Полный текст (4 545 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
رواه الترمذي.
(الفصل الثالث)
٢٦٨٢ - (٤) عن أسامة بن شريك، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ حاجًا، فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف، أو أخرت شيئًا أو قدمت شيئًا. فكان يقول: " لا حرج، إلا على رجل
ــ
لم يلزمه في تقديمه وتأخيره شيء. قلت (قائله الخطابي) : قوله ((لا حرج)) ينتظم الأمرين جميعًا الإثم والفدية لأنه كلام عام، وكان أصحاب رسول الله ﷺ إما متمتعين أو قارنين على ما دلت عليه الأخبار، والدم على القارن والمتمتع واجب، على أن السائل عن هذا الحكم لم يكن رجلاً واحدًا فقط، إنما كانوا جماعة، ألا تراه يقول (في حديث أسامة ابن شريك) : فمن قائل أخرت شيئًا أو قدمت شيئًا، وهؤلاء لا يتفق أن يكونوا كلهم مفردين، فكان هذا الاعتراض غير لازم - انتهى. (رواه الترمذي) في حديث طويل في صفة الحج في ((باب أن عرفة كلها موقف)) وأشار إليه في ((باب من حلق قبل أن يذبح أو نحر قبل أن يرمي)) حيث قال بعد إيراد حديث عبد الله بن عمرو: وفي الباب عن علي، إلخ. والحديث قد صححه الترمذي ورواه أيضًا الطحاوي (ج ١: ص ٤٢٣) بهذا اللفظ وأحمد (ج ١: ص ٧٥، ٧٦) باختلاف يسير، ورواه عبد الله بن أحمد من غير طريق أبيه (ج ١: ص ٧٦) ((ثم أتاه رجل فقال: إني رميت الجمرة وأفضت ولبست ولم أحلق، قال: فلا حرج فاحلق، ثم أتاه رجل آخر فقال: إني رميت وحلقت ولبست ولم أنحر؟ فقال: لا حرج فانحر، وهكذا أخرجه الطحاوي أيضًا (ج ١: ص ٤٢٤) .
٢٦٨٢ - قوله (عن أسامة بن شريك) الثعلبي بالمثلثة والمهملة من بني ثعلبة بن سعد، وقيل من ثعلبة بن يربوع، وقيل من ثعلبة بن بكر بن وائل، والأول أصح، صحابي عداده في أهل الكوفة، روى عنه زياد بن علاقة وعلي بن الأقمر، وقال الأزدي وسعيد بن السكن والحاكم وغيرهم: لم يرو عنه غير زياد، وقال الحافظ في التقريب: تفرد بالرواية عنه زياد بن علاقة على الصحيح. قال الخزرجي: له ثمانية أحاديث (خرجت مع رسول الله ﷺ حاجًا) أي مريدًا للحج (سعيت) أي للحج عقيب الإحرام بعد طواف قدوم الآفاقي أو طواف نفل للمكي (قبل أن أطوف) أي طواف الإفاضة. قال القاري: وهو بظاهره يشمل الآفاقي والمكي وهو مذهبنا على اختلاف في أفضلية التقديم والتأخير، خلافًا للشافعي حيث قيده بالآفاقي (أو أخرت شيئًا أو قدمت شيئًا) أي في أفعال أيام منى (فكان يقول: لا حرج) كذا في جميع نسخ المشكاة وهكذا ذكره الجزري في جامع الأصول، والذي في سنن أبي داود ((لا حرج، لا حرج)) أي مرتين. قال القاري: أي لا إثم (إلا على رجل) قال القاري: الاستثناء يؤيد أن معنى الحرج هو الإثم، وقد تقدم الكلام على هذا
стр. 4272
اقترض عرض مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك ". رواه أبو داود.
(١٠) باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع
(الفصل الأول)
٢٦٨٣ - (١) عن أبي بكرة، قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر،
ــ
وعلى مسألة تقديم السعي على الطواف (اقترض) بالقاف والضاد المعجمة، أي اقتطع افتعال من القرض، وهو القطع، وسمي المقراض لأنه يقطع، وقرض الفار قطع (عرض مسلم) كذا في جميع النسخ، والذي في سنن أبي داود ((عرض رجل مسلم)) والعرض بكسر العين المهملة وسكون الراء يعني نال منه وعابه وقطعه بالغيبة ونحوها (وهو) أي والحال أن ذلك الرجل (ظالم) فيخرج جرح الرواة والشهود فإنه مباح (فذلك الذي) أي الرجل الموصوف (حرِج) بكسر الراء أي وقع منه حرج (وهلك) أي بالإثم، والعطف تفسيري (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذري وأخرجه أيضًا الطحاوي (ج ١: ص ٢٢٣، ٢٢٤) والدارقطني (ص ٢٦٨) والبيهقي (ج ٥: ص ١٤٦) .
(باب خطبة يوم النحر) بضم الخاء المعجمة، مصدر خطب يخطب خطابة وخطبة، أي وعظ، ويطلق على الكلام الذي يخطب به، كذا في القاموس. وفي عرف الشرع عبارة عن كلام يشتمل على الذكر والتشهد والصلاة والوعظ (ورمى أيام التشريق) عطف على خطبة، وأيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، أولها اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، وسميت هذه الأيام أيام التشريق لكثرة تشريق اللحم في الشمس فيها بعد تقطيعه وتقديده، وقيل: لأن الهدايا والضحايا تقع فيها وابتداؤها من يوم النحر بعد شروق الشمس، فانسحب عليها اسم التشريق، وهذا القول اختاره أبو عبيد القاسم بن سلام. واليوم الأول من هذه الأيام الثلاثة يقال له: يوم القر، لأن الناس يستقرون فيه بمنى، وسمي يوم الرؤوس أيضًا لأن الناس يأكلون فيه رؤوس ذبائحهم يوم النحر. واليوم الثاني سمي يوم النفر الأول ويقال له: يوم الأكارع، واليوم الثالث يقال له: يوم النفر الآخر، ذكره الطبري. وقال الجزري: وإنما سميت بذلك لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي أي يقطعونها ويقددونها، وتشريق اللحم تقديده، وقيل سميت بذلك لقولهم: أشرق ثبير كيما نغير. وقيل سميت بذلك لأن الهدي لا يذبح ولا ينحر حتى تشرق الشمس - انتهى. وفي اللسان: لأن لحم الأضاحي يشرق فيها للشمس (والتوديع) عطف على رمى أو خطبة، قال في القاموس: ودّعه كوضعه وودعه (بتشديد الدال) بمعنى، والاسم الوداع، يقال: ودع المسافر القوم وودعهم أي خلفهم خافضين، وقال في العناية: الوداع - بفتح الواو - اسم للتوديع كسلام وكلام.
٢٦٨٣ - قوله (عن أبي بكرة) الثقفي الصحابي اسمه نفيع بن الحارث (خطبنا النبي ﷺ يوم النحر) فيه دليل
стр. 4273
.............................................................................................
ــ
على مشروعية الخطبة يوم النحر. ويدل عليه أيضًا حديث ابن عمر عند البخاري قال: وقف رسول الله ﷺ يوم النحر بين الجمرات في حجة الوداع فقال: أي يوم هذا - الحديث، وحديث ابن عباس عند البخاري وغيره أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا؟ وحديث جابر عند أحمد، قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال أي يوم أعظم حرمة؟ وحديث الهرماس بن زياد الباهلي قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى. أخرجه أحمد (ج ٣: ص ٤٨٥، وج ٥: ص ٧) وأبو داود. وحديث أبي أمامة عند أبي داود قال: سمعت خطبة النبي ﷺ بمنى يوم النحر، وحديث رافع بن عمرو المزني الآتي في الفصل الثاني من هذا الباب قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجة الوداع يوم النحر يخطب على بغلة شهباء، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر فقام إليه رجل - الحديث. أخرجه الشيخان وغيرهما. وهذه الأحاديث نص في مشروعية الخطبة في يوم النحر وهي ترد على من زعم أن يوم النحر لا خطبة فيه للحاج، وأن المذكور في أحاديث الباب إنما هو من قبيل الوصايا العامة لا أنه خطبة من شعار الحج. ووجه الرد أن الرواة سموها خطبة كما سموا التي وقعت بعرفات خطبة، وقد اتفق على مشروعية الخطبة بعرفات، ولا دليل على ذلك إلا ما روى عنه ﷺ أنه خطب بعرفات، والقائلون بعدم مشروعية الخطبة يوم النحر هم المالكية والحنفية، وقالوا خطب الحج ثلاث: سابع ذي الحجة ويوم عرفة، وثاني يوم النحر، ووافقهم الشافعية إلا أنهم قالوا بدل ثاني النحر ثالثه، وزادوا خطبة رابعة وهي يوم النحر. قال الإمام الشافعي: وبالناس إليها حاجة ليتعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف. وتعقبه الطحاوي بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج لأنه لم يذكر فيها شيئًا من أعمال الحج وإنما ذكر فيها وصايا عامة، قال: ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئًا مما يتعلق بالحج يوم النحر فعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحج. وقال ابن القصار: إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا فظن الذي رآه أنه خطب، قال: وأما ما ذكره الشافعي أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورة فليس بمتعين، لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة – انتهى. وأجيب بأنه نبه ﷺ في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر وعلى تعظيم شهر ذي الحجة وعلى تعظيم البلد الحرم، وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة كما تقدم، فلا يلتفت إلى تأويل غيرهم، وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكر يوم عرفة يعكر عليه كونه يرى مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يأتي بعده من أعمال الحج، لكن لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجدد الأسباب. وقد بين الزهري وهو عالم أهل زمانه أن الخطبة ثاني يوم النحر نقلت من خطبة يوم النحر، وأن ذلك من عمل الأمراء يعني من بني أمية كما أخرج ذلك ابن أبي شيبة عنه، وهذا وإن كان مرسلاً لكنه معتضد بما سبق وبان به أن السنة
стр. 4274
قال: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض،
ــ
الخطبة يوم النحر لا ثانيه. وأما قول الطحاوي أنه لم يعلمهم شيئًا من أسباب التحلل فلا ينفي وقوع ذلك أو شيء منه في نفس الأمر، بل قد ثبت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كما تقدم أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر، وذكر فيه السؤال عن تقديم بعض المناسك على بعض فكيف ساغ للطحاوي هذا النفي المطلق مع روايته هو لحديث عبد الله بن عمرو، وثبت أيضًا في بعض أحاديث الباب أنه ﷺ قال للناس حينئذ: خذوا عني مناسككم. فكأنه وعظهم بما وعظهم به وأحال في تعليمهم على تلقي ذلك من أفعاله، أفاده الحافظ. قلت: حديث رافع بن عمرو المزني الآتي بلفظ ((رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء)) يدل على أن الخطبة المذكورة كانت وقت الضحى يعني قبل طواف الإفاضة وهو مشكل على مذهب الشافعية حيث قالوا: أنه يسن أن يخطب الإمام أو نائبه الناس بعد صلاة الظهر يوم النحر بمنى بعد طواف الإفاضة، وقد تقدم التنبيه على ذلك في شرح حديث عبد الله بن عمرو في الباب الذي قبل هذا (إن الزمان) هو اسم لقليل الوقت وكثيره، والمراد هنا السنة (قد استدار) أي دار (كهيئته) قال الطيبي: الهيئة صورة الشيء وشكله وحالته، والكاف صفة مصدر محذوف أي استدار استدارة مثل حالته (يوم خلق الله السموات) أي وما فيها من النيرين الذين بهما تعرف الأيام والليالي والسنة والأشهر (والأرض) قال القاري: أي عاد ورجع إلى الموضع الذي ابتدأ منه يعني الزمان في انقسامه إلى الأعوام والأعوام إلى الأشهر عاد إلى أصل الحساب والوضع الذي اختاره الله تعالى ووضعه يوم خلق السموات والأرض. وقال بعض المحققين من علمائنا (الحنفية) أي دار على الترتيب الذي اختاره الله تعالى ووضعه يوم خلق السموات والأرض وهو أن يكون كل عام اثني عشر شهرًا وكل شهر ما بين تسعة وعشرين إلى ثلاثين يومًا، وكانت العرب في جاهليتهم غيروا ذلك فجعلوا عامًا اثني عشر شهرًا وعامًا ثلاثة عشر فإنهم كانوا ينسؤن الحج في كل عامين من شهر إلى شهر آخر بعده ويجعلون الشهر الذي أنسؤه ملغي، فتصير تلك السنة ثلاثة عشر، وتتبدل أشهرها فيحلون الأشهر الحرم ويحرمون غيرها كما قال تعالى في سورة التوبة ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ (الآية ٣٧) فأبطل الله ذلك وقرره على مداره الأصلي فالسنة التي حج فيها رسول الله ﷺ حجة الوداع هي السنة التي وصل ذو الحجة إلى موضعه فقال النبي ﷺ : إن الزمان قد استدار كهيئته، يعني أمر الله أن يكون ذو الحجة في هذا الوقت، فاحفظوه واجعلوا الحج في هذا الوقت ولا تبدلوا شهرًا بشهر كعادة أهل الجاهلية – انتهى. وقال النووي، قال العلماء: معناه أنهم في الجاهلية يتمسكون بملة إبراهيم ﷺ في تحريم الأشهر الحرم وكان يشق عليهم تأخير القتال ثلاثة أشهر متواليات وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فكانوا إذا احتاجوا إلى قتال أخروا تحريم المحرم إلى الشهر الذي بعده وهو صفر، ثم يؤخرونه في السنة الأخرى إلى شهر آخر، وهكذا يفعلون في سنة بعد سنة
стр. 4275
السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ".
