Полный текст (4 545 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
رواه أبوداود والنسائي.
٦٢١- (٣٣) وعن أم سلمة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلا للظهر منكم، وأنتم أشد
تعجيلاً للعصر منه)) رواه أحمد، والترمذي.
ــ
المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث، وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم التعجيل أفضل، وكذا قال في الإملاء، وصححه النووي، وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتى به في القديم، وتعقب بأنه ذكره في الإملاء وهو من كتبه الجديدة والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفضيل، والله أعلم-انتهى كلام الحافظ. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه، وغيرهم، واللفظ المذكور لأبي داود. وقال الشوكاني: وإسناده صحيح.
٦٢١- قوله: (كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلاً للظهر منكم) فيه دليل على استحباب تعجيل الظهر، ونحوه ما روى الترمذي عن عائشة: ما رأيت أحداً أشد تعجيلا للظهر من رسول الله ﷺ ، ولا من أبي بكر، ولا من عمر. قال ابن قدامة في المغنى: لا نعلم في استحباب لتعجيل الظهر في غير الحر والغيم خلافاً-انتهى. (وأنتم أشد تعجيلا للعصر منه) قال الطيبي: ولعل هذا للإنكار عليهم بالمخالفة. قال القاري: الظاهر أن الخطاب لغير الأصحاب، قال: وفي الجملة يدل الحديث على استحباب تأخير العصر كما هو مذهبنا. قلت: وكذا استدل به العيني في البناية شرح الهداية على أفضلية تأخير العصر. وقد أجاب عن هذا الاستدلال الشيخ عبد الحي اللكنوي فقال: ولا يخفى على الماهر ما في الاستناد بهذا الحديث، فإنه إنما يدل على كون التعجيل في الظهر أشد من التعجيل في العصر، لا على استحباب التأخير. وقال شيخنا في شرح الترمذي بعد نقل كلام القاري: ليس فيه دلالة على استحباب تأخير العصر، نعم فيه أن الذين خاطبتهم أم سلمة كانوا أشد تعجيلاً للعصر منه ﷺ ، وهذا لايدل على أنه ﷺ كان يؤخر العصر، حتى يستدل به على استحباب التأخير. وقال صاحب العرف الشذى ما لفظه: حديث الباب ظاهره مبهم والتأخير ههنا إضافي، وإطلاق الألفاظ الإضافية ليست بفاصلة-انتهى. ثم قال بعد هذا الاعتراف: نعم يخرج شيء لنا-انتهى. قال شيخنا: لا يخرج لكم شيء من هذا الحديث أيها الأحناف، كيف وظاهره مبهم، والتأخير فيه إضافي، وأطلق فيه اللفظ الإضافي، وهو ليس بفاصل، وقد ثبت بأحاديث كثيرة صحيحة صريحة استحباب التعجيل، وترك الأحاديث الصحيحة الصريحة في أفضلية التعجيل، والتشبث بمثل هذا الحديث ليس إلا من أثر التقليد، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. (رواه أحمد) (ج٦: ص٢٨٩، ٣١٠) . (والترمذي) قال العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي: لم أجده في شيء من الكتب الستة وغيرها إلا في الترمذي ومسند أحمد.
стр. 737
٦٢٢- (٣٤) وعن أنس، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل)) رواه النسائي.
٦٢٣- (٣٥) وعن عبادة الصامت، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((إنها ستكون عليكم بعدي أمراء يشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها. فقال رجل: يا رسول الله ﷺ ! أصلي معهم؟ قال: نعم)) رواه أبوداود.
ــ
٦٢٢- قوله: (أبرد) من الإبراد وهو الدخول في البرد، والباء للتعدية أي أدخلها في البرد، وأخرها عن شدة الحر في أول الزوال، وكان حد التأخير غالباً أن يظهر الفئ للجدر. (بالصلاة) أي بصلاة الظهر، ففي رواية الإسماعيلي والبيهقي: كان إذا كان الشتاء بكر بالظهر، وإذا كان الصيف أبرد بها. والحديث فيه دليل على استحباب تأخير الظهر عن أول وقته في الحر، وقد تقدم الكلام فيه. واختلفوا في مشروعية الإبراد بالجمعة، وليس عند القائلين بالإبراد بالجمعة نص، إنما هو بالقياس على الظهر. (رواه النسائي) قال المجد بن تيمية في المنتقى: وللبخاري نحوه يعني حديث أنس الذي أخرجه البخاري في "باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة" لفظ: كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة. وسيأتي في باب الخطبة والصلاة من أبواب الجمعة.
٦٢٣- قوله: (إنها) الضمير للقصة ويفسرها ما بعدها. (يشغلهم) بفتح الياء والغين المعجمة، ويجوز أن يكون بضم الياء وكسر الغين، وفي سنن أبي داود بالتاء بدل التحتية، أي يمنعهم. (أشياء) أي أمور. (عن الصلاة) أي عن أداء جنس الصلاة. (حتى يذهب وقتها) أي وقتها مطلقاً، فإنهم كانوا يخرجونها عن جميع وقتها كما تقدم. وقيل وقتها المستحب المختار. (فصلوا) أي إذا كان كذلك فصلوا أنتم أي في بيوتكم كما في حديث ابن مسعود عند ابن ماجه. (الصلاة لوقتها) أي ولو منفردين لكن على وجه لا يترتب عليه فتنة ومفسدة. (أصلي) بحذف حرف الاستفهام. (معهم) أي مع الإمام والجماعة إذا أدركتها معهم. (قال: نعم) ؛ لأنها زيادة خير ودفع شر، زاد أحمد وكذا أبوداود "إن شئت" بعد قوله نعم. ولا أدري لِم لم يذكرها المصنف، وفي لفظ لأحمد: واجعلوا صلاتكم معهم تطوعاً. والحديث فيه دليل على وجوب تأدية الصلاة لوقتها وترك ما عليه أمراء الجور من التأخير، وعلى استحباب الصلاة معهم؛ لأن الترك من دواعي الفرقة، وعدم الوجوب لقوله في هذا الحديث: إن شئت، وقوله: تطوعاً، وفيه دليل على أن المعادة نافلة، وأن إمامة الفاسق تجوز، وسيأتي الكلام عليه. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٥: ص٣١٤، ٣١٥) وابن ماجه، قال الشوكاني: الحديث رجال إسناده في سنن أبي داود ثقات. قلت: الحديث حسن أو صحيح، ويشهد له حديث
стр. 738
٦٢٤- (٣٦) وعن قبيصة بن وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يكون عليكم أمرآء من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم، وهي عليهم؛ فصلوا معهم ما صلوا القبلة)) رواه أبوداود.
٦٢٥- (٣٧) وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار: ((أنه دخل على عثمان وهو محصور، فقال: إنك إمام عامة،
ــ
أبي ذر المقدم، وحديث ابن مسعود عند ابن ماجه، وحديث قبيصة الآتي وغير ذلك من الأحاديث التي ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (ج١: ص٣٢٤، ٣٢٥) .
٦٢٤- قوله: (وعن قبيصة) بفتح أوله وكسر الموحدة. (بن وقاص) بفتح الواو وتشديد القاف السلمي، ويقال: الليثي وهو أصح، صحابي نزل البصرة، له هذا الحديث فقط، لا يعرف له غير هذا الحديث الواحد، ذكره في الصحابة البخاري، وابن أبي خيثمة، وأبوعلي بن السكن، وأبوزرعة الرازي، وغيرهم. (يؤخرون الصلاة) أي عن وقتها. (فهي لكم وهي عليهم) أي الصلاة المؤخرة عن الوقت نافعة لكم؛ لأن تأخيركم للضرورة تبعاً لهم ومضرة عليهم؛ لأنهم يقدرون على عدم التأخير وإنما شغلهم أمور الدنيا عن أمر العقبى. وقال الطيبي: أي إذا صليتم أول وقتها ثم صليتم معهم تكون منفعة صلاتكم لكم، ومضرة الصلاة ووبالها عليهم لما أخروها، كما في الفصل الأول في الحديث الثالث عشر. (فصلوا) بضم اللام. (معهم) أي مع الأمراء. (ما صلوا) بفتح اللام. (القبلة) أي ماداموا مصلين متوجهين إلى القبلة، وهي الكعبة الحرام، يعني ما داموا مسلمين صلوا معهم الصلاة وإن أخروها عن أوقاتها. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري.
٦٢٥- قوله: (وعن عبيد الله) بالتصغير. (بن عدي) بفتح العين وكسر الدال وتشديد الياء. (بن الخيار) بكسر الخاء معجمة وتخفيف الياء التحتية، ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي المدني، يقال: قتل أبوه ببدر كافراً، ولد عبيد الله في زمن النبي ﷺ ، وذكره ابن حبان في الصحابة، وقال: له رؤية، ثم ذكره في ثقات التابعين. وذكره الحافظ في الإصابة في القسم الثاني من حرف العين، وقال في التقريب: كان هو في الفتح مميزاً فعد في الصحابة لذلك، وعده العجلي وغيره في ثقات التابعين، مات في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقيل سنة (٩٠) . قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار. وكان من فقهاء قريش وعلمائهم، وقد أدرك أصحاب النبي ﷺ متوافرين. (أنه دخل على عثمان) قيل: كان عثمان من أقارب عبيد الله بن عدي. (وهو محصور) أي محبوس في داره، ممنوع عن أموره، حصره أهل الفتنة من قبل اختلاط فسقة، اجتمعوا عليه من مصر وغيرها لإرادة خلعه أو قتله، لما زعموا من أمره بقتل محمد بن أبي بكر وغير ذلك مما هو بريء منه. (إمام عامة) أي جماعة، يعني أنت أمير المؤمنين
стр. 739
ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤا فاجتنب إساءتهم)) رواه البخاري.
