← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

رواهما الدارقطني، وقال: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الداري ولا رآه، ويزيد بن خالد، ويزيد بن محمد مجهولان. ــ لمرض، فافهم. واستدلوا أيضاً بحديث أبي الدرداء عند الترمذي، وفيه "قا فتوضأ" ولا حجة لهم فيه، لاحتمال أن تكون الفاء للتعقيب فقط لا للسببية، كما في قوله: قاء فأفطر. ولو سلم أن الفاء للسببية، لم تدل أيضاً على نقض الوضوء بالقيء؛ لأنه قد يتوضأ الإنسان بعده من أجل النظافة، وإزالة القذر الذي يبقى في الفم والأنف، وعلى بعض الأعضاء، فالقيء سبب له، ولكنه سبب عادي طبيعي، ولا يكون سبباً شرعياً إلا بنص صريح من الشارع، والحاصل أن وجوب الوضوء أو نقض الوضوء لا يثبت بالفعل فقط؛ لأن الفعل لا يدل على الوجوب إلا أن يفعله ويأمر الناس بفعله، أو ينص على أن هذا الفعل ناقض للوضوء. ومن أصرح أدلتهم ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة مرفوعاً "من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ" الحديث. وفيه أنه حديث ضعيف، ضعفه أحمد وغيره، وقد ذكر العلامة الشوكاني في النيل، والزيلعي في نصب الراية، ما فيه من العلة وكلام الأئمة مفصلاً، فارجع إليهما. واستدلوا بأحاديث أخرى كلها ضعيفة ساقطة لا تقوم بها حجة، وأيضاً هي معارضة لما ذكره البخاري معلقاً عن جابر: أن النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرقاع، فرمى رجل بسهم، فنزفه الدم، فركع وسجد، ومضى في صلاته. قال الحافظ: أخرجه أحمد وأبوداود، والدارقطني، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وذكر العيني في شرح الهداية (ج١: ص١٢٢) حديث جابر هذا من رواية سنن أبي داود، وصحيح ابن حبان والدارقطني والبيهقي، وزاد فيه: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ : فدعا لهما. قال: ولم يأمره بالوضوء، ولا بإعادة الصلاة، انتهى. وفي عدم الانتقاض بخروج الدم من البدن غير السبيلين أحاديث وآثار كلها مقررة للأصل، ذكرها الزيلعي والدارقطني والشوكاني. (رواهما) أي الحديثين السابقين. (الدارقطني) الحديث الثاني رواه الدارقطني من طريق يزيد بن خالد، عن يزيد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، قال: قال تميم الداري: الخ ورواه ابن عدى في الكامل عن زيد بن ثابت، وفيه أحمد بن الفرج، أبوعتبة الحمصي، وهو ممن لا يحتج بحديثه، ولكنه يكتب، قاله ابن عدى. وقال ابن أبي حاتم: محله الصدق. وقال ابن حبان في الثقات: يخطئ. وكذبه محمد بن عوف الطائي. (وقال) أي الدارقطني بعد إخراج الحديث. (عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الداري ولا رآه، ويزيد بن خالد) قال الحافظ في لسان الميزان: يزيد بن خالد شيخ لبقية، لا يدرى من هو. (ويزيد بن محمد) الراوي عن عمر بن عبد العزيز، قال الحافظ في اللسان: لا يدرى من هو. (مجهولان) هذا آخر كلام الدارقطني في سننه. وقد ظهر بهذا أن حديث تميم هذا ضعيف من وجهين: الانقطاع بين عمر بن عبد العزيز وبين تميم، وجهالة اليزيدين. وذكر الزيلعي كلام الدارقطني هذا في نصب الراية وأقره.

стр. 457

(٢) باب آداب الخلاء ﴿الفصل الأول﴾ ٣٣٥- (١) عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا)) ــ (باب آداب الخلاء) قيل: "الأدب" مراعاة حد كل شيء، وقيل: هو استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً، ويطلقون الآداب على ما يليق بالشيء، أو بالشخص، فيقال: آداب الدرس وآداب القاضي. و"الخلاء" بفتح الخاء والمد، موضع فضاء الحاجة، سمى به لخلاءه في غير أوقات قضاء الحاجة، أو؛ لأن الإنسان يخلو فيه، وأصله الملكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى تجوز به عن ذلك. ٣٣٥- (١) قوله: (عن أبي أيوب الأنصاري) هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي النجاري، أبوأيوب المدني، شهد العقبة، وشهد بدراً، وأحداً، والمشاهد كلها مع النبي ﷺ ، ونزل عنده رسول الله ﷺ حين قدم المدينة شهراً حتى بنى المسجد، وكان مسكنه المدينة، وحضر مع على حرب الخوارج، وورد المدائن في صحبته، وعاش بعد ذلك زماناً طويلاً حتى مات بالقسطنطينية مرابطاً سنة (٥١) في خلافة معاوية، وكان ذلك مع يزيد بن معاوية لما غزاه، فخرج معه فمرض، ولما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مت فأحملوني، فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم. قال البغوي: قبر ليلاً وأمر يزيد بالخيل تقبل وتدبر حتى عمي قبره. وقال ابن حبان: كان المسلمون على حصار القسطنطينية فقدموه حتى دفن إلى جانب حائط. له مائة وخمسون حديثاً، اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، وله فضائل. (إذا أتيتم الغائط) هو في الأصل اسم للمكان المطمئن الواسع من الأرض في الفضاء، ثم صار يطلق على كل مكان أعد لقضاء الحاجة؛ لأن العادة أن يقضي في المنخفض لكونه أستر له، ثم اتسع حتى أطلق على النجو نفسه، أي الخارج من الإنسان، تسمية للحال باسم المحل، والمراد ههنا هو الأول، إذ لا يحسن استعمال الإتيان في النجو الخارج، إذ لا يقال: أتى البول أو العذرة، بخلاف إستعمال الإتيان بالنظر إلى المكان فإنه كثير شائع، وأيضاً لا يحسن النهي عن الاستقبال والاستدبار إلا قبل المباشرة بإخراج الخارج، وذلك عند حضور المكان لا عند المباشرة بإخراج ذلك، فليتأمل. وقد أوضح ذلك السندهي في حاشيته على البخاري، فارجع إليها. (فلا تستقبلوا القبلة) أي جهة الكعبة. (ولكن شرقوا أو غربوا) أي استقبلوا جهة الشرق أو الغرب لقضاء الحاجة، وهذا خطاب لأهل المدينة ومن قبلته في تلك الجهة، والمقصود الإرشاد إلى جهة أخرى لا يكون فيها إستقبال القبلة ولا

стр. 458

متفق عليه. ٣٣٦- (٢) قال الشيخ الإمام محي السنة، ﵀: هذا الحديث في الصحراء، وأما في البنيان، فلا بأس لما روي عن عبد الله بن عمر، قال: ((ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت ــ إستدبارها، وهذا مختلف بحسب البلاد، فللكل أن يأخذوا بهذا الحديث بالنظر إلى المقصود لا بالنظر إلى المفهوم. والحديث بظاهره دليل على منع الإستقبال والإستدبار عند قضاء الحاجة مطلقاً من غير فرق بين الصحراء والبنيان. والمسألة مختلف فيها بين العلماء لتعارض الأحاديث في ذلك، فقال بعضهم بعموم النهي أخذاً بظواهر أحاديث النهي، وترجيحاً لها على أحاديث الرخصة أو التخصيص. وقال بعضهم بخصوص النهي بالصحراء جمعاً بين الأحاديث؛ لأن إعمال الأدلة كلها أولى من إهمال بعضها. وقال بعضهم بالإباحة والجواز مطلقاً رجوعاً إلى البرأة الأصلية، أو حملاً للنهى على التنزيه، أو النسخ، فجعلوا أحاديث الإباحة قرينة على حمل النهي علىالتنزيه، أو ناسخه لأحاديث المنع. وقال بعضهم بالفرق بين الإستقبال فيحرم مطلقاً، والإستدبار فيجوز مطلقاً. وههنا أقوال أخرى لكنها غير مشهورة. والأول هو المشهور عن أبي حنفية، واختاره ورجحه من المالكية ابن العربي في شرح الترمذي، ومن الظاهرية ابن حزم في المحلي، ومن فقهاء أهل الحديث ابن القيم في الهدي (ج١: ص٢٧٢) والشوكاني في النيل (ج١: ص٨١) وفي السيل الجرار، وشيخنا الأجل المباكفورى في شرح الترمذي (ج١: ص١٩) والثاني مذهب الأئمة الثلاثة، ومال إليه الطحاوي من الحنفية، وقال الأمير اليماني في السبل (ج١: ص١١٩) : هو أقرب الأقوال. وقال الحافظ: هو أعدل الأقوال، ويؤيده ما روى عن ابن عمر، أنه قال: إنما نهي عن ذلك في القضاء. وإليه يظهر ميلان السندهي في حواشيه على البخاري، وغيره كما سيأتي. وعندي: الاحتراز عن الإستقبال والإستدبار في البيوت أحوط وجوباً لا ندباً، والمقام من معارك النظار فتدبره ولا تعجل. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه، وغيرهم. ٣٣٦- قوله: (قال الشيخ الإمام محي السنة) البغوي في المصابيح. (هذا الحديث) أي حكمه. (وأما في البنيان) قال ابن حجر: يعني الخلاء ليطابق الحديث الذي استدل به. (ارتقيت) أي صعدت. (فوق بيت حفصة) أي سطحه، وهي أخت عبد الله بن عمر، أم المؤمنين زوجة رسول الله ﷺ وبنت عمر بن الخطاب العدوية، قيل: إنها ولدت قبل المبعث بخمسة أعوام، وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت خنيس بن حذافة السهمي، هاجرت معه، ومات عنها بعد غزوة بدر، فلما مات ذكرها عمر على أبي بكر وعثمان فلم يجبه واحد منهما، فخطبها رسول الله ﷺ ، فأنكحه إياها سنة ثلاث، وقيل: سنة اثنتين. لها ستون حديثاً، اتفقا منها على ثلاثة، وانفرد مسلم بستة، روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين. ماتت في شعبان سنة (٤٥) وهي ابنة ستين سنة، وقيل: ماتت سنة (٤١) وإضافة البيت إلى حفصة مجازية باعتبار تعلق السكني، وإلا فالبيت

стр. 459

رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام)) متفق عليه. ٣٣٧- (٣) وعن سلمان ﵁، قال: ((نهانا، يعني رسول الله ﷺ ــ كان ملكاً للنبي ﷺ . (يقضي حاجته) أي في الخلاء (مستدبر القبلة) هذا هو أصل الأئمة الثلاثة في جواز الاستدبار في الأبنية، وابتنوا عليه جواز الإستقبال، ويظهر من صنيع البغوي أنه ذهب إلى أن النهي ورد أولاً عاماً، ثم خص عمومه بحديث ابن عمر، وفيه خدشات من وجوه كثيرة، ذكرها ابن القيم، وابن العربي، وغيرهما، وهي تضعف القول بكونه مخصصاً لأحاديث النهي، قال السندهي في حاشيته على البخاري بعد بيان بعض هذه الخدشات: فالوجه أن حديث النهي من أصله مخصوص بالفضاء لا يعم البناء أصلاً، وهو الموافق للقرائن. (وقد أشرنا إلى بعض هذه القرائن في بيان معنى الغائط) فلعل من فهم عموم الحكم ما فهم من لفظ الحديث، إنما فهم من ظنه أن علة النهي إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة، ففهم من عموم هذه العلة عموم الحكم. وقال في حاشيته على ابن ماجه: ويؤيد القول بالخصوص تقييد حديث النهي بإتيان الغائط في كثير من الروايات، والمراد به المكان المنخفض في الفضاء كما قررنا، وبه يظهر التوفيق بين الأحاديث. وقال في حاشيته على النسائي: ويمكن أن يكون محمل الحديث الصحراء، وإطلاق اللفظ جاء على ما كان عليه العادة يومئذٍ، إذا لم يكن لهم كنف في البيوت في أول الأمر-انتهى. قال: ومن قرائن حمل الغائط في حديث أبي أيوب على معناه اللغوى أي المكان المطمئن من الأرض في الفضاء أي الصحراء، أن النهي عن جهتين، والتخيير بين جهتين آخرين عند إتيان الغائط إنما يحسنان في الفضاء لا في البيوت، فإن الإنسان في الفضاء متمكن عند إتيان الغائط من الجهات الأربع، فيمكن أن ينهى عن بعضها، ويخير بين بعضها، وأما في البيوت فلا يتمكن عادة عند إتيان الغائط من الجهات الربع، بل يتمكن منها عند بناء الكنيف، وأما بعد البناء عند إتيان الغائط فهو يصير تابعاً لكيفية البناء –انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. ٣٣٧- قوله: (وعن سلمان) هو سلمان الفارسي أبوعبد الله، ابن الإسلام، ويقال له: سلمان الخير. أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز. أسلم عند قدوم النبي ﷺ المدينة، وأول مشاهده الخندق، وقال ابن عبد البر: ويقال إنه شهد بدراً. سافر يطلب الدين من قريته، فدان أولاً بالنصرانية، وقرأ الكتب وصبر في ذلك على مشقات متتالية، فأخذه قوم من العرب فباعوه من اليهود، ثم إنه كوتب فأعانه رسول الله ﷺ في كتابته، ويقال: إنه تداوله بضعة عشر سيداً حتى أفضى إلى النبي ﷺ لما قدم النبي ﷺ إلى المدينة، وقال: سلمان منا أهل البيت. وهو أحد الذين اشتاقت إليهم الجنة، وكان من المعمرين، قيل: عاش (٢٥٠) سنة. وقيل: (٣٥٠) سنة، والأول أصح، وكان يأكل من يده، ويتصدق بعطاءه، مات بالمدائن سنة (٣٥) وقيل: سنة (٣٣) وقيل: غير ذلك، له ستون حديثاً، اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بواحد، ومسلم بثلاثة، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين. (قال: نهانا يعني) أي يريد سلمان بالناهي رسول الله ﷺ .

стр. 460

أن تستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجى باليمين، أو أن نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجى برجيع، أو بعظم)) رواه مسلم. ٣٣٨- (٤) وعن أنس، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء يقول: ــ (أن نستقبل القبلة) أى بفروجنا عند خروج الغائط أو البول. (لغائط) قال النووي: كذا ضبطناه في مسلم "لغائط" باللام، وروى في غيره بغائط أي بالباء، وهما بمعنى (أو أن نستنجى باليمين) أو فيه وفيما بعده للعطف، والاستنجاء إزالة النجو وقطعه بالماء أو بالحجارة، وفيه دليل على تحريم الاستنجاء باليمين؛ لأنه الأصل في النهي ولا صارف له، فلا وجه للحكم بالكراهة فقط، وهذا تنبيه على شرف اليمين وصيانتها عن الأقذار. (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) وفي رواية أحمد الآتية في الفصل الثالث: ولا نكتفى بدون ثلاثة أحجار. وفي كلتا الروايتين دليل واضح على أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز، وإن حصل الإنقاء بما دونها، ولا يعارضه حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني بلفظ "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" أخرجه أبوداود وغيره؛ لأن حديث سلمان هذا أصح منه، فيقدم عليه أو يجمع بينهما بما قال الحافظ في الفتح: أخذ بهذا أي بحديث سلمان، الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث، فاشترطوا أن لا ينقص من الثلاث مع مراعاة الإنقاء إذا لم يحصل بها فيزداد حتى ينقى، ويستحب حينئذٍ الإيتار لقوله: من استجمر فليوتر. وليس بواجب لزيادة في أبي داود حسنة الإسناد قال: ومن لا فلا حرج. وبهذا يحصل الجمع بين الروايات في هذا الباب، انتهى. وقال ابن تيمية في المنتقى بعد ذكر حديث أبي هريرة المذكور: وهذا محمول على أن القطع على وتر سنة فيما زاد على ثلاث جمعاً بين النصوص-انتهى. (أو أن نستنجى برجيع أو بعظم) أو للعطف بمعنى الواو لا للشك. والرجيع هو الخارج من الإنسان أو الحيوان يشمل العذرة والروث، فعيل بمعنى فاعل، سمي رجيعاً؛ لأنه رجع عن حالته الأولى فصار ما صار بعد أن كان علفاً أو طعاماً. وفي حديث رويفع عند أبي داود رجيع دابة. وأما عذرة الإنسان فهي داخلة تحت قوله ﷺ "فإنها ركس" في بعض الأحاديث. وفي الحديث دليل على أن لا يجوز الاستنجاء بالرجيع والعظم، وعلة النهي عن الاستنجاء بالرجيع أنه علف لدواب الجن، ولأنه لا يطهر، ولأنه رجس بكسر الراء، وهو المستقذر المكروه، والتعليل بعدم التطهير عائد إلى كونه رجساً، وفيه تنبيه على جنس الرجس فلا يجزئ الاستنجاء بالرجس مطلقاً، والعلة في النهي عن العظم أنه طعام الجن، أي فيجدون عليه من اللحم أوفر ما كان عليه، ولأنه لا يطهر فإنه لزج لا يكاد يتماسك فلا ينشف النجاسة، ولا يقطع البلة. وقيل: إنه لا يخلو في الغالب عن الدسومة، وقيل: لأنه ربما يجرح. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. ٣٣٨- قوله: (إذا دخل الخلاء) أي أراد دخول موضع قضاء الحاجة. ولا يختص هذا بالأمكنة المعدة لذلك،

