Полный текст (4 545 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
وإذا استنفرتم فانفروا ".
ــ
الهجرة إلى المدينة، وبقى فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو – انتهى. قال الحافظ: وكانت الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مسضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ (سورة النساء: الآية ٩٩) وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار كفر وقدر على الخروج منها، وقد روى النسائي من طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده مرفوعًا: " لا يقبل الله من مشرك عملاً بعد ما أسلم أو يفارق المشركين ". ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعًا: " أنا بريء من كل مشرك يقيم بين أظهر المشركين ". وهذا محمول على من لم يأمن على دينه، قال: وقوله ((جهادًا ونية)) قال الطيبي وغيره: وهذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك (وإذا استنفرتم) بصيغة المجهول أي إذا طلبتم للنفر وهو الخروج إلى الجهاد (فانفروا) بكسر الفاء أي اخرجوا، والمعنى إذا دعاكم السلطان إلى غزو فاذهبوا. قال النووي: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه، وفي الحديث بشارة بأن مكة تبقى دار إسلام أبدًا لا يتصور منها الهجرة، وفيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عينه الإمام، وأن الأعمال تعتبر بالنيات، وقال الخطابي: في الحديث إيجاب النفير والخروج إلى العدو إذا وقعت الدعوة، وهذا إذا كان فيمن بإزاء العدو كفاية فإن لم يكن فيهم كفاية فهو فرض على المطيقين للجهاد، والاختيار للمطيق له مع وقوع الكفاية بغيره أن لا يقعد عن الجهاد، قال الله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى﴾ (سورة النساء: الآية ٩٨) وقد ترجم البخاري لهذا الحديث ((باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية، وقوله: ﴿انفروا خفافًا وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾ (سورة التوبة: الآية ٤٢) قال الحافظ: قوله ((وما يجب من الجهاد والنية أي وبيان القدر الواجب من الجهاد ومشروعية النية في ذلك، وللناس في الجهاد حالان، إحداهما في زمن النبي ﷺ والأخرى بعده، فأما الأولى: فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقًا، ثم بعد أن شرع هل كان فرض عين أو كفاية قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي، وقال الماوردي: كان عينًا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة لنصر
стр. 4447
وقال يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض،
ــ
الإسلام، وقال السهيلي: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم، ويؤده مبياعتهم النبي ﷺ ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله ﷺ وينصروه، فيخرج من قولهما أنه كان عينًا على الطائفتين، كفاية في حق غيرهم، ومع ذلك فليس في حق الطائفين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء، ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر فيما ذكره ابن إسحاق فإنه كالصريح في ذلك، وقيل كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبي ﷺ دون غيرها، والتحقيق أنه كان عينًا على من عينه النبي ﷺ في حقه ولو لم يخرج. الحال الثاني بعده ﷺ فهو فرض كفاية على المشهور إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو، ويتعين على من عينه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور، ومن حجتهم: أن الجزية تجب بدلاً عنه، لا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قوي، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد وانتشر الإسلام في أقطار الأرض ثم صار إلى ما تقدم ذكره، والتحقيق أيضًا أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه – انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح هذا الحديث في آخر الفصل الأول من كتاب الجهاد، ويأتي هناك بسط أحكام الجهاد إن شاء الله تعالى (وقال يوم فتح مكة) قال القاري: أعاده تأكيدًا أو إشارة إلى وقوع هذا القول وقتًا آخر من ذلك اليوم والله تعالى أعلم – انتهى. قلت: اللفظ المذكور لمسلم رواه في الحج عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير وروى البخاري هذا الحديث في باب لا يحل القتال بمكة من كتاب الحج من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير بلفظ ((فإذا استنفرتم فانفروا فإن هذا بلد)) إلخ. أي ليس فيه قوله ((وقال يوم فتح مكة)) قال الحافظ: الفاء أي في قوله ((فإن هذا)) جواب شرط محذوف تقديره إذا علمتم ذلك فاعلموا أن هذا بلد حرام، وكأن وجه المناسبة أنه لما كان نصب القتال عليه حرامًا كان التنفير يقع منه لا إليه، ولما روى مسلم هذا الحديث عن إسحاق عن جرير فصل الكلام الأول من الثاني بقوله ((وقال يوم الفتح: إن الله حرم)) إلى آخره. فجعله حديثًا آخر مستقلاً، وهو مقتضى صنيع من اقتصر على الكلام الأول كعلي بن لمديني عن جرير كما سيأتي في الجهاد – انتهى. (إن هذا البلد) أي مكة يعني حرمها. قال القاري: أو المراد بالبلد أرض الحرم جميعها (حرمه الله) أي حكم بتحريمها وقضاه، وظاهره أن حكم الله تعالى في مكة أن لا يقاتل أهلها ويؤمن من استجار بها ولا يتعرض له، وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنًا﴾ (سورة آل عمران: الآية ٩١) وقوله: ﴿أو لم يروا أنّا جعلنا حرمًا آمنًا﴾ (سورة العنكبوت: الآية ٦٧) (يوم خلق السموات والأرض) يعني أن تحريمه أمر قديم وشريعة سالفة مستمرة وحكمه تعالى قديم لا يتقيد بزمان
стр. 4448
فهو حرام بحرمة الله
ــ
فهو تمثيل في تحريمه بأقرب متصور لعموم البشر، إذ ليس كلهم يفهم معنى تحريمه في الأزل وليس تحريمه مما أحدثه الناس أو اختص بشرعه، وهذا لا ينافي قوله في حديث جابر عند مسلم وحديث أنس عند البخاري " إن إبراهيم حرم مكة "، لأن إسناد التحريم إليه من حيث أنه مبلغه فإن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالى، والأنبياء يبلغونها، فكما تضاف إلى الله تعالى من حيث أنه الحاكم بها تضاف إلى الرسل لأنها تسمع منهم وتبين على ألسنتهم، والحاصل أنه أظهر تحريمها مبلغًا عن الله بعد أن كان مهجورًا إلا أنه ابتدأه، وقيل إن حرمها بإذن الله يعني أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر الله تعالى، كذا في إرشاد الساري. وقال العيني: معنى قوله ((إن إبراهيم حرم مكة)) أعلن بتحريمها وعرف الناس بأنها حرام بتحريم الله إياها فلما لم يعرف تحريمها إلا أن في زمانه على لسانه أضيف إليه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس﴾ (سورة الزمر: الآية ٤٣) فإنه أضاف إليه التوفي، وفي آية أخرى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت﴾ (سورة السجدة: الآية ١١) فأضاف إلى الملك التوفي، وقال في آية أخرى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة﴾ سورة النحل: الآية ٣٠، ٣٤) فأضاف إليهم التوفي، وفي الحقيقة المتوفي هو الله ، وأضاف إلى غيره لأنه ظهر على أيديهم – انتهى. وقال الحافظ: لا معارضة بين الحديثين لأن معنى قوله ((إن إبراهيم حرم مكة)) أي بأمر الله تعالى لا باجتهاده، أو أن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمًا بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حرامًا، أو أول من أظهره بعد الطوفان، وقال القرطبي: معناه: إن الله حرم مكة ابتداء من غير سبب ينسب لأحد ولا لأحد فيه مدخل، قال: ولأجل هذا أكد المعنى بقوله (في حديث أبي شريح الآتي) : ولم يحرمها الناس. والمراد بقوله ((ولم يحرمها الناس)) أن تحريمها ثابت بالشرع لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرمات الله فيجب امتثال ذلك وليس من محرمات الناس يعني في الجاهلية كما حرموا أشياء من عند أنفسهم فلا يسوغ الاجتهاد في تركه، وقيل معناه: إن حرمتها مستمرة من أول الخلق، وليس مما اختصت به شريعة النبي ﷺ . قال الحافظ: واستدل بالحديث على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم. قال القرطبي: معنى قوله ((حرمه الله)) أي يحرم على غير المحرم دخوله حتى يحرم، ويجري هذا مجرى قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ (سورة النساء: الآية ٢٧) أي وطؤهن ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (سورة المائدة: الآية ٤) أي أكلها. فعرف الاستعمال يدل على تعيين المحذوف. قال: وقد دل على صحة هذا المعنى اعتذاره عن دخول مكة غير محرم مقاتلاً بقوله ((لم تحل لي إلا ساعة من نهار)) الحديث - انتهى. وقد تقدم بسط القول في هذه المسألة في شرح حديث ابن عباس في بيان المواقيت (ج ٦: ص ٢٤٣ إلى ٢٤٦) وتقدم الجواب هناك عن الاستدلال بهذا الحديث على منع دخول الحرم بغير إحرام فتذكر (فهو) أي البلد (حرام) أي محرم محترم (بحرمة الله)
стр. 4449
إلى يوم القيامة،
ــ
أي بسبب حرمة الله، فالباء للسببية، ويجوز أن تكون للملابسة فيكون متعلق الباء محذوفًا، أي متلبسًا بحرمة الله، وهو تأكيد للتحريم (إلى يوم القيامة) إيماء إلى عدم نسخه، وقال الحافظ: قوله ((بحرمة الله)) أي بتحريمه، وقيل: الحرمة الحق، أي حرام بالحق المانع من تحليله، قال: واستدل به على التحريم القتل والقتال بالحرم، فأما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها، وخص الخلاف بمن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم، وممن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزي، واحتج بعضهم بقتل ابن خطل بها، ولا حجة فيه، لأن ذلك كان في الوقت الذي أحلت فيه للنبي ﷺ ، وزعم ابن حزم أن مقتضى قول ابن عمر وابن عباس وغيرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقًا. ونقل التفصيل عن مجاهد وعطاء. وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم حتى يخرج إلى الحل باختياره لكن لا يجالس ولا يكلم ويوعظ ويذكر حتى يخرج، وقال أبو يوسف: يخرج مضطرًا إلى الحل وفعله ابن الزبير، وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوس عن ابن عباس: من أصاب حدًا ثم دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع، وعن مالك والشافعي: يجوز إقامة الحد مطلقًا فيها، لأن العاصي هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن، وأما القتال فقال الماوردي: من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها فلو بغوا على أهل العدل فإن أمكن ردهم بغير قتال لم يجز، وإن لم يكن إلا القتال، فقال الجمهور: يقاتلون لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى، فلا يجوز إضاعتها، وقال الآخرون: لا يجوز قتالهم، بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة، قال النووي: والأول نص عليه الشافعي وأجاب أصحابه عن الحديث بحمله على تحريم نصب القتال بما يعم أذاه كالمنجنيق، بخلاف ما لو تحصن الكفار في بلد، فإنه يجوز قتالهم على كل وجه، وعن الشافعي قول آخر بالتحريم اختاره القفال، وجزم به في شرح التلخيص. وقال به جماعة من علماء الشافعية والمالكية، قال الطبري: من أتى حدًا في الحل واستجار بالحرم فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن ينصب عليه الحرب بل يحاصره ويضيق عليه حتى يذعن للطاعة لقوله ﷺ : وإنما أحلت لي ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. فعلم أنها لا تحل لأحد بعده بالمعنى الذي حلت له به، وهو محاربة أهلها والقتل فيها، ومال ابن العربي إلى هذا، وقال ابن المنير: قد أكد النبي ﷺ التحريم بقوله ((حرمه الله)) ثم قال ((فهو حرام بحرمة الله)) ثم قال ((ولم تحل لي إلا ساعة من نهار)) وكان إذا أراد التأكيد ذكر الشيء ثلاثًا، قال: فهذا نص لا يحتمل التأويل. وقال القرطبي: ظاهر الحديث يقتضي تخصيصه ﷺ بالقتال لاعتذاره عما أبيح له من ذلك مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتال والقتل لصدهم عن المسجد الحرام وإخراجهم أهله منه وكفرهم، وهذا الذي فهمه أبو شريح كما سيأتي وقال به غير واحد من أهل العلم. وقال ابن دقيق العيد: يتأكد القول بالتحريم بأن الحديث دال على أن المأذون للنبي ﷺ فيه لم يؤذن لغيره فيه، والذي وقع له إنما هو مطلق القتال لا القتال الخاص بما يعم كالمنجنيق فكيف
стр. 4450
...................................................................................
