(١٣) باب الإحصار، وفوت الحج
ــ
(باب الإحصار) هو في اللغة المنع والحبس مطلقًا، وفي الشرع المنع عن الوقوف والطواف، فإن قدر على أحدهما فليس بمحصر (وفوت الحج) بأن يكون محرمًا ولم يدرك مكان الوقوف وهو عرفة في زمانه، وهو من بعد الزوال إلى طلوع فجر يوم النحر ولو ساعة، قاله القاري. وقال العيني: الإحصار المنع والحبس عن الوجه الذي يقصده، يقال أحصره المرض أو السلطان إذا منعه عن مقصده فهو محصر، والحصر الحبس، يقال حصره إذا حبسه فهو محصور. وقال القاضي إسماعيل: الظاهر أن الإحصار بالمرض والحصر بالعدو ومنه ((فلما حصر رسول الله ﷺ )) وقال تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾ وقال الكسائي: يقال من العدو حصر فهو محصور، ومن المرض أحصر فهو محصر، وحكى عن الفراء أنه أجاز كل واحد منهما مكان الآخر، وأنكره المبرد والزجاج وقالا: هما مختلفان في المعنى، ولا يقال في المرض ((حصره)) ولا في العدو ((أحصره)) – انتهى. وقال صاحب فيض الباري: اعلم أن الإحصار عندنا (الحنفية) وعند جماعة من السلف وأهل اللغة عام للمريض والعدو كما نقل عن الفراء أيضًا، وعند الشافعية يختص بالعدو، وادعى بعض من الحنفية أن المحصر لا يقال إلا في المرض، أما في العدو فيقال له محصور لا محصر، قلت: وليس بجيد فإن الآية حينئذ تقتصر على المرض مع أنها نزلت في العدو بالاتفاق، فإنها نزلت في قصة الحديبية ولم يكن النبي ﷺ فيها مريضًا، وها هنا دقيقة وهي أن اللفظ قد يشتهر في نوع من الجنس ثم يرد استعماله في نوع آخر من ذلك الجنس أو في الجنس بعينه فيجعله الناس مقابلاً كالإحصار فإنه عام للمرض والعدو إلا أنه اشتهر الإحصار في المرض والحصر في العدو حتى ذهبت أوهام العامة أنهما متقابلان فجعلوا الإحصار مختصًا بالمرض والحصر بالعدو وليس كذلك، وإنما أخذ القرآن في النظم اللفظ العام لئلا يختص الحكم بالعدو ويعم المرض والعدو كليهما – انتهى، وقال الآلوسي في تفسيره (ج ٢: ص ٨٠) : الإحصار والحصر كلاهما في أصل اللغة بمعنى مطلقًا، وليس الحصر مختصًا بما يكون من العدو والإحصار بما يكون من المرض ونحوه كما توهم الزجاج من كثرة استعمالها كذلك فإنه قد يشيع استعمال اللفظ الموضوع للمعنى العام في بعض أفراده، والدليل على ذلك أنه يقال حصره العدو وأحصره كصده وأصده، فلو كانت النسبة إلى العدو معتبرة في مفهوم الحصر لكان التصريح بالإسناد إليه تكرارًا، ولو كانت النسبة إلى المرض ونحوه معتبرة في مفهوم الإحصار لكان إسناده إلى العدو مجازًا وكلاهما خلاف الأصل، والمراد من الإحصار هنا حصر العدو عند مالك والشافعي لقوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ فإن الأمن لغة في مقابلة الخوف ولنزوله عام الحديبية، ولقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو. فقيد إطلاق الآية وهو أعلم بموقع التنزيل، وذهب أبو حنيفة إلى أن المراد به ما يعم كل منع من عدو ومرض وغيرهما لحديث الحجاج بن عمرو (الآتي في الفصل الثاني) ولما روى الطحاوي من حديث عبد الرحمن
стр. 4412
..............................................................................................
ــ
ابن زيد قال: أهل رجل بعمرة يقال له عمر بن سعيد فلسع فبينا هو صريع إذ طلع عليه ركب فيهم ابن مسعود فسألوه فقال: ابعثوا بالهدي واجعلوا بينكم وبينه يوم أمارة فإذا كان ذلك فليحل، وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس، وروى البخاري مثله عنه. وقال عروة: كل شيء حبس المحرم فهو إحصار، وما استدل به الخصم (الشافعي ومن وافقه) مجاب عنه، وأما الأول: فإنه يقال للمريض إذا زال مرضه وبرئ: أمن كما روى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس من طريق إبراهيم قال الآلوسي: فيضعف استدلال الشافعي ومالك بالآية على ما ذهبا إليه، وأما الثاني: فإنه لا عبرة بخصوص السبب والحمل على أنه للتأييد يأبى عنه ذكره باللام استقلالاً والقول بأن ((أحصرتم)) ليس عامًا إذا الفعل المثبت لا عموم له فلا يراد إلا ما ورد فيه وهو حبس العدو بالاتفاق ليس بشيء لأنه وإن لم يكن عامًا لكنه مطلق فيجري على إطلاقه، وأما الثالث: فلأنه بعد تسليم حجية قول ابن عباس في أمثال ذلك معارض بما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عنه في تفسير الآية أنه قال: يقول من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي فكما خصص في الرواية الأولى عمم في هذه، وهو أعلم بمواقع التنزيل، والقول ((بأن حديث الحجاج ضعيف)) ضعيف إذ له طرق مختلفة في السنن، وحمله على ما إذا اشترط المحرم الإحلال عند عروض المانع من المرض له وقت النية لقوله ﷺ لضباعه: حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني. لا يتمشى على ما تقرر في أصول الحنفية من أن المطلق يجري على إطلاقه إلا إذا اتحد الحادثة والحكم وكان الإطلاق والتقييد في الحكم إذ ما نحن فيه ليس كذلك كما لا يخفى، انتهى كلام الآلوسي. وإن شئت مزيد البسط فيما أجاب به الحنفية عن الآية وقرروا به مذهبهم فارجع إلى شرح البخاري للقسطلاني والعيني والجوهر النقي للمارديني وأحكام القرآن لأبي بكر الرازي الجصاص وفتح القدير لابن الهمام، وقال الشنقيطي: اختلف العلماء في المراد بالإحصار في قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (سورة البقرة: الآية ١٩٢) فقال قوم: هو صد العدو المحرم ومنعه إياه من الطواف بالبيت، وقال قوم: المراد به حبس المحرم بسبب مرض نحوه، وقال قوم: المراد به ما يشتمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك، لكن قوله تعالى بعد هذا: ﴿فإذا أمنتم﴾ يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد العدو للمحرم، لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف لا إلى الشفاء من المرض ونحو ذلك، ويؤيده أنه لم يذكر الشيء الذي منه الأمن، فدل على أن المراد به ما تقدم من الإحصار فثبت أنه الخوف من العدو، فما أجاب به بعض العلماء من أن الأمن يطلق على الأمن من المرض كما في حديث ((من سبق العاطس
стр. 4413
.............................................................................................
ــ
بالحمد أمن من الشوص واللوث والعلوص)) أخرجه (١) ابن ماجة في سننه فهو ظاهر السقوط، لأن الأمن فيه مقيد بكونه من المرض فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف، وقد يجاب أيضًا بأنه يخاف وقوع المذكور من الشوص الذي هو وجع السن، واللوث الذي هو وجع الأذن، والعلوص الذي هو وجع البطن، لأنه قبل وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من وقوعها، فإذا أمن من وقعها به فقد أمن من خوف. أما لو كانت وقعت به بالفعل فلا يحسن أن يقال أمن منها لأن الخوف في لغة العرب هو الغم من أمر مستقبل لا واقع بالفعل فدل هذا على أن زعم إمكان إطلاق الأمن على الشفاء من المرض خلاف الظاهر، وحاصل تحرير هذه المسألة في مبحثين: الأول في معنى الإحصار في اللغة العربية، الثاني في تحقيق المراد به في الآية الكريمة وأقوال العلماء، وأدلتها في ذلك، فاعلم أن أكثر علماء العربية يقولون: إن الإحصار هو ما كان عن مرض أو نحوه، قالوا: تقول العرب: أحصره المرض يحصره بضم الياء وكسر الصاد إحصارًا، وأما ما كان من العدو فهو الحصر، تقول العرب: حصره العدو يحصره بفتح الياء وضم الصاد حصرًا بفتح فسكون، ومن إطلاق الحصر في القرآن على ما كان من العدو قوله تعالى: ﴿وخذوهم واحصروهم﴾ (سورة التوبة: الآية ٥) ومن إطلاق الإحصار على غير العدو كما ذكرنا عن علماء العربية قوله تعالى ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ (سورة البقرة: الآية ٢٧٥) وقول ابن ميادة:
وما هجر ليلي أن تكون تباعدت ... عليك ولا أن أحصرتك شغول
وعكس بعض علماء العربية فقال: الإحصار من العدو، والحصر من المرض، قاله ابن فارس في المجمل نقله عنه القرطبي ونقل البغوي نحوه عن ثعلب، وقال جماعة من علماء العربية: إن الإحصار يستعمل في الجميع وكذلك الحصر، ومن قال باستعمال الإحصار في الجميع الفراء، وممن قال بأن الحصر والإحصار يستعملان في الجميع أبو نصر القشيري، قال الشنقيطي: لا شك في جواز إطلاق الإحصار على ما كان من العدو كما سترى تحقيقه، هذا حاصل كلام أهل العربية في معنى الإحصار، وأما المراد به في الآية الكريمة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال، الأول: أن المراد به حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزبير وهو
стр. 4414
.............................................................................................
ــ
قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وبه قال مروان وإسحاق وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي، وعلى هذا القول أن المراد بالإحصار ما كان من العدو خاصة فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل (إلا أن يشترط عند الإحرام عند الشافعي وأحمد كما سيأتي) حتى يبرأ من مرضه ويطوف بالبيت ويسعى فيكون متحللاً بعمرة، وحجة هذا القول متركبة من أمرين، الأول: أن الآية الكريمة التي هو قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ نزلت في صد المشركين النبي ﷺ وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست بإطباق العلماء، وقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص فشمول الآية الكريمة لإحصار العدو الذي هو سبب نزولها قطعي فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه، وروي عن مالك أن صورة سبب النزول ظنية الدخول لا قطعيته وهو خلاف قول الجمهور، وبهذا تعلم أن إطلاق الإحصار بصيغة الرباعي على ما كان من عدو صحيح في اللغة العربية بلا شك كما ترى وأنه نزل به القرآن العظيم الذي هو في أعلى درجات الفصاحة والإعجاز، الأمر الثاني: ما ورد في الآثار في أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلل إلا بالطواف والسعي، فمن ذلك ما رواه الشافعي في مسنده والبيهقي (ج ٥: ص ٢١٩) عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، قال النووي في شرح المهذب: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم وصححه أيضًا (الحافظ) ابن حجر، ومن ذلك ما رواه البخاري والنسائي عن ابن عمر أنه كان يقول: أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم يحل من كل شيء حتى يحج عامًا قابلاً فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا، ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي (ج ٥: ص ٢١٩) عن ابن عمر أنه قال: المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة فإذا اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد له منها أو الدواء صنع ذلك وافتدى، ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي أيضًا (ج ٥: ص ٢١٩) عن أيوب السختياني عن رجل من أهل البصرة كان قديمًا أنه قال: خرجت إلى مكة حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس فلم يرخص لي أحد أن أحل فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر حتى أحللت بعمرة، والرجل البصري المذكور الذي أبهمه مالك، قال ابن عبد البر: هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي شيخ أيوب كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة، ورواه ابن جرير من طريق، وسمى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخير، ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي أيضًا (ج ٥: ص ٢٢٠) عن سليمان بن يسار أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم فسأل - على الماء الذي كان عليه - عن العلماء فوجد عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم فذكرهم الذي عرض لهم فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد منه، ويفتدي،
стр. 4415
.............................................................................................
ــ
فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه ثم عليه حج قابل ويهدي ما استيسر من الهدي. قال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو، وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب الأنصاري وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج وأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة ثم يرجعا حلالا، ثم يحجان عامًا قابلاً ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. هذا هو حاصل أدلة القول بأن المراد بالإحصار في الآية هو ما كان من خصوص العدو دون ما كان من مرض ونحوه، القول الثاني في المراد بالإحصار أنه يشمل ما كان من عدو ونحوه وما كان من مرض ونحوه من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم، وممن قال بهذا القول ابن مسعود ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعلقمة والثوري والحسن وأبو ثور وداود وهو مذهب أبي حنيفة، وحجة هذا القول من جهة شموله لإحصار العدو قد تقدمت في حجة الذي قبله، وأما من جهة شموله للإحصار بمرض فهي ما رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة والحاكم والبيهقي عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى، فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق، وفي رواية لأبي داود وابن ماجة: من عرج أو كسر أو مرض، فذكر معناه، وفي رواية ذكرها أحمد في رواية المروزي ((من حبس بكسر أو مرض)) وبهذا تعلم قوة حجة أهل هذا القول، ورد المخالفون الاحتجاج بحديث عكرمة هذا من وجهين، الأول: ما ذكره البيهقي في السنن الكبرى (ج ٥: ص ٢٢٠) قال: وقد حمله بعض أهل العلم إن صح أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض فقد روينا عن ابن عباس ثابتًا عنه قال: لا حصر إلا حصر عدو، والله أعلم - انتهى، الوجه الثاني: هو حمل حله المذكور في الحديث على ما إذا اشترط في إحرامه أنه يحل حيث حبسه الله بالعذر، والتحقيق جواز الاشتراط في الحج بأن يحرم ويشترط أن محله حيث حبسه الله، ولا عبرة بقول منع الاشتراط لثبوته عن النبي ﷺ (كما سيأتي) القول الثالث في المراد بالإحصار: أنه ما كان من المرض ونحوه خاصة دون ما كان من العدو وقد قدمنا أنه المنقول عن أكثر أهل اللغة، وإنما جاز التحلل من إحصار العدو عند من قال بهذا القول، لأنه من إلغاء الفارق وأخذ حكم المسكوت عنه من المنطوق به فإحصار العدو عندهم ملحق بإحصار المرض بنفي الفارق، ولا يخفى سقوط هذا القول لما قدمنا من أن الآية الكريمة نزلت في إحصار العدو عام الحديبية، وأن صورة سبب النزول قطيعة الدخول كما عليه الجمهور وهو الحق قال الشنقيطي: الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه أن المراد بالإحصار في الآية إحصار العدو وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل إلا بعمرة، لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية ودل عليه قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ الآية، ولا سيما على قول من قال من العلماء: إن الرخصة لا تتعدى محلها، وهو
стр. 4416
...........................................................................................