стр. 461

اللهم إني أعوذبك من الخبث والخبائث)) متفق عليه. ٣٣٩- (٥) وعن ابن عباس، قال: ((مر النبي ﷺ بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لايستتر من البول)) . وفي رواية لمسلم: ((لا يستنزه من البول. وأما الآخر فكان يمشى بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها بنصفين، ثم غزر في كل قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله ﷺ لم صنعت هذا؟ فقال: لعله أن يخفف عنهما ــ بل يعم ويشمل حتى لو بال في إناء مثلاً في جانب البيت مالم يشرع قضاء الحاجة، فيقول في الأمكنة المعدة قبيل دخولها، وفي غيرها في أول الشروع كتشمير ثيابه مثلاً، ومن نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه. (اللهم إني أعوذ بك) كان ﷺ يستعيذ إظهاراً للعبودية ويجهر بها للتعليم. (من الخبث) بضمتين جمع الخبيث، وهو الموذي من الجن والشياطين. (والخبائث) جمع الخبيثة، والمراد ذكور الشياطين وإناثهم، وقد جاءت الرواية بإسكان الباء في الخبث أيضاً إما على التخفيف أو على أنه اسم بمعنى الشر، فالخبائث صفة النفوس، فيشمل ذكور الشياطين وإناثهم جميعاً، والمراد التعوذ من الشر وأصحابه. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. ٣٣٩- قوله: (مر النبي ﷺ بقبرين) أي جديدين كما في رواية ابن ماجه، قال الحافظ: الظاهر من مجموع طرق الحديث أن المقبورين كانا مسلمين. (فقال: إنهما) أي صاحبي القبرين. وقيل: أعاد الضمير إلى غير مذكور؛ لأن سياق الكلام يدل عليه، وقيل: الضمير يرجع إلى قبرين بتقدير المضاف كما ذكرنا. (وما يعذبان في كبير) أي في أمر كان يكبر ويشق عليهما الاحتراز عنه لو أراداه، لا أنه في نفسه ليس بكبير، كيف وهما يعذبان فيه. فإن عدم التنزه يبطل الصلاة، والنميمة سعي بالفساد المفضي إلى سفك الدماء، وأيضاً ورد في رواية للبخاري "وإنه لكبير" فيحمل قوله: وإنه لكبير على كبر الذنب، وقوله "مايعذبان في كبر" على سهولة الدفع والاحتراز والتوقى. (لايستتر من البول) أي من بوله كما في رواية، فاللام عوض عن المضاف إليه، أو للعهد، والمعنى: لا يجعل بينه وبين بوله سترة، يعنى لا يتحفظ منه، وفيه دليل على نجاسة بول الإنسان، ووجوب اجتنابه وهو إجماع، وعظم أمره، وأنه من أعظم أسباب عذاب القبر كالنميمة. (لا يستنزه من البول) أي لا يجتنب ولا يحترز عن وقوعه عليه، وقيل: أي لا يستبرئ ولا يتطهر ولا يستبعد عنه. (فكان يمشي) أي بين الناس. (بالنميمة) هي نقل كلام الغير لقصد الإضرار. والباء للمصاحبة أو التعدية على أنه بمعنى يشهر النميمة بين الناس ويشيعها. (ثم أخذ) أي النبي ﷺ (جريدة رطبة) بفتح الراء وسكون الطاء، أي غصناً من النخل. (فشقها بنصفين) مفعول مطلق، والباء زائدة للتأكيد، وقيل: حال أي جعلها مشقوقة حال كونها متلبسة بنصفين. (واحدة) أي من كل من الشقين. (لم صنعت هذا؟) أي الغزر. (لعله) أي العذاب، أو الهاء ضمير الشأن. (أن يخفف عنهما) أي صاحبى القبرين.

стр. 462

ما لم يبسا)) متفق عليه. ٣٤٠- (٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يارسول الله ﷺ ؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم)) رواه مسلم. ٣٤١- (٧) وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا شرب أحدكم ــ (ما لم يبسا) بالتذكير، وبفتح الباء الموحدة، ويجوز كسرها، أي مادام لم يبس النصفان أو القضيبان، قيل: وجه هذا التحديد أنه ﷺ سأل التخفيف عنهما وشفع لهما فأجيبت شفاعته بالتخفيف إلى مدة بقاء النداوة، أي جعل زمان بقاء النداوة والرطوبة علامة لتخفيف العذاب بشفاعته ﷺ ودعاءه، كما صرح به في حديث جابر في آخر صحيح مسلم، لا أن في الجريد معنى خصة، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس، وهذا بناء على أن القصة في حديث ابن عباس وحديث جابر واحدة كما رجحه النووي. وفيه نظر. وقيل تخفيف العذاب كان ببركة يده ﷺ ، فالحديث واقعة حال خاص لا يفيد العموم. وقيل: هو عام بدليل أنه تأسى بذلك بريدة بن الحصيب الصحابي فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان، وروى نحوه عن أبي برزة الأسلمي، والظاهر عندي: أنه مخصوص بالنبي ﷺ ليس بعام، وأما ما يفعله القبوريون من وضع الرياحين على القبور، وغرس الأشجار عليها، وسترها بالثياب، وإجمارها وتبخيرها بالعود، وإتخاذ السرج عليها فلا شك في كونه بدعة وضلالة. ومن زعم أن هذا الحديث أصل لهذه الأمور المحدثة فقد جهل وافترى على الرسول الله ﷺ . (متفق عليه) أخرجه البخاري في الطهارة، والجنائز، والأدب، والحج، ومسلم في الطهارة، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه، وغيرهم. ٣٤٠- قوله: (اللاعنين) أي الأمرين الجالبين للعن، الحاملين للناس عليه، الداعيين إليه، فكأنهما لاعنان من باب تسمية الحامل والداعي فاعلاً، أي الذين هما سببا اللعنة غالباً، وقد يكون اللاعنين بمعنى الملعون، أي الملعون فاعلهما، ولفظ مسلم: اتقو اللعانين. والمعنى: اتقوا فعل اللعانين أي صاحبى اللعن، وهما اللذان يلعنهما الناس في العادة. (الذي يتخلى) أي يتغوط أو يبول، بحذف المضاف، أي أحدهما تخلى الذي يتخلى. (أو في ظلهم) أو للتنويع، والمراد بالظل مستظل الناس الذي اتخذوه مقيلاً ومناخاً ينزلونه ويقعدون فيه، إذ ليس كل ظل يحرم القعود لقضاء الحاجة تحته، فقد قعد النبي ﷺ تحت حائش النخل لحاجته وله ظل بلا شك، ويدل له حديث أحمد "أو ظل يستظل به". والحديث يدل على تحريم التخلي في طرق الناس وظلهم لما فيه أذية المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود. ٣٤١- قوله: (وعن أبي قتادة) هو أبوقتادة الأنصاري السلمي فارس رسول الله ﷺ ، اسمه الحارث، وقيل: عمرو، وقيل: النعمان، وقيل: عون بن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة مكسورة، والمشهور الحارث بن ربعي بن

стр. 463

فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه)) متفق عليه. ٣٤٢- (٨) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليؤتر)) متفق عليه. ٣٤٣- (٩) وعن أنس، قال: ((كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء ــ بلدمة، وهو ممن غلبت عليه كنيته. صحابي مشهور، شهد أحداً وما بعدها ولم يصح شهوده بدراً. توفي بالكوفة سنة (٥٤) وهو ابن سبعين سنة، له مائة وسبعون حديثاً، اتفقا على أحد عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثمانية. روى عنه جماعة. (فلا يتنفس) بالجزم ولا ناهية في الثلاثة، وروى بالضم فيها على أن لا نافية، والمعنى لا يخرج نفسه. (في الإناء) أي في داخله لئلا يقل برودة الماء الكاسرة للعطش بحرارة النفس، أو كراهة أن ينحدر قذرة من نفسه، بل إذا أراد التنفس فليرفع فمه عن الإناء فيتنفس ثم يشرب. (وإذا أتى الخلاء فلا يمس) بفتح الميم على الأفصح. (ذكره بيمينه) وفي رواية "إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه" وفي الأخرى "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول". وهذه الروايات كلها تدل على أن النهي عن مس الذكر باليمين مقيد بحالة البول، فيكون ما عداها مباحاً، ويحمل على هذا المقيد ما ورد في بعض الروايات من النهي المطلق عن مس الذكر باليمين لاتحاد المخرج والحديث. وقيل: يكون ممنوعاً أيضاً من باب الأولى؛ لأنه نهى عن ذلك مع مظنة الحاجة في تلك الحالة، ويؤيد القول الأول حديث طلق بن علي، وقد سأل ﷺ عن مس ذكره فقال: إنما هو بضعة منك؛ لأنه يدل على الجواز في كل حال، فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح، وبقي ما عداها على الإباحة، وإنما خص النهي بحالة البول من جهة أن مجاور الشيء يعطي حكمه، فلما منع الاستنجاء باليمين منع مس آلته حسما للمادة. (ولا يتمسح) بالسكون وضمها. (بيمينه) أي لا يستنجي باليد اليمنى تكريماً لليمين. والحديث دليل على تحريم الأمور الثلاثة المذكورة؛ لأنه الأصل في النهي، ولا صارف له، وحمله الجمهور على التنزيه. (متفق عليه) أخرجاه في الطهارة والأشربة، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم مطولاً ومختصراً. ٣٤٢- قوله: (من توضأ فليستنثر) من الاستنثار وهو طرح الماء الذي يستنشقه، ولم يذكر الاستنشاق؛ لأن ذكر الاستنثار دليل عليه، إذ لا يكون إلا منه. وفيه دليل على وجوب الاستنثار، وفيه خلاف وسيأتي الكلام فيه في سنن الوضوء إن شاءالله تعالى. (ومن استجمر) أي استنجى بالجمرة أي الحجر. (فليؤتر) يشمل الإنقاء بالواحد أيضاً لكن يحمل هذا المطلق على المقيد في الروايات الأخر. والمعنى فليؤتر بثلاث أو خمس أو سبع أو غير ذلك، والواجب الثلاثة لتلك الروايات وما زاد عليها مستحب لقوله: ومن لا فلا حرج. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه. ٣٤٣- قوله: (يدخل الخلاء) المراد بالخلاء ههنا الفضاء بقرينة العنزة؛ لأنه كان إذا توضأ صلى إليها في الفضاء، أو

стр. 464

فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة، يستنجى بالماء)) متفق عليه. ﴿الفصل الثاني﴾ ٣٤٤- (١٠) عن أنس، قال: قال النبي ﷺ : ((إذا دخل الخلاء نزع خاتمه)) رواه أبوداود والنسائي والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال أبوداود: هذا حديث منكر. ــ يستتر بها بأن يضع عليها ثوباً أو يركزها بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه، أو ينبش الأرض الصلبة لئلا يرتد البول إليه، أو لغير ذلك من قضاء الحاجات التي تعرض له، ولأن خدمته في البيوت تختص بأهله. (وغلام) زاد في رواية لمسلم "نحوي" والغلام هو المترعرع، قيل: إلى حد السبع سنين، وقيل: إلى الالتحاء، ويطلق على غيره مجازاً، قيل: أراد بالغلام الآخر ابن مسعود، وأراد بقوله "نحوي" أي في كونه كان يخدمه ﷺ ، فإن ابن مسعود كان صاحب سواد رسول الله ﷺ يحمل نعله وسواكه، أو أطلق عليه الغلام مجازاً، وقيل: هو أبوهريرة، وقيل جابر بن عبد الله، وفيه دليل على جواز الاستخدام للصغير. (إداوة) بكسر الهمزة أي مطهرة، وهي إناء صغير من جلد يتخذ للماء. (من ماء) أي مملوءة منه. (عنزة) بالنصب عطفاً على الإداوة، بفتح النون أطول من العصا وأقصر من الرمح فيها سنان. (يستنجى بالماء) يؤخذ منه ومن غيره أنه ﷺ كان يقتصر على الماء تارة وعلى الحجر أخرى، وكثيراً ما كان يجمع بينهما، قاله القاري. وفيه رد على من أنكر أن يكون النبي ﷺ استنجى بالماء وهو مالك ومن وافقه. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي. ٣٤٤- قوله: (إذا دخل الخلاء) أي أراد دخوله. (نزع) أي أخرج من إصبعه. (خاتمه) بفتح التاء، وقيل: بكسرها؛ لأن نقشة "محمد رسول الله" وفيه دليل على تبعيد ما فيه ذكر الله عند قضاء الحاجة، والقرآن بالأولى، حتى قيل: يحرم إدخال المصحف في الخلاء لغير ضرورة. قال الأمير اليماني: هذا فعل منه ﷺ ، وقد عرف وجهه، وهو صيانة ما فيه ذكر الله عزوجل عن المحلات المستخبثة فدل على ندبه، وليس خاصاً بالخاتم بل في كل ملبوس فيه ذكر الله –انتهى. وقال الطيبي: فيه دليل على وجوب تنحية المستنجى اسم الله واسم رسوله والقرآن، قيل: فلو غفل عن تنحية ما فيه ذكر الله حتى اشتغل بقضاء الحاجة، أو خاف ضياعه، غيبه في فمه، أو في عمامته، أو نحوها. (رواه أبوداود) الخ. وأخرجه أيضاً ابن ماجه وابن حبان والحاكم كلهم من طريق همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس. (وقال) أي الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وافقه المنذري في تصحيحه وصوبه، وقال: رواته ثقات أثبات. وتبعه أبوالفتح القشيري في آخر الاقتراح، ومال إلى تصحيحه موسى بن هارون، وصححه ابن حبان، وقال النووي في الخلاصة: هذا أي تصحيح الترمذي مردود عليه. (وقال أبوداود، هذا حديث منكر) وقال النسائي: إنه غير محفوظ، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه، وأشار إلى شذوذه. والمنكر ما رواه الضعيف مخالفاً للثقة، ومقاله المعروف، وهو ههنا حديث ابن جريج،

стр. 465

وفي روايته: وضع بدل نزع. ٣٤٥- (١١) وعن جابر، قال: ((كان النبي ﷺ إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)) ــ عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس قال: "إن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه"، والوهم فيه من همام كما قاله أبوداود، ولم يرو حديث أنس بلفظ "إذا دخل الخلاء وضع خاتمه"، وقد خالف أصحاب ابن جريج. وإطلاق المنكر على حديث همام هذا إنما هو على مذهب ابن الصلاح من عدم الفرق بين الشاذ والمنكر، وحكم النسائي عليه بكونه غير محفوظ أصوب، فإنه شاذ في الحقيقة على مذهب الجمهور من الفرق بين المنكر والشاذ، إذا المتفرد به وهو همام، من شرط صحيح، وثقة ابن معين وغيره، وقال أحمد: ثبت في كل المشائخ لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذاً. وقد نوزع أبوداود في حكمه على هذا الحديث بالنكارة مع أن رجاله رجال الصحيح، نازعه المنذري وموسى بن هارون وغيرهما، قال موسى بن هارون: لا أدفع أن يكون حديثين، ومال أيضاً إليه ابن حبان فصحح حديثين معاً، وقد تابع همام يحيى بن الضريس البجلي، ويحيى بن المتوكل البصري، أخرجهما الحاكم والدارقطني، وقد رواه عمرو بن عاصم وهو من الثقات عن همام موقوفاً على أنس، وقال المارديني في الجوهر النقي: الحديثان مختلفان متناً وكذا سنداً؛ لأن الأول رواه ابن جريج عن الزهري بلا واسطة والثاني بواسطة، فانتقال الذهن من الحديث الذي قاله أبوداود فيه: إنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس قال: "إن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه" إلى حديث وضع الخاتم مع اختلافهما سنداً ومتناً كما بيناه، لا يكون إلا عن غفلة شديدة، وحال همام لا يحتمل مثل ذلك، هذا مع أن له شاهداً أخرجه البيهقي، عن يحيى بن المتوكل عن ابن جريج عن الزهري عن أنس الخ. وذكر الدارقطني في كتاب العلل: أن يحيى بن الضريس رواه عن ابن جريج كرواية همام، فهذه متابعة ثانية، وابن ضريس ثقة، فتبين بذلك أن الأمر فيه كما ذكر الترمذي من الحسن والصحة – انتهى مختصراً. وقال الحافظ بعد بيان وجه حكم أبي داود على هذا الحديث بالنكارة والكلام في متابعة يحيى بن المتوكل ما نصه: على أن للنظر مجالاً في تصحيح حديث همام؛ لأنه مبنى على أن أصله حديث الزهري عن أنس في اتخاذ الخاتم، ولا مانع أن يكون هذا متناً آخر غير ذلك المتن، وقد مال إلى ذلك ابن حبان فصححهما جميعاً، ولا علة له عندي إلا تدليس ابن جريج، فإن وجد عنه تصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته –انتهى. وإن شئت مزيد التفصيل فارجع إلى التلخيص (ج١: ص٣٩) وعون المعبود (ج١: ص٩، ٨) والجوهر النقي (وفي روايته) أي أبي داود (وضع) أي من يده (بدل نزع) أي من إصبعه، ولا تفاوت واختلاف بينهما معنى. ٣٤٥- قوله: (البراز) أي الفضاء أو قضاء الحاجة بفتح الباء والكسر لغة قليلة، الفضاء الواسع من الأرض، ثم كنوا به عن الغائط، يقال: تبرز أي تغوط، وهو أن يخرج إلى البراز كما قيل: تخلى إذا صار إلى الخلاء، (انطلق) أي ذهب في الصحراء. (حتى لا يراه أحد) أي إلى أن يصل إلى موضع لا يراه فيه أحد، وفيه دليل على مشروعية التباعد