ــ
يسوغ التأويل المذكور، وأيضًا فسياق الحديث يدل على أن التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدماء فيها، وذلك لا يختص بما يستأصل – انتهى كلام الحافظ. قلت: ومذهب الحنفية في مسألتي القتل والقتال في الحرم على ما ذكره في غنية الناسك (ص ١٦٣) هو أن من جنى في غير الحرم بأن قتل أو ارتد أو زنى أو شرب الخمر أو فعل غير ذلك مما يوجب الحد ثم لاذ إليه لا يتعرض له ما دام في الحرم ولكن المرتد يعرض عليه الإسلام فإن أسلم سلم وإلا قتل لأن إباءه عن الإسلام جناية في الحرم، وغير المرتد لا يبايع ولا يؤاكل ولا يجالس ولا يؤوى إلى أن يخرج منه فيقتص منه، وأما إن فعل ما يوجب القصاص ثم لاذ إليه فإن كان القصاص في النفس لا يتعرض له ويضيق عليه حتى يخرج كما في الحد وإن كان فيما دون النفس يقتص منه في الحرم، لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، ومن جنى على المال إذا لجأ إلى الحرم يؤخذ منه لأنه حق العبد أي فكذا يقتص منه في الأطراف بخلاف الحد لأنه حق الرب ﵎، وبخلاف القصاص في النفس لأنه ليس بمنزلة المال، وإن فعل شيئًا من ذلك في الحرم يقام عليه الحد ويقتص منه فيه، وإن قتل في الحرم قتل فيه، وإن قتل في البيت لا يقتل فيه. قال في رد المحتار: وكذا الحكم في سائر المساجد – انتهى. ومن دخل الحرم مقاتلاً قتل فيه إلى آخر ما ذكر، قلت: واستدل لما ذهب إليه مالك والشافعي ومن تبعهم من أن حكم الحرم كغيره فيقام فيه الحد ويسوفى فيه القصاص سواء كانت الجناية في الحرم أو في الحل ثم لجأ إلى الحرم بأن العاصي هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن، واستدلوا لذلك أيضًا بعمومات النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان، وبأن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، وبالقياس على من أتى في الحرم ما يوجب القتل، وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من الفقهاء والإمام أحمد وبعض محدثيه مع أنه إن كانت الجناية في الحرم استوفيت العقوبة فيه، وإن كانت في الحل ثم لجأ إلى الحرم لم تستوف منه فيه ويلجأ إلى الخروج منه، فإذا خرج اقتص منه، فاستدل لهم بمثل قوله تعالى ﴿ومن دخله كان آمنًا﴾ ، ﴿أو لم نمكن لهم حرمًا آمنًا﴾ (سورة القصص: الآية ٥٧) ونحوهما من الآيات، ولو لم يكن للتخصيص فائدة ما ذكر، وأجاب هؤلاء عن أدلة المعارضين بأن العمومات لا تتناوله لأن لفظها لا يدل عليه لا بالوضع ولا بالتضمن فهو مطلق بالنسبة إليها، ولو فرض تناولها له لكانت مخصصة بالأدلة الواردة في منع إقامة الحد فيه لئلا يبطل موجبها. وأما قتل ابن خطل فليس فيه دليل لأنه قتل في الساعة التي أحل فيها الحرم للنبي ﷺ ، وأما قياسه على من أتى في الحرم بما يوجب القتل فلا يستقيم، لأن الجاني فيه هتك حرمته وحرمة الله تعالى فهما مفسدتان ولو لم يقم الحد على الجناة فيه لعم الفساد وعظم الشر في حرم الله بخلاف الذي أتى ما يوجب القتل خارجه فذنبه أخف كثيرًا وهو بلجوءه إلى الحرم كالتائب من الذنب النادم على فعله. قلت: ونصر ابن حزم في المحلى (ج ٧: ص ٢٦٢) أن القصاص
стр. 4451
وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار،
ــ
وأنواع الحدود لا تقام في الحرم مطلقًا، وقال من أتى فيه بما يوجب القتل والحد فليخرج ثم يقام عليه، ونقل عمومات عن بعض الصحابة ظاهرها معه. قلت: والقول الراجح عندنا هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد لقوة دليل هذا القول والله أعلم (وإنه) أي الشأن، فالهاء فيه ضمير الشان (لم يحل القتال فيه لأحد قبلي) زاد في بعض طرق البخاري ((ولا يحل لأحد بعدي)) قال المحب الطبري (ص ٥٩١) : هذا القول يحتمل وجوهًا ثم ذكرها، وقال: الوجه الرابع وهو أقواها وأسلمها عن الاعتراض: أن يريد تحريم القتل بها وكان مستحقًا، حتى لو دخل كافر بغير أمان أو زان محصن أو من قتل إنسانًا عمدًا عدوانًا لم يقتل بها بل يضيق عليه حتى يخرج، وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد وقول بعض أصحاب مالك، وكذلك القتال أيضًا لا يكون بقتل، بل بالحصر والتضييق والمدافعة حتى يخرجوا منها، ولا كذلك سائر البلاد، وإليه الإشارة بقوله ﷺ ((فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ )) أي وقتله ابن خطل وغيره وقد عاذوا بالحرم، فيقال لهم: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، فمنع رسول الله ﷺ الناس أن يقتدوا به في هذه الرخصة، وأن يعد سببها تحقيقًا لاختصاصه ﷺ بهذه الرخصة – انتهى. قال ابن بطال: المراد بقوله ((ولا تحل لأحد بعدي)) الإخبار عن الحكم في ذلك لا الإخبار بما سيقع لوقوع خلاف ذلك في الشاهد كما وقع من الحجاج وغيره – انتهى. ومحصله أنه خبر بمعنى النهي بخلاف قوله ((لم يحل القتال فيه لأحد قبلي)) فإنه خبر محض، أو معنى قوله ((ولا تحل لأحد بعدي)) أي لا يحله الله بعدي، لأن النسخ ينقطع بعده لكونه خاتم النبيين، (ولم يحل) أي القتال (لي إلا ساعة من نهار) أي مقدارًا من الزمان، وهو ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر، وقد ورد عند أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((لما فتحت مكة قال: كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر، فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: كفوا السلاح فلقى رجل من خزاعة رجلاً من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبًا فقال: ورأيته مسندًا ظهره إلى الكعبة)) فذكر الحديث. ويستفاد منه أن قتل من أذن النبي ﷺ في قتلهم كابن خطل وقع في الوقت الذي أبيح للنبي ﷺ فيه القتال خلافًا لمن حمل قوله ((ساعة من نهار)) على ظاهره فاحتاج إلى الجواب عن قصة ابن خطل كذا في الفتح قال القاري: قوله ﷺ : " ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ". أي أحل لي ساعة إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر، وقال الخطابي، قيل: إنما أحلت له في تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر وسائر ما حرم على الناس منه – انتهى. قال الطبري: ويحتمل العموم، فإن انتشار العسكر لا يخلو من تنفير صيد ودوس خلا وقطعه وغير ذلك، والعمد والخطأ فيه سواء، وقال أيضًا: يحتمل أن يكون المراد جميع ما حرم فيه من تنفير الصيد واختلاء الخلا وعضد الشجر، لأن ذلك من لوازم انتشار العسكر غالبًا فالصيد ينفر
стр. 4452
فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد
ــ
بذلك والدواب يختلى لها ويخبط فحصوله وإن كان تبعًا وضمنًا لكنه لما كان معلومًا بالضرورة كان كالمباشر – انتهى. ثم قال القاري: قوله ((لم يحل لي إلا ساعة من نهار)) دل على أن فتح مكة كان عنوة وقهرًا كما هو عندنا، وقال الشيخ الدهلوي: يدل ظاهره على وقع القتال فيه، وقد وقع من خالد بن الوليد، وكان ذلك بأمر من النبي ﷺ أو بإذن منه ﷺ ولهذا ذهب الأكثرون، ومنهم أبو حنيفة إلى أن مكة فتحت عنوة، وعن الشافعي وهو رواية عن أحمد أنها فتحت صلحًا، لأنهم لم يتهيؤا للحرب، وإنما وقعت اتفاقًا بعد دخول خالد وتعرض بعض المشركين، واعتذاره ﷺ بحل القتال له صريح في وقوع القتال والفتح عنوة، وثمرة الخلاف أن من قال: فتحت عنوة لا يجوز بيع دورها وإجارتها لأن النبي ﷺ أخذها من الكفار وجعلها وقفًا بين المسلمين، ومن قال بالفتح صلحًا جوز ذلك لأنها مملوكة لأصحابها مبقاة على أملاكهم – انتهى. قلت: ذهب الأكثرون منهم أبو حنيفة وأحمد في المشهور عنه إلى أن مكة فتحت عنوة، وذهب الشافعي إلى أنها فتحت صلحًا، واستدل له على ذلك بأنها لو فتحت عنوة لقسمها النبي ﷺ بين الغانمين كخيبر ولملك الغانمون دورها وكانوا أحق بها من أهلها، ولو كانت عنوة لم يؤمن أهلها. واستدل الجمهور بقوله ﷺ ((لم يحل لي إلا ساعة من نهار)) وبقوله في حديث أبي شريح ((فإن ترخص أحد بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لك)) واستدلوا أيضًا بأن النبي ﷺ دخلها في حالة حرب وتعبئة فقد جعل للجيش ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة وقلبًا، ودخلها وعلى رأسه المغفر غير المحرم. وحصل القتال بين خالد بن الوليد وبينهم حتى قتل منهم جماعة. وقال ﷺ للأنصار: " أترون أوباش قريش وأتباعهم احصدوهم حصدًا ". حتى قال أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، وقال: " من أغلق بابه فهو آمن ". وغير ذلك من الأدلة الواضحة الصحيحة، وأجابوا عن أدلة المعارضين فقالوا: أما كونه لم يقسم أرضها بين الغانمين فلأن الأرض غير داخلة في الغنائم التي تقسم، وهذا عمل الخلفاء الراشدين في أرض العنوة التي يأخذونها لا يقسمونها، وإنما يجعلونها فيئًا على المسلمين أولهم وآخرهم على أن النبي ﷺ مَنّ على أهل مكة فأمنهم، ومن تأمينهم ترك ما بأيديهم مع أن هناك خلافًا بين العلماء هل يملك رباع مكة ودورها؟ وقد رجح كثير من العلماء عدم تملكها وقالوا: إنه يستوي فيها المسلمون كالمساجد، وأما تأمينه أهلها فبعد القتال منّ عليهم بذلك لكونهم جيران بيت الله تعالى، وبعد أن رأوا أن لا طاقة لهم في القتال طلبوا الأمان فأجابهم لطفًا بهم ورحمة، كذا في تيسير العلام. وارجع لمزيد التفصيل إلى الفتح في شرح حديث هشام بن عروة عن أبيه من باب ((أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟)) (فهو) أي البلد (حرام) أي على كل أحد بعد تلك الساعة (بحرمة الله) أي المؤبدة (لا يُعضَد) بضم أوله وفتح الضاد المعجمة أي لا يقطع،
стр. 4453
شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته
ــ
والعضد القتل، يقال: عضدت الشجر أعضده بالكسر قطعته، قال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون يعضد بضم الضاد. وقال لنا ابن الخشاب: هو بكسرها، والمعضد بكسر أوله الآلة التي يقطع بها. قال الخليل: المعضد الممتهن من السيوف في قطع الشجر. وقال الطبري: أصله من عضد الرجل إذا أصابه بسوء في عضده (شوكه) قال القاري: أي ولو يحصل التأذي به. وأما قول بعض الشافعية أنه يجوز قطع الشوك المؤذي فمخالف لإطلاق النص، ولذا جرى جمع من متأخريهم على حرمة قطعه مطلقًا، وصححه النووي في شرح مسلم واختاره في عدة كتبه – انتهى. قلت: قال الخطابي في المعالم: أما الشوك فلا بأس بقطعه لما فيه من الضرر وعدم النفع ولا بأس بأن ينتفع بحطام الشجر وما يلي منه – انتهى. وقال الحافظ: وأجازوا (أي الشافعية) قطع الشوك لكونه يؤذي بطبعه فأشبه الفواسق ومنعه الجمهور لحديث ابن عباس، وصححه المتولي من الشافعية، وأجابوا بأن القياس المذكور في مقابلة النص فلا يعتبر به حتى ولو لم يرد النص على تحريم الشوك لكان في تحريم قطع الشجر (كما في حديث أبي هريرة الآتي) دليل على تحريم قطع الشوك لأن غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضًا فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجر. قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر بغير صنع آدمي ولا بما يسقط من الورق نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافًا – انتهى. (ولا يُنفَّر) بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة (صيده) أي لا يصاح عليه فينفر وقال سفيان بن عيينة: معناه أن يكون الصيد في ظل الشجرة. فلا ينفر ليجلس مكانه ويستظل. قال الطبري: لا خلاف أنه لو نفره وسلم فلا جزاء عليه لكنه يأثم بارتكابه النهي، فلو أتلفه أو تلف بتنفيره وجب جزاءه، وقال النووي: يحرم التنفير وهو الازعاج عن موضعه فإن نفره عصى سواء تلف أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن وإلا فلا. قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى. وقال الحافظ: قيل: تنفير الصيد كناية عن الاصطياد، وقيل: هو على ظاهره، وقد روى البخاري عن عكرمة أنه قال: هو أن تنحيه من الظل تنزل مكانه، قال الحافظ: قيل نبه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف كسائر أنواع تنبيهًا بالأدنى على الأعلى، وقد خالف عكرمة عطاء ومجاهد فقالا: لا بأس بطرده ما لم يفض إلى قتله، أخرجه ابن أبي شيبة، وروى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق الحكم عن شيخ من أهل مكة أن حمامًا كان على البيت فذرق على يد عمر فأشار عمر بيده فطار فوقع على بعض بيوت مكة فجاءت حية فأكلته فحكم عمر على نفسه بشاة، وروى من طريق أخرى عن عثمان نحوه (ولا يلتقط) بصيغة المعلوم (لقطته) بالنصب على أنه مفعول. قال القسطلاني: لقطته بفتح القاف في اليونينية وبسكونها في غيرها قال الأزهري: والمحدثون لا يعرفون غير الفتح، ونقل الطيبي عن صاحب شرح السنة أنه قال: اللقطة بفتح القاف والعامة تسكنها.
стр. 4454
إلا من عرفها،
ــ
وقال الخليل: هو بالسكون، وأما بالفتح فهو الكثير الالتقاط، قال الأزهري: وهو القياس، وقال ابن بري في حواش الصحاح: وهذا هو الصواب لأن العلة للفاعل كالضحكة للكثير الضحك، وفي القاموس: واللقط محركة أي بغير هاء وكحزمة وهمزة وثمامة ما التقط – انتهى. وقال النووي: اللغة المشهورة فتحها. قال القسطلاني: وهي هنا نصب مفعول مقدم والفاعل قوله (إلا من عرفها) أي أشهرها ثم يحفظها لمالكها ولا يتملكها، أي عرفها ليعرف مالكها فيردها إليه، وهذا بخلاف غير الحرم، فإنه يجوز تملكها بشرطه. وقال الحنفية والمالكية حكمها واحد في سائر البلاد لعموم قوله ﷺ : اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة من غير فصل، لنا أن قوله ((ولا يلتقط لقطته)) ورد مورد بيان الفضائل المختصة بمكة كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوى بين لقطة الحرم وبين لقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة – انتهى. وقال التوربشتي: قوله ((لا يلتقط لقطته إلا من عرفها)) أي لا يلتقطها إلا من يريد تعريفها فحسب، يدل عليه قوله في حديث أبي هريرة ((ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد)) أي ليس للملتقط أن يتصدق بها أو يستنفقها كسائر اللقطات وذلك لتعظيم أمر الحرم، ولم يفرق أكثر العلماء بين لقطة الحرم ولقطة غيره من الأماكن، ويعضد هذا الحديث وما ورد بمعناه قول من فرق بينهما لأن الكلام ورد مورد بيان الفضائل المختصة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها وحصد خلاها، ثم إن الخبر الخاص إنما يساق لعلم خاص وإذا سوى بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد وجدنا ذكر حكم اللقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة – انتهى. قلت: ذهب الشافعية ومتأخروا المالكية فيما ذكره صاحب تحصيل المرام من المالكية إلى أن لقطة مكة بخلاف غيرها من البلاد وأنها لا تحل إلا لمن يعرفها أبدًا ولا يتملكها كما يتملكها في غيرها من البلاد، والصحيح من مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد أنه لا خصوصية للقطة مكة وأن حكم اللقطة في سائر البلاد واحد، والحديث عندهم محمول على المبالغة في التعريف، فإن الحاج يرجع إلى بلاده فلا يعود إلا بعد أعوام فتدعو الضرورة إلى إطالة التعريف أو على قطع وهم من يظن أنه لا يحتاج إلى التعريف، فإن الغالب أن الحجيج إذا تفرقوا مشرقين ومغربين وقد مدت المطايا أعناقها لا يعرجون على شيء فلا فائدة في التعريف. وقال القاري: المقصود من ذكرها أن لا يتوهم تخصيص تعريفها بأيام الموسم، وقال ابن الهمام: تخصيص مكة لدفع وهم سقوط التعريف بها بسبب أن الظاهر أن ما وجد بها من لقطة فالظاهر أنه للغرباء، وقد تفرقوا فلا يفيد التعريف فيسقط – انتهى، قال الحافظ: استدل بحديثي ابن عباس وأبي هريرة على أن لقطة مكة لا تلتقط للتملك بل للتعريف خاصة وهو قول الجمهور، وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها. فإذا عرفها واجدها في كل
стр. 4455
ولا يختلى خلاها ". فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخر
ــ
عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها، قاله ابن بطال. وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف. واحتج ابن المنير لمذهبه بظاهر الاستثناء لأنه نفي الحل واستثنى المنشد (في قوله لا تحل ساقطتها إلا لمنشد) فدل على أن الحل ثابت للمنشد لأن الاستثناء من النفي إثبات. قال: ويلزم على هذا أن مكة وغيرها سواء، والقياس يقتضي تخصيصها، والجواب أن التخصيص إذا وافق الغالب لم يكن له مفهوم، والغالب أن لقطة مكة ييأس ملتقطها من صاحبها وصاحبها من وجدانها لتفرق الخلق إلى الآفاق البعيدة فربما داخل الملتقط الطمع في تملكها من أول وهلة فلا يعرفها فنهى الشارع عن ذلك وأمر أن لا يأخذها إلا من عرفها، وفارقت في ذلك لقطة العسكر ببلاد الحرب بعد تفرقهم فإنها لا تعرف في غيرهم باتفاق بخلاف لقطة مكة فيشرع تعريفها لإمكان عود أهل أفق صاحب اللقطة إلى مكة فيحصل التوصل إلى معرفة صاحبها – انتهى. (ولا يُخْتَلَى) بضم الياء وسكون الخاء المعجمة وفتح الفوقية واللام أي لا يجز ولا يقطع (خلاها) بفتح المعجمة مقصور الرطب من الكلأ، فإذا يبس فهو حشيش وهشيم قال الحافظ: الخلا هو الرطب من النبات واختلاؤه قطعه واحتشاشه، واستدل به على تحريم رعيه لكونه أشد من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيون واختاره الطبري. وقال الشافعي: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم وهو عمل الناس بخلاف الاحتشاش فإنه المنهي عنه فلا يتعدى ذلك إلى غيره – انتهى. قلت: الظاهر أن الإمام مالكًا وافق الشافعي في جواز الرعي لما في المدونة. قال مالك: لا بأس بالرعي في حرم مكة وحرم المدينة في الحشيش والشجر، وفي آخر جامع الحج من الموطأ: سئل مالك هل يحتش الرجل لدابته من الحرم؟ فقال: لا. قال الباجي: وهذا كما قال: أن لا يحتش أحد في الحرم لدابته ولا لغير ذلك إلا الإذخر الذي أباحه النبي ﷺ ومن احتش في الحرم فلا جزاء عليه ولا بأس أن يرعى الإبل في الحرم. والفرق بينه وبين الاحتشاش أن الاحتشاش تناول قطع الحشيش وإرسال البهائم للرعي ليس بتناول لذلك، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولو منع منه لامتنع السفر في الحرم والمقام فيه لتعذر الامتناع منه والتحرز – انتهى. قال الحافظ: وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلاءه وهو أصح الوجهين للشافعية، لأن النبت اليابس كالصيد الميت. قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدل عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة ((ولا يحتش حشيشها)) قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنته الناس في الحرم من بقل وزع ومشموم فلا بأس برعيه واختلاءه – انتهى. وسيأتي بسط الكلام في ذلك في شرح قوله الآتي ((لا يعضد شجرها)) (فقال العباس) أي ابن عبد المطلب (إلا الإذخر) يجوز فيه الرفع بدلاً مما قبله
стр. 4456
فإنه لقينهم ولبيوتهم. فقال: إلا الإذخر. متفق عليه.
