Полный текст (4 545 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
٦٦٠- (٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا نودي للصلاة، أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب، أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يذكر،
ــ
٦٦٠- قوله: (للصلاة) أي لأجل الصلاة. (أدبر الشيطان) أي عن موضع الأذان، قيل: المراد بالشيطان إبليس، ويحتمل أن المراد جنس الشيطان، وهو كل متمرد من الجن والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجن خاصة. (له ضراط) بضم الضاد كغراب، وهو ريح من أسفل الإنسان وغيره، وهي جملة اسمية، وقعت حالاً بدون الواو لحصول الارتباط بالضمير، وفي بعض الروايات"وله ضراط" بالواو، وحقيقته ممكنة؛ لأن الشياطين أجسام يأكلون ويشربون كما ورد في الأخبار، فيصح منهم خروج الريح، فالظاهر حمله على الحقيقة، فقيل: يحصل له عند سماع الأذان شدة خوف وهيبة، ويحدث له ذلك الصوت بسببها من غير أن يتعمد ذلك. قال القاري: هذا لثقل الأذان عليه كما للحمار من ثقل الحمل عليه- انتهى. وقيل: يتعمد إخراج ذلك إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع الأذان، أو يصنع ذلك استخفافاً بالأذان كما يفعله السفهاء، أو ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث، وقيل الحديث محمول على التشبيه، شبه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطاً تقبيحاً له. وقيل: هو عبارة عن شدة نفاره. (حتى لا يسمع التأذين) تعليل لإدباره. واستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان؛ لأن قوله "حتى لا يسمع" ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها للصوت، وقد وقع بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر فقال: "حتى يكون مكان الروحاء" وبين الروحاء والمدينة ستة وثلاثون ميلاً. (فإذا قضى) على بناء لمفعول أو الفاعل، والضمير للمنادى، أي فرغ المؤذن منه. (أقبل) الشيطان أي فوسوس كما في رواية مسلم: (حتى إذا ثوب بالصلاة) أي أقيم لها، ففي رواية لمسلم: إذا أقيمت، وفي أخرى له: إذا سمع الإقامة. (أدبر حتى) لا يسمع الإقامة. (حتى يخطر) بفتح ياء وكسر طاء، وحتى تعليلية. (بين المرء ونفسه) أي قلبه، والمعنى: حتى يوسوس بما يكون حائلاً بين الإنسان وما يقصده، ويريد إقبال نفسه عليه مما يتعلق بالصلاة من خشوع وغيره، وأكثر الرواة على ضم الطاء أي يسلك ويمر، ويدخل بين الإنسان ونفسه، فيكون حائلاً بينهما على المعنى الذي ذكرنا أولاً، وهذا لا ينافي إسناد الحيلولة إلى الله تعالى في قوله. ﴿إن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ [٨: ٢٤] ؛ لأن إسناده إليه تعالى حقيقي، وهذا باعتبار أن الله تعالى مكنه منها حتى يتم ابتلاء العبد به. (يقول) أي للمصلي، وهو بالرفع استئناف مبين، وقيل: بالنصب على أنه يدل من يخطر. (أذكر كذا، أذكر كذا) كناية عن أشياء لم تتعلق بالصلاة. (لما لم يذكر) أي لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله
стр. 772
حتى يظل الرجل لا يدري: كم صلى؟)) متفق عليه.
٦٦١- (٣) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يسمع مدى صوت المؤذن جن،
ولا إنس، ولا شيء، إلا شهد له
ــ
في الصلاة (حتى يظل الرجل) بفتح الظاء أي يصير ويبقى من الوسوسة بحيث. (لا يدري كم صلى) أي يقع في الشك. قال الطيبي: كرر "حتى" في الحديث خمس مرات، الأولى والأخيرتان بمعنى "كي"، والثانية والثالثة دخلتا على الجملتين الشرطيتين وليستا للتعليل- انتهى. وقد اختلف العلماء في الحكمة في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة، فقيل: يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة، فإنه لا يسمع مدى صوته جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة. وقيل: لأن الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السجود الذي أباه وعصى بسببه. وقيل: غير ذلك مما بسطه الحافظ في الفتح، والزرقاني في شرح الموطأ. قال ابن بطال: يشبه أن يكون الزجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن المؤذن من هذا المعنى، لئلا يكون متشبهاً بالشيطان الذي يفر عند سماع الأذان. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك، وأبوداود، والنسائي.
٦٦١- قوله: (لا يسمع مدى صوت المؤذن) بفتح الميم والقصر، أي غاية صوته، قال البيضاوي: غاية الصوت تكون أخفى، فإذ شهد له من بعد عنه ووصل إليه منتهى صوته فلأن يشهد له من دنا منه، وسمع مبادئ صوته أولى بالشهادة. (جن ولا إنس) تنكيرهما في سياق النفي لتعميم الأحياء والأموات. (ولا شيء) أي من النبات والحيوانات والجمادات، فهو من باب عطف العام على الخاص، يدل عليه ما في رواية ابن خزيمة: "لا يسمع صوته شجر ولا مدر، ولا حجر، ولا جن، ولا إنس". ولأبي داود والنسائي من حديث أبي هريرة: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس"، ونحوه لأحمد والنسائي من حديث البراء، وصححه ابن السكن، فهذه الأحاديث تبين المراد من قوله في حديث الباب: "ولا شيء"، وغير ممتنع عقلاً ولا شرعا أن يخلق الله في الجمادات الحياة والقدرة على السماع والكلام والشهادة، ومثله قوله تعالى. ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [١٧: ٤٤] وفي صحيح مسلم: إني لأعرف حجراً كان يسلّم عليّ. ومنه ما ثبت في البخاري وغيره من قول النار: أكل بعضي بعضاً. قال القاري: والصحيح أن للجمادات والحيوانات والنباتات علماً وإدراكاً وتسبيحاً كما يعلم من قوله تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ [٢: ٧٤] ، وقوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ ومن حديثه ﵇: "يقول الجبل للجبل: هل مر بك أحد ذكر الله؟ فإذا قال: نعم استبشر". قال البغوي: وهذا مذهب أهل السنة، ويدل عليه قضية كلام الذئب والبقر وغيرهما فلا يحتاج إلى ما قاله ابن حجر: بأن يخلق الله تعالى فهماً وسمعاً حيى تسمع أذانه وتعقله. (إلا شهد له) أي بلسان القال. والسر في
стр. 773
يوم القيامة)) رواه البخاري.
٦٦٢- (٤) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول
ــ
هذه الشهادة مع أنها تقع عند الغيب والشهادة أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة، قاله الزين بن المنير، وقال التوربشتي: المراد من شهادة الشاهدين له ﴿وكفى بالله شهيداً﴾ اشتهاره يوم القيامة فيما بينهم بالفضل والعلو، فإن الله تعالى يهين قوماً ويفضحهم بشهادة الشاهدين، فكذلك يكرم قوماً تكميلاً لسرورهم وتطييباً لقلوبهم. وفي الحديث استحباب رفع الصوت بالأذان ليكثر من يشهد له ما لم يجهده أو يتأذى، وفيه أن أذان الفذ مندوب إليه، ولو كان في قفر، ولو لم يترج حضور من يصلي معه؛ لأنه إن فاته دعاء المصلين فلم يفته استشهاد من سمعه من غيرهم. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً مالك، والشافعي، وأحمد والنسائي، وابن ماجه وغيرهم.
٦٦٢ – قوله: (إذا سمعتم المؤذن) أي صوته أو أذانه. وظاهره اختصاص الإجابة بمن سمع حتى لو رأى المؤذن على المنارة مثلاً في الوقت وعلم أنه يؤذن لكن لم يسمع لبعد أو صمم لا تشرع له المتابعة (فقولوا) قال ابن رسلان: الأمر للندب عند الجمهور، والصارف عن الوجوب على ما قيل اقترانه بأمر الصلاة وسؤال الوسيلة، وهما مستحبان، وفيه نظر، فإن دلالة الاقتران غير معمول عند الجمهور خلافاً للمزني- انتهى. قال الحافظ استدل الجمهور بحديث أخرجه مسلم وغيره: أن النبي ﷺ سمع مؤذناً، فلما كبر قال: على الفطرة، فلما تشهد قال: خرجت من النار، قالوا: فلما قال ﷺ غير ما قال المؤذن علمنا أن الأمر بذلك للاستحباب. ورد بأنه ليس في الرواية أنه لم يقل مثل ما قال. فيجوز أن يكون قاله، ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة ونقل القول الزائد، وباحتمال أنه وقع ذلك قبل الأمر بالإجابة. (مثل ما يقول) أي مثل قول المؤذن أي إلا في الحيعلتين، فيأتي بلا حول ولا قوة إلا بالله، لحديث عمر الآتي فهو عام مخصوص. وقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا وتارة كذا. وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول أن العام والخاص إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، قال: فلم لا يقال يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة؟ قال القسطلاني: ويقول بدل كل من كلمتي التثويب في الصبح: صدقت وبررت. (بكسر الراء الأولى، أي صرت ذابر وخير كثير) . قال في الكفاية: لخبر ورد فيه- انتهى. وقال الأمير اليماني: وقيل: يقول في جواب التثويب: صدقت وبررت، وهذا استحسان من قائله، وإلا فليس فيه سنة تعتمد- انتهى. وقيل: يقول في جوابه: صدق رسول الله ﷺ ، الصلاة خير من النوم. وهذا أيضاً استحسان من قائله لا دليل عليه من السنة، قال الكرماني: قال: مثل ما يقول، ولم يقل: "مثل ما قال" ليشعر بأنه يجيب بعد كل كلمة مثل كلمتها. قال الحافظ.
стр. 774
ثم صلوا عليّ؛ فإنه من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة)) . رواه مسلم.
٦٦٣- (٥) وعن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر؛ فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ قال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله؛ قال: أشهد أن محمداً رسول الله. ثم قال: حي على الصلاة؛ قال: لا حول
ــ
والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة: أنه ﷺ كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت. وأصرح من ذلك حديث عمر الآتي بعد هذا. (ثم صلوا عليّ) بتشديد الياء، أي ندباً وسلموا. قال المناوي: وصرف عن الوجوب الإجماع على عدمه خارج الصلاة. (فإنه) الضمير للشأن (صلاة) أي واحدة (صلى الله بها عشراً) أي أعطاه الله بتلك الصلاة الواحدة عشراً من الرحمة (ثم سلوا) أمر من سأل (الوسيلة) هي ما يتقرب به إلى الكبير، يقال: توسلت أي تقربت، وتطلق على المنزلة العلية، قاله الحافظ. والمتعين المصير إلى ما في هذا الحديث من تفسيرها (فإنها) أي الوسيلة (منزلة في الجنة) من منازلها وهي أعلاها على الإطلاق (لا تنبغي) أي لا تليق ولا تصلح ولا تحصل ولا تتيسر تلك المنزلة (وأرجو) قال المناوي: ذكره على منهج الترجي تأدبا وتشريعا. وقال القرطبي: قال ذلك قبل أن يوحى إليه أنه صاحبها، ثم أخبر بذلك، ومع ذلك فلا بد من الدعاء بها، فإن الله يزيد بكثرة دعاء أمته رفعة كما زاده بصلاتهم، ثم يرجع ذلك إليهم بنيل الأجور ووجوب شفاعته ﷺ . (أكون أنا هو) من وضع الضمير المرفوع موضع المنصوب على أن "أنا" تأكيد أو فصل، ويحتمل أن يكون" أنا" مبتدأ خيره "هو" والجملة خبر "أكون" والله أعلم،. (حلت عليه الشفاعة) وفي حديث جابر الآتي حلت له، قال الحافظ: واللام بمعنى علي أي استحقت ووجبت، أو نزلت عليه، ولا يجوز أن تكون من الحل؛ لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة. ثم المراد شفاعة مخصوصة. (رواه مسلم) أخرجه أيضاً أحمد، والترمذي في أوائل المناقب، وأبوداود والنسائي في الصلاة.
٦٦٣- قوله: (إذا قال المؤذن) شرطية جزاؤها "دخل الجنة". (الله أكبر، الله أكبر) لم يذكر الأربع اكتفاء بذكر اثنين منها، ومن ثم ذكر واحداً من الاثنين فيما بعد، وفيه دليل أنه يستحب للمؤذن أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد. (فقال أحدكم) عطف على فعل الشرط. (ثم قال) عطف على قال الأول، قال الطيبي: المعطوفات بثم مقدرات بحرف الشرط والفاء في فقال، أي إذا قال المؤذن أشهد (أن لا إله إلا الله قال) أي فقال أحدكم فحذف اختصارا. (لا حول
стр. 775
ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر؛ قال الله أكبر؛ الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله؛ قال: لا إله إلا الله من قلبه، دخل الجنة)) رواه مسلم.
٦٦٤- (٦) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة،
ــ
ولا قوة إلا بالله) أى لا حيلة في الخلاص عن موانع الطاعة، ولا حركة ولا قوة على الطاعة إلا بتوفيق الله، وإنما أفرد ﷺ الشهادتين والحيعلتين في هذا الحديث مع أن كل نوع منها مثنى كما هو المشروع لقصد الاختصار. قال النووي: فاختصر ﷺ من كل نوع شطراً تنبيهاً على باقيه. (من قلبه) قيد للأخير أو للكل وهو الأظهر قاله القاري. (دخل الجنة) قال عياض: إنما كان كذلك؛ لأن ذلك توحيد وثناء على الله تعالى، وانقياد لطاعته، وتفويض إليه بقوله: لا حول ولا قوة إلا بالله، فمن حصل هذا فقد حاز حقيقة الإيمان، وكمال الإسلام، واستحق الجنة بفضل الله. وقال الطيبي: وإنما وضع الماضي موضع المستقبل لتحقيق الموعود، قال ابن حجر: على حد قوله. ﴿أتى أمرالله﴾ [١٦: ١] . ﴿ونادى أصحاب الجنة﴾ [٧: ٤٤] . والمراد أنه يدخل مع الناجين، وإلا فكل مؤمن لا بد له من دخولها، وإن سبقه عذاب بحسب جرمه إذا لم يعف عنه إلا إن قال ذلك بلسانه مع اعتقاده بلقبله حقيقة ما دل عليه وإخلاصه فيه-انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود وأخرج البخاري نحوه من حديث معاوية.
٦٦٤- قوله: (حين يسمع النداء) أي تما الأذان، إذا المطلق يحمل على الكامل، ويدل عليه أيضاً حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم. (اللهم) أي الله! والميم عوض عن "يا" فلذلك لا يجتمعان. (رب) بالنصب على أنه منادي ثان، أو بدل، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي أنت رب هذه الدعوة. (هذه الدعوة) بفتح الدال، قال العيني: المراد بالدعوة ههنا ألفاظ الأذان التي يدعى بها الشخص إلى عبادة الله –انتهى. وقال الحافظ: المراد بها دعوة التوحيد كقوله تعالى. ﴿له دعوة الحق﴾ [١٣: ١٤] وقيل لدعوة التوحيد: تامة لأن الشرك نقص، أو التامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام، وما سواها فمعرض للفساد والنقص، وقال ابن التين: وصفت بالتامة؛ لأن فيها أتم القول، وهو لا إله إلا الله، ومعنى رب هذه الدعوة أنه صاحبها، أو المتمم لها، والزائد في أهلها، والمثيب عليها أحسن الثواب، والآمر بها ونحو ذلك، وقيل المراد الكاملة الفاضلة. (والصلاة القائمة) أي الدائمة التي لا تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة، أو القائمة إلى يوم القيامة، أو التي ستقوم. (آت) أي أعط أمر من الإيتاء. (الوسيلة) تقدم تفسيرها في حديث عبد الله بن عمرو. (والفضيلة) هي المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون تفسيراً للوسيلة، وأما زيادة "الدرجة الرفيعة" المشتهرة على الألسنة، فقال السخاوي: لم أرها
стр. 776
وابعثه مقاما محموداً الذي وعدته؛ حلت له شفاعتي يوم القيامة)) رواه البخاري.
٦٦٥- (٧) وعن أنس، قال: ((كان النبي ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار.
