.............................................................................................
ــ
بعض أهل اللغة منهم الأصمعي: إن معنى قول الراعي ((محرمًا)) في بيته المذكور: كونه حرمة الإسلام وذمته التي يجب حفظها ويحرم انتهاكها، وأنه لم يحل من نفسه شيئًا يستوجب به القتل، ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير قول عدى بن زيد:
قتلوا كسرى محرمًا _ ... غادروه لم يمتع بكفن
ويروى ((فتولى ولم يمتع بكفن)) يريد قتل شيرويه أباه أبرويز بن هرمز مع أن له حرمة العهد الذي عاهدوه به حين ملكوه عليهم وحرمة الأبوة ولم يفعل لهم شيئًا يستوجب منهم القتل، وذلك هو مراده بقوله ((محرمًا)) وعلى تفسير قول ابن عباس ((وهو محرم)) بما ذكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس وبين حديث ميمونة وأبي رافع، وتعقب هذا الجواب بأن رواية البخاري في باب عمرة القضاء بلفظ أنه ﷺ تزوجها وهو محرم وبنى بها وهو حلال، تدفع هذا التفسير أو تبعده كما قال الزيلعي، فإن المقابلة بين المحرم والحلال تدل على أن المراد بالمحرم في قول ابن عباس ضد الحلال، ولم يرد الحلال بمعنى الداخل في الحل أو في الشهر الحرام، وفيه أنه لو فرضنا أن تفسير حديث ابن عباس بما ذكر ليس بمتعبن وليس بظاهر كل الظهور وأن التعارض بين الحديثين باق فالمصير إلى الترجيح إذن واجب وهو الجواب الثالث فيقال: حديث ميمونة وأبي رافع أرجح من حديث ابن عباس، لأن ميمونة هي صاحبة الواقعة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره، وقد تقرر في الأصول أن خبر صاحب القصة المروية مقدم على خبر غيره، لأنه أعرف بالحال من غيره والأصولين يمثلون له بحديث ميمونة المذكور مع حديث ابن عباس ومما يرجح به حديث أبي رافع على حديث ابن عباس أن أبا رافع هو رسوله إليها يخطبها عليه فهو مباشر للواقعة وابن عباس ليس كذلك وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المباشر لما روى على خبر غيره، لأن المباشر لما روى أعرف بحاله من غيره، والأصولين يمثلون له بخبر أبي رافع مع حديث ابن عباس، ومما يرجح به حديث ميمونة وحديث أبي رافع معًا على حديث ابن عباس أن ميمونة وأبا رافع كانا بالغيْن وقت تحمل الحديث المذكور وابن عباس ليس ببالغ وقت التحمل، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المتحمل بعد البلوغ على المتحمل قبله لأن البالغ أضبط من الصبي بما تحمل، وللاختلاف في قبول خبر المتحمل قبل البلوغ مع الاتفاق على قبول خبر المتحمل بعد البلوغ وإن كان الراجح قبول خبر المتحمل قبل البلوغ إذا كان الأداء بعد البلوغ لأن المتفق عليه أرجح من المختلف فيه، فإن قيل: يرجح حديث ابن عباس بأنه اتفق عليه الشيخان في صحيحهما ومعلوم أن ما اتفق عليه مسلم والبخاري أرجح مما انفرد به مسلم وهو حديث ميمونة، وأرجح مما أخرجه الترمذي وأحمد وهو حديث أبي رافع، فالجواب أن غاية ما يفيده اتفاق الشيخين على صحة الحديث إلى ابن عباس، ونحن لو جزمنا بأنه قاله قطعًالم يمنع ذلك من ترجيح حديث ميمونة وأبي رافع عليه لأنهما أعلم بحال الواقعة منه لأن ميمونة صاحبة الواقعة وأبو رافع
стр. 4342
متفق عليه.
ــ
هو الرسول المباشر لذلك فلنفرض أن عباس قال ذلك، وأن أبا رافع وميمونة خالفا وهما أعلم بالحال منه لأن لكل منهما تعلقًا خاصًا بنفس الواقعة ليس لابن عباس مثله، وأما ما قال الطحاوي من أنه يحتمل أنه خفى عن ميمونة وقت تزويجها وذهب عنها الوقت الذي عقد عليها عند ما فوضت إلى العباس أمرها فلم تشعر إلا في الوقت الذي بنى بها فيه وعلمه ابن عباس لحضوره وغيبتها عنه فهو مما لا يلتفت إليه لأنه احتمال ناشئ من غير دليل ولم يثبت أن ابن عباس شهد الواقعة بل يدل على كلام العيني على عدم شهوده حيث قال: من الجائز غير المنكر أن يرويه ابن عباس عنه ﷺ أو يرويه عن أبيه الذي ولي عقد النكاح بمشهد عنه ومرأى أو يرويه عن خالته ميمونة، فإن قيل: صح نحو حديث ابن عباس عن عائشة وأبي هريرة كما قال الحافظ وعلى هذا من روى أن تزويجها في حالة الإحرام أكثر ممن روى خلاف ذلك فيرجح حديثهم إذن بالكثرة، فالجواب أنهم وإن كثروا فميمونة وأبو رافع أعلم منهم بالواقعة كما تقدم والمرجحات يرجح بعضها على بعض، وضابط ذلك عند الأصوليين هو قوة الظن ومعلوم أن ما أخبرت به ميمونة ﵂ عن نفسها وأخبر به الرسول بينها وبين زوجها ﷺ الذي هو أبو رافع أقوى في ظن الصدق مما أخبره به غيرهما، ومن الأجوبة التي أجاب بها المانعون أنه لو سلم أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم لم تكن في ذلك حجة على جواز ذلك بالنسبة على أمته ﷺ لأنه ثبت عنه من حديث عثمان ما يدل على منع النكاح في حال الإحرام وهو عام لجميع الأمة، والأظهر دخوله هو ﷺ في ذلك العموم فإذا فعل فعلاً يخالف ذلك العموم المنصوص عليه بالقول دل على أن ذلك الفعل خاص به ﷺ لتحتم تخصيص ذلك العموم القولي بذلك الفعل فيكون خاصًا به ﷺ ، وقد تقرر في الأصول أن النص القولي العام الذي يشمل النبي بظاهر عمومه لا بنص صريح إذا فعل النبي ﷺ فعلاً يخالفه كان ذلك مخصصًا لذلك العموم القولي فيكون ذلك الفعل خاصًا به ﷺ ، كذا حقق الشنقيطي. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: يجعل فعله ﷺ مخصصًا له من عموم ذلك القول (يعني حديث عثمان) كما تقرر في الأصول إذا فرض تأخر الفعل عن القول، فإن فرض تقدمه ففيه الخلاف المشهور في الأصول في جواز تخصيص العام المتأخر بالخاص المتقدم كما هو المذهب الحق أو جعل العام المتأخر ناسخًا كما ذهب إليه البعض – انتهى. وقال في السيل الجرار: إن حديث ابن عباس غاية ما فيه على فرض أنه أرجح لكونه في الصحيحين أن ذلك جائز لرسول الله ﷺ فيكون خاصًا به، والنهي خاصًا بالأمة كما تقرر في الأصول أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة، وعلى تقدير شمول النهي له فيكون فعله مخصصًا له – انتهى. وقال النووي وغيره من الشافعية: هذا من خصائصه ﷺ فكان له أن يتزوج في حال الإحرام وهو مما خص به دون الأمة، وتعقبه العيني فقال: دعوى التخصيص تحتاج إلى دليل، ويأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح حديثي يزيد بن الأصم وأبي رافع (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي المغازي وفي النكاح، ومسلم في النكاح،
стр. 4343
٢٧٠٨ – (٦) وعن يزيد بن الأصم، ابن أخت ميمونة، عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال.
ــ
وأخرجه أيضًا أحمد مرارًا وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الجارود والدرامي والبيهقي والطحاوي وغيرهم.
٢٧٠٨ – قوله (وعن يزيد بن الأصم) بن عبيد بن معاوية بن عبادة بن البكاء – بفتح الموحدة وتشديد الكاف – واسم الأصم عمرو أبو عوف البكائي الكوفي نزل الرقة، ربته خالته ميمونة أم المؤمنين، واسم أمه برزة بنت الحارث أخت ميمونة. قال الحافظ: يقال له رؤية ولا يثبت وهو ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين، مات سنة ثلاث ومائة وذكر الواقدي أنه عاش ثلاثًا وسبعين سنة (ابن أخت ميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين (تزوجها وهو حلال) أي غير محرم، قيل تزوجها قبل الإحرام كما يدل عليه رواية مالك عن ربيعة عن سليمان بن يسار المرسلة في وقوع التزويج بالمدينة قبل أن يخرج، وقيل تزوجها بعد ما حل من عمرته بمكة أو بسرف وعلى كل حال هذا الحديث معارض لحديث ابن عباس السابق وأجاب القائلون بجواز النكاح في الإحرام عن ذلك بوجهين: الأول ترجيح حديث ابن عباس على حديث يزيد بن الأصم وذلك بوجوه منها أن حديث ابن عباس أقوى وأصح إسنادًا لاتفاق الشيخين عليه بخلاف حديث ابن الأصم وما في معناه فإنه لم يخرجه البخاري، وقد تقدم الجواب عن هذا، ومنها أن ابن الأصم لا يقاوم بابن عباس حفظًا واتقانًا وفقهًا، ولذا قال عمرو بن دينار للزهري: وما يدري ابن الأصم أعرابي كذا وكذا بشيء؟ أتجعله مثل ابن عباس، فابن عباس بمرتبة من العلم والفقه والحفظ والإتقان لا يدانيه ابن الأصم، وأجاب عن هذا ابن حزم بما نصه: وأما ترجيحهم ابن عباس على يزيد فنعم، والله لا يقرب يزيد بعبد الله ولا كرامة، وهذا تمويه منهم لأن يزيد إنما رواه عن ميمونة، وروى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس ونحن لا نقرن ابن عباس صغير من الصحابة إلى ميمونة أم المؤمنين لكن نعدل يزيد إلى أصحاب ابن عباس ولا نقطع بفضلهم عليه، قال: وخبر يزيد عن ميمونة هو الحق، وقول ابن عباس وهم لا شك فيه لأنها هي أعلم بنفسها منه وأنها كانت إذ ذاك امرأة كاملة، وكان ابن عباس يومئذ ابن عشرة أعوام وأشهر فبين الضبطين فرق لا يخفى، هذا وقد تصدى العيني للجواب عن كلام ابن حزم، من شاء الوقوف عليه رجع إلى العمدة (ج ١٠: ص ١٩٦) ومنها أن حديث ابن عباس مثبت لأمر زائد وهو الإحرام وحديث ابن الأصم ناف له، ومن المعلوم أن المثبت يقدم ويرجح على النافي. وفيه أن حديث يزيد عن ميمونة أيضًا مثبت لوقوع عقد النكاح حلالاً وحديث ابن عباس ناف لذلك وبه صرح أهل الأصول من الحنفية، وهذا يقتضي أن يقدم حديث ابن الأصم ومن وافقه على حديث ابن عباس ومنها أن حديث ابن عباس محكم لا يحتمل تأويلاً قريبًا بخلاف رواية ابن الأصم وما في معناها فإنها تحمل على الخطبة أو فشو أمر التزويج واشتهاره عند البناء في الحل أي بسرف راجعًا إلى المدينة. وفيه أن الأمر على العكس من ذلك كما تقدم. ومنها أن أمر النكاح كان إلى العباس
стр. 4344
رواه مسلم، قال الشيخ الإمام محيي السنة ﵀: والأكثرون على أنه تزوجها حلالاً، وظهر أمر تزويجها وهو محرم، ثم بنى بها وهو حلال بسرف في طريق مكة.
ــ
وكان هو وكيل عقد النكاح، والوكيل أعرف من الموكل وكذا يكون ابن العباس أعرف بالقضية. وفيه ما تقدم أن صاحب القضية أي ميمونة أعرف بقضيتها ولم يرو عن العباس في وقت التزويج شيء ولم يثبت شهود ابنه واقعة النكاح، ومنها أم حديث ابن عباس مؤيد بالقياس فإنه عقد كسائر العقود التي يتلفظ بها من شراء الأمة للتسري وغيره كما حكي عن أنس فيما رواه الطحاوي. وفيه أن الواجب حينئذ الرجوع إلى الحديث القولي أي حديث عثمان لا إلى القياس فإن تحكيم القياس عند التعارض بين حكايتي فعل مع وجود النص القولي غير صحيح فإن فيه تركًا للنص وعملاً بالقياس، الوجه الثاني من الوجهين اللذين أجاب بهما القائلون بالجواز هو أن المراد بالنكاح والتزوج في حديث يزيد بن الأصم هو الدخول والبناء والوطء دون العقد. قال القاري: قوله تزوجها أي دخل بها. وقال ابن الهمام: يحمل لفظ التزوج في حديث ابن الأصم على البناء بها مجازًا بعلاقة السببية العادية – انتهى. وبنحو ذلك قال الزبيدي في شرح الإحياء. وفيه أنه روى مسلم عن ابن نمير عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء أن ابن العباس أخبره أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. قال عمرو بن دينار: فحدثت به الزهري فقال: أخبرني يزيد بن الأصم أنه نكحها وهو حلال، زاد عبد الرزاق والبيهقي: قال عمرو بن دينار ((فقلت لابن شهاب: أتجعل أعرابيًا بوالاً على عقبيه على ابن عباس)) وهي خالة ابن عباس أيضًا؟ ولفظ الطحاوي ((أتجعله مثل ابن عباس؟)) قال البيهقي: ويزيد بن الأصم لم يقله عن نفسه إنما حدث به عن ميمونة بنت الحارث – انتهى. فهذه الرواية تدل على أن المراد بالنكاح والتزوج في حديثي ابن عباس ويزيد بن الأصم عند عمرو بن دينار وابن شهاب هو العقد لا الوطء والبناء وإلا لما صح المقابلة والمعارضة فافهم، وكذا يدل على بطلان التأويل المذكور رواية أحمد والترمذي والبيهقي لحديث يزيد بن الأصم عن ميمونة بلفظ ((أن رسول الله ﷺ تزوجها حلالاً وبنى بها حلالاً)) (رواه مسلم) في النكاح وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٦: ص ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٣٥) وأبو داود وابن ماجة والدرامي وابن الجارود والبيهقي (ج ٥: ص ٦٦، وج ٧: ص ٢١١) (قال الشيخ الإمام محيي السنة) أي صاحب المصابيح (والأكثرون) قال القاري: يعني الأئمة الثلاثة وأتباعهم (على أنه تزوجها حلالاً) أي عقد عليها قبل أن يحرم (وظهر أمر تزويجها) أي بسرف ذاهبًا على مكة (وهو محرم ثم بنى) أي دخل بها (وهو حلال بسرف) على وزن كتف غير منصرف وقيل منصرف (في طريق مكة) أي إلى المدينة وذلك بعد فراغه من عمرته المسماة بعمرة القضاء، قال الساعاتي في شرح المسند: وهذا الجمع وجيه وعليه فيقال إن ابن عباس لم يعلم بالعقد إلا بعد انتشاره والنبي ﷺ محرم بسرف، ففهم أن العقد لم يحصل إلا في المكان الذي يقال له
стр. 4345
٢٧٠٩ – (٧) وعن أبي أيوب: أن النبي ﷺ كان يغسل رأسه وهو محرم.
ــ
سرف، ولهذا قال في روايته أن النبي ﷺ تزوج بماء يقال له سرف وهو محرم، وتقدم أن هذا الماء أقرب إلى مكة من المدينة، وميقات أهل المدينة أقرب إلى المدينة من مكة فثبت أنه كان محرمًا بسرف ولم يبلغ ابن عباس خبر الزواج إلا بهذا المكان ففهم أنه حصل حينئذ.
٢٧٠٩ – قوله (كان يغسل رأسه وهو محرم) فيه دليل على جواز الاغتسال للمحرم وغسله رأسه وتشريبه شعره بالماء، وفي الحديث قصة وهو مختصر من حديث طويل رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن حنين أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه. فأرسلني عبد الله بن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن عباس يسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب، فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر فقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل. وقد ترجم البخاري لهذا الحديث ((باب الاغتسال للمحرم)) قال الحافظ: أي ترفهًا وتنظفًا وتطهرًا من الجنابة، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك، وكأن المصنف (أي البخاري) أشار إلى ما روي عن مالك أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء، وروى في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام. قال الحافظ: وفي الحديث جواز غسل المحرم وتشريبه شعره بالماء ودلكه بيده إذا أمن تناثره. وقال الزرقاني: دل حديث أبي أيوب على جواز ذلك ما لم يؤد إلى نتف الشعر، وقال الباجي: ليس في إمرار اليد على الرأس قتل الدواب ولا إزالتها عن موضعها إلا مثل ما في صب الماء على الرأس خاصة، ولذلك كانا مباحين فأما الانغماس في الماء فإنه محظور عند مالك على المحرم لأنه ربما زال القمل بكثرة الماء عن الشعر، وقد روى عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس إجازة انغماس المحرم في الماء. قال العيني: وكان أشهب وابن وهب يتغامسان في الماء وهما محرمان مخالفة لابن القاسم، وكان ابن القاسم يقول: إن غمس رأسه في الماء أطعم شيئًا من طعام خوفًا من قتل الدواب ولا تجب الفدية إلا بيقين، وعن مالك استحبابه ولا بأس عند جميع أصحاب مالك أن يصب المحرم على رأسه الماء لحر يجده – انتهى. قال الساعاتي في شرح المسند: اتفق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وجسده من الجنابة بل هو واجب عليه، وأما غسله تبردًا فمذهب الجمهور جوازه بلا كراهة، واختلفوا في غسل المحرم رأسه فذهب الأئمة أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري والأوزاعي إلى أنه لا بأس بذلك، ووردت الرخصة به عن عمر بن الخطاب وابن عباس وجابر
стр. 4346
......................................................................................