٢٧٤١ – (٢) وفي رواية أبي هريرة:
ــ
ونصبه لكونه مستثنى بعد النفي، واختار ابن مالك النصب لكون الاستثناء وقع متراخيًا عن المستثنى منه والإِذْخر بكسر الهمزة والخاء المعجمة بينهما ذال معجمة ساكنة نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل مندفن أي ماض في الأرض، وقضبان دوّاق ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار. قال: والذي بمكة أجوده، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب يعني يجعلونه تحت الطين وفوق الخشب ليسد الخلل فلا يسقط الطين، وكذا يجعلونه في القبور يعني يسدون به الخلل بين اللبنات في القبور، وكانوا يستعملونه بدلاً من الحلفاء في الوقود ولهذا قال العباس: فإنه لقينهم. ووقع عند عمر بن شبة ((فقال العباس: يا رسول الله إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر لقينهم وبيوتهم)) وهذا يدل على أن الاستثناء في حديث الباب لم يرد به أن يستثنى هو، وإنما أراد به أن يلقن النبي ﷺ الاستثناء (فإنه لقينهم) بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون أي الحداد وحاجته له ليوقد به النار وقال الطبري: القين عند العرب كل ذي صناعة يعالجها بنفسه، وفي رواية للبخاري ((فإنه لصاغتنا وقبورنا) ووقع في مرسل مجاهد عند عمر بن شبه الجمع بين الثلاثة (ولبيوتهم) أي لسقفها (فقال: إلا الإذخر) هو استثناء بعض من كل لدخول الإذخر في عموم ما يختلى، قال الحافظ: اختلفوا هل كان قوله ﷺ ((إلا الإذخر)) باجتهاد أو وحي؟ وقيل: كان الله فوض له الحكم في هذه المسألة مطلقًا. وقيل: أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله. وقال ابن المنير: الحق أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة وترخيص النبي ﷺ كان تبليغًا عن الله إما بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم، قال الحافظ: وفي الحديث بيان خصوصية النبي ﷺ بما ذكر في الحديث وجواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد وعظيم منزلة العباس عند النبي ﷺ وعنايته بأمر مكة لكونه كان بها أصله ومنشأه (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجنائز وفي الحج وفي البيوع وفي اللقطة وفي الجهاد وفي الجزية وفي المغازي مختصرًا ومطولاً، ومسلم في الحج والجهاد وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢٢٦، ٢٥٣، ٢٥٩، ٢٦٦، ٣١٥، ٣١٦، ٣٥٥) مختصرًا ومطولاً، والترمذي في السير وأبو داود في الحج والجهاد، والنسائي في الحج وفي البيعة، والدارمي مختصرًا وابن الجارود والبيهقي، وسعيد بن منصور وعبد الرزاق مطولاً.
٢٧٤١ – قوله (وفي رواية أبي هريرة) أي عند الشيخين فقد أخرجها البخاري في العلم وفي الديات وفي اللقطة ومسلم في الحج وأخرجها أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٢٣٨) والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي وابن الجارود ولفظها عند الشيخين من طريق شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم فقتلوه فأخبر بذلك النبي ﷺ ، فركب راحلته فخطب، فقال: إن الله
стр. 4457
" لا يعضد شجرها
ــ
حبس عن مكة الفيل وسلط عليهم رسول الله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنها حلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام، لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد (وفي رواية ((لا يلتقط ساقطتها إلا منشد)) فمن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما إن يعقل وإما أن يقاد أهل القتيل فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال: اكتبوا لأبي فلان، فقال رجل من قريش. إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال النبي ﷺ : إلا الإذخر (لا يعضد) بصيغة المجهول أي لا يقطع ووقع في رواية لعمر بن شبة بلفظ ((لا يخضد)) بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو راجع إلى معني العضد، فإن أصل الخضد الكسر ويستعمل في القطع (شجرها) قال القرطبي: خص الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع الآدمي، فأما ما ينبت بمعاجلة آدمي فاختلف فيه، والجمهور على الجواز. وقال الشافعي في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة، واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر، وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي، وقال الشافعي: في العظيمة بقرة وفي ما دونها شاة. واحتج الطبري بالقياس على جزاء الصيد، وتعقبه ابن القصار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئًا من شجر الحل ولا قائل به. وقال ابن العربي: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم إلا أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة كذا نقله أبو ثور عنه. وأجاز أيضًا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها، بهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما، كذا في الفتح، وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم وإباحة أخذ الإذخر وما أنبته الآدمي من البقول والزروع والرياحين، حكى ذلك ابن المنذر، والأصل فيه ما روينا من حديث ابن عباس، وروى أبو شريح وأبو هريرة نحوًا من حديث ابن عباس وكلها متفق عليها، فأما ما أنبته الآدمي من الشجر فقال أبو الخطاب وابن عقيل: له قلعه من غير ضمان كالزرع، وقال القاضي: ما نبت في الحل ثم غرس في الحرم فلا جزاء فيه، وما نبت أصله في الحرم ففيه الجزاء بكل حال، وقال الشافعي في شجر الحرم: الجزاء بكل حال أنبته الآدميون أو نبت بنفسه لعموم قوله ﵇ ((لا يعضد شجرها)) وقال أبو حنيفة: لا جزاء فيما ينبت الآدميون جنسه كالجوز واللوز والنخل ونحوه ولا يجب فيما ينبته الآدمي من غيره كالدوح والسلم والعضاه لأن الحرم يختص تحريمه ما كان وحشيًا من الصيد كذلك الشجر، قال ابن قدامة: ويحرم قطع الشوك والعوسج، وقال القاضي وأبو الخطاب: لا يحرم. وروى ذلك عن عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي. لأنه يؤذي بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان، ولنا قول النبي ﷺ ((لا يعضد شجرها)) وفي حديث أبي هريرة ((لا يختلى شوكها)) وهذا صريح، ولأن الغالب في شجر
стр. 4458
..............................................................................................
ــ
الحرم الشوك، فلما حرم النبي ﷺ قطع شجرها والشوك غالبه كان ظاهرًا في تحريمه قال: ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش لأنه بمنزلة الميت، ولا يقطع ما انكسر ولم يبن، لأنه قد تلف فهو بمنزلة الظفر المنكسر، ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي ولا ما سقط من الورق، نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافًا، لأن الخبر إنما ورد في القطع وهذا لم يقطع، قال: وليس له أخذ ورق الشجر، وقال الشافعي: له أخذه لأنه لا يضر به، وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يستمشي به ولا ينزع من أصله، ورخص فيه عمرو بن دينار، ولنا أن النبي ﷺ قال: لا يخبط شوكها ولا يعضد شجرها، رواه مسلم. ولأن ما حرم أخذه حرم كل شيء منه كريش الطائر، وقولهم ((لا يضر به)) لا يصح فإنه يضعفها وربما آل إلى تلفها. قال: ويحرم قطع حشيش الحرم إلا ما استثناه الشرع من الإذخر وما أنبته الآدميون واليابس لقوله ﵇: لا يختلى خلاها، وفي لفظ ((لا يحتش حشيشها)) وفي استثناء النبي ﷺ الإذخر دليل على تحريم ما عداه. وفي جواز رعيه وجهان: أحدهما لا يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة، لأن ما حرم إتلافه لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد. والثاني يجوز، وهو مذهب عطاء والشافعي، لأن الهدي كانت تدخل الحرم فتكثر فيه ولم ينقل أنه كانت تسد أفواهها، ولأن بهم حاجة إلى ذلك أشبه قطع الإذخر. قال: ويباح أخذ الكمأة من الحرم وكذلك الفقع لأنه لا أصل له فأشبه الثمرة، وروى حنبل قال: يؤكل من شجر الحرم الضغابيس والعشرق وما سقط من الشجر وما أنبت الناس – انتهى. وقال في الروض المربع: يحرم قطع شجر الحرم وحشيشه الأخضرين الذين لم يزرعهما آدمي ويجوز قطع اليابس والثمرة وما زرعه الآدمي والكمأة والفقع والإذخر ويباح الانتفاع بما زال أو انكسر بغير فعل آدمي ولو لم يبن، ويضمن حشيش وورق بقيمته وغصن بما نقص – انتهى. وفي نيل المآرب: يحرم قطع شجره حتى ما فيه مضرة كعوسج وشوك وسواك ونحوه إلا اليابس – انتهى. قال ابن قدامة: ويجب في إتلاف الشجر والحشيش الضمان. وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء وقال مالك وأبو ثور وداود وابن المنذر: لا يضمن لأن المحرم لا يضمنه في الحل فلا يضمن في الحرم كالزرع. وقال ابن المنذر: لا أجد دليلاً أوجب به في شجر الحرم فرضًا من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وأقول كما قال مالك. نستغفر الله تعالى، ولنا ما روى أبو هشيمة قال: رأيت عمر بن الخطاب أمر بشجر كان في المسجد يضر بأهل الطواف فقطع وفدى. قال: وذكر البقرة. رواه حنبل في المناسك، وعن ابن عباس أنه قال في الدوحة: بقرة، وفي الجزلة شاة، والدوحة الشجرة العظيمة والجزلة الصغيرة، وعن عطاء نحوه. ولأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم فكان مضمونًا كالصيد، ويخالف المحرم فإنه لا يمنع من قطع شجر الحل ولا زرع الحرم، إذا ثبت هذا فإنه يضمن الشجرة الكبيرة ببقرة والصغيرة بشاة والحشيش بقيمته والغصن بما نقص، وبهذا قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي يضمن الكل بقيمته
стр. 4459
...................................................................................
ــ
لأنه لا مقدر فيه فأشبه الحشيش. ولنا قول ابن عباس وعطاء، ولأنه أحد نوعي ما يحرم إتلافه فكان فيه ما يضمن بمقدر كالصيد – انتهى بقدر الضرورة، وقال مالك في الموطأ: ليس على المحرم فيما قطع من الشجر في الحرم شيء ولم يبلغنا أن أحدًا حكم فيه بشيء وبئس ما صنع. قال الباجي: ذكر في مسألتين: إحداهما: ليس على المحرم فيما قطع من الشجر في الحرم بشيء، والثانية قوله: بئس ما صنع فنص على المنع من ذلك، وتتعلق بذلك مسألة ثالثة وهي تبيين الشجر الممنوع قطعه وتمييزه من غيره، فأما المسألة الأولى في أنه لا يجب به شيء فهو مذهب مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجب عليه الجزاء – انتهى. وقال الدردير: لا جزاء على قاطع ما حرم قطعه لأنه قدر زائد على التحريم يحتاج لدليل – انتهى. واستدل لذلك الزرقاني بأن النبي ﷺ قال في خطبة فتح مكة: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة. في روايات أخر: ليس في شيء منها ذكر جزاء ولا غيره والكفارات لا يقاس عليها، قال الباجي: وأما المسألة الثانية في المنع من قطع شجر الحرم فهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، والأصل في ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها، وأما المسألة الثالثة أي تبيين ما يسباح قطعه من شجر الحرم وتمييزه مما هو ممنوع فإن الممنوع منه ما هو من شجرة البادية مما لا يملك غالبًا، وجرت العادة بأن ينبت من غير عمل آدمي كالطلح والسعدان وما جري مجري ذلك، وكذلك سائر أنواع الحشيش، والأصل في ذلك ما روي عنه ﷺ أنه قال: " لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ". فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لصاغتنا وقبورنا. فقال ﷺ : " إلا الإذخر ". قال الباجي: والسنا عندي مثله وهذا فيما ينبت بنفسه، وأما ما غرس منه واتخذ بالعمل وملكه العامل فعندي يجوز أخذه وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي: لا يجوز. وأما ما جرت العادة بأنه يملك ويغرس ويعمل كالنخل والرمان والجوز وما أشبهها فإنه غير ممنوع قطعه، وكذا ما كان يتخذ من البقول سواء نبت بنفسه أو بصنع آدمي لأنه على أصله، ويجري ذلك مجرى الحيوان ما كان أصله التأنيس، فإنه لا يمنع من اصطياده في الحرم وإن توحش – انتهى. وفي المدونة: لا يقطع في الحرم من الشجر شيء يبس أو لم ييبس، وقال مالك: كل شيء أنبته الناس في الحرم من الشجر مثل النخل والرمان وما أشبههما فلا بأس بقطع ذلك كله، وكذلك البقل كله مثل الكراث والخس والسلق وما أشبه ذلك، ولا بأس بالسنا والإذخر أن يقلع في الحرم - انتهى. وقال الدردير: (حرم بالحرم قطع ما ينبت بنفسه) من غير علاج كالبقل البري وشجر الطرفاء، ولو استنبت نظرًا لجنسه، وكما يأتي في عكسه (إلا الإذخر والسنا) ومثلهما العصا والسواك وقطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه أو قطعه لإصلاح الحوائط (كما يستنبت) من خسٍ وسلق وكراث وبطيخ وخوخ وإن لم يعالج نظرًا لأصله – انتهى. قال الدسوقي: قوله: ما ينبت بنفسه أي ولو كان قطعه لإطعام الدواب على المعتمد، ولا فرق بين الأخضر واليابس، وقوله كما يستنبت أي كما يجوز
стр. 4460
...................................................................................
ــ
قطع ما يستنبته كالحنطة والقثاء والعناب والنخل والرمان – انتهى. وقال النووي في مناسكه: يضمن المحرم والحلال شجر حرم مكة، فمن قلع شجرة كبيرة ضمنها ببقرة، وإن كانت صغيرة ضمنها بشاة ثم يتخير بين البقرة والشاة والطعام والصيام كما سبق في جزاء الصيد، وإن كانت صغيرة جدًا وجبت القيمة، ثم يتخير بين الطعام والصيام وكذا حكم الأغصان، وأما الأوراق فيجوز أخذها لكن لا يخبطها مخافة أن يصيب قشورها، ويحرم قطع حشيش الحرم، فإن قلعه لزمه القيمة، وإن كان يابسًا فلا شيء في قطعه، فلو قطعه لزمه الضمان لأنه لو لم يقلعه لنبت، ويجوز تسريح البهائم في حشيش الحرم لترعى فلو أخذ الحشيش لعلف البهائم جاز على الأصح بخلاف من يأخذ للبيع أو غيره، ويستثنى من البيع الإذخر، ولو احتيج إلى شيء من نبات الحرم للدواء جاز قطعه على الأصح. قال ابن حجر المكي: قوله: ((يضمن شجر الحرم)) أي بالقلع والقطع سواء الذي في ملكه والمثمر والمستنبت وغيره، وقوله ((فمن قلع شجرة)) أي رطبة غير مؤذية كالشوك، وقوله ((يحرم قطع حشيش الحرم)) أي ليس من شأنه أن يستنبت سواء نبت بنفسه أو استنبت. أما إذا كان من شأنه ذلك وإن نبت بنفسه كالحنطة والشعير والبقول والخضروات فيجوز أخذه، وقوله ((لأنه لو لم يقلعه لنبت)) محله ما إذا لم يفسد منبته وإلا جاز قلعه أيضًا، وقوله: يستثنى الإذخر، ألحق به ما يتغذى به كالرجلة والنبات المسمى بالبقلة ونحوهما لأنه في معنى الزرع، وكالإذخر غيره إذا احتاج إليه للتسقيف – انتهى. واختلف الشافعية في جواز أخذ المساويك وعدمه كما بسط ذلك ابن حجر، وقال ابن عابدين: اعلم أن النابت في الحرم إما جاف أو منكسر أو إذخر أو غيرها، والثلاثة الأول مستثناة من الضمان كما يأتي، وغيرها إما يكون أنبته الناس أو لا، والأول لا شيء فيه سواء كان من جنس ما ينبته الناس كالزرع أو لا، كأم غيلان، والثاني إن كان من جنس ما ينبتونه فكذلك، وإلا ففيه الجزاء، فما فيه الجزاء هو النابت بنفسه، وليس مما يستنبت ولا منكسرًا ولا جافًا ولا إذخرًا كما قرره في البحر – انتهى. وفي شرح اللباب: أشجار الحرم ونباته أربعة أنواع، الأول: كل شجر أنبته الناس حقيقة وهو من جنس ما ينبته الناس عادة كالزرع. الثاني: ما أنبته الناس وهو ليس مما ينبتونه عادة كالأراك وهو شجر المسواك، الثالث: ما نبت بنفسه وهو من جنس ما ينبته الناس عادة فهذه الأنواع الثلاثة يحل قطعها وقلعها والانتفاع بها ولا جزاء فيها. وأما النوع الرابع: فكل شجر نبت بنفسه وهو من جنس ما لا ينبته الناس عادة كأم غيلان، فهذا محظور القطع سواء كان مملوكًا بأن يكون في أرض رجل أو لا إلا اليابس لعدم إطلاق الشجر والنبات عليه حينئذ فإنه صار حطبًا، وإلا الإذخر فيجوز قطعه رطبًا ويابسًا، ويجوز أخذ الكمأة وما اجتنى من الزهر والثمر وما انكسر من الشجر بغير فعل آدمي، ويحرم قطع الشوك والعوسج، ولا ضمان فيه، ولا يجوز اتخاذ المساويك من أراك الحرم، وسائر أشجاره إذا كان أخضر ويجوز أخذ الورق ولا ضمان فيه إذا كان لا يضر
стр. 4461
...................................................................................
