← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وحلق العانة، وانتقاض الماء- يعني الاستنجاء- قال الراوي: ونست العاشرة إلا أن تكون المضمضة)) وراه مسلم. وفي رواية "الختان" بدل "إعفاء اللحية". لم أجد هذه الرواية في الصحيحين، ولا في كتاب الحميدي. ــ بالنتف أنه محل الرائحة الكريهة باحتباس الأبخرة عند المسام، والنتف يضعف أصول الشعر، والحلق يقويها، وقد جوز الحلق لمن لا يقدر على النتف. (وحلق العانة) هو الشعر الذي فوق القبل من ذكر أو أنثى، أو منبته، وقيل: هو الشعر النابت حول حلقة الدبر، فتحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وما حولهما، وقيل يستحب للمرأة النتف. وروى ابن ماجه عن أم سلمة: أنه ﷺ كان إذا طلى بدأ بعورته، فطلاها بالنورة وسائر جسده أهله، رجاله ثقات، وهو منقطع، حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أم سلمة، قاله أبوزرعة. (واتقاص الماء) بالقاف والصاد المهملة على المشهور. (يعني الاستنجاء) بالماء، هذا التفسير من وكيع، أحد رواة الحديث كما بينه قتيبة في رواية مسلم، وقيل: معناه انتقاص البول بالماء، وهو أن يغسل ذكره بالماء ليرتد البول بردع الماء، ولو لم يغسل نزل منه شيء فشيء فيعسر الاستبراء منه، فالماء على تفسير وكيع المستنجى به، وعلى القول الثاني البول، فالمصدر مضاف إلى المفعول، وإن أريد به الماء المستنجى به أي المغسول به فالإضافة إلى الفاعل، أي وانتقاص الماء البول، وانتقص لازم ومتعد. وقيل: معناه انتفاض الماء بالفاء والضاد المعجمة والمهملة أيضاً، وهو الانتضاح بالماء على الذكر بعد الوضوء لنفي الوسواس، وهذا أقرب؛ لأن في حديث عمار عند أبي داود وابن ماجه بدله "والانتضاح". (قال الراوي) هو مصعب بن شيبة. (إلا أن تكون المضمضة) قال ابن الملك: لأن المضمضة والاستنشاق يذكران معاً، وهو استثناء مفرغ، قال ابن حجر ضمن "نسي" معنى النفي؛ لأن الترك موجود في ضمن كل، أي لم أنذكر فيما أظن شيئاً يتم الخصال به عشر، إلا أن يكون مضمضة، انتهى. وقال السندهي: أي نسيت العاشرة كل وقت إلا وقت كونها المضمضة، أو على كل تقدير إلا على تقدير أن تكون المضمضة، يريد أنه يظن أن العاشرة هي المضمضة، فإن كانت هي المضمضة في الواقع فهو غير ناس للعاشر، وإلا فهو ناس لها، فهذا استثناء مفرغ من أعم الأوقات أو التقديرات كما قدرنا، انتهى. قال عياض: هذا شك من مصعب فيها، ولعلها الختان المذكور مع الخمس في حديث أبي هريرة، أي الآتي في الترجل، وتبعه النووي والقرطبي. (رواه مسلم) في الطهارة، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في الأدب وحسنه، وأبوداود في الطهارة والنسائي في الزينة، وابن ماجه في الطهارة، وفي سندهم جميعاً مصعب بن شيبة، قال الحافظ: وثقه ابن معين، والعجلي، وغيرهما، ولينه أحمد وأبوحاتم وغيرهما، فحديثه حسن، وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ انتهى. (وفي رواية الختان) هو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة. (بدل) بالنصب. (إعفاء اللحية) برفع "إعفاء" على الحكاية، وقيل بالجر على الإضافة. (لم أجد هذه الرواية) أي رواية الختان التي ذكرها البغوي في المصابيح.

стр. 492

٣٨٣- (٥) ولكن ذكرها صاحب "الجامع، وكذا الخطابي في "معالم السنن" عن أبي داود برواية عمار بن ياسر. ﴿الفصل الثاني﴾ ٣٨٤- (٦) عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب)) ــ ٣٨٣- قوله: (ولكن ذكرها) أي هذه الرواية (صاحب الجامع) أي للأصول وهو ابن الأثير. (وكذا) أي ذكرها. (الخطابي في معالم السنن) الذي شرح به سنن أبي داود. (عن أبي داود) متعلق بذكرها المذكور. (برواية عمار ابن ياسر) أي لا برواية عائشة، كأنه اعتراض على البغوي حيث ذكر رواية الختان في الصحاح مع أنها ليست في الصحيحين، ولا في أحدهما، وهو مخالف لما وعد في أول كتابه. والجواب أن ذلك في مقاصد الباب والأصول، دون ما ذكر من اختلاف ألفاظ الحديث ونحوها مما يشمل الفائدة، ورواية عمار هذه أخرجها أيضاً ابن ماجه، وصححها ابن السكن، وهي معلولة؛ لأنها إما مرسلة، أو منقطعة. وعمار بن ياسر، هو عمار بن ياسر بن مالك العنسي، أبواليقظان مولى بني مخزوم وحليفهم، وذلك أن ياسراً والد عمار قدم من اليمن مكة مع أخوين له يقال بهما: الحارث ومالك في طلب أخ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة، فزوجه أبوحذيفة أمة له يقال لها: سمية فولدت له عماراً، فأعتقه أبوحذيفة، فعمار مولى وأبوه حليف، أسلم عمار وأبوه قديماً، وكانا من المستضعفين الذين عذبوا بمكة ليرجعوا عن الإسلام. وقتل أبوجهل سمية، فهي أول شهيدة في الإسلام، وأحرق المشركون عماراً بالنار، وكان رسول الله ﷺ يمر به فيمر يده عليه ويقول: يا نار كوني برداً وسلاماً على عمار كما كنت على إبراهيم، وهو من المهاجرين الأولين، شهد بدراً والمشاهد كلها، وأبلى فيها، وسماه النبي ﷺ الطيب المطيب. قتل بصفين وكان مع علي بن أبي طالب سنة (٣٧) وهو ابن (٩٣) سنة، ودفن هناك بصفين، وتواترت الروايات عن النبي ﷺ أنه قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية، ومناقبه وفضائله كثيرة جداً، روي له اثنان وستون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث، روى عنه جماعة منهم علي وابن عباس. ٣٨٤- قوله: (السواك مطهرة للفم) بفتح الميم وكسرها لغتان، والفتح أفصح، والكسر أشهر، وهو كل آلة يتطهر بها، والسواك بمعنى العود الذي يدلك به الأسنان، لاشك في كونه آلة لطهارة الفم بمعنى نظافته. (مرضاة للرب) بفتح ميم وسكون راء، والمراد أنه آلة لرضا الله تعالى، باعتبار أن استعماله سبب لذلك، وقيل: مطهرة ومرضاة بفتح ميم كل منهما مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي مطهر للفم، ومُرضٍ للرب، أوهما باقيان على المصدرية أي سبب للطهارة والرضا. وجاز

стр. 493

رواه الشافعي وأحمد والدارمي والنسائي، ورواه البخاري في "صحيحه" بلا إسناد. ٣٨٥- (٧) وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربع من سنن المرسلين، الحياء – ويروى الختان – والتعطر، والسواك، والنكاح)) رواه الترمذي. ــ أن يكون مرضاة بمعنى المفعول أي مرضى للرب. قال السندهي: والمناسب بهذا المعنى أن يراد بالسواك: استعمال العود لا نفس العود، إما على ما قيل: إن اسم السواك قد يستعمل بمعنى استعمال العود أيضاً، أو على تقدير المضاف، ثم لا يخفى أن المصدر إذا كان بمعنى اسم الفاعل يكون بمعنى اسم الفاعل من ذلك المصدر لا من غيره، فينبغي أن يكون ههنا مطهرة ومرضاة بمعنى طاهر وراض لا بمعنى مطهر ومُرض، ولا معنى لذلك فليتأمل، ثم المقصود من الحديث، الترغيب في استعمال السواك وهذا ظاهر. (رواه الشافعي) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وقد طول الحافظ الكلام فيه في التلخيص (ص٢١) فارجع إليه. (ورواه البخاري في صحيحه) في كتاب الصيام. (بلا إسناد) أي تعليقاً بصيغة جزم، فقال: وقالت عائشة عن النبي ﷺ : السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" وتعليقات البخاري المجزومة صحيحة قاله المنذري، والصواب أن يقول المصنف: ذكره البخاري تعليقاً، أو يقول: علقه البخاري فإنه لا يقال في مثل هذا "رواه البخاري تعليقاً". ٣٨٥- قوله: (أربع من سنن المرسلين) يعني من طريقتهم، والمراد الرسل من البشر، قال المناوى: والمراد أن الأربع من سنن غالب الرسل، فنوح لم يختتن، وعيسى لم يتزوج. (الحياء) بفتح المهملة بعدها تحتية، يعني به ما يقضي الحياء من الدين كستر العورة، والتنزه عما تأباه المروءة، ويذمه الشرع من الفواحش وغيرها، لا الحياء الجبلي نفسه، فإنه مشترك بين الناس، وإنه خلق غزيري لا يدخل في جملة السنن، قاله التوربشتي. (ويروى الختان) أي بخاء معجمة ومثناة فوقية. ونون، وهو من سنة الأنبياء من لدن إبراهيم ﵇ إلى زمن نبينا محمد ﷺ ، وهذه الرواية أنسب لحديث عمار المتقدم، وحديث أبي هريرة الآتي في الترجل، فإنه ذكر فيهما "الختان من خصال الفطرة". ويروى الحناء بمهملة ونون مشددة، وهذه الرواية غير صحيحة، ولعلها تصحيف؛ لأنه يحرم على الرجال خضاب اليد والرجل تشبهاً بالنساء، وأما خضاب الشعر به فلم يكن قبل نبينا ﷺ فلا يصح إسناده إلى المرسلين. (والتعطر) أي استعمال العطر وهو الطيب في البدن والثياب. (رواه الترمذي) في أول النكاح وحسنه. قال شيخنا في شرح الترمذي: في تحسين الترمذي هذا الحديث نظر، فإنه تفرد به أبوالشمال بن ضباب، وهو مجهول، إلا أن يقال: إن الترمذي عرفه، ولم يكن عنده مجهولاً، أو يقال: إنه حسنة لشواهده، فروى نحوه عن غير أبي أيوب، قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث أبي أيوب هذا: رواه

стр. 494

٣٨٦- (٨) وعن عائشة ﵂، قالت: ((كان النبي ﷺ لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ، إلا يتسوك قبل أن يتوضأ)) رواه أحمد وأبوداود. ٣٨٧- (٩) وعنها، قالت: ((كان النبي ﷺ يستاك، فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه)) رواه أبوداود. ﴿الفصل الثالث﴾ ٣٨٨- (١٠) عن ابن عمر: ((أن النبي ﷺ قال: أراني في المنام ــ أحمد والترمذي. ورواه ابن أبي خيثمة من حديث مليح بن عبد الله عن أبيه عن جده نحوه، ورواه الطبراني من حديث ابن عباس انتهى. ٣٨٦- قوله: (لا يرقد) بضم القاف أي لا ينام. (من ليل) أي بعض ليل أو في الليل. (فيستيقظ) يجوز فيه الرفع للعطف، ويكون النفي منصباً عليهما معاً، والنصب جواباً للنفي؛ لأن الاستيقاظ مسبوق بالنوم؛ لأنه مسبب عنه، قاله الطيبي. (إلا يتسوك) ؛ لأن النوم يغير الفم فيتأكد السواك عند الاستيقاظ منه إزالة لذلك التغير. (رواه أحمد وأبوداود) وسكت عنه، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، قال الترمذي: صدوق إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره، وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث: وعلي ضعيف. وفي استحباب السواك عند الاستيقاظ من النوم أحاديث متعددة، ذكرها الحافظ في التلخيص مع الكلام عليها. ٣٨٧- قوله: (لأغسله) للتليين، أو للتطيب والتنظيف. قال ابن حجر: يؤخذ منه أن غسل السواك في أثناء التسوك به وبعده قبل وضعه سنة. (فأبدأ به) أي باستعماله قبل الغسل لنيل البركة، ولا أرضى أن يذهب بالماء ما صحبه السواك من ماء أسنانه. (فأستاك) أي قبل الغسل أستاك به تبركاً، وهذا دال على عظيم أدبها، وكبير فطنتها؛ لأنها لم تغسله ابتداء حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه، ثم غسلته تأدباً وامتثالاً، وفيه التبرك بآثار الصالحين، والتلذذ بها. وفيه أن استعمال سواك الغير برضاه جائز. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري. ٣٨٨- قوله: (أراني) بفتح الهمزة من الرؤية أي أرى نفسي، فالفاعل والمفعول للمتكلم، وهذا من خصائص أفعال القلوب، وأصله رأيت نفسي، وعدل إلى المضارع لحكاية الحال الماضية. (في المنام) هذا لفظ مسلم، وهو صريح في أن القضية كانت في المنام، وأخرجه أحمد والبيهقي بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ يستن فأعطاه أكبر القوم، ثم قال: إن جبرئيل أمرني أن أكبر، وهذا يقتضي أن تكون القضية وقعت في اليقظة، ويشهد لرواية أحمد والبيهقي، وما رواه أبوداود بإسناد حسن عن عائشة أعني الذي ذكره المصنف بعد حديثين، ويجمع بين الروايتين أن ذلك لما وقع في اليقظة

стр. 495

أتسوك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما)) متفق عليه. ٣٨٩- (١١) وعن أبي أمامة، أن رسول الله قال: ((ما جاءني جبرئيل ﵇ قط إلا أمرني بالسواك، لقد خشيت أن أحفي مقدم فِيَّ)) رواه أحمد. ٣٩٠- (١٢) وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((لقد أكثرت عليكم في السواك)) رواه البخاري. ــ أخبرهم ﷺ بما رآه في المنام، تنبيهاً على أن أمره بذلك بوحي متقدم، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض (أحدهما أكبر من الآخر) أي سناً. (فناولت السواك) أي أردت إعطاء السواك. (الأصغر منهما) لعله لقربه، أو لأنه ﷺ عدا السواك شيئاً حقيراً. (كبر) أي قدم الكبير على الصغير في مناولة السواك، أي ادفع إلى الأكبر، والظاهر أنهما كانا في أحد جانبيه، أو في يساره، قال القاري: وهو الأنسب، فأراد تقديم الأقرب، فأمر بتقديم الأكبر، فلا ينافي حديث ابن عباس أو الأعرابي في إيثاره بسؤره ﷺ من اللبن لكونه على اليمين، على الأشياخ من أبي بكر، وعمر وغيرهما لكونهم على اليسار-انتهى. وفيه ما يدل على فضيلة السواك. (متفق عليه) أخرجه البخاري بلا رواية في آخر الوضوء، ولم يذكر في المنام، وأخرجه مسلم رواية في الرؤيا، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوعوانة والبيهقي وغيرهم. ٣٨٩- قوله: (أحفي) من الإحفاء وهو الاستيصال. (مقدم فِيَّ) بكسر الفاء وتشديد الياء، أي فمى، والمراد من مقدم الفم هي اللثة، بكسر اللام وتخفيف المثلثة، وما حول الأسنان من اللحم، يعني خفت أن استأصل لثتي من كثرة مداومتي على السواك بسبب إكثار جبرئيل في الوصية. (رواه أحمد) (ج٥: ص٢٦٣) وفي سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف، أخرجه ابن ماجه مطولاً، وفيه عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد الألهاني، وعثمان متروك، قال الحافظ في التقريب: ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد الألهاني، وروي نحوه عن ابن عباس وأنس وسهل بن سعد وعائشة، ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢: ص٩٨، ٩٩) مع الكلام عليها. ٣٩٠- قوله: (لقد أكثرت عليكم) بصيغة المعلوم، أي أكثرت عليكم الأمر والوصية في حق السواك. وقال الحافظ: أي بالغت في تكرير طلبه منكم، أو في إيراد الأخبار في الترغيب فيه. وقال ابن التين: معناه أكثرت عليكم، وحقيق أن أفعل، وحقيق أن تطيعوا. وحكى الكرماني أنه روى "أكثرت" بصيغة الماضي المجهول، أي بولغت من عندالله بطلبه منكم. (في السواك) أي في أمره وشأنه. وفائدة هذا الكلام مع كونهم عالمين به إظهار الاهتمام بشأنه. وقال السندهي: هذا بمنزلة التأكيد لما سبق من التكرير لمن علم به سابقاً، وبمنزلة التكرير والتأكيد جميعاً لمن لم يعلم به. (رواه البخاري) في الجمعة، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي في أول سننه.