ــ
وخليفة المسلمين وإمامهم لإجماع أهل الشورى وغيرهم على إمامته. وفي رواية الإسماعيلي: وأنت الإمام، أي الإمام الأعظم. (ونزل بك ما ترى) أي من الحصار وخروج الخوارج عليك. (ويصلي لنا) أي يؤمنا. (إمام فتنة) أي رئيسها عبد الرحمن بن عديس البلوي أحد رؤوس المصريين الذين جلبوا على عثمان أهل مصر وحصروه في داره، أو هو كنانة بن بشر أحد رؤوسهم أيضاً، قال الحافظ وهو المراد هنا. (ونتحرج) وفي رواية عند الإسماعيلي وأبي نعيم: وإنا لنتحرج من الصلاة معه، والتحرج التأثم أي نخاف الوقوع في الإثم بمتابعته، وأصل الحرج الضيق ثم استعمل للإثم؛ لأنه يضيق على صاحبه. (الصلاة أحسن ما يعمل الناس) الصلاة مبتدأ وقوله: أحسن مضاف إلى ما بعده خبره، أى الصلاة أفضل أعمال المسلمين. (فإذا أحسن الناس فأحسن معهم) ظاهره أنه أذن ورخص له في الصلاة معهم، كأنه يقول: لا يضرك كونه مفتوناً بفسق، بل إذا أحسن فوافقه على إحسانه واترك ما افتتن به. قال الطيبي: وفيه دليل على جواز الصلاة خلف الفرقة الباغية وكل فاجر-انتهى. (وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم) من قول أو فعل أو اعتقاد. لا صلاة التي هي أحسن أنواع الإحسان معهم، وفيه التحذير من الفتنة والدخول فيها، ومن جميع ما ينكر من قول أو فعل أو اعتقاد، وفي هذا الأثر الحض على شهود الجماعة ولاسيما في زمن الفتنة لئلا يزداد تفرق الكلمة، وفيه أن الصلاة خلف من تكره الصلاة خلفه أولى من تعطيل الجماعة. واعلم أنهم اختلفوا في صحة إمامة الفاسق بجارحة واعتقاد، والراجح عندي أنه يجوز الإئتمام بالفاسق إذا لم يكن فسقه بجوارحه أو اعتقاده من الأمور التي يكفر بها صاحبها، لما لم يصح شيء في المنع عن الإئتمام بهم، وقد ورد ما يدل على صحة إمامته عند أبي داود وغيره، وهو وإن كان ضعيفاً لكنه قد تأيد بما كان عليه السلف الصالح من الصلاة خلف الأمراء المشتهرين بظلم العباد والإفساد في البلاد، وبما هو الأصل والأصيل، وهو أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، فلا نتنقل عن هذا الأصل إلى غيره إلا لدليل ناهض، نعم يجب أن يجعل المصلون إمام صلاتهم من خيارهم عند القدرة، كما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً: اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم، وفي إسناده سلام بن سليمان المدائني وهو ضعيف، وأخرج الحاكم في ترجمة مرثد الغنوي عنه ﷺ : إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم. ولكن ليس محل النزاع إلا أنه لا يصح أن يكون الفاسق ومن في حكمه إماماً، لا في أن الأولى أن يكون الإمام من الخيار، فإن ذلك لا خلاف فيه، وسيأتي بسط الكلام في هذه المسألة في باب الإمامة إن شاء الله تعالى. (رواه البخاري) في باب إمامة المفتون والمبتدع، قال: وقال لنا محمد بن يوسف: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، الخ. وإنما عبر بصيغة "قال لنا" ولم يقل حدثنا أو أخبرنا مع متصل من حيث اللفظ والمعنى؛ لأن المتن
стр. 740
(٣) باب فضائل الصلاة
﴿الفصل الأول﴾
٦٢٦- (١) عن عمارة بن رويبة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لن يلج النار أحد صلى قبل
طلوع الشمس، وقبل غروبها. يعني الفجر والعصر))
ــ
موقوف. قال الحافظ: والذي ظهر لي باستقراء أنه لا يعبر بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن موقوفاً، أو كان فيه راو ليس على شرطه، والذي هنا من قبيل الأول، وقد وصله الإسماعيلي، ورواه أبونعيم الأصبهاني. (باب فضائل الصلاة) كذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها "باب في فضل الصلوات في مواقيتها"، وفي بعضها "باب" لا غير، وهو بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب، ويجوز فيه الوقف على سبيل تعداد الكلمات فلا إعراب له حينئذٍ؛ لأن الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب، قال ابن حجر: أي في متمات فضائل الصلوات وأوقاتها، ووقع في المصابيح فصل لا غير، قال ابن الملك: إنما أفرد هذا الفصل عما تقدم؛ لأن أحاديثه من جنس آخر-انتهى.
٦٢٦- قوله: (عن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم. (بن رويبة) بضم الراء وفتح الواو وسكون التحتية بعدها موحدة. الثقفي، يكنى أبا زهير الكوفي. صحابي نزل الكوفة. له تسعة أحاديث، انفرد له مسلم بحديثين، تأخر إلى ما بعد السبعين. (لن يلج) أي لن يدخل. (النار) أي أصلاً للتعذيب، وقيل: أو على وجه التأبيد (صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني الفجر والعصر) أي داوم على أدائهما، وخص الصلاتين بالذكر؛ لأن وقت الصبح وقت لذيذ السكرى والنوم. والقيام فيه أشق على النفس من القيام في غيره. ووقت صلاة العصر وقت قوة الاشتغال بالتجارة، وحينئذٍ يحمى البيع والشراء، فمن يتلهى عنه إلا من كمل دينه. قال تعالى. ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة﴾ [٢٤: ٣٧] ، والمسلم إذا حافظ عليهما مع ما فيه من التثاقل والشاغل كان الظاهر من حاله أن يحافظ على غيرهما أشد محافظة، وما عسى أن يقع منه تفريط، ولأن الوقتين مشهودان يشهدهما ملائكة الليل والنهار، ويرفعون فيهما أعمال العباد إلى الله تعالى، فبالحري أن من داوم عليهما لا يدخل النار أصلا، ويدخل الجنة لصيرورة ذلك مكفر الذنوب، وإن كان هذا ينافي ما عليه الجمهور من اختصاص كفارة الصلاة بالصغائر، ولكن فضل الله واسع، وقيل: خصتا بالذكر؛ لأن أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، كما في حديث ابن عمر عند أحمد والترمذي، وقوله ﷺ : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، الخ. يدل على رؤية الله تعالى والنظر إلى وجهه قد يرجى نيله بالمحافظة على
стр. 741
رواه مسلم.
٦٢٧- (٢) وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى البردين دخل الجنة)) متفق عليه.
٦٢٨- (٣) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يتعاقبون
ــ
هاتين الصلاتين اللتين تؤديان طرفي النهار غدوة وعشية. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي.
٦٢٧- (من صلى البردين) بفتح الموحدة وسكون الراء تثنية برد، قال البغوي: أراد بهما صلاة الفجر والعصر لكونهما في طرفي النهار، وقال الخطابي: سميتا بردين؛ لأنهما تصليان في بردي النهار، وهما طرفاه حين يطيب الهواء وتذهب سورة الحر- انتهى. قال التوربشتي: أراد به المحافظة على صلاتي الصبح والعصر لما في حديث فضالة بن عبيد (عند أبي داود والحاكم) : حافظ على العصرين، قال: وما كانت لغتنا، فقامت: وما العصران؟ قال: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها. ومن المفهوم الواضح أن النبي ﷺ لم يخصص هاتين الصلاتين تسهيلاً للأمر في إضاعة غيرهما من الصلوات، أو ترخيصاً لتأخيرها عن أوقاتها، وإنها أمر بأدائهما في الوقت المختار والمحافظة عليهما في جماعة لما فيهما من الفضل والزيادة في الأجر. قال: وهذا الذي ذكرناه من طريق المفهوم في تفسير هذا الحديث، فمعظمه مذكور في حديث فضالة، فإنه لما قال له النبي ﷺ : حافظ على الصلوات، قال: إن هذه ساعات لي فيها أشغال، فمرني بأمر جامع إذا أنا فعلته أجزأ عني، فقال: حافظ على العصرين، وقد علم ﷺ أنه إذا حافظ عليهما مع ما في وقتهما من الشواغل والقواطع لم يكن ليضيع غيرهما من الصلوات، والأمر في إقامة ذلك أيسر- انتهى. (دخل الجنة) أي دخولاً أولياً، وهو جواب الشرط وعدل عن الأصل وهو فعل المضارع كأن يقول: يدخل الجنة، إرادة للتأكيد في وقوعه يجعل ما سيقع كالواقع. (متفق عليه) في المحافظة على صلاتي الصبح والعصر أحاديث عن جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما، ذكرها المنذري في الترغيب، وعلي المتقي في الكنز، والهيثمي في مجمع الزوائد.
