Полный текст (4 545 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
..............................................................................................
ــ
معي وهو محرم، وفي كونه في حجة الوداع نظر لأن النبي ﷺ لم يحل حتى بلغ الهدي محله فكيف يقصر عنه على المروة وقد بالغ النووي هنا في الرد على من زعم أن ذلك كان في حجة الوداع فقال: هذا الحديث محمول على أن معاوية قصر عن النبي ﷺ في عمرة الجعرانة، لأن النبي ﷺ في حجة الوداع كان قارنًا وثبت أنه حلق بمنى، وفرق أبو طلحة شعره بين الناس فلا يصح حمل تقصير معاوية على حجة الوداع ولا يصح حمله أيضًا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلمًا، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور، ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أن النبي ﷺ كان متمتعًا، لأن هذا غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث في مسلم وغيره أن النبي ﷺ قيل له: ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر. قلت (قائله الحافظ) : ولم يذكر الشيخ هنا ما مر في عمرة القضية والذي رجحه من كون معاوية إنما أسلم يوم الفتح صحيح من حيث السند لكن يمكن الجمع بأنه كان أسلم خفية وكان يكتم إسلامه، ولم يتمكن من إظهاره إلا يوم الفتح. وقد أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق من ترجمة معاوية تصريح معاوية بأنه أسلم بين الحديبية والقضية، وأنه كان يخفي إسلامه خوفًا من أبويه، وكان النبي ﷺ لما دخل في عمرة القضية مكة خرج أكثر أهلها عنها حتى لا ينظرونه وأصحابه يطوفون بالبيت، فلعل معاوية كان ممن تخلف بمكة بسبب اقتضاه. ولا يعارضه أيضًا قول سعد بن أبي وقاص فيما أخرجه مسلم وغيره: فعلناها يعني العمرة في أشهر الحج، وهذا يومئذ كافر بالعرش – بضمتين – يعني بيوت مكة، يشير إلى معاوية، لأنه يحمل على أنه أخبر بما استصحبه من حاله ولم يطلع على إسلامه لكونه كان يخفيه. ويعكر على ما جوزوه أن تقصيره كان في عمرة الجعرانة أن النبي ﷺ ركب من الجعرانة بعد أن أحرم بعمرة ولم يستصحب أحدًا معه إلا بعض أصحابه المهاجرين فقدم مكة فطاف وسعى وحلق ورجع إلى الجعرانة فأصبح بها كبائت، فخفيت عمرته على كثير من الناس، كذا أخرجه الترمذي وغيره، ولم يعدوا معاوية فيمن كان صحبه حينئذ ولا كان معاوية فيمن تخلف عنه بمكة في غزوة حنين حتى يقال لعله وجده بمكة، بل كان مع القوم وأعطاه مثل ما أعطى أباه من الغنيمة مع جملة المؤلفة، وأخرج الحاكم في الإكليل في آخر قصة غزوة حنين أن الذي حلق رأسه ﷺ في عمرته التي اعتمرها من الجعرانة أبو هند عبد بني بياضة. فإن ثبت هذا وثبت أن معاوية كان حينئذ معه وكان بمكة فقصر عنه بالمروة أمكن الجمع بأن يكون معاوية قصر عنه أولاً وكان الحلاق غائبًا في بعض حاجته ثم حضر فأمره أن يكمل إزالة الشعر بالحلق لأنه أفضل ففعل، وإن ثبت أن ذلك كان في عمرة القضية، وثبت أنه ﷺ حلق فيها جاء هذا الاحتمال بعينه وحصل التوفيق بين الأخبار كلها، وهذا مما فتح الله علي به في هذا الفتح ولله الحمد ثم لله الحمد أبدًا. قال صاحب الهدي: الأحاديث الصحيحة المستفيضة تدل على أنه ﷺ لم يحل من إحرامه إلى يوم النحر كما أخبر عن
стр. 4237
متفق عليه.
٢٦٧١ - (٣) وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع:
ــ
نفسه بقوله ((فلا أحل حتى أنحر)) وهو خبر لا يدخله الوهم بخلاف خبر غيره، ثم قال: فلعل معاوية قصر عنه في عمرة الجعرانة فنسي بعد ذلك وظن أنه كان في حجته – انتهى. ولا يعكر على هذا إلا رواية قيس بن سعد المتقدمة لتصريحه فيها بكون ذلك في أيام العشرة إلا أنها شاذة. وقد قال قيس بن سعد عقبها: والناس ينكرون ذلك على معاوية – انتهى. وأظن قيسًا رواها بالمعنى ثم حدث بها فوقع له ذلك. وقد أشار النووي إلى ترجيح كونه في الجعرانة وصوبه المحب الطبري وابن القيم وفيه نظر لأنه جاء أنه حلق في الجعرانة واستبعاد بعضهم أن معاوية قصر عنه في عمرة الحديبية لكونه لم يكن أسلم ليس ببعيد – انتهى كلام الحافظ. قلت: لا إشكال في رواية الشيخين فإنها تحمل على عمرة من عمره كما وقع في التصريح بذلك في رواية النسائي، والمراد بها عمرة الجعرانة، كما قال النووي والمحب الطبري وابن القيم وغيرهم، وأما ما وقع في رواية الحاكم في الإكليل ورواية الملا في سيرته على ما حكاه الطبري من أنه حلق في عمرة الجعرانة فقد تقدم وجه الجمع بينه وبين روايات ((أنه قصر عنه)) والمشكل إنما هو رواية أبي داود بلفظ ((قصرت عنه على المروة بحجته)) ورواية أحمد والنسائي بلفظ ((أخذ من أطراف شعر النبي ﷺ في أيام العشر)) وأول المنذري رواية أبي داود بأن قوله ((لحجته)) يعني لعمرته، قال: وقد أخرجه النسائي أيضًا، وفيه ((في عمرة على المروة)) وتسمى العمرة حجًا، لأن معناها القصد، وقد قالت حفصة: ما بال الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قيل: إنما تعني من حجتك – انتهى. وأما راوية أحمد والنسائي فهي محمولة على الخطأ والنسيان والوهم كما قال التوربشتي وابن القيم وابن الهمام والطيبي والحافظ، والله أعلم (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وقوله ((عند المروة)) مما تفرد به مسلم دون البخاري، والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص ٩٥، ٩٦، ٩٧، ٩٨، ١٠٢) وأبو داود في باب الأقران، والنسائي والبيهقي (ج ٥: ص ١٠٢) .
٢٦٧١ – قوله (قال في حجة الوداع) هكذا في جميع نسخ المشكاة والمصابيح وهو خطأ من المصنف والبغوي، فإن الحديث رواه مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر ومن طريق مالك رواه أحمد (ج ٢: ص ٧٩) والبخاري ومسلم وأبو داود وليس عندهم قوله ((في حجة الوداع)) وقد اختلف المتكلمون على هذا الحديث في الوقت الذي قال فيه رسول ﷺ ذلك فقال ابن عبد البر: كونه في الحديبية هو المحفوظ. وقال النووي: الصحيح المشهور أنه كان في حجة الوداع. قال القاضي عياض: لا يبعد أن النبي ﷺ قاله في الموضعين. قال العيني: ما قاله القاضي هو الصواب جمعًا بين الأحاديث، وهو الذي اختاره الحافظ حيث قال: قال ابن عبد البر: لم يذكر أحد من رواة نافع عن
стр. 4238
..............................................................................................
ــ
ابن عمر أن ذلك كان يوم الحديبية، وهو تقصير وحذف، وإنما جرى ذلك يوم الحديبية حين صد عن البيت، وهذا محفوظ مشهور من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة وحبشي بن جنادة وغيرهم، ثم أخرج حديث أبي سعيد بلفظ سمعت رسول الله ﷺ يستغفر لأهل الحديبية للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة، وحديث ابن عباس بلفظ ((حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله ﷺ : رحم الله المحلقين)) الحديث. وحديث أبي هريرة من طريق محمد بن فضيل الذي أخرجه البخاري بلفظ ((قال رسول الله ﷺ : اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين، قال: اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: والمقصرين؟ قالها ثلاثًا. قال: وللمقصرين. ولم يسق ابن عبد البر لفظه بل قال: نذكر معناه وتجوز في ذلك فإنه ليس في رواية أبي هريرة تعيين الموضع، ولم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من النبي ﷺ ، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع لأنه شهدها، ولم يشهد الحديبية، ولم يسق ابن عبد البر عن ابن عمر في هذا شيئًا ولم أقف على تعيين الحديبية في شيء من الطريق عنه، وقد قدمت في صدر الباب (أي باب الحلق والتقصير عند الإحلال) أنه مخرج من مجموع الأحاديث عنه أن ذلك كان في حجة الوداع كما يؤمئ إليه صنيع البخاري، وحديث أبي سعيد الذي أخرجه ابن عبد البر أخرجه أيضًا الطحاوي من طريق الأوزاعي، وأحمد وابن أبي شيبة وأبو داود الطيالسي من طريق هشام الدستوائي كلاهما عن يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم الأنصاري عن أبي سعيد، وزاد فيه أبو داود (وأحمد) أن الصحابة حلقوا يوم الحديبية إلا عثمان وأبا قتادة، وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن ماجة من طريق ابن إسحاق حدثني ابن أبي نجيح عن مجاهد عنه وهو عند ابن إسحاق في المغازي بهذا الإسناد وأن ذلك كان بالحديبية، وكذلك أخرجه أحمد وغيره من طريقه، وأما حديث حبشي بن جنادة فأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق عنه ولم يعين المكان، وأخرجه أحمد من هذا الوجه (ج ٤: ص ١٦٤، ١٦٥) وزاد في سياقه ((عن حبشي وكان ممن شهد حجة الوداع)) فذكر هذا الحديث، وهذا يشعر بأنه كان في حجة الوداع، وأما قول ابن عبد البر فوهم، فقد ورد تعيين الحديبية من حديث جابر عند أبي قرة في السنن، ومن طريق الطبراني في الأوسط، ومن حديث المسور بن مخرمة عند ابن إسحاق في المغازي، وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي مريم السلولي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم الحصين عند مسلم، ومن حديث قارب بن الأسود الثقفي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم عمارة عند الحارث. فالأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددًا وأصح إسنادًا (لأن بعضها في صحيح مسلم بخلاف الحديبية) ولهذا قال النووي عقب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وابن الحصين: هذه الأحاديث تدل على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع. قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كان في الحديبية، وجزم بأن ذلك كان في الحديبية إمام الحرمين في النهاية. ثم قال النووي: لا يبعد أن يكون وقع في الموضعين – انتهى. وقال عياض: كان
стр. 4239
" اللهم ارحم المحلقين ".
ــ
في الموضعين. وقال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب. قلت (قائله الحافظ) : بل هو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين كما قدمناه إلا أن السبب في الموضعين مختلف. فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك فخالفهم النبي ﷺ وصالح قريشًا على أن يرجع من العام المقبل، والقصة مشهورة، فلما أمرهم النبي ﷺ بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو ﷺ قبلهم ففعل فتبعوه، فحلق بعضهم وقصر بعض، وكان من بادر على الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس المشار إليه قبل، فإن في آخره عند ابن ماجة وغيره أنهم قالوا: يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالرحمة؟ قال: لأنهم لم يشكوا (في أن ما فعلته أحسن مما قام في أنفسهم، أو معناه أي ما عاملوا معاملة من يشك في أن الإتباع أحسن، وأما من قصر فقد عامل معاملة الشاك في ذلك حيث ترك فعله ﷺ ) وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع فقال ابن الأثير في النهاية: كان أكثر من حج مع رسول الله ﷺ لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤؤسهم شق عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق ففعله أكثرهم، فرجح النبي ﷺ فعل من حلق لكونه أبين في امتثال الأمر – انتهى. قال الحافظ: وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير واحد، لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربًا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك، فالأولى ما قاله الخطابي وغيره أن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعر والتزين به وكان الحلق فيهم قليلاً وربما كانوا يرونه من الشهرة، ومن زي الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير، قلت: ما حكاه الحافظ عن الخطابي يأبى عنه كلام الخطابي في المعالم (ج ٢: ص ٤١٨) حيث قال في شرح حديث ابن عمر: قلت: كان أكثر من أحرم مع رسول الله ﷺ من الصحابة ليس معهم هدي، وكان ﷺ قد ساق الهدي، ومن كان معه هدي فإنه لا يحلق حتى ينحر هديه، فلما أمر من ليس معه هدي أن يحل وجدوا من ذلك في أنفسهم وأحبوا أن يأذن لهم في المقام على إحرامهم حتى يكملوا الحج، وكان طاعة رسول الله ﷺ أولى بهم، فلما لم يكن لهم بد من الإجلال كان التقصير في نفوسهم أحب من الحلق فمالوا إلى التقصير، فلما رأي ذلك رسول الله ﷺ منهم أخرهم في الدعاء وقدم عليهم من حلق وبادر إلى الطاعة وقصر بمن تهيبه وحاد عنه، ثم جمعهم في الدعوة وعمهم بالرحمة – انتهى. وهذا كما ترى هو عين ما قاله ابن الأثير في النهاية (اللهم ارحم المحلقين حيث عملوا بالأفضل لأن العمل بما بدأ الله تعالى في قوله ﴿محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ (٤٨: ٢٧) أكمل. وقضاء التفث المأمور به في قوله ﴿ثم ليقضوا تفثهم﴾ (٢٢: ٢٩)
стр. 4240
قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: " اللهم ارحم المحلقين ". قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: " والمقصرين ".
ــ
يكون به أجمل، ويكون في ميزان العمل أثقل، وفيه دليل على الترحم على الحي وعدم اختصاصه بالميت (قالوا) أي الصحابة، قال الحافظ: لم أقف في شيء من الطرق على الذي تولى السؤال في ذلك بعد البحث الشديد (والمقصرين يا رسول الله) قال الحافظ: الواو معطوفة على شيء محذوف تقديره ((قل: والمقصرين، أو قل: وارحم المقصرين) وهو يسمى العطف التلقيني كقوله تعالى ﴿ومن ذريتي﴾ بعد قوله ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾ (٢: ١٢٤) قال الآلوسي: ﴿ومن ذريتي﴾ عطف على كاف ﴿جاعلك﴾ يقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا، أي وتكرم زيدًا، تريد تلقينه بذلك، قال ﴿ومن ذريتي﴾ في معني بعض ذريتي، فكأنه قال: ((وجاعل بعض ذريتي)) وهو من قبيل عطف التلقين فيكون خبرًا في معني الطلب، وكأن أصله واجعل بعض ذريتي، لكنه عدل إلى المنزل لما فيه من البلاغة من حيث جعله من تتمة كلام المتكلم كأنه مستحق مثل المعطوف عليه وجعل نفسه كالنائب عن المتكلم، والعدول من صيغة الأمر للمبالغة في الثبوت ومراعاة الأدب في التفادي عن صورة الأمر، وفيه من الاختصار الواقع موقعه ما يروق كل ناظر، قلت: ومن هذا القبيل قوله تعالى ﴿قال ومن كفر﴾ بعد قوله ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ (٢: ١٢٦) فإنه يصح التقدير: وارزق من كفر بصيغة الأمر، فالطلب بمعني الخبر على عكس ﴿ومن ذريتي﴾ وفائدة العدول تعليم تعميم دعاء الرزق وأن لا يحجر في طلب اللطف، أو التقدير وأرزق من كفر، بصيغة المتكلم، وقال الآلوسي: ولك أن تجعل العطف على محذوف أي ارزق من آمن ومن كفر (قال: اللهم ارحم المحلقين) تنبيهًا على أنه ﷺ لم يكتف على المحلقين أولاً لعدم الالتفات إلى المقصرين بل دعي لهم قصدًا وكرر الدعاء لهم خاصة لإظهار فضيلة التحليق (قالوا: والمقصرين يا رسول الله) تأكيد لاستدعاء الرحمة للمقصرين. قال القاري: هل هو قول المحلقين أو المقصرين أو قولهما جميعًا؟ احتمالات ثلاث، أظهرها بعض الكل من النوعين (قال: والمقصرين) قال الحافظ: فيه إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه ولو تخلل بينهما السكوت بلا عذر ثم هو هكذا في معظم الروايات عن مالك الدعاء للمحلقين مرتين، وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة، وانفرد يحيى بن بكير دون رواة الموطأ بإعادة ذلك ثلاث مرات، نبه عليه ابن عبد البر في التقصي وأغفله في التمهيد، بل قال فيه: إنهم لم يختلفوا على مالك في ذلك، وقد راجعت أهل سماعي من موطأ يحيى بن بكير فوجدته كما قال في التقصي. وفي رواية الليث عن نافع عند مسلم وعلقها البخاري ((رحم الله المحلقين مرة أو مرتين، قالوا: والمقصرين، قال ((والمقصرين)) والشك فيه من الليث وإلا فأكثرهم موافق لما رواه مالك، ولمسلم أيضًا وعلقه البخاري من رواية عبيد الله – بالتصغير – العمري عن نافع، قال في الرابعة ((والمقصرين)) ولمسلم من
стр. 4241
.............................................................................................