ــ
قول جماعة من أهل العلم. وأما حديث عكرمة الذي رواه عن الحجاج بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة فلا تنتهض به حجة لتعين حمله على ما إذا اشترط ذلك عند الإحرام لحديث عائشة عند الشيخين، وحديث ابن عباس عند مسلم وأصحاب السنن وغيرهم من أنه ﷺ قال لضباعه بنت الزبير بن عبد المطلب: حجي واشترطي، ولو كان التحلل جائزًا دون شرط كما يفهم من حديث الحجاج بن عمرو، لما كان للاشتراط فائدة، وحديث عائشة وابن عباس بالاشتراط أصح من حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن، وهو ممكن في الحديثين بحمل حديث الحجاج بن عمرو على ما إذا اشترط ذلك في الإحرام فيتفق مع الحديثين الثابتين في الصحيح، فإن قيل: يمكن الجمع بين الأحاديث بغير هذا، وهو حمل أحاديث الاشتراط على أنه يحل من غير أن تلزمه حجة أخرى، وحمل حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو وغيره على أنه يحل وعليه حجة أخرى، ويدل لهذا الجمع أن أحاديث الاشتراط ليس فيها ذكر حجة أخرى، وحديث الحجاج بن عمرو قال فيه النبي ﷺ : فقد حل وعليه حجة أخرى. فالجواب أن وجوب البدل بحجة أخرى أو عمرة أخرى لو كان يلزم لأمر النبي ﷺ أصحابه أن يقضوا عمرتهم التي صدهم عنها المشركون، قال البخاري في صحيحه في باب ((من قال: ليس على المحصر بدل)) ما نصه ((وقال مالك وغيره: ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان، ولا قضاء عليه، لأن النبي ﷺ وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت ثم لم يذكر أن النبي ﷺ أمر أحدًا أن يقضوا شيئًا ولا يعودوا له والحديبية خارج من الحرم)) - انتهى. وقد قال مالك: إنه بلغه أن رسول الله ﷺ حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي وحلقوا رؤوسهم وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل إليه الهدي، ثم لم يعلم أن رسول الله ﷺ أمر أحدًا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئًا ولا يعودوا لشيء - انتهى. ولا يعارض ما ذكرنا بما رواه الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن طريق أبي معشر وغيرهما، قالوا: أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر أو مات، وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهدوا الحديبية وكانت عدتهم ألفين، لأن الشافعي قال: والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت، لأنا علمنا من متواطئ أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معرفون، ثم اعتمر عمرة القضية فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال، فهذا الشافعي جزم بأنهم تخلف منهم رجال معروفون من غير ضرورة في نفس ولا مال، وقد تقرر في الأصول أن المثبت مقدم على النافي. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: ويمكن الجمع بين هذا إن صح وبين الذي قبله بأن الأمر كان على طريق الاستحباب، لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر، وقال الشافعي في عمرة القضاء، إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي ﷺ وبين قريش، لا على
стр. 4417
(الفصل الأول)
٢٧٣٢ – (١) عن ابن عباس، قال: قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه،
ــ
أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة، وقد روى الواقدي أيضًا من حديث ابن عمر قال: لم تكن هذه العمرة قضاء ولكن كان شرطًا على قريش أن يعتمر المسلمون من قابل في الشهر الذي صدهم المشركون فيه. وقال البخاري في صحيحه في الباب المذكور: وقال روح عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﵄: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع – انتهى. وقد ورد عن ابن عباس نحو هذا بإسناد آخر أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وفيه: فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه، فإذا علمت هذا وعلمت أن ابن عباس ممن روى عنه عكرمة الحديث الذي روى عن الحجاج بن عمرو وأن راوي الحديث من أعلم الناس به ولا سيما إن كان ابن عباس الذي دعا له النبي ﷺ أن يعلمه التأويل، وهو مصرح بأن معنى قوله ﷺ في حديث الحجاج بن عمرو ((وعليه حجة أخرى)) محله فيما إذا كانت عليه حجة الإسلام، تعلم أن الجمع الأول الذي ذكرنا هو المتعين، واختاره النووي وغيره من علماء الشافعية، وأن الجمع الأخير لا يصح لتعين حمل الحجة المذكورة على حجة الإسلام، وأما على قول من قال إنه لا إحصار إلا بالعدو خاصة وأن المحصر بمرض لا يحل حتى يبرأ ويطوف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عامًا قابلاً فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا كما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر كما تقدم، فهو من حيث أن المريض عندهم غير محصر، فهو كمن أحرم وفاته وقوف عرفة، يطوف ويسعى ويحج من قابل ويهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا – انتهى كلام الشنقيطي، وسيأتي بسط الكلام في مسألة الاشتراط في شرح حديث عائشة آخر أحاديث هذا الفصل وتعيين القول الراجح في مسألة الإحصار بالمرض في شرح حديث الحجاج بن عمرو في الفصل الثاني.
٢٧٣٢ – قوله (قد أحصر رسول الله ﷺ ) أي منع عن عمرته التي أحرم بها في عام الحديبية (فحلق رأسه) أي بنية التحلل (وجامع نسائه) أي بعد تحلله الكامل كما يشير إليه قوله (ونحر هديه) إذ الواو لمطلق الجمع، وفي الصحيحين أنه ﷺ تحلل هو وأصحابه بالحديبية لما صده المشركون وكان محرمًا بالعمرة فنحر ثم حلق ثم قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. وفي حديث المسور بن مخرمة عند البخاري في الشروط ((فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. واختلف العلماء هل نحر هديه يوم الحديبية في الحل أو في
стр. 4418
حتى اعتمر عامًا قابلاً.
ــ
الحرم؟ وظاهر قوله تعالى: ﴿والهدي معكوفًا أن يبلغ محله﴾ (سورة الفتح: الآية ٢٥) أنهم نحروه في الحل، وفي محل نحر الهدي للمحصر أقوال، الأول للجمهور أنه يذبح هديه حيث يحيث يحل في حل أو حرم الثاني للحنفية أنه لا ينحره إلا في الحرم الثالث لابن عباس وجماعة: أنه إن كان يستطيع البعث إلى الحرم وجب عليه ولا يحل حتى ينحر في محله وإن كان لا يستطيع البعث به إلى الحرم نحره في محل إحصاره، وقيل: إنه نحره في طرف الحديبية وهو من الحرم، والأول أظهر كذا في السبل (حتى اعتمر) غاية للمجموع أي تحلل حتى اعتمر. قال القسطلاني: ولأبي ذر عن المستملى ((ثم اعتمر)) (عامًا قابلاً) أي آتيا يعني السنة السابعة من الهجرة التي اعتمر فيها حسب المقاضاة التي وقعت بينه ﷺ وبين قريش، وقيل قضاء لعمرة حل عنها، وفيه نظر، وهذا الحديث فيه حذف يدل عليه ما رواه ابن السكن في كتاب الصحابة كما نبه عليه الحافظ وقال: إنه لم ينبه عليه من شراح هذا الكتاب غيره ولا بينه الإسماعيلي ولا أبو نعيم، ولفظه عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة أنها سألت الحجاج بن عمرو الأنصاري عمن حبس وهو محرم فقال: قال رسول الله ﷺ : من عرج أو كسر أو حبس فليجزي مثلها وهو في حل. قال: فحدثت به أبا هريرة فقال: صدق. وحدثته ابن عباس فقال: قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق ونحر هديه وجامع نسائه حتى اعتمر عامًا قابلاً، والسبب في حذف البخاري ما ذكر أن الزائد ليس على شرطه لأنه قد اختلف في حديث الحجاج بن عمرو على يحيى بن أبي كثير عن عكرمة كما بينه الحافظ مع كون عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري فاقتصر على ما هو من شرط كتابه، واستدل بالحديث على وجوب القضاء على المحصر، قال المحب الطبري: هكذا يستدل به من قال بوجوب القضاء، ولا دلالة فيه على وجوب القضاء لأنه تضمن حكاية ما وقع، وقد تخلف بعض من كان معه في عمرة الحديبية عن عمرة القضية بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال، ولو وجب عليهم القضاء لأمرهم رسول الله ﷺ أن لا يتخلفوا عنه، وإنما سميت عمرة القصاص وعمرة القضية لأن الله تعالى اقتص لنبيه ﷺ فدخل عليهم كما منعوه لا على أن ذلك وجب عليه. قال البيهقي: وروى الواقدي بسنده عن ابن عمر قال: لم تكن العمرة قضاء ولكن كان شرطًا على المسلمين أن يعتمروا من قابل في الشهر الذي صدهم المشركون فيه - انتهى. وقال الأمير اليماني: قوله ((حتى اعتمر عامًا قابلاً)) قيل إنه يدل على إيجاب القضاء على من أحصر، والمراد من أحصر عن النفل، وأما من أحصر عن واجبه من حج أو عمرة فلا كلام أنه يجب عليه الإتيان بالواجب إن منع من أدائه، والحق أنه لا دلالة في كلام ابن عباس على إيجاب القضاء، فإن ظاهر ما فيه أنه أخبر أنه ﷺ اعتمر عامًا قابلاً، ولا كلام أنه ﷺ اعتمر في عام القضاء ولكنها عمرة أخرى ليست قضاء عن عمرة الحديبية، إلى آخر ما ذكر من الدلائل على ذلك، والحديث فيه دليل على أن المعتمر إذا أحصر يحل، وأن
стр. 4419
رواه البخاري.
٢٧٣٣ – (٢) وعن عبد الله بن عمر، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي ﷺ هداياه، وحلق، وقصر أصحابه.
ــ
التحلل بالإحصار لا يختص بالحاج وقد أورد البخاري هذا الحديث في باب إذا أحصر المعتمر، قال الحافظ، قيل: غرض المصنف بهذه الترجمة الرد على من قال: التحلل بالإحصار خاص بالحاج، بخلاف المعتمر فلا يتحلل بذلك بل يستمر على إحرامه حتى يطوف بالبيت، لأن السنة كلها وقت للعمرة فلا يخشى فواتها بخلاف الحج، وهو محكي عن مالك، واحتج له إسماعيل القاضي بما أخرجه بإسناد صحيح عن أبي قلابة قال: خرجت معتمرًا فوقعت على راحلتي فانكسرت فأرسلت إلى ابن عباس وابن عمر فقالا: ليس لها وقت كالحج يكون على إحرامه حتى يصل إلى البيت - انتهى. وقال العيني: روي ذلك القول عن مالك، وهو محكي عن محمد بن سيرين وبعض الظاهرية، وقضية الحديبية حجة تقضي عليهم - انتهى. قلت: هكذا ذكر خلاف مالك للجمهور في مسألة الإحصار في العمرة عامة نقلة المذاهب كابن قدامة وغيره، لكن الظاهر أن هذه الحكاية ليست بصحيحة، فإن عامة فروع المالكية كالشرح الكبير والدسوقي والمدونة وغيرها مصرحة بصحة الحصر عن العمرة وجواز التحلل عنها عند الحصر فلا خلاف في هذه المسألة بين الأئمة الأربعة (رواه البخاري) من طريق يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه أيضًا الإسماعيلي وأبو نعيم وابن السكن.
٢٧٣٣ - قوله (خرجنا مع رسول الله ﷺ ) أي معتمرين كما في رواية، وكان خروجهم يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة ست من الهجرة (فحال كفار قريش دون البيت) أي منعونا من دخول مكة والوصول إلى البيت (فنحر النبي ﷺ هداياه) أي بالحديبية، وفي رواية ((بدنه)) بضم الموحدة وسكون الدال جمع بدنة (وحلق) أي رأسه كما في رواية، يعني ثم حلق فتحلل كما بينته الروايات الصحيحة الصريحة (وقصر أصحابه) أي بعضهم وحلق آخرون، وذلك أنهم توقفوا في الإحلال لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت فأشارت أم سلمة إلى أن يحل هو ﷺ قبلهم ففعل فتبعوه فحلق بعضهم وقصر بعض وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، واعلم أنهم اختلفوا في المحصر هل يجب عليه الحلق أو التقصير إذا نحر هديه أم لا؟ فذهب الشافعية إلى الوجوب بناء على المشهور عندهم أنه نسك، وقال به أبو يوسف في إحدى الروايتين، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه أنه لا يجب، وبه قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وإليه ذهب المالكية كما في الدردير والدسوقي، قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣١٦) : هل يلزمه الحلق أو التقصير مع ذبح الهدي أو الصيام؟ ظاهر كلام الخرقي أنه لا يلزمه، لأنه
стр. 4420
رواه البخاري.
٢٧٣٤ – (٣) وعن المسور بن مخرمة،
ــ
لم يذكره، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، لأن الله تعالى ذكر الهدي وحده ولم يشترط سواه، والثانية عليه الحلق أو التقصير، لأن النبي ﷺ حلق يوم الحديبية وفعله في النسك دال على الوجوب، ولعل هذا ينبني على أن الحلاق نسك أو إطلاق من محظور، ولا يتحلل إلا بالنية مع ما ذكرنا، فيحصل الحل بشيئين النحر أو الصوم والنية إن قلنا: الحلاق ليس بالنسك، وإن قلنا: هو نسك حصل بثلاثة أشياء: الحلاق مع ما ذكرنا - انتهى، وقال النووي في مناسكه: اعلم أن التحلل يحصل بثلاثة أشياء ذبح ونية التحلل بذبحها والحلق إذا قلنا بالأصح أنه نسك - انتهى. وفي غنية الناسك وبذبحه يحل بلا حلق وتقصير إلا أنه لو حلق أو قصر فحسن كما فعله النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية ليعرف استحكام عزيمته على الانصراف ويأمن المشركون منهم فلا يشتغلون بمكيدة أخرى هذا عندهما، وعليه المتون وهو ظاهر الرواية عن أبي يوسف - انتهى، وقال في البحر العميق بعد ما حكى خلاف أبي يوسف: وقال الجصاص: إنما لا يجب الحلق عندهما إذا أحصر في الحل لأن الحلق يختص بالحرم وأما إذا أحصر في الحرم يجب الحلق عندهما وعليه حمل حلقه ﷺ بالحديبية، وأجيب أيضًا بأنه محمول على الاستحباب لأنهم كانوا يمتنعون عن التحلل طمعًا في دخول مكة ويرون التحلل بالحلق فقطع بالأمر به أطماعهم تسليمًا لأمر الله تعالى. قلت: ومال الطحاوي إلى وجوب الحلق كما ذكره القاري في المرقاة وفي شرح اللباب وقال القاري أيضًا: وإذا لم يجب عليه الحلق وأراد أن يتحلل فإنه يفعل أدنى ما يخطره الإحرام كذا في البحر الزاخر، والأظهر وجوب الحلق لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ ولفعله ﵊ وأصحابه الكرام - انتهى (رواه البخاري) في الحج وفي غزوة الحديبية وعمرة القضاء من كتاب المغازي مختصرًا ومطولاً، واللفظ المذكور له في غزوة الحديبية وهو طرف من حديث طويل، وأخرجه أيضًا أحمد مرارًا والبيهقي ولم يخرجه مسلم ولا أصحاب السنن.
٢٧٣٤ - قوله (وعن المسور) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو فراء (بن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء، ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري أبو عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، مات النبي ﷺ وهو ابن ثمان سنين وسمع منه وحفظ عنه، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين وقدم به أبوه المدينة في ذي الحجة بعد الفتح سنة ثمان وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر، وكان فقيهًا من أهل الفضل والدين، لم يزل مع خاله عبد الرحمن بن عوف مقبلاً ومدبرًا في أمر الشورى، وبقى بالمدينة إلى أن قتل عثمان، ثم انتقل إلى مكة ولم يزل بها إلى أن حاصرها عسكر يزيد فقتله حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلي في الحجر وذلك مستهل ربيع الأول سنة
стр. 4421
قال: إن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك. رواه البخاري.
٢٧٣٥ – (٤) وعن ابن عمر، أنه قال: أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ
ــ
أربع وستين وصلى عليه ابن الزبير بالحجون، توفي وهو ابن اثنتين وستين سنة وقيل إن وفاته كانت يوم جاء نعي يزيد إلى ابن الزبير وحصين بن نمير محاصر لابن الزبير (إن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك) أي بالنحر قبل الحلق، وفيه دلالة على تقديم النحر قبل الحلق، وقد تقدم أن المشروع تقديم الحلق قبل الذبح فقيل حديث المسور هذا إنما هو إخبار عن فعله ﷺ في عمرة الحديبية حيث أحصر فتحلل ﷺ بالذبح، وقد بوب عليه البخاري ((باب النحر قبل الحلق في الحصر)) وأشار البخاري إلى أن هذا الترتيب يختص بالمحصر على جهة الوجوب فإنه أخرجه بمعناه، هذا وقد أخرجه بطوله في كتاب الشروط، وفيه أنه قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال الشوكاني: فيه دليل على أن المحصر يقدم النحر على الحلق ولا يعارض هذا ما وقع في حديث ابن عباس المتقدم أنه حلق رأسه وجامع نسائه ونحر هديه، لأن العطف بالواو إنما هو لمطلق الجمع ولا يدل على الترتيب، فإن قدم الحلق على النحر فروى ابن أبي شيبة عن علقمة أن عليه دمًا، وعن ابن عباس مثله، والظاهر عدم وجوب الدم لعدم الدليل - انتهى. قال الحافظ: وهذا الحديث طرف من حديث طويل أخرجه البخاري في الشروط ولفظه في أواخر الحديث ((فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا - الحديث. وفيه قول أم سلمة للنبي ﷺ : اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، فخرج فنحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، وعرف بهذا أن البخاري أورد القدر المذكور هنا بالمعنى وأشار بقوله في الترجمة ((في الحصر)) إلى أن هذا الترتيب يختص بحال من أحصر. قال ابن التيمي: ذهب مالك إلى أنه لا هدي على المحصر، والحجة عليه هذا الحديث لأنه نقل فيه حكم وسبب فالسبب الحصر والحكم النحر، فاقتضى الظاهر تعلق الحكم بذلك السبب، والله أعلم، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح حديث ابن عمر الذي يليه (رواه البخاري) في الحج مختصرًا باللفظ المذكور، وفي الشروط مطولاً كما تقدم، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص ٣٢٧) والبيهقي (ج ٥: ص ٢٢٠) مطولاً.
٢٧٣٥ - قوله (وعن ابن عمر أنه قال: أليس حسبكم سنة رسول الله) كذا عند البخاري ولأحمد والترمذي والنسائي: أنه كان ينكر الاشتراط في الحج ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم؟ قال العيني: قوله ((أليس حسبكم سنة رسول الله)) يريد به عدم الاشتراط كما هو مبين عند النسائي أنه كان ينكر الاشتراط في الحج ويقول: ((أما حسبكم سنة نبيكم؟ إنه لم يشترط)) وهكذا رواه الدارقطني، ومعنى قوله ((أليس حسبكم سنة رسول الله)) أي أليس يكفيكم سنة رسول الله ﷺ ؟ لأن معنى الحسب الكفاية، ومنه حسبنا الله أي كافينا، وحسبكم مرفوع لأنه اسم
стр. 4422
إن حبس أحدكم عن الحج، طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل من كل شيء حتى يحج عامًا قابلاً، فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا.