ــ
وعليه الجمهور، وحجتهم حديث أبي أيوب وكان مالك يكره ذلك للمحرم لأثر ابن عمر أنه كان لا يغسل رأسه إلا من احتلام، ويجوز غسل الرأس بالسدر والخطمى عند الشافعية (ورواية للحنابلة) مع الكراهة بحيث لا ينتف شعرًا ولا فدية عليه. وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى التحريم ولزوم الفدية. وقال صاحبا أبي حنيفة: عليه صدقة لأن الخطمى تستلذ رائحته وتزيل الشعث وتقتل الهوام فوجبت به الفدية كالورس وقال ابن رشد: قال الجمهور (أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري والأوزاعي) : لا بأس بغسل المحرم رأسه، وقال مالك يكره، وعمدته أثر ابن عمر (المذكور) وعمدة الجمهور حديث أبي أيوب وحمله مالك على غسل الجنابة والحجة له إجماعهم على أن المحرم ممنوع من قتل القمل ونتف الشعر وإلقاء التفث، والغاسل رأسه إما أن يفعل هذه كلها أو بعضها – انتهى. وقال الأبي في الإكمال: اختلف في غسل المحرم تبردًا أو غسل رأسه فأجازه الجمهور كما قال عمر: لا يزيده الماء إلا شعثًا، وتؤول عن مالك مثله وتؤولت عنه الكراهة أيضًا، وكره غمس المحرم رأسه في الماء، وعللت الكراهة بأنه من تحريك يده في غسله أو غمسه قد يقتل بعض الدواب أو يسقط بعض الشعر، وقيل: لعله رآه من تغطية الرأس – انتهى. وقال الباجي: الغسل للتبرد جائز للمحرم وإن كان لغير ضرورة. وهذه رواية ابن القاسم عنه – انتهى. قلت: وأثر ابن عمر المذكور بظاهره معارض لما روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يدخل مكة إذا خرج حاجًا أو معتمرًا حتى يغتسل قبل أن يدخل إذا دنا من مكة بذي طوى ويأمر من معه فيغتسلون قبل أن يدخلوا مكة. قال الحافظ: ظاهره أن غسله لدخول مكة كان لجسده دون رأسه، وهكذا قال الباجي وزاد ((قال ابن حبيب: إذا اغتسل المحرم لدخول مكة فإنما يغسل جسده دون رأسه فقد كان ابن عمر لا يغسله)) . وقال الشيخ أبو محمد: لعل ابن عمر كان لا يغسل رأسه إلا من جنابة يعني في غير هذه المواضع الثلاثة فذهب إلى تخصيص ذلك وحكى ابن المواز عن مالك أن المحرم لا يتدلك رأسه في غسل دخول مكة ولا يغسل رأسه إلا بصب الماء فقط. واعتبر الباجي من قول مالك أنه في كل موضع أباح الغسل للمحرم لغير جنابة لا يذكر فيه إمرار اليد وإنما يذكر فيه صب الماء، وإذا ذكر غسل الجنابة ذكر إمرار اليد. وقال الشافعي: نحن ومالك لا نرى بأسًا أن يغسل المحرم رأسه من غير احتلام، وروي عنه ﷺ أنه اغتسل وهو محرم وأطال الكلام إلى أن قال: وقد يذهب على ابن عمر وغيره السنن ولو علمها ما خالفها – انتهى. وقال في المحلى: قوله ((كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام)) أي تحريًا لما هو الأفضل لما روى الترمذي عن ابن عمر مرفوعًا ((الحاج الشعث التفل)) انتهى، وأما غسل الرأس بالخطمى والسدر ونحوه فاختلفوا فيه أيضًا كما تقدم، قال العيني: إن غسل رأسه بالخطمى والسدر فإن الفقهاء يكرهونه وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأوجب مالك وأبو حنيفة عليه الفدية. وقال الشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه، وقال في البناية: لا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمى،
стр. 4347
متفق عليه.
٢٧١٠- (٨) وعن ابن عباس، قال: احتجم النبي ﷺ وهو محرم.
ــ
وبه قال مالك. وفي شرح الوجيز: لا يكره بالخطمى والسدر، وفي القديم يكره ولكن لا فدية عليه. وبه قال أحمد، وفي الهداية: لا يغسل بالخطمى لأنه نوع طيب ولأنه يقتل هوام الرأس، وقال القاري: يجوز للمحرم غسل رأسه بحيث لا ينتف شعرًا بلا خلاف، أما لو غسل رأسه بالخطمى فعليه دم عند أبي حنيفة، وبه قال مالك وقالا: صدقة، ولو غسل بأشنان فيه طيب فإن كان من رآه سماه أشنانًا فعليه الصدقة، وإن سماه طيبًا فعليه الدم، وكذا في قاضي خان، ولو غسل رأسه بالحرض والصابون والسدر ونحوه لا شيء عليه بالإجماع (متفق عليه) فيه أن اللفظ المذكور ليس لهما ولا لأحدهما بل هو مفهوم ما فعله أبو أيوب، ومقتضى ما نسبه إلى النبي ﷺ كما يظهر من سياق الحديث وتمامه عند الشيخين، وقد أخرجه أيضًا مطولاً أحمد (ج ٥: ص ٤١٦، ٤١٨، ٤٢١) ومالك وأبو داود وابن ماجة والدرامي وابن الجارود والبيهقي وغيرهم.
٢٧١٠ – قوله (احتجم النبي ﷺ ) أي في حجة الوداع كما جزم به الحازمي وغيره (وهو محرم) جملة حالية، زاد في رواية للبخاري ((في رأسه من وجع كان به بماء يقال له لحي جمل)) وفي طريق أخرى له عن ابن عباس تعليقًا ((أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به)) بشين معجمة وقافين وزن عظيمة: وجع يأخذ في أحد جانبي الرأس أو في مقدمه، وفي حديث ابن بحينة الآتي في الفصل الثالث ((في وسط رأسه)) قال الحافظ بفتح المهلمة أي متوسطة وهو ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى القرنين. قال الليث: كانت هذه الحجامة في فأس الرأس، وفي حديث أنس الآتي في الفصل الثالث ((احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به)) وفي حديث جابر عند أحمد والنسائي ((احتجم النبي ﷺ وهو محرم من وثئ كان بوركه أو ظهره)) ويجمع بين هذه الروايات بتعدد الحجامة منه في الإحرام، ثم يحتمل أنها في إحرام واحد أي في حجة الوداع، ويمكن أن يكون بعضها في إحدى عمراته، وفي الحديث دليل على جواز الحجامة للمحرم، وقد ترجم البخاري لحديث ابن عباس وابن بحينة ((باب الحجامة للمحرم)) قال الحافظ: أي هل يمنع منها أو تباح له مطلقًا أو للضرورة، والمراد في ذلك كله المحجوم لا الحاجم. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٠٥) : أما الحجامة إذا لم يقطع شعرًا فمباحة من غير فدية في قول الجمهور لأنه تداو لإخراج دم فأشبه الفصد وبط الجرح وقال مالك: لا يحتجم إلا من ضرورة. وكان الحسن البصري يرى في الحجامة دمًا – انتهى. وقال العيني: وبجوازه مطلقًا قال عطاء ومسروق وإبراهيم وطاوس والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا: ما لم يقطع الشعر، وقال قوم: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة روى ذلك عن ابن عمر وبه قال مالك – انتهى. وقال النووي: أجمع
стр. 4348
..............................................................................................
ــ
العلماء على جواز الحجامة له في الرأس وغيره إذا كان له عذر في ذلك وإن قطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية بقطع الشعر فإن لم يقطع فلا فدية عليه، ودليل المسألة قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية﴾ (سورة البقرة، الآية ١٩٦) وهذا الحديث محمول على أن النبي ﷺ كان له عذر في الحجامة في وسط الرأس، لأنه لا ينفك عن قطع شعر. أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لتحريم قطع الشعر، وإن لم تتضمن ذلك بأن كانت في موضع لا شعر فيه فهي جائزة عند الجمهور ولا فدية فيها وعن ابن عمر ومالك كراهتها، وعن الحسن البصري: فيها الفدية وإن لم يقطع شعرًا، دليلنا أن إخراج الدم في الإحرام ليس بحرام – انتهى. وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس. ونقل الحطاب عن ابن بشير المالكي أنه ذكر قولاً بسقوط الفدية مطلقًا أي سواء أزال بسبب الحجامة شعرًا أو لا. قال الشنقيطي: القول الذي ذكره ابن بشير من المالكية واستغربه خليل في التوضيح بسقوط الفدية مطلقًا ولو أزال بسبب الحجامة شعرًا، له وجه من النظر، ولا يخلو عندي من قوة والله تعالى أعلم، وإيضاح ذلك أن جميع الروايات المصرحة بأن النبي ﷺ احتجم في رأسه، لم يرد في شيء منها أنه افتدى لإزالة ذلك الشعر من أجل الحجامة، ولو وجبت عليه في ذلك فدية لبينها للناس، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والاستدلال على وجوب الفدية في ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية﴾ (سورة البقرة: الآية ١٩٦) لا ينهض كل النهوض، لأن الآية واردة في حلق جميع الرأس لا في حلق بعضه، وقد قدمنا أن حلق بعضه ليس فيه نص صريح، ولذلك اختلف العلماء فيه فذهب الشافعي إلى أن الفدية تلزم بحلق ثلاث شعرات فصاعدًا، وذهب أحمد في إحدى الروايتين إلى ذلك، وفي الأخرى إلى لزومها بأربع شعرات، وذهب أبو حنيفة إلى لزومها بحلق الربع، وذهب مالك إلى لزومها بحلق ما فيه ترفه أو إماطة أذى، وهذا الاختلاف يدل على عدم النص الصريح في حلق بعض الرأس، فلا تتعين دلالة الآية على لزوم الفدية لمن أزال شعرًا قليلاً لأجل تمكن آلة الحجامة من موضع الوجع، والله تعالى أعلم، وممن قال بأن إزالة الشعر عن موضع الحجامة لا فدية فيه: محمد وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة بل قالا: في ذلك صدقة، وقد قدمنا مرارًا أن الصدقة عندهم نصف صاع من بر أو صاع كامل من غيره كتمر وشعير، والحاصل أن أكثر أهل العلم منهم الأئمة الأربعة على أنه إن حلق الشعر لأجل تمكن آلة الحجامة لزمته الفدية على التفصيل المتقدم في قدر ما تلزم به الفدية من حلق الشعر كما تقدم إيضاحه وأن عدم لزومها عندنا له وجه من النظر قوي وحكاه ابن بشير من المالكية، وأما إن لم يحلق بالحجامة شعرًا فقد قدمنا قريبًا أقوال أهل العلم فيها وتفصيلهم بين ما تدعو إليه الضرورة وبين غيره – انتهى. قال النووي: وفي حديث الحجامة بيان قاعدة من مسائل الإحرام، وهي أن الحلق واللباس وقتل الصيد ونحو
стр. 4349
متفق عليه.
٢٧١١ – (٩) وعن عثمان، حدث عن رسول الله ﷺ في الرجل إذا اشتكى عينيه وهو محرم: ضمدهما بالصبر.
ــ
ذلك من المحرمات يباح للحاجة وعليه الفدية كمن احتاج إلى حلق أو لباس لمرض أو حر أو برد أو قتل صيد للمجاعة وغير ذلك، واستدل بهذا الحديث على جواز الفصد وبط الجرح والدمل وقطع العرق وقلع الضرس وغير ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهي عنه المحرم من تناول الطيب وقطع الشعر ولا فدية عليه في شيء من ذلك، وفيه مشروعية التداوي واستعمال الطب والتداوي بالحجامة، تنبيه: قال الزرقاني في شرح قول مالك ((لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة)) أي يكره، لأنها قد تؤدي لضعفه كما كره صوم يوم عرفة للحاج مع أن الصوم أخف من الحجامة فبطل استدلال المجيز بأنه لم يقم دليل على تحريم إخراج الدم في الإحرام لأنّا لم نقل بالحرمة بل بالكراهة لعلة أخرى عملت – انتهى. ومرادهم أن ضعفه بإخراج الدم منه قد يؤدي إلى عجزه عن إتمام بعض المناسك. وهذا يدل على أن المنع عند المالكية لاحتمال الضعف لا لمعنى في نفس الحجامة، لكن قال الدردير: وكره حجامة بلا عذر خيفة قتل الدواب، فإن تحقق نفي الدواب فلا كراهة، ومحل الكراهة إذا لم يزل بسببها شعر وإلا حرم بلا عذر. وافتدى مطلقًا لعذر أم لا، وحكى الدسوقي اختلاف أصحابهم في إطلاق الكراهة وتقييدها باحتمال قتل الدواب ولم يذكر من كرهه لعارض الضعف ووجه بعض المالكية الكراهة المذكورة بأن الحجامة إنما تكون في العادة بشد الزجاج ونحوه والمحرم ممنوع من العقد والشد على جسده، قاله الشيخ سند (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الصوم وفي الطب، ومسلم في الحج، وأخرجه أحمد مرارًا والترمذي وأبو داود والنسائي والحميدي والبيهقي والدرامي وابن الجارود وغيرهم.
٢٧١١ – قوله (في الرجل) أي في حقه وشأنه وكذا حكم المرأة المحرمة (إذا اشتكى عينيه) أي حين شكا وجعهما (ضمدهما) بصيغة الماضي مشددًا من باب التفعيل. قال القاري: وفي نسخة يعني من المشكاة على بناء الأمر للإباحة. قلت: ويحتمل أن يكون بصيغة الماضي مخففًا من باب ضرب ونصر، يقال: ضمد الجرح يضمده ويضمده وضمّده شده بالضمادة وهي العصابة كالضماد، هذا أصله ثم استعمل في خلط الدواء بمائع فيلين ويوضع على العضو الماؤف، قال الطيبي: أصل الضمد الشد، يقال ضمد رأسه وجرحه إذا شده بالضماد وهو خرقة يشد بها العضو الماؤف أي المصاب بالآفة، ثم قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره وإن لم يشد – انتهى (بالصبر) ككتف بفتح الصاد المهملة وكسر الباء ويجوز إسكانها، وقال في القاموس: ولا يسكن الباء إلا في ضرورة الشعر، عصارة شجر مر، وقال في بحر
стр. 4350
رواه مسلم.
٢٧١٢ – (١٠) وعن أم الحصين، قالت: رأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة.
ــ
الجواهر: هو عصارة جامدة من نبات كالسوسن بين صفرة وحمرة منه سقو طري ومنه عربي ومنه سميخاني وأفضله سقو طري – انتهى. ويسمى بالأردية ((إيلوا)) والمقصود أن يخلط الصبر بالماء ويمرخ فيقطره في عينيه أو يكتحلهما به أو يضعه على عينيه. وفي الحديث دليل على جواز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه. قال النووي: اتفق العلماء على جواز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه مما ليس بطيب ولا فدية في ذلك، فإن احتاج إلى ما فيه طيب جاز له فعله وعليه الفدية. واتفق العلماء على أن للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا احتاج إليه ولا فدية عليه فيه. وأما الاكتحال للزينة فمكروه عند الشافعي وآخرين ومنعه جماعة منهم أحمد وإسحاق، وفي مذهب مالك قولان كالمذهبين، وفي إيجاب الفدية بذلك عندهم خلاف – انتهى. ومذهب الحنفية فيه مثل مذهب الشافعي، وروى البيهقي عن عائشة أنها قالت: في الإثمد والكحل الأسود إنه زينة نحن نكرهه ولا نحرمه. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق إلا عند الحاجة، وأجمعوا على حلة حيث لا طيب فيه (رواه مسلم)) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٦٠، ٦١، ٦٥، ٦٨) وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي وابن الجارود والحميدي.
٢٧١٢- قوله (وعن أم الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ثم ياء ساكنة ثم نون، هي بنت إسحاق الأخمسية الصحابية ولا يعرف لها اسم (رأيت أسامة) هو ابن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ (وبلالاً) هو ابن رباح مولى أبي بكر الصديق (وأحدهما) أي والحال أن أحدهما. قال القاري: والظاهر أنه بلال (آخذ) بصيغة الفاعل (بخطام ناقة رسول الله ﷺ ) الخطام بكسر الخاء ككتاب بمعنى الزمام (والآخر) أي أسامة (رافع) بالتنوين (ثوبه) أي ثوبًا في يده (يستره) أي يظله بثوب مرتفع عن رأسه بحيث لم يصل الثوب إلى رأس رسول الله ﷺ (من الحر) وفي رواية ((رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس)) وروى أحمد عن أبي أمامة عمن رأى النبي ﷺ ((راح إلى منى يوم التروية وإلى جانبه بلال، بيده عود عليه ثوب يظلل به رسول الله ﷺ )) وفي الحديث دليل على جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب أو نحوه سواءً كان راكبًا أو نازلاً وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي والجمهور محتجين بحديثي أم الحصين وأبي أمامة، وذهب مالك وأحمد إلى عدم الجواز إلا إذا كان نازلاً، فإن استظل سائرًا فعليه الفدية، وعن أحمد رواية أخرى أنه لا فدية وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقف جاز. وقد احتج لمالك وأحمد على منع التظلل بما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه أبصر رجلاً على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس،
стр. 4351
......................................................................................