ــ
في شيء من الروايات ذكره القاري. (وابعثه مقاماً محموداً) على حكاية لفظ القرآن، أي مقاماً يحمدك فيه الأولون والآخرون، أو مقاماً يحمد القائم فيه، وهو يطلق على كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، ونصبه على الظرفية، أي ابعثه يوم القيامة فأقمه مقاما محموداً. أو ضمن "ابعثه" معنى "أقمه" أو على أنه مفعول به، ومعنى "ابعثه" "أعطه"، أو على الحال أي ابعثه ذا مقام، والتنكير للتعظيم والتفخيم كما قال الطيبي، كأنه قال: مقاماً أي مقام محمودا بكل لسان. وقد روي بالتعريف عند النسائي، وابن حبان، والطحاوي، والطبراني، والبيهقي. وهذا يرد على من أنكر ثبوته معرفاً كالنووي. (الذي وعدته) أراد بذلك قوله تعالى. ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محموداً﴾ [١٧: ٧٩] ، وأطلق عليه الوعد؛ لأن عسى في كلام الله للوقوع، والموصول إما بدل من "مقاماً" أو عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف، وليس صفة للنكرة لعدم المطابقة في التنكير، ووقع في رواية النسائي وغيره "المقام المحمود" بالألف واللام، فيصح وصفه بالموصول. قال ابن الجوزي: والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة. والحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد الله، وعسى في الآية للتحقيق إظهار لشرفه، وعظم منزلته، وتلذذ بحصول مرتبته ورجاء لشفاعته. (حلت) كذا في رواية البخاري بدون إلا، وهو الظاهر، وفي رواية الترمذي، وأبي داود والنسائي، وابن ماجه: إلا حلت، بإثبات إلا، وهي تحتاج إلى تأويل، ورواية البخاري أوضح؛ لأن أول الكلام "من قال" وهو شرطية و"حلت" جوابها، ولا يقترن جواب الشرط بإلا، وأما مع إلا فينبغي أن يجعل من في قوله "من قال" استفهامية للإنكار، فيرجع إلى النفي. وقال بمعنى "يقول" أي ما من أحد يقول ذلك إلا حلت له، ومثله: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [٢: ٢٥٥] و ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [٥٥: ٦٠) وأمثلته كثيرة. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وابن السني في عمل اليوم والليلة عن النسائي.
٦٦٥- قوله: (يغير) من الإغارة. (إذا طلع الفجر) ليعلم أنهم مسلمون أو كفار. (وكان يستمع الأذان) أي يطلب سماعه، ويتوجه بسمعه إلى صوت الأذان ليعرف حالهم. (أمسك) أي عن الإغارة به. (وإلا) أي وإن لم يسمع الأذان (أغار) قال القاضي: أي كان يتثبت فيه ويحتاط في الإغارة حذراً عن أن يكون فيهم مؤمن، فيغير عليه غافلا عنه جاهلا بحاله. وفي الحديث دليل على جواز الحكم بالدليل لكونه ﷺ كف عن القتال بمجرد سماع الأذان، وفيه الأخذ بالأحوط في أمر الدماء؛ لأنه كف عنهم في تلك الحال مع احتمال أن لا يكون ذلك على الحقيقة، وقال الخطابي: فيه بيان أن الأذان شعار لدين الإسلام،
стр. 777
فسمع رجلا يقول: الله أكبر، الله أكبر. فقال رسول الله ﷺ : على الفطرة. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : خرجت من النار. فنظروا إليه فإذا هو راعي معزي)) رواه مسلم.
٦٦٦- (٨) وعن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام
ــ
فلو أن أهل بلد أجمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه، ذكره القاري. (فسمع رجلاً) الفاء فصيحة، أي لما كانت عادته ذلك استمع فسمع. (على الفطرة) أي أنت أو هو على الدين، أو السنة، أو الإسلام؛ لأن الأذان لا يكون إلا للمسلمين. وفيه أن التكبير من الأمور المختصة بأهل الإسلام، وأنه يصح الاستدلال به على إسلام أهل قرية سمع منهم ذلك. (خرجت) أي بالتوحيد. (من النار) قال الطيبي إشارة إلى استمرار تلك الفطرة وعدم تصرف الوالدين فيه بالشرك. وأما خرجت بلفظ الماضي فيحتمل أن يكون تفاولاً وأن يكون قطعاً؛ لأن كلامه ﵇ حق وصدق، كذا في المرقاة. وقال الشوكاني: هو نحو الأدلة القاضية بان من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، وهي مطلقة مقيدة بعدم المانع جمعاً بين الأدلة. (فنظروا) أي الصحابة. (إليه) أي إلى ذلك الرجل. (فإذا هو) أي الرجل المؤذن. (راعي معزي) بكسر الميم منوناً بمعنى المعز، وهو اسم جنس، وواحد المعزي ماعز، وهو خلاف الضأن قاله الطيبي. واحتج به على أن الأذان مشروع للمنفرد. (رواه مسلم) أخرج البخاري منه ذكر الإغارة بدون ذكر قصة الرجل الراعي للمعز، وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي في آخر أبواب السير، وصححه أبوداود في أواخر كتاب الجهاد مختصراً بغير قصة الرجل.
٦٦٦- قوله: (من قال حين يسمع المؤذن) أي قوله، وهو يحتمل أن يكون المراد به حين يسمع تشهده الأول أو الأخير، وهو قوله آخر الأذان: لا إله إلا الله، وهو أنسب، ويمكن أن يكون معنى يسمع يجيب، فيكون صريحاً في المقصود وأن الثواب المذكور مرتب على الإجابة بكمالها مع هذه الزيادة، ولأن قوله بهذه الشهادة في أثناء الأذان ربما يفوته الإجابة في بعض الكلمات الآتية. كذا في المرقاة. (أشهد) الخ. كذا في رواية لمسلم بغير لفظ أنا، وبغير الواو، وفي أخرى له: وأنا أشهد، وكذا وقع عند أحمد والترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه. قال السندي في حاشية النسائي: قوله حين يسمع المؤذن أي يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فقوله: وأنا أشهد، عطف على قول المؤذن، أي وأنا أشهد كما تشهد. (رضيت بالله رباً) تمييز، أي بربوبيته، وبجميع قضائه وقدره، وقيل: حال أي مربياً، ومالكاً، وسيداً، ومصلحاً. (وبمحمد رسولاً) أي بجميع ما أرسل به، وبلغه إلينا من الأمور الاعتقادية وغيرها. (وبالإسلام)
стр. 778
ديناً، غفر له ذنبه)) رواه مسلم.
٦٦٧- (٩) وعن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين
صلاة. ثم قال في الثالثة: لمن شاء))
ــ
أي بجميع أحكام الإسلام من الأوامر والنواهي. (ديناً) أو إعتقاداً أو انقياداً. (غفر له ذنبه) أى من الصغائر جزاء لقوله من قال حين يسمع المؤذن. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه. والعجب أن الحاكم أخرجه في مستدركه (ج١: ص٢٠٣) . وأعجب من ذلك تقرير الذهبي له في استدراكه عليه، وهو في صحيح مسلم بلفظه، وأخرجه الحاكم من طريق قتيبة عن الليث، وقتيبة هذا شيخ مسلم في هذا الحديث.
٦٦٧- قوله: (بين كل أذانين) أي أذان وإقامة، وهذا من باب التغليب كالقمرين للشمس والقمر، ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذان حقيقة؛ لأن الأذان في اللغة بمعنى الإعلام، فالإقامة إعلام بحضور فعل الصلاة، كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت. قال السندي في حاشية ابن ماجه: وعمومه يشمل المغرب، بل قد جاء صريحاً كما في حديث أنس وغيره، فلا وجه للقول بالكراهة-انتهى. قلت: قد ورد ذكر المغرب بخصوصه نصاً في حديث عبد الله ن مغفل أيضاً، ففي الصحيحين عنه قال: قال النبي ﷺ : صلوا قبل صلاة المغرب. قال في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة، وأما حديث أنس فسنذكره إن شاء الله تعالى (صلاة) أي نافلة، أو نكرت لتتناول كل عدد نواه المصلي من النافلة كركعتين، أو أربع، أو أكثر. (بين كل أذانين صلاة) قال ابن الملك: كرر تأكيداً للحث على النوافل بينهما. قال المظهر: إنما حرض ﵇ أمته على صلاة النفل بين الأذانين؛ لأن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة لشرف ذلك الوقت، وإذا كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة أكثر. (لمن شاء) ذكره دلالة على عدم وجوبها. قال السندي في حاشية النسائي: وهذا الحديث وأمثاله يدل على جواز الركعتين قبل صلاة المغرب بل ندبهما. قلت: أراد بأمثاله ما روي في ذلك من الأحاديث الصحيحة الصريحة. منها حديث عبد الله بن مغفل الذي ذكرنا لفظه، وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان. ومنها حديث أنس بن مالك أخرجه أيضاً الشيخان. قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك، يصلون الركعتين قبل المغرب. زاد مسلم: حتى أن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة صليت من كثرة من يصليها. ومنها حديث عقبة بن عامر أخرجه البخاري عن مرثد بن عبد الله اليزني، قال: أتيت عقبة بن عامر الجهني فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم يركع ركعتين قبل صلاة المغرب، فقال: إنا كنا نفعله على عهد النبي ﷺ ، قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل، وسيأتي هذه الأحاديث في باب السنن وفضائلها. ومنها حديث عبد الله بن مغفل أيضاً: أن رسول الله ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين، أخرجه ابن حبان في صحيحه، وأخرجه محمد بن نصر في قيام الليل بلفظ: أن رسول الله ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال:
стр. 779
متفق عليه.
﴿الفصل الثاني﴾
٦٦٨- (١٠) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن. اللهم أرشد
الأئمة واغفر للمؤذنين))
ــ
صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء، خاف أن يحسبها الناس سنة. قال العلامة أحمد بن علي المقريزي في مختصر قيام الليل: هذا إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد صح في ابن حبان حديث: أن النبي ﷺ صلى ركعتين قبل المغرب- انتهى. وقد روى محمد بن نصر عن جماعة من الصحابة والتابعين: أنهم كانوا يصلون الركعتين، فهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة وآثار الصحابة والتابعين تدل على استحباب الركعتين بعد أذان المغرب وقبل صلاته، وهو الحق. وترد على الحنفية والمالكية ومن وافقهم. وارجع لتفصيل الكلام في ذلك إلى شرح الترمذي لشيخنا الأجل المباركفورى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
٦٦٨- قوله: (الإمام ضامن) قال الجزري: أراد بالضمان ههنا الحفظ والرعاية لا ضمان الغرامة؛ لأنه يحفظ على القوم صلاتهم. وقيل: إن صلاة المقتدين في عهدته، وصحتها مقرونة بصحة صلاته، فهو كالمتكفل لهم صحة صلاتهم- انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج١: ص١٥٦) : قال أهل اللغة: الضامن في كلام العرب معناه الراعي، والضمان معناه الرعاية، والإمام ضامن بمعنى أنه يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم، وقيل: معناه ضامن الدعاء يعمهم به، ولا يختص بذلك دونهم، وليس الضمان الذي يوجب الغرامة من هذا في شيء، وقد تأوله قوم على معنى أنه يتحمل القراءة عنهم في بعض الأحوال، وكذلك يتحمل القيام أيضاً إذا أدركه المأموم راكعاً، وهذا التأويل الأخير الذي ذكره الخطابي بعيد من اللفظ والسياق كما لا يخفى. وأبعد منه حمله على معنى أن الإمام متكفل لصحة صلاة المقتدين، فإن الضمان في كلام العرب هو الرعاية والحفظ، والمراد أن الإمام يحفظ أفعال الصلاة وعدد الركعات على القوم، فلا دليل فيه على ما ذهب إليه الحنفية من عدم جواز صلاة المفترض خلف المتنفل. (والمؤذن مؤتمن) أي أمين في الأوقات يعتمد الناس على صوته في الصلاة والصيام وغيرهما. وقيل: أمين على حرم الناس؛ لأنه يشرف على المواضع العالية. قال الجزري: مؤتمن القوم الذي يثقون إليه ويتخذونه أميناً حافظاً. يقال: ائتمن الرجل فهو مؤتمن، يعني أن المؤذن أمين الناس على صلاتهم وصيامهم-انتهى. ولابن ماجه من حديث ابن عمر مرفوعاً: خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين: صلاتهم وصيامهم. (اللهم أرشد الأئمة) للعلم بما تكفلوه والقيام به والخروج عن عهدته. (واغفر للمؤذنين) أي ما عسى يكون لهم تفريط في الأمانة التي حملوها من جهة تقديم على الوقت أو تأخير عنه سهواً. والحديث يستدل به على فضل الأذان على
стр. 780
رواه أحمد وأبوداود والترمذي والشافعي.
ــ
الإمامة؛ لأن حال الأمين أفضل من حال الضمين، ورد بذلك بأن هذا الأمين يتكفل الوقت فحسب، وهذا الضامن يتكفل أركان الصلاة ويتعهد للسفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء، فأين أحدهما من الآخر؟ وكيف لا والإمام خليفة رسول الله ﷺ ، والمؤذن خليفة بلال. وأيضاً الإرشاد الدلالة الموصولة في البغية، والغفران مسبوق بالذنوب. قال الطيبي. (رواه أحمد وأبوداود والترمذي والشافعي) في الأم، ولعل تأخير الإمام الشافعي عن المخرجين المذكورين مع أنه أجل منهم رواية ودراية باعتبار صحة أسانيد كتبهم واشتهارها، وقبول العامة لها. أما ترى أن البخاري ومسلماً يتقدمان عليه بل على أستاذه الإمام مالك، وما ذلك إلا لقوة صحة كتابيها، وتلقي الأمة لهما بالقبول. وقال ابن حجر: إنما أخره عنهم مع أنهم من جملة تلامذته أو تلاميذه ليفيد أن له رواية أخرى. ولذا قال: وفي أخرى الخ. كذا في المرقاة. والحديث أخرجه أيضاً أبوداود الطيالسي في مسنده، وابن حبان في صحيحه كلهم عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وروي أيضاً عن محمد بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح، عن عائشة، واختلفوا في صحة الحديث، فرجع أبوزرعة، والعقيلي، والدارقطني طريق أبي صالح عن أبي هريرة على طريق أبي صالح عن عائشةِ. ورجح البخاري عكسه، وذكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت واحداً منهما. أما حديث أبي هريرة فللانقطاع بين الأعمش وأبي صالح؛ لأنه يقول: نبئت عن أبي صالح، عن أبي هريرة كما في رواية لأحمد وأبي داود. وفي رواية لأحمد عن الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وأما حديث عائشة فللاختلاف في محمد بن أبي صالح، فأنكر بعضهم وجوده كابن عدي، فقد نقل في التهذيب عنه: أنه قال: ليس في ولد أبي صالح من اسمه محمد، وأثبته بعضهم كأبي داود وأبي زرعة الدمشقي. ولأنه تفرد نافع بن سليمان بذكر عائشة، وخالف الثقات في ذلك، وهو ليس بقوي، وصحح حديث أبي هريرة وعائشة جميعاً ابن حبان، وقال: قد سمع أبوصالح هذين الخبرين من عائشة وأبي هريرة جميعاً، وهذا هو الصواب عندي، ويجاب عن الانقطاع بين الأعمش وأبي صالح بأن ابن نمير قد قال: عن الأعمش، عن أبي صالح، ولا أراني إلا قد سمعته منه. وقال إبراهيم بن حميد الرواسي: قال الأعمش: وقد سمعته من أبي صالح، وقال هشيم عن الأعمش: حدثنا أبوصالح، عن أبي هريرة، ذكر ذلك الدارقطني، فبينت هذه الطرق أن الأعمش سمعه عن غير أبي صالح. ثم سمعه منه، أو يقال: إنه سمعه من أبي صالح، ثم وقع في نفسه الشك في سماعه، فكان تارة يرويه عن أبي صالح، وتارة يرويه عن رجل عنه، وتارة يقول نبئت عن أبي صالح، ولا أراني إلا قد سمعته منه كما في رواية لأحمد وأبي داود. والطرق التي ذكرها الدارقطني تكفي في ترجيح سماع الأعمش إياه، وإن شك فيه بعد ذلك، قال اليعمري: الكل صحيح، والحديث متصل، وبجاب عن الكلام في حديث عائشة بأن الراجح أن محمد بن أبي صالح كان موجوداً، فقد نقل في التهذيب أنه روى عنه هشيم أيضاً، فلم ينفرد نافع بن سليمان بالرواية عنه، ولعله كان غير مشهور في الرواة، فلذلك خفي أمره على بعض العلماء. وقد نقل في التهذيب: أن ابن حبان ذكره في الثقات، وقال: يخطئ، ونقل فيه
стр. 781
وفي أخرى له بلفظ المصابيح.
٦٦٩- (١١) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أذن سبع سنين محتسباً؛ كتب له براءة
من النار)) رواه الترمذي وأبوداود، وابن ماجه.