ــ
ليس، و ((سنة رسول الله)) منصوب على أنه خبر ليس، والجملة الشرطية وهي قوله ((إن حبس، إلخ)) تفسير للسنة فمحلها النصب أو الرفع خبر مبتدأ محذوف أي هي. وقال عياض: ضبطنا سنة بالنصب على الاختصاص أو على إضمار فعل أي تمسكوا ونحوه، وقال السهيلي: من نصب سنة فهو بإضمار الأمر كأنه قال: الزموا سنة نبيكم، ويمكن أن يقال أن يكون خبر ليس ((طاف بالبيت)) على قول عياض والسهيلي. قال العيني: خبر ليس على وجه نصب سنة على قول عياض والسهيلي قوله ((طاف بالبيت)) وهو أيضًا سد مسد جواب الشرط. قال الطبري: قوله ((حسبكم سنة نبيكم)) فيه إشعار بالتسوية بين حصر العدو والمرض، فإن معنى قوله حسبكم سنة نبيكم أي في جواز التحلل بهذا العذر دون اشتراط وأشار ابن عمر بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتي به ابن عباس من جواز الاشتراط، قال البيهقي: لو بلغ ابن عمر حديث ضباعه في الاشتراط لقال به، وسيأتي الكلام في مسألة الاشتراط مفصلاً إن شاء الله (إن حبس) بصيغة المجهول أي منع (أحدكم عن الحج) أي عن ركنه الأعظم وهو الوقوف بعرفة (طاف بالبيت) أي إذا أمكنه ذلك، فقد وقع في رواية عبد الرزاق ((إن حبس أحدًا منكم حابس عن البيت فإذا وصل إليه طاف به)) الحديث (وبالصفا والمروة) أي طاف بهما، أي سعى بينهما (ثم حل) أي بالحلق والذبح (من كل شيء) حرم عليه بالإحرام (حتى يحج عامًا قابلاً) عامًا ظرف وقابلاً صفة (فيهدي) أي يذبح شاة، إذ التحلل لا يحصل إلا بنية التحلل والذبح والحلق، قاله الكرماني (أو يصوم إن لم يجد هديًا) حيث شاء، واستدل بقوله ((حتى يحج عامًا قابلاً)) على وجوب الحج من القابل على من أحصر، وقد اختلف العلماء في أنه هل يجب على المحصر القضاء أم لا فأوجب الحنفية القضاء ولم يوجب الشافعية والمالكية، وعن أحمد روايتان، قالوا: فإن كان حج فرض بقى وجوبه على حاله؛ قال ابن قدامة في الشرح الكبير: في وجوب القضاء على المحصور روايتان، إحداهما لا قضاء عليه إلا أن يكون واجبًا، فيفعله بالوجوب السابق، هذا هو الصحيح من المذهب وبه قال مالك والشافعي، والثانية عليه القضاء روي ذلك عن عكرمة ومجاهد والشعبي، وبه قال أبو حنيفة، لأنه ﷺ لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل وسميت عمرة القضية، ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه القضاء كما لو فاته، ووجه الرواية الأولى أنه تطوع جاز التحلل منه، وأما الخبر فإن الذين صدوا كانوا ألفًا وأربعمائة، والذين اعتمروا مع النبي ﷺ كانوا يسيرًا، ولم ينقل إلينا أن النبي ﷺ أمر أحدًا بالقضاء وأما تسميتها عمرة القضية فإنما يعني بها القضية التي اصطلحوا عليها، ولو أرادوا غير ذلك لقالوا: عمرة القضاء - انتهى. ويشير بذلك إلى أن تسميتها بعمرة القضاء إنما كان من بعض الصحابة ومن أصحاب المغازي والسير لا من عامة الصحابة، وأما ما ذكره
стр. 4423
.............................................................................................
ــ
بعض أصحاب المغازي أنه ﷺ أمر أصحابه حين رأوا هلال ذي القعدة أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صد عنها المشركون بالحديبية وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية فلم يتخلف أحد منهم إلا من استشهد منهم بخيبر ومن مات وادعى تواتر الأخبار بذلك، فهو مجرد دعوى فلا يلتفت إليها. قلت: واستدل لوجوب القضاء أيضًا لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فإنه يقتضي وجوب الإتمام من غير فرق بين حج الفرض والنفل ولا يخفى ما فيه، وبحديث حجاج بن عمرو الأنصاري الآتي بدون التفريق بينهما، وبحديث عائشة إذ أمرها ﷺ برفض العمرة ثم اعمرها من التنعيم وقال: هذه مكان عمرتك. وقد تقدم الجواب عن حديث الحجاج بن عمرو في كلام الشنقيطي المذكور في أول الباب، وسيأتي أيضًا عند شرحه، وأما حديث عائشة فقد سبق الكلام فيه مفصلاً في باب قصة حجة الوداع فراجعه، واستدل أيضًا بقوله ((فيهدي)) على وجوب الهدي على المحصر في الحج. قال الشوكاني: ولكن الإحصار الذي وقع في عهد النبي ﷺ إنما وقع في العمرة فقاس العلماء الحج على ذلك، وهو من الإلحاق بنفي الفارق، وإلى وجوب الهدي ذهب الجمهور، وهو ظاهر الأحاديث الثابتة عنه ﷺ أنه فعل ذلك في الحديبية، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ وذكر الشافعي أنه لا خلاف في ذلك في تفسير الآية، وخالف في ذلك مالك فقال: أنه لا يجب الهدي على المحصر، وعول على قياس الإحصار على الخروج من الصوم للعذر والتمسك بمثل هذا القياس في مقابل ما يخالفه من القرآن والسنة من الغرائب التي يتعجب من وقوع مثلها من أكابر العلماء - انتهى كلام الشوكاني. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٥٦) وعلى من تحلل بالإحصار (في الحج أو العمرة) الهدي في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن مالك: ليس عليه هدي لأنه تحلل أبيح له من غير تفريط أشبه من أتم حجه، وليس بصحيح لأن الله تعالى قال: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ قال الشافعي: لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية ولأنه أبيح له التحلل قبل إتمام نسكه فكان عليه الهدي كالذي فاته الحج، وبهذا فارق من أتم حجه. قال: وإذا قدر المحصر على الهدي فليس له الحل قبل ذبحه، فإن كان معه هدي قد ساقه أجزأه، وإن لم يكن معه لزمه شراءه إن أمكنه - انتهى. وقال النووي في مناسكه: يلزم المتحلل بالإحصار ذبح شاة يفرقها حيث أحصر - انتهى. وفي شرح المنهاج: من أراد التحلل بالإحصار ذبح وجوبًا شاة أو سبع بدنة أو بقرة حيث أحصر ولو في الحل - انتهى. وقال في الهداية: إذا أحصر المحرم فمنعه من المضى جاز له التحلل، ويقال له: ابعث شاة تذبح في الحرم وواعد من تبعثه بيوم بعينه يذبح فيه ثم تحلل. وفي شرح اللباب: إذا أحصر المحرم بحجة أو عمرة وأراد التحلل أي الخروج من إحرامه يجب عليه أن يبعث الهدي - إلى آخر ما بسطه. وقال الباجي: أما تحلله للحصر فلا يوجب هديًا عند مالك. وبه قال ابن القاسم. وقال أشهب عليه الهدي، وبه
стр. 4424
رواه البخاري.
٢٧٣٦ – (٥) وعن عائشة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير،
ــ
قال أبو حنيفة والشافعي. ودليلنا أنه تحلل مأذون عار عن التفريط وإدخال النقص فلم يجب عليه الهدي، ودليل ثان يختص بالشافعي أن هذه عبادة لها تحرم وتحلل، فإذا سقط قضاؤها بالفوات يجب أن يسقط جبرانها. واحتج أشهب ومن تابعه بقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾ الآية، وقال: هذا ممن احصر بعدو وقد خالف سائر أصحابنا أشهب في هذا وقالوا: الإحصار إنما هو إحصار المرض، وأما العدو فإنما يقال فيه حصر حصرًا فهو محصور - على آخر ما بسط الكلام في ذلك. وقال الدسوقي في شرح قول الدردير ((إن منعه عدو أو فتنة بحج أو عمرة فله التحلل ولا دم عليه)) : أي خلافًا لأشهب حيث قال بوجوبه واستدل بالآية، وأجيب بأن الهدي في الآية لم يكن لأجل الحصر، وإنما ساقه بعضهم تطوعًا فأمروا بذبحه فلا دليل فيها للوجوب - انتهى. وقد ظهر بهذا كله أنه يلزم الهدي في الإحصار عند الحنابلة والشافعية والحنفية خلافًا لمالك وأصحابه غير أشهب، لكن لا يخفى أن وجوب الهدي عند الحنابلة مقيد بعدم اشتراط التحلل عند الإحرام، فأما إذا اشترط التحلل فلا يلزمه الهدي سواء كان الإحصار بالعدو أو المرض كما يدل عليه كلام ابن قدامة في المغنى (ج ٣: ص ٢٨٢، ٣٦٤) ويجب الهدي عند الشافعية في الإحصار بالعدو مطلقًا، أي سواء اشترط أو لم يشترط، وأما في الإحصار بالمرض فلا يجب إلا إذا اشترط التحلل بالهدي، وأما إذا لم يشترط ذلك بأن سكت في اشتراطه عن الهدي أو نفاه فلا يلزم كما في شرح الإقناع، والقول الراجح عندنا هو ما ذهب إليه الحنابلة، والله أعلم (رواه البخاري) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ٣٣) والترمذي والنسائي وعبد الرزاق والدراقطني والبيهقي بعضهم مختصرًا وبعضهم مطولاً.
٢٧٣٦ - قوله (دخل رسول الله ﷺ على ضباعة) بضم الضاد المعجمة بعدها باء موحدة مخففة وبعد الألف عين مهملة (بنت الزبير) ابن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبي ﷺ ، تزوجها المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة، يعرف بالمقداد بن الأسود لتبنيه له، فولدت له عبد الله وكريمة، فقتل عبد الله يوم الجمل مع عائشة، روت ضباعة عن النبي ﷺ وعن زوجها المقداد، وعنها ابنتها كريمة بنت المقداد وابن عباس وعائشة وابن المسيب وعروة ابن الزبير وغيرهم، قال ابن عبد البر: لضباعة عن النبي ﷺ أحاديث منها الاشتراط في الحج، قال الزبير بن بكار: لم يكن للزبير بن عبد المطلب عقب إلا من ضباعة وأختها أم الحكم، ودخوله ﷺ على ضباعة عيادة أو زيارة وصلة فإنها قريبته كما تقدم، وفيه بيان تواضعه وصلته وتفقده ﷺ ، وهو محمول على أن الخلوة هناك كانت منتفية، فإنه ﵊ لم يكن يخلو بالأجنبيات، وإن كان لو فعل ذلك لم يلزمه منه مفسدة لعصمته، لكنهم لم يعدوا
стр. 4425
فقال لها: " لعلك أردت الحج؟ " قالت: والله ما أجدني إلا وجعة. فقال لها: " حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني ".
ــ
ذلك من خصائصه، فهو في ذلك كغيره في التحريم (فقال لها) أي وهي في المدينة (لعلك أردت الحج) أي معنا، وهذا لفظ البخاري، وفي رواية لمسلم ((أردت الحج)) أي بدون لفظ ((لعلك)) وفي أخرى له أيضًا ((قالت: إني أريد الحج)) وقد يقتضي ظاهر هذه الرواية أنها قالت له ذلك ابتداء، ولا منافاة، فقد تكون إنما قالت: إني أريد الحج، في جواب استفهامه لها، وليس اللفظ صريحًا في أنها قالت ذلك ابتداء، وكذا قوله في رواية ابن ماجة من حديث ضباعة أنه ﵊ قال لها: أما تريدين الحج العام؟ ومن رواية أسماء أو سعدى عند ابن ماجة أيضًا ((ما يمنعك من الحج؟)) كل ذلك يقتضي أن كلامها كان جوابًا لسؤاله لكن في حديث ابن عباس عند مسلم وأصحاب السنن الأربعة أن ضباعة أتت رسول الله ﷺ فقالت، وهذا قد ينافي قوله في حديث عائشة: دخل على ضباعة. وقد يجمع بينهما بأنها أتت رسول الله ﷺ ولم يكن إذ ذاك في منزله، ثم جاء فدخل عليها وهي في منزله، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود والترمذي أنها قالت له: إني أريد الحج فأشترط؟ فقال لها: نعم. وهذا يقتضي أن أمره بالاشتراط ما كان إلا بعد استئذانها (قالت: والله ما أجدني) أي ما أجد نفسي، واتحاد الفاعل والمفعول مع كونهما ضميرين لشيء واحد من خصائص أفعال القلوب. وفي الحديث جواز اليمين في درج الكلام بغير قصد (إلا وجعة) بفتح الواو وكسر الجيم، وهو من الصفات المشبهة، أي إني ذات وجع أي مرض، وفي رواية لمسلم ((وأنا شاكية)) بالشين المعجمة أي مريضة، والشكوى والشكو والشكاية المرض، وفي حديث ابن عباس عند مسلم ((إني امرأة ثقيلة)) أي أثقلها المرض (فقال لها: حجي) أي أحرمي بالحج (واشترطي وقولي) عطف تفسيري (اللهم محلي) بفتح الميم وكسر الحاء أي محل خروجي من الحج وموضع تحللي من الإحرام أو وقت تحللي من الإحرام، والمحل يقع على المكان والزمان (حيث حبستني) أي منعتني من السير بسبب ثقل المرض. قال العيني: أي إنك حيث عجزت عن الإتيان بالمناسك وانحبست عنها بسبب قوة المرض تحللت، وقولي: اللهم مكان تحللي عن الإحرام مكان حبستني فيه عن النسك لعلة المرض. وقال القاري: قال بعض علمائنا قوله ((قولي: اللهم محلي)) إلخ، تفسير الاشتراط يعني اشترطي أن أخرج من الإحرام حيث مرضت وعجزت عن إتمام الحج، فمن لم ير الإحصار بالمرض يستدل بهذا الحديث بأن يقول لو كان المرض ينتج التحلل لم يأمرها بالاشتراط لعدم الإفادة، وإليه ذهب الشافعي ومن وافقه، ومن يرى الإحصار بالمرض، وهو مذهب أبي حنيفة يستدل بحديث الحجاج بن عمرو الأنصاري الآتي - انتهى. قلت: حديث عائشة يدل على جواز الاشتراط في الحج خوفًا من حدوث طارئ يطرأ عليه أثناء الحج من مرض أو نحوه، وأن من اشترط الاشتراط المذكور في إحرامه
стр. 4426
..............................................................................................
ــ
ثم عرض له ما يحبسه من المرض ونحوه عن الحج جاز له أن يتحلل، وأن من لم يشترط في إحرامه فليس له التحلل قال الولي العراقي: في الحديث أنه ﷺ أمر ضباعة أن تشترط في إحرامها التحلل عند المرض، وقد اختلف العلماء في هذا الأمر هل هو على سبيل الإباحة أو الاستحباب أو الإيجاب، وهذه الأقوال متفقة على الاشتراط في الجملة، ومنهم من أنكره لعدم صحة الحديث عنده أو لتأويله كما سيأتي، وحاصل هذا الخلاف أقوال أحدها جوازه، وهو المشهور من مذهب الشافعي فإنه نص عليه في القديم، وعلق القول به في الجديد على صحته، وقد صح كما سيأتي، ولذلك قطع الشيخ أبو حامد بصحته، وأجرى غيره فيه قولين في الجديد، أظهرهما الصحة، وروى ابن أبي شيبة فعله عن علي وعلقمة والأسود وشريح وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، والأمر به عن عائشة وعبد الله بن مسعود، وعن عثمان أنه رأى رجلاً واقفًا بعرفة فقال له: أشارطت؟ فقال: نعم. وعن الحسن وعطاء في المحرم قالا: له شرطه. وروى البيهقي الأمر به عن أم سلمة وقال ابن المنذر: ممن روينا عنه أنه رأى الاشتراط عند الإحرام عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر، وهو مذهب عبيدة السلماني والأسود بن يزيد وشريح وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعكرمة وعطاء بن يسار وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وبه قال الشافعي إذ هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر، وبالأول أقول (وهو المصحح عند الشافعية) وحكاه ابن حزم عن جمهور الصحابة، وحكاه والدي يعني الزين العراقي في شرح الترمذي عن جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والثاني استحبابه وهو مذهب أحمد فإن ابن قدامة جزم به في المغني (ج ٣: ص ٢٨٢) وهو المفهوم من قول الخرقي والمجد بن تيمية في مختصريهما عند ذكر الإحرام ((ويشترط)) أي المحرم إن لم يفهم منه الوجوب، الثالث إيجابه، ذهب إليه ابن حزم الظاهري تمسكًا بالأمر، الرابع إنكاره، وهذا مذهب الحنفية والمالكية (ومعنى إنكار الاشتراط وعدم صحته وبطلانه أنه لا ينفعه الاشتراط ولا يفيده وإنه لا تأثير له في جواز التحلل ولا حاجة إليه ولا حكم له: فإن الإحصار عند الحنيفة يتحقق بالمرض أيضًا ولو لم يشترط فيصير المريض عندهم محصرًا له حكم المحصر) وروى ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة قال: كان أبي لا يرى الاشتراط في الحج شيئًا، وعن إبراهيم النخعي: كانوا لا يشترطون ولا يرون الشرط شيئًا، وعن طاوس والحكم وحماد: الاشتراط في الحج ليس بشيء، وعن سعيد بن جبير: المستثنى وغير المستثنى سواء، وعن إبراهيم التيمي: كان علقمة لا يرى الاشتراط شيئًا، وروى الترمذي وصححه والنسائي عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط في الحج ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم ﷺ ؟ زاد النسائي في روايته ((أنه لم يشترط)) أي النبي ﷺ وهو في صحيح البخاري بدون أوله. وحكى ابن المنذر إنكاره عن الزهري أيضًا، وحكاه ابن عبد البر عن سفيان الثوري، وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد سقوط الدم، فأما التحلل فهو ثابت عنده بكل إحصار،
стр. 4427
............................................................................................