ــ
وجه آخر عن عبيد الله بلفظ مالك سواء، قال الحافظ: وبيان كونها في الرابعة أن قوله والمقصرين معطوف على مقدر، تقديره ((يرحم الله المحلقين)) وإنما قال ذلك بعد أن دعا للمحلقين ثلاثًا صريحًا فيكون دعاؤه للمقصرين في الرابعة، وقد رواه أبو عوانة في مستخرجه من طريق الثوري عن عبيد الله بلفظ ((قال في الثالثة: والمقصرين)) والجمع بينهما واضح بأن من قال ((في الرابعة)) فعلى ما شرحناه، ومن قال ((في الثالثة)) أراد أن قوله ﴿والمقصرين﴾ معطوف على الدعوة الثالثة أو أراد بالثالثة مسألة السائلين في ذلك، وكان ﷺ لا يراجع بعد ثلاث كما ثبت، ولو لم يدع لهم بعد ثالث مسألة ما سألوه في ذلك، وأخرجه أحمد (ج ٢: ص ٣٤) من طريق أيوب عن نافع بلفظ ((اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: وللمقصرين حتى قالها ثلاثًا أو أربعًا، ثم قال: والمقصرين)) ورواية من حزم مقدمة على من شك – انتهى. وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين. قال: اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: والمقصرين، قالها ثلاثًا. قال: وللمقصرين. قال الحافظ: قوله ((قالها ثلاثًا)) أي قوله: اللهم اغفر للمحلقين، وهذه الرواية شاهدة لأن عبيد الله العمري حفظ الزيادة – انتهى. واستدل بقوله ((المحلقين)) على مشروعية حلق جميع الرأس لأنه الذي تقتضيه الصيغة (إذ لا يقال لمن حلق بعض رأسه أنه حلقه إلا مجازًا) وقال بوجوب حلق جميعه مالك وأحمد، واستحبه الكوفيون والشافعي ويجزئ البعض عندهم، واختلفوا فيه فعن الحنفية الربع إلا أبا يوسف فقال: النصف. وقال الشافعي: أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة، والتقصير كالحلق فالأفضل أن يقصر من جميع شعر رأسه، ويستحب أن لا ينقص عن قدر الأنملة، وإن اقتصر على دونها أجزأ. هذا للشافعية، وهو مرتب عند غيرهم على الحلق، وهذا كله في حق الرجال، كذا في الفتح. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٩٣) : يلزم التقصير أو الحلق من جميع شعره، كذلك المرأة، نص عليه أحمد، وبه قال مالك، وعن أحمد يجزئه البعض مبنيًا على المسح في الطهارة، وكذلك قال ابن حامد، وقال الشافعي: يجزئه التقصير من ثلاث شعرات، واختار ابن المنذر أنه يجزئه ما يقع عليه اسم التقصير لتناول اللفظ له، ولنا قول الله تعالى: ﴿محلقين رؤوسكم﴾ وهذا عام في جميعه، ولأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه تفسيرًا لمطلق الأمر به فيجب الرجوع إليه، ولأنه نسك تعلق بالرأس فوجب استيعابه به كالمسح – انتهى. واختار ابن الهمام قول مالك في وجوب استيعاب الرأس بالحلق والتقصير، وقال بعد بسط الكلام فيه: فكان مقتضى الدليل في الحلق وجوب الاستيعاب كما هو قول مالك، وهو الذي أدين الله به. قال: وقياسه على المسح قياس مع الفارق. وقال الشنقيطي بعد ذكر مذاهب الأئمة في ذلك: أظهر الأقوال عندي أنه يلزم حلق جميع الرأس أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير، لأن فيه مشقة كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا يكفي الربع ولا ثلاث شعرات خلافًا للحنفية والشافعية،
стр. 4242
..............................................................................................
ــ
لأن الله تعالى يقول: ﴿محلقين رؤوسكم﴾ ولم يقل: بعض رؤوسكم ﴿ومقصرين﴾ أي رؤوسكم لدلالة ما ذكر قبله عليه، وظاهره حلق الجميع أو تقصيره، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا لدليل يجب الرجوع إليه، ولأن النبي ﷺ يقول: " دع ما يريبك إلا ما لا يريبك ". فمن حلق الجميع أو قصره ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، ومن اقتصر على ثلاث شعرات أو على ربع الرأس لم يدع ما يريبه، إذ لا دليل يجب الرجوع إليه من كتاب ولا سنة على الاكتفاء بواحد منهما، ولأن النبي ﷺ لما حلق في حجة الوداع حلق جميع رأسه وأعطى شعر رأسه لأبي طلحة ليفرقه على الناس، وفعله في الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلق كقوله: ﴿محلقين رؤوسكم﴾ الآية، وقوله: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (٢: ١٩٦) وقد قدمنا أن فعله ﷺ إذا كان بيانًا لنص مجمل يقتضي وجوب حكم أن ذلك الفعل المبين لذلك النص المجمل واجب، ولا خلاف في ذلك بين من يعتد به من أهل الأصول – انتهى. قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد أن التقصير يجزئ عن الحلق وهو مجمع عليه إلا ما روي عن الحسن البصري أن الحلق يتعين في أول حجة. حكاه ابن المنذر بصيغة التمريض، وقد ثبت عن الحسن خلافه. قال ابن أبي شبيبة: حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن الحسن في الذي لم يحج قط، فإن شاء حلق وإن شاء قصر، نعم روى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: إذا حج الرجل أول حجة حلق، فإن حج أخرى فإن شاء حلق وإن شاء قصر، ثم روي عنه أنه قال: كانوا يحبون أن يحلقوا في أول حجة وأول عمرة – انتهى. وهذا يدل على أن ذلك للاستحباب لا المزوم. نعم عند المالكية والحنابلة أن محل تعيين الحلق والتقصير أن لا يكون المحرم لبد شعره أو ضفره أو عقصه، وهو قول الثوري والشافعي في القديم والجمهور، وقال في الجديد وفاقًا للحنفية: لا يتعين إلا إن نذره أو كان شعره خفيفًا لا يمكن تقصيره أو لم يكن له شعر فيمر الموسى على رأسه، وأغرب الخطابي فاستدل بهذا الحديث لتعين الحلق لمن لبد، ولا حجة فيه – انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٣٤) : وهو أي المحرم مخير بين الحلق والتقصير أيهما فعل أجزأه في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ، يعني في حق من لم يوجد منه معنى يقتضي وجوب الحلق عليه، إلا أنه يروي عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة حجها ولا يصح هذا، لأن الله تعالى قال ﴿محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ (٤٨: ٢٧) ولم يفرق النبي ﷺ إذ قال: رحم الله المحلقين والمقصرين. وقد كان مع النبي ﷺ من قصر فلم يعب عليه، ولو لم يكن مجزيًا لأنكر عليه، واختلف أهل العلم فيمن لبد أو عقص أو ضفر، فقال أحمد: من فعل ذلك فليحلق وهو قول النخعي ومالك والشافعي وإسحاق، وكان ابن عباس يقول: من لبد أو ضفر أو عقد أو فتل أو عقص فهو على ما نوى، يعني إن نوى الحلق فليحلق وإلا فلا يلزمه، وقال أصحاب الرأي: هو مخير على كل حال لأن ما ذكرناه يقتضي التخيير على العموم، ولم يثبت في خلاف ذلك دليل، واحتج من نصر القول الأول بأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: من لبد
стр. 4243
متفق عليه.
ــ
فليحلق، وثبت عن عمر وابنه أنهما أمرا من لبد رأسه أن يحلقه، وثبت أن النبي ﷺ لبد رأسه وأنه حلقه، والصحيح أنه مخير إلا أن يثبت الخبر عن النبي ﷺ وقول عمر وابنه قد خالفهما فيه ابن عباس، وفعل النبي ﷺ له لا يدل على وجوبه بعد ما بين لهم جواز الأمرين – انتهى. وقال النووي في مناسكه: إذا فرغ من النحر حلق رأسه أو قصر وأيهما فعل أجزأ، والحلق أفضل. هذا في من لم ينذر الحلق، أما من نذر الحلق في وقته فيلزمه حلق الجميع، ولا يجزئه التقصير، ولو لبد رأسه عند الإحرام لم يكن ملتزمًا للحلق على المذهب الصحيح، وللشافعي قول قديم أن التلبيد كنذر الحلق – انتهى. وقال الدردير: والتقصير مجزئ لمن له الحلق أفضل، قال الدسوقي: أي إن لم يكن لبد شعره وإلا تعين الحلق، ونص المدونة: من ضفر أو عقص أو لبد فعليه الحلاق، ومثله في الموطأ، وعلله ابن الحاجب تبعًا لابن شاس بعدم إمكان التقصير، ورده في التوضيح بأنه يمكن أن يغسله ثم يقصر، وإنما علل علماؤنا تعين الحلق في حق هؤلاء بالسنة – انتهى. ومذهب الحنفية أنه لو تعذر الحلق لعارض تعين التقصير أو التقصير لعارض تعين الحلق كأن لبده بصمغ فلا يعمل فيه المقراض، ومتى نقض تناثر بعض شعره وذلك لا يجوز للمحرم قبل الحلق كذا في العالمكيرية. وقال في الدر المختار: ومتى تعذر أحدهما لعارض تعين الآخر، فلو لبد بصمغ بحيث تعذر التقصير تعين الحلق، قال ابن عابدين: مثال لتعذر التقصير ومثله ما لو كان الشعر قصيرًا فيتعين الحلق، وكذا لو كان معقوصًا أو مضفورًا كما عزى إلى المبسوط، ووجهه أنه إذا نقضه تناثر بعض الشعر فيكون جناية على إحرامه، لكن قد يقال: إن هذا التناثر غير جناية لأنه في وقت جواز إزالة الشعر بحلق أو غيره، ولو نتفًا منه أو من غيره، فبقى ما في المبسوط مشكلاً، تأمل. ومثال تعذر الحلق مع إمكان التقصير أن يفقد آلة الحلق أو من يحلقه أو يضره الحلق بنحو صداع أو قروح برأسه، وتقدم مثال تعذرهما جميعًا في الأقرع وذي قروح شعره قصير – انتهى. وفي الحديث أيضًا أن الحلق أفضل من التقصير ووجهه مع قطع النظر عن سببه الوارد في الحديبية وحجة الوداع أنه أبلغ في العبادة وأبين للخضوع والذلة وأدل على صدق النية، والذي يقصر يبقى على نفسه شيئًا مما يتزين به بخلاف الحالق فإنه يشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى، وأما قول النووي تبعًا لغيره في تعليل ذلك بأن المقصر يبقي على نفسه الشعر الذي هو زينة والحاج مأمور بترك الزينة بل هو أشعث أغبر، ففيه نظر، لأن الحلق إنما يقع بعد انقضاء زمن الأمر للتقشف فإنه يحل له عقبه كل شيء إلا النساء في الحج خاصة، وفيه أيضًا مشروعية الدعاء لمن فعل ما شرع له وتكرار الدعاء لمن فعل الراجح من الأمرين المخير فيهما، والتنبيه بالتكرار على الرجحان وطلب الدعاء لمن فعل الجائز وإن كان مرجوحًا، هذا. وقد بسط الكلام في فوائد الحديث ومباحثه الولي العراقي في طرح التثريب (ج ٥: ص ١١٠ إلى ص ١١٨) فارجع إليه إن شئت (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٧٩) وأبو داود والبيهقي (ج ٥: ص ١٠٣) وغيرهم.
стр. 4244
٢٦٧٢ – (٤) وعن يحيى بن الحصين، عن جدته، أنها سمعت النبي ﷺ في حجة الوداع، دعا للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة واحدة. رواه مسلم.
٢٦٧٣ – (٥) وعن أنس، أن النبي ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ونحر نسكه، ثم دعا بالحلاق، وناول الحالق شقه الأيمن
ــ
٢٦٧٢ – قوله (وعن يحيى بن الحصين) بمهملتين مصغرًا الأحمسي البجلي الكوفة ثقة، قال الحافظ: يحيى بن الحصين الأحمسي البجلي عن جدته أم الحصين ولها صحبة، وعن طارق بن شهاب وعنه أبو إسحاق السبيعي وزيد بن أبي أنيسة وشعبة. قال ابن معين والنسائي: ثقة. وزاد أبو حاتم ((صدوق)) وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العجلي ((كوفي ثقة)) (عن جدته) أي أم الحصين بنت إسحاق الأحمسية الصحابية لم تسم. قال ابن عبد البر: أم الحصين بنت إسحاق الأحمسية روى عنها ابن ابنها يحيى بن الحصين والعيزار بن حريث شهدت حجة الوداع. قال الحافظ: سمي ابن عبد البر أباها إسحاق ولم أرها لغيره ورواية العيزار بن حريث عنها عند ابن مندة وأحمد (ج ٦: ص ٤٠٢) من طريق يونس بن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث، قال: سمعت الأحمسية يعني أم الحصين تقول: رأيت على رسول الله ﷺ بردًا قد التحف به من تحت إبطه – الحديث (أنها سمعت النبي ﷺ في حجة الوداع) هذا نص في شهود أم الحصين حجة الوداع وأن الدعاء المذكور كان في حجة الوداع، وتقدم الكلام في هذا (مرة واحدة) هكذا في جميع النسخ وكذا وقع في جامع الأصول (ج ٤: ص ١٠٨) وطرح التثريب (ج ٥: ص ١١١) والذي في صحيح مسلم ((مرة)) أي بدون لفظة ((واحدة)) وهكذا في المصابيح والسنن للبيهقي والقرى (ص ٤١٢) للمحب الطبري، ولفظ أحمد في رواية: أنها سمعت النبي ﷺ بمنى دعا للمحلقين ثلاث مرات، فقيل له ((والمقصرين)) فقال في الثالثة (أي عقب الثالثة فتكون رابعة لتتفق مع الرواية الآتية) وفي لفظ له قالت: سمعت نبي الله ﷺ بعرفات (في الطريق الأولى ((بمنى)) فيحتمل أنه ﷺ كرر الدعاء في خطبته بعرفات ثم في خطبته بمنى فسمعته في الموضعين) يقول: غفر الله للمحلقين، ثلاث مرار، قالوا: والمقصرين، فقال: والمقصرين، في الرابعة (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٦: ص ٤٠٢، ٤٠٣) والبيهقي (ج ٥: ص ١٠٣) .
٢٦٧٣ – قوله (فأتى الجمرة) أي جمرة العقبة (فرماها ثم أتى منزله بمنى) فيه أنه يستحب إذا قدم منى أن لا يعرج على شيء قبل الرمي، بل يأتي الجمرة الكبرى جمرة العقبة راكبًا كما هو فيرميها ثم يذهب فينزل حيث شاء من منى (ونحر نسكه) بسكون السين ويضم جمع نسيكة وهي الذبيحة، والمراد بدنه ﷺ ، وقد نحر بيد ثلاثًا وستين وأمر عليًا أن ينحر بقية المائة، وفيه استحباب نحر الهدي بمنى، ويجوز حيث شاء من بقاع الحرم لقول رسول الله ﷺ : كل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر (ثم دعا بالحلاق) هو معمر بن عبد الله العدوي (وناول الحالق شقه) أي جانبه (الأيمن)
стр. 4245
فحلقه،
ــ
أي من الرأس (فحلقه) فيه أنه يستحب في حلق الرأس أن يبدأ بالشق الأيمن من رأس المحلوق وإن كان على يسار الحالق وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة يبدأ بجانبه الأيسر لأنه على يمين الحالق، والحديث يرد عليه، قال الطيبي: دل الحديث على أن المستحب الابتداء بالأيمن (من رأس المحلوق) وذهب بعضهم إلى أن المستحب الأيسر – انتهى. قال القاري: أي ليكون أيمن الحالق، ونسب إلى أبي حنيفة إلا أنه رجع عن هذا، وسبب ذلك أنه قاس أولاً يمين الفاعل كما هو المتبادر من التيامن، ولما بلغه أنه ﵊ اعتبر يمين المفعول رجع عن ذلك القول المبني على المعقول إلى صريح المنقول إذ الحق بالإتباع أحق، ولو وقف الحالق خلف المحلوق أمكن الجمع بين الأيمنين (أي اجتمع الابتداء بيمين الحالق والمحلوق وارتفع الخلاف وإذا تعذر الجمع فلا بد من ترجيح ما يدل عليه حديث أنس) وقال ابن عابدين في رد المحتار (ج ٢: ص ٢٤٩) تنبيه: قالوا: (أي الحنفية) يندب البداءة بيمين الحالق لا المحلوق إلا أن ما في الصحيحين يفيد العكس وذلك أنه ﷺ قال للحلاق: خذ، وأشار على الجانب الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس، قال (أي ابن الهمام) في الفتح: وهو الصواب وإن كان خلاف المذهب – انتهى. وأقول (قائله ابن عابدين) : يوافقه ما في الملتقط عن الإمام، حلقت رأسي فخطأني الحلاق في ثلاثة أشياء لما أن جلست قال: استقبل القبلة، وناولته الجانب الأيسر، فقال: ابدأ بالأيمن، فلما أردت أن أذهب قال: ادفن شعرك، فرجعت فدفنته – انتهى (نهر) أي فهذا يفيد رجوع الإمام إلى قول الحجام، ولذا قال في اللباب: هو المختار، قال شارحه: كما في منسك ابن العجمي، والبحر، وقال في النخبة: وهو الصحيح، وقد روى رجوع الإمام عما نقل عنه الأصحاب فصح تصحيح قوله الأخير، واندفع ما هو المشهور عنه عند المشائخ من البداءة من يمين الحالق وأيسر المحلوق، وقال السروجي: وعند الشافعي يبدأ بيمين المحلوق، وذكر كذلك بعض أصحابنا ولم يعزه إلى أحد، والسنة أولى، وقد صح بداءة رسول الله ﷺ بشق رأسه الكريم من الجانب الأيمن، ولا لأحد بعده كلام، وقد كان يحب التيامن في شأنه كله، وقد أخذ الإمام بقول الحجام ولم ينكره، ولو كان مذهبه خلافه لما وافقه – انتهى ملخصًا. ومثله في ((المعراج)) و ((غاية البيان)) انتهى كلام ابن عابدين. قلت: قصة أبي حنيفة مع الحجام مشهورة كما قال الحافظ، وأخرجها أبو الفرج بن الجزري في ((مثير الغرام الساكن)) بإسناده إلى وكيع عنه، قال وكيع قال لي أبو حنيفة: أخطأت في خمسة أبواب من المناسك فعلمنيها حجام فذكرها، ثم قال: فقلت: له (أي الحجام) من أين لك ما أمرتني به؟ قال: رأيت عطاء بن أبي رباح يفعل هذا، وذكر هذه القصة المحب الطبري في ((القرى)) (ص ١١٤) مفصلاً، والحافظ في ((التلخيص)) مختصرًا، ولا اضطراب فيها أصلاً، وهي تدل على أن أبا حنيفة رجع عن قوله الأول بتعليم الحجام وتدل على عظم شأنه حيث ترك قياسه ورأيه وقبل الحق عمن هو دونه، وتدل أيضًا على أنه لم يبلغه حديث الابتداء في حلق الرأس بيمين المحلوق وإلا لما خالفه، وهو نص في مورد النزاع قاطع
стр. 4246
ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناول الشق الأيسر. فقال " احلق ". فحلقه فأعطاه أبا طلحة، فقال: " اقسمه بين الناس ".