ــ
وفي التلخيص: أن ابن جبان أخرج حديثه هذا في صحيحه، ووقوع الخطأ من الراوي في بعض رواياته لا يمنع إصابته فيما لم يخالفه فيه غيره، وأولى أن يصيب فيما وافق غيره فيه، ونافع بن سليمان وثقه ابن معين، وقال أبوحاتم: صدوق يحدث عن الضعفاء مثل بقية. وقد روى أيضاً هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. أخرجه أحمد، وابن حبان، ومن طريق زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أخرجه أحمد، وهذان إسنادان صحيحان لا مطعن فيهما. وقد ثبت بهما أن الحديث رواه أبوصالح يقيناً، فلو شك الأعمش في سماعه منه لم يكن ذلك بضاره شيئاً. كذا حققه العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي، وهو تحقيق جيد نفيس حقيق بالقبول، وقد بسط الحافظ الكلام في طرق هذا الحديث في التلخيص فارجع إليه إن شئت. هذا، وفي الباب عن أبي أمامة عند أحمد، وابن عمر عند أبي العباس السراج، وصححه الضياء في المختارة وسهل بن سعد عند ابن ماجه، والحاكم، وواثله، وأبي محذورة عند الطبراني في الكبير. (وفي أخرى له) أي في رواية أخرى للشافعي (بلفظ المصابيح) وهو: الأئمة ضمناء، والمؤذنون أمناء، فأرشد الله الأئمة، وغفر للمؤذنين. قال ابن الملك: الضمناء جمع ضمين، والأمناء جمع أمين، وقال الطيبي: دعاء أخرجه في صورة الخبر مبالغة، وعبر بالماضي ثقة بالاستجابة، كأنه استجيب فيه، ويخبر عنه موجوداً.
٦٦٩-قوله (سبع سنين) العلم بتعيين هذه المدة موكول إلى الشارع (محتسباً) أي طالباً للثواب لا للأجرة (براءة من النار) أي خلاص منها، وهذا يستلزم الدخول في الجنة ابتداء، ومغفرة الذنوب كلها صغائرها وكبارها، بل المتقدمة والمتأخرة، ويحتمل أن يكون مقيداً بالموت على الإيمان، أو يكون بشارة بذلك، قاله السندي. وقال المناوي: لأن مداومته على النطق بالشهادتين والدعاء إلى الله تعالى هذه المدة الطويلة من غير باعث دنيوي صير نفسه كأنها معجونة بالتوحيد، والنار لا سلطان لها على من صار كذلك. وأخذ منه أنه يندب للمؤذن على أن لا يأخذ على أذانه أجراً-انتهى.. (رواه الترمذي) وفي سنده جابر بن يزيد الجعفي وهو ضعيف جداً. قال الترمذي وجابر بن يزيد ضعفوه، تركه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، وقال ابن سعد في الطبقات (ج٦: ص٢٤٠) : كان ضعيفاً في رأيه وحديثه. قال ابن عيينة: كنت معه في بيت فتكلم بكلام ينقض البيت أو كاد ينقض أو نحو هذا. وقال أبوحنيفة: ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأيي إلا جاءني فيه بأثر. كذا في نصب الراية، وتهذيب التهذيب، وكذبه أيضاً ابن معين وغيره. (وأبوداود) كذا في بعض النسخ، وفيه نظر، فإن الحديث ليس في سنن أبي داود، قال الحافظ في تهذيب
стр. 782
٦٧٠- (١٢) وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يعجب ربك من راعى غنم في رأس
شظية للجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله عزوجل: أنظروا إلى عبدي هذا، يؤذن ويقيم
الصلاة، يخاف مني،
ــ
التهذيب (ج٢: ص٤٨) : روى له أبوداود حديثاً واحداً في السهو في الصلاة من حديث مغيرة بن شعبة، وقال عقبة: ليس في كتابي عن جابر الجعفي غيره.
٦٧٠- قوله: (يعجب ربك) قال النووي: التعجب على الله محال إذ لا يخفى عليه أسباب الأشياء، والتعجب إنما يكون مما خفي سببه، فالمعنى: عظم ذلك عنده وكبر. وقيل: معناه الرضا، أي يرضى ربك منه، وبثيب عليه. والخطاب إما للراوي أو لواحد من الصحابة غيره، أو عام لكل من يتأتى منه السماع، كذا في المرقاة. وقيل: العجب روعة تعترى الإنسان عند استعظام الشيء، والله تعالى منزه عن الروعة، فيحمل على الاستعظام من غير ورعة. وقال الإمام ابن تيمية في بعض رسائله بعد ذكر الأحاديث التي فيها نسبة العجب إلى الله تعالى: أن قول القائل: التعجب استعظام للمتعجب منه، فيقال نعم، وقد يكون مقروناً بجهل بسبب المستعجب منه، وقد يكون لما خرج عن نظائره، والله تعالى بكل شيء عليم، فلا يجوز عليه أن لا يعلم سبب ما يعجب منه، بل يتعجب منه لخروجه عن نظائره تعظيماً له، والله تعالى يعظم ما هو عظيم إما لعظمه أو لعظمته، فإنه واصف بعض الخير بأنه عظيم، ووصف بعض الشر بأنه عظيم، فقال: ﴿رب العرش العظيم﴾ [٢٣: ٨٦] وقال: ﴿لقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ [١٥: ٨٧] وقال: (لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً﴾ [٤: ٦٧] وقال: ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ [٢٤: ١٦] وقال: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [٣١: ١٣] . وقول القائل: إن هذه انفعالات نفسانية، فيقال: كل ما سوى الله مخلوق منفعل، ونحن ذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها لا يوجب أن يكون الله منفعلاً لها، عاجزاً عن دفعها، فإن كل ما يجري في الوجود فإنه بمشيئته وقدرته، لا يكون إلا ما يشاء، ولا يشاء إلا ما يكون له الملك وله الحمد. (من راعي الغنم) اختار العزلة من الناس. (في رأس شظية للجبل) بفتح الشين وكسر الظاء المعجمتين وتشديد التحتانية، قطعة مرتفعة في رأس الجبل. (يؤذن بالصلاة) وفائدة تأذنيه إعلام الملائكة والجن بدخول الوقت، فإن لهم صلاة أيضاً. وشهادة الأشياء على توحيده، ومتابعة سنته، والتشبه بالمسلمين في جماعتهم. وقيل: إذا أذن وأقام تصلي الملائكة معه، ويحصل له ثواب الجماعة. (فيقول الله) أي لملائكته. (أنظروا إلى عبدي هذا) تعجيب للملائكة من ذلك الأمر بعد التعجب لمزيد التفخيم، وكذا تسميته بالعبد وإضافته إلى نفسه، والإشارة بهذا تعظيم على تعظيم. (ويقيم الصلاة) منصوب بنزع الخافض أي للصلاة تنازع فيه الفعلان. وقال ابن الملك: أي يحافظها ويداوم عليها. (يخاف مني) أي يفعل ذلك خوفاً مني لا يراه أحد قاله ابن حجر. وقال الطيبي: الأظهر أنه جملة مستأنفة، وإن احتمل الحال فهو كالبيان لعلة عبوديته واعتزاله التام عن الناس
стр. 783
قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة)) رواه أبوداود والنسائي.
٦٧١- (١٣) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة: عبد أدى حق الله وحق مولاه، ورجل أمّ قوماً وهم به راضون، ورجل ينادي بالصلوات الخمس كل يوم وليلة)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
ــ
حق اعتزال ولذا آثر الشظية بالرعي فيها. وفي الحديث دليل على شرعية الأذان واستحبابها للمنفرد وإن كان بحيث لا يسمعه أحد فيكون صالحاً لرد قول من قال: أن شرعية الأذان تختص بالجماعة، وفيه أيضاً أن الأذان من أسباب المغفرة للذنوب. (وأدخلته الجنة) أي حكمت به، أو سأدخله الجنة. (رواه أبوداود) في باب الأذان في السفر. (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد، وسعيد بن منصور، والطبراني، والبيهقي، وقد سكت عنه أبوداود. وقال المنذري: رجال إسناده ثقات.
٦٧١- قوله: (ثلاثة) أي أشخاص. (على كثبان المسك) الكثبان بضم الكاف جمع كثيب، وهو ما ارتفع من الرمل كالتل الصغير، قال الطيبي: عبر عن الثواب بكثبان المسك لرفعته وظهور فوحه، وروح الناس من رائحته. لتناسب حال هؤلاء الثلاثة فإن أعمالهم متجاوزة إلى الغير-انتهى. والأولى الحمل على الحقيقة بل هو المتعين. (يوم القيامة) وفي الترمذي: أراه قال: يوم القيامة. أي أظنه. قال شيخنا: الظاهر أن الضمير المنصوب راجع إلى ابن عمر، وقائله هو زاذان الراوي عنه. والمعنى: إني أظن أن ابن عمر قال بعد لفظ على كثبان المسك: لفظ يوم القيامة-انتهى. وزاد في رواية للترمذي: يغبطهم الأولون والآخرون. (عبد) أي ظن ذكر أو أنثى. (أدى حق الله وحق مولاه) أي قام بالحقين معاً فلم يشغله أحدهما من الآخر. (وهم به راضون) لعلمه، وورعه، وصحة قراءته، فبرضاهم يكون ثواب الإمام أكثر، ولأن إجماعهم على الرضا به دليل على صلاح حاله، والعبرة رضا أكثرهم من أهل الدين. (ورجل ينادي) أي يؤذن محتسباً. (كل يوم وليلة) وفي الترمذي في كل يوم وليلة. قال ابن الملك: وإنما أثيبوا بذلك؛ لأنهم صبروا أنفسهم في الدنيا على كرب الطاعة، فروحهم الله في عرضات القيامة بأنفاس عطرة على تلال مرتفعة من المسك إكراما لهم بين الناس لعظم شأنهم وشرف أعمالهم. (رواه الترمذي) في البر والصلة، وفي أواخر صفة الجنة. (وقال: هذا حديث غريب) وفي نسخ الترمذي الموجودة عندنا: هذا حديث حسن غريب، وفي سنده أبواليقظان عثمان بن عمير البجلي الكوفي الأعمى، ضعيف واختلط، وكان يدلس ويغلو في التشيع، كذا في التقريب. وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه أحمد، والترمذي من رواية سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عنه، وقال: حديث حسن غريب. قال المنذري، وأبواليقظان واه، وقد روى عنه الثقات. ورواه الطبراني في الأوسط والصغير بإسناد لا بأس به، ثم ذكر لفظه: ورواه الطبراني في الكبير أيضاً.
стр. 784
٦٧٢- (١٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس. وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون صلاة، ويكفر عنه ما بينهما)) رواه أحمد وأبوداود، وابن ماجه. وروى النسائي إلى قوله: ((كل رطب ويابس)) وقال: ((وله مثل أجر من صلى)) .
ــ
٦٧٢- قوله: (يغفر له مدى صوته) بفتح الميم والدال، أي نهايته، وهو منصوب على الظرفية، قال الخطابي: مدى الشيء غايته، والمعنى أنه يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت، قال المنذري: ويشهد لهذا القول رواية من قال "يغفر له مد صوته" بتشديد الدال، أي بقدر مده صوته. قال الخطابي: وفيه وجه آخر وهو أنه كلام تمثيل وتشبيه، يريد أن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو يقدر أن يكون ما بين أقصاه وبين مقامه الذي هو فيه ذنوب تملأ تلك المسافة غفرها الله-انتهى. وقيل: معناه يغفر له من الذنوب ما فعله في زمان مقدر بهذه المسافة. (ويشهد له كل رطب ويابس) مما يبلغه صوته. وتحمل شهادتهما على الحقيقة لقدرته تعالى على إنطاقهما. (وشاهد الصلاة) عطف على قوله: المؤذن يغفر له. أي والذي يحضر لصلاة الجماعة. (يكتب له خمس وعشرون) أي ثواب خمس وعشرين صلاة. (ويكفر عنه) أي عن الشاهد. (ما بينهما) أي ما بين الأذان والصلاة، أو ما بين الأذانين، أو ما بين الصلاتين، والحديث يدل على استحباب مد الصوت بالأذان لكونه سبباً للمغفرة، وشهادة الموجودات، ولأنه أمر المجئ إلى الصلاة، فكل ما كان أدعى لإسماع المأمورين بذلك كان أولى. (رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه) وأخرجه أيضاً ابن حبان وابن خزيمة، وفي سنده أبويحيى الراوي له عن أبي هريرة. قال المنذري: أبويحيى هذا لم ينسب فيعرف حاله، وقال ابن القطان: لا يعرف أصلاً، وقال الثوري: إنه مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات، وزعم أنه سمعان الأسلمي، وقال ابن عبد البر: أبويحيى المكي اسمه سمعان، سمع من أبي هريرة، روى عنه بعض المدنيين في الأذان. كذا في تهذيب التهذيب (ج١٢: ص٢٧٩) وقال في التقريب: أبويحيى المكي يقال هو سمعان الأسلمي مقبول. (وقال) أي النسائي في روايته. (وله) أي للمؤذن. (مثل أجر من صلى) أي بأذانه، وفيه نظر؛ لأن هذه الزيادة ليست في رواية أبي هريرة، وقد روى أحمد والنسائي من حديث البراء بن عازب بإسناد جيد بلفظ: المؤذن يغفر له بمد صوته، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس، وله مثل أجر من صلى معه، أي إن كان إماماً، أومع إمامه إن كان مقتدياً بإمام آخر لحكم الدلالة، لكن هذا يقضي أن يخص بمن حضر بأذانه، والأقرب العموم تخصيصاً للمؤذن بهذا الفضل وفضل الله أوسع. قاله السندي.
стр. 785
٦٧٣- (١٥) وعن عثمان بن أبي العاص، قال: قلت يارسول الله ﷺ ! ((اجعلني إمام قومي. قال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)) رواه أحمد وأبوداود والنسائي.
٦٧٤- (١٦) وعن أم سلمة ﵂، قالت: ((علمني رسول الله ﷺ أن أقول عند أذان المغرب: اللهم هذا
ــ
٦٧٣- قوله: (واقتد بأضعفهم) بمرض أو زمانة أو نحوهما، أي تابع أضعف المقتدين في تخفيف الصلاة من غير ترك شيء من الأركان، يريد تخفيف القراءة والتسبيحات حتى لا يمل القوم. وقوله: واقتد، عطف على مقدر أي فأمهم واقتد بأضعفهم. وقيل: هو عطف على الخبرية السابقة؛ لأنها بتأويل أمهم، وعدل إلى الاسمية دلالة على الدوام والثبات كأن إمامته ثبتت ويخبر عنها، وقد جعل فيه الإمام مقتدياً، والمعنى كما أن الضعيف يقتدي بصلاتك فاقتد أنت أيضاً بضعفه، واسلك له سبيل التخفيف في القيام والقراءة، بحيث كأنه يقوم ويركع على ما يريد، وأنت كالتابع الذي يركع بركوعه. وقال التوربشتي: ذكر بلفظ الإقتداء تأكيداً للأمر المحثوث عليه؛ لأن من شأن المقتدي أن يتابع المقتدى به ويجتنب خلافه، فعبر عن مراعات القوم بالإقتداء مشاكله لما قبله. قال الأمير اليماني: الحديث يدل على جواز طلب الإمامة في الخير، وقد ورد في أدعية عباد الرحمان الذين وصفهم الله بتلك أنهم يقولون: ﴿واجعلنا للمتقين إماماً﴾ [٢٥: ٧٤] وليس من طلب الرياسة المكروهة، فإن ذلك فيما يتعلق برياسة الدنيا التي لا يعان من طلبها، ولا يستحق أن يعطاها، وأنه يجب على إمام الصلاة أن يلاحظ حال المصلين خلفه، فيجعل أضعفهم كأنه المقتدى به فيخفف لأجله. (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) أي أجرة. فيه دليل على أنه يكره أخذ الأجرة على الأذان. قال الخطابي: أخذ المؤذن الأجر على أذانه مكروه في مذاهب أكثر العلماء، وقال مالك: لا بأس به، ويرخص فيه. وقال الأوزاعي: مكروهة ولا بأس بالجعل. وذهب الحنفية إلى تحريم الأجر شرطاً على الأذان والإقامة. واستدل بعضهم على التحريم بهذا الحديث، ولا يخفى أنه لا يدل على التحريم. وقيل: يجوز أخذها على التأذين في محل مخصوص، إذ ليست على الأذان حينئذٍ بل على ملازمة المكان كأجرة الرصد، والقول الراجح عندنا ما ذهب إليه أكثر العلماء. (رواه أحمد وأبوداود والنسائي) أي بتمامه، وأخرج مسلم الفصل الأول فقط، وأخرج ابن ماجه الفصلين في موضعين، وأخرج الترمذي الفصل الأخير وحسنه، وأخرجه الحاكم بتمامه (ج١: ص١٩٩، ٢٠١) وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
٦٧٤- قوله: (عند أذان المغرب) الظاهر أن يقال هذا بعد جواب الأذان أو في أثنائه، قاله القاري. (هذا) إشارة إلى ما في الذهن، وهو مبهم مفسر بالخبر، قاله الطيبي. وقال القاري: والظاهر أنه إشارة إلى الأذان لقوله:
стр. 786
إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعائك، فاغفر لي)) . رواه أبوداود، والبيهقي في الدعوات الكبير.