ــ
ثم قال الولي العراقي: فمن قال بالجواز تمسك بهذا الحديث ورأى أن الأمر به ترخيص وتوسعة وتخفيف ورفق وأنه يتعلق بمصلحة دنيوية، وهي ما يحصل لها من المشقة بمصابرة الإحرام مع المرض، ومن قال بالاستحباب رأى المصلحة فيه دينية، وهو الاحتياط للعبادة، فإنها بتقدير عدمه قد يعرض لها من مرض يشعث العبادة ويوقع فيها الخلل، وهذا بعيد، ومن قال بالوجوب حمل الأمر على حقيقته، وهو أبعد من الذي قبله، ولو كان واجبًا لما أخل النبي ﷺ بفعله ولا الصحابة، ولو فعلوا ذلك في حجة النبي ﷺ لنقل، وقد صرح ابن عمر بأنه لم يشترط كما تقدم ذكره، ولما لم يأمر به إلا هذا المرأة الواحدة بعد شكايتها له علمنا أن ذلك ترخيص حرك ذكره هذا السبب وهو شكواها، ومن قال بالإنكار منهم من ضعف الحديث كما سيأتي ذكره ورده، ومنهم من أوله وفي تأويله أوجه: أحدها أنه خاص بضباعة، حكاه الخطابي عن بعضهم. قال: وقال يشبه أن يكون بها مرض أو حال كان غالب ظنها أنها تعوقها عن إتمام الحج فأذن لها النبي ﷺ في الاشتراط كما أذن لأصحابه في رفض الحج، وليس ذلك لغيرهم، وقال النووي في شرح مسلم بعد ذكره هذا المذهب: وحملوا الحديث على أنها قضية عين وأنه مخصوص بضباعة، وحكاه في شرح المهذب عن الرؤياني من أصحابنا الشافعية، ثم قال: وهذا تأويل باطل ومخالف لنص الشافعي، فإنه إنما قال: لو صح الحديث لم أعده ولم يتأوله ولم يخصه. الثاني أن معناه: حيث حبستني بالموت أي إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي، حكاه النووي في شرح المهذب عن إمام الحرمين، ثم قال: وهذا تأويل ظاهر الفساد، وعجبت من جلالة الإمام كيف قاله، الثالث أن المراد التحلل بعمرة لا مطلقًا حكاه المحب الطبري عن بعضهم، ويرده حديث ضباعة عند ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي في سننه من رواية يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عنها قالت، قلت: يا رسول الله إني أريد الحج فكيف أهل بالحج، قال، قولي: اللهم إني أهل بالحج إن أذنت له به وأعنتني عليه ويسرته لي، وإن حبستني فعمرة، وإن حبستني عنهما جميعًا فمحلي حيث حبستني، فإن فيه التصريح بالتحلل المطلق عن الحج والعمرة معًا. وحكى ابن حزم عن بعضهم: أن هذا الحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ولقوله تعالى ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ وعن بعضهم أن هذا الخبر رواه عروة وعطاء وسعيد بن جبير وطاوس، وروى عنهم خلافه يعني فهذا مما يوهن الاشتراط، ثم قال ابن حزم: سمعناكم تعتلون بهذا في الصاحب فعديتموه إلى التابع وإن درجتموه بلغ إلينا وإلى من بعدنا فصار كل من بلغه حديث فتركه حجة في رده، ولئن خالف هؤلاء ما رووا فقد رواه غيرهم ولم يخالفه، وأطنب ابن حزم في رد هذه المقالات، وهي حقيقة بذلك، والظن بمن يعتمد عليه ممن خالف هذا الحديث أنه لم يبلغه. قال البيهقي: عندي أن ابن عمر لو بلغه حديث ضباعة في الاشتراط لم ينكره كما لم ينكره أبوه - انتهى. واستدل بالحديث على أن المشترط لذلك يحل بمجرد المرض والعجز ولا يحتاج
стр. 4428
..............................................................................................
ــ
إلا إحلال، وقد قال الشافعية إن اشتراط التحلل بذلك فلا يحل إلا بالتحلل، وإن قال: إذا مرضت فأنا حلال فهل يحتاج في هذه الصورة إلى تحلل أو يصير حلالاً بنفس المرض، فيه للشافعية وجهان، الذي نص عليه الشافعي أنه يصير حلالاً بنفس المرض، ودلالة الحديث محتملة، فإن قوله ((فإن محلي)) يحتمل أن يكون موضع حلي، ويحتمل أن يكون معناه، موضع إحلالي، قال الولي العراقي: والحديث ورد في الحج، والعمرة في معناه، فلو أحرم بعمر فشرط التحلل منها عند المرض كان كذلك. ولا خلاف في هذا بين المجوزين للاشتراط فيما أعلم، ولعل العمرة داخلة في قوله في رواية النسائي من حديث ابن عباس ((فإن لك على ربك ما استثنيت)) قال: والمراد بالتحلل أن يصير نفسه حلالاً فلو شرط أن يقلب حجه عمرة عند المرض فذكر أصحابنا أنه أولى بالصحة من شرط التحلل ونص عليه الشافعي، وإذا جاز إبطال العبادة للعجز فنقلها إلى عبادة أخرى أولى بالجواز – انتهى. واعلم أن سبب الحديث إنما هو في التحلل بالمرض لكن قوله ((حبستني)) يصدق بالحبس بالمرض وبغيره من الأعذار كذهاب النفقة وفراغها وضلال الطريق والخطأ في العدد وقد صرح الشافعية والحنابلة بأن هذه الأعذار كالمرض في جواز شرط التحلل بها، وظاهر الحديث أنه لا يجب عليه عند التحلل بالشرط دم، إذ لو وجب لذكره، فإنه وقت الاحتياج إليه، وبهذا صرح الحنابلة والظاهرية، وهو الأصح عند الشافعية، ومحل الخلاف عندهم في حالة الإطلاق، فلو شرط التحلل بالهدي لزمه قطعًا، وإن شرطه بلا هدي لم يلزمه قطعًا، قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٢٨٢) : يستحب لمن أحرم بنسك أن يشترط عند إحرامه فيقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ويفيد هذا الشرط شيئين أحدهما أنه إذا عاقه من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة ونحوه أن له التحلل، والثاني أنه متى حل بذلك فلا دم عليه ولا صوم – انتهى. وفي شرح الإقناع: لا يسقط عنه الدم إذا شرط عند الإحرام أنه يتحلل إذا أحصر، بخلاف ما إذا شرط في المرض أنه يتحلل بلا هدي فإنه لا يلزمه، لأن حصر العدو لا يفتقر إلى شرط، أي التحلل بالإحصار جائز بلا شرط، فالشرط فيه لاغ ولو أطلق في التحلل من المرض بأن لم يشترط هديًا لم يلزمه شيء بخلاف ما إذا شرط التحلل بالهدي فإنه يلزمه قال البجيرمي: حاصله أن المرض ونحوه لا يبيح التحلل بدون شرط، أما إذا شرطه جاز التحلل به وأما الدم فإن شرط التحلل به فلا بد منه أيضًا، فإن سكت عنه أو نفاه فلا يجب – انتهى. قال الولي العراقي: واستدل بالحديث الجمهور على أنه لا يجوز التحلل بالإحصار بالمرض من غير شرط، إذ لو جاز التحلل به لم يكن لاشتراطه معنى قال: وظاهر الحديث أنه لا قضاء عند التحلل بالمرض بالشرط وبه صرح أصحابنا وغيرهم، ويعود فيه قول من قال بوجوب القضاء عند الإطلاق على ما تقدم بيانه، والمفهوم من لفظ الشرط أنه لا بد من مقارنته للإحرام فإنه متى سبقه أو تأخر عنه لم يكن شرطًا، وقد صرح بذلك في قوله في حديث ابن عباس: اشترطي عند إحرامك، وهو بهذا اللفظ في مصنف ابن أبي شيبة، وقد صرح بها المارودي وغيره
стр. 4429
متفق عليه.
ــ
كما نقله النووي في شرح المهذب، وكذا قال ابن قدامة في المغني: يستحب أن يشترط عند إحرامه – انتهى. وهو واضح، قال: وظاهر الحديث أنه لا بد من التلفظ بهذا الاشتراط كغيره من الشروط وهو ظاهر كلام أصحابنا الشافعة، وذكر فيه ابن قدامة احتمالين: أحدهما هذا، قال: ويدل عليه ظاهر قوله ﷺ في حديث ابن عباس ((قولي: محلي من الأرض حيث تحبسني)) قلت: وكذا في حديث عائشة في الصحيحين ((وقولي: اللهم محلي حيث حبستني)) والثاني أنه تكفي فيه النية. ووجهه بأنه تابع لعقد الإحرام، والإحرام ينعقد بالنية فكذلك تابعه، قال: وقد يفهم منه أنه يتعين في الاشتراط اللفظ المذكور في الحديث، وليس كذلك، بل كل ما يؤدي معناه يقوم مقامه في ذلك. قال ابن قدامة: وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يقوم مقامه، لأن المقصود المعنى والعبارة إنما تعتبر لتأدية المعنى. قال: وفي قوله ((محلي حيث حبستني)) أن المحصر يحل حيث يحبس، وهناك ينحر هديه ولو كان في الحل، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا ينحره إلا في الحرم، فائدة: قد يتشوف لحال ضباعة هل حبسها المرض أم لا؟ وقد جاء في رواية لمسلم في حديث ابن عباس ((فأدركت)) ومعناه أنها أدركت الحج ولم تتحلل حتى فرغت منه (متفق عليه) أخرجه مسلم في الحج والبخاري في كتاب النكاح في باب الأكفاء في الدين لقوله في رواية الصحيحين في آخر الحديث: ((وكانت تحت المقداد بن الأسود)) يشير إلى تزوجها بالمقداد، وليس كفؤًا لها من حيث النسب فإنه كندي وليس كندة أكفاء لقريش فضلاً عن بني هاشم، وإنما هو كفؤٌ لها في الدين فقط. قال الحافظ: قوله ((وكانت تحت المقداد بن الأسود)) هذا القدر هو المقصود من هذا الحديث في هذا الباب فإن المقداد هو ابن عمرو الكندي، نسب الأسود بن عبد يغوث لكونه تبناه فكان من حلفاء قريش، وتزوج ضباعة وهي هاشمية، فلولا أن الكفاءة لا تعتبر بالنسب لما جاز له أن يتزوجها، لأنها فوقه في النسب، والذي يعتبر الكفاءة في النسب أن يجيب بأنها رضيت هي وأولياءها، فسقط حقهم من الكفاءة، وهو جواب صحيح إن ثبت أصل اعتبار الكفاءة في النسب، وقال في موضع آخر: لم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث، وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه: العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض، فإسناده ضعيف، واحتج البيهقي بحديث واثلة مرفوعًا ((إن الله اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل – الحديث. وهو صحيح أخرجه مسلم لكن في الاحتجاج به لذلك نظر، لكن ضم بعضهم إليه حديث ((قدموا قريشًا ولا تقدموها)) ) - انتهى. والحديث أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي والبيهقي وابن حبان والدارقطني وابن الجارود وغيرهم، وفي الباب عن ابن عباس أخرجه أحمد ومسلم والأربعة والبيهقي وابن الجارود والدارمي وغيرهم، وعن أنس عند البيهقي وعن جابر عند الطبراني والبيهقي، وعن ابن مسعود وأم سليم عند البيهقي
стр. 4430
..............................................................................................
ــ
أيضًا، وعن أم سلمة عند أحمد والطبراني في الكبير، وسنده جيد، وعن ابن عمر عند الطبراني في الكبير، وفيه علي بن عاصم وهو ضعيف، وعن ضباعة أخرجه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي، وعن أسماء بنت أبي بكر أو سعدى بنت عوف، أخرجه ابن ماجة على الشك هكذا. قال العقيلي: روى عن ابن عباس قصة ضباعة بأسانيد ثابتة جياد، وقال ابن حزم في المحلى بعد ذكر هذه الأحاديث سوى حديث أسماء أو سعدى: فهذه آثار متظاهرة متواترة لا يسع أحدًا الخروج عنها. وقال الشوكاني: وقد غلط الأصيلي غلطًا فاحشًا فقال: إنه لا يثبت في الاشتراط حديث، وكأنه ذهل عما في الصحيحين – انتهى. وقال الولي العراقي: قال النسائي: لا أعلم أحدًا أسنده عن الزهري غير معمر، وقال في موضع آخر: لم يسنده عن معمر غير عبد الرازق فيما أعلم، وأشار القاضي عياض إلى تضعيف الحديث فإنه قال في الأصيلي: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح. قال النووي في شرح مسلم: وهذا الذي عرض به القاضي وقاله الأصيلي من تضعيف الحديث غلط فاحش جدًا نبهت عليه لئلا يغتر به لأن هذا الحديث مشهور في صحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة، وفيما ذكره مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية. وقال والدي في شرح الترمذي: والنسائي لم يقل بانفراد معمر به مطلقًا بل بانفراده به عن الزهري. ولا يلزم من الانفراد المقيد الانفراد المطلق فقد أسنده معمر وأبو أسامة وسفيان بن عيينة عن هشام عن أبيه عن عائشة، وأسنده القاسم عنها، ولو انفرد به معمر مطلقًا لم يضره، وكم في الصحيحين من الانفراد ولا يضر إرسال الشافعي له، فالحكم لمن وصل، هذا معنى كلامه – انتهى كلام الولي العراقي. تنبيه قال الشيخ محمد أنور الكشميري: وافقنا البخاري في مسألة الاشتراط حيث لم يخرج حديث ضباعة في كتاب الحج مع كونه صريحًا في الاشتراط، وإنما أخرجه في كتاب النكاح، ومن آدابه وعاداته في التراجم والأبواب أنه لا يعقد ترجمة على الحديث إذا لم يذهب إليه، وأن الحديث إذا ورد في مسألة ولم يخرجه في بابه مع كونه صريحًا فيه بل حوله من مظنته، فكأن هذا تنبيه منه على أنه لا يأخذه ولا يذهب إليه، ونظير ذلك أنه روى حديث الركعتين بعد الوتر جالسًا ولم يبوب عليه الترجمة ولم يخرجه في أبواب الوتر بل أخرجه في السنة أي الركعتين قبل الفجر. قال: وما نبه أحد على هذه العادة، هذا معنى كلامه. وفيه ما قال صاحب فتح الملهم أنه قد تنبه لها ابن المرابط وأشار إليها كما حكاه العيني عنه فقال: زعم ابن المرابط أن عدم ذكر البخاري حديث ضباعة في الحج دلالة على أن الاشتراط عنده لا يصح، ثم قال العيني: فيه نظر لا يخفى، ولم يبين وجه النظر، وما ادعاه الشيخ الأنور من عادة البخاري ليس بمطرد، فقد روى البخاري حديث الصلاة على النبي ﷺ في الدعوات ولم يخرجه في أبواب الصلاة أصلاً مع أنه لا شبهة في كونه أليق بها فيما بين باب التشهد وباب الدعاء قبل السلام كما هو الظاهر
стр. 4431
(الفصل الثاني)
٢٧٣٧ – (٦) عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء. رواه........