стр. 466

رواه أبوداود. ٣٤٦- (١٢) وعن أبي موسى، قال: ((كنت مع النبي ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دمثاً في أصل جداًر، فبال. ثم قال: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله)) رواه أبوداود. ٣٤٧- (١٣) وعن أنس، قال: ((كان النبي ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)) . ــ عند الحاجة عن حضور الناس إذا كان في مراح من الأرض، ويدخل في معناه الاستتار بالأبنية، وضرب الحجب، وإرخاء الستر وأعماق الآبار والحفائر ونحو ذلك من الأمور الساترة للعورات، وكل ما ستر العورة عن الناس. (رواه أبوداود) وسكت عنه، وفيه إسماعيل بن عبد الملك الكوفي قد تكلم فيه غير واحد، وقال الحافظ: صدوق كثير الوهم، وأخرجه أيضاً ابن ماجه، وفيه أيضاً إسماعيل بن عبد الملك، ويؤيده حديث المغيرة بن شعبة عند الترمذي وصححه، وأبي داود والنسائي وابن ماجه بلفظ: كان إذا ذهب المذهب أبعد. ٣٤٦- قوله: (ذات يوم) أي يوما وذات زائدة، وقيل كناية عن الساعة، أي كنت يوماً أو ساعة يوم معه ﵊. (دمثاً) بفتح الدال وكسر الميم، قال الخطابي: الدمث المكان السهل الذي يجذب فيه البول فلا يرتد على البائل، يقال للرجل إذا وصف باللين والسهولة "إنه لدمث الأخلاق، وفيه دماثة" ويقال: دمث المكان كفرح دمثا أي؛ لأن وسهل (في أصل جدار) أي قريب منه (فليرتد) بسكون الدال المخففة من الارتياد، أي فليطلب مكاناً مثل هذا فحذف المفعول لدلالة الحال عليه. وفيه دليل على أنه ينبغي لمن أراد قضاء الحاجة أن يعمد إلى مكان لين سهل لا صلابة فيه ليأمن من رجوع رشاش البول ونحوه عليه. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد، والبيهقي. والحديث في سنده رجل مجهول ولذا ضعفه النووي، وهو وإن كان ضعيفاً فأحاديث الأمر بالتنزه عن البول تفيد ذلك، وقد روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله، قال الهيثمي (ج١: ص٢٠٤) : هو من رواية يحيى بن عبيد بن دجى عن أبيه، ولم أر من ذكرها، وبقية رجاله موثقون. ٣٤٧- قوله (إذا أراد الحاجة) أي قضاء الحاجة يعني إذا أراد القعود للغائط أو البول (لم يرفع ثوبه) مبالغة في دوام التستر (حتى يدنو) أي يقرب (من الأرض) احتراز عن كشف العورة، وهذا من أدب قضاء الحاجة، ويستوي فيه الصحراء والبنيان؛ لأن في رفع الثوب كشف العورة، وهو لا يسوغ إلا عند الحاجة، ولا ضرورة في الرفع قبل القرب من الأرض قاله الطيبي، وقال العزيزي: لم يرفع ثوبه أي لم يتم رفعه حتى يدنو من الأرض، فيندب رفعه شيئاً محافظة على الستر ما لم يخف تنجس ثوبه وإلا رفعه بقدر حاجته-انتهى، ويمكن أن نستنبط منه قولهم: ما أبيح للضرورة يتقدر بقدر

стр. 467

رواه الترمذي وأبوداود والدارمي. ٣٤٨- (١٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، أعلمكم: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، وأمر بثلاثة أحجار. ونهى عن الروث والرمة، ونهى أن يستطيب الرجل بيمينه)) رواه ابن ماجه والدارمي. ــ الضرورة. (رواه الترمذي وأبوداود والدارمي) أخرجه الترمذي والدارمي من طريق عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس. وقال الترمذي: وروى وكيع والحماني عن الأعمش قال: قال ابن عمر: "كان النبي ﷺ إذا أراد الحاجة" الحديث، قال: وكلا الحديثين مرسل أي منقطع، لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك، ولا من أحد من أصحاب النبي ﷺ . وأخرجه أبوداود من طريق وكيع، عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ كان "الحديث، قال: رواه عبد السلام ابن حرب، عن الأعمش عن أنس بن مالك وهو أي الحديث ضعيف أي لجهالة الراوي عن ابن عمر في الأول، والانقطاع في الثاني. وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط عن الأوسط عن جابر، قال الهيثمي: وفيه الحسين بن عبيد الله العجلي، قيل فيه: كان يضع الحديث. ٣٤٨- قوله: (إنما أنا لكم مثل الوالد لولده) أي في الشفقة (أعلمكم) كما يعلم الوالد ولده كل مل يحتاج إليه ولا يبالي بما بذكره، فهذا تمهيد لما يبين لهم من آداب الخلاء، إذ الإنسان كثيراً ما يستحي من ذكرها، سيما في مجلس العظماء، وفي هذا بيان وجوب إطاعة الآباء، وأن الواجب عليهم تأديب أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم (وأمر بثلاثة أحجار) ؛ لأن المطلوب شرعاً الإنقاء والإيتار، وهما يحصلان بثلاثة أحجار (ونهى عن الروث والرمة) أي عن استعمالها في الاستنجاء. الروث رجيع ذوات الحوافر، ذكره صاحب المحكم وغيره، قال السندهي: والأشبه أن يراد ههنا رجيع الحيوان مطلقاً ليشمل رجيع الإنسان وذكر بإطلاق اسم الخاص على العام، ويحتمل أن يقال: ترك ذكر رجيع الإنسان؛ لأنه أغلظ فيشمله النهي بالأولى، والرمة بكسر الراء وتشديد الميم، العظم البالي، ولعل المراد ههنا مطلق العظم. ويحتمل أن يقال: العظم البالي لا ينتفع به فإذا منع عن تلويثه فغيره أولى، قاله السندهي. ويجوز أن يكون الرمة جمع الرميم أي العظام البالية، قال في شرح السنة: تخصيص النهي بهما يدل على أن الاستنجاء يجوز بكل ما يقوم مقام الأحجار في الإنقاء، وهو كل جامد طاهر قالع للنجاسة، غير محترم من مدر وخشب وخرق وخزف انتهى (أن يستطيب) أي يستنجي (الرجل) وكذا المرأة، قال الطيبي: سمى الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النجاسة وتطهيرها (رواه ابن ماجه والدارمي) بسند حسن، وأخرجه أيضاً الشافعي وأحمد وأبوداود والنسائي وابن حبان وابن خزيمة، وأبوعوانة في صحيحه بألفاظ متقاربة، وسكت عنه أبوداود والمنذري.

стр. 468

٣٤٩- (١٥) وعن عائشة، قالت: ((كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى)) رواه أبوداود. ٣٥٠- (١٦) وعنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه)) رواه أحمد وأبوداود والنسائي والدارمي. ٣٥١- (١٧) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنها ــ ٣٤٩- قوله (لطهوره) بضم الطاء أي لوضوءه فيما لم يعهد فيه المقارنة، ويكون من باب التشريف بخلاف غسل الوجه ومسح الرأس والأذن، فإن المعهود في هذه الأشياء قران اليسار باليمين (وطعامه) أي لأكله وشربه وما كان من مكرم كالإعطاء واللبس والسواك والتنعل والترجل والمصافحة والإكتحال. (لخلائه) أي لأجل استنجائه في الخلاء. (وما كان) تامة أي ما وجد ووقع (من أذى) من بيانه أي ما تستكرهه النفس الزكية كالمخاط والرعاف وخلع الثوب. والظاهر أن إدخال الماء في الأنف باليمين والامتخاط باليسار. (رواه أبوداود) في الطهارة، وأخرجه أيضاً أحمد والطبراني كلهم من طريق إبراهيم النخعي عن عائشة، قال المنذري: إبراهيم لم يسمع من عائشة فهو منقطع. وأخرجه أبوداود من طريق أخرى عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة بمعناه. وأخرجه في اللباس من حديث مسروق عن عائشة، ومن ذلك الوجه أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه، ويأتي في آخر الفصل الأول من سنن الوضوء. ٣٥٠- قوله: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط) أي الخلاء (فليذهب) أمر وجوب (معه بثلاثة أحجار) الباء للتعدية (يستطيب) بالرفع مستأنف، علة للأمر أو حال بمعنى عازماً على الاستطابة (بهن) الباء للآلة (فإنها) أي الأحجار (تجزئ) من الإجزاء أي تكفي وتغنى، وفي بعض النسخ "تجزى" بفتح التاء وكسر الزاي بعده ياء، من جزى يجزى مثل قضى يقضي وزناً ومعنى، قاله القاري (عنه) أي عن المستنجي، أو عن الماء المفهوم من المقام، وهو الأظهر معنى. والحاصل أن الاستطابة بالأحجار تكفي المستنجي، أو تكفي عن الماء وتنوب عنه، وإن بقي أثر النجاسة بعد ما زالت عين النجاسة وجرمها وذلك رخصة، ففيه دليل على كفاية الأحجار وعدم وجوب الاستنجاء بالماء، وهو أيضاً يدل على وجوب الإستجمار بثلاثة أحجار؛ لأن الإجزاء يستعمل غالباً في الواجب (رواه أحمد) الخ. وأخرجه أيضاً الدارقطني، وقال: إسناده صحيح. ٣٥١- قوله: (فإنها) وفي بعض النسخ فإنه. قال الطيبي: الضمير في "فإنه" راجع إلى الروث والعظام باعتبار المذكور، كما ورد في شرح السنة، وجامع الأصول، وفي بعض نسخ المصابيح. وفي بعضها وجامع الترمذي "فإنها"

стр. 469

زاد إخوانكم من الجن)) رواه الترمذي والنسائي، إلا أنه لم يذكر: ((زاد إخوانكم من الجن)) . ٣٥٢- (١٨) وعن رويفع بن ثابت، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمداً منه بريء)) رواه أبوداود. ــ فالضمير راجع إلى العظام، والروث تابع لها، عليه قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها﴾ [٦٢: ١١] انتهى. وقال ابن حجر المكي: وسكت عن الروث؛ لأن كونه زاداً لهم إنما هو مجاز، لما تقرر أنه لدوابهم –انتهى. وفي رواية أحمد ومسلم في قصة ذهابه إلى الجن وقراءته عليهم القرآن وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله ﷺ : (فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام الجن (زاد إخوانكم من الجن) قال الطيبي: فيه أن الجن مسلمون حيث سماهم إخواناً وأنهم ليأكلون (رواه الترمذي) في الطهارة وفي التفسير (والنسائي) في الطهارة. وأصل حديث ابن مسعود هذا عند مسلم، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والدارقطني والحاكم من طرق عنه. ٣٥٢- قوله (وعن رويفع) بضم الراء وكسر الفاء تصغير رافع، بكسر الفاء، ابن ثابت بن السكن بن عدي بن حارثة الأنصاري المدني، صحابي سكن مصر، وأمره معاوية على طرابلس سنة (٤٦) فغزا إفريقية. قال أحمد بن البرقي الفتياني: توفي ببرقة سنة (٥٦) وهو أمير عليها، وقد رأيت قبره بها. له ثمانية أحاديث، روى عنه حنش الصنعاني وبسر بن عبيد الله. (لعل الحياة ستطول بك) الباء للإلصاق (بعدي) أي بعد موتي، وقد ظهر مصداق ذلك، فطالت به الحياة حتى مات سنة (٥٦) بإفريقية، وهو آخر من مات بها من الصحابة كما ذكره أبوزكريا بن مندة. (فأخبر الناس) الفاء جزاء شرط محذوف والتقدير فإذا طالت فأخبر، والمعنى: لعل الحياة ستمتد حال كونها ملتصقة بك، حتى ترى الناس قد ارتكبوا أموراً من المعاصي يتجاهرون بها، فإذا رأيت ذلك فأخبرهم. (من عقد لحيته) قيل: هو معالجتها حتى تنعقد وتنجعد. وقيل: كانوا يعقدونها في الحرب فأمرهم بإرسالها، كانوا يفعلون ذلك تكبراً وعجباً، وقيل: هو فتلها كفتل الأعاجم. (أو تقلد وتراً) بفتحتين وتر القوس، أو مطلق الحبل والخيط. قيل: المراد به ما كانوا يعلقونه عليهم وعلى أولادهم وخيلهم من العوذ والتمائم التي يشدونها بتلك الأوتار، ويرون أنها تعصم من الآفات والعين. وقيل: النهي من جهة تعليق الأجراس عليها. وقيل: لئلا تختنق الخيل عند شدة الركض. (أو استنجى برجيع دابة) هو الروث والعذرة. (فإن محمداً منه بريء) هذا من باب الوعيد والمبالغة في الزجر الشديد، وقوله: منه بريء، هكذا في بعض النسخ وكذا وقع عند أبي داود، وفي بعض نسخ المشكاة "برئ منه" وهكذا وقع في رواية النسائي. (رواه أبوداود) في الطهارة وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً النسائي في الزينة.