٦٧٥- (١٧) وعن أبي أمامة، أو بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: (إن بلالاً أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة. قال رسول الله ﷺ : أقامها الله وأدامها. وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان)) رواه أبوداود.
ــ
وأصوات. (إقبال ليلك) أي هذا الأذان أوان إقبال ليلك. (وإدبار نهارك) أي في الأفق. (وأصوات دعائك) أي في الآفاق، جمع داع وهو المؤذن كقضاة جمع قاض. (فاغفرلي) بحق هذا الوقت الشريف والصوت المنيف، وبه يظهر وجه تفريع المغفرة، ومناسبة الحديث للباب، فإنه يدل على أن وقت الأذان زمان استجابة الدعاء قاله القاري. (رواه أبوداود) في الصلاة من طريق المسعودي عن أبي كثير مولى أم سلمة، عن أم سلمة، وسكت عنه. وأخرجه الحاكم من هذا الطريق (ج١: ص١٩٩) وصححه، ووافقه الذهبي، وأخرجه الترمذي في الدعوات من طريق حفصة بنت أبي كثير، عن أبيها أبي كثير، عن أم سلمة. وقال: حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وحفصة بنت أبي كثير لا نعرفها ولا أباها-انتهى. ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره. وقال الذهبي في الميزان: لا يعرفان. وقال الحافظ في التقريب: أبوكثير مولى أم سلمة مقبول، فالظاهر أن الحديث من طريق أبي داود والحاكم حسن.
٦٧٥- قوله: (أخذ) أي شرع. (فلما أن قال: قد قامت الصلاة) قال الطيبي: لما تستدعى فعلاً فالتقدير: فلما انتهى إلى أن قال. واختلف في "قال" أنه متعد أو لازم، فعلى الأول يكون مفعولاً به، وعلى الثاني يكون مصدراً-انتهى. قال القاري: والأظهر أن "لما" ظرفية "وأن" زائدة للتأكيد كما قال تعالى: ﴿فلما أن جاء البشير﴾ [١٢: ٩٦] كما قال صاحب الكشاف وغيره في قوله تعالى: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم﴾ [١١: ٧٧] . (أقامها الله) أي الصلاة يعني ثبتها. (وقال في سائر الإقامة) أي في جميع كلمات الإقامة غير قد قامت الصلاة، أو قال في البقية مثل ما قال المقيم إلا في الحيعلتين فإنه قال فيه: لا حول ولا قوة إلا بالله. (كنحو حديث عمر في الأذان) يريد أنه قال مثل ما قال المؤذن لما مرّ في الحديث الخامس من الفصل الأول من الباب، يعني وافق المؤذن في غير الحيعلتين. وفيه دلالة على استحباب مجاوبة المقيم، وفيه أيضاً أنه يستحب لسامع الإقامة أن يقول عند قول المقيم قد قامت الصلاة: أقامها لله وأدامها. قال المجد ابن تيمية في المنتقى: وفيه دليل على أن السنة أن يكبر الإمام بعد الفراغ من الإقامة-انتهى. وسيأتي الكلام فيه إن شاءالله تعالى. (رواه أبوداود) وسكت عنه، وفي إسناده رجل من أهل الشام مجهول وشهر بن حوشب تكلم فيه غير واحد، ووثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين. قاله المنذري.
стр. 787
٦٧٦- (١٨) وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة)) رواه أبوداود، والترمذي.
٦٧٧- (١٩) وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثنتان لا تردان- أو قلما تردان – الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً. وفي رواية: وتحت المطر)) رواه أبوداود، والدارمي إلا أنه لم يذكر: تحت المطر.
ــ
٦٧٦- قوله: (لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة) بل يقبل ويستجاب، يعني فادعوا كما في رواية ابن حبان، وفيه دليل على قبول الدعاء في هذا الوقت، إذ عدم الرد يراد به القبول، ولفظ الدعاء بإطلاقه شامل لكل دعاء، ولا بد من تقييده بما في الأحاديث الأخرى الصحيحة من أنه ما لم يكن دعاء بإثم أو قطيعة رحم، فالدعاء في هذا الوقت مستجاب لكن بعد جمع شروط الدعاء وأركانه وآدابه، فإن تخلف شيء منها فلا يلوم إلا نفسه. وقد ورد تعيين أدعية تقال حال الأذان وبعده، وهو ما بين الأذان والإقامة، منها ما تقدم، ومنها ما سيأتي. وقد عين ﷺ ما يدعى به أيضاً لما قال: الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد، قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. قال ابن القيم: هو حديث صحيح. وفي المقام أدعية أخرى. (رواه أبوداود والترمذي) من طريق معاوية بن قرة عن أنس، وسكت عنه أبوداود وحسنه الترمذي، وأخرجه أحمد، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" وابن حبان وابن خزيمة في صحيحهما من طريق بريد بن أبي مريم عن أنس، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وقال: أخرجه النسائي من حديث بريد بن أبي مريم عن أنس، وهو أجود من حديث معاوية بن قرة.
٦٧٧- قوله: (ثنتان) أي دعوتان ثنتان. (أو قلما) فعل ماض من القلة بمعنى النفي: وهو من الأفعال التي لا تصرف. قال السيوطي: إن "قل" ههنا للنفي المحض كما هو أحد استعمالاتها، صرح به ابن مالك في التسهيل وغيره. وقال في المغنى: ما زائدة كافة عن العمل. (عند النداء) أي حين الأذان أو بعده. (وعند البأس) أي الشدة والمحاربة مع الكفار. (حين) بدل من قوله عند البأس أو بيان. (يلحم بعضهم بعضا) بفتح ياء من لحم كسمع أي يقتل بعضهم بعضاً. وقيل: بضم الياء وكسر الحاء من ألحم أي يشتبك الحرب بينهم ويلزم بعضهم بعضاً. والملحمة الحرب وموضع القتال، وجمعه الملاحم. أخذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدي. (وفي رواية) أي بدل قوله وعند اليأس حين يلحم بعضهم بعضاً. (وتحت المطر) أي ودعاء من دعا تحت المطر، أي وهو نازل عليه؛ لأنه وقت نزول الرحمة والبركة. (رواه أبوداود والدارمي) وسكت عنه أبوداود، وقال المنذري: في إسناده موسى بن يعقوب الزمعي، قال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبوداود السجستاني: صالح، له مشائخ مجهولون-انتهى.
стр. 788
٦٧٨- (٢٠) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رجل: ((يارسول الله! إن المؤذنين يفضلوننا. فقال
رسول الله ﷺ : قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعط)) رواه أبوداود.
﴿الفصل الثالث﴾
٦٧٩- (٢١) عن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء. قال الراوي: والروحاء من المدينة: على ستة وثلاثين ميلاً)) رواه مسلم
٦٨٠- (٢٢) وعن علقمة بن وقاص، قال: ((إني لعند معاوية، إذ أذن مؤذنه، فقال معاوية. كما قال مؤذنه، حتى إذا قال: حي على الصلاة؛
ــ
وقال الحافظ: صدوق سيء الحفظ. والحديث أخرجه أيضاً ابن خزيمة. وابن حبان في صحيحهما، والحاكم (ج١: ص١٩٨) وقال: هذا حديث ينفرد به موسى بن يعقوب، ووافقه الذهبي، وأخرجه مالك في الموطأ موقوفاً.
٦٧٨- قوله: (يفضلوننا) بفتح الياء وضم الضاد، أي يحصل لهم فضل ومزية علينا في الثواب بسبب الأذان، والظاهر أنه خبر، يعني فما تأمرنا به من عمل نلحقهم بسببه؟. (قل كما يقولون) أي إلا عند الحيعلتين لما تقدم فيحصل لك الثواب مثله، ثم أفاد زيادة على الجواب بقوله. (فإذا انتهيت) أي فرغت من الإجابة. (فسل) أي أطلب من الله حينئذٍ ما تريد. (تعط) بغير هاء في آخره، وفي أبي داود: تعطه، بزيادة الهاء، أي يقبل الله دعاءك ويعطيك سؤالك. (رواه أبوداود) وسكت عنه، وأقره المنذري، وأخرجه أيضاً النسائي في عمل اليوم والليلة، وابن حبان في صحيحه، وقالا: تعط، بغير هاء.
٦٧٩- قوله: (حتى يكون مكان الروحاء) بفتح الراء بالحاء المهملة وبالمد، أي يبعد الشيطان من المصلى بعد ما بين لمكانين. والتقدير: يكون الشيطان مثل الروحاء في البعد، قاله الطيبي. ولفظ إسحاق في مسنده: حتى يكون بالروحاء، فيه بيان غاية بعد الشيطان من المدينة عند سماعه النداء بالصلاة. (قال الراوي) المراد به أبوسفيان طلحة بن نافع الراوي من جابر كما هو مصرح به في رواية مسلم. (والروحاء من المدينة) أي إلى مكة. (على ستة وثلاثين ميلاً) أي اثني عشر فرسخاً. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً البغوي في شرح السنة (ج٢: ص٢٧٦) .
٦٨٠- قوله: (وعن علقمة بن وقاص) الليثي المدني ثقة ثبت من كبار التابعين، أخطأ من زعم أن له صحبة. قيل: إنه ولد في عهد النبي ﷺ ، ولذا ذكره المصنف في الصحابة، مات في خلافة عبد الملك بن مروان. (إني لعند معاويه) أي ابن أبي سفيان. (إذ) بسكون الذال. (أذن مؤذنه) أي الخاص لمسجده. (حي على الصلاة) بالهاء على الوقف.
стр. 789
قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما قال: حي على الفلاح؛ قال: لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال بعد ذلك ما قال المؤذن. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك)) رواه أحمد.
٦٨١- (٢٣) وعن أبي هريرة، قال: ((كنا مع رسول الله ﷺ ، فقام بلال ينادي، فلما سكت قال رسول الله ﷺ : من قال مثل هذا يقيناً، دخل الجنة)) رواه النسائي.
٦٨٢- (٢٤) وعن عائشة، ﵂، قالت: ((كان النبي ﷺ إذا سمع المؤذن يتشهد قال: وأنا
وأنا)) رواه أبوداود.
٦٨٣- (٢٥) وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((من أذن ثنتى عشرة سنة، وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه،
ــ
(قال) أي معاوية. (لا حول ولا قوة إلا بالله) تقدم معناه. (إلا بالله العلي العظيم) قال الطيبي: هذه الزيادة زيادة نادرة في الروايات وارجع إلى تعليق الشيخ الألباني،. (رواه أحمد) وأخرجه أيضاً النسائي، وابن خزيمة، وغيرهما. وأصل حديث معاوية عند البخاري، وقد تقدم نحوه من حديث عمر بن الخطاب.
٦٨١- قوله: (فقام بلال ينادي) أي يؤذن للصلاة. (فلما سكت) أي فرغ. (من قال مثل هذا) أي القول مجيباً، أو مؤذناً، أو مطلقاً. (يقيناً) أي خالصاً مخلصاً من قلبه. (دخل الجنة) أي أستحق دخول الجنة، أو دخل مع الناجين. (رواه النسائي) وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه والحاكم (ج١: ص٢٠٤) وصححه، ووافقه الذهبي.
٦٨٢- قوله: (إذا سمع المؤذن) أي صوته. (يتشهد) حال. (وأنا وأنا) عطف على قوله: المؤذن، بتقدير العامل، أي وأنا أشهد كما تشهد بالتاء والياء، والتكرير في "أنا" راجع إلى الشهادتين، قاله الطيبي. قال القاري: والأظهر: وأشهد أنا وأشهد أنا، ويمكن أن يكون التكرير للتأكيد فيهما. قال الطيبي: فيه أنه ﷺ كان مكلفاً بأن يشهد على رسالته كسائر الأمة. قال ميرك: فيه تأمل، ولعل وجهه أن التكليف غير مستفاد منه. (رواه أبوداود) وسكت عنه، وأقره المنذري. والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه، والحاكم (ج١: ص٢٠٤) وسكت عنه.
٦٨٣- قوله: (من أذن ثنتي عشرة سنة) قيل: لا منافاة بينه وبين ما تقدم من حديث ابن عباس ثاني أحاديث الفصل الثاني؛ لأن هذا الحديث كما زيد فيه في المدة زيد في الأجر، حيث قيل: وكتب له بتأذينه، الخ. وقيل: الاختلاف في ذلك لاختلاف أحوال المؤذنين. (وجبت له الجنة) أي بصادق وعدالله ورحمته. (وكتب له بتأذينه) أي فقط دون
стр. 790
في كل يوم ستون حسنة، ولكل إقامة ثلاثون حسنة)) رواه ابن ماجه.
٦٨٤- (٢٦) وعنه، قال: ((كنا نؤمر بالدعاء عند أذان المغرب)) رواه البيهقي في الدعوات الكبير.
(٦) باب
﴿الفصل الأول﴾
٦٨٥- (١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن بلالاً ينادي بليل،
ــ
صلاة. (في كل يوم) أي لكل أذان بقرينة قوله الآتي: ولكل إقامة. (ستون حسنة) فيه حذف أي كتب له بسبب تأذينه كل مرة في كل يوم، كذا في شرح السنة نقله ميرك. (ولكل إقامة) أي في كل يوم. (ثلاثون حسنة) ولعل التنصيف في الأجر لسهولة الإقامة، ومشقة الأذان برفع الصوت والتوءدة والترسل، والأجر على قدر المشقة، أو لإفراد ألفاظ الإقامة. (رواه ابن ماجه) وأخرجه أيضاً الدارقطني (ص٨٩) والحاكم (ج١: ص٢٠٥) وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي: وفي سنده عبد الله بن صالح المصري كاتب الليث. قال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن صالح: وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر تصحيح الحاكم: وهو كما قال: فإن عبد الله بن صالح كاتب الليث وإن كان فيه كلام، فقد روى عنه البخاري في الصحيح-انتهى. قلت: قد اختلفوا في أنه روى عنه البخاري في صحيحه أم لا. وقد أطال الحافظ الكلام فيه في تهذيب التهذيب (ج٥: ص٢٦٠) فارجع إليه. وقال في التقريب في ترجمته: صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة.
٦٨٤- قوله: (عند أذان المغرب) قد تقدم أن الدعاء بعد كل أذان مستحب، ولعله عند أذان المغرب أوكد، قال الطيبي: لعل هذا الدعاء ما مر في حديث أم سلمة. (رواه البيهقي) وأخرجه أيضاً الطبراني.
(باب) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا باب في تتمات لما سبق في البابين قبله. وقيل: بالسكون على الوقف، وفي المصابيح بدله فصل، قال ابن الملك: وإنما أفرد هذا الفصل؛ لأن أحاديثه كلها صحاح، وليست فيه أحاديث مناسبة لصحاح الباب السابق، فكانت مظنة الإفراد-انتهى. وفي بعض نسخ المشكاة: باب فيه فصلان. وفي بعضها: باب تأخير الأذان.