ــ
٢٧٣٧ – قوله (أمر أصحابه أن يبدلوا) بالتشديد والتخفيف (الهدي الذي نحروا عام الحديبية) أي يذبحوا مكان ما ذبحوه هديًا آخر (في عمرة القضاء) يعني أمرهم بأن ينحروا الهدي في عمرة القضاء بدل ما نحروا عام الحديبية أي في السنة المتقدمة، واستدل بقوله ((عمرة القضاء)) من رأى القضاء على المحصر، قالوا: كانت عمرة العام المقبل قضاء العمرة التي صد عنها في العام الماضي، وهذا الاسم تابع للحكم، ومن لم ير القضاء قال: القضاء هنا من المقاضاة لأنه قاضى أهل مكة عليها لا أنه من قضى يقضي قضاء، ولهذا سميت عمرة القضية. قال الطيبي: يستدل بهذا الحديث من يوجب القضاء على المحصر إذا حل حيث أحصر، ومن يذهب إلى أن دم الإحصار لا يذبح إلا في الحرم فإنه أمرهم بالإبدال لأنه نحروا هداياهم في الحديبية خارج الحرم – انتهى. وقال الخطابي: أما من لا يرى عليه القضاء في غير الفرض فإنه لا يلزمه بدل الهدي، ومن أوجبه فإنما يلزمه البدل لقوله ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾ ومن نحر الهدي في الموضع الذي أحصر فيه وكان خارجًا من الحرم فإن هديه لم يبلغ الكعبة، فيلزمه إبداله وإبلاغه الكعبة، وفي الحديث حجة لهذا القول – انتهى. وقال في اللمعات: هذا أي الأمر بإبدال الهدي يدل على أن هدي الإحصار لا يذبح إلا في الحرم كما هو مذهب أبي حنيفة، وهذا إن قلنا إنهم نحروا في الحديبية في غير الحرم، وإن قلنا إنهم ذبحوها في الحرم فإن الحديبية أكثرها حرم، فالتبديل للاحتياط وإدراك الفضيلة ثانيًا، والأمر للاستحباب، والله أعلم. وقوله ((في عمرة القضاء)) تسميته عمرة القضاء ظاهر في مذهبنا، والشافعية يقولون إن المراد بالقضاء الصلح، والقضاء والمقاضاة يجيء بمعنى الصلح والمصالحة، وقد ذكروا في الصلح أن يأتي رسول الله ﷺ في العام المقبل. وقال البيهقي: لعله إن صح الحديث استحب الإبدال وإن لم يكن واجبًا كما استحب الإتيان بالعمرة وإن لم يكن قضاء ما أحصروا عنه واجبًا بالتحلل والله أعلم، ذكره المنذري في مختصر السنن والمحب الطبري في القرى (رواه....) قال القاري: هنا بياض في الأصل، وفي نسخة ألحق به ((أبو داود)) وزاد في نسخة ((وفيه قصة)) وفي سنده محمد بن إسحاق – انتهى. قلت: الحديث رواه أبو داود في باب الإحصار من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن ميمون عن أبي حاضر الحميري وهو عثمان بن حاضر، قال: خرجت معتمرًا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة وبعث معي رجال من قومي بهدي، فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم، فنحرت الهدي مكاني ثم أحللت ثم رجعت، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي فأتيت ابن عباس فسألته فقال: أبدل الهدي فإن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي، إلخ.
стр. 4432
٢٧٣٨ – (٧) وعن الحجاج بن عمرو الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : " من كسر، أو عرج فقد حل
ــ
وقد سكت عنه أبو داود. قال المنذري: في سنده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام فيه – انتهى. قلت: قد تقدم أنه مدلس ولم يصرح في روايته لهذا الحديث بالتحديث والسماع ففي كون الحديث حسنًا نظر.
٢٧٣٨ – قوله (وعن الحجاج بن عمرو الأنصاري) هو الحجاج بن عمرو بن غزية – بفتح المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتانية – الأنصاري الخزرجي المازني، نسبة إلى جده مازن بن النجار، قال البخاري: له صحبة روى عن النبي ﷺ حديثين، هذا أحدهما، وقد صرح بسماعه فيه من النبي ﷺ ، والآخر: كان النبي ﷺ يتهجد من الليل بعد نومه. روى عنه ابن أخيه حمزة بن سعيد وكثير بن العباس وعبد الله بن رافع وعكرمة، وقيل عن عكرمة عن عبد الله بن رافع، والحجاج بن عمرو هذا هو الذي ضرب مروان بن الحكم يوم الدار حتى أسقطه وحمله أبو حفصة مولاه وهو لا يعقل، وقال أبو نعيم: شهد مع علي صفين (من كسر) بضم الكاف وكسر السين على بناء المجهول (أو عرج) بفتح المهملة على بناء المعلوم من باب نصر وضرب، أي أصابه شيء في رجله وليس بخلقة، فإذا كان خلقة قيل عرج بالكسر كفرح من باب سمع، قال في الصحاح: عرج في الدرجة والسلم يعرج عروجًا إذا ارتقى، وعرج أيضًا إذا أصابه شيء في رجله فخمع ومشى مشية العرجان، وليس بخلقة، فإذا كان ذلك خلقة قلت: عرج بالكسر فهو أعرج بين العرج، وفي القاموس عرج عروجًا ارتقى وأصابه شيء في رجله فخمع وليس بخلقة، فإذا كان خلقة فعرج كفرح أو يثلث في غير الخلقة – انتهى. وزاد أبو داود وابن ماجة في رواية ((أو مرض)) وقال المجد في المنتقى: وفي رواية ذكرها أحمد في رواية المروزي ((من حبس بكسر أو مرض)) يعني من حدث له بعد الإحرام مانع غير إحصار العدو (فقد حل) أي يجوز له أن يترك الإحرام ويرجع إلى وطنه، قاله القاري. وقال السندي: قوله ((من كسر أو عرج)) إلخ. أي من أحرم ثم حدث له بعد الإحرام مانع من المضي على مقتضى الإحرام غير إحصار العدو بأن كان أحد كسر رجله أو صار أعرج من غير صنيع من أحد يجوز له أن يترك الإحرام وإن لم يشترط التحلل، وقيده بعضهم (الشافعية والحنابلة) بالاشتراط، ومن يرى أنه من باب الإحصار (وهم الحنفية) لعله يقول: معنى ((حل)) كاد أن يحل قبل أن يصل إلى نسكه بأن يبعث الهدي مع أحد ويواعده يومًا بعينه يذبحها فيه في الحرم فيتحلل بعد الذبح – انتهى. وقال التوربشتي: إن قيل ما وجه قوله ((فقد حل)) والمتمسك بهذا الحديث يرى أن المحصر ليس له أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، وعنده أن محله مكانه الذي يجب أن ينحر به وهو الحرم فكيف يقول ((فقد حل)) ولم يبلغ الهدي محله، قلنا: قد قيل إن وجه قوله ((فقد حل)) له أن يحل من
стр. 4433
وعليه الحج من قابل ".
ــ
غير أن يصل إلى البيت، ومثله قولك للمرأة إذا انقضت عدتها ((قلت: قد حلت للرجل)) يعني أن يخبطها ويعقد عليها، ويجوز أن يكون بمعنى المقاربة، أي قرب له ذلك وحان فكان كقولك من بلغ ذات عرق فقد حج – انتهى. (وعليه الحج من قابل) وفي رواية ((وعليه حجة أخرى)) وللحديث تتمة من قول عكرمة وهو أحد الرواة عن الحجاج بن عمرو وذلك قوله ((فذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس فقال صدق)) وفي رواية فحدثت بذاك ابن عباس وأبا هريرة فقالا: صدق. قال الخطابي: في الحديث حجة لمن رأى الإحصار بالمرض والعذر يعرض للمحرم من غير حبس العدو وهو مذهب الثوري وأصحاب الرأي، وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا حصر إلا حصر العدو، وقد روي ذلك عن ابن عباس وعلل بعضهم حديث الحجاج بن عمرو بأنه قد ثبت عن ابن عباس خلافه وهو أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو وتأوله بعضهم على أنه إنما يحل بالكسر والعرج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام على معنى حديث ضباعة، قالوا: ولو كان الكسر عذرًا لم يكن لاشتراطها معنى، ولا كانت بها إلى ذلك حاجة، وأما قوله ((وعليه الحج من قابل)) فإنما هذا فيمن كان حجه عن فرض، فأما المتطوع بالحج إذا أحصر فلا شيء عليه غير هدي الإحصار وهذا على مذهب مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي: عليه حجة وعمرة وهو قول النخعي، وعن مجاهد والشعبي وعكرمة عليه حجة من قابل – انتهى. باختصار يسير. وقال ابن القيم في مختصر السنن: إن صح حديث الحجاج بن عمرو فقد حمله بعض أهل العلم على أنه يحل بعد وفاته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض فقد روينا عن ابن عباس ثابتًا عنه أنه قال: لا حصر إلا حصر عدو، وقال غيره: معنى حديث الحجاج بن عمرو أن تحلله بالكسر والعرج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام على معنى حديث ضباعة، قالوا: ولو كان الكسر مبيحًا للحل لم يكن للاشتراط معنى، قالوا: وأيضًا فلا يقول أحد بظاهر الحديث فإنه لا يحل بمجرد الكسر والعرج فلا بد من تأويله فنحمله على ما ذكرناه، قالوا: وأيضًا فإنه لا يستفيد بالحل زوال عذره أي التخلص من الأذى الذي به ولا الانتقال من حاله بخلاف المحصر بالعدو. وقوله ((وعليه الحج من قابل)) هذا إذا لم يكن حج الفرض، فأما إذا كان متطوعًا فلا شيء عليه غير هدي الإحصار. وقال البيهقي: وحديث الحجاج بن عمرو قد اختلف في إسناده، والثابت عن ابن عباس خلافه وأنه لا حصر إلا حصر العدو – انتهى. ونحو ذلك قرر ابن قدامة مذهب الجمهور، من شاء الوقوف عليه رجع إلى المغني (ج ٣: ص ٣٦٣) ، ثم قال ابن القيم: اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم فيمن منع الوصول إلى البيت بمرض أو كسر أو عرج هل حكمه حكم المحصر في جواز التحلل؟ فروي عن ابن عباس وابن عمر ومروان بن الحكم: أنه لا يحلله إلا الطواف بالبيت، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في المشهور من مذهبه، وروي عن ابن مسعود أنه كالمحصر بالعدو وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وإبراهيم النخعي وأبي ثور وأحمد في الرواية الأخرى
стр. 4434
..............................................................................................
ــ
عنه ومن حجة هؤلاء حديث الحجاج وأبي هريرة وابن عباس، قالوا: وهو حديث حسن يحتج بمثله، قالوا: وأيضًا ظاهر القرآن بل صريحه يدل على أن الحصر يكون بالمرض فإن لفظ الإحصار إنما هو للمرض، يقال: أحصره المرض وحصره العدو، فيكون لفظ الآية صريحًا في المريض وحصر العدو ملحق به، فكيف يثبت الحكم في الفرع دون الأصل؟ قال الخليل وغيره: حصرت الرجل حصرًا: منعته وحبسته، وأحصر هو عن بلوغ المناسك بمرض أو نحوه، قالوا: وعلى هذا خرج قول ابن عباس ((لا حصر إلا حصر العدو)) ولم يقل لا إحصار إلا إحصار العدو فليس بين رأيه وروايته تعارض، ولو قدر تعارضهما فالأخذ بروايته دون رأيه لأن روايته حجة ورأيه ليس بحجة. وأما قولكم: إن معناه أنه يحل بعد وفاته بما يحل به من يفوته الحج لغير مرض ففي غاية الضعف، فإنه لا تأثير للكسر ولا للعرج في ذلك، فإن المفوت يحل صحيحًا كان أو مريضًا، وأيضًا فإن هذا يتضمن تعليق الحكم بوصف لم يعتبره النص وإلغاء الوصف الذي اعتبره، وهذا غير جائز، وأما قولكم: إنه يحمل على الحل بالشرط. فالشرط إما أن يكون له تأثير في الحل عندكم أو لا تأثير له، فإن كان مؤثرًا في الحل لم يكن الكسر والعرج هو السبب الذي علق الحكم به، وهو خلاف النص، وإن لم يكن له تأثير في الحل بطل حمل الحديث عليه، قالوا: وأما قولكم: إنه لا يقول أحد بظاهره، فإن ظاهره أنه بمجرد الكسر والعرج يحل، فجوابه أن المعنى: فقد صار ممن يجوز له الحل بعد أن كان ممنوعًا منه، وهذا كقوله ﷺ : " إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم ". وليس المراد به أنه أفطر حكمًا وإن لم يباشر المفطرات، بدليل إذنه لأصحابه في الوصال إلى السحر، ولو أفطروا حكمًا لاستحال منهم الوصال. ولقوله تعالى ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (سورة البقرة: الآية ٢٣٠) فإذا نكحت زوجًا آخر حلت، لا بمجرد نكاح الثاني، بل لا بد من مفارقته وانقضاء العدة وعقد الأول عليها، قالوا: وأما قولكم: إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله التي هو عليها ولا التخلص من أذاه، بخلاف من حصره العدو. فكلام لا معنى تحته، فإنه قد يستفيد بحله أكثر مما يستفيد المحصر بالعدو، فإنه إذا بقى ممنوعًا من اللباس وتغطية الرأس والطيب مع مرضه تضرر بذلك أعظم الضرر في الحر والبرد، ومعلوم أنه قد يستفيد بحله من الترفه ما يكون سبب زوال أذاه، كما يستفيد المحصر بالعدو بحله، فلا فرق بينهما، فلو لم يأت نص بحل المحصر بمرض لكن القياس على المحصر بالعدو يقتضيه، فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه؟ والله أعلم – انتهى كلام ابن القيم. قلت: وأما قول الجمهور: أنه ولو كان التحلل جائزًا بدون شرط لم يكن للاشتراط معنى، ولو كان المرض ونحوه من الأعذار يبيح الحل ما احتاجت إلى شرط فقد أجاب عنه بعض الحنفية بأنه ليس المراد بنفي الاشتراط وعدم الاحتياج في التحلل إليه كون الاشتراط لغوًا وعبثًا وأنه لا فائدة فيه أصلاً، بل فيه فائدة عظيمة وإن لم يتغير به حكم، والفائدة فيه تسكين قلب ضباعة وتسلية نفسها حيث كانت مريضة
стр. 4435
...................................................................................
ــ
تخاف من عدم إتمام ما أحرمت به فلو حدث لها مفاجئة ما يعوقها من الإتمام لكان أشق عليها وأبلغ في التفجيع لها كما شق على الصحابة التحلل في الحديبية وكما شق عليهم فسخ الحج إلى العمرة في حجة الوداع بخلاف ما إذا اشترطت وصرحت بتعليق الإتمام على الشرط واستحضرت من أول الأمر أنها في خيرة من تركه عندما يتفق لها من الموانع، فهذا مما لا شك فيه أنه لا يحصل في قلبها ضيق وحرج في التحلل عند حدوث عارض يمنعه من الإتمام والإكمال، ويكون شروعها في أعمال الحج أهون عليها وأسهل وأيسر، وهذه فائدة لا يمكن إنكارها مع جواز التحلل من غير اشتراط، على أنه روي عن أبي حنيفة كما في المغني أن الاشتراط يفيد سقوط الدم مع كون التحلل ثابتًا عنده بكل إحصار، وأما ما ذكره الجمهور من قول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو. فقد تقدم الجواب عنه في كلام الآلوسي أيضًا فتذكر. وقال التوربشتي: قد نقل عنه في معنى الإحصار برواية الثقات ما يؤيد حديث الحجاج، وروي عن سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، فإن أحصرتم، قال: من حبس أو مرض، قال إبراهيم: حدثت به سعيد بن جبير فقال: هكذا قال ابن عباس. ولو ثبت عنه أيضًا لا حصر إلا حصر العدو، فالسبيل أن يؤول لئلا يخالف حديث حجاج عن النبي ﷺ وليوافق حديث سعيد بن جبير عنه، ورأيت التأويل الجامع أن نقول: لا حصر إلا حصر العدو بمثابة قول من قال: لا هم إلا هم الدين، وذلك أن الحصر بالعدو من أعظم أسباب الحصر لأنه متعلق بالعموم وغيره متعلق بالخصوص والأفراد كما كان من أمر النبي ﷺ حين صد عن البيت وأحصر بالعدو، أحصر هو وسائر من معه، ولو مرض أحد القوم لم يكن كذلك، فهذا معنى قوله: لا حصر إلا حصر العدو – انتهى. قلت: والقول الراجح عندي في معنى الإحصار أنه يكون من كل حابس يحبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك كما ذهب إليه الحنفية وكثير من الصحابة. قال الأمير اليماني في السبل: القول بتعميم الإحصار هو أقوى الأقوال وليس في غيره من الأقوال إلا آثار وفتاوي للصحابة – انتهى. قلت: وإليه مال البخاري في صحيحه إذ ذكر في باب المحصر بعد آية الإحصار: قال عطاء: الإحصار من كل شيء يحبسه. قال الحافظ: وفي اقتصاره على تفسير عطاء إشارة إلى أنه اختار القول بتعميم الإحصار – انتهى. وإليه ذهب ابن حزم حيث قال في المحلى: كل من عرض له ما يمنعه من إتمام حجه أو عمرته من عدوٍّ أو مرض أو خطأ طريق أو خطأ في رؤية الهلال فهو محصر. قلت: ويدل عليه عموم قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾ (الآية) وإن كان سبب نزولها إحصار النبي ﷺ بالعدو، فالعام لا يقصر على سببه. قال الشوكاني في السيل الجرار (ج ٢: ص ٢٣١) هذه الآية وإن كان سببها خاصًا فالاعتبار بعموم اللفظ كما تقرر في الأصول، وبنحو ذلك قال الأمير اليماني في السبل: وقال ابن جرير في تفسيره بعد تفصيل طويل: وأولى التأويلين للصواب في قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾ تأويل من تأوله بمعنى فإن أحصركم خوف أو مرض أو علة عن
стр. 4436
رواه الترمذي، وأبو دواد، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، وزاد أبو داود في رواية أخرى: " أو مرض ". وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وفي المصابيح: ضعيف.
