أهل العلم – انتهى. وفيه أيضًا تعقب على ابن حزم في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف، وقد بالغ ابن حزم في هذا الموضع، ويتعين الرجوع إلى ما قال الطحاوي فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه – انتهى كلام الحافظ. وقال ابن عابدين: جرى (صاحب الدر المختار) على ما قاله الطحاوي والشيخ أبو منصور الماتريدي من أن أبا حنيفة لم يكره أصل الإشعار، وكيف يكرهه مع ما اشتهر فيه من الأخبار، وإنما كره إشعار أهل زمانه الذي يخاف منه الهلاك خصوصًا في حر الحجاز فرأى الصواب حينئذ سد هذا الباب على العامة، فأما من وقف على الحد بأن قطع الجلد دون اللحم فلا بأس بذلك. قال الكرماني (في المناسك) : وهذا هو الأصح وهو اختيار قوام الدين وابن الهمام، فهو مستحب لمن أحسنه. قال في النهر: وبه يستغنى عن كون العمل على قولهما بأنه حسن – انتهى. قلت: ما روي عن أبي حنيفة من القول بكراهة

стр. 4178

.............................................................................................. ــ الإشعار لا شك أنه مخالف للأحاديث الصحيحة ومنابذ للسنة، واضطربت الحنفية في الجواب عنها فقال بعضهم: إنما أنكر أبو حنيفة الإشعار لأنه يجهد البدنة، وفيه ما لا يخفى من أذية الحيوان وتعذيبه وقد نهى عن ذلك ورأى أنه من المثلة وهو منهي عنه. وعند التعارض الترجيح للمحرم، قالوا: وقد روي عن ابن عباس التخيير فيه والرخصة، وعن عائشة تركه، فرجح أبو حنيفة الترك لأنه جهة المثلة وهي حرام، وترك الندب أولى من اقتحام التحريم. وأجاب الخطابي عن ذلك بأن المثلة إنما هو أن يقطع عضو من البهيمة يراد به التعذيب أو تبان قطعة منها للأكل كما كانوا يفعلون ذلك من قطعهم أسنمة الإبل وأليات الشاه يبينونها والبهيمة حية فتعذب بذلك، وإنما سبيل الإشعار سبيل ما أبيح من الكي والتبزيغ والتوديج في البهائم، وسبيل الختان والفصاد والحجامة في الآدميين، وإذا جاز الكي واللدغ بالميسم ليعرف بذلك ملك صاحبه جاز الإشعار ليعلم أنه بدنة نسك وتصان فلا يعرض لها حتى تبلغ المحل – انتهى. قال الشوكاني بعد ذكره. على أنه لو كان من المثلة لكان ما فيه من الأحاديث مخصصًا له من عموم النهي عنها. وقال ابن حجر في شرح مناسك النووي: وإنما لم يكن الإشعار منهيًا عنه، لأن أخبار النهى عن المثلة عامة وأخباره خاصة فقدمت. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في حاشية الهداية: مذهب الإمام ها هنا وقع مخالفًا للأحاديث المروية في باب الطعن والإشعار، رواها مسلم والبخاري ومالك وغيرهم. وما ذكروه من التعارض بين أحاديث الإشعار وبين النهي عن المثلة فغير صحيح لوجهين أحدهما أن التعارض إنما يكون عند الجهل بالتاريخ، ومعلوم أن إشعاره كان في حجة الوداع، والنهي عن المثلة كان في غزوة خيبر كما هو مصرح في بعض الروايات فأنى التعارض، بل يكون عمل الإشعار متأخرًا فليعمل به، وثانيهما وهو أقواهما أن الإشعار ليس بمثلة إذ ليس كل جرح مثلة بل هو ما يكون تشويهًا كقطع الأنف والأذن ونحو ذلك فلا يقال لكل جرح أنه مثلة فلا تعارض بين النهى عن المثلة وبين خبر الإشعار، وقال بعضهم: معنى قول الراوي ((أن النبي ﷺ أشعر بدنته)) أعلمها بعلامة ويمكن أن يكون ذلك سوى الجرح لأن الإشعار هو الإعلام، كذا ذكره الإمام المحبوبي حكاه في البناية عن الإسبيجابي، وهذا الجواب يغني حكايته عن رده، كيف وقد ورد في بعض الروايات أنه طعن، وهو صريح في الجرح، وقال بعضهم: حديث الإشعار منسوخ بأحاديث النهى عن المثلة، وقد تقدم الجواب عن هذا في كلام الحافظ وغيره، وقال بعضهم: الذي اشتهر عن أبي حنيفة من منع الإشعار فهو منع لما ارتكبه أهل زمانه من المبالغة فيه لا أصل الإشعار، أو هو ردع للعوام مطلقًا إبقاء على الهدايا وخوفًا عما يؤل الأمر إليه من المبالغة فيه والوقوع في المنهي عنه طلبًا لما هو مندوب فقط. وهذا قريب مما قاله الطحاوي. وقال بعضهم: إنما كره أبو حنيفة إيثار الإشعار على التقليد يعنى أن الأولى عنده التقليد واختيار الإشعار عليه مكروه، ولا يخفى ما فيه من التمحل، فإنه مخالف لما اشتهر عن أبي حنيفة من كراهة الإشعار مطلقًا وفيه أيضًا أنه لا يحصل الغرض

стр. 4179

.............................................................................................. ــ المذكور بالتقليد، لأنه يحتمل أن ينحل ويذهب بخلاف الإشعار فأنه ألزم، وقال بعضهم: إن إشعاره ﷺ كان لصيانة الهدي لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا به قال في فتح القدير متعقبًا على هذا: قد يقال هذا يتم في إشعار الحديبية وهو مفرد بالعمرة، لا في إشعار هدايا حجة الوداع – انتهى. وقد تقدم نحو هذا عن صاحب اللمعات، وقال الشيخ اللكنوي في حاشية الهداية: لو سلمنا أن إشعاره كان لأن المشركين كانوا لا يمتنعون إلا به لكن إزالة السبب لا تقتضي إزالة المسبب، أما ترى إلى الرمل أنه بقي سنة مع زوال سببه فلا جرم يبقي الإشعار سنة أيضًا وإن زال سببه، قال: والأحسن في تأويل قول أبي حنيفة ما ذكره الطحاوي أنه إنما كره إشعار أهل زمانه، وهذا توجيه جيد يجب صرف مذهبه إليه لئلا يكون مخالفًا للأحاديث الصريحة، ومع قطع النظر عن هذا التأويل لا طعن على أبي حنيفة في هذا الباب لاحتمال عدم وصول أحاديث الإشعار إليه بطريق الصحة، والإمام إذا لم يصل إليه الحديث فعمل بالقياس فهو معذور. وقال في تعليقه على موطأ محمد: وحمله الطحاوي على أنه كره المبالغة فيه بحيث يؤدي إلى السراية وهو محمل حسن، ولولاه لكان قول أبي حنيفة مخالفًا للثابت بالأحاديث الصحيحة الصريحة صريحًا، وللقوم في توجيه ما روي عنه كلمات قد فرغنا عن دفعها في تعليقاتي على الهداية فلا نضيع الوقت بذكرها – انتهى. تنبيه: اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل إلا سعيد بن جبير، واتفقوا على أن الغنم لا تشعر لضعفها ولكون صوفها أو شعرها يستر موضع الإشعار، وأما على ما نقل عن مالك فلكونها ليست ذات أسنمة، والله أعلم كذلك في الفتح. قلت: اختلف أصحاب المذاهب الأربعة في إشعار الإبل والبقر بعد ما اتفقوا على أن الغنم لا تشعر، فذهب الشافعية والحنابلة إلى استنان الإشعار في الإبل والبقر مطلقًا أي ولو لم يكن لها سنام، قال القسطلاني: إن لم يكن لها سنام أشعر موضعه هذا مذهب الشافعية وهو ظاهر المدونة. وقال القسطلاني في موضع آخر: مذهب الشافعي وموافقيه أنه يستحب تقليد البقر وإشعارها. وفي مناسك النووي: إن كانت بدنة أو بقرة استحب أن يقلدها وأن يشعرها أيضًا، وهو أن يضرب صفحة سنامها اليمنى. قال ابن حجر في شرحه: قوله ((صفحة سنامها)) هو في الإبل واضح، وأما البقر فلا سنام لها فليضربها في محله لو كان لها أخذًا مما في المجموع عن النص. وقال ابن قدامة: ويسن إشعار الإبل والبقر، وقال مالك: إن كانت البقرة ذات سنام فلا بأس بإشعارها وإلا فلا. ثم قال ابن قدامه: وتشعر البقرة لأنها من البدن فتشعر كذات السنام، وأما الغنم فلا يسن إشعارها لأنها ضعيفة وصوفها وشعرها يستر موضع إشعارها – انتهى. وأما عند المالكية ففي الإبل قولان، المرجح الإشعار مطلقًا أي ولو لم يكن لها سنام، والثاني التقييد بالسنام. وفي البقر ثلاثة أقوال: الأول الإثبات مطلقًا والثاني النفي مطلقًا، والثالث إشعار ذات السنام وهو المرجح عندهم كما يظهر من كلام الباجي والدردير والدسوقي والمدونة. وأما عند الحنفية فلا إشعار في البقر مطلقًا. قال في شرح اللباب: الإبل تقلد وتجلل وتشعر، والبقر

стр. 4180

في صفحة سنامها الأيمن، ــ لا تشعر بل تجلل وتقلد والغنم لا يفعل بها شيء من الثلاثة – انتهى. (في صحفة سنامها) بفتح السين والصفحة الجانب والسنام أعلى ظهر البعير (الأيمن) صفة صفحة وذكره لمجاورته لسنام، وهو مذكر، أو على تأويل صفحة بجانب. وبه جزم النووي حيث قال: وصف لمعنى صفحة لا للفظها. ثم قال: أما محل الإشعار فمذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحب الإشعار في صفحة السنام اليمنى. وقال مالك في اليسري. وهذا الحديث يرد عليه – انتهى. قلت: اختلف العلماء في أن الإشعار في الأيمن أفضل أو في الأيسر وللمالكية في ذلك أربعة أقوال كما في الدسوقي والإكمال حيث قالا: وفي أولويته في الشق الأيمن أو الأيسر، ثالثها إنما السنة في الأيسر، ورابعها إنهما سواء – انتهى. لكن مشهور مذهب مالك الأيسر كما في الإكمال، ولذا اقتصر عليه عامة نقلة المذاهب كالنووي والحافظ والعيني وغيرهم، وبه قال صاحبا أبي حنيفة كما في العيني وغيره. وقال محمد في موطأه بعد رواية أثر ابن عمر: أنه كان يشعر بدنته في الشق الأيسر إلا أن تكون صعابًا، فإذا لم يستطع أن يدخل بينها أشعر من الشق الأيمن. قال محمد: وبهذا نأخذ الإشعار من الجانب الأيسر إلا أن تكون صعابًا مقرنة لا يستطيع أن يدخل بينهما فليشعرها من الجانب الأيسر والأيمن (الواو بمعنى أو) انتهى. وهو أي الإشعار في الشق الأيسر رواية أحمد، وفي أخرى له المشهور عنه أنه يشعر في الأيمن وبه قال الشافعي، وهو رواية عن أبي يوسف وفي الدر المختار: الإشعار هو شق سنامها من الأيسر أو الأيمن. وفي الهداية: صفته أن يشق سنامها من الجانب الأيمن أو الأيسر، قالوا: والأشبه هو الأيسر، لأن النبي ﷺ طعن في جانب اليسار مقصودًا، وفي جانب الأيمن اتفاقًا. قال ابن الهمام: قالوا لأنها كانت تساق إليه وهو يستقبلها فيدخل من قبل رؤسها والحربة بيمينه لا محالة، والطعن حينئذ إلى الجهة اليسار أمكن وهو طبع هذه الحركة فيقع الطعن كذلك مقصودًا ثم يعطف طاعنًا إلى جهة يمينه بيمينه وهو مكتلف بخلافه إلى الجهة الأولى – انتهى. وهذا مبني على أنه ﷺ أشعر في الأيمن والأيسر. أما الأول فهو مذكور في حديث ابن عباس عند مسلم الذي نحن في شرحه، وأما الثاني أي الطعن في الأيسر فقال ابن عبد البر في كتاب التمهيد: رأيت في " كتاب ابن علية " عن أبيه عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أشعر بدنه من الجانب الأيسر ثم سلت الدم عنها قال ابن عبد البر: هذا عندي منكر في حديث ابن عباس، والمعروف ما رواه مسلم وغيره في الجانب الأيمن لا يصح في غير ذلك إلا أن ابن عمر كان يشعر بدنه من الجانب الأيسر – انتهى. وقد صحح ابن القطان كلامه هذا قال: وأنا أخاف أن يكون تصحف فيه الأيمن بالأيسر – انتهى. لكن قال الزيلعي في نصب الراية (ج ٣: ص ١١٦) : قد روي هذا الحديث من غير طريق ابن علية، فرواه أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا شعبة بن الحجاج عن