стр. 470

٣٥٣- (١٩) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، ــ ٣٥٣- قوله: (من اكتحل) أي أراد الاكتحال. (فليؤتر) أي ثلاثاً متوالية في كل عين، وقيل: ثلاثاً في اليمنى واثنين في اليسرى ليكون المجموع وتراً، والتثليث علم من فعله ﷺ ، ففي شمائل الترمذي أنه كانت له مكحلة يكتحل كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه. (من فعل) كذلك. (فقد أحسن) أي فعل فعلا حسناً ويثاب عليه؛ لأنه سنة رسول الله ﷺ . (ومن لا) أي لا يفعل الوتر. (فلا حرج) فيه دليل على أن أمره ﷺ يدل على الوجوب وإلا لما احتاج إلى بيان سقوط وجوبه بقوله: لا حرج أي لا إثم، قاله الطيبي. (ومن استجمر فليؤتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) هذا محمول على أن القطع على وتر سنة فيما إذا زاد على ثلاث جمعاً بين النصوص، وقال الشوكاني: الأدلة المتعارضة قد دلت على عدم جواز الإستجمار بدون ثلاث، وليس لمن جوز دليل يصلح للتمسك به في مقابلتها- انتهى وقد تقدم الكلام عليه في شرح حديث سلمان من الفصل الأول. (فبما تخلل) ما شرطية أي أخرج من بين أسنانه بعود ونحوه. (فليلفظ) بكسر الفاء أي فليرم به وليخرجه من فمه، وهو جزاء قوله: ما تخلل، والشرطية جزاء الشرط الأول. (ومالاك) عطف على ما تخلل، واللوك إدارة الشيء في الفم، قيل: معناه أنه ينبغي للآكل أن يلقي ما يخرج من بين أسنانه بعود ونحوه لما فيه من الاستقذار، ويبتلع ما يخرج بلسانه، وهو معنى "لاك"؛ لأنه لا يسقذر، ويحتمل أن يكون المراد "بمالاك" ما بقي من آثار الطعام على لحم الأسنان وسقف الحلق وأخرجه بإدارة لسانه، وأما الذي يخرج من بين أسنانه فيرميه مطلقاً سواء أخرجه بعود أو باللسان؛ لأنه يحصل له التغيير غالباً. (من فعل) أي ما ذكر من رمى ذاك وابتلاع هذا. (ومن أتى الغائط) أي الخلاء. (فليستتر فإن لم يجد) أي شيئاً ساتراً. (إلا أن يجمع كثيباً) أي كومة. (من رمل فليستدبره) أي ليجعله خلفه لئلا يراه أحد، قال الطيبي: الاستثناء متصل، أي فإن لم يجد ما يستتربه إلا جمع كثيب من رمل فليجمعه ويستدبره؛ لأن القبل يسهل ستره بالذيل ونحوه. (فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم) أي يقصد الإنسان بالشر في تلك المواضع، يعني يحضر تلك الأمكنة وترصدها بالأذى والفساد؛ لأنها موضع يهجر ذكر الله فيه، فأمر بستر العورات ما أمكن، والامتناع من التعرض لأبصار الناظر، وهبوب الرياح، وترشش البول على ثيابه وبدنه،

стр. 471

من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)) رواه أبوداود وابن ماجه والدارمي. ٣٥٤- (٢٠) وعن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يغتسل فيه، ــ وكل ذلك من لعب الشيطان به، وقصده إياه بالأذى. والمقاعد جمع مقعده يطلق على أسفل البدن، وعلى موضع القعود لقضاء الحاجة، وكلاهما يصح إرادته، وعلى الأول الباء للإلصاق وعلى الثاني للظرفية. قال السندهي: لابد من اعتبار قيد على الأول، أي يلعب بالمقاعد إذا وجدها مكشوفة فليستتر ما أمكن –انتهى. (من فعل) أي جمع الكثيب والستر. (فقد أحسن) بإتيان السنة (ومن لا) بأن كان في الصحراء من غير ستر. (فلا حرج) أي إذا لم يره أحد، وأما عند الضرورة فالحرج على من نظر إليه. (رواه أبوداود) الخ. وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم والبيهقي كلهم من طريق حصين الحبراني، قال الذهبي: لا يعرف، وقال الحافظ: مجهول، عن أبي سعيد الحبراني الحمصي التابعي، قال أبوزرعة: لا يعرف، وقال الحافظ: مجهول، وذكرهما ابن حبان في الثقات، وقال أبوزرعة: حصين الحبراني شيخ، وقال الحافظ في الفتح في حديث أبي هريرة هذا: حسن الإسناد. ٣٥٤- قوله: (وعن عبد الله بن مغفل) بمعجمه وفاء مثقلة مفتوحة كمعظم ابن عبد نهم بن عفيف، يكنى أبا عبد الرحمن المزني صحابي بايع تحت الشجرة، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، قال الحسن البصري: كان أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلينا يفقهون الناس، وكان من نقباء أصحابه، وهو أول من دخل تستر حين فتحت. له ثلاثة وأربعون حديثاً، اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديث. مات سنة (٥٧) ، وقيل: بعد ذلك. (لا يبولن أحدكم في مستحمة) بفتح الحاء وتشديد الميم، أصله الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام. وذكر ثعلب: أن الحميم يطلق أيضاً على الماء البارد من الأضداد، وفي معنى المغتسل المتوضأ، ولذا قال فيما بعد: أو يتوضأ. واختلفوا في تعيين محمل النهي، فحمله بعضهم على الأرض اللينة التي لا منفذ فيها كالبالوعة ونحوها، نظراً إلى أن البول في الرخوة يستقر موضعه، وفي الصلبة يجرى ولا يستقر، فإذا صب عليه الماء ذهب أثره بالكلية، وعكس بعضهم فحمل النهي على الأرض الصلبة، نظراً إلى أنه في الصلبة يخشى عود الرشاش بخلاف الرخوة، والأولى أن يحمل الحديث على إطلاقه، ولا يقيد المغتسل بشيء من القيود فيحترز عن البول فيه مطلقاً، فإن حصول الوسواس ليس مختصاً باللين ولا بالصلب بل قد يحصل من البول فيهما جميعاً. (ثم يغتسل فيه) ثم استبعادية يعني بعيد من العاقل أن يجمع بين ما قبلها وما بعدها، يريد أن النهي عنه ما دام مراه أن يغتسل فيه وأما إذا ترك الاغتسال فيه ويريد أن لا يعود إليه أي جعله مهجوراً من الاغتسال أو اغتسل فيه ابتداء ولم يبل فيه فلا نهي، ويجوز في "يغتسل" الرفع أي ثم

стр. 472

أو يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه)) رواه أبوداود والترمذي والنسائي، إلا أنهما لم يذكرا: ثم يغتسل فيه، أو يتوضأ فيه. ٣٥٥- (٢١) وعن عبد الله بن سرجس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبولن أحدكم في جحر)) رواه أبوداود والنسائي. ٣٥٦- (٢٢) وعن معاذ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، ــ هو يغتسل، والجزم بالعطف على فعل النهي، وجوز النصب بإعطاء "ثم" حكم واو الجمع. (فإن عامة الوسواس منه) أي أكثر الوسواس يحصل بسبب مجموع ما تقدم، وهو البول في المستحم أو المتوضأ، ثم الغسل أو الوضوء فيه؛ لأنه يصير ذلك الموضع نجساً فيقع في قلبه وسوسة بأنه هل أصابه منه رشاش أم لا؟ ويجوز في الواو الأولى الفتح والكسر وهو بالكسر المصدر، وبالفتح الاسم. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (والترمذي) وقال: غريب. (والنسائي (وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين. والضياء في المختارة. ٣٥٥- قوله: (وعن عبد الله بن سرجس) بفتح المهملة، وسكون الراء وكسر الجيم، بعدها مهملة كنرجس، غير منصرف للعجمة والعلمية، هو عبد الله بن سرجس المزني حليف بني مخزوم، صحابي، سكن البصرة. له سبعة عشر حديثاً، انفرد له مسلم بحديث، روى عنه نفر من التابعين. (لا يبولن أحدكم في جحر) أي ثقب بتقديم الجيم المضمومة وسكون الحاء المهملة، كل شيء تحتفره السباع والهوام لأنفسها. وجه النهي أن الجحر مأوى الهوام وذوات السموم فلا يؤمن أن تصيبه مضرة من قبل ذلك. ويقال: إن الذي يبول في الجحر يخشى عليه عادية الجن كما عند أبي داود، والنسائي. قالوا لقتادة أي الراوى عن عبد الله بن سرجس: وما يكره البول من الجحر؟ فقال: يقال إنها مساكن الجن. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين والبيهقي. قيل: إن قتادة لم يسمع من عبد الله بن سرجس، حكاه حرب عن أحمد، وأثبت سماعه منه علي بن المديني، وأبوزرعة. وقال أبوحاتم: لم يلق أحداً من الصحابة إلا أنساً وعبد الله بن سرجس، وصححه ابن خزيمة، وابن السكن. ٣٥٦- قوله: (الملاعن) قال زين العرب: جمع ملعن مصدر ميمي أو اسم مكان، من لعن إذا شتم-انتهى. فعلى الأول معناه: اتقوا اللعنات أي أسبابها، أو المصدر بمعنى الفاعل يعني اجتنبوا اللاعنات أي الحاملات والباعثات على اللعن، فيصير نظيراً "اتقوا اللاعنين" مع زيادة واحد. (البراز) بالنصب على البدلية أو بتقدير أعني، والمراد به التغوط. (الموارد) جمع مورد وهو الموضع الذي يأتيه الناس من رأس عين أو نهر لشرب الماء أو للتوضئ. (وقارعة الطريق)

стр. 473

والظل)) رواه أبوداود وابن ماجه. ٣٥٧- (٢٣) وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك)) رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه. ــ أي وسطه يقرعه الناس بأرجلهم ونعالهم أي يدقونه ويمرون عليه، فهي من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الطريق المقروعة. (والظل) تقدم بيان المراد منه. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (وابن ماجه) وأخرجه أيضاً الحاكم كلهم من حديث أبي سعيد الحميري عن معاذ بن جبل، وصححه ابن السكن والحاكم، وقال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن أبا سعيد لم يسمع من معاذ، ولا يعرف هذا الحديث بغير هذا الإسناد، قاله ابن القطان، وأبوسعيد مجهول. ٣٥٧- قوله: (لا يخرج الرجلان) وكذا المرأتان. (يضربان الغائط) يقال: ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء، وضربت في الأرض إذا سافرت، وقال الطيبي: قيل: نصب الغائط بنزع الخافض أي للغائط، وفي مختصر النهاية: يضرب الغائط والخلاء والأرض إذا ذهب لقضاء الحاجة، فالمعنى يمشيان لقضاء الحاجة. (كاشفين) منصوب على الحال. (عن عورتهما) ينظر كل إلى عورة صاحبه عند التغوط. (يتحدثان) حال ثانية، وقال الطيبي "يضربان ويتحدثان" صفتا الرجلان؛ لأن التعريف فيه للجنس، ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأ محذوف أي هما يضربان ويتحدثان استئنافاً، و"كاشفين" حال مقدرة من ضمير يضربان، ولو جعل حالاً من ضمير يتحدثان لم تكن مقدرة، وعلى هذه التقادير النهي منصب على الجميع-انتهى. ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ: لا يقعد الرجلان على الغائط يتحدثان، يرى كل واحد منهما عورة صاحبه، فإن الله يمقت على ذلك. وهو صريح في أن المقت على المجموع، لا على مجرد الكلام، ورواه ابن ماجه بلفظ: لا يتناجى اثنان على غائطهما، ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه، فإن الله عزوجل يمقت على ذلك، قال السندهي: الحديث يدل على منع تحدث كل واحد من المتخليين بالآخر مع نظره إلى عورة الآخر، ولا يلزم منه منع تحدث المتخلى مطلقاً، إلا أن يقال مدار المنع على كون المتكلم مخلياً، ولا دخل فيه لكون المتكلم معه متخلياً، وإنما جاء فرض المتكلم معه متخلياً من جهة أنه لا يحضر مع المتخلي في ذلك الموضع إلا مثله، وأما ذكر النظر فلزيادة التقبيح، ضرورة أن النظر حرام مع قطع النظر عن التحديث والتخلي، فليتأمل. (فإن الله يمقت) من المقت وهو البغض. (على ذلك) أي على ما ذكر، وهو كشف العورة بحضرة الآخر، والتحديث وقت قضاء الحاجة. والحديث دليل على وجوب ستر العورة، والنهي عن التحدث حال قضاء الحاجة، والأصل في النهي التحريم، وتعليله بمقت الله عليه أي شدة بغضه لفاعل ذلك زيادة في التحريم. وقيل: إن الكلام في تلك الحالة مكروه فقط، لكنه يبعد حمل النهي على الكراهة ربطه بتلك العلة. (رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه) وهو عند الجميع من حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن عياض بن هلال عن أبي سعيد، قال أبوداود: لم يسنده إلا عكرمة بن عمار-انتهى. وعكرمة هذا وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما، وتكلم البخاري وأحمد

стр. 474

٣٥٨- (٢٤) وعن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء، فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)) رواه أبوداود وابن ماجه. ٣٥٩- (٢٥) وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء، ــ وأبوداود ويحيى بن سعيد وابن حبان والنسائي في حديثه عن يحيى بن أبي كثير. وقال الحافظ: صدوق يغلط. وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب، وقال الشوكاني: لا وجه للتضعيف بهذا، فقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى، واستشهد بحديثه البخاري عن يحيى أيضاً-انتهى. وعياض بن هلال مجهول. قال المنذري في الترغيب: عياض بن هلال لا أعرفه بجرح ولا عدالة، وهو في عداد المجهولين، وروى أحمد عن جابر مرفوعاً: إذا تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه، ولا يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك. وصححه ابن السكن، وابن القطان، قال الحافظ: وهو معلول. ٣٥٨- قوله: (وعن زيد بن أرقم) بفتح همزة وقاف وسكون راء وبترك صرف، هو زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق وغزا مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة، وأنزل الله تصديقه في سورة المنافقين، ونزل الكوفة، له تسعون حديثاً، اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بستة، روى عنه جماعة مات بالكوفة سنة (٦٦) أو (٦٨) وهو ابن خمس وثمانين، كان من خواص علي، شهد معه صفين. (إن الحشوش) بضم الحاء المهملة وشينين معجمتين، هي الكتف ومواضع قضاء الحاجة، واحدها حش مثلث الحاء، وأصله جماعة النخل المتكاثفة، وكانوا يقضون حوائجهم إليها قبل اتخاذ الكنف في البيوت. (محتضرة) بفتح الضاد أي تحضرها الجن والشياطين يترصدون بني آدم بالأذى والفساد؛ لأنها مواضع تكشف فيه العورات وتهجر عن ذكر الله. فيتمكنون منهم في تلك المواضع ما لا يتمكنون في غيرها من المواضع. (أعوذ بالله) قد تقدم أنه ﷺ يقول: (اللهم إني أعوذبك) . فيتخير بين الصيغتين، أو يقول هذا مرة والآخر مرة (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري (وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة. قال الترمذي: حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، ثم بين الترمذي هذا الاضطراب، وقد أوضحه ثم رفعه شيخنا الأجل المباركفوري في شرح الترمذي فارجع إليه. ٣٥٩- قوله (ستر) بفتح السين مصدر، وقيل بالكسر، وهو الحجاب (ما بين أعين الجن) قال الطيبي"ستر"مبتدأ و"ما بين" موصولة مضاف إليها وصلتها الظرف أي الفعل الذي تعلق به، وخبر المبتدأ قوله أن يقول: بسم الله. (عورات بني آدم) بسكون الواو جمع عورة (إذا دخل أحدهم الخلاء) أي وقت دخول أحد بني آدم، ثم هذا الظرف

стр. 475

أن يقول: بسم الله)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب وإسناده ليس بقوي. ٣٦٠- (٢٦) وعن عائشة، قالت: ((كان النبي ﷺ : إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك)) . رواه الترمذي ــ قيد واقعي غالبي للتكشف المحتاج إلى الستر بالبسملة المتقدمة، لا أنه احترازي، فإنه ينبغي أن يبسمل إذا أراد كشف العورة عند خلع الثوب، أو إرادة الغسل، يدل على ما قلنا من عموم الحكم ما روي عن أنس مرفوعاً: ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا وضعوا ثيابهم أن يقولوا "بسم الله"، أخرجه الطبراني في الأوسط بإسنادين أحدهما فيه محمد بن مسلمة الأموي، ضعفه البخاري وغيره، ووثقه ابن حبان وابن عدي، وبقية رجاله الموثقون. (أن يقول: بسم الله) وذلك لأن اسم الله كالطابع على بني آدم فلا يستطيع الجن فكه، قال المناوي: وقال بعض أئمة الشافعية: ولا يزيد "الرحمن الرحيم" اقتصاراً على الوارد ووقوفاً مع ظاهر هذا الخبر. ولا منافاة بين حديث على هذا وبين ما تقدم من ذكر التعوذ عند دخول الخلاء في حديث زيد بن أرقم وحديث أنس المتقدم في الفصل الأول، إذ ليس أن يقول: هذا وذاك، أحدهما تسمية الله والآخر دعاء يستعيذ به من الخبث والخبائث، ويدل على الجمع ما رواه العمري حديث أنس في التعوذ بلفظ: إذا دخلتم الخلاء فقولوا: "بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث". قال الحافظ في الفتح: إسناده على شرط مسلم. فالجمع أفضل، ولو اكتفى بكل منهما لحصل أصل السنة. (رواه الترمذي) في آخر الصلاة، وأخرجه أيضاً ابن ماجه بإسناد الترمذي. (وإسناده ليس بقوي) ولفظ الترمذي في النسخ الموجودة: وإسناده ليس بذاك. أي ليس بالقوي؛ لأن فيه محمد بن حميد الرازي شيخ الترمذي وهو ضعيف، قال البخاري: فيه نظر، ورماه بعضهم بالكذب، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، ووثقه أحمد وغيره، وقد صحح المناوي حديث علي هذا في شرح الجامع الصغير، ويشهد له حديث أنس عند الطبراني، وقد ذكرنا لفظه مع الكلام فيه، والترمذي نفسه قد حسن حديث محمد بن حميد الرازي في مواضع، فالظاهر أن حديث علي هذا حديث حسن إن شاء الله تعالى. ٣٦٠- قوله: (إذا خرج) هذا يشعر بالخروج عن المكان كما سلف في لفظ "دخل" لكن المراد أعم منه ولو كان في الصحراء. (قال: غفرانك) أي طلب أو أسأل غفرانك. فهو منصوب على أنه مفعول به، ويحتمل أن يكون منصوباً على المصدرية أي الغفران اللائق بجنابك، أو الناشئ من فضلك بلا إستحقاق مني، فلا يرد أنه لا فائدة للإضافة، إذ لا يتصور غفران غيره هناك. قيل: إنه استغفر لتركه الذكر في تلك الحالة، لما ثبت أنه كان يذكر الله على كل أحواله إلا حال قضاء الحاجة، فجعل ترك الذكر في هذه الحالة تقصيراً وذنباً يستغفر منه، وقيل: استغفر لتقصيره في شكر نعمة الله عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج، فإن انحباسه من أسباب الهلاك، فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها، وهذا أنسب ليوافق حديث أنس الآتي في آخر الفصل الثالث. (رواه الترمذي) وقال: حديث غريب