٦٢٨- قوله: (يتعاقبون) أي تأتي طائفة عقب طائفة، ثم تعود الأولى عقب الثانية، والواو في يتعاقبون لعلامة جمع الفاعل المذكر على لغة بلحارث، وليس بفاعل، فإن إظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدم جائز عندهم، وهم القائلون أكلوني البراغيث. قال القرطبي: هذه لغة فاشية، ولها وجه في القياس صحيح، وعليها حمل الأخفش قوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ [٢١: ٣] وقيل: فاعل "يتعاقبون" مضمر، تقديره ملائكة يتعاقبون، وقوله: ملائكة بالليل، بدل من الضمير الذي فيه، أو بيان، كأنه قيل: من هم؟ فقيل ملائكة. وقيل: "ملائكة بالليل" مبتدأ خبره"يتعاقبون فيكم" تقدم عليه لفظاً، هذا هو المشهور في مثله. ورد بأن في هذا الحديث وقع اختصار من الرواة، ففي رواية البخاري في بدء الخلق "الملائكة يتعاقبون ملائكة بالليل وملائكة بالنهار"، وحينئذٍ ففي سياقه هنا إضمار الفاعل، كأن الراوي اختصر المسوق هنا من المذكور في بدء الخلق, وأخرجه البزار، وابن خزيمة، والسراج من وجه آخر بلفظ: إن لله ملائكة
стр. 742
فيكم ملائكة في الليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم- وهو أعلم بهم- كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون))
ــ
يتعاقبون. (فيكم) أي في المصلين. (ملائكة) هم الحفظة عند الأكثرين، وقال القرطبي: الأظهر عندي أنهم غيرهم، قال الحافظ: ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار، وبأنهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله: كيف تركتم عبادي؟ - انتهى. وتنكير ملائكة في الموضعين ليفيد أن الثانية غير الأولى كقوله تعالى: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ [٣٤: ١٢] . (ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر) أي في وقتهما. فإن قلت: التعاقب يغائر الاجتماع، أجيب بأن تعاقب الصنفين لا يمنع اجتماعهما؛ لأن التعاقب أعم من أن يكون معه اجتماع هكذا، أو لا يكون معه اجتماع كتعاقب الضدين، أو المراد حضورهم معهم الصلاة في الجماعة، فينزل على حالين، وتخصيص اجتماعهم معهم في الورود والصدور بأوقات العبادة تكرمة بالمؤمنين ولطفاً بهم؛ لتكون شهادتهم بأحسن الثناء وأطيب الذكر، ولم يجعل اجتماعهم معهم في حال خلواتهم بلذاتهم وانهماكهم على شهواتهم، فلله الحمد. (الذين باتوا فيكم) وفي رواية للنسائي: الذين كانوا فيكم، وهي أوضح لشمولها لملائكة الليل والنهار، وفي الأولى استعمال لفظ "بات" في الإقامة مجازاً، فلا تختص بليل دون نهار ولا نهار دون ليل، فكل طائفة منهم إذا صعدت سئلت، ويكون قوله "فيسألهم" أي كلا من الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه، والدليل على حمل بات على الإقامة رواية النسائي، بل قد وقع في حديث أبي هريرة هذا من وجه آخر عند ابن خزيمة في صحيحه مرفوعاً التصريح بسؤال كل من الطائفتين، ولفظه: تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر، فتصعد ملائكة الليل وتثبت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم كيف تركتم عبادي؟ الحديث. فهذه الرواية تزيل الإشكال وتغني عن كثير من الاحتمالات التي ذكرها الشراح، فهي المعتمدة ويحمل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة. (فيسألهم) قيل: الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة في خلق الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم مالا تعلمون﴾ [٢: ٣٠] أي وقد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكم بنص شهادتكم. وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة، كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو أعلم من الجميع بالجميع. (وهو أعلم بهم) أي بالمصلين من الملائكة، فحذف صلة أفعل التفضيل. (كيف تركتم عبادي) وقع السؤال عن آخر الأعمال؛ لأن الأعمال بخواتيمها، قاله ابن أبي جمرة. (تركناهم وهم يصلون وأتيناهم) أي جئناهم ونزلنا عليهم. (وهم يصلون) لم يراعوا الترتيب الوجودي؛ لأنهم بدءوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه أنهم
стр. 743
متفق عليه.
٦٢٩- (٤) وعن جندب القسري، قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
طابقوا السؤال؛ لأنه قال: كيف تركتم، ولأن المخبر به صلاة العباد والأعمال بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله، وقوله: تركناهم وهو يصلون، ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في العصر، سواء تمت أم منع مانع من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها أم لا؛ لأن المنتظر في حكم المصلي، ويحتمل أن يكون المراد بقوله "وهم يصلون" أي ينتظرون المغرب، وقال ابن التين: الواو في قوله "وهم يصلون" واو للحال أي تركناهم على هذه الحال، ولا يقال: يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة فلم يشهدوها معهم، والخبر ناطق بأنهم يشهدونها؛ لأنا نقول: هو محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها، وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك، ومن شرع في أسباب ذلك، فإن قيل: فما الفائدة في قولهم "وأتيناهم" وكان السؤال عن كيفية الترك؟ أجيب بأنهم أجابوا بأكثر مما سئلوا؛ لأنهم علموا أنه سؤال يستدعي التعطف على بني آدم فزادوا في الجواب إظهاراً لبيان فضيلة المصلين، وحرصاً على ذكر ما يوجب مغفرة ذنوبهم، كما هو وظيفتهم فيما أخبر الله عنهم: ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ . ووقع في صحيح ابن خزيمة في آخر هذا الحديث: فاغفر لهم يوم الدين، ويستفاد من الحديث أن الصلاة أعلى العبادات؛ لأنه عليها وقع السؤال والجواب. وفيه التنبيه على أن الفجر والعصر من أعظم الصلوات لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة، والإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذٍ في طاعة بورك له في رزقه وفي عمله، ويترتب عليه حكمة الأمر بالحافظة عليهما والاهتمام بهما. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الصلاة، وفي بدء الخلق، وفي التوحيد، ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وغيرهما.
٦٢٩- قوله: (وعن جندب) بضم أوله، والدال تفتح وتضم، هو جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي ثم العلقي، يكنى أبا عبد الله، وربما نسب إلى جده، وصحابي، وقال البغوي عن أحمد: ليست له صحبة قديمة. مات بعد الستين، وتقدم ذكره. (القسري) بفتح القاف وسكون السين المهملة، قال القارئ: هو كذلك في جميع النسخ المقروأة المصححة الحاضرة من نسخ المشكاة، وقال التوربشتي: في سائر نسخ المصابيح: القشري بضم القاف والشين والمعجمة وهو غلط، نقله الطيبي- انتهى. وقال النووي: القسري هو بفتح القاف وإسكان السين المهملة، وقد توقف بعضهم في صحة قولهم القسري؛ لأن جندباً ليس من بني قسر إنما هو بجلي علقي، وعلقة بطن من بجيلة، هكذا ذكره أهل التواريخ والأنساب والأسماء، وقسر هو أخو علقة. قال القاضي: لعل لجندب حلفاً في بني قسر أو سكناً أو جواراً فنسب إليهم لذلك، أو لعل بني علقة ينسبون إلى بني عمهم قسر كغير واحدة من القبائل ينسبون بنسبة بني عمهم لكثرتهم أو شهرتهم- انتهى.
стр. 744
من صلى صلاة الصبح؛ فهو في ذمة الله، فلا يطلبكم الله من ذمته بشيء؛ فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم)) رواه مسلم. وفي بعض النسخ المصابيح: القشيري. بدل القسري.
٦٣٠- (٥) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول،
ثم لم يجدوا
ــ
(من صلى صلاة الصبح) أي في جماعة. (فهو في ذمة الله) أي في عهده أو في ضمانه، أو أمانه في الدنيا والآخرة، وهذا غير الأمان الذي ثبت بكلمة التوحيد. (فلا يطلبنكم الله) أي لا يؤاخذكم من باب لا أرينك، المراد نهيهم عن أذيته والتعرض لما يوجب مطالبة الله إياهم. (من ذمته) من بمعنى لأجل، والضمير في ذمته إما لله وإما لمن، والمضاف محذوف أي لأجل ترك ذمته (بشيء) أي يسير، وفي المصابيح: بشيء من ذمته. قيل: أي بنقض عهده بالتعرض لمن له ذمة بالأذى، أو المراد بالذمة الصلاة الموجبة للأمان، أي لا تتركوا صلاة الصبح فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربكم فيطلبكم به. (فإنه من يطلبه) بالجزم أي الله تعالى. (من ذمته) أي من أجل ذمته. (بشيء يدركه) بالجزم أي يأخذه الله. (ثم يكبه) بالرفع أي هو يكبه، وبالفتح عطفاً على يدركه، ويمكن أن يكون بالضم مجزوماً أيضاً، والمعنى لا تتعرضوا له بشيء ولو يسيراً، فإنكم إن تعرضتم له يدرككم الله ويكبكم في النار، قال الطيبي: وإنما خص صلاة الصبح لما فيها من الكلفة والمشقة، وأدائها مظنة خلوص الرجل ومئنة إيمانه أي علامته، ومن كان خالصاً كان في ذمة الله. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص٣١٢، ٣١٣) والترمذي، وفي الباب عن ابن عمر عند أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير، وعن أنس عند أبي يعلى، وعن أبي بكرة عند الطبراني في الكبير، وعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه عند الطبراني أيضاً. (وفي بعض نسخ المصابيح القشيري) بضم الكاف وفتح المعجمة بعدها تحتية، قال القاري: وفي نسخة يعني من المشكاة القشري. (بدل القسري) وقد تقدم ضبطهما.