стр. 496

٣٩١- (١٣) وعن عائشة، ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يستن وعنده رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فأوحي إليه في فضل السواك أن كبر، أعط السواك أكبرهما)) رواه أبوداود. ٣٩٢- (١٤) وعنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((تفضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعين ضعفاً)) رواه البيهقي في شعب الايمان. ٣٩٣- (١٥) وعن أبي سلمة: ــ ٣٩١- قوله: (يستن) بفتح الياء وسكون المهملة وفتح التاء وتشديد النون من الاستنان، وهو استعمال السواك، من السن بالكسر؛ لأن السواك يمر على الأسنان، وقيل: من السن بالفتح؛ لأن السواك يسن الأسنان أي يحددها، يقال: سننت الحديد أي حككته على الحجر حتى يتحدد، والمسن بكسر الميم، الحجر الذي يحد به السكين. (أحدهما أكبر من الآخر) أي سناً. (فأوحي) بصيغة المجهول. (إليه) أي من غير أن يميل إلى الآخر، فيكون تأكيداً للوحي المنامي. (أن كبر) بصيغة الأمر نائب فاعل أوحي، أي أوحي إليه أن فضل السواك وحقه أن يقدم من هو أكبر، وفيه تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام، والشراب، والمشي، والكلام، والركوب، وهذا ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنة حينئذٍ تقديم الأيمن، كما أشرنا إليه في شرح حديث ابن عمر. (أعط السواك أكبرهما) الظاهر أن هذا تفسير من أحد الرواة، ويحتمل أن يكون من قول النبي ﷺ . (رواه أبوداود) بسند حسن كما قال الحافظ في الفتح والتلخيص. وقال المنذري: وأخرج مسلم معناه من حديث ابن عمر مسنداً، وأخرجه البخاري تعليقاً، انتهى. كأنه يشير إلى أن حديث عائشة هذا محمول على حال حكاية المنام، وأن القضية واحدة، وفيه نظر فتأمل. ٣٩٢- قوله: (تفضل الصلاة) أي تزيد في الفضيلة وزيادة المثوبة. (سبعين) مفعول مطلق أو ظرف، أي تفضل مقدار سبعين وقوله. (ضعفاً) بكسر الضاد تمييز أريد به مثل العدد المذكور، وهي كناية عن الكثرة، أو أريد به خصوص هذا العدد، والله تعالى أعلم. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٦: ص٢٧٢) ، والبزار، وأبويعلى، وابن خزيمة، والدارقطني، وابن عدي، وأبونعيم، ومداره عندهم على محمد بن إسحاق، ومعاوية بن يحيى الصدفي، كلاهما عن الزهري عن عروة. ورواه الحاكم (ج١: ص١٤٦) وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم، كذا قال. ومحمد بن إسحاق إنما أخرج له مسلم في المتابعات، قال المنذري: وروى أبونعيم نحوه عن ابن عمر بإسناد جيد، وعن ابن عباس بإسناد صحيح-انتهى. وقد أطال الحافظ الكلام على حديث عائشة في التلخيص، وقال: رواه أبونعيم من حديث ابن عمر ومن حديث ابن عباس ومن حديث جابر، وأسانيده معلولة. ٣٩٣- قوله: (وعن أبي سلمة) بفتح اللام، هو أبوسلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، قيل:

стр. 497

عن زيد بن خالد الجهني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل. قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن، ثم رده إلى موضعه)) رواه الترمذي وأبوداود، إلا أنه لم يذكر. ((ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل)) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ــ اسمه عبد الله وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه وكنيته واحد، قال ابن سعد: كان ثقة، فقيهاً، كثير الحديث. وقال المصنف: هو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه في المدينة في قول، ومن مشاهير التابعين وأعلامهم، وهو كثير الحديث، روى عن خلق كثير من الصحابة والتابعين، وروى عنه خلائق. مات سنة (٩٤) وقيل سنة (١٠٤) وهو ابن (٧٤) سنة. (عن زيد بن خالد الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء نسبة إلى جهينة، وهو زيد بن خالد الجهني أبوعبد الرحمن، ويقال: أبوطلحة المدني من مشاهير الصحابة. قال ابن عبد البر: كان صاحب لواء جهينة يوم الفتح، له أحد وثمانون حديثاً، اتفقا على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة، روى عنه ابنه خالد، وابن المسيب، وغيرهما. توفي بالكوفة سنة (٦٨) أو (٧٨) وهو ابن (٨٥) سنة. (ولأخرت صلاة العشاء) أي حكمت بتأخيرها وجوباً. (قال) أي أبوسلمة (فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات) أي الخمس (في المسجد) أي يحضرها للجماعة (وسواكه على أذنه) بضم الذال ويسكن والجملة حال (موضع القلم من أذن الكاتب) أي والحال أن سواكه كان موضوعاً على أذنه موضع القلم الكائن من أذن الكاتب. (لا يقوم إلى الصلاة إلا استن) أي إستاك للصلاة أخذاً بظاهر الحديث، قال القاري: قد انفرد زيد بن خالد به فلا يصلح حجة، أو إستاك لطهارتها، انتهى. قلت: فيه أنه لم يتفرد به زيد بن خالد، فقد تقدم عن أبي هريرة أنه قال: كان أصحاب النبي ﷺ سوكهم على آذانهم، يستنون بها لكل صلاة، وإن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا يروحون والسواك على آذانهم، ثم صنيع زيد بن خالد هذا يدل عليه ظاهر الحديث الذي رواه، وليس ينفيه شيء من الأحاديث المرفوعة، فكيف لا يكون حجة، وبهذا ظهر بطلان تأويل القارئ بقوله: إستاك لطهارتها. (ثم رده إلى موضعه) أي من الأذن. قال ابن حجر: وحكمته أن وضعه في ذلك المحل يسهل تناوله، ويذكر صاحبه به فيستاك من غير ذهول. (رواه الترمذي وأبوداود) وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص١١٦ وج٥: ص١٩٣) وأخرجه أصحاب السنن من حديث أبي هريرة كما تقدم.

стр. 498

(٤) باب سنن الوضوء ﴿الفصل الأول﴾ ٣٩٤- (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده)) . ــ (باب سنن الوضوء) لم يرد بالسنن، سنن الوضوء فقط، أي ما يقابل الفرض بل أراد بالسنن، أفعال النبي ﷺ وأقواله، أعم من أن تكون سنة أو فرضاً، يقال: جاء في السنة كذا، أي في الحديث. ٣٩٤- قوله (من نومه) هذا يدل على عموم الحكم عقب كل نوم ليلاً أو نهاراً، لكن جاء عند الترمذي، وأبي داود وابن ماجه من الليل، مكان قوله من نومه، والمطلق محمول على المقيد، فيدل على خصوصه بنوم الليل، ويؤيده قوله في آخر الحديث "باتت يده"، فإن حقيقة المبيت تكون بالليل، إلا أن التعليل المنصوص الآتي يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما نوم الليل بالذكر للغلبة، بل قيل: ليس حكم الغسل قبل الغمس في الإناء مخصوصاً بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فإن الظاهر أن المقصود من الحديث إذا شك أحدكم في يديه مطلقاً، سواء كان لأجل الاستيقاظ من النوم أو لأمر آخر، إلا أنه فرض الكلام في جزئي واقع بينهم على كثرة، ليكون بيان الحكم فيه بياناً في الكلى بدلالة العقل، فالتقييد بالاستيقاظ لأن توهم نجاسة اليد في الغالب يكون من المستيقظ، فلا مفهوم له (فلا يغمس) بتخفيف الميم من باب ضرب، هو المشهور، ويحتمل أن يكون بالتشديد من باب التفعيل (في الإناء) أي في الظرف الذي فيه الماء وغيره من المائعات، وخرج بذكر الإناء البرك والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها. (حتى يغسلها) إلى رسغها (ثلاثاً) كذا في جميع طبعات الهند للمشكاة وفي النسخة القاري وسقط هذا اللفظ في نسخة الألباني طبعة دمشق وهو من إفراد مسلم (فإنه لا يدري أين باتت يده) يعني لا يدري تعيين الموضع الذي باتت، أي صارت يده منه، يعني هل لاقت مكاناً طاهراً أو نجساً، وفيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بغسل اليد احتمال النجاسة؛ لأن الشرع إذا ذكر حكماً وعقبه بعلة دل على أن ثبوت الحكم لأجلها. قال الشافعي وغيره من العلماء: سبب الحديث أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة، وبلادهم حارة، فإذا ناموا عرقوا فلا يومن أن تطوف يده على موضع النجاسة، أو على قذر غير ذلك، فعلم بهذا أن حكم الغسل للشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها، سواء قام من نوم الليل أو النهار، أو شك في نجاستها من غير نوم. وقال التور بشتى: هذا في حق من بات مستنجياً بالأحجار معرورياً، ومن بات على خلاف ذلك ففي أمره سعة ويستحب له أيضاً غسلها؛ لأن السنة إذا وردت لمعنى لم تكن لتزول بزوال ذلك المعنى. وقال الباجي: الأظهر في سبب الحديث أن النائم لا يكاد أن يسلم من حك جسده، وموضع بثرة في بدنه، ومس رفغه وإبطه، وغير ذلك من

стр. 499

متفق عليه. ٣٩٥- (٢) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثاً، فإن الشيطان يبيت على خيشومه)) ــ مغابن جسده، ومواضع عرقه، فاستحب له غسل اليد تنظفاً وتنزهاً، قال: وتعليقه بنوم الليل لا يدل على الاختصاص؛ لأن المستيقظ لا يمكنه التحرز من مس رفغه وإبطه، وفتل ما يخرج من أنفه، وقتل برغوث، وحك موضع عرق، فإذا كان المعنى الذي شرع له غسل اليد موجوداً في المستيقظ لزمه ذلك الحكم، ولا يسقط عنه بأن الشرع علقه على النائم- انتهى مختصراً ملتقطاً. وعلى هذا يكون الحكم عاماً لكل متوضئ، ولا يختص بالنائم، وأما على ما قال الشافعي وغيره في سبب الحديث فيكون استحباب الغسل للمتوضئ المستيقظ من النوم خاصة، وهذا القدر يكفي لمناسبة الحديث بالباب. وأما من يريد الوضوء من غير نوم فيستحب له، لما سيأتي في صفة الوضوء من أفعاله ﷺ . ثم النهي عن الغمس قبل الغسل للتنزيه، والأمر في رواية "فليغسل" للندب عند الجمهور، فلو خالف، وغمس قبل الغسل فقد أساء، ولا يفسد الماء والقرينة الصارفة التقييد بالثلاث في غير النجاسة العينية، فإنه يدل على ندبية الغسل، ولأنه علل بأمر يقتضي الشك في نجاسة اليدين، والوجوب لا يبني على الشك. وحمله أحمد على كراهة التحريم، وقال: بوجوب الغسل في نوم الليل، ولا يبعد من الشارع الإيجاب لرفع الشك، ومن قال: بأن الأمر بالغسل للتعبد كمالك، لا يفرق بين الشاك والمتيقن، والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. والحديث فيه مسائل كثيرة، منها استحباب غسل النجاسة ثلاثاً؛ لأنه إذا أمر به في المتوهمة ففي المحققة أولى. ومنها استحباب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها ما لم يخرج عن حد الاحتياط إلى حد الوسوسة. (متفق عليه) واللفظ لمسلم وأخرجه أيضاً مالك والشافعي وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وفي الباب عن ابن عمر وجابر عند الدارقطني وابن ماجه. ٣٩٥- قوله (فتوضأ) أي أراد الوضوء وسقط هذا اللفظ من نسخة الألباني (فليستنثر) أي فليخرج ماء الاستنشاق والقذر اليابس المجتمع من المخاط، يعني فليستنثر بعد الاستنشاق، فإن الاستنثار هو إخراج الماء الذي جذبه بريح الأنف إلى أقصاه، فهو من تمام الاستنشاق، والأمر للندب عند الجمهور، وللوجوب عند الظاهرية. (فإن الشيطان) الفاء للسببية (يبيت على خيشومه) بفتح الخاء قيل: أعلى الأنف، وقيل: كله، وقيل: هو أقصى الأنف المتصل بالبطن المقدم من الدماغ، وقيل: غير ذلك. قال عياض وغيره: بيتوتة الشيطان إما حقيقية، فإن الأنف أحد المنافذ التي يتوصل منها إلى القلب، والمقصود من الاستنثار إزالة آثاره، وليس عليه ولا على الأذن غلق، وفي الحديث "إن الشيطان لا يفتح غلقاً". وجاء الأمر بكظم الفم في التثاؤب من أجل دخول الشيطان في الفم. وإما مجاز، فإن ما ينعقد فيه من الغبار والرطوبة قذرات توافق الشيطان، فالمراد أن الخيشوم محل قذر يصلح لبيتوتة الشيطان، فينبغي للإنسان تنظيفه، والراجح أنه محمول على

стр. 500

متفق عليه. ٣٩٦- (٣) وقيل لعبد الله بن زيد بن عاصم: ((كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنثر ــ الحقيقة، وموكول معرفته وعلمه إلى الشارع، فإن الله تعالى خص نبيه ﷺ بأسرار يقصر عن دركها العقول والأفهام. فالصواب في أمثال هذه الأحاديث أن يؤمن بظواهرها، ويحترز عن بيان كيفياتها، وظاهر الحديث يقتضي أن يحصل لكل نائم. ويحتمل أن يكون مخصوصاً بمن لم يحترز من الشيطان بشيء من الذكر، كما في حديث آية الكرسي: (ولا يقربك شيطان) متفق عليه، أخرجه البخاري في بدء الخلق، ومسلم في الطهارة، واللفظ المذكور للبخاري، وأخرجه أيضاً النسائي. ٣٩٦- قوله (وقيل) القائل هو عمرو بن أبي الحسن الأنصاري، أخو عمارة بن أبي الحسن، جد عمرو بن يحيى بن عمارة، ففي رواية للبخاري من طريق وهيب، قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد، وفي رواية أبي نعيم في المستخرج عن عمرو بن أبي حسن قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد" الحديث. فهاتان الروايتان صريحتان في أن القائل والسائل هو عمرو بن أبي الحسن. (لعبد الله بن زيد بن عاصم) بن كعب الأنصاري المازني المدني صحابي شهير، له هذا الحديث، وأحاديث أخرى، قيل: شارك وحشياً في قتل مسيلمة الكذاب. مختلف في شهوده بدراً، استشهد بالحرة، وكان في آخر ذي الحجة سنة (٦٣) وهو ابن (٧٠) سنة، وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أرى النداء في المنام، وليس لابن عبد ربه إلا حديث الأذان فقط. (فدعاء بوضوء) بفتح الواو ما يتوضأ به والباء للتعدية أي طلبه (فأفرغ) أي صب الماء (على يديه) بالتثنية أي إحدى يديه، وفي المصابيح: على يده اليمنى، وكذا في رواية النسائي، ويؤيد رواية الإفراد الإظهار في موضع الإضمار في قوله (فغسل يديه) أي إلى الرسغين، وفيه غسل اليد قبل إدخالها في الإناء ولو كان من غير نوم. (مرتين مرتين) وفي المصابيح بدون التكرار، قال ابن حجر: وجه الاحتياج إلى التكرير أن الاقتصار على الأول يوهم التوزيع- انتهى. قال الحافظ: كذا لمالك بلفظ مرتين، ووقع في رواية وهيب عند البخاري، وخالد عند مسلم، والدراوردي عند أبي نعيم بلفظ "ثلاثاً". وهؤلاء حفاظ قد اجتمعوا، فروايتهم مقدمة على رواية الحافظ الواحد، ولم يحمل على وقعتين؛ لأن المخرج واحد، والأصل عدم التعدد-انتهى. وقال ابن حجر: اقتصر على مرتين في بعض الأحيان لبيان الجواز، وإلا فقد صح عنه ﷺ : أنه فعل الثلاث- انتهى. ثم غسلهما في أول الوضوء سنة باتفاق العلماء كما قاله النووي. قال الأمير اليماني: وليس هو غسلهما عند الاستيقاظ، أي الذي تقدم حديثه، بل هذا سنة الوضوء، فلو استيقظ وأراد الوضوء فظاهر الحديثين أنه يغسلهما للاستيقاظ ثلاث مرات، ثم للوضوء كذلك، ويحتمل تداخلهما- انتهى. قلت هذا الأخير هو الراجح عندي (ثم مضمض) المضمضة لغة تحريك الماء في الفم (واستنثر) أي