стр. 476

وابن ماجه والدارمي. ٣٦١- (٢٧) وعن أبي هريرة، قال: ((كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة، فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر، فتوضأ)) رواه أبوداود وروى الدارمي والنسائي معناه. ٣٦٢- (٢٨) وعن الحاكم بن سفيان، قال: ((كان النبي ﷺ إذا بال توضأ ونضح فرجه)) ــ حسن، ولا يعرف في الباب إلا حديث عائشة (وابن ماجه والدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي في "عمل اليوم الليلة" وابن الجارود، وصححه الحاكم، وأبوحاتم وابن خزيمة وابن حبان. وقال النووي: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وجاء في الذي يقال عقب الخروج من الخلاء أحاديث كثيرة ليس فيها شيء ثابت إلا حديث عائشة المذكور، قال: وهذا مراد الترمذي بقوله: ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة. ٣٦١- قوله: (أتيته بماء في تور) بفتح المثناة وسكون الواو، إناء من صفر، أو حجارة يتوضأ منه ويؤكل فيه ويشرب منه. (أو ركوة) بفتح الراء وسكون الكاف، إناء صغير من جلد يشرب منه ويتوضأ، و"أو" للشك من الراوي عن أبي هريرة أو للتنويع، أي إن أبا هريرة يأتيه تارة بهذا وتارة بهذا. (ثم مسح يده على الأرض) عند غسلها مبالغة في تنظيفها وتعليماً للأمة بذلك. (ثم أتيته بإناء آخر) ليتوضأ به. (فتوضأ) بالماء، إتيانه بإناء آخر، ليس لأنه لا يجوز التوضيء بالماء الباقي من الإستنجاء، أو بالإناء الذي استنجى به، بل لأنه لم يبق من الأول شيء، أو بقى قليل غير كاف. وقال بعضهم: قد يؤخذ من هذا الحديث أنه يندب أن يكون إناء الاستنجاء غير إناء الوضوء. (رواه أبوداود) أي بهذا اللفظ وسكت عنه هو والمنذري. (وروى الدارمي والنسائي) وكذا ابن ماجه. (معناه) وأخرج النسائي وابن ماجه وابن خزيمة والدارمي عن جرير بن عبد الله نحوه. ٣٦٢- قوله: (الحكم بن سفيان) وقيل: سفيان بن الحكم، وقيل: أبوالحكم بن سفيان، وقيل: عن ابن الحكم عن أبيه، وقيل: غير ذلك إلى عشرة أقوال بسطها الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٢: ص٤٢٥، ٤٢٦) والسيوطي في التدريب (ص٩٥) في مثال الاضطراب في السند. قال ابن المديني والبخاري وأبوحاتم: الصحيح الحكم بن سفيان. وقال أحمد والبخاري وابن عيينة: ليست للحكم صحبة، وقال أبوزرعة وإبراهيم الحربي وابن عبد البر وغيرهم له صحبة. وقال الحافظ في التقريب: له صحبة، وذكره في الإصابة في القسم الأول من حرف الحاء، وذكره المصنف في فصل الصحابة له هذا الحديث فقط. (إذا بال توضأ) للصلاة أو ليدوم على الطهارة. (ونضح فرجه) أي رش الإزار الذي يلي الفرج

стр. 477

رواه أبوداود والنسائي. ٣٦٣- (٢٩) وعن أميمة بنت رقيقة، قالت: ((كان للنبي ﷺ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)) رواه أبوداود والنسائي. ٣٦٤- (٣٠) وعن عمر، قال: ((رآني النبي ﷺ وأنا أبول قائماً، فقال: يا عمر لا تبل قائماً، فما بلت قائماً بعد)) رواه الترمذي وابن ماجه. ــ بقليل من الماء ليكون مذهباً للوسواس، ولتعليم الأمة. رواه أبوداود والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه، وقد تقدم أن الحديث مضطرب الإسناد، وانظر علل ابن أبي حاتم (ج١: ص٤٦) والتدريب (ص٩٥) . ٣٦٣- قوله: (وعن أميمة بنت رقيقة) بالتصغير فيهما واسم أبيها عبد الله بن بجاد التيمي، صحابية، لها أحاديث، وأمها رقيقة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، أخت خديجة أم المؤمنين. قال ابن عبد البر: كانت أميمة من المبايعات وهي بنت خالة فاطمة الزهراء، وأميمة هذه هي غير أميمة بنت رقيقة الثقفية تلك تابعية. (كان للنبي ﷺ قدح) بفتحتين. (من عيدان) بفتح العين جمع عيدانة، وهي أطول ما يكون من النخل المتجرة من السعف، أتى بلفظ الجمع حملاً على الجنس، وضبطه بعضهم بكسر العين، جمع عود وهو الخشب، وجمع اعتباراً للأجزاء، لا أنه مركب من عيدان. (تحت سريره) أي موضوع تحت سريره. (يبول فيه بالليل) قيل: يعارضه ما رواه الطبراني في الأوسط بسند جيد من حديث عبد الله بن يزيد مرفوعاً "لا ينقع بول في طست في البيت، فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه بول منتقع". والجواب لعل المراد بالنقاعة طول مكثه، وما يجعل في الإناء لا يطول مكثه غالباً. وقال المغلطائي: يحتمل أن يكون أراد كثرة النجاسة في البيت بخلاف القدح فإنه لا يحصل به نجاسة لمكان آخر. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (والنسائي) وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم، قال في عون المعبود: والحديث وإن كان فيه مقال لكنه يؤيده حديث عائشة الذي أخرجه النسائي، وحديث الأسود الذي أخرجه الشيخان، وفيهما "أنه قد دعا بالطست ليبول فيها" الحديث. لكن وقع هذا في المرض-انتهى. ٣٦٤- قوله: (وأنا أبول قائماً) حالان متداخلان. (لا تبل قائماً) محمول على ما إذا لم يأمن الرشاش وهذا إن صح الحديث. (فما بلت قائماً بعد) بالبناء على الضم أي بعد هذا النهي. (رواه الترمذي) أي معلقاً. (وابن ماجه) وكذا البيهقي في السنن الكبرى كلاهما موصولاً من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر عن عمر، قال الترمذي: وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم وهو ضعيف عند أهل الحديث، قال: وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر: ما بلت قائماً منذ أسلمت. قال: وهذا أي حديث عمر الموقوف أصح من حديث عبد الكريم-انتهى. وأثر عمر هذا

стр. 478

٣٦٥- (٣١) قال الشيخ الإمام محي السنة ﵀: قد صح عن حذيفة قال: ((أتى النبي ﷺ سباطة قوم، فبال قائماً)) متفق عليه. قيل: كان ذلك لعذر. ــ نقله الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١: ص٢٠٦) ونسبه للبزار، وقال: رجاله ثقات، وهو يدل على أن عمر ما بال قائماً منذ أسلم، لكن قال الحافظ في الفتح: قد ثبت عن عمر وعلي وزيد بن ثابت، وغيرهم أنهم بالوا قياماً، وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش-انتهى. ٣٦٥- قوله: (أتى سباطة قوم) بضم المهملة بعدها موحدة هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدار مرفقاً لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيه البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا إضافة ملك؛ لأنها لا تخلوا عن النجاسة فكانت مباحة. (فبال قائماً) للتشريع وبيان الجواز، وإنما خالف النبي ﷺ لما عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة لما قيل: إنه كان مشغولاً بمصالح المسلمين فلعله طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول، فلو أبعد لتضرر. وقيل: فعل ذلك لبيان الجواز. وقيل: إنه فعل ذلك في البول، وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشف، ولما يقترن به من الرائحة. وقيل: إن الغرض من الإبعاد التستر، وهو يحصل بإرخاء الذيل والدنو من الساتر. والحديث يدل على جواز البول من قيام من غير كراهة وعذر. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه. (قيل: كان ذلك لعذر) اعلم أنهم اختلفوا في البول قائماً، فرخص قوم من أهل العلم في البول قائماً إذا أمن الرشاش، واستدلوا بحديث حذيفة هذا، وبحديث سهل بن سعد، وحديث عصمة بن مالك أخرجهما الطبراني، وبآثار موقوفة على عمر وعلي وزيد بن ثابت، وغيرهم، وهو القول الراجح عندنا. وقال قوم بكراهة البول قائماً إلا من عذر، واستدلوا بحديث عمر المتقدم، وقد عرفت أنه ضعيف لا يصلح للاحتياج، وبحديث عائشة الآتي في أول الفصل الثالث، وسيأتي الجواب عنه، وبحديث جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يبول الرجل قائماً"، رواه ابن ماجه. والجواب عنه أن في سنده عدي بن الفضل وهو متروك. وبحديث بريدة أن رسول الله ﷺ قال: من الجفاء أن يبول الرجل قائماً" الحديث. والجواب عنه أنه غير محفوظ، قال الترمذي: حديث بريدة في هذا غير محفوظ. وبحديث عائشة قالت: ما بال رسول الله ﷺ قائماً منذ أنزل عليه القرآن. أخرجه أبوعوانة في صحيحه، والحاكم. والجواب عنه أنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع في البيوت، فقد ثبت أن بوله ﷺ عند سباطه قوم كان بالمدينة كما جاء في بعض الروايات الصحيحة، قال الحافظ: وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة، فتضمن الرد على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن-انتهى. وقال هؤلاء: إن بوله ﷺ قائماً كان لعذر، فقالوا: فعل ذلك لحرج في مأبضة، واستدلوا بما روى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال: "إنما بال رسول الله ﷺ قائماً لحرج كان في مأبضه"، والمأبض باطن الركبة، فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود. قال الحافظ: لو صح هذا الحديث

стр. 479

﴿الفصل الثالث﴾ ٣٦٦- (٣٢) وعن عائشة ﵂، قالت: ((من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً)) رواه أحمد والترمذي والنسائي. ٣٦٧- (٣٣) وعن زيد بن حارثة، عن النبي ﷺ ((إن جبرئيل أتاه في أول ما أوحى إليه ــ لكان فيه غنى، لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي. وذكروا وجوهاً أخرى على الاحتمال مما لا دليل عليها ولا قرينة، ولا أثر فلا يلتفت إليها. والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود. ٣٦٦- قوله: (فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) فيه حجة لمن كره البول قائماً إلا من عذر، فإنه يدل على أنه ﷺ ما كان يبول قائماً بل كان هديه في البول القعود، والجواب عنه أن في سند حديث عائشة هذا، شريك بن عبد الله النخعي، وهو صدوق يخطئ كثيراً تغير حفظه منذ ولي قضاء الكوفة، قال الشيخ ولي الدين: هو متكلم فيه بسوء الحفظ، وعلى تقدير صحته فحديث حذيفة أصح منه بلا تردد أو تكافأ في الصحة. والجواب عنه أنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة. وقيل: معنى حديث عائشة هذا أي من حدثكم أنه ﷺ كان يعتاد البول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يعتاد البول إلا قاعداً. فلا ينافي حديث حذيفة؛ لأن ما وقع منه قائما كان نادرا لبيان الجواز، والمعتاد الغالب خلافه. (رواه أحمد والترمذي) وقال: حديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب وأصح-انتهى. وقد تقدم أن في سنده شريكاً القاضي وهو متكلم فيه بسوء الحفظ، قال الحافظ: لم يثبت عن النبي ﷺ في النهي عن البول قائماً شيء، كما بينته في أوائل شرح الترمذي-انتهى. فمعنى قول الترمذي هذا: أن حديث عائشة أقل ضعفاً، وأرجح مما ورد في هذا الباب. (والنسائي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه والحاكم وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين، قال ابن القطان: لا يقال فيه: أنه صحيح. وتساهل الحاكم في التصحيح معروف، وكيف يكون على شرط الشيخين مع أن البخاري لم يخرج لشريك بالكلية، ومسلم خرج له استشهاداً لا احتجاجاً. ثم رأيت عند الطبعة الثانية "الأحاديث الصحيحة" للشيخ الألباني، وقد حكم هو بصحة هذا الحديث لمتابعة سفيان الثوري شريك بن عبد الله بن المقدام بن شريح عند أحمد (ج٦: ص١٣٦، ١٩٢، ٢١٣) وأبي عوانة في صحيحه (ج١: ص١٩٨) (والحاكم (ج١: ص١٨١) والبيهقي (ج١: ص١٠١) وقد وافق الذهبي للحاكم في تصحيحه، وقال في المهذب (١/٢٢/٢) : "سنده صحيح"، والأمر كما قال الألباني. ٣٦٧- قوله: (وعن زيد بن حارثة) بن شراحيل الكلبي حب رسول الله ﷺ ومولاه، يكنى أبا أسامة، وأمه سعدي بنت ثعلبة من بنى معن، خرجت أمه تزور قومها فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية على أبيات من بني

стр. 480

فعلمه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء، أخذ غرفة من الماء، فنضح بها فرجه)) رواه أحمد والدارقطني. ٣٦٨- (٣٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((جاءني جبرئيل، فقال: يا محمد إذا توضأت فانتضح)) ــ معن رهط أم زيد، فاحتملوا زيداً وهو يومئذٍ غلام يقال: له ثمان سنين فوافوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربع مائة درهم، فلما تزوجها وهبته له فقبضه، ثم إن خبره اتصل بأهله فحضر أبوه حارثة وعمه كعب في فدائه فخيره النبي ﷺ بين نفسه والمقام عنده، وبين أهله والرجوع، فاختار النبي ﷺ لما يرى من بره وإحسانه إليه، فحينئذٍ خرج به النبي ﷺ إلى الحجر فقال: يا من حضر! أشهدوا أن زيداً ابني يرثني وأرثه، فصار يدعى زيد بن محمد إلى أن جاء الله بالإسلام، ونزل ﴿ادعوهم لآبائهم، هو أقسط عند الله﴾ [٣٣: ٥) فقيل له: زيد بن حارثة. وهو أول من أسلم من الذكور بعد علي بن أبي طالب. وكان النبي أكبر منه بعشر سنين، وقيل بعشرين سنة. وزوجه رسول الله ﷺ مولاته أم أيمن فولدت له أسامة، ثم تزوج زينب بنت جحش، ولم يسم الله تعالى في القرآن أحداً من الصحابة غيره في قوله: ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها﴾ [٣٣: ٣٧] قال أسامة بن زيد: قال رسول الله ﷺ لأبي: أنت مني وإلي وأحب القوم إلي. استشهد في غزوة موتة وهو أمير الجيش في جمادى الأولى سنة (٨) وهو ابن (٥٥) سنة، ونعاه النبي ﷺ لأصحابه في اليوم الذي قتل فيه وعيناه تذرفان. له أربعة أحاديث، روى عنه ابنه أسامة والبراء وابن عباس وغيرهم. (فعلمه الوضوء) فنزول سورة المائدة آخراً كان للتأكيد الحكم وتائيد الأمر. (فلما فرغ من الوضوء) هذا صريح في أن النضح بعد الوضوء، وأنه ليس المراد بالنضح غسل الفرج كما قيل. (أخذ غرفة) بالفتح والضم. (فنضح بها فرجه) أي إزاره حذاء فرجه، وذلك لتعليم الأمة ما يدفع الوسوسة، أو لقطع البول، فإن النضح بالماء البارد يردع البول فلا ينزل منه شيء بعد شيء. (رواه أحمد والدارقطني) وكذا ابن ماجه، وفي سندهم جميعا ابن لهيعة وفيه مقال مشهور، وأخرجه أحمد والدارقطني عن أسامة بن زيد بنحوه، وفيه رشدين بن سعد، وثقه هيثم بن خارجة، وأحمد في رواية، وضعفه آخرون. ٣٦٨- قوله: (إذا توضأت) أي فرغت من الوضوء. (فانتضح) الانتضاح رش الماء على الثوب ونحوه، والمراد به أن يرش على فرجه بعد الوضوء ماء ليذهب عنه الوسواس الذي يعرض للإنسان أنه قد خرج من ذكره بلل، فإذا كان ذلك المكان بللاً ذهب ذلك الوسواس، وفي معناه أقوال أخرى لا نتعرض لها؛ لأنها لا تناسب الأحاديث الواردة في