ــ
حتى اختلط عليهم الأمر وصادفت حجة النبي ﷺ تحريمهم، وقد تطابق الشرع، وكانوا في هذه السنة قد حرموا ذا الحجة لموافقة الحساب الذي ذكرنا، فأخبر النبي ﷺ أن الاستدارة صادفت ما حكم الله تعالى به يوم خلق السموات والأرض، وقال أبو عبيد: كانوا ينسؤن أي يؤخرون، وهو الذي قال الله تعالى فيه ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ فربما احتاجوا إلى الحرب في المحرم فيؤخرون تحريمه إلى صفر، ثم يؤخرون صفرًا في سنة أخري فصادف تلك السنة رجوع المحرم إلى موضعه – انتهى. وقال البيضاوي: كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرًا آخر حتى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد – انتهى. فكأن العرب كانوا مختلفين في النسيء، والله تعالى أعلم (السنة) إلخ، أي السنة العربية الهلالية. قال الطيبي: جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى (منها أربعة حرم) قال تعالى ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ (سورة التوبة، الآية ٣٦) قال البيضاوي: أي بهتك حرمتها وارتكاب حرامها، وقال الحافظ: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ أي في الأربعة باستحلال القتال. وقيل: بارتكاب المعاصي (ثلاث) هو تفسير الأربعة الحرم (متواليات) أي متتابعات. قال الطيبي: اعتبر ابتداء الشهور من الليالي فحذف التاء، وقال ابن التين: الصواب ثلاثة متوالية يعني لأن المميز الشهر قال: ولعله أعاده على المعنى، أي ثلاث مدد متواليات – انتهى. قال الحافظ: أو باعتبار العدة مع أن الذي لا يذكر التمييز معه يجوز فيه التذكير والتأنيث (ذو القعدة) بفتح القاف وقد يكسر، شهر كانوا يقعدون فيه عن الأسفار (وذو الحجة) بكسر الحاء وقد تفتح (والمحرم) عطف على ذو القعدة. قال الحافظ ذكرها من سنتين لمصلحة التوالي بين الثلاثة، وإلا فلو بدأ بالمحرم لفات مقصود التوالي، وفيه إشارة إلى إبطال ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من تأخير بعض الأشهر الحرم فقيل كانوا يجعلون المحرم صفرًا ويجعلون صفر المحرم لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يتعاطون فيها القتال فلذلك قال متواليات. وكانوا في الجاهلية على أنحاء منهم من يسمى المحرم صفرًا فيحل فيه القتال ويحرم القتال في صفر ويسميه المحرم، ومنهم من كان يجعل ذلك سنة هكذا وسنة هكذا، ومنهم من يجعله سنتين هكذا وسنتين هكذا، ومنهم من يؤخر صفرًا إلى ربيع الأول وربيعًا إلى ما يليه، وهكذا إلى أن يصير شوال ذا القعدة، وذو القعدة ذا الحجة، ثم يعود فيعيد العدد على الأصل – انتهى. (ورجب مضر) عطف على ثلاث، ومضر على وزن عمر غير منصرف قبيلة عظيمة، وأضاف الشهر إليها لأنها كانت تشدد في تحريم رجب وتحافظ على ذلك أشد من محافظة سائر القبائل من العرب ولا توافق غيرها من العرب في استحلاله (الذي بين جمادى) بضم الجيم وفتح الدال وبعده ألف ورسمه بالياء (وشعبان) وصفه بكونه بين جمادى وشعبان لزيادة البيان وتوكيده كما قال في أسنان الصدقة: فإن لم تكن ابنة مخاض
стр. 4276
وقال: " أي شهر هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: " أليس
ــ
فابن لبون ذكر. ومعلوم أن ابن اللبون لا يكون إلا ذكرًا، ويحتمل أن يكون إنما قال ذلك من أجل أنهم قد كانوا نسؤا رجبًا و ... هـ عن موضعه وسموه به بعض الشهور الأخر فنحلوه اسمه فبين لهم أن رجبًا هو الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا ما كانوا يسمونه على حساب النسيء. قال النووي: قد أجمع المسلمون على أن الأشهر الحرم الأربعة هي هذه المذكورة في الحديث، ولكن اختلفوا في الأدب المستحب في كيفية عدها، فقالت طائفة من أهل الكوفة وأصل الأدب، يقال المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة ليكون الأربعة من سنة واحدة، وقال علماء المدينة والبصرة وجماهير العلماء: هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ثلاثة سرد وواحد فرد، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة منها هذا الحديث الذي نحن في فيه، وعلى هذا الاستعمال أطبق الناس من الطوائف كلها – انتهى. قيل الحكمة في جعل المحرم أول السنة أن يحصل الابتداء بشهر حرام ويختم بشهر حرام وتتوسط السنة بشهر حرام وهو رجب، وإنما توالى شهران في الآخر لإرادة تفضيل الختام، والأعمال بالخواتيم، قال الحافظ: أبدى بعضهم لما استقر عليه الحال من ترتيب هذه الأشهر الحرم مناسبة لطيفة، حاصلها أن للأشهر الحرم مزية على ما عداها، فناسب أن يبدأ بها العام وأن تتوسطه وأن تختم به، وإنما كان الختم بشهرين لوقوع الحج ختام الأركان الأربع لأنها تشتمل على عمل مال محض وهو الزكاة وعمل بدن محض وذلك تارة يكون بالجوارح وهو الصلاة وتارة بالقلب وهو الصوم، لأنه كف عن المفطرات، وتارة عمل مركب من مال وبدن وهو الحج، فلما جمعهما ناسب أن يكون له ضعف ما لواحد منهما فكان له من الأربعة الحرم شهران، والله أعلم (وقال: أي شهر هذا؟) أراد بهذا الاستفهام أن يقرر في نفوسهم حرمة الشهر والبلدة واليوم ليبني عليه ما أراده. قال القرطبي: سؤاله ﷺ عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه. ولذلك قال بعد هذا فإن دماءكم، إلى آخره. مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء – انتهى. وقال النووي: هذا السؤال والسكوت والتفسير أراد به التفخيم والتقرير والتنبيه على عظم مرتبة هذا الشهر والبلد واليوم (قلنا: الله ورسوله أعلم) قال التوربشتي: إحالتهم الجواب عليه فيما استبان أمره وتحقق، نوع من الأدب بين يدي من حق عليهم التأدب بين يديه، ثم إنهم لم ييأسوا من أن يكون في الأمر المسؤل عنه علم لم يبلغ إليهم فأحالوا العلم على علام الغيوب، ثم إلى المستأثر من البشر بنوع من ذلك العلم، وينبئك عن هذا المعني قولهم: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه – انتهى. وقال الحافظ: قولهم ((الله ورسوله أعلم)) هذا من حسن أدبهم لأنهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب وأنه ليس مراده مطلق الإخبار بما يعرفونه، ولهذا قال: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، ففيه إشارة إلى تفويض الأمور بالكلية إلى الشارع (فقال: أليس) أي هذا الشهر أو اسمه
стр. 4277
ذا الحجة؟ " قلنا: بلى. قال: " أي بلد هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: " أليس البلدة "؟ قلنا: بلى. قال " فأي يوم هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: " أليس يوم النحر؟ " قلنا: بلى. قال:
ــ
(ذا الحجة؟ قلنا بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال:) بلا فاء (أليس) أي البلد (البلدة) قال الخطابي: يقال: إن البلدة اسم خاص بمكة وهي المرادة بقوله تعالى ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة﴾ (سورة النمل الآية ٩١) وقال الطيبي: المطلق محمول على الكامل وهي الجامعة للخير المستجمعة للكمال كما أن الكعبة تسمى البيت ويطلق عليها ذلك، كذا في الفتح. وقال التوربشتي: قيل إن البلدة اسم خاص لمكة عظم الله حرمتها، ويؤيد ذلك هذا الحديث، ووجه تسميتها بالبلدة وهي تقع على سائر البلدان أنها البلدة الجامعة للخير المستحقة أن تسمى بهذا الاسم لتفوقها سائر مسميات أجناسها حتى كأنها هي المحل المستحقة للإقامة بها من قولهم بلد بالمكان أي أقام (قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم) إلخ. وفي البخاري من حديث ابن عباس أنهم قالوا: يوم حرام. وقالوا عند سؤاله عن الشهر: شهر حرام، وعند سؤاله عن البلد: بلد حرام، وعند البخاري أيضًا من حديث ابن عباس: وظاهرهما أي ظاهر حديثي أبي بكرة وابن عباس التعارض، والجمع بينهما أن الطائفة الذين كان فيهم ابن عباس أجابوا، والطائفة الذين كان فيهم أبو بكرة لم يجيبوا بل قالوا: الله ورسوله أعلم. أو تكون رواية ابن عباس بالمعنى، لأن في حديث أبي بكرة عند البخاري في الحج وفي الفتن أنه لما قال: أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى. فقولهم ((بلى)) بمعنى قولهم يوم حرام بالاستلزام، وغايته أن أبا بكرة نقل السياق بتمامه، واختصر ابن عباس، وكأن ذلك كان بسبب قرب أبي بكرة منه لكونه كان آخذًا بخطام الناقة، وقال بعضهم: يحتمل تعدد الخطبة، فإن أراد أنه كررها في يوم النحر فيحتاج لدليل، فإن في حديث ابن عمر عند البخاري في الحج أن ذلك كان يوم النحر بين الجمرات في حجته، وقال الحافظ في كتاب الحج: قيل في الجمع بين الحديثين: لعلهما واقعتان، قال الحافظ: وليس بشيء لأن الخطبة يوم النحر إنما تشرع مرة واحدة، وقد قال في كل منهما أن ذلك كان يوم النحر، وقيل في الجمع بينهما أن بعضهم بادر بالجواب وبعضهم سكت، وقيل في الجمع أنهم فوضوا أولاً كلهم بقولهم: الله ورسوله أعلم، فلما سكت أجاب بعضهم دون بعض، وقيل وقع السؤال في الوقت الواحد مرتين بلفظين فلما كان في حديث أبي بكرة فخامة ليست في الأول لقوله فيه ((أتدرون؟)) سكتوا عن الجواب بخلاف حديث ابن عباس لخلوه عن ذلك، أشار إلى ذلك الكرماني، وقيل في حديث ابن عباس اختصار بينته رواية أبي بكرة فكأنه أطلق قولهم ((قالوا: يوم حرام)) باعتبار أنهم قرروا ذلك
стр. 4278
" فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض،
ــ
حيث قالوا: بلى. قال الحافظ: وهذا جمع حسن (فإن دماءكم وأموالكم) إلخ. تقدم شرح هذه الجملة في شرح حديث جابر الطويل المذكور في باب صفة الحج والمراد بهذا كله بيان توكيد غلظ تحريم الأموال والدماء والأعراض والتحذير من ذلك (وستلقون ربكم) أي يوم القيامة (فيسألكم عن أعمالكم) أي القليلة والكثيرة (ألا) للتنبيه (فلا ترجعوا بعدي) أي لا تصيروا بعد فراقي من موقفي هذا، أو بعد موتي ووفاتي، وهو الأظهر، وفيه استعمال رجع كصار معني وعملاً. قال ابن الملك: وهو مما خفي على أكثر النحويين. أي لا تصيروا بعدي (ضلالاً) بضم الضاد وتشديد اللام جمع ضال وفي رواية أخرى ((كفارًا)) أي كالكفار أو لا يكفر بعضكم بعضًا فتستحلوا القتال، أو لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار (يضرب بعضكم رقاب بعض) برفع الباء من يضرب على أنها جملة مستأنفة مبينة لقوله ((لا ترجعوا بعدي ضلالاً)) ويجوز الجزم. قال أبو البقاء: على تقدير شرط مضمر أي ((إن ترجعوا بعدي يضرب)) وقال الحافظ: قوله ((يضرب)) بجزم الباء على أنه جواب النهي، وبرفعها على الاستيناف أو يجعل حالاً. وقال النووي: الرواية ((يضرب)) برفع الباء هذا هو الصواب، وهكذا رواه المتقدمون والمتأخرون، وبه يصح المقصود هنا. ونقل القاضي عياض أن بعض العلماء ضبطه بإسكان الباء. قال القاضي: وهو إحالة للمعنى والصواب الضم. قال النووي: في معنى قوله ﷺ : فلا ترجعوا بعدي كفارًا، إلخ. سبعة أقوال أحدها أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق، والثاني أن المراد كفر النعمة وحق الإسلام، والثالث أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه، والرابع أنه فعل كفعل الكفار، والخامس المراد حقيقة الكفر، ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين، والسادس حكاه الخطابي وغيره أن المراد المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه، قال الأزهري في كتابه (تهذيب اللغة)) يقال للابس السلاح كافر. والسابع معناه: لا يكفر بعضكم بعضًا فتستحلوا قتال بعضكم بعضًا، قاله الخطابي. قال النووي: وأظهر الأقوال الرابع وهو اختيار القاضي عياض. وقال الحافظ: جملة ما فيه من الأقوال ثمانية، أحدها قول الخوارج أنه على ظاهره، ثانيها هو في المستحلين، ثالثها المعني كفارًا بحرمة الدماء وحرمة المسلمين وحقوق الوالدين، رابعها تفعلون فعل الكفار في قتل بعضهم بعضًا، خامسها لابسين السلاح يقال: كفر درعه إذا لبس فوقها ثوبًا، سادسها كفارًا بنعمة الله، سابعها المراد الزجر عن الفعل، وليس ظاهره مرادًا، ثامنها لا يكفر بعضكم بعضًا كأن يقول أحد الفريقين للآخر يا كافر فيكفر أحدهما، ثم وجدت تاسعًا وهو أن المراد ستر الحق، والكفر لغة الستر، لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه، فلما قاتله
стр. 4279
ألا هل بلغت؟ " قالوا: نعم. قال: " اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع ".
ــ
كأنه غطى على حقه الثابت له عليه، وعاشرًا وهو أن الفعل المذكور يفضي إلى الكفر لأن من اعتاد الهجوم على كبار المعاصي جره شؤم ذلك إلى أشد منها فيخشى أن لا يختم له بخاتمة الإسلام. وقال الداودي: معناه لا تفعلوا بالمؤمنين ما تفعلون بالكفار، ولا تفعلوا بهم ما لا يحل وأنتم ترونه حرامًا. قلت (قائله الحافظ) : وهو داخل في المعاني المتقدمة قلت: واستشكل بعض الشراح غالب هذه الأجوبة بأن راوي الخبر وهو أبو بكرة فهم خلاف ذلك (لأنه ترك القتال في الفتنة) والجواب أن فهمه ذلك إنما يعرف من توقفه عن القتال واحتجاجه بهذا الحديث فيحتمل أن يكون توقفه بطريق الاحتياط لما يحتمله ظاهر اللفظ، ولا يلزم أن يكون يعتقد حقيقة كفر من باشر ذلك، ويؤيده أنه لم يمتنع من الصلاة خلفهم ولا امتثال أوامرهم ولا غير ذلك مما يدل على أنه يعتقد فيهم حقيقته – انتهى. (ألا) للتنبيه (هل بلّغت؟) بتشديد اللام، أي أعلمتكم ما أنزل إليّ من ربي وما أمرني به (اللهم اشهد) أي لي وعليهم، وإنما قال ذلك لأنه كان فرضًا عليه أن يبلغ فأشهد الله على أنه أدى ما أوجبه عليه (فليبلغ) بالتشديد ويخفف أي ليخبر (الشاهد أي الحاضر في المجلس (الغائب) أي الغائب عنه، والمراد إما تبليغ القول المذكور أو تبليغ جميع الأحكام، قال السندي: قوله ((الشاهد)) بالرفع فاعل ليبلغ، و ((الغائب)) بالنصب على أنه مفعول أول والمفعول الثاني محذوف، أي العلم الذي حضر سماعه أي ليعم البلاغ الكل كما هو مقتضى عموم الرسالة إليهم، ولأنه قد يفهم المبلغ ما لا يفهمه الحامل من الأسرار والعلوم وهذا معنى قوله: (فرب مبلغ) بتشديد اللام المفتوحة اسم مفعول أي من يبلغه كلامي بواسطة (أوعى) أي أحفظ لمبناه وأفهم لمعناه (من سامع) سمعه مني مباشرة. قال الحافظ: أي رب شخص بلغه كلامي فكان أحفظ له وأفهم لمعناه من الذي نقله. قال المهلب: فيه أنه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدمه إلا أن ذلك يكون في الأقل، لأن ((رب)) موضوعة للتقليل. قلت (قائله الحافظ) : هي في الأصل كذلك إلا أنها استعملت في التكثير بحيث غلبت على الاستعمال الأول، لكن يؤيد أن التقليل هنا مراد أنه وقع في رواية للبخاري بلفظ ((عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه)) وقوله ((أوعى من سامع)) نعت لمبلغ، والذي يتعلق به رب محذوف وتقديره يوجد أو يكون، ويجوز على مذهب الكوفيين في أن رب اسم أن تكون هي مبتدأ وأوعى الخبر فلا حذف ولا تقدير وفي الحديث من الفوائد الحث على تبليغ العلم وجواز التحمل قبل كمال الأهلية وأن الفهم ليس شرطًا في الأداء. قال الحافظ: في الحديث دلالة على جواز تحمل الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقهه إذا ضبط ما يحدث به، ويجوز وصفه بكونه من أهل العلم بذلك، وفيه أيضًا وجوب تبليغ العلم على الكفاية، وقد يتعين في حق بعض الناس، وفيه تأكيد التحريم وتغليظه بأبلغ ممكن من تكرار ونحوه،
стр. 4280
متفق عليه.
٢٦٨٤ – (٢) وعن وبرة، قال: سألت ابن عمر: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه. فأعدت عليه المسألة، فقال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا. رواه البخاري.
ــ
وفيه مشروعية ضرب المثل وإلحاق النظير بالنظير ليكون أوضح للسامع (متفق عليه) أخرجه البخاري في العلم والمناسك وبدء الخلق والمغازي (في باب حجة الوداع) وفي تفسير براءة وفي الأضاحي والفتن والتوحيد ومسلم في الديات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥: ص ٣٧، ٣٩، ٤٠، ٤٥، ٤٩) وأبو داود والبيهقي (ج ٥: ص ١٤٠) وأخرجه ابن ماجه في السنة مختصرًا جدًا.
٢٦٨٤- قوله (وعن وبرة) بفتح الواو الموحدة بعدها راء – هو ابن عبد الرحمن المسلمي بضم الميم وسكون المهملة بعدها لام – أبو خزيمة أو أبو العباس الكوفي، ثقة تابعي، مات في ولاية خالد بن عبد الله القسري على الكوفة سنة ست عشرة ومائة (متى أرمي الجمار؟) يعني في غير يوم الأضحي (إذا رمى إمامك فارمه) بهاء ساكنة للسكت وقال القاري: بهاء الضمير أو السكت، وعلى الأول تقديره ارم موضع الجمرة أو ارم الرمي أو الحصى – انتهى. قال الحافظ: قوله ((إذا رمى إمامك فارمه)) يعني الأمير الذي على الحج، وكأن ابن عمر خاف عليه أن يخالف الأمير فيحصل له منه ضرر، فلما أعاد عليه المسألة لم يسعه الكتمان فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي ﷺ ، وقد رواه ابن عيينة عن مسعر عن وبرة عن ابن عمر فقال فيه: فقلت له: أرأيت إن أخر إمامي؟ أي الرمي فذكر له الحديث. أخرجه ابن أبي عمر في مسنده عنه ومن طريقه الإسماعيلي – انتهى (فأعدت عليه المسألة) أردت تحقيق وقت رمي الجمرة (كنا نتحين) نتفعل من الحين وهو الزمان، أي نراقب الوقت المطلوب وهو زوال الشمس. قال الطيبي: أي ننتظر دخول وقت الرمي – انتهى. وقال الطبري: أي نطلب حينها والحين الوقت، ومنه كانوا يتحينون وقت الصلاة أي يطلبون حينها، ولفظ أبي داود ((كنا نتحين زوال الشمس (فإذا زالت الشمس رمينا) بلا ضمير أي الجمرة يعني قبل صلاة الظهر، فقد روى ابن ماجة من طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر. قال السندي: هذا يدل على أنه بعد الزوال يبدأ برمي الجمار ثم يصلي أي الظهر – انتهى. وفي الحديث دليل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد زوال الشمس، وأنه لا يجزئ رميها قبل زوالها بل وقته بعد الزوال، وإلى هذا ذهب الجمهور. وخالف في ذلك عطاء وطاوس فقالا: يجوز الرمي قبل الزوال مطلقًا، ورخص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال. وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال أعاد إلا في اليوم الثالث فيجزئه، والحديث يرد على الجميع، وقد تقدم البسط في هذه المسألة في شرح حديث جابر في الفصل الأول من باب رمي الجمار (رواه البخاري) وأخرجه أيضًا أبو داود والبيهقي (ج ٥: ص ١٤٨) .