стр. 4181

وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين، ــ قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما أتى ذا الحليفة أشعر بدنته في شقها الأيسر ثم سلت الدم بأصبعه، فلما علت به راحلته البيداء لبى – انتهى. وقد سكت عليه الزيلعي والحافظ في الدراية. قيل: ويؤيده أثر ابن عمر عند مالك، كما سيأتي. قلت: لم أجد رواية صحيحة أو ضعيفة تدل على أنه ﷺ طعن في بعض البدنة في الشق الأيسر، وفي البعض الآخر في الشق الأيمن. وأما رواية أبي يعلى الموصلي فهي معارضة لما رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عباس في الإشعار في الشق الأيمن فيقدم هذا ويرجح على رواية أبي يعلى. وأما تأويل الباجي لحديث ابن عباس عند مسلم بأنه كان ذلك لصعوبتها أو ليرى الجواز، فلا يخفى ما فيه لأنه احتمال ناشئ من غير دليل. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٥٤٨) : السنة الإشعار في صفحتها اليمنى، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وقال مالك وأبو يوسف: بل تشعر في صفحتها اليسرى. وعن أحمد مثله لأن ابن عمر فعله. ولنا ما روى ابن عباس أن النبي ﷺ صلى بذي الحليفة ثم دعا ببدنة وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن – الحديث. رواه مسلم. وأما ابن عمر فقد روي عنه كمذهبنا رواه البخاري (معلقًا) ثم فعل النبي ﷺ أولى من قول ابن عمر وفعله بلا خلاف، ولأن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في شأنه كله – انتهى. وقال البخاري في صدر ((باب من أشعر بذي الحليفة ثم أحرم)) : وقال نافع كان ابن عمر إذا أهدى من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة يطعن في شق سنامه الأيمن بالشفرة ووجهها قبل القبلة باركة. قال الحافظ: وصله مالك في الموطأ قال: عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أهدي هديًا من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة، يقلده قبل أن يشعره وذلك في مكان واحد وهو موجه للقبلة، يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة ثم يدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منى غداة النحر نحره. وعن نافع عن ابن عمر كان إذا طعن في سنام هديه وهو يشعره قال: بسم الله والله أكبر. وأخرج البيهقي (ج ٥: ص ٢٣٢) من طريق ابن وهب عن مالك وعبد الله بن عمر عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يشعر بدنه من الشق الأيسر إلا أن تكون صعابًا، فإذا لم يستطع أن يدخل بينها أشعر من الشق الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة، وتبين بهذا أن ابن عمر كان يطعن في الأيمن تارة وفي الأيسر أخري بحسب ما يتهيأ له ذلك – انتهى كلام الحافظ (وسلت) بمهملة ولام ثم مثناة (الدم) أي مسحه وأماطه وأزاله (عنها) أي عن صفحة سنامها، زاد عند أبي داود ((بيده)) وفي أخري عنده أيضًا ((بإصبعه)) قال الخطابي: سلت الدم بيده، أي أماطه بإصبعه، وأصل السلت القطع، يقال: سلت الله أنف فلان أي جدعه (وقلدها) بتشديد اللام (نعلين) فيه دليل على استنان تقليد الإبل بنعلين، وقد وقع الإجماع على استنان تقليد الهدي. قال ابن قدامة: يسن تقليد الهدي وهو أن يجعل في أعناقها النعال وآذان القرب وعراها أو علاقة إداوة سواء كانت إبلاً أو بقرًا أو

стр. 4182

.............................................................................................. ــ غنمًا. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يسن تقليد الغنم – انتهى. وفي مناسك النووي: إن كانت بدنة أو بقرة استحب له أن يقلدها نعلين وليكن لهما قيمة ليتصدق بهما. ومن ساق غنمًا استحب أن يقلدها خرب القرب وهي عراها وآذانها ولا يقلدها النعل لأنها ضعيفة. وقال الدردير: سن في هدايا الإبل إشعار وتقليد أي تعليق قلادة أي حبل في عنقها، وندب نعلان يعلقهما بنبات الأرض، أي بحبل من نبات الأرض لا من صوف أو وبر، وقال العيني: قال أصحابنا: لو قلد بعروة مزادة أو لحي شجرة أو شبه ذلك جاز لحصول العلامة. وذهب الشافعي والثوري إلى أنها تقلد بنعلين، وهو قول ابن عمر. وقال الزهري ومالك: يجزئ واحدة، وعن الثوري: يجزئ فم القربة ونعلان أفضل لمن وجدهما – انتهى. قال الحافظ: قيل الحكمة في تقليد النعل أن فيه إشارة إلى السفر والجد به فعلى هذا يتعين أي النعل، والله أعلم. وقال ابن المنير في الحاشية: الحكمة فيه أن العرب تعتد النعل مركوبة لكونها تقي عن صاحبها وتحمل عنه وعر الطريق، وقد كنى بعض الشعراء عنها بالناقة، فكأن الذي أهدي خرج عن مركوبه لله تعالى حيوانًا وغيره كما خرج حين أحرم عن ملبوسه، ومن ثم استحب تقليد نعلين لا واحدة – انتهى. وفي شرح اللباب: يسن تقليد بدن الشكر دون بدن الجبر وهو أن يربط في عنق بدنة أو بقرة قطعة نعل كاملة أو ناقصة أو قطعة مزادة أو لحاء شجرة أو نحوه من شراك نعل وغير ذلك مما يكون علامة على أنه هدي ولا يسن في الغنم مطلقًا لكن لو قلده جاز ولا بأس به – انتهى. والحديث دليل على أنه يسن تقليد الهدي وإشعاره من الميقات حيث قلد رسول الله ﷺ هديه وأشعره بذي الحليفة ميقات أهل المدينة، وقد صرح أهل الفروع من أتباع الأئمة الأربعة باستحباب التقليد والإشعار من الميقات. قال ابن قدامه: وإذا ساق الهدي من قبل الميقات استحب إشعاره وتقليده من الميقات لحديث ابن عباس، وإن ترك الإشعار والتقليد فلا بأس به، لأن ذلك غير واجب – انتهى. وفي مناسك النووي: الأفضل أن يكون هديه معه من الميقات مشعرًا مقلدًا. وقال الدردير: ثالث السنن لمريد الإحرام تقليد هدي إن كان معه، ثم إشعاره إن كان مما يشعر. وقال في اللباب من مناسك الحنفية: فإذا أحرم بالتلبية ساق هديه ويقلد البدنة، إلى آخر ما بسط الكلام في حكم الإشعار وكيفيته واختلفوا هل الأفضل تقديم الإشعار على التقليد أو تقديم التقليد على الإشعار. قال القسطلاني: صح في الأول خبر في صحيح مسلم وصح في الثاني فعل ابن عمر وهو المنصوص، وزاد في المجموع أن الماوردي حكى الأول عن أصحابنا كلهم ولم يذكر فيه خلافًا – انتهى. وقال النووي في مناسكه: هل الأفضل أن يقدم الإشعار على التقليد فيه وجهان: أحدهما يقدم الإشعار فقد ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا، والثاني وهو نص الشافعي تقديم التقليد، وقد صح ذلك عن ابن عمر من فعله، والأمر فيه قريب – انتهى. وقد تقدم قول الدردير أن ثالث السنن لمريد الإحرام تقليد هدي إن كان معه ثم إشعاره. وقال في موضع آخر: الأولى تقديم التقليد

стр. 4183

ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. رواه مسلم. ٢٦٥٢ – (٢) وعن عائشة، قالت: أهدى النبي ﷺ مرة إلى البيت غنمًا، فقلدها. ــ على الإشعار لأنه السنة. قال الدسوقي: السنة تقديم التقليد فعلاً خوفًا من نفارها لو أشعرت أولاً. قال الباجي: وقد قال ابن القاسم في المدونة: وكل ذلك واسع، يريد أن الترتيب المذكور ليس بواجب – انتهى. (ثم ركب راحلته) أي غير التي أشعرها (أهل بالحج) أي لبى به وكذا بالعمرة لما في الصحيحين عن أنس قال سمعت رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة يقول: لبيك عمرة وحجًا – انتهى. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. مع أنه يمكن أن الراوي اقتصر على ذكر الحج لأنه الأصل أو لأن مقصوده بيان وقت الإحرام والتلبية أو لعدم سماعه أولاً أو لنسيانه آخرًا، قاله القاري. وقد تقدم نقل الخلاف في كيفية إحرامه ﷺ وطريق الجمع بين المختلف فيه فليراجع (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢١٦، ٢٥٤) والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدرامي والبيهقي وابن الجارود، وقال الزيلعي: رواه الجماعة إلا البخاري. ٢٦٥٢ – قوله (أهدى النبي ﷺ مرة إلى البيت) أي بيت الله (غنمًا) أي قطعة من الغنم. ومعنى الحديث أنه ﷺ كان يبعث بهديه قبل حجة الوداع مع من يحج وهو ﷺ مقيم بالمدينة لا يحج، وأنه بعث مرة غنمًا. وفي قولها ((مرة)) إشعار بأنه ﷺ كان يهدي بالبدن لكونها أفضل، وأهدى مرة بالغنم لبيان الجواز، وقد ثبت إهداؤه بالبدن في حديث آخر لعائشة أيضًا كما سيأتي (فقلدها) في الحديث دليل على جواز أن يكون الهدي من الغنم وأنها تقلد. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء وخالف في ذلك الحنفية والمالكية فقالوا: إن الغنم لا تقلد. والحديث يرد عليهما. قال السندي في حاشية النسائي: الحديث صريح في جواز تقليد الغنم فلا وجه لمنع من منع ذلك. وقال النووي: فيه دلالة لمذهبنا ومذهب الكثرين أنه يستحب تقليد الغنم. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يستحب بل خصا التقليد بالإبل والبقر، وهذا الحديث صريح في الدلالة عليهما – انتهى. وحديث عائشة هذا هو من رواية الأسود عنها، واللفظ المذكور لمسلم، ولفظ البخاري ((قالت: أهدى النبي ﷺ مرة غنمًا)) وفي رواية له ((قالت: كنت أفتل القلائد للنبي ﷺ فيقلد الغنم)) وفي لفظ له ((كنت أفتل قلائد الغنم للنبي ﷺ فيبعث بها)) الحديث. وبوب البخاري على هذه الروايات ((تقليد الغنم)) قال الحافظ تحت هذه الترجمة: قال ابن المنذر: أنكر مالك وأصحاب الرأي تقليد الغنم، زاد غيره وكأنهم لم يبلغهم الحديث، ولم نجد لهم حجة إلا قول بعضهم أنها تضعف عن التقليد وهي حجة ضعيفة. لأن المقصود من التقليد العلامة، وقد اتفقوا على أنها لا تشعر، لأنها تضعف عنه فتقلد بما لا يضعفها. ثم ساق ابن المنذر من طريق عطاء وعبيد الله بن أبي يزيد وأبي جعفر محمد بن علي وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدم مقلدة. ولابن أبي شيبة عن ابن عباس

стр. 4184

.............................................................................................. ــ نحوه، والمراد بذلك الرد على من ادعى الإجماع على ترك إهداء الغنم وتقليدها وأعل بعض المخالفين حديث الباب بأن الأسود تفرد عن عائشة بتقليد الغنم دون بقية الرواة عنها من أهل بيتها وغيرهم. قال المنذري وغيره: وليست هذه بعلة لأنه حافظ ثقة لا يضره التفرد - انتهى. وقال العراقي في طرح التثريب: اختلفوا في استحباب تقليد الغنم فقال به الشافعي وأحمد، ورواه ابن أبي شيبة عن عائشة وعن ابن عباس: لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلدة. وعن أبي جعفر: رأيت الكباش مقلدة. وعن عبد الله بن عبيد بن عمير أن الشاة كانت تقلد. وعن عطاء رأيت أناسًا من أصحاب النبي ﷺ يسوقون الغنم مقلدة. وحكاه ابن المنذر عن إسحاق وأبي ثور قال: وبه أقول، وإليه ذهب ابن حبيب من المالكية. وذهب آخرون إلى أنها لا تقلد كما أنها لا تشعر، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وحكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي، ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر وسعيد بن جبير ويوافقه كلام البخاري فإنه بوب على هذا الحديث (أي حديث عروة وعمرة عن عائشة: قالت كان رسول الله ﷺ يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنب المحرم) ((باب فتل القلائد للبدن والبقر)) فحمل الحديث عليهما ولم يذكر الغنم - انتهى. قلت: ورد عليه الحافظ فقال: تنبيه: أخذ بعض المتأخرين من اقتصار البخاري في هذه الترجمة على الإبل والبقر أنه موافق لمالك وأبي حنيفة في أن الغنم لا تقلد وغفل هذا المتأخر عن أن البخاري أفرد ترجمة لتقليد الغنم بعد أبواب يسيرة كعادته في تفريق الأحكام في التراجم - انتهى. ثم قال العراقي: وظاهر حديث عروة عن عائشة المذكور موافق للجمهور لأنها لم تخص بذلك هديًا دون هدي، وقد صرحت بالغنم في رواية الأسود عنها كما تقدم. وقال العيني: مذهب الحنفية أن التقليد في البدنة والغنم ليست من البدنة فلا تقلد لعدم التعارف بتقليدها، ولو كان تقليدها سنة لما تركوها. وقالوا في الحديث المذكور: تفرد به الأسود ولم يذكره غيره، وادعى صاحب المبسوط أنه أثر شاذ. فإن قلت: كيف يقال: تركوها، وقد ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه أن ابن عباس قال: لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلدة؟ وعن أبي جعفر ((رأيت الكباش مقلدة)) وعن عبد الله بن عبيد بن عمير ((أن الشاة كانت تقلد)) وعن عطاء ((رأيت أناسًا من الصحابة يسوقون الغنم مقلدة)) قلت: ليس في ذلك كله أن التقليد كان في الغنم التي سيقت في الإحرام، وأن أصحابها كانوا محرمين، على أنا نقول إنهم ما منعوا الجواز وإنما قالوا بأن التقليد في الغنم ليس بسنة - انتهى. قلت: الآثار المذكورة نص في تقليد الغنم وظاهر في أنه كان في الغنم التي سيقت إلى الحرم ونص أيضًا في أن تقليد الغنم من الهدي كان معتادًا متعارفًا معمولاً به في ما بين الصحابة والتابعين، وحملها على غير ذلك ادعاء محض فلا يلتفت إليه، وكذا اعتذار صاحب المبسوط وغيره عن حديث الأسود عن عائشة عند الشيخين وغيرهما بادعاء أنه شاذ لم يتابعه عليه أحد، ليس مما يصغى إليه. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٥٤٩) : وقال مالك وأبو حنيفة: لا يسن تقليد الغنم لأنه لو كان سنة لنقل كما نقل عن الإبل، ولنا أن عائشة قالت:

