.............................................................................................
ــ
حرام وهو من أحرم بنسك أي المحرمون. قال الجوهري: رجل حرام، أي محرم، والجمع حرم، مثل قذال وقذل، قال العيني: قوله ((إلا أنّا حرم)) بفتح الهمزة في ((أنّا)) على أنه تعدى إليه الفعل بحرف التعليل فكأنه قال لأنّا، وقال أبو الفتح القشيري: إنّا مكسورة الهمزة لأنها ابتدائية لاستئناف الكلام، وقال الكرماني: لام التعليل محذوفة والمستثنى منه مقدر أي لا نرده لعلة من العلل إلا لأننا حرم، قال الحافظ: زاد صالح بن كيسان عند النسائي ((لا نأكل الصيد)) وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ((لولا أنّا محرمون لقبلناه منك)) . واستدل بالحديث من حرم أكل لحم الصيد على المحرم مطلقًا سواء صاده الحلال لنفسه أو لمحرم وذلك لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرمًا فدل على أنه سبب الامتناع خاصة، وأجاب الجمهور عنه بما ذكر عن الشافعي أنه قال: إن كان الصعب أهدى حمارًا حيًا فليس للمحرم أن يذبح حمارًا وحشيًا حيًا وإن كان أهدى لحمًا فيحتمل أن يكون علم أنه صيد له. قال الحافظ: جمع الجمهور بين ما اختلف من الأحاديث في الرد والقبول بأن أحاديث القبول (كحديث طلحة وحديث البهزي وحديث أبي قتادة) محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد (كحديث الصعب وحديث زيد بن أرقم) محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم، قالوا: والسبب في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد لا يحرم على المحرم إذا صيد له إلا إذا كان محرمًا، فبين الشرط الأصلي وسكت عما عداه فلم يدل على نفيه، وقد بينه الأحاديث الأخر، ويؤيد هذا الجمع حديث جابر يعني الذي يأتي في الفصل الثاني وقال الزرقاني: حمل الجمهور حديث الصعب على أنه قصدهم باصطياده لأنه كان عالمًا بأنه ﷺ يمر به فصاده لأجله، قال: وتعليله ﷺ للصعب بأنه محرم لا يمنع كونه صيد له ولأنه بين الشرط الذي يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له وهو الإحرام وقبل حمار البهزي وفرقه على الرفاق لأنه كان يتكسب بالصيد فحمله على عادته في أنه لم يصد لأجله ﷺ ، قال: وهذا على رواية أن الصعب أهدى لحمًا أما على أنه أهداه حيًا فواضح، فالإجماع على أنه يحرم على المحرم قبول صيد وهب له وشراؤه واصطياده واستحداث ملكه بوجه من الوجوه، وأجاب الحنفية عن حديث الصعب بأنه مضطرب كما قال الطحاوي، وبأن الأظهر بل الصحيح في الرواية رد الحمار الحي كما تقدم عن الجمهور، وبأنه يحتمل أنه علم أنه صيد بدلالة المحرم أو إشارته وبأن حديث أبي قتادة أولى لأنه ليس فيه اضطراب مثل ما في حديث الصعب، وبأن رده ﷺ يمكن أن يكون تنزهًا وسدًا لذرائع التوسع في أكل الصيد للمحرم وحسمًا لمادته لئلا يفضي استعمال ما لا بأس به إلى التساهل فيما به بأس في آخر الأمر، وهذه الأجوبة كلها مخدوشة لا يخفى على المصنف ما فيها من الخدشات والتعسفات، هذا. وفي حديث الصعب من الفوائد: الحكم بالعلامة لقوله: فلما رأى ما في وجهه، وفيه جواز رد الهدية إذا وجد مانع من قبولها وترجم له البخاري ((من رد الهدية لعلة)) وفيه كراهية رد هدية الصديق لما يقع في قلبه فإنه ﷺ طيب نفسه بذكر
стр. 4377
متفق عليه.
٢٧٢٢ – (٢) وعن أبي قتادة، أنه خرج مع رسول الله ﷺ ،
ــ
عذر الرد، وفيه إخبار المهدي إليه بسبب الرد لتطمئن نفس المهدي وتزول وساوسه ويطيب قلبه، وفيه أن الهبة لا تدخل في الملك إلا بالقبول وإن قدرته على تملكها لا تصيره مالكًا لها (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الهبة ومسلم في الحج وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص ٣٧، ٣٨، ٧١، ٧٢، ٧٣) ومالك والترمذي والنسائي وابن ماجة والدرامي وابن الجارود (ص ١٥٤) وابن خزيمة وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٤٢٦) والحميدي (ج ٢: ص ٣٤٤) والطحاوي والبيهقي وغيرهم.
٢٧٢٢ – قوله (وعن أبي قتادة أنه خرج مع رسول الله ﷺ ) أي عام الحديبية كما في رواية يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عند الشيخين وغيرهما. قال الحافظ: قوله ((الحديبية)) أصح من رواية الواقدي من وجه آخر عن عبد الله ابن أبي قتادة أن ذلك كان في عمرة القضية، ووقع في رواية أبي عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عند الشيخين أيضًا أن رسول الله ﷺ خرج حاجًا فخرجوا معه. قال الإسماعيلي: هذا غلط فإن القصة كانت في عمرة، وأما الخروج إلى الحج فكان في خلق كثير وكان كلهم على الجادة لا على ساحل البحر، ولعل الراوي أراد ((خرج محرمًا)) فعبر عن الإحرام بالحج غلطًا. قال الحافظ: لا غلط في ذلك بل هو من المجاز السائغ، وأيضًا فالحج في الأصل قصد البيت فكأنه قال: خرج قاصدًا للبيت، ولهذا يقال للعمرة الحج الأصغر، ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن أبي عوانة بلفظ ((خرج حاجًا أو معتمرًا)) أخرجه البيهقي، فتبين أن الشك فيه من أبي عوانة،وقد جزم يحيى بن أبي كثير بأن ذلك في عمرة الحديبية، وهذا هو المعتمد – انتهى. واعلم أنه اختلفت الروايات في قصة اصطياد أبي قتادة الحمار الوحشي إجمالاً وتفصيلاً وتأخيرًا، وقد أجمل الكلام عليها الحافظ في الفتح والشيخ محمد عابد السندي في المواهب اللطيفة، قال الحافظ: حاصل القصة أن النبي ﷺ لما خرج في عمرة الحديبية فبلغ الروحاء وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلاً أخبروه بأن عدوًا من المشركين بوادي غيقة (بفتح الغين المجمعة بعدها ياء ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم هاء، قال السكوني: هو ماء لبني غفار بين مكة والمدينة. وقال يعقوب: هو قليب لبني ثعلبة يصب فيه ماء رضوى ويصب هو في البحر) يخشى منهم أن يقصدوا غرته فجهز طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنبي ﷺ فأحرموا إلا هو (يعني أن أصحابه كانوا أحرموا من الميقات أو أحرموا في أثناء تجواله وحده لاستطلاع أخبار العدو إلا هو فإنه لم يحرم) فاستمر هو حلالاً لأنه إما لم يجاوز الميقات وإما لم يقصد العمرة، وقال أيضًا إن الروحاء هو المكان
стр. 4378
..............................................................................................
ــ
الذي ذهب أبو قتادة وأصحابه منه إلى جهة البحر ثم التقوا بالقاحة (بالقاف والحاء المهملة المخففة، واد على نحو ميل من السقيا وعلى ثلاث مراحل من المدينة) وبها وقع له الصيد المذكور وكأنه تأخر هو ورفقته للراحة أو غيرها وتقدمهم النبي ﷺ إلى السقيا حتى لحقوه، قال: ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن حبان والبزار أن ذلك وقع وهم بعسفان، وفيه نظر، والصحيح ما سيأتي بعد باب أي عند البخاري من طريق صالح بن كيسان عن أبي محمد مولى أبي قتادة عنه، قال: كنا مع النبي ﷺ بالقاحة ومنا المحرم وغير المحرم (يريد بغير المحرم نفسه فقط) فرأيت أصحابي يتراؤن شيئًا فنظرت، فإذا حمار وحش – الحديث. قال الحافظ: وبهذا يعني بما ذكره من حاصل القصة وأن أبا قتادة استمر حلالاً لأنه إما لم يجاوز الميقات وإما لم يقصد العمرة يرتفع الإشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم، قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز المقيات وهو غير محرم ولا يدرون ما وجهه. قال: حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد فيها: خرجنا مع رسول الله ﷺ فأحرمنا فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة، وكان النبي ﷺ بعثه في وجه - الحديث. قال: فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة. قال الحافظ: والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخر الإحرام لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة فساغ له التأخير، قال: والرواية التي أشار إليها الأثرم تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبي ﷺ من المدينة، وليس كذلك أي لأن عامة الروايات من حديث أبي قتادة على أن أبا قتادة خرج مع النبي ﷺ من المدينة وأن بعثه أبا قتادة ومن معه كان من الروحاء، وأخرج ابن حبان في صحيحه والبزار والطحاوي من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد، قال: بعث رسول الله أبا قتادة على الصدقة وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعسفان – الحديث. قال الحافظ: فهذا سبب آخر ويحتمل جمعهما. وقال في المواهب اللطيفة: الحاصل أن أبا قتادة خرج مع النبي ﷺ من المدينة وقد كان رسول الله ﷺ أمره بأخذ الصدقات، وكانت طريقهم متحدة فأحرموا كلهم غيره بناء على أنه لم يقصد إذ ذاك مكة ثم سار مع النبي ﷺ بناء على اتحاد الطريق حتى بلغوا الروحاء فأخبروا بالعدو فوجهه ﷺ مع أصحاب له محرمين فلما أمنوا رجع على حالته التي كان عليها فساغ له التأخير لذلك – انتهى. وقال القاري: إن أبا قتادة لم يحرم لقصده الإحرام من ميقات آخر وهو الجحفة، فإن المدنى مخير (عند الحنفية) بين أن يحرم من ذي الحليفة وبين أن يحرم من الجحفة، وفيه أن رواية أبي سعيد التي فيها ذكر عسفان تدل على تأخير أبي قتادة الإحرام من الجحفة ولكن نظر فيها الحافظ وصحح خلافها كما تقدم، وقال القسطلاني: لم يحرم لاحتمال أنه لم يقصد نسكًا إذ يجوز دخول الحرم بغير إحرام لمن يرد حجًا ولا عمرة كما هو مذهب الشافعية، وأما على مذهب القائلين بوجوب الإحرام فيجاب بأنه إنما لم يحرم لأنه ﷺ كان أرسله إلى جهة أخرى ليكشف أمر عدو - انتهى. وقيل كانت هذه
стр. 4379
فتخلف مع بعض أصحابه وهم محرمون وهو غير محرم، فرأوا حمارًا وحشيًا قبل أن يراه، فلما رأوه تركوه حتى رآه أبو قتادة،
ــ
القصة قبل أن يوقت النبي ﷺ المواقيت (فتخلف) أي تأخر أبو قتادة (مع بعض أصحابه) الضمير راجع إلى أبي قتادة أو النبي ﷺ (وهم) أي البعض (محرمون وهو) أي أبو قتادة (غير محرم) تقدم بيان وجه عدم إحرامه، وفي رواية لمسلم ((حتى إذا كانوا ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم)) وفي رواية للبخاري ((قال أي أبو قتادة انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم فأنبئنا بعدو بغيقة فتوجهنا نحوهم فبصر أصحابي بحمار وحش)) وفي أخرى له أيضًا ((كنا مع النبي ﷺ بالقاحة من المدينة على ثلاث (أي مراحل) ومنا المحرم ومنا غير المحرم فرأيت أصحابي يتراؤن شيئًا)) وقد تقدم أن الروحاء هو المكان الذي ذهب أبو قتادة وأصحابه منه إلى جهة البحر ثم التقوا بالقاحة وبها وقع له الصيد المذكور فالظاهر أن المراد في رواية المشكاة تخلفهم بالقاحة بعد ما انصرفوا عن ساحل البحر وفيها وقع أمر الصيد (فرأوا حمارًا وحشيًا) نوع من الصيد على صفة الحمار الأهلي وبينهما بعض الميزات، وجمعه حمر، ونسب إلى الوحش لتوحشه وعدم استئناسه. قال النووي: قوله ((حمارًا وحشيًا)) كذا ذكر في أكثر الروايات، وفي رواية أبي كامل الجحدري عن أبي عوانة ((إذ رأوا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانًا)) فهذه الرواية تبين أن الحمار في أكثر الرواية المراد به أنثى وهي الأتان سميت حمارًا مجازًا – انتهى. قلت: وهكذا وقع في رواية موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة عند البخاري، قال الحافظ: قوله ((فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا)) في هذا السياق زيادة على جميع الروايات لأنها متفقة على إفراد الحمار بالرؤية وأفادت هذه الرواية أنه من جملة الحمر، وأن المقتول كان أتانا أي أنثى، فعلى هذا في إطلاق الحمار عليها تجوز - انتهى. وكذا قال القسطلاني. وزاد ((أو أن الحمار يطلق على الذكر والأنثى)) (قبل أن يراه) أي قبل رؤية أبي قتادة ذلك الحمار (فلما رأوه تركوه) أي الحمار (حتى رآه أبو قتادة) أي حتى رأى أبو قتادة الحمار، وزاد في رواية عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عند البخاري ((فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض)) وقد بسط شراح الصحيحين في أن ضحك بعض المحرمين إلى بعض هل هو داخل في الدلالة على الصيد أم لا؟ ومال الحافظ وغيره من العلماء إلى أنه ليس بدلالة. وقد ترجم البخاري على هذه الرواية ((باب إذا رأى المحرمون صيدًا فضحكوا ففطن الحلال)) قال الحافظ في شرحه: أي لا يكون ذلك منهم إشارة له إلى الصيد فيحل لهم أكل الصيد، قلت: ووقع في هذه الرواية عند مسلم ((يضحك بعضهم إليّ)) أي بتشديد الياء. قال عياض: وهو خطأ وتصحيف وإنما سقط عليه لفظة ((بعض)) والصواب يضحك بعضهم إلى بعض كما في سائر الطرق والروايات، وتعقبه النووي وذهب الحافظ إلى تصويب ما قال القاضي من شاء الوقوف على كلام القاضي وتعقب
стр. 4380
فركب فرسًا له، فسألهم أن يناولوه سوطه فأبوا فتناوله فحمل عليه فعقره، ثم أكل فأكلوا فندموا، فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه،
ــ
النووي وجواب الحافظ رجع إلى الفتح في شرح باب ((إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد)) من كتاب الحج (فركب) أي أبو قتادة بعد ما رأى الحمار (فرسًا له) وعند البخاري بعده ((يقال له الجرادة)) قال الحافظ: هو بفتح الجيم وتخفيف الراء والجراد اسم جنس، ووقع في السيرة لابن هشام أن اسم فرس أبي قتادة ((الحزوة)) أي بفتح المهملة وسكون الزأي بعدها واو، فإما أن يكون له اسمان وإما أن أحدهما تصحف والذي في الصحيح هو المعتمد – انتهى. (فسألهم أن يناولوه) أي يعطوه (سوطه، فأبوا) لعدم جواز المعاونة (فتناوله) أي أخذ بيده، وفي رواية أبي حازم عند البخاري في الهبة ((فأبصروا حمارًا وحشيًا وأنا مشغول أخصف نعلي فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أني أبصرته فالتفت فأبصرته فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيء فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت)) وفي رواية ((وكنت نسيت سوطي فقلت: لهم ناولوني سوطي، فقالوا: لا نعينك عليه فنزلت فأخذته)) (فحمل عليه) أي وجه الفرس نحوه فأدركه (فعقره) أي قتله، وأصل العقر الجرح، وفي رواية ((فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به وقد مات)) وفي أخرى ((حتى عقرته فأتيت إليهم فقلت لهم: قوموا فاحتملوا فقالوا: لا نمسه. فحملته حتى جئتهم به)) (ثم) أي بعد طبخه (أكل) أي أبو قتادة منه (فأكلوا) تبعًا له (فندموا) لظنهم أنه لا يجوز للمحرم أكل الصيد مطلقًا، وفي رواية لمسلم ((فأكل بعض أصحاب رسول الله ﷺ وأبي بعضهم)) وفي رواية للشيخين ((فأتيت به أصحابي فقال بعضهم: كلوا، وقال بعضهم: لا تأكلوا)) قال الحافظ: قد تقدم من عدة أوجه أنهم أكلوا، والظاهر أنهم أكلوا أول ما أتاهم ثم طرأ عليهم الشك كما في لفظ عثمان بن موهب عن عبد الله بن أبي قتادة عند البخاري ((فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل من لحم صيد ونحن محرمون؟)) وأصرح من ذلك رواية أبي حازم عند البخاري في الهبة بلفظ ((ثم جئت به فوقعوا فيه يأكلون، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم)) (فلما أدركوا رسول الله ﷺ ) أي لحقوه وقد تقدمهم إلى السقيا، قال الحافظ: في الحديث من الفوائد أن عقر الصيد ذكاته وجواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ، قال ابن العربي: هو اجتهاد بالقرب من النبي ﷺ لا في حضرته، وفيه العمل بما أدى إليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان، ولا يعاب واحد منهما على ذلك لقوله: فلم يعب ذلك علينا. وكأن الآكل تمسك بأصل الإباحة والممتنع نظر إلى الأمر الطارئ، وفيه الرجوع إلى النص عند تعارض الأدلة يعني لأن الصحابة بعد ما أكلوا من الحمار الوحشي مجتهدين وحصل لهم شك في جواز أكلهم رجعوا في تحقيق ذلك إلى النبي ﷺ (سألوه) أي عن ذلك هل يجوز أكله أم لا؟ وفي رواية عند البخاري ((فأتيت النبي ﷺ وهو أمامنا
стр. 4381
قال: " هل معكم منه شيء؟ " قالوا: معنا رجله فأخذها النبي ﷺ فأكلها.