ــ
بالشجر ولا يجوز رعي الحشيش في قول أبي حنيفة ومحمد وأحمد، وقال أبو يوسف ومالك والشافعي: لا بأس به ولو ارتعت دابته حالة المشي لا شيء عليه لوقوع رعيها من غير اختياره، وهذا مما اتفق عليه – انتهى. وزاد في الغنية: يحل قطع الشجر المثمر (أي وإن لم يكن من جنس ما ينبته الناس) لأن إثماره أقيم مقام إنبات الناس – انتهى. وفي رد المحتار: ولا يرعى حشيشه أي عندهما، وجوزه أبو يوسف للضرورة، فإن منع الدواب عنه متعذر، وتمامه في الهداية ونقل بعض المحشين عن البرهان تأييد قوله بما حاصله أن الاحتياج للرعي فوق الاحتياج للإذخر، وأقرب حد الحرم فوق أربعة أميال ففي خروج الرعاة إليه ثم عودهم قد لا يبقي من النهار وقت تشبع فيه الدواب، وفي قوله ﷺ ((لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها)) وسكوته عن نفي الرعي إشارة لجوازه وإلا لبينه ولا مساواة بينهما ليلحق به دلالة، إذ القطع فعل العاقل، والرعي فعل العجماء وهو جبار وعليه عمل الناس وليس في النص دلالة على نفي الرعي ليلزم من اعتبار الضرورة معارضته بخلاف الاحتشاش – انتهى. قال ابن عابدين: لكن في قوله ((والرعي فعل العجماء)) نظر لأنها لو ارتعت بنفسها لا شيء عليه اتفاقًا، وإنما الخلاف في إرسالها للرعي وهو مضاف إليه – انتهى. وفي الهداية: إن قطع حشيش الحرم أو شجرة ليست بمملوكة وهو مما لا ينبته الناس (كشجر أم غيلان والأثل) فعليه قيمته إلا فيما جف منه لأن حرمتهما تثبت بسبب الحرم. قال ﵇: لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها، ولا يكون للصوم في هذه القيمة مدخل (فلا يكفي في الجزاء الصوم) لأن حرمة تناولها بسبب الحرم لا بسبب الإحرام فكان من ضمان المحال على ما بينا من أن الصوم يصلح جزاء للأفعال لا ضمان المحال ويتصدق بقيمته على الفقراء – انتهى. هذا وقد ظهر بما ذكرنا من عبارات كتب الفروع أن ها هنا عدة مسائل اتفق الفقهاء على بعضها واختلفوا في البعض الآخر، فمنها أنهم اختلفوا في مصداق المنهي عنه من الشجر وتمييزه من غيره، فقال مالك كما ذكر الدردير: يحرم قطع ما ينبت جنسه بنفسه ولو استنبته أحد نظرًا لجنسه. وقالت الحنفية: يحرم ما ينبت بنفسه وهو من جنس ما لا ينبته الناس عادة. وقال أحمد: يحرم قطع ما لم يزرعه آدمي من الشجر والحشيش، ويباح ما زرعه الآدمي وأنبته، وقالت الشافعية: يحرم قطع شجر الحرم وحشيشه أي الذي ليس من شأنه أن يستنبت مطلقًا أي سواء أنبته الآدميون أو نبت بنفسه إلا الذي من شأنه أن يستنبت، وإن نبت بنفسه كالبقول والخضراوات والحنطة والشعير ومنها أنهم أجمعوا على أن ما زرعه الآدمي وأنبته من البقول والزروع والرياحين يجوز قطعه ولا اختلاف في ذلك كما ذكره ابن قدامة وغيره، ومنها أنه لا فرق بين الأخضر واليابس عند مالك كما في المدونة والدسوقي خلافًا للأئمة الثلاثة، إذا أباحوا قطع اليابس كما صرح به ابن قدامة والنووي وابن عابدين وغيرهم، ومنها أن الشوك وغيره سواء في الحرمة عند مالك وأحمد كما في المغني ويجوز قطعه عند الشافعي والقاضي وأبي الخطاب من الحنابلة، ويحرم قطعه بلا ضمان عند
стр. 4462
ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد ".
٢٧٤٢ – (٣) وعن جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح ".
ــ
الحنفية كما في شرح اللباب، ومنها أنهم أجمعوا على إباحة قطع الإذخر رطبًا ويابسًا ومنها أنه لا يجوز قطع ما ينبت بنفسه لإطعام الدواب عند المالكية على المعتمد كما صرح به الدسوقي، وبه قال أحمد كما في المغني والحنفية، ويجوز على الأصح عند الشافعية كما صرح به النووي في مناسكه، ومنها أنه يجوز رعى الدواب عند مالك والشافعي وأبي يوسف ولا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد وعند أحمد فيه وجهان كما ذكر ابن قدامة، ولو ارتعت بنفسها يجوز إجماعًا، ومنها أنهم أجمعوا على جواز الانتفاع بالأوراق الساقطة، ومنها أنه يجوز أخذ السواك من شجر الحرم عند المالكية كما صرح به الدردير وابن الحاج وكذا عند الشافعي على ما حكى عنه أبو ثور، ولا يجوز عند أحمد كما في نيل المأرب، وكذا عند الحنفية كما في شرح اللباب. واختلفت فيه الشافعية، ومنها أنه لا يجوز قطع الورق عند الحنابلة كما في المغني والروض المربع، ويجوز عند الشافعية والحنفية كما في مناسك النووي وفي شرح اللباب (ولا يلتقط) بصيغة المعلوم أي لا يأخذ (ساقطتها) بالنصب (إلا منشد) من الإنشاد أي معرف (وهو الذي يعرف اللقطة ويحتفظ بها إلى أن يحضر صاحبها فيردها إليه) وأما الطالب فيقال له الناشد تقول: نشدت الضالة إذا طلبتها وأنشدتها إذا عرفتها، وأصل الإنشاد والنشيد رفع الصوت، كذا في الفتح. فائدة: قال القاري: يحرم على الأصح عند الشافعية وأكثرهم على الكراهة نقل تراب الحرام وحجره إلى غيره ولو إلى حرم المدينة، كما يمنع نقل تراب حرم المدينة وحجره إلى غيره ولو إلى حرم مكة – انتهى. وقال ابن جاسر في مفيد الأنام: قال الإمام أحمد: لا يخرج من تراب المدينة، كذلك قال ابن عمر وابن عباس، ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل. قال في المنتهى: وكره إخراج تراب الحرم وحجارته إلى الحل – انتهى. وقال المحب الطبري في القرى: روي عن ابن عمر وابن عباس ﵃ أنهما كرها أن يخرج من تراب الحرم وحجارته إلى الحل شيء، أخرجه الشافعي، وقال: قال غير واحد من أهل العلم: لا ينبغي أن يخرج شيء من الحرم إلى غيره. وقال أبو حنيفة لا بأس، وعن عطاء أنه كان يكره أن يخرج تراب الحرم إلى الحل، أو يدخل تراب الحل إلى الحرم أخرجه سعيد بن منصور – انتهى. وارجع لمزيد البسط إلى شفاء الغرام (ج ١: ص ٧١) .
٢٧٤٢- قوله (لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح) أي بلا ضرورة عند الجمهور ومطلقًا عند الحسن وحجة الجمهور ما رواه البراء قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبي أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم لا يدخل مكة
стр. 4463
رواه مسلم.
٢٧٤٣ – (٤) وعن أنس، أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح،
ــ
سلاحًا إلا في القراب. وما رواه ابن عمر ((أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا فحال كفار قريش بينه وبين البيت)) الحديث. وفيه ((قاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا)) إلخ. أخرجهما أحمد والبخاري. قال الشوكاني: في الحديثين دليل على جواز حمل السلاح بمكة للعذر والضرورة فيخصص بهذين الحديثين عموم حديث جابر عند مسلم يعني به حديث الباب. قال فيكون هذا النهى فيما عدا من حمله للحاجة والضرورة، وإلى هذا ذهب الجماهير من أهل العلم أي أن النهى محمول على حمل السلاح بغير ضرورة ولا حاجة، فإن كانت حاجة جاز، قال: وهكذا يخصص بحديثي البراء وابن عمر عموم قول ابن عمر للحجاج ((وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم)) فيكون مراده لم يكن السلاح، يدخل الحرم لغير حاجة، فإنه قد دخل به ﷺ غير مرة كما في دخوله يوم الفتح هو وأصحابه، ودخوله ﷺ للعمرة كما في حديث البراء وابن عمر – انتهى. وقال النووي في شرح حديث جابر. هذا النهى إذا لم تكن حاجة فإن كانت حاجة جاز، هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء. قال القاضي عياض: هذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة، فإن كانت حاجة جاز، قال القاضي: وهذا مذهب مالك والشافعي وعطاء قال: وكرهه الحسن البصري أي مطلقًا تمسكًا بظاهر هذا الحديث يعني النهى، وحجة الجمهور دخول النبي ﷺ عام عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القراب ودخوله ﷺ عام الفتح متأهبًا للقتال – انتهى. وقال ابن قدامة بعد ذكر حديث البراء: هذا ظاهر في إباحة حمله عند الحاجة لأنهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن ينقضوا العهد ويخفروا الذمة واشترطوا حمل السلاح في قرابه، فأما من غير خوف فإن أحمد قال: لا إلا من ضرورة. وإنما منع منه لأن ابن عمر قال: لا يحمل المحرم السلاح في الحرم. وقال القاري بعد ذكر كلام القاضي عياض: وفيه بحث ظاهر، إذا المراد بحمل السلاح ظاهرًا بحيث يكون سبب لرعب مسلم أو أذى أحد كما هو مشاهد اليوم ويؤيده أنه كان ابن عمر يمنع ذلك في أيام الحجاج، وأما عام الفتح فهو مستثنى من هذا الحكم فإنه كان أبيح له ما لم يبح لغيره من نحو حمل السلاح – انتهى. قلت: والحق ما ذهب إليه الجمهور من حمل حديث جابر على حمل السلاح لغير ضرورة وحاجة لأن فيه الجمع بين الأحاديث، وأما تخصيصه بحمل السلاح ظاهر بحيث يكون سببًا لرعب مسلم أو أذى أحد فلا يخفى ما فيه (رواه مسلم) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج ٥: ص ١٥٦) والحديث من أفراد مسلم ووهم المحب الطبري حيث عزاه إلى الشيخين.
٢٧٤٣- قوله (دخل مكة) لثلاث عشرة خلت من رمضان سنة ثمان من الهجرة (يوم الفتح) أي فتح مكة وكان خرج من المدينة إليها لليلتين خلتا من رمضان، وقال الواقدي: خرج لعاشر رمضان قال الحافظ: هذا ليس بقوى
стр. 4464
وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل،
ــ
لمخالفة ما هو أصح منه (وعلى رأسه المغفر) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء آخره راء ويقال له مغفرة بزيادة هاء التأنيث آخره، وهو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة، حكاه في الصحاح عن الأصمعي، وصدر به صاحب المحكم كلامه، ثم قال: وقيل: هو رفرف البيضة، وقيل: وهو حلق يتقنع به المتسلح وقال في المشارق: هو ما يجعل من فضل درع الحديد على الرأس مثل القلنسوة والخمار، وقال في التمهيد: هو ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة وشبهها من حديد كان أو غيره، قال الحافظ في الحج: وفي رواية زيد بن الحباب عن مالك (عن ابن شهاب عن أنس) : وعليه مغفر من حديد. أخرجه الدارقطني في الغرائب والحاكم في الإكليل، وكذا هو في رواية أبي أويس (عن ابن شهاب عند ابن سعد وابن عدي) وقال في المغازي: في رواية أبي عبيد القاسم بن سلام عن يحيى بن بكير عن مالك ((مغفر من حديد)) قال الدارقطني: تفرد به أبو عبيد، وهو في الموطأ ليحيى بن بكير مثل الجماعة. ورواه عن مالك جماعة من أصحابه خارج الموطأ بلفظ ((مغفر من حديد) ثم ساقه من رواية عشرة عن مالك كذلك، وكذلك هو عند ابن عدي من رواية أبي أويس عن ابن شهاب، وعند الدارقطني من رواية شبابة بن سوار عن مالك – انتهى. واعلم أنه لا معارضة بين حديث أنس هذا وبين حديث جابر الآتي أنه دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء، لإمكان أن المغفر فوق العمامة وهي تحته وقاية لرأسه من صدء الحديد، أو كانت العمامة السوداء ملفوفة فوق المغفر، ويحتمل أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر بدليل قوله في حديث عمرو بن حريث عند مسلم: خطب الناس وعليه عمامة سوداء، لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة. قال الزرقاني بعد ذكر هذه الوجوه: فزعم الحاكم في الإكليل تعارض الحديثين متعقب بأنه إنما يتحقق التعارض إذا لم يمكن الجمع وقد أمكن ها هنا بوجوه حسان. وقال الحافظ زعم الحاكم في الإكليل أن بين حديث أنس وبين حديث جابر معارضة وتعقبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك فحكى كل منها ما رآه، ويؤيده أن في حديث عمرو بن حريث أنه خطب الناس وعليه عمامة سوداء وكانت الخطبة عند باب الكعبة، وذلك بعد تمام الدخول، وهذا الجمع لعياض، وقال غيره: يجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدء الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيأ للحرب وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم (فلما نزعه) أي المغفر من رأسه (جاء رجل) قال الحافظ: لم أقف على اسمه إلا أنه يحتمل أن يكون هو الذي باشر قتله وقد جزم الفاكهي في شرح العمدة بأن الذي جاء بذلك هو أبو برزة الأسلمي، وكأنه لما رجح عنده أنه هو الذي قتله رأي أنه هو الذي جاء مخبرًا بقصته ويوشحه قوله في رواية يحيى بن قزعة في المغازي فقال اقتله بصيغة
стр. 4465
وقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: " اقتله ".
ــ
الإفراد على أنه اختلف في اسم قاتله. وقال العيني: قوله ((جاءه رجل)) هو أبو برزة الأسلمي واسمه نضلة بن عبيد وجزم به الكرماني والفاكهي في شرح العمدة. قال الزرقاني: وكذا ذكره ابن طاهر وغيره. وقيل اسمه سعيد بن حريث (إن ابن خطل) بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة وآخره لام كان اسمه عبد العزي، فلما أسلم سماه النبي ﷺ عبد الله، ومن قال: اسمه هلال التبس عليه بأخ له اسمه هلال، بين ذلك الكلبي في النسب، وقيل: هو عبد الله بن هلال بن خطل. وقيل: غالب بن عبد الله بن خطل، واسم خطل عبد مناف من بني تيم بن فهر بن غالب، كذا في الفتح، وهو أحد من أهدر دمه يوم الفتح، وقال: لا أؤمنهم في حل ولا حرم، وقد جمع الواقدي عن شيوخه أسماء من لم يؤمن يوم الفتح وأمر بقتله عشرة أنفس ستة رجال وأربع نسوة، قاله الحافظ والعيني، والسبب في قتل ابن خطل وعدم دخوله في قوله: من دخل المسجد فهو آمن، ما رواه ابن إسحاق في المغازي أن رسول الله ﷺ حين دخل مكة قال: لا يقتل أحد إلا من قاتل إلا نفرًا سماهم فقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن خطل وعبد الله بن سعد، وإنما أمر بقتل ابن خطل لأنه كان مسلمًا فبعثه رسول الله ﷺ مصدقًا وبعث معه رجلاً من الأنصار وكان معه مولى يخدمه وكان مسلمًا فنزل منزلاً فأمر المولى أن يذبح تيسًا ويصنع له طعامًا فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركًَا ولحق بمكة وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ . قال الحافظ: وروى الفاكهي من طريق ابن جريج قال: قال مولى ابن عباس: بعث رسول الله ﷺ رجلاً من الأنصار ورجلاً من مزينة وابن خطل وقال: أطيعا الأنصاري حتى ترجعا، فقتل ابن خطل الأنصاري وهرب المزني. وقال النووي: قال العلماء: إنما قتله لأنه كان قد ارتد عن الإسلام وقتل مسلمًا كان يخدمه وكان يهجو النبي ﷺ ويسبه، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء المسلمين – انتهى. قال ابن عبد البر: فهذا القتل قود من دم مسلم. وكذا قال الخطابي: لم ينفذ له رسول الله ﷺ الأمان وقتله بحق ما جناه في الإسلام (متعلق بأستار الكعبة) جمع ستر وكان تعلقه بها استجارة بها، وذلك كما ذكر الواقدي أنه خرج إلى الجندمة ليقاتل على فرس وبيده قناة، فلما رأى خيل الله والقتل دخله رعب حتى ما يستمسك من الرعدة فرجع حتى انتهى إلى الكعبة فنزل عن فرسه وطرح سلاحه ودخل تحت أستارها فأخذ رجل من الركب سلاحه وفرسه فاستوى عليه وأخبره النبي ﷺ بذلك (فقال: اقتله) زاد الوليد بن مسلم عن مالك: فقتل، أخرجه ابن عائذ وصححه ابن حبان وأخرج عمر بن شبة في كتاب مكة عن السائب بن يزيد، قال: رأيت رسول الله ﷺ استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل فضربت عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبراهيم وقال: " لا يقتل قرشي بعد هذا صبرًا ". رجاله ثقات إلا أن في أبي معشر مقالاً، قاله الحافظ. واختلف في قاتله هل هو سعيد بن حريث أو عمار بن ياسر أو سعد بن أبي وقاص أو سعيد بن زيد أو أبو برزة - بفتح الموحدة وإسكان الراء المهملة ثم زاي معجمة مفتوحة –
стр. 4466
...................................................................................