стр. 4281
٢٦٨٥ – (٣) وعن سالم عن ابن عمر، أنه كان يرمي جمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة طويلاً، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى بسبع حصيات،
ــ
٢٦٨٥- قوله (كان يرمي جمرة الدنيا) كذا في جميع النسخ وهكذا وقع في المصابيح أي بإضافة الجمرة إلى الدنيا. وفي البخاري ((الجمرة الدنيا)) قال التوربشتي: الجمرة واحدة جمرات المناسك. وهي ثلاث جمرات واحد منها ذات العقبة وهي مما يلي مكة ولا يرمي يوم النحر إلا جمرة ذات العقبة، وبعد يوم النحر يرمي الثلاث، والسنة فيها ما ذكر في الحديث، والدنيا هي التي يبدأ بها، ووصفها بالدنيا (أي القربى) لكونها أقرب إلى منازل النازلين عند مسجد الخيف، وهنالك كان مناخ النبي ﷺ وإضافتها إلى الدنيا كإضافة المسجد إلى الجامع من إضافة الموصف إلى الصفة، ويحتمل أن يكون فيه حذف أي جمرة البقعة الدنيا كقولك ((حق اليقين)) (بسبع حصيات) في كل يوم من أيام التشريق (يكبر على إثر كل حصاة) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما أي عقيب كل واحدة من الحصى، وظاهر هذا تأخير التكبير عن الرمي. وفي رواية أحمد (ج ٢: ص ١٥٢) يكبر مع كل حصاة، وكذا وقع في حديث جابر عند مسلم وغيره وحديث ابن مسعود عند الشيخين، ويأتي في حديث ابن عمر في رمي جمرة العقبة ((يكبر عند كل حصاة)) قال القاري: وهو أعم، والمراد بالمعية خروج الجمرة من اليد فهو مع الرمي باعتبار الابتداء، أو أثره باعتبار الانتهاء – انتهى. وأول بعضهم قوله ((إثر كل حصاة)) بأن المراد عقب إرادة الرمي بها، وإلى المعية أي مقارنة التكبير لكل حصاة ذهب أتباع الأئمة الأربعة كما صرح به الباجي وابن قدامة والنووي، قال الدسوقي: ظاهر المدونة أن التكبير مع كل حصاة سنة، وأشعر قول الدردير مع رمي كل حصاة أنه لا يكبر قبل رميها ولا بعده، ويفوت المندوب بمفارقة الحصاة ليده قبل النطق بالتكبير – انتهى. وفي الهداية ((يكبر مع كل حصاة)) كذا روي عن ابن مسعود وابن عمر – انتهى (ثم يتقدم) أي يذهب قليلاً من ذلك الموضع وفي رواية ((ثم تقدم أمامها)) (حتى يسهل) بضم أوله وسكون المهملة، يقال: أسهل الرجل إذا صار إلى السهل من الأرض، قال الحافظ: أي يقصد السهل من الأرض وهو المكان المستوي الذي لا ارتفاع فيه – انتهى. وقال القاري: أي يدخل المكان السهل وهو اللين ضد الحزن بفتح الحاء وسكون الزاي أي الصعب (فيقوم) مرفوع عطفًا على يتقدم (مستقبل القبلة) أي حال كونه مقابل الكعبة (طويلاً) وفي رواية ((فيقوم قيامًا طويلاً)) (ويدعو) أي قدر سورة البقرة كما تقدم (ويرفع يديه) أي في الدعاء (ثم يرمي الوسطى) وفي رواية ((ثم يرمي الجمرة الوسطى)) أي الجمرة التي بين الأولى والأخرى. قال ابن الهمام: هل هذا الترتيب متعين أو أولى؟ مختلف فيه والذي يقوى عندي استنان الترتيب لا تعيينه، والله أعلم. قال القاري: والأحوط مراعاة الترتيب لأنه واجب عند الشافعي
стр. 4282
يكبر كلما رمي بحصاة، ثم يأخذ بذات الشمال
ــ
وغيره، ثم الظاهر أن الموالاة سنة كما في الوضوء أو واجب وفق مذهب مالك هنالك – انتهى. وقال ابن قدامة في المعني (ج ٣: ص ٤٥٢) : والترتيب في هذه الجمرات واجب على ما وقع في حديث ابن عمرو وحديث عائشة عند أبي داود، فإن نكس فبدأ بجمرة العقبة ثم الثانية ثم الأولى أو بدأ بالوسطى ورمي الثلاث لم يجزه إلا الأولى وأعاد الوسطى والقصوى، نص عليه أحمد، وإن رمى القصوي ثم الأولى ثم الوسطى أعاد القصوى وحدها، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال الحسن وعطاء: لا يجب الترتيب وهو قول أبي حنيفة، فإنه قال: إذا رمى منكسًا يعيد، فإن لم يفعل أجزأه، واحتج بعضهم بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: من قدم نسكًا بين يدي نسك فلا حرج، ولأنها مناسك متكررة في أمكنة متفرقة في وقت واحد ليس بعضها تابعًا لبعض فلم يشترط الترتيب فيها كالرمي والذبح. ولنا أن النبي ﷺ رتبها في الرمي وقال: خذوا عني مناسككم، ولأنه نسك متكرر فاشترط الترتيب فيه كالسعي، وحديثهم إنما جاء في من يقدم نسكًا على نسك لا في تقديم بعض النسك على بعض، وقياسهم يبطل بالطواف والسعي – انتهى. وقال الشنقيطي:
اعلم أنه يجب الترتيب في رمي الجمار أيام التشريق فيبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم ينصرف إلى الجمرة الوسطى فيرميها كالتي قبلها، ثم ينصرف إلى جمرة العقبة فيرميها كذلك، وهذا الترتيب على النحو الذي ذكرنا هو الذي فعله النبي ﷺ وأمر بأخذ المناسك عنه، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الترتيب المذكور، ثم ذكر حديث ابن عمر الذي نحن في شرحه، ثم قال: روى البخاري هذا الحديث في ثلاثة أبواب متوالية، وهو نص صحيح صريح في الترتيب المذكور، وقد قال ﷺ : لتأخذوا عني مناسككم، فإن لم يرتب الجمرات بأن بدأ بجمرة العقبة لم يجزئه الرمي منكسًا لأنه خالف هدي النبي ﷺ وفي الحديث: من عمل عمًلا ليس عليه أمرنا فهو رد، وتنكيس الرمي عمل ليس من أمرنا فيكون مردودًا، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وجمهور أهل العلم. وقال أبو حنيفة: الترتيب المذكور سنة، فإن نكس الرمي أعاده، وإن لم يعد أجزأه، وهو قول الحسن وعطاء، واحتجوا بأدلة لا تنتهض، وعلى الصحيح الذي هو قول الجمهور: أن الترتيب شرط لو بدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى أو بدأ بالوسطى ورمي الثلاث لم يجزه إلا الأولى لعدم الترتيب في الوسطى والأخيرة، فعليه أن يرمي الوسطى ثم الأخيرة، ولو رمى جمرة العقبة ثم الأولى ثم الوسطى أعاد جمرة العقبة وحدها، هذا هو الظاهر – انتهى كلام الشنقيطي (يكبر كلما رمى بحصاة) قال الباجي: وذلك أنه إذا كان التكبير مشروعًا عند الرمي فإنه يتكرر عند كل رمية، وكذلك كل عبادة شرع فيها التكبير فإنه يتكرر بتكرر محله كالانتقال من ركن إلى ركن في الصلاة، وقد قال مالك يكبر مع كل حصاة – انتهى. والأصل في ذلك ما روى عن النبي ﷺ أنه كان يكبر مع كل حصاة – انتهى. (ثم يأخذ بذات الشمال) في
стр. 4283
فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله. رواه البخاري.
ــ
البخاري ((ذات الشمال)) أي بدون الباء أي يمشي إلى جهة شماله (فيسهل) قال القاري: أي يذهب على شمال الجمرة الوسطى حتى يصل إلى موضع سهل يعني ليقف داعيًا في مكان لا يصيبه الرمي. وفي رواية ((ثم ينحدر ذات الشمال مما يلي الوادي فيقف مستقبل القبلة)) (ثم يرمي جمرة ذات العقبة) بإضافة الجمرة، قال الحافظ: هو نحو يا نساء المؤمنات، أي يأتي الجمرة ذات العقبة، وثبت كذلك في رواية سليمان (عن يونس عن الزهري عن سالم) عند البخاري، وفي رواية عثمان بن عمر (عن يونس) ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة (ولا يقف عندها) أي للدعاء (ثم ينصرف) أي ابن عمر. وفي الحديث مشروعية التكبير عند رمي كل حصاة، وقد أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء إلا الثوري فقال: يطعم وإن جبره بدم أحب إليَّ، وعلى الرمي بسبع وعلى استقبال القبلة والقيام طويًلا عند الجمرتين أي الأولى والثانية والتضرع عندهما، وفيه التباعد من موضع الرمي عند القيام بالدعاء حتى لا يصيب رمي غيره، وفيه مشروعية رفع اليدين في الدعاء وترك الدعاء والقيام عند جمرة العقبة. قال ابن قدامة: لا نعلم لما تضمنه حديث ابن عمر هذا مخالفًا إلا ما روي عن مالك من ترك رفع اليدين عند الدعاء بعد رمي الجمار، فقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أنكر رفع اليدين في الدعاء عند الجمرة إلا ما حكاه ابن القاسم عن مالك – انتهى. قال الحافظ: ورده ابن المنير بأن الرفع لو كان هنا سنة ثابتة ما خفي عن أهل المدينة وغفل رحمه الله تعالى عن أن الذي رواه من أعلم أهل المدينة من الصحابة في زمانه وابنه سالم أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، والراوي عنه ابن شهاب عالم المدينة ثم الشام في زمانه، فمن علماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟ والله المستعان – انتهى. ونقل في المحلى عن ابن المنذر أنه قال: لا أعلم أحدًا أنكر ذلك غير مالك فإن ابن القاسم حكى عنه أنه لم يكن يعرف رفع اليدين هناك. قال وإتباع السنة أفضل، وقيل يرفع حكاه ابن التين وابن الحاجب – انتهى. وحكى القسطلاني عن ابن فرحون من المالكية في مناسكه في رفع اليدين في الدعاء قولان – انتهى. ولم يذكر في الحديث حال الرمي في المشي والركوب، وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن ابن عمر كان يمشي إلى الجمار مقبلاً ومدبرًا، وعن جابر أنه كان لا يركب إلا من ضرورة، وروى الترمذي عن ابن عمر وصححه والبيهقي أن النبي ﷺ كان إذا رمى الجمار مشي إليها ذاهبًا وراجعًا، وفي لفظ عنه كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبًا وسائر ذلك ماشيًا، ويخبرهم أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. رواه أحمد (ج ٢: ص ١١٤، ١٣٨، ١٥٦) وأبو داود والبيهقي (رواه البخاري) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ١٥٢) والنسائي والبيهقي (ج ٥: ص ١٤٨) .
стр. 4284
٢٦٨٦ - (٤) وعن ابن عمر، قال: استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له.
ــ
٢٦٨٦- قوله (استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى) المراد بها ليلة الحادي عشر واللتين بعده (من أجل سقايته) قال القاري: أي التي بالمسجد الحرام المملوءة من ماء زمرم المندوب الشرب منها عقب طواف الإفاضة وغيره إذا لم يتيسر الشرب من البئر للخلق الكثير، وهي الآن بركة، وكانت حياضًا في يدي قصي، ثم منه لابنه عبد مناف ثم منه لابنه هاشم، ثم منه لابنه عبد المطلب ثم منه لابنه العباس ثم منه لابنه عبد الله ثم منه لابنه علي وهكذا إلى الآن، لكن لهم نواب يقومون بها.قالوا: وهي لآل عباس أبدًا - انتهى. وروى الفاكهي بسنده عن عطاء قال: سقاية الحاج زمرم. وقال الأزرقي: كان عبد مناف يحمل الماء في الروايا والقرب إلى مكة ويسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحجاج، ثم فعله ابنه هاشم بعده، ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم كان يشترى الزبيب فينبذه في ماء زمزم ويسقي الناس. قال ابن إسحاق: لما ولى قصي بن كلاب أمر الكعبة كان إليه الحجابة والسقاية واللواء والرفادة ودار الندوة، ثم تصالح بنوه على أن لعبد مناف السقاية والرفادة، والبقية للأخوين، ثم ذكر نحو ما تقدم، وزاد ((ثم ولي السقاية من بعد عبد المطلب ولده العباس وهو يومئذ من أحدث إخوته سنًا، فلم تزل بيده حتى أقام الإسلام وهي بيده، فأقرها رسول الله ﷺ معه فهي اليوم إلى بني العباس)) كذا في الفتح. وقال الطبري: قال أهل التواريخ: كان أصل السقاية حياض من أدم توضع على عهد قصي بفناء الكعبة ويستقي فيها الماء للحاج، وأصل الرفادة خرج كانت قريش تخرجه من أموالها إلى قصي يصنع به طعامًا للحاج يأكله من ليس له سعة..... وما زال ذلك الأمر حتى قام به هاشم ثم أخوه عبد المطلب ثم عبد المطلب ثم قام به العباس (فأذن له) وفي رواية: رخص رسول الله ﷺ للعباس أن يبيت بمكة أيام منى من أجل سقايته، والمراد بأيام منى لياليها كما وقع في رواية البخاري، وهي ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. والحديث دليل على مشروعية المبيت في منى ليالي أيام التشريق، وعلى جواز التخلف عن المبيت فيه لأجل السقاية. واتفق العلماء على ذلك، ثم اختلفوا هل المبيت فيه واجب أو سنة فذهب مالك وأصحابه إلى أنه واجب ولو بات ليلة واحدة منها أو جل ليلة وهو خارج عن منى لزمه دم لأثر ابن عباس ((من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا)) أخرجه البيهقي، وروى مالك في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: لا يبين أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة. ومذهب أبي حنيفة هو أن عدم المبيت بمنى ليالي منى مكروه لأنه ﷺ بات بمنى، وعمر كان يؤدب على ترك المقام بها، ولو بات بغيرها متعمدًا لم يلزمه شيء عند أبي حنيفة وأصحابه لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل أن يسهل
стр. 4285
..............................................................................................
ــ
عليه الرمي في أيامه فلم يكن من الواجبات عندهم. وللشافعي في هذه المسألة قولان أصحهما وأشهرهما وأظهرهما أنه واجب، والثاني أنه سنة، فعلى القول بأنه واجب فالدم واجب في تركه وعلى أنه سنة فالدم سنة في تركه ولا يلزم عندهم الدم إلا في ترك المبيت في الليالي كلها لأنها عندهم كأنها نسك واحد، وإن ترك المبيت في ليلة من الليالي الثلاث ففيه الأقوال المذكورة في ترك الحصاة الواحدة عندهم، أصحها أن في ترك مبيت الليلة الواحدة مدًا والثاني أن فيه درهمًا، والثالث أن فيه ثلث دم، وحكم الليلتين معلوم، والمعتبر في المبيت عندهم الكون بمنى معظم الليل إذ المبيت ورد مطلقًا والاستيعاب غير واجب اتفاقًا فأقيم المعظم مقام الكل، ولا فرق بين أول الليل وآخره، وفي قوله أن المعتبر الكون بمنى عند طلوع الفجر ومن حضر بها قبله فقد أدى واجب المبيت، ومذهب الإمام أحمد أن المبيت بمنى ليالي منى واجب فلو ترك المبيت بها في الليالي الثلاث فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وعنه يتصدق بشيء وعنه لا شيء عليه، فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها ففيه ما في الحصاة الواحدة من الأقوال التي قدمنا: قيل مد، وقيل درهم، وقيل ثلث دم، وأظهر الأقوال دليلاً أن المبيت بمنى أيام منى نسك من مناسك الحج يدخل في قول ابن عباس: من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليرهق دمًا، والدليل على ذلك ثلاثة أمور، الأول أن النبي ﷺ بات بها الليالي المذكورة وقال لتأخذوا عني ماسككم، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا البيتوتة بمنى الليالي المذكورة. الثاني هو حديث ابن عمر في الترخيص للعباس الذي نحن في شرحه. قال الحافظ: في الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج، لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد هي أو ما في معناها لم يحصل الإذن، وبالوجوب قال الجمهور، وفي ((قول للشافعي ورواية عن أحمد وهو مذهب الحنفية أنه سنة ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الاختلاف، ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل – انتهى. وما ذكره من أخذ الوجوب من الحديث المذكور واضح. الأمر الثالث هو ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يمنع الحجاج من المبيت خارج منى ويرسل رجالاً يدخلونهم في منى، وهو من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالإقتداء بهم والتمسك بسنتهم، والظاهر أن من ترك المبيت بمنى لعذر لا شيء عليه كما دل عليه الترخيص للعباس من أجل السقاية والترخيص لرعاء الإبل في عدم المبيت. قال الحافظ: وهل يختص الإذن بالسقاية وبالعباس أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم، فقيل يختص الحكم بالعباس وهو جمود، وقيل يدخل معه آلة، وقيل قومه وهم بنو هاشم، وقيل كل من احتاج إلى السقاية فله ذلك، ثم قيل أيضًا: يختص الحكم بسقاية العباس حتى لو عملت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في المبيت لأجلها، ومنهم من عممه، وهو الصحيح في الموضعين، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين، وهل يختص ذلك بالماء أو يلتحق به ما في معناه من الأكل وغيره، محل احتمال، وجزم الشافعية بإلحاق من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يتعاهده بأهل السقاية كما جزم الجمهور
стр. 4286
..............................................................................................