ــ
فسألته، فقال: كلوه حلال)) (قال) أي النبي ﷺ بعد ما سألهم عن إشارتهم ودلالتهم وقتلهم (هل معكم منه شيء؟ قالوا: معنا رجله) وفي رواية أبي حازم عند البخاري في الهبة ((فرحنا وخبأت العضد معي)) وفيه ((فقال: معكم منه شيء؟ فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها)) وفي رواية المطلب عند سعيد بن منصور ((قد رفعنا لك الذراع فأكل منها)) وجمع بأنه أكل من كليهما (فأخذها) أي رجله (فأكلها) إشارة إلى أن الجواب بالفعل أقوى من القول. قال الحافظ: فيه الاستيهاب من الأصدقاء وقبول الهدية من الصديق، وقيل عياض: عندي أن النبي ﷺ طلب من أبي قتادة ذلك تطييبًا لقلب من أكل منه، بيانًا للجواز بالقول والفعل لإزالة الشبهة التي حصلت لهم – انتهى. والحديث دليل على جواز أكل الحمار الوحشي وأنه من الصيد بخلاف الحمار الأهلي فإنه رجس، وأن تمني المحرم أن يقع من الحلال الصيد ليأكل المحرم منه لا يقدح في إحرامه، وأنه يجوز للمحرم الأكل من صيد الحلال إذا لم يصده لأجله، وهذا يقوي من حمل الصيد في قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر﴾ على الاصطياد، تنبيه: روى أحمد (ج ٥: ص ٣٠٤) وابن ماجة وعبد الرزاق في مصنفه (ج ٤: ص ٤٣٠) والدراقطني وإسحاق بن راهوية وابن خزيمة والبيهقي (ج ٥: ص ١٩٠) من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم أنا فرأيت حمار وحش فحملت عليه فاصطدته، فذكرت شأنه لرسول الله ﷺ وقلت له: إنما اصطدته لك فأمر النبي ﷺ أصحابه فأكلوه ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له. قال ابن خزيمة وأبو بكر النيسابوري والدراقطني والجوزقي تفرد بهذه الزيادة معمر، قال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل أن يكون ﷺ أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله فلما أعلمه امتنع – انتهى. قال الحافظ: وفيه نظر لأنه لو كان حرامًا ما أقر النبي ﷺ على الأكل منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنه صاده لأجله، ويحتمل أن يكون ذلك لبيان الجواز فإن الذي يحرم على المحرم إنما هو الذي يعلم أنه صيد من أجله، وأما إذا أتي بلحم لا يدري ألحم صيد أو لا فحمله على أصل الإباحة فأكل منه لم يكن ذلك حرامًا على الآكل. وعندي بعد ذلك فيه وقفة، فإن الروايات المتقدمة ظاهرة في أن الذي تأخر هو العضد وأنه ﷺ أكلها حتى تعرقها أي لم يبق منها إلا العظم، ووقع عند البخاري في الهبة حتى نفدها أي فرغها، فأي شيء يبقى منها حينئذ حتى يأمر أصحابه بأكله، لكن رواية أبي محمد في الصيد عند البخاري ((أبقي معكم شيء منه؟ قلت: نعم. قال: كلوا فهو طعمة أطعمكموها الله)) فأشعر بأنه بقي منها غير العضد والله أعلم – انتهى. وقال الزيلعي: قال صاحب التنقيح: والظاهر أن هذا اللفظ الذي تفرد به معمر غلط فإن في الصحيحين ((أن النبي ﷺ أكل منه)) وفي لفظ لأحمد (ج ٥: ص ٣٠٦) ((قلت: هذه العضد قد شويتها وأنضجتها فأخذها
стр. 4382
متفق عليه. وفي رواية لهما: فلما أتوا رسول الله ﷺ قال: " أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ " قالوا: لا. قال: " فكلوا ما بقي من لحمها ".
ــ
فنهشها ﷺ وهو حرام حتى فرغ منها)) – انتهى. وقال الشيخ محمد عابد السندي في المواهب اللطيفة: والأولى أن يقال إن رواية معمر شاذة لمخالفته للثقات الأثبات فلا عبرة بها والله أعلم – انتهى. قلت: معمر ثقة لا يضر تفرده وقد تقدم وجه الجمع بين الروايتين في كلام ابن خزيمة، ويشهد للزيادة المذكورة في رواية معمر حديث جابر الآتي في الفصل الثاني (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجهاد والأطعمة والهبة والحج والمغازي والصيد، ومسلم في الحج واللفظ المذكور في للبخاري في الجهاد، والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج ٥: ص ٣٠١، ٣٠٢، ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٠٨) ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، والحميدي (ج ١: ص ٢٠٤) والبيهقي (ج ٥: ص ١٨٧، ١٨٨، ١٨٩) والدراقطني وابن الجارود (ص ١٥٣، ١٥٤) والشافعي والطحاوي وغيرهم (وفي رواية لهما) أي للشيخين المعلوم من متفق عليه، واللفظ الآتي للبخاري في الحج، ولفظ مسلم ((فقال: هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟)) وفي رواية أخرى له ((قال: أشرتم أو أعنتم أو أصدتم)) (أمنكم أحد أمره) أي بالصريح أو الدلالة (أن يحمل عليها) قال القاري: أي على الحمار أو الصيد وتأنيثه باعتبار الدابة، قلت: الضمير راجع إلى الأتان لأنه لا يطلق إلا على الأنثى وهي مذكورة في رواية البخاري التي هذه تتمتها وقد ذكرنا لفظها (أو أشار إليها؟) عطف على ((أمره)) قال القاري: والفرق بين الدلالة والإشارة أن الأولى باللسان والثانية باليد، وقيل الأولى في الغائب والثانية في الحضور، وقيل كلتاهما بمعنى واحد – انتهى. وفيه دليل على أن مجرد الأمر من المحرم للصائد بأن يحمل على الصيد، والإشارة منه مما يوجب عدم لحل لمشاركته للصائد (فكلوا ما بقي من لحمها) قال الحافظ: صيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب لأنها وقعت جوابًا عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال ولم يذكر في هذه الرواية أنه ﷺ أكل من لحمها، وذكره في الروايات الأخرى كما تقدم، وفي الحديث أنه لا يجوز للمحرم الاصطياد ولا الإعانة عليه بدلالة أو إشارة أو مناولة سلاح أو غير ذلك مما يعين على قتله أو صيده، وفيه جواز أكل المحرم مما صاده الحلال إذا لم يكن من المحرم إعانة أو إشارة أو دلالة، وهو إجماع إذا لم يصد لأجله فإن صيد لأجله فكذلك عند الجمهور منهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد خلافًا للحنفية إذ قالوا: يجوز له أكل ما صيد لأجله، وقد تقدم في أول الباب ذكر الخلاف في المسألة وأن حديث أبي قتادة هذا من مستدلات الحنفية، فإن ظاهره أنه صاده لأجل رفقهم المحرمين، قال القاري في شرح النقاية: الأولى في الاستدلال على المطلوب حديث أبي قتادة فإنهم لما سألوه ﷺ لم يجب لحله لهم حتى سألهم عن موانع الحل أكانت موجودة أم لا، فقال ﷺ : أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا.
стр. 4383
٢٧٢٣ – (٣) وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ ،
ــ
فقال: فكلوا إذًا. فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظمه في سلك ما يسأل عنه منها في التفحص عن الموانع ليجيب بالحكم عند خلوه عنها، وهذا المعنى كالصريح في نفي كون الاصطياد لهم مانعًا – انتهى كلام القاري. وهو مأخوذ من تقرير ابن الهمام، وذكر بعض الحنفية كلام ابن الهمام وزاد عليه أن العادة قاضية بأن مثل هذا الحيوان أي الحمار الوحشي في عظم جثته وكثرة لحمه لا يصيده الصائد لأن يأكله هو وحده، وكان أبو قتادة إذ ذاك في السفر ولم يكن معه إلا رفقته المحرمون فيغلب على الظن – والله أعلم – أنه كان نوى تشريكهم في أكله ولا سيما بعد ما علم بقرائن الحال من تمنيهم اصطياده كما يدل عليه قوله في بعض الروايات ((فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أني أبصرته)) – انتهى. وأجيب عن ذلك بأن رواية معمر عند أحمد وابن ماجة وابن خزيمة وغيرهم صريحة في أنه ﷺ لم يأكل منه حينما أخبره أبو قتادة بأنه إنما اصطاده لأجله ﷺ ، وهذا يقتضي أن أبا قتادة لم يصد لأجل رفقته وأن الاصطياد لأجل المحرم من موانع الأكل ولذا امتنع النبي ﷺ من أكله وأذن لرفقته فيه، وأما استبعاد أن يصيد أبو قتادة الحمار الوحشي لأجله فقط دون رفقته فقد أجاب عنه صاحب تيسير العلام بما نصه: قد يستبعد أن يصيد أبو قتادة الحمار الوحشي لأجله وحده دون رفقته وهو إشكال في موضعه، والذي يزيل هذا الإشكال هو أن نفهم أن الصيد عند العرب هواية محببة لديهم وظرف يتعشقه ملوكهم وكبارهم، فلا يبعد أن أبا قتادة لما رأى حمر الوحش شاقه طرادها قبل أن يفكر في أنه سيصيدها ليأكل لحمها هو وأصحابه، وهذا شيء علمناه من أنفسنا فلقد تعبنا في طراد الصيد وأنفقنا في سبيله الوقت والمال لذة وشوقًا فإذا ظفرنا به رخص لدينا وذهب خطره من قلوبنا، والله أعلم.
٢٧٢٣ - قوله (وعن ابن عمر عن النبي ﷺ ) كذا في رواية مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عند الشيخين، وهكذا وقع في رواية ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عند مسلم، ووقع عند البخاري من رواية أبي عوانة عن زيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقول حدثتني إحدى نسوة النبي ﷺ عن النبي ﷺ ، وعند الشيخين من رواية يونس عن الزهري عن سالم قال: قال عبد الله بن عمر قالت حفصة: قال رسول الله ﷺ : خمس من الدواب – الحديث. قال الحافظ: هذا والذي قبله قد يوهم أن عبد الله بن عمر ما سمع هذا الحديث من النبي ﷺ ولكن وقع في بعض طرق نافع عنه ((سمعت النبي ﷺ )) أخرجه مسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني نافع، وقال مسلم بعده: لم يقل أحد عن نافع عن ابن عمر ((سمعت)) إلا ابن جريج، وتابعه محمد بن إسحاق ثم ساقه من طريق ابن إسحاق عن نافع كذلك، فالظاهر أن ابن عمر سمعه من أخته حفصة عن النبي ﷺ ، وسمعه أيضًا من النبي ﷺ يحدث به حين سئل عنه فقد وقع عند أحمد من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: نادى رجل، ولأبي عوانة في المستخرج من هذا
стр. 4384
قال: " خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام:
ــ
الوجه، ((أن أعرابيًا نادى رسول الله ﷺ ما نقتل من الدواب إذا أحرمنا؟)) والظاهر أن المبهمة في رواية زيد بن جبير هي حفصة، ويحتمل أن تكون عائشة، وقد رواه ابن عيينة عن ابن شهاب فأسقط حفصة من الإسناد، والصواب إثباتها في رواية سالم - انتهى. وقال الولي العراقي بعد ذكر اختلاف الروايات في الصحابي الذي روى هذا الحديث عن النبي ﷺ : ولا يضر هذا الاختلاف، فالحديث مقبول سواء كان من رواية ابن عمر عن النبي ﷺ أو بواسطة حفصة أو غيرها من أمهات المؤمنين ﵅. وقد تقدم من حديث ابن جريج في صحيح مسلم بسماع ابن عمر له من النبي ﷺ (خمس) أي من الدواب، كما في رواية عند الشيخين، وهي بتشديد الموحدة جمع دابة وهي في الأصل ما يدب على وجه الأرض، والهاء للمبالغة، تقع على المذكر والمؤنث. قال الحافظ: الدواب جمع دابة وهو ما دب من الحيوان، وقد أخرج بعضهم منها الطير لقوله تعالى ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه﴾ (الأنعام: الآية ٣٨) وحديث الباب يرد عليه فإنه ذكر في الدواب الخمس الغراب والحدأة، ويدل على دخول الطير أيضًا عموم قوله تعالى ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ (سورة هود: الآية ٧) وقوله تعالى ﴿وكأين من دابة لا تحمل رزقها﴾ (العنكبوت: الآية ٦٠) وفي حديث أبي هريرة عند مسلم في صفة بدء الخلق ((وخلق الدواب يوم الخميس)) ولم يفرد الطير بذكر، وقد تصرف أهل العرف في الدابة فمنهم من يخصها بالحمار ومنهم من يخصها بالفرس، وفائدة ذلك تظهر في الحلف - انتهى. وقال العيني: الدابة في الأصل لكل ما يدب على وجه الأرض، ثم نقله العرف العام إلى ذوات القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير، ويسمى هذا منقولاً عرفيًا، فإن قلت: في أحاديث الباب الغراب والحدأة وليسا من الدواب، ولو قال من الحيوان لكان أصواب، قلت: أكثر ما ذكر في أحاديث الباب الدواب فنظر إلى هذا الجانب - انتهى. وكلمة ((خمس)) مرفوع على الابتداء لتخصصها بالصفة وهي قوله ((لا جناح على من قتلهن)) والخبر قوله ((الفارة والغراب)) إلخ، وأما على ما وقع في الرواية الأخرى بلفظ ((خمس من الدواب)) فالصفة المخصصة هي قوله ((من الدواب)) والخبر قوله (لا جناح على من قتلهن) بضم الجيم أي لا إثم ولا جزاء والمعنى لا حرج (في الحرم) أي في أرضه، بفتح الحاء والراء المهملتين وهو الحرم المشهور أي حرم مكة (والإحرام) أي في حاله، ولفظ الكتاب لمسلم، أخرجه من رواية ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه، واللفظ المتفق عليه ((خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح)) أخرجاه من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر. قال الحافظ: ويؤخذ من الحديث جواز قتلهن الحلال، وفي الحل من باب الأولى، وقد وقع ذكر الحل صريحًا عند مسلم من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة بلفظ ((يقتلن في الحل والحرم)) ويعرف حكم الحلال بكونه لم يقم به مانع وهو الإحرام فهو بالجواز أولى - انتهى.
стр. 4385
.............................................................................................