стр. 4185

.................................................................................... ــ كنت أفتل القلائد للنبي ﷺ فيقلد الغنم ويقيم في أهله حلالاً، وفي لفظ " كنت أفتل قلائد الغنم للنبي ﷺ " رواه البخاري. ولأنه هدي فيسن تقليده كالإبل، ولأنه إذا سن تقليد الإبل مع إمكان تعريفها بالإشعار فالغنم أولى وليس التساوي في النقل شرطًا لصحة الحديث، ولأنه كان يهدي الإبل أكثر فكثر نقله – انتهى. قلت: حديث الباب مشكل على الحنفية والمالكية جدًا، وقد تمحل الحنفية للتخلص عنه بوجوه منها ما تقدم، ومنها ما سيأتي آنفًا. وقال الشنقيطي (ج ٥: ص ٥٧٥) : واعلم أن الهدي من الغنم يسن تقليده عند عامة أهل العلم. وخالف مالك وأصحابه الجمهور. وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أنه ﷺ أهدى غنمًا فقلدها. وقال بعض أهل العلم: لا تقلد بالنعال لضعفها. وإنما تقلد بنحو عرى القرب. والظاهر أن مالكًا لم يبلغه حديث تقليد الغنم، ولو بلغه لعمل به بأنه صحيح متفق عليه – انتهى. وأجاب بعض الحنفية عن حديث الباب بأنه أراد فقهاءنا من نفي تقليد الغنم التقليد بالنعل لا بالخيط المفتول، فإذا صح الحديث بتقليد الغنم ولا شك أنه من العهن وهو الصوف المصبوغ فمحل نفي تقليد الغنم هو تقليدها بالنعال وما يشبهها، ومحل إثبات التقليد هو بالخيوط المفتولة من الصوف والوبر فإذا لا يخالف حديث الباب مذهب أبي حنيفة وفقهائنا الحنفية لم يذكروا التقليد بالخيط لا نفيًا ولا إثباتًا، فالقول والتمسك بهذا الحديث لا يخالف المذهب – انتهى. وفيه أن ذكر فتل القلائد من العهن لا يدل على الاكتفاء بالتقليد بالعهن في الغنم بل كان ذلك لأن يربط به النعل في عنق الهدي سواء كان إبلاً أو بقرًا أو غنمًا، كما أن ذكر فتل القلائد للبدن في الرواية الآتية لا يدل على الاقتصار على ذلك في الإبل والبقر، وقد ذكر البخاري في "باب تقليد الغنم" بعد رواية حديث الأسود عن عائشة حديث مسروق عنها قالت: فتلت لهدي النبي ﷺ تعني القلائد قبل أن يحرم. قال الحافظ: أما إردافه برواية مسروق مع أنه لا تصريح فيها بكون القلائد للغنم فلأن لفظ الهدي أعم من أن يكون لغنم أو لغيرها، فالغنم فرد من أفراد ما يهدي، وقد ثبت أنه ﷺ أهدى الإبل وأهدى البقر فمن ادعى اختصاص الإبل بالتقليد فعليه البيان – انتهى. علا أنه يخالف التأويل المذكور ما تقدم عن القاري والعيني وغيرهما من نقلة المذاهب أن أبا حنيفة أنكر استنان تقليد الغنم مطلقًا، ولم يثبت عنه ولا عن غيره من فقهاء الحنفية أنهم فرقوا بين تقليد الغنم بالنعل وتقليدها بالخيوط بل أنكروه مطلقًا كما تقدم. وعلى هذا فمذهب أبي حنيفة مخالف للحديث الصحيح من غير شك، والظاهر أنه لم يبلغه الحديث، ولا ما تقدم من الآثار المذكورة في كلام العراقي والعيني وغيرهما، هذا. وقد احتج الكاساني على عدم استنان تقليد الغنم بقوله تعالى ﴿ولا الهدي ولا القلائد﴾ (٢: ٥) قال الكاساني في البدائع (ج ٢: ص ١٦٢) : والدليل على أن الغنم لا يقلد قوله تعالى ﴿ولا الهدي ولا القلائد﴾ عطف القلائد على الهدي، والعطف يقتضي المغايرة في الأصل، واسم الهدي يقع على الغنم والإبل والبقر جميعًا فهذا يدل على أن الهدي نوعان ما يقلد وما لا يقلد، ثم الإبل والبقر يقلدان بالإجماع، فتعين أن الغنم لا تقلد

стр. 4186

متفق عليه. ٢٦٥٣- (٣) وعن جابر، قال: ذبح رسول الله ﷺ ــ ليكون عطف القلائد على الهدي عطف الشيء على غيره فيصح – انتهى. قال بعض الحنفية: ويؤيد ذلك ما قال الجصاص في أحكام القرآن: قد روي في تأويل القلائد وجوه عن السلف، فقال ابن عباس: أراد الهدي المقلد، قال أبو بكر (الرازي الجصاص) هذا يدل على أن من الهدي ما يقلد ومنه ما لا يقلد، والذي يقلد الإبل والبقر والذي لا يقلد الغنم – انتهى. ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من التكلف والتعسف فإنه يلزم على هذا التفسير أن يكون المراد بالهدي في الآية الغنم فقط ولم يقل به أحد مع أنهم اختلفوا في تفسير القلائد على أقوال منها أن المراد القلائد حقيقة سواء كانت للإبل أو للبقر أو للغنم. وفي النهي عن إحلال القلائد تأكيد للنهي عن إحلال الهدي، يعني أن فيه مبالغة عن التعرض للهدي المقلد، فإنه إذا نهى عن قلادة أن يتعرض لها فبطريق الأولى أن ينهى عن التعرض للهدي المقلد بها، وهذا كما في قوله: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ (٢٤: ٣١) لأنه إذا نهى عن إظهار الزينة فما بالك بموضعها من الأعضاء، ومنها أن المراد بالقلائد الحيوانات المقلدة بها ويكون عطف القلائد على الهدي لزيادة التوصية بالهدي، والمعنى: ولا الهدايا ذوات القلائد، وعلى هذا القول إنما عطف القلائد على الهدي مبالغة في التوصية بها لأنها من أشرف البدن المهداة والمعنى: ولا تستحلوا الهدي خصوصًا المقلدات منها. وقيل المراد أصحاب القلائد، والمعنى: لا تتعرضوا للهدايا ولا لأصحابها. والتفسير الأول أولى. وعلى كل حال ليس في عطف القلائد على الهدي دلالة أو أدنى إشارة إلى أن الهدي الغير المقلد هو الغنم خاصة، أو إلى أن الغنم من الهدي لا تقلد (متفق عليه) قد تقدم أن اللفظ المذكور لمسلم وبهذا اللفظ رواه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي. وقد تقدم أيضًا أن البخاري روى مثله لكن أسقط قوله "فقلدها" وكذا رواه الدارمي ورواه أبو داود وابن الجارود بلفظ " إن رسول الله ﷺ أهدى غنمًا مقلدة " والحديث رواه أيضًا أحمد والشيخان والترمذي والنسائي بألفاظ أخرى متقاربة. ٢٦٥٣- قوله (وعن جابر، قال: ذبح رسول الله ﷺ ) وفي الحديث الأتي " نحر " مكان " ذبح " والفرق بين النحر والذبح أن النحر يكون في اللبة (بفتح اللام وتشديد الموحدة، هي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر) والذبح يكون في الحلق، فالذبح هو قطع العروق التي في أعلى العنق تحت اللحيين، قال ابن عابدين: النحر قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر والذبح قطعها في أعلاه تحت اللحيين. وفي تكملة البحر: ولا بأس بالذبح في الحلق كله أسفله وأوسطه وأعلاه، لأن ما بين اللبة واللحيين هو الحلق، ولأن كله مجتمع العروق فصار حكم الكل واحد – انتهى. وفي البدائع: الذبح هو فري الأوداج ومحله ما بين اللبة واللحيين، والنحر فري الأوداج ومحله آخر الحلق – انتهى. والحديث دليل

стр. 4187

................................................................................ ــ لما ذهب إليه جمهور العلماء من أن نحر البقر جائز وإن كان الذبح مستحبًا عندهم لقوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ (٢: ٦٧) وخالف الحسن بن صالح ومجاهد فاستحبا نحرها. وقال مالك: إن ذبح الجزور من غير ضرورة أو نحر الشاة من غير ضرورة لم تؤكل. وقال في الدر المختار: حب النحر للإبل وكره ذبحها، والحكم في غنم وبقر عكسه، فندب ذبحها وكره نحرها لترك السنة. وقال في البدائع: لو نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر يحل لوجود فري الأوداج لكنه يكره (أي فعله لا المذبوح) لأن السنة في الإبل النحر، وفي غيرها الذبح، لأن الأصل في الذكاة إنما هو الأسهل على الحيوان، وما فيه نوع راحة له فهو أفضل والأسهل في الإبل النحر لخلو لبتها عن اللحم واجتماع اللحم فيما سواه من خلفها، والبقر والغنم جميع حلقها لا يختلف – انتهى. وفي شرح الإقناع من فروع الشافعية يسن نحر إبل وذبح بقر وغنم، ويجوز بلا كراهة عكسه. قال البجيرمي: لكنه خلاف الأولى، خلافًا للإمام مالك حيث قال: لا يجوز ذلك. وقال الدردير: وجب نحر إبل ووجب ذبح غيره من غنم وطير، فإن نحرت ولو سهوًا لم تؤكل إن قدر، وجاز للضرورة، أي جاز الذبح في الإبل والنحر في غيرها للضرورة كوقوع في مهواة أو عدم آلة ذبح أو نحر إلا البقر فيندب فيها الذبح. قال الدسوقي: ونحرها خلاف الأولى. ومثل البقر الجاموس وبقر الوحش فيجوز كل من الذبح والنحر فيهما. ومثل البقر في جواز الأمرين ونبد الذبح ما أشبه من حمار الوحش وغيره – انتهى. وقال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في أن المستحب نحر الإبل وذبح ما سواها قال الله تعالى ﴿فصل لربك وأنحر﴾ (١٠٨: ٢) وقال الله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ (٢: ٦٧) ومعنى النحر أن يضربها بحربة أو نحوها في الوهدة التي بين أصل عنقها وصدرها، فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح فجائز، هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والزهري وقتادة ومالك والليث والثوري وأبوحنيفة والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وحكي عن داود أن الإبل لا تباح إلا بالنحر ولا يباح غيرها إلا بالذبح، لأن الله تعالى قال ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ وقال تعالى ﴿فصل لربك وأنحر﴾ والأمر يقتضي الوجوب، وحكي عن مالك أنه لا يجزئ في الإبل إلا النحر، ولنا قوله ﷺ أمرر الدم بما شئت، وعن عائشة قالت: نحر رسول الله ﷺ في حجة الوداع بقرة واحدة – انتهى مختصرًا. وقال ابن رشد: اتفقوا على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نحر وذبح، وأن من سنة الغنم والطير الذبح، وأن من سنة الإبل النحر، وأن البقر يجوز فيها الذبح والنحر واختلفوا هل يجوز النحر في الغنم والطير والذبح في الإبل؟ فذهب مالك إلى أنه لا يجوز النحر في الغنم والطير، ولا الذبح في الإبل، وذلك في غير موضع الضرورة. وقال قوم: يجوز جميع ذلك من غير كراهة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة العلماء. وقال أشهب: إن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر أكل، ولكنه يكره، وفرق ابن بكير بين الغنم والإبل فقال: يؤكل البعير بالذبح ولا تؤكل الشاة بالنحر، ولم يختلفوا في جواز ذلك في موضع الضرورة. وسبب اختلافهم معارضة