ــ
للخلاف اتفقت روايته عند مخرجيه على التصريح بالبداءة بشق الرأس الأيمن، وفيه بيان أن التيامن المحجوب المطلوب في حلق الرأس وهو ما بينه النبي ﷺ بفعله وعمله لا ما فهمه أبو حنيفة أو لا، ولذلك اضطر ابن الهمام والسروجي والإتقاني وابن نجيم والعيني وغيرهم من الحنفية إلى تصحيح قول أبي حنيفة الأخير وتصويبه واختياره (ثم دعا أبا طلحة الأنصاري) زوج أم سليم والدة أنس راوي هذا الحديث واسم أبي طلحة زيد بن سهل الجاري، تقدم ترجمته (ج ١: ص ٤٠٦) قال القاري: وكان له ﵊ بأبي طلحة وأهله مزيد خصوصية ومحبة ليست لغيرهم من الأنصار وكثير من المهاجرين الأبرار ﵃ (فأعطاه) أي أبا طلحة (إياه) أي الشعر المحلوق (ثم ناول) وفي مسلم ((ثم ناوله)) أي الحالق (الشق الأيسر) من الرأس (فأعطاه أبا طلحة فقال: اقسمه بين الناس) الحديث ظاهر بل نص في أن شعر شقيه ﷺ أعطاه أبا طلحة وفي أنه أمر بقسم شعر الشق الأيسر بين الناس ويدل عليه أيضًا رواية أبي عوانة في صحيحه بلفظ أن رسول الله ﷺ أمر الحلاق فحلق رأسه ودفع إلى أبي طلحة الشق الأيمن ثم حلق الشق الآخر فأمره أن يقسمه بين الناس، وفي رواية لمسلم أنه قسم الأيمن بين من يليه وأعطى الأيسر أم سليم، وفي لفظ له ((فوزعه (أي الأيمن) الشعرة والشعرتين بين الناس ودفع الأيسر إلى أبي طلحة)) . قال الحافظ: ولا تناقض في هذه الروايات بل طريق الجمع بينها أنه ناول أبا طلحة كلا من الشقين، فأما الأيمن فوزعه أبو طلحة بأمره، وأما الأيسر فأعطاه لأم سليم زوجته بأمره ﷺ أيضًا، زاد أحمد في رواية له لتجعلها في طيبها، وعلى هذا فالضمير في قوله يقسمه في رواية أبي عوانة يعود على الشق الأيمن وكذا قوله في رواية الباب فقال: اقسمه بين الناس – انتهى. وقال المحب الطبري: والصحيح أن الذي وزعه على الناس ﷺ الشق الأيمن على ما تضمنه حديث توزيع الشعرة والشعرتين بين الناس، وأعطى الأيسر أبا طلحة أو أم سليم على ما تضمنه أيضًا ولا تضاد بين الروايتين، لأن أم سليم امرأة أبي طلحة فأعطاه ﷺ لهما، فنسبت العطية تارة إليه وتارة إليها – انتهى. قال النووي: في الحديث فوائد منها بيان السنة في أعمال الحج يوم النحر بعد الدفع من مزدلفة ووصوله منى وهي أربعة: رمي جمرة العقبة أولاً، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم دخوله مكة وطواف الإفاضة، وكلها ذكرت في هذا الحديث إلا طواف الإفاضة. والسنة في هذه الأعمال الأربعة أن تكون مرتبة كما ذكرنا لهذا الحديث الصحيح، فإن خالف ترتيبها فقدم مؤخرًا أو أخر مقدمًا جاز لقوله ﷺ ((افعل ولا حرج)) وسيأتي الكلام على هذا في الباب الآتي، ومنها طهارة شعر الآدمي وهو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء، ومنها التبرك بشعره ﷺ وجواز اقتنائه للتبرك، ومنها مواساة الإمام والكبير بين أصحابه وأتباعه فيما يفرقه عليهم
стр. 4247
متفق عليه.
٢٦٧٤ - (٦) وعن عائشة، قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت،
ــ
من عطاء وهدية قال الحافظ: وفيه أن المواساة لا تستلزم المساواة، وفيه تنفيل من يتولى التفرقة على غيره، قال العيني: وفيه أن حلق الرأس سنة أو مستحبة إقتداء بفعله ﷺ . قال الزرقاني: وإنما قسم شعره في أصحابه ليكون بركة باقية بينهم وتذكرة لهم، وكأنه أشار بذلك إلى اقتراب الأجل، وخص أبا طلحة بالقسمة التفاتًا إلى هذا المعنى، لأنه هو الذي حفر قبره ولحد له وبنى فيه اللبن – انتهى. (متفق عليه) أي على أصل الحديث، فإن البخاري رواه في ((باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان)) من كتاب الطهارة مختصرًا جدًا بلفظ ((أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره)) قال العيني: لم يخرجه أحد من الستة غيره بهذه العبارة. وقال المزي في الأطراف (ج ١: ص ٣٧٣) بعد ذكره: هو مختصر من حديث قد تقدم (ج ١: ص ٣٧١) يريد بذلك حديث الباب، وقد أخرجه مسلم في الحج مطولاً بألفاظ مختلفة متقاربة المعنى والسياق المذكور في الكتاب مأخوذ من روايتين لمسلم فقوله ((إن النبي ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى)) وقع عنده في رواية يحيى بن يحيى عن حفص بن غياث عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أنس، وقوله ((ونحر نسكه وناول الحالق شقه الأيمن)) إلخ. وقع في رواية ابن أبي عمر عن ابن عيينة عن هشام عن ابن سيرين، وقوله ((ثم دعا بالحلاق)) ليس عند مسلم بل هو عند أبي داود فقط. فالمصنف أخذ صدر الرواية الأولى وترك عجزها، وترك أول الرواية الثانية وأدخل في الوسط فقرة من رواية أبي داود ولا يخفى ما في هذا الصنيع من الخلل. والحديث أخرجه أحمد والترمذي والنسائي في الكبرى وأبو داود وابن الجارود (ص ١٧٣) والبيهقي (ج ٥: ص ١٠٣، ١٣٤) قال المزي في الأطراف (ج ١: ص ٣٧١) : حديث عبيد بن هشام الحلبي وعمرو بن عثمان الحمصي عن ابن عيينة (عند أبي داود) في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم.
٢٦٧٤ – قوله (كنت أطيب رسول الله قبل أن يحرم) فيه دليل على جواز استعمال الطيب بل استحباب التطيب قبل الإحرام بما شاء من طيب سواء كان يبقى عينه ولونه أو أثره بعد الإحرام أو لا يبقى، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والثوري وهو مذهب أكثر الصحابة وجماعة من التابعين، وقال مالك: يكره التطيب عند إرادة الإحرام إذا يبقى أثر الطيب وريحه أو عينه بعد التلبس بالإحرام، وإليه ذهب محمد بن الحسن واختاره الطحاوي (ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت) أي طواف الإفاضة يعني بعد التحلل الأول وهو بالحلق، وبه يظهر المناسبة بين الباب وبين هذا
стр. 4248
بطيب فيه مسك. متفق عليه.
٢٦٧٥ - (٧) وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى.
ــ
الحديث (بطيب) متعلق بأطيب (فيه) أي في أجزائه (مسك) في الحديث دليل على حل التطيب بعد رمي الجمرة والحلق قبل طواف الإفاضة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، وكرهه مالك، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث مستوفى في باب الإحرام والتلبية، وهو أول أحاديث الباب المذكور فعليك أن تراجعه (متفق عليه) واللفظ لمسلم، رواه عن أحمد بن منيع ويعقوب الدورقي كلاهما عن هشيم عن منصور عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، ((قالت: كنت أطيب النبي ﷺ )) إلخ. وليس عند البخاري لفظ المسك.
٢٦٧٥ – قوله (أفاض يوم النحر) أي نزل من منى إلى مكة بعد رميه ونحره وحلقه فطاف طواف الفرض أي طواف الزيارة والإفاضة وقت الضحى (ثم رجع) أي في ذلك اليوم (فصلى الظهر بمنى) فيه تصريح بأنه ﷺ طاف طواف الإفاضة نهارًا وصلى صلاة الظهر بمنى بعد ما رجع من مكة، ويوافقه في وقت الطواف حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ ، ويخالفه في الموضع الذي صلى فيه ظهر يوم النحر حيث قال: ((ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر)) ففيه التصريح بأنه أفاض نهارًا وهو نهار يوم النحر، وأنه صلى ظهر يوم النحر بمكة، وكذلك قالت عائشة أنه طاف يوم النحر وصلى الظهر بمكة، فاتفق الحديثان في وقت طواف الإفاضة واختلفا في موضع صلاته لظهر ذلك اليوم. ووجه الجمع بينهما أنه ﷺ صلى الظهر بمكة كما قال جابر وعائشة، ثم رجع إلى منى فصلى بأصحابه الظهر مرة أخرى كما صلى بهم صلاة الخوف مرتين مرة بطائفة ومرة بطائفة أخرى في بطن نخل، فرأى جابر وعائشة صلاته في مكة فأخبر بما رأيا، وقد صدقا، ورأى ابن عمر صلاته بهم في منى فأخبر بما رأى وقد صدق، وبهذا الجمع جزم النووي وغير واحد، وقد جمع بعضهم بينهما بوجوه أخرى وصار بعضهم إلى الترجيح كما تقدم مفصلاً في شرح حديث جابر في قصة حجة الوداع. هذا، وقد ورد في بعض الرويات ما يدل على أنه ﷺ طاف طواف الإفاضة ليلاً. قال البخاري في صحيحه: وقال الزبير عن عائشة وابن عباس: أخر النبي ﷺ الزيارة إلى الليل، وقد تقرر أن كل ما علقه البخاري بصيغة الجزم فهو صحيح إلى من علق عنه مع أنه وصله أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من طريق سفيان الثوري عن أبي الزبير به، وزياراته ليلاً في هذا الحديث المروي عن عائشة وابن عباس مخالفة لما تقدم في حديثي جابر وابن عمر وللجمع بينهما أوجه كما سبق منها أن النبي ﷺ طاف طواف الزيارة في النهار يوم النحر كما أخبر به جابر وعائشة وابن عمر ثم بعد ذلك صار يأتي البيت ليلاً ثم يرجع إلى منى فيبيت بها، وإتيانه البيت في ليالي منى هو مراد عائشة وابن عباس. وقال البخاري في صحيحه بعد أن ذكر هذا الحديث الذي علقه بصيغة الجزم ما نصه: ويذكر عن أبي حسان
стр. 4249
رواه مسلم.
(الفصل الثاني)
٢٦٧٦، ٢٦٧٧ - (٨، ٩) عن علي، وعائشة، قالا: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها.
ــ
عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت أيام منى – انتهى. قال الحافظ في الفتح: فكأن البخاري عقب هذا بطريق أبي حسان ليجمع بين الأحاديث بذلك، فيحمل حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن عباس هذا على بقية الأيام، وهذا الجمع مال إليه النووي، ومنها أن الطواف الذي طافه النبي ﷺ ليلاً طواف الوداع فنشأ الغلط من بعض الرواة في تسميته بالزيارة، ومعلوم أن طواف الوداع كان ليلاً، فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك ((أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به)) وسيأتي في باب خطبة يوم النحر وهو واضح في أنه طاف طواف الوداع ليلاً، وإلى هذا الجمع مال ابن القيم، ولو فرضنا أن أوجه الجمع غير مقنعة فأحاديث جابر وعائشة وابن عمر ((أنه طاف طواف الزيارة نهارًا)) أصح مما عارضها فيجيب تقديمها عليه، وفي الحديث دلالة على أن رميه وحلقه وقع قبل الظهر بالاتفاق وإن اختلف في كونه بمكة أو بمنى، إذ الترتيب بين الحلق والإفاضة معتبر فظهر المناسبة بين الباب وبين حديث ابن عمر فتدبر (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٣٤) وأبو داود وابن الجارود (ص ١٧٤) والبيهقي (ج ٥: ص ١٤٤) وقد عزا بعضهم هذا الحديث إلى الشيخين وهو خطأ، فإن الحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري، وقد تقدم التنبيه على ذلك في شرح حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ ، فتذكر.
٢٦٧٦، ٢٦٧٧ – قوله (نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها) أي في التحلل من الإحرام أو مطلقًا إلا لضرورة فإن حلقها مثلة كحلق اللحية للرجل، قاله القاري. قلت: الظاهر أن المرأة ممنوعة من حلق الرأس مطلقًا إلا لضرورة ولو كان الحلق يجوز لها لأمرت به في الحج لأن الحلق نسك كما تقدم، قال الحافظ: وهذا أي التخيير بين الحلق والتقصير وكون الحلق أفضل من التقصير إنما هو في حق الرجال، وأما النساء فالمشروع في حقهن التقصير بالإجماع، وفيه حديث لابن عباس عند أبي داود يعني الذي يأتي بعد هذا، ثم ذكر حديث علي، ثم قال: وقال جمهور الشافعية: لو حلقت أجزأها ويكره. وقال القاضيان أبو الطيب وحسين: لا يجوز – انتهى. وقال ابن قدامة: المشروع للمرأة التقصير دون الحلق لا خلاف في ذلك، قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم، وذلك لأن الحلق في حقهن مثلة، ثم ذكر حديث ابن عباس وحديث علي، وقال في اللباب وشرحه للقاري: التقصير واجب لهن لكراهة الحلق كراهة تحريم في حقهن إلا لضرورة – انتهى. وقال الباجي: وأما المرأة فقد قال ابن حبيب: ليس على من حج من النساء حلاق وقد نهى عنه النبي
стр. 4250
.............................................................................................
ــ
ﷺ المرأة في حج أو عمرة، وقال: هي مثلة. وهو الذي رواه ابن حبيب وإن لم نعرف له إسنادًا صحيحًا إلا أنه من قول العلماء، وهو الصحيح، لأنه مثلة لأنه حلاق غير معتاد كحلاق الرجل لحيته وشاربه – انتهى. قال الخرقي: والمرأة تقصر من شعرها مقدار الأنملة، قال ابن قدامة: الأنملة رأس الإصبع من المفصل الأعلى. قال: وكان أحمد يقول: تقصر من كل قرن قدر الأنملة وهو قول ابن عمر والشافعي وإسحاق وأبي ثور، وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن المرأة تقصر من كل رأسها؟ قال: نعم تجمع شعرها إلى مقدم رأسها ثم تأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة – انتهى. وقال مالك: في المرأة إذا قصرت تأخذ قدر الأنملة أو فوقه بقليل أو دونه بقليل وليست كالرجل في أنه يجزه جزًا كذا في طرح التثريب للولي العراقي. وقال الشنقيطي: اعلم أن محل كون الحلق أفضل من التقصير إنما هو بالنسبة إلى الرجال خاصة، وأما النساء فليس عليهن حق وإنما عليهن التقصير، والصواب عندنا وجوب تقصير المرأة جميع رأسها ويكفيها قدر الأنملة لأنه يصدق عليه أنه تقصير من غير منافاة لظواهر النصوص، ولأن شعر المرأة من جمالها وحلقه مثلة، وتقصيره جدًا إلى قرب أصول الشعر نقص في جمالها، وقد جاء عن النبي ﷺ أن النساء لا حلق عليهن وإنما عليهن التقصير، ثم ذكر حديث ابن عباس الآتي برواية أبي داود والبزار والدارقطني، ثم قال ويعتضد عدم حلق النساء رؤوسهن بخمسة أمور غير ما ذكرنا، الأول: الإجماع على عدم حلقهن في الحج ولو كان الحلق يجوز لهن لشرع في الحج، الثاني: أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق، الثالث: أنه ليس من عملنا ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، الرابع: أنه تشبه بالرجال، وهو حرام، الخامس: أنه مثلة، والمثلة لا تجوز، أما الإجماع فقد قال النووي في شرح النهذب: قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا حلق على النساء وإنما عليهن التقصير، ويكره لهن الحلق لأنه بدعة في حقهن، وفيه مثلة، واختلفوا في قدر ما تقصره، فقال ابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: تقصر من كل قرن مثل الأنملة. وقال قتادة: تقصر الثلث أو الربع، وقالت حفصة بنت سيرين: إن كانت عجوزًا من القواعد أخذت نحو الربع، وإن كانت شابة فلتقلل، وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء ولا يجوز من بعض القرون – انتهى. وتراه نقل عن ابن المنذر الإجماع على أن النساء لا حلق عليهن في الحج ولو كان الحلق يجوز لهن لأمرن به في الحج، لأن الحلق نسك على التحقيق كما تقدم إيضاحه، وأما الأحاديث الواردة في ذلك فقد قال الزيلعي في نصب الراية (ج ٣: ص ٩٥) : في نهي النساء عن الحلق أحاديث، منها ما رواه الترمذي في الحج والنسائي في الزينة، فذكره وهو الذي نحن في شرحه، ثم قال: حديث آخر أخرجه البزار في مسنده فذكره من رواية عائشة مرفوعًا بلفظ حديث علي
مع الكلام عليه ثم قال: حديث آخر رواه البزار في مسنده أيضًا فذكره من رواية عثمان باللفظ المتقدم. قال الشنقيطي: وهذه الروايات التي ذكرنا في نهي المرأة عن حلق رأسها عن علي وعثمان وعائشة يعضد بعضها بعضًا كما تعتضد بما تقدم (يعني حديث ابن عباس في أن على النساء التقصير لا الحلق) وبما
стр. 4251
.............................................................................................