стр. 501

ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين. إلى المرفقين، ــ استنشق الماء، ثم استخرج ذلك بنفس الأنف بإعانة اليد اليسرى، فلم يذكر الاستنشاق؛ لأن ذكر الاستنثار دليل عليه، فإنه لا يكون إلا بعد الاستنشاق. ثم إنهم اختلفوا في وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار، فذهب أحمد إلى وجوب الثلاثة في الوضوء، وغسل الجنابة، وهو الراجح، واستدل له بأدلة. منها مواظبة النبي ﷺ عليها بالفعل في جميع وضوئه. ومنها حديث عائشة عند البيهقي بلفظ: إن رسول الله ﷺ قال: المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه. ومنها أنه من تمام غسل الوجه، فالأمر بغسله أمر بها، ولا موجب لتخصيصه بظاهره دون باطنه، فإن الجميع في لغة العرب يسمى وجهاً. ومنها حديث أبي هريرة المتفق عليه: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر. ومنها حديث سلمة بن قيس عند الترمذي والنسائي: بلفظ إذا توضأت فاتنثر. ومنها حديث لقيط بن صبرة الآتي في الفصل الثاني، وفيه "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً." وفي رواية من هذا الحديث "إذا توضأت فمضمض" أخرجها أبوداود وغيره. ومنها حديث أبي هريرة عند الدارقطني: بلفظ أمر رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق. واستدل من قال: بالسنية في الوضوء بقوله ﵇ للأعرابي "توضأ كما أمرك الله"، فأحال على الآية، وليس فيها ذكر المضمضة والاستنشاق والاستنثار. وأجيب عنه بأنه قد صح أمر رسول الله ﷺ بها، والواجب الأخذ بما صح عنه، ولا يكون الاقتصار على البعض في مبادئ التعليم ونحوها موجبا لصرف ما ورد بعده وإخراجه عن الوجوب، وبأن الأمر بغسل الوجه أمر بها كما تقدم، وارجع لمزيد التفصيل إلى النيل للشوكاني، والهدي لابن القيم، والمغني لابن قدامة. (ثلاثاً) أي بثلاث غرفات وهذا ظاهر في الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة، والرواية الآتية المتفق عليها أظهر في ذلك، واختلفوا في الأفضل بعدما اتفقوا على جواز الوصل والفصل كليهما، فذهب أحمد والشافعي إلى أفضلية الوصل والجمع، وهو المذهب الصحيح المختار عندي؛ لأن رواية الجمع أكثر وأصرح وأصح، وأما ما جاء في بعض الأحاديث من الفصل فهو محمول على الجواز، وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي أحاديث الوصل مع الجواب عن دلائل الحنفية والمالكية القائلين بأفضلية الفصل فارجع إليه. (ثم غسل) أي بيديه لحديث على عند أبي داود وغيره. (وجهه) هو من منابت شعر الرأس إلى أسفل الذقن طولاً، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضاً. (ثم غسل يديه مرتين مرتين) وفي رواية لمسلم: غسل يده اليمنى ثلاثاً، ثم الأخرى ثلاثاً، فيحمل على أنه وضوء آخر لكون مخرج الحديث غير متحد. (إلى المرفقين) ، أي مع المرفقين، فهما داخلان في غسل اليدين. والدليل على ذلك فعله ﷺ ، ففي الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء: فغسل يديه إلى المرفقين، حتى مس أطراف العضدين، وفيه عن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه، لكن إسناده ضعيف. وفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء: وغسل ذراعيه حتى جاوز المرافق. وفي الطحاوى من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعاً: ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه. فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا. قال إسحاق بن راهوية "إلى" في الآية يحتمل أن تكون بمعنى الغاية وأن تكون بمعنى مع، فينبت السنة

стр. 502

ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه)) رواه مالك، والنسائي، ولأبي داود نحوه ذكره صاحب "الجامع". وفي المتفق عليه: قيل لعبد الله بن زيد بن عصام: توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ ، فدعا بإناء، فأكفأ منه على يديه، فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف ــ أنها بمعنى. (ثم مسح رأسه) أي كله، كما في رواية، واختلفوا في مقدار المفروض، فذهب مالك إلى وجوب الاستيعاب، وهو الراجح لأن لفظ الآية مجمل؛ لأنه يحتمل أن يراد منها مسح الكل على أن الباء زائدة، أو مسح البعض على أنها تبعيضية، فتبين بفعل النبي ﷺ أن المراد الأول، ولم ينقل أنه مسح بعض رأسه إلا في حديث المغيرة، لكن فيه "أنه مسح على ناصيته وعماته، فلا حجة فيه على الاكتفاء ببعض الرأس". قال ابن القيم: لم يصح عنه ﷺ في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض راسه البتة، لكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة كما في حديث المغيرة، ولم يذكر العدد في مسح الرأس كغيره، فاقتضى الاقتصار على مرة واحدة. (فأقبل بهما وأدبر) الإدبار هو الذهاب إلى جهة القفاء والإقبال عكسه، والواو لمطلق الجمع لا تقتضي الترتيب، فكأن الأصل فأدبر بهما وأقبل، وقد وقع كذلك في رواية للبخاري. والتفسير الآتي يؤيد بل يعين ذلك. وقيل: إنه من تسمية الفعل بإبتداءه، أي بدأ بقبل الرأس وذهب إلى جهة فقاه، وأدبر أي بدء بدبر الرأس، وقيل غير ذلك. (بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب) الخ هذا عطف بيان لقوله: فأقبل بهما وأدبر. ومن ثم لم تدخل الواو على بدأ، أي وضع كفيه وأصابعه عند مقدم رأسه، ثم أمرّهما حتى وصل إلى قفاه أي مؤخر رأسه. (ثم ردهما) أي على جنب الرأس. (حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه) وهو مقدم الرأس، أي مبتدأ شعره. (ثم غسل رجليه) أي إلى الكعبين كما في رواية للبخاري. (رواه مالك والنسائي) أي بهذا اللفظ. (ولأبي داود نحوه) أي بمعناه. (ذكره صاحب الجامع) أي جامع الأصول وهو ابن الأثير، وأصل الحديث أخرجه أيضاً أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه بألفاظ متقاربة مختصراً ومطولاً. قوله. (وفي المتفق عليه) هذا من زيادات المصنف على المصابيح، واللفظ المذكور هنا لمسلم، وللبخاري معناه. (توضأ) بصيغة الأمر. (وضوء رسول الله ﷺ ) أي نحو وضوئه. (فدعا بإناء) فيه ماء. (فأكفأ) يقال كفأ الإناء إذا كبه، وأكفأه أماله (منه) قال الأبهري: ضمن أكفأ معنى أفرغ وصب فعداه بمن. (ثم أدخل يده) اليمنى في الإناء. (فاستخرجها) أي اليد من الإناء مع الماء. (فمضمض واستنشق) أي واستنثر، وقد ذكر في رواية الثلاثة كما سيأتي. (من كف

стр. 503

واحدة، ففعل ذلك ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهه ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ . وفي رواية: فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. وفي رواية: فمضمض، واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات من ماء. ــ واحدة) بأن جعل ماء الكف بعضه في فمه وبعضه في أنفه، والكف يذكر ويؤنث. (ففعل ذلك) أى المذكور من المضمضة والاستنشاق. (ثلاثاً) أي ثلاث مرات بأن تمضمض واستنشق من غرفة ثم تمضمض واستنشق من غرفة ثم تمضمض واستنشق من غرفة، وهو صريح في المجمع، وحجة واضحة للشافعي في الوصل، صرح به ابن الملك وغيره من الأئمة الحنفية، والقول بأن قيد الوحدة احتراز من التثنية سخيف جداً، فإن الظاهر على هذا أن يقال بكف واحدة لا من كف واحدة. (ثم أدخل يده) أي في الإناء، والظاهر أن المراد بها الجنس، قاله القاري. (ثلاثاً) قيد للأفعال الثلاثة لا للأخير فقط. (مرتين مرتين) قيد للأفعال. (فمسح برأسه) هو موافق للآية في الإتيان بالباء، ومسح يتعدى بها وبنفسه، قال القرطبي: إن الباء ههنا للتعدية يجوز حذفها وإثباتها. وقيل: دخلت الباء ههنا لمعنى تفيده، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولاً به، والمسح لا يقتضي ممسوحا به، فلو قال: امسحوا رؤوسكم، لأجزاء المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم الماء، وهو من باب القلب والأصل فيه امسحوا رؤوسكم بالماء. (فأقبل بيديه وأدبر) يعني استوعب المسح. (ثم غسل رجليه) ظاهره الاكتفاء بمرة، ويحتمل مرتين بقرينة ما قبله، ويحتمل التثليث على ما هو المعروف من دأبه ﷺ ، قاله القاري. (إلى الكعبين) أي مع الكعبين، والكعب هو العظم الناشز عند متلقى الساق والقدم. (هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ ) أي غالباً، وقيل: أي في بعض الأوقات. قوله. (وفي رواية) أي لمسلم. (ثم ردهما) أي على أطراف الرأس. قوله. (وفي رواية) أي للبخاري، وقد ذكرها في باب مسح الرأس مرة. (فمضمض واستنشق واستنثر) فيه حجة واضحة لمن فرق بين الاستنشاق والاستنثار إلا أن الاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس. (ثلاثاً بثلاث غرفات) بفتح الغين والراء وقيل: بضهما جمع غرفة. قيل: الغرفة بالفتح في الأصل المرة من الاغتراف، وبالضم الماء المغروف في اليد. وقيل هي ملأ الكف من الماء، يعني أخذ غرفة، ومضمض واستنثر بها، وكذا في الثانية والثالثة، وهذا أيضاً نص صريح في الجمع والوصل.

стр. 504

وفي أخرى: فمضمض واستنشق من كفة واحدة، ففعل ذلك ثلاثاً. وفي رواية للبخاري: فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين. وفي أخرى له: فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة. ــ قوله. (وفي أخرى) أي للشيخين لكن وقع في مسلم من كف واحدة، وهذه الرواية أوردها البخاري في باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة. (فمضمض واستنشق من كفة واحدة) المراد بالكفة الغرفة والحفنة، فاشتق لذلك من اسم الكف، وجعل عبارة عن ذلك المعنى وسمي الشيء باسم ما كان فيه، وليست تأنيث الكف. وقيل: قوله "من كفة" هي بالضم والفتح كغرفة وغرفة، أي مما ملأ كفه من الماء. (ففعل ذلك) أي ما ذكر من المضمضة والاستنشاق. (ثلاثاً) أي ثلاث مرات، فيه أيضاً دليل صريح على ما تقدم من أن تقدم من أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات، يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها. قوله. (وفي رواية للبخاري) ذكرها في باب غسل الرجلين إلى الكعبين. (مرة واحدة) نص صريح في عدم تكرار مسح الرأس، وحجة واضحة للجمهور في عدم تثليث مسح الرأس خلافاً للشافعي، ومن أقوى الأدلة على ذلك أيضاً الحديث المشهور الذي صححه ابن خزيمة وغيره من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص في صفة الوضوء، حيث قال النبي ﷺ بعد أن فرغ: من زاد على هذا فقد أساء وظلم، فإن رواية سعيد بن منصور فيها تصريح بأنه مسح رأسه مرة واحد، فدل على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة، ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح كحديث علي عند الدارقطني، وحديث عثمان عند أبي داود في بعض طرقه إن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنه مسحات مستقلة لجميع الرأس جمعاً بين الأدلة. قوله. (وفي أخرى له) أي للبخاري ذكرها في باب الوضوء من التور. (من غرفة واحدة) يتعلق بقوله: فمضمض واستنثر، والمعنى أنه جمع بينهما ثلاث مرات، كل مرة من غرفة. ويحتمل أن يتعلق بقوله: ثلاث مرات، والمعنى أنه جمع بينهما ثلاث مرات من غرفة واحدة، والأول موافق لباقي الروايات، فهو أولى، كذا في الفتح. قال المؤلف: وإنما أطنبنا الكلام في الحديث؛ لأن ما ذكر في المصابيح بلفظه لم يوجد إلا في رواية مالك والنسائي. فأما معناه فما ذكرته في المتفق عليه عقبه. وبقية الروايات إنما أوردتهما تنبيهاً على أن ما في المصابيح منها، ذكره الطيبي. قال السيد جمال الدين: كأنه اعتراض على الشيخ محي السنة حيث أورد حديث عبد الله بن زيد بهذا اللفظ في الصحاح مع أنه غير مذكور في أحد الصحيحين انتهى. ٣٩٧-

стр. 505

وعن عبد الله بن عباس قال: ((توضأ رسول الله ﷺ مرة مرة، لم يزد على هذا)) . رواه البخاري. ٣٩٨- (٥) وعن عبد الله بن زيد، ((أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين)) . رواه البخاري. ٣٩٩- (٦) وعن عثمان ﵁، ((أنه توضأ بالمقاعد، فقال: ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ .؟ فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً)) . ــ ٣٩٧- قوله: (مرة مرة) نصب على المصدر، يعنى غسل كل عضو مرة واحدة، ومسح برأسه مرة (لم يزد على هذا) ، أي: في هذا الوضوء، أو في ذلك الوقت، أو باعتبار علمه، وإلا فقد صحت الزيادة في روايات كثيرة، وإنما فعل ذلك لبيان الجواز، أو لمراعاة الحال في الاستعجال، أو قلة الماء، وبيان الجواز يكفي فيه إطلاق القرآن. وفيه دليل على أن الواجب من الوضوء مرة مرة، ولهذا اقتصر عليه النبي ﷺ ، ولو كان الواجب مرتين مرتين، أو ثلاثاً ثلاثا، ً لما اقتصر على مرة مرة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وبعض الأعضاء ثلاثاً وبعضها مرتين. قال الترمذي: وقد ذكر في غير حديث أن النبي ﷺ توضأ بعض وضوئه مرة وبعضه ثلاثاً. والاختلاف دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هي الكمال. والواحدة تجزئ. (رواه البخاري) ، أي: في باب الوضوء مرة مرة، والحديث مجمل، وقد رواه البخاري في باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة مطولاً ومفصلاً، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً، وأبوداود مطولاً ومختصراً. وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة، ذكرها الشوكاني في النيل مع الكلام عليها. ٣٩٨- قوله: (توضأ مرتين مرتين) أي لكل عضو من أعضاء الوضوء لبيان الجواز أيضاً، والنصب في مرتين على المفعول المطلق المبين للكمية. (رواه البخاري) في باب الوضوء مرتين مرتين، والظاهر أن حديث عبد الله بن زيد هذا غير حديثه المفصل المتقدم، فإنه ليس فيه الغسل مرتين إلا في اليدين إلى المرفقين، نعم روى النسائي من طريق سفيان بن عينية في حديث عبد الله بن زيد التثنية في اليدين والرجلين، ومسح الرأس، وتثليث غسل الوجه، لكن في الرواية المذكورة نظر، قاله الحافظ. والحديث أخرجه أيضاً أحمد. وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه أبوداود والترمذي وصححه وابن حبان: " أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين". ٣٩٩- قوله: (توضأ بالمقاعد) بفتح ميم جمع مقعد، والمراد بها دكاكين عند دار عثمان. وقيل: درج. وقيل: موضع بقرب المسجد اتخذ للقعود فيه للحوائج والوضوء. (ألا) للتنبيه أو الهمزة للإنكار. (أريكم وضوء رسول الله ﷺ ) أي كيفية وضوئه. (فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً) هذا هو الأكمل، وقد استدل به للشافعي على سنية تثليث مسح الرأس، وأجيب عنه بأنه

стр. 506

رواه مسلم. ٤٠٠- (٧) وعن عبد الله بن عمرو قال: ((رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماءٍ بالطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضؤوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول الله ﷺ : ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء)) ــ مجمل تبين في الروايات الصحيحة التي فصلت فيها أعضاء الوضوء أن المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب، أو يختص بالمغسول. (رواه مسلم) . وأخرجه أيضاً أحمد، وفي الباب عن جماعة من الصحابة، ذكر أحاديثهم العيني في شرح البخاري. ٤٠٠- قوله: (حتى إذا كنا) أي صرنا. (بماء بالطريق) قال الطيبي: الظرف الأول خبر كان والثاني صفة، أي إذا كنا نازلين بماء كائن في طريق مكة. (تعجل) بتشديد الجيم. (قوم عند العصر فتوضؤوا وهم عجال) بضم العين وتشديد الجيم. جمع عاجل كجهال جمع جاهل. وقيل: بكسر العين وتخفيف الجيم كقيام جمع قائم، وقيل: جمع عجلان بمعنى المستعجل، وكغضاب جمع غضبان. قال الطيبي: تعجل بمعنى استعجل، يعني تطلبوا تعجيل الوضوء عند العصر فتوضؤوا عاجلين. وقيل: الأظهر أن معناه استعجلوا في السير، وتقدموا علينا عند دخول العصر مبادرة إلى الوضوء، فتوضؤا على العجلة بحكم ضيق الوقت في السفر. (وأعقابهم) عقب بكسر القاف مؤخر القدم، وهي مؤنثة (تلوح) أي يظهر للناظر فيها بياض لم يصبها الماء الذي أخذوه لغسل الأرجل مع إصابته سائر القدم، وذلك لعجلتهم في الوضوء بسب ضيق الوقت، فكأن مقصودهم الغسل، إلا أنهم كانوا يتعجلون فيه لئلا تفوتهم الصلاة، فلم يحصل لذلك إسباغ الأرجل. وفي رواية ذكرها العيني: رأى قوماً توضؤوا وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئا، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: أن النبي ﷺ رأى رجلاً لم يغسل عقبه فقال ذلك الوعيد. (لم يمسها الماء) جملة حالية مبنية لتلوح. (ويل) قيل: الويل الخزى والهلاك والمشقة من العذاب. قال الأبهري: جاز الابتداء بالنكرة لأنه دعاء، وأصح الأقوال في معناه ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد: واد في جهنم. (للأعقاب) أي المرئية إذ ذاك، فاللام للعهد، ويلتحق بها ما يشاركها في ذلك، ففي حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي عند ابن خزيمة والطبراني "ويل للاعقاب وبطون الأقدام من النار". قيل: معناه "ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها" نحو ﴿واسأل القرية﴾ [٨٢:١٢] والأعقاب تختص بالعقاب إذا قصر في غسلها. (من النار) بيان للويل كما في قوله: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [٣٠:٢٢] ويجوز أن تكون بمعنى "في" كما في قوله تعالى: ﴿من يوم الجمعة﴾ [٩:٦٢] أي في يوم الجمعة. وفي الوعيد والإنكار دليل على أن وظيفة الرجلين الغسل الوافي لا المسح، ولا الغسل الخفيف المبقع المشابه للمسح، لأن الوعيد لا يكون إلا على ترك الواجب. (أسبغوا الوضوء) أي أتموه وأكملوه، والوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، فالأمر بإسباغ الوضوء أمر