стр. 481

رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. وسمعت محمداً يعنى البخاري، يقول: الحسن بن علي الهاشمي الراوي منكر الحديث. ٣٦٩- (٣٥) وعن عائشة، قالت: ((بال رسول الله ﷺ فقام عمر خلفه بكوز من ماء، فقال: ما هذا ياعمر؟ فقال: ماء تتوضأ به. قال: ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة)) وراه أبوداود وابن ماجه. ــ هذا الباب. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه وليس فيه ذكر جبريل. (الحسن بن علي الهاشمي الراوي) أي راوي هذا الحديث الذي تفرد به، وهو ضعيف جداً، ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند الترمذي وابن ماجه. (منكر الحديث) هذا من ألفاظ الجرح وهو أشد من قولهم "ضعيف". وكان البخاري دقيق العبارة فيما يجرح به الرواة، وأقسى ما يقول في الراوي: "منكر الحديث". وقد نقل ابن القطان من البخاري قال: من قلت فيه "منكر الحديث" فلا تحل الرواية عنه. نقله الذهبي في الميزان، فالحديث ضعيف جداً/ لكن في الباب أحاديث عديدة يدل على أن له أصلاً. ٣٦٩- قوله: (بكوز من ماء) بضم الكاف، جمعه كيزان وأكواز، وهو ماله عروة من أواني الشرب، ومالا عروة له فهو كوب، وجمعه أكواب. (ما هذا) أي الكوز أي ما حملك على قيامك خلفي ولم جئتني بماء؟. (فقال ماء نتوضأ به) بعد البول الوضوء الشرعي، أو المراد به الوضوء اللغوي، وهو الاستنجاء بالماء وعليه بني الكلام أبوداود حيث أورده في باب الاستبراء، وابن ماجه فذكره في باب من بال ولم يمس ماء. (ما أمرت) أي وجوباً. (كلما بلت) بضم الباء. (أن أتوضأ) الوضوء الشرعي بعد البول، أو استنجى بالماء، وكان قد يترك ما هو أولى وأفضل تخفيفاً على الأمة، وإبقاء وتيسيراً عليهم. (ولو فعلت لكانت) أي الفعلة. (سنة) قيل: معناه لو واظبت على غسل محل البول بالماء، أو على الوضوء بعد الحدث لكان طريقة واجبة لازمة لأمتي، فيمتنع عليهم الترخص باستعمال الحجر أو ترك المحافظة على الوضوء، فتأنيث ضمير كانت لتأنيث الخبر. ويحتمل أن يكون المعنى: لكانت فعلتي سنة مؤكدة، يعني أن المراد بالسنة هو المندوب المؤكد كما هو المشهور على ألسنة الفقهاء، إذ الوجوب بمجرد المواظبة محل النظر. قال المناوى: حمل الوضوء في الحديث على المعنى اللغوي مخالف للظاهر بلا ضرورة، والظاهر كما قاله ولي العراقي، حمله على الشرعي المعهود، فأراد عمر أن يتوضأ ﷺ عقب الحدث، فتركه ﷺ تخفيفاً وبياناً للجواز. (رواه أبوداود وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد كلهم من رواية عبد الله بن يحيى التوأم، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن أمه، عن عائشة. وعبد الله بن يحيى ضعيف، وذكره ابن حبان في الثقات، وأم ابن أبي مليكة قال الهيثمي (ج١: ص٢٤١) : لم أر من ترجمها. ورواه أبويعلى، عن ابن أبي مليكة، عن أبيه، عن عائشة-انتهى. قلت أم عبد الله بن أبي مليكة هذه، ميمونة بنت وليد بن الحارث بن عامر بن نوفل

стр. 482

٣٧٠-٣٧٢- (٣٦-٣٨) وعن أبي أيوب، وجابر، وأنس، أن هذه الآية لما نزلت ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ . قال رسول الله ﷺ : ((يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟ قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء. فقال: فهو ذاك، فعليكموه)) رواه ابن ماجه. ــ الأنصارية بنت أم ورقة ثقة، قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج١٢: ص٤٥٤) : هي والدة عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة روت عن عائشة، قالت: "بال رسول الله ﷺ فقام عمر خلفه بكوز من ماء" الحديث. وروى عنها ابنها، ذكرها ابن حبان في الثقات من التابعين، وأورد لها هذا الحديث، وقد ذكرها المزي في المبهمات في أواخر الكتاب؛ لأنها لم تسم في رواية أبي داود، وابن ماجه- انتهى. ٣٧٠، ٣٧١، ٣٧٢- قوله: (أن هذه الآية) أي الآية. (لما نزلت فيه رجال) ضمير "فيه" لمسجد قباء، والجملة بدل من الآية. (والله يحب المطهرين) أصله المتطهرين أبدلت التاء طاء وأدغمت. (يامعشر الأنصار) المراد بهم أهل قباء كما جاء صريحاً في بعض الأحاديث، وتخصيص الأنصار بالخطاب يدل على أن غالب المهاجرين كانوا يكتفون في الإستنجاء على الأحجار. (في الطهور) بضم الطاء وكذا قوله "فما طهوركم" على الأفصح الأشهر. (فهو ذاك) أي ثناء الله عليكم أثر تطهركم البالغ، قاله الطيبي، والأظهر أن الإشارة إلى الاستنجاء فإنه أقرب مذكور ومخصوص بهم، وإلا فالوضوء والاغتسال كان المهاجرون يفعلونهما أيضاً، ورواية الحاكم الآتية صريحة في ذلك. (فعليكموه) أي الزموا الاستنجاء بالماء، وفي رواية الحاكم: فقالوا: يا رسول الله، نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، فقال: فهل مع ذلك غيره، قالوا: لا، غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء، قال: هو ذاك، وظاهر الحديث أنهم يكتفون بالماء عن الأحجار، وهو المعروف في طرق الحديث، وأما ما رواه البزار عن ابن عباس أن النبي ﷺ سأل أهل قباء، فقال: إن الله يثني عليكم، فقالوا: "إنا نتبع الحجارة الماء" ففيه محمد بن عبد العزيز وقد ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما، وهو الذي أشار بجلد مالك، وفيه أيضاً عبد الله بن شبيب وهو ضعيف، وقد روى الحاكم من حديث مجاهد عن ابن عباس أصل هذا الحديث، وليس فيه إلا ذكر الاستنجاء بالماء حسب. وحديث أبي أيوب هذا يدل على ثبوت الاستنجاء بالماء والثناء على فاعله لما فيه من كمال التطهير، قال العلماء: الاستنجاء بالماء أفضل من الحجارة، والجمع بينهما أفضل من الكل، قال الأمير اليماني: ولم نجد عنه ﷺ أنه جمع بينهما. (رواه ابن ماجه) وكذا الحاكم من طريق عتبة بن أبي حكيم، عن طلحة بن نافع أبي سفيان، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، لكن قال الحافظ في التلخيص (ص٤١) :

стр. 483

٣٧٣- (٣٩) وعن سلمان، قال: ((قال بعض المشركين، وهو يستهزئ: إني لأرى صاحبكم يعملكم حتى الجزاءة. قلت أجل، أمرنا أن لا نستقبل القبلة، ولا نستنجي بأيماننا، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم)) رواه مسلم وأحمد واللفظ له. ٣٧٤- (٤٠) وعن عبد الرحمن بن حسنة، قال: ((خرج علينا رسول الله ﷺ ــ إسناده ضعيف. وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه الترمذي وأبوداود وابن ماجه بسند ضعيف. وعن عويم بن ساعدة، أخرجه أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم. وعن ابن عباس، أخرجه الحاكم والطبراني. وعن محمد بن عبد الله بن سلام أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة وعبدلله بن سلام وخزيمة بن ثابت أخرج أحاديثهم الطبراني. ٣٧٣- قوله: (وهو يستهزئ) أي بسلمان. (إني لأرى صاحبكم) يعني النبي ﷺ . (يعلمكم) يعني كل شيء. (حتى الخراءة) أي أدبها، وهي بكسر الخاء المعجمة والراء المهملة ممدوداً، وقيل: بفتح الخاء مع المد، اسم لفعل الحدث أي التغوط، وقيل: التخلي والقعود عند الحاجة، وقيل: المراد هيئة القعود للحدث، لكن كون المراد هيئة القعود يقتضي أن يكون بكسر الخاء وسكون الراء وهمزة كجلسة لهيئة الجلوس، قيل: ولعله بالفتح مصدر وبالسكر اسم. قال عياض: وأما الحدث نفسه فبحذف التاء وبالمد مع كسر الخاء وفتحها. (أجل) بسكون اللام أي نعم. (أمرنا) أي رسول الله ﷺ في آداب قضاء الحاجة. (أن لا نستقبل القبلة) أي ولا نستدبرها كما مر. (ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار) أي بأقل من ثلاثة أحجار، هذا نص صريح في أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز. وإن وقع الإنقاء بدونها، قال الطيبي: جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم؛ لأن المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يهدد أو يسكت عن جوابه، لكنه ﵁ لم يلتفت إلى استهزائه، وأخرج الجواب مخرج المرشد الذي يرشد السائل المجد، يعني ليس هذا مكان الاستهزاء، بل هو جد وحق، فالواجب عليك ترك العناد والرجوع إليه، قال السندهي: والأقرب أنه رد له بأن ما زعمه سبباً للاستهزاء ليس بسبب يصرح المسلمون به عند الأعداء، وأيضاً هو أمر يحسنه العقل عند معرفة تفصيله، فلا عبرة للاستهزاء به بسبب الإضافة إلى أمر يستقبح ذكره في الإجمال، والجواب بالرد لا يسمى باسم أسلوب الحكيم. (ليس فيها رجيع ولا عظم) هذه الجملة صفة مؤكدة لأحجار مزيلة لتوهم أنها مجاز أو واردة على سبيل التغليب. (رواه مسلم وأحمد) وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه. ٣٧٤- قوله: (وعن عبد الرحمن بن حسنة) بفتح المهملتين ثم نون، هو عبد الرحمن بن المطاع بن عبد الله بن الغطريف أخو شرجيل بن حسنة، وحسنة أمها، صحابي، له هذا الحديث فقط، روى عنه زيد بن وهب، وذكر مسلم والأزدي، والحاكم في المستدرك، وأبوصالح المؤذن، وابن عبد البر: أنه تفرد بالرواية عنه، وأنكر العسكري تبعاً لابن

стр. 484

وفي يده الدرقة فوضعها، ثم جلس فبال إليها. فقال بعضهم: أنظروا إليه يبول كما تبول المرأة. فسمعه النبي ﷺ ، فقال: ويحك أما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم فعذب في قبره)) ــ أبي خيثمة أن يكون عبد الرحمن أخا شرجيل، وقال الترمذي لما أشار إلى حديثه: يقال إنه أخو شرجيل (وفي يده الدرقة) بالفتحات الترس من جلود ليس فيه خشب ولا عصب. (فوضعها ثم جلس فبال إليها) أي جعل الدرقة حائلة بينه وبين الناس وبال مستقبلاً إليها. (فقال بعضهم: انظروا إليه) وفي رواية الأحمد قال أي عبد الرحمن بن حسنة: كنت أنا وعمرو بن العاص جالسين، فخرج علينا رسول الله ﷺ ومعه درقة أو شبهها فاستتر بها فبال جالسا قال: فقلنا: أيبول، الخ. وفي رواية الحاكم فقلت لصاحبي: ألا ترى إلى رسول الله ﷺ كيف يبول؟ وهذه الرواية تدل على أن القائل كان مؤمناً إلا أنه قال ذلك تعجباً لما رآه مخالفاً لما عليه عادتهم في الجاهلية، وكانوا قريبي العهد بها. (كما تبول المرأة) أي في التستر، وعليه حمل النووي فقال: إنهم كرهوا ذلك، وزعموا أن شهامة الرجل لا تقتضي التستر على هذا الحال على ما كانوا عليه في الجاهلية، وقيل في الجلوس أو فيهما، وكان شأن العرب البول قائماً. ويؤيد الثاني رواية البغوي في معجمه: فقال بعضنا لبعض: يبول رسول الله ﷺ كما تبول المرأة وهو قاعد. وفي معجم الطبراني: يبول رسول الله ﷺ وهو جالس كما تبول المرأة. (ويحلك) كلمة تقال لمن ينكر عليه فعله مع ترفق وترحم في حال الشفقة. (أما علمت ما أصاب) ما الأولى نافية دخلت عليه همزة الاستفهام للإنكار والثانية موصولة، والمراد به العذاب (صاحب بني إسرائيل) بالنصب وقيل بالرفع، أي من العذاب لنهيه عن المعروف وهو الإحتراز من البول، والتنزه عنه بقطع موضعه، ومقصوده ﷺ بذكر صاحب بني إسرائيل لهم بيان سبب القعود في حالة البول، كأنه قال: بلت جالساً لا قائماً لئلا يصيبني شيء من البول، فاستنزهت من البول بهذا الوضع الخاص، وفي تعريضك منع عن الاستنزاه كمنع صاحب بني إسرائيل. (كانوا) أي بنو إسرائيل. (قرضوه) أي قطعوه، وكان هذا القطع مأموراً به في دينهم. (بالمقاريض) وفي رواية أبي داود: قطعوا ما أصابه البول منهم. يعني قطعوا الموضع الذي أصابه البول من ثيابهم، ففي حديث أبي موسى عند البخاري "كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه"، ووقع في مسلم "جلد أحدهم" قال القرطبي: المراد بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها. وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود ففيها "كان إذا أصاب جسد أحدهم" لكن رواية البخاري صريحة في الثياب، فلعل بعضهم رواه بالمعنى، قاله الحافظ. (فنهاهم) أي صاحبهم عن القطع. (فعذب في قبره) بسبب مخالفة حكم شرعه، ونهيه عن العمل عليه وهو الاحتراز عن البول وقطع موضعه من الثوب. والمعنى تعجبك من فعلي بهذا التعريض فيه شبه إنكار وشائبة نهي عن المعروف، وهو الإستنزاه من البول

стр. 485

رواه أبوداود وابن ماجه. ٣٧٥- (٤١) ورواه النسائي عنه عن أبي موسى. ٣٧٦- (٤٢) وعن مروان الأصفر، قال: ((رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهى عن هذا؟ قال: بل إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس)) رواه أبوداود. ٣٧٧- (٤٣) وعن أنس، قال: ((كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: ــ بالبول جالساً، أى فنهيك بهذا التعريض يشبه نهى صاحب بني إسرائيل فيخاف أن يؤدي إلى العذاب كما أدى نهيه إليه. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. (وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد، والنسائي، وابن حبان والحاكم، والبيهقي، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ومن شرط الشيخين إلى يبلغ تفرد زيد بن وهب بالرواية عن عبد الرحمن بن حسنة، قال الذهبي: رواه عدة عن الأعمش عن زيد بن وهب وهو على شرطهما. ٣٧٥- قوله: (ورواه النسائي عنه) أي عن عبد الرحمن بن حسنة، وهو صحابي كما تقدم. (عن أبي موسى) فيكون رواية الصحابي عن الصحابي، لكن لم أجده في السنن الصغرى، ولعله في السنن الكبرى. ٣٧٦- قوله: (وعن مروان الأصفر) بالفاء، قيل: اسم أبيه خاقان، وقيل: سالم، أبوخليفة البصري ثقة تابعي. (أناخ) أي أقعد (راحلته) الراحلة المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى. (يبول إليها) أي الراحلة. (أليس قد نهي عن هذا) أي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة. (قال بل) للإضراب أي لا مطلقاً. (إنما نهي عن ذلك في الفضاء) بفتح الفاء أي الصحراء. (فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك) بضم التاء. (فلا بأس) قول ابن عمر هذا يدل على أن النهي عن الاستقبال والإستدبار إنما هو في الصحراء مع عدم الساترة، واستدل به من فرق بين الصحراء والبنيان، وأجاب من قال بالمنع مطلقاً بأن قول ابن عمر هذا يحتمل أنه قد علم ذلك من رسول الله ﷺ ، ويحتمل أنه قال ذلك استناداً إلى الفعل الذي شاهده ورواه، فكأنه لما رأى النبي ﷺ في بيت حفصة مستدبر القبلة فهم اختصاص النهي بالبنيان، فلا يكون هذا الفهم حجة، ولا يصلح هذا القول للاستدلال به، وأقل شيء الإحتمال فلا ينتهض لإفادة المطلوب. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وذكره الحافظ في التلخيص، ولم يتكلم عليه بشيء، وذكر في الفتح أنه أخرجه أبوداود والحاكم بإسناد حسن. ٣٧٧- قوله: (إذا خرج من الخلاء) أي أو انتقل عن محل قضاء الحاجة الذي في الصحراء وإن لم يكن معداً فإنه