ــ
بإلحاق الرعاء خاصة. قال الزرقاني: لكنهم لم يجزموا بذلك بالإلحاق، إنما هو بالنص الذي رواه مالك وأصحاب السنن الأربع عن عاصم بن عدي: أن رسول الله ﷺ أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى. قال الحافظ: وهو قول أحمد، واختاره ابن المنذر أعني الاختصاص بأهل السقاية ورعاء الإبل، والمعروف عن أحمد اختصاص العباس بذلك، وعليه اقتصر صاحب المغني حيث قال بعد ذكر حديث ابن عمر: وتخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه لا رخصة لغيره، وعن ابن عباس قال لم يرخص النبي ﷺ لأحد يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته رواه ابن ماجة – انتهى. وقال أيضًا: يجوز للرعاة ترك المبيت بمنى ليالي منى ويؤخرون رمي اليوم الأول ويرمون يوم النفر الأول عن الرميين جميعًا لما عليهم من المشقة في المبيت والإقامة للرمي لحديث أبي البداح بن عاصم بن عدي (الآتي وكذلك الحكم في أهل سقاية الحاج لحديث ابن عمر (الذي نحن في شرحه) إلا أن الفرق بين الرعاء وأهل السقاية أن الرعاء إذا قاموا حتى غربت الشمس فقد انقضى وقت الرعي وأهل السقاية يشتغلون ليلاً ونهارًا فافترقا وصار الرعاء كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة لمرضه، فإذا حضرها تعينت عليه، والرعاء أبيح لهم ترك المبيت لأجل الرعي، فإذا فات وقته وجب المبيت، وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم كالرعاء في ترك البيتوتة، لأن النبي ﷺ رخص لهؤلاء تنبيهًا على غيرهم. أو نقول: نص عليه لمعنى وجد في غيرهم فوجب إلحاقه بهم – انتهى. وقال النووي في مناسكه: من ترك مبيت منى لعذر فلا شيء عليه، والعذر أقسام أحدها أهل سقاية العباس يجوز لهم تركه سواء تولى بنو العباس أو غيرهم. ولو حدثت سقاية للحجاج فللمقيم بشأنها ترك المبيت كسقاية العباس (هذا هو المعتمد، وإن أطال الأسنوي وغيره في رده) الثاني رعاء الإبل يجوز لهم ترك المبيت لعذر الرعي (ينبغي حمله على ما إذا احتاجوا إليه ليلاً أو كانوا مع الذهاب إليه لا يمكنهم المجيء إلى المبيت وإن لم يحتاجوا إليه ليلاً فلا منافاة بين هذا وفرقه الآتي بين السقاة والرعاة) ومتى أقام الرعاء بمنى حتى غربت الشمس لزمهم المبيت بها تلك الليلة، ولو أقام أهل السقاية حتى غربت الشمس فلهم الذهاب إلى السقاية بعد الغروب، لأن شغلهم يكون ليلاً ونهارًا. الثالث من له عذر بسبب آخر كمن له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت أو يخاف على نفسه أو مال معه أو له مريض يحتاج إلى تعهده أو يطلب عبدًا آبقًا أو يكون به مرض يشق معه المبيت أو نحو ذلك فالصحيح أنه يجوز لهم ترك المبيت، ولهم أن ينفروا بعد الغروب ولا شيء عليهم – انتهى. وقال الدردير: إن ترك المبيت بها جل ليلة فأكثر فدم ولو لضرورة ورخص لراعي إبل فقط بعد رمي العقبة يوم النحر أن ينصرف إلى رعيه ويترك المبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر، ويأتي اليوم الثالث من أيام النحر فيرميه فيه لليومين. وكذا يرخص لصاحب السقاية في ترك المبيت خاصة فلا بد أن يأتي نهارًا للرمي ثم ينصرف، لأن ذا السقاية ينزع الماء من زمزم ليلاً ويفرغه في الحياض. قال الدسوقي: قوله: ((ولو
стр. 4287
متفق عليه.
٢٦٨٧ – (٥) وعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل! اذهب إلى أمك فأت رسول الله ﷺ بشراب من عندها. فقال: " اسقني ". فقال: يا رسول الله! إنهم يجعلون أيديهم فيه.
ــ
كان الترك لضرورة)) أي لخوف على متاعه وهو الذي يقتضيه مذهب مالك حسبما رواه عنه ابن نافع في من حبسه مرض فبات بمكة فإن عليه هديًا، وقوله ((لراعي إبل فقط)) لأن الرخصة كما في الموطأ عن النبي ﷺ لرعاة الإبل، ومعلوم أن الرخصة لا تتعدى محلها، وفي القياس عليها نزاع، وظاهر المصنف (أي الشيخ خليل) وابن شاس وابن الحاجب وابن عرفة الإطلاق (أي في رعاء الإبل ورعاء غير الإبل) قوله ويأتي اليوم الثالث ولا دم عليه لترك المبيت ولا لتأخير رمي اليوم الثاني لليوم الثالث، قوله ((في ترك المبيت خاصة)) أي لا في ترك الإتيان يوم الحادي عشر والإتيان في الثاني عشر كالرعاة – انتهى. وقال في الأنوار عن حاشية الصاوي: رخص مالك جوازًا لراعي الإبل فقط بعد رمي العقبة أن ينصرف إلى رعيه ويترك المبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر، ويأتي اليوم الثالث من أيام النحر فيرمي فيه لليومين الذي فاته والذي حضر فيه، ورخص لصاحب السقاية في ترك المبيت خاصة فلا بد أن يأتي نهارًا للرمي ثم ينصرف لأن ذا السقاية ينزع الماء من زمزم ويفرغه في الحياض – انتهى. وكذا قال الزرقاني: إن أهل السقاية إنما يرخص لهم في ترك البيات بمنى لا في ترك رمي اليوم الأول من أيام الرمي فيبيتون بمكة ويرمون الجمار نهارًا ويعودون لمكة، كما في الطراز المذهب – انتهى. وقد تقدم أن المبيت بمنى سنة عند الحنفية وعدم المبيت بها مكروه تنزيهًا عندهم فضلاً أن يكون للعذر. وفي الحديث استئذان الأمراء والكبراء فيما يطرأ من المصالح والأحكام وبدار من استؤمر إلى الإذن عند ظهور المصلحة (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ١٩، ٢٢، ٢٨) وأبو داود وابن ماجة والدارمي والبيهقي (ج ٥: ص ١٥٣) .
٢٦٨٧ – قوله (أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية) قال في المجمل: السقاية هي المحل الذي يتخذ فيه الشراب في الموسم كان يشتري الزبيب فينبذ في ماء زمزم ويسقي للناس وكان يليها العباس جاهلية وإسلامًا، وأقرها النبي ﷺ له، فهي لآل العباس أبدًا فلا يجوز لأحد نزعها منهم ما بقى منهم أحد – انتهى (فاستسقى) أي طلب الشراب (فقال العباس: يا فضل: اذهب إلى أمك) الفضل هو ابن العباس أخو عبد الله وأمه هي أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، وهي والدة عبد الله أيضًا (فأت رسول الله ﷺ بشراب) أي خالص خاص ما وصله استعمال (اسقني) بهمزة وصل أو قطع أي من هذا الشراب الحاضر في السقاية (فقال) أي العباس (يا رسول الله إنهم) أي الناس (يجعلون أيديهم فيه) أي في هذا الشراب والغالب عليهم عدم النظافة. قال الحافظ: في رواية الطبراني من طريق يزيد بن أبي زياد عن عكرمة في هذا
стр. 4288
قال: " اسقني ". فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: " اعملوا فإنكم على عمل صالح ". ثم قال: " لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه ". وأشار إلى عاتقه.
ــ
الحديث أن العباس قال له: إن هذا قد مرث (أي وسخوه بإدخال أيديهم فيه) أفلا أسقيك من بيوتنا، قال: لا، ولكن اسقني مما يشرب منه الناس – انتهى. وعند أحمد (ج ١: ص ٣٢٠، ٣٣٦) بسند ضعيف، قال ابن عباس: جاء النبي ﷺ عباسًا فقال: اسقونا، فقال: إن هذا النبيذ شراب قد مغث ومرث، أفلا نسقينك لبنًا أو عسلاً؟ قال: اسقونا مما تسقون منه الناس (قال: اسقني) زاد أبو علي بن السكن في روايته ((فناوله العباس الدلو)) (فشرب منه) قال الحافظ في رواية يزيد المذكورة ((فأتى به فذاقه فقطب ثم دعا بماء فكسره)) قال: وتقطيبه إنما كان لحموضته وكسره بالماء ليهون عليه شربه وعرف بهذا جنس المطلوب شربه إذ ذاك، وقد أخرج مسلم من طريق بكر بن عبد الله المزني. قال: كنت جالسًا مع ابن عباس فقال: قدم رسول الله ﷺ وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة وقال: أحسنتم، كذا فاصنعوا (ثم أتى زمزم وهم يسقون) أي الناس عليها (ويعملون فيها) أي يكدحون بالجذب والصب (فإنكم على عمل أي قائمون أو ثابتون أي تسعون على عمل (صالح) أي خير (لولا أن تغلبوا) بضم أوله على البناء للمجهول، أي لولا كراهة أن يغلبكم الناس ويأخذوا هذا العمل الصالح من أيديكم (لنزلت) أي عن ناقتي، قال التوربشتي: أعلمهم النبي ﷺ أن الذي يكدحون فيه من سقاية الحاج بمكان من العمل الصالح لحب النبي ﷺ أن يشاركهم فيه غيره أنه لا يأمن عليهم إن فعل ذلك غائلة الولاة وتنافسهم وتنازعهم فيه حرصًا على حيازة هذه المأثرة لمكان رسول الله ﷺ ورغبته فيها فتغلبوا عليها وينتزع عنكم فهذا هو المانع الذي صدني عن النزع معكم – انتهى. وقال الحافظ: معناه لولا أن يغلبكم الناس على هذا العمل إذا رأوني قد عملته لرغبتهم في الإقتداء بي فيغلبوكم بالمكاثرة لفعلت. ويؤيد هذا ما أخرج مسلم من حديث جابر: أتى النبي ﷺ بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، واستدل بهذا على أن سقاية الحاج خاصة ببني العباس. وقال ابن بزيزة: أراد بقوله ((لولا أن تغلبوا)) قصر السقاية عليهم وأن لا يشاركوا فيها، واستدل به على أن الذي أرصد للمصالح العامة لا يحرم على النبي ﷺ ولا على آله تناوله، لأن العباس أرصد سقاية زمزم لذلك، وقد شرب منها النبي ﷺ ، قال ابن المنير في الحاشية: يحمل الأمر في مثل هذا على أنها مرصدة للنفع العام فتكون للغني في معنى الهدية وللفقير صدقة (حتى أضع) بالنصب والرفع (وأشار إلى عاتقه) هو أحد طرفي رقبته، قال الحافظ: في الحديث من الفوائد أنه لا يكره طلب السقي من الغير ولا رد ما يعرض على المرء من الإكرام إذا عارضته مصلحة أولى منه، لأن رده لما عرض عليه العباس مما يؤتى به من نبيذ لمصلحة التواضع التي ظهرت من شربه مما يشرب منه الناس. وفيه الترغيب في سقي
стр. 4289
رواه البخاري.
٢٦٨٨ – (٦) وعن أنس، أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به.
ــ
الماء خصوصًا ماء زمزم وفيه تواضع النبي ﷺ وحرص أصحابه على الإقتداء به، وكراهة التقذر والتكره للمأكولات والمشروبات. قال ابن المنير في الحاشية: وفيه أن الأصل في الأشياء الطهارة لتناوله ﷺ من الشراب الذي غمست فيه الأيدي – انتهى (رواه البخاري) وأخرجه أيضًا الطبراني والبيهقي (ج ٥: ص ١٤٧) .
٢٦٨٨ – قوله (صلى الظهر) أي بعد النفر من منى في اليوم الرابع من يوم النحر، وهذا صريح في تقديم رمي الجمار على الظهر أثر الزوال وأنه ينفر من منى قبل أداء صلاة الظهر. قال الحافظ: قوله ((صلى الظهر)) لا ينافي أنه ﷺ لم يرم إلا بعد الزوال لأنه رمى فنفر فنزل المحصب
فصلى الظهر به (ثم رقد رقدة) أي نام نومة خفيفة، وفي حديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود ((ثم هجع هجعة)) أي اضطجع ونام يسيرًا (بالمحصب) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الصاد المهملة المفتوحة وفي آخره باء موحدة، مكان متسع بين مكة ومنى سمي به لاجتماع الحصباء فيه بحمل السيل فإنه موضع منهبط، قال في شرح اللباب: المحصب وهو الأبطح ويسمى الحصباء والبطحاء والخيف، قيل هو إلى منى أقرب وليس بصحيح، والمعتمد أنه بفناء مكة وحده على الصحيح ما بين الجبل الذي عند مقابر مكة، والجبل الذي يقابله مصعدًا إلى جهة الأعلى في الشق الأيسر وأنت ذاهب إلى منى مرتفعًا عن بطن الوادي وليس المقبرة من المحصب. وقال في المرقاة: قوله ((بالمحصب)) تنازع في الجار والمجرور ((صلى)) و ((رقد)) وهو في الأصل كل موضع كثر حصباؤه، والمراد الشعب الذي أحد طرفيه منى والآخر متصل بالأبطح وينتهي عنده، ولذلك لم يفرق الراوي بينهما، فروى في هذا الحديث أنه صلى بالمحصب، وفي حديثه الآخر ((أنه صلى بالأبطح)) ويقال له البطحاء، وقال التوربشتي: قوله ((بالمحصب)) متعلق بأول الحديث إلى قوله ثم رقد كأنه قال: وذلك بالمحصب، والمعنى أنه صلى الصلوات الأربع بالمحصب ثم رقد به رقدة ثم ركب إلى البيت فطاف به أي طواف الصدر وهو طوف الوداع والمراد من المحصب في هذا الحديث هو الأبطح الذي في الحديث الذي يليه، والمحصب يصح أن يقال لكل موضع كثر حصباؤه، والأبطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى وهذا الموضع المذكور في الحديث تارة بالأبطح والأخرى بالمحصب أوله منقطع الشعب من وادي منى وآخره متصل بالمقبرة التي يسميه أهل مكة المعلي – انتهى. وهذا الحديث صريح في أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ في المحصب صلاة الظهر، والمتبادر من الحديث الآتي أنه العصر فيقدم الصريح على الظاهر (ثم ركب) أي من المحصب متوجهًا (إلى البيت فطاف به) أي طواف الوداع، والحديث فيه دليل على مشروعية النزول بالمحصب واستحبابه لمن لم يكن
стр. 4290
رواه البخاري.
٢٦٨٩ – (٧) وعن عبد العزيز بن رفيع، قال: سألت أنس بن مالك. قلت: أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله ﷺ ، أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى.
ــ
متعجلاً. واختلفوا في أنه سنة أو منزل اتفاقي على القولين، وسيأتي تفصيل الكلام فيه شرح حديث عائشة الآتي (رواه البخاري) وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى والبيهقي (ج ٥: ص ١١٠) .