стр. 507

بتكميل الغسل وإبلاغ الماء كل ظاهر أعضائه، فقوله: (أسبغوا) تأكيد للوعيد المذكور عام، يشمل الرجلين وغيرهما من أعضاء الوضوء، لأنه لم يقل أسبغوا الرجلين، بل قال: أسبغوا الوضوء، ومطلوبية الإسباغ غير مختصة بالرجلين فكما أنه مطلوب فيهما كذلك مطلوب في غيرهما. وتخصيص الوعيد بلفظ الأعقاب؛ إنما هو لأجل تقصيرهم في وظيفة الرجلين. والحديث يدل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وهو مذهب جمهور المحدثين والمفسرين من أهل السنة. قال الحافظ: قد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في صفة وضوئه أنه غسل رجليه، وهو المبين لأمر الله، وقد قال في حديث عمرو بن عبسة الذى رواه ابن خزيمة وغيره مطولاً في فضل الوضوء: ثم يغسل قدميه كما أمره الله، ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا من علي، وابن عباس، وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور. وقال الطيبي: ذهب الشيعة إلى أنه يمسح على الرجلين، لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤسكم وأرجلكم﴾ [٦:٥] على قراءة الجر، فإنه تعالى عطف الرجل على الرأس والرأس يمسح فكذا الرجل. قلنا: وقد قرئ بالنصب عطفاً على قوله: ﴿وأيديكم﴾ وإذا ذهب إلى المسح يبقى مقتضى النص غير معمول به، بخلاف العكس فإن المسح مغمور بالغسل، على أن الأحاديث الصحيحة تواترت معاضدة لقراءة النصب، فوجب تأويل القراءة بالكسر، وفيه وجوه: أحدها العطف على الجوار كقوله تعالى: ﴿عذاب يوم أليم﴾ [٢٦:١١) والأليم صفة العذاب فأخذ إعراب "اليوم" للمجاورة، وقوله تعالى: ﴿عذاب يوم محيط﴾ [٨٤:١١] ﴿وحور عين﴾ بالجر بعد قوله: ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق﴾ [١٨،١٧:٥٦] لأن حور لا يصلح عطفها على أكواب، لأن الحور لا يطاف بها. والثاني الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر، والعرب إذا اجتمع فعلان متقاربان في المعنى، ولكل واحد منهما متعلق جوزت ذكر أحد الفعلين وعطف متعلق المحذوف على متعلق المذكور على حسب ما يقتضيه لفظه، حتى كأنه شريكه في أصل الفعل كما قال الشاعر: يا ليت بعلك قد غدا ... ... متقلداً سيفاً ورمحا وكقول الأخر: ... ... علفتها تبناً وماءً باردا تقديره علفتها تبناً وسقيتها ماءًا بارداً، ومتقلداً سيفاً، وحاملاً رمحاً. والثالث قول الزجاج: يجوز ﴿أرجلكم﴾ بالخفض على معنى فاغسلوا؛ لأن قوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾ قد دل عليه؛ لأن التحديد يفيد الغسل، كما في قوله تعالى: ﴿إلى المرافق﴾ ولو أريد المسح لم يحتج إلى التحديد، كما في قوله: ﴿وامسحوا برؤسكم﴾ من غير تحديد، ويطلق المسح على الغسل انتهى. قال العلامة السيد محمود الآلوسي البغدادي المتوفي سنة ١٢٧٠هـ في تفسيره روح المعاني (ج٦: ص٧٣) : وفي الأرجل ثلاث قراءات، واحدة شاذة، واثنتان متواترتان، أما الشاذة فالرفع وهي قراءة الحسن، وأما المتواترتان فالنصب وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص، والكسائي، ويعقوب. والجر وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم، وفي رواية أبي بكر عنه. ومن هنا اختلف الناس في غسل الرجلين ومسحهما، قال الإمام الرازي: فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وعكرمة، والشعبي، وأبي جعفر محمد بن علي الباقر: أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب

стр. 508

الإمامية، وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل. وقال داوود: يجب الجمع بينهما، وهو قول الناصر للحق من الزيدية. وقال الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل. وحجة القائلين بالمسح قراءة الجر، فإنها تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤس، فكما وجب المسح فيها وجب فيها، والقول أنه جر بالجوار كما في قولهم: هذا جحر ضبٍ خربٍ، وقوله: كأن ثبيرا في عرانين وبله كبير أناس في بجادٍ مزملٍ باطل من وجوه: أولها أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام الله تعالى يجب تنزيهه عنه. وثانيها أن الكسر إنما يصار إليه حيث حصل الأمن من الالتباس كما في ما استشهدوا به، وفي الآية الأمن من الالتباس غير حاصل. وثالثها أن الجر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب، وردوا قراءة النصب إلى قراءة الجر فقالوا: إنها تقتضي المسح أيضاً لأن العطف حينئذٍ على محل الرؤوس لقربه فيتشاركان في الحكم، وهذا مذهب مشهور للنحاة. ثم قالوا: أو لا يجوز رفع ذلك بالأخبار، لأنها بأسرها من بابا الآحاد، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز، ثم قال الإمام: واعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا إلا من وجهين الأول: أن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه، وعلى هذا يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحهما والثاني: أن فرض الأرجل محدود إلى الكعبين، والتحديد إنما جاء في الغسل لا المسح، والقوم أجابوا منه بوجهين: الأول: أن الكعب عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين، وحينئذٍ لا يبقى هذا السؤال. انتهى. ولا يخفى أن بحث الغسل والمسح مما كثر فيه الخصام، وطالما زلت فيه الأقدام، وما ذكره الإمام يدل على أنه راجل في هذا الميدان، وضالع لا يطيق العروج إلى شاوى ضليع، وتحقيق تبتهج به الخواطر والأذهان، فلنبسط الكلام في تحقيق ذلك رغماً لأنوف الشيعة، السالكين من السبل كل سبيل هالك، فنقول وبالله تعالى التوفيق: إن القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين، بل بإطباق أهل الإسلام كلهم، ومن القواعد الأصولية عند الطائفتين، أن القراءتين المتواترتين إذا تعارضتا في آية واحدة فلهما حكم آيتين، فلا بد لنا أن نسعى ونجتهد في تطبيقهما أولاً مهما أمكن؛ لأن الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال كما تقرر عند أهل الأصول، ثم نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما، ثم إذا لم يتيسر لنا الترجيح بينهما نتركهما ونتوجه إلى الدلائل الأخر من السنة، وقد ذكر الأصوليون أن الآيات إذا تعارضت بحيث لا يمكن التوفيق ثم الترجيح بينهما يرجع إلى السنة، فإنها لما لم يمكن لنا العمل بها صارت معدومة في حقنا من حيث العمل، وإن تعارضت السنة كذلك نرجع إلى أقوال الصحابة وأهل البيت، أو نرجع إلى القياس عند القائلين بأن قياس المجتهد يعمل به عند التعارض، فلما تأملنا في هاتين القراءتين في الآية وجدنا التطبيق بينهما على قواعدنا من وجهين: الأول أن يحمل المسح على الغسل كما صرح به أبوزيد الأنصاري وغيره من أهل اللغة، فيقال للرجل إذا توضأ: تمسح. ويقال: مسح الله تعالى ما بك، أي أزال عنك المرض. ومسح الأرض المطر إذا غسلها، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس في قراءة الجر لا يتعين كونها ممسوحة بالمعنى الذي يدعيه الشيعة، واعترض ذلك من وجوه: أولها:

стр. 509

أن فائدة اللفظين في اللغة والشرع مختلفة، وقد فرق الله تعالى بين الأعضاء المغسولة والممسوحة فكيف يكون معنى الغسل والمسح واحداً. وثانيها: أن الأرجل إذا كانت معطوفة على الرؤوس وكان الفرض في الرؤوس المسح الذي ليس بغسل بلا خلاف وجب أن يكون حكم الأرجل كذلك، وإلا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وثالثها: أنه لو كان المسح بمعنى الغسل يسقط الاستدلال على الغسل بخبر أنه ﷺ غسل رجليه؛ لأنه على هذا يمكن أن يكون مسحهما، فسمى المسح غسلا، ورابعها: أن استشهاد أبي زيد بقولهم: تمسحت للصلاة، لا يجدى نفعا، لاحتمال أنهم لما أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظ موجز، ولم يجز أن يقولوا تغسلت للصلاة، لأن ذلك يوهم الغسل، قالوا بدله: تمسحت، لأن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً، فتجوزوا بذلك تعويلاً على فهم المراد، وذلك لا يقتضي أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل. وأجيب عن الأول بأنا لا ننكر اختلاف فائدة اللفظين لغةً وشرعاً، ولا تفرقة الله تعالى بين المغسول والممسوح من الأعضاء، لكنا ندعى أن حمل المسح على الغسل في بعض المواضع جائز، وليس في اللغة والشرع ما يأباه على أنه قد ورد ذلك في كلامهم. وعن الثاني بأنا نقدر لفظ "امسحوا" قبل ﴿أرجلكم﴾ أيضاً وإذا تعدد اللفظ فلا بأس بأن يتعدد المعنى، ولا محذور فيه، فقد نقل شارح زبدة الأصول من الإمامية أن هذا القسم من الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز، بحيث يكون ذلك اللفظ في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي، وفي المعطوف بالمعنى المجازى، وقالوا في الآية ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنباً إلا عابرى سبيل﴾ [٤٣:٤] : أن الصلاة في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي الشرعي، وهو الأركان المخصوصة، وفي المعطوف بالمعنى المجازى، وهو المسجد، فإنه محل الصلاة، وادعى ذلك الشارح أن هذا نوع من الإستخدام، وبذلك فسر جمعٌ من مفسرى الإمامية وفقهائهم. وعليه فيكون هذا العطف من عطف الجمل في التحقيق، ويكون المسح المتعلق بالرؤوس بالمعنى الحقيقي، والمسح المتعلق بالأرجل بالمعنى المجازي، على أن من أصول الإمامية كالشافعية جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكذا استعمال المشترك في معنييه. ويحتمل هنا إضمار الجار تبعاً للفعل فتدبر. ولا يشكل أن في الآية حينئذٍ إبهاماً، ويبعد وقوع ذلك في التنزيل، لأنا نقول: إن الآية نزلت بعد ما فرض الوضوء، وعلمه ﵊ روح القدس إياه في إبتداء البعثة بسنين، فلا بأس أن يستعمل فيها هذا القسم من الإبهام، فإن المخاطبين كانوا عارفين بكيفية الوضوء، ولم تتوقف معرفتهم بها على الاستنباط من الآية ولم تنزل الآية لتعليمهم بل سوقها لإبدال التيمم من الوضوء والغسل في الظاهر، وذكر الوضوء فوق التيمم للتمهيد، والغالب فيما يذكر لذلك عدم البيان المشبع. وعن الثالث: بأن حمل المسح على الغسل لداعٍ لا يستلزم حمل الغسل على المسح بغير داعٍ، فكيف يسقط الاستدلال؟ سبحان الله تعالى هذا هو العجب العجاب. وعن الرابع: بأنا لا نسلم أن العدول عن "تغسلت" لإبهامه الغسل، فإن "تمسحت" يوهم ذلك أيضاً، بناءً على ما قاله من أن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً، سلمنا ذلك، لكنا لم نقتصر في الاستشهاد على ذلك، ويكفي مسح الأرض المطر في الفرض. والوجه الثاني: أن يبقى المسح على الظاهر، وتجعل الأرجل على تلك القراءة معطوفة على المغسولات، كما في قراءة النصب والجر للمجاورة، واعتراض أيضاً من وجوه، الأول والثاني والثالث ما ذكره الإمام من عد الجر بالجوار لحناً، وأنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس، ولا أمن فيما

стр. 510

نحن فيه، وكونه إنما يكون بدون حرف العطف. والرابع: أن في العطف على المغسولات سواءٌ كان المعطوف منصوب اللفظ أو مجروره، الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية ليست اعتراضية، وهو غير جائز عند النحاة، على أن الكلام حينئذٍ من قبيل "ضربت زيداً وأكرمت خالداً وبكراً" بجعل بكر عطفاً على زيد، أو إرادة أنه مضروب لا مكرم، وهو مستهجن جداً تنفر عنه الطباع، ولا تقبله الأسماع فكيف يجنح إليه أو يحمل كلام الله تعالى عليه وأجيب عن الأول بأن إمام النحاة الأخفش وأبا البقاء وسائر مهرة العربية وأئمتها جوزوا جر الجوار، وقالوا بوقوعه في الفصيح كما ستسمعه إنشاء الله تعالى ولم ينكره إلا الزجاج، وإنكاره مع ثبوته يدل على قصور تتبعه، ومن هنا قالوا: المثبت مقدم على النافي. وعن الثاني: بأنا لا نسلم أنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس، ولا نقل في ذلك عن النحاة في الكتب المعتمدة، نعم: قال بعضهم: شرط حسنه عدم الالتباس مع تضمن نكتة وهو هنا كذلك، لأن الغاية دلت على أن هذا المجرور ليس بمسموح، إذا المسح لم يوجد مغياً في كلامهم، ولذا لم يغي في آية التيمم، وإنما يغي الغسل، ولذا غي في الآية حين احتج إليه، فلا يرد أنه لم يغي غسل الوجه لظهور الأمر فيه، ولا قول المرتضى أنه لا مانع من تغييه. والنكتة فيه الإشارة إلى تخفيف الغسل حتى كأنه مسح. وعن الثالث: بأنهم صرحوا بوقوعه في النعت كما سبق من الأمثلة، وقوله تعالى: ﴿عذاب يومٍ محيطٍ﴾ [٨٤:١١] بجر ﴿محيط﴾ مع أنه نعت للعذاب. وفي التوكيد كقوله: الأبلغ ذوى الزوجات (كلهم) ... ... أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب بجر "كلهم" على ما حكاه الفراء. وفي العطف كقوله تعالى: ﴿وحورٌ عينٌ، كأمثال اللؤ لؤ المكنون﴾ [٢٣،٢٢:٥٦] على قراءة حمزة، والكسائي، وفي رواية المفضل عن عاصم فإنه مجرور بجر ﴿أكواب وأباريق﴾ ومعطوف على ﴿ولدان مخلدون﴾ . وقول النابغة: لم يبق إلا أسير غير منفلت ... ... و (موثق) في حبال القد مجنوب يجر "موثق" مع أن العطف على "أسير" وقد عقد النحاة لذلك بابا على حدة لكثرته، ولما فيه من المشاكلة، وقد كثر في الفصيح حتى تعدوا عن اعتباره في الإعراب إلى التثنية والتأنيث وغير ذلك، وكلام ابن الحاجب في هذا المقام لايعبأ به. وعن الرابع بأن لزوم الفصل بالجملة إنما يخل إذا لم تكن جملة ﴿وامسحوا برؤسكم﴾ متعلقة بجملة المغسولات، فإن كان معناها وامسحوا الأيدي بعد الغسل برؤسكم فلا إخلال كما هو مذهب كثير من أهل السنة، من جواز المسح ببقية ماء الغسل واليد المبلولة من المغسولات، ومع ذلك لم يذهب أحدٌ من أئمة العربية إلى امتناع الفصل بين الجملتين المتعاطفتين، أو معطوف ومعطوف عليه، بل صرح الأئمة بالجواز، بل نقل أبوالبقاء إجماع النحويين على ذلك، نعم! توسط الأجنبي في كلام البلغاء يكون لنكتة وهي هنا ما أشرنا إليه. أو الإيماء إلى الترتيب، وكون الآية من قبيل ما ذكر من المثال في حين المنع، وربما تكون كذلك لو كان النظم "وامسحوا رؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين" والواقع ليس كذلك وقد ذكر بعض أهل السنة أيضاً وجهاً آخر في التطبيق، وهو أن قراءة الجر محمولة على حالة التخفف، وقراءة النصب على حال دونه واعترض بأن الماسح على الخف ليس ماسحاً على الرجل حقيقةً ولا حكماً، لأن الخف اعتبر