ــ
فقال: إضح لمن أحرمت له، وبما أخرجه البيهقي أيضًا بإسناد ضعيف عن جابر مرفوعًا ((ما من محرم يضحي للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه)) وقوله ((أضح)) بالضاد المعجمة، وكذا ((يضحي)) والمراد أُبرز للشمس، وروى البيهقي أيضًا والشافعي وسعيد بن منصور عن عبد الله بن عياش بن ربيعة قال: حججت مع عمر بن الخطاب فما رأيت مضطربًا فسطاطًا حتى رجع، قيل له: فما كان يصنع؟ قال: يطرح النطع على الشجر فيجلس تحته، قال الشوكاني: ويجاب بأن قول ابن عمر لا حجة فيه، وبأن حديث جابر مع كونه ضعيفًا لا يدل على المطلوب وهو المنع من التظلل ووجوب الكشف لأن غاية ما فيه أنه أفضل، على أن يبعد منه ﷺ أن يفعل المفضول ويدع الأفضل في مقام التبليغ – انتهى. وقال النووي: حديث جابر ضعيف مع أنه ليس فيه نهي وكذا فعل عمر وقول ابن عمر ليس فيه نهي ولو كان فحديث أم الحصين مقدم عليه – انتهى. قلت: ويدل على الجواز مطلقًا استظلاله ﷺ بالقبة المضروبة في عرفة. وقال الشنقيطي: لا يجوز عند المالكية أن يظلل المحرم على رأسه أو وجهه بعصا فيها ثوب، فإن فعل افتدى، وفيه قول عندهم بعدم لزوم الفدية وهو الحق، وحديث أم الحصين في التظليل على النبي ﷺ بثوب يقيه الحر وهو يرمي جمرة العقبة، يدل على ذلك، وعلى أنه جائز فالسنة أولى بالإتباع، وأجاز المالكية للمحرم أن يرفع فوق رأسه شيئًا يقيه من المطر، واختلفوا في رفعه فوقه شيئًا يقيه من البرد، والأظهر الجواز لدخوله في معنى الحديث المذكور إذ لا فرق بين الأذى من البرد والحر والمطر، وبعضهم يقول: إن الفدية المذكورة مندوبة لا واجبه ولا بأس عندهم باتقاء الشمس أو الريح باليد يجعلها على رأسه أو وجهه. قال الشنقيطي: ولا خلاف بين أهل العلم في الاستظلال بالخباء والقبة المضروبة والفسطاط والشجرة وأن يرمي عليها ثوبًا، وعن مالك منع إلقاء الثوب على الشجرة، وأجازه عبد الملك بن الماجشون قياسًا على الخيمة وهو الأظهر. قال: والاستظلال بالثوب على العصا عند المالكية إذا فعله وهو سائر لا خلاف في منعه، ولزوم الفدية فيه، وإن فعله وهو نازل ففيه خلاف عندهم. والحق الجواز مطلقًا للحديث المذكور لأن ما ثبتت فيه سنة عن رسول الله ﷺ لا يجوز العدول عنه إلى رأى مجتهد من المجتهدين ولو بلغ ما بلغ من العلم والعدالة لأن سنته ﷺ حجة على كل أحد، وليس قول أحد حجة على سنته ﷺ ، وحديث أم الحصين نص صحيح صريح في جواز استظلال المحرم الراكب بثوب مرفوع فوقه يقيه حر الشمس والنازل أحرى بهذا الحكم عند المالكية من الراكب. وهذا الحديث الصحيح المرفوع لا يعارض بما روي من فعل عمر وقول ابنه عبد الله موقوفًا عليهما، ولا بحديث جابر الضعيف في منع استظلال المحرم – انتهى. قلت: وأجاب عن حديث أم الحصين بعض أصحاب مالك بأن هذا المقدار لا يكاد يدوم فهو كما أجاز مالك للمحرم أن يستظل بيده. وقال الطبري: حمل بعض أصحاب مالك الحديث على أنه تساهل لما قارب
стр. 4352
رواه مسلم.
٢٧١٣- (١١) وعن كعب بن عجرة، أن النبي ﷺ مر به
ــ
الإحلال كما تساهل في الطيب قبل الإفاضة. قلت: وما رواه أحمد من حديث أبي أمامة يرد التأويلين (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص ٤٠١) وأبو داود والنسائي والدرامي والبيهقي (ج ٥: ص ٦٩) .
٢٧١٣ – قوله (وعن كعب بن عجرة) بضم العين المهملة وسكون الجيم وبعدها راء مهملة ثم تاء تأنيث. نقل ابن عبد البر عن أحمد بن صالح المصري قال: حديث كعب بن عجرة في الفدية سنة معمول بها لم يروها من الصحابة غيره ولا رواها عنه إلا ابن أبي ليلي وابن معقل. قال: وهي سنة أخذها أهل المدينة عن أهل الكوفة. قال الزهري: سألت عنها علماءنا كلهم حتى سعيد بن المسيب فلم يبينوا كم عدد المساكين. قال الحافظ فيما أطلقه ابن صالح نظر فقد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب فذكرهم، قال: ورواه عن كعب بن عجرة غير المذكورين أبو وائل عند النسائي ومحمد بن كعب القرظي عند ابن ماجة ويحيى بن جعدة عند أحمد وعطاء عند الطبري فيقيد إطلاق أحمد بن صالح بالصحة، فإن بقية الطرق التي ذكرتها لا تخلو عن مقال إلا طريق أبي وائل عن كعب بن عجرة عند النسائي (أن النبي ﷺ مر به) فيه تجريد أو التفات أو نقل بالمعنى، قاله القاري. قلت: وفي رواية ((وقف على رسول الله ﷺ بالحديبية)) وفي أخرى ((أتي على رسول الله ﷺ زمن الحديبية)) وفي أخرى ((أتيت رسول الله ﷺ فقال: أدنه، فدنوت، فقال: أدنه، فدنوت)) وفي رواية ((حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى)) وفي أخرى ((أنه خرج مع النبي ﷺ محرمًا فقمل رأسه ولحيته فبلغ ذلك النبي ﷺ فأرسل إليه فدعا الحلاق فحلق رأسه)) والجميع بين هذا الاختلاف أن يقال: مر به أولاً وهو يوقد تحت قدر فرآه على تلك الصورة رؤية إجمالية عن بعد يسير وقال: أيؤذيك هوامك هذه؟ ولكنه لم يقدر قدر ما بلغ به من الوجع الشديد، ثم بلغه ما هو فيه من البلاء وشدة الأذى فأرسل إليه واستدعاه حتى أتاه محمولاً فاستدناه فدنا كما في رواية ابن عون عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عند الشيخين وحك رأسه بإصبعه الكريمة كما في رواية أبي وائل عن كعب عند الطبري فخاطبه وقال له: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى، ودعا الحلاق فحلق رأسه بحضرته، فنقل بعض الرواة ما لم ينقله الآخر. قال الحافظ بعد ما ذكر اختلاف الروايات في ذلك مفصلاً ما لفظه: ((والجمع بين هذا الاختلاف في قول ابن أبي ليلى عن كعب أن النبي ﷺ مر به فرآه، وفي قول عبد الله بن معقل أن النبي ﷺ أرسل إليه فرآه، أن يقال مر به أولاً فرآه على تلك الصورة فاستدعى به إليه فخاطبه وحلق رأسه بحضرته فنقل كل واحد منهما ما لم ينقله الآخر ويوضحه قوله في رواية ابن عون حيث قال فيها ((فقال: ادن فدنوت)) فالظاهر أن هذا الاستدناء كان عقب رؤيته إياه
стр. 4353
وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وهو يوقد تحت قدر، والقمل تتهافت على وجهه، فقال: " أيؤذيك هوامك؟ ". قال: نعم. قال: " فاحلق رأسك،
ــ
إذ مر به وهو يوقد تحت القدر – انتهى. وقال الطبري: يحتمل أن يكون وقف عليه ﷺ وأمره بذلك ثم حمل إليه لما كثر عليه فأمره ثانيًا فلا يكون بين قوله ((فحملت إلى رسول الله ﷺ وبين قوله ((مر به)) تضاد. وقال العيني بعد ذكر اختلاف الروايات: لا تعارض في شيء من ذلك ووجهه أنه مر به وهو محرم في أول الأمر وسأله عن ذلك، ثم حمل إليه ثانيًا بإرساله إليه، وأما إتيانه فبعد الإرسال، وأما رؤيته فلا بد منها في الكل – انتهى باختصار يسير (وهو) أي كعب (بالحديبية) تقدم ضبطها والكلام عليها، وكان ذلك سنة ست من الهجرة وكانوا محرمين بعمرة مع النبي ﷺ فصدهم المشركون عن دخول مكة (قبل أن يدخل مكة) أي وهو يتوقع دخولها حين لم يقع منع عن وصولها، وفي رواية للبخاري: أن رسول الله ﷺ رآه وإنه ليسقط القمل على وجهه، فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال نعم، فأمره أن يحلق وهم بالحديبية ولم يبين لهم أنهم يحلون وهم على طمع أن يدخلوا مكة فأنزل الله الفدية (وهو يوقد) من الإيقاد (تحت قدر) وفي رواية ((برمة)) والقمل) أي جنسه وهو بفتح القاف وسكون الميم، دويبة تتولد من العرق والوسخ في بدن الإنسان أو ثوبه أو شعره تسمى بالفارسية ((سبس)) وبالأردوية ((جوين)) تتهافت) بالتائين، وفي مسلم ((يتهافت)) أي بصيغة التذكير يعنى تتساقط شيئًا فشيئًا، من التهافت وهو تساقط الشيء قطعة قطعة كالثلج والرذاذ ونحوهما (على وجهه) وفي رواية لأحمد ((قملت حتى ظننت أن كل شعرة من رأسي فيها القمل من أصلها إلى فرعها. وفي رواية له أيضًا ((وقع القمل في رأسي ولحيتي حتى حاجبي وشاربي)) وفي رواية لأبي داود ((أصابتني هوام حتى تخوفت على بصري)) (فقال أيؤذيك) بالتذكير، وفي بعض النسخ بالتأنيث (هوامك) بتشديد الميم جمع هامة وهي ما يدب من الأخشاش والمراد بها ما يلازم جسد الإنسان غالبًا إذا طال عهده بالتنظيف، وقد وقع في الرواية هذه نفسها القمل فهو المراد بالهوام.قال الحافظ: قد عين في كثير من الروايات أنها القمل، وقال في موضع آخر: الهوام اسم للحشرات لأنها تهم أن تدب، وإذا أضيفت إلى الرأس اختصت بالقمل. وقال القاري: الهوام جمع هامة بتشديد الميم وهي الدابة التي تسير على السكون كالنمل والقمل. قال القرطبي: قوله ((أيؤذيك هوامك؟)) هذا سؤال عن تحقيق العلة التي يترتب عليها الحكم فلما أخبره بالمشقة التي نالته خفف عنه – انتهى. قال الحافظ: واستدل به على أن الفدية مرتبة على قتل القمل، وتعقب بذكر الحلق. فالظاهر أن الفدية مرتبة عليه، وهما وجهان عند الشافعية. ويظهر أثر الخلاف فيما لو حلق ولم يقتل قملاً (فاحلق رأسك) أمر إباحة، قاله القاري. وفي رواية ((فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه، قال الباجي: والأمر وإن كان يقتضي الوجوب أو الندب ولا تكون الإباحة أمرًا فقد يحتمل أن يكون النبي ﷺ ندبه
стр. 4354
وأطعم فرقًا بين ستة مساكين ". والفرق: ثلاثة آصع،
ــ
إلى ذلك، ورآه الأفضل له فقد نهى الإنسان عن أذى نفسه وتحمل المشقة الخارجة عن العادة المؤذية التي لا يطيقها الإنسان غالبًا في العبادات ولذلك كره من الحولاء بنت تويت أن لا تنام الليل، وقد قال ﷺ : اكلفوا من العمل ما تطيقون – انتهى. وقوله ((أن يلحق رأسه)) أي يزيل شعره أعم من أن يكون بموسى أو بمقص أو نورة، قاله الزرقاني، وقال ابن قدامه: لا نعلم خلافًا في إلحاق الإزالة بالحلق سواء كان بموسى أو مقص أو نورة أو غير ذلك وأغرب ابن حزم فأخرج النتف عن ذلك، فقال يلحق جميع الإزالات بالحلق إلا النتف، كذا في الفتح (وأطعم) أمر وجوب وهو بيان لقوله تعالى: ((أو صدقة)) فرقًا) بفتح الفاء والراء وقد تسكن قاله ابن فارس. وقال الأزهري: كلام العرب بالفتح والمحدثون قد يسكنونه وآخره قاف، مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلاً. قال الحافظ: وإذا ثبت أن الفرق ثلاثة آصع كما سيأتي اقتضي أن الصاع خمسة أرطال وثلث خلافًا لمن قال إن الصاع ثمانية أرطال (بين ستة مساكين قال الطيبي: فلكل واحد نصف صاع بلا فرق بين الأطعمة (والفرق ثلاثة آصع) كذا في صحيح مسلم وكتاب الحميدي وشرح السنة، وفي نسخ المصابيح ((أصوع)) وكلاهما جمع صاع. وأخطأ من قال ((آصع)) لحن قال الطيبي: صح هذا اللفظ في الحديث وهو من قبيل القلب وأصله أصوع – انتهى. والمراد بالقلب القلب المكاني بأن تجعل الواو مكان الصاد وعكسه بعد نقل حركة الواو إلى الصاد ثم تقلب الواو ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها، وكذا في المرقاة وقال النووي: الآصع جمع صاع، وفي الصاع لغتان، التذكير والتأنيث وهو مكيال يسع خمسة أرطال وثلثا بالبغدادي، هذا مذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة يسع ثمانية أرطال، وأجمعوا على أن الصاع أربعة أمداد، وهذا الذي قدمناه من أن الآصع جمع صاع صحيح، وقد ثبت استعمال الآصع في هذا الحديث الصحيح من كلام رسول الله ﷺ وكذلك هو مشهور في كلام الصحابة والعلماء بعدهم، وفي كتب اللغة وكتب النحو والتصريف، ولا خلاف في جوازه وصحته – انتهى. وذكر الحافظ في الفتح هذه الرواية عن مسلم ثم قال: وأخرجه الطبري من طريق يحيى بن آدم عن ابن عيينة فقال: فيه قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع، فأشعر بأن تفسير الفرق مدرج لكنه مقتضي الروايات الأخر ففي رواية سليمان بن قرم عن ابن الأصبهاني عند أحمد ((لكل مسكين نصف صاع)) وفي رواية يحيى بن جعدة عند أحمد أيضًا ((أو أطعم ستة مساكين مدين مدين)) وفي رواية زكريا عن ابن الأصبهاني عند مسلم ((أو يطعم ستة مساكين، لكل مسكينين صاع)) وكذا أخرجه مسدد في مسنده عن أبي عوانة عن ابن الأصبهاني، وللبخاري عن أبي الوليد عن شعبة عن ابن الأصبهاني ((أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع)) ثم أنه اختلفت الروايات في ذكر ما يخرج في الصدقة وفي مقدار الواجب لكل مسكين من المخرج، فللطبراني كما قال الحافظ عن أحمد
стр. 4355
......................................................................................
ــ
ابن محمد الخزاعي عن أبي الوليد شيخ البخاري فيه ((لكل مسكين نصف صاع تمر)) ولمسلم وأحمد وأبي داود من طريق أبي قلابة عن ابن أبي ليلى ((أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين)) ولأحمد عن محمد بن جعفر وبهز عن شعبة نصف صاع طعام، والمراد بالطعام هنا التمر كما صرح بذلك في عدة طريق عند أحمد وأبي داود وغيرهما، وفي طريق لمسلم، قال الحافظ: ولبشر بن عمر الزهراني عن شعبة (عند الدارقطني في الغرائب) نصف صاع حنطة، ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى (عند أبي داود والبيهقي) تقتضي أنه نصف صاع زبيب فإنه قال: يطعم فرقًا من زبيب بين ستة مساكين. قال ابن حزم: لا بد من ترجيح إحدى هذه الروايات لأنها قصة واحدة في مقام واحد في حق رجل واحد. قال الحافظ: المحفوظ عن شعبة أنه قال نصف صاع من طعام، والاختلاف عليه في كونه تمرًا أو حنطة لعله من تصرف الرواة، وأما الزبيب فلم أره إلا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود، وفي إسنادها ابن إسحاق وهو حجة في المغازي لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة كما تقدم، ولم يختلف فيه على أبي قلابة. وكذا أخرجه الطبري من طريق الشعبي عن كعب، وأحمد من طريق سليمان بن قوم عن ابن الأصبهاني، ومن طريق أشعث وداود عن الشعبي عن كعب، وكذا في حديث عبد الله بن عمرو عند الطبراني، وعرف بذلك قوة قول من قال: لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة وأن الواجب ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع – انتهى. يشير بذلك إلى تضعيف ما هو محكي عن الحنفية، ففي الدر المختار ((أو تصدق بثلاثة أصوع طعام على ستة مساكين)) قال ابن عابدين ناقلاً عن القهستاني: والطعام البر بطريق الغلبة – انتهى. وقال ابن قدامة: قال الثوري وأصحاب الرأي: يجزئ من البر نصف صاع لكل مسكين، ومن التمر والشعير صاع صاع، وإتباع السنة أولى، وترجم البخاري ((باب الإطعام في الفدية نصف صاع)) قال الحافظ: أي لكل مسكين من كل شيء، يشير بذلك إلى الرد على من فرق في ذلك بين القمح وغيره، قال ابن عبد البر: قال أبو حنيفة والكوفيون: نصف صاع من قمح وصاع من تمر وغيره، وعن أحمد رواية تضاهي قولهم، قال عياض: وهذا الحديث يرد عليهم - انتهى. وأما رواية إسماعيل بن زكريا عن أشعث عن الشعبي عن عبد الله بن معقل عن كعب بلفظ ((لكل مسكين صاع من تمر)) فضعيفة كما قال ابن حزم (ج ٧: ص ٢١٠) هذا وقوله ((أطعم فرقًا بين ستة مساكين)) يدل على أن الإطعام لستة مساكين، وترجم البخاري ((باب قول الله: ﴿أو صدقة﴾ وهي إطعام ستة مساكين)) قال الحافظ: يشير بهذا إلى أن الصدقة في الآية مبهمة فسرتها السنة، وبهذا قال جمهور العلماء، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الحسن قال: الصوم عشرة أيام والصدقة على عشرة مساكين، وروى الطبري عن عكرمة ونافع نحوه. قال ابن عبد البر: لم يقل بذلك أحد من فقهاء الأمصار - انتهى. وقال العيني: إن الإطعام لستة مساكين ولا يجزئ أقل من ستة، وهو قول الجمهور، وحكى عن أبي حنيفة أنه يجوز أن يدفع إلى مسكين واحد - انتهى.