٢٦٨٩- قوله (عن عبد العزيز بن رفيع) بضم الراء وفتح الفاء مصغرًا، الأسدي أبو عبد الله المكي نزيل الكوفة من مشاهير التابعين وثقاتهم، قال البخاري عن علي: له نحو ستين حديثًا، مات سنة ثلاثين ومائة. وقيل بعدها وليس لعبد العزيز بن رفيع عن أنس في الصحيحين إلا هذا الحديث الواحد (قلت) بدل من سألت أو بيان (عقلته) بفتح القاف أي علمته وحفظته. وهي جملة في محل الجر لأنها وقعت صفة لقوله شيء (أين صلى الظهر) زاد في رواية البخاري ((والعصر)) (يوم التروية؟)) أي اليوم الثامن من ذي الحجة، وقد تقدم وجه تسميته بذلك. وقال الحافظ: سمي التروية بفتح المثناة وسكون الراء وكسر الواو وتخفيف التحتانية لأنهم كانوا يروون فيها إبلهم ويتروون من الماء، لأن تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبار ولا عيون، وأما الآن فقد كثرت جدًا واستغنوا عن حمل الماء، وقد روى الفاكهي في كتاب مكة من طريق مجاهد قال: قال عبد الله بن عمر: يا مجاهد إذا رأيت الماء بطريق مكة ورأيت البناء يعلوا أخاشبها فخذ حذرك، وفي رواية ((فاعلم أن الأمر قد أظلك)) . وقيل في تسمية التروية أقوال أخرى شاذة، منها أن آدم رأى فيه حواء واجتمع بها. ومنها أن إبراهيم رأى في ليلة أنه يذبح ابنه فأصبح متفكرًا يتروى. ومنها أن جبريل ﵇ أرى فيه إبراهيم مناسك الحج. ومنها أن الإمام يعلم الناس فيه مناسك الحج، ووجه شذوذها أنه لو كان من الأول لكان يوم الرؤية، أو الثاني لكان يوم التروي بتشدد الواو، أو من الثالث لكان من الرؤيا، أو من الرابع لكان من الرواية (قال بمنى) فيه أن السنة أن يصلي الحاج الظهر يوم التروية بمنى وهو قول الجمهور، ويدل عليه أيضًا ما تقدم في حديث جابر الطويل في صفة الحج ((فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر)) الحديث. وروى أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم من حديث ابن عباس، قال: صلى النبي ﷺ بمنى خمس صلوات، ولأحمد عن ابن عمر أنه كان يحب إذا استطاع أن يصلي الظهر بمنى يوم التروية، وذلك أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بمنى. ولابن خزيمة والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن الزبير قال: من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر وما بعدها والفجر بمنى ثم يغدون إلى عرفة. وروى الثوري في جامعه عن عمرو بن دينار قال: رأيت ابن الزبير صلى الظهر يوم التروية بمكة. قال الحافظ: لعله فعل ما نقله عمرو عنه لضرورة أو لبيان الجواز، وروى ابن المنذر من طريق ابن عباس قال: إذ زاغت الشمس فليرح إلى منى. قال ابن المنذر في حديث
стр. 4291
قال: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح. ثم قال افعل كما يفعل أمرآؤك. متفق عليه.
ــ
ابن الزبير أن من السنة أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، قال به علماء الأمصار. قال: ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئًا، ثم روى عن عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم الترويه حتى دخل الليل وذهب ثلثه. قال ابن المنذر: والخروج إلى منى في كل وقت مباح. قلت: الظاهر من سياق حديث أنس وجابر أن توجهه ﷺ كان قبل الزوال. وذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب ((شرف المصطفى)) أن خروجه ﷺ يوم التروية كان ضحوة النهار، وهذا يدل على استحباب الغدو من الغد. وفي سيرة الملا أن النبي ﷺ خرج إلى منى بعد ما زاغت الشمس. وهذا يدل على استحباب الرواح بعد الزوال. قال الطبري: يمكن أن يكون ﷺ تأهب للتوجه ضحوة النهار وتوجه في أول الزوال، ويكون أمره بالرواح على ما رواه الشافعي عن الحسن بن مسلم للراكب المخف الذي يصل إلى منى قبل فوات الصلاة وأمره بالغدو للماشي أو لذي الثقل أو يكون أمر بهما توسعة فيهما، فالمتوجه إلى منى مخير بين الغدو والرواح لذلك. وقد اتفقت الروايات كلها على أنه ﷺ صلى بها الظهر والعصر – انتهى. وقال المهلب: الناس في سعة من هذا يخرجون متى أحبوا ويصلون حيث أمكنهم، ولذلك قال أنس: صل حيث يصلي أمراؤك، والمستحب في ذلك ما فعله الشارع، صلى الظهر والعصر بمنى، وهو قول مالك والثوري أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور (قال) كذا في جميع النسخ من المشكاة، وفي الصحيحين ((قلت)) بدل ((قال)) قال القاري: في قوله ((قال)) التفات، إذ حقه أن يقول ((قلت)) (يوم النفر) بفتح النون وسكون الفاء وهو الرجوع والانصراف من منى. قال القاري: أي النفر الثاني وهو اليوم الثالث من أيام التشريق (قال: بالأبطح) أي البطحاء التي بين مكة ومنى وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها المحصب، وحدها ما بين الجبلين إلى المقبرة، قاله الحافظ. وقد تقدم ما ذكره القاري في الفرق (ثم قال) أي أنس (افعل كما يفعل أمراؤك) قال الحافظ: خشي عليه أن يحرص على ذلك فينسب إلى المخالفة أو تفوته الصلاة مع الجماعة فقال له: صل مع الأمراء حيث يصلون، وفيه إشعار لأن الأمراء إذ ذاك كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم بمكان معين فأشار أنس إلى أن الذي يفعلونه جائز، وأن الإتباع أفضل يعني إتباعهم أفضل خوفًا من حدوث فتنة. وقال القاري: أي لا تخالفهم فإن نزلوا به أي (بالأبطح) فانزل، وإن تركوه فاتركه حذرًا مما يتولد على المخالفة من المفاسد فيفيد أن تركه لعذر لا بأس به. انتهى. قال الحافظ: وفي الحديث الإشارة إلى متابعة أولي الأمر والاحتراز عن مخالفة الجماعة (متفق عليه) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والدرامي وابن خزيمة وأبو عوانة في صحيحه، وابن الجارود في المنتقى وسمويه في فوائده وابن المنذر والإسماعيلي والبيهقي.
стр. 4292
٢٦٩٠ – (٨) وعن عائشة، قالت: نزول الأبطح ليس بسنة،
ــ
٢٦٩٠ – قوله (نزول الأبطح) أي المحصب تعني النزول فيه (ليس بسنة) زاد في رواية أبي داود ((فمن شاء نزل ومن شاء لم ينزل)) قال القاري: ليس بسنة، أي قصدية أو من سنن الحج. وروى الشيخان عن ابن عباس، قال: ليس التحصيب بشيء. قال ابن المنذر: أي من أمر المناسك الذي يلزم فعله. وروى أحمد من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: ثم ارتحل حتى نزل الحصبة. قالت: والله ما نزلها إلا من أجلي. وروى مسلم وأبو داود وغيرهما من طريق سليمان ابن يسار عن أبي رافع قال لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ولكن جئت فضربت قبته فنزل، وروى مسلم من طريق الزهري عن سالم أن أبا بكر وعمر وابن عمر كانوا ينزلون الأبطح. قال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة أنها لم تكن تفعل ذلك وقالت: إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان منزلاً أسمح لخروجه. قال الحافظ: لكن لما نزله النبي ﷺ كان النزول به مستحبًا إتباعًا له ولتقريره على ذلك وفعله الخلفاء بعده كما رواه مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ينزلون الأبطح. ومن طريق أخرى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى التحصيب سنة، قال نافع: قد حصب رسول الله ﷺ والخلفاء بعده. فالحاصل أن من نفى أنه سنة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ لا الإلزام بذلك، ويستحب أن يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل كما دل عليه حديث أنس (المتقدم) وحديث ابن عمر – انتهى. قلت: نقل ابن المنذر الاختلاف في استحبابه مع الاتفاق على أنه ليس من المناسك. وادعى الحافظ زكي الدين المنذري استحبابه عند جميع العلماء، وكذلك ادعى قبله القاضي عياض. قال العراقي: فيه نظر، لأن الترمذي حكى استحبابه عن بعض أهل العلم، وقال النووي: إن عائشة وابن عباس كانا لا يقولان به، ويقولان هو منزل اتفاقي لا مقصود، فحصل خلاف بين الصحابة ﵃، ومذهب الشافعي ومالك والجمهور استحبابه اقتداء برسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين وغيرهم. قال العيني: وهذا هو الصواب، وقد كان من أهل العلم من لا يستحبه فكانت أسماء وعروة بن الزبير ﵄ لا يحصبان، حكاه ابن عبد البر في الاستذكار عنهما، وكذلك سعيد بن جبير، فقيل لإبراهيم إن سعيد بن جبير لا يفعله، فقال: قد كان يفعله ثم بدأ له، وقد تقدم أن عائشة لم تكن تفعل ذلك. قلت: ومما يدل على استحباب التحصيب ما أخرجه الجماعة من حديث أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث تقاسمت قريش على الكفر يعني المحصب، وذلك أن بني كنانة حالفت قريشًا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يؤووهم ولا يبايعوهم وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال حين أراد أن ينفر من منى: نحن نازلون غدًا
стр. 4293
إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج. متفق عليه.
ــ
فذكر نحوه، وكان نزوله ﷺ بالمحصب شكرًا لله تعالى على ما منحه فيه من الظهور فيه على أعدائه الذين تقاسموا فيه على قطيعته ومضرته، وتذكيرًا للنعمة من القضاء على الكفر وإظهار دينه ونصرته وتأييده. وقال ابن الهمام بعد ذكر حديث أسامة وأبي هريرة: فثبت بهذا أنه نزله قصدًا ليرى لطيف صنع الله به وليتذكر فيه نعمته سبحانه عليه عند مقايسته نزوله به الآن إلى حاله قبل ذلك، أعني حال انحصاره من الكفار في ذات الله تعالى. وهذا أمر يرجع إلى معنى العبادة، ثم هذه النعمة التي شملته ﵊ من النصر والاقتدار على إقامة التوحيد وتقرير قواعد الوضع الإلهي الذي دعا الله تعالى إليه عباده لينتفعوا به في دنياهم ومعادهم لا شك في أنها النعمة العظمى على أمته لأنهم مظاهر المقصود من ذلك المؤيد، فكل واحد منهم جدير بتفكرها والشكر التام عليها لأنها عليه أيضًا فكان سنة في حقهم، لأن معنى العبادة في ذلك يتحقق في حقهم أيضًا، وعن هذا حصب الخلفاء الراشدون، وعلى هذا الوجه لا يكون كالرمل ولا على الأول، لأن الإراءة لم يلزم أن يراد بها إراءة المشركين، ولم يكن بمكة مشرك عام حجة الوداع، بل المراد إراءة المسلمين الذين كان لهم علم بالحال الأول، كذا في المرقاة. قلت: ومذهب الحنفية في ذلك على ما في فروعهم وفي مناسكهم أن السنة أن ينزل به ولو ساعة ويدعو أو يقف على راحلته ويدعو. قال في الدر المختار: وإذا نفر إلى مكة نزل استنانًا ولو ساعة بالمحصب. قال ابن عابدين: قوله ((ولو ساعة)) يقف فيه على راحلته يدعو فيحصل بذلك أصل السنة. وأما الكمال فما ذكره الكمال ابن الهمام من أنه يصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع هجعة ثم يدخل مكة (بحر) وفي شرح النقاية للقاري: والأظهر أن يقال إنه سنة كفاية لأن ذلك الموضع لا يسع الحاج جميعهم، وينبغي لأمراء الحج وكذا غيرهم أن ينزلوا فيه ولو ساعة إظهار للطاعة – انتهى. وفي المدونة: استحب مالك لمن يقتدي به أن لا يدع النزول به ووسع لمن لا يقتدي به في تركه، وكان يفتي به سرًا وفي العلانية يفتي بالنزول به لجميع الناس (إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه) أي أسهل لمخرجه إلى المدينة ليجتمع الناس إليه مدة مقامه ثم يرحلوا لرحيله، فليس ذاك لقصد النسك حتى يكون سنة (إذا خرج) أي إذا أراد الخروج إلى المدينة. قال الحافظ: قوله ((أسمح)) أي أسهل لتوجهه إلى المدينة يستوي في ذلك البطيء والمعتدل ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة. وقال الطيبي: لأنه كان يترك فيه ثقله ومتاعه، أي كان نزوله بالأبطح ليترك ثقله ومتاعه هناك ويدخل مكة فيكون خروجه منها إلى المدينة أسهل – انتهى. قال القاري: وفيه أنه لا ينافيه قصد النزول به للمعنى الذي ذكره ابن الهمام كما مر (متفق عليه) وتفرد مسلم منه بقولها ((نزول الأبطح ليس بسنة)) والحديث أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة والبيهقي.
стр. 4294
٢٦٩١ – (٩) وعنها، قالت: أحرمت من التنعيم بعمرة، فدخلت فقضيت عمرتي، وانتظرني رسول الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت، فأمر الناس بالرحيل، فخرج فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة. هذا الحديث ما وجدته برواية الشيخين، بل برواية أبي داود مع اختلاف يسير في آخره.
٢٦٩٢ – (١٠) وعن ابن عباس، قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه،
ــ
٢٦٩١-قوله (أحرمت من التنعيم بعمرة) قد تقدم الكلام على إحرامها من التنعيم بالعمرة في الفصل الأول من باب قصة حجة الوداع في شرح حديث عائشة (فدخلت) أي مكة (فقضيت عمرتي) أي أديتها منفردة عن الحج (وانتظرني رسول الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت) أي من العمرة (فأمر الناس بالرحيل فخرج) أي من الأبطح (فطاف به) أي طواف الوداع (هذا الحديث ما وجدته برواية الشيخين) أي أحدهما (بل) وجدته (برواية أبي داود مع اختلاف يسير) أي بينه وبين لفظ المصابيح (في آخره) قال القاري: فيه اعتراضان على صاحب المصابيح حيث ذكر الحديث في الفصل الأول وحيث خالف لفظ أبي داود، والله أعلم. قلت روى أبو داود حديث عائشة في باب طواف الوداع أولاً من طريق وهب بن بقية عن خالد عن أفلح عن القاسم عن عائشة ﵂، قالت: أحرمت من التنعيم بعمرة فدخلت فقضيت عمرتي وانتظرني رسول الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت وأمر الناس بالرحيل. قالت: وأتي رسول الله ﷺ البيت فطاف به ثم خرج. ثم رواه من طريق محمد بن بشار عن أبي بكر الحنفي عن أفلح عن القاسم عن عائشة قالت: خرجت معه تعني مع النبي ﷺ في النفر الآخر فنزل المحصب. قال أبو داود: ولم يذكر ابن بشار قصة بعثها إلى التنعيم في هذا الحديث. قالت: ثم جئنه بسحر فأذن في أصحابه بالرحيل فارتحل فمر بالبيت قبل صلاة الصبح فطاف به حين خرج، ثم انصرف متوجهًا إلى المدينة – انتهى. وقد اتضح بهذا ما وقع عن البغوي من التصرف والاختلاف في نقل لفظ الحديث. وقال المناوي في الكشف: لم أقف على هذا الحديث بجملة في الصحيحين، إنما الذي في الصحيحين القطعة الأخير منه، وهي قوله ((فأمر الناس بالرحيل)) إلى آخره، وأول الحديث معناه في الصحيحين لا لفظه، ولفظه في أبي داود، هذا ما ظهر لي بعد الكشف – انتهى. كذا في تنقيح الرواة. والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وأخرجه البيهقي (ج ٥: ص ١٦١) من طريق أبي داود عن محمد بن بشار ثم قال: رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن بشار.
٢٦٩٢- قوله (كان الناس ينصرفون في كل وجه) أي في كل طريق بعد انقضاء أيام منى، منهم من يطوف ومنهم
стр. 4295
فقال رسول الله ﷺ : " لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت،
ــ
من لم يطف. وقال القاري: أي بعد حجهم في كل طريق طائفًا وغير طائف (لا ينفرن أحدكم) أي النفر الأول وهو الذي يكون في اليوم الثاني من التشريق لمن تعجل أو النفر الثاني وهو في اليوم الثالث لمن تأخر، أو لا يخرجن أحدكم من مكة. والمراد به الآفاقي، وقوله ((أحدكم)) هكذا وقع في نسخ المشكاة، والذي في صحيح مسلم ((لا ينفرن أحد)) (حتى يكون آخر عهده بالبيت) أي الطواف به كما رواه أبو داود، وقوله بالبيت خبر كان والسياق المذكور لمسلم، ولفظ البخاري ((قال ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض)) وكذا وقع في رواية لمسلم. قال الحافظ: قوله ((أمر الناس)) كذا في رواية سفيان عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس على البناء لما لم يسم فاعله، والمراد به النبي ﷺ وكذا قوله ((خفف)) وقد رواه سفيان أيضًا عن سليمان الأحوال عن طاوس فصرح فيه بالرفع، ولفظه عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهد بالبيت، وأخرجه مسلم هو والذي قبله عن سعيد بن منصور عن سفيان بالإسنادين فرقهما فكأن طاوسًا حدث به على الوجهين، ولهذا وقع في رواية كل من الروايين عنه ما لم يقع في رواية الآخر. وفيه دليل على وجوب طواف الوداع للأمر المؤكد به وللتعبير في حق الحائض بالتخفيف كما سيأتي، والتخفيف لا يكون إلا من أمر مؤكد. قال النووي: في الحديث دلالة لمن قال بوجوب طواف الوداع وأنه إذا تركه لزمه دم وهو الصحيح في مذهبنا، وبه قال أكثر العلماء منهم الحسن البصري والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، وعن مجاهد روايتان كالمذهبين – انتهى. قال الحافظ: والذي رأيته في الأوسط لابن المنذر أنه واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء – انتهى. قال الشوكاني: قد اجتمع في طواف الوداع أمره ﷺ به ونهيه عن تركه وفعله الذي هو بيان للمجمل الواجب، ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب. وقال ابن قدامة: طواف الوداع واجب ينوب عنه الدم إذا تركه، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي. وقال أيضًا: من أتى مكة لا يخلو إما أن يريد الإقامة بها أو الخروج منها فإن أقام بها فلا وداع عليه لأن الوداع من المفارق لا من الملازم، سواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن نوى الإقامة بعد أن حل له النفر لم يسقط عنه الطواف ولا يصح، لأنه غير مفارق، فلا يلزمه وداع كمن نواها قبل حل النفر، وإنما قال النبي ﷺ : لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت، وهذا ليس بنافر. فأما الخارج من مكة فليس له أن يخرج حتى يودع البيت بطواف، وهو واجب من تركه لزمه دم، وبذلك قال الحكم وحماد والثوري وإسحاق وأبو ثور. وقال الشافعي في قول له (ضعيف) : لا يجب بتركه شيء، وبه قال مالك كما تقدم، لأنه يسقط عن الحائض فلم
стр. 4296
..............................................................................................