стр. 511

مانعاً سراية الحدث إلى القدم فهي طاهرة، وماحل بالخف أزيل بالمسح، فهو على الخف حقيقةً وحكماً، وأيضاً المسح على الخفين لا يجب إلى الكعبين اتفاقاً وأجيب بأنه يجوز أن يكون لبيان المحل الذي يجزئ عليه المسح، لأنه لايجزء المسح على ساقه، نعم! هذا الوجه لا يخلو عن بعد والقلب لا يميل إليه وإن ادعى الجلال السيوطي أنه أحسن ما قيل في الآية. وللإمامية في تطبيق القراءتين وجهان أيضاً لكن الفرق بينهما وبين ما سبق من الوجهين اللذين عند أهل السنة، أن قراءة النصب التي هي ظاهرة في الغسل عند أهل السنة، وقراءة الجر تعاد إليها، وعند الإمامية بالعكس. الوجه الأول: أن تعطف الأرجل في قراءة النصب على محل ﴿برؤوسكم﴾ فيكون حكم الرؤوس والأرجل كليهما مسحاً. الوجه الثاني: أن الواو فيه بمعنى مع من قبيل "استوى الماء والخشبة" وفي كلا الوجهين بحث لأهل السنة من وجوه: الأول: أن العطف على المحل خلاف الظاهر بإجماع الفريقين، والظاهر العطف على المغسولات والعدول عن الظاهر إلى خلافه بلا دليل لا يجوز، وإن استدلوا بقراءة الجر قلنا: إنها لا تصلح دليلاً على ذلك لما علمت، والثاني: أنه لو عطف ﴿وأرجلكم﴾ على محل ﴿برؤسكم﴾ جاز أن نفهم منه معنى الغسل، إذ من القواعد المقررة في العلوم العربية أنه إذا اجتمع فعلان متغايران في المعنى ويكون لكل منهما متعلق، جاز حذف أحدهما، وعطف متعلق المحذوف على متعلق المذكور كأنه متعلقة، ومن ذلك قوله: ياليت بعلك قد غدا ... ... متقلداً سيفاً ورمحاً فإن المراد وحاملاً رمحاً ومنه قوله: إذا ما الغانيات برزن يوماً ... ... وزججن الحواجب والعيونا فإنه أراد وكحلن العيونا، وقوله: تراه كأن مولاه يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه كان له وفر أى يفقئ عينيه إلى ما لا يحصى كثرة. والثالث: أن جعل الواو بمعنى مع بدون قرينة مما لا يكاد يجوز، ولا قرينة ههنا على أنه يلزم كما قيل فعل المسحين معاً بالزمان، ولا قائل به بالاتفاق. بقى لو قال قائل: لا أقنع بهذا المقدار في الاستدلال على غسل الأرجل بهذه الآية مالم ينضم إليها من خارج ما يقوى تطبيق أهل السنة، فإن كلامهم وكلام الإمامية في ذلك عسى أن يكون فرسي رهان. قيل له: إن سنة خير الورى ﷺ وآثار الأئمة ﵃ شاهدة على ما يدعيه أهل السنة، وهي من طريقهم أكثر من أن تحصى، وأما من طريق القوم فقد روى العياشي، عن علي، عن أبي حمزة قال: سألت أباهريرة عن القدمين فقال: تغسلان غسلاً. وروى محمد بن النعمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ﵁ قال: إذا نسيت مسح رأسك حتى غسلت رجليك فامسح رأسك، ثم اغسل رجليك. وهذا الحديث رواه أيضاً الكلبي، وأبوجعفر الطوسي بأسانيد صحيحة بحيث لا يمكن تضعيفها، ولا الحمل على التقية، لأن المخاطب بذلك شيعي حاضر. وروى محمد بن الحسن الصفار، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - أنه قال: جلست أتوضأ فأقبل رسول الله ﷺ فلما غسلت قدمي قال: يا علي! خلل بين الأصابع. ونقل الشريف الرضي عن علي - كرم الله وجهه - في نهج البلاغة حكاية وضوئه ﷺ ، وذكر فيه غسل الرجلين، وهذا يدل على أن مفهوم الآية كما قال أهل السنة، ولم يدع

стр. 512

أحد منهم النسخ حتى يتكلف لإثباته كما ظنه من لا وقوف له وما يزعمه الإمامية من نسبة المسح إلى ابن عباس ﵄، وأنس بن مالك وغيرهما كذب مفتري عليهم، فإن أحداً منهم ما روى عنه بطريق صحيح أنه جوز المسح إلا ابن عباس، فإنه قال بطريق التعجب: لا نجد في كتاب الله تعالى إلا المسح ولكنهم أبوا إلا الغسل. ومراده أن ظاهره الكتاب يوجب المسح على قراءة الجر التي كانت قراءته، ولكن رسول الله ﷺ وأصحابه لم يفعلوا إلا الغسل، ففي كلامه هذا إشارة إلى أن قراءة الجر مؤولة متروكة الظاهر بعمل رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، ونسبة جواز المسح إلى أبي العالية، وعكرمة، والشعبي زور وبهتان أيضاً، وكذلك نسبة الجمع بين الغسل والمسح، أو التخيير بينهما إلى الحسن البصري - عليه الرحمة-، ومثله نسبة التخيير إلى محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ الكبير والتفسير الشهير، وقد نشر رواة الشيعة هذه الأكاذيب المختلفة، ورواها بعض أهل السنة ممن لم يميز الصحيح والسقيم من الأخبار بلا تحقق ولا سند، واتسع الخرق على الراقع. ولعل محمد بن جرير القائل بالتخيير هو محمد بن جرير بن رستم الشيعي صاحب الإيضاح للمترشد في الإمامة، لا أبوجعفر محمد بن جرير بن غالب الطبري الشافعي الذي هو من أعلام أهل السنة، والمذكور في تفسير هذا هو الغسل فقط لا المسح، ولا الجمع، ولا التخيير الذي نسبه الشيعة إليه. ولا حجة لهم في دعوى المسح بما روى عن أمير المؤمنين علي - كرم الله وجهه-: أنه مسح وجهه ويديه، ومسح رأسه ورجليه، وشرب فضل طهوره قائماً، وقال: إن الناس يزعمون أن الشرب قائماً لا يجوز، وقد رأيت رسول الله ﷺ يصنع مثل ما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث. لأن الكلام في وضوء المحدث لا في مجرد التنظيف بمسح الأطراف، كما يدل عليه ما في الخبر من مسح المغسول اتفاقاً. وأما ما روى عن عبادة بن تميم، عن عمه بروايات ضعيفة: أنه ﷺ توضأ ومسح على قدميه. فهو كما قال الحافظ: شاذ منكر، لا يصلح للاحتجاج، مع احتمال حمل القدمين على الخفين ولو مجازاً، واحتمال اشتباه القدمين المتخففين بدون المتخففين من بعيد، ومثل ذلك عند من اطلع على أحوال الرواة ما رواه الحسين بن سعيد الأهوازي، عن فضالة، عن حماد بن عثمان، عن غالب بن هذيل، قال: سألت أبا جعفر ﵁ عن المسح على الرجلين فقال: هو الذي نزل به جبرئيل ﵇، وما روى عن أحمد بن محمد قال: سألت أبا الحسن موسى بن - جعفر ﵁ عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع بكفيه على الأصابع ثم مسحهما إلى الكعبين، فقلت له، لو أن رجلاً قال بأصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين أيجزئ؟ قال: لا إلا بكفه كلها إلى غير ذلك مما روته الإمامية في هذا الباب، ومن وقف على أحوال رواتهم لم يعول على خبر من أخبارهم، وقد ذكرنا نبذة من ذلك في كتابنا "النفحات القدسية في رد الإمامية" على أن لنا أن نقول: لو فرض أن حكم الله تعالى المسح على ما يزعمه الإمامية من الآية فالغسل يكفي عنه، ولو كان هو الغسل لا يكفي عنه فبالغسل يلزم الخروج عن العهدة بيقين دون المسح، وذلك لأن الغسل محصل لمقصود المسح من وصول البلل وزيادة وهذا مراد من عبر بأنه مسح وزيادة، فلا يرد ما قيل من أن الغسل والمسح متضادان لا يجتمعان في محل واحد كالسواد والبياض، وأيضاً كان يلزم الشيعة الغسل لأنه الأنسب بالوجه المعقول من الوضوء، وهو التنظيف للوقوف بين يدي رب الأرباب- لأنه الأحوط أيضاً لكون

стр. 513

رواه مسلم. ٤٠١- (٨) وعن المغيرة بن شعبة قال: ((إن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين)) ــ سنده متفقا عليه للفريقين كما سمعت، دون المسح للاختلاف في سنده - انتهى (رواه مسلم) . الحديث بهذا اللفظ من إفراد مسلم، وأخرجه أيضاً أبوداود، والنسائي، وابن ماجه مختصراً، وهو عند جميعهم من حديث منصور عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو قال المنذري: واتفق البخاري ومسلم على إخراجه من يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو نحوه. ٤٠١- قوله: (فمسح بناصيته وعلى العمامة) بكسر العين، وفي رواية للنسائي: مسح ناصيته وعمامته. واستدل به لما ذهب إليه مالك والشافعي ومن معهما: من أنه لايجوز اقتصار المسح على العمامة، بل لا بد مع ذلك من المسح على الناصية. قيل: رواية مسلم هذه مفصلة، يحمل عليها ما في بعض طرقها: من أنه ﷺ مسح على الخفين والعمامة. أخرجها الترمذي وصححها. وذهب أحمد وغيره من فقهاء أصحاب الحديث إلى جواز الاقتصار على العمامة، واحتجوا بحديث عمرو بن أمية عند أحمد والبخاري وابن ماجه. وبحديث بلال عند أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وبحديث سلمان عند أحمد، وبأحاديث أبي أمامة، وخزيمة بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي ذر عند الطبراني. وبحديث أنس عند البيهقي، وغير ذلك من الأحاديث التي ذكرها الزيلعي في نصب الراية واعتذر الأولون عن هذه الأحاديث بوجوه كلها مخدوشة، فمنها أنها معلولة مضطربة الأسانيد وفيها رجال مجهولون وفيه أن أكثر هذه الأحاديث صحيحة مستقيمة، كما حقق صحتها واستقامتها الحافظ في التلخيص وغيره. ومنها أن أحاديث المسح على العمامة من أخبار الآحاد فلا تعارض الكتاب، لأن الكتاب يوجب مسح الرأس. وفيه أن الآية لا تنفي الاقتصار على المسح على العمامة، لأن من قال: قبلت رأس فلان يصدق ولو بحائل وسيأتي توضيحه. ومنها أن الله تعالى فرض المسح على الرأس، والحديث في العمامة محتمل التأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل، والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس وفيه أن هذا الوجه يرجع إلى الوجه الثاني، وقد تقدم جوابه وتوضيحه أنه أجزئ المسح على الشعر، ولا يسمى رأساً. فإن قيل: يسمى رأساً مجازاً بعلاقة المجاورة. قيل: والعمامة كذلك بتلك العلاقة، فإنه يقال: قبلت رأسه، والتقبيل على العمامة، ويؤيد ذلك حملهم قراءة الجر في ﴿أرجلكم﴾ في آية على حالة التخفف، فتأمل. ومنها أن أحاديث المسح على العمامة مجملة، وحديث المغيرة عند مسلم مفصل مفسر فتحمل عليه، ويقال: إن أداء المفروض من مسح الرأس وقع بمسح الناصية إذ هي جزء الرأس، وصارت العمامة تبعاً له، يعني أن المسح على العمامة كان زائداً على أصل الفرض، وتعميماً وتكميلاً، فرخص لهم ﷺ بفعله بعد مسح الواجب أن يقتصروا من الاستيعاب على مسح العمائم. وفيه أنه لا موجب لحمل أحاديث المسح على العمامة على حديث المغيرة، فإنها وقائع مختلفة ليست حكاية عن فعل واحد في وقت واحد، وأما إن المسح على العمامة كان زائداً على أصل الفرض وإتماما ففيه أنه مجرد دعوى لا دليل عليها فلا يلتفت إليها. ومنها أنها حكاية حال فيجوز

стр. 514

رواه مسلم. ٤٠٢- (٩) وعن عائشة ﵂، قالت: ((كان النبي ﷺ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله ــ أن تكون العمامة صغيرة رقيقة بحيث تنقع البلة منها إلى الرأس. وفيه أن الكل من قوله وفعله وتقريره حجة لنا، وفي إنشاء مثل هذه الاحتمالات في أفعاله وأحواله من غير دليل رد للسنة الصحيحة الثابتة، وأيضاً لا يتحقق وصول البلة إلى الرأس إلا إذا كانت العمامة غير ذات أكوار، وفيه إبطال لمسمى العمامة. ومنها أنه يحتمل أن ذلك كان قبل نزول المائدة. وفيه أنه لايثبت النسخ بالاحتمال حتى يعلم التاريخ، وأيضاً لا منافة بين الآية وبين أحاديث المسح حتى يحتاج إلى التوفيق، أو إدعاء النسخ. ومنها ما قال محمد بن الحسن في موطئه: بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك. وفيه أنه لا يثبت النسخ بمجرد قول الإمام محمد، ولا بد لمن يدعى النسخ أن يأتي بالحديث الناسخ الصحيح الصريح. ومنها أن الخطاب في قوله: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم. كالخطاب في قوله: وامسحوا برؤسكم، ولا يجوز مسح الوجه في التيمم بحائل، فكذلك الرأس. وفيه أنه قد ثبت بالأحاديث الصحيحة المسح على العمامة فقلنا به ولم يثبت مسح الوجه في التيمم بحائل، لا بحديث صحيح، ولا ضعيف، ولا بأثر صحابي، ولذلك لم يذهب إليه أحد من الأئمة، ولا حاجة إلى رد أحاديث المسح على العمامة بمثل هذا العذر الواهي. ومنها أن المراد بقوله (مسح عمامته) مسح ما تحتها، ومن قبيل إطلاق اسم الحال على المحل وفيه أن هذا مجاز خلاف الأصل فلا يحمل عليه من غير دليل. ومنها أنه يحتمل أنه مسح ناصيته وسوى عمامته بيديه فحسب الراوي تسوية العمامة عند المسح مسحاً لكونه بعيداً. وفيه أنه نسبة الخطأ إلى الصحابة من غير دليل، ويرتفع الأمان عن الأحاديث بمثل هذه الإحتمالات. ومنها أنه يحتمل أنه كان ذلك لمرض منعه كشف رأسه، فصارت العمامة كالجبيرة. وفيه أن هذا أيضاً احتمال محض فلا يلتفت إليه، لما فيه من رد السنة الصحيحة الثابتة، وبهذا علمت أن الحق ما ذهب إليه أحمد وغيره، فقد ثبت المسح على الرأس فقط. وعلى العمامة فقط، وعلى الرأس والعمامة، والكل صحيح ثابت عن رسول الله ﷺ موجود في كتب الأئمة الصحاح، والنبي ﷺ مبين لأمر الله، فقصر الإجزاء على بعض ما ورد لغير موجب ليس من دأب المنصفين (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً النسائي والبيهقي وأخرجه الترمذي بلفظ: مسح على الخفين والعمامة. ٤٠٢- قوله: (يجب التيمن) أي الإبتداء باليمين، أي فيما لم يعهد فيه المقارنة من باب التشريف، بخلاف غسل الوجه، ومسح الرأس والأذنين فإن المعهود في هذه الأشياء قران اليسار باليمين (ما استطاع) ما إما موصول فهو بدل من التيمن، وإما بمعنى مادام، وبه احتراز عما لا يستطيع فيه التيمن شرعاً كالخروج من المسجد، والدخول في الخلاء، والتمخط، والاستنجاء (في شأنه) متعلق بالتيمن، أو بالمحبة، أو بهما على سبيل التنازع، والشأن الأمر والحال، والخطب (كله) تأكيد، وهو يدل على التعميم، أي استحباب التيمن في دخول الخلاء وأمثاله أيضاً، ويمكن أن يقال: حقيقة

стр. 515

في طهوره وترجله وتنعله) متفق عليه. ﴿الفصل الثاني﴾ ٤٠٣- (١٠) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا لبستم وإذا توضأتم، فابدؤا بأيامنكم)) رواه أحمد وأبوداود. ــ الشأن ما كان فعلاً مقصوداً، وما يستحب فيه التياسر ليس من الأفعال المقصودة، بل هي إما تروك وإما أفعال غير مقصودة (في طهوره) بضم الطاء أي تطهره (وترجله) أي تمشيط الشعر بالماء أو بالدهن من اللحية والرأس (وتنعله) أي لبسه النعل، وقوله (في طهوره) الخ. بدل من (في شأنه) بإعادة العامل بدل البعض من الكل، فيكون تخصيصاً بعد تعميم، وخص هذه الثلاثة بالذكر اهتماماً بها وبياناً لشرفها، ولا مانع أن يكون بدل الكل من الكل، إذ الطهور مفتاح أبواب العبادات فبذكره يستغنى عنها، والترجل يتعلق بالرأس، والتنعل بالرجل، وأحوال الإنسان إما أن تتعلق بجهة الفوق، أو بجهة التحت، أو بالأطراف، فجاء لكل منها بمثال قاله العيني. والحديث دليل على استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن في الترجل، والغسل، والحلق، وبالميامن في الوضوء والغسل، والأكل، والشرب، وغير ذلك. قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر. والكلام في تقديم اليمين في الوضوء يأتي في شرح حديث أبي هريرة الذي يتلوه (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب التيمن في دخول المسجد وغيره من كتاب الصلاة، وأخرجه أيضاً في الطهارة، والأطعمة، واللباس، وأخرج مسلم في الطهارة معناه، وأخرجه أيضاً الترمذي في آخر الصلاة، والنسائي في الطهارة، وفي الزينة، وأبوداود في اللباس، وابن ماجه في الطهارة. ٤٠٣- قوله: (إذا لبستم) أي قميصاً أو سراويل أو نعلاً أو خفاً ونحوها يعني أردتم اللبس (وإذا توضأتم) أي أردتم التطهر بالوضوء أو الغسل (فابدؤوا بأيامنكم) جمع الأيمن وهو بمعنى اليمين، وفي رواية (بميامنكم) جمع الميمنة، ولا فرق بين اللفظين في العربية، والأمر محمول على الندب كما يدل عليه حديث: "كان يحب التيمن"، وكذلك اقتران الوضوء بالتيامن في اللبس المجمع على عدم وجوبه في حديث أبي هريرة هذا يصلح أن يكون قرينة لصرف الأمر إلى الندب، ودلالة الاقتران وإن كانت ضعيفة ولكنها لا تقصر عن الصلاحية للصرف، لاسيما مع اعتضادها بقول علي ﵁ وفعله. أخرجه الدارقطني من طرق، وبدعوى الإجماع على عدم الوجوب. قال النووي: أجمع العلماء - أي أهل السنة - على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفها فاته الفضل، وصح وضوئه، ولا اعتداد بخلاف الشيعة (رواه أحمد وأبوداود) في اللباس وسكت عنه، وأخرجه أيضاً ابن ماجه في الطهارة، وابن خزيمة، لكن ليس