ــ
سيأتي: وأما كون حلق المرأة رأسها ليس من عمل نساء الصحابة فمن بعدهم فهو أمر معروف لا يكاد يخالف فيه إلا مكابر، فالقائل بجواز الحلق للمرأة قائل بما ليس من عمل المسلمين المعروف. وفي الحديث الصحيح: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، فالحديث يشمل عمومه الحلق بالنسبة للمحرمة بلا شك. وإذا لم يبح لها حلقه في حال النسك فغيره من الأحوال أولى، وأما كون حلق المرأة رأسها تشبهًا بالرجال فهو واضح ولا شك أن الحالقة رأسها متشبهة بالرجال لأن الحلق من صفاتهم الخاصة بهم دون الإناث عادة، وقد ورد الحديث الصحيح في لعن المتشبهات من النساء بالرجال، وأما كون حلق رأس المرأة مثلة فواضح، لأن شعر رأسها من أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها وتشويه لخلقتها كما يدركه الحس السليم وعامة الذين يذكرون محاسن النساء في أشعارهم وكلامهم مطبقون على أن شعر المرأة الأسود من أحسن زينتها لا نزاع في ذلك بينهم في جميع طبقاتهم، وهو في أشعارهم مستفيض استفاضة يعلمها كل من له أدنى إلمام، ثم ذكر أمثلة لذلك من شعراء العرب كامرئ القيس والأعشى ميمون بن قيس وعمر بن أبي ربيعة وغيرهم، ثم قال: هذا كله يدل على أن حلق المرأة شعر رأسها نقص في جمالها وتشويه لها فهو مثلة، وبه تعلم أن العرف الذي صار جاريًا في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله سنة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين ونساء العرب قبل الإسلام فهو من جملة الانحرافات التي عمت البلوى بها في الدين والخلق والسمت وغير ذلك. فإن قيل: جاء من أزواج النبي ﷺ ما يدل على حلق المرأة رأسها وتقصيرها إياه، فما دل على الحلق فهو ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث وهب بن جرير، ثنا أبي سمعت أبا فزارة يحدث عن يزيد بن الأصم عن ميمونة ((أن النبي ﷺ تزوجها حلالاً وبنى بها وماتت بسرف فدفناها في الظلة التي بنى بها فيها فنزلنا أنا وابن عباس، فلما وضعناها في اللحد مال رأسها فأخذت ردائي فوضعته تحت رأسها فأجتذبه ابن عباس فألقاه، وكانت قد حلقت رأسها في الحج، فكان رأسها محجمًا)) فهذا الحديث يدل على أن ميمونة حلقت رأسها ولو كان حرامًا ما فعلته، وأما التقصير فما رواه مسلم في صحيحه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاع فسألها عن غسل النبي ﷺ من الجنابة، فدعت بإناء قدر صاع، فاغتسلت وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثًا، قال: وكان أزواج رسول الله ﷺ يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة. فالجواب عن حديث ميمونة على تقدير صحته أن فيه أن رأسها كان محجمًا، وهو يدل على أن الحلق المذكور لضرورة المرض لتتمكن آلة الحجم من الرأس، والضرورة يباح لها ما لا يباح بدونها، وقد قال تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ (٦: ١١٩) انتهى. وقيل إن ميمونة إنما حلقت رأسها في الحج عند التحلل من الإحرام ولعل ذلك أن نهي النساء عن الحلق يكون عندها نهي إرشاد لا نهي حكم فحلقت رأسها اختيار منها لترك الزينة. قال الشنقيطي: وأما الجواب عن حديث مسلم فعلى القول بأن الوفرة أطول من اللمة التي هي ما ألم بالمنكبين من الشعر
стр. 4252
..............................................................................................
ــ
فلا إشكال، لأن ما نزل عن المنكبين طويل طولاً يحصل به المقصود. قال النووي في شرح مسلم: والوفرة أشبع وأكثر من اللمة، واللمة ما يلم بالمنكبين من الشعر، قاله الأصعمي – انتهى كلام النووي. وأما على القول الصحيح المعروف عند أهل اللغة من أنها لا تجاوز الأذنين. قال في القاموس: والوفرة الشعر المجتمع على الرأس، وأما ما سال على الأذنين منه، أو ما جاوز شحمة الأذن، ثم الجمة ثم اللمة، وقال الجوهري في صحاحه: والوفرة الشعر إلى شحمة الأذن ثم الجملة ثم اللمة، وهي التي ألمت بالمنكبين – انتهى. فالجواب أن أزواج النبي ﷺ إنما قصرن رؤسهن بعد وفاته ﷺ لأنهن كن يتجملن له في حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن، أما بعد وفاته ﷺ فلهن حكم خاص بهن لا تشاركهن فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع أملهن انقطاعًا كليًا من التزويج ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع فهن كالمعتدات المحبوسات بسببه إلى الموت. قال تعالى ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إن ذلكم كان عند الله عظيمًا﴾ واليأس من الرجال بالكلية قد يكون سببًا للترخيص في الإخلال بأشياء من الزينة لا تحل لغير ذلك السبب. وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على هذا الحديث: قال عياض: المعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون والذوائب، ولعل أزواج النبي ﷺ فعلن هذا بعد وفاته ﷺ لتركهن التزين واستغنائهن عن تطويل الشعر وتخفيفًا لمؤنة رؤسهن، وهذا الذي ذكره القاضي عياض من كونهن فعلنه بعد وفاته ﷺ لا في حياته، كذا قاله أيضًا غيره (كالمازري والقرطبي والأبي) وهو متعين، ولا يظن بهن فعله في حياته ﷺ ، وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء – انتهى كلام النووي. قال الشنقيطي: وقوله ((فيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء)) فيه عندي نظر لما قدمنا من أن أزواج النبي ﷺ بعد وفاته لا يقاس عليهن غيرهن، لأن قطع طمعهن في الرجال بالكلية خاصة بهن دون غيرهن، وقد يباح له من الإخلال ببعض الزينة ما لا يباح لغيره حتى إن العجوز من غيرهن لتتزين للخطّاب، وربما تزوجت لأن كل ساقطة لها لاقطة، وقد يحب بعضهم العجوز كما قال القائل:
أبي القلب إلا أم عمرو وحبها _ ... عجوزًا ومن يحبب عجوزًا يفند
كثوب اليماني قد تقادم عهده _ ... ورقعته ما شئت في العين واليد
وقال الآخر:
ولو أصبحت ليلى تدب على العصا _ ... لكان هوى ليلى جديدًا أوائله
انتهى كلام الشنقيطي ببعض الاختصار. وقيل أيضًا في الجواب عن هذا الحديث أن المراد أن نساء النبي ﷺ كن يقصرن شعورهن المسترسلة ويعقدنها على القفا أو على الرأس من غير أن يتخذنها قرونًا وضفائر فتكون كالوفرة في عدم مجاوزتها الأذنين كما يفعله كثير من العجائز والأيامى في عصرنا بل عامة النساء في حالة الاغتسال بعد غسل الرأس،
стр. 4253
رواه الترمذي.
ــ
فإن الشعور الطويلة لو استرسلت على حالها فإيصال الماء إلى البدن المستور تحت الشعور المسترسلة لا يخلو عن كلفة ومشقة (رواه الترمذي) حديث علي رواه الترمذي في باب كراهية الحلق للنساء من كتاب الحج، والنسائي في باب النهي عن حلق المرأة رأسها من كتاب الزينة، قالا حدثنا محمد بن موسى الحرشي عن أبي داود الطيالسي عن همام عن قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي، قال: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها. ثم رواه الترمذي عن محمد بن بشار عن أبي داود الطيالسي عن همام عن خلاس عن النبي ﷺ نحوه مرسلاً أي لم يذكر فيه عن علي. وقال: حديث علي فيه اضطراب، وروي هذا الحديث عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عائشة أن النبي ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها – انتهى. وحكى الزيعلي (ج ٣: ص ٩٥) كلام الترمذي هذا بلفظ: قال الترمذي: هذا حديث فيه اضطراب، وقد روي عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عائشة عن النبي ﷺ مرسلاً – انتهى. وإنما قال: مرسلاً أي منقطعًا لما حكى الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة قتادة (ج ٨: ص ٣٥٥) عن الحاكم أنه قال في ((علوم الحديث)) لم يسمع قتادة من صحابي غير أنس. قال: وقد ذكر ابن أبي حاتم عن أحمد بن حنبل مثل ذلك، وقال أبو حاتم: قتادة عن أبي الأحوص مرسل، وأرسل عن أبي موسى وعائشة وأبي هريرة ومعقل بن يسار – انتهى. ثم قال الزيعلي: وقال عبد الحق في أحكامه: هذا حديث يرويه همام بن يحيى عن قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي، وخالفه هشام الدستوائي وحماد بن سلمة فروياه عن قتادة عن النبي ﷺ مرسلاً انتهى. قال الحافظ في الدراية: رواته موثوقون إلا أنه اختلف في وصله – انتهى. وحاصل ما وقع في هذا الحديث من الاضطراب أنه اختلف أصحاب قتادة عليه فروى همام عنه عن خلاس عن علي عن النبي ﷺ أي جعله من مسند علي، وخالفه حماد بن سلمة فروى عن قتادة عن عائشة عن النبي ﷺ فجعله من مسند عائشة وخالفهما هشام الدستوائي فرواه عن قتادة عن النبي ﷺ مرسلاً، وكذا روي عن حماد بن سلمة عن قتادة مرسلاً أيضًا، واختلف أيضًا على همام فروى محمد بن موسى عن الطيالسي عن همام عن قتادة عن خلاس عن علي عن النبي ﷺ ، وروى محمد بن بشار عن الطيالسي عن همام عن خلاس نحوه مرسلاً ولم يذكر فيه عن علي. قلت: خلاس بن عمرو ثقة من رجال الستة غير أنه قال أبو داود ويحيى بن سعيد: لم يسمع خلاس من علي. وقال أحمد بن حنبل: روايته عن علي كتاب، وكذا قال يحيى بن سعيد وأبو حاتم والبخاري في تاريخه ولكن قال الجوزجاني والعقيلي: كان خلاس على شرطة علي، وقد سمع من عمار وعائشة وابن عباس كما في تهذيب التهذيب، وإذًا فسماعه عن علي ليس ببعيد، ومحمد بن موسى الحرشي عن الطيالسي عن همام سلسلة الرواة الثقات، فالرواية المسندة بذكر علي مقبولة معتبرة لا يضرها رواية من رواها مرسلة، وللحديث طريق آخر عند البزار يعتضد به. قال الزيلعي: حديث آخر أخرجه البزار في مسنده عن معلى بن عبد الرحمن الواسطي ثنا عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها. قال البزار: ومعلى بن
стр. 4254
٢٦٧٨ – (١٠) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير ". رواه أبو داود، والدارمي.
ــ
عبد الرحمن الواسطي روى عن عبد الحميد بأحاديث لم يتابع عليها، ولا نعلم أحدًا تابعه على هذا الحديث – انتهى. ورواه ابن عدي في الكامل وقال: أرجو أنه لا بأس به. قال عبد الحق: وضعفه أبو حاتم وقال: إنه متروك الحديث – انتهى. وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: يروى عن عبد الحميد بن جعفر المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد – انتهى. وفي الباب أيضًا عن عثمان، قال الزيلعي: رواه البزار في مسنده من طريق روح بن عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن وهب بن عمير قال سمعت عثمان يقول: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها. قال البزار: ووهب بن عمير لا نعلمه روى غير هذا الحديث، ولا نعلم حدث عنه إلا عطاء بن أبي ميمونة، وروح ليس بالقوي -انتهى. وقال الهيثمي بعد عزوه إلى البزار (ج ٣: ص ٢٦٣) : وفيه روح بن عطاء وهو ضعيف – انتهى. والحديثان وإن كانا ضعيفين لكنهما يصلحان للاستشهاد.
٢٦٧٨ – قوله (ليس على النساء الحلق) أي لا يجب عليهن الحلق في التحلل (إنما على النساء التقصير) أي إنما الواجب عليهن التقصير بخلاف الرجال، فإنه يجب عليهم أحدهما والحلق أفضل، قاله القاري. وفيه دليل على أن المشروع في حق النساء التقصير، وقد حكى الحافظ وغيره الإجماع على ذلك كما تقدم (رواه أبو داود) قال: حدثنا محمد بن الحسن العتكي ثنا محمد بن بكر ثنا ابن جريج قال: بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان قالت أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ ، إلخ. ثم قال أبو داود: حدثنا أبو يعقوب البغدادي ثقة، ثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال، إلخ (والدارمي) قال: أخبرنا علي بن عبد الله المديني ثنا هشام بن يوسف ثنا ابن جريج أخبرني عبد الحميد بن جبير عن صفية، إلخ. والحديث قد سكت عنه أبو داود والمنذري، وقال النووي في شرح المهذب: رواه أبو داود بإسناد حسن. وقال الحافظ في التلخيص: حديث ((ليس على النساء حلق وإنما يقصرن)) رواه أبو داود والدارقطني والطبراني من حديث ابن عباس وإسناده حسن، وقواه أبو حاتم في العلل والبخاري في التاريخ، وأعله ابن القطان، ورد عليه ابن المواق فأصاب – انتهى. قلت: قال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر هذا الحديث من رواية أبي داود: قال ابن القطان في كتابه: هذا ضعيف ومنقطع، أما الأول فانقطاعه من جهة ابن جريج قال: بلغني عن صفية فلم يعلم من حدثه به، وأما الثاني فقول أبي داود: حدثنا رجل ثقة يكنى أبا يعقوب وهذا غير كاف، وإن قيل: إنه أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم أبي إسرائيل فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه، وأما ضعفه فإن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف حالها – انتهى ما في
стр. 4255
..............................................................................................
ــ
نصب الراية. قلت: حديث ابن عباس أقل درجاته الحسن، فقول النووي إنه حديث رواه أبو داود بإسناد حسن، وكذا قول من وافقه في تحسين إسناد الحديث وتقويته أصوب مما نقله الزيلعي عن ابن القطان وسكت عليه، فقول ابن جريج في رواية أبي داود ((بلغني عن صفية بنت شيبة)) تفسره الرواية التي بين فيها ابن جريج أن من بلغه عن صفية المذكورة هو عبد الحميد بن جبير بن شيبة وهو ثقة معروف وقد صرح في رواية الدارمي والدارقطني والبيهقي بما يدل على سماعه عن عبد الحميد بن جبير، وأما قول ابن القطان: أن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف حالها، ففيه قصور ظاهر جدًا، لأن أم عثمان المذكورة من الصحابيات المبايعات، قد روت عن النبي ﷺ وعن ابن عباس كما في الاستيعاب والإصابة وأسد الغابة، فدعوى أنها لا يعرف حالها ظاهرة السقوط، وأما قول ابن القطان: أن توثيق أبي داود لأبي يعقوب غير كاف وأن أبا يعقوب المذكور إن قيل إنه إسحاق بن إبراهيم أبي إسرائيل فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه، فجوابه أن أبا يعقوب المذكور هو إسحاق بن أبي إسرائيل، واسم أبي إسرائيل، إبراهيم بن كامجرا المروزي نزيل بغداد، وقد وثقه أبو داود، وأثنى عليه غير واحد من أجلاء العلماء بالرجال، وقال فيه الذهبي في الميزان (ج ١: ص ٨٥) : حافظ شهير، قال: ووثقه يحيى بن معين والدارقطني، وقال صالح جزرة: صدوق إلا أنه كان يقف في القرآن ولا يقول غير مخلوق، بل يقول ((كلام الله)) ويسكت. وقال فيه الحافظ في تهذيب التهذيب (ج ١: ص ٢٢٣) : قال ابن معين: ثقة، وقال أيضًا: من ثقات المسلمين ما كتب حديثًا قط عن أحد من الناس إلا ما خطه هو في ألواحه أو كتابه، وقال أيضًا: ثقة مأمون أثبت من القواريري وأكيس، والقواريري ثقة صدوق، وليس هو مثل إسحاق، وذكر غير هذا من ثناء ابن معين عليه وتفضيله على بعض الثقات المعروفين، ثم قال: وقال الدارقطني: ثقة، وقال البغوي: كان ثقة مأمونًا إلا أنه كان قليل العقل، وثناء أئمة الرجال عليه في الحفظ والعدالة كثير مشهور، وإنما نقموا عليه أنه كان يقول: القرآن كلام الله ويسكت عندها ولا يقول غير مخلوق، ومن هنا جعلوه واقفيًا، وتكلموا في حديثه، كما قال فيه صالح جزرة: صدوق في الحديث إلا أنه يقول: القرآن كلام الله، ويقف. وقال الساجي: تركوه لموضع الوقف وكان صدوقًا. وقال أحمد: إسحاق بن إسرائيل واقفي مشئوم إلا أنه صاحب حديث كيس. وقال السراج: سمعته يقول: هؤلاء الصبيان يقولون: كلام الله غير مخلوق، ألا قالوا: كلام الله وسكتوا، وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين عنه، فقال: ثقة. قال عثمان: لم يكن أظهر الوقف حين سألت يحيى عنه، ويوم كتبنا عنه كان مستورًا. وقال عبدوس النيسابوري: كان حافظًا جدًا، ولم يكن مثله في الحفظ والورع، وكان لقي المشائخ فقيل كان يتهم بالوقف؟ قال: نعم اتهم وليس بمتهم، وقال مصعب الزبيري: ناظرته فقال: لم أقل على الشك ولكني أسكت كما سكت القوم قبلي، والحاصل أنهم متفقون على ثقته وأمانته بالنسبة إلى الحديث إلا أنهم كانوا يتهمونه بالوقف. وقد رأيت قول من نفي عنه التهمة
стр. 4256
وهذا الباب خال عن الفصل الثالث.