٦٨٥- قوله: (ينادي بليل) أي فيه، وقد ورد ما يشعر بتعيين الوقت الذي كان بلال يؤذن فيه، وهو ما رواه النسائي والطحاوي من حديث عائشة: أنه لم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا. وعند البخاري في الصيام، قال القاسم. (أى في رواية عن عائشة) لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى هذا وينزل ذا. فهذه الرواية تقيد إطلاق سائر الروايات،
стр. 791
فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم،
ــ
وتدل على أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر هو وقت السحور، وأرادت عائشة بذلك بيان قلة ما بين أذانيهما من المدة لا التحديد. (فكلوا واشربوا) أي أيها المريدون الصيام، والأمر للإباحة والرخصة، وبيان بقاء الليل بعد أذان بلال، وفيه إشعار بأن الأذان كان علامة عندهم على دخول الوقت، فبين لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك. (حتى) أى إلى أن (ينادي) أي يؤذن. (ابن أم مكتوم) اسمه عمرو، أو عبد الله بن قيس بن زائدة القرشي، وهو الأعمى المذكور في سورة عبس، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية. وروى ابن خزيمة في صحيحه عن عائشة مرفوعاً: إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد. وروى النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، وأحمد في مسنده عن أنيسة بنت خبيب بلفظ: إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا. وهذا كما ترى مخالف لحديث ابن عمر. وقد جمع بينهما ابن خزيمة وغيره: بأنه يجوز أن يكون ﵇ جعل الأذان بين بلال وابن أم مكتوم نوائب، فأمر في بعض الليالي بلالاً أن يؤذن بليل، فإذا نزل بلال صعد ابن أم مكتوم، فأذن في الوقت، فإذا جاءت نوبة ابن أم مكتوم بدأ فأذن بليل، فإذا نزل، صعد بلال فأذن في الوقت، فكانت مقالة النبي ﷺ : إن بلالاً يؤذن بليل. في وقت نوبة بلال، وكانت مقالته: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل. في وقت نوبة ابن أم مكتوم. وقيل: لم يكن الأذان بينهما نوباً، وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإن بلال كان في أول ما شرع الأذان يؤذن وحده، ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر، وعلى ذلك تحمل رواية عروة عن امرأة من بني النجار قالت: كان بلال يجلس على بيتي، وهو أعلى بيت في المدينة، فإذا رأى الفجر تمطأ ثم أذن. أخرجه أبوداود وإسناده حسن. ثم أردف ابن أم مكتوم، فكان يؤذن بليل، واستمر بلال على حالته الأولى، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وعائشة، ثم في آخر الأمر أخر ابن أم مكتوم لضعفه، ووكل به من يراعي له الفجر، واستقر أذان بلال بليل، وكان سبب ذلك ما رواه أبوداود وغيره عن ابن عمر: أن بلالاً كان ربما أخطأ الفجر فأذن قبل طلوعه، وإنه أخطأ مرة فأمره ﵇ أن يرجع فيقول: ألا إن العبد نام، يعني أن غلبة النوم على عينيه منعته من تبين الفجر، فلهذا-والله أعلم- استقر أن بلالاً يؤذن الأذان الأول، وبهذا ظهر أنه لا مخالفة بين قوله ﷺ : إن بلالاً يؤذن بليل. وبين أمره إباه بالاعتذار بقوله: ألا إن العبد قد نام، فإن قوله ﵇: إن بلالاً يؤذن بليل، إنما هو محمول على حالته الأخرى. أي على زمان كان بلال يؤذن بالليل وابن أم مكتوم بالصبح، وأما أمره بلالاً أن ينادي: ألا إن العبد قد نام. فيحمل على حالته الأولى، أي على زمان كان بلال يؤذن فيه للصبح، واتفق أنه أذن مرة في الليل على ظن أن الفجر قد طلع فاحتاج إلى الاعتذار؛ لأن الفجر لم يطلع، ولأن الأذان بالليل قد كان فرع عنه ابن أم مكتوم. قال الخطابي في المعالم (ج١: ص١٥٧) : يشبه أن يكون هذا أي قوله: ألا إن العبد نام، فيما تقدم من أول زمان الهجرة، فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر أيام رسول الله ﷺ يؤذن بليل ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر، وثبت عنه ﷺ أنه قال: إن
стр. 792
قال: وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت))
ــ
بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم-انتهى. قال الأمير اليماني في السبل: في الحديث شرعية الأذان قبل الفجر، لا لما شرع له الأذان، فإن الأذان شرع للإعلام لدخول الوقت، ولدعاء السامعين بحضور الصلاة، وهذا الأذان الذي قبل الفجر قد أخبر ﷺ بوجه شرعيته بقوله: ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم. رواه الجماعة إلا الترمذي عن ابن مسعود، والقائم هو الذي يصلي صلاة الليل، ورجوعه عوده إلى نومه أو قعوده عن صلاته إذا سمع الأذان، فليس للإعلام بدخول الوقت ولا لحضور الصلاة، فذكر الخلاف في المسألة والاستدلال للمانع وللمجيز لا يلتفت إليه من همه العمل بما ثبت-انتهى كلام الأمير. قلت: أشار بقوله: بذكر الخلاف. إلى ما ذكره الشراح من الاختلاف بين الأئمة، قالوا: ذهب مالك والشافعي وأحمد وأبويوسف إلى جواز الأذان لصلاة الفجر قبل طلوعه والاكتفاء به، وعدم وجوب الإعادة. قال هؤلاء: كان الأذانان لصلاة الفجر، ولم يكن الأول مانعاً من التسحر، وكان الثاني من قبيل الإعلام بعد الإعلام، وإنما اختصت صلاة الفجر بهذا من بين الصلوات، لما ورد من الترغيب في الصلاة لأول الوقت، والصبح يأتي غالباً عقيب النوم، فناسب أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها، ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت، وقال أبوحنيفة ومحمد: لا يجوز الأذان لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر كما في سائر الصلوات، فلو أذن قبل طلوعه يجب الإعادة ولا يكتفي به. قالا: لم يكن الأذان الأول لصلاة الفجر بل كان لغرض آخر بينه ﷺ في حديث ابن مسعود بقوله: ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم. قلت: ليس في حديث ابن مسعود ما يدل على الحصر فيما ذكر من السبب لأذان بلال، ولا تزاحم في الأسباب مع أنه ليس فيه بيان علة الأذان بل بيان نكتة التقديم، والراجح عندي أنه يجوز الأذان لصلاة الفجر قبل طلوع الصبح، ويكتفى به إن قدم قبل الفجر بزمان يسير، ولا يجب الإعادة. هذا هو الذي يستفاد من أحاديث الباب عندي. ولا يخفى ذلك على من تأمل في الأحاديث الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى. واعلم أنه ادعى ابن القطان وابن دقيق العيد ومحمد بن الحسن أن قوله: إن بلالاً يؤذن بليل. كان في رمضان خاصة لا في سائر العام. وفيه نظر؛ لأن قوله "كلوا واشربوا" يتأتى في غير رمضان أيضاً، وهذا لمن كان يريد صوم التطوع، فإن كثيراً من الصحابة في زمنه ﷺ كانوا يكثرون صيام النفل، فكان قوله "فكلوا واشربوا" بالنظر إلى هؤلاء، ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق عن ابن المسيب مرسلاً بلفظ: إن بلالاً يؤذن بليل، فمن أراد الصوم فلا يمنعه أذان بلال حتى يؤذن ابن أم مكتوم. ذكره علي المتقي في كنز العمال (ج٤: ص٣١١) . فجعل النبي ﷺ الصوم فيه باختيار الرجل، ولا يكون ذلك إلا في غير رمضان، فدل على أن قوله ﵇ "إن بلالاً يؤذن بليل" ليس مختصاً برمضان. (قال) أي ابن شهاب راوي الحديث، أو شيخه سالم، أوشيخ شيخه ابن عمر. (رجلاً أعمى) قيل: عمي ابن أم مكتوم بعد بدر بسنتين، وفيه أن سورة عبس مكية في قول الجميع، وعن ابن عباس: نزلت بمكة، فكيف يصح أن يقال أنه عمي بعد بدر سنتين؟ فالظاهر أنه عمي بعد البعثة بسنتين. وقيل: ولد أعمى فكنيت أمه أم مكتوم لإكتتام نور بصره، والأول هو المشهور. (أصبحت أصبحت) بالتكرار للتأكيد، وهي تامة تستغنى بمرفوعها، أي دخلت في الصباح، هذا
стр. 793
متفق عليه.
٦٨٦- (٢) وعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال،
ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق)) رواه مسلم ولفظه للترمذي.
ــ
ظاهره. واستشكل لأنه جعل أذانه غاية للأكل، فلو لم يؤذن حتى يدخل في الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر، والإجماع على خلافه إلا من شذ كالأعمش. وأجيب بأن الغرض أن أذان ابن أم مكتوم جعل علامة لتحريم الأكل والشرب. والظاهر أنه كان له من يراعي الوقت بحيث يكون أذانه مقارناً لابتداء طلوع الفجر، وعند أخذه في الأذان يعترض الفجر في الأفق، ولم يكن الصحابة يخفى عليهم الأكل في غير وقته، بل كانوا أحوط لدينهم من ذلك. وقيل: المعنى قاربت الصباح جداً، فإن قرب الشيء قد يعبر به عنه، كما في قوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ أي قارين لأن العدة إذا تمت فلا رجعة، فلا يلزم وقوع أذان ابن أم مكتوم قبل الفجر ولا الأكل بعد طلوع الفجر، لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزء من الليل، وأذانه يقع في أول جزء من طلوع الفجر، وهذا وإن كان مستبعداً في العادة فليس بمستبعد من مؤذن النبي ﷺ المؤيد بالملائكة، فلا يشاركه فيه من لم يكن بتلك الصفة. وقيل: إن أذانه كان يقع في أول طلوع الفجر الثاني قبل تببنه وانتشاره، وتحريم الأكل إنما يتعلق بانتشاره وتبينه، لا بطلوعه كما يدل عليه قوله تعالى. ﴿حتى يتبين لكم﴾ [٢: ١٨٧] . وفي الحديث دليل على جواز أذان الأعمى من غير كراهة إذا كان عنده من يخبره بدخول الوقت؛ لأن الوقت في الأصل مبني على الشهادة. وفيه جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت. وفيه جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان القصد التعريف به ونحوه. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك وأحمد والترمذي والنسائي.
٦٨٦-قوله: (من سحوركم) بضم السين مصدراً أي تسحركم، وبفتحها اسم للمأكول، أي من أكل سحوركم وهو ما يتسحر به (أذان بلال) أي فإنه يؤذن بليل. (ولا الفجر المستطيل) أي ولا يمنعكم الصبح الذي يصعد إلى السماء كالعمود تسميه العرب ذنب السرحان، وبطلوعه لا يدخل وقت صلاة الصبح، ولا يحرم الطعام. قال ابن الملك: وهو الفجر الكاذب، يطلع أولاً مستطيلاً إلى السماء ثم يغيب، وبعد غيبوبته بزمان يسير يظهر الفجر الصادق. (ولكن) بالتخفيف ويشدد. (الفجر) بالرفع وينصب. (المستطير في الأفق) هو الذي انتشر ضوءه، واعترض في الأفق الشرقي كأنه طار في نواحي السماء بخلاف المستطيل كذب السرحان بكسر السين وهو الذئب. وفي الحديث بيان صفة الفجر الذي يتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح، وهو الفجر الثاني، ويسمى الصادق والمستطير، وأنه لا أثر للفجر الأول في الأحكام، وهو الفجر الكاذب والمستطيل كذنب الذئب. (رواه مسلم) في الصيام أي بمعناه بألفاظ مختلفة. (ولفظه للترمذي) أخرجه الترمذي في الصيام، وحسنه. قيل: الأظهر أن يقول: رواه الترمذي، ولمسلم معناه. وقيل: الأنسب "رواه مسلم والترمذي واللفظ له". قلت: يستفاد هذا من كلام المصنف مع الاختصار، وهو أنسب
стр. 794
٦٨٧- (٣) وعن مالك بن الحويرث، قال: ((أتيت النبي ﷺ أنا وابن عم لي، فقال: إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما)) . رواه البخاري.
ــ
للفصل الأول، فهو أولى بالاعتبار. والحديث أخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي والدارقطني والحاكم وابن خزيمة والطبراني وأبويعلى وابن أبي شيبة.
٦٨٧- قوله: (وعن مالك بن الحويرث) بالتصغير، يكنى أبا سليمان الليثي الصحابي، نزل البصرة، له خمسة عشر حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، مات سنة (٧٤) . (أنا وابن عم لي) بالرفع على العطف، وبالنصب على أنه مفعول معه. (فقال) أي لنا، ففي رواية للنسائي: قال لي رسول الله ﷺ ولصاحب لي. ولفظ البخاري في باب سفر الاثنين من كتاب الجهاد "انصرفت من عند النبي ﷺ ، فقال لنا أنا وصاحب لي". قال الحافظ: لم أرى في شيء من طرقه تسمية صاحبه. (فأذنا) أي ليؤذن أحدكما ويجيب الآخر، وإنما احتيج إلى هذا التأويل وصرف عن ظاهره لقوله في الرواية الآتية "فليؤذن لكم"، ولما رواه الطبراني في هذا الحديث: إذا كنت مع صاحبك فأذن وأقم، وليؤمكما أكبركما. ولأن أذان الواحد يكفي الجماعة إجماعاً، فاجتماعهما في الأذان غير مطلوب. وقيل: الإسناد مجازى، أي ليتحقق بينكما الأذان، كما في "بنو فلان قتلوا" أي وجد القتل فيما بينهم. والمعنى: يجوز لكل منكما الأذان أيكما فعل حصل، فلا يختص بأكبر كالإمامة، فنسب الأذان إليهما للتنبيه على عدم خصوصه بأحدهما بعينة كالإمامة. وقيل: المراد من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن، ونسب إليهما لإستوائهما في الفضل، ولا يعتبر في الأذان السن بخلاف الإمامة. وقال الكرماني: قد يطلق الأمر بالتثنية والجمع والمراد واحد كقوله: يا حرسي! اضربا عنقه. مع أن الضارب واحد. (وأقيما) فيه حجة لمن قال باستحباب إجابة المؤذن بالإقامة إن حمل الأمر على ما مضى من التأويل الأول، وإلا فالذي يؤذن هو الذي يقيم. (وليؤمكما أكبركما) أي سناً، وإنما خص الأكبر بالإمامة لمساواتهما في سائر الأشياء الموجبة للتقدم كالأقرئية والأعلمية بالسنة لمساواتهما في المكث والحضور عنده ﷺ ، وذلك يستلزم المساواة في هذه الصفات عادة. والحديث قد استدل به من قال بوجوب الأذان. قال القسطلاني: لكن الإجماع صارف للأمر عن الوجوب، وفيه نظر. وفي الحديث الحض على المحافظة على الأذان في السفر. وفيه أن أقل صلاة الجماعة إمام ومأموم، وهو إجماع المسلمين. وفيه أن الأذان والجماعة مشروعان للمسافرين. (رواه البخاري) في باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة، وفي باب اثنان فما فوقهما جماعة، وفي باب سفر الإثنين من كتاب الجهاد، لكن ليس في واحد من هذه الروايات لفظ "وابن عم لي"، نعم هو عند الترمذي وأبي داود والنسائي. والحديث أخرجه أيضاً أحمد ومسلم والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه، فكان الأنسب للمنصف أن يقول متفق عليه.
стр. 795
٦٨٨- (٤) وعنه، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي، وإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم)) . متفق عليه.
٦٨٩- (٥) وعن أبي هريرة، قال: ((إن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلة، حتى إذا أدركه الكرى عرس،
ــ
٦٨٨- قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) أي في مراعاة الشروط والأركان والسنن والآداب. (وإذا حضرت الصلاة) أي وقتها. (ثم ليؤمكم أكبركم) أي في السن، وإنما قدمه وإن كان الأقرأ والأعلم مقدمين عليه؛ لأنهم استووا في الفضل؛ لأنهم مكثوا عنده عشرين ليلة فاستووا في الأخذ عنه عادة، فلم يبق ما يقدم به إلا السن. قال الشوكاني: الحديث يدل على وجوب جميع ما ثبت عنه ﷺ في الصلاة من الأقوال والأفعال، ويؤكد الوجوب كونها بيانا لمجمل قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ وهو أمر قرآني يفيد الوجوب، وبيان المجمل الواجب واجب كما تقرر في الأصول، إلا أنه ثبت أنه ﷺ اقتصر في تعليم المسيء صلاته على بعض ما كان يفعله، ويداوم عليه، فعلمنا بذلك أنه لا وجوب لما خرج عنه من الأقوال والأفعال؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول بالإجماع. ووقع الخلاف إذا جاءت صيغة أمر بشيء لم يذكر في حديث المسيء، فمنهم من قال يكون قرينة لصرف الصيغة إلى الندب، ومنهم من قال تبقى الصيغة على الظاهر الذي تدل عليه ويؤخذ بالزائد فالزائد. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الصلاة، وفي الأدب، وفي أخبار الآحاد، ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣: ص٤٣٦ وج٥: ص٥٣) والنسائي. قال السيد: لم يذكر مسلم "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فقول المصنف "متفق عليه" محل بحث. وأجيب بأنه يحمل على الغالب، أو محل الشاهد والأمر الذي يتعلق به الحكم ويترتب عليه الخلاف من الوجوب والندب. واعلم أن حديث مالك هذا وحديثه السابق واحد في الأصل، وفيه قصة، وبعضهم أطال، وبعضهم اختصر، والمعنى متقارب. وقيل في توجيه اختلاف السياق: أنه يحتمل أن تكون هذه الألفاظ المتعددة كانت منه في وفاتين أو في وفادة واحدة غير أن النقل تكرر منه ومن النبي ﷺ . والله أعلم.