стр. 516

٤٠٤- (١١) وعن سعيد بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)) ــ في روايتهما إذا لبستم، وابن حبان والبيهقي كلهم من طريق زهير، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصح. وللنسائي، والترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ إذا لبس قميصاً بدأ بميامنه. ٤٠٤- قوله: (وعن سعيد بن زيد) هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي القرشي أبوالأعور، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، والمهاجرين الأولين. قال المصنف: أسلم قديماً، وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ غير بدر، فإنه كان مع طلحة بن عبيد الله يطلبان خبر عير قريش وضرب له النبي ﷺ بسهم، وكانت فاطمة أخت عمر بن الخطاب تحته، وبسببها كان إسلام عمر، كان آدم طوالاً أشعر. له ثمانية وثلاثون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، وروى عنه جماعة. مات بالعقيق فحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع سنة (٥١) وقيل (٥٠) وله بضع وسبعون سنة. (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) أي لا يصح الوضوء ولا يوجد شرعاً إلا بالتسمية، إذ الأصل في النفي الحقيقة، ونفى الصحة أقرب إلى الذات، وأكثر لزوماً للحقيقة فيستلزم عدمها عدم الذات، وما ليس بصحيح لا يجزئ ولا يعتد به فالحديث نص على افتراض التسمية عند ابتداء الوضوء، وإليه ذهب أحمد في رواية، وهو قول أهل الظاهر. وذهبت الشافعية، والحنفية، ومن وافقهم إلى أن التسمية سنة فقط، واختار ابن الهمام من الحنفية وجوبها، وقال الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة: هو أي الحديث نص على أن التسمية ركن أو شرط، ويحتمل أن يكون المعنى لا يكمل الوضوء، لكن لا أرتضى بمثل هذا التأويل، فإنه من التأويل البعيد الذي يعود بالمخالفة على اللفظ انتهى. قلت: ويبعده أيضاً القرآن بقوله: لا صلاة لمن لا وضوء له، وفي بعض الروايات، ويبعده أيضاً أن الحمل على نفى الكمال مجاز، ولا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة، وقيام القرينة على إرادة المجاز وهو منتف ههنا. وحديث "من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهوراً لأعضاء وضوئه" ضعيف جداً، أخرجه الدارقطني والبيهقي مرفوعاً من حديث ابن عمر، وفيه أبوبكر الداهري عبد الله بن الحكم، وهو متروك ومنسوب إلى الوضع. وأخرجاه أيضاً من حديث أبي هريرة، وفيه مرداس بن محمد بن عبد الله بن أبان عن أبيه، وهما ضعيفان، وأخرجاه أيضاً من حديث ابن مسعود، وفيه يحيى بن هشام السمسار، وهو متروك والحاصل أن هذا الحديث لا يصلح لشدة وهنه أن يكون قرينة لتوجه ذلك النفي إلى الكمال، لا يقال: إنه تعاضد لكثرة طرقه، واكتسب قوة، لأن هذا إنما يفيد إذا كان الضعف في طرق الحديث يسيراً، وأما إذا اشتد الضعف والوهن كما هنا فلا يكتسب الحديث بكثرة طرقه إلا ضعفاً، وأما ما صرح به ابن سيد الناس في شرح الترمذي من أنه قد روى في بعض الروايات: "لا وضوء كاملاً" وقد استدل به الرافعي ففيه انه قال الحافظ: لم أره هكذا- انتهى. وتفوه بعض الحنفية أن قول الحافظ: "لم أره" ليس بحجة على من رآه من المتقدمين. قلت: لا يكفى للاحتجاج على المطلوب راوية أحد كائناً من كان ما لم يعلم كونه حسناً أو صحيحاً، ولم يعلم حال هذه الزيادة، ولم تثبت من وجه معتبر إلى الآن، ولا يمكن لهذا البعض المتفوه ولا لغيره من

стр. 517

رواه الترمذي، وابن ماجه. ٤٠٥- (١٢) ورواه أحمد، وأبوداود عن أبي هريرة. ٤٠٦- (١٣) والدارمي عن أبي سعيد الخدري، ــ القائلين بعدم الوجوب أن يثبتوا هذه الزيادة من وجه معتبر، ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً، فلا تغنى روية ابن سيد الناس هذه الزيادة عن شيء، وقال بعض الحنفية: حمل الرواية على حقيقة معناها الظاهر يوجب تخصيص الآية الذي هو في حكم النسخ، وليس ذلك إلى خبر الواحد- انتهى. قلت: حاصل هذا الجواب أن حمل الحديث على معناه الحقيقي الظاهر، وجعل التسمية في ابتداء الوضوء فرضاً أي شرطاً زيادة على آية الوضوء بخبر الواحد، في رتبة الشرطية، والزيادة على النص القطعي في مرتبة الركنية أو الشرطية بأخبار الآحاد لا تجوز، لأنها نسخ ونسخ النص القطعي بخبر الواحد لا يجوز. وفيه أن ذلك ليس بنسخ، لأن النسخ رفع حكم شرعي ثابت بالخطاب، ولم يرتفع ههنا حكم على أن الزيادة بخبر الواحد على النص القطعي في مرتبة الوجوب أو الاستحباب تجوز عند الحنفية فكأنها ليست بزيادة عندهم، فيلزمهم أن يقولوا بوجوب التسمية, كما قال به ابن الهمام، وكما ذهب جمهورهم إلى تعين الفاتحة وجوباً، على أن حديث التسمية أصح وأقوى وأشهر من حديث الوضوء بالنبيذ، والزيادة بالحديث المشهور على القطعي تجوز عند الحنفية فتأمل. والمراد بقوله: (لم يذكر اسم الله عليه) ، أي لم يقل: بسم الله على وضوئه، لقوله في قصة الإناء الذي وضع فيه يده: (توضؤوا بسم الله) . ولقوله: (يا أبا هريرة! إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله) ، أخرجه الطبراني في الأوسط (رواه الترمذي وابن ماجه) وزاد هو في أوله: (لا صلاة لمن لا وضوء له) ، وأخرجه أيضاً أحمد والبزار والدارقطني والعقيلي والحاكم والبيهقي كلهم من طريق أبي ثفال المرى وهو مقبول قاله الحافظ، وذكره ابن حبان في الثقات عن رباح بن عبد الرحمن، وهو أيضاً مقبول، ذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين عن جدته أسماء، قال الحافظ في التلخيص: قد ذكرت الصحابة، وإن لم يثبت لها صحبة، فمثلها لا يسئل عن حالها عن أبيها سعيد بن زيد بن عمرو، قال الترمذي: قال محمد يعني البخاري: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن. ٤٠٥- قوله: (ورواه أحمد وأبوداود عن أبي هريرة) وأخرجه أيضاً الترمذي في العلل، وابن ماجه، والدارقطني وابن السكن والطبراني والبيهقي والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. قال المنذري: وليس كما قال، فإنهم رووه عن يعقوب بن سلمة الليثي عن أبيه عن أبي هريرة، وقد قال البخاري وغيره: لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة ولا ليعقوب سماع من أبيه- انتهى. وأبوه سلمة أيضاً لا يعرف ما روى عنه غير ابنه يعقوب، فأين شروط الصحة؟ وقد أطال الحافظ الكلام عليه في التلخيص (ص٢٦) فارجع إليه. ٤٠٦- قوله: (والدارمي عن أبي سعيد الخدري) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في العلل وابن ماجه وابن عدي

стр. 518

عن أبيه، وزادوا في أوله: (لا صلاة لمن لا وضوء له) . ٤٠٧- (١٤) وعن لقيط بن صبرة، قال: قلت يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء. قال: ((أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، ــ وابن السكن والبزار والدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق كثير بن زيد الأسلمي وهو صدوق يخطئ، صالح الحديث عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وهو مقبول، قاله الحافظ عن أبيه عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وهو ثقة. قال أحمد بن حنبل: إنه أحسن شيء في هذا الباب، وقال أيضاً: أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح. وقال إسحاق بن راهويه: هو أصح ما في الباب. وقال في الزوائد على ابن ماجه: هذا حديث حسن (عن أبيه) هذا من أوهام المصنف لأن الراوي للحديث هو أبوسعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري لا أبوه مالك بن سنان (وزادوا) أي أحمد وأبوداود والدارمي، وهذا أيضاً من أوهامه فإن هذه الزيادة ليست للدارمي، ففي عبارة المصنف ههنا سهوان أحدهما في الإسناد، وهو زيادة (عن أبيه) بعد قوله: (أبي سعيد الخدري) والثاني أن زيادة (لا صلاة لمن لا وضوء له) ليست للدارمي، خلاف ما يفهم من قوله، وزادوا في أوله، واعلم أنه ورد في الباب أحاديث كثيرة لا يخلو واحد منها عن مقال، لكنها تعاضدت بكثرة طرقها، قال المنذري في الترغيب: لا شك أن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها عن مقال، فإنها تتعاضد بكثرة طرقها، وتكتسب قوة- انتهى. وقال الحافظ: الظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً، وقال أبوبكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي ﷺ قاله، وقال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: ولا يخلو هذا الباب من حسن صريح، وصحيح غير صريح، وقال ابن كثير في الإرشاد وقد روى من طرق يشد بعضها بعضاً فهو حديث حسن أو صحيح، وقال ابن الصلاح: يثبت بمجموعها ما يثبت بالحديث الحسن. ٤٠٧- قوله: (وعن لقيط) بفتح اللام وكسر القاف وبالطاء المهملة (بن صبرة) بفتح المهملة وكسر الموحدة، هو لقيط بن عامر بن صبرة أبورزين العقيلي، صحابي مشهور، له أربعة وعشرين حديثاً، جعلهما واحداً ابن عبد البر وعبد الغني بن سعيد وابن معين، وحكى ذلك الأثرم عن أحمد، وإليه نحا البخاري وجمعه ابن حبان وابن السكن، وقال ابن المديني وخليفة خياط وابن أبي خيثمة وابن سعد ومسلم والترمذي وابن قانع والبغوي والدارمي وجماعة: إن لقيط بن صبرة غير لقيط بن عامر بن صبرة. (أسبغ الوضوء) أي أبلغه مواضعه، وأوف كل عضو حقه، وقيل: أي أكمله، وبالغ فيه بالزيادة على المفروض كمية وكيفية بالتثليث، والدلك، وتطويل الغرة، وغير ذلك (وخلل بين الأصابع) أي أوصل الماء إلى ما بين أصابع اليدين والرجلين بالتخليل. وفيه دليل على وجوب التخليل بين أصابع اليدين والرجلين مطلقاً من غير فرق بين إمكان وصول الماء بدون تخليل وعدمه (وبالغ في الاستنشاق) بإيصال الماء إلى باطن الأنف. وفي رواية الدولابي (وبالغ في المضمضمة والاستنشاق) وفي رواية لأبي داود: وإذا توضأت فمضمض،

стр. 519

إلا أن تكون صائماً)) . رواه أبوداود، والترمذي، والنسائي وروى ابن ماجه، والدارمي إلى قوله: ((بين الأصابع)) . ٤٠٨- (١٥) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك)) . رواه الترمذي. وروى ابن ماجه نحوه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. ٤٠٩- (١٦) وعن المستورد ــ وفيه دليل على وجوب الاستنشاق والمضمضة، والاقتصار على ذكر هذه الخصال مع أن السؤال كان عن الوضوء إما من الرواة بسبب أن الحاجة دعتهم إلى نقل بعض، والنبي ﷺ بين كيفية الوضوء بتمامها، أو من النبي ﷺ بناء على أنه علم أن مقصد السائل البحث عن هذه الخصال، وإن أطلق لفظه في السؤال، إما بقرينة حال، أو وحى، أو إلهام. وقال في التوسط: اقتصر في الجواب علماً منه أن السائل لم يسأله عن ظاهر الوضوء، بل عما خفى من باطن الفم والأنف والأصابع، فإن الخطاب (بأسبغ) إنما يتوجه نحو من علم صفته- انتهى (إلا أن تكون صائماً) فلا تبالغ لئلا يصل إلى باطنه، ولئلا ينزل إلى حلقه، ما يفطره، وكذا حكم المضمضة (رواه أبوداود) في الطهارة، وفي الصيام وفي الحروف، مطولاً ومختصراً، وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي، وأقره (والترمذي) في الطهارة وفي الصيام مختصراً وصححه (والنسائي) في الطهارة مختصراً (وروى ابن ماجه والدارمي إلى قوله: بين الأصابع) أي بدون قوله: وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً وهذا وهم من المصنف، لأن ابن ماجه رواه أولاً في باب المبالغة في الاستنشاق مثل رواية الكتاب، إلا أنه ليس فيه قوله: (وخلل بين الأصابع) . ثم رواه في باب تخليل الأصابع بلفظ أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع. وليس فيه ذكر المبالغة في الاستنشاق. والحديث أخرجه أيضاً الشافعي وأحمد وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه، والبيهقي مطولاً ومختصراً. ورواه الحافظ في الإصابة (ج٣: ص٣٢٩) وقال: هذا حديث صحيح. وصححه أيضاً البغوي وابن القطان. وقال النووي: حديث لقيط بن صبرة أسانيده صحيحة. ٤٠٨- قوله: (إذا توضأت) أي شرعت في الوضوء أو غسلت أعضاء الوضوء (فخلل بين أصابع يديك ورجليك) فيه حجة على من قيد التخليل وخصه بأصابع الرجلين (رواه الترمذي) الخ وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (وقال الترمذي: هذا حديث غريب) وفي نسخ الترمذي المصححة الموجودة عندنا"حديث حسن غريب" والحديث في إسناده صالح مولى التوأمة، وقد اختلط في آخر عمره، ولكن موسى بن عقبة راوي الحديث سمع منه قبل أن يختلط، ولذلك حسنه الترمذي، وحسنه البخاري أيضاً كما نقل الحافظ في التلخيص (ص٣٤) . ٤٠٩- قوله: (وعن المستورد) بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة وبكسر الراء وبالدال المهملة

стр. 520

بن شداد، قال: ((رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره)) . رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه. ٤١٠- (١٧) وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي) . ــ (بن شداد) بن عمرو القرشي الفهري الحجازي، سكن الكوفة، له ولأبيه صحبة. قال الخزرجي: له سبعة أحاديث، انفرد له مسلم بحديثين، شهد فتح مصر، ومات بالإسكندرية سنة (٤٥) روى عنه جماعة. (يدلك) أي: يخلل كما في رواية أحمد (ج٤: ص٢٢٩) (بخنصره) أي بخنصر يده اليسرى لأنها أليق به (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث حسن غريب، كما في بعض نسخ الترمذي المصححة المعتمدة (وأبوداود) وسكت عنه (وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص٢٦١) طبعه ليدن. كلهم من طريق ابن لهيعة، وقد صرح الترمذي بانفراده ولكنه ليس كذلك، فقد قال الحافظ في التلخيص (ص٣٤) : تابعه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث وأخرجه البيهقي، وأبوبشر الدولابي، والدارقطني في غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة، وصححه ابن القطان، انتهى. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الشوكاني في النيل (ج١:ص١٤٩) . ٤١٠- قوله: (أخذ كفاً من ماء) أي عند غسل الوجه، قال المناوي: مقتضى الحديث أنه كان يخلل لحيته بكف واحد، لكن في رواية لابن عدي "خلل لحيته بكفيه" (فأدخله) أي بيمينه (تحت حنكه) الحنك بفتح الحاء المهملة والنون، أعلى باطن الفم والأسفل من طرف مقدم اللحيين، وتحت الحنك تحت الذقن (فخلل به لحيته) قال القاري: أي: أدخل كفاً من ماء تحت لحيته من جهة حلقه فخلل به لحيته ليصل الماء إليها من كل جانب، وكان عند غسل الوجه لأنه من تمامه لا بعد فراغه كما توهم (وقال) لمن حضره (هكذا أمرني ربي) أي أمرني بتخليل اللحية بالوحى الخفى، أو بواسطة جبريل. وفيه وفي حديث عثمان الذي يتلوه دليل على مشروعية تخليل اللحية، واختلف في ذلك اختلافاً كثيراً حتى للحنفية وحدهم فيه ثمانية أقوال كما في رد المختار، والراجح عندي أنه يجب في غسل الجنابة غسل جميع اللحية أي ما يلاقي البشرة منها، وما يسترسل، ويلزم إيصال الماء إلى باطنها خفيفة كانت أو كثة، لقوله ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشر". وأما الوضوء فلا يجب فيه غسلها وإيصال الماء إلى باطنها وتخليلها مطلقاً لا ما يلاقي البشرة أي الشعر المقابل المماس للخدين والذقن، ولا المسترسل أي الشعر الخارج عن دائرة الوجه، بل يسن تخليلها ومسحها، وذلك لما رواه البخاري عن ابن عباس في صفة الوضوء "ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا" أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه، قال الشوكاني: لا شك أن الغرفة الواحدة لا تكفي كث اللحية لغسل وجهه وتخليل لحيته، ودفع ذلك كما قال بعضهم بالوجدان

