← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

متفق عليه. ــ الحرم فأهل مكة كانوا يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن قطين الله يعنى سكان (بيت) الله، ومن سوى أهل مكة كانوا يقفون بعرفات فأنزل الله تعالى ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ (٢: ١٩٩) والحمس هم أهل الحرم – انتهى. قال السندي: قوله ﴿ثم أفيضوا﴾ أي أيها القريش ﴿من حيث أفاض الناس﴾ أي غيركم وهو عرفات والمقصود أي ارجعوا من ذلك المكان، ولا شك أن الرجوع من ذلك المكان يستلزم الوقوف فيه، لأنه مسبوق به فلزم من ذلك الأمر بالوقوف من حيث وقف الناس وهو عرفة. قال الحافظ: دل هذا الحديث على أن المراد بقوله تعالى ﴿ثم أفيضوا﴾ الإفاضة من عرفة، وظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة لأنها ذكرت بلفظة ثم بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام، وأجاب بعض المفسرين بأن الأمر بالذكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر تنبيهًا على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أفضتم اذكروا ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس لا من حيث كان الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام فاذكروا الله عنده، ولتكن إفاضتكم من المكان الذي يفيض فيه الناس غير الحمس، ثم قال الحافظ: وأما الإتيان في الآية بقوله ثم فقيل هي بمعنى الواو وهذا اختيار الطحاوي، وقيل لقصد التأكيد لا لمحض الثرتيب، والمعنى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس لا من حيث كنتم تفيضون. قال الزمخشري: وموقع ثم ها هنا موقعها من قولك: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، فتأتى ثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بين لهم مكان الإفاضة فقال ((ثم أفيضوا)) لتفاوت ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والأخرى خطأ. قال الخطابي: تضمن قوله تعالى ((ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ (٢: ١٩٩) الأمر بالوقوف بعرفة، لأن الإفاضة إنما تكون عند اجتماع قبله، وكذا قال ابن بطال وزاد: وبين الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه – انتهى. وروى البخاري من حديث عروة عن عائشة قالت: إن هذه الآية نزلت في الحمس ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ قالت: كانوا (أي الحمس) يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات. قال الحافظ: المعنى أنهم أمروا أن يتوجهوا إلى عرفات ليقفوا بها ثم يفيضوا منها. قال: وعرف برواية عائشة أن المخاطب بقوله تعالى ﴿أفيضوا﴾ النبي ﷺ ، والمراد به من كان لا يقف بعرفة من قريش وغيرهم. وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الضحاك أن المراد بالناس هنا إبراهيم الخليل ﵇ وعنه المراد به الإمام وعن غيره آدم، وقرئ في الشواذ الناسي بكسر السين بوزن القاضي والأول أصح، نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روى الترمذي وغيره من طريق يزيد بن شيبان قال: كنا وقوفًا بعرفة فأتى ابن مربع – الحديث، وقد تقدم. ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصة بقوله ﴿من حيث أفاض الناس﴾ بل هو الأعم من ذلك والسبب فيه ما حكته عائشة ﵂ (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي تفسير سورة البقرة، ومسلم في الحج وأخرجه أيضًا فيه

стр. 4132

٢٦٢٧ – (١٢) وعن عباس بن مرداس، أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب: " أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإني آخذ للمظلوم منه ". قال: " أي رب! إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم ". فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب إلى ما سأل. قال: فضحك رسول الله ﷺ ، أو قال: تبسم. فقال له أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها ــ الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة. قال البوصيري في الزوائد: الحديث موقوف ولكن حكمه الرفع لأنه في شأن نزوله. ٢٦٢٧- قوله (وعن عباس بن مرداس) بكسر الميم هو العباس بن مراداس بن أبي عامر أبو الهيثم ويقال أبو الفضل السلمي الشاعر الصحابي المشهور، أسلم قبل فتح مكة بيسير، وقيل: أسلم بعد يوم الأحزاب، وعداده في المؤلفة قلوبهم وحسن إسلامه، وشهد فتح مكة وحنينًا، وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية ونزل ناحية البصرة. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن النبي ﷺ وعنه ابنه كنانة وعبد الرحمن بن أنس السلمي، روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا في يوم عرفة – انتهى (أن رسول الله ﷺ دعا لأمته) قال القاري: الظاهر لأمته الحاجين معه مطلقًا. لا مطلق الأمة فتأمل. وقال السندي: قوله " لأمته " أي لمن معه في حجه ذلك أو لمن حج من أمته إلى يوم القيامة أو لأمته مطلقًا من حج أو لم يحج (عشية عرفة) أي وقت الوقفة (بالمغفرة) أي التامة (فأجيب أني) أي بأني. قال السندي: بفتح الهمزة أي أجابه الله بأني قد غفرت أو بكسرها أي أجابه قائلاً: إني قد غفرت (ما خلا المظالم) أي ما عدا حقوق الناس جمع مظلمة بكسر اللام وفتحها وهي ما تطلبه من عند الظالم مما أخذه منك بغير حق، وهي في الأصل مصدر بمعنى الظلم، وقيل جمع مظلم بكسر اللام والمظالم أعم من أن تكون مالية وعرضية (فإني آخذ) بصيغة المتكلم أو الفاعل (للمظلوم منه) أي من الظالم إما بالعذاب وإما بأخذ الثواب إظهارًا للعدل (أعطيت) أي من عندك (المظلوم من الجنة) أي ما يرضيه منها أو بعض مراتبها العلية. وقال السندي: ظاهره أنه سأل مغفرة مظالم المؤمنين بخلاف مظالم أهل الذمة إلا أن يقال: قوله " من الجنة " أي مثلاً أو تخفيف العذاب والله تعالى أعلم الصواب (وغفرت للظالم) فضلاً (فلم يجب) بصيغة المجهول والضمير لرسول الله ﷺ (عشيته) أي في عشية عرفة، والتذكير باعتبار الزمان أو المكان. ويمكن أن يكون الضمير راجعًا إليه ﷺ ، فالإضافة لأدني ملابسة، قاله القاري (فلما أصبح بالمزدلفة) أي ووقف بها (أعاد الدعاء) أي المذكور (فأجيب إلى ما سأل) أي ما طلبه على وجه العموم. قيل إلى بمعني اللام ويمكن أن يكون لضمين معنى الرجوع والوصول. قال القاري: وكان العباس سمع هذه الأمور منه ﷺ فرواها كأنه علمها (قال) أي العباس (فضحك رسول الله ﷺ أو قال: تبسم) أو للشك من الراوي عن العباس لقوله قال (ما كنت تضحك فيها) أي من شأنها أن لا تضحك فيها، أو المراد في مثلها مما تبكي وتتضرع فيه

стр. 4133

فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك. قال: " إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي، أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه ". ــ وإلا لم ير رسول الله ﷺ في هذه الساعة قبل، لأنه لم يحج إلا أول حجها، وإن قيل إنه ﷺ قد حج قبل عهد الإسلام فأبو بكر وعمر لم يرياه، كذا في اللمعات (أضحك الله سنك) أي أدام الله لك السرور الذي سبب ضحكك (فجعل يحثوه على رأسه) أي يلقي التراب بكفيه على رأسه (ويدعو بالويل) أي العذاب (والثبور) بضم الثاء أي الهلاك يعني يقول: وا ويلاه ويا ثبوراه. قال الطيبي: كل من وقع في تهلكة دعا بالويل والثبور أي يا هلاكي وعذابي احضر فهذا أوانك. وقال الطبري: الويل الحزن والهلاك المشقة وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه يا حزني ويا عذابي ويا هلاكي احضر فهذا وقتك، فكأنه نادى الويل أن يحضره بما عرض له، والثبور هو الهلاك، وقد ثبر يثبر ثبورًا إذا هلك (فأضحكني ما رأيت من جزعه) أي مما صدر من فضل ربي على رغمه. قال القاري: وظاهر الحديث عموم المغفرة وشمولها حق الله وحق العباد إلا أنه قابل للتقييد بمن كان معه ﷺ في تلك السنة (يعني المراد من الأمة هم الواقفون معه ﷺ بعرفة) أو بمن قبل حجه بأن لم يرفث ولم يفسق. ومن جملة الفسق الإصرار على المعصية وعدم التوبة، ومن شرطها أداء حقوق الله الفائتة كالصلاة والزكاة وغيرهما وقضاء حقوق العباد المالية والبدنية والعرضية اللهم إلا أن يحمل على حقوق لم يكن عالمًا بها أو يكون عاجزًا عن أدائها. قال: ولا تغتر بكون هذا الحديث مجملاً مع اعتقاد أن فضل الله واسع، وقد قال تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٤: ٤٨، ١١٦) ?ولذا قال ﵊: أي رب إن شئت، فما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون. ثم قال القاري بعد ذكر الكلام في هذا الحديث وما ورد في معناه من الروايات قال: بعضهم إذا تأملت ذلك كله علمت أنه ليس في هذه الأحاديث ما يصلح متمسكًا لمن زعم أن الحج يكفر التبعات لأن الحديث ضعيف، على أنه ليس نصًا في المدعى لاحتماله ومن ثمة قال البيهقي: يحتمل أن تكون الإجابة إلى المغفرة بعد أن يذيقهم شيئًا من العذاب دون ما يستحقه فيكون الخبر خاصًا في وقت دون وقت، يعني ففائدة الحج حينئذ التخفيف من عذاب التبعات في بعض الأوقات دون النجاة بالكلية، ويحتمل أن يكون عامًا ونص الكتاب يدل على أنه مفوض إلى مشيئته تعالى. وحاصل هذا الأخير أنه بفرض عمومه محمول على أن تحمله تعالى التبعات من قبيل ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وهذا لا تكفير فيه وإنما يكون فاعله تحت المشيئة فشتان ما بين الحكم بتكفير الذنوب وتوقفه على المشيئة ولذا قال البيهقي: فلا ينبغي لمسلم أن يغر نفسه بأن الحج يكفر التبعات فإن المعصية شؤم، وخلاف الجبار في أوامره ونواهيه عظيم. قال: وهذا لا ينافي

стр. 4134

رواه ابن ماجة، وروى البيهقي في كتاب البعث والنشور نحوه. ــ قول ابن المنذر فيمن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه: إن هذا عام يرجى أن يغفر له جميع ذنوبه صغائرها وكبائرها، وإنما الكلام في الوعد الذي لا يخلف – انتهى. (رواه ابن ماجة) أي بهذا اللفظ من طريق عبد القاهر بن السري السلمي عن عبد الله بن كنانة (بكسر كاف وبنونين بينهما ألف وأولاهما خفيفة) بن عباس بن مرداس السلمي عن أبيه كنانة عن جده عباس (وروى البيهقي في كتاب البعث والنشور نحوه) أي بمعناه، وكذا رواه في شعب الإيمان وفي السنن الكبرى (ج ٥: ص ١١٨) ورواه أيضًا عبد الله بن أحمد في زوائد المسند لأبيه (ج ٤: ص ١٤) والطبراني في الكبير وأخرج أبو داود في كتاب الأدب من سننه طرفًا منه من الوجه الذي رواه ابن ماجة لكنهم قالوا حدثني ابن لكنانة بن العباس ولم يسموه عن أبيه عن جده عباس، وعبد الله بن كنانة بن عباس، قال الحافظ في التقريب في كليهما أنه مجهول. وذكر في تهذيب التهذيب في ترجمتهما عن البخاري أنه قال: لم يصح حديثه. وقال في ترجمة كنانة بعد ذكر كلام البخاري هذا: وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره أيضًا في كتاب الضعفاء قال: حديثه منكر جدًا لا أدرى التخليط منه أو من ابنه ومن أيهما كان فهو ساقط الاحتجاج به – انتهى. وقال البوصيري في الزوائد: في إسناده عبد الله بن كنانة قال البخاري: لم يصح حديثه – انتهى. ولم أر من تكلم بجرح ولا توثيق – انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود بعد رواية طرف منه من الوجه المذكور، ونقل المنذري في مختصر السنن (٨ / ٩٧) كلام ابن حبان وزاد: " لعظم ما أتى من المناكير عن المشاهير ". وقد ظهر بهذا كله أن حديث عباس هذا ضعيف لكن له شواهد يبلغ بها إلى درجة الحسن. قال في المواهب اللدنية بعد ذكر حديث عباس بن مرداس من رواية ابن ماجة: ورواه أبو داود من الوجه الذي رواه ابن ماجة ولم يضعفه. قال الزرقاني: أي سكت عليه فهو عنده صالح للحجة، وقد أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين من طرق وقد صنف الحافظ ابن حجر فيه كراسًا سماه " قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج ". قال في أوله: إنه سئل عن حال هذا الحديث هل هو صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر أو موضوع؟ قال: فأجبت بأنه جاء من طرق أشهرها حديث عباس بن مرداس فإنه مخرج في مسند أحمد، وأخرج أبو داود طرفًا منه وسكت عليه، فهو عنده صالح. وعلى رأى ابن الصلاح ومن تبعه حسن، وعلى رأى الجمهور كذلك، لكن باعتبار انضمام الطرق الأخرى إليه، ثم قال الحافظ أثناء كلامه. حديث العباس بمفرده يدخل في حد الحسن على رأى الترمذي ولا سيما بالنظر إلى مجموع هذه الطرق لطرق ذكرها، قال: وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من حديث ابن مرداس، وقال: فيه كنانة منكر الحديث جدًا لا أدرى التخليط منه أو من ولده. وهذا لا ينتهض دليلاً على أنه موضوع فقد اختلف قول ابن حبان في كنانة فذكره في الثقات وفي الضعفاء، وذكر ابن مندة أنه قيل إن له رؤية منه

стр. 4135

.............................................................................................. ــ ﷺ ، وأما ولده عبد الله بن كنانة ففيه كلام لابن حبان أيضًا وكل ذلك لا يقتضي وضعه، بل غايته أن يكون ضعيفًا ويتعضد بكثرة طرقه، وأورد حديث ابن عمر في الموضوعات أيضًا وقال: فيه عبد العزيز بن أبي رواد، تفرد به نافع عن ابن عمر، قال ابن حبان: كان يحدث على التوهم والحسبان فبطل الاحتجاج به وهو مردود فإنه لا يقضي أنه موضوع مع أنه لم ينفرد به، بل له متابع عند ابن حبان في كتاب الضعفاء، هذا كلام الحافظ ملخصًا وهو كلام متقن إمام في الفن فلا عليك ممن أطلق عليه اسم الضعيف الذي لا يحتج به. وقال الطبري بعد روايته حديث ابن عمر: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها مع العزم على أنه يوفي إذا قدر ما يمكن توفيته. وقد رواه أي حديث العباس بن مرداس البيهقي في السنن الكبرى بنحو رواية ابن ماجة وكذا الطبراني في الكبير وعبد الله أحمد في زوائد المسند لأبيه وابن عدي وصححه الضياء كما مر. وقد قالوا إن تصحيحه أعلى من تصحيح الحاكم. وقال البيهقي بعد أن أخرجه في كتاب البعث: هذا الحديث له شواهد كثيرة، فأخرجه عبد الرزاق والطبراني من حديث عبادة بن الصامت وأبو يعلى وابن منيع من حديث أنس وابن جرير وأبو نعيم وابن حبان من حديث ابن عمر والدارقطني وابن حبان من حديث أبي هريرة وابن مندة من حديث عبد الله بن زيد (ذكر رواياتهم الحافظ في مؤلفه بنحو حديث عباس بن مرداس) وارجع إلى تنزيه الشريعة لابن عراق (ج ٢: ص ١٦٩، ١٧٠) والقول المسدد (ص ٣٧ – ٤٠) فإن صح بشواهده فقيه الحجة وإن لم يصح فنحن في غنية عن تصحيحه فقد قال الله تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وظلم بعضهم بعضًا دون الشرك فيدخل في الآية – انتهى. وهو حسن، وفي الحديث الصحيح: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بالحقوق ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو صيام أو زكاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله أو شيء من حقوق العباد لا تسقط عنه لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها، فلو أخره، بعد الحج تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق؛ ولا يسقط حق الآدمي بالحج إجماعاً والله أعلم، كذا في شرح المواهب، وقال ابن عابدين: قد يقال بسقوط نفس الحق إذا مات قبل القدرة على أدائه سواء كان حق الله تعالى أو حق عباده وليس في تركته ما بقي به لأنه إذا سقط إثم التأخير ولم يتحقق منه إثم بعده فلا مانع من سقوط نفس الحق، أما حق الله تعالى فظاهر، وأما حق العبد فالله تعالى يرضي خصمه عنه كما مر في الحديث. ثم قال: اعلم أن تجويزهم تكفير الكبائر بالهجرة والحج مناف لنقل عياض الإجماع على أنه لا يكفرها إلا التوبة، ولا سيما على القول بتكفير المظالم أيضًا، بل القول بتكفير إثم المطل وتأخير الصلاة ينافيه لأنه كبيرة، وقد كفرها الحج بلا توبة، وكذا ينافيه عموم قوله تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وهو اعتقاد أهل الحق أن مات مصرًا على الكبائر كلها سوى الكفر فإنه قد يعفى بشفاعة أو بمحض الفضل، والحاصل كما في البحر أن المسألة ظنية فلا يقطع بتكفير الحج للكبائر من حقوقه تعالى فضلاً عن حقوق العباد والله تعالى أعلم – انتهى. وقال القاري بعد ذكر كلام البيهقي:

стр. 4136

(٥) باب الدفع من عرفة والمزدلفة (الفصل الأول) ٢٦٢٨ - (١) عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: سئل أسامة بن زيد: كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة ــ ولا يخفى أن الأحاديث الصحيحة الصريحة لا تكون إلا ظنية فما بالك بالأحاديث الضعيفة؟ ولا شك أن المسائل الاعتقادية لا تثبت إلا بالأدلة القطعية رواية ودراية، نعم يغلب على الظن رجاء عموم المغفرة لمن حج حجًا مبرورًا، وأين من يجزم بذلك في نفسه أو غيره وإن كان عالماً أو صالحاً في علو مقامه هنالك، فمن المعلوم أن غير المعصوم يجب أن يكون بين الخوف والرجاء - انتهى. (باب الدفع من عرفة) أي الرجوع منها (والمزدلفة) عطف على الدفع، أي والنزول فيها، وفي بعض النسخ " إلى المزدلفة " ويجوز عطفه على عرفة أي وباب الدفع من المزدلفة ويؤيده نسخة " ومن المزدلفة إلى منى ". ٢٦٢٨- قوله (عن هشام بن عروة) هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام أبو المنذر القرشي الأسدي المدني أحد تابعي المدينة المشهورين المكثرين من الحديث المعدودين في أكابر العلماء وجلة التابعين، ثقة ثبت حجة أمام فقيه، رأي ابن عمر ومسح رأسه ودعا له، وسهل بن سعد وجابر وأنسًا، وروى عن أبيه وعمه عبد الله بن الزبير وأخويه عبد الله وعثمان وامرأته فاطمة بنت المنذر بن الزبير وخلق، وروى عنه خلق كثير منهم شعبة ومالك بن أنس والسفيانان والحمادان. ولد سنة إحدى وستين ومائة، ومات ببغداد سنة خمس أو ست وأربعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي أحد الفقهاء السبعة وأحد علماء التابعين تقدم ترجمته (سئل أسامة بن زيد) ابن حارثة بن شراحيل الكلبي الصحابي المشهور، حِب رسول الله ﷺ ومولاه وابن حِبه زيد بن حارثة تقدم ترجمته، وخص بالسؤال لأنه كان رديفه ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، وزاد في رواية مالك والبخاري وأبي داود وغيرهم " وأنا جالس معه " ولمسلم " سئل أسامة وأنا شاهد أو قال: سألت أسامة بن زيد " ولم يتعرض أحد من الشراح لتسمية السائل (حين دفع) أي حين انصرف من عرفة إلى المزدلفة، سمي دفعًا لازدحامهم إذا انصرف فيدفع بعضهم بعضًا (قال) أي أسامة (كان يسير العَنَق) بفتح المهملة والنون آخره قاف هو السير الذي بين الإبطاء والإسراع، قال في المشارق: هو سير سهل في سرعة، وقال القزاز: العنق سير سريع، وقيل المشي الذي يتحرك به عنق لدابة، وفي الفائق العنق الخطو الفسيح، وانتصب على المصدر المؤكد من لفظ الفعل كذا في الفتح، وقال السيوطي: نصبه على المصدر النوعي كرجعت القهقري. وقال القاري: انتصابه على المصدرية انتصاب القهقري أو الوصفية أي يسير السير العنق (فإذا وجد فجوة)

стр. 4137

نص. متفق عليه. ٢٦٢٩ – (٢) وعن ابن عباس، أنه دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة، فسمع النبي ﷺ وراءه زجرًا شديدًا وضربًا للإبل، فأشار بسوطه إليهم، ــ بفتح الفاء وسكون الجيم فواو مفتوحة، والمكان المتسع بين الشيئين والجمع فجوات بفتحتين وفِجاء بكسر الفاء والمد، ورواه بعض الرواة في الموطأ بلفظ " فرجة " بضم الفاء وسكون الواو وهو بمعنى الفجوة (نص) بفتح النون وتشديد الصاد المهلة فعل ماض وفاعله النبي ﷺ أي أسرع، قال أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها، وأصل النص منتهى الأشياء وغايتها ومبلغ أقصاها، ومنه نصصت الشيء رفعته. قال الشاعر: ونص الحديث إلى أهله _ ... فإن الوثيقة في نصه أي أرفعه إليهم وأنسبه، ثم استعمل في ضرب سريع من السير، وقال هشام بن عروة راوي الحديث كما في رواية البخاري وغيره: النص فوق العنق أي أرفع منه في السرعة. قال النووي: هما نوعان من إسراع السير وفي العنق نوع من الرفق. قال الطبري: وفي هذا دلالة على أن السكينة المأمور بها في الحديث بعده إنما هي من أجل الرفق بالناس، فإن لم يكن زحام سار كيف شاء، وذكر العيني عن الطبري أنه قال: الصواب في السير في الإفاضتين جميعًا ما صحت به الآثار إلا في وادي محسر فإنه يوضع لصحة الحديث بذلك فلو أوضع أحد في مواضع العنق أو العكس لم يلزمه شيء لإجماع الجميع على ذلك غير أنه يكون مخطئًا طريق الصواب. وقال ابن خزيمة: في هذا الحديث دليل على أن الحديث الذي رواه ابن عباس عن أسامة (عند أبي داود وغيره) أنه قال: فلما رأيت ناقته رافعة يديها حتى أتى جمعًا. محمول على حال الزحام دون غيره، ذكره الحافظ. وقال ابن عبد البر: ليس في هذا الحديث أكثر من معرفة كيفية السير في الدفع من عرفة إلى المزدلفة وهو مما يلزم أتمة الحاج فمن دونهم فعله لأجل الاستعجال للصلاة لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة أي فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة ومن الإسراع عند عدمها لأجل الصلاة، فيه أن السلف كانوا يحرصون على السؤال عن كيفية أحواله ﷺ في جميع حركاته وسكونه ليقتدوا به في ذلك (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الجهاد وفي المغاري ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥: ص ٢٠٥، ٢١٠) ومالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحميدي (ج ١: ص ٢٤٨) والدارمي وأبو داود الطيالسي وابن خزيمة في صحيحة وأبو عوانة وابن جرير والبيهقي (ج ٥: ص ١١٩) . ٢٦٢٩- قوله (دفع مع النبي ﷺ ) أي أفاض معه (يوم عرفة) أي من عرفة إلى المزدلفة (زَجْرًا) بفتح الزاي وسكون الجيم بعدها راء أي صياحًا لحث الإبل وسوقًا لها برفع الأصوات (فأشار بسوطه إليهم) ليتوجهوا إليه ويسمعوا

стр. 4138

وقال: " أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع ". رواه البخاري. ٢٦٣٠ – (٣) وعنه، أن أسامة بن زيد كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة. ــ قوله (عليكم بالسكينة) أي في السير، والمراد السير بالرفق وعدم المزاحمة، يعني لازموا الطمأنينة والرفق وعدم المزاحمة في السير، وعلل ذلك بقوله (فإن البر) أي الخير (ليس بالإيضاع) الإيضاع الإسراع وحمل الخيل والركاب على سرعة السير، يعني الإسراع ليس من البر إذا كثر الناس في الطريق، فإن الإسراع في مثل هذه الحالة أي عند ازدحام الناس في الطريق يؤذيهم بصدمة الدواب والرجال، ولا خير في هذا بل الخير في الذهاب على السكون في مثل هذه الحالة. وقال الحافظ: قوله ((فإن البر ليس بالإيضاع)) أي السير السريع، ويقال هو سير مثل الخبب فبين ﷺ أن تكلف الإسراع في السير ليس من البر أي مما يتقرب به، ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لما خطب بعرفة: ليس السابق من سبق بعيره وفرسه ولكن السابق من غفر له. وقال المهلب: إنما نهاهم عن الإسراع إبقاء عليهم لئلا يجحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة. وقيل إنما قال ﷺ ذلك أي قوله ((عليكم بالسكينة)) في ذلك الوقت الذي لم يجد فجوة فلا ينافي الحديث السابق. وقال القاري: حاصل ما قال ﷺ أن المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إلى المبرات مطلوبة لكن لا على وجه يجر إلى المكروهات وما يترتب عليه من الأذيات، فلا تنافي بينه وبين الحديث السابق (رواه البخاري) وكذا البيهقي (ج ٥: ص ١١٩) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢٥١، ٢٦٩، ٣٥٣) وأبو داود والبيهقي بنحوه. ٢٦٣٠- قوله (وعنه) أي عن ابن عباس (أن أسامة بن زيد كان ردف النبي ﷺ ) بكسر الراء وسكون الدال وهو الراكب خلف الراكب كالرديف والمرتدف (ثم أردف الفضل) أي ابن عباس يعني جعله رديفه (فكلاهما) كذا في جميع النسخ من المشكاة، وفي البخاري ((قال (أي ابن عباس) فكلاهما)) أي الفضل بن عباس وأسامة بن زيد (قال) الضمير راجع للفظ فإن ((كلا)) مفرد لفظًا ومثنى معنى وهو أفصح من أن يقال فكلاهما قالا، قال تعالى ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾ (١٨: ٣٣) أو المعنى كل واحد منهما قال (لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة) أي شرع في رمي الجمرة أو فرغ منه قولان، ويؤيد الثاني ما وقع في رواية ابن خزيمة كما سيأتي: فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة. ويؤيد الأول ما رواه البيهقي بإسناده عن عبد الله قال: ((رمقت النبي ﷺ فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة)) . قال الحافظ: زاد ابن أبي شيبة من طريق علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل في هذا الحديث ((فرماها سبع حصيات يكبر مع كل حصاة)) . قال الحافظ: وفي هذا الحديث يعني حديث ابن عباس الذي نحن في شرحه أن التلبية تستمر إلى رمي الجمرة يوم النحر وبعدها يشرع الحاج في التحلل، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح أنه كان يقول: التلبية شعار الحج فإن كنت حاجًا فلب حتى بدأ حلك وبدء حلك أن ترمي جمرة العقبة. وروى سعيد بن

стр. 4139

.............................................................................................. ــ منصور من طريق ابن عباس قال: حججت مع عمر إحدى عشرة حجة وكان يلبي حتى يرمي الجمرة، وباستمرارها قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم، وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم وهو مذهب ابن عمر لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة: يقطعها إذا راح الموقف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وعلي، وبه قال مالك وقيده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي والليث، وعن الحسن البصري مثله لكن قال: إذا صلى الغداة يوم عرفة وهو بمعنى الأول، وقد روى الطحاوي بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد قال: حججت مع عبد الله فلما أفاض إلى جمع جعل يلبي فقال رجل: أعرابي هذا؟ فقال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا؟ وأشار الطحاوي إلى أن كل من روى عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنها لا تشرع، وجمع بذلك بين ما اختلف من الآثار، والله اعلم. واختلفوا أي الأولون: هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي؟ فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويدل لهم ما روى ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل قال: أفضت مع النبي ﷺ من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر حصاة، قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم في الروايات الأخرى. وأن المراد بقوله حتى رمى جمرة العقبة أي أتم رميها - انتهى كلام الحافظ. قال الشوكاني: والأمر كما قال ابن خزيمة، فإن هذه الزيادة مقبولة خارجة من مخرج صحيح غير منافية للمزيد وقبولها متفق عليه - انتهى. قلت: لكن قال البيهقي في السنن الكبرى (ج ٥: ص ١٣٧) بعد ذكر رواية جابر بلفظ ((فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها)) تكبيرة مع كل حصاة كالدلالة على قطعه التلبية بأول حصاة، وكذا قال في معرفة السنن. قال: وقوله ((يلبي حتى رمى الجمرة)) أراد به حتى أخذ في رمي الجمرة وأما ما في رواية الفضل من الزيادة فإنها غريبة أوردها ابن خزيمة واختارها وليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل بن عباس - انتهى. واعترض عليه ابن التركماني فقال: الغريب إذا صح سنده يعمل به. وقد أخرج ابن حزم هذا الحديث في كتاب حجة الوداع بسند جيد من حديث أبي الزبير عن أبي معبد مولى ابن عباس (١) . عن الفضل، ولفظه ((ولم يزل ﵇ يلبي حتى أتم رمي جمرة العقبة)) ، وهذا صريح وهو يقوي الرواية التي رواها ابن خزيمة واختارها. ويدل على أنها ليست بغريبة، والعجب من البيهقي كيف يترك هذا الصريح ويستدل بقوله ((يكبر)) على قطع التلبية لأول حصاة مع أن التكبير لا يمنع التلبية، إذ الحاج له أن يكبر ويلبي ويهلل، وقد بين ذلك ابن مسعود بقوله ((فما ترك التلبية حتى رمى الجمرة إلا أن يخلطها بتكبير أو تهليل)) . وقال أبو عمر في التمهيد: قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل النظر والأثر: لا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة بأسرها.

стр. 4140

متفق عليه. ٢٦٣١ – (٤) وعن ابن عمر، قال: جمع النبي ﷺ المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ــ قالوا: وهو ظاهر الحديث أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة، ولم يقل أحد من رواة هذا الحديث ((حتى رمى بعضها)) على أنه قد قال بعضهم في حديث عائشة: ثم قطع التلبية في آخر حصاة. وفي الإشراف لابن المنذر: وروى بعض أصحابنا ممن يقول بظاهر الأخبار خبر ابن عباس، ثم قال: قطع التلبية مع آخر حصاة – انتهى كلام ابن التركماني. وقال الشنقيطي: الأظهر أنه يقطع التلبية عند الشروع في رمي العقبة وأن قوله ((حتى رمى جمرة العقبة)) يراد به الشروع في رميها لا الانتهاء منه، ومن القرائن الدالة على ذلك ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة، فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة لتتابع رمي الحصيات، وقال بعد ذكر قول ابن خزيمة المتقدم: وعلى تقدير صحة الزيادة المذكورة لا ينبغي العدول عنها. تنبيه: ما حكى الحافظ وابن عبد البر وغيرهما من الشراح ونقلة المذاهب كالنووي والعيني عن الإمام أحمد من قطع التلبية عند انتهاء الرمي والفراغ منه هي رواية عنه مرجوحة، لأن عامة فروعه مصرحة بقطعها مع أول حصاة موافقًا للجمهور، ففي نيل المآرب: تسن التلبية من حين الإحرام إلى أول الرمي أي رمي جمرة العقبة – انتهى. وقريب منه ما في الروض المربع. وقال في العدة شرح العمدة: ويقطعها عند أول حصاة يرميها لأنه قد روى في بعض ألفاظ حديث ابن عباس ((فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة)) . رواه حنبل في المناسك – انتهى. وفي المغني والشرح الكبير تحت قول الخرقي: ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي، وممن قال يلبي حتى يرمي الجمرة ابن مسعود وابن عباس وميمونة، وبه قال عطاء وطاوس وسعيد بن جبير والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لرواية الفضل بن عباس: أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة وكان ردفيه يومئذ، وهو أعلم بحاله من غيره، وفعل النبي ﷺ مقدم على ما خالفه. ويستحب قطع التلبية عند أول حصاة للخبر، وفي بعض ألفاظه ((حتى رمى جمرة العقبة، قطع عند أول حصاة)) ، رواه حنبل في المناسك. وهذا بيان يتعين الأخذ به. وفي رواية من روى ((أن النبي ﷺ كان يكبر مع كل حصاة)) دليل على أنه لم يكن يلبي – انتهى مختصرًا. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢١٤) ورواه هو مرارًا وأبو داود والترمذي والنسائي بألفاظ مختصرًا ومطولاً وارجع إلى جامع الأصول (ج ٤: ص ٨٨) . ٢٦٣١ – قوله (جمع النبي ﷺ المغرب والعشاء بجمع) أي بالمزدلفة في وقت العشاء (كل واحدة منهما) بالرفع على الجملة الحالية وبالنصب على البدلية (بإقامة) قال القاري: أي على حدة، وبه قال زفر، واختاره الطحاوي وغيره من علمائنا. قلت: ورجحه ابن الهمام وقال الطحاوي بعد اختياره هذا القول: وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف

стр. 4141

ولم يسبح بينهما ولا على إثر كل واحدة منهما. رواه البخاري. ٢٦٣٢ – (٥) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، ــ ومحمد، وذلك أنهم يذهبون في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة إلى أن يجعلوا ذلك بأذان وإقامة واحدة – انتهى. ولم يذكر في حديث ابن عمر هذا الأذان وهو ثابت في حديث جابر وفي حديث ابن مسعود فلا بد من القول به وقد تقدم البسط في ذلك في شرح حديث جابر الطويل (ولم يسبح بينهما) أي لم يتنفل بين صلاة المغرب والعشاء (ولا على إِثْر كل واحدة منهما) بكسر الهمزة وسكون المثلثة بمعنى أثر بفتحتين أي ولا عقب كل واحدة منهما، لا عقب الأولى ولا عقب الثانية، وهذا تأكيد بالنظر إلى الأولى تأسيس بالنظر إلى الثانية فليتأمل قاله السندي (رواه البخاري) وكذا النسائي والبيهقي (ج ٥: ص ١٢٠) وأخرج مسلم معناه، ولذا ذكره الحافظ عبد الغني في عمدته في ما اتفق عليه الشيخان، فالحديث متفق عليه. ٢٦٣٢ – قوله (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها) أي في وقتها، وفي رواية ((ما رأيت النبي ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها)) (إلا صلاتين صلاة المغرب) نصبه على البدلية أو بتقدير أعني أي أعني بهما صلاة المغرب (والعشاء يجمع) قال القاري: أي صلاة المغرب في وقت العشاء أي وصلاة الظهر والعصر بعرفة فإنه صلى العصر في وقت الظهر ولعله روى هذا الحديث بمزدلفة، ولذا اكتفى عن ذكر الظهر والعصر، فلا بد من تقديرهما أو ترك ذكرهما لظهورهما عند كل أحد، إذا وقع ذلك الجمع في مجمع عظيم في النهار على رؤوس الأشهاد فلا يحتاج إلى ذكره في الاستشهاد بخلاف جمع المزدلفة، فإنه بالليل، فاختص بمعرفته بعض الأصحاب، والله تعالى اعلم. والحاصل أن في العبارة مسامحة وإلا فلا يصح قوله ((إلا الصلاتين)) المراد بهما المغرب والعشاء سواء اتصل الاستثناء كما هو ظاهر الأداة أو انقطع كما بنى عليه ابن حجر البناء، فإن صلاة العشاء في ميقاتها المقدر شرعًا إجماعًا – انتهى كلام القاري. وقال الولي العراقي: قوله ((صلاة المغرب والعشاء بجمع)) أي وكذا بعرفات أيضًا في الظهرين كما عند النسائي (أي في باب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة) عن ابن مسعود ((ما رأيت النبي ﷺ صلى صلاة إلا لوقتها إلا بجمع وعرفات)) فلم يحفظ راوي هذه الرواية ذكر عرفات وحفظه غيره، والحافظ حجة على الناسي – انتهى. وحينئذ فالمراد بقوله ((إلا صلاتين)) المغرب بمزدلفة فإنها أخرت والعصر بعرفة فإنها قدمت، فهاتان الصلاتان قد وقع فيهما التحويل عن وقتي أدائهما المعهودين في غير هذا اليوم حقيقة ثم استطرد بذكر الفجر لأنه متحولاً أيضًا عن وقته المستحب المعتاد في سائر الأيام وإن كان لم يتحول عن وقته الأصلي. وقال السندي في حاشية النسائي: هذا الحديث من مشكلات الأحاديث وقد

стр. 4142

............................................................................................. ــ تكلمت عليه في حاشية صحيح البخاري (في باب من يصلي الفجر بجمع) والصحيح في معناه أن مراده ما رأيته ﷺ صلى صلاة لغير وقتها المعتاد لقصد تحويلها عن وقتها المعتاد وتقريرها في غير وقتها المعتاد لما في صحيح البخاري من روايته ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان. وهذا معنى وجيه، ويحمل قوله ((قبل ميقاتها)) على هذا على الميقات المعتاد، ويقال إنه غلس تغليسًا شديدًا يخالف التغليس المعتاد، لا أنه صلى قبل أن يطلع الفجر فقد جاء في حديثه وحديث غيره أنه صلى بعد طلوع الفجر، وعلى هذا المعنى لا يرد شيء سوى الجمع بعرفة، ولعله كان يرى ذلك للسفر، والله أعلم – انتهى. واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود هذا على ترك الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة وجمع، وأجاب المجوزون بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد ثبت الجمع بين الصلاتين من حديث ابن عمر وابن عباس وغيرهم وتقدم في موضعه ما فيه كفاية، وأيضًا فالاستدلال به إنما هو من طريق المفهوم وهم لا يقولون به. وأما من قال به فشرطه أن لا يعارضه منطوق، وأيضًا فالحصر فيه ليس على ظاهره لإجماعهم على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكذا في الفتح. وقال النووي: قد يحتج أصحاب أبي حنيفة بهذا الحديث على منع الجمع بين الصلاتين في السفر، لأن ابن مسعود من ملازمي النبي ﷺ ، وقد أخبر أنه ما رآه يجمع إلا في هذه الليلة، ومذهب الجمهور جواز الجمع في جميع الأسفار المباحة التي يجوز فيها القصر. والجواب عن هذا الحديث أنه مفهوم وهم لا يقولون به ونحن نقول بالمفهوم ولكن إذا عارضه منطوق قدمناه على المفهوم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بجواز الجمع ثم هو مترك الظاهر بالإجماع في صلاتي الظهر والعصر بعرفات – انتهى. وقال السندي في حاشية البخاري (ج ١: ص ٢٠١) : قد استدل به من ينفي جمع السفر كعلمائنا الحنفية، ورده النووي بأنه مفهوم وهم لا يقولون به ونحن نقول به إذا لم يعارضه منطوق كما ها هنا وتعقبه العيني فقال: لا نسلم أنهم لا يقولون بالمفهوم وإنما لا يقولون بالمفهوم المخالف – انتهى. قلت: (قائله السندي) وهذا عجيب منهما فإن استدلال الحنفية بصريح النفي الذي هو منطوق لا بالإثبات الذي يدل عليه الاستثناء بالمفهوم، ولو كان بالإثبات من باب المفهوم المخالف بالاتفاق فلم يكن لقول العيني وجه، بقي أن الاستدلال به فرع تصور معناه ومعناه ها هنا لا يخلو عن خفاء، إذ ظاهره يفيد أنه صلى الفجر قبل وقته، وهو مخالف للإجماع وقد جاء خلافه في روايات حديث ابن مسعود أيضًا وفي حديث جابر. أجيب بأن المراد أنه صلى قبل الوقت المعتاد بأن غلس، ورد بأن هذا يقتضي أن يكون المعتاد الإسفار وهو خلاف ما يفيده تتبع الأحاديث الصحاح الواردة في صلاة الفجر، أجيب بأن المراد التغليس الشديد، والحاصل أنه صلى يومئذ أول ما طلع الفجر والمعتاد أنه كان يصلي بعد ذلك بشيء، فيرد أنها صارت حينئذ لوقتها فكيف يصح عدها لغير وقتها حتى تستثني من قوله: " ما رأيت " إلخ. أجيب بأن المراد بقوله لغير وقتها المعتاد، قلت: فيلزم من

стр. 4143

وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. متفق عليه. ٢٦٣٣ - (٦) وعن ابن عباس، قال: أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله. ــ اعتبار العموم فيه أنه ﷺ ما صلى صلاة في غير الوقت المعتاد أبدًا لا بتقديم شيء ولا بتأخيره، لا سفرًا ولا حضرًا سوى هاتين الصلاتين بل كان دائمًا يصلي في وقت واحد، وهذا خلاف ما يعرفه كل أحد بالبديهة وخلاف ما يفيده تتبع الأحاديث وخلاف ما أول به علماؤنا جمع السفر من الجمع فعلاً، فإنه لا يكون إلا بتأخير الصلاة الأولي إلى آخر الوقت، فلزم كونها في الوقت الغير المعتاد، ثم هو مشكل بجمع عرفة أيضًا، وحينئذ فلا بد من القول بخصوص هذا الكلام بذلك السفر مثلاً. ويبقى بعد جمع عرفة فيقال لعله ما حضر ذلك الجمع فما رأى. فلا ينافي قوله ما رأيت، أو يقال لعله ما رأى صلاة خارجة عن الوقت المعتاد غير هاتين الصلاتين فأخبر حسب ما رأى ولا اعتراض عليه ولا حجة للقائلين بنفي الجمع، والأحسن منه ما يشير إليه كلام البعض. ثم ذكر السندي ما تقدم من كلامه وتوجيهه في حاشيته على النسائي (وصلى الفجر يومئذ) أي بمزدلفة (قبل ميقاتها) أي قبل وقتها المعتاد فعلها فيه في الحضر لا أنه أوقعها قبل طلوع الفجر كما يتبادر من ظاهر اللفظ، ووقتها المعتاد أنه كان ﷺ إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج فصلى الصبح، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى أن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه. قال النووي: المراد به قبل وقتها المعتاد لا قبل طلوع الفجر، لأن ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين والغرض أن استحباب الصلاة في أول الوقت في هذا اليوم أشد وآكد، ومعناه أنه ﷺ كان في غير هذا اليوم يتأخر عن أول طلوع الفجر إلى أن يأتيه بلال، وفي هذا اليوم لم يتأخر لكثرة المناسك فيه فيحتاج إلى المبالغة في التبكير ليتسع له الوقت. قال الحافظ: ولا حجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الصبح لأنه ثبت عن عائشة وغيرها كما تقدم في المواقيت التغليس بها، بل المراد هنا أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج فصلى الصبح مع ذلك بغلس، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى أن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه وهو بين في رواية إسرائيل (عند البخاري) حيث قال: ثم صلى الفجر حين طلع الفجر قائل يقول: طلع الفجر وقائل يقول: لم يطلع (متفق عليه) . وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص ٣٨٤، ٤٢٦) وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج ٥: ص ١٢٤) . ٢٦٣٣- قوله (أنا ممن قدم النبي ﷺ ) أي قدمه (ليلة المزدلفة) أي إلى منى (في ضعفة أهله) بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة جمع ضعيف أي في الضعفاء من أهله وهم النساء والصبيان والخدم والمشائخ العاجزون وأصحاب الأمراض، وقال ابن حزم: الضعفة هم الصبيان والنساء فقط. والحديث يرد عليه لأنه أعم من ذلك. قال العيني: يدخل فيه المشائخ

стр. 4144

متفق عليه. ٢٦٣٤ – (٧) وعن الفضل بن عباس، وكان رديف النبي ﷺ ــ العاجزون لأنه روى عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قدم ضعفة بني هاشم وصبيانهم بليل، رواه ابن حبان في الثقات وقوله " ضعفة بني هاشم " أعم من النساء والصبيان والمشائخ العاجزين وأصحاب الأمراض لأن العلة خوف الزحام عليهم – انتهى. قلت: ويؤيده رواية الطحاوي عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ للعباس ليلة المزدلفة: اذهب بضعفائنا ونسائنا فليصوا الصبح بمنى وليرموا جمرة العقبة قبل أن تصيبهم دفعة الناس، قال: فكان عطاء يفعله بعد ما كبر وضعف، ولأبي عوانة من طريق أبي الزبير عن ابن عباس كان رسول الله ﷺ يقدم العيال والضعفة إلى منى من المزدلفة. والحديث دليل على جواز الإفاضة من مزدلفة إلى منى في الليل قبل طلوع الفجر وقبل الوقوف بالمشعر الحرام للنساء والصبيان والضعفة من الرجال ولكن لا يجزئ في أول إجماعًا. قال ابن قدامة: لا بأس بتقديم الضعفة والنساء أي بعد نصف الليل، وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف وعائشة وبه قال عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، ولأن فيه رفقًا بهم ودفعًا لمشقة الزحام عنهم وإقتداء بفعل نبيهم ﷺ – انتهى. وأعلم أن ها هنا مسألتان خلافيتان اشتبهت إحداهما بالأخرى على شراح الحديث ونقلة المذاهب، إحداهما الوقوف بالمزدلفة بعد طلوع الفجر من صبيحة يوم النحر، والثانية المبيت بها ليلة النحر وربما أطلقت شراح الحديث وأصحاب الفروع إحداهما على الأخرى ولا يخفى ذلك على من طالع شرحي البخاري للحافظ والعيني وشرحي مسلم للنووي والأبي، وشرحي الموطأ للباجي والزرقاني والنيل للشوكاني والمغني لابن قدامة وشرح الهداية لابن الهمام والبداية لابن رشد وشرح المهذب للنووي وغير ذلك من كتب شروح الحديث والفقه والمناسك، وحاصل مسالك الأئمة الأربعة وأتباعهم أن المبيت بالمزدلفة إلى ما بعد النصف الأول واجب عن الشافعي على المعتمد وأحمد وهذا لمن أدركه قبل النصف وإلا فالحضور ساعة في النصف الأخير كاف، وعند مالك النزول بقدر حط الرحال واجب في أي وقت من الليل كان. وعند الحنفية المبيت سنة مؤكدة وهو قول للشافعي وركن عن السبكي وابن المنذر وأبي عبد الرحمن من الشافعية، وأما الوقوف بعد الفجر فواجب عند الحنفية وسنة عند الأئمة الثلاثة وفريضة عند ابن الماجشون وابن العربي من المالكية وإن شئت الوقوف على تفاصيل مذاهبهم مع الأدلة فارجع إلى الفتح للحافط والعمدة للعيني والمغني وأضواء البيان للشنقيطي (متفق عليه) . وأخرجه أيضًا أحمد مرارًا وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم. ٢٦٣٤- قوله (وعنه) أي عن ابن عباس أي عبد الله فإنه المراد به عند الإطلاق (عن الفضل بن عباس) أي أخيه شقيقه (وكان) أي الفضل (رديف النبي) وفي بعض النسخ " رديف رسول الله. كما في مسلم أي من المزدلفة إلى منى

стр. 4145

أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: " عليكم بالسكينة ". وهو كاف ناقته حتى دخل محسرًا، وهو من منى قال: " عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة، وقال: لم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة. رواه مسلم. ٢٦٣٥ – (٨) وعن جابر، قال: أفاض النبي ﷺ من جمع، وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأوضع في وادي محسر، ــ والجملة معترضة (أنه) أي النبي ﷺ (قال في عيشة عرفة) أي بناء على ما سمعه وهو غير رديفه (وغداة جمع) أي من مزدلفة يعني حال كونه رديفًا له (حين دفعوا) أي انصرفوا من عرفة والمزدلفة (عليكم بالسكينة) مقول القول، وهذا إرشاد إلى الأدب والسنة في السير من عرفة ومن مزدلفة ويلحق به سائر مواضع الزحام (وهو) أي النبي ﷺ (كاف ناقته) بتشديد الفاء أي كان يكفها ويمنعها من الإسراع حين الزحام (حتى دخل محسِّرًا) بتشديد السين المكسورة أي يحرك دابته فيه (وهو) أي المحسر (من منى) فيه أن وادي محسر من منى وقيل هو من المزدلفة، والتحقيق أنه كالبرزخ بين المزدلفة ومنى، ومعنى قوله " هو من منى " أي موضع قريب من منى في آخر المزدلفة (عليكم بحصى الخذف) بخاء معجمة مفتوحة ثم ذال معجمة ساكنة بوزن الضرب تقول: خذفت الحصاة ونحوها خذفًا من باب ضرب، رميتها بطرفي الإبهام والسبابة. والمراد الحصى الصغار نحو الباقلا، وقد تقدم بيان ذلك في شرح حديث جابر الطويل (الذي يرمي به الجمرة) بالرفع على أنه نائب الفاعل، والمعنى يلزمكم أن ترفعوا حصى لترموا بها الجمرة، ثم اختلفوا في أنه يرفعها من الطريق وهو ظاهر الحديث، وجاء في بعض الروايات رفعها من المزدلفة وهذا منقول عن ابن عمر وسعيد بن جبير والمختار أنه يجوز أن يرفع من أي مكان شاء إلا الجمرات التي رمى بها، ويجوز بها أيضًا لكن الأفضل أن لا يرمى بها، ثم اختلفوا في أن ترفع سبع حصيات لرمى يوم النحر فقط. ونص الشافعي على استحباب ذلك، أو سبعين حصاة، سبعة ليوم النحر وثلاثًا وستين لما بعده من الأيام وظاهر إفراد الجمرة ينظر إلى القول الأول، والله أعلم. وارجع لمزيد التفصيل إلى المغنى (ج ٣: ص ٤٢٤) (وقال) أي الفضل (حتى رمى الجمرة) أي جمرة العقبة يوم النحر وعند ذلك قطع التلبية. والحديث يدل على أنه مستحب لمن بلغ وادي محسر إن كان راكبًا يحرك دابته، وإن كان ماشيًا أسرع في مشيه (رواه مسلم) . وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢١٠) والنسائي والبيهقي (ج٥: ص ١٢٧) . ٢٦٣٥ – قوله (من جمع) أي من المزدلفة (وعليه السكينة) جملة حالية (وأمرهم) أي الناس (وأوضع) أي أسرع السير بإبله، يقال وضع البعير يضع وضعًا وأوضعه راكبه إيضاعًا إذا حمله على سرعة السير (في وادي محسر) أي قدر رمية حجر. قال الشوكاني: حديث جابر هذا يدل على أنه يشرع الإسراع في وادي محسر. قال الأزرقي: وهو