٢٧٣٩ – (٨) وعن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت النبي ﷺ ، يقول: " الحج عرفة،
ــ
الوصول إلى البيت أي صيركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم فتحبسونها عن النفوذ لما أوجبتموه على أنفسكم من عمل الحج والعمرة فلذا قيل ((أحصرتم)) إلى آخر ما قال. قلت: ويدل على التعميم أيضًا حديث الحجاج بن عمرو بل هو مع الآية المذكورة نص على كون الإحصار عامًا للعدو والمرض، وفيهما بيان قاعدة كلية خرجت مخرج التشريع العام فلا تترك بما ورد مما يخالفها من الآثار والوقائع الجزئية التي تحتمل محامل من الخصوصية وغيرها، والله أعلم (رواه الترمذي وأبو داود) إلخ. وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٣: ص ٤٥٠) وابن خزيمة والحاكم (ج ١: ص ٤٨٣) والبيهقي (ج ٥: ص ٢٢٠) والدارقطني (ص ٢٧٩) (وقال الترمذي: هذا حديث حسن) وقد سكت عنه أبو داود ونقل المنذري تحسين الترمذي وقرره، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري وأقره الذهبي (وفي المصابيح: ضعيف) لعل البغوي ضعفه للاختلاف في سنده كما بينه الترمذي والبيهقي والحافظ في الفتح وغيرهم، والحق أن الاختلاف الواقع في سنده لا يضر ولا يستلزم ضعفه كما حققه الحافظ، ولذلك حسنه الترمذي وسكت عليه أبو داود وأقر المنذري تحسين الترمذي والذهبي تصحيح الحاكم.
٢٧٣٩ - قوله (وعن عبد الرحمن بن يعمر) بفتح المثناة التحتية وسكون العين المهملة وفتح الميم ويضم، غير منصرف (الديلي) بكسر الدال وسكون التحتانية، منسوب إلى الديل – بمكسورة وسكون ياء – وقيل الدؤلي بضم الدال وفتح الهمزة مكان الياء، وحينئذ تكتب بصورة الواو وقد تكسر الدال مع فتح همزة وقد تضم مع كسر همزة. قال الحافظ في التقريب: عبد الرحمن بن يعمر الديلي صحابي نزل بالكوفة، ويقال: مات بخراسان. وقال في الإصابة: قال ابن حبان في الصحابة: مكيّ سكن الكوفة، يكنى أبا الأسود، مات بخراسان، روى عن النبي ﷺ حديث ((الحج عرفة)) وفيه قصة، وحديث النهي عن الدباء والمزفت، وصحح حديثه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني وصرح بسماعه من النبي ﷺ في بعض طرقه إليه (الحج عرفة) مبتدأ وخبر على تقدير مضاف من الجانبين أي معظم الحج أو ملاكه الوقوف بعرفة لفوت الحج بفواته. وقال الطيبي: تعريفه للجنس وخبره معرفة فيفيد الحصر نحو: ذلك الكتاب. وقال التوربشتي: أي معظم الحج وملاكه الوقوف بعرفة وذلك مثل قولهم: المال الإبل، وإنما كان ذلك ملاكه وأصله لأنه يفوت بفواته ويفوت الوقوف لا إلى بدل، وقيل: تقديره: إدراك الحج إدراك وقوف عرفة، والمقصود أن إدراك الحج يتوقف على إدراك الوقوف بعرفة، وأن من أدركه فقد أمن حجه من الفوات، وقال
стр. 4437
من أدرك عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج. أيام منى ثلاثة، فمن تعجل
ــ
الشوكاني: أي الحج الصحيح حج من أدرك يوم عرفة. وقال المحب الطبري: معناه أن فوات الحج متعلق بفوات وقته، وغيره من الأركان وقته ممتد – انتهى. وفي الحديث قصة، وهي أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة فسألوه فأمر مناديًا فنادي: الحج عرفة. هذا لفظ الترمذي وفي رواية أبي داود قال (عبد الرحمن بن يعمر) : أتيت النبي ﷺ (ولأحمد والنسائي ((شهدت رسول الله ﷺ )) ) وهو بعرفة فجاء ناس أو نفر من أهل نجد فأمروا رجلاً فنادى رسول الله ﷺ كيف الحج؟ (أي كيف حج من لم يدرك يوم عرفة كما بوب عليه أبو داود) فأمر رجلاً فنادي الحج الحج يوم عرفة (بتكرير لفظ الحج، وزاد في رواية ((ثم أردف رجلاً خلفه فجعل ينادي بذلك)) ) وفي رواية للدارقطني والبيهقي: الحج عرفات الحج عرفات، وفي المنتقي لابن الجارود: الحج عرفات ثلاثًا، وعند أحمد (ج ٤: ص ٣٠٩، ٣١٠) ((الحج يوم عرفة أو عرفات)) وكلاهما اسم للموضع الذي يقف به الحاج، وكل ذلك خارج عن الحرم (من أدرك عرفة) أي الوقوف بها (ليلة جمع) أي ولو ليلة المبيت بالمزدلفة وهي ليلة العيد (قبل طلوع الفجر) أي قبل طلوع فجر يوم النحر، وفيه رد على من زعم أن الوقوف يفوت بغروب الشمس يوم عرفة، ومن زعم أن وقته يمتد إلى ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس قاله القاري. وقوله ((من أدرك عرفة ليلة جمع)) كذا وقع في المشكاة والمصابيح، وهكذا في المنتقي لابن الجارود، وفي رواية الحميدي ((من أدرك عرفة قبل الفجر)) وللنسائي ((من أدرك ليلة عرفة)) وفي أخرى له ((من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح)) ولفظ الترمذي ((من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر)) ولفظ أبي داود ((من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع)) وهكذا وقع عند أحمد (ج ٤: ص ٣٠٩، ٣٣٥) وابن ماجة، والمعني: من جاء عرفة ووقف ليلة المزدلفة قبل طلوع فجر يوم النحر، ولأحمد أيضًا (ج ٤: ص ٣٠٩) والدارمي من أدرك ليلة جمع قبل صلاة الصبح (فقد أدرك الحج) أي لم يفته وأمن من الفساد، وهذا لفظ الترمذي والحميدي والدارمي وابن الجارود وأحمد في رواية ولأبي داود والنسائي وابن ماجة، وأحمد في رواية ((فقد تم حجه)) قال السندي: أي أمن من الفوات، وإلا فلابد من الطواف، وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه على النسائي أي قارب التمام. وقال الخطابي: قوله ((فقد تم حجه)) يريد به معظم الحج وهو الوقوف بعرفة، لأنه هو الذي يخاف عليه الفوات، فأما طواف الزيارة فلا يخشى فواته وهكذا كقوله: الحج عرفة، أي معظم الحج هو الوقوف بعرفة – انتهى (أيام منى) مرفوع على الابتداء وخبره قوله (ثلاثة) أي ثلاثة أيام، وهي الأيام المعدودات وأيام التشريق وأيام رمي الجمار، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر وليس يوم النحر منها لإجماع الناس على أنه لا يجوز النفر يوم ثاني النحر، ولو كان يوم النحر من الثلاث لجاز أن ينفر من شاء في ثانيه (فمن تعجل) أي استعجل بالنفر
стр. 4438
في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه ".
ــ
أي الخروج من منى (في يومين أي من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني منها. قال الألوسي: النفر في أول منها لا يجوز فظرفية اليومين له على التوسع باعتبار أن الاستعداد له في اليوم الأول، والقول بأن التقدير في أحد يومين إلا أنه مجمل فسر باليوم الثاني أو في آخر يومين خروج عن مذاق النظر (فلا إثم عليه) في تعجيله (ومن تأخر) أي عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث (فلا إثم عليه) في تأخيره، وقيل: المعنى: ومن تأخر عن الثالث إلى الرابع ولم ينفر مع العامة فلا إثم عليه، والتخيير ها هنا وقع بين الفاضل والأفضل لأن المتأخر أفضل، فإن قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل فما بال المتأخر الذي أتى بالأفضل ألحق به؟ فالجواب أن المراد من عمل بالرخصة وتعجل فلا إثم عليه في العمل بالرخصة ومن ترك الرخصة وتأخر فلا إثم عليه في ترك الرخصة، كذا في النيل، وقال التوربشتي: إن قيل ما وجه التخيير بين الأمرين وأحدهما أفضل من الآخر؟ وما وجه التسوية بين المتعجل والمتأخر؟ والمتأخر أخذ بالأسد والأفضل؟ قلنا: قد ذكر أهل التفسير أن أهل الجاهلية كانوا فئتين، فإحداهما ترى المتعجل آثمًا والأخرى ترى المتأخر آثمًا، فورد التنزيل بنفي الحرج عنهما، وهذا قول مطابق لسياق الآية لو كان له في أسباب النزول أصل ثابت، والظاهر أن الإعلام الذي جاءهم من قبل الله إنما جاء ليعلموا أن الأمر موسع عليهم فلهم أن يأخذوا من الأمرين بأيهما شاءوا)) ونظيره التخيير بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل. وأما وجه التسوية بين المتعجل والمتأخر في نفي الجرح فهو أن من الرخص ما يقع من العامل موقع العزيمة، ويكون الفضل في إتيانه دون إتيان ما يخالفه، وذلك مثل قصر الصلاة للمسافر، فمنهم من يراه عزيمة ولا شك أنه في الأصل رخصة، والذي يراه أيضًا رخصة يرى إتيان هذه الرخصة أفضل، ولما كان التعجل في يومين رخصة والرخصة محتملة للمعاني التي ذكرناها وقع قوله ((فلا إثم عليه)) موضع البيان في إتيان الرخصة، وقوله ((ومن تأخر)) موقع البيان لترك الرخصة، وإذا كانت الرخصة من هذا القبيل الذي لن يبين لنا فضله على ما يخالفه فلا شك أن الإتيان بالأتم والأكمل أولى وأفضل – انتهى. والحديث فيه دليل على أن الوقوف بعرفة في وقته ركن لا يصح الحج إلا به وقد أجمع العلماء على ذلك، حكى هذا الإجماع غير واحد من شراح الحديث ونقلة المذاهب، منهم ابن قدامة وابن رشد وغيرهما. ودل الحديث أيضًا على أن وقت الوقوف ممتد إلى ما قبل طلوع الفجر من ليلة المزدلفة وقد أجمعوا عليه أيضًا لكنهم اختلفوا في وقت الفرض والواجب للوقوف كما ستعرف، قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤١٠، ٤١٣) : الوقوف ركن لا يتم الحج إلا به إجماعًا، ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن يعمر ثم قال: ويجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة: فإن النبي ﷺ وقف بعرفة حتى غابت الشمس كما تقدم في حديث جابر (الطويل) وفي حديث علي وأسامة ((أن النبي ﷺ دفع حين غابت الشمس)) .
стр. 4439
...................................................................................
ــ
فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح في قول جماعة الفقهاء إلا مالكًا. قال: لا حج له، قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بقول مالك، وحجته ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل، ولنا ما روى عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة – الحديث، وفيه ((أن رسول الله ﷺ قال: من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه)) فأما خبره فإنما خص الليل لأن الفوات يتعلق به إذا كان يوجد بعد النهار، فهو آخر وقت الوقوف كما قال ﵇: " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ". وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن تبعهم، وقال ابن جريج: عليه بدنة. وقال الحسن البصري: عليه هدي من الإبل، ولنا أنه واجب لا يفسد الحج بفواته فلم يوجب البدنة كالإحرام من الميقات، فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارًا فوقف حتى غربت الشمس فلا دم عليه. وبهذا قال مالك والشافعي، وقال الكوفيون وأبو ثور: عليه دم لأنه بالدفع لزمه الدم فلم يسقط برجوعه، كما لو عاد بعد غروب الشمس. ولنا أنه أتى بالواجب وهو الجمع بين الوقوف في الليل والنهار فلم يجب عليه دم كمن تجاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه، فإن لم يعد حتى غربت الشمس فعليه دم لأن عليه الوقوف حال الغروب وقد فاته بخروجه – انتهى. قلت: وما نسب إلى الكوفيون من وجوب الدم فيما إذا دفع قبل الغروب ثم عاد نهارًا فوقف حتى غربت الشمس، وهو قول مرجوح للحنفية، والراجح سقوط الدم كما ذهب إليه الجمهور، قال القاري: إن دفع قبل الغروب فإن جاوز حد عرفة بعد الغروب فلا شيء عليه اتفاقًا، وإن جاوزه قبل فعليه دم، فإن لم يعد أصلاً أو عاد بعد الغروب لم يسقط الدم، وإن عاد قبل الغروب فدفع بعد الغروب سقط الدم على الصحيح – انتهى. ثم قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤١٥) : ومن لم يدرك جزءًا من النهار ولا جاء عرفة حتى غابت الشمس فوقف ليلاً فلا شيء عليه، وحجه تام لا نعلم مخالفًا فيه لقول النبي ﷺ : " من أدرك عرفات بليل ... " ولأنه لم يدرك جزءًا من النهار فأشبه من منزله دون الميقات إذ أحرم منه، ووقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر. لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر. قال جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع. قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: نعم. رواه الأثرم، وأما أوله فمن طلوع الفجر يوم عرفة. وقال مالك والشافعي أول وقته زوال الشمس من يوم عرفة، واختاره أبو حفص العكبري، وحكى ابن عبد البر ذلك إجماعًا، ولنا قول النبي ﷺ في حديث عروة بن مضرس ((من شهد صلاتنا هذه
стр. 4440
...................................................................................
ــ
ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه)) ولأنه من يوم عرفة فكان وقتًا للوقوف كبعد الزوال، وترك الوقوف لا يمنع كونه وقتًا للوقوف كبعد العشاء، وإنما وقفوا في وقت الفضيلة ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف – انتهى. وقد ظهر من كلام ابن قدامة أنهم اختلفوا في فرض الوقت للوقوف على ثلاثة أقوال، الأول: قول أحمد: إنه من طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر من غير فرق بين الليل والنهار، وبه جزم عامة أهل الفروع من الحنابلة، والثاني: قول مالك: إنه ليلة النحر من الغروب إلى طلوع الفجر. فالمعتمد عنده في الوقوف بعرفة ليلة النحر، والنهار من يوم عرفة تبع، والأفضل الجمع بينهما، فإن أفرد الليل جاز، وإن عكس لم يجزه، والحاصل أن الوقوف بجزء من الليل ركن عنده فمن خرج من عرفات قبل الغروب ولم يرجع حتى يتداركه بجزء من الليل فاته الحج وعليه الحج من قابل، ومن وقف ليلاً ولم يقف بالنهار فعليه دم. قال الدردير: الركن الرابع للحج حضور عرفة ساعة ليلة النحر، وتدخل بالغروب، وأما الوقوف نهارًا فواجب ينجبر بالدم ويدخل وقته بالزوال – انتهى. وظاهر الحديث حجة على مالك، والقول الثالث: قول الشافعي وأبي حنيفة إنه من زوال عرفة إلى فجر النحر، وهو مختار اللخمي وابن العربي وابن عبد البر من المالكية، وأما الوقت الواجب للوقوف فاختلفوا فيه على قولين، الأول: أن يجمع في وقوفه بين الليل والنهار في أي جزء منهما، وهو قول مالك. قال الدردير: أما الوقوف نهارًا فواجب ينجبر بالدم ويدخل وقته بالزوال ويكتفي فيه أي جزء منه، قال الدسوقي: أي يكفي في تحصيل الوقوف الواجب الوقوف في أي جزء من ذلك – انتهى. وهو مختار صاحب الروض المربع من الحنابلة، وبه جزم النووي في مناسكه، والثاني: قول الحنفية وعامة الحنابلة أن الواجب أن يمتد الوقوف إلى ما بعد الغروب كما تقدم عن ابن قدامة وعلي القاري إذا وقف بالنهار وإن لم يتفق له الوقوف بالنهار فلا امتداد، وقال الشنقيطي: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يصح الحج بدونه، وأنهم أجمعوا على أن الوقوف ينتهي وقته بطلوع فجر يوم النحر، فمن طلع فجر يوم النحر وهو لم يأت عرفة فقد فاته الحج إجماعًا، ومن جمع في وقوف عرفة بين الليل والنهار وكان جزء النهار الذي وقف فيه من بعد الزوال فوقوفه تام، ومن اقتصر على جزء من الليل دون النهار صح حجه ولزمه دم عند المالكية خلافًا لجماهير أهل العلم القائلين بأنه لا دم عليه، ومن اقتصر على جزء من النهار دون الليل لم يصح حجه عند مالك، وهو رواية عن أحمد، وعند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى: حجه صحيح وعليه دم. والدليل على أن الوقوف بعرفة ركن وأن وقته ينتهي بطلوع الفجر ليلة النحر ما رواه أحمد وأصحاب السنن غيرهم من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي، ودليل الإجماع على أن من جمع في وقوفه بعرفة بين جزء من الليل وجزء من النهار من بعد الزوال أن وقوفه تام هو ما ثبت في الروايات الصحيحة
стр. 4441
...................................................................................