стр. 521

رواه أبوداود. ٤١١- (١٨) وعن عثمان ﵁: ((أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته)) . رواه الترمذي، والدارمي. ٤١٢- (١٩) وعن أبي حية، قال: رأيت علياً توضأ فغسل كفيه ــ مكابرة منه انتهى. وأما الخفيفة التي ترى بشرتها فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها، هذا ما عندي، والله أعلم. واستدل بعضهم على الوجوب بما في حديث أنس من قوله ﷺ : (هكذا أمرني ربي) . وفيه أنه حديث ضعيف لا يصلح مثله للاستدلال على إيجاب شيء، ولو سلم صلاحيته للاستدلال وانتهاضه للاحتجاج ما أفاد الوجوب على الأمة لظهوره في الاختصاص به، وهو يتخرج على الخلاف المشهور في الأصول هل يعم الأمة ما كان ظاهر الاختصاص به ﷺ أم لا؟ والفرائض لا تثبت إلا بيقين، نعم! الاحتياط والأخذ بالأوثق لا شك في أولويته. وأما أحاديث الباب الأخرى مما ذكره الزيلعي والحافظ فهي لا تدل على الوجوب لأنها أفعال (رواه أبوداود) وفي سنده الوليد بن زوران، قال الحافظ في التقريب: لين الحديث. وقال الآجري عن أبي داود: لا ندري سمع من أنس أو لا. وقال الذهبي في الميزان: ماذا بحجة مع أن ابن حبان وثقه انتهى. قال الحافظ في التلخيص (ص٣١) : وله طرق أخرى عن أنس ضعيفة ثم ذكر بعضها مع الكلام عليها. ٤١١- قوله: (كان يخلل لحيته) أي: يدخل يده في خللها وهي الفروج التي بين الشعر، ومنه فلان خليل فلان أي يخالل حبه فروج جسمه حتى يبلغ إلى قلبه، ومنه الخلال (رواه الترمذي والدارمي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه، وابن الجارود في المنتقي، والدارقطني وابن حبان والحاكم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال في علله الكبير: قال محمد بن إسماعيل يعني البخاري: أصح شيء في التخليل حديث عثمان، وهو حديث حسن. وقال الزيلعي: أمثل أحاديث تخليل اللحية حديث عثمان. ونقل الحافظ في التهذيب (ج٥: ص٦٩) تصحيحه عن ابن خزيمة، وابن حبان. وقال الحاكم صحيح الإسناد: وقد احتجا يعني البخاري، ومسلماً بجميع رواته غير عامر بن شقيق، قال: ولا أعلم في عامر طعناً بوجه من الوجوه. وتعقبه الذهبي في مختصره، وقال إن عامر بن شقيق ضعفه ابن معين، وكذا قال تقي الدين. وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات. وللحديث شواهد ذكرها الزيلعي في نصب الراية (ج١:ص٢٦،٢٤) والحافظ في التلخيص (ص٣١) والهيثمي في مجمع الزوائد (ج١:ص٣٣٥) وهي بمجموعها تصلح للاحتجاج على استحباب تخليل اللحية في الوضوء، قال شيخنا في شرح الترمذي: وهذا هو الحق. ٤١٢- قوله: (عن أبي حية) بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناه التحتية، هو ابن قيس الوادعي الهمداني الخارفي ولا يعرف اسمه، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان: وثقة بعضهم، وصحح حديثه ابن السكن وغيره. وقال ابن الجارود في الكنى: وثقة ابن نمير (توضأ فغسل كفيه) أي شرع في الوضوء، أو أراده، فالفاء للتعقيب، أو لتفصيل

стр. 522

حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ )) .رواه الترمذي، والنسائي. ٤١٣- (٢٠) وعن عبد خير، قال: ((نحن جلوس ننظر إلى على حين توضأ، فادخل يده اليمنى فملأ فمه، فمضمض واستنشق، ونثر بيده اليسرى، فعل هذا ثلاث مرات، ثم قال: من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله ﷺ ، ــ ما أجمل في قوله: توضأ، وتفسيره. والمراد بالكفين اليدان إلى الرسغين (حتى أنقاهما) أي أزال الوسخ عنهما، وقد جاء التصريح بالتثليث في الروايات الأخرى (ثم مضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً) قال القاري: ظاهره الفصل المطابق لمذهبنا، قلت: بل هو محتمل، فإنه يحتمل أن يكون معناه أنه مضمض ثلاثاً بثلاث غرفات، ثم استنشق ثلاثاً بثلاث غرفات أخرى. ويحتمل أن يكون معناه أنه مضمض واستنشق بغرفة، ثم فعل هكذا في الثانية والثالثة. والمحتمل لا يقوم به حجة، أو يرد هذا المحتمل إلى الأحاديث المحكمة الصحيحة الصريحة في الوصل توفيقاً بين الدليلين (وذراعيه) أي يديه من رؤس الأصابع إلى المرفقين (ومسح برأسه مرة) فيه حجة للجمهور خلافاً للشافعي (ثم غسل قدميه) أي ثلاثاً ثلاثاً كما في رواية عبدخير عن علي عند أبي داود، والنسائي. وفيه رد على الشيعة (فضل طهوره) بفتح الطاء أي بقية مائه الذي توضأ به (فشربه وهو قائم) قال بعض العلماء: إن الشرب قائماً مخصوص بفضل الوضوء بهذا الحديث، وبماء زمزم لما جاء فيه أيضاً، وفي غيرهما لا ينبغي الشرب قائماً للنهى. والحق أنه جاء في غيرهما أيضاً، فالوجه أن النهي للتنزيه، وما جاء من الرخصة فهو لبيان الجواز (أحببت أن أريكم) بصيغة المتكلم من الإراءة (كيف كان طهور رسول الله ﷺ ) بضم الطاء أي وضوئه وطهارته (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن صحيح (والنسائي) وأخرجه أيضاً أبوداود، وابن ماجه مختصراً. ٤١٣- (وعن عبدخير) ضد شر، هو عبدخير بن يزيد الهمداني أبوعمارة الكوفي، أدرك زمن النبي ﷺ إلا أنه لم يلقه، وصحب علياً، وهو من كبار أصحابه، ثقة مأمون، سكن الكوفة، ويقال: أتى عليه مائه وعشرون سنة. قال الحافظ في التقريب: مخضرم ثقة من كبار التابعين، ولم يصح له صحبة (نحن جلوس) أي جالسون (ننظر إلى على حين توضأ) لنأخذ العلم من بابه (فأدخل يده اليمنى) أي في الإناء، فأخذ بها الماء (ونثر) أي أخرج الماء، والمخاط، والأذى من الأنف (فعل هذا) أي المذكور من المضمضة والاستنشاق، وهذا ظاهر في الوصل (من سره) أي جعله مسروراً، أو

стр. 523

فهذا طهوره)) . رواه الدارمي. ٤١٤- (٢١) وعن عبد الله بن زيد، قال: ((رأيت رسول الله ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثاً)) . رواه أبوداود، والترمذي. ٤١٥- (٢٢) وعن ابن عباس، ((أن النبي ﷺ مسح برأسه، وأذنيه، باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه)) . رواه النسائي. ــ أحب (فهذا طهوره) أي نحو وضوءه ﷺ ، والإشارة إلى تمام ما فعله من الوضوء، والاقتصار من الراوي (رواه الدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي. ولحديث علي في صفة الوضوء طرق عنه عند الترمذي، وأبي داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان، البزار، ذكرها وجمعها الحافظ في التلخيص (ص٢٨-٢٩) . ٤١٤- قوله: (عن عبد الله بن زيد) أي ابن عاصم المازني، لا ابن عبد ربه الذي رأى النداء كما توهم الطيبي وقلده فيه القاري، لأن الراوي لصفة الوضوء هو عبد الله بن زيد بن عصام المازني، ومنشأ توهم الطيبي رواية سفيان بن عيينة عند النسائي، فإنه أخرج حديث صفة الوضوء من رواية عبد الله بن زيد بن عبدربه، وهذا وهم من ابن عيينة، خطأه في ذلك البخاري وغيره (مضمض واستنشق من كف واحد) كذا بالتذكير في طبعات الهند وفي نسخة القاري، وهكذا في جامع الترمذي، وفي بعض نسخ أبي داوود، ووقع في نسخة الألباني بالتأنيث وكذا في أكثر نسخ أبي داود. وهذا الحديث صريح في الجمع بين المضمضة والاستنشاق في كل مرة؛ بأن يكون بثلاث غرفات يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها (فعل ذلك) أي الجمع بين المضمضة والاستنشاق (رواه أبوداود والترمذي) وأصله عند الشيخين، وقد ذكره المؤلف في الفصل الأول. ٤١٥- قوله: (مسح برأسه وأذنيه) فيه دليل على أن وظيفة الأذنين المسح مع الرأس، وظاهره أنه مسحهما بماء رأسه. وفي رواية ابن حبان "غرف غرفةً فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما". ذكرها الحافظ في التلخيص، وقال: صححها ابن خزيمة، وابن مندة. وفيه، وفي حديث الربيع الآتي بيان كيفية مسح الأذنين (باطنهما) بالجر على البدلية من لفظ أذنيه، والنصب بدل من محله، والمراد بالباطن الجانب الذي فيه الصماخ أي الثقب (بالسباحتين) السباحة والمسبحة الإصبع التي تلي الأبهام، سميت بذلك لأنها يشار بها عند التسبيح، وهذا اسم إسلامي وضعوها مكان السبابة لما فيه من الدلالة على المعنى المكروه، وهو أن الجاهلية كانوا يسبون الناس ويشيرون بها إليهم (وظاهرهما) بالوجهين وهو الطرف الذي يلي الرأس ويلتصق به (رواه النسائي) وأخرجه أيضاً الترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي بألفاظ متقاربة، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن مندة.

стр. 524

٤١٦- (٢٣) وعن الربيع بنت معوّذ: ((أنها رأت النبي ﷺ يتوضأ، قالت فمسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه مرة واحدة. وفي رواية، أنه توضأ فأدخل إصبعيه في جحري أذنيه)) . رواه أبوداود. وروى الترمذي الرواية الأولى، وأحمد وابن ماجة الثانية. ٤١٧- (٢٤) وعن عبد الله بن زيد: ((أنه رأى النبي ﷺ توضأ، وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه)) . ــ ٤١٦- قوله: (وعن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة (بنت معوّذ) اسم فاعل من التعويذ، هي الربيع بنت معوّذ بن عفراء، وعفراء أم معوّذ، وأبوه الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد، أنصارية نجارية صحابية من المبايعات تحت الشجرة. قال ابن عبد البر: لها قدر عظيم، وكانت ربما غزت مع رسول الله ﷺ . لها أحد وعشرون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، روى عنها جماعة (ما أقبل منه) أي: من الرأس، وما موصولة (وما أدبر) عطف عليه، وهما بدل من رأسه، يعني مسح من مقدم الرأس إلى منتهاه ثم رد يديه من مؤخرة الرأس إلى مقدمه (وصدغيه وأذنيه) معطوف على رأسه، والصدغ بضم الصاد وسكون الدال، الموضع الذي بين العين والأذن، والشعر المتدلى على ذلك الموضع (مرة واحدة) متعلق بمسح، فيكون قيداً في الإقبال والإدبار وما بعد هما، فباعتبار الإقبال يكون مرة، وباعتبار الإدبار مرة أخرى، وهو مسح واحد. والحديث يدل على مشروعية مسح الصدغ والأذن، وأن مسحهما مع الرأس، وأنه مرة واحدة (فأدخل إصبعيه) أي عند مسح الرأس وبعده (في جحري أذنيه) بتقديم الجيم المضمومة تثنية جحر وهو الثقب والخرق يعني صماخهما (رواه أبوداود) أي الروايتين كلتيهما (وروى الترمذي) الخ. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسكت عنه أبوداود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وقيل: في تصحيحه نظر، لأن في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه مقال. قال الشوكاني: ولحديث الربيع روايات في صفة الوضوء وألفاظ، مدار الكل على عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه مقالٌ مشهورٌ لاسيما إذا عنعن، وقد فعل ذلك في جميعها-انتهى. قلت: هو مدلس كما صرح به الحافظ في طبقات المدلسين، لكن قد احتج بحديثه أحمد، وإسحق، والحميدي. وقال البخاري: هو مقارب الحديث. وقال الذهبي: حديثه في مرتبة الحسن، فالظاهر أن حديث الربيع هذا حسن. ٤١٧- قوله: (بماء غير فضل يديه) أي بماء جديد لا ببقية من ماء يديه، أي: أخذ لمسح الرأس ماء جديداً ولم يقتصر على البلل الذي بيديه. قال النووي: لا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به، لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه - انتهى. وروى أبوداود من حديث سفيان بن سعيد أي الثوري، عن ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ: أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل ماء كان في يده. وقد احتج به من رأى طهورية الماء المستعمل، وتأوله البيهقي على أنه أخذ ماء جديداً وصب نصفه، ومسح ببلل يده، ليوافق حديث

стр. 525

رواه الترمذي. ورواه مسلم مع زوائد. ٤١٨- (٢٥) وعن أبي أمامة ذكر وضوء رسول الله ﷺ ، قال: ((وكان يمسح الماقين، وقال: ــ عبد الله بن زيد، "ومسح رأسه بماء غير فضل يديه". قلت: حديث الربيع هذا صحيح أو حسن، ولا تعارض بينه وبين حديث عبد الله بن زيد لأنهما عن حادثتين مختلفتين، فلا حاجة إلى تأويل البيهقي، بل يقال: كلا الأمرين جائزان، إن شاء أخذ لرأسه ماء جديداً، وإن شاء مسحه بفضل ماء يكون في يده، لكن قيل: في متن حديث الربيع اضطراب، فإن ابن ماجه أخرج من طريق شريك عن ابن عقيل عنها، قالت: أتيت النبي ﷺ بميضاة فقال: اسكبي، فسكبت، فغسل وجهه وذراعيه، وأخذ ماء جديداً فمسح به رأسه مقدمه ومؤخره. قلت: شريك هذا هو ابن عبد الله القاضي، وهو صدوق يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولى القضاء بالكوفة. وقال ابن معين: صدوق، ثقة إلا إذا خالف فغيره أحب إلينا منه، وقد خالف ههنا الثوري، فحديث شريك هذا مرجوح، ولا يعل الراجح بالمرجوح. والحاصل أنه يجوز كلا الأمرين عندي إلا أن الأولى أن يأخذ ماء جديداً لمسح الرأس ولا يقتصر على بلل يديه (رواه الترمذي) وقال: حسن صحيح. وأخرجه أيضاً أبوداود وسكت عنه. (ورواه مسلم مع زوائد) أي مطولاً، وكذا الدارمي. فأصل الحديث مخرج في صحيح مسلم، وما رواه الترمذي طرف منه، والظاهر أن البغوي لم يشعر أنه في كتاب مسلم، ونقله عن جامع الترمذي فجعله من الحسان، أو شعر بذلك لكن نسى ذكره في الصحاح. ٤١٨- قوله: (وعن أبي أمامة) الظاهر أنه هو أبوأمامة الصدي بن عجلان الباهلي، لا أبوأمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي كما توهم الطيبي، فقد ذكر الإمام أحمد هذا الحديث في مسنده في مسانيد أبي أمامة الباهلي الصدي بن عجلان (ج٥:ص٢٥٨و٢٦٨) فصنيعه هذا يدل على أن أبا أمامة راوي حديث "الأذنان من الرأس" ومسح الماقين" عند أحمد، هو صدي بن عجلان الباهلي لا غير، ويؤيد ذلك صنيع الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٤:ص٤٣٠) والإصابة (ج٢:ص١٨٢) ، حيث ذكر في ترجمة أبي أمامة الباهلي شهر بن حوشب (راوي هذا الحديث عن أبي أمامة) فيمن روى عنه، ولم يذكر شهراً فيمن روى عن غير أبي أمامة الباهلي ممن كنيته أبوأمامة، ويقوى ذلك أيضاً أن الشيخ عبد الغني النابلسي ذكر هذا الحديث في أحاديث أبي أمامة الباهلي، ولم يذكره في أحاديث غيره من كنيته أبوأمامة من الصحابة كأسعد بن سهل بن حنيف المتقدم ذكره، وأياس بن ثعلبة أبي أمامة البلوي الأنصاري. (ذكر وضوء رسول الله) أي وصف وضوءه، وفي بضع نسخ أبي داود: وذكر وضوء النبي (قال) أي أبوأمامة، وهو بدل من ذكر (وكان يمسح) أي يدلك (الماقين) تثنية مأق بفتح الميم وسكون الهمزة، ويجوز تخفيفها، وهو طرف العين الذي يلي الأنف والأذن، واللغة المشهورة موق، وإنما مسحهما على الاستحباب مبالغة في الإسباغ، لأن العين قلما تخلو من قذى ترميه من كحل وغيره، أو رمص فيسيل وينعقد على طرفي العين (وقال) أي رسول الله ﷺ ، فيكون مرفوعاً، أو