стр. 4146

وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف. وقال: " لعلي لا أراكم بعد عامي هذا ". لم أجد هذا الحديث في الصحيحين إلا في جامع الترمذي مع تقديم وتأخير. (الفصل الثاني) ٢٦٣٦ - (٩) عن محمد بن قيس بن مخرمة، قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: ــ خمس مائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعًا، وإنما شرع الإسراع فيه لأن العرب كانوا يقفون فيه ويذكرون مفاخر آبائهم فاستحب الشارع مخالفتهم، وقيل في حكمة الإسراع غير ذلك كما سبق (بمثل حصى الخذف) تقدم ضبطه وتفسيره (لعلي لا أراكم بعد عامي هذا) لعل ها هنا للإشفاق، وفيه تحريض على أخذ المناسك منه وحفظها وتبلغيها عنه، قال المظهر: لعل للترجي وقد تستعمل بمعنى الظن وعسى، كذا في المرقاة، وفي رواية مسلم " لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ". قال الزرقاني: لعلي أي ظن ويحتمل أن لعل للتحقيق كما يقع في كلام الله تعالى كثيرًا. وقال النووي: فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع (لم أجد هذا الحديث في الصحيحين) أي في أحاديثهما حتى يشمل جامع الأصول للجزري، والجمع بين الصحيحين للحميدي فافهم. وهذا اعتراض على صاحب المصابيح في إيراده في الصحاح أي الفصل الأول (إلا في جامع الترمذي) استثناء منقطع أي لكن وجدته فيه (مع تقديم وتأخير) هذا أيضًا متضمن لاعتراض آخر. قلت: قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان نا وكيع وبشر بن السري وأبو نعيم قالوا: نا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ أوضع في وادي محسر، وزاد فيه بشر " وأفاض من جمع وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة " وزاد فيه أبو نعيم " وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف وقال: لعلي لا أراكم بعد عامي هذا ". قال الترمذي: حديث جابر حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجة والبيهقي (ج ٥: ص ١٢٥) من طريق الثوري عن أبي الزبير عن جابر بنحو رواية الترمذي، وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي بلفظ " أفاض رسول الله ﷺ وعليه السكينة وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف وأوضع في وادي محسر " وأخرج أحمد أيضًا ومسلم وأبو داود (في رواية أبي الحسن ابن العبد وأبي بكر بن داسة) والنسائي والبيهقي (ج ٥: ص ١٣٠) كلهم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول: " لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلى لا أحج بعد حجتي هذه ". وقد ذكره المصنف في باب رمي الجمار. ٢٦٣٦- قوله (عن محمد بن قيس بن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء، ابن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي المكي. قال الحافظ في التقريب: يقال له رؤية، وقد وثقه أبو داود وغيره، وقال

стр. 4147

" إن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم قبل أن تغرب، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس حين تكون كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، هدينا مخالف لهدي عبدة الأوثان والشرك ". ــ في تهذيب التهذيب: روى عن النبي ﷺ مرسلاً وعن أبي هريرة وعائشة وعن أمه عن عائشة، روى عنه ابنه حكيم وعبد الله بن كثير بن المطلب ومحمد بن عجلان ومحمد بن إسحاق وابن جريج وغيرهم. قال أبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وذكر العسكري أنه أدرك النبي ﷺ وهو صغير. وقال في الإصابة في ترجمته: ذكره العسكري وقال: لحق النبي ﷺ ، وذكره ابن أبي داود والباوردي في الصحابة، وجزم البغوي وابن مندة وغيرهما بأن حديثه مرسل يعني فهو من التابعين. وروى أيضًا عن أبيه وعمر، وروى أيضًا عن أمه وعن عائشة – انتهى. وذكره المصنف في التابعين، فالحديث مرسل (إن أهل الجاهلية) أي غير قريش (كانوا يدفعون) أي يرجعون (في وجوههم) الجار متعلق بتكون وجملة التشبيه معترضة (قبل أن تغرُب) بضم الراء، ظرف ليدفعون أو بدل من حين، نقل الطيبي عن القاضي شبه ما يقع من ضوء الشمس على الوجه طرفي النهار حين ما دنت الشمس من الأفق بالعمامة لأنه يلمع في وجهه لمعان بياض العمامة – انتهى. وقيل المراد كأن الشمس حين غاب نصفها عمامة على رأس الجبل، لأن شكل العمامة شكل نصف الكرة فإن قلت: قوله " في وجوههم " يدل على ما ذكره الطيبي قلت: نعم إن كان متعلقاً بقوله تكون الشمس وليس بمتعين بل يحتمل أن يتعلق بعمائم الرجال ظرفًا مستقرًا. كذا في اللمعات، وقال القاري: قال بعض الشراح قوله " حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم " أي حين تكون الشمس في وجوههم كأنها عمائم الرجال، وذلك بأن يقع في الجهة التي تحاذي وجوههم، وإنما لم يقل " على رؤوسهم " لأن في مواجهة الشمس وقت الغروب إنما يقع ضوئها على ما يقابلها ولم يتعد إلى ما فوقه من الرأس لانحطاطها، وكذا وقت الطلوع، وإنما شبهها بعمائم الرجال لأن الإنسان إذا كان بين الشعاب والأودية لم يصبه من شعاع الشمس إلا الشيء اليسير الذي يلمع في جنبيه لمعان بياض العمامة والظل يستر بقية وجهه وبدنه، فالناظر إليه يجد ضوء الشمس في وجهه مثل كور العمامة فوق الجبين، والإضافة في " عمائم " لمزيد التوضيح كما قاله الطيبي أو للاحتراز عن نساء الأعراب فإن على رؤوسهن ما يشبه العمائم كما قاله ابن حجر – انتهى كلام القاري. (ومن المزدلقة) أي يرجعون (وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس) فيكره النفر قبل ذلك عند بعضهم، والأكثرون على أن الجمع بين الليل والنهار واجب (وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس) أي عند الإسفار فيكره المكث بها إلى طلوع الشمس اتفاقًا (هدينا) أي سيرتنا وطريقتنا (والشرك) أي أهله، والجملة استينافية فيها معنى

стр. 4148

رواه....... ٢٦٣٧ – (١٠) وعن ابن عباس، قال: قدمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب ــ التعليل وفي المصابيح " لهدي أهل الأوثان والشرك " (رواه) كذا في الأصل بياض هنا، وفي نسخة صحيحة كتب في الهامش " رواه البيهقي " أي في شعب الإيمان، ذكره الجزري، ولفظ البيهقي " خطبنا " وساقه بنحوه، كذا في المرقاة، قلت: روى البيهقي في السنن (ج ٥: ص ١٢٥) من طريق عبد الوارث بن سعيد عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله ﷺ بعرفة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن أهل الشرك والأوثان – الحديث. قال البيهقي: ورواه عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: هذا يوم الحج الأكبر ثم ذكر ما بعده بمعناه مرسلاً – انتهى. والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٣: ص ٢٥٥) من رواية المسور بن مخرمة قال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. وقال الحافظ في تخريج الهداية (ص ١٩٤) بعد ذكره عن المسور بن مخرمة أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي من طريقه ثم من طريق ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عنه، وهو عند الشافعي ثم عند البيهقي من هذا الوجه ليس فيه المسور، وذكره صاحب المهذب (أبو إسحاق الشيرازي) عن المسور، وخطأه ابن دقيق العيد فقال: إنما هو محمد بن قيس بن مخرمة كذا قال، وكأنه لم يقف على الرواية الموصولة (عند الحاكم والبيهقي) وروى ابن أبي شيبة عن ابن أبي زائدة عن ابن جريج أخبرت عن محمد بن قيس بن مخرمة نحوه، وهذا يقتضي انقطاع طريقي الحاكم انتهى كلام الحافظ وهو ملخص ما ذكره الزيلعي في نصب الراية (ج ٣: ص ٦٧) وحديث المسور بن مخرمة لم أجده في المستدرك في مظانه، وأما حديث محمد بن قيس بن مخرمة فرواه الشافعي في الأم (ج ٢: ص ١٨٠) عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة بلفظ أن النبي ﷺ قال: كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير. فأخر الله تعالى هذه وقدم هذه يعني قدم المزدلفة قبل أن تطلع الشمس وأخر عرفة إلى أن تغيب الشمس – انتهى. وذكره الشيخ عبد الرحمن الساعاتي في بدائع المنن (ج ٢: ص ٥٧، ٥٨) بلفظ المشكاة. ٢٦٣٧ – قوله (قدمنا رسول الله ﷺ ) أي أمرنا بالتقدم إلى منى أو أرسلنا قدامه (أغيلمة بني عبد المطلب) أي صبيانهم، وفيه تغليب الصبيان على النسوان، وهو بدل من الضمير في قدمنا، وقال القاري: نصبه على الاختصاص أو على إضمار أعني أو عطف بيان من ضمير قدمنا. قال الخطابي: أغيملة تصغير غلمة، وكان القياس غليمة لكنهم ردوه إلى أفعلة فقالوا: أغيملة أي كأنهم صغروا أغلمة وإن لم يقولوه كما قالوا أصيبية في تصغير الصبية. وقال القاري: هو تصغير

стр. 4149

على حمرات، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: " أبيني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ". ــ شاذ لأن قياس غلمة – بكسر الغين – غليمة، وقيل: هو تصغير أغلمة جمع غلام قياسًا وإن لم يستعمل، والمستعمل غلمة في القلة والغلمان في الكسرة. وقال الجزري في جامع الأصول: أغيلمة تصغير أغلمة قياسًا ولم تجيء، كما أن أصيبية تصغير أصبية ولم تستعمل، إنما المستعمل صبية وغلمة. وقال في النهاية: تصغير أغلمة بسكون الغين وكسر اللام جمع غلام وهو جائز في القياس ولم يرد في جمع الغلام أغلمة، وإنما ورد غِلمة بكسر الغين المعجمة (على حمرات) بضمتين جمع حمر جمع تصحيح وحمر جمع حمار وهي حال من المفعول أي راكبين على حمرات، وهذا يدل على أن الحج على الحمار غير مكروه في السفر القريب (فجعل) أي فشرع النبي ﷺ (يلطح) بفتح الياء التحتية والطاء المهملة بعدها حاء مهملة أي يضرب (أفخاذنا) جمع فخذ، قال الجزري: اللطح هو الضرب الخفيف أي اللين ببطن الكف أي يضرب بيده أفخاذنا ضربًا خفيفًا. وإنما فعل ذلك ملاطفة لهم (أبيني) بضم الهمز وفتح الباء الموحدة وسكون ياء التصغير بعدها نون مكسورة ثم ياء مشددة مفتوحة. قال السندي: قيل هو تصغير أبنى كأعمى وأعيمى وهو اسم مفرد يدل على الجمع أو جمع ابن مقصورًا كما جاء ممدودًا، بقى أن القياس حنئذ عند الإضافة إلى ياء المتكلم أبيناي فكأنه رد الألف إلى الواو على خلاف القياس، ثم قلب الواو ياء وأدغم الياء في الياء وكسر ما قبله، ويحتمل أن يكون مقصور الآخر لا مشددة فالأمر أظهر، والله تعالى أعلم. وقال الجزري في النهاية: قد اختلف في صيغته ومعناه فقيل: إنه تصغير أبنى كأعمى وأعيمى، وهو اسم مفرد يدل على الجمع، وقيل: إن ابنا يجمع على أبني وأبناء مقصورًا وممدودًا، وقيل: هو تصغير ابن، وفيه نظر. وقال أبو عبيدة: هو تصغير بني جمع ابن مضافًا إلى النفس أي ياء المتكلم فهذا يوجب أن يكون اللفظ في الحديث بنيي بوزن سريجي – انتهى. وقال القاري: هو تصغير ابن مضاف إلى النفس أو بعد جمعه جمع السلامة إلا أنه خلاف القياس، لأن همزته همزة وصل، والقاعدة أن التصغير يرد الشيء إلى أصله مثل الجمع، ومنه قوله تعالى ﴿المال والبنون﴾ فأصل ابن بنوّ فهو من الأسماء المحذوفة العجز، فالظاهر أن يقال بني إلا أنه كان يلتبس بالمفرد فزيد فيه الهمزة – انتهى. قال: والمراد يا أبنائي أو يا بني (لا ترموا الجمرة) أي جمرة العقبة يوم النحر (حتى تطلع الشمس) هذا يدل على أن وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر من بعد طلوع الشمس وإن كان الرامي ممن أبيح له التقدم إلى منى وأذن له في عدم المبيت بمزدلفة. قال الشوكاني: والأدلة تدل على أن وقت الرمي من بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له، ومن كان له رخصة كالنساء وغيرهن من الضعفة جاز قبل ذلك ولكنه لا يجزئ في أول ليلة النحر إجماعًا – انتهى. اعلم أن العلماء اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة من للضعفة وغيرهم مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس أجزأه ذلك، فذهب الشافعي وأحمد وعطاء وأسماء بنت أبي بكر وعكرمة وخالد وطاوس والشعبي إلى أن أول الوقت

стр. 4150

.............................................................................................. ــ الذي يجزئ فيه رمي جمرة العقبة هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، واستدل لهم بحديث عائشة الذي ذكره المصنف بعد هذا وهو حديث صحيح، ويعتضد هذا بما رواه الخلال من طريق سليمان بن أبي داود عن هشام بن عروة عن أبيه قال أخبرتني أم سلمة قالت: قدمني رسول الله ﷺ فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى، كذا ذكره ابن القيم. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أول وقته من بعد طلوع الفجر، وأول الوقت المستحب بعد طلوع الشمس وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، فإن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز وإن رماها قبل الفجر أعادها، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة واستدل لذلك بما رواه الطحاوي بسنده عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يأمر نساءه وثقله صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد ولا يرموا الجمرة إلا مصبحين، وفي رواية أن رسول الله ﷺ بعثه في الثقل وقال: لا ترموا الجمار حتى تصبحوا، وذهب النخعي ومجاهد والثوري وأبو ثور إلى أن أول وقته يبتدئ من بعد طلوع الشمس فلا يجوز رميها عندهم لا بعد طلوع الشمس، واستدلوا لذلك بحديث ابن عباس الذي نحن في شرحه. قالوا: إذا كان من رخص له منع أن يرمي قبل طلوع الشمس فمن لم يرخص له أولى، وأجاب الحنفية عن هذا بأنه محمول على بيان الوقت المستحب والفضيلة، وما رواه الطحاوي فيه بيان وقت الجواز، وأما حديث عائشة الآتي في قصة أم سلمة فأجابوا عنه بأنه ليس فيه دلالة على أنه ﵊ علم ذلك وأقرها عليه ولا أنه أمرها أن ترمي ليلاً، ويمكن أن يراد بقوله " فرمت قبل الفجر " أي قبل صلاة الفجر، وقيل: إن حديث أم سلمة رخصة خاصة لها، وذهب بعض أهل العلم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر ولغيرهم من بعد طلوع الشمس وهو اختيار ابن القيم واستدل لذلك بحديث أسماء عند الشيخين أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلقة فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا. فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا. قالت: يا بني إن رسول الله ﷺ أذن للظعن – انتهى. فهذا الحديث صريح أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الشمس بل بغلس، وقد صرحت بأنه ﷺ أذن في ذلك للظغن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور، واستدل لذلك أيضًا بحديث ابن عمر عند الشيخين أيضًا أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ – انتهى. وهذا يدل دلالة واضحة على الترخيص للضعفة في رمي جمرة العقبة بعد الصبح قبل طلوع الشمس كما ترى. ومفهومه أنه لم يرخص لغيرهم في ذلك. قال