ــ
وقال الولي العراقي: نص في الحديث على المحرم لكونه جوبًا للسؤال عنه، ويعلم حكم الحلال من طريق أولى فإنه لم يقم به مانع من ذلك. فإذا أبيح مع قيام المانع فمع فقده أولى. قال: واقتصر في حديث ابن عمر على نفي الجناح وهو الإثم عن قتل هذه المذكورات وليس في ذلك ترجيح فعل قتلها على تركه، وفي حديث عائشة (عند مسلم) الأمر، وهو يدل على ترجيح قتلها على تركه، وهو محتمل للوجوب والندب بناءً على أن المندوب مأمور به وهو المرجح في الأصول ومذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية استحباب قتل المؤذيات وهي الخمس المذكورة وما في معناها، وتمسكوا بالأمر به في هذا الحديث، وفيه زيادة على نفي الجناح الذي في حديث ابن عمر. وقال الحافظ: ليس في نفي الجناح وكذا الحرج في طريق سالم دلالة على أرجحية الفعل على الترك لكن ورد في طريق زيد بن جبير عند مسلم بلفظ ((أمر)) وكذا في طريق معمر (عند مسلم وعبد الرزاق) ولأبي عوانة من طريق ابن نمير عن هشام عن أبيه بلفظ ((ليقتل المحرم)) وظاهر الأمر الوجوب، ويحتمل الندب والإباحة. قال: ويؤيد الإباحة رواية الليث عن نافع عن ابن عمر عند النسائي بلفظ ((أذن)) وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره ((خمس قتلهن حلال للمحرم)) ثم إنه وقع التقييد بالخمس في حديث عائشة أيضًا كما سيأتي، قال الحافظ: التقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك لكنه مفهوم عدد وليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره يحتمل أن يكون قاله ﷺ أولاً ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم فقد ورد في بعض طرق حديث عائشة بلفظ ((أربع وفي بعض طرقها بلفظ ((ست)) فأما طريق ((أربع)) فأخرجها مسلم عن طريق القاسم عنها فأسقط العقرب وأما طريق ((ست)) فأخرجها أبو عوانة في المستخرج من طريق المحاربي عن هشام عن أبيه عنها فأثبت الخمس وزاد ((الحية)) ويشهد لها طريق شيبان عن أبي عوانة عند مسلم وإن كانت خالية عن العدد، ولفظها ((سأل رجل ابن عمر: ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم فقال: حدثتني إحدى نسوة النبي ﷺ أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور والفارة والعقرب والحدأة والغراب والحية، قال: وفي الصلاة أيضًا. فلم يقل في أوله خمسًا وزاد الحية وزاد في آخره ذكر الصلاة لينبه بذلك على جواز قتل المذكورات في جميع الأحوال، وقد وقع في حديث أبي سعيد عند أبي داود نحو رواية شيبان وزاد السبع العادي فصارت سبعًا، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة وابن المنذر زيادة ذكر الذئب والنمر على الخمس المشهورة فتصير بهذا الاعتبار تسعًا، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور، ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور (وعبد الرزاق والبيهقي) وأبو داود من طريق سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ قال: يقتل المحرم الحية والذئب ورجاله ثقات، وأخرج أحمد من طريق حجاج بن أرطاة عن وبرة عن ابن عمر قال ((أمر رسول الله ﷺ بقتل الذئب للمحرم)) وحجاج ضعيف وخالفه مسعر عن وبرة فرواه موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة، فهذا جميع
стр. 4386
الفأرة والغراب
ــ
ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة ولا يخلو شيء من ذلك من مقال – انتهى. قال بعض الحنفية: مرسل سعيد بن المسيب يكفي للاحتجاج فإن مراسليه مقبولة، قال: فهذا المرسل في قوة المسند عندنا، وقد تأيد بحديث الحجاج بن أرطاة، وبما أخرجه الطحاوي بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بلفظ ((والحية والذئب والكلب العقور)) قال الشيخ عابد السندي في شرح مسند أبي حنيفة فإلحاق الذئب بالخمس إنما هو إلحاق بالنص كإلحاق الحية، نعم من لا معرفة له بالأدلة من الحنفية ألحقه من حيث المعنى، ولجامع الابتداء بالأذى – انتهى (الفأرة) بهمزة ساكنة، ويجوز فيها التسهيل أي تخفيفها ألفًا وجمعها ((فأر)) قال القاري: الفأرة بالهمزة ويبدل أي الوحشية والأهلية – انتهى. وبالأمر بقتلها قال الجمهور من السلف والخلف إلا إبراهيم النخعي فإنه منع المحرم من قتلها حكاه عنه الساجي وابن المنذر وغيرهما، وزاد الساجي: وأراه قال: فإن قتلها ففيها فدية. قال ابن المنذر: وهذا لا يعنى له لأنه خلاف السنة وقول أهل العلم. وقال الخطابي: هذا مخالف للنص خارج عن أقاويل أهل العلم، وعند المالكية خلاف في قتل ما انتهى صغره منها إلى حد لا يمكن منه الأذى وليس هذا الخلاف عند غيرهم كذا في شرح التقريب، وقال الحافظ: لم يختلف العلماء في جواز قتل الفأرة للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي فإنه قال: فيها جزاء إذا قتلها المحرم، أخرجه ابن المنذر وقال: هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم. وروى البيهقي بإسناد صحيح عن حماد بن زيد قال: لما ذكروا له هذا القول ((ما كان بالكوفة أفحش ردًا للآثار من إبراهيم النخعي لقلة ما سمع منها ولا أحسن إتباعًا لها من الشعبي لكثرة ما سمع)) ونقل ابن شاس عن المالكية خلافًا في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى، والفار أنواع، منها الجرذ، بالجيم بوزن عمر، والخلد بضم المعجمة وسكون اللام، وفأرة الإبل، وفارة المسك، وفارة الغيط وحكمهما في تحريم الأكل وجواز القتل سواء، وقد أطلق الفويسقة عليه في حديث جابر عند البخاري في الأدب، وذكر سبب تسميتها بذلك في حديث أبي سعيد عند ابن ماجة، قيل له: لم قيل للفأرة الفويسقة؟ فقال: لأن النبي ﷺ استيقظ وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت، وقيل إنما سميت بذلك لأنها قطعت حبال سفينة نوح (والغراب) أي الأبقع كما في الرواية الآتية، قال الحافظ: زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم ((الأبقع)) وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض. وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه ابن المنذر وغيره وقد اختاره ابن خزيمة وهو قضية حمل المطلق على المقيد، قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل، وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك، ويقال له غراب الزرع، ويقال له ((الزاغ)) وأفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملتحقًا بالأبقع. ومنها الغداف على الصحيح في الروضة بخلاف تصحيح الرافعي، وسمى ابن قدامة
стр. 4387
والحدأة والعقرب
ــ
الغداف ((غراب البين)) والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، قيل: سمى غراب البين لأنه بان عن نوح لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض فلقى جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به فكانوا إذا نعب مرتين قالوا: آذن بشر، وإذا نعب ثلاثًا قالوا: آذن بخير فأبطل الإسلام ذلك. وقال صاحب الهداية المراد بالغراب في الحديث الغداف والأبقع لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع فلا، وكذا استثناءه ابن قدامة، وما أظن فيه خلافًا، وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد إن صح حيث قال فيه: ويرمي الغراب ولا يقتله، وروى ابن المنذر وغيره عن علي ومجاهد، وعند المالكية اختلاف آخر في الغراب والحدأة هل يتقيد جواز قتلهما بأن يبتدءا بالأذى، وهل يختص ذلك بكبارها والمشهور عنهم كما قال ابن شاس: لا فرق وفاقًا للجمهور، ومن أنواع الغربان الأعصم وهو الذي في رجليه أو في جناحيه أو بطنه بياض أو حمرة، وحكمه حكم الأبقع، ومنها العقعق وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل سمي بذلك لأنه يعق فراخه فيتركها بلا طعم، والعرب تتشاءم به أيضًا، وحكمه حكم الأبقع على الصحيح، وقيل حكم غراب الزرع. وقال أحمد: إن أكل الجيف وإلا فلا بأس به – انتهى كلام الحافظ باختصار. وقال الولي العراقي: إن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنه يستثنى من الأمر بقتل الغراب غراب الزرع خاصة، فإما أن يكونوا اعتمدوا التقييد الذي في حديث عائشة بالأبقع وألحقوا به ما في معناه في الأذى وأكل الجيف وهو الغداف، وإما أن يكونوا أخذوا بالروايات المطلقة وجعلوا التقييد بالأبقع لغلبته لا لاختصاص الحكم به، وأخرجوا عن ذلك غراب الزرع وهو الزاغ لحل أكله، فهو مستثنى منفصل (والحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين وبعد الدال همزة بغير مد، وحكى صاحب المحكم المد فيه ندورًا بزيادة الهاء فيه للوحدة وليست للتأنيث بل هي كالهاء في التمرة، وحكى الأزهري فيها حدوة بواو بدل الهمزة، وجمع الحدأة حدأ بكسر الحاء والقصر والهمز كعنبة وعنب، ووقع في حديث عائشة الآتي بلفظ (الحديا)) بضم الحاء وفتح الدال وتشديد التحتانية مقصور تصغير الحدأة، وقال القاري: ((الحديا)) تصغير حد، لغة في الحدإ أو تصغير حدأة، قلبت الهمزة بعد ياء التصغير ياء وأدغم ياء التصغير فيه فصار حدية ثم حذفت التاء وعوض عنها الألف لدلالته على التأنيث أيضًا وقال الحافظ: قال قاسم بن ثابت: الوجه فيه الهمزة وكأنه سهل ثم أدغم، وقيل: هي لغة حجازية وغيرهم يقولون حدية، ومن خواص الحداة أنها تقف في الطيران ويقال إنها لا تخطف إلا من يمين من تخطف منه دون شماله (والعقرب) يطلق على الذكر والأنثى سواء وجمعه العقارب، وقد يقال للأنثى عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف، وليس منها العقربان بل هي دويبة طويلة كثيرة القوائم، قاله صاحب المحكم، ويقال: إن عينها في ظهرها وأنها لا تضر ميتًا ولا نائمًا حتى يتحرك، ويقال لدغته العقرب بالغين
стр. 4388
والكلب العقور ".
ــ
المعجمة ولسعته بالمهملتين، وقد تقدم اختلاف الرواة في ذكر الحية بدلها ومن جميعها. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه ﷺ نبه بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار، وبين حكمهما معًا حيث جمع. قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب. وقال نافع: لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها، وفي رواية ((ومن يشك فيها)) وتعقبه ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان فقالا: لا يقتل المحرم الحية ولا العقرب، وقال: ومن حجتهما أن هذين من هوام الأرض فليزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوام. قال: وهذا اعتلال لا معنى له، لأن رسول الله ﷺ قد أباح للمحرم قتلهما، نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكن من الأذى (والكلب العقور) قال الحافظ: الكلب معروف والأنثى كلبة. واختلف العلماء في المراد بها ها هنا وهل لوصفه بكونه عقورًا مفهوم أو لا. فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: الكلب العقور الأسد، وعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور فقال: وأي كلب أعقر من الحية؟ وقال زفر: المراد بالعقور هنا الذئب خاصة. وقال مالك في الموطأ: كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان وهو قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب المتعارف خاصة ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب. واحتج للجمهور بقوله ﷺ : اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك فقتله الأسد. وهو حديث حسن أخرجه الحاكم – انتهى. قال الشوكاني بعد ذكره: غاية ما في ذلك جواز الإطلاق لا أن اسم الكلب هنا متناول لكل ما يجوز إطلاقه عليه وهو محل النزاع فإن قيل: اللام في الكلب تفيد العموم. قلنا بعد تسليم ذلك: لا يتم إلا إذا كان إطلاق الكلب على كل واحد منها حقيقة وهو ممنوع، والسند أنه لا يتبادر عند إطلاق لفظ الكلب إلا الحيوان المعروف، والتبادر علامة الحقيقة وعدمه علامة المجاز، والجمع بين الحقيقة والمجاز لا يجوز، نعم إلحاق ما عقر من السباع بالكلب العقور بجامع العقر صحيح، وأما أنه داخل تحت لفظ الكلب فلا – انتهى. وقال النووي: اتفق العلماء على جواز قتل الكلب العقور للمحرم والحلال في الحل والحرم واختلفوا في المراد به، فقيل: هذا الكلب المعروف خاصة حكاه القاضي عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح وألحقوا به الذئب. وحمل زفر الكلب على الذئب وحده، وقال الجمهور: ليس المراد تخصيص هذا الكلب بل المراد كل عاد مفترس كالسبع والنمر، وهذا قول الثوري والشافعي وأحمد وغيرهم، ومعنى العاقر الجارح – انتهى، قال الحافظ: واختلف العلماء في غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه فصرح بتحريم قتله القاضيان: حسين والماوردي وغيرهما، ووقع في الأم للشافعي الجواز، واختلف كلام النووي فقال في البيع من شرح المهذب: لا خلاف بين أصحابنا في أنه
стр. 4389
..............................................................................................
ــ
محترم لا يجوز قتله، وقال في التيمم والغصب: إنه غير محترم، وقال في الحج: يكره قتله كراهة تنزيه، وهذا اختلاف شديد وعلى كراهة قتله اقتصر الرافعي وتبعه في الروضة وزاد أنها كراهة تنزيه، وقال الولي العراقي: سواء حمل الكلب على مدلوله المعروف أو على كل سبع مفترس فتقييده بالعقور يخرج غيره ويقتضي أن غير العقور من الكلاب محترم لا يجوز قتله، وبه صرح الرافعي في كتاب الأطعمة والنووي في البيع في شرح المهذب، وزاد أنه لا خلاف فيه بين أصحابنا، وقال الرافعي في الحج: إن قتله مكروه، وقال النووي: هناك مراده كراهة تنزيه، وذكر الرافعي في الغصب أنه غير محترم، وكذا ذكر النووي في التيمم، وهذه مواضع مختلفة، وقال شيخنا الأسنوي في المهمات: جزم بالتحريم القاضي الحسين والمارودي وإمام الحرمين، ومذهب الشافعي جواز قتله، صرح به في الأم في باب الخلاف في ثمن الكلب – انتهى. ومن يقول بجواز قتل غير العقور يجيب عن هذا التقييد بأنه للاستحباب وغير العقور يجوز قتله ولا يستحب، والله أعلم، ثم إنه قال الحافظ: وذهب الجمهور كما تقدم إلى إلحاق غير الخمس بها في هذا الحكم إلا أنهم اختلفوا في المعنى في ذلك فقيل لكونها مؤذية فيجوز قتل كل مؤذ، وهذا قضية مذهب مالك. وقيل لكونها مما لا يؤكل، فعلى هذا كل ما يجوز قتله لا فدية على المحرم فيه، وهذا قضية مذهب الشافعي، وقد قسم هو أصحابه الحيوان بالنسبة للمحرم إلى ثلاثة أقسام: قسم يستحب كالخمس وما في معناه مما يؤذي، وقسم يجوز كسائر ما لا يؤكل لحمه، وهو قسمان: ما يحصل منه نفع وضرر فيباح لما فيه من منفعة الاصطياد ولا يكره لما فيه من العدوان، وقسم ليس فيه نفع ولا ضرر فيكره قتله ولا يحرم، والقسم الثالث ما أبيح أكله أو نهي عن قتله ولا يجوز ففيه الجزاء إذا قتله المحرم، وخالف الحنفية فاقتصروا على الخمس إلا أنهم ألحقوا بها الحية لثبوت الخبر والذئب لمشاركته للكلب في الكلبية، وألحقوا بذلك ما ابتداء بالعدوان والأذى من غيرها. وتعقب بظهور المعنى في الخمس وهو الأذى الطبيعي والعدوان المركب، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه تعدى الحكم إلى كل ما وجد فيه ذلك المعنى كما وافقوا عليه في مسائل الربا، قال ابن دقيق العيد: والتعدية بمعنى الأذى إلى كل مؤذ قوي بالإضافة إلى تصرف أهل القياس فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق وهو الخروج عن الحد، وأما التعليل بحرمة الأكل ففيه إبطال لما دل عليه إيماء النص من التعليل بالفسق، لأن مقتضى العلة أن يتقيد الحكم بها وجودًا وعدمًا، فإن لم يتقيد وثبت الحكم عند عدمها بطل تأثيرها بخصوصها وهو خلاف ما دل عليه ظاهر النص من التعليل بها – انتهى. وقال غيره: هو راجع إلى تفسير الفسق، فمن فسره بأنه الخروج عن بقية الحيوان بالأذى علل به، ومن قال بجواز القتل وتحريم الأكل علل به، وقال من علل بالأذى: أنواع الأذى مختلفة، وكأنه نبه بالعقرب على ما يشاركها في الأذى باللسع ونحوه من ذوات السموم كالحية والزنبور والبرغوث، وبالفارة على ما يشاركها في الأذى بالنقب والقرض كابن العرس،
стр. 4390
متفق عليه.
٢٧٢٤ – (٤) وعن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: " خمس فواسق يقتلن
ــ
وبالغراب والحدأة على ما يشاركها بالاختطاف كالصقر والبازي، وبالكلب العقور على ما يشاركه في الأذى بالعدوان والعقر والافتراس بطبعه كالأسد والنمر والفهد. وقال من علل بتحريم الأكل وجواز القتل: إنما اقتصر على الخمس لكثرة ملابستها للناس بحيث يعم أذاها، والتخصيص لأجل الغلبة إذا وقع لم يكن له مفهوم على ما عرف في الأصول. قلت: وفي مذهب الحنيفة في السباع وفي قتل غير العقور روايتان كما يظهر من فروعهم من شاء الوقوف على ذلك رجع إلى الهداية والدر المختار وشرح اللباب وفتح القدير والبدائع، وهذا وقد أطنب الولي العراقي على عادته في شرح حديث ابن عمر وعائشة في طرح التثريب (ج ٥: ص ٥٦ – ٧٢) وأجمل المحب الطبري في القرى (ص ٢١٥، ٢١٦) فأحسن فراجعهما إن شئت (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي بدء الخلق المسلم في الحج، وأخرجه أيضًا احمد (ج ٢: ص ٣، ٨، ٣٢، ٣٧، ٣٨، ٥٤، ٦٥، ٧٧، ٨٢، ١٣٨) ومالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٤٤٢) والطحاوي والدرامي وابن الجارود (ص ١٥٥) والبيهقي (ج ٥: ص ٢٠٩، ٢١٠) وغيرهم.