ــ
الأسلمي، وهو أصح ما جاء في تعيين قاتله ورجحه الواقدي، وجزم به البلاذري وغيره، وتحمل بقية الروايات المخالفة له على أنهم ابتدروا قتله فكان المباشر منهم أبو برزة، وجزم ابن هشام في تهذيب السيرة بأن سعيد بن حريث وأبا برزة اشتركا في قتله، قاله الزرقاني. وقال الحافظ في الحج بعد ذكر ما ورد من الروايات المختلفة في ذلك ما لفظه: وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النهدي أن أبا برزة الأسلمي قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، وإسناده صحيح مع إرساله، وله شاهد عند ابن المبارك في البر والصلة من حديث أبي برزة نفسه، ورواه أحمد من وجه آخر وهو أصح ما ورد في تعيين قاتله، وبه جزم البلاذري وغيره من أهل العلم بالأخبار، وتحمل بقية الروايات على أنهم ابتدروا قتله فكان المباشر له منهم أبو برزة، ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه، فقد جزم ابن هشام في السيرة بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله، ومنهم من سمى قاتله سعيد بن ذويب، وحكى المحب الطبري أن الزبير بن العوام هو الذي قتل ابن خطل – انتهى. وقال في المغازي: اختلف في قاتله، وقد جزم ابن إسحاق بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله، وحكى الواقدي فيه أقوالاً، منها أن قاتله شريك بن عبدة العجلاني، ورجح أنه أبو برزة - انتهى. واستدل بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة على أن الكعبة لا تعيذ من وجب عليه القتل، وأنه يجوز قتل من وجب عليه القتل في الحرم. قال الحافظ: استدل بقصة ابن خطل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة، قال ابن عبد البر: كان قتل ابن خطل قودًا من قتله المسلم، وقال السهيلي: فيه أن الكعبة لا تعيذ عاصيًا ولا تمنع من إقامة حد واجب. وقال النووي: تأويل من قال لا يقتل فيها على أنه ﷺ قتله في الساعة التي أبيحت له، وأجاب عنه أصحابنا بأنها إنما أبيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها وأذعن أهلها، وإنما قتل ابن خطل بعد ذلك – انتهى. وتعقب بأن المراد بالساعة التي أحلت له ما بين أول النهار ودخول وقت العصر، وقتل ابن خطل كان قبل ذلك قطعًا لأنه قيد في الحديث بأنه كان عند نزعه المغفر، وذلك عند استقراه بمكة. وقد قال ابن خزيمة: المراد بقوله في حديث ابن عباس ما أحل الله لأحد فيه القتل غيري أي قتل النفر الذين قتلوا يومئذ ابن خطل ومن ذكر معه، قال: وكان الله قد أباح له القتال والقتل معًا في تلك الساعة، وقتل ابن خطل وغيره بعد تقضي القتال – انتهى. وقال في المغازي: في الاستدلال بقتل ابن خطل على ذلك نظر، لأن المخالفين تمسكوا بأن ذلك إنما وقع في الساعة التي أحل للنبي ﷺ فيها القتال بمكة، وقد صرح بأن حرمتها عادت كما كانت، والساعة المذكورة وقع عند أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنها استمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر – انتهى. قال الطيبي: دل الحديث على جواز الدخول بغير إحرام لمن لا يريد النسك، وهذا أصح قولي الشافعي، وقال الحافظ: هذا الحديث ظاهره أنه ﷺ لما دخل مكة يوم الفتح لم يكن محرمًا، وقد صرح بذلك مالك راوي الحديث كما ذكره البخاري في
стр. 4467
متفق عليه.
٢٧٤٤ – (٥) وعن جابر: أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء
ــ
المغازي عن يحيى بن قزعة عن مالك عقب هذا الحديث. قال مالك: ولم يكن النبي ﷺ فيما نرى والله أعلم يومئذ محرمًا. وقول مالك هذا رواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك جازمًا به، أخرجه الدارقطني في الغرائب، ووقع في الموطأ من رواية أبي مصعب وغيره قال مالك: قال ابن شهاب: ولم يكن رسول الله ﷺ يومئذ محرمًا، وهذا مرسل، ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر بلفظ: دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام – انتهى. وأجيب عن ذلك بأنه لا دلالة في قصة ابن خطل على جواز دخول مكة بغير إحرام لاحتمال أن يكون ﷺ كان محرمًا ولكنه غطى رأسه لعذر، وفيه أن هذا مخالف لتصريح جابر بأنه لم يكن يومئذ محرمًا. قال الحافظ: لكن فيه إشكال من وجه آخر لأنه ﷺ كان متأهبًا للقتال، ومن كان كذلك جاز له الدخول بغير إحرام عند الشافعية وإن كان عياض نقل الاتفاق على مقابله، وأما من قال من الشافعية كابن القاص: دخول مكة بغير إحرام من خصائص النبي ﷺ ، ففيه نظر لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل – انتهى. وقال الشمني كما في المرقاة: دخوله ﷺ عام الفتح بغير إحرام حكم مخصوص بذلك الوقت، ولهذا قال ﷺ في ذلك اليوم: " إنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرامًا " – انتهى. وقد تقدم بسط الكلام على هذه المسألة مع بيان المذاهب ودلائلها في شرح حديث ابن عباس في المواقيت فارجع إليه. قال الحافظ: وفي الحديث مشروعية لبس المغفر وغيره من آلات السلاح حال الخوف من العدو وأنه لا ينافي التوكل، وقد تقدم في باب متى يحل المعتمر من أبواب العمرة من حديث عبد الله بن أبي أوفي: اعتمر رسول الله ﷺ فلما دخل مكة طاف وطفنا معه وكنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد – الحديث. وإنما احتاج إلى ذلك لأنه كان حينئذ محرمًا فخشي الصحابة أن يرميه بعض سفهاء المشركين بشيء يؤذيه فكانوا حوله يسترون رأسه ويحفظونه من ذلك (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الجهاد وفي المغازي وفي اللباس ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد ومالك في الحج وأبو داود والترمذي في الجهاد والنسائي في الحج وفي السير وابن ماجة في الحج والدرامي والبيهقي (ج ٥: ص ١٧٧) .
٢٧٤٤ – قوله (أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة) بكسر العين (سوداء) قال النووي: فيه جواز لباس الثياب السود، وفي الرواية الأخرى ((خطب الناس وعليه عمامة سوداء)) فيه جواز لباس الأسود في الخطبة وإن كان الأبيض أفضل منه كما ثبت في الحديث الصحيح ((خير ثيابكم البياض)) وأما لباس الخطباء السواد في حال الخطبة فجائز ولكن الأفضل البياض كما ذكرنا، وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بيانًا للجواز – انتهى.
стр. 4468
بغير إحرام. رواه مسلم.
٢٧٤٥ – (٦) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : " يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم ". قلت: يا رسول الله! وكيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم
ــ
(بغير إحرام) هذا يرد ما أبدى الشيخ ابن دقيق العيد في شرح العمدة في ستر الرأس بالمغفر في حديث أنس احتمالاً فقال: يحتمل أن يكون ﷺ كان محرمًا لكن غطى رأسه لعذر، وقد تقدم في كلام الحافظ ما في أصل الاستدلال من الإشكال، وقد بسطه الولي العراقي في طرح التثريب (ج ٥: ص ٨٥) فارجع إليه (رواه مسلم) في الحج وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٣: ص ٣٨٧) والنسائي وابن ماجة والدرامي والبيهقي (ج ٥: ص ١٧٧) .
٢٧٤٥ – قوله (وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : يغزو) بالغين والزاي المعجمتين أي يقصد (جيش) أي عسكر عظيم في آخر الزمان (الكعبة) أي ليخربها. وقال العيني: قوله ((يغزو جيش الكعبة)) أي يقصد عسكر من العساكر تخريب الكعبة، وهذا لفظ البخاري. وفي رواية مسلم ((عبث النبي ﷺ في منامه فقلنا له: صنعت شيئًا لم تكن تفعله؟ قال النووي: قوله ((عبث)) هو بكسر الباء، قيل معناه اضطراب بجسمه، وقيل حرك أطرافه كمن يأخذ شيئًا أو يدفعه (فإذا كانوا ببيداء من الأرض) في رواية لمسلم ((بالبيداء)) وفي حديث صفية عند الترمذي وابن ماجة ((بالبيداء أو ببيداء من الأرض)) أي على الشك. وفي راوية لمسلم عن أبي جعفر الباقر قال: هي بيداء المدينة. وهي بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ممدودة، وهي في الأصل المفازة التي لا شيء فيها. قال العيني: وهي في هذا الحديث اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة. وقال النووي: قال العلماء: البيداء كل أرض ملساء لا شيء بها، وبيداء المدينة الشرف الذي قدام ذي الحليفة أي إلى جهة مكة (يخسف) على بناء المفعول (بأولهم وآخرهم) أي يخسف بكلهم الأرض. قال الحافظ: زاد الترمذي في حديث صفية ((ولم ينج أوسطهم)) وزاد مسلم في حديث حفصة ((فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم)) واستغنى بهذا عن تكلف الجواب عن حكم الأوسط، أو أن العرف يقضي بدخول الأوسط في من هلك أو لكونه آخرًا بالنسبة للأول وأولاً بالنسبة للآخر فيدخل، وقال العيني: قوله ((يخسف بأولهم وآخرهم)) يعني كلهم، هذا الذي يفهم منه بحسب العرف. قال الكرماني: لم يعلم منه العموم، إذ حكم الوسط غير مذكور، والجواب ما قلنا، أو نقول: إن الوسط آخر بالنسبة إلى الأول وأول بالنسبة إلى الآخر، على أن في رواية صفية ((ولم ينج أوسطهم)) وهذا يغني عن تكلف الجواب (وفيهم أسواقهم) جملة حالية، وهو جمع سوق والتقدير أهل أسواقهم الذين يبيعون ويشترون كما في المدن، وعليه ترجم البخاري بلفظ ((باب ما ذكر في الأسواق)) وقال الطيبي: إن كان جمع سوق فالتقدير أهل أسواقهم، وإن
стр. 4469
ومن ليس منهم؟ قال: " يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم ". متفق عليه.
ــ
كان جمع سوقة وهي الرعايا فلا حاجة إلى التقدير. وفي مستخرج أبي نعيم ((وفيهم أشرافهم)) بالشين المعجمة والراء والفاء، وفي رواية محمد بن بكار عند الإسماعيلي ((وفيهم سواهم)) قال الإسماعيلي: ووقع في رواية البخاري أسواقهم أي بالمهملة والقاف، وأظنه تصحيفًا، فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق. قال الحافظ: بل لفظ ((سواهم)) تصحيف فإنه بمعنى قوله الآتي ((ومن ليس منهم)) فيلزم منه التكرار، بخلاف رواية البخاري، نعم أقرب الروايات إلى الصواب رواية أبي نعيم، وليس في لفظ أسواقهم ما يمنع أن يكون الخسف بالناس، فالمراد بالأسواق أهلها أن يخسف بالمقاتلة منهم ومن ليس من أهل القتال كالباعة. وفي رواية مسلم ((فقلنا: إن الطريق قد يجمع الناس، قال: نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل)) والمستبصر هو المستبين لذلك القاصد للمقاتلة عمدًا، والمجبور بالجيم والموحدة أي المكره. قال النووي: يقال أجبرته فهو مجبر، هذه اللغة المشهورة، ويقال أيضًا جبرته فهو مجبور، حكاها الفراء وغيره، وجاء هذا الحديث على هذه اللغة، وأما ابن السبيل فهو سالك الطريق معهم وليس منهم، والغرض أنها استشكلت وقوع العذاب على من لا إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة فوقع الجواب بأن العذاب يقع عامًا لحضور آجالهم ويبعثون بعد ذلك على نياتهم (ومن ليس منهم) أي في الكفر والقصد بتخريب الكعبة عطف على أسواقهم. قال الطيبي: أي من لا يقصد تخريب الكعبة بل هم الضعفاء والأسارى (قال: يخسف بأولهم وآخرهم) فيدخل فيهم هؤلاء وإن لم يكن قصدهم لأنهم كثروا في سوادهم (ثم يبعثون على نياتهم) قال العيني: أي يخسف بالكل لشؤم الأشرار، ثم إنه تعالى يبعث كلا منهم في الحشر بحسب قصده ونيته إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وفي رواية مسلم ((يهلكون مهلكًا واحدًا ويصدرون مصادر شتى)) قال النووي: أي يقع الهلاك على جميعهم ويبعثون مختلفين على قدر نياتهم فيجازون بحسبها انتهى. وفي حديث أم سلمة عند مسلم ((فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته)) قال الحافظ: أي يخسف بالجميع لشؤم الأشرار ثم يعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده. وفي هذا الحديث من الفقه التباعد من أهل الظلم والتحذير من مجالستهم لئلا يناله ما يعاقبون به قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ (سورة الأنفال: الآية ٢٥) ، وفيه أن من كثر سواد قوم جرى عليهم حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا، قال الحافظ: في هذا الحديث أن الأعمال تعتبر بنية العامل والتحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم وتكثير سوادهم إلا لمن اضطر لذلك، ويتردد النظر في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة هل هي إعانة لهم على ظلمهم أو هي ضرورات البشرية، ثم يعتبر عمل كل أحد بنيته وعلى الثاني يدل ظاهر الحديث – انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في البيوع ومسلم في الفتن واللفظ للبخاري، والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج ٦: ص ١٠٥) وفي
стр. 4470
٢٧٤٦ – (٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ".
ــ
الباب عن أم سلمة عند أحمد (ج ٦: ص ٢٥٩، ٢٩٠) ومسلم وابن ماجة والحاكم، وعن حفصة عند أحمد (ج ٦: ص ٢٨٦، ٢٨٧) ومسلم والنسائي وابن ماجة والحاكم، وعن صفية أخرجه أحمد (ج ٦: ص ٣٣٦، ٣٣٧) والترمذي وابن ماجة في الفتن.
٢٧٤٦ - قوله (يُخْرِّب الكعبة) بضم الياء وفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء المكسورة من التخريب، وبإسكان الخاء وتخفيف الراء المكسورة من الإخراب، والجملة فعل ومفعول والفاعل قوله (ذو السويقتين) بضم السين وفتح الواو تثنية سويقة مصغر الساق ألحق بها التاء للتصغير، لأن الساق مؤنثة والتصغير للتحقير والإشارة إلى الدقة لأن الغالب على سيقان الحبشة الدقة والحموشة فلذا صغرها (من الحبشة) من للتبعيض أي يخربها ضعيف من هذه الطائفة، وقال الطيبي: سر تصغير الإشارة إلى أن مثل هذه الكعبة المعظمة يهتك حرمتها مثل هذا الحقير الذميم الخلقة، ويحتمل أن يكون الرجل اسمه ذلك، أو أنه وصف له، أي رجل من الحبشة دقيق الساقين رقيقهما جدًا، والحبشة وإن كان شأنهم دقة السوق لكن هذا يتميز بمزيد من ذلك - انتهى. والحبش والحبشة نوع من السودان، قال في القاموس: الحبش والحبشة محركتين والأحبش بضم الباء جنس من السودان الجمع حبشان وأحابش - انتهى. قال الرشاطي: وهم من ولد كوش بن حام وهم أكثر السودان، وقد وقع هذا الحديث عند أحمد (ج ٢: ص ٣٥١) من طريق سعيد بن سمعان عن أبي هريرة بأتم من هذا السياق ولفظه: يباع لرجل بين الركن والمقام ولم يستحل هذا البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب ثم تأتي الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه، وهذا التخريب يكون عند قرب الساعة حين لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله. قال القرطبي: قيل إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى ﵊ وهو الصحيح – انتهى. قلت: وقع عند أحمد (ج ٢: ص ٣١٠) من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " في آخر الزمان يظهر ذو السويقتين على الكعبة، قال: حسبت أنه قال: فيهدمها. قال الحافظ: قيل حديث أبي هريرة يخالف قوله تعالى: ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرمًا آمنًا﴾ ولأن الله حبس عن مكة الفيل ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة ولم تكن إذ ذاك قبلة فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين، وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان قرب قيام الساعة حيث لا يبقى على الأرض أحد يقول الله الله كما ثبت في صحيح مسلم: " لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله ". ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: لا يعمر بعده أبدًا، وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية ثم من بعده في وقائع كثيرة من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاث مائة فقتلوا من
стр. 4471
متفق عليه.