стр. 4151

.............................................................................................. ــ الشنقيطي: إن الذي يقتضي الدليل رجحانه في هذه المسألة أن الذكور الأقوياء لا يجوز لهم رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس وأن الضعفة والنساء لا ينبغي التوقف في جواز رميهم بعد الصبح قبل طلوع الشمس لحديث أسماء وابن عمر المتفق عليهما الصريحين في الترخيص لهم في ذلك، وأما رميهم أعني الضعفة والنساء قبل طلوع الفجر فهو محل نظر فحديث عائشة عند أبي داود (الآتي) يقتضي جوازه وحديث ابن عباس عند أصحاب السنن (يعني الذي نحن في شرحه) يقتضي منعه. وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم فجعلوا لرمي جمرة العقبة وقتين: وقت فضيلة ووقت جواز، وحملوا حديث ابن عباس على وقت الفضيلة وحديث عائشة على وقت الجواز. وله وجه من النظر، والعلم عند الله تعالى. أما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنة دليل يدل على جواز رميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس لأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في ذلك كلها في الضعفة وليس شيء منها في الأقوياء الذكور، وقد قدمنا أن قياس القوي على الضعيف الذي رخص له من أجل ضعفه قياس مع وجود الفارق وهو مردود كما هو مقرر في الأصول، لأن الضعف الموجود في الأصل المقيس عليه الذي هو علة الترخيص المذكور ليس موجودًا في الفرع المقيس الذي هو الذكر القوي كما ترى – انتهى. ثم اعلم أن وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى آخر نهار يوم النحر فمن رماها قبل الغروب من يوم النحر فقد رماها في وقت لها. قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن ذلك مستحباً لها – انتهى. فإن فات يوم النحر ولم يرمها فقال بعض أهل العلم يرميها ليلاً، ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم رمها ليلاً أداء لا قضاء، وهو أحد وجهين مشهورين للشافعية، حكاهما صاحب التقريب والشيخ أبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين وآخرون. وروى مالك عن نافع أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة فتخلفت هي وصفية حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا ولم ير عليهما شيئًا – انتهى. وهذا يدل على أن ابن عمر يرى أن رميها في الليل أداء لمن كان له عذر كصفية وابنة أخيها. وممن قال برميها ليلاً الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأصحابهم. وفي الموطأ (في آخر باب الرخصة في رمي الجمار) قال يحيى: سئل مالك عمن نسي جمرة من الجمار في بعض أيام منى حتى يمسي قال: ليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار كما يصلي الصلاة إذا نسيها ثم ذكرها ليلاً أو نهاراً، فإن كان ذلك بعد ما صدر وهو بمكة أو بعدما يخرج منها فعليه الهدي واجب. وقال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: ولو أخر الرمي إلى الليل رماها ولا شيء عليه لأن الليل تبع لليوم في مثل هذا كما في الوقوف بعرفة فإن أخره إلى الغد رماها وعليه دم. – انتهى. وقال بعض أهل العلم: إن غربت الشمس من يوم النحر وهو لم يرم جمرة العقبة لم يرمها في الليل ولكن يؤخر رميها حتى تزول الشمس من الغد. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٢٩) : فإن أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس، واستدل لجواز الرمي ليلاً بما رواه البخاري عن ابن

стр. 4152

رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة. ــ عباس قال: كان النبي ﷺ يسئل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج. وقال: رميت بعد ما أمسيت فقال: لا حرج – انتهى. قالوا: قد صرح النبي ﷺ بأن من رمى بعد ما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل، وأجاب القائلون بعدم جواز الرمي ليلاً عن هذا الاستدلال بأن مراد السائل بقوله بعد ما أمسيت يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل. والدليل على ذلك أن حديث ابن عباس المذكور فيه كان النبي ﷺ يسئل يوم النحر بمنى – الحديث. فتصريحه بقوله " يوم النحر " يدل على أن السؤال وقع في النهار والرمي بعد الإمساء وقع في النهار لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل، قال الحافظ في شرح الحديث المذكور: قوله " رميت بعد ما أمسيت " أي بعد دخول المساء وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام، فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل – انتهى. وقال ابن قدامة: قول النبي ﷺ " إرم ولا حرج " إنما كان في النهار لأنه سأله في يوم النحر ولا يكون اليوم إلا قبل مغيب الشمس – انتهى. قالوا: فالحديث صريح في أن المراد بالإمساء فيه آخر النهار بعد الزوال لا الليل، وإذن فلا حجة فيه للرمي ليلاً. وأجاب القائلون بجواز الرمي ليلاً عن هذا بأجوبة، منها أن قول النبي ﷺ " لا حرج " بعد قول السائل " رميت بعد ما أمسيت " يشمل لفظه نفى الحرج عمن رمى بعد ما أمسى، وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ولفظ المساء عام لجزء من النهار وجزء من الليل، وسبب ورود الحديث المذكور خاص بالنهار، وقد ثبت في الأصول أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب (رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢٣٤، ٣١١) والطحاوي (ج ١: ص ٤١٣) وابن حبان والبيهقي (ج ٥: ص ١٣٢) كلهم من طريق الحسن بن عبد الله العرني عن ابن عباس، والحسن العرني ثقة ولكنه لم يسمع من ابن عباس كما قال الإمام أحمد والبخاري وابن معين بل قال أبو حاتم لم يدركه. قال المنذري: الحسن العرني بجلى كوفي ثقة، واحتج به مسلم، واستشهد به البخاري غير أن حديث ابن عباس منقطع. وقال الإمام أحمد: الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس شيئًا – انتهى. لكن رواه البخاري في التاريخ الصغير (ص ١٣٦) وأحمد والترمذي والطحاوي من طريق مقسم عن ابن عباس بمعناه وزيادة ونقص، وصححه الترمذي وغيره. وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر حديث الباب: هو حديث حسن أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي وابن حبان من طريق الحسن العرني، وهو بضم المهملة وفتح الراء بعدها نون، عن ابن عباس، وأخرجه الترمذي والطحاوي من طرق عن الحكم عن مقسم عنه، وأخرجه أبو داود من طريق حبيب عن عطاء، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، ومن ثم صححه الترمذي وابن حبان.

стр. 4153

٢٦٣٨ – (١١) وعن عائشة، قالت: أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم، اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ عندها. رواه أبو داود. ٢٦٣٩- (١٢) وعن ابن عباس، قال: يلبي المقيم أو المعتمر ــ ٢٦٣٩- قوله (أرسل النبي ﷺ بأم سلمة) أي ومن معها من الضعفة والباء زائدة للتأكيد (ليلة النحر) أي من مزدلفة إلى منى (فرمت الجمرة قبل الفجر) أي طلوع الصبح. وفيه دليل على جواز الرمي قبل الفجر للنساء لأن الظاهر أنه لا يخفى عليه ﷺ ذلك فقرره. قال الأمير اليماني: وقد عارضه حديث ابن عباس المتقدم، وجمع بينهما بأنه يجوز الرمي قبل الفجر لمن له عذر، وكان ابن عباس أي وغيره من الصبيان والغلمة لا عذر له. وقال الشوكاني: قوله " قبل الفجر " هذا مختص بالنساء فلا يصلح للتمسك به على جواز الرمي لغيرهن من هذا الوقت لورود الأدلة القاضية بخلاف ذلك، ولكنه يجوز لمن بعث معهن من الضعفة كالعبيد والصبيان أن يرمي في وقت رميهن كما في حديث أسماء وحديث ابن عباس عند أحمد أن النبي ﷺ بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر فرموا الجمرة مع الفجر. وقد تقدم ما أجاب به الحنفية عن حديث عائشة هذا (ثم مضت) أي ذهبت من منى (فأفاضت) أي طافت طواف الإفاضة ثم رجعت إلى منى (وكان ذلك اليوم) أي اليوم الذي فعلت فيه ما ذكر من الرمي والطواف (اليوم) بالنصب على الخبرية) (الذي يكون رسول الله ﷺ عندها) يعني عند أم سلمة أي في نوبتها من القسم، كأنه إشارة إلى سبب استعجالها في الرمي والإفاضة، وقوله " عندها " كذا في جميع النسخ من المشكاة وهكذا في المصابيح، وفي أبي داود " تعني عندها " وهو من تفسير أبي داود أو أحد رواته (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذري. وقال الحافظ في بلوغ المرام " إسناده على شرط مسلم " وكذا قال النووي في شرح المهذب. وقال الزيلعي في نصب الراية (ج ٣: ص ٧٣) بعد أن ساق حديث أبي داود هذا عن عائشة: ورواه البيهقي في سننه وقال: إسناده صحيح لا غبار عليه – انتهى. قلت: حديث عائشة هذا أخرجه البيهقي في باب من أجاز رميها بعد نصف الليل (ج ٥: ص ١٣٣) ولكن لم أجد فيه قوله إسناده صحيح لا غبار عليه. وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح. ٢٦٣٩- قوله (يلبي المقيم) أي بمكة من المعتمرين (أو المعتمر) أي من القادمين، فأو للتنويع، ولا يبعد أن يراد به المعتمر مطلقًا، فأو شك من الراوي، قاله القاري. قلت: قوله " يلبي المقيم أو المعتمر " كذا وقع في جميع نسخ المشكاة، وهكذا ذكره الجزري في جامع الأصول (ج ٣: ص ٤٣٨) والمحب الطبري في القرى (ص ١٥٣) ومحمد بن محمد بن سليمان الفاسي المغربي في جمع الفوائد (ج ١: ص ٤٦٢) وليس في المصابيح لفظ المقيم ولا في السنن لأبي داود والبيهقي والأم للشافعي ولم يذكره أيضًا الزيلعي في نصب الراية والمجد في المنتقي. والظاهر أن المصنف قلد في ذلك

стр. 4154

حتى يستلم الحجر. ــ جامع الأصول وهو من أوهام الجزري (حتى يستلم الحجر) وفي المصابيح " حتى يفتتح الطواف " ويروى " حتى يستلم الحجر " وللبيهقي من طريق الشافعي عن مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: يلبي المعتمر حتى يفتتح الطواف مستلمًا أو غير مستلم. قال شارح المصابيح: قوله حتى يفتتح الطواف أي يلبي الذي أحرم بالعمرة من وقت إحرامه إلى أن يبتدئ بالطواف ثم يترك التلبية – انتهى. ورواه الدارقطني بلفظ " لا يمسك المعتمر عن التلبية حتى يفتتح الطواف " ولا فرق بين رواية أبي داود وبين رواية الشافعي والدارقطني إلا في التعبير دون الواقع، لأن ابتداء الطواف من استلام الحجر الأسود، ولذلك قال الطبري بعد تخرج الروايتين: هذا قول أكثر أهل العلم أن المعتمر يلبي حتى يفتتح الطواف. قال ابن عباس: يلبي المعتمر إلى أن يفتتح الطواف مستلمًا وغير مستلم، وبه قال الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق – انتهى. قال الشوكاني: قوله " حتى يستلم الحجر " ظاهره أنه يلبي في حال دخوله المسجد وبعد رؤية البيت وفي حال مشيه حتى يشرع في الاستلام ويستثنى منه الأوقات التي فيها دعاء مخصوص، وقد ذهب إلى ما دل عليه الحديث من ترك التلبية عند الشروع في الاستلام أبو حنفية والشافعي وهو قول ابن عباس وأحمد – انتهى. وقال الترمذي بعد رواية الحديث مرفوعًا " أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر " ما لفظه: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. قالوا: " لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر " وقال بعضهم إذا انتهى إلى بيوت مكة قطع التلبية، والعمل على حديث النبي ﷺ ، وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق – انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن المسألة خلافية. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٠١) : يقطع المعتمر التلبية إذا استلم الركن. وبهذا قال ابن عباس وعطاء وعمرو بن ميمون وطاوس والنخعي والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال ابن عمر وعروة والحسن: يقطعها إذا دخل الحرم، وقال سعيد بن المسيب: يقطعها حين يرى عرش مكة. وحكي عن مالك إن أحرم من الميقات قطع التلبية إذا وصل إلى الحرم، وإن أحرم بها من أدنى الحل قطع التلبية حين يرى البيت، ولنا ما روي عن ابن عباس يرفع الحديث: كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر،. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر. (أخرجه أحمد ج ٢: ص ١٨٠) والبيهقي (ج ٥: ص ١٠٥) قلت: ما حكي عن مالك هو رواية الموطأ والمختصر، والمعروف في مذهب المالكية أن معتمر الجعرانة أو التنعيم يلبي إلى دخول بيوت مكة. وفي المدونة قال ابن القاسم، قال مالك: والمحرم بالعمرة من ميقاته يقطع التلبية إذا دخل الحرم ثم لا يعود إليها، والذي يحرم من غير ميقاته مثل الجعرانة والتنعيم يقطع إذا دخل بيوت مكة. قال: فقلت له: أو المسجد، قال: أو المسجد كل ذلك واسع – انتهى. وقال ابن حزم: والذي نقول به

стр. 4155

رواه أبو داود، وقال: ورُوي موقوفًا على ابن عباس. ــ فهو قول ابن مسعود أنه لا يقطعها حتى يتم جميع عمل العمرة. وقال الشافعي بعد ما روى عن عبد الله بن مسعود أنه لبي في عمرة على الصفا بعد ما طاف بالبيت: وليسوا يقولون (أي أهل العراق) بهذا ولا أحد من الناس علمناه، وإنما اختلف الناس فمنهم من يقول: يقطع التلبية في العمرة إذا دخل الحرم. وهو قول ابن عمر. ومنهم من يقول: إذا استلم الركن. وهو قول ابن عباس. وبه نقول، ويقولون هم أيضًا: فأما بعد الطواف بالبيت فلا يلبي أحد، أورده إلزامًا للعراقيين فيما خالفوا فيه عبد الله بن مسعود كذا في القرى (ص ١٥٤) (رواه أبو داود) في باب: متى يقطع المعتمر التلبية. (وقال ورُوي) على بناء المجهول (موقوفًا على ابن عباس) قلت: الحديث رواه أبو داود مرفوعًا حيث قال: حدثنا مسدد نا هشيم عن ابن أبي ليلي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر، ثم قال أبو داود: رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمام عن عطاء عن ابن عباس موقوفًا. وقد تبين بهذا أن الاقتصار المخل إنما هو في نقل صاحب المشكاة، فكان حقه أن يقول أولاً عن ابن عباس مرفوعًا. وقال المنذري في مختصر السنن وأخرجه الترمذي وقال: صحيح، هذا آخر كلامه. وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي وتكلم فيه جماعة من الأئمة (أي من جهة حفظه) انتهى كلام المنذري. قلت: حديث ابن عباس المرفوع عند الترمذي هو حديث فعلي بلفظ أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر، وحديث ابن عباس المرفوع عند أبي داود قولي بلفظ أن النبي ﷺ قال: يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر فإذن هما حديثان من رواية ابن عباس قولي عند أبي داود وفعلي عند الترمذي، ولهذا الاختلاف جعلهما المجد في المنتقي حديثين، قال الزيلعي في نصب الراية (ج ٣: ص ١١٥) : ولم ينصف المنذري في عزوه هذا الحديث للترمذي، فإن لفظ الترمذي من فعل النبي ﷺ ولفظ أبي داود من قوله فهما حديثان ولكنه قلد أصحاب الأطراف إذ جعلوهما حديثًا واحدًا، وهذا مما لا ينكر عليهم، وقد بينا وجه ذلك في حديث " ابدؤا بما بدأ الله به، (ج ٣: ص ٥٤) قال: وروى الواقدي في كتاب المغازي حدثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ لبي يعني في عمرة القضية حتى استلم الركن – انتهى. قلت: مدار الروايتين المرفوعتين عند الترمذي وأبي داود على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي الكوفي القاضي وهو صدوق سيء الحفظ جدًا. قال البيهقي بعد رواية الحديث الفعلي المرفوع من طريق زهير والحسن بن صالح عن ابن أبي ليلي عن عطاء عن ابن عباس ما لفظه: رفعه خطأ وكان ابن أبي ليلى هذا كثير الوهم، وخاصة إذا روى عن عطاء فيخطئ كثيرًا، ضعفه أهل النقل مع كبر محله في الفقه، وقد روى عن المثني بن الصباح عن عطاء مرفوعًا، وإسناده أضعف مما ذكرنا. ثم روى من طريق الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: اعتمر النبي ﷺ ثلاث عمر كل ذلك لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر، وقد قيل عن الحجاج