٢٧٢٤ – قوله (خمس) بالتنوين مبتدأ، وقوله (فواسق) صفته وهو غير منصرف والخبر قوله (يقتلن) قال الطيبي: وروى بلا تنوين مضافًا إلى فواسق، قال التوربشتي: والصحيح هو الأول، ويدل عليه رواية البخاري في أحد طرقه ((خمس من الدواب كلهن فاسق)) أي كل واحدة أو واحد منها فاسق، وهو جمع فاسقة، وأراد بفسقهن خبثهن وكثرة الضرر فيهن – انتهى. وقال النووي: هو بإضافة خمس لا بتنوينه، وجوز ابن دقيق العيد الوجهين وأشار إلى ترجيح الثاني فإنه قال: رواية الإضافة تشعر بالتخصيص فيخالفها غيرها في الحكم من طريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى فيشعر بأن الحكم المرتب على ذلك وهو القتل معلل بما جعل وصفًا وهو الفسق فيدخل فيه كل من فاسق من الدواب، ويؤيده رواية البخاري من طريق يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة بلفظ ((خمس من الدواب كلهن فاسق)) وفي رواية لمسلم ((كلها فواسق)) قال الحافظ: قال النووي وغيره: تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية على وفق اللغة، فإن أصل الفسق لغة الخروج، ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وقوله تعالى: ﴿ففسق عن أمر ربه﴾ (سورة الكهف: الآية ٤٨) أي خرج، وسمي الرجل فاسقًا لخروجه عن طاعة ربه فهو خروج مخصوص، وزعم ابن الأعرابي أنه لا يعرف في كلام الجاهلية ولا شعرهم فاسق يعني بالمعنى الشرعي، وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة بالفسق فقيل لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله، وقيل في حل أكله لقوله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ (سورة الأنعام: الآية ١٤٦) وقوله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق﴾ (سورة الأنعام: الآية ١٢١) وقيل لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد
стр. 4391
في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا ". متفق عليه.
(الفصل الثاني)
٢٧٢٥ – (٥) عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: " لحم الصيد لكم في الإحرام حلال
ــ
وعدم الانتفاع، ومن ثم اختلف أهل الفتوى، فمن قال بالأول ألحق بالخمس كل ما جاز قتله للحلال في الحرم وفي الحل، ومن قال بالثاني ألحق ما لا يؤكل إلا ما نهي عن قتله، وهذا قد يجامع الأول، ومن قال بالثالث يخص الإلحاق بما يحصل منه الإفساد، ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن ماجة ((قيل له لم قيل للفارة فويسقة؟ فقيل: لأن النبي ﷺ استيقظ وقد أخذت الفتلية لتحرق بها البيت)) فهذا يؤمي إلى أن سبب تسمية الخمس بذلك لكون فعلها يشبه فعل الفساق وهو يرجح القول الأخير، والله أعلم (في الحل والحرم) أي حلالاً كان أو محرمًا (الحية) بأنواعها وفي معناها العقرب، (والغراب الأبقع) أي الذي فيه سواد وبياض (والكلب العقور) قال الحافظ: في الكلب بهيمية وسبعية كأنه مركب، وفيه منافع للحراسة والصيد، وفيه من اقتفاء الأثر وشم الرائحة والحراسة وخفة النوم والتودد وقبول التعليم ما ليس لغيره وقيل: إن أول من اتخذه للحراسة نوح ﵇ (والحديا) بصيغة التصغير. قال التوربشتي: إنما خص هذه الخمس من الدواب المؤذية والضارية وذوات السموم لما أطلعه الله تعالى عليه من مفاسدها أو لأنها أقرب ضررًا إلى الإنسان وأسرع في الفساد، وذلك بغير تمكن الإنسان من دفعها والاحتراز عنها، فإن منها ما يطير فلا يدرك ومنها ما يختبئ في نفق من الأرض كالمنتهز للفرصة، فإذا أمكن من الصرر يبادر إليه، وإذا أحس بطلب استكن، ومنها ما لا يمتنع بالكف والزجر بل يصول صولة العدو المباسل، وقد يصيب المعرض عنه بالمكروه كما يصيب المتعرض له، ثم إنه يتمكن من الهجوم على الإنسان لمخالطته بهم ولا كذلك السباع العادية فإنها متنفرة عن العمرانات في أماكنها يتخذ الإنسان منها حذره – انتهى. واستدل بالحديث على جواز قتل من لجأ إلى الحرم ممن وجب عليه القتل، لأن إباحة قتل هذه الأشياء معلل بالفسق، والقاتل فاسق فيقتل، بل هو أولى لأن فسق المذكورات طبيعي والمكلف إذا ارتكب الفسق هاتك لحرمة نفسه فهو أولى بإقامة مقتضى الفسق عليه. وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه بحث قال للنزاع، وسيأتي بسط القول في ((باب حرم مكة)) إن شاء الله (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي بدء الخلق ومسلم في الحج وأخرجه أيضًا أحمد مرارًا والنسائي والترمذي وابن ماجة والدرامي وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٤٢٢) والبيهقي (ج ٥: ص ٢٠٩) .
٢٧٢٥ – قوله (لحم الصيد في الإحرام حلال) يعني لحم صيد ذبحه حلال من غير دلالة المحرم وإعانته وإشارته وأمره حلال لكم، وقوله ((لحم الصيد لكم في الإحرام حلال)) كذا في جميع نسخ المشكاة والمصابيح، وهكذا
стр. 4392
ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ".
ــ
رواه الشافعي في الأم (ج ٢: ص ١٧٦) ولفظ أبي داود والنسائي وابن حبان كما في الموارد (ص ٢٤٣) والبيهقي (ج ٥: ص ١٩٠) ((صيد البر (أي مصيده) لكم حلال)) وزاد أحمد (ج ٣: ص ٣٦٢) وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٤٣٤) والترمذي والدراقطني (ص ٢٨٥) ((وأنتم حرم)) (بضمتين جمع حرام بمعنى المحرم كردح جمع رداح ويقال رجل حرام وامرأة حرام) وفي رواية الحاكم ج ١: ص٣٥٢) وابن الجارود (ص ١٥٤) ((لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم)) وكذا وقع في رواية للبيهقي (ج ٥: ص ١٩٠) (ما لم تصيدوه) أي بأنفسكم مباشرة (أو يصاد لكم) أي لأجلكم، وقوله ((يصاد)) كذا بالألف عند أبي داود والنسائي والدارقطني وابن حبان والبيهقي والطحاوي، ووقع عند أحمد (ج ٣: ص ٣٦٢) والترمذي وابن الجارود والشافعي ((أو يصد لكم)) أي مجزومًا بدون الألف، وهكذا وقع في رواية للحاكم كما قال الحافظ في التلخيص (ص ٢٢٥) وهكذا وقع عند أحمد (ج ٣: ص ٣٨٧) ويؤيد ذلك ما وقع عنده أيضًا (ج ٣: ص ٣٨٩) بلفظ ((لحم الصيد حلال للمحرم ما لم يصده أو يصده له)) ورواه عبد الرزاق بلفظ ((إلا ما اصطدتم أو اصطيد لكم)) ورواية الجزم أي بدون الألف ظاهرة لا إشكال فيها فأنها جارية على قوانين العربية، لأن قوله ((أو يصد)) معطوف على المجزوم، وأما رواية الألف فقيل هي جارية على لغة منها قول الشاعر:
ألم يأتيك والأخبار تنمى ومنها قوله تعالى: ((ومن يتقي ويصبر)) سورة يوسف: الآية ٩٠ بإثبات الياء ولا يخفى ما فيه، وقال السندي الوجه نصب ((يصاد)) على أن ((أو)) بمعنى ((إلا أن)) فلا إشكال – انتهى. وقال القاري: قال بعض علمائنا: بالنصب بإضمار أن وأو بمعنى إلا يعني لحم صيد ذبحه حلال من غير دلالة المحرم وإعانته حلال لكم إلا أن يصاد لأجلكم وبهذا يستدل مالك والشافعي على حرمة لحم ما صاده الحلال لأجل المحرم، قلت: ما ذهب مالك والشافعي هو مذهب جمهور العلماء كما قدمنا في أول الباب، واحتج لهم بحديث جابر: فما صاده الحلال لأجل المحرم حرم على المحرم وما لم يصده لأجله حل له، وقد صح هذا التفصيل عن عثمان بن عفان، وأراد هؤلاء بهذا التفصيل الجمع بين الأحاديث المطلقة في التحريم أو الجواز لأن كلها صحيح لا يمكن رده، وبالجمع المذكور تجتمع الأدلة وإعمالها أحسن من إهمال بعضها مع صحتها وهو جمع مستقيم ليس فيه تكلف أو تعسف. قال الشنقيطي: أظهر الأقوال وأظهرها دليلاً هو القول المفصل بين ما صيد لأجل المحرم فلا يحل له وبين ما صاده الحلال لا لأجل المحرم، فإنه يحل له، والدليل على هذا أمران: الأول أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ولا طريق للجمع إلا هذا الطريق ومن عدل عنها لا بد أن يلغي نصوصًا صريحة. الثاني حديث جابر الذي نحن في شرحه، قلت: وهو صريح في الفرق
стр. 4393
............................................................................................
ــ
والجمع المذكور، وظاهر في الدلالة لمذهب الجمهور. قال الشوكاني: هذا الحديث صريح في التفرقة بين أن يصيده المحرم أو يصيده غيره له، وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد له بل يصيده الحلال لنفسه ويطعمه المحرم ومقيد لبقية الأحاديث المطلقة كحديث الصعب وطلحة وأبي قتادة ومخصص لعموم الآية المتقدمة يعني أنه يحمل ما جاء مطلقًا في بعض طرق حديث أبي قتادة ونحوه على أنه لم يقصدهم باصطياده، ويحمل حديث الصعب وما وافقه على أنه قصدهم باصطياده لأنه كان عالمًا بأنه يمر به فصاده لأجله، وتحمل الآية الكريمة على الاصطياد وعلى لحم ما صيد للمحرم للأحاديث المبينة من الآية، ويؤيد ذلك حديث أبي قتادة عند أحمد وابن ماجة وعبد الرزاق والدارقطني والبيهقي وابن خزيمة وفيه ((وذكرت أني لم أكن أحرمت وإني إنما اصطدته لك فأمر النبي ﷺ أصحابه، فأكلوا ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له)) وقد تقدم الكلام عليه. هذا وأجاب الحنفية عن حديث جابر بثلاثة أوجه: أحدها تأويله بحيث لا يخالف مذهبهم بل يوافقه، والثاني الكلام في سنده وإعلاله، والثالث ترجيح حديث أبي قتادة وتقديمه على حديث جابر أما التأويل فبوجوه وكلها مخدوشة باطلة لا يخفى بطلانها على المنصف فمنها ما قال صاحب الهداية والطحاوي أن معناه أن يصاد لكم بأمركم، وهذا لأن الغالب في عمل الإنسان لغيره أن يكون بطلب منه، ومنها ما قاله صاحب الهداية أيضًا أن اللام في أو يصاد لكم للملك، والمعنى أن يصاد ويجعل له فيكون تمليك عين الصيد من المحرم وهو ممتنع أن يتملكه فيأكل من لحمه، وقال القاري: وأبو حنيفة ﵀ يحمله على أن يهدى إليكم الصيد دون اللحم انتهى. ويبطل هذا التأويل رواية الحديث بلفظ ((لحم الصيد لكم حلال)) إلخ. ومنها ما قيل: ((إن لكم)) بمعنى ((إعانتكم)) أو ((إشارتكم)) قال النبوري بعد ذكره: هذا تأويل محض لا يطمئن بمثله القلب. قلت: وهو نحو ما تقدم من تأويل صاحب الهداية والطحاوي. ومنها ما قيل: إن اللام ليس في معنى ((لأجلكم)) بل هي للتوكيل كما في قوله بعت له ثوبًا، واشتريت له لحمًا، وإذا احتمل كلا الوجهين لم يبق حجة في الحمل على الوجه الأول، وفيه أن الوجه الأول هو المتعين أعني أن اللام في ((لكم)) بمعنى لأجلكم لا للتوكيل يدل عليه رواية أبي قتادة عند أحمد وابن ماجة وغيرهما بلفظ ((ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له)) ويدل عليه أيضًا قول عثمان ﵁ حين أبي من أكل لحم الصيد ((إني لست كهيئتكم، إنما صيد لأجلي)) ومنها ما قال بعضهم إن غرض الحديث كما قاله الجمهور، ولكن ليس الغرض المنع والحرمة وإنما الغرض الكراهة فقط، والنهي من قبيل سد الذرائع، كما أنه ﵊ أخذ صيد أبي قتادة بيانًا للجواز ولم يأخذ صيد صعب بن جثامة لسد الزرائع، وفيه أن حمله على الكراهة فقط بعيد جدًا لأنه خلاف الظاهر ويبطله أيضًا رواية أبي قتادة عند أحمد وابن ماجة والحكم عليها بالوهم من غير دليل ليس مما يلتفت إليه، وأما الجواب عن حديث جابر بالكلام في سنده فهو أن في إسناد هذا الحديث عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن
стр. 4394
..............................................................................................
ــ
عبد الله بن حنطب عن مولاه المطلب عن جابر بن عبد الله، وعمرو مختلف فيه، فقال الدوري عن ابن معين: في حديثه ضعف، ليس بالقوى، وقال ابن أبي خثيمة عن ابن معين: ضعيف: وقال النسائي: ليس بالقوي وقد اضطرب هو في هذا الحديث فقال أكثر أصحابه عنه عن المطلب بن عبد الله عن جابر بن عبد الله، وقال الدراوردي عنه عن رجل من بني سلمة عن جابر، وهو عند الشافعي والدارقطني والبيهقي والحاكم، وقال يوسف بن خالد السمتي عنه عن المطلب بن عبد الله عن أبي موسى الأشعري، وهو عند الطبراني في الكبير وابن عدي في الكامل، ووافقه إبراهيم بن سويد عن عمرو عند الطحاوي، والمطلب بن عبد الله قال فيه ابن سعد: ليس يحتج بحديثه لأنه يرسل كثيرًا وليس له لقي وعامة أصحابه يدلسون. وقال الحافظ في التقريب: المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب، صدوق كثير التدليس والإرسال، وقال الترمذي: لا يعرف له سماع عن جابر، وقال في موضوع آخر: قال محمد يعني البخاري: لا أعرف له سماعًا من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثني من شهد خطبة رسول الله ﷺ ، وقال ابن أبي الحاتم في المراسيل عن أبيه لم يسمع من جابر، وعلى هذا فالحديث مرسل، قال ابن التركماني: هذا الحديث معلول، عمرو بن أبي عمرو مع اضطرابه في هذا الحديث متكلم فيه، قال ابن معين وأبو داود: ليس بالقوي. زاد يحيى: وكان مالك يستضعفه، وقال السعدي: مضطرب الحديث، والمطلب قال فيه ابن سعد: ليس يحتج بحديثه لأنه يرسل عن النبي ﷺ كثيرًا وعامة أصحابه يدلسون، ثم الحديث مرسل أي منقطع، قال الترمذي: المطلب لا يعرف له سماع من جابر، فظهر بهذا أن الحديث فيه أربع علل: إحداها الكلام في المطلب، ثانيتها أنه ولو كان ثقة فلا سماع له من جابر فالحديث مرسل، ثالثتها الكلام في عمرو، ورابعتها أنه ولو كان ثقة فقد اختلف عليه فيه كما مر وقد أخرجه الطحاوي من وجه آخر عن المطلب عن أبي موسى، وقال ابن حزم في المحلى: هو خبر ساقط – انتهى. وأجيب أن هذا كله ليس فيه ما يقتضي ضعف هذا الحديث ورده، لأن عمرو المذكور ثقة وهو من رجال البخاري ومسلم، وممن روى عنه مالك بن أنس وكل ذلك يدل على أنه ثقة، وقال الحافظ في التقريب: ثقة ربما وهم. وقال فيه النووي في شرح المهذب: أما تضعيف عمرو بن أبي عمرو فغير ثابت لأن البخاري ومسلمًا رويا له في صحيحيهما واحتجا به وهما القدوة في هذا الباب، وقد احتج به مالك وروى عنه وهو القدوة وقد عرف من عادته أن لا يروي في كتابه إلا عن ثقة، وقال أحمد بن حنبل فيه: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: هو ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن عدي: لا بأس به لأن مالكًا روى عنه ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة، قلت: وقد عرف أن الجرح لا يقبل ولا يثبت إلا مفسرًا، ولم يفسره ابن معين والنسائي بما يثبت تضعيف عمرو المذكور، وقال الشيخ ولي الدين: قد تبع النسائي على هذا ابن حزم وسبقهما إلى تضعيفه يحيى بن معين وغيره، لكن وثقه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وابن عدي وغيرهم، وأخرج له الشيخان في
стр. 4395
.............................................................................................