ــ
المسلمين في المطاف من لا يحصى كثرة وقلعوا الحجر الأسود فحولوه إلى بلادهم ثم أعادوه بعد مدة طويلة ثم غزى مرارًا بعد ذلك وكل ذلك لا يعارض قوله تعالى ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرمًا آمنًا﴾ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين فهو مطابق لقوله ﷺ : " ولن يستحل هذا البيت إلا أهله. فوقع ما أخبر به ﷺ ، وهو من علامات نبوته وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمر المذكور فيها – انتهى كلام الحافظ. وقال العيني: لا يلزم من قوله ((حرمًا آمنًا)) أن يكون ذلك دائمًا في كل الأوقات، بل إذا حصلت له حرمة وأمن في وقت ما صدق عليه هذا اللفظ وصح المعنى، ولا يعارضه ارتفاع ذلك المعني في وقت آخر. وقال عياض ((حرما آمنا)) أي إلى قرب القيامة. وقال ابن الجوزي إن قيل ما السر في حراسة الكعبة من الفيل ولم تحرس في الإسلام مما صنع بها الحجاج والقرامطة وذو السويقتين؟ فالجواب: أن حبس الفيل كان من أعلام النبوة لسيدنا رسول الله ﷺ ودلائل رسالته لتأكيد الحجة عليهم بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى بالبصائر، وكان حكم الحبس أيضًا دلالة على وجود الناصر – انتهى. هذا. وقد عقد البخاري باب قول الله تعالي: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد﴾ (سورة المائدة: الآية ٩٨) ثم أورد فيه حديث أبي هريرة هذا. قال العيني: أشار به إلى أن قوام أمور الناس وانتعاش أمر دينهم ودنياهم بالكعبة يدل عليه قوله ﴿قيامًا للناس﴾ فإذا زالت الكعبة على يد ذي السويقتين تختل أمورهم، فذلك أورد حديث أبي هريرة فيه – انتهى. وقال الحافظ: كأنه يشير إلى أن المراد بقوله ﴿قيامًا﴾ أي قوامًا وأنها ما دامت موجودة فالدين قائم فلهذه النكتة أورد في الباب قصة هدم الكعبة في آخر الزمان، ثم ترجم البخاري لحديث أبي هريرة هذا، وحديث ابن عباس الآتي ((باب هدم الكعبة)) وذكر فيه طرف حديث عائشة المتقدم بلفظ ((قال النبي ﷺ يغزو جيش الكعبة فيخسف بهم، قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن غزو الكعبة سيقع، فمرة يهلكم الله قبل الوصول إليها وأخرى يمكنهم، والظاهر أن غزو الذين يخربونه متأخر عن الأول، وقال العيني: غزو الكعبة المذكور في حديث عائشة مقدمة لهدمها لأن غزوها يقع مرتين ففي الأولى هلاكهم وفي الثانية هدمها (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج ومسلم في الفتن، وأخرجه أيضًا أحمد كما تقدم والحاكم والنسائي في الحج وفي التفسير، هذا وقد جاء في تخريب الكعبة أحاديث، منها حديث ابن عباس الآتي ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي بسند صحيح، ومنها ما رواه أحمد (ج ٢: ص ٢٢٠) والطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا ((يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ويسلبها حليتها ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله)) ومنها ما رواه ابن الجوزي من حديث حذيفة عن النبي ﷺ حديثًا طويلاً وفيه ((وخراب مكة من الحبشة على يد حبشي أفحج الساقين أزرق العينين أفطس
стр. 4472
٢٧٤٧ – (٨) وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: " كأني به أسود أفحج
ــ
الأنف كبير البطن معه أصحابه ينقضونها حجرًا حجرًا ويتناولونها حتى يرموا بها يعني الكعبة إلى البحر)) . وفي كتاب الغريب لأبي عبيد عن علي، قال: استكثروا من الطوائف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه فكأني برجل من الحبشة أصلع وأصمع حمش الساقين قاعد عليها وهي تهدم، وخرجه الحاكم مرفوعًا، وفيه ((أصمع أقرع، بيده معول وهو يهدمها حجرًا حجرًا)) ذكره العيني.
٢٧٤٧– قوله (كأني به) قال الحافظ: كذا في جميع الروايات عن ابن عباس في هذا الحديث، والذي يظهر أن في الحديث شيئًا حذف ويحتمل أن يكون هو ما وقع في حديث عليّ عند أبي عبيد في غريب الحديث من طريق أبي العالية عن علي، قال: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه فكأني برجل من الحبشة أصلع أو قال: أصمع حمش الساقين قاعد عليها وهي تهدم، ورواه الفاكهي من هذا الوجه، ولفظه ((أصعل)) بدل ((أصلع)) وقال ((قائمًا عليها يهدمها بمسحاته)) ورواه يحيى الحماني في مسنده من وجه آخر عن علي مرفوعًا – انتهى. وتعقبه العيني بأنه لا يحتاج إلى تقدير حذف لأنه إنما يقدر في موضع يحتاج إليه للضرورة ولا ضرورة ها هنا. قال: ودعواه الظهور غير ظاهرة لأنه لا وجه في تقدير محذوف لا حاجة إليه بما جاء في أثر عن صحابي ولا يقال الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، لأنا نقول هذا إنما يكون عند الاحتياج إليه ولا احتياج ها هنا إلى ذلك. قال: والضمير في لفظ ((به)) يحتمل ثلاثة أوجه: الأول أن يعود إلى البيت والقرينة الحالية تدل عليه، أي كأني متلبس به، الثاني أن يعود إلى القالع (الآتي ذكره) بالقرينة الحالية أيضًا، الثالث ما قاله الطيبي وهو أنه ضمير مبهم يفسره ما بعده على أنه تمييز كقوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ (سورة حم السجدة: الآية ١١) فإن ضمير ((هن)) هو المبهم المفسر بسبع سموات وهو تمييز، وهذه الأوجه صحيحة ماشية على قاعدة العربية فلا يحتاج إلى تقدير حذف (أسود) بالرفع على أنه مبتدأ خبره يقلعها والجملة حال بدون الواو والضمير في به للبيت أي كأني متلبس به وأنظر إليه أو يكون ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف والضمير في ((به)) للقالع، والتقدير كأني بالقالع هو أسود، ويروى أسود منصوبًا على الذم أو الاختصاص أو الحال. قال التوربشي والدماميني: يجوز أن يكون أسود أفحج حالين متداخلتين أو مترادفتين من الضمير في به، وقال المظهري: هما بدلان من الضمير المجرور وفتحا لأنهما غير منصرفين، ويجوز إبدال المظهر من المضمر الغائب نحو ضربته زيدًا، وتقدم ما قال الطيبي: أن الضمير في به مبهم يفسره ما بعده على أنه تمييز فهما منصوبان على التمييز (أفحج) بفتح الهمزة وسكون الفاء بعدها وفتح الحاء المهملة وبالجيم من الفحج بفاء ثم حاء مهملة ثم جيم وهو بالنصب أو الرفع كسابقه، والفحج تداني صدور القدمين وتباعد العقبين من باب علم وفتح، وقيل الفحج تباعد ما بين الساقين وقيل هو
стр. 4473
يقلعها حجرًا حجرًا ". رواه البخاري.
(الفصل الثاني)
٢٧٤٨ – (٩) عن يعلى بن أمية، قال: إن رسول الله ﷺ قال: " احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه ". رواه أبو داود.
ــ
يباعد ما بين الفخذين. قال في القاموس: فحج كمنع، تكبر وفي مشيته تداني صدور قدميه وتباعد عقباه كفحج وهو أفحج بين الفحج محركة التفريج بين الرجلين – انتهى. والفجج بجيمين فتح ما بين الرجلين وهو أقبح من الفحج (يقلعها) أي يقلع الأسود الأفحج بناء الكعبة (حجرًا حجرًا) نصب على الحال من الهاء نحو بوبته بابا بابا، أي مبوبًا وقال الكرماني: أو هو بدل من الضمير أي المنصوب في يقلعها (رواه البخاري) في الحج وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٢٢٨) بلفظ: كأني أنظر إليه أسود أفحج ينقضها حجرًا حجرًا يعني الكعبة.
٢٧٤٨- قوله (عن يعلى) بفتح المثناة تحت واللام بينهما مهملة ساكنة (بن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء (احتكار الطعام) أي احتباسه لانتظار الغلاء به، قال المناوي: وليس عموم الطعام مرادًا بل المراد اشتراه ما يقتات وحبسه ليقل فيغلو فيبيعه بكثير. قال العزيزي: وخصه الشافعية بما اشتراه في زمن الغلاء وأمسكه ليزيد السعر (في الحرم) أي المكي بدليل حديث ابن عمر عند الطبراني في الأوسط بلفظ ((احتكار الطعام بمكة إلحاد)) والمراد بمكة جميع الحرم بدليل حديث يعلي، فكل من الحديثين مبين للآخر (إلحاد فيه) الإلحاد الميل عن الاستقامة والانحراف عن الحق إلى الباطل ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها ولم يمله من دين إلى دين، ذكره الزمخشري. قال الله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ (سورة الحج: الآية ٢٦) أي ومن يهم فيه بعمل من المعاصي عذب عليه لعظم حرمة المكان. قال العلقمي: أصل الإلحاد الميل، وهذا الإلحاد والظلم يعم جميع المعاصي الكبائر والصغائر لعظم حرمة المكان فمن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها إلا في مكة، قال المناوي: احتكار الطعام حرام في سائر البلاد وبالحرم المكي أشد تحريمًا، وإنما سماه ظلمًا لأن الحرم واد غير ذي زرع فالواجب على الناس جلب الأقوات إليه للتوسعة على أهله فمن ضيق عليهم بالاحتكار فقد ظلم لأنه وضع الشيء في غير محله فاستحق الوعيد الشديد – انتهى. وقال العزيزي: احتكار الطعام هو شراء ما يقتات وحبسه إلى الغلاء فهو حرام ولو في غير الحرم وخص الحرم لأن الإثم به أشد، وأما لو اشتري غير طعام أو طعامًا غير مقتات بقصد ادخاره إلى الغلاء لم يحرم، وخرج بالشراء ما لو كان عنده بر مثلاً يأكله فادخره إلى الغلاء فلا يحرم، وكذا لو اشتراه بقصد أن يبيعه حالاً أوفي زمن الرخاء فلا حرمة (رواه أبو داود) في الحج من حديث جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة بن ثوبان عن
стр. 4474
٢٧٤٩ – (١٠) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: " ما أطيبك من بلد وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك ". رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح
ــ
موسى بن باذان عن يعلى، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (ج ٤: ص ٢٥٥) في ترجمة مسلم بن باذان، قال البخاري: قال أبو عاصم عن جعفر بن يحيى بن ثوبان قال حدثني عمي عمارة بن ثوبان عن مسلم بن باذان سمع يعلى، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " احتكار الطعام بمكة إلحاد ". قال البخاري: هكذا وقع عندي. قال العنبري (؟) موسى ابن باذان – انتهى. قال ابن أبي حاتم في ترجمة موسى بن باذان سماه البخاري مسلم بن باذان فقال أبي وأبو زرعة جمعيًا: أخطا البخاري في هذا، أخرجه في مسلم بن باذان وإنما هو موسى بن باذان، وحكى الحافظ في تهذيب التهذيب (ج ١٠: ص ٣٣٨) قول ابن أبي حاتم هذا ثم قال: قلت: قد حكى البخاري القولين في تاريخه ويظهر من سياقه ترجيح موسى – انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير عن يعلى بن أمية أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: احتكار الطعام بمكة إلحاد – انتهى. وأنت تعلم أن هذا مما لا مجال للرأي فيه فهو في حكم المرفوع، وسكوت أبي داود على حديث أبي يعلى يدل على أنه حديث حسن عنده لكن نقل المناوي عن ابن القطان أنه قال: حديث لا يصح لأن موسى وعمارة وجعفرًا كل منهم لا يعرف فهم ثلاثة مجهولون. وفي الميزان في ترجمة جعفر بن يحيى قال ابن المديني: أنه مجهول. وقال الذهبي: وعمه (عمارة) لين، فمن مناكير جعفر عن عمه ثم ساق هذا الحديث، ثم قال: هذا حديث واهي الإسناد. قال ابن المديني: لم يرو عن جعفر غير أبي عاصم. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب بعد ذكر كلام ابن المديني: جعفر بن يحيى ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال، وقال في التقريب: إنه مقبول، وقال عن عمارة بن ثوبان: مستور، وعن موسى بن باذان الفاسي: مجهول ففي كون حديث يعلى هذا حسنًا نظر، والله أعلم، وفي الباب عن ابن عمر بن الخطاب أخرجه الطبراني في الأوسط وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: فيه عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جمع – انتهى.
٢٧٤٩ – وقوله رسول الله ﷺ لمكة) أي خطابًا لها حين وداعها وذلك يوم فتح مكة (ما أطيبك من بلد) صيغة تعجب (وأحبك إليَّ) عطف عليه والأولى بالنسبة إلى حد ذاتها أو للإطلاق والثانية للتخصيص، قاله القاري. (ولولا أن قومي أخرجوني) أي صاروا سببًا لخروجي (ما سكنت غيرك) قال القاري: هذا دليل للجمهور على أن مكة أفضل من المدينة خلافًا للإمام مالك ﵀، وقد صنف السيوطي رسالة في هذه المسألة (رواه الترمذي) في أواخر المناقب وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه والحاكم (ج ١: ص ٤٨٦) كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير وأبي الطفيل عن ابن عباس (وقال هذا حديث حسن صحيح) وقال الحاكم حديث صحيح الإسناد
стр. 4475
غريب إسنادًا.
٢٧٥٠ – (١١) وعن عبد الله بن عدي بن حمراء، قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحزورة فقال: " والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ".
ــ
ووافقه الذهبي (غريب إسنادًا) تمييز، وفي جامع الترمذي غريب من هذا الوجه.
٢٧٥٠- قوله (وعن عبد الله بن عدي بن حمراء) القرشي الزهري من أنفسهم، وقيل إنه ثقفي حالف بني زهرة، يكني أبا عمر، وقيل أبا عمرو، قال البخاري: له صحبة ورواية، يعد في أهل الحجاز، وكان ينزل فيما بين قديد وعسفان وهو من مسلمة الفتح، روى عن النبي ﷺ في فضل مكة. روى عنه أبو سلمة ومحمد بن جبير بن مطعم، وقوله ((حمراء)) كذا في المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع عند الترمذي وابن حبان، وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة ((الحمراء)) وهكذا ذكر الحافظ في التقريب والتهذيب والإصابة وابن عبد البر في الاستيعاب وكذا وقع في المنتقي للمجد بن تيمية والقرى للمحب الطبري (رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحزورة) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وفتح الواو بعدها راء ثم هاء: هي الرابية الصغيرة والجمع الحزاور، قال الجزري: هو موضع بمكة عند باب الحناطين وهو بوزن قسورة. قال الشافعي: الناس يشددون الحزورة والحديبية وهما مخففتان – انتهى. وقال الطيبي: هو على وزن القسورة موضع بمكة وبعضهم شددها أي الواو، والحزورة في الأصل بمعني التل الصغير، سميت بذلك لأنه هناك كان تل صغير، وقيل لأن وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد كان ولى أمر البيت بعد جرهم فبني صرحًا هناك وجعل فيها أمة يقال لها حزورة فسميت حزورة مكة بها، وارجع إلى شفاء الغرام (ج ١: ص ٧٦) (فقال) أي مخاطبًا للكعبة وما حولها من حرمها (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله) فيه تصريح بأن مكة أفضل من المدينة كما عليه الجمهور. قال الشوكاني: فيه دليل على أن مكة خير أرض الله على الإطلاق وأحبها إلى رسول الله ﷺ وبذلك استدل من قال إنها أفضل من المدينة (ولولا أني أخرجت منك) أي بأمر من الله (ما خرجت) فيه دلالة على أنه لا ينبغي للمؤمن أن يخرج من مكة إلا أن يخرج منها حقيقة أو حكماه، وهو الضرورة الدينية أو الدنيوية، والحديث حجة للقائلين بفضل مكة على المدينة. قال الدميري: وأما ما روي من حديث ((اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إليّ فأسكنني في أحب البلاد إليك)) فقال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم في نكارته ووضعه ونسبوا وضعه إلى محمد بن الحسن بن زياد وتركوه لأجله، وقال ابن دحية في تنويره: أنه حديث باطل بإجماع أهل العلم. وقال ابن مهدي: سألت عنه مالكًا فقال: لا يحل أن تنسب الباطل إلى رسول الله ﷺ وقد بين علته أبو بكر البزار والحافظ وغيرهما، نعم السكنى بالمدينة أفضل لما ثبت من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد
стр. 4476
رواه الترمذي، وابن ماجة.