стр. 4156

(الفصل الثالث) ٢٦٤٠ - (١٣) عن يعقوب بن عاصم بن عروة، أنه سمع الشريد يقول: أفضت مع رسول الله ﷺ ، فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعًا. ــ عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا. والحجاج بن أرطاة لا يحتج به. ثم روى البيهقي عن أبي بكرة مرفوعًا أنه خرج معه ﷺ في بعض عمره فما قطع التلبية حتى استلم الحجر. ثم قال: إسناده ضعيف – انتهى. ومن المعلوم أن الروايات الضعيفة تكتسب قوة بالاجتماع، والضعف اليسير ينجبر بكثرة الطرق ويصير الحديث حسنًا قابلاً للاحتجاج، ولذلك صحح الترمذي حديث ابن عباس واحتج به الشافعي وغيره من الأئمة. قال القاري: ومناسبة الحديث لعنوان الباب استطراد لحكم قطع التلبية للمعتمر كما ذكر فيما تقدم وقت قطع تلبية المحرم بالحج. ٢٦٤٠ – قوله (عن يعقوب بن عاصم بن عروة) أي بن مسعود الثقفي أخو نافع بن عاصم المكي روى عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو والشريد بن سويد وغيرهم، وعنه إبراهيم بن ميسرة ويعلى بن عطاء والنعمان بن سالم وآخرون. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في التقريب: إنه مقبول من الثالثة أي من الطبقة الوسطى من التابعين (أنه) أي يعقوب (سمع الشريد) بوزن الطويل، وهو شريد بن سويد الثقفي وقيل إنه من حضر موت ولكن عداده في ثقيف لأنهم أخواله، روى عنه ابنه عمرو بن الشريد ويعقوب بن عاصم وغيرهما. قال ابن السكن: له صحبة حديثه في أهل الحجاز، سكن الطائف، والأكثر أنه الثقفي، ويقال إنه حضرمي حالف ثقيفًا وتزوج آمنة بنت أبي العاص بن أمية. وقيل كان اسمه مالكًا فسمي الشريد لأنه شرد من المغيرة بن شعبة لما قتل رفقته الثقفيين، كذا في الإصابة. وقال الجزري: قيل إن الشريد اسمه مالك قتل قتيلاً من قومه فلحق بمكة فحالف بني حطيط بن جشم بن ثقيف، ثم وفد إلى النبي ﷺ فأسلم وبايعه بيعة الرضوان وسماه الرسول ﷺ الشريد – انتهى. وروى مسلم وغيره من طريق عمرو بن الشريد عن أبيه قال: استنشدني النبي ﷺ شعر أمية بن أبي الصلت. وفي رواية: أنه أنشد النبي ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت مائة قافية فقال: كاد يسلم، يعني أمية، والله أعلم (أفضت مع رسول الله ﷺ ) أي رجعت من عرفات إلي المزدلفة (فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعًا) أي المزدلفة، وهذا يدل على أنه ﷺ لم ينزل لحاجة في ذهابه من عرفات إلى المزدلفة، ويشكل عليه ما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أسامة قال: دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، وفي رواية ((فلما جاء الشعب أناخ راحلته ثم ذهب إلي الغائط ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء)) . وفي رواية " توضأ وضوء خفيفًا، قلت له الصلاة، فقال: الصلاة أمامك فركب. فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلي المغرب " الحديث. قال الطيبي: قوله " ما مست قدماه الأرض حتى أتي جمعاً " عبارة عن الركوب من عرفة إلى الجمع يعني

стр. 4157

رواه أبو داود. ٢٦٤١ – (١٤) وعن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم أن الحجاج ــ فما يرد عليه أنه ﵊ نزل فبال فتوضأ – انتهى. وحاصله أن الشريد بالغ في بيان ركوبه ﷺ في السير من عرفة إلى الجمع بأنه قطع تلك المسافة راكبًا ولم يمش على الرجلين في تلك المسافة، وليس معناه أنه لم ينزل عن الناقة فلا يعارض هو حديث أسامة. وقال في عون المعبود: حديث الشريد يدل على أن النبي ﷺ لم ينزل لحاجة بين عرفات والمزدلفة، وحديث أسامة يعارض ذلك لكن يرجع حديث أسامة على حديث الشريد لأنه المثبت أي والمثبت مقدم على النافي كما تقرر في موضعه، وكان أسامة رديف النبي ﷺ فهو أعلم بحاله ولم ير الشريد نزوله ﷺ ، فلذا نفاه على علمه. وقال المحب الطبري بعد ذكر حديث الشريد: وما رواه أسامة أثبت فإنه كان ردف النبي ﷺ ، وأخبر الشريد عما علمه ولم يبلغه ذلك – انتهى. هذا. وقد اعترض صاحب بذل المجهود على جواب العون فقال بعد ذكر توجيه الطيبي: وأما الجواب بترجيح رواية أسامة كما فعله صاحب العون بأن أسامة كان رديفه ﷺ فبعيد، فأنه وقع في حديث الشريد أنه كان مع رسول الله ﷺ فلا سبيل لترجيح أحدهما على الآخر. قال صاحب الأوجز: كذا أفاده الشيخ في البذل. قلت: جواب العون وكذا المحب الطبري مطابق للأصول، فإن حديث الشريد ظاهر بل صريح في نفي النزول على الأرض، وحديث أسامة صريح في النزول وقضاء الحاجة والوضوء وهو أقوي سندًا وأثبت، فلا بعد في تقديمه وترجيحه، وأما توجيه الطيبي فلا يخلو عن التكلف ومخالفة الظاهر، وكون الشريد مع رسول الله ﷺ وإفاضته معه لا يستلزم أن يعلم جميع أحواله ﷺ في مسيره إلى المزدلفة على أنه قد قال أحمد بعد رواية الحديث عن روح، حيث قال روح: وقفت مع رسول الله ﷺ بعرفات: أملاه من كتابه يعنى بخلاف قوله أفضت، فإنه رواه من حفظه، ومن المعلوم أن رواية الكتاب أقوي وأثبت من رواية الحفظ (رواه أبو داود) عن محمد بن المثني عن روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن إبراهيم بن ميسرة عن يعقرب بن عاصم بن عروة أنه سمع الشريد، إلخ. وكذا رواه أحمد (ج ٤: ص ٣٨٩، ٣٩٠) عن روح، وهذا إسناد رجاله ثقات. والحديث ذكره صاحب العون على الهامش بعد حديث أسامة المذكور في باب الدفع من عرفة وقال: لم يوجد هذا الحديث إلا في نسخة واحدة – انتهى. ونقل عن المزي أنه قال في الأطراف: هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة عن أبي داود ولم يذكره أبو القاسم – انتهى. ولذلك لم يذكره المنذري في مختصر السنن، وذكره الجزري في جامع الأصول (ج ٤: ص ٧٦) والنابلسي في ذخائر المواريث (ج ١: ص ٢٦٨) ولم ينبها على ذلك. ٢٦٤١- قوله (وعن ابن شهاب) أي الزهري (أخبرني سالم) أي ابن عبد الله بن عمر (أن الحجاج) بفتح

стр. 4158

ابن يوسف عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله: كيف نصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنة، فهجر بالصلاة يوم عرفة. فقال عبد الله بن عمر: صدق إنهم كانوا يجمعون بين الظهر ــ الحاء، مبالغة الحاج بمعنى الآتي بالحجة (ابن يوسف) أي ابن أبي عقيل الثقفي الأمير الشهير الظالم المبير. قال الحافظ في التقريب: وقع ذكره وكلامه في الصحيحين وغيرهما وليس بأهل أن يروى عنه ولي إمره العراق عشرين سنة ومات سنة خمس وتسعين. وقال في تهذيب التهذيب: ولد سنة (٤٥) أو بعدها بيسير ونشأ بالطائف وكان أبوه من شيعة بني أمية وحضر مع مروان حروبه، ونشأ ابنه مؤدب كتاب ثم لحق بعبد الملك بن مروان وحضر معه قتل مصعب بن الزبير ثم انتدب لقتال عبد الله بن الزبير بمكة فجهزه أميرًا على الجيش فحضر مكة ورمى الكعبة بالمنجنيق إلى أن قتل ابن الزبير (سنة ٧٣) وقال جماعة: إنه دس على ابن عمر من سمه في زج رمح. وقد وقع بعض ذلك في صحيح البخاري، وولاه عبد الملك الحرمين مدة ثم استقدمه فولاه الكوفة وجمع له العراقين (وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة) فسار بالناس سيرة جائرة واستمر في الولاية نحوًا من عشرين سنة، روى الترمذي في الفتن من جامعه عن هشام بن حسان القردوسي البصري قال: أحصوا ما قتل الحجاج صبرًا فبلغ مائة ألف وعشرين ألف قتيل. قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل امة بخبيثها وجئنا بالحجاج غلبناهم، وكفره جماعة، منهم سعيد بن جبير والنخعي ومجاهد والشعبي وعصم بن أبي النجود وغيرهم وقالت له أسماء بنت أبي بكر: أنت المبير الذي أخبرنا به رسول الله ﷺ ، ومات بواسط في شوال سنة (٩٥) وعمره خمسون سنة. وقيل: أنه لم يعش بعد قتل سعيد بن جبير إلا يسيرًا، ذكر قصة موته المؤلف في ترجمة سعيد بن جبير في حرف السين من إكماله (عام نزل) أي بجيش كثير (بابن الزبير) أي لقتاله، وهو عبد الله بن الزبير، وكان نزول الحجاج في سنة ثلاث وسبعين. وقال القاري: قوله عام نزل بابن الزبير " أي سنة قاتل فيها مع عبد الله بن الزبير الخليفة بمكة والعراقين وغيرهما ما عدا نحو الشام حتى فر من معه وبقي صابرًا مجاهدًا بنفسه إلى أن ظفروا به فقتلوه وصلبوه، ثم أمر عبد الملك الحجاج تلك السنة على الحاج وأمره أن يقتدي في جميع أحواله نسكه بأقوال عبد الله بن عمر وأفعاله وأن يسأله ولا يخالفه، فحينئذ (سأل) أي الحجاج (عبد الله) أي ابن عمر، وهو أبو سالم الراوي (كيف نصنع في الموقف يوم عرفة؟) أي في صلاة الظهر والعصر والوقوف في ذلك اليوم، هل نقدمهما على الوقوف أو نوسطهما فيه أو نؤخرهما عنه؟ (فقال سالم) أي ابن عبد الله، ففيه تجريد أو نقل بالمعني وإلا فحق العبارة أن يقول " فقلت " (إن كنت تريد السنة) أي متابعة سنة النبي ﷺ (فهجر) أمر من التهجير، أي صل بالهاجرة وهي شدة الحر (بالصلاة) أي الظهر والعصر، قال في النهاية: التهجير التبكير في كل شيء، فالمعنى صل صلاة الظهر والعصر جمعًا أول وقت الظهر (صدق) أي سالم (إِنهم) بكسر الهمزة، أي إن الصحابة (كانوا يجمعون بين الظهر

стр. 4159

والعصر في السنة. فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال سالم: وهل يتبعون ذلك إلا سنته. رواه البخاري. ــ والعصر في السنة) بضم السين المهملة وتشديد النون، أي سنة النبي ﷺ ، وكان ابن عمر فهم من قول ولده سالم " فهجر بالصلاة " أي الظهر والعصر معًا، فأجاب بذلك فطابق كلام ولده، قال الطيبي: قوله " في السنة " في محل النصب على الحال من فاعل يجمعون أي متوغلين في السنة، متمسكين بها، قاله تعريضًا بالحجاج، وقيل في السنة أي لأجل السنة وإتباعها. (فقلت لسالم) قائله ابن شهاب (أفعل ذلك) الهمزة فيه للاستفهام (هل يتبعون) كذا في جميع نسخ المشكاه بمثناة تحتية ثم فوقية، وفي صحيح البخاري " تتبعون " أي بمثناة فوقية في أوله. قال الحافظ: بتشديد المثناة من فوق وكسر الموحدة بعدها مهملة كذا للأكثر من الإتباع، وللكشميهني " تبتغون " بسكون الموحدة وفتح المثناة بعدها غين معجمة من الابتغاء وهو الطلب (ذلك) كذا في جميع نسخ المشكاة، وفي صحيح البخاري " في ذلك " أي بزيادة " في " قال العيني والحافظ: وفي رواية الحموي بحذف كلمة " في " وهي مقدرة ويروى " بذلك " أي بالموحدة بدل " في " أي في ذلك الفعل. وقال الكرماني: أي في ذلك الجمع أو في التهجير (إلا سنته) قال الطيبي: قوله " هل يتبعون ذلك؟ " أي في ذلك الجمع إلا سنته أو لا يتبعون التهجير في الجمع لشيء إلا لسنته، فنصب ((سنة)) على نزع الخافض. وفي الحديث فتوى التلميذ بحضرة أستاذه ومعلمه عند السلطان وغيره، وفيه تعليم الفاجر السنن لمنفعة الناس، وفيه أن التوجه إلى المسجد الذي بعرفة حين تزول الشمس وتعجيل الرواح للإمام للجمع بن الظهر والعصر بعرفة في أول وقت الظهر سنة. (رواه البخاري) في باب الجمع بين الصلاتين بعرفة معلقًا مجزومًا حيث قال: وقال الليث: حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم أن الحجاج بن يوسف، إلخ. قال الحافظ: وصله الإسماعيلي من طريق يحيى بن بكير وأبي صالح جميعًا عن الليث – انتهى. وأخرجه البيهقي (ج ٥: ص ١١٤) من طريق الإسماعيلي.

стр. 4160

(٦) باب رمي الجمار ــ (باب رمي الجمار) هكذا بوب مالك في الموطأ والبخاري في صحيحه وأبو داود في سننه. قال الحافظ: أي وقت رميها أو حكم الرمي. قال القسطلاني: واحد الجمار جمرة وهي في الأصل النار المتقدة، والحصاة، وواحدة جمرات المناسك، وهي المرادة ها هنا، وهي ثلث: الجمرة الأولى والوسطى والعقبة يرمين بالجمار، قاله في القاموس. وقال الشهاب القرافي من المالكية: الجمار اسم للحصى لا للمكان، والجمرة اسم للحصاة، وإنما سمي الموضع جمرة باسم ما جاوره وهو اجتماع الحصى فيه، وقال الحافظ: الجمرة اسم لمجتمع الحصى، سميت بذلك لاجتماع الناس بها. يقال تجمر بنوا فلان إذا اجتمعوا، وقيل إن العرب تسمي الحصى الصغار جمارًا فسميت تسمية الشيء باسم لازمه. وقيل لأن آدم أو إبراهيم لما عرض له إبليس فحصبه، جمر بين يديه أي أسرع فسميت بذلك – انتهى. وقال ابن نجيم: الجمار هي الصغار من الحجارة جمع جمرة، وبها سموا المواضع التي ترمى جمارًا وجمرات لما بينهما من الملابسة، وقيل لتجمع ما هنالك من الحصى، من تجمر القوم إذا اجتمعوا – انتهى. وقال في اللمعات: الجمار الأحجار الصغار، ومنه سمي جمار الحج للحصى التي ترمى بها. وأما موضع الجمار بمنى فيسمى جمرة لأنها ترمى بالجمار أو لأنه موضع مجتمع حصى ترمى، والجمر يجيء بمعنى الجمع كثيرًا أو من أجمر بمعنى أسرع – انتهى. هذا وقد بسط الكلام في ذلك الشنقيطي في أضواء البيان (ج ٥: ص ٢٩٨) فراجعه. قال النووي في مناسكه قال الشافعي: الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى فمن أصاب مجتمع الحصى بالرمي أجزأه، ومن أصاب سائل الحصى الذي ليس بمجتمعه لم يجزه، والمراد مجتمع الحصى في موضعه المعروف الذي كان في زمنه ﷺ فلو حول ورمى الناس في غيره واجتمع الحصى لم يجزه، وقال البجيرمي: لو أزيل العلم الذي هو البناء في وسط الجمرة فإنه يكفي الرمي إلى محله بلا شك، لأن العلم لم يكن موجودًا في زمن النبي ﷺ ، وقد رمى هو وأصحابه إلى الجمرة، إلى آخر ما قال. وفي الغنية: قال في النخبة محل الرمي هو الموضع الذي عليه الشاخص وما حوله لا الشاخص، ومثله في البحر. قلت: اختلفوا في مصداق الجمرة فقال الشافعية: الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى ولا الشاخص ولا موضع الشاخص، لكن هذا مخالف لما تقدم عن البجيرمي، ويؤيده ما في روضة المحتاجين إذ قال: الثالث من الشرائط قصد المرمى، فلو رمى في الهواء فوقع في المرمى لم يعتد به، والمرمى هو مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى، فلو قصد الشاخص أو حائط جمرة العقبة لم يكف وإن وقع في المرمى كما يفعله كثير من الناس. قال المحب الطبري: وهو الأظهر عندي. ويحتمل أنه يجزئه لأنه حصل فيه بفعله مع قصد الرمي الواجب. والثاني أقرب كما قاله الزركشي وهو المعتمد. ولا يقال يلزم عليه أنه لو رمى إلى غير المرمى فوقع في المرمى يجزئ، وقد صرحوا بخلافه لأنا نقول فرق ظاهر بين الرمي إلى غير المرمى وبين الرمي إلى الشاخص الذي في وسط المرمى سيما والشاخص المذكور حادث لم يكن في زمنه ﷺ . ولذا لو أزيل كفى الرمي إلى محله بلا شك – انتهى. وقال المالكية: الجمرة اسم للبناء وما تحته من موضع الحصباء على المعتمد، وقيل إن الجمرة اسم للمكان الذي يجتمع فيه الحصى. وقال