стр. 4356
أو صم ثلاثة أيام، أو انسك نسيكة.
ــ
(أو صم ثلاثة أيام) بيان لقوله تعالى ﴿ففدية من صيام﴾ قال ابن التين وغيره: جعل الشارع هنا صوم يوم معادلاً بصاع، وفي الفطر من رمضان عدل مد وكذا في الظهار والجماع في رمضان وفي كفارة اليمين بثلاثة أمداد وثلث، وفي ذلك أقوى دليل على أن القياس لا يدخل في الحدود والتقديرات، كذا في الفتح، وفي الحديث دليل على أن الصوم في الفدية الواجبة بحلق الشعر ثلاثة أيام، وقد تقدم ما روي عن الحسن أنه قال: الصيام عشرة أيام، قال ابن كثير: هو قول غريب فيه نظر لأنه ثبت السنة في حديث كعب بن عجرة صيام ثلاثة أيام لا عشرة. وقال ابن عبد البر في الاستذكار: روي عن الحسن وعكرمة ونافع صوم عشرة أيام ولم يتابعهم أحد من العلماء على ذلك - انتهى، هذا ولا تخصيص لصيام الفدية عند العلماء بموضع دون موضع بل يجوز له أن يصوم في أي موضع شاء بالاتفاق بين الأئمة الأربعة وغيرهم، وأما الإطعام ففيه خلاف فذهب الشافعي إلى أن الإطعام لا يجزيه إلا في الحرم وبه قال أحمد، قال أبو حنيفة ومالك: لا يختص ذلك بمكة ولا بالحرم فيطعم حيث شاء (أو انسك) بوصل الهمزة وضم السين (نسيكة) أي اذبح ذبيحة، وفي رواية ((انسك شاة)) أي اذبح شاة، والنسك يطلق على العبادة وعلى الذبح المخصوص. وقوله ﷺ المذكور بيان لقوله تعالى: ﴿أو نسك﴾ وترجم البخاري ((باب النسك شاة)) قال الحافظ: أي النسك المذكور في الآية حيث قال: أو نسك، وروى الطبري من طريق مغيرة عن مجاهد في آخر هذا الحديث ((فأنزل الله ﴿ففدية صيام أو صدقة أو نسك﴾ والنسك شاة)) ومن طريق محمد بن كعب القرظي عن كعب ((أمرني أن أحلق وأفتدى بشاة)) قال عياض ومن تبعه تبعًا لأبي عمر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا إنما ذكروا شاة وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء. قال الحافظ: يعكر عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع عن رجل من الأنصار عن كعب بن عجرة أنه أصابه أذى فحلق فأمره النبي ﷺ أن يهدي بقرة، وللطبراني من طريق عبد الوهاب بن بخت عن نافع عن ابن عمر قال: حلق كعب بن عجرة رأسه فأمره رسول الله ﷺ أن يفتدي فافتدى ببقرة، ولعبد بن حميد من طريق أبي معشر عن نافع عن ابن عمر قال: افتدى كعب من أذى كان برأسه فحلقه ببقرة قلدها وأشعرها، ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى عن نافع عن سليمان بن يسار قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟ قال: ذبح بقرة، فهذه الطرق كلها تدور على نافع. وقد اختلف عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصح منها من أن الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة، وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق المقبري عن أبي هريرة أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه، وهذا أصوب من الذي قبله، واعتمد ابن بطال على رواية نافع عن سليمان بن يسار فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات ولم يخالف النبي ﷺ فيما أمره به من ذبح الشاة بل وافق
стр. 4357
.............................................................................................
ــ
وزاد ففيه أن من أفتى بأيسر الأشياء فله أن يأخذ بأرفعها كما فعل كعب. وقال الحافظ: هو فرع ثبوت الحديث ولم يثبت بما قدمته - انتهى. وقال الحافظ العراقي: لفظ بقرة شاذ منكر، هذا واختلفت الروايات فيما افتدى به كعب بن عجرة، قال الحافظ بعد ذكر رواية أبي الزبير عن مجاهد عند الطبراني بلفظ ((ما أجد هديًا؟ قال: فأطعم، قال: ما أجد؟ قال: صم)) ما نصه: عرف من رواية أبي الزبير أن كعبًا افتدى بالصيام، ووقع في رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنه افتدى بالذبح لأن لفظه صم أو أطعم أو انسك شاة، قال: فحلقت رأسي ونسكت. وروى الطبراني من طريق ضعيفة عن عطاء عن كعب في آخر هذا الحديث، فقلت: يا رسول الله: خر لي قال. أطعم ستة مساكين - انتهى. كذا ذكر الحافظ ولم يجزم بشيء من الثلاثة، لكن في كلامه السابق الإشارة إلى أن الذي فعله كعب إنما هو الافتداء بذبح الشاة حيث قال بعد ذكر رواية البقرة: وقد عارضها ما هو أصح منها من أن الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة وتقدم أن ابن بطال اعتمد على رواية افتدائه بالبقرة، وتعقبه الحافظ بأن ذلك لم يثبت، ورواية أبي داود من طريق الحكم عن ابن أبي ليلى بلفظ: فحلقت رأسي ثم نسكت. تدل على أنه افتدى بالذبح وهي تؤيد رواية ابن إسحاق، لكن يأباه حديث الشعبي عن كعب عند أبي داود أيضًا، قال ﷺ : أمعك دم؟ قال: لا، قال: فصم ثلاثة أيام أو تصدق. وجمع بينهما بأنه يحتمل أنه لم يكن واجدًا للشاة حين سأله ﷺ ، ثم بعد ذلك حصلت له فذبحها، قال الزرقاني: يحتمل أنه وجدها بعد ما أخبر أنه لا يجدها فنسك بها، وأما ما أخرجه ابن عبد البر أنه قال: فحلقت وصمت، فإما أنها رواية شاذة أو أنه فعل الصوم أيضًا باجتهاده، واختلف العلماء في موضع ذبح فدية الأذى فقال مالك وأحمد: يذبح حيث شاء ولا يختص ذلك بمكة ولا بالحرم، وقال الشافعي وأبو حنيفة يختص بالحرم. قال العيني: احتج بعموم الحديث مالك على أن الفدية يفعلها حيث يشاء سواء في ذلك الصيام والإطعام والكفارة لأنه لم يعين له موضعًا للذبح أو الإطعام ولا يجوز تأخير البيان عن وقت البيان، وقد اتفق العلماء في الصوم أن له أن يفعله حيث شاء لا يختص ذلك بمكة ولا بالحرم، وأما النسك والإطعام فجوزهما مالك أيضًا كالصوم، وخصص الشافعي ذلك بمكة أو بالحرم، واختلف فيه قول أبي حنيفة فقال مرة: يختص بذلك الدم دون الإطعام، وقال مرة: يختصان جميعًا بذلك. وقال هشيم: أخبرنا ليث عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دم أو إطعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال عطاء ومجاهد والحسن - انتهى. وقال الخرقي: كل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم إن قدر على إيصاله إليهم إلا من أصابه أذى من رأسه فيفرقه على المساكين في الموضع الذي حلق فيه، قال ابن قدامة: أما فدية الأذى فتجوز في الموضع الذي حلق فيه نص عليه أحمد، وقال الشافعي: لا يجوز إلا في الحرم لقوله تعالى ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ (سورة الحج، الآية ٣٣) ولنا أنه ﷺ أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية ولم يأمر ببعثه إلى الحرم، وروى الأثرم وإسحاق والجوزجاني في كتابيهما
стр. 4358
..............................................................................................
ــ
عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر قال: كنت مع عثمان وعلي وحسين بن على ﵃ حجاجًا فاشتكى حسين بن علي بالسقيا فأومأ بيده إلى رأسه فحلقه علي ونحر عنه جزورًا بالسقيا، هذا لفظ رواية الأثرم ولم يعرف لهم مخالف، والآية وردت في الهدي، وظاهر كلام الخرقي اختصاص ذلك بفدية الشعر، وما عداه من الدماء فبمكة، وقال القاضي في الدماء الواجبة بفعل محظور كاللباس والطيب هي كدم الحلق، وفي الجميع روايتان إحدهما يفدي حيث وجد سببه والثانية محل الجميع الحرم، وأما جزاء الصيد فهو لمساكين الحرم نص عليه أحمد، إلى آخر ما قال. وقال الدردير: لم يختص النسك بمعنى الفدية بأنواعها الثلاثة (شاة أو إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام) بزمان كأيام منى أو بمكان كمكة أو منى بخلاف الهدي فإنه يختص بهما إلا أن ينوي بالذبح الهدي بأن يقلد أو يشعر، والمعتمد أن مجرد النية كاف فحكمه حكم الهدي في الاختصاص بمنى أو مكة – انتهى. وفي الهداية الصوم يجزيه في أي موضع شاء لأنه عبادة في كل مكان، وكذلك الصدقة عندنا، وأما النسك فيختص بالحرم لأن الإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان، وهذا الدم لا يختص بزمان فتعين اختصاصه بالمكان – انتهى. قال الحافظ: واحتج (للمالكية) القرطبي بقوله في حديث كعب ((أو اذبح نسكًا)) قال: فهذا يدل على أنه ليس بهدي، قال: فعلى هذا يجوز أن يذبحها حث شاء، قلت: (قائله الحافظ) : لا دلالة فيه إذ لا يلزم من تسميتها نسكًا أو نسيكة أن لا تسمى هديًا أو لا تعطي حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هديًا في رواية للبخاري حيث قال: أو تهدي شاة، وفي رواية مسلم ((واهد هديًا)) وفي رواية للطبري ((هل لك هدي؟ قلت: لا أجد)) فظهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويؤيده قوله في رواية مسلم ((أو اذبح شاة)) واستدل به على أن الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال أكثر التابعين، وقال الحسن: تتعين مكة، وقال مجاهد: النسك بمكة ومنى، والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء، وقريب منه قول الشافعي وأبي حنيفة: الدم والإطعام لأهل الحرم والصيام حيث شاء إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم، وألحق بعض أصحاب أبي حنيفة وأبو بكر بن الجهم من المالكية الإطعام بالصيام – انتهى. والأظهر عندنا في النسك والصدقة أيضًا أن له أن يفعلهما حيث شاء، لأن فدية الأذى أشبه بالكفارة منها بالهدي، ولأن الله لم يذكر للفدية محلاً معينًا ولم يذكره النبي ﷺ وسماها نسكًا، والله أعلم، هذا وقد تقدم أن الحديث تفسير لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ وسياق الحديث موافق للآية و ((أو)) فيهما للتخيير، وقد ترجم البخاري في الحج من صحيحه بالآية وقال بعد ذكرها: وهو مخير والصيام ثلاثة أيام. قال الحافظ: قوله ((مخير)) من كلام المصنف، استفاده من أو المكررة، وقد أشار إلى ذلك في أول باب كفارات الأيمان، فقال: وقد خير النبي ﷺ كعبًا في الفدية، ويذكر عن ابن عباس وعطاء وعكرمة: ما كان في القرآن أو فصاحبه بالخيار، قال الحافظ: وأقرب ما وقفت عليه من طريق حديث الباب إلى التصريح ما أخرجه أبو داود من طريق الشعبي
стр. 4359
.............................................................................................
ــ
عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن النبي ﷺ قال له: إن شئت فانسك نسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم – الحديث. وفي رواية مالك في الموطأ عن عبد الكريم بإسناده في آخر الحديث ((أي ذلك فعلت أجزأ)) . قال الحافظ: لكن رواية عبد الله بن معقل عند الشيخين تقتضي أن التخيير إنما هو بين الإطعام والصيام لمن لم يجد النسك، ولفظه عند البخاري قال: أتجد شاة؟ قال: لا، قال: فصم أو أطعم، ولأبي داود في رواية أخرى: أمعك دم؟ قال: لا، قال: فإن شئت فصم)) ونحوه للطبراني من طريق عطاء عن كعب، ووافقهم أبو الزبير عن مجاهد عند الطبراني، وزاد بعد قوله ((ما أجد هديًا)) قال: فأطعم. قال: ما أجد. قال: فصم، ولهذا قال أبو عوانة في صحيحه: فيه دليل على أن من وجد نسكًا لا يصوم يعني ولا يطعم لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء إلا ما رواه الطبري وغيره عن سعيد بن جبير ((قال: النسك شاة، فإن لم يجد قومت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا فتصدق به أو صام لكل نصف صاع يومًا)) أخرجه من طريق الأعمش عنه، قال: فذكرته لإبراهيم فقال: ((سمعت علقمة مثله)) فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين وقد جمع بينهما بأوجه، منها: ما قال ابن عبد البر: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه، ومنها ما قال النووي: ليس المراد أن الصيام أو الإطعام لا يجزئ إلا لفاقد الهدي بل المراد أنه استخبره هل معه هدي أو لا، فإن كان واجده أعلمه أنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام وإن لم يجده أعلمه أه مخير بينهما، ومحصله أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعيينه لاحتمال أنه لو أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام والصوم. ومنها: ما قال غيرهما: يحتمل أن النبي ﷺ لما أذن له في حلق رأسه بسبب الأذى أفتاه بأن يكفر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه ﷺ أو بوحي غير متلو فلما أعلمه أنه لا يجد نزلت الآية بالتخيير بين الذبح والإطعام والصوم فخيره حينئذ بين الصيام والإطعام لعلمه بأنه لا ذبح معه فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه، ويوضح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل المذكور حيث قال: أتجد شاة؟ قلت: لا، فنزلت هذه الآية ((ففدية من صيام أو صدقة أو نسك)) فقال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم، وفي رواية عطاء الخراساني قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، قال: وكان قد علم أنه ليس عندي ما أنسك به، ونحوه في رواية محمد بن كعب القرظي عن كعب، وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره بل السر فيه أن الصحابة الذين خوطبوا شفاهًا بذلك كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح أو الإطعام – انتهى كلام الحافظ. ثم إن التخيير في الفدية بأنواعها الثلاثة هل يختص بالعذر والضرورة أو يعم، وأن الفدية المذكورة تختص بالحلق أو تعم الحلق وغيره من محرمات الإحرام كاللبس والتطيب؟ وهل تختص بالعمد أو تعم العمد والخطأ والنسيان؟ وما هو حكم بعض شعر الرأس وحكم شعر الجسد غير الرأس؟ العلماء مختلفون في ذلك كله من أراد الوقوف على مذاهبهم ومستندات
стр. 4360
متفق عليه.
(الفصل الثاني)
٢٧١٤ – (١٢) عن ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفر
ــ
أقوالهم فليرجع إلى العيني (ج ١٠: ص ١٥٢) والمغني (ج ٣: ص ٤٩٢، ٤٩٣،٤٩٤) وأضواء البيان (ج ٥: ص ٣٦٠ إلى ٤٠٠) وفي الحديث من الفوائد أن السنة مبينة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن وتقييدها بالسنة وتحريم حلق الرأس على المحرم والرخصة له في حلقها إذا آذاه القمل أو غيره من الأوجاع مع الكفارة المذكورة، وأن النسك ها هنا شاة، فلو تبرع بأكثر من هذا جاز، وفيه تلطف الكبير بأصحابه وعنايته بأحوالهم وتفقده لهم، وإذا رأى ببعض أصحابه ضررًا سأل عنه وأرشده إلى المخرج منه (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج والمغازي والتفسير والمرضى والطب والنذور، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا مالك فيه، وأحمد (ج ٤: ص ٢٤١، ٢٤٢، ٢٤٣، ٢٤٤) والترمذي في الحج وفي التفسير وأبو داود والنسائي وابن ماجة في الحج، وأخرجه أيضًا الشافعي وابن الجارود والحميدي والبيهقي وغيرهم.