ــ
إلا كنت له شفيعًا وشهيدًا يوم القيامة، ولم يرد بسكنى مكة شيء من ذلك بل كرهه جماعة من العلماء، وثبت أنه ﷺ قال: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها ـ وجعل ابن حزم التفضيل الحاصل بمكة ثابتًا لجميع الحرم، قاله السندي. وقال القاري: وأما خبر الطبراني ((المدينة خير من مكة)) فضعيف بل منكر واه كما قاله الذهبي، وعلى تقدير صحته يكون محمولاً على زمانه لكثرة الفوائد في حضرته وملازمة خدمته لأن شرف المدينة ليس بذاته بل بوجوده ﵊ فيه ونزوله مع بركاته، وأيضًا نفس المدينة ليس أفضل من مكة اتفاقًا إذ لا تضاعف فيه أصلاً بل المضاعفة في المسجدين، ففي الحديث الصحيح الذي قال بعض الحفاظ على شرط الشيخين ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف صلاة)) وصح عن ابن عمر موقوفًا وهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال مثله بالرأي: صلاة واحدة بالمسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة بمسجد النبي ﵊ – انتهى. وإن شئت بسط الكلام على مسألة أفضلهما وعلى مسألة حكم المجاورة بمكة فارجع إلى النيل وشفاء الغرام (ج ١: ص ٧٨) والمرقاة والمحلى لابن حزم (ج ٧: ص ٢٧٩) ووفاء الوفاء للسمهودي والقرى (ص ١٦٠) للمحب الطبري (رواه الترمذي) في آخر المناقب (وابن ماجة) في أواخر الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص ٣٠٥) والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما وسعيد بن منصور في سننه كلهم من طريق الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن حمراء، والحديث صححه الترمذي ثم قال: ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وحديث الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء عندي أصح – انتهى. وفيه أنه روى هذا الحديث أيضًا الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة كما في المسند (ج ٤: ص ٣٠٥) قال الحافظ في الإصابة: انفرد برواية حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء ابن شهاب الزهري، واختلف عليه فيه، فقال الأكثر عنه عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء وقال معمر فيه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومرة أرسله، وقال ابن أخي الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عدي، والمحفوظ الأول – انتهى. قلت: روى أحمد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ثم روى من طريق رباح عن معمر عن الزهري فقال عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن بعضهم (أي الصحابة) أن رسول الله ﷺ قال، إلخ. قال التقي الفاسي في شفاء الغرام (ج ١: ص ٧٦) بعد ذكر الروايتين ما لفظه: وذكر صحابنا الحافظ أبو الفضل العسقلاني أن رواية معمر شاذة يعني رواياته لهذا الحديث عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا. قال: والظاهر أن الوهم فيه من عبد الرزاق لأن معمرًا كان
стр. 4477
(الفصل الثالث)
٢٧٥١ – (١٢) عن أبي شريح العدوي، أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة:
ــ
لا يحفظ اسم صحابيه كما جاءت رواية رباح عنه وعبد الرزاق سلك الجادة فقال عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ثم قال: وإذا تقرر ذلك علم أن لا أصل له من حديث أبي هريرة والله أعلم – انتهى. قلت: رواه عبد الرزاق في المصنف (ج ٥: ص ٢٧) عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة موقوفًا عليه فيغلب على الظن أن الناسخ أسقط قوله ((عن أبي هريرة)) والله أعلم، والحديث روي نحوه عن عبد الله بن عمرو أيضًا كما ذكره التقي الفاسي في شفاء الغرام.
٢٧٥١- قوله (عن أبي شريح) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وبالحاء المهملة (العدوي) بفتح العين والدال، قال الحافظ في كتاب الحج: كذا وقع هنا، وفيه نظر لأنه خزاعي من بني كعب بن ربيعة بن لحي بطن من خزاعة، ولهذا يقال له الكعبي أيضًا، وليس هو من بني عدي لا عدي قريش ولا عدي مضر، فلعله كان حليفًا لبني عدي بن كعب من قريش، وقيل في خزاعة بطن يقال لهم: بنو عدي، ثم قال في المغاري: كنت جوزت في الكلام على حديث الباب في الحج أنه من حلفاء بني عدي بن كعب، وذلك لأنني رأيته في طريق أخري الكعبي نسبة إلى بني كعب بن ربيعة بن عمرو بن لحي، ثم ظهر لي أنه نسب إلى بني عدي بن عمرو بن لحي، وهم أخوة كعب ويقع هذا في الأنساب كثيرًا ينسبون إلى أخي القبيلة، وأبو شريح هذا صحابي مشهور، اختلف في اسمه، فقيل خويلد بن عمرو، وقيل عمرو بن خويلد، وقيل كعب بن عمرو، وقيل هانئ بن عمرو، وقيل عبد الرحمن بن عمرو، وأصحها وأشهرها خويلد بن عمرو، وهو خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزي بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن مازن بن عدي بن عمرو بن ربيعة الخزاعي ثم الكعبي أسلم قبل فتح مكة وكان يحمل أحد ألوية بني كعب بن خزاعة يوم فتح مكة، روي له النبي ﷺ عشرون حديثًا، اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديث، وكان أبو شريح من عقلاء أهل المدينة سكن المدينة ومات بها سنة ثمان وستين (أنه قال لعمرو) بفتح العين (بن سعيد) أي ابن أبي العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي المعروف بالأشدق وليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان وعرف بالأشدق لأنه صعد المنبر فبالغ في شتم علي رضي الله تعالى عنه فأصابه لقوة (وهو) أي عمرو (يبعث البعوث إلى مكة) جملة حالية والبعوث جمع بعث بمعنى مبعوث وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المجهز للقتال أي يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة، والقصة مشهورة وملخصها أن معاوية عهد بالخلافة بعده ليزيد بن معاوية فبايعه الناس إلا الحسين بن علي وابن الزبير، وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فمات قبل موت معاوية، وأما عبد الله بن عمر فبايع ليزيد عقب موت أبيه، وأما الحسين بن علي فسار
стр. 4478
ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس،
ــ
إلى الكوفة لاستدعائهم إياه ليبايعوه، فكان ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير فاعتصم، ويسمى عائذ البيت، وغلب على أمر مكة فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهزوا إليه الجيوش، فكان آخر ذلك أن أهل المدينة اجتمعوا على خلع يزيد من الخلافة وكان عمرو بن سعيد هذا قد أمر على الجيش الذي جهزه إلى مكة عمرو بن الزبير، وكان معاديًا لأخيه عبد الله، وكان عمرو بن سعيد قد ولاه شرطته ثم أرسله إلى قتال أخيه فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد فنهاه فامتنع، وجاء أبو شريح فذكر القصة، فلما نزل الجيش ذا طوى خرج إليهم جماعة من أهل مكة فهزموهم وأسر عمرو بن الزبير فسجنه أخوه بسجن عارم، وكان عمرو قد ضرب جماعة من أهل المدينة ممن اتهم بالميل إلى أخيه، فأقادهم عبد الله منه حتى مات عمرو من ذلك الضرب، تنبيه: وقع في السيرة لابن إسحاق ومغازي الواقدي أن المراجعة المذكورة وقعت بين أبي شريح وبين عمرو بن الزبير فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون أبو شريح راجع الباعث والمبعوث والله أعلم، قاله الحافظ (إئذن) بهمزتين وفتح الذال، أمر من أذن يأذن، وتبدل همزته الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فيقال: إيذن (أيها الأمير) أصله يا أيها الأمير، حذف منه حرف النداء، ويستفاد منه حسن التلطف في مخاطبة السلطان ليكون أدعى لقبوله النصيحة، وأن السلطان لا يخاطب إلا بعد استئذانه ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه فترك ذلك، والغلظة له قد يكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه (أحدثك) بالجزم لأنه جواب الأمر (قولاً) مفعول ثان (قام به) صفة للقول والمقول هو حمد الله تعالى إلى آخره (الغد) بالنصب (من يوم الفتح) أي ثاني يوم الفتح يعني أنه خطب اليوم الثاني من فتح مكة (أذناي) هو فاعل سمعت وأصله أذنان لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون التثنية، وفيه إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه، فقوله سمعته أي حملته عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين للتأكيد، وقوله (وعاه قلبي) أي حفظه تحقيق لفهمه وتثبته، وقوله (وأبصرته عيناي) زيادة في تحقيق ذلك وأن سماعه منه ليس اعتمادًا على الصوت فقط بل مع المشاهدة والروية (حين تكلم به) أي بالقول المذكور و ((حين)) نصب على الظرف لسمعت ووعاه وأبصرت، ويؤخذ من قوله ((ووعاه قلبي)) أن العقل محله القلب (حمد الله) جملة استئنافية مبينة، وفي رواية ((أنه حمد الله)) قال الحافظ: هو بيان لقوله تكلم، ويؤخذ منه استحباب الثناء بين يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام والخطبة في الأمور المهمة، وقد تقدم من رواية ابن اسحاق أنه قال فيها ((أما بعد)) (وأثنى عليه) عطف على حمد من قبيل عطف العام على الخاص (حرمها الله) جملة وقعت في محل الرفع لأنها خبر إن (ولم يحرمها الناس)
стр. 4479
فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله ولم يؤذن لكم، وإنما أذن لي
ــ
بالضم أي إن تحريمها كان بوحي من الله لا من اصطلاح الناس (فلا يحل) الفاء فيه جواب شرط محذوف تقديره إذا كان كذلك فلا يحل (لامرئ) هذا اللفظ من النوادر حيث كانت عينه دائمًا تابعة للامه في الحركة (يؤمن بالله واليوم الآخر) اكتفى بطرفي المؤمن به عن بقيته قال الحافظ: فيه تنبيه على الامتثال لأن من آمن بالله لزمته طاعته ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به واجتناب ما نهي عنه خوف الحساب عليه، وقد تعلق به من قال إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأكثر خلافه، وجوابهم بأن المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام وينزجر عن المحرمات فجعل الكلام معه، وليس فيه نفي ذلك عن غيره، وقال ابن دقيق العيد: الذي أراه أنه من خطاب التهبيج نحو قوله تعالى ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ (سورة المائدة: الآية ٢٦) فالمعنى استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه، فهذا هو المقتضى لذكر هذا الوصف، ولو قيل لا يحل لأحد مطلقًا لم يحصل منه هذا الغرض، وإن أفاد التحريم (أن يسفك) فاعل لا يحل وأن مصدرية، تقديره فلا يحل سفك دم، ويسفك بكسر الفاء على المشهور وحكي ضمها، ومعنى السفك إراقة الدم وصبه، والمراد به القتل، واستدل به على تحريم القتل والقتال بمكة، وتقدم البحث فيه في الكلام على حديث ابن عباس (بها) أي بمكة، والباء بمعنى في أي فيها كما هي رواية المستملي للبخاري (دمًا) مفعول ليسفك (ولا يعضد) بالنصب أيضًا لأنه عطف على يسفك والتقدير وأن لا يعضد، وزيدت لا لتأكيد معنى النفي، فمعناه لا يحل أن يعضد، ويعضد بكسر الضاد المعجمة بصيغة المعلوم. والضمير الذي فيه يرجع إلى امرئ أي ولا يقطع (بها) أي بمكة (شجرة) بالنصب مفعول يعضد، وفيه دليل على تحريم قطع شجر مكة وقد سبق الكلام في ذلك وتفصيل مذاهب الأئمة في شرح حديث ابن عباس (فإن) شرطية (أحد) فاعل فعل محذوف مضمر، والتقدير فإن ترخص أحد، ويفسره قوله (ترخص) وإنما حذف لئلا يجتمع المفسر والمفسر، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ (سورة التوبة الآية: ٦) وقوله ((ترخص)) على وزن تفعل مشتق من الرخصة، وفي رواية ابن أبي ذئب عند أحمد ((فإن ترخص مترخص)) وهو المتكلف للرخصة (بقتال رسول الله ﷺ ) كذا في صحيح مسلم وفي البخاري ((لقتال رسول الله)) واللام فيه للتعليل، وهو متعلق بقوله ترخص (فقولوا) جواب الشرط فلذلك دخلت فيه الفاء (إن الله قد أذن) بكسر الذال أي أجاز (لرسوله ولم يأذن لكم) معناه إن قال أحد بأن ترك القتال عزيمة والقتال رخصة يتعاطى عند الحاجة مستدلاً بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: ليس الأمر كذلك، فإن الله أذن لرسوله ﷺ ولم يأذن لكم (وإنما أذن لي) بفتح الهمزة وكسر الذال على بناء الفاعل، والضمير فيه يرجع إلى الله، ويروى يضم الهمزة على البناء للمجهول، وفي قوله ((لي)) التفات، لأن نسق الكلام
стр. 4480
ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب ". فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح! إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم ولا فارًا بخربة.
ــ
((وإنما أذن له)) أي لرسوله، قاله الحافظ. وقال العيني: وإنما التفت ثانيًا بقوله ((وإنما أذن لي)) ولم يقل ((أذن له)) بيانًا لاختصاصه بذلك بالإضافة إلى ضميره كما في قول امرئ القيس:
وذلك من نبأ جاءني _ ... وخبرته عن أبي الأسود
(ساعة من نهار) قد مضى في شرح حديث ابن عباس أن مقدار هذه الساعة ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر، وكان قتل من قتل بإذن النبي ﷺ كابن خطل وقع في هذا الوقت الذي أبيح فيه القتال للنبي ﷺ ، والمأذون له فيه القتال لا قطع الشجر، فليس في الحديث ما يدل على إباحة عضد الشجر لرسول الله ﷺ في تلك الساعة (وقد عادت حرمتها) أي الحكم الذي في مقابلة إباحة القتال المستفاد من لفظ الإذن (اليوم كحرمتها بالأمس) المراد باليوم الزمن الحاضر وبالأمس أي الأمس من يوم الفتح. وقال السندي: الظاهر أن المراد وقد عادت حرمتها بعد تلك الساعة كحرمتها قبل تلك الساعة - انتهى. ولم يبين غاية الحرمة هنا، وقد بينها في رواية ابن أبي ذئب المذكورة بقوله ((ثم هي حرام إلى يوم القيامة)) وكذا في حديث ابن عباس السابق بقوله ((فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة)) (وليبلغ) بسكون اللام وكسرها وتشديد اللام الثانية ويجوز تخفيفها أي يوصل (الشاهد) بالرفع (الغائب) بالنصب، قال ابن جرير: فيه دليل على جواز قبول خير الواحد لأنه معلوم أن كل من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاغ وأنه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلا وهو لازم له فرض العمل بما أبلغه كالذي لزم السامع سواء وإلا لم يكن للأمر بالتبليغ فائدة (فقيل لأبي شريح) لم يدر اسم القائل. وظاهر رواية ابن إسحاق أنه بعض قومه من خزاعة (ما قال لك عمرو؟) أي في جوابك (قال) أي أبو شريح (قال) أي عمرو (أنا أعلم بذلك) أي بالمذكور من قول أبي شريح: أن مكة حرمها الله تعالى، إلخ (منك يا أبا شريح) بإظهار الهمزة ويجوز حذفها للتخفيف فيقال يابا شريح (إن الحرم) أي حرم مكة (لا يعيذ) بالذال المعجمة أي لا يجير ولا يعصم (ولا فارًا بدم) بالفاء وتثقيل الراء من الفرار وهو عطف على ((عاصيًا)) والباء في ((بدم)) للمصاحبة، أي مصاحبًا بدم ومتلبسًا به يعني لا يجير هاربًا عليه دم يعتصم بمكة كيلا يقتص منه، قال الحافظ: المراد من وجب عليه حد القتل فهرب إلى مكة مستجيرًا بالحرم، وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم مساق الدليل وفي تخصيصه العموم بلا مستند (ولا فارًا بخربة) عطف على ما قبله، والباء فيه للسببية وقوله ((بخربة)) بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها باء موحدة وهي السرقة، كذا ثبت
стр. 4481
متفق عليه. وفي البخاري: الخربة الجناية.