٦٨٩- قوله: (حين قفل) أي رجع إلى المدينة. (من غزوة خيبر) في المحرم سنة سبع، وخيبر غير منصرف للعلمية والتأنيث، وهي اسم موضع على ستة مراحل، وقيل على ستة وتسعين ميلاً من المدينة. (حتى إذا أدركه الكرى) بفتحتين وهو النعاس، وقيل النوم. (عرس) من التعريس أي نزل آخر الليل للنوم والاستراحة. قال النووي: التعريس نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة، هكذا قاله الخليل والجمهور. وقال أبوزيد: هو النزول أي وقت كان
стр. 796
وقال لبلال: إكلأ لنا الليل. فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه. فلما تقارب الفجر، استند بلال إلى راحلته موجه الفجر، فغلبت بلالاً عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظاً، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال! فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. قال: اقتادوا.
ــ
من ليل أو نهار، وفي الحديث معرسون في نحر الظهيرة – انتهى. وقال الخطابي: هو النزول لغير إقامة. (إكلأ) بهمزة في آخره، أي ارقب واحفظ واحرس، ومصدره الكلأ بكسر الكاف والمد. (الليل) أي آخره لإدراك الصبح. (فصلى بلال ما قدر له) أي ما تيسر له من التهجد. (وأصحابه) بالرفع على العطف، ويجوز نصبه على أنه مفعول معه. (استند بلال إلى راحلته) لغلبة ضعف السهر وكثرة الصلاة. (موجه الفجر) أي ليرقبه حتى يوقظهم عقب طلوعه. قال القاري: هو بكسر الجيم على أنه فعل لازم، ولذا قال الطيبي: أي متوجه الفجر يعني موضعه، وفي نسخة بفتح الجيم على أن الفعل متعد، والموجه هو الله تعالى. ﴿ولكل وجهة﴾ - انتهى. ووقع في صحيح مسلم، وكذا عند ابن ماجه "مواجه الفجر" بزيادة الألف بعد الواو من المواجهة، قال النووي: أي مستقبله بوجهه. (فغلبت بلالاً عيناه) قال الطيبي: هذا عبارة عن النوم كأن عينيه غالبتاه فغلبتاه على النوم، تم كلامه. وحاصله أنه نام من غير اختيار. (وهو مستند إلى راحلته) جملة حالية تفيد عدم اضطجاعه عند غلبة نومه. (حتى ضربتهم الشمس) أي أصابتهم ووقع عليهم حرها، وألقت عليهم ضوءها. (ففزع) بكسر زاي معجمة وعين مهملة أي قام قيام المتحير. (رسول الله ﷺ ) أي من استيقاظه وقد فاتته الصبح. وقال الخطابي: معناه انتبه من نومه، يقال: أفزعت الرجل من نومه. إذا استيقظته ففزع، أي نبهته فانتبه. (فقال: أي بلال) العتاب محذوف أو مقدر أي لم نمت حتى فاتتنا الصلاة؟. (أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك) أي كما توفاك الله في النوم توفاني، أو يقال: معناه غلب على نفسي ما غلب على نفسك من النوم، أي كان نومي بطريق الاضطرار دون الاختيار ليصح الاعتذار، وليس فيه احتجاج بالقدر كما توهمه بعضهم. (اقتادوا) أمر من الاقتياد، وهو جر حبل العير، أي سوقوا رواحلكم من هذا الموضع، وفي رواية مسلم: فقال النبي ﷺ : ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان. وفيها بيان سبب تأخير الصلاة عن المكان الذي كانوا فيه، وهو أنه أراد أن يتحول عن المكان الذي أصابته الغفلة فيه. وفيها رد على من قال: إنه أخر قضاء الصلاة في ذلك المكان لكون ذلك وقت الكراهة. قال النووي: فإن قيل: كيف نام النبي ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس مع قوله: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي؟ فجوابه من وجهين:
стр. 797
فاقتادوا رواحلهم شيئاً، ثم توضأ رسول الله ﷺ ، وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة، قال: من نسي الصلاة، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾ . رواه مسلم.
ــ
أصحهما وأشهرهما أنه لا منافاة بينهما؛ لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك طلوع الفجر وغيره مما يتعلق بالعين وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين نائمة وإن كان القلب يقظان. والثاني أنه كان له حالان أحدهما ينام فيه القلب، وصادف هذا الموضع، والثاني لا ينام، وهذا هو الغالب من أحواله، وهذا التأويل ضعيف، والصحيح المعتمد هو الأول- انتهى. (فاقتادوا) ماض أي ساقوا. (شيئاً) أي يسيراً من الزمان أو اقتياداً قليلاً من المكان، أي ذهبوا برواحلهم من ثمة مسافة قليلة. (وأمر بلالاً) أي بالإقامة. (فأقام الصلاة) أي للصلاة، وفيه إثبات الإقامة للفائتة، وفيه إشارة إلى ترك الأذان للفائتة، وفي حديث أبي قتادة عند الشيخين إثبات الأذان للفائتة، وهي زيادة صحيحة، والزيادة إذا صحت قبلت وعمل بها. وأما ترك ذكر الأذان في حديث أبي هريرة فجوابه من وجهين: أحدهما لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يؤذن فلعله أذن وأهمله الراوي، أو لم يعلم به، والثاني لعله ترك الأذان في هذه المرة لبيان جواز تركه، وإشارة إلى أنه ليس بواجب متحتم لا سيما في السفر. (فصلى بهم الصبح) أي قضاء، وفيه استحباب الجماعة في الفائتة. (فلما قضى الصلاة) أي فرغ منها. (من نسي الصلاة) وفي معنى النسيان النوم، أي من تركها بنسيان أو نوم، واكتفى بالنسيان عن النوم؛ لأنه مثله بجامع ما في كل من الغفلة وعدم التقصير. (فليصلها إذا ذكرها) فيه وجوب قضاء الفريضة الفائتة سواء تركها بعذر كنوم أو نسيان، أم بغير عذر، وإنما قيد في الحديث بالنسيان لخروجه على سبب، ولأنه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وقوله: فليصلها إذا ذكرها محمول على الاستحباب، فإنه يجوز تأخير قضاء الفائتة بعذر على الصحيح. ﴿أقم الصلاة لذكرى﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم، وهي القراءة المشهورة، وظاهرها لا يناسب المقصود فأوله بعضهم بأن المعنى: وقت ذكر صلاتي، على حذف المضاف وإضافة المصدر إلى المفعول، واللام بمعنى الوقت أي إذا ذكرت صلاتي بعد النسيان، أو المراد بالذكر المضاف إلى الله تعالى ذكر الصلاة لكون ذكر الصلاة يفضى إلى فعلها المفضي إلى ذكر الله تعالى فيها، فصار وقت ذكر الصلاة كأنه وقت لذكر الله، فقيل في موضع: أقم الصلاة لذكر الله، وقراءة ابن شهاب "للذكرى" بلام الجر ثم لام التعريف وآخره ألف مقصورة، وهي قراءة شاذة لكنها موافقة للمطلوب هنا بلا تكلف. (رواه مسلم) في الصلاة، وأخرجه أيضاً الترمذي في تفسير سورة طه. وأبوداود، وابن ماجه في الصلاة.
стр. 798
٦٩٠- (٦) وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد
خرجت)) . متفق عليه.
٦٩١- (٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة،
ــ
٦٩٠- قوله: (إذا أقيمت الصلاة) أي ذكرت ألفاظ الإقامة ونودي بها. (فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت) أي من الحجرة الشريفة، أي فإذا رأيتموني قد خرجت فقوموا، وذلك لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له ما يؤخره. وفيه أنه إذا لم يكن الإمام في المسجد لا يقوم المؤتمون عند الإقامة إلى الصلاة إلا حين يرونه. وإليه ذهب الجمهور. وأما إذا كان هو معهم في المسجد فالمستحب أن يقوم الناس إذا أخذ المؤذن في الإقامة. وفيه جواز الإقامة والإمام في منزله إذا كان يسمعها وتقدم إذنه في ذلك. قال القرطبي: ظاهر الحديث أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي ﷺ من بيته، وهو معارض لحديث جابر بن سمرة: إن بلالاً كان لا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه. أخرجه مسلم. ويجمع بينهما بأن بلالاً كان يراقب خروج النبي ﷺ ، فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم، وأما حديث أبي هريرة عند مسلم بلفظ: أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا النبي ﷺ ، فأتى فقام مقامه-الحديث. وعند البخاري بلفظ: أقيمت الصلاة فسوى الناس صفوفهم، فخرج النبي ﷺ . وعنه في رواية أبي داود "إن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ ، فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجئ النبي ﷺ "، فيجمع بينه وبين حديث أبي قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبي ﷺ ، فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره، ولا يرد هذا الحديث أنس عند البخاري وغيره: أنه قام في مقامه طويلاً في حاجة بعض القوم. لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادراً، أو فعله لبيان الجواز. (متفق عليه) قال ميرك: فيه نظر؛ لأن قوله "قد خرجت" من إفراد مسلم، قال القاري: هذا من باب التأكيد الذي بدونه تحصل الإفادة، فكان اللفظ للبخاري والمعنى لمسلم. قلت: الظاهر أن المراد اتفاق الشيخين على إخراج أصل الحديث من غير نظر إلى خصوص اللفظ، والحديث أخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي.
٦٩١- قوله: (إذا أقيمت الصلاة) ذكر الإقامة ليس بقيد لما في حديث أبي قتادة عند البخاري "إذا أتيتم الصلاة" فإنه يتناول ما قبل الإقامة، فالمراد الذهاب والمشي إلى الصلاة، وإنما ذكر الإقامة في حديث أبي هريرة؛ لأنها هي الحاملة في الغالب على الإسراع، وهي محل توهم جواز الإسراع لإدراك أول الصلاة مع الإمام، فإن المسرع إذا أقيمت الصلاة يترجى إدراك فضيلة التكبير الأولى، فإذا لم يجز الإسراع مع وجود هذه المصلحة. فعند انتفائها بالأولى،
стр. 799
فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا.
ــ
فإن غيره ممن جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلا الإسراع؛ لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها، فينهى عن الإسراع من باب الأولى، ففي هذا التقييد تنبيه على ما سواه، وإفادة أن الإسراع لا يجوز بحال. (تسعون) حال أي لا تأتوا إلى الصلاة مسرعين في المشي وإن خفتم فوت بعض الصلاة، والمراد بالسعي ههنا هو الإسراع، وقد يطلق على مطلق المشي والذهاب، وهو المراد في قوله تعالى. ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [٦٢: ٩) يدل عليه قراءة عمر: فامضوا إلى ذكر الله. وقيل المراد في الآية العمل والقصد، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وذرو البيع﴾ [٦٢: ٩] أي اشتغلوا بأمر المعاد واتركوا أمر المعاش، ومنه قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [٥٣: ٣٩] وقوله. ﴿إن سعيكم لشتى﴾ [٩٢: ٤] ، وعلى هذا فلا تنافي بين الآية والحديث في الذهاب إلى الجمعة. (تمشون) المشي وإن كان يعم الإسراع لكن التقييد بقوله "وعليكم" الخ خصه بغيره ولولا التقييد صريحا لكفى المقابلة في إفادته. (وعليكم السكينة) ضبطها القرطبي بالنصب بعليكم، أي على الإغراء، يعني على أنها مفعول بها، والمعني الزموا السكينة، وضبطها النووي بالرفع على الابتداء، والخبر سابقها، والجملة في موضع الحال، زاد في رواية للشيخين "والوقار"، فقيل: هو بمعنى السكينة وذكر على سبيل التأكيد، وقيل: إن بينهما فرقاً وإن السكينة التأنى في الحركات، واجتناب العبث. والوقار في الهيئة كغض البصر، وخفض الصوت وعدم الالتفات. (فما أدركتم) الفاء جواب شرط محذوف، أي إذا بينت لكم ما هو أولى بكم "فما أدركتم فصلوا"، أو التقدير إذا فعلتم الذي أمرتكم به من السكينة وترك الإسراع فما أدركتم فصلوا. واستدل به الجمهور على حصول فضيلة الجماعة بإدراك أي جزء كان من الصلاة، لعموم قوله "فما أدركتم فصلوا" ولم يفصل بين القليل والكثير. وقيل: لا يدرك فضل الجماعة بأقل من ركعة لحديث: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك. وقياساً على الجمعة. والجواب عن الحديث أنه وارد في الأوقات، وحديث الجمعة خاص بها. واستدل الحنفية بإطلاق الحديث على أن من أدرك مع الإمام شيئاً من صلاة الجمعة ولو في التشهد يصلي ما أدرك معه ويتم الباقي، ولا يصلي الظهر، وسيأتي الكلام في هذه المسألة في موضعها. واستدل به على استحباب الدخول مع الإمام في أي حالة وجد عليها. وفيه حديث أصرح أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبد العزيز بن رفيع عن رجل من الأنصار مرفوعاً: من وجدني راكعاً أو قائماً أو ساجداً فليكن معي على حالتي التي أنا عليها. (وما فاتكم) أي بحسب الحس والمشاهدة دون الحكم. (فأتموا) أي أكملوه وحدكم كذا في أكثر الروايات بلفظ فأتموا، وفي بعضها فاقضوا. وقد اختلفوا في المسبوق هل ما يصلي بعد الإمام أول صلاته أم آخرها؟ فمن قال بالأول - وهو أبوحنيفة - استدل برواية "اقضوا"؛ لأن القضاء لا يكون إلا للفائت، فمن سبق بثلاث ركعات فإنه إذا سلم الإمام يقوم فيصلي ركعة بالفاتحة وسورة، ثم يقوم من غير تشهد فيصلي أخرى بالفاتحة وسورة، ثم يقعد ويتشهد ثم يقوم فيصلي أخرى بالفاتحة لا غير، ويتشهد ويسلم، بناء على أن ما أدركه مع الإمام هو آخر صلاته وأنه يكون قاضياً في الأقوال والأفعال. ومن قال بالآخر - وهو الشافعي - استدل
стр. 800
متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ((فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة)) .
ــ
برواية "أتموا"؛ لأن لفظ الإتمام واقع على باق من شيء قد تقدم سائره، فمن سبق بثلاث ركعات فإنه يقوم بعد سلام الإمام فيصلي ركعة بالفاتحة وسورة، ثم يجلس ويتشهد، ثم يقوم فيصلي ركعتين بالفاتحة فقط، ثم يتشهد ويسلم، بناء على أن ما أدرك مع الإمام هو أول صلاته، وأنه يكون بانياً عليه في الأقوال والأفعال. وروى البيهقي من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: "ما أدركت فهو أول صلاتك". وعن ابن عمر بسند جيد مثله. وقال مالك: إنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها، فمن سبق بثلاث ركعات يقضي ركعة بالفاتحة وسورة ويقعد ويتشهد، ثم يقوم فيصلي ركعتين أولاهما بالفاتحة وسورة، وآخراهما بالفاتحة خاصة، وكأنه أراد الجمع بين الروايتين والعمل بمقتضى اللفظين، واستدل لذلك بما رواه البيهقي من حديث قتادة أن علياً قال: ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك من القرآن. والراجح عندي هو ما ذهب إليه الشافعي؛ لأن أكثر الرواة أجمعوا على قوله ﵇: وما فاتكم فأتموا. ولا يخالفه لفظ "اقضوا" كما سيأتي. قال الحافظ: إن أكثر الروايات ورد بلفظ "فأتموا" وأقلها بلفظ "فاقضوا"، وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جعلنا بين الإتمام والقضاء مغايرة، لكن إذا كان مخرج الحديث واحداً واختلف في لفظه منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى، وهنا كذلك؛ لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالباً لكنه يطلق على الأداء أيضاً، ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ [٦٢: ١٠] ويرد بمعان آخر، فيحمل قوله هنا "فاقضوا" على معنى الأداء، أو الفراغ، فلا يغاير قوله "فأتموا"، فلا حجة فيه لمن تمسك برواية "فاقضوا" على أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته بل هو أولها، وإن كان آخر صلاته إمامه؛ لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدمه، وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخراً له لما احتيج إلى إعادة التشهد، وقول ابن بطال: إنه ما تشهد إلا لأجل السلام؛ لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد. ليس بالجواب الناهض على دفع الإيراد المذكور. واستدل ابن المنذر لذلك أيضاً على أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى-انتهى. واستدل بالحديث على أن مدرك الركوع لا يعتد بتلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته؛ لأنه فاته القيام والقراءة فيه، وهو قول أبي هريرة وجماعة، بل حكاه البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، واختاره ابن خزيمة والضبعي وغيرهما من محدثي الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه. (وفي رواية لمسلم فإن أحدكم) تعليل لقوله: وعليكم السكينة. (إذا كان يعمد) بكسر الميم أي يقصد. (فهو في صلاة) أي حكماً وثواباً، فينبغي له من الخشوع والوقار الذي يجب على المصلي، مع أن عدم الإسراع يستلزم كثرة الخطأ وهو معنى مقصود لذاته وردت فيه أحاديث.