٦٣٠- قوله: (ما في النداء) أي الأذان، وقد روى بهذا اللفظ عند السراج. (والصف الأول) زاد أبوالشيخ في روايته: من الخير والبركة، وقال الطيبي: أطلق مفعول "يعلم" وهو"ما"ولم يبين الفضيلة ما هي؟ ليفيد ضرباً من المبالغة وأنه مما لا يدخل تحت الوصف، والإطلاق إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا فقد بينت في الرواية الأخرى بالخير والبركة. قال القرطبي: اختلف في الصف الأول هل هو الذي يلي الإمام أو المكبر؟ والصحيح الأول. (ثم لم يجدوا) أي لم يجدوا شيئاً من وجوه الأولوية، أما في الأذان فبأن يستووا في معرفة الوقت وحسن الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذن وتكملاته، وأما في الصف الأول فبأن يصلوا دفعة واحدة ويستووا في الفضل فيقرع بينهم إذا لم يتراضوا فيما بينهم في
стр. 745
إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا؛ ولو يعلمون ما في التهجير، لاستبقوا إليه؛ ولو يعلمون ما في العتمة
ــ
الحالين. (إلا أن يستهموا) أي بأن يقترعوا، والاستهام الاقتراع، يدل على هذا ما في رواية لمسلم: لكانت قرعة. قيل: سمي بذلك؛ لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء، فمن خرج له منها سهم فاز بالحظ المقسوم وغلب. والتقدير إلا بالاستهام وطلب السهم بالقرعة عليه. (عليه) أي على ما ذكر ليشمل الأمرين الأذان والصف الأول، وقد رواه عبد الرزاق بلفظ: لاستهموا عليهما، فهذا مفصح بالمراد من غير تكلف، وقيل: عليه أي على السبق إليه أو على الاستحقاق فيهما. قال السندي: فيه تجهيل للمتساهلين في هذا الأمر، فلا يرد أنهم قد علموا بخبر الصادق وهم بسعة من تحصليه بلا استهام، ومع هذا لا يحصلونه، فكيف يصدق الخبر بأنهم لو علموا لاستهموا. (التهجير) أي التبكير إلى الصلاة مطلقاً أي صلاة كانت، قاله الهروي، وصوبه النووي، واختاره ابن عبد البر إذ قال: هو البدار إلى الصلاة أول وقتها، وحمله الخليل وغيره على ظاهره، فقالوا: المراد الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت؛ لأن التهجير مشتق من الهاجرة، وهي شدة الحر نصف النهار، وهو أول وقت الظهر، وإلى ذلك مال البخاري إذ بوب على هذا الحديث في جامعه الصحيح ترجمة بلفظ: باب فضل التهجير إلى الظهر. ولا يرد على ذلك مشروعية الإبراد؛ لأنه أريد به الرفق، وأما من ترك قائلته وقصد إلى المسجد لينتظر الصلاة فلا يخفى ماله من الفضل. (لاستبقوا إليه) أي سبق بعضهم بعضاً إليه لا بسرعة في المشي في الطريق فإنه ممنوع، بل بالخروج إليه والانتظار في المسجد قبل الآخر، قال ابن أبي جمرة: المراد بالاستباق معنى لا حساً؛ لأن المسابقة على الأقدام حساً تقتضي السرعة في المشي وهو ممنوع منه. والحديث يدل على استحباب القيام بوظيفة الأذان، والملازمة للصف الأول، والمسارعة إلى جماعة العشاء والفجر. (العتمة) أي صلاة العشاء الآخرة في الجماعة. فيه دليل على جواز تسمية العشاء بالعتمة، وقد استشكل الجمع بين هذا الحديث وبين حديث ابن عمر الآتي، فقال النووي وغيره: الجواب من وجهين: أحدهما أنه استعمل لبيان الجواز، وأن النهي عن العتمة للتنزيه لا للتحريم. والثاني أنه يحتمل أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء فخوطب بما يعرفه، فهو لقصد التعريف لا لقصد التسمية، أو استعمل لفظ العتمة؛ لأنه أشهر عند العرب، وإنما كانوا يطلقون العشاء على المغرب كما سيأتي، فلو قال: لو يعلمون ما في الصبح والعشاء. لتوهموا أن المراد المغرب. قال الحافظ: وهو ضعيف؛ لأنه قد ثبت في نفس هذا الحديث: لو يعلمون ما في الصبح والعشاء، فالظاهر أن التعبير بالعشاء تارة، وبالعتمة تارة من تصرف الرواة. وقيل: إن النهي عن تسمية العشاء عتمة نسخ الجواز، وفيه نظر للاحتياج في مثل ذلك إلى التاريخ. قال الحافظ: ولا يبعد أن ذلك كان جائزاً، فلما كثر إطلاقهم له نهوا عنه لئلا تغلب السنة الجاهلية على السنة الإسلامية، ومع ذلك فلا يحرم ذلك بدليل أن الصحابة الذين رووا النهي استعملوا التسمية المذكورة، وأما استعمالها في مثل حديث أبي هريرة فلدفع الالتباس بالمغرب- انتهى.
стр. 746
والصبح، لأتوهما ولو حبواً)) متفق عليه.
٦٣١- (٦) وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء،
ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبواً)) متفق عليه.
٦٣٢- (٧) وعن عثمان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى العشاء في جماعة؛ فكأنما قام نصف
الليل، ومن صلى الصبح في جماعة؛ فكأنما صلى الليل كله))
ــ
(والصبح) أي صلاة الصبح في الجماعة يعني من مزيد الفضل وكثرة الأجر. (لأتوهما) أي الصلاتين، والمراد المحل الذي يصليان فيه جماعة وهو المسجد. (ولو حبواً) أي ولو كان الإتيان حبواً أي زحفاً، وهو مشى الصبي على أربع أو دبيبه على إسته. وقيل: التقدير ولو كانوا حابين يعني يزحفون إذا منعهم مانع من المشي كما يزحف الصغير، ولابن أبي شيبة من حديث أبي الدرداء: ولو حبواً على المرافق والركب. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الصلاة، وفي الشهادات، ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضاً مالك وأحمد والنسائي، وأخرج الترمذي القطعة الأول فقط.
٦٣١- قوله: (ليس صلاة أثقل) بالنصب خبر ليس. (على المنافقين) فيه دليل على أن الصلاة كلها ثقيلة على المنافقين، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى﴾ [٩: ٥٤] وقوله: ﴿إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤن﴾ [٤: ١٤٢] . وإنما كانت العشاء والفجر أثقل عليهم من غيرهما لقوة الداعي إلى تركهما؛ لأن العشاء وقت السكون والاستراحة والشروع في النوم، والصبح وقت طعم النوم ولذته، والمقصود أن الكسل فيهما من عادة المنافقين، فمن كان مخلصاً في إيمانه فعليه أن يحترز من عادتهم. (ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما) أي لحضروا المسجد لأجلهما ولو مع كلفة، وفيه تنزيل من يعلم ولا يعمل بعلمه منزلة من لا يعلم، وإلا فكم ممن يعلم ذلك بخبر الشارع ولا يحضر بلا كلفة. (متفق عليه) واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضاً ابن ماجه، وفي الباب عن أبيّ بن كعب عند أحمد، وأبي داود، والنسائي وغيرهم.
٦٣٢- قوله: (فكأنما قام نصف الليل) قال القرطبي: معناه أنه قام نصف ليلة لم يصل فيها العشاء في جماعة، إذ لو صلى ذلك في جماعة لحصل له فضلها وفضل القيام. وقال البيضاوي: نزل صلاة كل من طرفي الليل منزلة نوافل نصفه، ولا يلزم منه أن يبلغ ثواب من قام الليل كله؛ لأن هذا تشبيه مطلق مقدار الثواب، ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه، ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلى العشاء والصبح جماعة منفعة في قيام الليل غير التعب-انتهى. (ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله) عبر ههنا بـ"صلى" وفيما سبق بـ"قام" تفنناً وإيماء إلى أن صلاة الليل تسمى قياما وظاهره يقتضي أن صلاة الفجر في الجماعة أفضل من صلاة العشاء في الجماعة، وأن فضلها في الجماعة ضعفا فضل العشاء في
стр. 747
رواه مسلم.
٦٣٣- (٨) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم
المغرب، قال: وتقول الأعراب: هي العشاء.
ــ
الجماعة، فمن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له قيام ليلة ونصف، وهذا ينافي رواية الترمذي وأبي داود بلفظ: ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة. وأجيب بأن المراد بقوله: ومن صلى الصبح في جماعة، في رواية مسلم أي منضماً لصلاة العشاء جماعة، قاله المناوى. وقال الطيبي في شرح قوله فكأنما صلى الليل كله: أي بانضمام ذلك النصف، فكأنه أحي نصف الليل الأخير-انتهى. وقال المنذري في تلخيص السنن: اللفظ الذي أخرجه أبوداود تفسير لفظ مسلم، ويبين أن المراد بقوله: ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله، يعني ومن صلى الصبح والعشاء، وطرق هذا الحديث مصرحة بذلك، وأن كل واحد منهما يقوم مقام نصف ليلة، وأن اجتماعهما يقوم مقام ليلة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، وأبوداود، وأخرجه مالك موقوفاً على عثمان من قوله.
٦٣٣- قوله: (لا يغلبنكم) بالتحتية، وروي بالفوقية أيضاً. (الأعراب) هم سكان البوادي خاصة، والمراد أعراب الجاهلية. (على اسم صلاتكم المغرب) بالجر، صفة للصلاة، ويجوز رفعه على أنه خبر المبتدأ أي هي، ونصبه بتقدير أعني، وإنما شرع لها التسمية بالمغرب؛ لأنه اسم يشعر بمسماها، وبابتداء وقتها. قيل: معنى الغلبة أنكم تسمونها أسماء، وهم يسمونها أسماء، فإن سميتموها بالاسم الذي يسمونها به وافقتموهم، وإذا وافق الخصم خصمه صار كأنه انقطع له حتى غلبه، والمقصود النهي عن تسمية المغرب بالعشاء كما تفعل الأعراب، فإنه إذا وقعت الموافقة لهم فقد غلبتهم الأعراب عليها، إذ من رجع إليه خصمه فقد غلبه، وقد اختلف في علة النهي، فقيل: إن لفظ العشاء لغة هو أول ظلام الليل، وذلك من غيبوبة الشفق، فلو قيل للمغرب عشاء لأدى إلى أن أول وقتها غيبوبة الشفق، وقيل: هي خوف التباس المغرب بالعشاء، وعلى هذا لا يكره أن يقال للمغرب العشاء الأولى، ويؤيده قولهم: العشاء الآخرة، كما ثبت في الصحيح، وكذا لا يكره تسمية المغرب عشاء على سبيل التغليب، كمن قال مثلا: صليت العشاءين. لزوال اللبس في الصيغتين المذكورتين، وقيل: العلة الجامعة أن تسميتها بالعشاء مخالفة لإذن الله، فإنه سمى الأولى المغرب والثانية العشاء، وقيل غير ذلك، والله أعلم. (قال: وتقول الأعراب) قد جزم الكرماني أن فاعل "قال" هو عبد الله بن مغفل المزني الصحابي راوي الحديث، على ما في صحيح البخاري. قال الحافظ: ويحتاج إلى نقل خاص لذلك، وإلا فظاهر إيراد الإسماعيلي أنه من تتمة الحديث، فإنه أورده بلفظ: فإن الأعراب تسميها، والأصل في مثل هذا أن يكون كلاماً واحداً حتى يقوم دليل على إدراجه-انتهى. (هي) أي المغرب. (العشاء) ؛ لأن العشاء، لغة: أول ظلام الليل.
стр. 748
٦٣٤- (٩) وقال: ((لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء، فإنها
تعتم بحلاب الإبل)) رواه مسلم.