ــ
تفسيرها في رواية المستملي أعني في روايته: ولا فار بخربة يعني السرقة. وقال ابن بطال: الخربة بالضم الفساد وبالفتح السرقة. قال الحافظ: قد تصرف عمرو في الجواب وآتى بكلام ظاهره حق ولكن أراد به الباطل. قال ابن حزم: لا كرامة للطيم الشيطان أن يكون أعلم من صاحب رسول الله ﷺ ، وأغرب ابن بطال فزعم أن سكوت أبي شريح عن جواب عمرو بن سعيد دال على أنه رجع إليه في التفصيل المذكور، ويعكر عليه ما وقع في رواية أحمد أنه قال في آخره: قال أبو شريح: فقلت لعمرو: قد كنت شاهدًا وكنت غائبًا وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا وقد بلغت. فهذا يشعر بأنه لم يوافقه، وإنما ترك مشاققته لعجزه لما كان فيه من قوة الشوكة. وقال ابن بطال أيضًا: ليس قول عمرو جوابًا لأبي شريح لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حدًا في غير الحرم ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحد عليه في الحرم، فإن أبا شريح أنكر بعث عمرو الجيش إلى مكة ونصب الحرب عليها، فأحسن في استدلاله بالحديث، وحاد عمرو عن جوابه وأجابه عن غير سؤاله، وتعقبه الطيبي بأنه لم يحد في جوابه وإنما أجاب بما يقتضي القول بالموجب، كأنه قال له صح سماعك وحفظك لكن المعنى المراد من الحديث الذي ذكرته خلاف ما فهمته منه، فإن ذلك الترخص كان لسبب الفتح وليس بسبب قتل من استحق القتل خارج الحرم ثم استجار بالحرم، والذي أنا فيه من القبيل الثاني. قلت (قائله الحافظ) : لكنها دعوى من عمرو بغير دليل، لأن ابن الزبير لم يجب عليه حد فعاذ بالحرم فرارًا منه حتى يصح جواب عمرو، نعم كان عمرو يرى وجوب طاعة يزيد الذي استنابه وكان يزيد أمر ابن الزبير أن يبايع له بالخلافة ويحضر إليه في جامعة يعني مغلولاً، فامتنع ابن الزبير وعاذ بالحرم فكان يقال له بذلك عائذ الله، وكان عمرو يعتقد أنه عاص بامتناعه من امتثال أمر يزيد، ولهذا صدر كلامه بقوله: إن الحرم لا يعيذ عاصيًا. ثم ذكر بقية ما ذكر استطرادًا، فهذه شبهة عمرو وهي واهية، وهذه المسألة التي وقع فيها الاختلاف بين أبي شريح وعمرو فيها اختلاف بين العلماء أيضًا كما مر تفصليه في شرح حديث ابن عباس من هذا الباب، وفي حديث أبي شريح من الفوائد غير ما تقدم: جواز إخبار المرء عن نفسه بما يقتضي ثقته وضبطه لما سمعه ونحو ذلك، وإنكار العالم على الحاكم ما يغيره من أمر الدين، والموعظة بلطف وتدريج، والاقتصار في الإنكار على اللسان إذ لم يستطع باليد، ووقوع التأكيد في الكلام البليغ، وجواز المجادلة في الأمور الدينية، وفيه الخروج عن عهدة التبليغ، والصبر على المكاره لمن لا يستطيع بدًا من ذلك (متفق عليه) أخرجه البخاري في العلم وفي الحج وفي المغازي، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٦: ص ٣٨٥) والترمذي في الحج وفي الديات والنسائي في الحج وفي العلم (وفي البخاري: الخربة الجناية) قال القاري: وفي نسخة ((الخيانة)) ضد الأمانة – انتهى. والذي في البخاري في الحج وفي المغازي، قال أبو عبد الله: الخربة البلية. وقال ابن الأثير في النهاية: في الحديث ((الحرم
стр. 4482
٢٧٥٢ – (١٣) وعن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا ". رواه ابن ماجة.
ــ
لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بخربة)) الخربة أصلها العيب والمراد بها ها هنا الذي يفر بشيء يريد أن ينفرد به ويغلب عليه مما لا تجيزه الشريعة، والخارب أيضًا سارق الإبل خاصة ثم نقل إلى غيرها اتساعًا، وقد جاء في سياق الحديث في كتاب البخاري أن الخربة الجناية والبلية. قال الترمذي: وقد روي بخزية ويجوز أن يكون بكسر الخاء (وسكون الزاي) وهو الشيء الذي يستحي منه أو من الهوان أن يكون بالفتح وهو الفعلة الواحدة منهما – انتهى. وارجع لمزيد التفصيل إلى الفتح بالحج، والعيني والقسطلاني في العلم.
٢٧٥٢ – قوله (وعن عياش) بتشديد التحتانية وآخره معجمة (بن أبي ربيعة) اسم أبي ربيعة عمرو – ويلقب ذا الرمحين – ابن المغير بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن المخزومي ابن عم خالد بن الوليد بن المغيرة وأخو أبي جهل بن هشام لأمه، أمهما أم الجلاس، وأخو عبد الله بن أبي ربيعة لأبيه وأمه واسمها أسماء بنت سلمة بن مخرمة وهي أم الحارث وأبي جهل ابني هشام بن المغيرة، كان هشام بن المغيرة قد طلقها فتزوجها أخوه أبو ربيعة بن المغيرة، كان إسلام عياش بن أبي ربيعة قديمًا قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة مع امرأته وولد له بها ابنه عبد الله، ثم هاجر إلى المدينة فجمع بين الهجرتين قال الزبير: كان عياش بن أبي ربيعة قد هاجر إلى المدينة حين هاجر عمر بن الخطاب فقدم عليه أخواه لأمه أبو جهل والحارث ابنا هشام فذكر له أن أمه حلفت أن لا يدخل رأسها دهن ولا تستظل حتى تراه فرجع معهما فأوثقاه رباطًا وحبساه بمكة فكان رسول الله ﷺ يدعو له بالنجاة في القنوت كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة. روى عن النبي ﷺ في تعظيم مكة وعنه ابنه عبد الله وعبد الرحمن بن سابط وغيرهما استشهد باليمامة، وقيل باليرموك، وقيل مات سنة خمس عشرة بالشام في خلافة عمره (لا تزال هذه الأمة) أي أمة الإجابة (بخير) التنوين للتعظيم (ما عظموا) أي مدة تعظيمهم (هذه الحرمة) يعني الكعبة والحرم، وقال القاري: أي حرمة مكة وحرمها المعهودة عند العرب بأجمعها. وقال السندي: أي حرمة شعائر الله (فإذا ضيعوا ذلك) أي التعظيم أو ما ذكر من الحرمة (هلكوا) أي بالإهانة جزاء وفاقًا (رواه ابن ماجة) في آخر الحج من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن سابط عن عياش، قال ابن عبد البر: ويقولون: إن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع منه، وأنه أرسل حديثه عنه، وروى عنه نافع مرسلاً أيضًا وروى عنه ابنه عبد الله بن عياش سماعًا منه – انتهى. وقال السندي: قال في الزوائد: في إسناده يزيد بن أبي زياد واختلط بآخره – انتهى.
стр. 4483
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
(الفصل الأول)
ــ
والحديث ذكره المحب الطبري في القرى (ص ٥٨٩) وقال: أخرجه ابن الحاج في منسكه، وذكره الحافظ في الفتح في باب فضل مكة وبنيانها ثم قال: أخرجه أحمد وابن ماجة وعمر بن شبة في كتاب مكة وسنده حسن – انتهى.
(باب حرم المدينة) قال الزرقاني: المدينة في الأصل المصر الجامع ثم صارت علمًا بالغلبة على دار هجرته ﷺ ووزنها فعيلة لأنها من مدن (بالمكان أي أقام به) وقيل: مفعلة بفتح الميم لأنها من دان (بمعنى أطاع، والدين الطاعة) والجمع مدن ومدائن بالهمز على القول بأصالة الميم ووزنها فعائل وبغير همز على القول بزيادة الميم ووزنها مفاعل انتهى. وقال الحافظ في الفتح: المدينة علم على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي ﷺ ودفن بها. قال الله تعالى: ﴿يقولون لئن رجعنا إلى المدينة﴾ (سورة المنافقون: الآية ٨) فإذا أطلقت تبادر إلى الفهم أنها المراد، وإذا أريد غيرها بلفظ المدينة فلا بد من قيد فهي كالنجم للثريا، وكان اسمها قبل ذلك ((يثرب)) قال الله تعالى: ﴿وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب﴾ (سورة الأحزاب: الآية ١٣) ويثرب اسم لموضع منها سميت كلها به، قيل: سميت بيثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح، لأنه أول من نزلها، حكاه أبو عبيد البكري، وقيل غير ذلك. ثم سماها النبي ﷺ طابة وطيبة كما سيأتي. وكان سكانها العماليق ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل قيل أرسلهم موسى ﵇ كما أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بسند ضعيف ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم – انتهى. قال النووي في مناسكه: لمدينة رسول الله ﷺ خمسة أسماء: المدينة وطابة وطيبة والدار ويثرب، قال تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة﴾ (سورة التوبة: الآية ١٢١) وفي مسلم عن جابر مرفوعًا: " إن الله سمي المدينة طابة ". قال النووي: سميت طابة وطيبة لخلوصها من الشرك وطهارتها منه، وقيل لطيب ساكنها، وأما تسميتها الدار فللاستقرار بها لأمنها، وأما المدينة فقال كثير من أهل اللغة: هي من دان أي أطاع، سميت بها لأنه يطاع لله تعالى فيها. قال ابن حجر في شرحه: اقتصر على هذه الأسماء مع أن أسمائها تقارب الألف كما بينها بعض المتأخرين لأنها أشهرها – انتهى. وقال السمهودي: إن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى ولم أجد أكثر من أسماء هذه البلدة الشريفة وقد استقصيتها بحسب القدرة حتى أني زدت على شيخ مشائخنا
المجد الشيرازي اللغوي وهو أعظم الناس في هذا الباب نحو ثلاثين اسمًا فرقمت على ذلك صورة ليتميزوها وأنا أوردها مرتبة على حروف المعجم، ثم ذكر السمهودي أربعة وتسعين اسمًا مع بيان معانيها وسرد أحمد بن عبد الحميد العباسي ثمانية وخمسين اسمًا ثم ترجم كل اسم حسب ترتيبه الأبجدي، من أحب الوقوف على ذلك رجع إلى وفاء الوفا (ص ٨ إلى ص ٢٧) وإلى عمدة الأخبار (ص ٥٨ إلى ص ٧٠) . واعلم أن للمدينة حرمة عند الحنفية لا حرمًا كما لمكة خلافًا للأئمة الثلاثة؛ فعندهم يحرم صيدها وقطع شجرها، وعند الحنفية لا يحرم ذلك وسيأتي بسط الكلام في ذلك.
стр. 4484
٢٧٥٣ - (١) عن علي ﵁، قال: ما كتبنا عن رسول الله ﷺ إلا القرآن، وما في هذه الصحيفة. قال:
ــ
٢٧٥٣- قوله (ما كتبنا عن رسول الله ﷺ إلا القرآن وما في هذه الصحيفة) هذا لفظ البخاري في الجزية رواه من طريق سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي، وروى مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن أبيه، قال: (أي يزيد بن شريك التيمي والد إبراهيم) : خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة - قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه - فقد كذب. وروى البخاري أيضًا في العلم من طريق مطرف عن الشعبي عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي ﵁: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة. قال الحافظ: قوله ((هل عندكم)) الخطاب لعلي والجمع إما لإرادته مع بقية أهل البيت أو للتعظيم. وقوله ((كتاب)) أي مكتوب أخذتموه عن رسول الله ﷺ مما أوحي إليه، ويدل على ذلك رواية المصنف يعني البخاري في الجهاد: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ وله في الديات: ((هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟)) . وفي مسند إسحاق بن راهويه عن جرير عن مطرف ((هل علمت شيئًا من الوحي؟)) وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت لا سيما عليًا أشياء من الوحي خصهم النبي ﷺ بها لم يطلع غيرهم عليها. وقد سأل عليًا عن هذه المسألة أيضًا قيس بن عُبَاد (بضم العين وتخفيف الباء) والأشتر النخعي وحديثهما في مسند النسائي (ومسند الإمام أحمد ج ١: ص ١٢٢) وقال النووي: قوله من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب)) . هذا تصريح من علي ﵁ بإبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة ويخترعونه من قولهم أن عليًا ﵁ أوصى إليه النبي ﷺ بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة، وأنه ﷺ خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفي في إبطالها قول علي ﵁ هذا، وفيه دليل على جواز كتابة العلم (قال) أي علي ﵁ تفسيرًا لما في الصحيفة، وفي رواية أبي جحيفة عند البخاري في العلم قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، إلخ. قال الحافظ: ووقع للبخاري ومسلم من طريق يزيد التيمي عن علي قال: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة، فإذا فيها الجراحات وأسنان الإبل والمدينة حرم - الحديث. ولمسلم عن أبي الطفيل عن علي: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يعم به الناس كافة إلا ما في قراب سيفي هذا. وأخرج صحيفة مكتوب فيها: لعن الله من ذبح لغير الله - الحديث. وللنسائي من طريق الأشتر وغيره عن علي ((فإذا فيها: المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم)) .
стр. 4485
قال رسول الله ﷺ : " المدينة حرام ما بين عير إلى ثور،
ــ
الحديث. ولأحمد من طريق طارق بن شهاب ((فيها فرائض الصدقة)) والجمع بين هذه الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة وكان جميع ذلك مكتوباً فيها فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حفظه، والله أعلم. وقد بين ذلك قتادة في روايته لهذا الحديث عن أبي حسان عن علي (قال رسول الله ﷺ : المدينة حرام) كذا في رواية البخاري في باب إثم من عاهد ثم غدر من كتاب الجهاد، وهكذا وقع عند أحمد (ج ١: ص ١٢٦) وأبي داود ولفظ مسلم ((المدينة حرم)) بفتحتين بدون ألف، وهكذا عند البخاري في ((باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة)) وكذا وقع عند أحمد (ج ١: ص ٨١) والترمذي والنسائي. والحرام بمعنى الحرم لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا. وقال القاري: حرام أي محترم ممنوع مما يقتضي إهانة الموضع المكرم، وعند الشافعية: الحرام بمعنى الحرم. قلت: وهو الظاهر (ما بين عَيْر) بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف بلفظ العير مرادف الحمار، جبل مشهور في قبلة المدينة بقرب ذي الحليفة ميقات المدينة، وفي رواية للبخاري ((ما بين عائر)) بألف بعد العين المهملة على وزن فاعل (إلى ثور) بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو بلفظ الثور فحل البقر جبل صغير خلف أحد، وهو غير جبل ثور الذي بمكة، وقوله ((إلى ثور)) انفرد به مسلم، ولفظ البخاري ((إلى كذا)) أي بإبهام النهاية. قال الحافظ: اتفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني، ووقع عند مسلم ((إلى ثور)) فقيل: إن البخاري أبهمه عمداً لما وقع عنده أنه وهم. وقال صاحب المشارق والمطالع: أكثر رواة البخاري ذكروا عيرًا وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا، والأصل في هذا التوقف قول مصعب الزبيري ((ليس بالمدينة عير ولا ثور)) ، وأثبت غيره عيرًا فوافقه على إنكار ثور. قال أبو عبيد (القاسم بن سلام) : قوله: ((ما بين عير إلى ثور)) . هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلاً عندهم يقال له ثور، وإنما ثور بمكة، ونرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد. قلت (قائله الحافظ) : وقد وقع ذلك في حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطبراني (في الكبير قال عبد الله بن سلام: ما بين كذا وأحد حرام حرمه رسول الله ﷺ ما كنت لأقطع به شجرة ولا أقتل به طائرًا. هذا لفظ أحمد (ج ٥: ص ٤٥٠) ، ولفظ الطبراني ((قال: ما بين عير وأحد حرام)) . قال الهيثمي: ورجاله ثقات) وقال عياض: لا معنى لإنكار عير بالمدينة فإنه معروف، وقد جاء ذكره في أشعارهم، وأنشد أبو عبيد البكري في ذلك عدة شواهد. وقال ابن السيد في المثلث: عير اسم جبل بقرب المدينة معروف. قال الحافظ: وقد سلك العلماء في إنكار مصعب الزبيري لعير وثور مسالك، منها ما تقدم، ومنها: قول ابن قدامة في المغنى (ج ٣: ص ٣٥٤) : يحتمل أن النبي ﷺ أراد قدر ما بين ثور وعير لا أنهما بعينهما في المدينة، ويحتمل أنه أراد الجبلين الذين بطرفي المدينة وسماهما عيرًا وثورًا تجوزًا وارتجالاً – انتهى. وحكى ابن الأثير كلام أبي عبيد
следующие страницы →