(٩) باب
(الفصل الأول)
٢٦٧٩ - (١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس
ــ
وقول من ناظره أنه قال له لم: أقل على الشك ولكني سكت كما سكت القوم قبلي. ومعنى كلامه أنه لا يشك في أن القرآن غير مخلوق ولكنه يقتدي بمن لم يخض في ذلك، ولما حكى الذهبي في الميزان قول الساجي: إنهم تركوا الأخذ عنه لمكان الوقف، قال بعده قلت: قل من ترك الأخذ عنه - انتهى. وهو تصريح منه بأن الأكثرين على قبول فحديثه لا يقل عن درجة الحسن، وروايته عند أبي داود تعتضد بالرواية المذكورة قبلها، وكذا تعتضد بما رواه الدارقطني عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز إملاء عن إسحاق بن أبي إسرائيل، وبما روى الدارقطني أيضًا عن أبي محمد بن صاعد عن إبراهيم بن يوسف الصيرفي عن أبي بكر بن عياش عن يعقوب بن عطاء عن صفية بنت شيبة، وبما رواه الدارمي والبيهقي من طريق عبد الله بن على المديني عن هشام بن يوسف. قال الزيلعي بعد ذكره كلام ابن القطان المتقدم ما نصه: وأخرجه الدارقطني في سننه (ص ٢٧٧) والطبراني في معجمه عن أبي بكر بن عياش عن يعقوب بن عطاء عن صفية بنت شيبة به. وأخرجه الدارقطني والبزار في مسنده عن حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن صفية به. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه - انتهى. فتبين من جميع ما ذكر أن حديث ابن عباس في أن على النساء المحرمات إذا أردن قضاء التفث التقصير لا الحلق، أنه لا يقل عن درجة الحسن كما جزم النووي بأن إسناده عند أبي داود حسن، وقد رأيت اعتضاده بما ذكرنا من الروايات المتابعة له عند الدارمي والبيهقي والطبراني والدارقطني والبزار (وهذا الباب خال عن الفصل الثالث) كذا وقع في بعض النسخ، ولا يحتاج إلى الاعتذار، ولعله لدفع وهم الإسقاط.
(باب) قال القاري: بالتنوين والسكون، وفي نسخة ((باب جواز التقديم والتأخير في بعض أمور الحج)) .
٢٦٧٩ - قوله (وقف) أي على ناقته كما في رواية صالح بن كيسان عند البخاري ومعمر عند مسلم وابن الجارود، ورواية يونس عند مسلم، ومعمر أيضا عند أحمد والنسائي بلفظ ((وقف على راحلته)) كلهم عن ابن شهاب الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو فرواية يحيى القطان عن مالك عن الزهري ((أنه جلس في حجة الوداع فقام رجل)) محمولة على أنه ركب ناقته وجلس عليها (بمنى للناس) أي لأجلهم ولم يعين مكان الوقوف بمنى ولا اليوم، ووقع في رواية عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري عند البخاري في العلم ((عند الجمرة)) وهو أول منى، وفي رواية ابن جريج عن الزهري عند
стр. 4257
..............................................................................................
ــ
الشيخين وابن الجارود ((يخطب يوم النحر)) وفي رواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري عند مسلم وأحمد ((أتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة)) قال عياض: جمع بعضهم بين هذه الروايات بأنه موقف واحد على أن معنى خطب أي علم الناس، لا أنها من خطب الحج المشروعة، قال: ويحتمل أن يكون ذلك في موطنين: أحدهما على راحلته عند الجمرة ولم يقل في هذا ((خطب)) وإنما فيه ((وقف وسئل)) والثاني يوم النحر بعد صلاة الظهر، وذلك وقت الخطبة المشروعة من خطب الحج يعلم الإمام الناس ما بقي عليهم من مناسكهم. قال النووي: هذا الاحتمال الثاني هو الصواب، قال الحافظ: فإن قيل: لا منافاة بين هذا الذي صوبه وبين الذي قبله فإنه ليس في شيء من طريق الحديثين حديث عبد الله بن عباس (الآتي بعد ذلك) وحديث عبد الله بن عمرو بيان الوقت الذي خطب فيه من النهار، قلت: نعم لم يقع التصريح بذلك لكن في رواية ابن عباس (عند البخاري) إن بعض السائلين قال: رميت بعد ما أمسيت، وهذا يدل على أن هذه القصة كانت بعد الزوال لأن المساء يطلق على ما بعد الزوال وكأن السائل علم أن السنة للحاج أن يرمي الجمرة أول ما يقدم ضحى، فلما أخرها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك، على أن حديث عبد الله بن عمرو من مخرج واحد لا يعرف له طريق إلا طريق الزهري، عن عيسى عنه، والاختلاف من أصحاب الزهري، وغايته أن بعضهم ذكر ما لم يذكر الآخر واجتمع من مرويهم ورواية ابن عباس أن ذلك كان يوم النحر بعد الزوال وهو على راحلته يخطب عند الجمرة، وإذا تقرر أن ذلك كان بعد الزوال يوم النحر تعين أنها الخطبة التي شرعت لتعليم بقية المناسك، فليس قوله ((خطب)) مجازًا عن مجرد التعليم بل حقيقة، ولا يلزم من وقوفه عند الجمرة أن يكون حينئذ رماها، ففي حديث ابن عمر عند البخاري في آخر باب الخطبة أيام منى: أنه ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات فذكر خطبته فلعل ذلك وقع بعد أن أفاض ورجع إلى منى – انتهى. قلت: ولا يشكل عليه ما في حديث عبد الله بن عمرو أنه وقف بمنى للناس يسألونه، بناء على أن المتبادر منه أن وقوفه كان لتعليم الناس وسؤالهم لا للخطبة فإنه لا منافاة بين الأمرين، فكان أصل وقوفه للخطبة وكان وقت سؤال أيضًا فسأله في ذلك الوقت السائل عما فاته من حجه وعما أدرك وعما قدم وأخر، وسأله قوم عن المستقبل فعلمهم دينهم وأفتى وأجاب عن مسائلهم، وذكر ابن حزم في صفة حجة الوداع أن هذه الأسئلة عن التقديم والتأخير كانت بعد عوده إلى منى من إفاضته يوم النحر – انتهى. نعم يشكل على ما قال الحافظ من كون الخطبة يوم النحر بعد الزوال ما وقع في رواية رافع بن عمرو المزني الآتي في الفصل الثاني من باب خطبة يوم النحر بلفظ ((رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى)) – الحديث. فإنها تدل على أن هذه الخطبة كانت وقت الضحى من يوم النحر (يعني قبل طواف الإفاضة) ومشى على ذلك ابن القيم في الهدي ولم أقف على دليل صريح من الأحاديث في كون هذه الخطبة بعد الظهر بمنى بعد طواف الإفاضة كما ذهب إليه القائلون بمشروعية الخطبة يوم النحر،
стр. 4258
يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. فقال: " اذبح ولا حرج ".
ــ
ويمكن أن يجاب عن ذلك بالحمل على التعدد كما تقدم عن عياض أنه حكاه احتمالاً. وقال المحب الطبري بعد ذكر قول ابن حزم المتقدم، قلت: ويحتمل أن الأسئلة تكررت قبله أي قبل الزوال وبعده وفي الليل، والله أعلم (يسألونه) هو في محل النصب على الحال من الضمير الذي في وقف أو من الناس أي وقف لهم حال كونهم سائلين عنه، أو هو استئناف بيانًا لسبب الوقوف، ويؤيد الأخير رواية وقف على راحلته فطفق ناس يسألونه)) وفي رواية ((وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه)) (فجاءه) عطف على قوله وقف (رجل) قال الحافظ: لم أعرف اسم هذا السائل ولا الذي بعده في قوله: فجاء آخر، والظاهر أن الصحابي لم يسم أحدًا لكثرة من سأل إذ ذاك، وقال في موضع آخر: لم أقف على اسم هذا السائل بعد البحث الشديد ولا على اسم أحد ممن سأل في هذه القصة وكانوا جماعة، لكن في حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره ((كان الأعراب يسألونه)) فكان هذا هو السبب في عدم ضبط أسماءهم – انتهى. ويدل على كون السائلين جماعة متفرقين اختلاف أسألتهم عن التقدم والتأخير كما سيأتي بيانها (لم أشعر) بضم العين من باب نصر أي لم أفطن، يقال شعرت بالشيء شعورًا إذا فطنت له، قيل: وعلى هذا يكون مؤدى الاعتذار النسيان، قال الباجي: يحتمل أن يريد به نسيت فقدمت الحلاق – انتهى، وقيل الشعور العلم وعلى هذا المعنى لم أعلم المسألة قبل هذا، ويؤيده لفظ يونس عند مسلم ((لم أشعر أن الرمي قبل النحر فنحرت قبل أن أرمي، وقال آخر: لم أشعر أن النحر قبل الحلق فحلقت قبل أن أنحر)) فبين يونس متعلق الشعور أي العلم ولم يفصحه مالك في روايته، وإلى الاحتمالين معًا أشار البخاري في صحيحه إذ ترجم على حديث ابن عباس ((باب إذا رمى بعد ما أمسى أو حلق قبل أن يذبح ناسيًا أو جاهلاً)) قال العيني: فإن قلت: قيد في الترجمة كونه ناسيًا أو جاهلاً وليس في الحديث ذلك، قلت: جاء في حديث عبد الله بن عمرو ذلك وهو قوله: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح – الحديث. فإن عدم الشعور أعم من أن يكون يجهل أو نسيان، فكأنه أشار إلى ذلك لأن أصل الحديث واحد وإن كان المخرج متعددًا – انتهى. وبالاحتمالين معًا فسره القاري حيث قال: لم أشعر أي ما عرفت تقديم بعض المناسك وتأخيرها فيكون جاهلاً لقرب وجوب الحج أو فعلت ما ذكرت من غير شعور لكثرة الاشتغال فيكون مخطئًا (فحلقت) أي شعر رأسي (قبل أن أذبح) أي الهدي وفي رواية ((قبل أن أنحر)) والفاء سببية جعل الحلق مسببًا عن عدم الشعور كأنه يعتذر لتقصيره (اذبح) وفي رواية ((أنحر)) أي الآن (ولا حرج) أي لا ضيق عليك، ثم من قال: بعدم الفدية بمخالفة الترتيب في وظائف يوم النحر حمل نفي الحرج على نفي الإثم والفدية معًا، قال عياض: قوله ((اذبح ولا حرج)) ليس أمرًا بالإعادة وإنما هو إباحة لما فعل لأنه سأل عن أمر فرغ منه، فالمعنى افعل متى شئت، ونفي الحرج بين في رفع الفدية عن العامد والساهي وفي رفع الإثم عن الساهي، وأما العامد فالأصل أن تارك السنة عمدًا لا يأثم إلا
стр. 4259
فجاء آخر، فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. فقال: " ارم ولا حرج ". فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: " افعل ولا حرج ".
ــ
أن يتهاون فيأثم للتهاون لا للترك – انتهى. ومن ذهب إلى وجوب الدم حمله على نفي الإثم فقط، قال الباجي: يحتمل أن يريد لا إثم عليك لأن الحرج الإثم، ومعظم سؤال السائل إنما كان ذلك خوفًا من أن يكون قد أثم، فأعلمه النبي ﷺ أن لا حرج، إذ لم يقصد المخالفة وإنما أتى ذلك عن غير علم ولا قصد مع خفة الأمر – انتهى. وقال السندي الحنفي في حاشية ابن ماجة معناه عند الجمهور أنه لا إثم ولا دم، ومن أوجب الدم حمله على دفع الإثم وهو بعيد، إذ الظاهر عموم النفي لحرج الدنيا وحرج الآخرة، وأيضًا لو كان دم لبينه النبي ﷺ ، إذ ترك البيان أو تأخيره عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه ﷺ (فجاء) رجل (آخر فقال: لم أشعر) أي لم أفطن أو لم أعلم أن الرمي قبل النحر (فنحرت) الهدي (قبل أن أرمي) أي الجمرة (فقال ارم) أي الآن (ولا حرج) وفي رواية ابن جريج عن الزهري عند البخاري: فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، حلقت قبل أن أنحر، ونحرت قبل أن أرمي، وأشباه ذلك فقال النبي ﷺ : افعل ولا حرج، لهن كلهن، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال: افعل ولا حرج. وفي رواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري عند مسلم كما سيأتي حلقت قبل أن أرمي، وقال آخر: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، وفي حديث معمر عند أحمد زيادة الحلق قبل الرمي أيضًا، فحاصل ما في حديث عبد الله بن عمر والسؤال عن أربعة أشياء، الحلق قبل الذبح، والحلق قبل الرمي، والنحر قبل الرمي، والإفاضة قبل الرمي، والأولان في حديث ابن عباس أيضًا في الصحيح وللدارقطني من حديثه أيضًا السؤال عن الحلق قبل الرمي وكذا في حديث جابر، وفي حديث أبي سعيد عند الطحاوي، وفي حديث علي عند أحمد السؤال عن الإفاضة قبل الحلق، وفي حديثه عند الطحاوي السؤال عن الرمي والإفاضة معًا قبل الحلق، وفي حديث جابر الذي علقه البخاري ووصله ابن حبان وغيره السؤال عن الإفاضة قبل الذبح، وفي حديث أسامة بن شريك الآتي في الفصل الثالث السؤال عن السعي قبل الطواف، وقد تقدم في مسألة اشتراط الطهارة للسعي في شرح حديث عائشة في باب قصة حجة الوداع أن الجمهور القائلين بعدم إجزاء السعي قبل الطواف حملوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم قبل طواف الإفاضة فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف أي طواف الركن، قيل: ولا إشكال في الحديث على مذهب الحنفية، فإنهم يحملونه كسائر الأحاديث الواردة في الباب على نفي الحرج بمعني نفي الإثم لعذر الجهل أو النسيان (فما سئل) بصيغة المجهول (النبي ﷺ ) زاد في رواية ((يومئذ)) (عن شيء قدم) بصيغة المجهول من التفعيل فيه وفي ((أخر)) أي وحقه التأخير (ولا أخر) أي ولا عن شيء أخر وحقه التقديم (إلا قال) ﷺ في جوابه (افعل) الآن ما بقي وقد أجزأك فيما فعلت (ولا حرج) عليك في التقديم والتأخير.
стр. 4260
..............................................................................................
ــ
وفي رواية يونس عند مسلم ((فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال: افعلوا ذلك ولا حرج)) قال الباجي: لا يقتضي هذا رفع الحرج في تقديم شيء ولا تأخيره غير المسألتين المنصوص عليهما، لأننا لا ندري عن أي شيء غيرهما سئل في ذلك اليوم، وجوابه إنما كان عن سؤال السائل فلا يدخل فيه غيره كما لا يدخل في قوله ((انحر ولا حرج، ارم ولا حرج) غير ذلك مما لم يسئل عنه – انتهى. وكذا قال ابن التين أن هذا الحديث لا يقتضي رفع الحرج في غير المسألتين المنصوص عليهما يعني المذكورتين في رواية مالك لأنه خرج جوابًا للسؤال، ولا يدخل فيه غيره – انتهى. وتعقبه الحافظ فقال: كأنه غفل عن قوله في بقية الحديث ((فما سئل عن شيء قدم ولا أخر)) وكأنه حمل ما أبهم فيه على ما ذكر، لكن قوله في رواية ابن جريج ((وأشباه ذلك)) يرد عليه، وقد تقدم فيما حررناه من مجموع الأحاديث عدة صور وبقيت عدة صور لم تذكرها الرواة إما اختصارًا وإما لكونها لم تقع، وبلغت بالتقسيم أربعًا وعشرين صورة، منها صورة الترتيب المتفق عليها وهي رمي جمرة العقبة ثم نحر الهدي أو ذبحه ثم الحلق أو التقصير ثم طواف الإفاضة، وهي وظائف يوم النحر بالاتفاق، وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب إلا أن ابن الجهم من المالكية استثني القارن فقال: لا يجوز له الحلق قبل الطواف، وكأنه لاحظ أنه في عمل العمرة، والعمرة يتأخر فيها الحلق عن الطواف، يعني أنه رأى أن القارن عمرته وحجه قد تداخلا، فالعمرة قائمة في حقه والعمرة لا يجوز الحلق فيها قبل الطواف، ورد عليه النووي بنصوص الأحاديث والإجماع المتقدم عليه، ونازعه ابن دقيق العيد في ذلك حيث قال: وكأنه يريد بنصوص الأحاديث ما ثبت عنده أن النبي ﷺ كان قارنًا في آخر الأمر وقد حلق قبل الطواف، وهذا إنما ثبت بأمر استدلالي لا نصي أعني كونه ﵇ قارنًا، وابن الجهم بنى على مذهب مالك والشافعي ومن قال بأن النبي ﷺ كان مفردًا، وأما الإجماع فبعيد الثبوت إن أراد به الإجماع النقلي القولي، وإن أراد السكوتي ففيه نظر، وقد ينازع فيه أيضًا – انتهى. قال الحافظ: واختلف العلماء في جواز تقديم بعضها على بعض فأجمعوا على الإجزاء في ذلك أي في التقديم والتأخير كما قاله ابن قدامة في المغني إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع، قال القرطبي: روي عن ابن عباس أن من قدم شيئًا على شيء فعليه دم. وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والحسن والنخعي وأصحاب الرأي – انتهى. وفي نسبة ذلك إلى النخعي وأصحاب الرأي نظر فإنهم لا يقولون بذلك إلا في بعض المواضع كما سيأتي، قال: وذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز وعدم وجوب الدم لقوله للسائل: " لا حرج ". فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا، لأن إثم الضيق يشملهما – انتهى. وقال ابن دقيق العيد (ج ٣: ص ٤٨، ٤٩) : إذا ثبت أن الوظائف في يوم النحر أربع فقد اختلفوا فيما لو تقدم بعضها على بعض، فاختار الشافعي جواز التقديم وجعل الترتيب مستحبًا، ومالك وأبو حنيفة يمنعان تقديم الحلق
стр. 4261
.............................................................................................