ــ
٦٣٤- قوله: (وقال) أي رسول الله ﷺ : (لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء) قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: المعنى فيه أن العادة أن العظماء إذا سموا شيئاً باسم فلا يليق العدول عنه إلى غيره؛ لأن ذلك تنقيص لهم. ورغبة عن صنيعهم، وترجيح لغيره عليه، وذلك لا يليق، والله سماها في كتابه العشاء في قوله: ﴿ومن بعد صلاة العشاء﴾ [٢٤: ٥٨] فيقبح بعد تسمية ذي الجلال والإكرام العدول إلى غيره، انتهى. والحديث يدل على كراهة تسمية العشاء العتمة، وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر راوي الحديث. ومنهم من أطلق جوازه، نقله ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى، نقله ابن المنذر عن مالك، والشافعي، واختاره، واليه ذهب البخاري حيث قال في صحيحه: والاختيار أن يقول العشاء؛ لقوله تعالى. ﴿من بعد صلاة العشاء﴾ قال الحافظ: وهو الراجح. قلت: قد تقدم وجه التوفيق بين حديث ابن عمر هذا وبين الحديث السابق عن أبي هريرة، فتذكر. وقال السندي: قوله: فلا تغلبنكم الأعراب، الخ. أي الإسم الذي ذكر الله تعالى لهذه الصلاة اسم العشاء، والأعراب يسمونها العتمة، فلا تكثروا استعمال ذلك الاسم لما فيه من غلبة الأعراب عليكم، بل أكثروا استعمال اسم العشاء موافقة للقرآن، فالمراد النهي عن إكثار اسم العتمة لا عن إستعماله أصلاً، فاندفع ما يتوهم من التنافي بين أحاديث المنع والثبوت في استعمالاته ﷺ انتهى. (فإنها في كتاب الله العشاء) الفاء فيه علة للنهي، وفي قوله: (فإنها تعتم) علة للتسمية، أي لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء؛ لأن اسمها في كتاب الله العشاء، وهم يسمونها بالعتمة؛ لأنها تعتم. (بحلاب الإبل) بكسر الحاء، أي بسبب حلبها، فالباء للسببية. قال ابن الملك: قوله: فإنها تعتم، روى مجهولاً فالضميران للصلاة، ومعلوماً فهما للأعراب. وقال السيد: تعتم معروف لرواية: فإنهم يعتمون بالإبل، ويجوز كونه مجهولاً، والضمير للصلاة- انتهى. قلت: رواه ابن ماجه بلفظ: وإنهم ليعتمون بالإبل، وعند النسائي: فإنهم يعتمون على الإبل، قال السندي: من أعتم إذا دخل في العتمة وهي الظلمة، وعلى بمعنى اللام، أي يؤخرون الصلاة ويدخلون في ظلمة الليل بسبب الإبل وحلبها انتهى. وقيل: كانوا يؤخرون الحلاب إلى الظلمة، ويسمون ذلك الوقت العتمة، فهو من باب تسمية الشيء باسم وقته. (رواه مسلم) فيه نظر فإنه يوهم أنه حديث واحد من رواية ابن عمر، وأنه عند مسلم بهذا التمام، وليس كذلك، فإن الجملة الأولى مروية في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مغفل المزني عن النبي ﷺ في باب من كره أن يقال للمغرب العشاء، وهي كما ترى في صلاة المغرب. قال ميرك: قال صاحب التخريج: ولم أره في غير البخاري، وكذا قال الشيخ الجزري، رواه البخاري من حديث عبد الله بن مغفل. قلت: الحديث من إفراد البخاري، كما قال العيني ثم القسطلاني، وذكره الشيخ عبد الغني النابلسي في ذخائر المواريث في مسند عبد الله بن مغفل، وعزاه للبخاري فقط، وهو يدل على أنه لم يروه
стр. 749
٦٣٥- (١٠) وعن علي، أن رسول الله ﷺ قال يوم الخندق: ((حبسونا عن صلاة الوسطى:
ــ
من أصحاب الكتب الستة إلا البخاري وحده، وقد أخرجه أحمد في مسنده (ج٥: ص٥٥) وأبونعيم في مستخرجه، وابن خزيمة في صحيحه، وأما الجملة الثانية أي قوله "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء" الخ. فهي في صلاة العشاء لا في صلاة المغرب، وهي مما تفرد به مسلم عن البخاري، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٢: ص١٠، ١٨، ٤٩، ١٤٤) وأبوداود والنسائي وابن ماجه كلهم من حديث ابن عمر، ولم يخرج البخاري في هذا شيئاً، وتوهم صاحب المشكاة أن الجميع حديث واحد مروي عن ابن عمر عند مسلم، ولم أقف على منشأ توهمه، فإن محي السنة أورد الجملة الأولى في المصابيح، وقال عقبها: رواه عبد الله المزني، ثم أورد الجملة الثانية أي الحديث الثاني، وقال في آخره: رواه ابن عمر. على ما في أيدينا من نسخة المصابيح المطبوعة بمصر، وقال ميرك: ومنشأ توهم صاحب المشكاة أن محي السنة أودر الحديثين في المصابيح: أحدهما عقيب الآخر، وقال في الآخر: رواه ابن عمر، فظن المصنف أنه حديث واحد مروي عن ابن عمر فوقع فيما وقع، والله أعلم. قلت: هذا يدل على اختلاف نسخ المصابيح في ذكر قوله: رواه عبد الله المزني.
٦٣٥- قوله: (يوم الخندق) وهو يوم الأحزاب، وكان في شوال سنة أربع من الهجرة، قاله موسى بن عقبة، واختاره البخاري، وقيل: سنة خمس، وعليه كثيرون. وسميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذي حفر بأمره ﷺ حول المدينة لما أشار به سلمان الفارسي، فإنه من مكايد الفرس دون العرب. وعمل فيه ﵊ بنفسه ترغيباً للمسلمين، فإنهم قاسوا في حفره شدائد، منها شدة الجوع، والبرد، وكثرة الحفر، والتعب، وأقاموا في عمل الحفر عشرين ليلة، أو خمسة عشر يوماً، أو أربعاً وعشرين، أو شهراً على أقوال. وسميت بالأحزاب لاجتماع طوائف من المشركين: قريش، وغطفان، وبني أسد، وبني سليم، وبني سعد، واليهود، على حرب المسلمين، وهم كانوا ثلاثة آلاف، والمشركون عشرة آلاف، وقيل: أربعة وعشرون ألفاً. (حبسونا) أي منعونا وشغلونا عن فعل الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس، وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف. (عن صلاة الوسطى) بإضافة الصلاة إلى الوسطى، وهو من باب قول الله تعالى: ﴿وما كنت بجانب الغربي﴾ [٢٨: ٤٤] وفيه المذهبان المعروفان: مذهب الكوفيين جواز إضافة الموصوف إلى صفته، ومذهب البصريين منعه، ويقدرون فيه محذوفاً، وتقديره هنا: عن صلاة الصلاة الوسطى، أي عن فعل الصلاة الوسطى، وهي تأنيث الأوسط كالفضلى تأنيث الأفضل، والأوسط الأعدل من كل شيء، قال أعرابي يمدح النبي ﷺ :
يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم ... وأكرم الناس أماً برة وأباً
وقال تعالى: ﴿قال أوسطهم﴾ [٦٨: ٢٨] أي أفضلهم وليست من الوسط الذي معناه المتوسط بين شيئين؛ لأن فعلى أفعل التفضيل، ولا يبنى منه إلا ما يقبل الزيادة والنقصان، والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما، بخلاف المتوسط بين الشيئين فإنه لا يقبلهما، فلا يبنى منه أفعل التفضيل، قاله القسطلاني، ورجح الرازي في تفسيره كونه من التوسط بين الشيئين، وقال: المراد من الوسطى ما تكون وسطى في العدد لا ما تكون وسطى بسبب الفضيلة-انتهى. وذكره الزمخشري
стр. 750
صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)) متفق عليه.
ــ
وابن العربي القولين على احتمال (صلاة العصر) بالجر بدل من صلاة الوسطى، أو عطف بيان لها. والحديث نص في أن الصلاة الوسطى هي العصر، وقد اختلف الناس في تعيين الوسطى على أكثر من عشرين قولاً، أشهرها ثلاثة: أحدها أنها الصبح، قال به مالك والشافعي. والثاني: أنها الظهر، قال به زيد بن ثابت، وعروة. والثالث: أنها العصر، ذهب إليه أكثر علماء الصحابة وجمهور التابعين وأكثر أهل الأثر، قاله الترمذي والبغوي والماوردي وابن عبد البر والطيبي، وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة. واحتجوا بالأحاديث الصحيحة الصريحة، ذكرها الحافظ في الفتح، وابن كثير في تفسيره والمجد بن تيمية في المنتقى، منها حديث علي هذا، ولا يساويه سائر الأحاديث، والآثار الدالة على خلاف ذلك، فهو أصح الأقوال في ذلك، والمذهب الحق الذي يتعين المصير إليه، قال النووي: الذي يقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار. وقال الحافظ: كونها العصر هو المعتمد. (ملأ الله) دعاء عليهم، وأخرجه في صورة الخبر تأكيداً وإشعاراً بأنه من الدعوات المجابة سريعاً، وعبر بالماضي ثقة بالاستجابة فكأنه أجيب سؤاله فأخبر عن وجود إجابته ووقوعها. (بيوتهم وقبورهم ناراً) قال الأشرف: خصهما بالذكر؛ لأن أحدهما مسكن الأحياء والآخر مضجع الأموات، أي جعل النار ملازمة لهم بحيث لا تنفك عنهم لا في حياتهم ولا في مماتهم. قال الطيبي: دعا عليهم بعذاب الدارين من خراب بيوتهم في الدنيا بنهب أموالهم، وسبى ذراريهم، وهدم دورهم، ومن عقاب في الآخرة باشتعال قبورهم ناراً-انتهى. قال الحافظ: وقد استشكل هذا الحديث بأنه تضمن دعاء صدر من النبي ﷺ على من يستحقه، وهو من مات منهم مشركاً، ولم يقع أحد الشقين وهو البيوت، أما القبور فوقع في حق من مات منهم مشركاً لا محالة، ويجاب بأن يحمل على سكانها، وبه يتبين رحجان الرواية بلفظ: قلوبهم أو أجوافهم أي بدل بيوتهم-انتهى. واعلم أنه وقع في هذا الحديث أن الصلاة الفائتة كانت صلاة العصر، وظاهره أنه لم يفت غيرها، وفي المؤطا: أنها الظهر والعصر، وفي غيره: أنه أخر أربع صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء حتى ذهب هوى من الليل، وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أياماً، فكان هذا في بعض الأيام، وهذا في بعضها. (متفق عليه) أي على أصل الحديث، وإلا فقوله "صلاة العصر" ليس عند البخاري، قد تفرد به مسلم، قال الزيلعي في نصب الراية (ج٢: ص٢٠٠) وظيفة المحدث أن يبحث عن أصل الحديث فينظر من خرجه، ولا يضره تغير بعض ألفاظه، ولا الزيادة فيه ولا النقص. والحديث أخرجه البخاري في الجهاد، والمغازي، والتفسير، والدعوات، ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم.