ــ
صحيحيهما وكفى بهما فوجب قبول خبره وقد سكت عنه أبو داود على خبره فهو عنده حسن أو صحيح كذا ذكر السندي. قلت: وصححه الحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين، وقرره الذهبي، وقال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس، وأما إعلال الحديث بأن عمروا اضطرب في هذا الحديث وأنه اختلف عليه فيه فالجواب أن الاضطراب والاختلاف إنما يضر إذا تساوت الطرق ولم يترجح واحد منها بوجه من وجوه الترجيح كما تقرر في موضعه، وأما إذا ترجح واحد منها فيقدم هو على غيره فإنه لا يعل الراجح بالمرجوح، وها هنا رواية من روى عن عمرو عن المطلب عن جابر أرجح من رواية من روى عن عمرو عن رجل عن جابر لكثرة من روى بعدم ذكر الواسطة، ولذا قال الحاكم بعد روايته من طريق يعقوب بن عبد الرحمن ويحيى بن عبد الله بن سالم عن عمرو عن المطلب عن جابر: وهكذا رواه مالك بن أنس وسليمان بن بلال ويحيى بن عبد الله بن سالم عن عمرو بن أبي عمرو متصلاً مسندًا،، ثم أخرج أحاديثهم ثم أخرجه من طريق الشافعي، أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن رجل من بني سلمة عن جابر، قال الحاكم: وهذا لا يعلل حديث مالك وسليمان بن بلال ويعقوب بن عبد الرحمن الاسكندراني فإنهم وصلوه وهم ثقات – انتهى، كذا في نصب الراية، وأما الاختلاف عليه في الصحابي فلا يضر أيضًا فإن يوسف بن خالد السمتي متروك، وأما رواية إبراهيم بن سويد عند الطحاوي فقال الحافظ في التلخيص بعد ذكرها: قد خالفه إبراهيم بن أبي يحيى وسليمان بن بلال والدراوردي ويحيى بن عبد الله بن سالم ويعقوب بن عبد الرحمن ومالك فيما قيل وآخرون وهم أحفظ منه وأوثق – انتهى. وأما إعلال هذا الحديث بعدم سماع المطلب من جابر وكون الحديث مرسلاً فقد أجاب عنه الشنقيطي بأن قول الترمذي المذكور وكذا قول البخاري ليس في شيء من ذلك ما يقتضي رد روايته لما قدمنا في سورة النساء من أن التحقيق هو الاكتفاء بالمعاصرة ولا يلزم ثبوت اللقي، وأحرى ثبوت السماع كما أوضحه مسلم في مقدمة صحيحه بما لا مزيد عليه مع أن البخاري ذكر في كلامه هذا الذي نقله عنه الترمذي أن المطلب مولى عمرو المذكور صرح بالتحديث ممن سمع خطبة رسول الله ﷺ ، وهو تصريح بالسماع من بعض الصحابة بلا شك، وقال النووي في شرح المهذب: وأما إدراك المطلب لجابر فقال ابن أبي حاتم (في الجرح والتعديل) : وروى عن جابر قال: ويشبه أن يكون أدركه، هذا هو كلام ابن أبي حاتم، فحصل شك في إدراكه، ومذهب مسلم الذي ادعى في مقدمة صحيحه الإجماع فيه أنه لا يشترط في اتصال الحديث اللقاء بل يكتفي بإمكانه، والإمكان حاصل قطعًا، ومذهب علي بن المديني والبخاري والأكثرين اشتراط ثبوت اللقاء، فعلى مذهب مسلم الحديث متصل، وعلى مذهب الأكثرين يكون مرسلاً لبعض كبار التابعين، وقد سبق أن مرسل التابعي الكبير يحتج به عندنا إذا اعتضد بقول الصحابة أو قول أكثر العلماء أو غير ذلك مما سبق، وقد اعتضد هذا الحديث فقال به من
стр. 4396
رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
ــ
الصحابة من سنذكره في فرع مذاهب العلماء – انتهى كلام النووي. قال الشنقيطي: فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور على كل التقديرات على مذاهب الأئمة الأربعة، لأن الشافعي منهم هو الذي لا يحتج بالمرسل، وقد عرفت احتجاجه بهذا الحديث على تقدير إرساله، قال الشنقيطي: نعم يشترط في قبول رواية المدلس التصريح بالسماع والمطلب المذكور مدلس لكن مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد صحة الاحتجاج بالمرسل لا سيما إذا اعتضد بغيره كما ها هنا وقد علمت من كلام النووي موافقة الشافعية، ومن المعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور عند مالك وأبي حنيفة وأحمد مع أن هذا الحديث له شاهد عند الخطيب وابن عدي من رواية عثمان بن خالد المخزومي عن مالك عن نافع عن ابن عمر كما نقله الحافظ في التلخيص (والزيلعي في نصب الراية) وهو يقويه وإن كان عثمان المذكور ضعيفًا لأن الضعيف يقوي المرسل كما عرف في علوم الحديث، فالظاهر أن حديث جابر هذا صالح وأنه نص في محل النزاع، وهو جمع بين هذه الأدلة بعن الجمع الذي ذكرنا أولاً، فاتضح بهذا أن الأحاديث الدالة على منع أكل المحرم مما صاده الحلال كلها محمولة على أنه صاده من أجله، وأن الأحاديث الدالة على إباحة الأكل منه محمولة على أنه لم يصده من أجله – انتهى كلام الشنقيطي. وأما الوجه الثالث مما أجاب به الحنيفة عن حديث جابر وهو ترجيح حديث أبي قتادة عليه فقال ابن الهمام في تقريره إن في حديث أبي قتادة أنهم لما سألوه ﵇ لم يجب بحله لهم حتى سألهم عن موانع الحل أكانت موجودة أم لا؟ فقال ﷺ : أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو إشارة إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا إذا. فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظمه في سلك ما يسئل عنه منها في التفحص عن الموانع ليجيب بالحكم عند خلوه عنها، وهذا المعنى كالصريح في نفي كون الاصطياد للمحرم مانعًا فيعارض حديث جابر، ويقدم عليه لقوة ثبوته إذ هو في الصحيحين وغيرهما من الكتب الستة بخلاف ذلك بل قيل في حديث جابر انقطاع يعني فالأولى هو ترجيح حديث أبي قتادة، وتعقب بأنه لا تعارض بين الحديثين، فإن في رواية أبي قتادة عند أحمد وابن ماجة وعبد الرزاق وغيرهم أنه ﷺ لم يأكل من صيده حين أخبره أبو قتادة أنه اصطاده له وعلى هذا فحديث أبي قتادة موافق لحديث جابر لا معارض (رواه أبو داود) إلخ. وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٣: ص ٣٦٢، ٣٨٧، ٣٨٩) وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج ١: ص ٤٥٢) والدراقطني (ص ٢٨٥) والبيهقي (ج ٥: ص ١٩٠) وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٤٣٥) والشافعي في الأم (ج ٢: ص ١٧٦) وابن الجارود في المنتقى (ص ١٥٤) والطحاوي (ج ١: ص ٣٨٨) من حديث عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن مولاه المطلب عن جابر وهو إسناد صالح حسن أو صحيح وقد تقدم الكلام والبحث في هذا فتذكر.
стр. 4397
٢٧٢٦ – (٦) وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: " الجراد من صيد البحر ".
ــ
٢٧٢٦ – قوله (الجراد) بفتح الجيم وتخفيف الراء حيوان معروف، والواحدة جرادة، والذكر والأنثى سواء كالحمامة، ويقال: إنه مشتق من الجرد لأنه لا ينزل على شيء إلا جرده. قال الدميري: هو مشتق من الجرد والاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جدًا. يقال ثوب جرد أي أملس، وهو نوعان بري وبحري، وهو أصناف مختلفة فبعضه كبير الجثة وبعضه صغيرها وبعضه أحمر وبعضه أصفر وبعضه أبيض، وإذا خرج من بيضه يقال له الدَّبيّ فإذا طالت أجنحته وكبرت فهو الغوغاء الواحدة غوغاة وذلك حين يموج بعضه في بعض. فإذا بدت فيه الألوان واصفرت الذكور واسودت الإناث سمى جرادًا حينئذ، ولها ست أرجل، يدان في صدرها وقائمتان في وسطها ورجلان في مؤخرها وطرفا رجليها منشاران، وهو من الحيوان الذي ينقاد لرئيسه فيجتمع كالعسكر إذا ظعن أوله تتابع جميعه ظاعنًا، وإذا نزل أوله نزل جميعه. قال: وفي الجراد خلقة عشرة من جبابرة الحيوان مع ضعفه: وجه فرس وعينًا فيل وعنق ثور وقرنا أيل وصدر أسد وبطن عقرب وجناحا نسر وفخذا جمل ورجلا نعامة وذنب حية – انتهى. وقال الحافظ في الفتح: وخلقة الجراد عجيبة فيها عشر من الحيوانات ذكر بعضها ابن الشهرزوري في قوله:
لها فخذ بكر وساقا نعامة _ ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم
حبتها أفاعي الرمل بطنا وأنعمت _ ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم
قيل: وفاته عين الفيل وعنق الثور وقرن الأيل وذنب الحية، وهو صنفان: طيار ووثاب، ويبيض في الصخر ويتركه حتى ييبس وينتشر فلا يمر بزرع إلا اجتاحه (من صيد البحر) قيل إن الجراد يتولد من الحيتان كالديدان فيدسرها البحر ويطرحها إلى الساحل. وقيل: فيه بيان لأول خلقه فروى الباجي عن كعب قال: خرج أوله من منخر حوت فأفاد أن أول خلقه من ذلك قال الزرقاني. وفيه دليل على أن الجراد من صيد البحر وأنه في حكمه فلا جزاء في قتله، ويؤيده حديث جابر وأنس عند ابن ماجة مرفوعًا ((إن الجراد نثرة الحوت في البحر)) لكن الحديثين ضعيفان كما ستعرف، واختلف العلماء في ذلك فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد في رواية: إنه من صيد البر وفيه الجزاء، قال النووي في شرح المهذب: يجب الجزاء على المحرم بإتلاف الجراد عندنا، وبه قال عمر وعثمان وابن عباس وعطاء. قال العبدري: وهو قول أهل العلم كافة إلا أبا سعيد الأصطخري قال: لا جزاء فيه، وحكاه ابن المنذر عن كعب الأحبار وعروة بن الزبير قالوا: هو من صيد البحر فلا جزاء فيه، واحتج لهم بحديث أبي المهزم عن أبي هريرة يعني حديث الباب، ثم قال: واتفقوا على تضعيفه لضعف أبي المهزم – انتهى. وقال ابن قدامة: اختلفت الرواية أي عن الإمام أحمد في الجراد فعنه هو من صيد البحر لا جزاء فيه وهو مذهب أبي سعيد. قال ابن المنذر: قال ابن عباس وكعب: وهو من
стр. 4398
..............................................................................................
ــ
صيد البحر، وقال عروة: هو نثرة حوت، ثم ذكر حديث أبي هريرة ثم: قال وروي عن أحمد أنه من صيد البر وفيه الجزاء وهو قول الأكثرين لما رواه الشافعي في مسنده عن عمر أنه قال لكعب في جرادتين: ما جعلت في نفسك؟ قال: درهمان. قال: بخ! درهمان خير من مائة جرادة، ولأنه طير يشاهد طيرانه في البر ويهلكه الماء إذا وقع فيه فأشبه العصافير، فعلى هذا يضمنه بقيمته لأنه لا مثل له، وهو قول الشافعي، وعن أحمد: يتصدق بتمرة عن الجرادة، وهو يروي عن عمر وعبد الله بن عمر، وقال ابن عباس: قبضة من طعام. قال القاضي: هذا محمول على أنه أوجب ذلك على طريق القيمة، والظاهر أنهم لم يريدوا بذلك التقدير وإنما أرادوا أن فيه أقل شيء – انتهى. وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر حديث أبي هريرة: وسنده ضعيف، فلو صح لكان فيه حجة لمن قال: لا جزاء فيه إذا قتله المحرم، وجمهور العلماء على خلافه. قال ابن المنذر: لم يقل لا جزاء فيه غير أبي سعيد الخدري وعروة بن الزبير، واختلف عن كعب الأحبار، وإذا ثبت فيه الجزاء دل على أنه بري – انتهى. والقول الراجح المعول عليه أن الجراد من صيد البر فيجب الجزاء على المحرم في قتله وهو قول عامة العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم إلا أبا سعيد الخدري وعروة بن الزبير، واختلفت الرواية في ذلك عن كعب، وأما حديث أبي هريرة وأنس فضعيف بالاتفاق لا يصلح للاحتجاج كما سيأتي، وأيضًا تدفعه المشاهدة والحس لاستقراره في البر وإرزازه في الأرض وتقوته بما يخرجه الأرض من نباتها وثمراتها. قال النووي: ودعوى أنها بحري لا تقبل بغير دليل وقد دلت الأحاديث الصحيحة والإجماع على أنه مأكول فيجب جزاءه كغيره والله أعلم – انتهى. والظاهر أنه إنما عده من صيد البحر لأنه يشبه صيد البحر من حيث أنه يحل ميتته ولا يفتقر إلى التذكية يعني أنه جعله من صيد البحر لمشاركته صيد البحر في حكم الأكل منه من غير تذكية على ما ورد به الحديث ((أحلت لنا ميتتان)) إلخ. وقيل: إن الجراد على نوعين بحري وبري فيعمل في كل منهما بحكمه، ثم إنهم اختلفوا في أصله على أقوال، فقيل: أنه نثرة حوت كما تقدم، وقيل: متولد من روث السمك حكاه العيني، وقيل: أنه يتولد من الحيتان فيطرحها البحر إلى الساحل، وقيل: أول خلقه من نثرة الحوت كما سبق، وقال الباجي: روي عن سعيد بن المسيب أن الله تعالى خلق الجراد مما بقي من طينة آدم، ورواه عبد الرزاق (ج ٤: ص ٥٣١) عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: لم يخلق الله بعد آدم شيئًا إلا الجراد بقي من طينته شيء فخلق منها الجراد، وهذا أيضًا لا يعرف إلا بخير نبي، ولا نعلم في ذلك خبرًا يثبت فلا يصح التعلق بشيء من ذلك – انتهى. وقال الحافظ: اختلف في أصله فقيل: أنه نثرة حوت فلذلك كان أكله بغير ذكاة، وهذا ورد في حديث ضعيف أخرجه ابن ماجة عن أنس رفعه ((إن الجراد نثرة حوت من البحر)) ومن حديث أبي هريرة ((خرجنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة فاستقبلنا رجل من جراد فجعلنا نضرب بنعالنا وأسواطنا فقال: كلوه فإنه من صيد البحر)) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وسنده ضعيف، إلى آخر ما نقلنا
стр. 4399
رواه أبو داود، والترمذي.
ــ
من كلامه قبل ذلك. هذا والحديث يدل أيضًا على جواز أكل الجراد مطلقًا وقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على إباحة أكله، لكن فصل ابن العربي في شرح الترمذي بين جراد الحجاز وجراد الأندلس، فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل لأنه محض، وهذا إن ثبت أنه يضر أكله بأن يكون فيه سمية تخصه دون غيره من الجراد البلاد تعين استثناؤه، كذا في الفتح. قال الدميري: أجمع المسلمون على إباحة أكله، وقد قال عبد الله بن أبي أوفى: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد، رواه أبو داود والبخاري، وزاد أبو نعيم ((ويأكله رسول الله ﷺ معنا)) وروى ابن ماجة عن أنس: كن أزواج النبي ﷺ يتهادين الجراد في الأطباق. وفي الموطأ أن عمر ﵁ سئل عن الجراد فقال: إن عندى قفة آكل منها – انتهى. وقال النووي: أجمع المسلمون على إباحة أكل الجراد، ثم قال الشافعي وأبو حنفية والجماهير: يحل سواء مات بذكاة أو باصطياد مسلم أو مجوسي، أو مات حتف أنفه، وقال مالك في المشهور عنه وأحمد في رواية: يحل إذا مات بسبب بأن يقطع بعضه أو يلقى في النار حيًا فإن مات حتف أنفه لا يحل، وقال الحافظ: قد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية إلا أن المشهور عند المالكية اشتراط تذكيته، واختلفوا في صفتها فقيل بقطع رأسه، وقيل: إن وقع في قدر أو نار حل، وقال ابن وهب: أخذه ذكاته، ووافق مطرف منهم الجمهور في أنه لا يفتقر إلى ذكاته لحديث ابن عمر: ((أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال)) أخرجه أحمد والدارقطني مرفوعًا، وقال إن الموقوف أصح، ورجح البيهقي أيضًا الموقوف، إلا أنه قال: إن له حكم الرفع – انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٨: ص ٥٧٢) : يباح أكل الجراد بإجماع أهل العلم وقد قال عبد الله بن أبي أوفى: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد. رواه البخاري. ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب في قول عامة أهل العلم منهم الشافعي وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي وابن المنذر، وعن أحمد أنه إذا قتله البرد لم يؤكل، وعنه لا يؤكل إذا مات بغير سبب، وهو قول مالك، ويروى أيضًا عن سعيد بن المسيب، ولنا عموم قوله ﵇: أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان السمك والجراد، ولم يفصل، ولأنه تباح ميتته فلم يعتبر له سبب كالسمك – انتهى. (رواه أبو داود والترمذي) أخرجه أبو داود أولاً من طريق ميمون بن جابان عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: الجراد من صيد البحر. ثم روى هو والترمذي من طريق أبي المهزم عن أبي هريرة قال: أصابنا صرمًا من جراد فكان رجل يضرب بسوطه وهو محرم فقيل له: إن هذا لا يصلح، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: " إنما هو من صيد البحر ". ولفظ الترمذي ((قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة فاستقبلنا رجل من جراد فجعلنا نضربه بأسياطنا وعصينا، فقال النبي ﷺ : كلوه فإنه من صيد البحر، وبنحو ذلك رواه أحمد (ج ٢: ص ٣٠٦) وابن ماجة
стр. 4400
٢٧٢٧ – (٧) وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، قال: " يقتل المحرم السبع العادي ". رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجة.
٢٧٢٨ – (٨) وعن عبد الرحمن بن أبي عمار، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع
ــ
والبيهقي (ج ٥: ص ٢٠٧) قال المنذري: ميمون بن جابان لا يحتج به، وأبو المهزم – بضم الميم وفتح الهاء وكسر الزاي وتشديدها، بعدها ميم – اسمه يزيد بن سفيان بصري، متروك، وقال أبو داود: أبو المهزم ضعيف، والحديثان جميعًا وهم – انتهى. وأما حديث جابر وأنس عند ابن ماجة فهو أيضًا ضعيف جدًا، وفي إسناده موسى بن محمد متروك، منكر الحديث ومن أفراد ابن ماجة.