стр. 4188

عن عائشة بقرة يوم النحر. رواه مسلم. ٢٦٥٤ – (٤) وعنه، قال: نحر النبي ﷺ عن نسائه بقرة في حجته. ــ الفعل للعموم. فأما العموم فقوله ﵊ " ما أنحر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا " وأما الفعل فإنه ثبت أن رسول الله ﷺ نحر الإبل والبقر وذبح الغنم، وإنما اتفقوا على جواز ذبح البقر لقوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ انتهى. (عن عائشة) أي لعائشة ولسائر نساءه كما سيأتي في الحديث الآتي (بقرة) ويحتمل أنه ذبح عن عائشة وحدها بقرة وجعل بقرة أخرى عن الكل تمييزًا لها لأنها انفردت بسبب موجب وهو القران، لأنها أردفت الحج على عمرتها، وهن لما اشتركن في سبب غيره أشرك بينهن ويكون في ذلك تخصيص وتفضيل، لأن الواجب في ذلك شاة أو سبع بدنة أو بقرة، كما فعل في حق صواحبها، ولعل إيثار البقر لأنه المتيسر حين إذن، وإلا فالإبل أفضل منه، وقيل إنه لبيان الجواز (يوم النحر) أي في حجته كما في رواية محمد بن بكر عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عند أحمد ومسلم (رواه مسلم) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن ابن جريج. والحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري. ورواه أيضًا أحمد والبيهقي (ج ٥: ص ٢٣٨) . ٢٦٥٤ – قوله (وعنه) أي عن جابر (نحر النبي ﷺ عن نسائه بقرة في حجته) وفي الباب أيضًا عن عائشة ﵂ " أن رسول الله ﷺ نحر عن أزواجه بقرة في حجة الوداع ". أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي في الكبري وابن ماجة كلهم من رواية يونس عن الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، لفظ أحمد ولفظ الثلاثة "بقرة واحدة " وعن أبي هريرة " أن رسول الله ﷺ ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن" أخرجه أبو داود والنسائي في الكبرى وابن ماجة، والحديثان سكت عنهما أبو داود والمنذري. وحديث جابر مع حديثي عائشة وأبي هريرة يدل على جواز الاشتراك في الهدي إذا كان من الإبل أو البقر، وللعلماء خلاف في ذلك فذهب الشافعي وأحمد والجمهور إلى جواز الاشتراك في الهدي سواء أكان تطوعًا أم واجبًا، وسواء أكانوا كلهم متقربين أو بعضهم يريد القربة، وبعضهم يريد اللحم، واستدل لهم بما ورد من أحاديث الاشتراك المتقدمة وغيرها مما ذكره الزيلعي في نصب الراية (ج ٣: ص ٢٠٩) والحافظ في الدراية (ص ٣٢٤) والمجد في المنتقي (ج ٤: ص ٣٣٠، ٣٣١) والمحب الطبري في القرى (ص ٥١٨، ٥٢٧، ٥٢٨) وقال داود وبعض المالكية: يجوز الاشتراك في هدي التطوع دون الواجب وهو مردود بحديث عطاء عن جابر قال: كنا نتمتع مع النبي ﷺ فنذبح البقرة عن سبع نشترك فيها. أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما. فهذا صريح في جواز الاشتراك في دم التمتع وهو واجب لقوله : ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ (٢: ١٩٦) وذهب مالك إلى عدم جواز الاشتراك في الهدي مطلقًا، وأحاديث الباب تخالفه، وروي عن ابن عمر

стр. 4189

.............................................................................................. ــ نحو ذلك، ولكنه روى عنه أحمد ما يدل على الرجوع عنه وموافقة الجمهور، ولعل مالكًا لم يبلغه ذلك. وذهب أبو حنيفة إلى جوازه إن كانوا كلهم متقربين سواء أكان هدي تطوع أم واجب وليس فيهم من يريد اللحم. وقد تقدم الكلام على مسألة الاشتراك في الهدي والإضحية في باب الإضحية. قلت: ويدل أيضًا على جواز الاشتراك في الهدي من البقر ما رواه مالك في الموطأ والبخاري من طريقه في " باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن" عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة تقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج – الحديث. وفيه: قالت: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقرة فقلت: ما هذا؟ فقالوا: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه، وللشيخين من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بلفظ " ذبح " قال ابن بطال: أخذ بظاهره جماعة فأجازوا الاشتراك في الهدي والإضحية ولا حجة فيه، لأنه يحتمل أن يكون عن كل واحدة بقرة وأما رواية يونس عن الزهري عن عمرة عن عائشة أن رسول الله ﷺ نحر عن أزواجه بقرة واحدة، فقد قال إسماعيل القاضي: تفرد يونس بذلك، وقد خالفه غيره – انتهى. قال الحافظ: رواية يونس أخرجها النسائي وأبو داود وغيرهما ويونس ثقة حافظ، وقد تابعه معمر عند النسائي أيضًا، ولفظه أصرح من لفظ يونس قال: ما ذبح عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة. وروى النسائي أيضا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ذبح رسول الله ﷺ عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن. صححه الحاكم وهو شاهد قوي لرواية الزهري، وأما ما رواه عمار الدهني عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: ذبح عنا رسول الله ﷺ يوم حججنا بقرة بقرة، أخرجه النسائي أيضًا، فهو شاذ مخالف لما تقدم، وقد رواه البخاري في الأضاحي ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ " ضحى رسول الله ﷺ من نسائه البقر " ولم يذكر ما زاده عمار الدهني – انتهى. وتعقبه الزرقاني فقال: لا شذوذ فيه، فإن عمار الدهني – بضم المهملة وإسكان الهاء ونون – ثقة صدوق من رجال مسلم والأربعة، فزيادته مقبولة فإنه قد حفظ ما لم يحفظ غيره، وزيادته ليست مخالفة لغيره فإن رواية معمر " ما ذبح إلا بقرة " المراد بها جنس بقرة أي لا بعير ولا غنم، فلا تنافي الرواية الصريحة أن عن كل واحدة بقرة، فمن شرط الشذوذ أن يتعذر الجمع، وقد أمكن فلا تأييد فيها لرواية يونس التي حكم إسماعيل القاضي بشذوذها لأنه انفرد بقوله " واحدة " وإسماعيل من الحفاظ لا يجهل أن يونس ثقة حافظ وإنما حكم بشذوذ روايته ومخالفة غيره له على القاعدة أن الشاذ ما خالف الثقة فيه الملأ. وحديث أبي هريرة لا شاهد فيه فضلاً عن قوته إذ قوله "ذبح بقرة بينهن" لا صراحة فيه أنه لم يذبح سواها وإن كان ظاهره ذلك فتعارضه الرواية الصريحة في التعدد – انتهى. وفي هذا التعقب نظر لأن عمارًا ويونس اختلفا في ذلك، عمار وإن كان ثقة صدوقًا فلا يساوي يونس لأنه ثقة حافظ كما تقدم في كلام الحافظ. وقال في التقريب عن عمار

стр. 4190

..................................................................................... ــ الدهني: إنه صدوق، فإذا تعارضا في الوحدة والتعدد ترجح حديث يونس، وقول الزرقاني " أن زيادته ليست مخالفة لغيره " ليس بصحيح، فإن رواية يونس صريحة في نحر البقرة الواحدة عن أزواجه، ورواية عمار صريحة في التعدد ولا يمكن الجمع بينهما، ولا يصح إرادة الجنس في رواية معمر للتاء الفارقة بين الواحدة والجنس. قال العيني: الفرق بين البقرة والبقر كتمرة وتمر وعلى تقدير عدم التاء يحتمل التضحية بأكثر من واحدة – انتهى. واتفق من قال بالاشتراك على أنه لا يكون في أكثر من سبعة إلا إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب فقال: تجزئ عن عشرة، وبه قال إسحاق بن راهويه وابن خزيمة من الشافعية واحتج لذلك في صحيحه وقواه، وبه قال بن حزم، وبسط في إثباته واستدل لذلك بما تقدم من أحاديث عائشة وأبي هريرة وجابر. وأجاب الجمهور عن ذلك بوجوه قال الشوكاني: قد استدل بقول عائشة المذكور على أن البقرة تجزئ عن أكثر من سبعة، فإن الظاهر أنه لم يتخلف أحد من زوجاته يومئذ وهن تسع، ولكن لا يخفى أن مجرد هذا الظاهر لا تعارض به الأحاديث الصريحة الصحيحة الواردة في إجزاء البقرة عن سبعة فقط المجمع على مدلولها. وقيل إن البقرة كانت عن سبع منهن وعن الباقية لعله ذبح غير البقر، ولا يخفى ما فيه. وأجاب ابن القيم بأن أحاديث السبعة أكثر وأصح، وحاصله أن الروايات في ذلك مختلفة، وحديث عائشة يدل على الإجزاء لأكثر من سبعة، لكن أحاديث الإجزاء لسبعة فقط أكثر وأصح فتقدم. تنبيه: اختلف في أن البقرة المذكورة في حديث عائشة عند مالك والشيخين إضحية كانت أو هديًا وبكلا اللفظين وردت الروايات فروى البخاري في الأضاحي ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن ابن القاسم بلفظ " ضحى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر " وأخرجه مسلم من طريق ابن الماجشون عن عبد الرحمن بلفظ " أهدى " بدل " ضحى " قال الحافظ: والظاهر أن التصرف من الرواة لأنه ثبت في الحديث ذكر النحر كما تقدم، فحمله بعضهم على الأضحية، فإن رواية أبي هريرة صريحة في أن ذلك كان عن من اعتمر من نسائه فقويت رواية من رواه بلفظ " أهدى " وتبين أنه هدي التمتع فليس فيه حجة على مالك في قوله " لا ضحايا على أهل منى " وتبين توجيه الاستدلال به على جواز الاشتراك في الهدي والأضحية – انتهى كلام الحافظ. وهذا كما ترى يدل على أنه مال إلى أن البقرة المذكورة كانت هديًا، ونحى في كتاب الأضاحي إلى كونها أضحية حيث قال: قوله " ضحى النبي ﷺ عن أزواجه بالبقر " ظاهر في أن الذبح المذكور كان على سبيل الإضحية وحاول ابن التين تأويله ليوافق مذهبه فقال: المراد أنه ذبحها وقت ذبح الأضحية وهو ضحى يوم النحر، قال: وإن حمل على ظاهره فيكون تطوعًا لا على أنها سنة الأضحية، كذا قال. ولا يخفى بعده، واستدل به الجمهور على أن ضحية الرجل تجزئ عنه وعن أهل بيته، وخالف في ذلك الحنفية، وادعى الطحاوي أنه مخصوص أو منسوخ ولم يأت لذلك بدليل – انتهى. وهذا كما ترى رجح ها هنا خلاف ما رجحه في كتاب الحج. وذهب ابن القيم إلى أن الصواب رواية

стр. 4191

رواه مسلم. ٢٦٥٥ – (٥) وعن عائشة، قالت: فتلت قلائد بدن النبي ﷺ بيدي، ثم قلدها ــ الهدي فقد قال بعد ذكر مذهب ابن حزم " أن الحاج شرع له التضحية مع الهدي ": والصحيح إن شاء الله أن هدي الحاج له بمنزلة الأضحية للمقيم، ولم ينقل أحد أن النبي ﷺ ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية بل كان هديهم هو أضاحيهم فهو هدي بمنى وإضحية بغيرها، وأما قول عائشة " ضحى عن نسائه بالبقر " فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية وأنهن كن متمتعات وعليهن الهدي، فالبقر الذي نحره عنهن هو الهدي الذي يلزمهن – انتهى. لكن تبويب البخاري في كتاب الأضاحي على حديث عائشة المذكور " باب الأضحية للمسافر والنساء " و " باب من ذبح ضحية غيره " يدل على أنه حمل الحديث على الإضحية، ولذلك استدل به لمالك على أن التضحية بالبقر أفضل خلافًا للجمهور إذا قالوا: إن الأفضل البدنة لقوله ﷺ " من راح في الساعة الأولى (إلى الجمعة) فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة " إلى آخره. مع أنه ليس في حديث عائشة تفضيل البقر ولا عموم لفظ. إنما هي قضية عين محتملة لأمور فلا حجة فيها لمالك، واستدل به أيضًا على الأضحية على النساء والأضحية على المسافر وعلى الحاج بمنى وغير ذلك من المسائل ليس هذا موضع تفصيلها. هذا. وقد ترجم البخاري على حديث عائشة كما تقدم " باب ذبح الرجل عن نسائه من غير أمرهن" قال الحافظ: أما قوله من غير أمرهن فأخذه من استفهام عائشة عن اللحم لما دخل به عليها ولو كان ذبحه بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام، لكن ليس ذلك دافعًا للاحتمال فيجوز أن يكون علمها بذلك تقدم بأن يكون استأذنهن في ذلك. لكن لما أدخل اللحم عليها أحتمل عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه، وأن يكون غير ذلك فاستفهمت عنه لذلك، وقال النووي: هذا محمول على أنه ﷺ استأذنهن في ذلك فإن تضحية الإنسان عن غيره لا يجوز إلا بإذنه – انتهى. وهكذا قال الطيبي كما في المرقاة. قلت: وقد تقدم أن عائشة كانت قارنة فهي داخلة في قولها " وضحى عن نسائه بالبقر " لأن القارن يجب عليه دم القران فكان لابد من استيذانها كسائر النساء، والله أعلم (رواه مسلم) من طريق سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، وهو أيضًا من إفراد مسلم لم يخرجه البخاري. ٢٦٥٥ – قوله (فتلت قلائد بدن النبي ﷺ ) القلائد جمع قلادة بكسر القاف وهي ما تعلق بالعنق والبدن بضم الباء وإسكان الدال جمع البدنة بفتح الباء والدال وهي ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها والبدن التثمين والاكتناز وبدن إذا ضخم وبدن بالتشديد إذا أسن (بيدَيّ) بفتح الدال وتشديد الياء على التثنية، وروي بالإفراد على الجنسية. قال الحافظ: فيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها، وفيه دليل على استحباب فتل القلائد للهدي واستخدام الإنسان أهله في مثل هذا (ثم قلدها) زاد في رواية " بيده " قال ابن التين: يحتمل أن يكون قول عائشة