стр. 751
﴿الفصل الثاني﴾
٦٣٦، ٦٣٧- (١١، ١٢) عن ابن مسعود، وسمرة بن جندب، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة
الوسطى صلاة العصر)) رواه الترمذي.
٦٣٨- (١٣) وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله تعالى. ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ قال:
((تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار)) رواه الترمذي.
﴿الفصل الثالث﴾
٦٣٩، ٦٤٠- (١٤، ١٥) عن زيد بن ثابت، وعائشة، قالا: ((الصلاة الوسطى صلاة الظهر
ــ
٦٣٦، ٦٣٧- قوله: (صلاة الوسطى صلاة العصر) ؛ لأنها وسطى بين صلاتي الليل وصلاتي النهار كالأصبع الوسطى بين الأصابع. وهذا الحديث أيضاً نص صريح في أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. (رواه الترمذي) حديث ابن مسعود أخرجه أيضاً أبوداود الطيالسي وأحمد ومسلم، وصححه الترمذي وحديث سمرة حسنه الترمذي في كتاب الصلاة، وصححه في التفسير، ولكنه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف في صحة سماعه منه، فقال: شعبة: لم يسمع منه شيئاً، وقيل: سمع منه حديث العقيقة، وقال البخاري: قال علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح. ومن أثبت مقدم على من نفي، قاله الشوكاني، وتقدم بسط الكلام فيه. وانظر تفصيل الكلام في تهذيب التهذيب في ترجمة الحسن (ج٢: ص٢٦٣-٢٧٠) ، ونصب الراية (ج٢ص٨٩) ، والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج٥: ص٧، ١٢، ١٣) وفي رواية له: أن النبي ﷺ قال: حافظوا على الصلوات، وسماها لنا أنها صلاة العصر.
٦٣٨- قوله: (إن قرآن الفجر) أي صلاة الفجر، سميت قرآناً وهو القراءة؛ لأنها ركن منها لا تجوز الصلاة إلا بها كما سميت ركوعاً وسجوداً وقنوتاً أي قياماً. (كان) كلمة كان لإفادة أنه كذلك في تقدير الله أو علمه، أو زائدة، أو للدلالة على الاستمرار مثل كان الله غفوراً رحيماً. (مشهوداً) أي محضوراً. (تشهده) أي تحضره، وهو استئناف مبين. (ملائكة الليل وملائكة النهار) أي ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء، فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار. وفائدة تسميته بالقرآن الحث على طول القراءة فيها فيسمع الناس القرآن، ولذلك كانت صلاة الفجر أطول الصلوات قراءة، قاله الطيبي. (رواه الترمذي) في التفسير وصححه، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه.
٦٣٩، ٦٤٠- قوله: (عن زيد بن ثابت وعائشة) أي موقوفاً. (قالا: الصلاة الوسطى صلاة الظهر) ؛ لأنها وسط طرفي النهار ولأنها متوسطة بين نهاريتين، وجاء ذلك أيضاً عن أبي سعيد، وعبد الله بن شداد، وابن عمر، أخرجه ابن المنذر وغيره، وعن أسامة بن زيد، أخرجه الطيالسي وأحمد. واحتج لهم بحديث زيد بن ثابت الآتي، وسيأتي الجواب
стр. 752
رواه مالك عن زيد، والترمذي عنهما تعليقاً.
٦٤١- (١٦) وعن زيد بن ثابت، قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله ﷺ منها. فنزلت. ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ وقال:
ــ
عنه. (رواه مالك عن زيد) أي وحده، وأخرجه أحمد (ج٥: ص١٨٣) والطيالسي، وابن جرير أيضاً. (والترمذي عنهما) أي عن زيد وعائشة جميعاً. (تعليقاً) قال الترمذي في جامعه: وقال زيد بن ثابت وعائشة: صلاة الوسطى صلاة الظهر انتهى. وهذا كما ترى ذكر الترمذي قولهما بلا إسناد. وقد تقدم التنبيه على أنه لا يقال في مثل هذا "رواه"، إنما يقال "ذكره" أو "أورده"، فقول المصنف "رواه الترمذي عنهما تعليقاً" لا يخلو عن تسامح. والتعليق هو أن يحذف من مبدأ إسناده واحد فأكثر على التوالي، ويعزى الحديث إلى فوق المحذوف من رواته، واستعمله بعضهم في حذف كل الإسناد، كقال رسول الله ﷺ كذا، وهو مأخوذ من تعليق الجدار والطلاق لإشتراكهما في قطع الاتصال. هذا، والصحيح عن عائشة مثل قول الجمهور: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. كما نص عليه ابن كثير، روى ذلك عنها ابن أبي شيبة، وابن جرير، وسعيد بن منصور، وأبوعبيد.
٦٤١- قوله: (بالهاجرة) أي في شدة الحر بعد الزوال. (أشد) أي أشق وأصعب. (منها) أي من صلاة الظهر بالهاجرة، ولذا كانوا يسجدون على ثيابهم. (حافظوا على الصلوات) أي بالأداء لوقتها والمداومة عليها بجميع شروطها وأركانها، وفي "فاعل" هنا قولان: أحدهما أنه بمعنى فعل، كطارقت النعل، وعاقبت اللص، ولما ضمن المحافظ معنى المواظبة عداها بعلى. والثاني أن "فاعل" على بابها من كونها بين اثنين، فقيل بين العبد وربه كأنه قال: احفظ هذه الصلاة يحفظك الإله الذي أمرك بها. وقيل: بين العبد والصلاة أي احفظها تحفظك عن المعاصي، وعن البلايا والمحن، وبالشفاعة في المحشر. (والصلاة الوسطى) ذكر للخاص بعد العام أي ما كان ينبغي أن تضيعوها لثقلها عليكم، فإنها الوسطى أي الفضلى، قاله الطيبي. (وقال) أي زيد بن ثابت، أو قال النبي ﷺ ، والأول هو الصواب، قاله السيد، ويؤيده رواية الطحاوي عن زيد بن ثابت، قال: كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهجير، وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، فنزلت: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [٢: ٢٣٨] ؛ لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. قال الحافظ: وروى الطيالسي من طريق زهرة بن معبد قال: كنا عند زيد بن ثابت فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر. ورواه من وجه آخر وزاد: كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان، والناس في قائلتهم، وفي تجارتهم، فنزلت. قال الشوكاني: أثر زيد وأثر أسامة استدل بهما من قال: إن الصلاة الوسطى هي الظهر، وأنت خبير بأن مجرد كون صلاة الظهر كانت شديدة على الصحابة لا يستلزم أن تكون الآية نازلة فيها، غاية ما في ذلك أن المناسب أن تكون الوسطى هي الظهر، ومثل هذا لا يعارض به تلك النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طرق
стр. 753
إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين)) رواه أحمد، وأبوداود.
٦٤٢، ٦٤٣- (١٧، ١٨) وعن مالك، بلغه أن على بن أبي طالب وعبد الله بن عباس كانا يقولان: ((الصلاة الوسطى صلاة الصبح)) رواه في الموطأ.
ــ
متعددة، وعلى فرض أن قول هذين الصحابيين تصريح ببيان سبب النزول لا إبداء مناسبة، فلا يشك من له أدنى إلمام بعلوم الاستدلال أن ذلك لا ينتهض لمعارضة ما سلف. (إن قبلها صلاتين) أى إحداهما نهارية وأخرى ليلية. (وبعدها صلاتين) كذلك، أو هي واقعة وسط النهار. (رواه أحمد) (ج٥: ص١٨٣) . (وأبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. قال الشوكاني: وأخرجه البخاري في التاريخ، والنسائي بإسناد رجاله ثقات
٦٤٢، ٦٤٣- قوله: (عن مالك بلغه أن على بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح) وهو قول أبي أمامة، وأنس، وجابر. قال الحافظ: والمعروف عن على خلافه. وقال الزرقاني: المعروف عنه أنها العصر، أخرجه عنه عبد الرزاق، وابن جرير، والبيهقي، وابن المنذر. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير عن زر، قال: قلت لعبيدة: سل علياً عن الصلاة الوسطى، فسأله، فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر. وروى عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن علي قال: كنا نراها الفجر، فقال رسول الله ﷺ : هي صلاة العصر، يعني صلاة الوسطى. قلت: واحتج لمن قال: إنها صلاة الصبح بما رواه النسائي عن ابن عباس، قال: أدلج رسول الله ﷺ ، ثم عرس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها، فلم يصل حتى ارتفعت الشمس فصلى، وهي صلاة الوسطى. قال الشوكاني: ويمكن الجواب عنه بوجهين: الأول أن ما روي من قوله في هذا الخبر: وهي صلاة الوسطى، يحتمل أن يكون من المدرج وليس من قول ابن عباس، ويحتمل أن يكون من قوله. وقد أخرج عنه أبونعيم، وابن جرير، وابن المنذر، والبزار أنه قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر، وهذا صريح لا يتطرق إليه من الاحتمال ما يتطرق إلى الأول، فلا يعارضه. الوجه الثاني ما تقرر من القاعدة أن الاعتبار عند مخالفة الراوي روايته بما روى لا بما رأى، فقد روى عنه أحمد في مسنده قال: قاتل رسول الله ﷺ عدواً فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها، فلما رأى ذلك قال: اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى املاء بيوتهم نارا أو قبورهم ناراً، على أن ابن عباس لم يرفع تلك المقالة إلى رسول الله ﷺ ، بل قالها من قبل نفسه، وقوله ليس بحجة-انتهى بزيادة يسيرة. (رواه) أي مالك. (في الموطأ) قال القاري: فيه أنه ينحل الكلام إلى أن مالكاً رواه في الموطأ عن مالك بلغه، ولا يخفى ما فيه من الحزازة، فكان حق المصنف أن يقول أولاً: عن علي وابن عباس، الخ. ثم يقول رواه مالك في الموطأ بلاغاً. فإن مالكا ليس من الرواة بل من المخرجين-انتهى. قلت: أما أثر على فأخرجه البيهقي بسنده عن مالك هكذا بلاغاً. قال ابن التركماني: وفي التمهيد روى من حديث حسين بن عبد الله بن ضمرة عن أبيه. عن جده، عن علي قال: هي صلاة الصبح، وحسين هذا متروك الحديث، ولا يصح حديثه. وقال قوم: ما أرسله مالك
стр. 754
٦٤٤- (١٩) ورواه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقاً.