ــ
يكن واجبًا. ولنا ما روى ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلخ. ولمسلم قال: قال رسول الله ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، وليس في سقوطه عن المعذور ما يجوز سقوطه لغيره كالصلاة تسقط عن الحائض وتجب على غيرها، بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها، إذ لو كان ساقطًا عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك معنى. ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره ليكون آخر عهده بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله، ولذلك قال النبي ﷺ : حتى يكون آخر عهده بالبيت. ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريبًا منه فظاهر كلام الخرقي أنه لا يخرج حتى يودع البيت، وهذا قول أبي ثور، وقال: أصحاب الرأي في أهل المواقيت إنهم بمنزلة أهل مكة في عدم وجوب طواف الوداع. ولنا عموم قوله ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت. ولأنه خارج من مكة فلزمه التوديع كالبعيد، فإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج ففيه روايتان: إحداهما يجزئه عن طواف الوداع لأنه أمر يكون آخر عهده بالبيت، وقد فعل، ولأن ما شرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة، وعنه (أي عن أحمد وهي الرواية الثانية) لا يجزئه عن طواف الوداع لأنهما عبادتان واجبتان فلم تجزئ إحداهما عن الأخرى كالصلاتين الواجبتين، فإن طاف للوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة فعليه إعادته، وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور. وقال أصحاب الرأي: إذا طاف للوداع بعد ما حل له النفر أجزأه، وإن أقام شهرًا أو أكثر (أي لا إعادة عليه، والأفضل أن يعيد) لأنه طاف بعد ما حل له النفر فلم يلزمه إعادته كما لو نفر عقبيه. ولنا قوله ﵇: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، ولأنه إذا أقام بعده خرج عن أن يكون وداعًا في العادة، فلم يجزئه كما لو طافه قبل حل النفر. فأما إن قضى حاجة في طريقه أو اشترى زادًا أو شيئًا لنفسه في طريقه لم يعده، لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت، وبهذا قال مالك والشافعي، ولا نعلم مخالفًا لهما، فإن خرج قبل طواف الوداع رجع إن كان بالقرب (فطاف) وإن بعد بعث بدم، هذا قول عطاء والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. والقريب هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، والبعيد من بلغ مسافة القصر. نص عليه أحمد وهو قول الشافعي. وقال الثوري: حد ذلك الحرم، فمن كان في الحرم فهو قريب ومن خرج منه فهو بعيد، وإن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد، ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم، إلى آخر ما بسط الكلام في هذه المسألة. وقال العيني: قال أصحابنا الحنفية: هو واجب على الآفاقي دون المكي والميقاتي ومن دونهم: وقال أبو يوسف: أحب إلى أن يطوف المكي لأنه يختم المناسك، ولا يجب على الحائض والنفساء ولا على المعتمر، لأن وجوبه عرف نصًا في الحج فيقتصر عليه (وما ورد في ثبوته على المعتمر فهو حديث ضعيف أخرجه
стр. 4297
إلا أنه خفف عن الحائض ".
ــ
الترمذي) ولا على فائت الحج لأن الواجب عليه العمرة وليس لها طواف الوداع، وقال مالك: من أخر طواف الوداع وخرج ولم يطف إن كان قريبًا رجع فطاف، وإن لم يرجع فلا شيء عليه. وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي في أظهر قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور: إن كان قريبًا رجع فطاف، وإن تباعد مضى واهراق دمًا، واختلفوا في حد القرب فروي أن عمر رد رجلاً من مر الظهران لم يكن ودع وبينه وبين مكة ثمانية عشر ميلاً (رواه مالك ولم يحد له هو حدًا بل أراد الحكم على المشقة كما قال الباجي) وعند أبي حنيفة يرجع ما لم يبلغ المواقيت، وعند الشافعي وأحمد يرجع من مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وعند الثوري يرجع ما لم يخرج من الحرم (إلا أنه خفف) بصيغة المجهول من التخفيف أي طواف الوداع (عن الحائض) وفي معناها النفساء وعلى هذا الاستثناء اتفاق جميع أهل العلم. واستدل به على أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وقد تقدم الكلام في ذلك، وصنيع البغوي يدل على أن قوله ((إلا أنه خفف عن الحائض)) تتمة قوله ﷺ : لا ينفرن أحدكم، إلخ. والأمر ليس كذلك، فإنه قد انتهى إلى قوله ((بالبيت)) والاستثناء المذكور إنما هو تتمة قول ابن عباس عند الشيخين: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، كما تقدم وهو دليل على سقوط طواف الوداع عن المرأة الحائضة، فلا يكون واجبًا عليها ولا يلزمها دم بتركه. قال ابن قدامة: المرأة إذا حاضت قبل أن تودع خرجت ولا وداع عليها ولا فدية، وهذا قول عامة فقهاء الأمصار، وقد روى عن عمر وابنه أنهما أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع. وكان زيد بن ثابت يقول به، ثم رجع عنه كما روى مسلم. وروى عن ابن عمر أنه رجع إلى قول الجماعة أيضًا، وقد ثبت التخفيف عن الحائض بحديث صفية حين قالوا: يا رسول الله إنها حائض، فقال: أحابستنا هي قالوا: يا رسول الله إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذًا، ولا أمرها بفدية ولا غيرها. وفي حديث ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. والحكم في النفساء كالحكم في الحائض – انتهى. وقال النووي: حديث ابن عباس دليل لوجوب طواف الوداع على غير الحائض وسقوطه عنها، ولا يلزمها دم بتركه، هذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا ما حكى ابن المنذر عن عمر وابنه وزيد بن ثابت أنهم أمروا بالمقام لطواف الوداع، ودليل الجمهور هذا الحديث وحديث صفية – انتهى. وروى البخاري من طريق عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت، قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر. ثم سمعته يقول بعد: أن النبي ﷺ رخص لهن. قال الحافظ: قوله ((ثم سمعته يقول بعد)) إن ذلك كان قبل موت ابن عمر بعام كما وقع للطحاوي من رواية عقيل عن الزهري عن طاوس، وقال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع،
стр. 4298
متفق عليه.
٢٦٩٣ – (١١) وعن عائشة، قالت: حاضت صفية
ــ
وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح إلى نافع عن ابن عمر قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس حتى تطهر وتطوف بالبيت. قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة، يشير بذلك إلى حديثها الآتي وما في معناه، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمد كان الصحابة يقولون: إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض فقد فرغت إلا عمر فإنه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت. وقد وافق عمر على رواية ذلك عن النبي ﷺ غيره، فروى أحمد وأبو داود والنسائي والطحاوي واللفظ لأبي داود من طريق الوليد بن عبد الرحمن عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي قال: أتيت عمر فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض، قال: ليكن آخر عهدها بالبيت، فقال الحارث كذلك أفتاني، وفي رواية أبي داود: هكذا حدثني رسول الله ﷺ ، واستدل الطحاوي بحديث عائشة على نسخ حديث الحارث في حق الحائض، وكذلك استدل على نسخه بحديث أم سليم عند أبي داود الطيالسي أنها قالت: حضت بعد ما طفت بالبيت فأمرني رسول الله ﷺ أن أنفر، والحق مع الجمهور، ولعل عمر لم يبلغه حديث الرخصة وإلا لكان أو الناس عملاً به (متفق عليه) قد تقدم أن أول الحديث إلى قوله بالبيت لمسلم وحده وقوله ((إلا أنه خفف عن الحائض)) إنما هو تتمة الرواية الأخرى التي اتفق عليها الشيخان، والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢٢٢) وأبو داود والنسائي وابن ماجة والشافعي وابن الجارود والدارمي والبيهقي والبغوي في شرح السنة.
٢٦٩٣ – قوله (حاضت صفية) بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد الياء آخر الحروف، وهي أم المؤمنين صفية بنت حيي – بضم الحاء المهملة ويجوز كسرها وفتح التحتية الأولى المخففة وشدة الأخرى – ابن أخطب، بفتح الهمزة وإسكان الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة آخرها باء موحدة، بن سعنة بن ثعلبة الإسرائيلية من سبط لاوي بن يعقوب ثم من سبط هارون بن عمران أخي موسى ﵉، كانت تحت سلام بن مشكم اليهودي، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، وهما شاعران فقتل زوجها كنانة في غزوة خيبر حين افتتحها رسول الله ﷺ سنة سبع فوقعت في السبي فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه وأسلمت فأعتقها وتزوجها النبي ﷺ بعد خيبر في سنة سبع من الهجرة. قيل: كان اسمها زينب فلما صارت من الصفاء سميت صفية وكانت حليمة عاقلة فاضلة توفيت في رمضان سنة (٥٠ أو ٥٢) في زمن
стр. 4299
ليلة النفر، فقالت: ما أراني إلا حابستكم. قال النبي ﷺ : " عقرى حلقى
ــ
معاوية، وقيل سنة (٣٦) وهو غلط، فإن علي بن الحسين لم يكن ولد، وقد ثبت سماعه منها في الصحيحين ودفنت بالبقيع ولها نحو ستين سنة لقولها: ما بلغت سبع عشرة سنة يوم دخلت على رسول الله ﷺ قال الحافظ: قوله ((حاضت)) أي بعد أن أفاضت يوم النحر كما في رواية البخاري في باب الزيارة يوم النحر من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية – الحديث. ثم قال البخاري: ويذكر عن القاسم وعروة والأسود عن عائشة: أفاضت صفية يوم النحر. قال الحافظ: غرضه بهذا أن أبا سلمة لم ينفرد عن عائشة بذلك وإنما لم يجزم به لأن بعضهم أورده بالمعنى، ثم ذكر الحافظ تخريج روايات هؤلاء الثلاثة من الصحيحين (ليلة النفر) أي ليلة يوم النفر لأن النفر لم يشرع في تلك الليلة بل في يومها. قال القاري: والنفر يحتمل الأول والثاني وجزم به ابن حجر، قلت: يدل على أن المراد هو الثاني ما رواه مسلم من طريق الحكم عن إبراهيم عن عائشة قالت: لما أراد النبي ﷺ أن ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة فقال: عقرى حلقى إنك لحابستنا – الحديث (فقالت) أي صفية للنبي ﷺ (ما أراني) بصيغة المجهول من الإراءة، أي ما أظن نفسي (إلا حابستكم) بكسر الباء وفتح التاء نصبًا على المفعولية، أي مانعتكم عن الخروج إلى المدينة بل تنظرون إليَّ أن أطهر فأطوف طواف الوداع ظنا منها أن طواف الوداع كطواف الإفاضة لا يجوز تركه بالأعذار. قال العيني: قولها ما أراني إلا حابستكم أي ما أظن نفسي إلا حابستكم لانتظار طهري وطوافي للوداع فإني لم أطف للوداع، وقد حضنت فلا يمكنني الطواف الآن، وظنت أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض – انتهى. وفي رواية للبخاري قالت صفية: ما أراني إلا حابستهم. قال العيني: أي ما أظن نفسي إلا حابسة القوم عن التوجه إلى المدينة لأني حضت وما طفت بالبيت (أي للوداع) فلعلهم بسببي يتوقفون إلى زمان طوافي بعد الطهارة، وإسناد الحبس إليها على سبيل المجاز – انتهى (قال النبي ﷺ : عقرى حلقى) بالفتح فيهما ثم السكون، وبالقصر بغير تنوين في الرواية، ويجوز في اللغة التنوين، وصوبه أبو عبيد، لأن معناه الدعاء بالعقر والحلق كما يقال سقيا ورعيا ونحو ذلك من المصادر التي يدعى بها، وعلى الأول هو نعت لا دعاء، ثم معنى ((عقرى)) عقرها الله أي جرحها وقيل جعلها عاقرًا لا تلد وقيل عقر قومها، ومعنى ((حلقى)) حلق شعرها وهو زينة المرأة، أو أصابها وجع في حلقها، أو حلق قومها بشؤمها أي أهلكهم، وحكى القرطبي أنها كلمة تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتسع العرب في قولهما بغير إرادة حقيقتهما كما قالوا: قاتله الله، وتربت يداه، ونحو ذلك. وقال الطيبي: قوله عقرى حلقى، هكذا روي على وزن فعلى بلا تنوين والظاهر عقرًا وحلقًا بالتنوين، أي عقرها الله عقرًا وحلقها الله حلقًا يعني قتلها وجرحها أو أصاب حلقها بوجع، وهذا دعاء لا يراد وقوعه، بل عادة العرب التكلم بمثله على
стр. 4300
أطافت يوم النحر؟ " قيل: نعم. قال: " فانفري ". متفق عليه.
(الفصل الثاني)
٢٦٩٤ - (١٢) عن عمرو بن الأحوص، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول في حجة الوداع: " أي يوم هذا؟ " قالوا: يوم الحج الأكبر.
ــ
سبيل التلطف وقيل هما صفتان للمرأة يعني أنها تحلق قومها وتعقرهم أي تستأصلهم من شؤمها - انتهى. وقيل إنهما مصدران والعقر الجرح والقتل وقطع العصب، والحلق إصابة وجع في الحلق أو الضرب على الحلق أو الحلق في شعر الرأس لأنهن يفعلن ذلك عند شدة المصيبة، وحقهما أن ينونا لكن أبدل التنوين بالألف إجراء للوصل مجرى الوقف - انتهى. قال القاري: وفيه أنه لا يساعده رسمها بالياء، وقيل إنهما تأنيث فعلان، أي جعلها عقرى أي عاقرًا أي عقيمًا وحلقى أي جعلها صاحبة وجع الحلق، ثم هذا وأمثال ذلك مثل تربت يداه وثكلته أمه مما يقع في كلامهم للدلالة على تهويل الخبر وأن ما سمعه لا يوافقه لا للقصد إلى وقوع مدلوله الأصلي والدلالة على التماسه - انتهى. قال القرطبي وغيره: شتان بين قوله ﷺ هذا لصفية وبين قوله لعائشة لما حاضت معه في الحج: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، لما يشعر به من الميل لها والحنو عليها بخلاف صفية. قال الحافظ: وليس فيه دليل على اتضاع قدر صفية عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفًا على ما فاتها من النسك فسلاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرجل من أهله (كما ورد في رواية) فأبدت المانع فناسب كلا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة - انتهى (أطافت؟) أي صفية (يوم النحر) أي طواف الإفاضة (قيل: نعم) وفي رواية للبخاري ثم قال (أي النبي ﷺ ) : كنت طفت يوم النحر؟ قالت: نعم (قال: فانفري) بكسر الفاء أي اخرجي إلى المدينة من غير طواف الوداع فإن وجوبه ساقط بالعذر (متفق عليه) أخرجه البخاري في كتاب الحيض وفي الحج ومسلم في الحج، واللفظ المذكور للبخاري في باب الادلاج من المحصب، وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن الجارود والبيهقي بألفاظ مختلفة.