٢٧١٤- قوله (عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين) أي عن لبسهما في أيديهن (والنقاب) أي البرقع في وجوههن بحيث يماس بشرتهن، فيه دليل على منع المحرمة من لبس القفازين والنقاب، وهو الحق والصواب، وقد تقدم الكلام في ذلك (وما مس) أي وعما صبغه (الورس والزعفران من الثياب) تقدم الكلام في ذلك أيضًا (ولتلبس) قال الطيبي كأنه قال سمعته يقول: لا تلبس النساء القفازين والنقاب ولتلبس (بعد ذلك أي ما ذكر (ما أحبت من ألوان الثياب) أي أنواعها وأصنافها (معصفر) بالجر على أنه بدل من ألوان الثياب أي المصبوغ بالعصفر وهو بضم عين وسكون صاد مهملتين فضم فاء آخره راء، يقال له بالهندية ((كُسُمْ وكُسُنْبة)) قلت: قوله ((معصفر)) كذا في جميع نسخ المشكاة والمصابيح، وفي أبي داود ((معصفرًا)) بالنصب وهكذا ذكر المجد في المنتقى والنووي في شرح المهذب والحافظ في التخليص والبيهقي في السنن والزيلعي في نصب الراية، وفي المستدرك للحاكم ((من معصفر)) أي بزيادة ((من)) وكذا في جامع الأصول وفي الحديث دلالة على لبس الثوب المعصفر للمحرمة وإليه ذهب الشافعي وأحمد وكرهه مالك إذا كان ينتفض، ومنع منه الثوري وأبو حنيفة. قال الخرقي: لا بأس بما صبغ بالعصفر. قال ابن قدامة: إن العصفر ليس بطيب ولا بأس باستعماله وشمه ولا بما صبغ به، وهذا قول جابر وابن عمر وعبد الله بن جعفر وعقيل بن أبي طالب وهو مذهب الشافعي، وعن عائشة وأسماء وأزواج النبي ﷺ أنهن كن يحرمن في المعصفرات
стр. 4361
أوخز أو حلي أو سروايل أو قميص أو خف. رواه أبو داود.
ــ
وكرهه مالك إذا ينتفض في بدنه ولم يوجب فيه فدية، ومنع منه الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وشبهوه بالمورس والمزعفر لأنه صبغ طيب الرائحة فأشبه ذلك. قال: ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب – الحديث. وروى الإمام أحمد في المناسك بإسناده عن عائشة بنت سعد قالت: كنّا أزواج النبي ﷺ نحرم في المعصفرات، ولأن قول سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفًا، ولأنه ليس بطيب فلم يكره ما صبغ به كالسواد والمصبوغ بالمغرة، وأما الورس والزعفران فإنه طيب بخلاف مسألتنا – انتهى. وقال الشنقيطي: الأظهر أن العصفر ليس بطيب مع أنه لا يجوز لبس المحرم ولا غيره للمعصفر، وقد تقدم حديث ابن عمر عند أبي داود يريد حديثه الذي نحن في شرحه، قال: وهو صريح في أن العصفر ليس بطيب، وعن ابن عباس قال: ((كان أزواج النبي ﷺ يختضبن بالحناء وهن محرمات ويلبسن المعصفر وهن محرمات)) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه يعقوب بن عطاء وثقه ابن حبان وضعفه جماعة، وأما ما ورد من منع لبس المعصفر مطلقًا فهو محمول على الرجال فلا يجوز لهم لبس المعصفر في الإحرام ولا في غير الإحرام، وأما النساء فيجوز لهن مطلقًا. وأجاب الحنفية عن حديث ابن عمر هذا بأوجه: منها أنه محمول على معصفر مغسول لا يوجد منه رائحة، ومنها أن المراد بالمعصفر في الحديث ما يصبغ بالطين الأرمني كذا ذكره القاري، ولا يخفى ما فيه، ونحوه ما ذكره في البدائع أن المراد بالمعصفر المصبوغ بمثل العصفور كالمغرة ونحوها، ومنها ما قال ابن الهمام أن مبنى الخلاف على أن العصفر طيب الرائحة أم لا؟ فقلنا: نعم. فلا يجوز، قال: والنص المذكور ورد بمنع المورس وهو دون المعصفر في الرائحة فيمنع المعصفر بطريق أولى، قال: والجواب المحقق من حديث ابن عمر إن شاء الله أن نقول: ولتلبس بعد ذلك، إلخ. مدرج فإن المرفوع صريحًا هو قوله: سمعته ينهى عن كذا، وقوله ((ولتلبس بعد ذلك)) ليس من متعلقاته، ولا يصح جعله عطفًا على نهى لكمال الانفصال بين الخبر والإنشاء فكان الظاهر أنه مستأنف من كلام ابن عمر فتخلو تلك الدلالة عن المعارض الصريح أعني منطوق المورس ومفهومه الموافق فيجب العمل به – انتهى. وقد تقدم الجواب عن ذلك في كلام الطيبي والشنقيطي فتأمل (أو خَزّ) بفتح الخاء المعجمة والزاي المشددة، ثوب من إبريسم وصوف، وفي المغرب: الخز اسم دابة سمى المتخذ من وبرها خزًا (أو حلي) بفتح الحاء وإسكان اللام وبضم الحاء مع كسر اللام وتشديد الياء جمع حلي بالفتح، وهو ما تتحلى به المرأة من جلجل وسوار وخرص وتتزين به من ذهب أو فضة أو غيرهما من المعدنيات أو الحجارة الثمينة، قال الطيبي: جعل الحلي من الثياب تغليبًا أو أدخل في الثياب مجازًا لعلاقة إطلاق اللبس عليه في قوله تعالى: ﴿وتستخرجون منه حلية تلبسونها﴾ (سورة النحل، الآية ١٤) (رواه أبو داود وأخرجه أيضًا الحاكم (ج ١: ص ٤٨٦) والبيهقي (ج ٥: ص ٥٢) وأخرجه أحمد (ج ٢: ص ٢٢) إلى قوله ((من
стр. 4362
٢٧١٥- (١٣) وعن عائشة، قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا جازوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه.
ــ
الثياب)) وفي سنده عندهم جميعًا محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث، فالحديث حسن وقد سكت عنه أبو داود والحافظ في الفتح والتلخيص، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقرره الذهبي، وقال النووي في شرح المهذب: رواه أبو داود بإسناد حسن وهو من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازي، إلا أنه قال حدثني نافع عن ابن عمر، وأكثر ما أنكر على ابن إسحاق التدليس وإذا قال المدلس ((حدثني)) أحتج به على المذهب الصحيح المشهور – انتهى.
٢٧١٥- قوله (كان الركبان) بضم الراء جمع الراكب (يمرون بنا) أي علينا معشر النساء (محرمات) بالرفع على الخبرية أي مكشوفات الوجوه (فإذا جازوا بنا) كذا في بعض نسخ المشكاه، وهكذا وقع في السنن للبيهقي، وهو من الجواز بمعنى المرور أي مروا علينا وفي بعض النسخ ((جاوزوا بنا)) من المجاوزة، وهكذا وقع في جامع الأصول، أي أرادوا المجاوزة والمرور بنا ولفظ أبي داود ((حاذوا بنا)) بفتح الذال من المحاذاة بمعنى المقابلة، وهكذا وقع في مسند أحمد وفي القرى للطبري والمنتقي للمجد، وفي بعض نسخ أبي داود ((حاذونا)) وهكذا وقع في نسخة معالم السنن وفي السيل الجرار والمغني والتلخيص والمصابيح وهو الأظهر (سدلت) أي أرسلت (جلبابها) بكسر الجيم أي ملحفتها وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة إذا خرجت لحاجة، وقال الطبري: الجلباب هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها، وجمعه جلايب وقد يطلق على الإزار والملحفة (فإذا جاوزونا) أي تعدوا عنا وتقدموا علينا (كشفناه) أي أزلنا الجلباب، قال القاري: ولو جعل الضمير إلى الوجه لقرينة المقام فله وجه، والمعنى أنهن كن يسترن وجوههن إذا مر عليهن الرجال بجلابيبهن، فإذا أبعدوا عنهن كشفن وجوههن، وفي الحديث الرخصة للمرأة في ستر وجهها للحاجة كما فعلت عائشة ومن معها من النسوة وهن محرمات عند مرور الرجال عليهن. قال الخطابي: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى المحرمة عن النقاب فأما سدل الثوب على وجهها من رأسها فقد رخص فيه غير واحد من الفقهاء ومنعوها أن تلف الثوب أو الخمار على وجهها أو تشد النقاب أو تتلثم أو تتبرقع، وممن قال بأن للمرأة أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها عطاء ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق، وهو قول محمد بن الحسن وقد علق الشافعي القول فيه أي على صحته – انتهى. وقال الشوكاني: استدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة إذا احتاجت إلى ستر وجهها بمرور الرجال قريبًا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره مطلقًا كالعورة لكن إذا سدلت يكون الثوب متجافيًا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة، هكذا قال أصحاب الشافعي وغيرهم، وظاهر الحديث خلافه لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان التجافي شرطًا لبينه النبي ﷺ -
стр. 4363
رواه أبو داود، ولابن ماجة معناه.
٢٧١٦- (١٤) وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يدهن بالزيت وهو محرم غير المقتت يعني غير المطيب.
ــ
انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٢٦) : إذا احتاجت المرأة إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها، روى ذلك عن عثمان وعائشة، وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن، ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لحديث عائشة عند أبي داود والأثرم فذكر حديثها الذي نحن في شرحه قال: ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة، وذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيًا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة، فإن أصابها ثم زال أو أزالته بسرعة فلا شيء عليها كما لو أطارت الريح الثوب عن عورة المصلى ثم عاد بسرعة لا تبطل الصلاة، فإن لم ترفعه مع القدرة افتدت لأنها استدامت الستر، ولم أر هذا الشرط عن أحمد ولا هو في الخبر مع أن الظاهر خلافه فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطًا لبين، وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما مما يعد لستر الوجه. قال أحمد: أنما لها أن تسدل على وجهها من فوق وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل، كأنه يقول إن النقاب من أسفل على وجهها – انتهى (رواه أبو داود) أي بهذا اللفظ وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٦: ص ٣٠) والبيهقي وابن خزيمة كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عائشة، وقد سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: ذكر شعبة ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين أن مجاهدًا لم يسمع من عائشة، وقال أبو حاتم الرازي: مجاهد عن عائشة مرسل، وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث مجاهد عن عائشة أحاديث، وفيها ما هو ظاهر في سماعه منها وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وقد تكلم فيه غير واحد، وأخرج له مسلم في جماعة غير محتج به _ انتهى. وقال الحافظ في التخليص: وقال ابن خزيمة: في القلب من يزيد بن أبي زياد، ولكن ورد من وجه آخر من طريق ثم أحرج من طريق فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر وهي جدتها نحوه، وصححه الحاكم، وقال في الفتح بعد ذكر حديث عائشة: أخرجه ابن المنذر من طريق مجاهد عنها، وفي إسناده ضعف. وقال الشوكاني: يزيد بن أبي زياد المذكور قد أخرج له مسلم أي مقرونًا. في الخلاصة عن الذهبي أنه صدوق رديء الحفظ، قلت: وقال ابن معين: ضعيف الحديث لا يحتج بحديث، وقال أبو داود: لا أعلم أحدًا ترك حديثه وغيره أحب إلى منه، كذا في تهذيب الحافظ.
٢٧١٦- قوله (كان يدهن) بتشديد الدال (غير المقتت) بقاف وتائين مثناتين فوقيتين الأولى مشددة من التقتيت حال من الزيت أو صفة له، وهو الذي يطبخ فيه الرياحين حتى يطيب ريحه، قال في القاموس زيت مقتت، طبخ فيه الرياحين أو خلط بأدهان طيبة – انتهى (يعنى) هو كلام بعض الرواة يعنى يريد ابن عمر بغير المقتت (غير المطيب)
стр. 4364
..............................................................................................
ــ
وفي الحديث دلالة على جواز الإدهان بالزيت الذي لم يخلط بشيء من الطيب، لكن الحديث ضعيف كما ستعرف، ويستدل بمفهومه على أنه لو كان مطيبًا لم يجز الإدهان به قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن والشيرج وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته. قال: وأجمعوا على أن الطيب لا يجوز استعماله في بدنه ففرقوا بين الطيب والزيت في هذا. قال الحافظ: فقياس كون المحرم ممنوعًا من استعمال الطيب في رأسه أن يباح له استعمال الزيت في رأسه – انتهى. قلت: في نقل الإجماع على جواز استعمال الزيت ونحوه في جميع البدن نظر، فكلام الحنفية والمالكية يدل على أن الإدهان ممنوع عندهم، ففي الهداية: ولا يمس طيبًا لقوله ﵇: الحاج الشعث التفل، وكذا لا يدهن لما روينا – انتهى. قال ابن الهمام: والشعث انتشار الشعر وتغيره لعدم تعهده، فأفاد منع الإدهان – انتهى. وقال القاري في شرح المناسك: إن ادهن بدهن غير مطيب كالزيت الخالص وأكثر منه فعليه دم عند أبي حنيفة وصدقة عندهما، وروي عنه مثل قولهما وإن استقل منه فعليه صدقة اتفاقًا، هذا إذا استعمله على وجه الطيب، أما إذا استعمله على وجه التداوي أو الأكل فلا شيء عليه اتفاقًا. ولو ادهن بسمن أو شحم أو ألية أو أكله فلا شيء عليه، ولا فرق بين الشعر والجسد في الدهن – انتهى. وفي البدائع: لو ادهن بدهن فإن كان الدهن مطيبًا فعليه دم إذا بلع عضوًا كاملاً، وإن كان غير مطيب بأن ادهن بزيت فعليه دم في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد عليه صدقة ولو داوى بالزيت جرحه أو شقوق رجليه فلا كفارة عليه لأنه ليس بطيب بنفسه. وإن كان أصل الطيب لكنه ما استعمله على وجه الطيب فلا يجب به الكفارة بخلاف ما إذا تداوى بالطيب أنه تجب به الكفارة لأنه طيب في نفسه فيستوي فيه استعماله للتطيب أو لغيره، وإن ادهن بشحم أو سمن فلا شيء عليه لأنه ليس بطيب في نفسه، ولا أصل للطيب بدليل أنه لا يطيب بإلقاء الطيب فيه ولا يصير طيبًا بوجه، وقد قال أصحابنا: إن الأشياء التي تستعمل في البدن على ثلاثة أنواع: نوع هو طيب محض معد للتطيب كالمسك ونحوه فتجب به الكفارة على أي وجه استعمل حتى قالوا لو داوى عينه بطيب تجب عليه الكفارة، ونوع ليس بطيب بنفسه وليس فيه معنى الطيب ولا يصير طيبًا بوجه كالشحم فسواء أكل أو ادهن به أو جعل في شقوق الرجل لا تحب الكفارة، ونوع ليس بطيب بنفسه لكنه أهل الطيب يستعمل على وجه الطيب ويستعمل على وجه الإدام كالزيت والشيرج فيعتبر فيه الاستعمال، فإن استعمل استعامل الإدهان في البدن يعطى له الحكم الطيب، وإن استعمل في مأكول أو شقاق رجل لا يعطى له الحكم الطيب كالشحم – انتهى. وقال في اللباب: لا فرق بين الشعر والجسد في الدهن. وقال الباجي: الإدهان بعد الإحرام وقبل وجود شيء من التحلل ممنوع بدهن مطيب وغير مطيب، وروى ابن حبيب عن الليث إباحة ذلك بكل ما يجوز له أكله من الأدهان، وقال: أنه قول عمر وعلي، فإن فعل شيئًا من ذلك فقد روى ابن حبيب عن مالك أن عليه الفدية، واختار ابن حبيب أن لا فدية
стр. 4365
......................................................................................
ــ
عليه - انتهى. وقال في موضع آخر: استعمال الدهن الذي ليس بمطيب يكون في ثلاثة مواضع: أحدهما أن يستعمله في باطن جسده بأن لا يظهر منه كتقطيره في الأذن والاستسعاط به والمضمضة فإن هذا كله جائز للمحرم أن يفعله ولا شيء عليه فيه لأنه بمنزلة أكله وهو الذي ذكره مالك في الموطأ (في باب ما يجوز للمحرم أن يفعله) والثاني أن يستعمله في ظاهر بدنه غير باطن يديه وقدميه، فإن فعل فهذا ممنوع، وعليه الفدية عند مالك وجميع أصحابه. قال ابن حبيب: وقد روى إباحة ذلك، وبه أخذ الليث. وجه قول مالك أنه إزالة شعث لأنه مما يفعل للجمال والتنظف، وإن دهن بطون قدميه أو يديه لشقوق بهما فلا بأس بذلك، وإن فعل ذلك لغير علة فعليه الفدية، ووجه ذلك أنهما ظاهران ظهور سائر الأعضاء فإذا لم يقصد بدهنهما دفع مضرة فلا غرض في ذلك غير تحسين ظاهر الجسد وإزالة الشعث فوجبت بذلك الفدية، وإن قصد بذلك دفع المضرة أو القوة على العمل فلا فدية في ذلك لأنهما وإن ظهرا فإنهما باطنان من ظاهر الجسد ويختصان بالعمل وبذلك فارقا سائر الأعضاء من الجسد - انتهى. وقال النووي في المناسك: أما الأدهان فضربان دهن هو طيب، ودهن ليس بطيب كالزيت والشيرج والسمن فلا يحرم الإدهان به في غير الرأس واللحية، وأما ما هو طيب كدهن الورد والبنفسج فيحرم استعماله في جميع البدن والثياب، ثم قال في مبحث شعر الرأس واللحية: يحرم عليه دهنهما بكل دهن سواء كان مطيبًا أو غير مطيب كالزيت ودهن الجوز واللوز ولو دهن الأقرع رأسه بهذا الدهن فلا بأس به. وكذا لو دهن الأمرد ذقنه فلا بأس، ولو دهن محلوق الشعر رأسه عصى على الأصح ولزمه الفدية (بناء على أن الشعر إن نبت جمله ذلك الدهن الذي جعل عليه وهو محلوق، والوجه الثاني لا فدية، لأنه لا يزول به شعث، واختاره المزني وغيره) وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٢٢) : أما المطيب من الأدهان كدهن الورد والبنفسج فليس في تحريم الإدهان به خلاف في المذهب، وأما ما لا طيب فيه كالزيت والشيرج والسمن والشحم ودهن ألبان الساذج فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عن المحرم يدهن بالزيت والشيرج؟ فقال: نعم يدهن به إذا احتاج إليه ويتداوى المحرم. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن للمحرم أن يدهن بدنه بالشحم والزيت والسمن، ونقل الأثرم جواز ذلك عن ابن عباس وأبي ذر والأسود بن يزيد، ونقل أبو داود عن أحمد أنه قال: الزيت الذي يؤكل لا يدهن المحرم به رأسه، فظاهر أنه لا يدهن رأسه بشيء من الأدهان، وهو قول عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، لأنه يزيل الشعث ويسكن الشعر، فأما دهن سائر البدن فلا نعلم عن أحمد فيه منعًا وقد ذكرنا إجماع أهل العلم على إباحته في اليدين (١) ، وإنما الكراهة في الرأس خاصة لأنه محل الشعر. وقال القاضي في إباحته في جميع البدن روايتان، فإن فعله فلا فدية فيه في ظاهر كلام أحمد سواء دهن رأسه أو غيره إلا أن
стр. 4366
رواه الترمذي.