стр. 4192

وأشعرها وأهداها، فما حرم عليه كان أحل له. ــ " ثم قلدها بيده " بيانًا لحفظها للأمر ومعرفتها به ويحتمل أن تكون أرادت أنه ﷺ تناول ذلك بنفسه وعلم وقت التقليد ومع ذلك فلم يمتنع من شيء يمتنع منه المحرم لئلا يظن أحد أنه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد الهدي. وقال الباجي: يحتمل أن تكون أرادت بذلك تبيين حفظها للأمر ومعرفتها من تناول كل شيء منه، ويدل ذلك على اهتبالها بهذا الأمر ومعرفتها به ويحتمل أنها أرادت أن النبي ﷺ تناول ذلك بنفسه وعلم وقت التقليد لئلا يظن أحد أنه استباح محظور الإحرام بعد تقليد هديه وقبل أن يعلم هو بذلك فتبين من ذلك أنه لم يأت شيئًا من هذا إلا وهو عالم بتقليد هديه – انتهى. (وأهداها) أي مع أبي بكر ﵁ في السنة التاسعة، وفي الرواية الآتية دليل استحباب بعث الهدي إلى الحرم وإن لم يسافر معه مرسله ولا أحرم في تلك السنة (فما حرم) بفتح الحاء وضم الراء (عليه) أي على النبي ﷺ (شيء كان أحل له) بصيغة المجهول من الإحلال. وسبب هذا القول من عائشة ﵂ أنها بلغها فتيا ابن عباس ﵄ فيمن بعث هديًا إلى مكة أنه يحرم عليه ما يحرم على الحاج من لبث المخيط وغيره حتى ينحر هديه بمكة فقالت ذلك ردًا عليه لأن باعث الهدي المقيم في بلده لا يصير بمجرد البعث محرمًا فلا يحرم عليه شيء، روى البخاري في " باب إذا بعث بهديه ليذبح (وأقام) لم يحرم عليه شيء " من كتاب الأضاحي بسنده عن مسروق أنه أتى عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين إن رجل يبعث بالهدي إلى الكعبة ويجلس في المصر فيوصي أن تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس، قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس – انتهى. وفي الصحيحين " أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة أن عبد الله بن عباس قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه؟ فقالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس، " أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ بيديه ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيئًا أحله الله له حتى نحر الهدي " وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه رأى رجلاً متجردًا بالعراق فسأل الناس عنه؟ فقالوا: أنه أمر بهديه أن يقلد فلذلك تجرد. قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير فذكرت له ذلك فقال: بدعة ورب الكعبة – انتهى. قال الطحاوي: ولا يجوز عندنا أن يكون ابن الزبير حلف على ذلك أنه بدعة إلا وقد علم أن السنة خلاف ذلك. قال الحافظ: ورواه ابن أبي شيبة عن الثقفي عن يحيى بن سعيد أخبرني محمد بن إبراهيم أن ربيعة أخبره أنه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة في زمان علي متجردًا على منبر البصرة فذكره، فعرف بهذا اسم المبهم في رواية مالك – انتهى. وما ذهب إليه ابن عباس من أن الرجل إذا بعث هديًا يحرم عليه ما يحرم على المحرم من محظورات الإحرام، قال الحافظ: ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية عن أيوب، وابن المنذر من طريق ابن جريج كلاهما

стр. 4193

..................................................................................... ــ عن نافع أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدي يمسك عما يمسك يمسك عنه المحرم إلا أنه لا يلبي. ومنهم قيس بن سعد بن عبادة. أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيب عنه نحو ذلك. وروى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن علي بن الحسين عن عمر وعلي أنهما قالا في الرجل يرسل ببدنته أنه يمسك عما يمسك المحرم. وهذا منقطع. وقال ابن المنذر: قال عمر وعلي وقيس بن سعد وابن عمر وابن عباس والنخعي وعطاء وابن سيرين وآخرون: من أرسل الهدي وأقام حرم عليه ما يحرم على المحرم. وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزبير وآخرون: لا يصير بذلك محرمًا يعني لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم. وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار (ومنهم الأئمة الأربعة) ومن حجة الأولين ما رواه أحمد والطحاوي وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن عطاء عن عبد الملك بن جابر (بن عيتك) عن جابر بن عبد الله قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه وقال: إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي – الحديث. قال الحافظ: وهذا لا حجة فيه لضعف إسناده. قلت: عبد الرحمن بن عطاء ضعفه عبد الحق في أحكامه ووافقه ابن القطان وقال ابن عبد البر: لا يحتج بما انفرد به فكيف إذا خالفه من هو أثبت منه وقد تركه مالك وهو جاره والحديث أخرجه عبد الرزاق من طريق البزار في مسنده عن عبد الرحمن بن عطاء أنه سمع ابني جابر يحدثان عن أبيهما جابر بن عبد الله قال: بينا النبي ﷺ جالس مع أصحابه إذ شق قميصه حتى خرج فسئل فقال: واعدتهم يقلدون هديي اليوم فنسيت – انتهى. وهذا أيضًا لا حجة فيه لما تقدم، وذكره ابن القطان من جهة البزار فقال: ولجابر ثلاثة أولاد: عبد الرحمن ومحمد وعقيل، والله أعلم من هما من الثلاثة – انتهى. وقد ظهر بما قدمنا أن المسألة كان فيها خلاف في السلف من الصحابة والتابعين لكن انقرض هذا الخلاف بعد ذلك واستقر الأمر على أن بمجرد تقليد الهدي وبعثه مع أحد لا يكون الرجل في حكم المحرم ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم. قال الحافظ: جاء عن الزهري ما يدل على أن الأمر استقر على خلاف ما قال ابن عباس ففي نسخة أبي اليمان عن شعيب عنه، وأخرجه البيهقي (ج ٥: ص ٢٣٣) من طريقه قال: أول من كشف العمى عن الناس وبين لهم السنة في ذلك عائشة فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها. قال: فلما بلغ الناس قول عائشة أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس – انتهى. قلت: وها هنا مسألة أخرى خلافية بين الأئمة ربما تلتبس على بعض الناس بالمسألة الأولى المتقدمة وهي أن من قلد الهدي وتوجه معه أي ساقه معه وأراد النسك هل يكون بتقليد الهدي وسوقه معه محرمًا أم لا؟ فقال الحنفية يصير بالتقليد والتوجه معه ونية النسك محرمًا خلافًا لمالك والشافي. قال الحافظ: ذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أن من أراد النسك صار بمجرد تقليده الهدي محرمًا حكاه ابن المنذر عن الثوري وأحمد وإسحاق. قال: وقال أصحاب الرأي: من ساق الهدي وأم البيت ثم قلد وجب عليه الإحرام.

стр. 4194

متفق عليه. ٢٦٥٦ – (٦) وعنها، قالت: فتلت قلائدها من عهن كان عندي، ثم بعث بها مع أبي. ــ وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرمًا ولا يجب عليه شيء – انتهى. وفي الهداية: من قلد بدنة تطوعًا أو نذرًا أو جزاء صيد وتوجه معها يريد الحج فقد أحرم لقوله ﷺ : من قلد بدنة فقد أحرم. ولأن سوق الهدي في معنى التلبية في إظهار الإجابة لأنه لا يفعله إلا من يريد الحج أو العمرة، وإظهار الإجابة قد يكون بالفعل كما يكون بالقول فيصير به محرما لاتصال النية بفعل هو من خصائص الإحرام، فإن قلدها وبعث بها ولم يسقها لم يصر محرمًا لما روي عن عائشة قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ فبعث بها وأقام في أهله حلالاً – انتهى. قال ابن الهمام: أفاد أنه لابد من ثلاثة: التقليد والتوجه معها، ونية النسك، وقوله لقوله ﷺ : من قلد بدنة، إلخ. غريب مرفوعًا، ووقفه ابن أبي شيبه في مصنفه على ابن عباس وابن عمر – انتهى مختصرًا بقدر الضرورة. واستدل الزيلعي على الكنز بقول ابن عمر المذكور ثم قال: والأثر في مثله كالمرفوع وهو محمول على ما إذا ساقه لحديث عائشة المذكور أي جمع بين أثر ابن عمر وحديث عائشة. قلت: الراجح عندنا أنه لا يصير الرجل محرمًا بمجرد تقليد الهدي وسوقه معه حتى يلبي مع نية النسك، لأن إيجاب الإحرام يحتاج إلى دليل وقد دلت النصوص على أنه لا يجب الإحرام إلا إذا بلغ الميقات وأراد مجاوزته، وأما قبل الوصول إلى الميقات فلم يقم دليل على أنه يصير محرمًا أو يجب عليه الإحرام بمجرد تقليد الهدي أو سوقه. أما أثر ابن عمر وابن عباس فهو معارض لحديث عائشة المرفوع، وحمله على سوق الهدي والتوجه معه خلاف الظاهر، ولا دليل على أن التقليد والسوق يقوم مقام التلبية. تنبيه قال الحافظ: ما وقع في الأحاديث من استحباب التقليد والإشعار وغير ذلك يقتضي أن إظهار التقرب بالهدي أفضل من إخفاءه والمقرر أن إخفاء العمل الصالح غير الفرض أفضل من إظهاره فأما أن يقال إن أفعال الحج مبنية على الظهور كالإحرام والطواف والوقوف فكان الإشعار والتقليد كذلك فيخص الحج من عموم الإخفاء، وأما أن يقال: لا يلزم من التقليد والإشعار إظهار العمل الصالح، لأن الذي يهديها يمكنه أن يبعثها مع من يقلدها ويشعرها ولا يقول إنها لفلان فتحصل سنة التقليد مع كتمان العمل – انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي وأخرج الترمذي معناه. ٢٦٥٦ – قوله (فتلت قلائدها) أي قلائد بدن النبي من (عهن) بكسر المهملة وسكون الهاء أي صوف مصبوغ بأي لون كان، وقيل هو الأحمر خاصة (كان عندي) صفة عهن (ثم بعث بها) أي بالبدن المقلدة (مع أبي) بفتح الهمزة، وكسر الموحدة الخفيفة تريد بذلك أباها أبا بكر الصديق، واستفيد من ذلك وقت البعث وأنه كان في سنة تسعة عام حج أبو بكر بالناس. قال ابن التين: أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصة، ويحتمل أن تريد أنه آخر فعل النبي ﷺ -

стр. 4195

متفق عليه. ٢٦٥٧ – (٧) وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: " اركبها ". فقال: إنها بدنة. قال: " اركبها ". فقال: إنها بدنة. قال: " اركبها ويلك ". ــ لأنه حج في العام الذي يليه حجة الوداع لئلا يظن ظان أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ، فأرادت إزالة هذا اللبس وأكملت ذلك بقولها (كما في رواية) : فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله له حتى نحر الهدي أي وانقضى أمره ولم يحرم، وترك إحرامه بعد ذلك أحرى وأولى، لأنه إذا انتفى في وقت الشبهة فلأن ينتفي عند انتفاء الشبهة أولى، كذا في الفتح، وفي رواية لمسلم ((فأصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الحلال من أهله)) والحديث يدل على ما دل عليه الحديث السابق. قال الحافظ: وفيه رد على من كره القلائد من الأوبار واختار أن تكون من نبات الأرض، وهو منقول عن ربيعة ومالك. وقال ابن التين: لعله أراد أنه الأولى مع القول بجواز كونها من الصوف والله أعلم. وفي حديث عائشة هذا والذي قبله دلالة على استحباب إرسال الهدي لمن لم يرد الحج وأنه يقلده ويشعره من بلده بخلاف من يخرج بهديه يريد الحج أو العمرة فإنه إنما يشعره ويقلده حين يحرم من الميقات كما تقدم (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج ٥: ص ٢٣٣) ٢٦٥٧ – قوله (رأى رجلاً) قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد طول البحث، وقال العيني: لم يدر اسمه (يسوق بدنة) بفتحات. قال الحافظ: كذا في معظم الأحاديث، ووقع لمسلم من طريق بكير بن الأخنس عن أنس ﵁ ((مر على النبي ﷺ ببدنة أو هدية)) ولأبي عوانة من هذا الوجه ((أو هدي)) وهو مما يوضح أنه ليس المراد بالبدنة مجرد مدلولها اللغوي. قال القسطلاني: البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة وهي بالإبل أشبه، وكثر استعمالها فيما كان هديًا، ولمسلم من طريق المغيرة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ((بينا رجل يسوق بدنة مقلدة)) وكذا في طريق همام عن أبي هريرة، وللبخاري وأحمد (ج ٢: ص ٢٧٨) من طريق عكرمة عن أبي هريرة: فلقد رأيته راكبًا يساير النبي ﷺ والنعل في عنقها (فقال: اركبها) زاد النسائي من طريق سعيد عن قتادة، والجوزقي من طريق حميد عن ثابت كلاهما عن أنس ((وقد جهده المشي)) ولأبي يعلى من طريق الحسن عن أنس ((حافيًا)) لكنها ضعيفة (فقال: إنها بدنة) قال الحافظ: تبين بما تقدم من الطرق أنه أطلق البدنة على الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام ولو كان المراد مدلولها اللغوي لم يحصل الجواب بقوله ((إنها بدنة)) لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظن أنه خفي على النبي ﷺ كونها هديًا فلذلك قال: إنها بدنة، والحق أنه لم يخف ذلك على النبي ﷺ لكونها كانت مقلدة، ولهذا قال له لما زاد في مراجعته ((ويلك)) (قال: اركبها ويلك) ووقع في رواية أحمد (ج ٢: ص ٢٥٤) وابن ماجى ((اركبها ويحك)) قال الهروي: ويل كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها، وويح لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وكان الأصمعي يقول:

стр. 4196

في الثانية أو الثالثة. ــ ((ويل)) كلمة عذاب و ((ويح)) كلمة رحمة. وقال سيبويه: ((ويح)) زجر لمن أشرف على هلكة. وفي الحديث ((ويل واد في جهنم)) وكل ذلك أصل معنى الكلمة، ولكن الظاهر المتبادر أنه ﷺ قالها زاجرًا وتأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه. قال القرطبي: قالها له تأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه. وبهذا جزم ابن عبد البر وابن العربي وبالغ حتى قال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا. قال: ولولا أنه ﷺ اشترط على ربه ما اشترط لهلك ذلك الرجل لا محالة. قال القرطبي: ويحتمل أن يكون فهم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها فزجره عن ذلك، فعلى الحالتين هي إنشاء، ورجحه عياض وغيره، قالوا: والأمر ها هنا وإن قلنا أنه للإرشاد لكنه استحق الذم بتوقفه على امتثال الأمر، والذي يظهر أنه ما ترك الامتثال عنادًا، ويحتمل أن يكون ظن أنه يلزمه غرم بركوبها أو إثم، وأن الإذن الصادر له بركوبها إنما هو للشفقة عليه فتوقف، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال، وقيل لأنه كان أشرف على هلكة من الجهد، وويل كلمة تقال لمن وقع في هلكة فالمعنى: أشرفت على الهلكة فاركب، فعلى هذا فهي إخبار، وقيل: هي كلمة تدعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها تجري على لسانهم في المخاطبة من غير قصد لمدلولها كما قيل في قوله ﵊: تربت يداك، عقرى حلقى، أفلح وأبيه، وكما تقول العرب: لا أم له، لا أب له، قاتله الله، ما أشجعه، وأشباه ذلك، ويقويه ما وقع بدله ((ويحك)) عند أحمد فإذًا لا يكون إنشاء ولا إخبارًا (في الثانية) أي في المرة الثانية (أو الثالثة) أي أو قال ذلك في المرة الثالثة، وهذا شك من الراوي. قال القاري: في الثانية أو الثالثة أي في إحدى المرتين متعلق به قال، وفي رواية همام عن أبي هريرة عند مسلم ((قال له رسول الله ﷺ : ويلك اركبها، فقال: بدنة يا رسول الله، قال: ويلك اركبها، ويلك اركبها)) قال الولي العراقي: فإن قلت: في هذه الرواية أنه ﵊ بدأه بقوله: ويلك، ثم قاله له في المرة الثانية والثالثة، وفي الرواية الأولى أنه قال له ذلك في الثانية أو الثالثة فكيف الجمع بينهما؟ قلت: يحتمل أنه قال له ذلك في الأولى لأمر دنيوي وهو ما حصل له من الجهد والمشقة بالمشي فكان محتاجًا إلى الركوب، وقال له ذلك في الثانية أو الثالثة لأمر ديني وهو مراجعته للنبي ﷺ وتأخر امتثاله أمره – انتهى. والحديث يدل على جواز ركوب الهدي سواء كان واجبًا أو متطوعًا به لكونه ﷺ لم يفصل في قوله ولا استفصل صاحب الهدي عن ذلك وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال فدل على أن الحكم لا يختلف بذلك، وأصرح من هذا ما أخرجه أحمد (ج ١: ص ١٢١) من حديث علي أنه سئل يركب الرجل هديه؟ فقال: لا بأس به قد كان النبي ﷺ يمر بالرجال يمشون فيأمرهم يركبون هديه أي هدي النبي ﷺ . قال: ولا تتبعون شيئًا أفضل من سنة نبيكم ﷺ ، قال الحافظ: إسناده صالح – انتهى. وقد اختلفوا في ركوب الهدي على أقوال يأتي بيانها في شرح حديث جابر، وفي الحديث تكرير العالم للفتوى والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر وزجر من لم يبادر إلى ذلك وتوبيخه وجواز

стр. 4197

متفق عليه. ٢٦٥٨ – (٨) وعن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: " اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا ". ــ مسايرة الكبار في السفر، وأن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير لا يأنف عن إرشاده إليها، واستنبط البخاري من هذا الحديث جواز انتفاع الواقف بوقفه حيث بوب على هذا الحديث ((باب هل ينتفع الواقف بوقفه؟)) قال: وقد اشترط عمر لا جناح على من وليه أن يأكل، وقد يلي الواقف وغيره. قال: وكذلك من جعل بدنة أو شيئًا لله فله أن ينتفع بها كما ينتفع غيره وإن لم يشترط – انتهى. فهذا كما ترى أشار إلى إلحاق الوقف في ذلك بالهدي. قال الحافظ: وهو موافق للجمهور في الأوقاف العامة، أما الخاصة فالوقف على النفس لا يصح عند الشافعية ومن وافقهم (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الوصايا وفي الأدب، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٢٤٥، ٢٥٤، ٢٧٨) ومالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وابن أبي شيبة وأبو الشيخ ابن حبان في الأضاحي وابن الجارود في المنتقى، وفي الباب عن أنس أخرجه أحمد والشيخان والنسائي والترمذي وابن ماجه والبيهقي والدارمي، وأبو الشيخ ابن حبان في الضحايا. ٢٦٥٨ – قوله (وعن أبي الزبير) اسمه محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي روى عن العبادة الأربعة وجابر وأبي الطفيل وسعيد بن جبير وعكرمة وغيرهم، وروى عنه عطاء وهو من شيوخه والزهري وابن جريج ومالك والأعمش وهشام بن عروة وأبو عوانة وخلق كثير، وهو من رجال الستة. قال الحافظ في التقريب: صدوق إلا أنه يدلس، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومائة (اركبها بالمعروف) أي بوجه لا يلحقها ضرر (إذا ألجئت إليها) أي إذا اضطررت إلى ركوبها (حتى تجد ظهرًا) أي مركوبًا آخر. والحديث يدل على جواز ركوب الهدي عند الضرورة وقد اختلفوا في هذا على أقوال، والأول: الجواز مطلقًا، وهذا هو الذي جزم به الرافعي والنووي في مناسكه، وفي الروضة في كتاب الضحايا، وحكاه في شرح المهذب عن الماوردي والقفال وحكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير وأحمد وإسحاق وكذا حكاه النووي في شرحي مسلم والمهذب عنهم وعن مالك في رواية وعن أهل الظاهر، وحكاه الخطابي في المعالم عن أحمد وإسحاق وصرح عنهما بأنهما لم يشترطا منه حاجة إليها، ورواه ابن نافع عن مالك كما في الزرقاني. الثاني الجواز بشرط الاحتياج لذلك لا مطلقًا فلا يركبها من غير حاجة، نقله النووي في شرح المهذب عن أبي حامد والبندنيجي وغيرهما. وقال الرؤياني: تجويزه بغير حاجة يخالف النص وهو الذي نقله الترمذي عن الشافعي وأحمد وإسحاق حيث قال: وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم في ركوب البدنة إذا احتاج إلى ظهرها وهو

стр. 4198

.............................................................................................. ــ قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال النووي في شرح مسلم: مذهب الشافعي أنه يركبها إذا احتاج ولا يركبها من غير حاجة، وبهذا قال ابن المنذر وجماعة وهو رواية عن مالك – انتهى. وبه جزم في الروض المربع من فروع الحنابلة حيث قال: ويركب لحاجة فقط بلا ضرر، وقال في المغني: وله ركوبه عند الحاجة على وجه لا يضر به. قال أحمد: لا يركبه إلا عند الضرورة. وهو قول الشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي. الثالث: الجواز بشرط الاضطرار لذلك فلا تركب إلا عند شدة الحاجة والاضطرار إليه، وهو المنقول عن جماعة من التابعين كالشعبي والحسن البصري وعطاء ابن أبي رباح. قال الولي العراقي: وهو الذي يقتضيه نص الشافعي فإنه قال: يركب الهدي إذا اضطر إليه. وإن كان النووي استشهد به للتجويز بشرط الحاجة، فقد علم أن الضرورة أشد من الحاجة. وكذا نقله ابن المنذر والخطابي عن الشافعي فقالا: وقال الشافعي يركبها إذا اضطر ركوبًا غير فادح ولا يركبها إلا من ضرورة. ورواه البيهقي عن عروة بن الزبير وهو قول أبي حنيفة وأصحابه فلذلك قيده صاحب الهداية من الحنفية بالاضطرار إلى ذلك. وهو قول الثوري إذ قال: لا يركب إلا إذا اضطر، وبه جزم الدردير والدسوقي إذ قيداه بالاضطرار لجواز ابتداء الركوب لا الدوام. قال الحافظ: وقال ابن العربي عن مالك: يركب للضرورة فإذا استراح نزل، ومقتضى من قيده بالضرورة أن من انتهت ضرورته لا يعود إلى ركوبها إلا من ضرورة أخرى. والدليل على اعتبار هذه القيود الثلاثة وهي الاضطرار والركوب بالمعروف وانتهاء الركوب لانتهاء الضرورة ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعًا بلفظ ((اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا)) فإن مفهومه أنه إذا وجد غيرها تركها. وروى سعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي قال: يركبها إذا أعيي قدر ما يستريح على ظهرها. الرابع: الجواز مع الكراهة من غير حاجة، نسبه ابن عبد البر إلى الشافعي ومالك. الخامس: المنع مطلقًا، نقله ابن العربي عن أبي حنيفة وشنع عليه، ورده الحافظ والعيني فإن مذهبه الإباحة عند الاضطرار كما تقدم. السادس: وجوب ذلك مطلقًا حكاه ابن عبد البر والقاضي عياض عن بعض أهل الظاهر تمسكًا بظاهر الأمر ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من إكرام البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وإهمالها بلا ركوب. ورده ابن عبد البر بأن الذين ساقوا الهدي في عهد النبي ﷺ كانوا كثيرًا ولم يأمر أحدًا منهم بذلك – انتهى. وتعقبه الحافظ فقال: وفيه نظر لما تقدم من حديث علي عند أحمد. وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح رواه أبو داود في المراسيل عن عطاء كان النبي ﷺ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركبها غير منهكها. قال الحافظ: ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعين طريقًا إلى إنقاذ مهجة إنسان من الهلاك – انتهى. قال الولي العراقي: من قال بالجواز مطلقًا تمسك بظاهر حديث أبي هريرة، فإنه ﵊ أمر بذلك، والأمر هنا للإباحة، ولم يقيد ذلك بشيء (واستدلوا أيضًا بقوله تعالى ﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى﴾ (٢٢: ٣٣) على أحد