٦٤٥- (٢٠) وعن سلمان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من غدا إلى صلاة الصبح غدا براية
الإيمان، ومن غدا إلى السوق إذا براية إبليس)) رواه ابن ماجه.
(٤) باب الأذان
ــ
في موطأ عن علي أنها الصبح أخذه من حديث ابن ضمرة؛ لأنه لا يوجد عن علي إلا من حديثه-انتهى. وأما أثر ابن عباس فوصله ابن جرير من طرق، وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور وعبد بن حميد.
٦٤٤- قوله: (ورواه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقاً) قال الترمذي: وقال ابن عباس وابن عمر: صلاة الوسطى صلاة الصبح-انتهى. ولم أقف على من وصله عن ابن عمر، نعم قال ابن كثير: حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عمر، وحكى أبومحمد عبد المؤمن خلف الدمياطي في كتابه المسمى "كشف الغطاء عن الصلاة الوسطى" عن ابن عمر على الصحيح عنه: أنها العصر. والله أعلم.
٦٤٥- قوله: (من إذا إلى صلاة الصبح) إلخ. قال الطيبي: تمثيل لبيان حزب الله وحزب الشيطان، فمن أصبح يغدو إلى المسجد كأنه يرفع أعلام الإيمان، ويظهر شعائر الإسلام، ويوهن أمر المخالفين. وفي ذلك ورد الحديث "فذلكم الرباط"، ومن أصبح يغدو إلى السوق فهو من حزب الشيطان، يرفع أعلامه ويشيد من شوكته، وهو في توهين دينه، وفي قوله "غدا" إشارة إلى أن التبكير إلى السوق محظور، فمن راجع بعد أدائه وظائف طاعته لطلب الحلال، وما يتقوم به صلبه للعبادة، ويتعفف عن السؤال كان من حزب الله تعالى-انتهى. (غدا براية إبليس) أي فينبغي أن لا يدخل السوق إلا لضرورة، وقيل: هذا في حق من غدا إلى السوق من غير أن يغدوا إلى صلاة الصبح، وإلا فمن غدا إلى السوق بعد الغدو إلى الصلاة لكسب الرزق الحلال فلا بأس به، كما تقدم. (رواه ابن ماجه) في التجارات. قال في الزوائد: في إسناد عيسى بن ميمون، متفق على تضعيفه.
(باب الأذان) بفتح الهمزة أي مشروعيته كيفية وكمية، وهو في اللغة الإعلام، وفي الشرع: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. قال الحافظ: وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرعت بمكة قبل الهجرة، فذكر تلك الأحاديث، ثم قال: والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث. وقد جزم ابن المنذر بأنه ﷺ كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر، ثم حديث عبد الله بن زيد-انتهى. والمراد بحديث عبد الله بن عمر وحديث عبد الله بن زيد اللذان ذكرهما المصنف في الفصل الثالث، وهما أصح ما ورد في تعيين إبتداء وقت الأذان، وفيهما دليل أيضاً على أن بدأ الأذان كان في السنة
стр. 755
﴿الفصل الأول﴾
٦٤٦- (١) عن أنس، قال: ((ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى، فأمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يؤتر الإقامة))
ــ
الأولى من الهجرة؛ لأن المراد بقوله "فناد بالصلاة" في حديث ابن عمر أي بالصلاة جامعة، وكان ذلك قبل الأذان المخصوص المشروع برؤيا عبد الله بن زيد، وكانت رؤياه في السنة الأولى بعد بناء المسجد، على ما قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٥: ص٢٢٤) وقيل: كان بدءه في السنة الثانية، والأول هو الراجح.
٦٤٦- قوله: (ذكروا) أي الصحابة لإعلام وقت الصلاة. (النار والناقوس) أي ذكر جمع منهم إيقاد النار، وذكر جمع ضرب الناقوس، وهو خشبة طويلة يضربها النصارى بأقصر منها لإعلام أوقات صلاتهم. (فذكروا) أي الصحابة. (اليهود والنصارى) وفي رواية: لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يوروا ناراً أو يضربوا ناقوساً. وأوضح من ذلك ما وقع عند أبي الشيخ بلفظ: فقالوا لو اتخذنا ناقوساً، فقال رسول الله ﷺ : ذاك للنصارى، فقالوا: لو اتخذنا بوقاً، فقال: ذاك لليهود، فقالوا: لو رفعنا ناراً، فقال: ذاك للمجوس. فعلى هذا ففي الرواية التي ذكرها المصنف اختصار، كأنه كان فيه: فذكروا النار والناقوس والبوق، فذكروا اليهود والنصارى والمجوس. واللف والنشر فيه معكوس، فالنار للمجوس، والناقوس للنصارى، والبوق لليهود، وسيأتي في حديث ابن عمر التنصيص على أن البوق لليهود، وقال الكرماني: يحتمل أن تكون النار والبوق جميعاً لليهود جمعاً بين حديثى أنس وابن عمر-انتهى. ورواية أبي الشيخ تغني عن هذا الاحتمال. (فأمر) ببناء المجهول. (بلال) أي أمره النبي ﷺ كما وقع مصرحاً به في رواية النسائي وغيره، وفي الكلام اختصار، والتقدير: فافترقوا بعد أن ذكروا ما ذكروا من نار وناقوس وبوق، فرأى عبد الله بن زيد الأذان، فجاء إلى النبي ﷺ فقص عليه رؤياه فصدقه فأمر بلال، الخ.. (أن يشفع الأذان) أي يأتي بكلماته مثنى مثنى إلا كلمة التوحيد في آخره فإنها مفردة. وإلا لفظ التكبير في أوله فإنه أربع، وقد جاء به صريح الروايات، فالمراد معظمه. (وأن يؤتر الإقامة) أي يأتي بألفاظها مرة مرة سوى التكبير في أولها وآخرها، فهو أيضاً محمول على التغليب، أو معناه أن يجعل على نصف الأذان فيما يصلح للإنتصاف، فلا يشكل بتكرار التكبير في أولها وآخرها، ولا بكلمة التوحيد في آخرها، وفيه دليل على أن الإقامة فرادى، وهو مذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. إلا أن مالكاً يقول: إن الإقامة عشر كلمات بتوحيد "قد قامت الصلاة". وأما الشافعي وأحمد وإسحاق، فعندهم إحدى عشرة كلمة، فإنهم يقولون بتثنية قد قامت الصلاة، والحديث حجة لهم على مالك كما سيأتي، وكذلك حجة على من زعم أن الإقامة مثنى مثل الأذان، وهم الحنفية. وقال صاحب فيض الباري: لم يسنح لي ترجيح تثنية الإقامة بعد، مع
стр. 756
قال إسماعيل: فذكرته لأيوب، فقال: ((إلا الإقامة)) متفق عليه.
٦٤٧- (٢) وعن أبي محذورة، قال: ((ألقى على رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه، فقال: قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،
ــ
ثبوت كلا الأمرين قطعاً. (قال إسماعيل) أي ابن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبوبشر البصري المعروف بابن علية، ثقة حافظ قال شعبة: إسماعيل ابن علية ريحانة الفقهاء. وقال أيضاً: هو سيد المحدثين. مات سنة (١٩٣) أو (١٩٤) وهو ابن (٨٣) . (فذكرته) أي الحديث. (لأيوب) أى ابن أبي تميمة السختياني نسبة إلى عمل السختيان وبيعه، وهو جلود الضان، ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، من صغار التابعين، مات سنة (١٣١) وله (٦٥) وبسط فضائله وفضائل ابن علية في تهذيب التهذيب، فارجع إليه. (فقال: إلا الإقامة) أي إلا قوله قد قامت الصلاة، فإنها تشفع؛ لأنها المقصود من الإقامة بالذات، فالمراد بالمنفي غير المراد بالمثبت، فالمراد بالمثبت جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصلاة، والمراد بالمنفي خصوص قوله: قد قامت الصلاة، وحصل من ذلك جناس تام. وقد ادعى ابن مندة أن قوله: إلا الإقامة، من قول أيوب غير مسند، وكذا قال أبومحمد الأصيلي: إنه من قول أيوب، وليس من الحديث، وقولهما متعقب بحديث. معمر عن أيوب عند عبد الرزاق؛ لأنه رواه عنه بسنده متصلاً بالخبر مفسراً، ولفظه: كان بلال يثني الأذان ويؤتر الإقامة إلا قوله: قد قامت الصلاة. والأصل أن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل في رواية إسماعيل هذه؛ لأنه إنما يتحصل منها أن خالداً الحذاء كان لا يذكر الزيادة، وكان أيوب يذكرها، وكل منهما روى الحديث، عن أبي قلابة عن أنس. فكان في رواية أيوب زيادة من حافظ فتقبل، قاله الحافظ في الفتح. (متفق عليه) واللفظ للبخاري، إلا أن أول الحديث وصدره إلى قوله "وأن يوتر الإقامة" من رواية عبد الوارث، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، ذكرها في باب بدء الأذان، وقوله إسماعيل، الخ. ليس في هذه الرواية، إنما هي في رواية أخرى، وهي رواية إسماعيل، عن خالد أبي قلابة، ذكرها في باب الإقامة واحدة إلا قوله: قد قامت الصلاة. والحاصل أن أول الحديث مروي من طريق، وآخره من طريق آخر، وصنيع المنصف يدل على أن جميع الحديث مروي من طريق واحدة، ولا يخفى ما فيه. والحديث أخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، إلا أنه ليس في الترمذي، والنسائي، وابن ماجه "إلا الإقامة".