(الفصل الثالث)
٢٧١٧ – (١٥) عن نافع، أن ابن عمر وجد القر، فقال: ألق علي
ــ
يكون مطيبًا. وقد روي عن ابن عمر أنه صدع وهو محرم فقالوا: ألا ندهنك بالسمن؟ فقال: لا. قالوا: أليس تأكله؟ قال: ليس أكله كالإدهان به وقال الذين منعوا من دهن الرأس: فيه الفدية لأنه مزيل للشعث أشبه ما لو كان مطيبًا، ولنا أن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولا دليل فيه من نص ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الطيب فإن الطيب يوجب الفدية وإن لم يزل شعثًا، ويستوي فيه الرأس وغيره والدهن بخلافه – انتهى. قلت: احتج الشافعية لما ذهبوا إليه من جواز دهن جميع البدن غير الرأس واللحية بالزيت والسمن ونحوهما مما ليس بطيب بحديث ابن عمر. وأجاب الحنفية ومن وافقهم عنه بأوجه، منها أن الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج كما ستعرف، ومنها أن الصحيح أنه موقوف ليس بمرفوع، كذا قيل، ومنها أنه اختلف فيه على سعيد بن جبير فقيل عن ابن عباس مكان ابن عمر كما في السنن للبيهقي، ومنها أنه على تقدير صحة الاحتجاج به فظاهره عدم الفرق بين الرأس واللحية وبين سائر البدن لأن الإدهان فيه مطلق غير مقيد بما سوى الرأس واللحية، ومنها أن الحديث محمول على حال الضرورة لأنه ﷺ كما كان لا يفعل ما يوجب الدم كان لا يفعل ما يوجب الصدقة، ثم ليس فيه أنه لم يكفر فيحتمل أنه فعل وكفر فلا يكون حجة، ومنها أنه يحتمل أن يكون ﷺ ادهن قبل الإحرام وبقي أثره بعد الإحرام ويؤيده ما وقع في رواية لأحمد (ج ٢: ص ٢٥، ٥٩) أن رسول الله ﷺ كان يدهن عند الإحرام بالزيت غير المقتت (راوه الترمذي) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٢٥، ٢٩، ٥٩، ٧٢، ١٤٥) وابن ماجة والبيهقي (ج ٥: ص ٥٨) كلهم من طريق فرقد السبخي عن سعيد بن جبير عن ابن عمر، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث فرقد السبخي عن سعيد بن جبير، وقد تكلم يحيى بن سعيد في فرقد السبخي، وروى عنه الناس – انتهى. قلت: قال الحافظ في التقريب: فرقد بن يعقوب السبخي بفتح المهملة والموحدة وبخاء معجمة أبو يعقوب البصري صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ، وقال الذهبي في الميزان: قال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال ابن معين: ثقة، وقال البخاري: في حديثه مناكير، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أيضًا هو والدارقطني: ضعيف، وقال يحيى القطان: ما يعجبنا الرواية عن فرقد – انتهى. وقال في ترجمة محمد بن يونس القرشي الشامي نقلاً عن ابن حبان: فقد السبخي: ليس بشيء.
٢٧١٧ – قوله (القر) بضم القاف وتشديد الراء، أي البرد، يقال قر اليوم قرًا بالفتح برد، والاسم القر بالضم فهو قر بالفتح تسمية بالمصدر، وقار على الأصل أي بارد، وليلة قرة وقارة (ألق) أمر من الإلقاء أي اطرح (عليّ) بتشديد
стр. 4367
ثوبًا يا نافع! فألقيت عليه برنسًا، فقال: تلقي علي هذا وقد نهى رسول الله ﷺ أن يلبسه المحرم. رواه أبو داود.
٢٧١٨ - (١٦) وعن عبد الله بن مالك بن بحينة، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم بلحي جمل من طريق مكة في وسط رأسه. متفق عليه.
ــ
الياء (برنسًا) تقدم ضبطه ومعناه (تلقي عليّ) بحذف الاستفهام الإنكاري (هذا) أي الثوب المخيط (وقد نهى رسول الله ﷺ أن يلبسه المحرم) قال القاري: فجعل طرحه عليه لبسًا، ومذهبنا أنه يحرم على المحرم لبس المخيط وتغطية بعض الأعضاء بالمخيط وغيره على الوجه المعتاد، والمخيط الملبوس المعمول على قدر البدن أو قدر عضو منه بحيث يحيط به سواء بخياطة أو نسج أو لصق أو غير ذلك، وتفسير لبس المخيط على الوجه المعتاد أن لا يحتاج في حفظه إلى تكلف عند الاشتغال بالعمل، وضده أن يحتاج إليه، قال: ولعل ابن عمر كره ذلك للتشبه بالمخيط، وأطلق اللبس على الطرح مجازًا، ويمكن أنه ألقي عليه على وجه غطى رأسه ووجهه فأنكر عليه فعلى هذا معنى كلامه أتلقي هذا الإلقاء والحال أنه ﷺ نهى المحرم عن ستر الرأس وتغطيته – انتهى. وقال في اللمعات: لعل مذهب ابن عمر اجتناب المخيط مطلقًا أو فعله احتياطًا، وإلا فالمراد النهي عن لبس المخيط على وجه يتعارف فيه وقد صرحوا به – انتهى. وتقدم شيء من الكلام في ذلك في شرح حديث ابن عمر أول أحاديث هذا الباب (رواه أبو داود) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٣١، ١٤١) والبيهقي (ج ٥: ص ٥٢) وقد سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: وأخرج البخاري والنسائي المسند منه بنحوه أتم منه.
٢٧١٨ – قوله (وعن عبد الله بن مالك بن بحينة) بضم الموحدة وفتح الحاء المهملة بعدها ياء ساكنة ثم نون بعدها هاء، اسم أم عبد الله، ولذا كتبت الألف في ابن بحينة (بلحي جمل) بفتح اللام ويجوز كسرها وسكون الحاء وياء مثناة تحتية، وفي بعض الروايات ((بلحيي جمل)) أي بيائين بصيغة التثنية، وجمل بفتح الجيم والميم اسم موضع بطريق مكة كما وقع مبينًا في الرواية، قال الحافظ ذكر البكري في معجمه في رسم العقيق، قال: هي بئر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم في التيمم، وقال غيره يعني ابن وضاح: هي عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا – انتهى. وقال صاحب القاموس: ((لحي جمل)) موضع بين الحرمين، وإلى المدينة أقرب، وزعم أن السقيا بالضم موضع بين المدينة ووادي الصفراء، وما ظنه بعضهم من أن المراد بلحي جمل أحد فكي الجمل الذي هو ذكر الإبل وأن فكه كان هو آلة الحجامة أي احتجم بعظم جمل فهو غلط لا شك فيه (من طريق مكة) وفي رواية ((بطريق مكة)) (في وسط رأسه) بفتح السين المهملة أي متوسطه، وهذا الاحتجام لا يتصور بدون إزالة الشعر فيحمل على حال الضرورة، والله تعالى أعلم (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الطب، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥: ص ٣٤٥) والنسائي والبيهقي (ج ٥: ص ٦٥) .
стр. 4368
٢٧١٩ – (١٧) وعن أنس، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به. رواه أبو داود، والنسائي.
٢٧٢٠ – (١٨) وعن أبي رافع، قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما.
ــ
٢٧١٩ – قوله (احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به) وفي رواية النسائي ((من وثئ كان به)) وهو بفتح الواو وسكون المثلثة آخره همزة، وجع يصيب اللحم ولا يبلغ العظم، أو وجع يصيب العظم من غير كسر والاحتجام على ظهر القدم يتصور بدون قطع الشعر فلا إشكال مع التصريح بالعذر، ثم يمكن تعدد الاحتجام في إحرام واحد أو في إحرامين، قاله القاري. قلت: ذكر في هذا الحديث أن الحجامة كانت على ظهر القدم، وفي حديثي ابن عباس وابن بحينة أنها كانت في الرأس من صداع وجده، وفي حديث جابر عند أحمد من وثئ كان بوركه أو ظهره فيحتمل أنه كان به الأمران فاحتجم مرة لوجع الرأس ومرة للوثئ بظهر القدم وبالورك، وأن الحجامة تعددت منه ﷺ في إحرام حجة الوداع، ويحتمل أنها كانت مرة في عمرة ومرة في حجة الوداع. قال الحافظ: اتفقت الطرق عن ابن عباس أنه احتجم ﷺ وهو محرم في رأسه، ووافقها حديث ابن بحينة وخالف ذلك حديث أنس فأخرج أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق معمر عن قتادة عنه قال ((احتجم النبي ﷺ وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به)) ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا داود حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة رواه عن قتادة فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر وليست هذه بعلة قادحة، والجمع بين حديثي ابن عباس واضح بالحمل على التعدد أشار إلى ذلك الطبري – انتهى. (رواه أبو داود والنسائي) وأخرجه أيضًا أحمد وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي (ج ٥: ص ٦٥) وأخرجه الترمذي في أواخر الشمائل بلفظ ((أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم بملل على ظهر القدم)) قال القاري: هو بفتح الميم واللام الأولى موضع بين مكة والمدينة على سبعة عشر ميلاً من المدينة.
٢٧٢٠ – قوله (وعن أبي رافع) مولى النبي ﷺ (بنى بها) أي دخل عليها وهو كناية عن الزفاف (وكنت أنا الرسول) أي الواسطة في أمر الزواج (بينهما) أي بينه وبين ميمونة أو بينه وبين العباس وكيلها في الزواج، وهذا الحديث صريح كحديث يزيد بن الأصم المتقدم في الفصل الأول أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال خلافًا لما روى ابن عباس، قال الحازمي في كتابه في بيان الناسخ والمنسوخ (ص ١١) : والأخذ بحديث أبي رافع أولى لأنه كان السفير
стр. 4369
رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن.
ــ
بينهما وكان مباشرًا للحال، وابن عباس كان حاكيًا، ومباشر الحال مقدم على حاكيه ألا ترى عائشة كيف أحالت على علي حين سئلت عن مسح الخف وقالت: سلوا عليًا فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ – انتهى بتغيير يسير، وعزاه الزيلعي (ج ٣: ص ١٧٤) للطحاوي وسكت عنه، هذا وقد تقدم الكلام في مسألة التزوج في الإحرام مبسوطًا في شرح أحاديث عثمان وابن عباس ويزيد بن الأصم (رواه أحمد) (ج ٦: ص ٣٩٢) (والترمذي) في الحج، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة، والبيهقي (ج ٥: ص ٦٦، وج ٧: ص ٢١١) وابن حبان في صحيحه عن ابن خزيمة كما في نصب الراية كلهم من طريق حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع (وقال) أي الترمذي (هذا حديث حسن) وبعده ((ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة)) وروى مالك بن أنس عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، مرسلاً. ورواه أيضًا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلاً – انتهى. قال ابن عبد البر في التمهيد بعد ذكر رواية مطر الوراق: هذا عندي غلط من مطر لأن سليمان بن يسار ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل سبع وعشرين، ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بقليل، وقتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين فلا يمكن أن يسمع سليمان من أبي رافع، ومن صحيح أن يسمع سليمان بن يسار من ميمونة لما ذكرنا من مولده، ولأن ميمونة مولاته – انتهى. وقال ابن أبي حاتم في المراسيل: حديث سليمان بن يسار عن أبي رافع مرسل، ورد ذلك بما قال الزرقاني بعد ذكر كلام ابن عبد البر من أن سماع سليمان عن أبي رافع ممكن على القول الثاني في ولادته لأنه أدرك نحو ثمان سنين من حياة أبي رافع فلا يتغرب سماعه منه – انتهى. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب بعد ذكر كلام ابن عبد البر وابن أبي حاتم ما لفظه: كذا قالا وحديثه عنه في مسلم وصرح بسماعه منه عند ابن أبي خيثمة في تاريخه – انتهى. وقال الطحاوي: حديث أبي رافع إنما رواه مطر الوراق ومطر عندهم ليس ممن يحتج بحديثه وقد رواه مالك وهو أضبط منه فقطعه يعني رواه مرسلاً، قلت: مطر الوراق صدوق صالح الحديث من رواة مسلم، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ وقال الذهبي في الميزان: هو من رجال مسلم حسن الحديث. وقال البيهقي: قد احتج به مسلم بن الحجاج – انتهى. ومن تكلم فيه إنما تكلم في حديثه عن عطاء خاصة، قال في الميزان: قال أحمد ويحيى: هو ضعيف في عطاء خاصة، وقال في تهذيب التهذيب قال أحمد: ما أقربه من ابن أبي ليلى في عطاء خاصة – انتهى. فحديثه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن لا ينحط عن درجة الحسن ولذا حسنه الترمذي ولم ير إرسال مالك قادحًا في وصله على أنهما حديثان متغايران كما لا يخفى، فلا تعارض بين رواية مطر ورواية مالك حتى يحتاج إلى الترجيح أو الجمع فافهم.
стр. 4370
(١٢) باب المحرم يجتنب الصيد
ــ
(باب) يجوز سكونه على الوقف ورفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف هو ((هذا)) ويحتمل الإضافة (المحرم يجتنب الصيد) أي اصطياده وقتله وإن لم يأكله، وأكله وإن ذكاه محرم آخر، قال القاري: والمراد بالصيد حيوان متوحش بأصل الخلقة بأن كان توالده وتناسله في البر، أما صيد البحر فيحل اصطياده للحلال والمحرم جميعًا مأكولاً أو غير مأكول لقوله تعالى ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة﴾ (المائدة: الآية ٩٦) قال الشنقيطي: ظاهر عموم قوله تعالى ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ يدل على إباحة صيد البحر للمحرم بحج أو عمرة وهو كذلك كما بينه تخصيصه تعالى تحريم الصيد على المحرم بصيد البر في قوله ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ (المائدة: الآية ٩٦) فإنه يفهم منه أن صيد البحر لا يحرم على المحرم كما هو ظاهر. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٤٤) : يحل للمحرم صيد البحر لقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ وأجمع أهل العلم على أن صيد البحر مباح للمحرم اصطياده وأكله وبيعه وشراؤه، وصيد البحر الحيوان الذي يعيش في الماء ويبيض فيه ويفرخ فيه كالسمك والسلحفاة والسرطان ونحو ذلك، فإن كان جنس من الحيوان نوع منه في البحر ونوع في البر كالسلحفاة فلكل نوع حكم نفسه كالبقر منها الوحشي محرم والأهلي مباح - انتهى. وأما صيد البر فقد أجمع العلماء على منعه للمحرم بحج أو عمرة، وهذا الإجماع في مأكول اللحم الوحشي كالظبي والغزال ونحو ذلك وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه لحديث أبي قتادة الآتي. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٠٩) : لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل الصيد واصطياده على المحرم وقد نص الله تعالى عليه في كتابه فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ (المائدة: الآية ٩٥) وقال تعالى ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه، قال: ولا تحل له الإعانة عليه بشيء - انتهى. والصيد عند الشافعي هو مأكول اللحم فقط فلا شيء عنده في قتل ما لم يؤكل لحمه إلا المتولد من بين مأكول اللحم وغير مأكوله فلا يجوز اصطياده عنده، وإن كان يحرم أكله كالسِمْع وهو المتولد من بين الذئب والضبع، وقال: ليس في الرَّخْمة والخنافس والقردان والحلم وما لا يؤكل لحمه شيء لأن هذا ليس من الصيد لقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ فدل على أن الصيد الذي حرم عليهم هو ما كان حلالاً لهم قبل الإحرام، وهذا هو مذهب الإمام أحمد. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٥٠٦) : والصيد (أي الذي يجب بقتله الجزاء) ما جمع ثلاثة أشياء وهو أن يكون مباحًا أكله لا مالك له، ممتنعًا، فيخرج بالوصف الأول كل ما ليس بمأكول لا جزاء فيه كسباع البهائم والمستخبث من الحشرات والطير وسائر المحرمات. قال أحمد: إنما جعلت الكفارة في الصيد المحلل أكله، وهذا قول أكثر أهل العلم، إلا أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول وغيره كالسمع المتولد من الضبع والذئب تغليبًا لتحريم قتله،
стр. 4371
......................................................................................