стр. 486

الحمد لله الذي أذهب عنى الأذى وعافاني)) رواه ابن ماجه. ٣٧٨- (٤٤) وعن ابن مسعود، قال: ((لما قدم وفد الجن على النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله! إنْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة، فإن الله جعل لنافيها رزقاً. فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك)) رواه أبوداود. (٣) باب السواك ﴿الفصل الأول﴾ ــ يسن قول ذلك مطلقاً. (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى) أي لمؤذي. (وعافاني) أي من احتباسه، أو من نزول الأمعة معه. وفي حمده ﷺ إشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنة جزيلة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك، فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها. وحق على من أكل ما يشتهيه من طيبات الأطعمة، فسد به جوعته، وحفظ به صحته وقوته، ثم لما قضى منه وطره، ولم يبق فيه نفع واستحال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة، خرج بسهولة من مخرج معد لذلك، أن يستكثر من محامد الله ﷻ . (رواه ابن ماجه) وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف الحديث، وأخرجه النسائي، وعبد الرزاق وسعيد بن منصور في سننه عن أبي ذر، ورمز السيوطي بصحته. ٣٧٨- قوله: (إنه) بسكون النون وفتح الهاء أمر من نهى ينهى. (أو حممة) بضم الحاء وفتح الميم على وزن رطبه، الفحم وما احترق من الخشب أو العظام ونحوهما. (فإن الله جعل لنا) أي ولدوابنا. (فيها رزقا) قال القاري: قوله رزقا للجن أي انتفاعاً لهم بالطبخ والدفاء والإضاءة. (رواه أبوداود) وسكت عنه، وقال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال مشهور-انتهى. قلت: إسماعيل بن عياش هذا حمصي، وهو صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، وقد روي هذا الحديث عن يحيى بن أبي عمر والسيباني الحمصي فالحديث حسن صالح للاحتجاج على النهي عن الإستنجاء بالحممة. (باب السواك) بكسر السين يطلق على الفعل، وعلى العود الذي يستاك به، والمراد هنا الأول وهو الظاهر، أو الثاني، والمراد استعماله على حذف المضاف، وقال الجزري: السواك والمسواك ما يدلك به أسنان من العيدان، يقال: ساك فاه يسوكه إذا دلكه بالسواك، فإذا لم يذكر الفم، يقال: إستاك-انتهى. قال القاري: في إفراد هذا الباب من سنن الوضوء إيماء إلى أن السواك ليس من أجزاء الوضوء المتصل به، وإشارة إلى جواز تقديم السواك على الوضوء، وأنه ليس يتعين أن يكون محله قبل المضمضة-انتهى. وينبغي أن يكون السواك من الأراك لحديث أبي الخيرة الصباحي

стр. 487

قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﷺ فزودنا الأراك نستاك به، فقلنا: يارسول الله! عندنا الجريد، ولكن نقبل كرامتك وعطيتك. وفي لفظ "ثم أمر لنا بأراك فقال: إستاكوا بهذا" أخرجه البخاري في تاريخه، والطبراني في الكبير، وأبوأحمد الحاكم في الكنى، وأبونعيم في المعرفة، ذكره الحافظ في التلخيص (ص٢٦) وسكت عنه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص١٠٠) : إسناده حسن. ولحديث ابن مسعود، قال كنت اجتني لرسول الله ﷺ سواكاً من أراك. أخرجه أبويعلى في مسنده، وابن حبان، والطبراني، وصححه الضياء في أحكامه، وأخرجه أحمد موقوفاً على ابن مسعود: أنه كان يحتني سواكاً من أراك-الحديث. ولم يقل فيه: أنه كان يجتنيه للنبي ﷺ . ولحديث أبي زيد الغافقي رفعه: الأسوكة ثلاثة: أراك فإن لم يكن أراك، فعنم أو بطم. قال راويه: العنم الزيتون. أخرجه أبونعيم في معرفة الصحابة. فإن تعذر الأراك فقيل: الأفضل الزيتون، لحديث أبي زيد الغافقي، ولحديث معاذ بن جبل رفعه: نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة، تطيب الفم، وتذهب بالحفر، وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي. أخرجه أبونعيم في كتاب السواك، والطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: فيه معلل بن محمد، ولم أجد من ذكره، وقيل: الأفضل عند عدم الأراك جريدة النخل لحديث عائشة في قصة سواك عبد الرحمن بن أبي بكر أنه كان جريدة رطبة، ووقع في مستدرك الحاكم: أنه كان من أراك رطب، فالله أعلم، فإن تعذرت إستاك بما تيسر مما يزيل التغير والصفرة، فإن تعذر، أو كان مقلوع الأسنان أجزأ السواك بالإصابع، لما روى في ذلك من حديث أنس عند ابن عدي والدارقطني والبيهقي، وفي إسناده نظر، ومن حديث عائشة عند أبي نعيم والطبراني وابن عدى، وفيه المثنى بن الصباح، وهو ضعيف اختلط بآخره ومن حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده عند أبي نعيم، والطبراني في الأوسط، وكثير ضعفوه. ومن حديث علي عند أحمد في مسنده، وهو أصح مما تقدم: أنه دعا بكوز من ماء فغسل وجه وكفيه ثلاثاً، وتمضمض فأدخل بعض أصابعه في فيه-الحديث. وفي آخره "هذا وضوء رسول الله ﷺ ". ومن حديث عائشة أيضاً عند الطبراني في الأوسط قالت: قلت: يارسول الله! الرجل يذهب فوه يستاك؟ قال: نعم! قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل إصبعه في فيه فيدلكه، وفيه عيسى بن عبد الله الأنصاري وهو ضعيف. وأما الأبراش التي تعمل في معامل أوروبا أو غيرها لتصفية الأسنان وتنقيتها فالاحتراز منها أولى وأحوط عندي، فإن أكثرها كما قيل تصنع من أشعار الخنازير إلا أن يعلم أنها عملت من غيرها مما يؤكل لحمه. وينبغي أن يستاك على الأسنان عرضاً لئلا يدمى لحم لسانه، وفيه حديث مرفوع رواه أبوداود في مراسيله من طريق عطاء بلفظ: إذا استكتم فاستاكوا عرضاً. وروى البغوي والعقيلي والطبراني والبيهقي وغيرهم من حديث سعيد بن المسيب عن بهز قال "كان النبي ﷺ يستاك عرضاً" الحديث. وفي إسناده ثبيت بن كثير، وهو ضعيف، واليمان بن عدى، وهو أضعف منه، وأما اللسان فيستاك طولاً كما في حديث أبي موسى عند الشيخين، ولفظ أحمد "وطرف السواك على لسانه يستن إلى فوق" قال الراوي: كأنه يستن طولاً.

стр. 488

٣٧٩- (١) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة)) ــ ٣٧٩- قوله: (لولا أن أشق على أمتي) أي لولا خشية المشقة عليهم. (لأمرتهم) أي أمر إيجاب وإلا فالندب ثابت، وفيه دلالة على أن مطلق الأمر للإيجاب. (بتأخير العشاء) أي إلى ثلث الليل أو نصف الليل. (وبالسواك) أي باستعماله إن كان المراد به الآلة، وإن كان المراد به الفعل فلا تقدير. (عند كل صلاة) فريضة أو نافلة، وهذا لفظ مسلم، وكذا وقع عند الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه، ووقع في رواية البخاري في الجمعة "مع كل صلاة"، وحقيقة كلمة مع وعند فيما اتصل حساً أو عرفاً فيدل على كون السواك سنة عند الصلاة أيضاً خلافاً لمن لم يجعله من سنن الصلاة نفسها، فربما يفضي إلى حرج. ورد هذه السنة الصحيحة الصريحة بتعليلات واهية منها أنه مظنة جراحة اللثة وخروج الدم، وهو ناقض عند الحنفية، فربما يفضي إلى حرج. وفيه أن هذا تعليل في مقابلة النص فلا يلتفت إليه، على أنه مبنى على كون خروج الدم من غير السبيلين ناقضاً للوضوء، ولم يثبت ذلك كما تقدم، ولو سلم فمن يخاف ذلك فليستعمل بالرفق على نفس الأسنان واللسان دون اللثة، ومنها أنه لا ينبغي عمله في المساجد؛ لأنه من إزالة المستقذرات. وفيه أن هذا التعليل أيضاً مردود. قال الشيخ محمد طاهر الفتني الحنفي في مجمع البحار (ج٢: ص١٥٨) : لأن الحديث دل على استحبابه لكل صلاة، فكيف بمن هو في الصف الأول ينتظر الصلاة، هل يخرج إذا أقيمت أو يترك الصلاة فيخالف الحديث، أو يستاك قبل الدخول فلا يكون استاك عند الصلاة، وقوله "من المستقذرات" معارض بأنه عبادة، والمفروض فيما إذا لم يحصل بصاق ولا تفل، انتهى. وقال العلامة العظيم آبادي في غاية المقصود: ولا نسلم أنه من إزالة المستقذرات، كيف وقد كان زيد بن خالد الجهني يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استن، ثم رده إلى موضعه؟. (وسيأتي هذا الحديث) وروى الخطيب في كتاب أسماء من روى عن مالك من طريق يحيى بن ثابت، عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال كان أصحاب النبي ﷺ سوكهم على آذانهم يستنون بها لك صلاة. وروى ابن أبي شيبة عن صالح بن كيسان: أن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله كانوا يروحون والسواك على آذانهم. ومنها أنه لم يرو أنه ﵊ استاك عند قيامه إلى الصلاة، فيحمل قوله "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" على كل وضوء صلاة، بدليل ما في بعض الروايات من قوله: عند كل وضوء، وفيه أنه من البعيد كل البعد أن يأمر النبي ﷺ الأمة بالسواك عند الصلاة، ويؤكده عليهم، ولا يفعل ذلك هو بل يترك، مع أنه ثبت عمله بذلك، فقد روى الطبراني في الكبير عن زيد بن خالد الجهني، قال: ما كان رسول الله ﷺ يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك، قال الهيثمي: رجاله موثقون، انتهى. ومن المعلوم أنه ﷺ ما كان يخرج بعد سماع الأذان إلا عند إقامة الصلاة، فكان استياكه في البيت عند قيامه إلى الصلاة، وليس بين الروايتين تعارض حتى تحمل رواية الصلاة على الوضوء، بل يقال:

стр. 489

متفق عليه. ٣٨٠- (٢) وعن شريح بن هانئ، قال: ((سألت عائشة: بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك)) رواه مسلم. ــ إن كلا منهما سنة. قال القاري: قال بعض علمائنا من الصوفية في نصائحه العبادية: ومنها مداومة السواك لا سيما عند الصلاة، قال النبي ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة، أو عند كل صلاة. رواه الشيخان. وروى أحمد: أنه ﵇ قال: صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك، والباء للإلصاق أو المصاحبة، وحقيقتهما فيما اتصل حساً أو عرفاً، وكذا حقيقة كلمة "مع" و"عند". والنصوص محمولة على ظواهرها إذا أمكن، وقد أمكن ههنا فلا مساغ إذا على الحمل على المجاز، أو تقدير مضاف، كيف وقد ذكر السواك عند نفس الصلاة في بعض كتب الفروع المعتبرة. قال في التتارخانية نقلاً عن التتمة: ويستحب السواك عندنا عند كل صلاة، ووضوء، وكل شيء يغير الفم، وعند اليقظة-انتهى. وقال الفاضل المحقق ابن الهمام في شرح الهداية: ويستحب في خمسة مواضع: اصفرار السن، وتغير الرائحة، والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة وعند الوضوء –انتهى. والسر في كون السواك سنة عند القيام إلى الصلاة أنها حال تقرب إلى الله، فاقتضى أن يكون حال كمال ونظافة إظهاراً لشرف العبادة، وقد ورد من حديث علي عند البزار بسند رجاله ثقات، ما يدل على أنه لأمر يتعلق بالملك الذي يستمع القرآن من المصلي، فلايزال يدنو منه حتى يضع فاه على فيه فيتأذى بالرائحة الكريهة، فسن السواك لأجل ذلك. وقيل: لأنه يقطع البلغم، ويزيد في الفصاحة، وتقطيع البلغم مناسب للقراءة لئلا يطرأ عليه فيمنعه القراءة وكذا الفصاحة. (متفق عليه) فيه أن الشيخين أخرجا فضل السواك فقط، نعم أخرج الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه الفضلين، قال ابن مندة: إسناد الحديث مجمع على صحته. ٣٨٠- قوله: (وعن شريح) بضم الشين المعجمة. (بن هانئ) بالهمزة، هو شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي المذحجي أبوالمقدام الكوفي، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وكان من أصحاب علي، وشهد معه المشاهد، وكان ثقة، وله أحاديث ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وذكر مسلم في المخضرمين، وكان على شرطة علي ﵁، قتل بسجستنان مع عبيد الله بن أبي بكرة. سنة (٧٨) . (بالسواك) أي يبدأ به وفيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات، وشدة الإهتمام به وتكراره لعدم تقييده بوقت الصلاة والوضوء؛ لأن دخول البيت لا يختص بوقت دون وقت فكذا السواك، ولعله إذا انقطع عن الناس يستعد للوحي، وقيل: كان ذلك لاشتغاله بالصلاة النافلة في البيت، وقيل: لأنه ربما يتغير رائحة الفم بمحادثة الناس فمن حسن معاشرة الأهل إزالته. (رواه مسلم) وأخرجه أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه.

стр. 490

٣٨١- (٣) وعن حذيفة، قال: ((كان النبي ﷺ إذ قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك)) متفق عليه. ٣٨٢- (٤) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، ــ ٣٨١- قوله: (إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه) بضم المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة، أي يدلك أسنانه وينقيها وينظفها. (بالسواك) ؛ لأن النوم مقتض لتغير الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، والسواك ينظفه. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الطهارة، وفي صلاة الجمعة، وفي صلاة الليل، ومسلم في الطهارة، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه. ٣٨٢- قوله: (عشر) مبتدأ بتقدير عشرة خصال، أو عشرة أفعال أو خصال عشرة، أو أفعال عشرة، وقوله "من الفطرة" خبر له، أو صفة ما بعده خبر. ورواية الخمس لا تنفي الزيادة إذ لا مفهوم للعدد. (من الفطرة) بكسر الفاء بمعنى الخلقة، والمراد ههنا السنة أي من السنن القديمة التي اختارها الله تعالى للأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم فكأنها أمر جبلي فطروا عليه. (وقص الشارب) أي إحفاءه حتى بيد وحمرة الشفة العليا، لقوله: أحفوا الشوارب في حديث ابن عمر عند الشيخين، والإحفاء هو الإستيصال. وقيل: هو مخير بين الإحفاء والقص أي القطع. والشارب هو الشعر النابت على الشفة العليا. (وإعفاء اللحية) أي توفيرها وتكثيرها وإرسالها. وأما الأخذ من طولها أو عرضها شيئاً للتناسب، ولئلا يصل إلى حد الشهرة فقد جوزه بعض السلف. واللحية شعر الخدين والذقن. وسيأتي الكلام مفصلاً في قص الشارب وإحفاء اللحية، والختان في باب الترجل إن شاءالله تعالى. (واستنشاق الماء) أي مع الاستنثار، وهو يحتمل حمله على ما ورد فيه الشرع باستحبابه من الوضوء والاستيقاظ وعلى مطلقه، وعلى حال الاحتياج باجتماع الأوساخ في الأنف، وكذا السواك يحتمل كلا منهما كذا في المجمع. (وقص الأظفار) جمع ظفر، والمراد قطع ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظفر؛ لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة. (وغسل البراجم) بفتح الباء وكسر الجيم جمع "برجمة" بضم الباء والجيم. وهي عقد الأصابع ومعاطفها ومفاصلها. ونبه بها على ما عداها من المواضع التي يجتمع فيها الوسخ فينظف كلها. (ونتف الابط) بالسكون وبكسر أي أخذ شعره بالأصابع؛ لأنه يضعف الشعر، وهل يكفي الحلق والنوير في السنة؟ فيه اختلاف، فمن نظر إلى المعنى وهو النظافة أجازه بكل مزيل، وقال: يكفي الحلق والتنوير، ويتأدى أصل السنة بذلك، لاسيما من يؤلمه النتف، ومن نظر إلى اللفظ وقف مع النتف وهو في الابتداء موجع، ولكن يسهل على من اعتاده. والحكمة في تخصيص الإبط