ــ
على الرمي لأنه يكون حينئذ حلقًا قبل وجود التحللين، وللشافعي قول مثله، وقد بنى القولان له على أن الحلق نسك أو استباحة محظور، فإن قلنا: إنه نسك جاز تقديمه على الرمي وغيره، لأنه يكون من أسباب التحلل، وإن قلنا إنه استباحة محظور لم يجز لما ذكرناه من وقوع الحلق قبل التحللين. قال: وفي هذا البناء نظر، لأنه لا يلزم من كون الشيء نسكًا أن يكون من أسباب التحلل، وهذا مالك يرى أن الحلق نسك ويرى مع ذلك أنه لا يقدم على الرمي، إذ معنى كون الشيء نسكًا أنه مطلوب مثاب عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون سببًا للتحلل – انتهى. وقال الأوزاعي: إن أفاض قبل الرمي اهراق دمًا. وقال عياض: اختلف عن مالك في تقديم الطواف على الرمي، روى ابن عبد الحكم عن مالك أنه يجب عليه إعادة الطواف، فإن توجه إلى بلده بلا إعادة وجب عليه دم، قال ابن بطال: هذا يخالف حديث ابن عباس، وكأنه لم يبلغه. قال الحافظ: وكذا هو في رواية ابن أبي حفصة عن الزهري في حديث عبد الله بن عمرو، وكأن مالكًا لم يحفظ ذلك عن الزهري – انتهى. وقال الأبي: أما الإفاضة فاختلف قول مالك إذا قدمها قبل الرمي فقيل: يجزئه ويهدي، وقيل: لا يجزئه ويعيدها بعد الرمي وهو كمن لم يفض، وكلك اختلف في قوله إذا قدمها على الحلق فرمى ثم أفاض ثم حلق، فقال: مرة يجزئه وقال: مرة يعيدها بعد الحلق، وقال في الموطأ في باب التقصير: أحب إلى أن يريق دمًا، وكذلك اختلف قول مالك في النحر قبل الحلق، وقال في آخر ((باب ما جاء في الحلاق)) من الموطأ: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن أحدًا لا يحلق رأسه ولا يأخذ من شعره حتى ينحر هديًا إن كان معه، وقال: في ((باب العمل في النحر)) : لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه، وارجع لشرح هذه الأقوال إلى المنتقى للباجي. وقال ابن قدامة: (ج ٣: ص ٤٤٦) : وفي يوم النحر أربعة أشياء: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق ثم الطواف، والسنة ترتيبها هكذا، فإن النبي ﷺ رتبها، كذلك وصفه جابر في حج النبي ﷺ ، وروى أنس ((أن النبي ﷺ رمى ثم نحر ثم حلق)) رواه أبو داود. فإن أخل بترتيبها ناسيًا أو جاهلاً بالسنة فيها فلا شيء عليه في قوله كثير من أهل العلم، منهم الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود ومحمد بن جرير الطبري. وقال أبو حنيفة: إن قدم الحلق على الرمي أو على النحر فعليه دم، فإن كان قارنًا فعليه دمان، وقال زفر: عله ثلاثة دماء، لأنه لم يجد التحلل الأول فلزمه الدم كما لو حلق قبل يوم النحر، ولنا ما روى عبد الله بن عمرو قال: قال رجل: يا رسول الله حلقت قبل أن أذبح، قال: " اذبح ولا حرج ". فقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي. قال: " ارم ولا حرج ". متفق عليه. وفي لفظ ((قال: فجاء رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح – وذكر الحديث – قال: فما سمعته يسئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعضها وأشباهها إلا قال: افعلوا ولا حرج عليكم)) رواه مسلم. وعن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قيل له يوم النحر وهو بمنى في النحر والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: لا حرج. متفق عليه، ورواه عبد الرزاق
стр. 4262
..............................................................................................
ــ
عن معمر الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو، وفيه: فحلقت قبل أن أرمي. وتابعه على ذلك محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن عيسى عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ – وأتاه رجل – فقال: يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج. قال: وأتاه آخر فقال: إني أفضت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج، وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع. على أنه لا يلزم من سقوط الدم بفقد الشيء في وقته سقوطه قبل وقته. فإنه لو حلق في العمرة بعد السعي لا شيء عليه، وإن كان الحل ما حصل قبله، وكذلك في مسألتنا إذا قلنا إن الحل يحصل بالحلق فقد حلق قبل التحلل ولا دم عليه، فأما إن فعله عمدًا عالمًا بمخالفة السنة في ذلك ففيه روايتان: إحداهما لا دم عليه، وهو قول عطاء وإسحاق لإطلاق حديث ابن عباس، وكذلك حديث عبد الله بن عمرو، من رواية سفيان بن عيينة، والثانية عليه دم، روى نحو ذلك عن سعيد بن جبير وجابر بن زيد وقتادة والنخعي، لأن الله تعالى قال ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (٢: ١٩٦) ولأن النبي ﷺ رتب وقال: خذوا عني مناسككم. والحديث المطلق قد جاء مقيدًا فيحمل المطلق على المقيد. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عن رجل حلق قبل أن يذبح؟ فقال: إن كان جاهلاً فليس عليه، فأما التعمد فلا، لأن النبي ﷺ سأله رجل فقال: لم أشعر، قيل لأبي عبد الله سفيان بن عيينة لا يقول: لم أشعر، فقال: نعم ولكن مالكًا والناس عن الزهري: لم أشعر. وهو في الحديث. وقال مالك: إن قدم الحلق على الرمي فعليه دم، وإن قدمه على النحر أو النحر على الرمي فلا شيء عليه، لأنه بالإجماع ممنوع من حلق شعره قبل التحلل الأول ولا يحصل إلا برمي الجمرة، فأما النحر قبل الرمي فجائز، لأن الهدي قد بلغ محله، ولنا الحديث، فإنه لم يفرق بينهما، فإن النبي ﷺ قيل له في الحلق والنحر والتقديم والتأخير فقال: لا حرج، ولا نعلم خلافًا بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الأجزاء ولا يمنع وقوعها موقعها، وإنما اختلفوا في وجوب الدم على ما ذكرنا، والله أعلم، فإن قدم الإفاضة على الرمي أجزاه طوافه، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: لا تجزئه الإفاضة فليرم ثم لينحر ثم ليفض، ولنا ما روى عطاء أن النبي ﷺ قال له رجل: أفضت قبل أن أرمي؟ قال: " ارم ولا حرج ". وعنه أن النبي ﷺ قال: " من قدم شيئًا قبل شيء فلا حرج ". رواهما سعيد في سننه، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ أتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج، فما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج. رواه أبو داود والنسائي والترمذي – انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا من كلام القرطبي وابن دقيق العيد وابن قدامة والحافظ أنه لم يقل بظاهر أحاديث الباب وعمومها أحد من الأئمة بل خالفتها المالكية والحنفية في بعض الأمور كما سيأتي، نعم عمل بعمومها الشافعية والحنابلة كما سيأتي أيضًا، قال الدردير: يفعل في يوم النحر أربعة أمور مرتبة الرمي فالنحر فالحلق فالإفاضة، فتقديم الرمي على الحلق والإفاضة
стр. 4263
.............................................................................................
ــ
واجب وما عداه مندوب – انتهى. وحاصله أن تقديم الرمي على الحلق والإفاضة واجب يجبر بالدم وأما تقديمه على النحر أو تقديم النحر على كل واحد من الحلق والإفاضة أو تقديم الحلق على الإفاضة فمستحب، فالمراتب ستة، الوجوب في اثنين والندب في أربعة، ومذهب الحنفية على ما قال ابن عابدين هو أن الطواف لا يجب ترتيبه على شيء من الثلاثة، وإنما يجب ترتيب الثلاثة الرمي ثم الذبح ثم الحلق لكن المفرد لا ذبح عليه فيجيب عليه الترتيب بين الرمي والحلق فقط، وحاصله أنه لا يجب الدم بتقديم الطواف على الثلاثة، والمفرد ليس عليه الذبح، وإنما يجب الترتيب في الثلاثة على القارن والمتمتع، فإن قدم المفرد الحلق على الرمي فعليه دم ولو حلق القارن أو المتمتع دون المفرد قبل الذبح أو ذبح قبل الرمي فعليه دمان، دم للقران أو التمتع. ودم لهذه الجناية، سواء كان عامدًا أو جاهلاً أو ناسيًا. وقال النووي: الأعمال المشروعة يوم النحر أربعة: الرمي ثم الذبح ثم الحلق ثم الطواف، وهي على هذا الترتيب مستحبة، فلو خالف فقدم بعضها على بعض جاز وفاته الفضيلة، وقال أيضًا: السنة ترتيبها هكذا فلو خالف وقدم بعضها على بعض جاز ولا فدية عليه لهذه الأحاديث، وبهذا قال جماعة من السلف وهو مذهبنا – انتهى، وفي كشاف القناع من فروع الحنابلة: وإن قدم الحلق على الرمي أو على النحر أو طاف للزيارة قبل رميه أو نحر قبل رميه جاهلاً أو ناسيًا فلا شيء عليه، وكذا لو كان عالمًا، لكن يكره ذلك للعالم، وإن قدم طواف الإفاضة على الرمي أجزأه – انتهى. وكذا في منتهى الإرادات والروض المربع، هذا، وقد احتج لما روى الأثرم عن أحمد من تخصيص الرخصة بالناسي والجاهل دون العامد بقوله في رواية مالك: لم أشعر، كما تقدم، وبقوله في رواية يونس: فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض أو أشباهها إلا قال: افعلوا ولا حرج. وأجاب بعض الشافعية بأن الترتيب لو كان واجبًا لما سقط بالسهو كالترتيب بين السعي والطواف فإنه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السعي، قال: وأما ما وقع في حديث أسامة بن شريك (الآتي في الفصل الثالث) فمحمول على من سعى بعد طواف القدوم ثم طاف طواف الإفاضة فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف أي طواف الركن. قال الحافظ: ولم يقل بظاهر حديث أسامة إلا أحمد وعطاء فقالا: لو لم يطف للقدوم ولا لغيره وقدم السعي قبل طواف الإفاضة أجزأه. أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عنه – انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج ٢: ص ٤٣٣) : أما قوله: سعيت قبل أن أطوف. فيشبه أن يكون هذا السائل لما طاف طواف القدوم قرن به السعي، فلما طاف طواف الإفاضة لم يعد السعي، فأفتاه بأن لا حرج، لأن السعي الأول الذي قرنه بالطواف الأول قد أجزأه، فأما إذا لم يكن سعى إلى أن أفاض فالواجب عليه أن يؤخر السعي عن الطواف، لا يجزيه غير ذلك في قول عامة أهل العلم، إلا في قول عطاء وحده فإنه قال: يجزئه، وهو قول كالشاذ لا اعتبار له – انتهى.
стр. 4264
.............................................................................................
ــ
قلت: وقد ذهب إليه ابن حزم أيضًا ورد على من فرق بين تقديم السعي وسائر ما قدم وأخر، وأما تأويل الخطابي وغيره فلا يخفى ما فيه من التعسف، وقال ابن دقيق العيد (ج ٣: ص ٧٩) بعد حكاية قول الإمام أحمد المذكور: وهذا القول في سقوط الدم عن الجاهل والناسي دون العامد قوي من جهة الدليل أن الدليل دل على وجوب إتباع أفعال الرسول ﷺ في الحج بقوله: " خذوا عني مناسككم ". وهذه الأحاديث المرخصة في التقديم لما وقع السؤال عنه إنما قرنت بقول السائل ((لم أشعر)) فيختص الحكم بهذه الحالة ويبقى حالة العمد على أصل وجوب إتباع الرسول في الحج، وأيضًا الحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يجز إطراحه وإلحاق غيره مما لا يساويه، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم التكليف والمؤاخذة والحكم علق به، فلا يمكن إطراحه وإلحاق العمد به إذ لا يساويه، فإن تمسك بقول الراوي ((فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج)) فإنه قد يشعر بأن الترتيب مطلقًا غير مراعى في الوجوب، فجوابه أن الراوي لم يحك لفظًا عامًا عن الرسول ﷺ يقتضي جواز التقديم والتأخير مطلقًا، وإنما أخبر عن قوله ﷺ : " لا حرج ". بالنسبة إلى كل ما سئل عنه من التقديم والتأخير حينئذ، وهذا الإخبار من الراوي إنما تعلق بما وقع السؤال عنه. وذلك مطلق بالنسبة إلى حال السؤال وكونه وقع عن العمد أو عدمه، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه فلا يبقى حجة في حال العمد، والله أعلم – انتهى. وتعقبه الشنقيطي بأنه لا يتضح حمل الأحاديث على من قدم الحق جاهلاً أو ناسيًا وإن كان سياق حديث عبد الله بن عمرو المتفق عليه يدل على أن السائل جاهل، لأن بعض تلك الأحاديث ليس فيها ذكر النسيان ولا الجهل فيجب استصحاب عمومها حتى يدل دليل على التخصيص في النسيان والجهل. وقد تقرر أيضًا في علم الأصول أن جواب المسئول لمن سأله لا يعتبر فيه مفهوم المخالفة، لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة الجواب للسؤال فلم يتعين كونه لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق. وقال الشوكاني: وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره به حتى يقال إنه يختص الحكم بحالة عدم الشعور ولا يجوز إطراحها بإلحاق العمد بها، وبهذا يعلم أن التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب – انتهى بقدر الضرورة، وقد عرفت مما قدمنا أن أحاديث الباب مخالفة للحنفية والمالكية في بعض الصور فاعتذروا عن ذلك بوجوه، منها: أن معنى الحرج في هذه الأحاديث الإثم وهو المنفي ها هنا، قال الأبي في الإكمال: قوله ((لا حرج)) محمول عندنا على نفي الإثم فقط – انتهى. وبذلك جزم الطحاوي وغيره من الحنفية أن المنفي هو الإثم فقط دون الفدية، وتعقبه الحافظ في الفتح فقال: العجب ممن يحمل قوله ((ولا حرج)) على نفي الإثم فقط، ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجبًا يجب بتركه دم، فليكن في الجميع وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج – انتهى. قلت: التعقب المذكور قوي متجه، وجوابه متعذر جدًا،
стр. 4265
..............................................................................................
ــ
وقد اعترف بذلك بعض الحنفية حيث قال: يلزم على ما قررنا القول بوجوب الترتيب في الأعمال الأربعة من الرمي والنحر والحلق والطواف، وكلام أصحابنا صريح في نفي وجوبه مطلقًا في الطواف دون سائر الأعمال، ولم أجد إلى الآن مع البحث الشديد في الفرق بين الطواف وبين الأفعال الثلاثة وجهًا شافيًا، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا – انتهى. وقد تعرض الزرقاني للجواب عن التعقب المذكور فقال: إن مالكًا خص من العموم تقديم الحلق على الرمي فأوجب فيه الفدية لعلة أخرى وهي إلقاء التفث قبل فعل شيء من التحلل وقد أوجب الله ورسوله الفدية على المريض أو من برأسه أذى إذا حلق قبل المحل مع جواز ذلك له لضرورته فكيف بالجاهل والناسي، وخص منه أيضًا تقديم الإفاضة على الرمي لئلا يكون وسيلة إلى النساء والصيد قبل الرمي، ولأنه خلاف الواقع منه ﷺ ولم يثبت عنده زيادة ذلك فلا يلزمه زيادة غيره، وهو أثبت الناس في ابن شهاب، ومحل قبول زيادة الثقة ما لم يكن من لم يزدها أوثق منه. وابن أبي حفصة الذي روى ذلك عن ابن شهاب وإن كان صدوقًا وروى له الشيخان لكنه يخطئ بل ضعفه النسائي، واختلف قول ابن معين في تضعيفه، وكان يحيى بن سعيد يتكلم فيه – انتهى. وحاصل هذا الجواب أن المراد في أحاديث الباب بنفي الحرج هو نفي الإثم فقط، وأما وجوب الدم في بعض الصور فإنما أوجبه مالك أو غيره لدلائل أخرى. قلت: لم يثبت بحديث مرفوع صحيح أو ضعيف وجوب الدم في شيء من التقديم والتأخير، وأما ما يذكر فيه من قول ابن عباس أو غيره فسيأتي الجواب عنه، وزيادة الثقة مقبولة إذا لم يعارض لرواية من هو أوثق منه، ولا معارضة ها هنا بين الروايات فيجب قبولها، وقال ابن دقيق العيد: من قال بوجوب الدم في العمد والنسيان عند تقديم الحلق على الرمي فإنه يحمل قوله ﵇: " لا حرج ". على نفي الإثم ولا يلزم من نفي الإثم نفي وجوب الدم، وادعى بعض الشارحين أن قوله ﵇ لا حرج ظاهر في أنه لا شيء عليه، وعنى بذلك نفي الإثم والدم معًا، وفيما ادعاه من الظهور نظر وقد ينازعه خصومه فيه بالنسبة إلى الاستعمال العرفي فإنه قد استعمل ((لا حرج)) كثيرًا في نفي الإثم وإن كان من حيث الوضع اللغوي يقتضي نفي الضيق، نعم من أوجب الدم وحمل نفي الحرج على نفي الإثم يشكل عليه تأخير بيان وجوب الدم، فإن الحاجة تدعوا إلى بيان هذا الحكم فلا يؤخر عنها بيانه، ويمكن أن يقال: إن ترك ذكره في الرواية لا يلزم منه ترك ذكره في نفس الأمر – انتهى. قلت: ذكر هذا الإشكال الحافظ أيضًا فقال: تعقب بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبًا لبينه ﷺ حينئذٍ لأنه وقت الحاجة ولا يجوز تأخيره، وأجاب العيني عن هذا التعقب فقال: لا، ثم دليل أقوى من قوله تعالى ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (٢: ١٩٦) وبه احتج النخعي فقال: فمن حلق قبل الذبح اهراق دمًا، رواه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح – انتهى. وقد ورد الحافظ هذا الاحتجاج بأن المراد ببلوغ محله وصوله إلى الموضع الذي يحل ذبحه
стр. 4266
..............................................................................................