стр. 4199

................................................................................. ــ التفسيرين، ولا تنتهض به الحجة لأنه محمول على كونه تدعوه للحاجة أو الضرورة إلى ذلك بدليل حديث جابر فهو أخص في محل النزاع) قال العراقي: ومن قيد الجواز بالحاجة أو الضرورة قال: هذه واقعة محتملة وقد دلت رواية أخرى على أن هذا الرجل كان محتاجًا للركوب أو مضطرًا له، روى النسائي عن أنس أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة وقد جهده المشي قال: اركبها – الحديث. ثم ذكر العراقي حديث جابر الذي نحن في شرحه ثم قال: ومن منع مطلقًا فهذا الحديث حجة عليه، ولعله لم يبلغه، ومن أوجب فإنه حمل الأمر على الوجوب، ووجهه أيضًا مخالفة ما كانت الجاهلية عليه من إهمال السائبة والبحيرة والوصيلة والحام بلا ركوب. ودليل الجمهور أنه ﷺ أهدى ولم يركب هديه ولم يأمر الناس بركوب الهدايا. قلت: القول الراجح عندي هو أنه إن دعته ضرورة لركوب الهدي جاز وإلا فلا، وذلك لأن حديث جابر عند مسلم صريح في أن ركوب الهدي إنما يجوز بالمعروف إذا احتاج إليه واضطر لذلك، فإن زالت الضرورة بوجود ظهر يركبه غير الهدي ترك ركوب الهدي، فالقيد الذي في حديث جابر يقيد به حديث أبي هريرة وما في معناه الخالي عن القيد لوجوب حمل المطلق على المقيد عند جماهير العلماء لا سيما إن اتحد الحكم والسبب كما هنا، ويفيد المعنى منع الركوب مطلقًا فإنه جعلها كلها لله تعالى فلا ينبغي أن يصرف منها شيئًا لمنفعة نفسه لكن السمح ورد بإطلاقه بشرط الحاجة رخصة فيبقى فيما وراءه على المنع الأصلي الذي هو مقتضى المعنى، واعلم أن محل جواز ركوب الهدي ما لم يضر به الركوب، وهذا متفق عليه بينهم، وعليه يدل قوله ﷺ في حديث جابر ((اركبها بالمعروف)) ومتى نقصت بالركوب ضمن النقصان عند الشافعية والحنفية والحنابلة، ومقتضى نقل ابن عبد البر عن مالك أنه لا يضمن. قال الطحاوي في اختلاف العلماء قال أصحابنا والشافعي: يركب إذا احتاج، فإن نقصه ذلك ضمن. وقال مالك: لا يركب إلا عند الحاجة، فإن ركب لم يغرم، وصرح في الهداية وغيرها من فروع الحنفية بأنه لو ركبها فانتقص بركوبه فعليه ضمان ما نقص. وقال ابن قدامة في الشرح الكبير: وله ركوبها عند الحاجة ما لم يضر بها. قال أحمد: لا يركبها إلا عند الضرورة، وهو قول الشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي لأن النبي ﷺ قال: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا، ولأنه تعلق بها حق المساكين فلم يجز ركوبها من غير ضرورة كملكهم، وإنما جوزناه عند الضرورة للحديث، فإن نقصها الركوب ضمن النقص لأنه تعلق بها حق غيره، وفي الركوب مع عدم الحاجة روايتان إحداهما لا يجوز لما ذكرنا، والثانية يجوز لحديث أبي هريرة وأنس – انتهى. واختلف المجيزون في أن جواز الركوب المقيد بالحاجة أو الضرورة هل ينتهي بانتهاء الحاجة أو يمتد إلى ما بعد ذلك، وهما قولان لمالك، فقال الجمهور يتقيد بذلك وينتهي بانتهاء الحاجة كما تقدم في بيان القول الثالث ما قال الحافظ من أن مقتضي من قيده بالضرورة أن من انتهت ضرورته لا يعود إلى ركوبها إلا من ضرورة أخرى. وقال عياض: قوله ﷺ ((إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا)) فيه حجة لأحد قولي

стр. 4200

رواه مسلم. ٢٦٥٩ – (٩) وعن ابن عباس، قال: بعث رسول الله ﷺ ستة عشر بدنة ــ مالك أنه إذا ركب واستراح ينزل، قال إسماعيل: وهذا الذي يدل عليه المذهب. وقال ابن القاسم: لا يلزمه النزول لأنه أبيح له الركوب فجاز له الاستصحاب. وقال الأبي: قوله حتى يجد ظهرًا يرد قول ابن القاسم لأنه إذا زال العذر صار دوام ركوبه كابتداءه لا لعذر – انتهى. لكن مختار الدردير هو قول ابن القاسم حيث قال: فإن ركب حينئذ أي حين كان مضطرًا فلا يلزم النزول بعد الراحة وإنما يندب فقط. قال الدسوقي: فإن نزل بعد الراحة فلا يركبها ثانيًا إلا إذا اضطر كالأول. واختلفوا أيضًا هل يحمل عليها متاعه فمنعه مالك وأجازه الجمهور قياسًا للحمل على الركوب، ورواه ابن أبي شيبة عن عطاء وطاوس، وهل يحمل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضًا على التفصيل المتقدم من جوازه مطلقًا أو بقيد الحاجة أو الضرورة. قال الولي العراقي: قال أصحابنا: كما يجوز له الركوب بنفسه يجوز له إقامة غيره في ذلك مقام نفسه بالعارية فله أن يعيرها لركوب غيره، وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه قال: له أن يحمل المعي والمضطر على هديه ومنعوا إجارتها لأنها بيع للمنافع، ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها، وأما لبنها فقال الطحاوي: قال أصحابنا والشافعي: إن احتلب منها شيئًا تصدق به فإن أكله تصدق بثمنه، وقال مالك: لا يشرب من لبنه فإن شرب لم يغرم – انتهى. قال الشنقيطي: والظاهر أن شرب ما فضل من لبنها عن ولدها لا بأس به لأنه لا ضرر فيه عليها ولا على ولدها، وقال ابن قدامة في المغني: وللمهدي شرب لبن الهدي لأن بقاءه في الضرع يضر به، فإذا كان ذا ولد لم يشرب إلا ما فضل عن ولده لما رواه سعيد بن منصور والأثرم عن علي أنه أتاه رجل ببقرة قد أولدها فقال له: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم الأضحى ضحيت بها وولدها عن سبعة. قال ابن قدامة: فإن شرب ما يضر بالأم أو ما لا يفضل عن الولد ضمنه لأنه تعدى بأخذه – انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وابن الجارود. ٢٦٥٩ – قوله (بعث رسول الله ﷺ ستة عشر بدنة) كذا وقع في جميع نسخ المشكاة، وفي صحيح مسلم ((ست عشرة)) وهكذا في جامع الأصول ونسخ المصابيح. قال الطيبي: كلاهما صحيح، لأن البدنة تطلق على الذكر والأنثى – انتهى. واختلفت الروايات في مقدار البدن التي بعث بها رسول الله ﷺ ، ففي هذا الرواية أنها ست عشر بدنة، وفي أخرى عند مسلم أيضًا أنها ثماني عشرة، ويمكن الجمع بتعدد القصة أو يصار إلى ترجيح الرواية المشتملة على الزيادة إن كانت القصة واحدة، قاله الشوكاني. وقال النووي: يجوز أنهما قضيتان، ويجوز أن تكون قضية واحدة والمراد ثمان عشرة، وليست في قوله ((ست عشرة)) نفي الزيادة لأنه مفهوم عدد ولا عمل عليه، والله أعلم – انتهى. وأسند الواقدي

стр. 4201

مع رجل، وأمره فيها، فقال: يا رسول الله! كيف أصنع بما أبدع علي منها؟ قال: " انحرها، ثم اصبغ نعليها في دمها، ثم اجعلها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك ". ــ في أول غزوة الحديبية القصة بطولها، وفيها أنه ﵊ استعمل على هديه ناجية بن جندب الأسلمي وأمره أن يتقدمه بها، وقال: كان سبعين بدنة. قال القاري: نقل الواقدي مخالف لرواية مسلم اللهم إلا أن يقال العدد المذكور في رواية مسلم مختص بخدمة ناجية له، والباقي لغيره من رفقائه كما يدل عليه قوله: وأمره فيها (مع رجل) أي ناجية الأسلمي قاله القاري (وأمره) بتشديد الميم أي جعله أميرًا (فيها) أي لينحرها بمكة (فقال يا رسول الله) وفي مسلم ((قال: مضى ثم رجع فقال: يا رسول الله)) (كيف أصنع بما أُبْدِعَ) بضم الهمزة وإسكان الباء وكسر الدال وفتح العين بصيغة المبني للمفعول (على) أي بما حبس على من الكلال (منها) أي من تلك البدن، يقال أبدعت الراحلة إذا كلت وأعيت حتى وقفت من الإعياء، وأبدع بالرجل على بناء المجهول إذا انقطعت راحلته به لكلال، ولذا لم يقل أبدع بي لأنه لم يكن هو راكبًا لأنها كانت بدنة يسوقها بل قال: أبدع على لتضمين معنى الحبس كما ذكرنا (ثم اصبغ) بضم الموحدة ويجوز فتحا وكسرها (نعليها) وفي حديث ابن عباس عن ذويب أبي قبيصة عند مسلم أيضًا ((نعلها)) بالإفراد، أي التي قلدتها في عنقها (في دمها) ليعلم أنه هدي عطب فينبغي أن يأكله من يجوز له أكله، وحكي عن مالك أنه قال: أمره بذلك ليعلم أنه هدي فلا يستباح إلا على الوجه الذي ينبغي (ثم اجعلها على صفحتها) قال القاري: أي كل واحدة من النعلين على صفحة من صفحتي سنامها – انتهى. وقوله ((ثم اجعلها)) كذا في جميع نسخ المشكاة، وفي صحيح مسلم ((ثم اجعله)) وهكذا في جامع الأصول، وفي المصابيح ((ثم اجعلهما)) أي بضمير التثنية، وفي حديث ذويب ((ثم اضرب به صفحتها)) (ولا تأكل منها أنت) للتأكيد (ولا أحد (أي ولا يأكل أحد (من أهل رُفْقتك) بضم الراء وسكون الفاء، وفي القاموس: الرفقة مثلثة، وقال الشوكاني: الرفقة بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان، أي رفقاؤك فأهل زائد، وقال البوصيري: بضم الراء وكسرها وسكون الفاء جماعة ترافقهم في سفرك والأهل مقحم. قال الطيبي: سواء كان فقيرًا أو غنيًا، وإنما منعوا ذلك قطعًا لأطماعهم لئلا ينحرها أحد ويتعلل بالعطب – انتهى. قال النووي: وفي المراد بالرفقة وجهان لأصحابنا، أحدهما أنهم الذين يخالطون المهدى في الأكل وغيره دون باقي القافلة. والثاني وهو الأصح الذي يقتضيه ظاهر نص الشافعي وكلام جمهور أصحابنا أن المراد بالرفقة جميع القافلة، لأن السبب الذي منعت به الرفقة هو خوف تعطيبهم إياه، وهذا موجود في جميع القافلة. فإن قيل: إذا لم تجوزوا لأهل القافلة أكله وقلتم بتركه في البرية كان طعمة للسباع، وهذا إضاعة مال. قلنا: ليس فيه إضاعة مال بل العادة الغالبة أن سكان البوادي وغيرهم يتتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطة ونحو ذلك، وقد تأتي قافلة في أثر قافلة، والله أعلم – انتهى. والحديث يدل على أن من بعث معه هدي إلى الحرم فعطب في الطريق

стр. 4202

................................................................................. ــ قبل بلوغ محله أنه ينحره ثم يصبغ نعليه في دمه ويضرب بالنعل المصبوغ بالدم صفحة سنامها ليعلم من مر بها أنها هدي ويخلي بينها وبين الناس ولا يأكل منها هو لا أحد من أهل رفقته. والظاهر أن علة منعه ومنع رفقته هو سد الذريعة لئلا يتوسل هو أو بعض رفقته إلى نحره بدعوى أنه عطب أو بالتسبب له في ذلك للطمع في أكل لحمه لأنه صار للفقراء وهم يعدون أنفسهم من الفقراء، والظاهر عدم الفرق بين هدي التطوع والفرض لكن خصص ذلك بهدي التطوع لأن الهدي الذب بعثه النبي ﷺ كان هدي تطوع، والظاهر أنه لا يجوز الأكل منه للأغنياء بل للفقراء. واختلف الفقهاء في حكم هدي التطوع إذا عطب قبل محله. قال الشنقيطي: أما هدي التطوع فالظاهر أنه إن عطب في الطريق ألقيت قلائده في دمه وخلى بينه وبين الناس وإن كان له سائق مرسل معه لم يأكل منه هو ولا أحد من رفقته، وليس لصاحبه الأكل منعه عند مالك وأصحابه وهو ظاهر مذهب أحمد وليس عليه بدله لأنه لم يتعلق بذمته. قلت: مذهب مالك على ما يدل عليه فروع المالكية وكلام ابن قدامة أنه يجوز أكله للرفقاء مطلقًا سواء كانوا أغنياء أو فقراء فضلاً عن غير الرفقة ولا يجوز لصاحبه ولو فقيرًا ولا لرسوله ولا يجوز له الأمر لأحد أن يأكل ولا أن يفرقه على الناس بل يخلي بينه وبينهم، وارجع للتفصيل إلى المغني (ج ٣: ص ٥٣٧، ٥٣٨) وحملت المالكية حديث ابن عباس على سد الذريعة كما جزم به المازري والقرطبي والزرقاني والأبي. قال الشنقيطي: وأما مذهب الشافعي وأصحابه فهو أن هدي التطوع باق على ملك صاحبه فله ذبحه وأكله وبيعه وسائر التصرفات فيه ولو قلده، لأنه لم يوجد منه إلا نية ذبحه والنية لا تزيل ملكه عنه حتى يذبحه بمحله، فلو عطب في الطريق فلمهديه أن يفعل به ما يشاء من بيع وأكل وإطعام لأنه لم يزل في ملكه ولا شيء عليه في شيء من ذلك. قلت: وهكذا ذكر مذهب الشافعي النووي في شرح مسلم وفي مناسكه والطيبي والقسطلاني، وحمل الطيبي حديث ابن عباس على الهدي الواجب حيث حكى القاري عنه في شرح حديث ابن عباس تحت قوله ((ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك)) أنه قال: سواء كان فقيرًا أو غنيًا هذا إذا أوجبه على نفسه، وأما إذا كان تطوعًا فله أن ينحره ويأكل منه، فإن مجرد التقليد لا يخرجه عن ملكه – انتهى. قال الشنقيطي: وأما مذهب أبي حنيفة في هدي التطوع إذا عطب في الطريق قبل بلوغ محله فهو أنه لا يجوز لمهديه الأكل منه ولا لغني من الأغنياء، وإنما يأكله الفقراء. قلت: حاصل مذهب الحنفية أكله للفقراء سواء كانوا رفقة أم لا، ولا يجوز للأغنياء مطلقًا. قال الزيلعي في التبيين: حديث ابن عباس محمول على أنه ورفقته كانوا أغنياء. قال الشنقيطي: ووجه قول من قال: إن هدي التطوع إذا عطب في الطريق لا يجوز لمهديه أن يأكل منه، هو أن الإذن له في الأكل جاء النص به بعد بلوغه ملحه، أما قبل بلوغه محله فلم يأت الإذن بأكله، ووجه خصوص الفقراء به لأنه حينئذ يصير صدقة لأن كونه صدقة خير من أن يترك للسباع تأكله، هكذا قالوا، والعلم عند الله تعالى – انتهى. وأما حكم الهدي الواجب إذا عطب قبل محله فقال