٢٦٩٤- قوله (عن عمرو) بفتح أوله (بن الأحوص) بمفتوحة وسكون حاء وبصاد مهملتين. هو عمرو بن الأحوص الجُشَمي بضم الجيم وفتح المعجمة، من بني جشم بن سعد، قال الحافظ في التقريب: صحابي، له حديث في حجة الوداع. ونسبه ابن عبد البر فقال: عمرو بن الأحوص بن جعفر بن كلاب الجشمي الكلابي. اختلف في نسبه، روى عنه ابنه سليمان بن عمرو بن الأحوص، حديثه عن النبي ﷺ في خطبة في حجة الوداع، وفي رمي الجمار أيضًا. يقال: إنه شهد حجة الوداع مع أمه وامرأته، وحديثه في الخطبة عن النبي ﷺ صحيح - انتهى. قال الحافظ: وقد شهد اليرموك في زمن عمر (يقول في حجة الوداع) أي يوم النحر كما سبق (أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الحج الأكبر) وفي
стр. 4301
قال: " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا. ألا لا يجني جان على نفسه،
ــ
رواية ((قال: أي يوم أحرم؟ (أي أعظم وأشد حرمة وأكثر احترامًا) فقال الناس: يوم الحج الأكبر)) وفيه دليل لمن يقول: إن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، وقد وردت في ذلك أحاديث أخرى ذكرها السيوطي في الدر المنثور والحافظ ابن كثير في تفسيره. منها ما رواه البخاري في باب الخطبة أيام منى تعليقًا من حديث ابن عمر قال: وقف النبي ﷺ يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بها وقال: هذا يوم الحج الأكبر. فطفق النبي ﷺ يقول: اللهم اشهد. وودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع، ووصل هذا التعليق أبو داود وابن ماجة والطبراني. ومنها ما رواه البخاري أيضًا في باب كيف ينبذ إلى أهل العهد من كتاب الجهاد من حديث أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى.... إلى أن قال: ويوم الحج الأكبر يوم النحر. واختار هذا القول الحافظ ابن جرير، وهو قول مالك والشافعي والجمهور، وسمي بذلك لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، وقال الحافظ: لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وذهب آخرون منهم عمر وابن عباس وطاوس إلى أنه يوم عرفة لقوله ﷺ : الحج عرفة. وفيه أقوال أخرى، ذكرها العيني والحافظ في الفتح في تفسير سورة براءة، والقول الأول أرجح وأما ما اشتهر على ألسنة العوام من أن يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة كان الحج حجًا أكبر يعني أن الحج الأكبر ما كان فيه الوقوف بعرفة يوم الجمعة، فهذا مما لا أصل له عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة ولا هو المراد بالحج الأكبر المذكور في الكتاب والسنة، نعم له فضل ومزية كما يدل عليه ما ذكره رزين في تجريده عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلاً مرفوعًا، ولكن لا يعرف إسناده ولا من خرجه، وقد تقدم التنبيه على هذا في باب الوقوف بعرفة ثم قولهم ((يوم الحج الأكبر)) بظاهره ينافي جوابهم السابق ((والله ورسوله أعلم)) وقد تقدم وجه التوفيق فتذكر (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا) أي مكة أو الحرم المحترم وزاد في رواية ابن ماجة والترمذي في التفسير ((في شهركم هذا)) أريد بذلك أن دم كل واحد حرام عليه وعلى غيره. وأما في المال فالمراد أن مال كل واحد حرام على غيره لا عليه إلا في الباطل فقد يصير حرامًا عليه أن يصرفه فيه، قاله السندي (ألا) للتنبيه (لا يجني جان على نفسه) قال الطيبي: خبر في معنى النهي ليكون أبلغ يعني كأنه نهاه فقصد أن ينتهي فأخبر به، والمراد الجناية على الغير إلا أنها لما كانت سببًا للجناية على نفسه أنذرها في صورتها ليكون أدعى إلى الامتناع، ويدل على ذلك أنه روي في بعض طرق الحديث ((إلا على نفسه)) وحينئذ يكون خبرًا بحسب المعنى أيضًا، كذا في المرقاة، وقال في اللمعات: قوله ((ألا لا يجني جان على نفسه)) خبر بمعنى النهي. والمراد لا يجني أحدكم على الغير فيكون سببًا للجناية على نفسه اقتصاصًا ومجازاة، ولما كان هذا في
стр. 4302
ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده. ألا وإن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدًا، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به ".
ــ
معنى النهي عن الجناية على الغير والغير أعم أردفه بذكر النهي عن الجناية على والد ومولود تخصيصًا بعد تعميم لاختصاصه بمزيد قبح وشناعة، وقد روى: ألا لا يجني جان إلا على نفسه، وحينئذ يكون خبرًا بحسب المعنى أيضًا انتهى. قلت: قوله ((لا يجني جان على نفسه)) هكذا وقع في جميع نسخ المشكاة، والذي في الترمذي وابن ماجة: لا يجني جان إلا على نفسه، وكذا وقع في المصابيح، فالظاهر أن ما وقع في المشكاة خطأ من المصنف أو الناسخ. قال السندي: لا يجني جان إلا على نفسه أي لا يرجع وبال جنايته من الإثم أو القصاص إلا إليه. وقال الجزري في النهاية: الجناية الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العذاب أو القصاص في الدنيا والآخرة، المعنى أنه لا يطالب بجناية غيره من أقاربه وأباعده، فإذا جنى أحدهما جناية لا يعاقب بها الآخر كقوله تعالى:? ﴿?ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ انتهى (ألا لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده) قال القاري: يحتمل أن يكون المراد النهي عن الجناية عليه لاختصاصها بمزيد قبح، وأن يكون المراد تأكيد لا يجني جان على نفسه، فإن عادتهم جرت بأنهم يأخذون أقارب الشخص بجنايته. والحاصل أن هذا ظلم يؤدي إلى ظلم آخر، والأظهر أن هذا نفي فيوافق قوله تعالى: ﴿? ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وإنما خص الولد والوالد لأنهما أقرب الأقارب، فإذا لم يؤاخذا بفعله فغيرهما أولى، وفي رواية ((لا يؤخذ الرجل بجريمة أبيه)) وضبط بالوجهين (ألا وإن الشيطان) هو إبليس الرئيس أو الجنس الخسيس (قد أيس) أي قنط (أن يعبد) قال القاري: أي من أن يطاع في عبادة غير الله تعالى، لأنه لم يعرف أنه عبده أحد من الكفار – انتهى. وقيل معناه إن الشيطان أيس أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم، ولا يرد على هذا مثل أصحاب مسيلمة ومانعي الزكاة وغيرهم ممن ارتد لأنهم لم يعبدوا الصنم. ويحتمل معنى آخر وهو أنه أشار ﷺ إلى أن المصلين من أمتي لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى، ولك أن تقول: معنى الحديث أن الشيطان أيس من أن يتبدل دين الإسلام ويظهر الإشراك ويستمر ويصير الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتد بل لو عبد الأصنام أيضًا لم يضر في المقصود فافهم، كذا في اللمعات مع زيادة (في بلدكم هذا) أي مكة، قال القاري: أي علانية، إذ قد يأتي الكفار مكة خفية، قلت: قوله ((في بلدكم هذا)) كذا وقع في رواية ابن ماجة، وللترمذي في الفتن ((في بلادكم هذه)) يعني مكة وما حولها من جزيرة العرب (ولكن ستكون له طاعة) أي انقياد أو إطاعة (فيما تحتقرون) من الاحتقار أي تحسبون ذلك حقيرة صغيرة، ويكون فيها طاعة ومرضاة للشيطان (من أعمالكم) أي دون الكفر من القتل والنهب ونحوهما من الكبائر وتحقير الصغائر (فسيرضى) بصيغة المعلوم أي الشيطان (به) أي بالمحتقر حيث لم يحصل له الذنب
стр. 4303
رواه ابن ماجة، والترمذي وصححه.
٢٦٩٥ – (١٣) وعن رافع بن عمرو المزني، قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه،
ــ
الأكبر، ولهذا ترى المعاصي من الكذب والخيانة ونحوهما توجد كثيرًا في المسلمين وقليلاً في الكافرين لأنه قد رضي من الكفار بالكفر فلا يوسوس لهم في الجزئيات، وحيث لا يرضى عن المسلمين بالكفر فيرمهم في المعاصي، وروي عن علي ﵁: الصلاة التي ليس لها وسوسة إنما هي صلاة اليهود والنصارى. ومن الأمثال ((لا يدخل اللص في بيت إلا فيه متاع نفيس)) وقال الطيبي: قوله ((فيما تحتقرون)) أي مما يتهجس في خواطركم وتتفوهون عن هناتكم وصغائر ذنوبكم فيؤدي ذلك إلى هيج الفتن والحروب كقوله ﷺ : إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم، كذا في المرقاة، وقوله ((فيما تحتقرون)) إلخ. هو لفظ الترمذي، وفي ابن ماجة ((في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى بها)) والحديث دليل على مشروعية الخطبة يوم النحر، وقد سبق الكلام على ذلك (رواه ابن ماجة) في الحج (والترمذي) في تفسير سورة التوبة وفي كتاب الفتن، ونسبه في تنقيح الرواة للنسائي أيضًا (وصححه) أي الترمذي، وكذا صححه ابن عبد البر كما تقدم.
٢٦٩٥ – قوله (وعن رافع بن عمرو المزني) نسبة إلى قبيلة مزينة بضم الميم وفتح الزاي، وهو رافع بن عمرو بن هلال المزني أخو عائد بن عمرو، لهما ولأبيهما صحبة. قال ابن عبد البر: سكن رافع وعائذ جميعًا البصرة. روى عن رافع هذا عمرو بن سليم المزني وهلال بن عامر المزني. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى رافع عن النبي ﷺ حديثين أحدهما ((العجوة من الجنة)) عند ابن ماجة (من رواية عمرو بن سليم المزني عنه) والآخر شهوده حجة الوداع عند أبي داود والنسائي (من رواية هلال بن عامر المزني عنه) قال ابن عساكر: كان رافع في حجة الوداع خماسيًا أو سداسيًا – انتهى ورواية هلال بن عامر عنه تدل على أنه بقى إلى خلافة معاوية (يخطب الناس بمنى) أي أول النحر بقرينة قوله (حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء) أي بيضاء يخالطها قليل سواد، ولا ينافيه حديث قدامة: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء، قاله القاري. قلت: وروى أحمد وأبو داود من حديث الهرماس بن زياد البهلي قال: رأيت النبي ﷺ يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى. قال الطبري بعد ذكر حديث الهرماس ورافع المزني: وهذه الخطبة الثالثة من خطب الحج، ولا تضاد بين الحديثين إذ قد يجوز أن يكون خطب على الناقة ثم تحول إلى البغلة ويجوز أن يكون الخطبتان في وقتين، وكانت إحدى الخطبتين تعليمًا للناس لا أنها من خطب الحج – انتهى فتأمل (وعلي يعبر عنه) من التعبير أي يبلغ حديثه من هو بعيد من النبي ﷺ فهو ﵁ وقف حيث يبلغه صوت
стр. 4304
والناس بين قائم وقاعد. رواه أبو داود.
٢٦٩٦، ٢٦٩٧ – (١٤، ١٥) وعن عائشة، وابن عباس، أن رسول الله ﷺ أخر طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل.
ــ
النبي ﷺ ويفهمه فيبلغه للناس ويفهمهم من غير زيادة ونقصان (والناس بين قائم وقاعد) أي بعضهم قاعدون وبعضهم قائمون وهم كثيرون حيث بلغوا مائة ألف وثلاثين ألفًا، كذا في المرقاة. وفي هذا الحديث أيضًا دليل على مشروعية الخطبة في يوم النحر (رواه أبو داود) وأخرجه أيضًا النسائي والبيهقي (ج ٥: ص ١٤٠) وسكت عنه أبو داود والمنذري، وقال النووي في شرح المهذب: رواه أبو داود بإسناد حسن والنسائي بإسناد صحيح.
٢٦٩٦، ٢٦٩٧ – قوله (أخر طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل) هذا يعارض ما وقع في حديث جابر الطويل في صفة حجة الوداع من أنه ﷺ رمى ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثم ركب فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، وكذا يعارض ما تقدم في باب الحلق من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى، واختلفوا في الجواب عن ذلك فذهب جماعة منهم ابن القطان الفاسي وابن القيم وابن حزم إلى تضعيف حديث عائشة وابن عباس هذا بل إلى تغليطه. قال ابن القطان: عندي أن هذا الحديث يعني حديث عائشة هذا ليس بصحيح، إنما طاف النبي ﷺ يومئذ نهارًا، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه التي فيها أنه أخر الطواف إلى الليل، وهذا شيء لم يرو إلا من هذا الطريق وأبو الزبير مدلس لم يذكر ها هنا سماعًا عن عائشة – انتهى. وقال ابن القيم أفاض ﷺ إلى مكة قبل الظهر راكبًا فطاف طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة، ولم يطف غيره ولم يسع معه، هذا هو الصواب. وطائفة زعمت أنه لم يطف في ذلك اليوم، وإنما أخر طواف الزيارة إلى الليل وهو قول طاوس ومجاهد وعروة، واستدلوا بحديث أبي الزبير المكي عن عائشة المخرج في سنن أبي داود والترمذي قال الترمذي: حديث حسن، وهذا الحديث غلط بين خلاف المعلوم من فعله ﷺ الذي لا يشك فيه أهل العلم بحجته ﷺ وقال ابن حزم: هذا أي حديث عائشة الذي نحن في شرحه حديث معلول لأنه يرويه أبو الزبير عن ابن عباس وعائشة، وهو يدلس فيما لم يقل فيه أخبرنا أو حدثنا أو سمعت فهو غير مقطوع إلا ما كان من رواية الليث عنه عن جابر فإنه كله سماع، ولسنا نحتج من حديثه إلا بما كان فيه بيان أنه سمعه، وليس في هذا بيان سماعه منهما – انتهى. وذهب بعضهم إلى ترجيح حديث ابن عمر وجابر وتقديمه على حديث عائشة وابن عباس، قال البيهقي بعد ذكر روايات ابن عمر وجابر وعائشة وابن عباس ما لفظه: أصح هذه الروايات حديث نافع عن ابن عمر وحديث جابر وحديث أبي سلمة عن عائشة يعني حديث البخاري بلفظ ((قالت: حججنا مع رسول الله ﷺ فأفضنا يوم النحر)) وذهب جماعة منهم البخاري وابن
стр. 4305
رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجة.
ــ
حبان والنووي والسندي إلى الجمع بين هذه الروايات، قال البخاري في باب الزيارة يوم النحر: وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس: أخر النبي ﷺ الزيارة إلى الليل، ويذكر عن أبي حسان عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت أيام منى، وقال لنا أبو نعيم ثنا سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه طاف طوافًا واحدًا ثم يقيل ثم يأتي منى يعني يوم النحر، ورفعه عبد الرزاق قال: حدثنا عبيد الله ثم ذكر البخاري حديث أبي سلمة أن عائشة قالت: حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر – الحديث. قال الحافظ: كأن البخاري عقب هذا (أي حديث أبي الزبير عن عائشة وابن عباس) بطريق أبي حسان ليجمع بين الأحاديث بذلك فيحمل حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن عباس وعائشة هذا على بقية الأيام. قال الحافظ: وحديث أبي حسان عن ابن عباس وصله الطبراني (والبيهقي ج ٥: ص ١٤٦) قال: ولرواية أبي حسان هذه شاهد مرسل أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة حدثنا ابن طاوس عن أبيه أن النبي ﷺ كان يفيض كل ليلة (يعني ليالي منى) . وقال النووي: قوله ((أخر طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل)) محمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة. قال: ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث وقال ابن حبان: يشبه أن يكون النبي ﷺ رمى ثم أفاض ثم رجع فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة ثم ركب إلى البيت فطاف طوافًا ثانيًا بالليل. قال الطبري بعد ذكر حديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت أيام منى ما لفظه: هذا يؤيد أبي حاتم فلعل زيارته ﷺ وقعت في تلك المرة ليلاً، ويجوز أن يكون هذا منشأ اختلاف الروايات فأراد بعضهم يوم النحر وبعضهم غير يوم النحر، وقد سمى الزيارة إفاضة لأن معنى الإفاضة الدفع بكثرة، ولم يذكر جميعهم أنه كان يوم النحر – انتهى. وقال السندي في حاشية ابن ماجة ((قوله أخر طواف الزيارة إلى الليل)) المعلوم الثابت من فعله ﷺ هو أنه طاف طواف الإفاضة وهو الطواف الفرض قبل الليل، فلعل المراد بهذا الحديث أنه رخص في تأخيره إلى الليل، أو المراد بطواف الزيارة غير طواف الإفاضة، أي إنه كان يقصد زيارة البيت أيام منى بعد طواف الإفاضة فإذا زار طاف أيضًا، وكان يؤخر طواف تلك الزيارة إلى الليل بتأخير تلك الزيارة إلى الليل ولا يذهب على مكة لأجل تلك الزيارة في النهار بعد العصر مثلاً. وقال القاري: قوله أخر طواف الزيارة أي جوز تأخيره يوم النحر إلى الليل إما مطلقًا أو للنساء لما ثبت أنه ﷺ أفاض يوم النحر ثم صلى الظهر بمكة أو منى. وقال شيخنا في شرح الترمذي: حديث ابن عباس وعائشة المذكور ضعيف كما ستعرف (وكما تقدم) فلا حاجة إلى الجمع الذي أشار إليه البخاري (وغيره) وأما على تقدير الصحة فهذا الجمع متعين، هذا وقد سبق شيء من الكلام في الجواب عن هذا الحديث في شرح حديث جابر الطويل في صفة الحج (رواه الترمذي) إلخ. وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢٨٨، ٣٠٩)
стр. 4306
٢٦٩٨ – (١٦) وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه. رواه أبو داود، وابن ماجة.