٢٧٢٧- قوله (يقتل المحرم السبع العادي) بتخفيف الياء وفتحها، أي الظالم الذي يفترس الناس ويعقر فكل ما كان هذا الفعل نعتًا له من أسد ونمر وفهد وذئب ونحوها فحكمه هذا الحكم وليس على قاتلها فدية، والحديث كذا ذكره المصنف مختصرًا وهو عند الترمذي بلفظ ((يقتل المحرم السبع العادي والكلب العقور والفارة والعقرب والحدأة والغراب)) وبنحو ذلك رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وغيرهم. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: المحرم يقتل السبع العادي والكلب، وهو قول سفيان الثوري والشافعي، وقال الشافعي: كل سبع عدا على الناس أو على دوابهم فللمحرم قتله – انتهى. قلت: وهو قول مالك وأحمد والجمهور كما تقدم (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث حسن (وأبو داود) وسكت عنه (وابن ماجة) وأخرجه أيضًا أحمد والطحاوي والبيهقي (ج ٥: ص ٢١٠) وفي إسناده عندهم جميعًا يزيد بن أبي زياد مختلف فيه، وروى له مسلم مقرونًا بغيره. وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي: وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وقد تقدم الكلام عليه، وقد أطال الشنقيطي الكلام في تقوية هذا الحديث وترجح مذهب الجمهور فارجع إلى أضواء البيان (ج ٢: ص ١٣٩، ١٤٠) إن شئت.
٢٧٢٨- قوله (وعن عبد الرحمن بن أبي عمار) بفتح العين وتشديد الميم، هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار المكي القرشي حليف بني جمح الملقب بالقس – بفتح القاف وتشديد السين المهملة – ثقة عابد من الطبقة الوسطى من التابعين. قال ابن أبي خيثمة: كان حليفًا لبني جمح وكان ينزل مكة وكان من عبادها فسمي القس لعبادته (سألت جابر بن عبد الله) أي الأنصاري الصحابي (عن الضبع) قال الزرقاني: بضم الباء لغة قيس، وسكونها لغة تميم وهي أنثى، وقيل يقع على الذكر والأنثى، وربما قيل في الأنثى ضبعة بالهاء. والذكر ضبعان، والجمع ضباعين (كسرحان وسراحين) ويجمع مضموم الباء على ضباع وساكنها على أضبع – انتهى. وقال شيخنا: الضبع – بفتح الضاد المعجمة وضم الباء الموحدة – حيوان معروف يقال له بالفارسية كفتار (بفتح كاف وسكون فاء) وبالهندية ((بجو)) بكسر الموحدة وضم الجيم
стр. 4401
أصيد هي؟ فقال: نعم.
ــ
المشددة كما في نفائس اللغات ومخزن الأدوية وغيرهما. وقيل: هو بالهندية ((هندار)) كما في غياث اللغات، والأول هو الظاهر لأن الضبع معروف بنبش القبور، والحيوان الذي يقال له بالهندية ((هندار)) لم يعرف بنبش القبور قال في النيل: ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكرًا وسنة أنثى، فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة، وهو مولع بنبش القبور لشهوته للحوم بني آدم. وقال الدميري: الضبع معروفة ولا تقل ضبعة، لأن الذكر ضبعان، ومن عجيب أمرها أنها كالأرنب تكون سنة ذكرًا وسنة أنثى فتلقح في حال الذكورة وتلد في حال الأنوثة، وهي مولعة بنبش القبور لكثرة شهوتها للحوم بني آدم، ومتى رأت إنسانًا نائمًا حفرت تحت رأسه وأخذت بحلقه فتقتله وتشرب دمه (أصيد هي؟) أي أفي قتلها جزاء؟ (فقال: نعم) زاد في رواية أبي داود وغيره كما سيأتي ((ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم، والحديث نص في أن الضبع صيد يلزم فيه الجزاء. وهذه المسألة متفق عليها بين الأئمة الأربعة، وأما إيجاب الكبش أو الشاة في الضبع فهو مذهب الأئمة الثلاثة الشافعي ومالك وأحمد كما صرح به أهل الفروع، ففي الروض المربع: وفي الضبع كبش، وهكذا في مناسك النووي وشرح الإقناع، ونص الدردير على أن في الضبع شاة، وأما عند الحنفية فالواجب القيمة. قال في الهداية: الجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يقوم الصيد في المكان الذي قتل فيه أو في أقرب المواضع ويُقَوّمه ذوا عدل، ثم هو مخير في الفداء إن شاء اشترى به هديًا إن بلغته أو اشترى طعامًا وتصدق به وإن شاء صام، وقال محمد والشافعي: تجب في الصيد النظير فيما له نظير، ففي الظبي شاة، وفي الضبع شاة لأن الصحابة أوجبوا النظير من حيث الخلقة. وقال ﵊: " الضبع صيد وفيه الشاة ". – انتهى بقدر الضرورة. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٥٠٩) : إن جزاء ما كان دابة من الصيد نظيره من النعم، هذا قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي، وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة، ويجوز فيها المثل لأن الصيد ليس بمثلي، ولنا قول الله تعالى ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ سورة المائدة الآية ٩٦. وجعل النبي ﷺ في الضبع كبشًا وأجمع الصحابة على إيجاب المثل، وقال عمر وعثمان وعلي وزيد ابن ثابت وابن عباس ومعاوية: في النعامة بدنة، وحكم عمر في حمار الوحش ببقرة، وحكم عمر وعلي في الظبي بشاة، وإذا حكموا بذلك في الأزمنة المختلفة والبلدان المتفرقة دل ذلك على أنه ليس على وجه القيمة ولأنه لو كان على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف بها القيمة إما برؤية أو إخبار ولم ينقل منهم السؤال عن ذلك حال الحكم، إذا ثبت هذا فليس المراد حقيقة المماثلة فإنها لا تتحقق بين النعم والصيد لكن أريدت المماثلة من حيث الصورة، والمتلف من الصيد قسمان أحدهما ما قضت فيه الصحابة فيجب فيه ما قضت، وبهذا قال عطاء والشافعي وإسحاق، وقال مالك: يستأنف الحكم فيه، قال ابن قدامة: والذي بلغنا قضاء الصحابة في الضبع كبش، قضى به عمر وعلي
стр. 4402
..............................................................................................
ــ
وجابر وابن عباس، وفيه عن جابر أن النبي ﷺ جعل في الضبع يصيدها المحرم كبشًا. رواه أبو داود وابن ماجة. قال أحمد: حكم رسول الله ﷺ في الضبع بكبش، وبه قال عطاء والشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وقال الأوزاعي: إن كان العلماء بالشام يعدونها من السباع، ويكرهون أكلها، وهو القياس إلا أن إتباع السنة والآثار أولى. القسم الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة فيرجع إلى قول عدلين من أهل الخبرة لقول الله تعالى ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به من النعم من حيث الخلقة لا من حيث القيمة بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة - انتهى مختصرًا. وقال الشنقيطي: اعلم أن الصيد ينقسم إلى قسمين: قسم له مثل من النعم كبقرة الوحش، وقسم لا مثل له من النعم كالعصافير وجمهور العلماء يعتبرون المثلية بالمماثلة في الصورة والخلقة، وخالف أبو حنيفة الجمهور فقال: إن المماثلة معنوية وهي القيمة أي قيمة الصيد في المكان الذي قتله فيه أو أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله فيشترى بتلك القيمة هديًا إن شاء أو يشتري بها طعامًا ويطعم المساكين. واحتج أبو حنيفة بأنه لو كان الشبه من طريق الخلقة والصورة معتبرًا في النعامة بدنة وفي الحمار بقرة وفي الظبي شاة لما أوقفه على عدلين يحكمان به لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر، وإنما يفتقر إلى العدلين والنظر ما تشكل الحال فيه ويختلف فيه وجه النظر. ودليل الجمهور على أن المراد بالمثل من النعم المشابهة للصيد في الخلقة والصورة منها قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ فالمثل يقتضي بظاهره المثل الخلقي الصوري دون المعنوي، ثم قال ﴿من النعم﴾ فصرح ببيان جنس المثل، ثم قال: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ وضمير ((به)) راجع إلى ((المثل من النعم)) لأنه لم يتقدم ذكر لسواه حتى يرجع إليه الضمير، ثم قال ((هديًا بالغًا الكعبة)) والذي يتصور أن يكون هديًا مثل المقتول من النعم، فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديًا ولا جرى لها ذكر في نفس الآية، وادعاء أن المراد شراء الهدي بها بعيد من ظاهر الآية، فاتضح أن المراد مثل من النعم، وقوله ((لو كان الشبه الخلقي معتبرًا لما أوقفه على عدلين)) أجيب عنه بأن اعتبار العدلين إنما وجب بالنظر في حال الصيد من كبر وصغر وما لا جنس له مما له جنس، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص، قاله القرطبي. قال الشنقيطي: المراد بالمثلية في الآية التقريب وإذا فنوع المماثلة قد يكون خفيًا لا يطلع عليه إلا أهل المعرفة والفطنة التامة ككون الشاة مثلاً للحمامة لمشابهتها في عب الماء والهدير...... قال: والمثل من النعم له ثلاث حالات: الأولى أن يكون تقدم فيه حكم من النبي ﷺ ، الثانية أن يكون تقدم فيه حكم من عدلين من الصحابة أوالتابعين مثلاً، الثالثة أن لا يكون تقدم فيه حكم منه ﷺ ولا منهم ﵃، فالذي حكم ﷺ فيه لا يجوز لأحد الحكم فيه بغير ذلك كالضبع، فإنه ﷺ قضى فيها بكبش، ثم ذكر حديث جابر الذي نحن في شرحه، ونقل تصحيحه عن البخاري وعبد الحق والبيهقي، ثم ذكر الاختلاف فيه بالوقف والإرسال، ثم قال: قضاءه ﷺ في الضبع ثابت كما رأيت
стр. 4403
فقلت: أيؤكل؟
ــ
تصحيح البخاري وعبد الحق له، وكذلك البيهقي والشافعي وغيرهم، والحديث إذا ثبت صحيحًا من وجه لا يقدح فيه الإرسال ولا الوقف من طريق أخرى كما هو الصحيح عند المحدثين، لأن الوصل والرفع من الزيادات وزيادة العدل مقبولة كما هو معروف. وأما إن تقدم فيه حكم من عدلين من الصحابة أو ممن بعدهم فقال بعض العلماء: يتبع حكمهم ولا حاجة إلى نظر عدلين وحكمهما من جديد لأن الله تعالى قال: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ وقد حكما بأن هذا مثل لهذا، وقال بعض العلماء: لا بد من حكم عدلين من جديد، وممن قال به مالك. قال القرطبي: ولو اجتزأ بحكم الصحابة لكان حسنًا، وروي عن مالك أيضًا أنه يستأنف الحكم في كل صيد ما عدا حمام مكة وحمار الوحش والظبي والنعامة فيكتفي فيها بحكم من مضى من السلف، ثم ذكر الآثار في ذلك عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد وابن عباس وعثمان وعلى وزيد بن ثابت ومعاوية وابن مسعود وغيرهم. وقال الخطابي في المعالم (ج ٥: ص ٣١٤) : وفي الحديث دليل على أن المثل المجعول في الصيد إنما هو من طريق الخلقة دون القيمة ولو كان الأمر في ذلك موكولاً إلى الاجتهاد لأشبه أن يكون بدله مقدرًا، وفي ذلك ما دل على أن في الكبش وفاء لجزاءه كانت قيمته مثل قيمة المجزي أو لم تكن – انتهى. وقال الشوكاني: قوله ((ويجعل فيه كبش)) فيه دليل على أن الكبش مثل الضبع، وفيه أن المعتبر في المثلية بالتقريب في الصورة لا بالقيمة، ففي الضبع الكبش سواء كان مثله في القيمة أو أقل أو أكثر – انتهى (أيؤكل) كذا بالتذكير في جميع نسخ المشكاة، ووقع في المصابيح ((أتوكل؟)) بالتأنيث وهكذا في كتاب الأم (ج ٢: ص ١٦٤) وهو الأظهر، والذي في جامع الترمذي ((قلت: آكلها؟)) أي بصيغة المتكلم وكذا نقله المجد بن تيمية في المنتقى وفي مسند الإمام أحمد، قال (أي عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار) : سألت جابرًا فقلت: الضبع آكلها؟ قال نعم. قلت: أصيد هي؟ قال: نعم. قلت: أسمعت ذاك من نبي الله ﷺ ؟ قال: نعم. وفيه دليل على أن الضبع حلال. قال الشوكاني: فيه دليل على جواز أكل الضبع وإليه ذهب الشافعي وأحمد، قال الشافعي: ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير، ولأن العرب تستطيبه وتمدحه، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى تحريمه، واستدل لهم بما صح من تحريم كل ذي ناب من السباع، وبما سيأتي من حديث خزيمة بن جزء. قال الشوكاني: ويجاب عن الأول بأن حديث الباب يعني حديث جابر خاص فيقدم على حديث كل ذي ناب، ويجاب عن الثاني بأنه ضعيف أي لا يصلح للاحتجاج، لأن في إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق وهو متفق على ضعفه. وقال الخطابي في المعالم: إذا كان قد جعله النبي ﷺ صيدًا ورأى فيه الفداء فقد أباح أكله كالظباء والحمر الوحشية وغيرها من أنواع صيد البر، وإنما أسقط الفداء في قتل ما لا يؤكل فقال: خمس لا جناح على من قتلهن في الحل والحرم – الحديث. قال: وقد اختلف الناس في أكل الضبع فروي عن
стр. 4404
..............................................................................................
ــ
سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضبع، وروي عن ابن عباس إباحة أكل لحم الضبع، وأباح أكلها عطاء والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وكرهه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ومالك وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، واحتجوا بأنها سبع وقد نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع. قال الخطابي: وقد يقوم دليل الخصوص فينزع الشيء من الجملة وخبر جابر خاص، وخبر تحريم السباع عام – انتهى. وقال ابن رسلان: وقد قيل: إن الضبع ليس لها ناب وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفيحة نعل الفرس، فعلى هذا لا يدخل في عموم النهي – انتهى، كذا ذكره الشوكاني. وقال الخرقي: ولا بأس بأكل الضبع. قال ابن قدامة (ج ٨: ص ٦٠٤) : رويت الرخصة في الضبع عن سعد وابن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعكرمة وإسحاق. وقال عروة: ما زالت العرب تأكل الضبع ولا ترى بأكلها بأسًا. وقال أبو حنيفة والثوري ومالك: هو حرام. وروى نحو ذلك عن سعيد بن المسيب لأنها من السباع، وقد نهى النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وهي من السباع فتدخل في عموم النهي، ولنا ما روى جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ بأكل الضبع، قلت: صيد هي؟ قال: نعم. احتج به أحمد، قال ابن عبد البر: هذا لا يعارض حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع لأنه أقوى منه. قلنا: هذا تخصيص لا معارض، ولا يعتبر في التخصيص كون المخصص في رتبة المخصص بدليل تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد، ولأن الضبع قد قيل إنها ليس لها ناب وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفحة نعل الفرس، فعلى هذا لا تدخل في عموم النهي - انتهى، وقال الشنقيطي بعد ذكر كلام ابن عبد البر: للمخالف أن يقول: أحاديث النهي عامة في كل ذي ناب من السباع ودليل إباحة الضبع خاص ولا يتعارض عام وخاص لأن الخاص يقضي على العام فيخصص عمومه به كما هو مقرر في الأصول – انتهى، وقال الحافظ ابن القيم في الإعلام (ج ١: ص ١٩٢، طبعة الحجر) : أما الضبع فروى عنه فيها حديث صححه كثير من أهل العلم بالحديث فذهبوا إليه وجعلوه مخصصًا لعموم أحاديث التحريم كما خصصت العرايا لأحاديث المزابنة، وطائفة لم تصححه وحرموا الضبع لأنها من جملة ذات الأنياب، وقالوا: وقد تواترت الآثار عن النبي ﷺ بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وصحت صحة لا مطعن فيها من حديث علي وابن عباس وأبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني، قالوا: وأما حديث الضبع فتفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار وأحاديث تحريم ذوات الأنياب كلها تخالفه، قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنين أحدهما أن يكون جابر رفع الأكل إلى النبي ﷺ وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدًا فقط ولا يلزم من كونها صيدًا جواز أكلها فظن جابر أن كونها صيدًا يدل على أكلها فأفتى به من قوله ورفع إلى النبي ﷺ ما سمعه من كونها صيدًا، فروى الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي عمار قال: قلت لجابر بن عبد الله: آكل الضبع؟ قال: نعم. قلت: أصيد هي؟ قال: نعم. قلت: أسمعت ذلك من رسول
стр. 4405
............................................................................................