ــ
فيه وقد حصل، وإنما يتم ما أراد أن لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا – انتهى. وقال ابن حزم. أما قول إبراهيم في أن من حلق قبل الذبح والنحر فعليه دم واحتجاجه بقول الله تعالى ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ فغفلة منه، لأن محل الهدي هو يوم النحر بمنى ذبح أو نحر أو لم يذبح ولا نحر، إذا دخل يوم النحر والهدي بمنى أو بمكة فقد بلغ محله فحل الحلق ولم يقل تعالى حتى تنحروا أو تذبحوا، وبين رسول الله ﷺ أن كل ذلك مباح ولا حجة في قول أحد سواه ﵇ – انتهى. وأجاب عن هذا العيني بأنه ليس المراد الكلي مجرد البلوغ إلى المحل الذي يذبح فيه، بل المقصد الكلي الذبح، ولذا لو بلغ ولم يذبح يجب عليه الفدية – انتهى. وأجاب بعض الحنفية عن الإشكال المذكور بأنه قد يترك البيان في مثل تلك الحالة اعتمادًا على القواعد العامة المعلومة من الشرع، ويحسب أن فيها غنية عن بيان المسألة في ذلك الوقت بخصوصه، قال: ونظيره ما رواه البخاري في صحيحه من طريق هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر قالت أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس، قيل لهشام: فأمروا بالقضاء؟ قال: بد من قضاء. وقال معمر: سمعت هشامًا يقول: لا أدري أقضوا أم لا. قال الحافظ: جزم هشام بالقضاء محمول على أنه استند فيه إلى دليل آخر، وأما حديث أسماء فلا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه – انتهى. قال هذا البعض: فالقضاء واجب في تلك الصورة عند جمهور الأمة ولكن لم يبينه ﷺ في ذلك الوقت مع احتياج الناس إليه، ولو بينه لنقل إلينا، وهكذا هو في حديث الباب قلت: لم يعرف عن النبي ﷺ قبل ذلك بيان قاعدة عامة أو خاصة تدل على وجوب الدم في مثل تلك الحالة، وتغني عن البيان في ذلك الوقت أي في ابتداء الإسلام حينما كان الناس محتاجين إلى تقرير قواعد الحج فسكوته ﷺ عن البيان حين ذاك دليل على عدم وجوب الفدية على من خالف الترتيب، وأما تنظير ذلك بما رواه البخاري من حديث أسماء فليس في محله، فإنه ليس فيه إثبات قضاء الصوم ولا نفيه، وإنما رجح الجمهور إيجاب القضاء فيه خلافًا لمجاهد والحسن وإسحاق وأحمد في رواية وابن خزيمة بأنه لو غم هلال رمضان فأصبحوا مفطرين ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان فالقضاء واجب بالاتفاق فكذلك هذا، وأما ما نحن فيه فقد بين النبي ﷺ حكم ذلك بقوله ((لا حرج)) وهو يدل دلالة لا لبس فيها على من قدم أو أخر لا شيء عليه من إثم ولا فدية، لأنه نكرة في سياق النفي ركبت مع لا فبقيت على الفتح والنكرة إذا كانت كذلك فهي صريح في العموم، فالأحاديث إذن نص صريح في عموم النفي لجميع أنواع الحرج من إثم وفدية. قلت: واستدل بعضهم على كون المراد بنفي الحرج في الحديث نفي الإثم فقط لا غيره بما وقع في حديث أسامة بن شريك الآتي من الاستثناء بقوله: إلا على رجل افترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك قالوا فيه: دلالة ظاهرة على أن الحرج المنفي في الحديث هو الإثم والفساد فقط لا الفدية ونحوها. ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن هذا الاستدلال إنما يتم إذا كان الاستثناء في هذا الحديث متصلاً، وأما إذا كان منقطعًا فلا كما لا يخفى فافهم
стр. 4267
..............................................................................................
ــ
واحتج بعضهم لذلك أيضًا بأن ابن عباس روى مثل حديث عبد الله بن عمرو كما سيأتي، وأوجب الدم، فقد روى الطحاوي بسنده عنه أنه قال: من قدم شيئًا من حجه أو أخره فليهرق لذلك دمًا، فلولا أنه فهم أن المراد بنفي الحرج نفي الإثم فقط دون الفدية لما أمر بخلافه، وفيه أنه قد روى عن ابن عباس مرفوعًا ما يعارضه فقد روى البيهقي (ج ٥: ص١٤٣) عن أبي الحسن العلوي عن عبد الله بن محمد بن شعيب البزمهراني عن أحمد بن حفص بن عبد الله عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: سأل رجل رسول الله ﷺ – الحديث. وفيه ((فما علمته سئل عن شيء يومئذٍ إلا أنه قال: لا حرج ولم يأمر بشيء من الكفارة)) قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، وروى البيهقي أيضًا (ج ٥ ص ١٤٣، ١٤٤) بسنده عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : " من قدم من نسكه شيئًا أو أخر فلا شيء عليه ". قال الشيخ محمد عابد السندي في المواهب اللطيفة بعد ذكره: هذا مرفوع مقدم على موقوفه – انتهى. وأجاب ابن التركماني عن الرواية الأولى بأن الزيادة المذكورة وهي قوله ((ولم يأمر بشيء من الكفارة)) غريبة جدًا لم أجدها في شيء من الكتب المتداولة بين أهل العلم وشيخ البيهقي وشيخ شيخه لم أعرف حالهما بعد الكشف والتتبع إلى آخر ما قال. وأجاب بعضهم عن الرواية الثانية بأنه أي شيء يزيد فيه على حديثه المرفوع الذي سيأتي بلفظ لا حرج؟ فقوله ((لا شيء عليه)) أيضًا يحمل على ما حملنا عليه قوله ((لا حرج)) أي لا شيء عليه من الإثم وإعادة فعل فعله على غير ترتيب. قال: والظاهر أن حديث البيهقي مختصر من حديث الباب، قد اختصره بعض الرواة ورواه بالمعنى – انتهى، ومن الوجوه التي اعتذروا بها عن أحاديث الباب أن فتوى الراوي إذا كان مخالفًا لروايته يعمل بفتواه، وهذا ابن عباس الراوي لحديث الباب قد أفتى بوجوب الدم كما تقدم، وتعقب بأن الطريق بذلك إلى ابن عباس فيها ضعف، وأيضًا قد روي عنه ما يعارض فتواه صريحًا كما تقدم أيضًا، وأيضًا قد روى البيهقي بسنده عن مقاتل أنهم سألوا أنس بن مالك عن قوم حلقوا من قبل أن يذبحوا، قال: أخطأتم السنة ولا شيء عليكم. وهذا كما ترى مخالف لفتوى ابن عباس وموافق لحديثه المرفوع، وأيضًا نحن متعبدون بما بلغ إلينا من الحديث ولم نتعبد برأي الراوي أو بما فهمه كما بسطه ابن القيم في الإعلام والعلامة القنوجي في حصول المأمول، ومنها أن أحاديث الباب معارضة لدلالة آية الأذى فإن الله تعالى إذ أوجب الفدية لعذر الأذى فكيف بدون العذر. قال ابن رشد في البداية: وعمدة مالك أن رسول الله ﷺ حكم على من حلق قبل محله من ضرورة بالفدية فكيف من غير ضرورة – انتهى. وتعقبه ابن الهمام فقال: أما الاستدلال بدلالة قوله تعالى ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه﴾ (٢: ١٩٦) الآية فإن إيجاب الفدية للحلق قبل أوانه حالة العذر يوجب الجزاء مع عدم العذر بطريق أولى، فمتوقف على أن ذلك التأقيت الصادر عنه ﷺ بالقول كان لتعيينه لا لاستنانه – انتهى. وأما ما قال مالك في باب الحلاق من موطأه: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن أحدًا لا يحلق رأسه ولا يأخذ من شعره حتى ينحر هديًا إن كان معه ولا يحل من شيء حرم
стр. 4268
..............................................................................................
ــ
عليه حتى يحل بمنى يوم النحر ذلك أن الله تعالى قال ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ فهو محمول على كراهة التنزيه والسنة والاستحباب على ما هو المشهور من مذهب مالك، ومنها ما قال ابن الهمام أن قول القائل لم أشعر ففعلت ما يفيد أنه ظهر له بعد فعله أنه ممنوع من ذلك فلذا قدم اعتذاره على سؤاله وإلا لم يسأل أو لم يعتذر، لكن قد يقال: يحتمل أن الذي ظهر له مخالفة ترتيبه لترتيب رسول الله ﷺ فظن أن ذلك الترتيب متعين فقدم ذلك الاعتذار وسأل عما يلزمه به فبين ﵊ في الجواب عدم تعينه عليه بنفي الحرج وأن ذلك الترتيب مسنون لا واجب، والحق أنه يحتمل أن يكون كذلك، وأن يكون الذي ظهر له كان هو الواقع إلا أنه صلي الله عليه وسلم عذرهم للجهل وأمرهم أن يتعلموا مناسكهم، وإنما عذرهم بالجهل لأن الحال إذ ذاك كان في ابتداءه، وإذا احتمل كلا منهما فالاحتياط اعتبار التعيين والأخذ به واجب في مقام الاضطراب – انتهى. ومنها أن قوله ((ولا حرج)) يحتمل أن يراد به نفي الإثم والفدية معًا عن هؤلاء السائلين الذين جهلوا الحكم الشرعي بأعيانهم لكون الجهل عذرًا مقبولاً في حقهم إذ ذاك، وإن لم يكن عذر اليوم لشيوع الأحكام الشرعية وقدم العهد بها. روى الطحاوى عن أبي سعيد الخدري قال: سئل رسول الله ﷺ وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرمي، قال: لا حرج، وعن رجل ذبح قبل أن يرمي، قال: لا حرج، ثم قال: عباد الله! وضع الله الضيق والحرج، وتعلموا مناسككم فإنها من دينكم. قال العيني: فدل ذلك على أن الحرج الذي رفعه الله عنهم إنما كان لجهلهم بأمر المناسك لا لغير ذلك، وذلك لأن السائلين كانوا أناسًا أعرابًا لا علم لهم بالمناسك فأجابهم رسول الله ﷺ بقوله: لا حرج يعني فيما فعلتم بالجهل لا أنه أباح لهم ذلك فيما بعد – انتهى. وقال الطحاوي بعد رواية الحديث أفلا ترى أنه أمرهم بتعلم مناسكهم لأنهم كانوا لا يحسنونها فدل ذلك أن الحرج والضيق الذي رفعه الله عنهم هو لجهلهم بأمر مناسكهم لا لغير ذلك، وفيه أن حاصل هذا الاعتذار أن رفع الإثم والفدية عن السائلين الأعراب كان لجهلهم ويرجع ذلك إلى أن يكون الحكم المذكور خاصًا بهم ولا يخفى ما فيه، ومنها ما تقدم في كلام الباجي وابن التين أن ذلك لا يقتضي رفع الحرج في تقديم شيء ولا تأخيره غير المسألتين المنصوص عليهما يعني المذكورتين في رواية مالك، لأنا لا ندري عن أي شيء غيرهما سئل في ذلك اليوم، وجوابه إنما كان عن سؤال السائل فلا يدخل فيه غيره – انتهى. وتعقبه الحافظ فقال: كأنه غفل عن قوله في بقية الحديث فما سئل عن شيء قدم ولا أخر. وكأنه حمل ما أبهم فيه على ما ذكر لكن قوله في رواية ابن جريج وأشباه ذلك يرد عليه وتقدم فيما حررناه من مجموع الأحاديث عدة صور – انتهى. وأجاب عنه الزرقاني بأن مالكًا أوجب الدم في تقديم الإفاضة على الرمي لأنه لم يقع في روايته حديث الباب ولا يلزم بزيادة غيره، لأنه أثبت الناس في ابن شهاب، وأوجب الفدية في تقديم الحلق على الرمي لوقوعه قبل شيء من التحلل – انتهى. وفيه أن الإمام مالكًا معذور لكونه لم يبلغه ما
стр. 4269
متفق عليه. وفي رواية لمسلم: أتاه رجل فقال: حلقت قبل أن أرمي. قال: " ارم ولا حرج ". وأتاه آخر، فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي. قال: " ارم ولا حرج ".
٢٦٨٠ – (٢) وعن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يسأل يوم النحر بمنى، فيقول: " لا حرج ". فسأله رجل فقال: رميت بعد ما أمسيت. فقال: " لا حرج ".
ــ
وقع عند غيره من أصحاب الزهري، وأما المالكية ومن وافقهم فلا عذر لهم في ترك القول والعمل بما رواه غيره من الرواة الثقات الأثبات عن الزهري زيادة على رواية مالك، وأما ما ذكر من التعليل لإيجاب الدم في تقديم الحلق على الرمي فهو مما لا يلتفت إليه بعد وروده نصًا في الحديث لكونه في مقابلة النص، وأيضًا إذا كان الحلق نسكًا كان هو من أسباب التحلل (متفق عليه) أخرجه البخاري في العلم والحج والنذور ومسلم في الحج بألفاظ مختلفة المذكور ها هنا أحدها، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ١٦٠، ١٩٢، ٢٠٢، ٢١٠) ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والطحاوي وابن الجارود (ص ١٧٤، ١٧٥) والدارمي والبيهقي (ج ٥: ص ١٤١، ١٤٢) (وفي رواية لمسلم) رواها من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري وكذا أخرجه من طريقه أحمد (ج ٢: ص ٢١٠) وابن أبي حفصة هذا من رجال الصحيحين ومن أصحاب الزهري المشهورين، وثقه ابن معين وأبو داود وقال علي بن المديني: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. وقال النسائي: ضعيف، وهذا جرح مبهم على أن النسائي متعنت فلا يلتفت إلى تضعيفه (أتاه رجل فقال: حلقت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج، وأتاه آخر فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، قال: " ارم ولا حرج ". قد تقدم أن الترتيب بين الرمي والذبح والحلق للقارن والمتمتع، وبين الرمي والحلق للمفرد واجب عند الحنفية، وأما الترتيب بين الرمي والطواف وبين الحلق والطواف فليس بواجب عندهم، ففرقوا بين الطواف وبين الأشياء الثلاثة في ذلك مع أنه وقع في جملة الروايات السؤال عن جميع هذه الصور وورد الجواب في كلها بلفظ ((لا حرج)) وقد تقدم ما قال بعضهم أنه لم يجد مع البحث الشديد للفرق بين الطواف وبين الأفعال الثلاثة وجهًا شافيًا، ورواية مسلم هذه صريحة في الرد على المالكية إذ نفى فيها الحرج في تقديم الحلق والإفاضة على الرمي، وقد سبق ما أجاب به الزرقاني عنها.
٢٦٨٠- قوله كان النبي ﷺ يسئل يوم النحر بمنى) أي عن التقديم والتأخير (فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: رميت بعد ما أمسيت. فقال: لا حرج) قد تقدم في شرح حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال الحافظ بعد ذكر رواية ابن عباس هذه: إنها تدل على أن هذه القصة كانت بعد الزوال لأن المساء يطلق على ما بعد الزوال، وكأن السائل علم أن السنة للحاج أن يرمي الجمرة أول ما يقدم ضحى، فلما أخرها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك - انتهى. وقال الشوكاني: قوله ((رميت بعد ما أمسيت)) فيه دليل على أن من رمى بعد دخول وقت المساء وهو الزوال صح رميه ولا حرج عليه في ذلك. قلت: وقد تقدم في شرح حديث ابن عباس في الفصل الثاني من باب الدفع من
стр. 4270
رواه البخاري.
(الفصل الثاني)
٢٦٨١ – (٣) عن علي، قال: أتاه رجل، فقال: يا رسول الله! إني أفضت قبل أن أحلق. قال: " احلق أو قصر ولا حرج ". وجاء آخر، فقال: ذبحت قبل أن أرمي. قال: " ارم ولا حرج ".
ــ
عرفة أنهم اختلفوا فيمن فاته يوم النحر ولم يرم الجمرة حتى غربت الشمس، فمن قائل يرميها ليلاً وهو أبو حنيفة ومالك ومن وافقهما. ومن قائل لا يرميها ليلاً ولكن يؤخر رميها حتى تزول الشمس من الغد وهو الإمام أحمد، ومن ذهب إلى جواز الرمي ليلاً استدل بحديث ابن عباس هذا، قال: لأن اسم المساء يصدق بجزء من الليل، بل قال بعضهم المساء من بعد الغروب. قال القاري: قوله ((أمسيت)) ضد ((أصبحت)) على ما في القاموس، فظاهره أنه بعد الغروب، وأجاب الذين ذهبوا إلى عدم جواز الرمي ليلاً بأن قوله ((يوم النحر)) في هذا الحديث يدل على أن السؤال وقع في النهار، والرمي بعد الإمساء وقع في النهار، لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل، قالوا: فالحديث صريح في أن المراد بالإمساء فيه آخر النهار بعد الزوال لا الليل وإذن فلا حجة فيه الرمي ليلاً (رواه البخاري) في باب الذبح قبل الحلق من طريق عبد الأعلى عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس. وفي باب ((إذا رمى بعد ما أمسى)) من طريق يزيد بن زريع عن خالد عن عكرمة، وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني والطحاوي والبيهقي (ج ٥: ص ١٤٣) وزاد البيهقي في روايته ((ولم يأمر بشيء من الكفارة)) وقد ذكرناها قبل ذلك مع ما أجاب به عنها ابن التركماني، ولحديث ابن عباس في السؤال عن التقديم والتأخير طرق وألفاظ عند الشيخين، من شاء الوقوف عليها رجع إلى جامع الأصول (ج ٤: ص ١١٠، ١١١) وقد أخرجه أيضًا الدارقطني وأحمد بألفاظ مختلفة مختصرًا ومطولاً (ج ١: ص ٢١٦، ٢٥٨، ٢٦٩، ٢٩١، ٣٠٠، ٣١١، ٣١٦) .