ــ
أن النبي ﷺ كذلك فعل وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم)) فمن الروايات الصحيحة الدالة على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ ، فإنه قد صرح فيه بأنه جمع في وقوفه بين النهار من بعد الزوال، وبين جزء قليل من الليل مع قوله: " لتأخذوا عني مناسككم ". ودليل القائلين بأن من اقتصر في وقوفه بعرفة على جزء من الليل دون النهار فقد تم حجه: حديث عبد الرحمن بن يعمر المذكور، فإن فيه من تصريح النبي ﷺ بأن من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه، و ((جمع)) هي المزدلفة، وليلتها هي الليلة التي صبيحتها يوم النحر، ودليل من ألزموه دمًا مع وقوفه بعرفة في جزء من الليل وهم المالكية: أن النبي ﷺ لم يكتف بالليل بل وقف معه جزءًا من النهار، فتارك الوقوف بالنهار تاركًا نسكًا، وفي الأثر المروي عن ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم، ولكن قوله ﷺ في حديث الديلي ((فقد تم حجه) لا يساعد على لزوم الدم، لأن لفظ التمام يدل على عدم الحاجة إلى الجبر بدم، فهو يؤيد مذهب الجمهور، والعلم عند الله تعالى، ودليل من قال: بأن من اقتصر في وقوفه بعرفة على النهار دون الليل أن وقوفه صحيح وحجه تام: حديث عروة بن مضرس، فإن فيه ((وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه)) قال المجد في المنتقى بعد أن ساق هذا الحديث: رواه الخمسة وصححه الترمذي، وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف – انتهى. وقد قدمنا إجماع أهل العلم على أن وقت الوقوف ينتهي بطلوع الفجر ليلة جمع، وإجماعهم على أن ما بعد الزوال من يوم عرفة وقت للوقوف، وأما ما قبل الزوال من يوم عرفة فجمهور أهل العلم على أنه ليس وقتًا للوقوف، وخالف أحمد الجمهور في ذلك قائلاً إن يوم عرفة كله من طلوع فجره إلى غروبه وقت للوقوف، واحتج لذلك بحديث عروة بن مضرس فإن فيه ((وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه)) فقوله ﷺ ((ليلاً أو نهارًا)) يدل على شمول الحكم لجميع الليل والنهار، وقد قدمنا قول المجد في المنتقى بعد أن ساق هذا الحديث: وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف، وحجة الجمهور هي أن المراد بالنهار في حديث عروة خصوص ما بعد الزوال بدليل أن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله، قالوا: ففعله ﷺ وفعل خلفائه من بعده مبين للمراد من قوله ((أو نهارًا)) والحاصل أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج إجماعًا، وأن من جمع بين الليل والنهار من بعد الزوال فوقوفه تام إجماعًا، وأن من اقتصر على الليل دون النهار فوقوفه تام ولا دم عليه عند الجمهور خلافًا للمالكية القائلين بلزوم الدم، وأن من اقتصر على النهار دون الليل لم يصح وقوفه عند المالكية، وعند جمهور العلماء حجه صحيح، منهم الشافعي وأبو حنيفة وعطاء الثوري وأبو ثور، وهو الصحيح من مذهب أحمد. ولكنهم اختلفوا في وجوب الدم، فقال أحمد وأبو حنيفة يلزمه دم، وعن الشافعية قولان: أحدهما لا دم عليه وصححه النووي وغيره، والثاني: عليه دم، قيل وجوبًا وقيل استنانًا، وقيل
стр. 4442
رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ــ
ندبًا والأصح أنه سنة على القول به كما جزم به النووي، وأن ما قبل الزوال من يوم عرفة ليس وقتًا للوقوف عند جماهير العلماء خلافًا لأحمد وقد رأيت أدلة الجميع. قال الشنقيطي: أما من اقتصر في وقوفه على الليل دون النهار أو النهار من بعد الزوال دون الليل فأظهر الأقوال فيه دليلاً عدم لزوم الدم، أما المقتصر على الليل فلحديث عبد الرحمن بن يعمر فإن قوله ﷺ فيه ((فقد تم حجه)) مرتبًا ذلك على إتيانه عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر نص صريح في أن المقتصر على الوقوف ليلاً حجة تام، وظاهر التعبير بلفظ التمام عدم لزوم الدم، ولم يثبت ما يعارضه من صريح الكتاب أو السنة، وعلى هذا جمهور أهل العلم خلافًا للمالكية، وأما المقتصر على النهار دون الليل فلحديث عروة بن مضرس فإن فيه أن النبي ﷺ قال ((وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه)) فقوله ((فقد تم حجه)) مرتبًا له بالفاء على وقوفه بعرفة ليلاً أو نهارًا يدل على أن الواقف نهارًا يتم حجه بذلك والتعبير بلفظ التمام ظاهر في عدم لزوم الجبر بالدم ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحدث، وعدم لزوم الدم للمقتصر على النهار، هو الصحيح من مذهب الشافعي لدلالة هذا الحديث على ذلك كما ترى، وأما الإكتفاء بالوقوف يوم عرفة قبل الزوال فقد قدمنا أن ظاهر حديث ابن مضرس المذكور يدل عليه لأن قوله ﷺ ((أو نهارًا)) صادق بأول النهار وآخره كما ذهب إليه أحمد، ولكن فعل النبي ﷺ وخلفائه من بعده كالتفسير للمراد بالنهار في الحديث المذكور وأنه بعد الزوال، وكلاهما له وجه من النظر، ولا شك أن عدم الاقتصار على أول النهار أحوط، والعلم عند الله تعالى. وحجة مالك في أن الوقوف نهارًا لا يجزئ إلا إذا وقف معه جزءًا من الليل هي أن النبي ﷺ فعل كذلك وقال: " لتأخذوا عني مناسككم ". فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا الجمع في الوقوف بين الليل والنهار، ولا يخفى أن هذا لا ينبغي أن يعارض به الحديث الصريح في محل النزاع الذي فيه ((وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه)) كما ترى – انتهى كلام الشنقيطي مختصرًا بقدر الضرورة. (رواه الترمذي) إلخ، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص ٣٠٩، ٣١٠، ٣٣٥) والحميدي (ج ٢: ص ٣٩٩) وأبو داود الطيالسي وابن حبان والحاكم (ج ١: ص ٤٦٤) وقال: حديث صحيح الإسناد كما في نصب الراية، وقال الذهبي: صحيح. والبزار والبيهقي (ج ٥: ص ١١٦) والدارقطني (ص ٢٦٤) وابن الجارود ﷺ (١٦٥) (وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) كذا في جميع نسخ المشكاة، وإني لم أجد كلام الترمذي هذا في جامع الترمذي ولا ذكره الزيلعي في نصب الراية (ج ٣: ص ٩٢) والحافظ في التلخيص (ص ٢١٦) والمنذري في مختصر السنن (ج ٢: ص ٤٠٨، ٤٠٩) والمناوي في كشف المناهج وفيض القدير، ولا ذكره المجد في المنتقى والشوكاني في النيل، بل سكتوا كلهم كما سكت عليه أبو داود، فهو حديث صالح قابل للاحتجاج عندهم. وقال النووي
стр. 4443
(١٤) باب حرم مكة حرسها الله تعالى
ــ
في شرح المهذب: حديث عبد الرحمن الديلي صحيح، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وآخرون بأسانيد صحيحة، وقال بعد ذكر رواية الترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر: وإسناد هذه الرواية صحيح، وهو من رواية سفيان بن عيينة عن الثوري. قال ابن عيينة: ليس عندكم بالكوفة حديث أشرف ولا أحسن من هذا – انتهى كلام النووي. وذكر الترمذي عن سفيان بن عيينة أنه قال: هذا أجود حديث رواه سفيان الثوري. قال السيوطي: أي من حديث أهل الكوفة، وذلك لأن أهل الكوفة يكثر فيهم التدليس والاختلاف، وهذا الحديث سالم من ذلك، فإن الثوري سمعه من بكير، وسمعه بكير من عبد الرحمن، وسمعه عبد الرحمن من النبي ﷺ ، ولم يختلف رواته في إسناده، وقام الإجماع على العمل به – انتهى. ونقل ابن ماجة في سننه عن شيخه محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه.
(باب حرم مكة) أي حرمة حرمها، وسيأتي ذكر حدوده (حرسها الله تعالى) أي حماها وحفظها من الآفات الحسية والعاهات المعنوية، واعلم أن مكة هي الاسم المشهور لتلك البقعة المباركة ولها أسماء أخرى كثيرة وقد عني الناس بجمعها منهم العلامة اللغوي مجد الدين الشيرازي والنووي، وقد ذكرها التقي الفاسي في شفاء الغرام مع بيان معاني بعض الأسماء، وقال المحب الطبري: سمى الله تعالى مكة بخمسة أسماء: مكة وبكة والبلد والقرية وأم القرى، فأما مكة ففي قوله تعالى ﴿ببطن مكة﴾ (سورة الفتح: الآية ٢٤) وفي تسميتها بهذا الاسم أربعة أقوال أحدها: لأنها يؤمها الناس من كل مكان، فكأنهم تجذبهم إليها من قول العرب: إمْتَكّ الفصيل ما في ضرع الناقة إذا لم يبق فيه شيئًا، الثاني: لأنها تملك من ظلم فيها أي تهلكه، والثالث: لجهد أهلها، ومن قولهم ((تمككت العظم) إذا أخرجت مخه، والتمكك الاستقصاء، الرابع: لقلة الماء بها، وأما بكة ففي قوله تعالى ﴿للذي ببكة﴾ (سورة آل عمران: الآية ٩٠) وفي تسميتها بذلك ثلاثة أقوال، أحدها: لازدحام الناس بها يقال هم فيها يتاكبون أي يزدحمون، قاله ابن عباس والثاني: لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي تدقها، وما قصدها جبار إلا قصمه الله تعالى، والثالث: لأنها تضع من نخوة المتكبرين، وأما تسميتها بالبلد ففي قوله تعالى ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ قال المفسرون: أراد مكة، والبلد في اللغة صدر القرى، وأما تسميتها بالقرية ففي قوله تعالى ﴿ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة﴾ (سورة النحل: الآية ١١٣) ، الإشارة إلى مكة، فإنها كانت ذات أمن يأمن أهلها أن يغار عليهم، وكانوا أهل طمأنينة لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق، والقرية اسم لما يجمع جماعة كثيرة من الناس، من قولهم: قريت الماء في الحوض، إذا جمعته فيه، وأما تسميتها أم القرى ففي قوله تعالى: ﴿لتنذر أم القرى ومن حولها﴾ (سورة الأنعام: الآية ٩٢) يعني مكة، وفي
стр. 4444
...................................................................................
ــ
تسميتها بذلك أربعة أقوال، أحدها: أن الأرض دحيت من تحتها، قاله ابن عباس. وقال ابن قتيبة: لأنها أقدم الأرض، والثاني: لأنها قبلة يؤمها جميع الأمة، الثالث: لأنها أعظم القرى شأنًا، الرابع: لأن فيها بيت الله تعالى: ولما جرت العادة أن بلد الملك وبيته مقدمان على جميع الأماكن سمي أما لأن الأم متقدمة، قلت: وسماها الله أيضًا في القرآن بالبلد الأمين وبالبلدة وبمَعاد بفتح الميم، فأما الأول: ففي قوله تعالى ﴿وهذا البلد الأمين﴾ (سورة التين: الآية ٣) قال ابن عباس: يعني مكة، وأما الثاني: ففي قوله تعالى: ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة﴾ (سورة النمل: الآية ٩٣) قال الواحدي في الوسيط: هي مكة، وأما الثالث: ففي قوله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ (القصص: الآية ٨٥) قال ابن عباس: إلى مكة، قال التقي الفاسي بعد ذكر هذه الأسماء الثمانية: فهذه ثمانية أسماء لمكة مأخوذة من القرآن العظيم، ولم يذكر المحب الطبري من أسمائها المأخوذة من القرآن إلا خمسة لأنه قال: سمى الله تعالى مكة بخمسة أسماء: بكة ومكة والبلد والقرية وأم القرى – انتهى، أما حرم مكة فهو ما أحاطها وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى له حكمها في الحرمة تشريفًا لها، وسمي حرمًا لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا مما ليس بمحرم في غيره من المواضع، وحده من طريق المدينة عند التنعيم على ثلاثة أميال من مكة، وقيل أربعة، وقيل خمسة، ومن طريق اليمن طرف أضاة لِبْن على ستة أميال من مكة، وقيل سبعة، ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال – بتقديم المثناة الفوقية على السين – ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعة أميال – بتقديم السين على الباء – وقيل: ثمانية. ومن طريق جدة عشرة أميال. وقال الرافعي: هو من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن العراق على سبعة، ومن الجعرانة على تسعة ومن الطائف على سبعة ومن جدة على عشرة، والسبب في بعد بعض الحدود وقرب بعضها ما قيل إن الله تعالى لما أهبط على آدم بيتًا من ياقوتة أضاء لهم ما بين المشرق والمغرب، فنفرت الجن والشياطين ليقربوا منها، فاستعاذ منهم بالله وخاف على نفسه منهم، فبعث الله ملائكة فحفوا بمكة من كل جانب، ووقفوا مكان الحرم، أي في موضع أنصاب الحرم يحرسون آدم، فصار حدود الحرم موضع وقوف الملائكة، وقيل: إن الخليل ﵇ لما وضع الحجر الأسود في الركن حين بنى الكعبة أضاء له نور وصل إلى أماكن الحدود فجاءت الشياطين فوقفت عند الأعلام فبناها الخليل عليه السلم حاجزًا، رواه مجاهد عن ابن عباس، وعنه أن جبرئيل ﵇ أرى إبراهيم ﵇ موضع أنصاب الحرم فنصبها ثم جددها إسماعيل ﵇ ثم جددها قصي بن كلاب ثم جددها النبي ﷺ ، فلما ولي عمر ﵁ بعث أربعة من قريش فنصبوا أنصاب الحرم ثم جددها معاوية ﵁ ثم عبد الملك بن مروان كذا ذكر القسطلاني في شرح البخاري، ونحوه في القرى (ص ٦٠٢) للمحب الطبري، وارجع لمزيد من البسط إلى شفاء الغرام (ج ١: ص ٥٤ إلى ص ٦٦) تنبيه: إن علمي الحرم من
стр. 4445
(الفصل الأول)
٢٧٤٠ – (١) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: " لا هجرة، ولكن جهاد ونية،
ــ
طريق جدة هما العلمان القديمان من زمن نبينا إبراهيم ﷺ بإشارة جبريل ﵇ بوضعهما في تلك البقعة كسائر حدود الحرم من الجهات الأخرى، أما العلمان الجنوبيان المسامتان لعلمي الحرم المذكورين فقد أحدثا في جمادى الثانية سنة ست وسبعين وثلثمائة وألف من أجل طريق السيارات المؤدي بينهما، ثم صار عدول السيارات من هذا الطريق الجنوبي الذي يمر بين العلمين المحدثين إلى الطريق الشمالي الذي يمر بين علمي الحرم القديمين، ولإزالة اللبس لزم التنبيه على ذلك، وحيث الحال ما تقدم من أن حدود الحرم مختلفة في القرب والبعد، وأن وضع حدود الحرم هو بإيقاف جبريل ﵊ لأبينا إبراهيم ﷺ على حدود الحرم وظهور أن حد الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال ومن طريق جدة عشرة أميال مع أن الحدين متجاوران فبذلك تبين أنه ليس للاجتهاد في تحديد الحرم مساغ وأنه لا يجوز لأحد أن يحدث حدًا للحرم ويضع عليه أنصابًا من تلقاء نفسه لأنه قد لا يكون ذلك حدًا للحرم في نفس الأمر، أما إذا أتى على محل ليس به أعلام فإنه ينظر إلى محاذاة أقرب الأعلام إليه، وليس في الإمكان سوى ذلك مع عدم الجزم بأن هذا حد للحرم، والله أعلم، كذا في مفيد الأنام.