стр. 801
وهذا الباب خال عن الفصل الثاني.
﴿الفصل الثالث﴾
٦٩٢- (٨) عن زيد بن أسلم قال: ((عرس رسول الله ﷺ ليلة بطريق مكة، ووكل بلالاً أن يوقظهم
للصلاة، فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظوا وقد طلعت عليهم الشمس، فاستيقظ القوم، فقد
فزعوا، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: إن هذا واد به
شيطان،
ــ
(وهذا الباب) أي بالنسبة إلى تبويب صاحب المشكاة، وإلا فهو في المصابيح "فصل". (خال عن الفصل الثاني) ؛ لأنه لم يجد صاحب المصابيح في السنن أحاديث حساناً مناسبة لهذا الفصل.
٦٩٢- قوله: (بطريق مكة) هذا يدل على أن هذه القضية غير الأولى؛ لأن تلك بين خيبر والمدينة، وهذه بين مكة والمدينة، وفي أبي داود من حديث ابن مسعود: أقبل النبي ﷺ من الحديبية ليلاً فنزل فقال: من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا - الحديث. وفي مصنف عبد الرزاق عن عطاء بن يسار مرسلاً: أن ذلك كان بطريق تبوك، وللبيهقي في الدلائل نحوه من حديث عقبة بن عامر، وفي أبي داود من حديث أبي قتادة أن ذلك كان غزوة جيش الأمراء. وروى مسلم من حديث أبي قتادة مطولاً، والبخاري مختصراً في الصلاة قصة نومهم عن صلاة الصبح أيضاً في السفر، لكن لم يعينه وكذا وقع بالإبهام في حديث عمران عندهما. واختلف العلماء هل كانت قصة تعريسهم ونومهم عن صلاة الصبح مرة أو أكثر؟ فجزم بعضهم بأن القصة واحدة وحاول الجمع بين هذه الروايات، ولا يخلوا عن تكلف. ورجح النووي وعياض تعدد القصة لاختلاف مواطنها وتغاير سياقها وغير ذلك من وجوه المغايرات مما يدل على تعدد القصة. قال السيوطي: لا يجمع إلا بتعدد القصة، وإليه مال أكثر المحدثين. وقال ابن العربي: وقع ذلك ثلاث مرات. (ووكل بلالاً) أي أمر. (أن يوقظهم للصلاة) أي لصلاة الصبح، وخص بلالاً بذلك؛ لأنه هو الذي قال: أنا أوقظكم. في جواب قوله ﵊: أخاف أن تناموا عن الصلاة، فكأن بلالاً سأله التوكيل فوكله. (فرقد بلال) أي بعد ما سهر مدة وغلبه النوم. (ورقدوا) أي نام النبي ﷺ وأصحابه اعتمادا على بلال، واستمروا راقدين. (حتى استيقظوا) كلهم جميعاً. (وقد طلعت عليهم الشمس) أي وأصابهم حرها. (فاستيقظ القوم) قال الطيبي: كرره لينيط به قوله: (فقد فزعوا) من فوات الصحب. (أن يركبوا) أن يرحلوا. (إن هذا واد به شيطان) فيه رد على من قال: إن تأخيره قضاء الصلاة كان لخروج وقت الكراهة، ولم يكن قوله ﵇ هذا على سبيل التشاؤم بذلك الوادي؛ لأنه علمه وحققه وعرف أثر
стр. 802
فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم أمرهم رسول الله ﷺ أن ينزلوا، وأن يتوضؤا، وأمر بلالاً أن ينادي للصلاة- أو يقيم – فصلى رسول الله ﷺ بالناس، ثم انصرف وقد رأى من فزعهم، فقال: يا أيها الناس! إن لله قبض أرواحنا، ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا، فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها، ثم فزع إليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها، ثم التفت رسول الله ﷺ إلى أبي بكر الصديق، فقال: إن الشيطان
ــ
الشيطان فيه فأخبر به. (فركبوا) أي رحلوا، أو ركب بعضهم واقتاد الآخرون. (أويقيم) أي بعد الأذان فأو للشك أو بمعنى الجمع المطلق كالواو، وهو الظاهر لثبوت الجمع بين الأذان والإقامة في حديث أبي قتادة وغيره. (فصلى رسول الله ﷺ ) أى قضى صلاة الصبح جماعة. (وقد رأى من فزعهم) أي أدرك بعض فزعهم أسفاً على فوات الصبح، أو رأى عليهم بعض آثار خوفهم لما حسبوا أن في النوم تقصيراً. (قبض أرواحنا) أي ثم ردها إلينا، وهو كقوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ [٣٩: ٤٢] ولا يلزم من قبض الروح الموت، فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهراً وباطناً، والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط، قاله الحافظ. وقال العز بن عبد السلام: في كل جسد روحان: روح اليقظة التي أجرى الله تعالى العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظاً، فإذا نام خرجت ورأت المنامات، وروح الحياة التي أجرى العادة أنها إذا كانت في الجسد فهو حي. ثم إنه لا يخفى ما في فوات صلاته ﷺ من المصالح، ولأحمد من حديث ابن مسعود: لو أن الله أراد أن لا يناموا عنها لم يناموا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم. (في حين) أي وقت. (غير هذا) بالجر على الصفة، وقيل بالنصب على الاستثناء، أي قبل ذلك الوقت أو بعده. (فإذا رقد أحدكم) أي غافلاً أو ذاهلاً. (عن الصلاة أو نسيها) للتنويع لا للشك. (ثم فزع إليها) أي تنبه بالاستيقاظ أو التذكير. (فليصلها) أي حين قضاها. (كما كان يصليها في وقتها) ولا كفارة لها إلا ذلك ولا قضاء عليه إلا ذلك، لا كما زعم بعضهم أنه يعيد القضاء مرتين: عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، مستدلاً بما في حديث عمران بن حصين عند أبي داود في مثل هذه القصة: من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحاً فليقض معها مثلها. قال الحافظ: لم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك، بل عدوا الحديث غلطاً من راويه. وحكي ذلك الترمذي وغيره عن البخاري، ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أيضاً أنهم قالوا يا رسول الله! ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال ﷺ : لا. ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم – انتهى. وظاهر الحديث أنه يجهر في الجهرية، ويسر في السرية. (أبي بكر الصديق) قال الزرقاني: كان علي يحلف أن الله أنزل من السماء اسمه الصديق. (إن الشيطان) أي شيطان الوادي، أو شيطان بلال،
стр. 803
أتى بلالاً وهو قائم يصلي فأضجعه، ثم لم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام. ثم دعا رسول الله ﷺ بلالاً، فأخبر بلال رسول الله ﷺ مثل الذي أخبر رسول الله ﷺ أبا بكر، فقال أبوبكر: أشهد أنك رسول الله)) رواه مالك مرسلاً.
٦٩٣- (٩) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين: صيامهم وصلاتهم)) رواه ابن ماجه.
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
﴿الفصل الأول﴾
ــ
أو الشيطان الكبير. (فأضجعه) أي أسنده لما تقدم في الحديث السابق، ويمكن أنه اضطجع في هذه القضية على أنها غير القضية الأولى. (يهدئه) من الإهداء، أي يسكنه وينومه، من أهدأت الصبي إذا أسكنته بأن تضرب كفك لينًا عليه حتى يسكن وينام. قال الجزري في النهاية: الهدو السكون عن الحركات من المشي والاختلاف في الطريق. (كما يهدأ) بالنباء للمفعول. (ثم دعا رسول الله ﷺ بلالاً) أي فسأله عن سبب نومه وعدم إيقاظه إياهم. (فأخبر بلال رسول الله ﷺ مثل الذي أخبر رسول الله ﷺ أبابكر) الخ. قال الطيبي: في الحديث إظهار معجزة، ولذا صدقه الصديق ﵁ بالشهادة. (رواه مالك مرسلاً) لما أن زيد بن أسلم تابعي، ولم يذكر الصحابي. وهذا الحديث وإن كان مرسلاً عند جميع رواة الموطأ لكن روي معناه متصلاً من وجوه صحيحه كما تقدم.
٦٩٣- قوله: (معلقتان) صفة لخصلتان وقوله "للمسلمين" خبر، وقوله: صيامهم وصلاتهم. بيان للخصلتين أو بدل منه، شبهت حال المؤذنين وإناطة الخصلتين للمسلمين بحال الأسير الذي في عنقه ربقة الرق لا يخلصه منها إلا المن والفداء، قاله الطيبي. (في أعناق المؤذنين) أي ثابتتان في ذمتهم ليحفظوهما (صيامهم وصلاتهم) فالصيام ابتداء وانتهاء مما يتعلق بالأذان، والصلاة يعرف وقتها به. (رواه ابن ماجه) قال القاري: وسنده حسن. وفيه نظر؛ لأن في سنده بقية بن الوليد وهو مدلس رواه بالعنعنة عن مروان بن سالم الغفاري الجزري، وهو متروك، ورماه الساجي وغيره بالوضع كذا في التقريب.
(باب المساجد ومواضع الصلاة) تعميم بعد تخصيص أو عطف تفسير، والمسجد لغة محل السجود، وشرعاً المحل الموقوف للصلاة فيه.
стр. 804
٦٩٤- (١) عن ابن عباس، قال: ((لما دخل النبي ﷺ البيت، دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال: هذه القبلة))
ــ
٦٩٤- قوله: (البيت) أي الكعبة وهو بيت الله الحرام. (دعا في نواحيه) أي جوانبه جمع ناحية وهي الجهة. (كلها) وفي رواية فكبر فيها. وفيه دليل على استحباب الدعاء والتكبير في الكعبة، ولا خلاف فيه لأحد. (ولم يصل) أي في البيت. وفي حديث ابن عمر الذي بعده عن بلال: أنه صلى فيه، فأثبت بلال صلاته ﷺ في الكعبة، وابن عباس نفاها، وقد أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال، وتقديم إثباته على نفي غيره لأمرين: أحدهما أن بلالاً كان معه ﷺ يومئذٍ ولم يكن معه ابن عباس، وإنما استند في نفيه تارة إلى أسامة وتارة إلى أخيه الفضل مع أنه لم يثبت أن الفضل كان معهم إلا في رواية شاذة، وقد روى مسلم عن أسامة نفي الصلاة في الكعبة من طريق ابن عباس كما سيأتي التصريح به من المصنف، ووقع إثبات صلاته فيها عن أسامة من رواية ابن عمر عند أحمد وغيره. فتعارضت الرواية في ذلك عنه، فترجح رواية بلال من جهة أنه مثبت ومعه زيادة علم، وغيره نافٍ. ومن جهة أنه لم يختلف فيه في الإثبات، واختلف على من نفي، ويمكن الجمع بين روايتي أسامة المثبتة والنافية بأنه حيث أثبتها اعتمد في ذلك على خبر غيره، وحيث نفاها أراد ما في علمه لكونه لم يره ﷺ حين صلى فيها. وقال النووي: يجب ترجيح رواية بلال؛ لأنه مثبت فمعه زيادة علم، وأما نفي أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية، والنبي ﷺ في ناحية، ثم صلى النبي ﷺ في ناحية فرأه بلال لقربه منه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء، ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة فنفاها عملاً بظنه، وأما بلال فحققها فأخبر بها. وقيل يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة لم يشهد صلاته، ويشهد له ما رواه أبوداود الطيالسي في مسنده عن أسامة، قال: دخلت على رسول الله ﷺ الكعبة فرأى صوراً، فدعا بدلو من ماء فأتيته به فضرب به الصور. قال القرطبي: فلعله استصحب النفي لسرعة عوده. وقيل: إنه ﷺ دخل الكعبة مرتين، مرة صلى، ومرة دعا وكبر ولم يصل، وقال ابن حبان: الأشبه عندي في الجمع أن يجعل الخبران في وقتين، فيقال: لما دخل الكعبة في الفتح صلى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال، ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها؛ لأن ابن عباس نفاها وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها وأسند إثباته إلى بلال وإلى أسامة أيضاً، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض. (ركع ركعتين) أي صلى فأطلق الجزء وأراد به الكل. (في قبل الكعبة) بضم القاف والموحدة وقد تسكن، أي مقابلها أو ما استقبلك منها وهو وجهها الذي فيه الباب وهذا موافق لرواية ابن عمر عند البخاري فصلى في وجه الكعبة ركعتين. (هذه) أي الكعبة. (القبلة) التي استقر الأمر على استقبالها فلا تنسخ إلى غيرها كما نسخ بيت المقدس،
стр. 805
رواه البخاري.
٦٩٥- (٢) ورواه مسلم عنه، عن أسامة بن زيد.
٦٩٦- (٣) وعن عبد الله بن عمر، ﵄، ((أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة بن
زيد، وعثمان بن طلحة الحجبي،
ــ
فالمراد بذلك تقرير حكم الانتقال عن بيت المقدس، وقيل: المراد أن حكم من شاهد البيت وجوب مواجهة عينه جزماً بخلاف الغائب، وقيل: المراد أن الذي أمرتم باستقباله ليس هو الحرام كله ولا مكة ولا المسجد الذي حول الكعبة بل الكعبة نفسها، وقيل: الإشارة إلى وجه الكعبة علمهم بذلك سنة موقع الإمام في وجهها دون أركانها وجوانبها الثلاثة وإن كان الكل جائزاً. (رواه البخاري) في الصلاة، وفي المناسك، وفي ذكر الأنبياء، وفي المغازي مطولاً ومختصراً. وأخرجه مسلم والنسائي في المناسك مختصراً، ولفظه عند مسلم: أن النبي ﷺ دخل الكعبة وفيه ست سوار، فقام عند كل سارية فدعا ولم يصل. وحديث ابن عباس هذا من مراسيل الصحابة؛ لأنه لم يكن معهم، وأسنده عن غيره ممن دخل مع النبي ﷺ الكعبة فيكون مرسلاً.
٦٩٥- قوله: (ورواه مسلم عنه) أي عن ابن عباس في المناسك. (عن أسامة بن زيد) وأخرجه أيضاً النسائي في المناسك. وأسامة هذا هو أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلي الأمير أبومحمد، ويقال: أبوزيد، وأمه أم أيمن واسمها بركة، وهي حاضنة رسول الله ﷺ ، وكانت مولاة لأبيه عبد الله بن عبد المطلب، وأسامة مولى رسول الله ﷺ وابن مولاه، وحبه وابن حبه، قبض النبي ﷺ وهو ابن (٢٠) سنة، وقيل: (١٨) سنة، ونزل وادي القرى، وتوفى به بعد قتل عثمان (رض) . وقيل: سكن المزة مدة ثم انتقل إلى المدينة فمات سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥) سنة. استعمله رسول الله ﷺ على جيش فيه أبوبكر (رض) وعمر (رض) فلم ينفذ حتى توفي رسول الله ﷺ فبعثه أبوبكر إلى الشام. له مائة وثمانية وعشرون حديثاً، اتفقا على خمسة عشر، وانفرد كل منهما بحديثين، روى عنه جماعة.