стр. 491

وحلق العانة، وانتقاض الماء- يعني الاستنجاء- قال الراوي: ونست العاشرة إلا أن تكون المضمضة)) وراه مسلم. وفي رواية "الختان" بدل "إعفاء اللحية". لم أجد هذه الرواية في الصحيحين، ولا في كتاب الحميدي. ــ بالنتف أنه محل الرائحة الكريهة باحتباس الأبخرة عند المسام، والنتف يضعف أصول الشعر، والحلق يقويها، وقد جوز الحلق لمن لا يقدر على النتف. (وحلق العانة) هو الشعر الذي فوق القبل من ذكر أو أنثى، أو منبته، وقيل: هو الشعر النابت حول حلقة الدبر، فتحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وما حولهما، وقيل يستحب للمرأة النتف. وروى ابن ماجه عن أم سلمة: أنه ﷺ كان إذا طلى بدأ بعورته، فطلاها بالنورة وسائر جسده أهله، رجاله ثقات، وهو منقطع، حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أم سلمة، قاله أبوزرعة. (واتقاص الماء) بالقاف والصاد المهملة على المشهور. (يعني الاستنجاء) بالماء، هذا التفسير من وكيع، أحد رواة الحديث كما بينه قتيبة في رواية مسلم، وقيل: معناه انتقاص البول بالماء، وهو أن يغسل ذكره بالماء ليرتد البول بردع الماء، ولو لم يغسل نزل منه شيء فشيء فيعسر الاستبراء منه، فالماء على تفسير وكيع المستنجى به، وعلى القول الثاني البول، فالمصدر مضاف إلى المفعول، وإن أريد به الماء المستنجى به أي المغسول به فالإضافة إلى الفاعل، أي وانتقاص الماء البول، وانتقص لازم ومتعد. وقيل: معناه انتفاض الماء بالفاء والضاد المعجمة والمهملة أيضاً، وهو الانتضاح بالماء على الذكر بعد الوضوء لنفي الوسواس، وهذا أقرب؛ لأن في حديث عمار عند أبي داود وابن ماجه بدله "والانتضاح". (قال الراوي) هو مصعب بن شيبة. (إلا أن تكون المضمضة) قال ابن الملك: لأن المضمضة والاستنشاق يذكران معاً، وهو استثناء مفرغ، قال ابن حجر ضمن "نسي" معنى النفي؛ لأن الترك موجود في ضمن كل، أي لم أنذكر فيما أظن شيئاً يتم الخصال به عشر، إلا أن يكون مضمضة، انتهى. وقال السندهي: أي نسيت العاشرة كل وقت إلا وقت كونها المضمضة، أو على كل تقدير إلا على تقدير أن تكون المضمضة، يريد أنه يظن أن العاشرة هي المضمضة، فإن كانت هي المضمضة في الواقع فهو غير ناس للعاشر، وإلا فهو ناس لها، فهذا استثناء مفرغ من أعم الأوقات أو التقديرات كما قدرنا، انتهى. قال عياض: هذا شك من مصعب فيها، ولعلها الختان المذكور مع الخمس في حديث أبي هريرة، أي الآتي في الترجل، وتبعه النووي والقرطبي. (رواه مسلم) في الطهارة، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في الأدب وحسنه، وأبوداود في الطهارة والنسائي في الزينة، وابن ماجه في الطهارة، وفي سندهم جميعاً مصعب بن شيبة، قال الحافظ: وثقه ابن معين، والعجلي، وغيرهما، ولينه أحمد وأبوحاتم وغيرهما، فحديثه حسن، وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ انتهى. (وفي رواية الختان) هو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة. (بدل) بالنصب. (إعفاء اللحية) برفع "إعفاء" على الحكاية، وقيل بالجر على الإضافة. (لم أجد هذه الرواية) أي رواية الختان التي ذكرها البغوي في المصابيح.

стр. 492

٣٨٣- (٥) ولكن ذكرها صاحب "الجامع، وكذا الخطابي في "معالم السنن" عن أبي داود برواية عمار بن ياسر. ﴿الفصل الثاني﴾ ٣٨٤- (٦) عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب)) ــ ٣٨٣- قوله: (ولكن ذكرها) أي هذه الرواية (صاحب الجامع) أي للأصول وهو ابن الأثير. (وكذا) أي ذكرها. (الخطابي في معالم السنن) الذي شرح به سنن أبي داود. (عن أبي داود) متعلق بذكرها المذكور. (برواية عمار ابن ياسر) أي لا برواية عائشة، كأنه اعتراض على البغوي حيث ذكر رواية الختان في الصحاح مع أنها ليست في الصحيحين، ولا في أحدهما، وهو مخالف لما وعد في أول كتابه. والجواب أن ذلك في مقاصد الباب والأصول، دون ما ذكر من اختلاف ألفاظ الحديث ونحوها مما يشمل الفائدة، ورواية عمار هذه أخرجها أيضاً ابن ماجه، وصححها ابن السكن، وهي معلولة؛ لأنها إما مرسلة، أو منقطعة. وعمار بن ياسر، هو عمار بن ياسر بن مالك العنسي، أبواليقظان مولى بني مخزوم وحليفهم، وذلك أن ياسراً والد عمار قدم من اليمن مكة مع أخوين له يقال بهما: الحارث ومالك في طلب أخ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة، فزوجه أبوحذيفة أمة له يقال لها: سمية فولدت له عماراً، فأعتقه أبوحذيفة، فعمار مولى وأبوه حليف، أسلم عمار وأبوه قديماً، وكانا من المستضعفين الذين عذبوا بمكة ليرجعوا عن الإسلام. وقتل أبوجهل سمية، فهي أول شهيدة في الإسلام، وأحرق المشركون عماراً بالنار، وكان رسول الله ﷺ يمر به فيمر يده عليه ويقول: يا نار كوني برداً وسلاماً على عمار كما كنت على إبراهيم، وهو من المهاجرين الأولين، شهد بدراً والمشاهد كلها، وأبلى فيها، وسماه النبي ﷺ الطيب المطيب. قتل بصفين وكان مع علي بن أبي طالب سنة (٣٧) وهو ابن (٩٣) سنة، ودفن هناك بصفين، وتواترت الروايات عن النبي ﷺ أنه قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية، ومناقبه وفضائله كثيرة جداً، روي له اثنان وستون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث، روى عنه جماعة منهم علي وابن عباس. ٣٨٤- قوله: (السواك مطهرة للفم) بفتح الميم وكسرها لغتان، والفتح أفصح، والكسر أشهر، وهو كل آلة يتطهر بها، والسواك بمعنى العود الذي يدلك به الأسنان، لاشك في كونه آلة لطهارة الفم بمعنى نظافته. (مرضاة للرب) بفتح ميم وسكون راء، والمراد أنه آلة لرضا الله تعالى، باعتبار أن استعماله سبب لذلك، وقيل: مطهرة ومرضاة بفتح ميم كل منهما مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي مطهر للفم، ومُرضٍ للرب، أوهما باقيان على المصدرية أي سبب للطهارة والرضا. وجاز

стр. 493

رواه الشافعي وأحمد والدارمي والنسائي، ورواه البخاري في "صحيحه" بلا إسناد. ٣٨٥- (٧) وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربع من سنن المرسلين، الحياء – ويروى الختان – والتعطر، والسواك، والنكاح)) رواه الترمذي. ــ أن يكون مرضاة بمعنى المفعول أي مرضى للرب. قال السندهي: والمناسب بهذا المعنى أن يراد بالسواك: استعمال العود لا نفس العود، إما على ما قيل: إن اسم السواك قد يستعمل بمعنى استعمال العود أيضاً، أو على تقدير المضاف، ثم لا يخفى أن المصدر إذا كان بمعنى اسم الفاعل يكون بمعنى اسم الفاعل من ذلك المصدر لا من غيره، فينبغي أن يكون ههنا مطهرة ومرضاة بمعنى طاهر وراض لا بمعنى مطهر ومُرض، ولا معنى لذلك فليتأمل، ثم المقصود من الحديث، الترغيب في استعمال السواك وهذا ظاهر. (رواه الشافعي) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وقد طول الحافظ الكلام فيه في التلخيص (ص٢١) فارجع إليه. (ورواه البخاري في صحيحه) في كتاب الصيام. (بلا إسناد) أي تعليقاً بصيغة جزم، فقال: وقالت عائشة عن النبي ﷺ : السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" وتعليقات البخاري المجزومة صحيحة قاله المنذري، والصواب أن يقول المصنف: ذكره البخاري تعليقاً، أو يقول: علقه البخاري فإنه لا يقال في مثل هذا "رواه البخاري تعليقاً". ٣٨٥- قوله: (أربع من سنن المرسلين) يعني من طريقتهم، والمراد الرسل من البشر، قال المناوى: والمراد أن الأربع من سنن غالب الرسل، فنوح لم يختتن، وعيسى لم يتزوج. (الحياء) بفتح المهملة بعدها تحتية، يعني به ما يقضي الحياء من الدين كستر العورة، والتنزه عما تأباه المروءة، ويذمه الشرع من الفواحش وغيرها، لا الحياء الجبلي نفسه، فإنه مشترك بين الناس، وإنه خلق غزيري لا يدخل في جملة السنن، قاله التوربشتي. (ويروى الختان) أي بخاء معجمة ومثناة فوقية. ونون، وهو من سنة الأنبياء من لدن إبراهيم ﵇ إلى زمن نبينا محمد ﷺ ، وهذه الرواية أنسب لحديث عمار المتقدم، وحديث أبي هريرة الآتي في الترجل، فإنه ذكر فيهما "الختان من خصال الفطرة". ويروى الحناء بمهملة ونون مشددة، وهذه الرواية غير صحيحة، ولعلها تصحيف؛ لأنه يحرم على الرجال خضاب اليد والرجل تشبهاً بالنساء، وأما خضاب الشعر به فلم يكن قبل نبينا ﷺ فلا يصح إسناده إلى المرسلين. (والتعطر) أي استعمال العطر وهو الطيب في البدن والثياب. (رواه الترمذي) في أول النكاح وحسنه. قال شيخنا في شرح الترمذي: في تحسين الترمذي هذا الحديث نظر، فإنه تفرد به أبوالشمال بن ضباب، وهو مجهول، إلا أن يقال: إن الترمذي عرفه، ولم يكن عنده مجهولاً، أو يقال: إنه حسنة لشواهده، فروى نحوه عن غير أبي أيوب، قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث أبي أيوب هذا: رواه

стр. 494

٣٨٦- (٨) وعن عائشة ﵂، قالت: ((كان النبي ﷺ لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ، إلا يتسوك قبل أن يتوضأ)) رواه أحمد وأبوداود. ٣٨٧- (٩) وعنها، قالت: ((كان النبي ﷺ يستاك، فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه)) رواه أبوداود. ﴿الفصل الثالث﴾ ٣٨٨- (١٠) عن ابن عمر: ((أن النبي ﷺ قال: أراني في المنام ــ أحمد والترمذي. ورواه ابن أبي خيثمة من حديث مليح بن عبد الله عن أبيه عن جده نحوه، ورواه الطبراني من حديث ابن عباس انتهى. ٣٨٦- قوله: (لا يرقد) بضم القاف أي لا ينام. (من ليل) أي بعض ليل أو في الليل. (فيستيقظ) يجوز فيه الرفع للعطف، ويكون النفي منصباً عليهما معاً، والنصب جواباً للنفي؛ لأن الاستيقاظ مسبوق بالنوم؛ لأنه مسبب عنه، قاله الطيبي. (إلا يتسوك) ؛ لأن النوم يغير الفم فيتأكد السواك عند الاستيقاظ منه إزالة لذلك التغير. (رواه أحمد وأبوداود) وسكت عنه، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، قال الترمذي: صدوق إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره، وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث: وعلي ضعيف. وفي استحباب السواك عند الاستيقاظ من النوم أحاديث متعددة، ذكرها الحافظ في التلخيص مع الكلام عليها. ٣٨٧- قوله: (لأغسله) للتليين، أو للتطيب والتنظيف. قال ابن حجر: يؤخذ منه أن غسل السواك في أثناء التسوك به وبعده قبل وضعه سنة. (فأبدأ به) أي باستعماله قبل الغسل لنيل البركة، ولا أرضى أن يذهب بالماء ما صحبه السواك من ماء أسنانه. (فأستاك) أي قبل الغسل أستاك به تبركاً، وهذا دال على عظيم أدبها، وكبير فطنتها؛ لأنها لم تغسله ابتداء حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه، ثم غسلته تأدباً وامتثالاً، وفيه التبرك بآثار الصالحين، والتلذذ بها. وفيه أن استعمال سواك الغير برضاه جائز. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. ٣٨٨- قوله: (أراني) بفتح الهمزة من الرؤية أي أرى نفسي، فالفاعل والمفعول للمتكلم، وهذا من خصائص أفعال القلوب، وأصله رأيت نفسي، وعدل إلى المضارع لحكاية الحال الماضية. (في المنام) هذا لفظ مسلم، وهو صريح في أن القضية كانت في المنام، وأخرجه أحمد والبيهقي بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ يستن فأعطاه أكبر القوم، ثم قال: إن جبرئيل أمرني أن أكبر، وهذا يقتضي أن تكون القضية وقعت في اليقظة، ويشهد لرواية أحمد والبيهقي، وما رواه أبوداود بإسناد حسن عن عائشة أعني الذي ذكره المصنف بعد حديثين، ويجمع بين الروايتين أن ذلك لما وقع في اليقظة

стр. 495

أتسوك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما)) متفق عليه. ٣٨٩- (١١) وعن أبي أمامة، أن رسول الله قال: ((ما جاءني جبرئيل ﵇ قط إلا أمرني بالسواك، لقد خشيت أن أحفي مقدم فِيَّ)) رواه أحمد. ٣٩٠- (١٢) وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((لقد أكثرت عليكم في السواك)) رواه البخاري. ــ أخبرهم ﷺ بما رآه في المنام، تنبيهاً على أن أمره بذلك بوحي متقدم، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض (أحدهما أكبر من الآخر) أي سناً. (فناولت السواك) أي أردت إعطاء السواك. (الأصغر منهما) لعله لقربه، أو لأنه ﷺ عدا السواك شيئاً حقيراً. (كبر) أي قدم الكبير على الصغير في مناولة السواك، أي ادفع إلى الأكبر، والظاهر أنهما كانا في أحد جانبيه، أو في يساره، قال القاري: وهو الأنسب، فأراد تقديم الأقرب، فأمر بتقديم الأكبر، فلا ينافي حديث ابن عباس أو الأعرابي في إيثاره بسؤره ﷺ من اللبن لكونه على اليمين، على الأشياخ من أبي بكر، وعمر وغيرهما لكونهم على اليسار-انتهى. وفيه ما يدل على فضيلة السواك. (متفق عليه) أخرجه البخاري بلا رواية في آخر الوضوء، ولم يذكر في المنام، وأخرجه مسلم رواية في الرؤيا، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوعوانة والبيهقي وغيرهم. ٣٨٩- قوله: (أحفي) من الإحفاء وهو الاستيصال. (مقدم فِيَّ) بكسر الفاء وتشديد الياء، أي فمى، والمراد من مقدم الفم هي اللثة، بكسر اللام وتخفيف المثلثة، وما حول الأسنان من اللحم، يعني خفت أن استأصل لثتي من كثرة مداومتي على السواك بسبب إكثار جبرئيل في الوصية. (رواه أحمد) (ج٥: ص٢٦٣) وفي سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف، أخرجه ابن ماجه مطولاً، وفيه عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد الألهاني، وعثمان متروك، قال الحافظ في التقريب: ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد الألهاني، وروي نحوه عن ابن عباس وأنس وسهل بن سعد وعائشة، ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص٩٨، ٩٩) مع الكلام عليها. ٣٩٠- قوله: (لقد أكثرت عليكم) بصيغة المعلوم، أي أكثرت عليكم الأمر والوصية في حق السواك. وقال الحافظ: أي بالغت في تكرير طلبه منكم، أو في إيراد الأخبار في الترغيب فيه. وقال ابن التين: معناه أكثرت عليكم، وحقيق أن أفعل، وحقيق أن تطيعوا. وحكى الكرماني أنه روى "أكثرت" بصيغة الماضي المجهول، أي بولغت من عندالله بطلبه منكم. (في السواك) أي في أمره وشأنه. وفائدة هذا الكلام مع كونهم عالمين به إظهار الاهتمام بشأنه. وقال السندهي: هذا بمنزلة التأكيد لما سبق من التكرير لمن علم به سابقاً، وبمنزلة التكرير والتأكيد جميعاً لمن لم يعلم به. (رواه البخاري) في الجمعة، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي في أول سننه.
следующие страницы →