ــ
الله ﷺ ؟ قال: نعم. وهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونها صيدًا، ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال عن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمار عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الضبع فقال: هي صيد وفيها كبش، قالوا: وكذلك حديث إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر يرفعه: الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن ويؤكل، قال الحاكم: حديث صحيح، وقوله ((ويؤكل)) يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم يعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم، قالوا: ولو كان حديث جابر صريحًا في الإباحة لكان فردًا وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة ادعى الطحاوي وغيره تواترها فلا يقدم حديث جابر عليها، قالوا: والضبع من أخبث الحيوان وأشرهه وهو مغرى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم ويأكل الجيف ويكسر بنابه، قالوا: والله سبحانه قد حرم علينا الخبائث وحرم رسول الله ذوات الأنياب والضب لا يخرج عن هذا وهذا، قالوا: وغاية حديث جابر يدل على أنها صيد يفدى في الإحرام ولا يلزم من ذلك أكلها، وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله يعني الإمام أحمد عن محرم قتل ثعلبًا فقال: عليه الجزاء، هي صيد ولكن لا يؤكل. وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله سئل عن الثعلب فقال: الثعلب سبع. فقد نص على أنه سبع وأنه يفدى في الإحرام، ولما جعل النبي ﷺ في الضبع كبشًا ظن جابر أنه يؤكل فأفتى به، والذين صححوا الحديث جعلوه مخصصًا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما حتى قالوا: ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلا الضبع وهذا لا يقع مثله في الشريعة أن يخصص مثلاً على مثل من كل وجه من غير فرقان بينهما، وبحمد الله إلى ساعتي هذا ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك أعني شريعة التنزيل لا شريعة التأويل، ومن تأمل ألفاظه ﷺ الكريمة تبين له اندفاع هذا السؤال، فإنه إنما حرم ما اشتمل على الوصفين أن يكون له ناب وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد. وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين وهو كونها ذات ناب وليست من السباع العادية، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا تعد الضبع من السباع لغة وعرفًا – انتهى ما في الإعلام. قال شيخنا في شرح الترمذي (ج ٣: ص ٧٧) بعد ذكر كلام ابن القيم ما لفظه ((قلت: في أقوال المحرمين التي نقلها الحافظ ابن القيم خدشات، أما قولهم: إن حديث الضبع تفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار ففيه أنه ثقة ولم يتفرد به. قال الحافظ في التلخيص: وأعله ابن عبد البر (في التمهيد (ج ١: ص ١٥٢، ١٥٥) بعبد الرحمن بن أبي عمار فوهم لأنه وثقه أبو زرعة والنسائي ولم يتكلم فيه أحد، ثم إنه لم ينفرد به – انتهى. وقال في الفتح: وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها – انتهى، وأما قولهم: لفظ الحديث يحتمل معنين أحدهما
стр. 4406
فقال: نعم. فقلت: سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. رواه الترمذي، والنسائي، والشافعي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ــ
أن يكون جابر رفع الأكل إلى النبي ﷺ وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدًا فقط ففيه أن ظاهر لفظ الحديث يدل على أن جابرًا ﵁ رفع الأكل وكونها صيدًا كليهما إلى النبي ﷺ ، ويؤيده رواية أحمد (وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٥١٢) بلفظ سألت جابر بن عبد الله عن الضبع، فقال: حلال، فقلت: عن رسول الله ﷺ ؟ وأما قولهم: والضبع لا يخرج عن هذا وهذا ففيه أن حديث جابر المذكور صحيح ثابت قابل للاحتجاج فخروج الضبع عن هذا وهذا ظاهر – انتهى. قلت: ويدل أيضًا على عدم كونه من الخبائث وذوات الأنياب ما تقدم عن الإمام الشافعي أن لحوم الضباع تباع عندنا بمكة بين الصفا والمروة، وما تقدم عن الشوكاني أن العرب تستطيبه وتمدحه وتأكله، وقال عروة بن الزبير: ما زالت العرب تأكل الضبع ولا ترى بأكلها بأسًا، وما تقدم عن ابن رسلان وابن قدامة أن الضبع ليس لها ناب وأن جميع أسنانها عظم واحد كصفيحة نعل الفرس، وأما قول المحرمين أنه لو كان حديث جابر صريحًا في الإباحة لكان فردًا، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة فلا يقدم حديث جابر عليها ففيه أن حديث جابر صريح في الإباحة كما تقدم، ولا يضر كونه فردًا، لأنه لا معارضة بينه وبين أحاديث تحريم ذوات الأنياب من السباع. فإن الضبع ليس من ذوات الأنياب كما ذكر ابن رسلان وابن قدامة، ولا من السباع العادية كما قرره ابن القيم والإمام الشافعي في الأم (ج ٢: ص ٢٢٠) تنبيه: قد صرح الحافظ ابن القيم في آخر ما بسط من الكلام المذكور أن الضبع ليست من السباع العادية، وعلى هذا فلا تدخل في أحاديث تحريم ذوات الأنياب من السباع وهذا كالصريح في أنه لم يوافق الحنفية في تحريم الضبع ولم يرجع تحريمه بل وافق القائلين بالإباحة حيث قال: لا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليس في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم ولا تعد الضبع من السباع لغة وعرفًا والله أعلم (رواه الترمذي) في الحج وفي الأطعمة (والنسائي) في الحج وفي الصيد والذبائح (والشافعي) في الأم (ج ٢: ص ١٦٤) وأخرجه أيضًا أحمد وابن حبان وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٥١٣) والدارقطني (ص ٢٦٦) وابن عبد البر في التمهيد (ج ١: ص ١٥٣) والحاكم (ج ١: ص ٤٥٢) والبيهقي (ج ٥: ص ١٨٣) وابن الجارود (ص ١٥٥، ٢٩٩) والدارمي في آخر كتاب الحج كلهم من طريق ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار عن جابر (وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) وقال: قال يحيى القطان: وروى جرير بن حازم هذا الحديث عن عبد الله ابن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمار عن جابر عن عمر قوله، وحديث ابن جريج أصح، والحديث أخرجه أيضًا أبو داود وابن ماجة كما سيأتي)) .
стр. 4407
٢٧٢٩ – (٩) وعن جابر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، قال: " هو صيد، ويجعل فيه كبشًا إذا أصابه المحرم ".
ــ
وقد سكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وقال الحافظ في التلخيص (ص ٢٢٦) ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وقال الحافظ في التلخيص (ص ٢٢٦) : قال الترمذي: سألت عنه البخاري فصححه، وكذا صححه عبد الحق، وقد أعل بالوقف. وقال البيهقي: هو حديث جيد تقوم به الحجة. ورواه البيهقي من طريق الأجلح عن أبي الزبير عن جابر عن عمر، قال: لا أراه إلا قد رفعه أنه حكم في الضبع بكبش – الحديث. ورواه الشافعي عن مالك عن أبي الزبير به موقوفًا وصحح وقفه من هذا الوجه الدارقطني، ورواه الدارقطني والحاكم من طريق إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل، وفي الباب عن ابن عباس رواه الدارقطني والبيهقي من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عنه، وقد أعل بالإرسال، رواه الشافعي من طريق ابن جريج عن عكرمة مرسلاً وقال: لا يثبت مثله لو انفرد، ثم أكده بحديث ابن أبي عمار، وقال البيهقي: روي موقوفًا عن ابن عباس أيضًا – انتهى كلام الحافظ. وقال الشنقيطي بعد نقل كلام الحافظ عن التلخيص: قضاؤه ﷺ في الضبع بكبش ثابت كما رأيت تصحيح البخاري وعبد الحق له وكذلك البيهقي والشافعي وغيرهم، والحديث إذا ثبت صحيحًا من وجه لا يقدح فيه الإرسال ولا الوقف من طريق أخرى كما هو الصحيح عند المحدثين، لأن الوصل والرفع من الزيادات، وزيادة العدل مقبولة كما هو معروف.
٢٧٢٩ – قوله (قال: هو صيد) قال القاري: تذكيره باعتبار خبره أو المراد به الجنس فيجوز تذكيره وتأنيثه وفي رواية ((هي صيد (ويجعل) على بناء المعلوم أي قاتله (فيه) أي في جزاء قتله (كبشًا) بالنصب، وفي بعض النسخ لأبي داود ((كبش)) بالرفع، وعلى هذا يكون ((يجعل)) على بناء المجهول (إذا أصابه المحرم) أي بالاصطياد وقوله ((إذا أصابه)) كذا في سنن الدارمي وهكذا ذكره الحافظ في التلخيص (ص ٢٢٥) ولفظ أبي داود ((إذا صاده)) وكذا ذكره المجد في المنتقى والحافظ في التلخيص (ص ٣٨٩) وفي بعض نسخ أبي داود ((إذا اصاده)) وفي رواية للحاكم ((جعل رسول الله ﷺ في الضبع يصيبه المحرم كبشًا نجديًا وجعله من الصيد)) وكذا عند ابن ماجة، إلا أنه لم يقل ((نجديًا)) قال القاري: وليس هذا الحديث حجة علينا إذ لا تنافي بين كونه حرامًا أكله وبين كونه صيدًا ويلزم الكبش في قتله، وإنما يصلح دليلاً للخصم حيث أنه يخص تحريم الصيد بما يؤكل لحمه – انتهى. قلت: في رواية جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي عمار عن جابر قال: قلت أيؤكل الضبع؟ قال: نعم، قلت: أصيد هي؟ قال: نعم، قال: أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. قال الشافعي: في مسألة ابن أبي عمار جابرًا أصيد هي؟ قال: نعم. ومسألته أتؤكل؟ قال: نعم، وسألته: أسمعت من النبي ﷺ ؟ قال: نعم. فهذا دليل على أن الصيد الذي
стр. 4408
رواه أبو داود، وابن ماجة، والدارمي.
٢٧٣٠ – (١٠) وعن خزيمة بن جزء، قال: سألت رسول الله ﷺ عن أكل الضبع، قال: " أو يأكل الضبع أحد؟ وسألته عن
ــ
نهى الله تعالى المحرم عن قتله ما كان يحل أكله من الصيد، وأنهم إنما يقتلون الصيد ليأكلوه لا عبثًا بقتله – انتهى فتأمل (رواه أبو داود) في الأطعمة (وابن ماجة) في الحج (والدارمي) في آخر الحج، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج ١: ص ٤٥٢) وابن الجارود (ص ١٥٥) وابن حبان كما في الموارد (ص ٢٤٣) والدارقطني (ص ٢٦٦) وابن عبد البر في التمهيد (ج ١: ص ١٥٣) كلهم من رواية جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي عمار عن جابر، تنبيه صنيع المصنف تبعًا للبغوي يوهم أن حديث جابر هذا والذي قبله حديثان ولا يخفى ما فيه، والصواب أنه حديث واحد روي من طريق ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمار، ومن طريق جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير به بألفاظ مختلفة مختصرًا ومطولاً ولذلك قال المنذري في مختصر السنن: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الحافظ في التلخيص (ص ٢٢٥) : حديث ((أن النبي ﷺ قضى في الضبع بكبش)) رواه أصحاب السنن وابن حبان وأحمد والحاكم في المستدرك من طريق عبد الرحمن بن أبي عمار عن جابر، وقال في الأطعمة (ص ٣٨٩) منه: حديث جابر ((أنه سئل عن الضبع أصيد هو؟ قال: نعم، قيل: أيؤكل؟ قال: نعم. قيل: أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. الشافعي والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي وصححه البخاري والترمذي وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي..... ورواه أبو داود بلفظ سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم – انتهى. وقال المجد في المنتقى بعد ذكره بلفظ الترمذي: رواه الخمسة وصححه الترمذي، ولفظ أبي داود عن جابر: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع فقال: هي صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم.
٢٧٣٠ – قوله (وعن خزيمة) بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي (بن جزء) قال الحافظ في التقريب: خزيمة بن جزء – بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة – صحابي لم يصح الإسناد إليه، وقال في الإصابة: خزيمة بن جزي – بفتح الجيم وكسر الزاي بعدها ياء أي مشددة – له حديث في أكل الضب والضبع وغير ذلك، أخرجه الترمذي وابن ماجة والبارودي وابن السكن وقالا: لم يثبت حديثه ومداره على أبي أمية بن أبي المخارق أحد الضعفاء، وقال في تهذيب التهذيب: قال البخاري في التاريخ لما ذكر حديثه في الحشرات: فيه نظر. وقال البغوي: لا أعلم له غيره. وقال الأزدي: لا يحفظ روى عنه إلا (أخوه) حبان ولا يحفظ له غير هذا الحديث. قال: وفي إسناده نظر (أو يأكل الضبع أحد؟) كذا في جميع نسخ المشكاة والمصابيح وهكذا ذكره الشوكاني في النيل، وفي الترمذي ((ويأكل الضبع أحد؟)) أي بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري. وفي رواية ابن ماجة: ومن يأكل الضبع؟ قال السندي: يشير إلى أنه مكروه طبعًا (وسألته عن
стр. 4409
أكل الذئب، قال: " أو يأكل الذئب أحد فيه خير؟ ".رواه الترمذي، وقال: ليس إسناده بالقوي.
ــ
أكل الذئب) بالهمز ويبدل (قال: أويأكل) أي أجهلت حكمه ويأكل (الذئب أحد فيه خير) أي صلاح وتقوى صفة أحد، وفي الترمذي ((ويأكل)) أي بحذف همزة الاستفهام، واستدل بهذا الحديث من قال بحرمة الضبع. والحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج (رواه الترمذي) في الأطعمة وأخرجه أيضًا ابن ماجة في الذبائح (وقال: ليس إسناده بالقوي) لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن مسلم عن عبد الكريم أبي أمية وقد تكلم بعض أهل الحديث في إسماعيل وعبد الكريم أبي أمية، وهو عبد الكريم بن قيس بن أبي المخارق – انتهى. قال الزيلعي في نصب الراية (ج ٤: ص ١٩٣) بعد نقل كلام الترمذي هذا: وضعفه ابن حزم بأن إسماعيل بن مسلم ضعيف وابن أبي المخارق ساقط وحبان بن جزء مجهول – انتهى. وقال الحافظ في التقريب: إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحاق ضعيف الحديث. وقال في التلخيص (ص ٣٨٩) : وأما ما رواه الترمذي من حديث خزيمة بن جزء قال: أيأكل الضبع أحد؟ فضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد الكريم أبي أمية، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم – انتهى. تنبيه قال القاري في المرقاة معترضًا على قول الترمذي ((ليس إسناده بالقوي)) ما لفظه: وفيه أن الحسن أيضًا يستدل به على أن اجتهاد المستند إليه سابقًا يدل على أنه صحيح في نفس الأمر وإن كان ضعيفًا بالنسبة إلى إسناد واحد من المحدثين، ويقويه رواية ابن ماجة ولفظه ((ومن يأكل الضبع؟)) ويؤيده أنه ذو ناب من السباع فأكله حرام، ومع تعارض الأدلة في التحريم والإباحة فالأحوط حرمته، وأما قوله ﵊: الضبع لست آكله ولا أحرمه، كما رواه الشيخان وغيرهما فيفيد ما اختاره مالك من أنه يكره أكله، إذ المكروه عندنا ما أثم آكله ولا يقطع بتحريمه، ومقتضى قواعد أئمتنا أن أكله مكروه كراهة تحريم، لا إنه حرام محض لعدم دليل قطعي مع اختلاف فقهي – انتهى كلام القاري. وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي كلامه ثم رد عليه فقال: في كلام القاري هذا أوهام وأغلاط، فأما قوله ((إن الحسن أيضًا يستدل به)) ففيه أنه لا شك أن الحديث الحسن يستدل به لكن حديث خزيمة بن جزء هذا ليس بحسن بل هو ضعيف لا يصلح للاحتجاج كما عرفت. وأما قوله: أن اجتهاد المستند إليه سابقًا يدل على أنه صحيح في نفس الأمر إلخ. ففاسد، وقد بينا فساده فيما سبق (ج ١: ص ١٣٤ طبعة الحجر) وأما قوله: ويقويه رواية ابن ماجة ولفظه ((ومن يأكل الضبع؟)) ففيه أن في رواية ابن ماجة أيضًا عبد الكريم فكيف تقويه؟؟ وأما قوله ((أنه ذو ناب من السباع)) فممنوع، وسند المنع حديث جابر المذكور في الباب، ولو سلم أنه ذو ناب من السباع فحرمته ممنوعة لهذا الحديث، وأما قوله ((ومع تعارض الأدلة في التحريم والإباحة فالأحوط حرمته)) ففيه أن هذا إذا كان دليل الحرمة ودليل الإباحة كلاهما صحيحين. وأما إذا كان دليل الحرمة ضعيفًا ودليل الإباحة صحيحًا كما فيما نحن فيه فكون الحرمة أحوط ممنوع، وأما قوله ((إن قوله
стр. 4410
(الفصل الثالث)
٢٧٣١ – (١١) عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله، ونحن حرم، فأهدي له طير، وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع، فلما استيقظ طلحة، وافق من أكله، قال: فأكلناه مع رسول الله ﷺ . رواه مسلم.
ــ
﵊: الضبع لست آكله ولا أحرمه، كما رواه الشيخان وغيرهما يفيد)) إلخ. ففيه وهم فاحش، فإنه لم يرو الشيخان ولا غيرهما ((الضبع لست آكله ولا أحرمه)) بل رووا ((الضب لست آكله ولا أحرمه)) والضب غير الضبع – انتهى.