٢٦٩٩ – (١٧) وعن عائشة، أن النبي ﷺ قال: " إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء إلا النساء ".
ــ
والبيهقي (ج ٥: ص ١٤٤) وذكره البخاري في صححه تعليقًا بصيغة الجزم كما تقدم. وقال الترمذي: هذا حديث حسن وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وقال شيخنا في شرح الترمذي في كون هذا الحديث حسنًا نظر، فإن أبا الزبير ليس له سماع من ابن عباس وعائشة كما صرح به الحافظ ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل – انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر في شرح المسند: أبو الزبير هو المكي محمد بن مسلم تدرس ثقة ولكن في سماعه من ابن عباس وعائشة شك، روى ابن أبي حاتم في المراسيل (ص ٧١) عن سفيان بن عيينة قال: يقولون: إن المكي لم يسمع من ابن عباس، وروى عن أبيه أبي حاتم قال: أبو الزبير رأى ابن عباس رؤية ولم يسمع من عائشة. قلت: وقال البيهقي (ج ١: ص ١٤٤) بعد رواية هذا الحديث: وأبو الزبير سمع من ابن عباس وفي سماعه من عائشة نظر، قاله البخاري.
٢٦٩٨ – قوله (لم يرمل) بضم الميم من باب نصر (في السبع الذي أفاض فيه) أي في طواف الزيارة يعني لا رمل في طواف الإفاضة كما في طواف الوداع، وإنما هو في طواف القدوم، ففيه دليل على أنه لا يشرع الرمل الذي سلفت مشروعيته في طواف القدوم في طواف الزيارة، قال الطبري: فيه دلالة على اختصاص الرمل بطواف القدوم أو بكل طواف يعقبه سعي وهما قولان للشافعي. وقال أيضًا في شرح حديث ابن عمر ((أن النبي ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثًا ومشى أربعة)) قوله ((الطواف الأول)) هو الذي يأتي به أول ما يقدم يعني طواف القدوم، وفيه دلالة على تخصيص الرمل بطواف القدوم وهو أظهر قولي الشافعي، والقول الآخر أنه يرمل في كل طواف يعقبه سعي بين الصفا والمروة – انتهى (رواه أبو داود وابن ماجة) وأخرجه أيضًا النسائي والبيهقي (ج ٥: ص ٨٤) كلهم من طريق ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، وقد سكت عنه أبو داود ثم المنذري.
٢٦٩٩ – قوله (إذا رمى أحدكم جمرة العقبة) أي وحلق أو قصر، قاله القاري بناء على مذهب الحنفية أن المؤثر في التحلل هو الحلق (فقد حل له كل شيء) أي حرم بالإحرام، ومنه الحلق (إلا النساء) بالنصب على الاستثناء، أي وطئًا ومباشرة وقبلة ولمسًا بشهوة وعقد نكاح حتى يطوف طواف الإفاضة. والحديث يدل على أنه يحل كل محظور
стр. 4307
رواه في شرح السنة، وقال: إسناده ضعيف.
٢٧٠٠ - (١٨) وفي رواية أحمد، والنسائي عن ابن عباس، قال: " إذا رمى الجمرة، فقد حل له كل شيء إلا النساء ".
٢٧٠١ - (١٩) وعنها، قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه
ــ
من محظورات الإحرام إلا الوطئ ودواعيه بعد الرمي وإن لم يحلق لكن وقع في رواية لأحمد وغيره ((إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء)) وهو يدل على أنه بمجموع الأمرين رمي جمرة العقبة والحلق يحل كل محرم على المحرم إلا النساء، وقد بسطنا الكلام في ذلك في شرح حديث عائشة ((كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت)) وهو أول أحاديث الفصل الأول من باب الإحرام والتلبية (رواه) أي صاحب المصابيح (في شرح السنة) أي بسنده، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والدارقطني (ص ٢٧٩) والبيهقي (ج ٥: ص ١٣٦) والطحاوي وسعيد بن منصور (وقال: إسناده ضعيف) لأن مداره على الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف ومدلس، وقال المنذري: قد ذكر غير واحد من الحفاظ أنه لا يحتج بحديثه - انتهى. وأيضًا اضطرب هو في إسناده، ففي رواية قال عن أبي بكر بن حزم، وفي رواية قال: عن الزهري. ولم يسمع من الزهري شيئًا. وقال البيهقي بعد ذكر الاختلاف في سنده ومتنه: وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة - انتهى. لكن أخرج مثلها ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عائشة كما قال الحافظ في الدراية (ص ١٨٩) قلت: وذكر ابن الهمام إسناده فقال: أخرج ابن أبي شيبة ثنا وكيع عن هشام بن عروة عن عائشة ﵂ الحديث. وفي الباب عن ابن عباس كما سيأتي، وعن أم سلمة أخرجه أحمد (ج ٦: ص ٢٩٥، ٣٠٣) وأبو داود والحاكم (ج ١: ص ٤٨٩، ٤٩٠) ، والبيهقي (ج ٥ ص ١٣٦، ١٣٧) مطولاً وفيه قصة وزيادات، وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا فيصح الاحتجاج بها على أنه يحل بالرمي كل محرم من محرمات الإحرام سوى النساء.
٢٧٠٠ - قوله (وفي رواية أحمد والنسائي) وابن ماجة والطحاوي والبيهقي (ج ٥: ص ١٣٦) من طريق الحسن العرني (عن ابن عباس) مرفوعًا وموقوفًا (قال: إذا رمى الجمرة) أي جمرة العقبة (فقد حل له كل شيء إلا النساء) أي حتى يطوف طواف الإفاضة، وهذا أيضًا يدل على أن الرمي هو السبب للتحلل الأول كما هو مذهب المالكية، ويحمله الحنفية على إضمار الحلق أي إذا رمى وحلق جمعًا بينه وبين ما وقع في بعض الروايات من عطفه على الرمي وحديث ابن عباس هذا منقطع، لأن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس كما قاله الإمام أحمد وغيره، وقد تقدم شيء من الكلام في حديث ابن عباس هذا وحديث عائشة الذي قبله في شرح أول أحاديث باب الإحرام والتلبية.
٢٧٠١- قوله (أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه) أي طاف طواف الإفاضة في آخر يوم النحر، وهو
стр. 4308
حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة فلا يقف عندها. رواه أبو داود.
٢٧٠٢ - (٢٠) وعن أبي البداح بن عاصم بن عدي،
ــ
أول أيام النحر (حين صلى الظهر) فيه دلالة على أنه صلى الظهر بمكة موافقًا لما دل عليه حديث جابر الطويل وأنه وقع طوافه بعد الزوال بل بعد صلاة الظهر لقوله ((من آخر يومه، وهذا مخالف لما وقع في حديث ابن عمر وغيره أنه طاف قبل الظهر. وقال الطيبي: أي أفاض يوم النحر من منى إلى مكة حين صلى الظهر، فيفيد أنه صلى الظهر بمنى ثم أفاض وهو خلاف ما ثبت في الأحاديث لاتفاقها على أنه صلى الظهر بعد الطواف مع اختلافها أنه صلاها بمكة أو بمنى. قال القاري: لا يبعد أن يحمل على يوم آخر من أيام النحر بأن صلى الظهر بمنى ونزل في آخر يومه مع نسائه لطواف زيارتهن – انتهى. ولا يخفى ما في هذا الجمع من التكلف والتعسف، وقد تفرد باللفظ المذكور محمد بن إسحاق ورواه بعن، فلا حاجة إلى الجمع (فمكث) بفتح الكاف وضمها، أي لبث وبات (بها) أي بمنى (إذا زالت الشمس) فيه دليل على أن وقت رمى الجمرات في غير يوم النحر بعد الزوال (كل جمرة) بالنصب على البدلية وبالرفع على الابتدائية (ويقف عند الأولى) أي أولى الجمرات الثلاث وهي التي تلي مسجد الخيف (والثانية) هي الوسطى (فيطيل القيام) للأذكار من التكبير والتوحيد والتسبيح والتحميد والاستغفار (ويتضرع) أي إلى الله بأنواع الدعوات وعرض الحاجات (ويرمي الثالثة) هي جمرة العقبة التي رماها يوم النحر (فلا يقف عندها) أي للذكر والدعاء (رواه أبو داود) وأخرجه أيضًا أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي (ج ٥: ص ١٤٨) وفي سنده عندهم محمد بن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالتحديث، والمدلس إذا قال ((عن)) ولم يتابعه أحد على روايته لا يحتج بروايته.
٢٧٠٢- قوله (وعن أبي البداح) بفتح الموحدة وتشديد الدال المهملة فألف فحاء مهملة (بن عاصم بن عدي) بن الجد – بفتح الجيم – ابن العجلان بن حارثة بن ضبيعة القضاعي البلوي ثم الأنصاري، حليف لبني عمرو بن عوف من الأنصار. قال الواقدي: أبو البداح لقب غلب عليه، وكنيته أبو عمرو – انتهى. وكذا قال على بن المديني وابن حبان: كنيته أبو عمرو، وقيل كنيته أبو بكر وقيل أبو عمر. يقال: اسمه عدي. مات سنة (١١٧) فيما ذكره جماعة، وقيل سنة (١١٠) قال ابن عبد البر في الاستيعاب: اختلف فيه فقيل الصحبة لأبيه وهو من التابعين، وقيل له صحبة وهو الذي توفي عن سبيعة الأسلمية، وخطبها أبو السنابل بن بعكك ذكره ابن جريج وغيره، وهو الصحيح في أن له صحبة، والأكثر يذكرونه في الصحابة – انتهى. وذكره الحافظ في القسم الرابع من حرف الباء من الإصابة، وتعقب ابن عبد البر فقال: عليه
стр. 4309
عن أبيه، قال: رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة: أن يرملوا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرموه
ــ
مؤاخذات، الأولى أن مالكًا أخرج في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبي البداح حديثًا، وهذا يدل على تأخر أبي البداح عن عهد النبي ﷺ ، لأن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يدرك العصر النبوي، وقد روى أيضًا عن أبي البداح أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابنه عبد الملك وغير واحد وأرخ جماعة وفاته سنة (١١٧) وقال الواقدي: مات سنة (١١٠) وله أربع وثمانون سنة، فعلى هذا يكون مولده سنة (٢٦) بعد النبي ﷺ بخمس عشرة سنة، وهذا كله يدفع أن يكون له صحبة، ويدفع قول ابن مندة: أدرك النبي ﷺ وقال ابن فتحون: قول أبي عمر ((توفي عن سبيعة)) وهم – انتهى. قال ابن سعد: كان أبو البداح ثقة قليل الحديث. وقال الحافظ في التقريب: ثقة من الثالثة، ووهم من قال: له صحبة (عن أبيه) عاصم بن عدي، كان سيد بني عجلان وهو أخو معن بن عدي يكنى أبا عمرو ويقال أبا عبد الله. قال الحافظ في الإصابة: اتفقوا على ذكره في البدريين، ويقال: إنه لم يشهدها بل خرج فكسر فرده النبي ﷺ من الروحاء واستخلفه على العالية من المدينة وهذا هو المعتمد، وبه جزم ابن إسحاق، وأورد الواقدي بسنده إلى أبي البداح أن رسول الله ﷺ خلف عاصمًا على أهل قباء والعالية لشيء بلغه عنهم، وضرب له بسهمه وأجره (فكان كمن شهدها ولهذا ذكروه في البدريين) وقال شهد أحدًا وما بعدها، وله ذكر في الصحيح في قصة اللعان. قال ابن سعد وابن السكن وغيرهما: مات سنة (٤٥) وهو ابن مائة وخمس عشرة، وقيل عشرين – انتهى (رخص رسول الله ﷺ ) أي جوز وأباح (لرعاء الإبل) بكسر الراء والمد جمع راع أي لرعاتها بضم الراء (في البيتوتة) مصدر بات أي رخص لهم في البيتوتة خارج منى أو في ترك البيتوتة، والمعنى: أباح لهم ترك البيتوتة بمنى ليالي أيام التشريق، لأنهم مشغولون برعي الأبل وحفظها، فلو أخذوا بالمقام والمبيت بمنى ضاعت أموالهم. قال الباجي: قوله ((رخص)) يقتضي أن هناك منع خص هذا منه لأن لفظ الرخصة لا تستعمل إلا فيما يخص من المحظور للعذر، وذلك أن للرعاء عذرًا في الكون مع الظهر الذي لابد من مراعاته، والرعي به للحاجة إلى الظهر في الانصراف إلى بعيد البلاد، فأبيح لهم ذلك لهذا المعنى – انتهى. وقد تقدم بيان اختلاف الأئمة في البيتوتة بمنى هل هو واجب أو سنة، وتقدم أيضًا أنهم اتفقوا على سقوطه للرعاء وأهل السقاية، واختلفوا في أنه يختص السقوط بالرعاء وبأهل السقاية أو يعم أهل الأعذار كلها من مرض أو شغل أو حاجة (أن يرموا يوم النحر) أي جمرة العقبة كسائر الحجاج، قال الباجي: أخبر أن رميهم يوم النحر لا يتعلق به رخصة ولا يغير عن وقته ولا إضافته إلى غيره (ثم يجمعوا رمي يومين) أي الحادي عشر والثاني عشر (فيرموه) أي رمي اليومين وقوله ((فيرموه)) هكذا في المشكاة والمصابيح والذي في الترمذي ((فيرمونه)) وكذا وقع عند أحمد وابن
стр. 4310
في أحدهما.
ــ
ماجة، وهكذا نقله الجزري (في أحدهما) أي في أحد اليومين، ومعناه أنهم يجمعون رمي اليوم التالي ليوم النحر مع اليوم الذي يليه وهو يوم النفر الأول جمع تقديم فيرمون في اليوم التالي ليوم النحر ولا يرمون في يوم النفر الأول، أو جمع تأخير فيرمون في يوم النفر الأول ولا يرمون في اليوم التالي ليوم النحر. فظاهر الحديث أنهم بالخيار، إن شاءوا رموا يوم القر لذلك اليوم ولما بعده تقديمًا، وإن شاءوا أخروا فرموا يوم النفر الأول ليومين تأخيرًا، وإلى ذلك ذهب بعضهم كما حكاه الخطابي إذ قال: قال بعضهم: هم بالخيار إن شاءوا قدموا وإن شاءوا أخروا – انتهى. ويؤيد ذلك رواية النسائي بلفظ ((رخص للرعاء في البيتوتة يرمون يوم النحر واليومين الذين بعده يجمعونهما في أحدهما)) ورواية أحمد وابن ماجة بلفظ ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر فيرمونه في أحدهما، ورواية مالك في الموطأ (على ما في طبعات الهند) وفي مسند أحمد والمستدرك للحاكم بلفظ ((ثم يرمون من الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر (الآخر)) ) لكن الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة لم يقولوا بجمع التقديم فأولوا الحديث إلى جمع التأخير، فقال مالك كما في مسند أحمد: ظننت أنه في الآخر منهما وفسره في الموطأ بعبارة أوضح فقال: وتفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول الله لرعاء الإبل في رمي الجمار فيما نرى والله أعلم أنهم يرمون يوم النحر (جمرة العقبة كسائر الناس ثم ينصرفون لرعيهم فيغيبون عن منى في أول أيام التشريق، وهو اليوم الذي يلي يوم النحر) فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد (أي من غد هذا اليوم الذي يلي يوم النحر وهو اليوم الثالث من أيام النحر واليوم الثاني من أيام التشريق) وذلك يوم النفر الأول (لمن تعجل) فيرمون (أي في هذا اليوم) لليوم الذي مضى (أي لليوم الحادي عشر) ثم يرمون ليومهم ذلك (أي لليوم الثاني عشر) لأنه لا يقضي أحد شيئًا (مما يجب عليه قضاؤه) حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه (الأداء) ومضى (وقته ولم يؤد فيه كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم النفر (بعد رمى يومين الذي رمى لهما في الثاني) فقد فرغوا (ويجوز لهم النفر) وإن أقاموا إلى الغد (أي إلى اليوم الثالث عشر رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا – انتهى. وقال الخطابي: قد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمون فيه، فكان مالك يقول يرمون يوم النحر، وإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد وذلك يوم النفر الأول يرمون لليوم الذي مضى ويرمون ليومهم ذلك، وذلك أنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه. وقال الشافعي نحوًا من قول مالك – انتهى. وقال القاري في المرقاة: قال الطيبي: رخص لهم أن لا يبيتوا بمنى وأن يرموا يوم العيد جمرة العقبة ثم لا يرموا في الغد بل يرموا بعد الغد رمى اليومين القضاء والأداء، ولم يجوز الشافعي ومالك أن يقدموا الرمي في الغد – انتهى. قال القاري: وهو كذلك عند أئمتنا يعنى لم يجوزوا التقديم، ويؤيد تفسير مالك ومن واثقه رواية أحمد والبيهقي من طريق ابن جريج عن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح عن عاصم بن عدي أن النبي ﷺ أرخص
следующие страницы →