стр. 4161

.............................................................................................. ــ الحنيفة: ليس الشاخص محل الرمي لكن مع ذلك لما يكفي الوقوع قريب الجمرة، فلو وقع على أحد جوانب الشاخص أي أطراف الميل أجزأه للقرب، ولو وقع على قبة الشاخص ولم ينزل عنها لا يجزئه للبعد. وأما عند الحنابلة فقال ابن جاسر في نور الظلام: المرمى هو مجتمع الحصى لا نفس الشاخص. قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: المرمى الذي تترتب عليه الأحكام بقولهم ((يعتبر حصول كل حصاة في المرمى)) ، هو الأرض المحيطة بالميل المبني، فلو طرح الحصاة في رأس البناء لم يعتد بها لأنها لم تحصل في المرمى – انتهى ملخصًا. قال الشيخ ابن جاسر: إذا طرح الحصاة في رأس البناء كما يفعله كثير من الحجاج فتدحرجت في المرمى المحوط بالبناء في الجمرات الثلاث فإنها تجزئه، أما إذا بقيت على رأس البناء فإنها لا تجزئه فيما يظهر لي والله أعلم. وقال ابن قدامة: ولا يجزئه الرمي إلا أن يقع الحصى في المرمى، فإن وقع دونه لم يجزئه في قولهم جميعًا، لأنه مأمور بالرمي ولم يرم، وهذا قول أصحاب الرأي، إلى آخر ما قال. اعلم أن الكلام في رمي الجمار على ما قال صاحب العناية وغيره في أكثر من اثني عشر موضعًا أحدها الوقت وهو يوم النحر وثلاثة أيام بعده، والثاني موضع الرمي وهو بطن الوادي والثالث في محل المرمى إليه وهو ثلاث جمرات، والرابع في كمية الحصيات وهي سبعة عند كل جمرة، والخامس في مقدار الحصاة، وهو أن يكون مثل حصى الخذف، والسادس في كيفية الرمي بأن يكون مثل الخاذف ويأخذ الحصى بطرف سبابته وإبهامه، والسابع في صفة الرامي بأن يكون راكبًا أو ماشيًا، والثامن في موضع وقوع الحصيات، والتاسع في الموضع الذي يأخذ منه الحجر، والعاشر فيما يرمى به وهو أن يكون من جنس الأرض (عند الحنفية) والحادي عشر أن يرمي في اليوم الأول جمرة العقبة لا غير، وفي بقية الأيام يرمى الجمار كلها. والثاني عشر حكم الرمي. والثالث عشر حكم التكبير عند الرمي. والرابع عشر تفريق الحصيات، والخامس عشر الوقوف بعد الرمي للدعاء وغير ذلك. وأكثر هذه المسائل خلافية، سيأتي بيان بعضها في شرح أحاديث هذا الباب وفي باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق. أما حكم الرمي فجمهور العلماء على أن رمي جمرة العقبة يوم النحر وكذا رمي الجمار الثلاث في أيام التشريق الثلاثة واجب يجبر بدم، وخالف عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك الجمهور فقال: إن رمي جمرة العقبة يوم النحر ركن لا حج لمن تركه كغيرها من الأركان. واحتج الجمهور بالقياس على الرمي في أيام التشريق. واحتج ابن الماجشون بأن النبي ﷺ رماها وقال: لتأخذوا عني مناسككم، ولا يخف ما في هذا الاستدلال. وقال الحافظ: قد اختلف فيه أي في حكم الرمي، فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم، وعند المالكية سنة مؤكدة فيجبر، وعندهم رواية أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه، ومقابله قول بعضهم أنها إنما تشرع حفظاً للتكبير، فإن تركه وكبر أجزاه، حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها – انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٩١) : من ترك الرمي من غير عذر فعليه دم قال أحمد: أعجب إلي إذا ترك الأيام كلها كان عليه دم، وفي ترك جمرة واحدة

стр. 4162

(الفصل الأول) ٢٦٤٢ – (١) عن جابر، قال: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ــ دم أيضًا، نص عليه أحمد، وبهذا قال عطاء والشافعي وأصحاب الرأي، وحكى عن مالك أن عليه في جمرة أو الجمرات كلها بدنة. وقال الحسن: من نسي جمرة واحدة يتصدق على مسكين. ولنا قول ابن عباس: من ترك شيئًا من مناسكه فعليه دم، وإن ترك أقل من جمرة فالظاهر عن أحمد أنه لا شيء في حصاة ولا في حصاتين، وعنه: أنه يجب الرمي بسبع، فإن ترك شيئًا من ذلك تصدق بشيء أي شيء كان، وعنه: أن في كل حصاة دمًا، وهو مذهب مالك والليث، وعنه في الثلاثة دم، وهو مذهب الشافعي وفي ما دون ذلك في كل حصاة مد. وعنه: درهم، وعنه: نصف درهم – انتهى. وسيأتي مزيد الكلام على هذا في شرح حديث عبد الله بن مسعود من هذا الباب. ٢٦٤٢ – قوله (رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر) هذا يدل على أن رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا أفضل من رميها راجلاً وماشيًا، وحكى النووي في شرح مسلم عن الشافعي وموافقيه أنه يستحب لمن وصل راكبًا أن يرمي راكبًا ولو رمى ماشيًا جاز، ومن وصلها ماشيًا فيرميها ماشيًا. قال: وهذا في يوم النحر، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق فالسنة أن يرمي فيها الجمرات الثلاثة ماشياً، وفي اليوم الثالث يرمي راكبًا. وكذا قال في مناسكه. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٢٨) : ويرميها راكبًا أو راجلاً كيف ما شاء، لأن النبي ﷺ رماها على راحلته، رواه جابر وابن عمر وأم أبي الأحوص وغيرهم. قال جابر: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر والحديث. رواه مسلم. وقال نافع: كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيًا ذاهبًا وراجعًا. رواه أحمد في المسند، وفي هذا بيان للفرق بين هذه الجمرة وغيرها، ولأن رمى هذه الجمرة مما يستحب البداية به في هذا اليوم عند قدومه، ولا يسن عندها وقوف، ولو سن له المشي إليها لشغله النزول عن البداية بها والتعجيل إليه بخلاف سائرها – انتهى. وقال الدسوقي من المالكية: يندب أن يرمي جمرة العقبة حين وصوله على الحالة التي وصلها من ركوب أو مشي فلا يصبر حتى ينزل أو يركب، لأن فيه عدم الاستعجال برميها – انتهى. وقال الباجي: قد قال مالك في المبسوط: الشأن يوم النحر أن يرمي جمرة العقبة راكبًا كما يأتي الناس على دوابهم، وأما في غير يوم النحر فكان يقول يرمي ماشيًا، والأصل في ذلك أنه يرمي جمرة العقبة متصلاً بوروده، وأما في سائر الأيام فإن المشي إليها تواضع ويحتاج إلى الدعاء عند الجمرتين. فلو ركب الناس لضاق بهم المكان – انتهى. وقال العيني: قال أصحابنا الحنفية: كل رمي بعده رمي كالجمرتين الأوليين في الأيام الثلاثة يرمى ماشيًا. وإن لم يكن بعده رمي كرمي جمرة العقبة يوم النحر والجمرة الأخيرة في الأيام الثلاثة فيرمي راكبًا، هذا هو الفضيلة، وأما الجواز فثابت كيفما كان – انتهى. وقال ابن عابدين: والضابط عندنا أن كل رمي يقف بعده فإنه يرميه ماشيًا وهو كل رمي بعده رمي كما مر، وما لا فلا، ثم

стр. 4163

ويقول: " لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ". رواه مسلم. ــ هذا التفصيل قول أبي يوسف وله حكاية مشهورة ذكرها الطحطاوي وغيره، وهو مختار كثير من المشائخ كصاحب الهداية والكافي والبدائع وغيرهم. وأما قولهما فذكر في البحر أن الأفضل الركوب في الكل على ما في الخانية، والمشي في الكل على ما في الظهيرية، وقال: فتحصل أن في المسألة ثلاثة أقوال. ورجح الشيخ كمال الدين بن الهمام ما في الظهيرية بأن أدائها ماشيًا أقرب إلى التواضع والخشوع وخصوصًا في هذا الزمان، فإن عامة المسلمين مشاة في جميع الرمي فلا يؤمن من الأذى بالركوب بينهم بالزحمة، ورميه ﵊ راكبًا إنما هو ليظهر فعله ليقتدى به كطوافه راكبًا – انتهى. وفي المرقاة: وروى البيهقي وابن عبد البر أنه ﵊ رمى أيام التشريق ماشيًا. زاد البيهقي: فإن صح هذا كان أولى بالإتباع، وقال غيره: قد صححه الترمذي وغيره. وزاد ابن عبد البر: وفعله جماعة من الخلفاء بعده وعليه العمل. وحسبك ما رواه القاسم بن محمد من فعل الناس، ولا خلاف أنه ﵊ وقف بعرفة راكبًا ورمى الجمار ماشيًا، وذلك محفوظ من حديث جابر – انتهى. ويستثنى منه رمي جمرة العقبة في أول أيام النحر كما لا يخفى (ويقول) عطف على (يرمي)) فيكون من قبيل ((علفتها تبنًا وماءً باردًا)) أو الجملة حالية (لتأخذوا مناسككم) قال النووي: هذه اللام لام الأمر ومعناه خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته، وهي مناسككم فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس. وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) – انتهى. قال الطيبي: ويجوز أن تكون اللام للتعليل والمعلل محذوف أي يقول: إنما فعلت لتأخذوا عني مناسككم – انتهى. ويؤيد الأول ما ورد عند النسائي والبيهقي بلفظ ((خذوا عني مناسككم)) وقال القرطبي: روايتنا لهذا الحديث بلام الجر المفتوحة والنون التي هي مع الألف ضمير أي يقول لنا ((خذوا مناسككم)) فيكون قوله ((لنا)) صلة للقول، قال: هو الأفصح، وقد روي ((لتأخذوا مناسككم)) بكسر اللام للأمر، وبالتاء المثناة من فوق، وهي لغة قرأ بها رسول الله ﷺ في قوله تعالى ﴿فبذلك فلتفرحوا﴾ (١٠: ٥٨) انتهى. قال السندي في حاشية النسائي ((خذوا عني مناسككم)) أي تعلموها مني واحفظوها، وهذا لا يدل على وجوب المناسك، وإنما يدل على وجوب أخذها وتعلمها، فمن استدل به على وجوب شيء من المناسك فاستدلاله في محل النظر. فليتأمل – انتهى. وكذا قال في حاشية مسلم. وعلل ذلك بقوله: إذ وجوب تعلم الشيء لا يدل على وجوب ذلك الشيء إذ جميع المندوبات والسنن يجب أخذها وتعلمها ولو على وجه الكفاية، وهي غير واجبة عملاً فافهم، والله تعالى أعلم (فإني لا أدري) مفعوله محذوف أي لا أعلم ماذا يكون (لعلي لا أحج بعد حجتي) بفتح الحاء، وهي يحتمل أن يكون مصدرًا، وأن يكون بمعنى السنة (هذه) أي التي أنا فيها (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج ٥: ص ١٣٠) قال المزي: هذا الحديث في

стр. 4164

٢٦٤٣ – (٢) وعنه قال: رأيت رسول الله ﷺ رمى الجمرة بمثل حصى الخذف. رواه مسلم. ٢٦٤٤ – (٣) وعنه قال: رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس. ــ رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكسر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم أي اللؤلؤي، ولذا لم يذكره المنذري في مختصر السنن. ٢٦٤٣ – قوله (بمثل حصى الخذف) تقدم ضبطه ومعناه في شرح حديث جابر الطويل، وهو دليل على استحباب كون الحصى في هذا المقدار، قال القاري: وهو قدر حبة الباقلي أو النواة أو الأنملة فيكره أصغر من ذلك وأكبر منه وذلك للنهي عن الثاني في الخبر الصحيح ((بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين)) – انتهى. وقال في رد المحتار: إنها مقدار الباقلاء، قال في النهر: وهذا بيان المندوب، وأما الجواز فيكون ولو بالأكبر مع الكراهة – انتهى. قال الشيخ ولي الله الدهلوي: وإنما رمى بمثل حصى الخذف لأن دونها غير محسوس، وفوقها ربما يؤذي في مثل هذا الموضع، والحديث رواه الدارمي والبيهقي (ج ٥: ص ١٢٧) من طريق سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ أمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف. قال الزرقاني: أمرهم ﷺ مع رميه بمثلها لأنهم كلهم لم يروا رميه لكثرتهم – انتهى. (رواه مسلم وأخرجه أيضًا الترمذي والنسائي والبيهقي (ج ٥: ص ١٢٧) . ٢٦٤٤ – قوله (رمى رسول الله الجمرة) أي جمرة العقبة (يوم النحر) أي يوم العيد (ضحى) قال العراقي: الرواية فيه بالتنوين على أنه مصروف وهو مذهب النحاة من أهل البصرة سواء قصد التعريف أو التنكير. وقال الجوهري: تقول: لقيته ضحًى وضحى، إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه (يعني أنه منون عند التنكير وغير منون عند التعريف) وقال: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضحى وهي حين تشرق الشمس مقصورة تؤنث وتذكر فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكر ذهب إلى أنه إسم على فُعَل مثل صرد ونغر، وهو ظرف غير متمكن مثل سحر، قال: ثم بعده الضحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى، ومنه قول عمر ﵁: يا عباد الله أضحوا لصلاة الضحى، يعني لا تصلوها إلا إلى ارتفاع الضحى – انتهى. وقد تحصل من هذا أن الضحوة وقت طلوع الشمس، والضحى وقت شروقها، والضحاء وقت ارتفاعها. قال القاري: قوله ضحى أي وقت الضحوة من بعد طلوع الشمس إلى ما قبل الزوال (وأما بعد ذلك) أي بعد يوم النحر وهو أيام التشريق (فإذا زالت الشمس) أي فيرمي بعد الزوال، قال العيني (ج ١٠: ص ٨٦) : يستفاد منه أن الرمي في أيام التشريق محله بعد زوال الشمس وهو كذلك، وقد اتفق عليه الأئمة، وخالف أبو حنيفة في اليوم الثالث منها فقال: يجوز الرمي فيه قبل الزوال استحسانًا

стр. 4165

.............................................................................................. ــ (مع الكراهة التنزيهية) وقال: إن رمى في اليوم الأول أو الثاني قبل الزوال أعاد وفي الثالث يجزئه. وقال عطاء وطاوس: يجوز في الثلاثة قبل الزوال – انتهى. وقال ابن الهمام: أفاد حديث جابر أن وقت الرمي في اليوم الثاني لا يدخل إلا بعد ذلك، وكذا في اليوم الثالث، وفي رواية غير مشهورة عن أبي حنيفة قال: أحب إليَّ أن لا يرمي في اليوم الثاني والثالث حتى تزول الشمس، فإن رمى قبل ذلك أجزأه، وحمل المروي من فعله ﵊ على اختيار الأفضل وجه الظاهر اتباع المنقول لعدم المعقولية، كذا في المرقاة. وروى البخاري عن ابن عمر كما سيأتي في خطبة يوم النحر: قال كنا نتحين (أي نراقب الوقت) فإذا زالت الشمس رمينا. قال الحافظ: فيه دليل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال، وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء وطاوس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقًا، ورخص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال. وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال أعاد إلا في اليوم الثالث فيجزئه – انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي بعد ذكر كلام الحافظ: لا دليل على ما ذهب إليه عطاء وطاؤس لا من فعل النبي ﷺ ولا من قوله. وأما ترخيص الحنيفة في الرمي في يوم النفر قبل الزوال فاستدلوا عليه بأثر ابن عباس الآتي وهو ضعيف، فالمعتمد ما قال به الجمهور. قال في الهداية: إن قدم الرمي في اليوم الرابع قبل الزوال بعد طلوع الفجر جاز عند أبي حنيفة، وهذا استحسان. وقالا: لا يجوز اعتبارًا بسائر الأيام، وإنما التفاوت في رخصة النفر، فإذا لم يترخص التحق بها. ومذهبه مروي عن ابن عباس – انتهى. قال ابن الهمام: أخرج البيهقي عنه: إذا انتفخ النهار من يوم النفر فقد حل الرمي والصدر، والانتفاخ والارتفاع، وفي سنده طلحة بن عمرو ضعفه البيهقي. قال ابن الهمام: ولا شك أن المعتمد في تعيين الوقت للرمي في الأول من أول النهار وفيما بعده من بعد الزوال ليس إلا فعله كذلك مع أنه غير معقول (أي لا مدخل للعقل فيه) ولا يدخل وقته قبل الوقت الذي فعله فيه ﵊ كما لا يفعل في غير ذلك المكان الذي رمى فيه ﵊، وإنما رمى ﵊ في الرابع بعد الزوال فلا يرمى قبله – انتهى. وذكر الشنقيطي في أضواء البيان حديث جابر الذي نحن في شرحه وحديث ابن عمر المتقدم وحديث عائشة عند أحمد وأبي داود بلفظ " أفاض رسول الله ﷺ آخر يوم حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس " الحديث، وحديث ابن عباس عند أحمد (ج ١: ص ٢٤٨، ٢٩٠، ٣٢٨) والترمذي وابن ماجة بلفظ " رمى رسول الله ﷺ الجمار حين زالت الشمس " ثم قال: وبهذه النصوص الثابتة عن النبي ﷺ تعلم أن قول عطاء وطاوس بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه كل ذلك خلاف التحقيق، لأنه مخالف لفعل النبي ﷺ الثابت عنه المعتضد بقوله " لتأخذوا عني مناسككم " ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه محمد وأبو يوسف، ولم يرد في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ شيء يخالف ذلك، فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق

стр. 4166

متفق عليه. ٢٦٤٥ – (٤) وعن عبد الله بن مسعود، أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ــ لا مستند له البتة مع مخالفته للسنة الثابتة عنه ﷺ ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله، والعلم عند الله تعالى (متفق عليه) أخرجه البخاري في باب رمي الجمار معلقًا مجزومًا ومسلم. موصولاً، وكذا أخرجه موصولاً أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمه وابن حبان وإسحاق بن راهويه والدارمي والبيهقي (ج ٥: ١٣١، ١٤٩) . ٢٦٤٥ – قوله (انتهى) أي وصل (إلى الجمرة الكبرى) أي جمرة العقبة، ووهم الطيبي فقال: أي الجمرة التي عند مسجد الخيف. قال الحافظ: وتمتاز جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النحر، وأن لا يوقف عندها، وترمى ضحى، ومن أسفلها استحبابًا. قال: وجمرة العقبة هي الجمرة الكبرى وليست من منى بل هي حد منى من جهة مكة وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة (فجعل البيت) أي الكعبة (عن يساره ومنى عن يمينه) فيه أنه يستحب لمن وقف عند جمرة العقبة أن يجعل مكة عن يساره ومنى على جهة يمينه ويستقبل الجمرة بوجهه، وروى أحمد (ج ١: ص ٤٣٠، ٤٣٢) والترمذي وابن ماجة حديث ابن مسعود هذا بلفظ " لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي (أي قصد بطن الوادي ليقوم فيه للرمي) واستقبل القبلة " قال الحافظ بعد ذكره: وما رواه البخاري هو الصحيح، وهذا (أي ما رواه أحمد والترمذي وابن ماجة) شاذ، في إسناده المسعودي، وقد اختلط، وبالأول قال الجمهور، وجزم الرافعي من الشافعية بأنه يستقبل الجمرة ويستدبر القبلة، وقيل يستقبل القبلة ويجعل الجمرة عن يمينه، وقد أجمعوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها، والاختلاف في الأفضل – انتهى. فالأفضل عند الجمهور الكيفية التي وردت في حديث ابن مسعود عند الشيخين وغيرهما. قال النووي في شرح مسلم: في حديث ابن مسعود استحباب كون الرمي من بطن الوادي فيستحب أن يقف تحتها في بطن الوادي فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل جمرة العقبة ويرميها بالحصيات السبع، وهذا هو الصحيح في مذهبنا " وبه قال جمهور العلماء. وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الجمرة مستدبرًا مكة. وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الكعبة وتكون الجمرة عن يمينه والصحيح الأول - انتهى. وقال ابن بطال: رمي جمرة العقبة من حيث تيسر من العقبة من أسفلها أو أعلاها أو وسطها، كل ذلك واسع، والموضع الذي يختار بها بطن الوادي من أجل حديث ابن مسعود، وكان جابر بن عبد الله يرميها من بطن الوادي، وبه قال عطاء وسالم وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال مالك: رميها من أسفلها أحب إلي. وقد روي عن عمر ﵁ أنه جاء والزحام

стр. 4167

ورمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ــ عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها، ذكره العيني (ج ١٠: ص ٨٧) وأما الجمرة الأولى (أي الجمرة الدُنيا – بضم الدال وبكسرها – أي القريبة إلى جهة مسجد الخيف) والثانية فيرمي مستقبل القبلة عندهم جميعًا ندبًا لا وجوبًا (ورمى بسبع حصيات) بفتح الصاد والياء جمع حصاة، وفيه دليل على أن رمي الجمرة يكون بسبع حصيات، وقد ترجم البخاري لحديث ابن مسعود هذا ((باب رمي الجمار بسبع حصيات)) قال الحافظ: أشار في الترجمة إلى رد ما رواه قتادة عن ابن عمر، قال: ما أبالي رميت الجمار بست أو سبع، وقد أنكر ذلك ابن عباس، وقتادة لم يسمع من ابن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق قتادة، وروي من طريق مجاهد: من رمى بست فلا شيء عليه. ومن طريق طاوس يتصدق بشيء، وعن مالك والأوزاعي: من رمى بأقل من سبع وفاته التدارك يجبره بدم، وعن الشافعية في ترك حصاة مد، وفي ترك حصاتين مدان، وفي ثلاثة فأكثر دم. وعن الحنفية إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا فدم – انتهى. وقال العيني: يستفاد من حديث ابن مسعود أن رمي الجمرة لا بد أن يكون بسبع حصيات وهو قول أكثر العلماء، وذهب عطاء إلى أنه إن رمى بخمس أجزأه. وقال مجاهد: إن رمى بست فلا شيء عليه، وبه قال أحمد وإسحاق، واحتج من قال بذلك بما رواه النسائي من حديث سعد بن مالك ﵁ قال: رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ وبعضنا يقول رميت: بست حصيات، وبعضنا يقول: رميت بسبع، فلم يعب بعضنا على بعض. وروى أبو داود والنسائي أيضًا من رواية أبي مجلز قال: سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن شيء من أمر الجمار فقال: ما أدري رماها رسول الله ﷺ بست أو سبع. والصحيح الذي عليه الجمهور أن الواجب سبع كما صح من حديث ابن مسعود وجابر وابن عباس وابن عمر وغيرهم. وأجيب عن حديث سعد بأنه ليس بمسند، وعن حديث ابن عباس أنه ورد على الشك من ابن عباس، وشك الشاك لا يقدح في جزم الجازم، ومن رماها بأقل من سبع حصيات فذهب الجمهور فيما حكاه القاضي عياض إلى أن عليه دمًا، وهو قول مالك والأوزاعي. وذهب الشافعي وأبو ثور إلى أن على تارك حصاة مدًا من طعام وفي اثنتين مدين وفي ثلاث فأكثر دمًا، وللشافعي قول آخر أن في الحصاة ثلاث دم، وله قول آخر أن في الحصاة درهمًا. وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث فعليه دم، وإن ترك أقل من نصفها ففي كل حصاة نصف صاع – انتهى. (يكبر مع كل حصاة) فيه أنه يستحب التكبير عند رمي حصى الجمار. قال النووي: استحباب التكبير مع كل حصاة هو مذهبنا ومذهب مالك والعلماء كافة. قال القاضي عياض: وأجمعوا على أنه لو ترك التكبير لا شيء عليه. وقال الحافظ: قد أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء إلا الثوري فقال: يطعم، وإن جبره بدم أحب إلي – انتهى. وذكر الطبري عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهن بعد أن يكبر عند كل جمرة سبع تكبيرًا أجزأه. قال: وإنما جعل الرمي في ذلك بالحصي سببًا لحفظ التكبيرات السبع كما جعل

стр. 4168

........................................................................................... ــ عقد الأصابع بالتسبيح سببًا لحفظ العدد، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز والنوى يسبح به قال: حسن قد كانت عائشة تقول: إنما الحصى للجمار ليحفظ به التكبيرات – انتهى. واستدل بهذا الحديث على اشتراط رمي الجمار واحدة واحدة لقوله ((يكبر مع كل حصاة)) وقد قال ﷺ : " خذوا عني مناسككم "، وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة فقالا: لو رمى السبع دفعة واحدة أجزأه، كذا ذكره الحافظ. وقال ابن قدامة: وإن رمى الحصاة دفعة واحدة لم يجزه إلا عن واحدة، نص عليه أحمد، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عطاء: يجزئه ويكبر لكل حصاة – انتهى. وما ذكره الحافظ من موافقة أبي حنيفة لعطاء في إجزاء رمي السبع دفعة واحدة لعله أخذه عن صاحب التوضيح من الشافعية كما سيأتي في كلام العيني أو عن الكرماني، فإنه ذهب إلى ذلك حيث قال: إذا وقعت السبع متفرقة على مواضع الجمرات جاز، كما لو جمع بين أسواط الحد بضربة واحدة وإن وقعت على مكان واحد لا يجوز، وليس هذا مشهور في مذهب الحنفية، بل المصرح في فروعهم عدم الإجزاء مطلقًا كما هو قول الأئمة الثلاثة، ففي الهداية: لورمي بسبع حصيات جملة فهذه الجملة واحدة لأن المنصوص عليه تفرق الأفعال، قال العيني في البناية: أي لأن المنصوص هو فعل الرمي بسبع حصيات متفرقات لا عين الحصيات – انتهى. وفي الغنية: الخامس (من الشرائط) تفريق الرميات، فلو رمى بسبع حصيات أو أكثر جملة واحدة لا يجزئه إلا عن واحدة ولو متفرقة عند الأربعة خلافًا لما في الكرماني أنها إذا وقعت متفرفة جاز، وتمامه في المنحة – انتهى. وفي اللباب: الرابع: تفريق الرميات، فلو رمي بسبع حصيات جملة واحدة لم يجزه إلا عن حصاة واحد. قال القاري: لأن المنصوص عليه تفرق الأفعال لا عين الحصيات، فإذا أتى بفعل واحد لا يكون إلا عن حصاة واحدة لاندراجها في ضمن الجملة، إلى آخر ما قال. وقال العيني: اختلفوا في من رمى سبع حصيات مرة واحدة فقال مالك والشافعي: لا يجزئه إلا عن حصاة واحدة ويرمي بعدها ستًا، وقال عطاء تجزئه عن السبع وهو قول أبي حنيفة، وهذا الذي ذكر عن أبي حنيفة ذكره صاحب التوضيح، وذكر في المحيط: ولو رمى إحدى الجمار بسبع حصيات رمية واحدة فهي بمنزلة حصاة وكان عليه أن يرمي ست مرات. قال العيني: العمدة في النقل عن صاحب مذهب من المذاهب على نقل صاحب من أصحاب ذلك المذهب – انتهى. فائدة: قال الحافظ: زاد محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي عن أبيه في هذا الحديث (عند أحمد ج ١: ص ٤٢٧) عن ابن مسعود أنه لما فرغ من رمي جمرة العقبة قال: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا – انتهى. وروى البيهقي في السنن (ج ٥: ص ١٢٩) عن سالم ابن عبد الله بن عمر أنه استبطن الوادي ثم رمي الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة: الله أكبر، الله أكبر، اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا وعملاً مشكورًا. وقال: حدثني أبي أن النبي ﷺ كان يرمي الجمرة في هذا المكان ويقول كلما رمى بحصاة مثل ما قلت. قال البيهقي: عبد الله بن حكيم بن الأزهر

стр. 4169

ثم قال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة. متفق عليه. ٢٦٤٦ – (٥) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : " الاستجمار تَوّ، ورمي الجمار تَوّ، والسعي بين الصفا والمروة تَوّ، والطواف تَوّ، وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتَوّ ". ــ ضعيف. وروى حنبل في المناسك عن زيد بن أسلم عن سالم بن عبد الله مثل ذلك كما في المغني (ثم قال) أي ابن مسعود (هكذا رمى) بصيغة الفعل (الذي أنزلت عليه سورة البقرة) قال ابن المنير: خص عبد الله سورة البقرة بالذكر لأنها التي ذكر الله فيها الرمي فأشار إلى أن فعله ﷺ مبين لمراد كتاب الله تعالى. قال الحافظ: ولم أعرف موضع ذكر الرمي من سورة البقرة، والظاهر أنه أراد أن يقول: إن كثيرًا من أفعال الحج مذكور فيها، فكأنه قال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه أحكام المناسك منبهًا بذلك على أن أفعال الحج توقيفية. وقيل خص البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام – انتهى. وقال في اللمعات بعد ذكر كلام الحافظ: " ولم أعرف موضع ذكر الرمي فيها، قلت: لعل الإشارة إلى ذكر الرمي في قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ (٢: ٢٠٣) فإن الرمي في تلك الأيام، وينبئ عنه أول حديثي عائشة في الفصل الثاني – انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد مختصرًا ومطولاً مرارًا (ج ١: ص ٣٧٤، ٤٠٨، ٤١٥، ٤٢٢، ٤٢٧، ٤٣٦، ٤٥٧، ٤٥٨) وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي (ج ٥: ص ١٢٩، ١٤٨) . ٢٦٤٦- قوله (الاستجمار) أي الاستنجاء بالأحجار (تَوّ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد الواو، أي فرد، قال النووي: التو – بفتح التاء المثناة فوق وتشديد الواو – هو الوتر، والمراد بالاستجمار الاستنجاء – انتهى. والإيتار والفردية هنا بالثلاثة، وفي البواقي بالسبعة بدليل الأحاديث المصرحة بذلك. وقد تقدم في باب آداب الخلاء أن الإيتار بالثلاثة في الاستنجاء واجب (ورمي الجمار) في الحج (توّ) أي سبع حصيات وكلها واجبة (والسعي بين الصفا والمروة توّ) أي سبع وكلها واجبة (والطواف توّ) أي سبعة أشواط وكلها فرائض عند الجمهور، وعند الحنفية أربعة أشواط فرض والباقي واجب. قال الجزري في النهاية: يريد أنه يرمي الجمار في الحج فردًا وهي سبع حصيات ويطوف سبعًا ويسعى سبعًا. وقيل أراد بفردية الطواف والسعي أن الواجب منهما مرة واحدة لا تثنى ولا تكرر سواء كان المحرم مفردًا أو قارنًا (وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو) قال المناوي: ليس هذا تكرارًا بل بالأول الفعل وبالثاني عدد الأحجار، وفيه وجوب تعدد الحجر لضرورة تصحيح الإيتار بما يتقدمه من الشفع، إذ لا قائل بتعيين الإيتار بحجر واحد – انتهى. وقال القاري: الظاهر أن المراد بالاستجمار هنا أي في قوله ((إذا استجمر أحدكم)) إلخ. هو التبخر، فإنه يكون بوضع العواد على جمرة النار فيرتفع التكرار وهو أولى من قول القاضي عياض وتبعه الطيبي أن المراد بالأول

стр. 4170

رواه مسلم. (الفصل الثاني) ٢٦٤٧ – (٦) عن قدامة بن عبد الله بن عمار، قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء، ليس ضرب ولا طرد، وليس قيل: إليك، إليك. رواه الشافعي، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي. ٢٦٤٨ – (٧) وعن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: " إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، لإقامة ذكر الله ". ــ الفعل وبالثاني عدد الأحجار – انتهى. وقال السندي في حاشية مسلم: يحتمل عندي في وجوه التكرير أن يحمل الاستجمار في هذا الحديث في أحد الموضعين على الاستنجاء وفي الموضع الآخر على التبخر، كتبخر أكفان الميت ونحوه والله تعالى أعلم (رواه مسلم) هذا الحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري ولا أصحاب السنن، وخرج منه البخاري الاستجمار خاصة من حديث أبي هريرة، والحديث ذكره المحب الطبري في القرى وقال: أخرجاه. وهو وهم منه. ٢٦٤٧- قوله (عن قدامة) بضم القاف وتخفيف الدال المهملة (بن عبد الله بن عَمّار) بفتح المهملة وتشديد الميم (رأيت النبي ﷺ ) وفي بعض النسخ ((رسول الله ﷺ )) (يرمي الجمرة) أي جمرة العقبة (على ناقة صهباء) بفتح الصاد المهملة وسكون الهاء، هي التي يخالط بياضها حمرة، وذلك بأن يحمر أعلى الوبر وتبيض أجوافه، وقال الطيبي: الصهبة كالشقرة. وقال الجزري: المعروف أن الصهبة مختصة بالشعر وهي حمرة يعلوها سواد (ليس) أي هناك (ضرب) أي منع بالعنف (ولا طرد) أي دفع باللطف (وليس) أي ثمة (قيل) بكسر القاف ورفع اللام مضافًا إلى (إليك إليك) أي قول ((إليك)) أي تنح وتبعد. قال ابن حجر تبعًا للطيبي: والتكرير للتأكيد، قال القاري: وهذا إنما يصح لو قيل لواحد إليك إليك، والظاهر أن المعنى أنه ما كان يقال للناس ((إليك إليك)) وهو اسم فعل بمعنى تنح عن الطريق، فلا يحتاج إلى تقرير متعلق كما نقله الطيبي بقوله: ضم إليك ثوبك وتنح عن الطريق - انتهى. والمقصود والغرض من هذا الحديث أنه ﷺ على سجيته المتواضعة كان يرمي من غير أن يكون هناك ضرب للناقة أو طرد للناس أو قول إليك، فلا فعل صدر للضرب والطرد ولا قول ظهر للتبعيد والتنحية. والحديث يدل على رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا (رواه الشافعي) إلخ. وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٦: ص ٤١٢) وابن حبان والبيهقي (ج ٥: ص ١٣٠) والحاكم (ج ١: ص ٤٦٦) وصححه الترمذي، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري أقره الذهبي. ٢٦٨٤ – قوله (إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله) يعني إنما شرع ذلك لإقامة
следующие страницы →