٦٩٦- قوله: (دخل الكعبة) يوم فتح مكة كما وقع مبينا عند البخاري في الجهاد. (وأسامة بن زيد) برفع أسامة على العطف. (وعثمان بن طلحة) بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار ين بن قصى بن كلاب العبدري، أسلم في الهدنة بعد عمرة القضاء وهاجر مع خالد بن الوليد، ثم سكن مكة إلى أن مات بها سنة (٤٢) وقيل: قتل بأجنادين وأدخله الكعبة لئلا يتوهم الناس عزله عن سدانة البيت وحجابته. (الحجبي) بفتح المهملة والجيم، ويقال لآل بيته الحجبة لحجبهم الكعبة، ويعرفون الآن بالشيبيين نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وذلك أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة لم يزل بلى فتح البيت إلى أن توفي فدفع إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عم عثمان هذا لا ولده، فبقيت الحجابة في بني شيبة، ولشيبة هذا أيضاً
стр. 806
وبلال بن رباح، فأغلقها عليه، ومكث فيها، فسألت بلالاً حين خرج: ماذا صنع رسول الله ﷺ ؟ فقال: جعل عموداً عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة، ثم صلى))
ــ
صحبة ورواية، قتل أبوه يوم أحد كافراً، وأسلم شيبة بعد الفتح، وكان ممن صبر بحنين مع النبي ﷺ . قال مصعب الزبيري دفع النبي ﷺ المفتاح إليه وإلى عثمان بن طلحة فقال: خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلا ظالم. مات شيبة سنة (٥٩) . (وبلال بن رباح) بفتح الراء مؤذن رسول الله ﷺ وخادم أمر صلاته، وأدخل النبي ﷺ معه أسامة وبلالاً لملازمتهما خدمته. (فأغلقها) أي الكعبة يعني بابها، والفاعل عثمان كما وقع التصريح به في رواية لمسلم، ووقع في الموطأ بلفظ "فأغلقاها" فالضمير لعثمان وبلال، وفي رواية للشيخين "فأغلقوا" والجمع بين الروايات أن عثمان هو المباشر لذلك؛ لأنه من وظيفته، وأما ضم بلال فلعله ساعده في ذلك، ورواية الجمع يدخل فيها الآمر بذلك والراضي به. (عليه) أي على النبي ﷺ ، وفي رواية "عليهم" وهو ظاهر، وإنما أغلق الباب لئلا يزدحم الناس عليه لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعاله ليأخذوها عنه، أو ليكون ذلك أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه، وقيل: لئلا يكثر الناس فيصلوا بصلاته، ويكون ذلك عندهم من المناسك كما فعل في صلاة الليل في رمضان. واستدل البخاري بحديث ابن عمر هذا على جواز اتخاذ الغلق للمساجد لأجل صونها عما لا يصلح فيها، ولأجل حفظ ما فيها من الأيدي العادية. (ومكث) بضم الكاف وفتحها أي توقف. (ماذا صنع) أي داخل البيت. (جعل عموداً عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة) كذا في هذه الرواية ولا إشكال فيها. ووقع في رواية للبخاري: جعل عموداً عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة. ولا يخفى ما فيها من الإشكال إذ في قوله: وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة، إشعار بكون ما عن يمينه أو يساره اثنين. وأجيب بأن التثنية بالنظر إلى ما كان عليه البيت في زمن النبي ﷺ ، والإفراد بالنظر إلى ما صار إليه بعد، ويؤيده قوله "وكان البيت يومئذٍ"؛ لأن فيه إشعاراً بأنه تغير عن هيئته الأولى. أو يقال لفظ العمود جنس يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجمل بيّنته رواية عمودين، أو لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد بل عمودان متسامتان والثالث على غير سمتهما، ولفظ المقدمين في الرواية الأخرى ليشعر به، أو كان هناك ثلاثة أعمدة مصطفة فصلى إلى جنب الأوسط، فمن قال: جعل عموداً عن يمينه وعموداً عن يساره، لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه، ومن قال: عمودين اعتبره. وقوله: كان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة. إخبار عما كان عليه البيت قبل أن يهدم، ويبنى في زمن ابن الزبير، وأما الآن فعلى ثلاثة أعمدة. (ثم صلى) أي متوجهاً إلى الجدار الغربي المقابل للجدار الشرقي الذي فيه الباب تقريباً بينه ﷺ وبين الجدار الغربي ثلاثة أذرع. وفي الحديث مشروعية الدخول في الكعبة واستحبابه، وفيه استحباب الصلاة فيها، وهو ظاهر في النفل، ويلتحق به الفرض إذا لا فرق بينهما
стр. 807
متفق عليه.
٦٩٧- (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة في مسجدي هذا
ــ
في الاستقبال للمقيم، وهو قول الجمهور، ومنع منه مالك لقوله: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾ [٢: ١٤٤] أي قبالته، ومن فيه مستدبر لبعضه، ولم يثبت أنه ﷺ صلى الفرض داخله، وإن ثبت أنه صلى النفل، إذ يسامح في النافلة ما لا يسامح في الفريضة. (متفق عليه) فيه أن قوله: جعل عموداً عن يساره وعمودين عن يمينه من إفراد البخاري: ولفظ مسلم: جعل عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه، عكس رواية البخاري، فنسبة المصنف للرواية التي ذكرها هو إلى الشيخين فيه نظر، اللهم! إلا أن يقال: أن مراد المصنف اتفاق الشيخين على أصل الحديث. وجمع بعرض المتأخرين بين هاتين الروايتين باحتمال تعدد الواقعة. قال الحافظ: وهو بعيد لاتحاد مخرج الحديث، وقد جزم البيهقي بترجيح رواية البخاري.
٦٩٧- قوله: (صلاة) التنكير للوحدة أي صلاة واحدة فرضاً كانت أو نفلاً، فالتضعيف المذكور في الحديث لا يختص بالفرض بل يعم النفل أيضاً. وقال الطحاوي: إن ذلك مختص بالفرائض لقوله ﷺ : أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. قال الحافظ: ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه فتكون صلاة النافلة في بيت بالمدينة أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقاً. (في مسجدي هذا) أي مسجد المدينة لا مسجد قباء، واختلف هل يدخل في التضعيف ما زيد في المسجد النبوي في زمن الخلفاء الراشدين من بعدهم أم لا؟ إن غلبنا اسم الإشارة انحصر التضعيف فيه ولم يعم ما زيد فيه؛ لأن التضعيف إنما ورد في مسجده وقد أكده بقوله "هذا"، فإن الإشارة لخصوص البقعة الموجودة يومئذٍ فلم تدخل فيه الزيادة، ولا بد في دخولها من دليل، قال النووي: ينبغي أن يحرص المصلي على الصلاة في الموضع الذي كان في زمانه ﷺ دون ما زيد فيه بعده بخلاف المسجد الحرام، فإنه يشمل جميع مكة بل صحح أنه يعم جميع الحرم، وإن غلبنا التسمية لم يختص التضعيف بما كان في زمنه ﷺ ، وإليه ذهبت الحنفية كما صرح به في الدر المختار، قال ابن عابدين: وأصل ذلك قوله ﷺ : صلاة في مسجدي هذا. ومعلوم أنه قد زيد في المسجد النبوي، فقد زاد فيه عمر، ثم عثمان، ثم الوليد، ثم المهدي، والإشارة "بهذا" إلى المسجد المضاف المنسوب إليه ﷺ ، ولا شك أن جميع المسجد الموجود الآن يسمى مسجده ﷺ ، فقد اتفقت الإشارة والتسمية على شيء واحد، فلم تلغ التسمية فتحصل المضاعفة المذكورة في الحديث فيما زيد فيه، وخصها الإمام النووي بما كان في زمنه ﷺ عملاً بالإشارة، قال القاري واعترضه ابن تيمية وأطال فيه، والمحب الطبري، وأوردا آثاراً استدلا بها، وبأنه سلم في مسجد مكة أن المضاعفة لا تخصتص بما كان موجوداً في زمنه ﷺ ، وبأن الإشارة في الحديث إنما هي لإخراج غيره من المساجد المنسوبة إليه ﷺ ، وبأن الإمام مالكاً سئل عن ذلك فأجاب بعدم الخصوصية وقال: لأنه ﵇ أخبر بما يكون بعده، وزويت له الأرض، فعلم بما يحدث بعده، ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون أن
стр. 808
خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام))
ــ
يستزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر ذلك عليهم، وبما في تاريخ المدينة عن عمر ﵁ أنه لما فرغ من الزيادة قال لو انتهى إلى الجبانة – وفي رواية إلى ذي الحليفة – لكان الكل مسجد رسول الله ﷺ ، وبما روي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو زيد في هذا المسجد ما زيد كان الكل مسجدي. وفي رواية: لو بني هذا المسجد إلى صنعا كان مسجدي. هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر في الجوهر المنظم-انتهى مافي المرقاة. قلت: لو كان حديث أبي هريرة: لو زيد في هذا المسجد، الخ. قابلاً للإحتجاج لكان قاطعاً للنزاع، لكنه ضعيف بجميع طرقه لا يصلح بمجموعها للاستدلال، قال في تمييز الطيب من الخبيث (ص١١٩) : حديث صلاة في مسجدي هذا ولو وسع إلى صنعاء اليمن بألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام. أخرجه ابن أبي شيبة في أخبار المدينة عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ "لو مد مسجدي هذا إلى صنعاء كان مسجدي"، وفي سنده ضعف، وله شواهد لا تقوم الحجة بمجموعها فضلاً عن أفرادها، ولذا خصص النووي اختصاص التضعيف بمسجده الشريف عملاً بالإشارة في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة-انتهى. وقال ابن عابدين: وأما حديث: لو مد مسجدي هذا إلى صنعاء كان مسجدي. فقد اشتد ضعف طرقه فلا يعمل به في فضائل الأعمال كما ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة-انتهى. (خير) أي من جهة الثواب لا من جهة الإجزاء فالتضعيف يرجع إلى الثواب ولا يتعدى إلى الإجزاء بإتفاق العلماء كما نقله النووي وغيره، فلو كان عليه صلاتان فصلى في أحد المسجدين صلاة لم تجزه إلا عن واحدة، وهذا مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة، فإنها تزيد سبعاً وعشرين درجة كما سيأتي في فضل الجماعة لكن هل يجتمع التضعيفان أو لا؟ محل بحث. (من ألف صلاة) تصلي. (فيما سواه) من المساجد. (إلا المسجد الحرام) بالنصب على الاستثناء ويجوز الجر على أن إلا بمعنى غير أي فإن الصلاة فيه خير من الصلاة في مسجدي، ويدل له حديث عبد الله بن الزبير أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان من طريق عطاء عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا. وفي رواية ابن حبان: وصلاة في ذلك أفضل من مائة صلاة في مسجد المدينة. قال ابن عبد البر: اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه، ومن رفعه أحفظ وأثبت، ومثله لا يقال بالرأي. ويدل له أيضاً حديث جابر أخرجه ابن ماجه مرفوعاً، وفيه: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه. قال الحافظ: وفي بعض النسخ "من مائة صلاة فيما سواه"، فعلى الأول معناه في ما سواه إلا مسجد المدينة، وعلى الثاني معناه من مائة صلاة في مسجد المدينة. ورجال إسناده ثقات، لكنه من رواية عطاء في ذلك عنه قال ابن عبد البر: جائز أن يكون عند عطاء في ذلك عنهما، وعلى ذلك يحمله أهل الحديث، ويؤيده أن عطاء إمام واسع الرواية، معروف بالرواية عن جابر وابن الزبير، ويدل لذلك أيضاً حديث أبي الدرداء، أخرجه البزار والطبراني
стр. 809
متفق عليه.
٦٩٨- (٥) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام،
ــ
مرفوعاً: الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمس مائة صلاة. قال الحافظ في الفتح: قال البزار: إسناده حسن، ففي هذه الأحاديث الثلاثة دلالة واضحة على أن المراد بالاستثناء في حديث أبي هريرة تفضيل المسجد الحرام، ورد صريح على من حمل الاستثناء على المساواة، أو على أن المراد أن الصلاة في مسجدي لا تفضل الصلاة في المسجد الحرام بألف بل بدونها. قال القاري: لا تنافي بين الروايات المختلفة في التضعيف لاحتمال أن حديث الأقل قبل حديث الأكثر، ثم تفضل الله تعالى بالأكثر شيئاً بعد شيء، ويحتمل أن يكون تفاوت الأعداد لتفاوت الأحوال لما جاء: أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة إلى غير نهاية-انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً الترمذي وابن ماجه في الصلاة والنسائي في المناسك، وفي الباب عن جماعة من الصحابة ذكر أحاديثهم الحافظ المنذري والعيني.
جمادى ثان رمضان شعبان ذو القعدة قوله. (لا تشد الرحال) بضم التاء على البناء للمفعول بلفظ النفي، والمراد النهي عن المسافرة إلى غيرها، قال الطيبي: وهو أبلغ مما لو قيل: لا تسافر لأنه صور حالة المسافرة وتهيئة أسبابها من الراكب وفعل الشد، ثم أخرج النهي مخرج الإخبار، أي لا ينبغي ولا يستقيم أنيقصد الزيارة بالرحلة إلا إلى هذه البقاع الشريفة لاختصاصها بالمزايا والفضائل؛ لأن إحداها بيت الله وقبلتهم، رفع قواعدها الخليل ﵇، والثانية قبلة الأمم السالفة، عمرها سليمان ﵇، والثالثة أسست على التقوى، عمرها خير البريه، فكأن المسافرة إليها وفادة إلى بانيها – انتهى. والرحال – بكسر الراء – جمع رحل بالفتح وهو للبعير كالسرج للفرس، وهو أصغر من القتب، وشده كناية عن السفر لأنه لازمه، والتعبير بشدها خرج مخرج الغالب في ركوبها للمسافر في بلاد العرب إذ ذاك، فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والقطار الحديدي، والسيارات والدراجات والعربات في البر، والسفن والبواخر في البحر، والطيارات في الجو، والمشي على الأقدام في هذا المعنى، ويدل لذلك قوله في بعض طرقه: إنما يسافره. أخره مسلم. (إلا إلى ثلاثة مساجد) الاستثناء مفرغ، والتقدير لا تشد الرحال إلى موضع. ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها؛ لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام، لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم ههنا الموضع المخصوص وهو المسجد، قاله الحافظ. (مسجد الحرام) بإضافة الموصوف إلى الصفة، والحرام بمعنى المحرم كالكتاب بمعنى المكتوب. والمسجد - يخفض الدال- بدل من ثلاثة، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أى هي المسجد الحرام، والتاليان عطف عليه، ويجوز النصب بتقدير أعني، قيل: المراد به جميع الحرم، وقيل: يختص بالموضع الذي يصلي
стр. 810
والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا))
ــ
فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم. (والمسجد الأقصى) أي بيت المقدس وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة عند الكوفيين كقوله تعالى: ﴿وماكنت بجانب الغربي﴾ [٢٨: ٤٤] . والبصريون يؤولونه بإضمار المكان، الذي بجانب المكان الغربي ومسجد المكان الأقصى، وسمي به لبعده عن مسجد مكة في المسافة، أو لأنه لم يكن وراءه مسجد. (ومسجدي هذا) أي مسجد المدينة، وفي رواية مسجد الرسول. وفي الحديث مزية هذه المساجد وفضيلتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الأمم الماضية، والثالث أسس على التقوى واختلف في شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتاً، وإلى الموضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها، فقال الشيخ أبومحمد الجويني: يحرم شد الرحال إلى غيرها عملاً بظاهر هذا الحديث، وأشار القاضي حسين إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة، ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور، وقال له: لو أدركت قبل أن تخرج ما خرجت. واستدل بهذا الحديث، فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه، ووافقه أبوهريرة. والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم، وأجابوا عن الحديث بأجوبة لا يخلو واحد منها عن النظر، وأحسنها وأقواها عندهم أن المراد حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قبر أو طلب علم أو تجارة أو نزهة فلا يدخل في النهي، وقد ورد ذلك مصرحاً في بعض طرق الحديث في مسند أحمد برواية أبي سعيد الخدري، وذكر عنده صلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ : لا ينبغي للمصلى أن يشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا، وفي سنده شهر بن حوشب وهو حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف، وقال بعضهم: قوله: إلا إلى ثلاثة مساجد. المستثنى منه محذوف، فإما أن يقدر عاماً فيصير: لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى الثلاثة. أو أخص من ذلك، لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها فتعين الثاني، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة، وهو لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى الثلاثة. قال شيخنا في شرح الترمذي بعد ذكر هذا الجواب: إن قولهم: المراد حكم المساجد فقط وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد ... الخ، غير مسلم، بل ظاهر الحديث العموم وأن المراد لا تشد الرحال إلى موضع إلا إلى ثلاثة مساجد، فإن الاستثناء مفرغ، والمستثنى منه في المفرغ يقدر بأعم العام، نعم لو صح رواية أحمد بلفظ: لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد ... الخ. لاستقام هذا الجواب، لكنه تفرد بهذا اللفظ شهر بن حوشب ولم يزد لفظ "مسجد" أحد غيره فيما أعلم، وهو كثير الأوهام كما صرح به الحافظ في التقريب، ففي ثبوت لفظ "مسجد" في هذا الحديث كلام، فظاهر الحديث هو العموم وأن المراد: لا يجوز السفر إلى موضع للتبرك به والصلاة فيه إلا إلى ثلاثة
следующие страницы →