ــ
الوصف الثاني أن يكون وحشيًا وما ليس بوحشي لا يحرم على المحرم ذبحه ولا أكله كبهيمة الأنعام كلها، والخيل والدجاج ونحوها لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافًا، والاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال، فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء، ولو توحش الأهلي لم يجب فيه شيء. وقال الحافظ: اتفقوا على أن المراد بالصيد ما يجوز أكله للحلال من الحيوان الوحشي وأن لا شيء فيما يجوز قتله، واختلفوا في المتولد (أي بين المأكول وغيره) فألحقه الأكثر بالمأكول – انتهى. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٤٣) : ولا تأثير للإحرام ولا للحرم في تحريم شيء من الحيوان الأهلي كبهيمة الأنعام ونحوها لأنه ليس بصيد، وإنما حرم الله تعالى الصيد، وقد كان النبي ﷺ يذبح البدن في إحرامه في الحرم يتقرب إلى الله سبحانه بذلك، وقال: أفضل الحج العج والثج، يعني إسالة الدماء بالذبح والنحر وليس في هذا اختلاف. وقال البخاري في صحيحه: لم ير ابن عباس وأنس بالذبح (أي بذبح المحرم، وظاهر العموم يتناول الصيد وغيره، ولكن مراده الذبح في غير الصيد) بأسًا، وهو غير الصيد نحو الإبل والغنم والبقر والدجاج والخيل. قال الحافظ: أثر ابن عباس وصله عبد الرزاق من طريق عكرمة أن ابن عباس أمره أن يذبح جزورًا وهو محرم، وأما أثر أنس فوصله ابن أبي شيبة من طريق الصباح البجلي سألت أنس بن مالك عن المحرم يذبح؟ قال: نعم. وقوله ((وهو)) أي المذبوح، إلخ من كلام المصنف قاله تفقهًا، وهو متفق عليه فيما عدا الخيل فإنه مخصوص بمن يبيح أكلها – انتهى. وقال العيني قوله ((وهو غير الصيد)) إلخ. من كلام البخاري أشار به إلى تخصيص العموم الذي فهم من قوله بالذبح وقوله ((وهو)) أي الذبح أي المراد من الذبح المذكور في أثر ابن عباس وأنس هو الذبح في الحيوان الأهلي وهو الذي ذكره بقوله نحو الإبل إلى آخره، وهذا كله متفق عليه في غير ذبح الخيل، فإن فيه خلافًا معروفًا – انتهى. قال القاري: البري المأكول حرام اصطياده على المحرم بالاتفاق وأما غير المأكول فقسمه صاحب البدائع على نوعين، نوع يكون موذيًا طبعًا مبتدئًا بالأذى غالبًا، فللمحرم أن يقتله ولا شيء عليه نحو الأسد والذئب والنمر والفهد، ونوع لا يبتدئ بالأذى غالبًا كالضبع والثعلب وغيرهما، فله أن يقتله إن عدا عليه ولا شيء عليه، وهو قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: يلزمه الجزاء وإن لم يعد عليه لا يباح له أن يبتدئه بالقتل، وإن قتله ابتداء فعليه الجزاء عندنا – انتهى. قلت: ليست الضبع مثل ما ذكر معها من الثعلب ونحوه لورود النص فيها لأنها صيد يلزم فيه الجزاء كما سيأتي، والراجح عندنا في المراد من الصيد هو ما قدمنا عن الشافعي وأحمد أنه الحيوان البري الوحشي المأكول اللحم فقط وهو ظاهر القرآن العظيم، هذا وقد علم مما تقدم من كلام ابن قدامة أنه لا يجوز للمحرم أكل الصيد إن صاده الحلال بأمره أو بإعانته أو بدلالته أو بإشارته، وهذا مما اتفق العلماء عليه واختلفوا فيما عدا ذلك على ثلاثة أقوال. أحدها: أنه لا يجوز له الأكل مطلقًا أي سواء صيد لأجله أو لا، وحكي هذا عن علي وابن عباس وابن عمر والليث والثوري وإسحاق بن راهويه وطاوس
стр. 4372
(الفصل الأول)
٢٧٢١ – (١) عن الصعب بن جثامة، أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا
ــ
وجابر بن زيد، واحتج لهم بحديث الصعب بن جثامة الآتي، وبحديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ أهدى له عضو من لحم صيد فرده وقال إنا لا نأكله، أنّا حرم، أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. واحتج لهم أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ بناء على أن المراد بالصيد الحيوان المصيد، القول الثاني: أنه يجوز له الأكل مطلقًا أي وإن صيد لأجله ولم يكن بإذنه وإعانته أو دلالته وإشارته، وإليه ذهب أبو حنيفة، وحكي ذلك عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وعائشة وطلحة بن عبيد الله وكعب الأحبار ومجاهد وسعيد بن جبير، واحتج لهم بحديث طلحة بن عبيد الله الآتي في الفصل الثالث وبحديث البهزي واسمه زيد بن كعب أنه قال للنبي ﷺ في حمار وحشي عقير في بعض وادي الروحاء وهو صاحبه: شأنكم بهذا الحمار، فأمر ﷺ أبا بكر فقسمه في الرفاق وهم محرومون، أخرجه مالك وأحمد والنسائي وابن خزيمة وغيرهم. واحتج لهم أيضًا بحديث أبي قتادة ثاني أحاديث الباب كما ستعرف، القول الثالث: التفصيل بين ما صاده الحلال لأجل المحرم وما صاده لا لأجله فيمنع الأول دون الثاني وهو مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وحكي ذلك عن عثمان بن عفان وعطاء وأبي ثور وإسحاق في رواية، واحتج لهم بحديث جابر الآتي في الفصل الثاني، وهو القول الراجح عندنا، وسيأتي الكلام في ذلك مفصلاً.
٢٧٢١ – قوله (عن الصعب) بفتح الصاد وسكون العين المهملتين بعدها موحدة (جثامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة فألف فميم، ابن قيس بن ربيعة بن عبد الله الليثي حليف قريش، أمه فاختة أخت أبي سفيان بن حرب، يقال: هو أخو محلّم بن جثامة، وكان الصعب ينزل بودان، قال الحافظ في التقريب: مات في خلافة الصديق على ما قيل، والأصح أنه عاش إلى خلافة عثمان، قال الخزرجي في الخلاصة: له أحاديث اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بآخر، وعنه ابن عباس فقط عندهم في هدية الصيد وغيرها، وآخى ﷺ بينه وبين عوف بن مالك (أهدي رسول الله ﷺ ) أي في حجة الوداع، قال العيني: الأصل في ((أهدى)) التعدي بإلى، وقد تعدى باللام ويكون بمعناه، وقيل: يحتمل أن تكون اللام بمعنى ((أجل)) وهو ضعيف (حمارًا وحشيًا) كذا في رواية مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس عن الصعب. قال في شرح المواهب: وهو باتفاق الرواة عن مالك وتابعه عليه تسعة من حفاظ أصحاب الزهري، وقال في شرح الموطأ ((لا خلاف عن مالك في هذا)) وتابعه معمر وابن جريج وعبد الرحمن بن الحارث وصالح بن كيسان والليث وابن أبي ذئب وشعيب بن أبي حمزة ويونس ومحمد بن عمرو بن
стр. 4373
.............................................................................................
ــ
علقمة كلهم قالوا: حمارًا وحشيًا، كما قال مالك، وخالفهم سفيان بن عيينة عن الزهري فقال: أهديت له من لحم حمار وحش، رواه مسلم، وله عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ((رجل حمار وحش)) وله عن شعبة عن الحكم ((عجز حمار وحش يقطر دمًا)) وفي أخرى له ((شق حمار وحش)) فهذه الروايات صريحة في أنه عقير، وأنه إنما أهدى بعضه لا كله، ولا معارضة بين رجل وعجز وشق لأنه يحمل على أنه أهدي رجلاً معها الفخذ وبعض جانب الذبيحة – انتهى. وقال الحافظ: لم تختلف الرواة عن مالك في ذلك وتابعه عامة الرواة عن الزهري، وخالفهم ابن عيينة عن الزهري فقال: لحم حمار وحش. أخرجه مسلم، لكن بين الحميدي صاحب سفيان (ج ٢: ص ٣٤٤) أنه كان يقول في هذا الحديث: حمار وحش، ثم صار يقول: لحم حمار وحش، فدل على اضطرابه فيه، وقد توبع على قوله ((لحم حمار وحش)) من أوجه فيها مقال ثم ذكرها مع الكلام فيها، ثم قال: ويدل على وهم من قال فيه: عن الزهري، ذلك أن ابن جريج قال: قلت للزهري: الحمار عقير؟ قال: لا ادري. أخرجه ابن خزيمة وأبو عوانة في صحيحهما. وقد جاء عن ابن عباس من وجه آخر أن الذي أهداه الصعب لحم حمار فذكر ما تقدم في كلام الزرقاني في شرح الموطأ. وقد اختلفوا في هذه الروايات فمنهم من اختار الجمع بينها ومنهم من سلك مسالك الترجيح. قال الزرقاني بعد ذكر هذه الروايات: فمنهم من رجح رواية مالك وموافقيه، قال الشافعي في الأم: حديث مالك ((أن الصعب أهدى حمارًا)) أثبت من حديث من روى ((أنه أهدى لحم حمار)) وقال الترمذي: قد روى بعض أصحاب الزهري عن الزهري هذا الحديث وقال: أهدى لحم حمار وحش. وهو غير محفوظ. وقال البيهقي: كان ابن عيينة يضطرب فيه، فرواية العدد الذين لم يشكوا فيه أولى - انتهى. وقد تقدم عن الحافظ أنه قال: من قال ذلك فيه عن الزهري أي ذكر اللحم في حديث الزهري وهم. وإليه يظهر ميل البخاري حيث بوب في صحيحه ((باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًا حيًا لم يقبل)) ثم أورد فيه الحديث برواية مالك. قال الحافظ: كذا قيده البخاري في الترجمة بكونه حيًا، وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل على أنه كان مذبوحًا موهمة – انتهى. وإليه مال الباجي إذ قال: قوله ((حمارًا وحشيًا) هكذا رواه الزهري عن عبيد الله وهو أثبت الناس فيه وأحفظهم عنه. وفي المبسوط من رواية ابن نافع عن مالك، بلغني إنما رده عليه من أجل أن الحمار كان حيًا – انتهى. مختصرًا. وبه جزم ابن العربي حيث قال: وإنما رد الصيد على الصعب لأنه كان حيًا. ومنهم من رجح رواية اللحم. قال ابن القيم: أما الاختلاف في كون الذي أهداه حيًا أو لحمًا فرواية من روى ((لحمًا)) أولى لثلاثة أوجه، أحدها: أن راويها قد حفظها وضبط الواقعة حتى ضبطها أنه يقطر دمًا، وهذا يدل على حفظه للقصة حتى لهذا الأمر الذي لا يؤبه له. الثاني: أن هذا صريح في كونه بعض الحمار وأنه لحم منه فلا يناقض قوله ((أهدي له حمارًا)) بل يمكن حمله على رواية من روى لحمًا، تسمية للحم باسم الحيوان، وهذا مما لا تأباه اللغة. الثالث: أن سائر الروايات متفقة على أنه
стр. 4374
وهو بالأبواء أو بودان،
ــ
بعض من أبعاضه، وإنما اختلفوا في ذلك البعض هل هو عجزه أو شقة أو رجله أو لحم منه، ولا تناقض بين هذه الروايات إذ يمكن أن يكون الشق الذي فيه العجز وفيه الرجل فصح التعبير عنه بهذا وهذا، وقد رجع ابن عيينة عن قوله ((حمارًا)) وثبت على قوله ((لحم حمار)) حتى مات. وهذا يدل على أنه تبين له أنه أهدى له لحمًا لا حيوانًا – انتهى. وفيه ما تقدم عن الحافظ وغيره أنه لا خلاف فيه عن مالك أنه أهدى حمارًا، وتابعه عامة الرواة عن الزهري، وأن من قال فيه عن الزهري لحمًا وهم. ومنهم من جمع بحمل رواية ((أهدى حمارًا)) على النجوز من إطلاق اسم الكل على البعض كما بسطه الزرقاني في شرح الموطأ وابن الهمام في فتح القدير، وكما تقدم في كلام ابن القيم، وكما ذكره القرطبي احتمالاً. ومنهم من جمع بأن الصعب أحضر الحمار مذبوحًا ثم قطع منه عضوًا بحضرة النبي ﷺ فقدمه له. فمن قال: أهدى حمارًا، أراد بتمامه مذبوحًا لا حيًا، ومن قال ((لحم حمار)) أراد ما قدمه للنبي ﷺ حكاه الحافظ عن القرطبي احتمالاً. ومنهم من جمع بأنه أحضره له حيًا، فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظانًا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بحملته فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكل، حكاه الحافظ عن القرطبي أيضًا احتمالاً. قال الزرقاني بعد ذكره: هذا الجمع قريب وفيه إبقاء اللفظ على المتبادر منه الذي ترجم عليه البخاري ((إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًا حيًا لم يقبل)) مع أنه لم يقل في الحديث ((حيًا)) فكأنه فهمه من قوله ((حمارًا)) ومنهم من جمع بالحمل على التعدد، قال ابن بطال: اختلاف روايات حديث الصعب تدل على أنها لم تكن قضية واحدة وإنما كانت قضايا فمرة أهدى إليه الحمار كله، ومرة عجزه، ومرة رجله، لأن مثل هذا لا يذهب على الرواة ضبطه حتى يقع فيه التضاد في النقل والقصة واحدة ذكره العيني (وهو بالأبواء) بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وبالمد، جبل قرب مكة وعنده بلدة تنسب إليه، قيل سمي بذلك لوبائه وهو على القلب وإلا لقيل: الأوباء. وقيل لأن السيول تتبوأه أي تحله، قال ياقوت: وهذا أحسن. وقال الزرقاني: جبل بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً، سمي بذلك لتبوأ السيول به لا لما فيه من الوباء إذ لو كان كذلك لقيل ((الأوباء)) أو هو مقلوب منه – انتهى. قال العيني: به توفيت أم رسول الله ﷺ (أو بودان) شك من الراوي وهو بفتح الواو وتشديد الدال المهملة فألف فنون، موضع بقرب الجحفة. قال الحافظ: هو أقرب إلى الجحفة من الأبواء فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً، ومن ودان إلى الجحفة ثمانية أميال، وبالشك جزم أكثر الرواة وجزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن الزهري بودان، وجزم معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمرو ((بالأبواء)) والذي يظهر لي أن الشك فيه من ابن عباس، لأن الطبراني أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشك أيضًا، وسيأتي برواية البيهقي أن ذلك في الجحفة، وروى الطحاوي
стр. 4375
فرد عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال: " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ".
ــ
من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الصعب بن جثامة أهدى للنبي ﷺ عجز حمار وهو بقديد يقطر دمًا فرده (فرد عليه) أي رد النبي على الصعب الحمار الذي صاده ثم أهداه إليه. قال الحافظ: اتفقت الروايات كلها على أنه رده عليه إلا ما رواه ابن وهب والبيهقي (ج ٥: ص ١٩٣) من طريقه بإسناده حسن من طريق عمرو بن أمية أن الصعب أهدى للنبي ﷺ عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم. قال البيهقي: إن كان هذا محفوظًا فلعله رد الحي وقبل اللحم. قلت (قائله الحافظ) وفي هذا الجمع نظر لما بينته (يشير إلى الروايات التي فيها ذكر إهداء جزء من الحمار ورده عليه) فإن كانت الطرق كلها محفوظة فلعله رده حيًا لكونه صيد لأجله ورد اللحم تارة لذلك، وقبله تارة أخرى حيث علم أنه لم يصد لأجله، وقد قال الشافعي: إن كان الصعب أهدى له حمارًا حيًا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحشي حي وإن كان أهدى له لحمًا فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد لأجله، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال رجوعه ﷺ من مكة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك بالجحفة وفي غيرها من الروايات بالأبواء أو بودان – انتهى. قال الزرقاني فكأنه لما رده لأنه محرم أهدى له بعد ما حل فقبله وهذا جمع حسن (فلما رأى) أي رسول الله ﷺ (ما في وجهه) أي في وجه الصعب من الكراهة لما حصل له من الكسر برد هديته، ففي رواية الترمذي ((فلما رأى ما في وجهه من الكراهة)) وكذا لأحمد وابن خزيمة، وفي رواية للبخاري ((فلما عرف في وجهي رده هديتي)) قال الباجي: يريد من التغير والإشفاق لرد النبي ﷺ هديته مع أنه ﷺ يقبل الهدية ويأكلها فخاف الصعب أن يكون ذلك لمعنى يخصه (قال) أي تطييبًا لقلبه (إنّا) بكسر الهمز لوقعها في الابتداء (لم نرده) بفتح الدال رواه المحدثون، وقال محققو النحاة: إنه غلط والصواب ضم الدال. قال عياض: ضبطناه في الروايات ((لم نرده)) بفتح الدال، وأبي ذلك المحققون من أهل العربية وقالوا: الصواب أنه بضم الدال لأن المضاعف المجزوم الذي اتصل به ضمير المذكر يراعى فيه الواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء فكأن ما قبلها ولي الواو ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا، هذا في المذكر أما المؤنث مثل لم تردها فمفتوح الدال مراعاة للألف. قال عياض: وليس الفتح بغلط بل ذكره ثعلب في الفصيح، نعم تعقبوه عليه بأنه ضعيف وأوهم صنيعه أنه فصيح وأجازوا أيضًا الكسر، وهو أضعف الأوجه. قال الحافظ: ووقع في رواية الكشمهيني بفك الإدغام ((لم نردده)) بضم الدال الأولى وسكون الثانية فلا إشكال، وفي رواية شعيب عن الزهري عند البخاري وابن جريج عنه عند أحمد وابن خزيمة ((ليس بنا رد عليك)) وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند الطبراني ((إنا لم نرده عليك كراهية له ولكنّا حرم)) (عليك) لعلة من العلل (إلا أنّا) بفتح الهمزة أي لأجل أنّا (حرم) بضم الحاء والراء جمع
стр. 4376
.............................................................................................