٢٦٨١- قوله (أتاه) أي النبي ﷺ (إني أفضت) أي طفت طواف الإفاضة (قبل أن أحلق، قال: احلق أو قصر) ((أو)) للتخيير (ولا حرج) أي لا إثم ولا فدية (وجاء آخر فقال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج. قال القاري: أي لا إثم ولا فدية على المفرد، وأما القارن والمتمتع فليس عليهما الإثم إذا لم يكن عن عمد لكن عليهما الكفارة – انتهى؟ قلت: إنما فسر القاري بذلك لأنه لا ذبح على المفرد ولا يجب الترتيب عليه عند الحنفية إلا في الرمي والحلق فقط، وأما القارن والمتمتع فيجب عليهما الترتيب في الرمي والذبح والحلق. قال الخطابي: وتأول بعض من ذهب إلى هذا القول (أي وجوب الدم في التقديم والتأخير) من أصحاب الرأي قوله ((ارم ولا حرج)) على أنه أراد رفع الحرج في الإثم دون الفدية، قال: وقد يجوز أن يكون هذا السائل مفردًا فلا يلزمه دم، وإذا كان متطوعًا بالدم
стр. 4271
رواه الترمذي.
(الفصل الثالث)
٢٦٨٢ - (٤) عن أسامة بن شريك، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ حاجًا، فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف، أو أخرت شيئًا أو قدمت شيئًا. فكان يقول: " لا حرج، إلا على رجل
ــ
لم يلزمه في تقديمه وتأخيره شيء. قلت (قائله الخطابي) : قوله ((لا حرج)) ينتظم الأمرين جميعًا الإثم والفدية لأنه كلام عام، وكان أصحاب رسول الله ﷺ إما متمتعين أو قارنين على ما دلت عليه الأخبار، والدم على القارن والمتمتع واجب، على أن السائل عن هذا الحكم لم يكن رجلاً واحدًا فقط، إنما كانوا جماعة، ألا تراه يقول (في حديث أسامة ابن شريك) : فمن قائل أخرت شيئًا أو قدمت شيئًا، وهؤلاء لا يتفق أن يكونوا كلهم مفردين، فكان هذا الاعتراض غير لازم - انتهى. (رواه الترمذي) في حديث طويل في صفة الحج في ((باب أن عرفة كلها موقف)) وأشار إليه في ((باب من حلق قبل أن يذبح أو نحر قبل أن يرمي)) حيث قال بعد إيراد حديث عبد الله بن عمرو: وفي الباب عن علي، إلخ. والحديث قد صححه الترمذي ورواه أيضًا الطحاوي (ج ١: ص ٤٢٣) بهذا اللفظ وأحمد (ج ١: ص ٧٥، ٧٦) باختلاف يسير، ورواه عبد الله بن أحمد من غير طريق أبيه (ج ١: ص ٧٦) ((ثم أتاه رجل فقال: إني رميت الجمرة وأفضت ولبست ولم أحلق، قال: فلا حرج فاحلق، ثم أتاه رجل آخر فقال: إني رميت وحلقت ولبست ولم أنحر؟ فقال: لا حرج فانحر، وهكذا أخرجه الطحاوي أيضًا (ج ١: ص ٤٢٤) .
٢٦٨٢ - قوله (عن أسامة بن شريك) الثعلبي بالمثلثة والمهملة من بني ثعلبة بن سعد، وقيل من ثعلبة بن يربوع، وقيل من ثعلبة بن بكر بن وائل، والأول أصح، صحابي عداده في أهل الكوفة، روى عنه زياد بن علاقة وعلي بن الأقمر، وقال الأزدي وسعيد بن السكن والحاكم وغيرهم: لم يرو عنه غير زياد، وقال الحافظ في التقريب: تفرد بالرواية عنه زياد بن علاقة على الصحيح. قال الخزرجي: له ثمانية أحاديث (خرجت مع رسول الله ﷺ حاجًا) أي مريدًا للحج (سعيت) أي للحج عقيب الإحرام بعد طواف قدوم الآفاقي أو طواف نفل للمكي (قبل أن أطوف) أي طواف الإفاضة. قال القاري: وهو بظاهره يشمل الآفاقي والمكي وهو مذهبنا على اختلاف في أفضلية التقديم والتأخير، خلافًا للشافعي حيث قيده بالآفاقي (أو أخرت شيئًا أو قدمت شيئًا) أي في أفعال أيام منى (فكان يقول: لا حرج) كذا في جميع نسخ المشكاة وهكذا ذكره الجزري في جامع الأصول، والذي في سنن أبي داود ((لا حرج، لا حرج)) أي مرتين. قال القاري: أي لا إثم (إلا على رجل) قال القاري: الاستثناء يؤيد أن معنى الحرج هو الإثم، وقد تقدم الكلام على هذا
стр. 4272
اقترض عرض مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك ". رواه أبو داود.
(١٠) باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع
(الفصل الأول)
٢٦٨٣ - (١) عن أبي بكرة، قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر،
ــ
وعلى مسألة تقديم السعي على الطواف (اقترض) بالقاف والضاد المعجمة، أي اقتطع افتعال من القرض، وهو القطع، وسمي المقراض لأنه يقطع، وقرض الفار قطع (عرض مسلم) كذا في جميع النسخ، والذي في سنن أبي داود ((عرض رجل مسلم)) والعرض بكسر العين المهملة وسكون الراء يعني نال منه وعابه وقطعه بالغيبة ونحوها (وهو) أي والحال أن ذلك الرجل (ظالم) فيخرج جرح الرواة والشهود فإنه مباح (فذلك الذي) أي الرجل الموصوف (حرِج) بكسر الراء أي وقع منه حرج (وهلك) أي بالإثم، والعطف تفسيري (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذري وأخرجه أيضًا الطحاوي (ج ١: ص ٢٢٣، ٢٢٤) والدارقطني (ص ٢٦٨) والبيهقي (ج ٥: ص ١٤٦) .
(باب خطبة يوم النحر) بضم الخاء المعجمة، مصدر خطب يخطب خطابة وخطبة، أي وعظ، ويطلق على الكلام الذي يخطب به، كذا في القاموس. وفي عرف الشرع عبارة عن كلام يشتمل على الذكر والتشهد والصلاة والوعظ (ورمى أيام التشريق) عطف على خطبة، وأيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، أولها اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، وسميت هذه الأيام أيام التشريق لكثرة تشريق اللحم في الشمس فيها بعد تقطيعه وتقديده، وقيل: لأن الهدايا والضحايا تقع فيها وابتداؤها من يوم النحر بعد شروق الشمس، فانسحب عليها اسم التشريق، وهذا القول اختاره أبو عبيد القاسم بن سلام. واليوم الأول من هذه الأيام الثلاثة يقال له: يوم القر، لأن الناس يستقرون فيه بمنى، وسمي يوم الرؤوس أيضًا لأن الناس يأكلون فيه رؤوس ذبائحهم يوم النحر. واليوم الثاني سمي يوم النفر الأول ويقال له: يوم الأكارع، واليوم الثالث يقال له: يوم النفر الآخر، ذكره الطبري. وقال الجزري: وإنما سميت بذلك لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي أي يقطعونها ويقددونها، وتشريق اللحم تقديده، وقيل سميت بذلك لقولهم: أشرق ثبير كيما نغير. وقيل سميت بذلك لأن الهدي لا يذبح ولا ينحر حتى تشرق الشمس - انتهى. وفي اللسان: لأن لحم الأضاحي يشرق فيها للشمس (والتوديع) عطف على رمى أو خطبة، قال في القاموس: ودّعه كوضعه وودعه (بتشديد الدال) بمعنى، والاسم الوداع، يقال: ودع المسافر القوم وودعهم أي خلفهم خافضين، وقال في العناية: الوداع - بفتح الواو - اسم للتوديع كسلام وكلام.
٢٦٨٣ - قوله (عن أبي بكرة) الثقفي الصحابي اسمه نفيع بن الحارث (خطبنا النبي ﷺ يوم النحر) فيه دليل
стр. 4273
.............................................................................................
ــ
على مشروعية الخطبة يوم النحر. ويدل عليه أيضًا حديث ابن عمر عند البخاري قال: وقف رسول الله ﷺ يوم النحر بين الجمرات في حجة الوداع فقال: أي يوم هذا - الحديث، وحديث ابن عباس عند البخاري وغيره أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا؟ وحديث جابر عند أحمد، قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال أي يوم أعظم حرمة؟ وحديث الهرماس بن زياد الباهلي قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى. أخرجه أحمد (ج ٣: ص ٤٨٥، وج ٥: ص ٧) وأبو داود. وحديث أبي أمامة عند أبي داود قال: سمعت خطبة النبي ﷺ بمنى يوم النحر، وحديث رافع بن عمرو المزني الآتي في الفصل الثاني من هذا الباب قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجة الوداع يوم النحر يخطب على بغلة شهباء، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر فقام إليه رجل - الحديث. أخرجه الشيخان وغيرهما. وهذه الأحاديث نص في مشروعية الخطبة في يوم النحر وهي ترد على من زعم أن يوم النحر لا خطبة فيه للحاج، وأن المذكور في أحاديث الباب إنما هو من قبيل الوصايا العامة لا أنه خطبة من شعار الحج. ووجه الرد أن الرواة سموها خطبة كما سموا التي وقعت بعرفات خطبة، وقد اتفق على مشروعية الخطبة بعرفات، ولا دليل على ذلك إلا ما روى عنه ﷺ أنه خطب بعرفات، والقائلون بعدم مشروعية الخطبة يوم النحر هم المالكية والحنفية، وقالوا خطب الحج ثلاث: سابع ذي الحجة ويوم عرفة، وثاني يوم النحر، ووافقهم الشافعية إلا أنهم قالوا بدل ثاني النحر ثالثه، وزادوا خطبة رابعة وهي يوم النحر. قال الإمام الشافعي: وبالناس إليها حاجة ليتعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف. وتعقبه الطحاوي بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج لأنه لم يذكر فيها شيئًا من أعمال الحج وإنما ذكر فيها وصايا عامة، قال: ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئًا مما يتعلق بالحج يوم النحر فعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحج. وقال ابن القصار: إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا فظن الذي رآه أنه خطب، قال: وأما ما ذكره الشافعي أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورة فليس بمتعين، لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة – انتهى. وأجيب بأنه نبه ﷺ في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر وعلى تعظيم شهر ذي الحجة وعلى تعظيم البلد الحرم، وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة كما تقدم، فلا يلتفت إلى تأويل غيرهم، وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكر يوم عرفة يعكر عليه كونه يرى مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يأتي بعده من أعمال الحج، لكن لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجدد الأسباب. وقد بين الزهري وهو عالم أهل زمانه أن الخطبة ثاني يوم النحر نقلت من خطبة يوم النحر، وأن ذلك من عمل الأمراء يعني من بني أمية كما أخرج ذلك ابن أبي شيبة عنه، وهذا وإن كان مرسلاً لكنه معتضد بما سبق وبان به أن السنة
стр. 4274
قال: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض،
ــ
الخطبة يوم النحر لا ثانيه. وأما قول الطحاوي أنه لم يعلمهم شيئًا من أسباب التحلل فلا ينفي وقوع ذلك أو شيء منه في نفس الأمر، بل قد ثبت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كما تقدم أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر، وذكر فيه السؤال عن تقديم بعض المناسك على بعض فكيف ساغ للطحاوي هذا النفي المطلق مع روايته هو لحديث عبد الله بن عمرو، وثبت أيضًا في بعض أحاديث الباب أنه ﷺ قال للناس حينئذ: خذوا عني مناسككم. فكأنه وعظهم بما وعظهم به وأحال في تعليمهم على تلقي ذلك من أفعاله، أفاده الحافظ. قلت: حديث رافع بن عمرو المزني الآتي بلفظ ((رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء)) يدل على أن الخطبة المذكورة كانت وقت الضحى يعني قبل طواف الإفاضة وهو مشكل على مذهب الشافعية حيث قالوا: أنه يسن أن يخطب الإمام أو نائبه الناس بعد صلاة الظهر يوم النحر بمنى بعد طواف الإفاضة، وقد تقدم التنبيه على ذلك في شرح حديث عبد الله بن عمرو في الباب الذي قبل هذا (إن الزمان) هو اسم لقليل الوقت وكثيره، والمراد هنا السنة (قد استدار) أي دار (كهيئته) قال الطيبي: الهيئة صورة الشيء وشكله وحالته، والكاف صفة مصدر محذوف أي استدار استدارة مثل حالته (يوم خلق الله السموات) أي وما فيها من النيرين الذين بهما تعرف الأيام والليالي والسنة والأشهر (والأرض) قال القاري: أي عاد ورجع إلى الموضع الذي ابتدأ منه يعني الزمان في انقسامه إلى الأعوام والأعوام إلى الأشهر عاد إلى أصل الحساب والوضع الذي اختاره الله تعالى ووضعه يوم خلق السموات والأرض. وقال بعض المحققين من علمائنا (الحنفية) أي دار على الترتيب الذي اختاره الله تعالى ووضعه يوم خلق السموات والأرض وهو أن يكون كل عام اثني عشر شهرًا وكل شهر ما بين تسعة وعشرين إلى ثلاثين يومًا، وكانت العرب في جاهليتهم غيروا ذلك فجعلوا عامًا اثني عشر شهرًا وعامًا ثلاثة عشر فإنهم كانوا ينسؤن الحج في كل عامين من شهر إلى شهر آخر بعده ويجعلون الشهر الذي أنسؤه ملغي، فتصير تلك السنة ثلاثة عشر، وتتبدل أشهرها فيحلون الأشهر الحرم ويحرمون غيرها كما قال تعالى في سورة التوبة ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ (الآية ٣٧) فأبطل الله ذلك وقرره على مداره الأصلي فالسنة التي حج فيها رسول الله ﷺ حجة الوداع هي السنة التي وصل ذو الحجة إلى موضعه فقال النبي ﷺ : إن الزمان قد استدار كهيئته، يعني أمر الله أن يكون ذو الحجة في هذا الوقت، فاحفظوه واجعلوا الحج في هذا الوقت ولا تبدلوا شهرًا بشهر كعادة أهل الجاهلية – انتهى. وقال النووي، قال العلماء: معناه أنهم في الجاهلية يتمسكون بملة إبراهيم ﷺ في تحريم الأشهر الحرم وكان يشق عليهم تأخير القتال ثلاثة أشهر متواليات وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فكانوا إذا احتاجوا إلى قتال أخروا تحريم المحرم إلى الشهر الذي بعده وهو صفر، ثم يؤخرونه في السنة الأخرى إلى شهر آخر، وهكذا يفعلون في سنة بعد سنة
стр. 4275
السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ".
ــ
حتى اختلط عليهم الأمر وصادفت حجة النبي ﷺ تحريمهم، وقد تطابق الشرع، وكانوا في هذه السنة قد حرموا ذا الحجة لموافقة الحساب الذي ذكرنا، فأخبر النبي ﷺ أن الاستدارة صادفت ما حكم الله تعالى به يوم خلق السموات والأرض، وقال أبو عبيد: كانوا ينسؤن أي يؤخرون، وهو الذي قال الله تعالى فيه ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ فربما احتاجوا إلى الحرب في المحرم فيؤخرون تحريمه إلى صفر، ثم يؤخرون صفرًا في سنة أخري فصادف تلك السنة رجوع المحرم إلى موضعه – انتهى. وقال البيضاوي: كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرًا آخر حتى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد – انتهى. فكأن العرب كانوا مختلفين في النسيء، والله تعالى أعلم (السنة) إلخ، أي السنة العربية الهلالية. قال الطيبي: جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى (منها أربعة حرم) قال تعالى ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ (سورة التوبة، الآية ٣٦) قال البيضاوي: أي بهتك حرمتها وارتكاب حرامها، وقال الحافظ: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ أي في الأربعة باستحلال القتال. وقيل: بارتكاب المعاصي (ثلاث) هو تفسير الأربعة الحرم (متواليات) أي متتابعات. قال الطيبي: اعتبر ابتداء الشهور من الليالي فحذف التاء، وقال ابن التين: الصواب ثلاثة متوالية يعني لأن المميز الشهر قال: ولعله أعاده على المعنى، أي ثلاث مدد متواليات – انتهى. قال الحافظ: أو باعتبار العدة مع أن الذي لا يذكر التمييز معه يجوز فيه التذكير والتأنيث (ذو القعدة) بفتح القاف وقد يكسر، شهر كانوا يقعدون فيه عن الأسفار (وذو الحجة) بكسر الحاء وقد تفتح (والمحرم) عطف على ذو القعدة. قال الحافظ ذكرها من سنتين لمصلحة التوالي بين الثلاثة، وإلا فلو بدأ بالمحرم لفات مقصود التوالي، وفيه إشارة إلى إبطال ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من تأخير بعض الأشهر الحرم فقيل كانوا يجعلون المحرم صفرًا ويجعلون صفر المحرم لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يتعاطون فيها القتال فلذلك قال متواليات. وكانوا في الجاهلية على أنحاء منهم من يسمى المحرم صفرًا فيحل فيه القتال ويحرم القتال في صفر ويسميه المحرم، ومنهم من كان يجعل ذلك سنة هكذا وسنة هكذا، ومنهم من يجعله سنتين هكذا وسنتين هكذا، ومنهم من يؤخر صفرًا إلى ربيع الأول وربيعًا إلى ما يليه، وهكذا إلى أن يصير شوال ذا القعدة، وذو القعدة ذا الحجة، ثم يعود فيعيد العدد على الأصل – انتهى. (ورجب مضر) عطف على ثلاث، ومضر على وزن عمر غير منصرف قبيلة عظيمة، وأضاف الشهر إليها لأنها كانت تشدد في تحريم رجب وتحافظ على ذلك أشد من محافظة سائر القبائل من العرب ولا توافق غيرها من العرب في استحلاله (الذي بين جمادى) بضم الجيم وفتح الدال وبعده ألف ورسمه بالياء (وشعبان) وصفه بكونه بين جمادى وشعبان لزيادة البيان وتوكيده كما قال في أسنان الصدقة: فإن لم تكن ابنة مخاض
следующие страницы →