стр. 526

الأذنان من الرأس)) ، رواه ابن ماجه، وأبوداود، والترمذي. وذكرا قال حماد: لا أدري الأذنان من الرأس من قول أبي أمامة؛ أم من قول رسول الله ﷺ . ــ أبوأمامة فيكون موقوفاً، والراجح عندنا هو الأول لما سيأتي (الأذنان من الرأس) أي حكماً من حيث أنهما يمسحان بماء الرأس لا من الوجه، فيغسلان معه، واختلفوا في أنهما يمسحان ببقية ماء الرأس، أو يؤخد لهما ماء جديد، والراجح عندنا أنهما يمسحان بماء الرأس، ولو أخذ لمسحهما ماء جديداً لم يفعل بأساً لقوله: الأذنان من الرأس. وتقرير دلالته على ذلك أنه لايخلو من أحد الأمرين: إما أن يراد به الحكم أو بيان الخلقة، لا يجوز الثاني لكونه ﷺ مبعوثاً لبيان الأحكام دون الخلقة والحقائق، ولكونهما من الرأس مشاهدة مغنية عن البيان، فتعين الأول، ثم لا يخفى إما أن يكون المراد من الحكم كونهما ممسوحتين بماء الرأس، أو كونهما ممسوحتين كالرأس، ولا يجوز الثاني، لأن اشتراك الشيء مع الشيء لا يوجب أن يكون ذلك الشيء من الشيء الآخر، كالرجل مع الوجه يشتركان في حكم الغسل، ولا يقال: إن الرجل من الوجه، فتعين الأول وهو كونهما ممسوحتين بماء الرأس، ويؤيد ذلك ما تقدم من حديث ابن عباس عند ابن حبان وغيره، في صفة الوضوء، وفيه "وغرف غرفة فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه ... " الحديث. واستدل النسائي على ذلك بحديث: إذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، لأن خروج الخطايا منهما بمسح الرأس إنما يحسن إذا كانا منه، وقد سبق التنبيه على ذلك في أوائل الطهارة. قال شيخنا في شرح الترمذي بعد ذكر ما احتج به على أخذ الماء الجديد لمسح الأذنين أخذاً من النيل ما نصه: لم أقف على حديث مرفوع صحيح خال عن الكلام يدل على مسح الأذنين بماء جديد، نعم ثبت ذلك عن ابن عمر من فعله، روى مالك في موطأه عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يأخذ الماء بإصبعيه لأذنيه - انتهى. وقال ابن القيم في الهدى: لم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماء جديداً، وإنما صح ذلك عن ابن عمر. (رواه ابن ماجه وأبوداود والترمذي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥:ص٢٥٨و٢٦٨) كلهم من حديث حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، وعن أبي أمامة، قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم (وذكرا) أي أبوداود والترمذي في روايتهما عن قتيبة، عن حماد، ولذا قدم المصنف عليهما ابن ماجه مع أنه خلاف العادة (قال حماد) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدى الجهضمي أبوإسماعيل البصرى أحد الأعلام الأثبات. قال الحافظ: ثقة ثبت فقيه. قيل: إنه كان ضريراً، ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب. ولد سنة (٩٨) ومات في رمضان سنة (١٧٩) وله إحدى وثمانون سنة. (لا أدرى الأذنان من الرأس من قول أبي أمامة) أي موقوفاً. (أم من قول رسول الله ﷺ ) أي مرفوعاً. ورواه أبوداود أيضاً عن سليمان بن حرب عن حماد، وقال: قال سليمان بن حرب: يقولها أبوأمامة. ورواه ابن ماجه، عن محمد بن زياد، عن حماد بإسناده بلفظ: أن رسول الله ﷺ قال: "الأذنان من الرأس"، وكان يمسح رأسه مرة، وكان يمسح المأقين. وهذا اللفظ لا يحتمل أن يكون كلمة "الأذنان من الرأس" مدرجة في الحديث، بل هو نص في أنها من اللفظ النبوى، وقد أطالوا البحث في هذه الكلمة، وهل هي مدرجة

стр. 527

٤١٩- (٢٦) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ((جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا ــ من قول أبي أمامة أو مرفوعة. ورجح كثير منهم أبوحاتم، وأبوزرعة، والدارقطني، والبيهقي الإدراج. وقال الحافظ في التلخيص (ص٣٣) : قد بينت أنه مدرج في كتابي في ذلك أي: تقريب المنهج بترتيب المدرج. والظاهر أنه مرفوع ليس بمدرج، والحديث حسن أو صحيح، فقد روى من غير وجه بأسانيد بعضها جيد ويؤيد بعضها بعضاً. قال ابن دقيق العيد في الإمام في حديث أبي أمامة هذا: أنه معلول بوجهين: أحدهما الكلام في شهر بن حوشب، والثاني في الشك في رفعه، ولكن شهر وثقه أحمد، ويحيى، والعجلي، ويعقوب بن شيبة، وسنان بن ربيعة، أخرج له البخاري أي: مقروناً بآخر، وهو وإن كان قد لين فقال ابن عدى: أرجو أنه لابأس به، وقال ابن معين: ليس بالقوى. فالحديث عندنا حسن - انتهى. وقال الزيلعي في نصب الراية (ج١:ص١٩) : قد اختلف فيه على حماد فوقفه ابن حرب عنه، ورفعه أبوالربيع، واختلف أيضاً على مسدد عن حماد، فروى عنه الرفع، وروى عنه الوقف. وإذا رفع ثقة حديثاً ووقفه آخر، أو فعلهما شخص واحد في وقتين ترجح الرافع لأنه أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الرجل حديثاً فيفتى به في وقت، ويرفعه في وقت آخر، وهذا أولى من تغليط الراوي، ثم نقل الزيلعي حديث "الأذنان من الرأس" من حديث عبد الله بن زيد مرفوعاً من سنن ابن ماجه وقال: هذا أمثل إسناد في الباب لا تصاله وثقة رواته - انتهى. وقال البوصيرى في الزوائد: هذا إسناده حسن إن كان سويد بن سعيد حفظه، قلت: سويد بن سعيد هذا صدوق في نفسه إلا أنه عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وقد أخرج له مسلم، واحتج به، ثم نقله الزيلعي من حديث ابن عباس مرفوعاً أيضاً من سنن الدارقطني من طريق أبي كامل الجحدري، عن غندر، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، ثم قال: قال ابن القطان: إسناده صحيح لاتصاله وثقة رواته، قال وأعله الدارقطني بالاضطراب في إسناده، وقال: إسناده وهم، وإنما هو مرسل، ثم أخرجه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ مرسلاً، وتبعه عبد الحق في ذلك، وقال: إن ابن جريج الذي دار الحديث عليه يروى عنه عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ مرسلاً. قال: وهذا ليس يقدح فيه، وما يمنع أن يكون فيه حديثان مسند ومرسل - انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: كلام ابن القطان هذا متجه، وقد روى "الأذنان من الرأس" من حديث أبي هريرة. وأبي موسى، وابن عمر، وعائشة، وأنس أيضاً، انظر التلخيص (ص٣٣) ونصب الراية (ج١:ص٢٠) . ٤١٩- قوله: (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه) شعيب (عن جده) أي: جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو بن العاس (يسأله) حال من فاعل جاء (عن الوضوء) أي: كيفيته (فأراه) أي: بالفعل، لأنه أبلغ في التعليم من القول. وفي الكلام حذف، تقديره: أي: فأراد أن يريه ما سأله فتوضأ (ثلاثاً ثلاثاً) أي: غير المسح، فقد جاء في هذا الحديث أن المسح كان

стр. 528

فقد أساء وتعدى وظلم)) . رواه النسائي، وابن ماجه، وورى أبوداود معناه. ٤٢٠- (٢٧) وعن عبد الله بن المغفل، أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة. قال أي بني سل الله الجنة، وتعوذ به من النار: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور ــ مرة في رواية سعيد بن منصور ذكره الحافظ في الفتح، وقد سبق التنبيه على ذلك (فقد أساء) أي: في مراعاة آداب الشرع، فإن الزيادة استنقاص لما استكمله الشرع (وتعدى) أي: عما حد له وجعله غاية التكميل (وظلم) أي: نفسه باتعابها فيما زاد على الثلاثة من غير حصول ثواب له، أو بإتلاف الماء ووضعه في غير محله، وإنما ذمه بهذه الكلمات الثلاث إظهاراً لشدة النكير عليه, وزجراً له عن ذلك. وقد جاء في رواية أبي داود زيادة أو نقص، واستشكلت. والمحققون على أنها وهم لجواز الوضوء مرة مرة ومرتين ومرتين، وقد تكلف لتوجيهها بما هو مذكور في النيل (ج١:ص١٦٨) والعون (ج١:ص٥٢) إن شئت الوقوف عليه فارجع إليهما (رواه النسائي وابن ماجه) إلا أن رواية ابن ماجه بلفظ "هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء، أو تعدى، أو ظلم" بأو، بدل الواو (وروى أبوداود معناه) بأطول من هذا، وسكت عليه: وأخرجه أيضاً أحمد، وابن خزيمة. قال الحافظ في التلخيص: من طرق صحيحه، وصرح في الفتح: أنه صححه ابن خزيمة وغيره. ٤٢٠- قوله: (أنه سمع ابنه) يمكن أي يكون هو يزيد بن عبد الله بن مغفل، الذى روى عنه أبونعامة الحنفي في ترك الجهر بالبسملة عند الترمذي وغيره، ويزيد هذا مجهول الحال، ويمكن أن يكون هذا ابناً لعبد الله بن مغفل آخر غير هذا الذى روى عنه أبونعامة، وعلى هذا فلم أقف على اسمه (أسألك القصر) قال في المجمع القصر هو الدار الكبيرة المشيدة لأنه يقصر فيه الحرم (قال) أي: عبد الله لابنه حين سمعه يدعو بهذه الكلمات (أي) بفتح الهمزة وسكون الياء حرف نداء ينادي به القريب (بني) تصغير للإبن مضافا إلى ياء المتكلم، (سل) أمر من سأل يسئل (الله الجنة) أي ينبغي لك أن تكتفي بسؤال الجنة، ولا تجاوز في السؤال عن الحد بزيادة القيود والأوصاف. قيل: إنما أنكر عبد الله على ابنه في هذا الدعاء، لأنه طمح إلى ما لا يبلغه عملاً حيث سأل منازل الأنبياء، وجعله من الإعتداء في الدعاء لما فيه من التجاوز عن حد الأدب، ونظر الداعي إلى نفسه بعين الكمال. وقيل: لأنه سأل شيئاً معيناً فربما كان مقدراً لغيره. وقيل: إنكار عبد الله على ابنه من قبيل سد باب الإعتداء فإنه لما سمع ابنه يدعو بهذا الدعاء خاف عليه أن يتجاوز عنه إلى ما فيه الإعتداء حقيقة فنبه على ذلك، وأنكر عليه سداً للباب (يعتدون) بتخفيف الدال من الاعتداء، أي يتجاوزون عن الحد الشرعي (في الطهور) بالزيادة على الثلاث وإسراف الماء، وبالمبالغة

стр. 529

والدعاء)) . رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه. ٤٢١- (٢٨) وعن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن للوضوء شيطاناً يقال له: الولهان، فاتقوا وسواس الماء)) . رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديثٌ غريبٌ، وليس إسناده بالقوى عند أهل الحديث، لأنا لا نعلم أحداً أسنده غير خارجة، ــ في الغسل إلى حد الوسواس. والحديث عام يتناول الغسل، والوضوء، وإزالة النجاسة (والدعاء) قيل الاعتداء في الدعاء هو الدعاء بما لايجوز، ورفع الصوت به، والصياح. وقيل: سؤال منازل الأنبياء. وقيل: هو أن يتكلف السجع في الدعاء. (رواه أحمد وأبوداود) في الطهارة وسكت عنه هو والمنذري. (وابن ماجه) في أبواب الدعاء، لكن ليس في روايته لفظ الطهور فلا يكون شاهداً في الباب، فكان الأولى للمصنف أن لا يذكر ابن ماجه. وقيل عزا الحديث لابن ماجه نظراً إلى أصل الحديث، وإن اقتصر هو منه على الدعاء. والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم. ٤٢١- قوله: (إن للوضوء) المشهور ضم الواو على إرادة الفعل، ويحتمل الفتح على إرادة الماء وهو أنسب بآخر الحديث على بعض الاحتمالات، يعني أن لأجل إلقاء الوسوسة في الوضوء وما يتعلق به (شيطاناً) أي: نوعا خاصاً، وصنفاً معيناً من الشيطان، اسم هذا النوع الولهان، وليس المراد أنه واحد بالشخص. (الولهان) بالواو واللام المفتوحتين، صفة مشبهة من الوله، وقيل: أصله مصدر "وله" بكسر اللام ومصدره أيضاً "الوله" بفتح اللام، وهو الحزن، أو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد وغاية العشق. وسمى به شيطان الوضوء إما لشدة حرصه على طلب الوسوسة، وإما لإلقائه الناس بالوسوسة في مهواة الحيرة، حتى يرى صاحبه حيران، ذاهب العقل، لايدري كيف يلعب به الشيطان، ولا يعلم هل وصل الماء إلى العضو أم لا، وكم مرة غسله، كما ترى عياناً في الموسوسين في الوضوء (فاتقوا وسواس الماء) بكسر الواو الأولى المصدر، وبفتحها الإسم، مثل الزلزال بفتح الزاى وكسرها، أي: وسواساً يفضى إلى كثرة إراقة الماء حالة الوضوء والاستنجاء. والمراد بالوسواس التردد في طهارة الماء ونجاسته بلا ظهور علامات النجاسة، ويحتمل أن يراد بالماء البول، أي وساوس البول المفضية إلى الاستنجاء، وقال ابن الملك: أي وسواس الولهان، وضع الماء موضع ضميره مبالغة في كمال الوسواس في شأن الماء، أو لشدة ملازمته له. والحديث يدل على كراهية الإسراف في الماء للوضوء وهو أمر مجمع عليه (رواه الترمذي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥:ص١٢٦) وأبوداود والطيالسي في مسنديهما، والحاكم (هذا حديث غريب) أي إسناداً (لأنا لا نعلم) علة للغرابة والضعف (أحداً أسنده) أي رفعه (غير خارجة) أي خارجه بن مصعب أبوالحجاج السرخسي، قال الترمذي: وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قوله.

стр. 530

وهو ليس بالقوى عند أصحابنا. ٤٢٢- (٢٩) وعن معاذ بن جبل، قال: ((رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه)) . رواه الترمذي. ٤٢٣- (٣٠) وعن عائشة، ﵂، قالت: ((كانت لرسول الله ﷺ خرقة ينشف ــ وقال ابن أبي حاتم في العلل: سئل أبي عن هذا الحديث فقال: رفعه إلى النبي ﷺ منكر - انتهى. لكن يؤيده ما روي في الباب عن عمران بن حصين عند البيهقي بسند ضعيف نحو حديث أبي بن كعب، وما روي عن عبد الله بن مغفل، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد تقدما، وعن عبد الله بن عمر عند ابن ماجه، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد وابن ماجه، وسيأتي في الفصل الثالث (وهو) أي: خارجة (ليس بالقوى عند أصحابنا) أي: أهل الحديث فقد ضعفه ابن المبارك وابن معين وأحمد ووكيع والنسائي والدارقطني وابن حبان وغيرهم. وقال الحافظ: متروك، وكان يدلس عن الكذابين. ويقال: إن ابن معين كذبه. ٤٢٢- قوله: (مسح وجهه) أي: نشفه بعد الوضوء. (بطرف ثوبه) فيه دليل على جواز التنشيف بعد الوضوء، واختلف فيه على أقوال، والراجح عندي قول من قال بجواز التنشيف بعد الوضوء والغسل، للأحاديث الواردة في الباب، واحتج من كرهه بحديث ميمونة في غسل النبي ﷺ ، وفيه "فناولته ثوباً فلم يأخذه فانطلق وهو ينفض يديه" أخرجه البخاري، وفي رواية ابن ماجه "فرده وجعل ينفض الماء" قال: هذا الحديث يدل على كراهة التنشيف بعد الغسل، فيثبت به كراهته بعد الوضوء أيضاً. وفيه ما قال الحافظ: من أنه لا حجة فيه لأنها واقعة عين يتطرق إليه الاحتمال، فيجوز أن يكون الرد لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلاً، أو غير ذلك. قال المهلب: يحتمل تركه لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع، أولشئ آخر رآه في الثوب من حرير، أو وسخ. وقال إبراهيم النخعي: إنما رده مخافة أن يصير عادة. وقال التيمي: في هذا الحديث دليل على أنه كان ينشف ولولا ذلك لم تأته بالمنديل. وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أنه لا كراهة في التنشيف لأن كلا منهما إزالة – انتهى كلام الحافظ مختصراً. (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف، ورشدين بن سعد، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي يضعفان في الحديث - انتهى. وقال الذهبي في ترجمة رشدين: كان صالحاً عابداً سيئ الحفظ غير معتمد. وقال الحافظ في ترجمة الإفريقي: ضعيف في حفظه، وكان رجلاً صالحاً، وكان البخاري يقوى أمره، ولم يذكره في كتاب الضعفاء والحديث أخرجه أيضاً ابن عساكر. ٤٢٣- قوله: (ينشف) أي: يسمح من التنشيف، قال في القاموس: نشف الثوب العرق كسمع ونصر، شربه، والحوض
следующие страницы →