ــ
حرام وهو من أحرم بنسك أي المحرمون. قال الجوهري: رجل حرام، أي محرم، والجمع حرم، مثل قذال وقذل، قال العيني: قوله ((إلا أنّا حرم)) بفتح الهمزة في ((أنّا)) على أنه تعدى إليه الفعل بحرف التعليل فكأنه قال لأنّا، وقال أبو الفتح القشيري: إنّا مكسورة الهمزة لأنها ابتدائية لاستئناف الكلام، وقال الكرماني: لام التعليل محذوفة والمستثنى منه مقدر أي لا نرده لعلة من العلل إلا لأننا حرم، قال الحافظ: زاد صالح بن كيسان عند النسائي ((لا نأكل الصيد)) وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ((لولا أنّا محرمون لقبلناه منك)) . واستدل بالحديث من حرم أكل لحم الصيد على المحرم مطلقًا سواء صاده الحلال لنفسه أو لمحرم وذلك لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرمًا فدل على أنه سبب الامتناع خاصة، وأجاب الجمهور عنه بما ذكر عن الشافعي أنه قال: إن كان الصعب أهدى حمارًا حيًا فليس للمحرم أن يذبح حمارًا وحشيًا حيًا وإن كان أهدى لحمًا فيحتمل أن يكون علم أنه صيد له. قال الحافظ: جمع الجمهور بين ما اختلف من الأحاديث في الرد والقبول بأن أحاديث القبول (كحديث طلحة وحديث البهزي وحديث أبي قتادة) محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد (كحديث الصعب وحديث زيد بن أرقم) محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم، قالوا: والسبب في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد لا يحرم على المحرم إذا صيد له إلا إذا كان محرمًا، فبين الشرط الأصلي وسكت عما عداه فلم يدل على نفيه، وقد بينه الأحاديث الأخر، ويؤيد هذا الجمع حديث جابر يعني الذي يأتي في الفصل الثاني وقال الزرقاني: حمل الجمهور حديث الصعب على أنه قصدهم باصطياده لأنه كان عالمًا بأنه ﷺ يمر به فصاده لأجله، قال: وتعليله ﷺ للصعب بأنه محرم لا يمنع كونه صيد له ولأنه بين الشرط الذي يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له وهو الإحرام وقبل حمار البهزي وفرقه على الرفاق لأنه كان يتكسب بالصيد فحمله على عادته في أنه لم يصد لأجله ﷺ ، قال: وهذا على رواية أن الصعب أهدى لحمًا أما على أنه أهداه حيًا فواضح، فالإجماع على أنه يحرم على المحرم قبول صيد وهب له وشراؤه واصطياده واستحداث ملكه بوجه من الوجوه، وأجاب الحنفية عن حديث الصعب بأنه مضطرب كما قال الطحاوي، وبأن الأظهر بل الصحيح في الرواية رد الحمار الحي كما تقدم عن الجمهور، وبأنه يحتمل أنه علم أنه صيد بدلالة المحرم أو إشارته وبأن حديث أبي قتادة أولى لأنه ليس فيه اضطراب مثل ما في حديث الصعب، وبأن رده ﷺ يمكن أن يكون تنزهًا وسدًا لذرائع التوسع في أكل الصيد للمحرم وحسمًا لمادته لئلا يفضي استعمال ما لا بأس به إلى التساهل فيما به بأس في آخر الأمر، وهذه الأجوبة كلها مخدوشة لا يخفى على المصنف ما فيها من الخدشات والتعسفات، هذا. وفي حديث الصعب من الفوائد: الحكم بالعلامة لقوله: فلما رأى ما في وجهه، وفيه جواز رد الهدية إذا وجد مانع من قبولها وترجم له البخاري ((من رد الهدية لعلة)) وفيه كراهية رد هدية الصديق لما يقع في قلبه فإنه ﷺ طيب نفسه بذكر
стр. 4377
متفق عليه.
٢٧٢٢ – (٢) وعن أبي قتادة، أنه خرج مع رسول الله ﷺ ،
ــ
عذر الرد، وفيه إخبار المهدي إليه بسبب الرد لتطمئن نفس المهدي وتزول وساوسه ويطيب قلبه، وفيه أن الهبة لا تدخل في الملك إلا بالقبول وإن قدرته على تملكها لا تصيره مالكًا لها (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الهبة ومسلم في الحج وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص ٣٧، ٣٨، ٧١، ٧٢، ٧٣) ومالك والترمذي والنسائي وابن ماجة والدرامي وابن الجارود (ص ١٥٤) وابن خزيمة وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٤٢٦) والحميدي (ج ٢: ص ٣٤٤) والطحاوي والبيهقي وغيرهم.
٢٧٢٢ – قوله (وعن أبي قتادة أنه خرج مع رسول الله ﷺ ) أي عام الحديبية كما في رواية يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عند الشيخين وغيرهما. قال الحافظ: قوله ((الحديبية)) أصح من رواية الواقدي من وجه آخر عن عبد الله ابن أبي قتادة أن ذلك كان في عمرة القضية، ووقع في رواية أبي عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عند الشيخين أيضًا أن رسول الله ﷺ خرج حاجًا فخرجوا معه. قال الإسماعيلي: هذا غلط فإن القصة كانت في عمرة، وأما الخروج إلى الحج فكان في خلق كثير وكان كلهم على الجادة لا على ساحل البحر، ولعل الراوي أراد ((خرج محرمًا)) فعبر عن الإحرام بالحج غلطًا. قال الحافظ: لا غلط في ذلك بل هو من المجاز السائغ، وأيضًا فالحج في الأصل قصد البيت فكأنه قال: خرج قاصدًا للبيت، ولهذا يقال للعمرة الحج الأصغر، ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن أبي عوانة بلفظ ((خرج حاجًا أو معتمرًا)) أخرجه البيهقي، فتبين أن الشك فيه من أبي عوانة،وقد جزم يحيى بن أبي كثير بأن ذلك في عمرة الحديبية، وهذا هو المعتمد – انتهى. واعلم أنه اختلفت الروايات في قصة اصطياد أبي قتادة الحمار الوحشي إجمالاً وتفصيلاً وتأخيرًا، وقد أجمل الكلام عليها الحافظ في الفتح والشيخ محمد عابد السندي في المواهب اللطيفة، قال الحافظ: حاصل القصة أن النبي ﷺ لما خرج في عمرة الحديبية فبلغ الروحاء وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلاً أخبروه بأن عدوًا من المشركين بوادي غيقة (بفتح الغين المجمعة بعدها ياء ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم هاء، قال السكوني: هو ماء لبني غفار بين مكة والمدينة. وقال يعقوب: هو قليب لبني ثعلبة يصب فيه ماء رضوى ويصب هو في البحر) يخشى منهم أن يقصدوا غرته فجهز طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنبي ﷺ فأحرموا إلا هو (يعني أن أصحابه كانوا أحرموا من الميقات أو أحرموا في أثناء تجواله وحده لاستطلاع أخبار العدو إلا هو فإنه لم يحرم) فاستمر هو حلالاً لأنه إما لم يجاوز الميقات وإما لم يقصد العمرة، وقال أيضًا إن الروحاء هو المكان
стр. 4378
..............................................................................................
ــ
الذي ذهب أبو قتادة وأصحابه منه إلى جهة البحر ثم التقوا بالقاحة (بالقاف والحاء المهملة المخففة، واد على نحو ميل من السقيا وعلى ثلاث مراحل من المدينة) وبها وقع له الصيد المذكور وكأنه تأخر هو ورفقته للراحة أو غيرها وتقدمهم النبي ﷺ إلى السقيا حتى لحقوه، قال: ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن حبان والبزار أن ذلك وقع وهم بعسفان، وفيه نظر، والصحيح ما سيأتي بعد باب أي عند البخاري من طريق صالح بن كيسان عن أبي محمد مولى أبي قتادة عنه، قال: كنا مع النبي ﷺ بالقاحة ومنا المحرم وغير المحرم (يريد بغير المحرم نفسه فقط) فرأيت أصحابي يتراؤن شيئًا فنظرت، فإذا حمار وحش – الحديث. قال الحافظ: وبهذا يعني بما ذكره من حاصل القصة وأن أبا قتادة استمر حلالاً لأنه إما لم يجاوز الميقات وإما لم يقصد العمرة يرتفع الإشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم، قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز المقيات وهو غير محرم ولا يدرون ما وجهه. قال: حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد فيها: خرجنا مع رسول الله ﷺ فأحرمنا فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة، وكان النبي ﷺ بعثه في وجه - الحديث. قال: فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة. قال الحافظ: والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخر الإحرام لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة فساغ له التأخير، قال: والرواية التي أشار إليها الأثرم تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبي ﷺ من المدينة، وليس كذلك أي لأن عامة الروايات من حديث أبي قتادة على أن أبا قتادة خرج مع النبي ﷺ من المدينة وأن بعثه أبا قتادة ومن معه كان من الروحاء، وأخرج ابن حبان في صحيحه والبزار والطحاوي من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد، قال: بعث رسول الله أبا قتادة على الصدقة وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعسفان – الحديث. قال الحافظ: فهذا سبب آخر ويحتمل جمعهما. وقال في المواهب اللطيفة: الحاصل أن أبا قتادة خرج مع النبي ﷺ من المدينة وقد كان رسول الله ﷺ أمره بأخذ الصدقات، وكانت طريقهم متحدة فأحرموا كلهم غيره بناء على أنه لم يقصد إذ ذاك مكة ثم سار مع النبي ﷺ بناء على اتحاد الطريق حتى بلغوا الروحاء فأخبروا بالعدو فوجهه ﷺ مع أصحاب له محرمين فلما أمنوا رجع على حالته التي كان عليها فساغ له التأخير لذلك – انتهى. وقال القاري: إن أبا قتادة لم يحرم لقصده الإحرام من ميقات آخر وهو الجحفة، فإن المدنى مخير (عند الحنفية) بين أن يحرم من ذي الحليفة وبين أن يحرم من الجحفة، وفيه أن رواية أبي سعيد التي فيها ذكر عسفان تدل على تأخير أبي قتادة الإحرام من الجحفة ولكن نظر فيها الحافظ وصحح خلافها كما تقدم، وقال القسطلاني: لم يحرم لاحتمال أنه لم يقصد نسكًا إذ يجوز دخول الحرم بغير إحرام لمن يرد حجًا ولا عمرة كما هو مذهب الشافعية، وأما على مذهب القائلين بوجوب الإحرام فيجاب بأنه إنما لم يحرم لأنه ﷺ كان أرسله إلى جهة أخرى ليكشف أمر عدو - انتهى. وقيل كانت هذه
стр. 4379
فتخلف مع بعض أصحابه وهم محرمون وهو غير محرم، فرأوا حمارًا وحشيًا قبل أن يراه، فلما رأوه تركوه حتى رآه أبو قتادة،
ــ
القصة قبل أن يوقت النبي ﷺ المواقيت (فتخلف) أي تأخر أبو قتادة (مع بعض أصحابه) الضمير راجع إلى أبي قتادة أو النبي ﷺ (وهم) أي البعض (محرمون وهو) أي أبو قتادة (غير محرم) تقدم بيان وجه عدم إحرامه، وفي رواية لمسلم ((حتى إذا كانوا ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم)) وفي رواية للبخاري ((قال أي أبو قتادة انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم فأنبئنا بعدو بغيقة فتوجهنا نحوهم فبصر أصحابي بحمار وحش)) وفي أخرى له أيضًا ((كنا مع النبي ﷺ بالقاحة من المدينة على ثلاث (أي مراحل) ومنا المحرم ومنا غير المحرم فرأيت أصحابي يتراؤن شيئًا)) وقد تقدم أن الروحاء هو المكان الذي ذهب أبو قتادة وأصحابه منه إلى جهة البحر ثم التقوا بالقاحة وبها وقع له الصيد المذكور فالظاهر أن المراد في رواية المشكاة تخلفهم بالقاحة بعد ما انصرفوا عن ساحل البحر وفيها وقع أمر الصيد (فرأوا حمارًا وحشيًا) نوع من الصيد على صفة الحمار الأهلي وبينهما بعض الميزات، وجمعه حمر، ونسب إلى الوحش لتوحشه وعدم استئناسه. قال النووي: قوله ((حمارًا وحشيًا)) كذا ذكر في أكثر الروايات، وفي رواية أبي كامل الجحدري عن أبي عوانة ((إذ رأوا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانًا)) فهذه الرواية تبين أن الحمار في أكثر الرواية المراد به أنثى وهي الأتان سميت حمارًا مجازًا – انتهى. قلت: وهكذا وقع في رواية موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة عند البخاري، قال الحافظ: قوله ((فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا)) في هذا السياق زيادة على جميع الروايات لأنها متفقة على إفراد الحمار بالرؤية وأفادت هذه الرواية أنه من جملة الحمر، وأن المقتول كان أتانا أي أنثى، فعلى هذا في إطلاق الحمار عليها تجوز - انتهى. وكذا قال القسطلاني. وزاد ((أو أن الحمار يطلق على الذكر والأنثى)) (قبل أن يراه) أي قبل رؤية أبي قتادة ذلك الحمار (فلما رأوه تركوه) أي الحمار (حتى رآه أبو قتادة) أي حتى رأى أبو قتادة الحمار، وزاد في رواية عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عند البخاري ((فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض)) وقد بسط شراح الصحيحين في أن ضحك بعض المحرمين إلى بعض هل هو داخل في الدلالة على الصيد أم لا؟ ومال الحافظ وغيره من العلماء إلى أنه ليس بدلالة. وقد ترجم البخاري على هذه الرواية ((باب إذا رأى المحرمون صيدًا فضحكوا ففطن الحلال)) قال الحافظ في شرحه: أي لا يكون ذلك منهم إشارة له إلى الصيد فيحل لهم أكل الصيد، قلت: ووقع في هذه الرواية عند مسلم ((يضحك بعضهم إليّ)) أي بتشديد الياء. قال عياض: وهو خطأ وتصحيف وإنما سقط عليه لفظة ((بعض)) والصواب يضحك بعضهم إلى بعض كما في سائر الطرق والروايات، وتعقبه النووي وذهب الحافظ إلى تصويب ما قال القاضي من شاء الوقوف على كلام القاضي وتعقب
стр. 4380
فركب فرسًا له، فسألهم أن يناولوه سوطه فأبوا فتناوله فحمل عليه فعقره، ثم أكل فأكلوا فندموا، فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه،
ــ
النووي وجواب الحافظ رجع إلى الفتح في شرح باب ((إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد)) من كتاب الحج (فركب) أي أبو قتادة بعد ما رأى الحمار (فرسًا له) وعند البخاري بعده ((يقال له الجرادة)) قال الحافظ: هو بفتح الجيم وتخفيف الراء والجراد اسم جنس، ووقع في السيرة لابن هشام أن اسم فرس أبي قتادة ((الحزوة)) أي بفتح المهملة وسكون الزأي بعدها واو، فإما أن يكون له اسمان وإما أن أحدهما تصحف والذي في الصحيح هو المعتمد – انتهى. (فسألهم أن يناولوه) أي يعطوه (سوطه، فأبوا) لعدم جواز المعاونة (فتناوله) أي أخذ بيده، وفي رواية أبي حازم عند البخاري في الهبة ((فأبصروا حمارًا وحشيًا وأنا مشغول أخصف نعلي فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أني أبصرته فالتفت فأبصرته فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيء فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت)) وفي رواية ((وكنت نسيت سوطي فقلت: لهم ناولوني سوطي، فقالوا: لا نعينك عليه فنزلت فأخذته)) (فحمل عليه) أي وجه الفرس نحوه فأدركه (فعقره) أي قتله، وأصل العقر الجرح، وفي رواية ((فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به وقد مات)) وفي أخرى ((حتى عقرته فأتيت إليهم فقلت لهم: قوموا فاحتملوا فقالوا: لا نمسه. فحملته حتى جئتهم به)) (ثم) أي بعد طبخه (أكل) أي أبو قتادة منه (فأكلوا) تبعًا له (فندموا) لظنهم أنه لا يجوز للمحرم أكل الصيد مطلقًا، وفي رواية لمسلم ((فأكل بعض أصحاب رسول الله ﷺ وأبي بعضهم)) وفي رواية للشيخين ((فأتيت به أصحابي فقال بعضهم: كلوا، وقال بعضهم: لا تأكلوا)) قال الحافظ: قد تقدم من عدة أوجه أنهم أكلوا، والظاهر أنهم أكلوا أول ما أتاهم ثم طرأ عليهم الشك كما في لفظ عثمان بن موهب عن عبد الله بن أبي قتادة عند البخاري ((فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل من لحم صيد ونحن محرمون؟)) وأصرح من ذلك رواية أبي حازم عند البخاري في الهبة بلفظ ((ثم جئت به فوقعوا فيه يأكلون، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم)) (فلما أدركوا رسول الله ﷺ ) أي لحقوه وقد تقدمهم إلى السقيا، قال الحافظ: في الحديث من الفوائد أن عقر الصيد ذكاته وجواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ، قال ابن العربي: هو اجتهاد بالقرب من النبي ﷺ لا في حضرته، وفيه العمل بما أدى إليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان، ولا يعاب واحد منهما على ذلك لقوله: فلم يعب ذلك علينا. وكأن الآكل تمسك بأصل الإباحة والممتنع نظر إلى الأمر الطارئ، وفيه الرجوع إلى النص عند تعارض الأدلة يعني لأن الصحابة بعد ما أكلوا من الحمار الوحشي مجتهدين وحصل لهم شك في جواز أكلهم رجعوا في تحقيق ذلك إلى النبي ﷺ (سألوه) أي عن ذلك هل يجوز أكله أم لا؟ وفي رواية عند البخاري ((فأتيت النبي ﷺ وهو أمامنا