٢٧٤٠ – قوله (يوم فتح مكة) منصوب لأنه ظرف لقال (لا هجرة) أي بعد الفتح، وأفصح بذلك في بعض الروايات أي لا هجرة من مكة إلى المدينة مفروضة بعد الفتح كما كانت قبله، وقد عقد البخاري في أواخر الجهاد ((باب لا هجرة بعد الفتح)) قال الحافظ: أي بعد فتح مكة، أوالمراد ما هو أعم من ذلك. إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحدد ثلاثة، الأول: قادر على الهجرة منها، لا يمكنه إظهار دينه بها ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة، الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين ومعونتهم وجهاد الكفار والأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم، الثالث: عاجز بعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر (ولكن جهاد ونية) أي لكن لكم طريق إلى تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة، وذلك بالجهاد ونية الخير في كل شيء، وارتفاع ((جهاد)) على الابتداء، وخبره محذوف مقدمًا تقديره ((لكم جهاد)) قال الحافظ: المعنى أن وجوب الهجرة من مكة انقطع بفتحها إذا صارت دار إسلام ولكن بقى وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه، وفسره بقوله ((فإذا استنفرتم فانفروا)) أي إذا دعيتم إلى الغزو فأجيبوا، قال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض
стр. 4446
وإذا استنفرتم فانفروا ".
ــ
الهجرة إلى المدينة، وبقى فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو – انتهى. قال الحافظ: وكانت الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مسضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ (سورة النساء: الآية ٩٩) وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار كفر وقدر على الخروج منها، وقد روى النسائي من طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده مرفوعًا: " لا يقبل الله من مشرك عملاً بعد ما أسلم أو يفارق المشركين ". ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعًا: " أنا بريء من كل مشرك يقيم بين أظهر المشركين ". وهذا محمول على من لم يأمن على دينه، قال: وقوله ((جهادًا ونية)) قال الطيبي وغيره: وهذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك (وإذا استنفرتم) بصيغة المجهول أي إذا طلبتم للنفر وهو الخروج إلى الجهاد (فانفروا) بكسر الفاء أي اخرجوا، والمعنى إذا دعاكم السلطان إلى غزو فاذهبوا. قال النووي: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه، وفي الحديث بشارة بأن مكة تبقى دار إسلام أبدًا لا يتصور منها الهجرة، وفيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عينه الإمام، وأن الأعمال تعتبر بالنيات، وقال الخطابي: في الحديث إيجاب النفير والخروج إلى العدو إذا وقعت الدعوة، وهذا إذا كان فيمن بإزاء العدو كفاية فإن لم يكن فيهم كفاية فهو فرض على المطيقين للجهاد، والاختيار للمطيق له مع وقوع الكفاية بغيره أن لا يقعد عن الجهاد، قال الله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى﴾ (سورة النساء: الآية ٩٨) وقد ترجم البخاري لهذا الحديث ((باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية، وقوله: ﴿انفروا خفافًا وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾ (سورة التوبة: الآية ٤٢) قال الحافظ: قوله ((وما يجب من الجهاد والنية أي وبيان القدر الواجب من الجهاد ومشروعية النية في ذلك، وللناس في الجهاد حالان، إحداهما في زمن النبي ﷺ والأخرى بعده، فأما الأولى: فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقًا، ثم بعد أن شرع هل كان فرض عين أو كفاية قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي، وقال الماوردي: كان عينًا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة لنصر
стр. 4447
وقال يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض،
ــ
الإسلام، وقال السهيلي: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم، ويؤده مبياعتهم النبي ﷺ ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله ﷺ وينصروه، فيخرج من قولهما أنه كان عينًا على الطائفتين، كفاية في حق غيرهم، ومع ذلك فليس في حق الطائفين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء، ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر فيما ذكره ابن إسحاق فإنه كالصريح في ذلك، وقيل كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبي ﷺ دون غيرها، والتحقيق أنه كان عينًا على من عينه النبي ﷺ في حقه ولو لم يخرج. الحال الثاني بعده ﷺ فهو فرض كفاية على المشهور إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو، ويتعين على من عينه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور، ومن حجتهم: أن الجزية تجب بدلاً عنه، لا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قوي، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد وانتشر الإسلام في أقطار الأرض ثم صار إلى ما تقدم ذكره، والتحقيق أيضًا أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه – انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح هذا الحديث في آخر الفصل الأول من كتاب الجهاد، ويأتي هناك بسط أحكام الجهاد إن شاء الله تعالى (وقال يوم فتح مكة) قال القاري: أعاده تأكيدًا أو إشارة إلى وقوع هذا القول وقتًا آخر من ذلك اليوم والله تعالى أعلم – انتهى. قلت: اللفظ المذكور لمسلم رواه في الحج عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير وروى البخاري هذا الحديث في باب لا يحل القتال بمكة من كتاب الحج من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير بلفظ ((فإذا استنفرتم فانفروا فإن هذا بلد)) إلخ. أي ليس فيه قوله ((وقال يوم فتح مكة)) قال الحافظ: الفاء أي في قوله ((فإن هذا)) جواب شرط محذوف تقديره إذا علمتم ذلك فاعلموا أن هذا بلد حرام، وكأن وجه المناسبة أنه لما كان نصب القتال عليه حرامًا كان التنفير يقع منه لا إليه، ولما روى مسلم هذا الحديث عن إسحاق عن جرير فصل الكلام الأول من الثاني بقوله ((وقال يوم الفتح: إن الله حرم)) إلى آخره. فجعله حديثًا آخر مستقلاً، وهو مقتضى صنيع من اقتصر على الكلام الأول كعلي بن لمديني عن جرير كما سيأتي في الجهاد – انتهى. (إن هذا البلد) أي مكة يعني حرمها. قال القاري: أو المراد بالبلد أرض الحرم جميعها (حرمه الله) أي حكم بتحريمها وقضاه، وظاهره أن حكم الله تعالى في مكة أن لا يقاتل أهلها ويؤمن من استجار بها ولا يتعرض له، وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنًا﴾ (سورة آل عمران: الآية ٩١) وقوله: ﴿أو لم يروا أنّا جعلنا حرمًا آمنًا﴾ (سورة العنكبوت: الآية ٦٧) (يوم خلق السموات والأرض) يعني أن تحريمه أمر قديم وشريعة سالفة مستمرة وحكمه تعالى قديم لا يتقيد بزمان
стр. 4448
فهو حرام بحرمة الله
ــ
فهو تمثيل في تحريمه بأقرب متصور لعموم البشر، إذ ليس كلهم يفهم معنى تحريمه في الأزل وليس تحريمه مما أحدثه الناس أو اختص بشرعه، وهذا لا ينافي قوله في حديث جابر عند مسلم وحديث أنس عند البخاري " إن إبراهيم حرم مكة "، لأن إسناد التحريم إليه من حيث أنه مبلغه فإن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالى، والأنبياء يبلغونها، فكما تضاف إلى الله تعالى من حيث أنه الحاكم بها تضاف إلى الرسل لأنها تسمع منهم وتبين على ألسنتهم، والحاصل أنه أظهر تحريمها مبلغًا عن الله بعد أن كان مهجورًا إلا أنه ابتدأه، وقيل إن حرمها بإذن الله يعني أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر الله تعالى، كذا في إرشاد الساري. وقال العيني: معنى قوله ((إن إبراهيم حرم مكة)) أعلن بتحريمها وعرف الناس بأنها حرام بتحريم الله إياها فلما لم يعرف تحريمها إلا أن في زمانه على لسانه أضيف إليه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس﴾ (سورة الزمر: الآية ٤٣) فإنه أضاف إليه التوفي، وفي آية أخرى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت﴾ (سورة السجدة: الآية ١١) فأضاف إلى الملك التوفي، وقال في آية أخرى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة﴾ سورة النحل: الآية ٣٠، ٣٤) فأضاف إليهم التوفي، وفي الحقيقة المتوفي هو الله ، وأضاف إلى غيره لأنه ظهر على أيديهم – انتهى. وقال الحافظ: لا معارضة بين الحديثين لأن معنى قوله ((إن إبراهيم حرم مكة)) أي بأمر الله تعالى لا باجتهاده، أو أن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمًا بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حرامًا، أو أول من أظهره بعد الطوفان، وقال القرطبي: معناه: إن الله حرم مكة ابتداء من غير سبب ينسب لأحد ولا لأحد فيه مدخل، قال: ولأجل هذا أكد المعنى بقوله (في حديث أبي شريح الآتي) : ولم يحرمها الناس. والمراد بقوله ((ولم يحرمها الناس)) أن تحريمها ثابت بالشرع لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرمات الله فيجب امتثال ذلك وليس من محرمات الناس يعني في الجاهلية كما حرموا أشياء من عند أنفسهم فلا يسوغ الاجتهاد في تركه، وقيل معناه: إن حرمتها مستمرة من أول الخلق، وليس مما اختصت به شريعة النبي ﷺ . قال الحافظ: واستدل بالحديث على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم. قال القرطبي: معنى قوله ((حرمه الله)) أي يحرم على غير المحرم دخوله حتى يحرم، ويجري هذا مجرى قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ (سورة النساء: الآية ٢٧) أي وطؤهن ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (سورة المائدة: الآية ٤) أي أكلها. فعرف الاستعمال يدل على تعيين المحذوف. قال: وقد دل على صحة هذا المعنى اعتذاره عن دخول مكة غير محرم مقاتلاً بقوله ((لم تحل لي إلا ساعة من نهار)) الحديث - انتهى. وقد تقدم بسط القول في هذه المسألة في شرح حديث ابن عباس في بيان المواقيت (ج ٦: ص ٢٤٣ إلى ٢٤٦) وتقدم الجواب هناك عن الاستدلال بهذا الحديث على منع دخول الحرم بغير إحرام فتذكر (فهو) أي البلد (حرام) أي محرم محترم (بحرمة الله)
стр. 4449
إلى يوم القيامة،
ــ
أي بسبب حرمة الله، فالباء للسببية، ويجوز أن تكون للملابسة فيكون متعلق الباء محذوفًا، أي متلبسًا بحرمة الله، وهو تأكيد للتحريم (إلى يوم القيامة) إيماء إلى عدم نسخه، وقال الحافظ: قوله ((بحرمة الله)) أي بتحريمه، وقيل: الحرمة الحق، أي حرام بالحق المانع من تحليله، قال: واستدل به على التحريم القتل والقتال بالحرم، فأما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها، وخص الخلاف بمن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم، وممن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزي، واحتج بعضهم بقتل ابن خطل بها، ولا حجة فيه، لأن ذلك كان في الوقت الذي أحلت فيه للنبي ﷺ ، وزعم ابن حزم أن مقتضى قول ابن عمر وابن عباس وغيرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقًا. ونقل التفصيل عن مجاهد وعطاء. وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم حتى يخرج إلى الحل باختياره لكن لا يجالس ولا يكلم ويوعظ ويذكر حتى يخرج، وقال أبو يوسف: يخرج مضطرًا إلى الحل وفعله ابن الزبير، وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوس عن ابن عباس: من أصاب حدًا ثم دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع، وعن مالك والشافعي: يجوز إقامة الحد مطلقًا فيها، لأن العاصي هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن، وأما القتال فقال الماوردي: من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها فلو بغوا على أهل العدل فإن أمكن ردهم بغير قتال لم يجز، وإن لم يكن إلا القتال، فقال الجمهور: يقاتلون لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى، فلا يجوز إضاعتها، وقال الآخرون: لا يجوز قتالهم، بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة، قال النووي: والأول نص عليه الشافعي وأجاب أصحابه عن الحديث بحمله على تحريم نصب القتال بما يعم أذاه كالمنجنيق، بخلاف ما لو تحصن الكفار في بلد، فإنه يجوز قتالهم على كل وجه، وعن الشافعي قول آخر بالتحريم اختاره القفال، وجزم به في شرح التلخيص. وقال به جماعة من علماء الشافعية والمالكية، قال الطبري: من أتى حدًا في الحل واستجار بالحرم فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن ينصب عليه الحرب بل يحاصره ويضيق عليه حتى يذعن للطاعة لقوله ﷺ : وإنما أحلت لي ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. فعلم أنها لا تحل لأحد بعده بالمعنى الذي حلت له به، وهو محاربة أهلها والقتل فيها، ومال ابن العربي إلى هذا، وقال ابن المنير: قد أكد النبي ﷺ التحريم بقوله ((حرمه الله)) ثم قال ((فهو حرام بحرمة الله)) ثم قال ((ولم تحل لي إلا ساعة من نهار)) وكان إذا أراد التأكيد ذكر الشيء ثلاثًا، قال: فهذا نص لا يحتمل التأويل. وقال القرطبي: ظاهر الحديث يقتضي تخصيصه ﷺ بالقتال لاعتذاره عما أبيح له من ذلك مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتال والقتل لصدهم عن المسجد الحرام وإخراجهم أهله منه وكفرهم، وهذا الذي فهمه أبو شريح كما سيأتي وقال به غير واحد من أهل العلم. وقال ابن دقيق العيد: يتأكد القول بالتحريم بأن الحديث دال على أن المأذون للنبي ﷺ فيه لم يؤذن لغيره فيه، والذي وقع له إنما هو مطلق القتال لا القتال الخاص بما يعم كالمنجنيق فكيف
стр. 4450
...................................................................................
ــ
يسوغ التأويل المذكور، وأيضًا فسياق الحديث يدل على أن التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدماء فيها، وذلك لا يختص بما يستأصل – انتهى كلام الحافظ. قلت: ومذهب الحنفية في مسألتي القتل والقتال في الحرم على ما ذكره في غنية الناسك (ص ١٦٣) هو أن من جنى في غير الحرم بأن قتل أو ارتد أو زنى أو شرب الخمر أو فعل غير ذلك مما يوجب الحد ثم لاذ إليه لا يتعرض له ما دام في الحرم ولكن المرتد يعرض عليه الإسلام فإن أسلم سلم وإلا قتل لأن إباءه عن الإسلام جناية في الحرم، وغير المرتد لا يبايع ولا يؤاكل ولا يجالس ولا يؤوى إلى أن يخرج منه فيقتص منه، وأما إن فعل ما يوجب القصاص ثم لاذ إليه فإن كان القصاص في النفس لا يتعرض له ويضيق عليه حتى يخرج كما في الحد وإن كان فيما دون النفس يقتص منه في الحرم، لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، ومن جنى على المال إذا لجأ إلى الحرم يؤخذ منه لأنه حق العبد أي فكذا يقتص منه في الأطراف بخلاف الحد لأنه حق الرب ﵎، وبخلاف القصاص في النفس لأنه ليس بمنزلة المال، وإن فعل شيئًا من ذلك في الحرم يقام عليه الحد ويقتص منه فيه، وإن قتل في الحرم قتل فيه، وإن قتل في البيت لا يقتل فيه. قال في رد المحتار: وكذا الحكم في سائر المساجد – انتهى. ومن دخل الحرم مقاتلاً قتل فيه إلى آخر ما ذكر، قلت: واستدل لما ذهب إليه مالك والشافعي ومن تبعهم من أن حكم الحرم كغيره فيقام فيه الحد ويسوفى فيه القصاص سواء كانت الجناية في الحرم أو في الحل ثم لجأ إلى الحرم بأن العاصي هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن، واستدلوا لذلك أيضًا بعمومات النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان، وبأن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، وبالقياس على من أتى في الحرم ما يوجب القتل، وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من الفقهاء والإمام أحمد وبعض محدثيه مع أنه إن كانت الجناية في الحرم استوفيت العقوبة فيه، وإن كانت في الحل ثم لجأ إلى الحرم لم تستوف منه فيه ويلجأ إلى الخروج منه، فإذا خرج اقتص منه، فاستدل لهم بمثل قوله تعالى ﴿ومن دخله كان آمنًا﴾ ، ﴿أو لم نمكن لهم حرمًا آمنًا﴾ (سورة القصص: الآية ٥٧) ونحوهما من الآيات، ولو لم يكن للتخصيص فائدة ما ذكر، وأجاب هؤلاء عن أدلة المعارضين بأن العمومات لا تتناوله لأن لفظها لا يدل عليه لا بالوضع ولا بالتضمن فهو مطلق بالنسبة إليها، ولو فرض تناولها له لكانت مخصصة بالأدلة الواردة في منع إقامة الحد فيه لئلا يبطل موجبها. وأما قتل ابن خطل فليس فيه دليل لأنه قتل في الساعة التي أحل فيها الحرم للنبي ﷺ ، وأما قياسه على من أتى في الحرم بما يوجب القتل فلا يستقيم، لأن الجاني فيه هتك حرمته وحرمة الله تعالى فهما مفسدتان ولو لم يقم الحد على الجناة فيه لعم الفساد وعظم الشر في حرم الله بخلاف الذي أتى ما يوجب القتل خارجه فذنبه أخف كثيرًا وهو بلجوءه إلى الحرم كالتائب من الذنب النادم على فعله. قلت: ونصر ابن حزم في المحلى (ج ٧: ص ٢٦٢) أن القصاص