٢٧٣١ – قوله (عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي) هو عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم بن مرة التيمي القرشي وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله وكان يلقب شارب الذهب أسلم يوم الحديبية، وأول مشاهده عمرة القضاء، وقيل أسلم يوم الفتح وشهد اليرموك مع أبي عبيدة بن الجراح وكان من أصحاب ابن الزبير فقتل معه في يوم واحد بمكة سنة ثلاث وسبعين ودفن بالحزورة، فلما زيد في المسجد دخل قبره في المسجد الحرام، روى عن النبي ﷺ وعن عمه طلحة بن عبيد الله وعثمان بن عفان، وعنه ابناه عثمان ومعاذ وغيرهما (كنا مع طلحة بن عبيد الله) هو أحد العشرة المبشرة تقدم ترجمته في الجزء الأول (ص ٦٣) (ونحن) أي كلنا (حرم) بضمتين جمع حرام أي محرومون (فأهدى له) أي لطلحة (طير) أي مشوي أو مطبوخ (فمنا من أكل) اعتمادًا على الصداقة وتجويزًا للمحرم من لحم الصيد (ومنا تورع) ظنًا منه أنه لا يجوز للمحرم أكله (وافق من أكله) أي بالقول أو الفعل، والمراد بطير إما جنس وكان متعددًا، وإما طير كبير كفى جماعة، قاله القاري. وقوله ((وافق)) كذا في المشكاة، وهكذا وقع في بعض النسخ الهندية لسنن النسائي، وفي صحيح مسلم ((وفق)) بفتح أوله وتشديد الفاء مفتوحة من التوفيق، وهكذا وقع في المسند، أي صوبه، قاله النووي. قال الشوكاني: ويحتمل أن يكون معناه: دعا له بالتوفيق (قال) أي طلحة (فأكلناه مع رسول الله ﷺ ) أي أكلنا نظيره معه ﷺ ، وقوله ((فأكلناه)) هكذا في جميع نسخ المشكاة، والذي في صحيح مسلم ((أكلناه)) أي بدون الفاء، وهكذا وقع في مسند الإمام أحمد والسنن للنسائي، وكذا ذكره المجد في المنتقى والجزري في الجامع والحافظ في الفتح، والظاهر أن ما وقع في المشكاة خطأ من الناسخ، والحديث مما استدل به من ذهب إلى جواز أكل الصيد للمحرم مطلقًا، وهو عند الأئمة الثلاثة محمول على أن من أهدى لهم الطير صاده لنفسه ثم أهدى لهم. قال الشوكاني: لا بد من تقييد حديث طلحة بأن لا يكون من أهدى لهم الطير صاده لأجلهم جمعًا بين الأدلة (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ١٦١، ١٦٢) والنسائي والبيهقي (ج ٥: ص ١٨٨) .
стр. 4411
(١٣) باب الإحصار، وفوت الحج
ــ
(باب الإحصار) هو في اللغة المنع والحبس مطلقًا، وفي الشرع المنع عن الوقوف والطواف، فإن قدر على أحدهما فليس بمحصر (وفوت الحج) بأن يكون محرمًا ولم يدرك مكان الوقوف وهو عرفة في زمانه، وهو من بعد الزوال إلى طلوع فجر يوم النحر ولو ساعة، قاله القاري. وقال العيني: الإحصار المنع والحبس عن الوجه الذي يقصده، يقال أحصره المرض أو السلطان إذا منعه عن مقصده فهو محصر، والحصر الحبس، يقال حصره إذا حبسه فهو محصور. وقال القاضي إسماعيل: الظاهر أن الإحصار بالمرض والحصر بالعدو ومنه ((فلما حصر رسول الله ﷺ )) وقال تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾ وقال الكسائي: يقال من العدو حصر فهو محصور، ومن المرض أحصر فهو محصر، وحكى عن الفراء أنه أجاز كل واحد منهما مكان الآخر، وأنكره المبرد والزجاج وقالا: هما مختلفان في المعنى، ولا يقال في المرض ((حصره)) ولا في العدو ((أحصره)) – انتهى. وقال صاحب فيض الباري: اعلم أن الإحصار عندنا (الحنفية) وعند جماعة من السلف وأهل اللغة عام للمريض والعدو كما نقل عن الفراء أيضًا، وعند الشافعية يختص بالعدو، وادعى بعض من الحنفية أن المحصر لا يقال إلا في المرض، أما في العدو فيقال له محصور لا محصر، قلت: وليس بجيد فإن الآية حينئذ تقتصر على المرض مع أنها نزلت في العدو بالاتفاق، فإنها نزلت في قصة الحديبية ولم يكن النبي ﷺ فيها مريضًا، وها هنا دقيقة وهي أن اللفظ قد يشتهر في نوع من الجنس ثم يرد استعماله في نوع آخر من ذلك الجنس أو في الجنس بعينه فيجعله الناس مقابلاً كالإحصار فإنه عام للمرض والعدو إلا أنه اشتهر الإحصار في المرض والحصر في العدو حتى ذهبت أوهام العامة أنهما متقابلان فجعلوا الإحصار مختصًا بالمرض والحصر بالعدو وليس كذلك، وإنما أخذ القرآن في النظم اللفظ العام لئلا يختص الحكم بالعدو ويعم المرض والعدو كليهما – انتهى، وقال الآلوسي في تفسيره (ج ٢: ص ٨٠) : الإحصار والحصر كلاهما في أصل اللغة بمعنى مطلقًا، وليس الحصر مختصًا بما يكون من العدو والإحصار بما يكون من المرض ونحوه كما توهم الزجاج من كثرة استعمالها كذلك فإنه قد يشيع استعمال اللفظ الموضوع للمعنى العام في بعض أفراده، والدليل على ذلك أنه يقال حصره العدو وأحصره كصده وأصده، فلو كانت النسبة إلى العدو معتبرة في مفهوم الحصر لكان التصريح بالإسناد إليه تكرارًا، ولو كانت النسبة إلى المرض ونحوه معتبرة في مفهوم الإحصار لكان إسناده إلى العدو مجازًا وكلاهما خلاف الأصل، والمراد من الإحصار هنا حصر العدو عند مالك والشافعي لقوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ فإن الأمن لغة في مقابلة الخوف ولنزوله عام الحديبية، ولقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو. فقيد إطلاق الآية وهو أعلم بموقع التنزيل، وذهب أبو حنيفة إلى أن المراد به ما يعم كل منع من عدو ومرض وغيرهما لحديث الحجاج بن عمرو (الآتي في الفصل الثاني) ولما روى الطحاوي من حديث عبد الرحمن
стр. 4412
..............................................................................................
ــ
ابن زيد قال: أهل رجل بعمرة يقال له عمر بن سعيد فلسع فبينا هو صريع إذ طلع عليه ركب فيهم ابن مسعود فسألوه فقال: ابعثوا بالهدي واجعلوا بينكم وبينه يوم أمارة فإذا كان ذلك فليحل، وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس، وروى البخاري مثله عنه. وقال عروة: كل شيء حبس المحرم فهو إحصار، وما استدل به الخصم (الشافعي ومن وافقه) مجاب عنه، وأما الأول: فإنه يقال للمريض إذا زال مرضه وبرئ: أمن كما روى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس من طريق إبراهيم قال الآلوسي: فيضعف استدلال الشافعي ومالك بالآية على ما ذهبا إليه، وأما الثاني: فإنه لا عبرة بخصوص السبب والحمل على أنه للتأييد يأبى عنه ذكره باللام استقلالاً والقول بأن ((أحصرتم)) ليس عامًا إذا الفعل المثبت لا عموم له فلا يراد إلا ما ورد فيه وهو حبس العدو بالاتفاق ليس بشيء لأنه وإن لم يكن عامًا لكنه مطلق فيجري على إطلاقه، وأما الثالث: فلأنه بعد تسليم حجية قول ابن عباس في أمثال ذلك معارض بما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عنه في تفسير الآية أنه قال: يقول من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي فكما خصص في الرواية الأولى عمم في هذه، وهو أعلم بمواقع التنزيل، والقول ((بأن حديث الحجاج ضعيف)) ضعيف إذ له طرق مختلفة في السنن، وحمله على ما إذا اشترط المحرم الإحلال عند عروض المانع من المرض له وقت النية لقوله ﷺ لضباعه: حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني. لا يتمشى على ما تقرر في أصول الحنفية من أن المطلق يجري على إطلاقه إلا إذا اتحد الحادثة والحكم وكان الإطلاق والتقييد في الحكم إذ ما نحن فيه ليس كذلك كما لا يخفى، انتهى كلام الآلوسي. وإن شئت مزيد البسط فيما أجاب به الحنفية عن الآية وقرروا به مذهبهم فارجع إلى شرح البخاري للقسطلاني والعيني والجوهر النقي للمارديني وأحكام القرآن لأبي بكر الرازي الجصاص وفتح القدير لابن الهمام، وقال الشنقيطي: اختلف العلماء في المراد بالإحصار في قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (سورة البقرة: الآية ١٩٢) فقال قوم: هو صد العدو المحرم ومنعه إياه من الطواف بالبيت، وقال قوم: المراد به حبس المحرم بسبب مرض نحوه، وقال قوم: المراد به ما يشتمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك، لكن قوله تعالى بعد هذا: ﴿فإذا أمنتم﴾ يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد العدو للمحرم، لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف لا إلى الشفاء من المرض ونحو ذلك، ويؤيده أنه لم يذكر الشيء الذي منه الأمن، فدل على أن المراد به ما تقدم من الإحصار فثبت أنه الخوف من العدو، فما أجاب به بعض العلماء من أن الأمن يطلق على الأمن من المرض كما في حديث ((من سبق العاطس
стр. 4413
.............................................................................................
ــ
بالحمد أمن من الشوص واللوث والعلوص)) أخرجه (١) ابن ماجة في سننه فهو ظاهر السقوط، لأن الأمن فيه مقيد بكونه من المرض فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف، وقد يجاب أيضًا بأنه يخاف وقوع المذكور من الشوص الذي هو وجع السن، واللوث الذي هو وجع الأذن، والعلوص الذي هو وجع البطن، لأنه قبل وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من وقوعها، فإذا أمن من وقعها به فقد أمن من خوف. أما لو كانت وقعت به بالفعل فلا يحسن أن يقال أمن منها لأن الخوف في لغة العرب هو الغم من أمر مستقبل لا واقع بالفعل فدل هذا على أن زعم إمكان إطلاق الأمن على الشفاء من المرض خلاف الظاهر، وحاصل تحرير هذه المسألة في مبحثين: الأول في معنى الإحصار في اللغة العربية، الثاني في تحقيق المراد به في الآية الكريمة وأقوال العلماء، وأدلتها في ذلك، فاعلم أن أكثر علماء العربية يقولون: إن الإحصار هو ما كان عن مرض أو نحوه، قالوا: تقول العرب: أحصره المرض يحصره بضم الياء وكسر الصاد إحصارًا، وأما ما كان من العدو فهو الحصر، تقول العرب: حصره العدو يحصره بفتح الياء وضم الصاد حصرًا بفتح فسكون، ومن إطلاق الحصر في القرآن على ما كان من العدو قوله تعالى: ﴿وخذوهم واحصروهم﴾ (سورة التوبة: الآية ٥) ومن إطلاق الإحصار على غير العدو كما ذكرنا عن علماء العربية قوله تعالى ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ (سورة البقرة: الآية ٢٧٥) وقول ابن ميادة:
وما هجر ليلي أن تكون تباعدت ... عليك ولا أن أحصرتك شغول
وعكس بعض علماء العربية فقال: الإحصار من العدو، والحصر من المرض، قاله ابن فارس في المجمل نقله عنه القرطبي ونقل البغوي نحوه عن ثعلب، وقال جماعة من علماء العربية: إن الإحصار يستعمل في الجميع وكذلك الحصر، ومن قال باستعمال الإحصار في الجميع الفراء، وممن قال بأن الحصر والإحصار يستعملان في الجميع أبو نصر القشيري، قال الشنقيطي: لا شك في جواز إطلاق الإحصار على ما كان من العدو كما سترى تحقيقه، هذا حاصل كلام أهل العربية في معنى الإحصار، وأما المراد به في الآية الكريمة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال، الأول: أن المراد به حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزبير وهو
стр. 4414
.............................................................................................
ــ
قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وبه قال مروان وإسحاق وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي، وعلى هذا القول أن المراد بالإحصار ما كان من العدو خاصة فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل (إلا أن يشترط عند الإحرام عند الشافعي وأحمد كما سيأتي) حتى يبرأ من مرضه ويطوف بالبيت ويسعى فيكون متحللاً بعمرة، وحجة هذا القول متركبة من أمرين، الأول: أن الآية الكريمة التي هو قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ نزلت في صد المشركين النبي ﷺ وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست بإطباق العلماء، وقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص فشمول الآية الكريمة لإحصار العدو الذي هو سبب نزولها قطعي فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه، وروي عن مالك أن صورة سبب النزول ظنية الدخول لا قطعيته وهو خلاف قول الجمهور، وبهذا تعلم أن إطلاق الإحصار بصيغة الرباعي على ما كان من عدو صحيح في اللغة العربية بلا شك كما ترى وأنه نزل به القرآن العظيم الذي هو في أعلى درجات الفصاحة والإعجاز، الأمر الثاني: ما ورد في الآثار في أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلل إلا بالطواف والسعي، فمن ذلك ما رواه الشافعي في مسنده والبيهقي (ج ٥: ص ٢١٩) عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، قال النووي في شرح المهذب: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم وصححه أيضًا (الحافظ) ابن حجر، ومن ذلك ما رواه البخاري والنسائي عن ابن عمر أنه كان يقول: أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم يحل من كل شيء حتى يحج عامًا قابلاً فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا، ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي (ج ٥: ص ٢١٩) عن ابن عمر أنه قال: المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة فإذا اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد له منها أو الدواء صنع ذلك وافتدى، ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي أيضًا (ج ٥: ص ٢١٩) عن أيوب السختياني عن رجل من أهل البصرة كان قديمًا أنه قال: خرجت إلى مكة حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس فلم يرخص لي أحد أن أحل فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر حتى أحللت بعمرة، والرجل البصري المذكور الذي أبهمه مالك، قال ابن عبد البر: هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي شيخ أيوب كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة، ورواه ابن جرير من طريق، وسمى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخير، ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي أيضًا (ج ٥: ص ٢٢٠) عن سليمان بن يسار أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم فسأل - على الماء الذي كان عليه - عن العلماء فوجد عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم فذكرهم الذي عرض لهم فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد منه، ويفتدي،
стр. 4415
.............................................................................................
ــ
فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه ثم عليه حج قابل ويهدي ما استيسر من الهدي. قال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو، وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب الأنصاري وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج وأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة ثم يرجعا حلالا، ثم يحجان عامًا قابلاً ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. هذا هو حاصل أدلة القول بأن المراد بالإحصار في الآية هو ما كان من خصوص العدو دون ما كان من مرض ونحوه، القول الثاني في المراد بالإحصار أنه يشمل ما كان من عدو ونحوه وما كان من مرض ونحوه من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم، وممن قال بهذا القول ابن مسعود ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعلقمة والثوري والحسن وأبو ثور وداود وهو مذهب أبي حنيفة، وحجة هذا القول من جهة شموله لإحصار العدو قد تقدمت في حجة الذي قبله، وأما من جهة شموله للإحصار بمرض فهي ما رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة والحاكم والبيهقي عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى، فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق، وفي رواية لأبي داود وابن ماجة: من عرج أو كسر أو مرض، فذكر معناه، وفي رواية ذكرها أحمد في رواية المروزي ((من حبس بكسر أو مرض)) وبهذا تعلم قوة حجة أهل هذا القول، ورد المخالفون الاحتجاج بحديث عكرمة هذا من وجهين، الأول: ما ذكره البيهقي في السنن الكبرى (ج ٥: ص ٢٢٠) قال: وقد حمله بعض أهل العلم إن صح أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض فقد روينا عن ابن عباس ثابتًا عنه قال: لا حصر إلا حصر عدو، والله أعلم - انتهى، الوجه الثاني: هو حمل حله المذكور في الحديث على ما إذا اشترط في إحرامه أنه يحل حيث حبسه الله بالعذر، والتحقيق جواز الاشتراط في الحج بأن يحرم ويشترط أن محله حيث حبسه الله، ولا عبرة بقول منع الاشتراط لثبوته عن النبي ﷺ (كما سيأتي) القول الثالث في المراد بالإحصار: أنه ما كان من المرض ونحوه خاصة دون ما كان من العدو وقد قدمنا أنه المنقول عن أكثر أهل اللغة، وإنما جاز التحلل من إحصار العدو عند من قال بهذا القول، لأنه من إلغاء الفارق وأخذ حكم المسكوت عنه من المنطوق به فإحصار العدو عندهم ملحق بإحصار المرض بنفي الفارق، ولا يخفى سقوط هذا القول لما قدمنا من أن الآية الكريمة نزلت في إحصار العدو عام الحديبية، وأن صورة سبب النزول قطيعة الدخول كما عليه الجمهور وهو الحق قال الشنقيطي: الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه أن المراد بالإحصار في الآية إحصار العدو وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل إلا بعمرة، لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية ودل عليه قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ الآية، ولا سيما على قول من قال من العلماء: إن الرخصة لا تتعدى محلها، وهو