стр. 4203

.................................................................................. ــ الخرقي: من ساق هديًا واجبًا فعطب دون محله صنع به ما شاء وعليه مكانه، قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٥٣٤) الواجب من الهدي قسمان: أحدهما وجب بالنذر في ذمته، والثاني وجب بغيره، كدم التمتع والقرآن والدماء الواجبة بترك واجب أو فعل محظور، وجميع ذلك ضربان، أحدهما أن يسوقه ينوي به الواجب الذي عليه من غير أن يعينه بالقول، فهذا لا يزول ملكه عنه إلا بذبحه ودفعه إلى أهله، وله التصرف فيه بما شاء من بيع وهبة وأكل وغير ذلك، وإن عطب تلف من ماله، وإن تعيب لم يجزئه ذبحه، وعليه الهدي الذي كان واجبًا، الضرب الثاني أن يعين الواجب عليه بالقول فيقول: هذا الواجب عليّ، فإنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة منه، فإن عطب أو سرق أو ضل أو نحو ذلك لم يجزه وعاد الوجوب إلى ذمته وهذا كله لا نعلم فيه مخالفًا، ورُوي عن أحمد أنه يذبح المعيب وما في ذمته جميعًا، ولا يرجع المعين إلى ملكه. ثم قال الخرقي: وإن ساقه تطوعًا نحره موضعه وخلى بينه وبين المساكين ولم يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته ولا بدل عليه، قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٥٣٧) : من تطوع بهدي غير واجب لم يخل من حالين: أحدهما أن ينوي به هديًا ولا يوجب بلسانه ولا بإشعاره وتقليده، فهذا لا يلزمه إمضاؤه وله أولاده ونماؤه والرجوع فيه متى شاء ما لم يذبحه لأنه نوى الصدقة بشيء من ماله فأشبه ما لو نوى الصدقة بدرهم. الثاني أن يوجب بلسانه فيقول هذا هدي أو يقلده أو يشعره ينوي بذلك إهداءه فيصير واجبًا معينًا يتعلق الوجوب بعينه دون ذمة صاحبه ويصير في يدي صاحبه كالوديعة يلزمه حفظه وإيصاله إلى محله، فإن تلف بغير تفريط منه أو سرق أو ضل لم يلزمه شيء لأنه لم يجب في الذمة، إنما تعلق الحق بالعين فسقط بتلفها كالوديعة، وقد روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أهدى تطوعًا ثم ضلت فليس عليه البدل إلا أن يشاء، فإن كان نذرًا فعليه البدل، فأما إن أتلفه أو تلف بتفريطه فعليه ضمانه، لأنه أتلف واجبًا لغيره فضمنه كالوديعة، وإن خاف عطبه أو عجز عن المشي وصحبة الرفاق نحره موضعه وخلى بينه وبين المساكين ولم يبح له أكل شيء منه، ولا لأحد من صحابته، وإن كانوا فقراء ويستحب له أن يضع نعل الهدي المقلد في عنقه في دمه ثم يضرب به صفحته ليعرفه الفقراء فيعلموا أنه هدي وليس بميتة فيأخذوه – انتهى. وقال عياض: أما ما عطب من الهدى الواجب قبل النحر فقال مالك والجمهور: يأكل منه صاحبه والأغنياء لأن صاحبه يضمنه لأنه تعلق بذمته، واختلف هل له بيعه فمنعه مالك وأجازه الجمهور – انتهى. وهكذا ذكر ابن رشد، والأبي في الإكمال، وأما مذهب الشافعية فقال النووي في شرح مسلم: إن كان هديًا منذورًا لزمه ذبحه، فإن تركه حتى هلك لزمه ضمانه كما لو فرط في حفظ الوديعة حتى تلفت، فإذا ذبحه غمس نعله التي قلده إياها في دمه ليعلم من مر به أنه هدي فيأكله ولا يجوز للمهدي ولا لسائق هذا الهدي الأكل منه، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقًا، لأن الهدي مستحق للمساكين فلا يجوز لغيرهم ويجوز للفقراء من غير أهل هذه الرفقة ولا يجوز لفقراء الرفقة – انتهى. وهذا خلاف ما ذكره الشافعي في الأم

стр. 4204

........................................................................................ ــ حيث قال (ج ٢: ص ١٨٣) : إذا عطب الهدي الواجب دون المحرم صنع به صاحبه ما شاء من بيع وهبة وإمساك وعليه بدله بكل حال، لأنه قد خرج من أن يكون هديًا حين عطب قبل أن يبلغ محله – انتهى. وحاصل مذهب الحنفية على ما في مناسكهم كالغنية وشرح اللباب وغيرهما أنه إن عطب الهدي الواجب قبل وصوله إلى محله فعليه أن يقيم غيره بدله وصنع بالأول ما شاء من بيع وغيره، وقال الشنقيطي (ج ٥: ص ٥٨٣) : اعلم أن الهدي إما واجب وإما تطوع، والواجب إما بالنذر أو بغيره، والواجب بالنذر إما معين أو غير معين، فالظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه: أن الهدي الواجب بغير النذر كهدي التمتع والقرآن والدماء الواجبة بترك واجب أو فعل محظور، والواجب بالنذر في ذمته كأن يقول ((لله علي نذر أن أهدي هديًا)) أن لجميع ذلك حالين: الأولى أن يكون ساق ما ذكر من الهدي ينوي به الهدي الواجب عليه من غير أن يعينه بالقول كأن يقول: هذا الهدي سقته أريد به أداء الهدي الواجب علي. والحالة الثانية هي أن بسوقه ينوي الهدي المذكور مع تعيينه بالقول، فإن نواه ولم يعينه بالقول فالظاهر أنه لا يزال في ضمانه ولا يزول ملكه عنه إلا بذبحه ودفعه إلى مستحقيه، ولذا إن عطب في الطريق فله التصرف فيه بما شاء من أكل وبيع، لأنه لم يزل في ملكه، وهو مطالب بأداء الهدي الواجب عليه بشيء آخر غير الذي عطب، لأنه عطب في ضمانه، فهو بمنزلة من عليه دين فحمله إلى مستحقه يقصد دفعه إليه، فتلف قبل أن يوصله إليه، فعليه قضاء الدين بغير التالف لأنه تلف في ذمته، وإن تعيب الهدي المذكور قبل بلوغه محله، فعليه بدله سليمًا ويفعل بالذي تعيب ما شاء لأنه لم يزل في ملكه وضمانه، والذي يظهر أن له التصرف فيه، ولو لم يعطب ولم يتعيب لأن مجرد نية إهدائه عن الهدي الواجب لا ينقل ملكه عنه، والهدي المذكور لازم له في ذمته حتى يوصله إلى مستحقه، والظاهر أن له نماؤه. وأما الحالة الثانية وهي ما إذا نواه وعينه بالقول كأن يقول: هذا هو الهدي الواجب عليّ. والظاهر أن الإشعار والتقليد كذلك، فالظاهر أنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة فليس له التصرف فيه ما دام سليمًا، وإن عطب أو سرق أو ضل أو نحو ذلك لم يجزه وعاد الوجوب إلى ذمته فيجب عليه هدي آخر، لأن الذمة لا تبرأ بمجرد التعيين بالنية والقول أو التقليد والإشعار، والظاهر أنه إن عطب فعل به ما شاء، لأن الهدي لازم في ذمته وهذا الذي عطب صار كأنه شيء من ماله لا حق فيه لفقراء الحرم، لأن حقهم باق في الذمة فله بيعه وأكله وكل ما شاء، وعلى هذا جمهور أهل العلم، وعن مالك يأكل ويطعم من شاء من الأغنياء والفقراء، ولا يبيع منه شيئًا، وإن بلغ الهدي محله فذبحه وسرق فلا شيء عليه عند أحمد. قال في المغني (ج ٣: ص ٥٣٥) : وبهذا قال الثوري وابن القاسم صاحب مالك، وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: عليه الإعادة لأنه لم يوصل الحق إلى مستحقه، فأشبه ما لو لم يذبحه، ولنا أنه أدى الواجب عليه فبرئ منه كما لو فرقه، ودليل أنه أدى الواجب أنه لم يبق إلا التفرقة وليست واجبة بدليل أنه لو خلى بينه وبين الفقراء أجزأه، ولذلك لما نحر النبي ﷺ -

стр. 4205

.............................................................................................. ــ البدنات قال: من شاء اقتطع – انتهى. قال الشنقيطي: وأظهر القولين عندي أنه لا تبرأ ذمته بذبحه حتى يوصله إلى المستحقين، لأن المستحقين إن لم ينتفعوا به، لا فرق عندهم بين ذبحه وبين بقائه حيًا، ولأن الله تعالى يقول: ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾ (٢٢: ٢٨) ويقول: ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾ (٢: ٣٦) والآيتان تدلان على لزوم التفرقة والتخلية بينه وبين الفقراء يقتسمونه تفرقة ضمنية، لأن الإذن لهم في ذلك وهو متيسر لهم كإعطائهم إياه بالفعل، والعلم عند الله تعالى. وقول من قال إن الهدي المذكور إن تعيب في الطريق فعليه نحره، ونحر هدي آخر غير معيب لا يظهر كل الظهور، إذ لا موجب لتعدد الواجب عليه وهو لم يجب عليه إلا واحد، وحجة من قال بذلك: أنه لما عينه متقربًا به إلى الله لا يحسن انتفاعه به بعد ذلك ولو لم يجزئه، وأما الواجب المعين بالنذر كأن يقول: نذرت لله إهداء هذا الهدي المعين، فالظاهر أنه يتعين بالنذر ولا يكون في ذمته، فإن عطب أو سرق لم يلزمه بدله، لأن حق الفقراء إنما يتعلق بعينه لا بذمة المهدي، والظاهر أنه ليس له الأكل منه، سواء عطب في الطريق أو بلغ محله، وحاصل ما ذكرنا راجع إلى أن ما عطب بالطريق من الهدي إن كان متعلقًا بذمته سليمًا فالظاهر أن له الأكل منه والتصرف فيه، لأنه يلزمه بدله سليمًا، وقيل: يلزم الذي عطب والسليم معًا لفقراء الحرم، وأن ما تعلق الوجوب فيه بعين الهدي كالنذر المعين للمساكين ليس له تصرف فيه ولا الأكل منه إذا عطب ولا بعد نحره إن بلغ محله على الأظهر – انتهى. تنبيه: اختلف فيما إذا ضل المعين فذبح غيره ثم وجد الضال. قال الشنقيطي: الأظهر عندي أنه إذا عين هديًا بالقول أو التقليد والإشعار ثم ضل ثم نحر هديًا آخر مكانه ثم وجد الهدي الأول الذي كان ضالاً، أن عليه أن ينحره أيضًا، لأنه صار هديًا للفقراء فلا ينبغي أن يرده لملكه مع وجوده، وكذلك إن عين بدلاً عنه، ثم وجد الضال فإنه ينحرهما جميعًا، قال ابن قدامة في المغني (ج ٣: ص ٥٣٥) : وإن ضل المعين فذبح غيره ثم وجده، أو عين غير الضال بدلاً عما في الذمة، ثم وجد الضال ذبحهما معًا. روى ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وفعلته عائشة، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق، ويتخرج على قولنا فيما إذا تعيب الهدي فأبدله، فإن له أن يصنع به ما شاء أن يرجع إلى ملك أحدهما، لأنه قد ذبح ما في الذمة فلم يلزمه شيء آخر كما لو عطب المعين، وهذا قول أصحاب الرأي. ووجه الأول ما روى عن عائشة أنها أهدت هديين فأضلتهما فبعث إليها ابن الزبير هديين فنحرتهما، ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذه سنة الهدي، رواه الدارقطني، وهذا منصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ، ولأنه تعلق حق الله بهما بإيجابهما أو ذبح أحدهما، وإيجاب الآخر – انتهى كلام ابن قدامة. قال الشنقيطي بعد ذكره: وليس في المسألة شيء مرفوع، والأحوط ذبح الجميع كما ذكرنا أنه الأظهر والعلم عند الله تعالى، ثم قال الشنقيطي: إن الهدي إن كان معينًا بالنذر من الأصل بأن قال: نذرت إهداء هذا الهدي بعينه أو معينًا تطوعًا إذا رآه صاحبه في حالة يغلب على الظن أنه سيموت فإنه تلزمه ذكاته، وإن فرط فيها حتى مات كان
следующие страницы →