٦٤٧- قوله (وعن أبي محذورة) القرشي الجمحي المكي المؤذن، صحابي مشهور، قيل: اسمه أوس، وقيل: سمرة، وقيل: سلمة، وقيل: سلمان. وأبوه معير- بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح التحتانية-، وقيل: عمير بن لوذان. مات بمكة سنة (٥٩) وقيل: تأخر بعد ذلك أيضاً. (ألقى على رسول الله ﷺ التأذين) أي الأذان يعني لقنني كل كلمة من هذه الكلمات. (الله أكبر) بسكون الراء؛ لأنه روي وسمع موقوفاً غير معرب في مقاطعه في الصلاة والأذان، وأكبر
стр. 757
أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ثم تعود فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله))
ــ
بمعنى كبير، أو المراد أكبر من كل شيء. (أشهد) أى أعلم وأبين، وقيل: أقضى، وقيل: أتيقن وأتحقق. (ثم تعود) أي ترجع بهذه الكلمات. (فتقول) بالخطاب فيهما، وهما فعلان بمعنى الأمر، وفي بعض روايات أبي محذورة: ثم ارجع فمد من صوتك أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. وفي بعض رواياته، تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، الخ. وهذه الروايات نصوص صريحة في مشروعية الترجيع وسنيته في الأذان. قال النووي: في حديث أبي محذورة حجة بينة ودلالة واضحة لمذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء أن الترجيع في الأذان ثابت مشروع، وهو العود إلى الشهادتين مرتين برفع الصوت بعد قولهما مرتين بخفض الصوت. وقال أبوحنيفة والكوفيون: لا يشرع الترجيع، عملاً بحديث عبد الله بن زيد، فإنه ليس فيه ترجيع، وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح، والزيادة مقدمة مع أن حديث أبي محذورة هذا متأخر من حديث عبد الله بن زيد، فإن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث ابن زيد في أول الأمر، وانضم إلى هذا كله عمل أهل مكة والمدينة وسائر الأمصار-انتهى. قلت: اختلف أقوال الحنفية في الترجيع، فقال بعضهم بكراهته كما في ملتقى الأبحر، وقال بعضهم: هو خلاف الأولى. وقال ابن نجيم في البحر الرائق: الظاهر من عباراتهم أن الترجيع عندنا مباح فيه ليس بسنة ولا مكروه. وقال صاحب فيض الباري: لا خلاف فيه عند التحقيق إلا في الأفضلية-انتهى. وللحنفية ومن تبعهم في القول بكراهة الترجيع أو كونه خلاف الأولى والأفضل أعذار عن العمل بروايات الترجيع الصريحة الصحيحة، وكلها باردة سخيفة مخدوشة، ذكرها شيخنا في شرح الترمذي (ج١: ص١٧٠، ١٧١) وفي أبكار المنن (ص٧٦-٨٠) ثم بسط الكلام في ردها فعليك أن تراجعهما. قال السندي في حاشية ابن ماجه في شرح قوله: ثم قال لي ارجع فمد من صوتك، ما لفظه: هذا صريح في أنه ﷺ أمره بالترجيع، فسقط ما توهم أنه كرره له تعليماً فظنه ترجيعاً، وقد ثبت عدم الترجيع في أذان بلال يعرفه من له معرفة بهذا العلم بلا ريب، فالوجه القول بجواز الوجهين-انتهى. قلت: هذا هو الحق أن الوجهين جائزان ثابتان مشروعان سنتان من سنن النبي ﷺ . (حي على الصلاة) حي اسم فعل بمعنى الأمر، وفتحت ياءه لسكونها وسكون ما قبلها أي هلموا إليها، واقبلوا عليها، وتعالوا مسرعين إليها. (حي على الفلاح) هو الخلاص من كل مكروه والظفر بكل مراد، وقيل: هو البقاء أي
стр. 758
رواه مسلم.
﴿الفصل الثاني﴾
٦٤٨- (٣) عن ابن عمر، قال: ((كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة
مرة،
ــ
أسرعوا إلى ما هو سبب الخلاص من العذاب، والفوز بالثواب، والبقاء في دار القرار وهو الصلاة في المسجد. (رواه مسلم) فيه نظر؛ لأن نص الحديث في صحيح مسلم هكذا: عن أبي محذورة أن النبي ﷺ علمه هذا الأذان: الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلاالله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. ثم يعود فيقول، أي بالغيبة فيهما: أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين. أشهد أن محمداً رسول الله، مرتين. حي على الصلاة، مرتين. حي على الفلاح، مرتين. زاد إسحاق-أى شيخ مسلم راوي الحديث- الله أكبر الله أكبر. لاإله إلا الله. قال النووي: هكذا وقع في هذا الحديث في صحيح مسلم في أكثر الأصول في أوله الله أكبر الله أكبر. مرتين فقط. ووقع في غير مسلم: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أربع مرات. قال عياض: ووقع في بعض طرق الفارسي في صحيح مسلم أربع مرات-انتهى. قلت: وأخرجه أيضاً بتربيع التكبير الشافعي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وابن حبان. وقال ابن القطان: الصحيح في هذا تربيع التكبير، وبه يصح كون الأذان تسع عشر كلمة، كما في الرواية الآتية مضموماً إلى تربيع التكبير الترجيع. قال الحافظ حاكياً عن ابن القطان: وقد وقع في بعض روايات مسلم بتربيع التكبير، وهي التي ينبغي أن تعد في الصحيح-انتهى. وقد رواه أبونعيم في المستخرج، والبيهقي بتربيع التكبير، وقال بعده: أخرجه مسلم عن إسحاق، وكذلك أخرجه أبوعوانة في مستخرجه من طريق ابن المديني عن معاذ. واعلم أن ما ذكره البغوي ههنا في المصابيح هو لفظ أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، كما لا يخفى، وصنيعه هذا مخالف لما اشترط على نفسه من أنه يورد في الصحاح ما أخرجه الشيخان أو أحدهما. وأما اللفظ الذي ذكره صاحب المشكاة فليس هو لمسلم كما عرفت ولا لأبي داود والنسائي وابن ماجه.
٦٤٨- قوله: (كان الأذان) أي ألفاظه من الجمل. (علىعهد رسول الله ﷺ ) أي في عهده، عدى بعلى لمعنى الظهور، قاله الطيبي. (مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة) أي كانت كلمات الأذان مكررة، والإقامة مفردة نظرا إلى الغالب. وقال القاري: خص التكبير عن التكرير في أول الأذان فإنه أربع لما تقدم، وخص التهليل عنه في آخره فإنه وتر بالاتفاق. وهذا الحديث بظاهره يدل على نفي الترجيع-انتهى. قلت: الترجيع وإن كان غير مذكور في هذا الحديث لكنه ثبت بحديث أبي محذورة، وهو حديث صحيح مشتمل على زيادة غير منافية فيجب قبولها، ولو صرح ابن عمر بالنفي لكان حديث أبي محذورة أخرى بالقبول؛ لأن المثبت مقدم على النافي، وخص التكبير عن الإفراد في أول الإقامة وآخرها
стр. 759
غير أنه كان يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة)) رواه أبوداود، والنسائي، والدارمي.
٦٤٩- (٤) وعن أبي محذورة، ((أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة)) رواه أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي والدارمي وابن ماجه.
٦٥٠- (٥) وعنه، قال: ((قلت: يارسول الله ﷺ ! علمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدم رأسه.
ــ
لحديث عبد الله بن زيد عند أبي داود وغيره. (غير أنه) أي المؤذن. (كان يقول) أي في الإقامة. (قد قامت الصلاة) أي مرتين. والمعنى قاربت قيامها. وقال في النهاية: أي قام أهلها، أو حان قيام أهلها. وقيل: عبر بالماضي إعلاماً بأن فعلها القريب الوقوع كالمحقق حتى يتهيأ له ويبادر إليه. كذا في المرقاة. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. (والنسائي والدارمي) وأخرجه أيضاً الشافعي، وأحمد، وأبوعوانة، وابن خزيمة، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، وفي إسناده أبوجعفر المؤذن. قال ابن حبان: اسمه محمد بن مسلم بن مهران. قال شعة: لا يحفظ لأبي جعفر غير هذا الحديث. وقال الحافظ في التقريب: أبوجعفر المؤذن مقبول. وقال ابن معين والدارقطني: ليس به بأس، وقد صرح اليعمري في شرح الترمذي أن حديث ابن عمر إسناده صحيح.
٦٤٩- قوله: (الأذان تسع عشرة كلمة) ؛ لأن التكبير في أوله أربع، والترجيع في الشهادتين يصير كل واحدة منهما أربعة ألفاظ، والحيعلتين أربع كلمات، والتكبير كلمتان، وكلمة التوحيد في آخره، وهذا نص صريح في سنية الترجيع في الأذان. (والإقامة) بالنصب عطفاً على الأذان أي وعلمه الإقامة. (سبع عشرة كلمة) بتربيع التكبير في أول الإقامة وترك الترجيع وزيادة قد قامت الصلاة مرتين، وباقي ألفاظها كالأذان، فتكون الإقامة ذلك المقدار. قال السندي: هذا العدد لا يستقيم إلا على تربيع التكبير في أول الأذان، والترجيع والتثنية في الإقامة، وقد ثبت عدم الترجيع في أذان بلال وإفراد إقامته، فالوجه جواز الكل. (رواه أحمد) (ج٣: ص٤٠٩) و (ج٦: ص٤٠١) بذكر ألفاظ الأذان والإقامة تفصيلاً. (والترمذي) مختصراً، وقال: حديث حسن صحيح. (وأبوداود) بذكر الأذان والإقامة مفسراً، وسكت عليه هو والمنذري. (والنسائي والدارمي) كلاهما مختصراً إلا أن النسائي قال: ثم عدها أبومحذورة تسع عشرة كلمة وسبع عشرة كلمة. (وابن ماجه) مطولاً، وأخرجه أيضاً الطيالسي، وابن الجارود، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وتكلم عليه بأوجه من التضعيف ردها ابن دقيق العيد في الإمام، وصحح الحديث. وأخرجه أيضاً الطبراني، وإن شئت الوقوف على كلام ابن دقيق فارجع إلى نصب الراية (ج١: ص٢٦٨، ٢٦٩) .
٦٥٠- قوله: (سنة الأذان) أي طريقته في الشرع. (قال) أي الراوي. (فمسح) أي رسول الله ﷺ . (رأسه) أي
стр. 760
قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ترفع بها صوتك. ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. تخفض بها صوتك. ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة، حي على الصلاة. حي على الفلاح، حي على الفلاح. فإن كان صلاة الصبح،
ــ
رأس أبي محذورة ليحصل له بركة يده الموصلة إلى الدماغ وغيره فيحفظ ما يلقى إليه ويملى عليه. (قال: تقول) بتقدير أن أي الأذان قولك. وقيل: أطلق الفعل وأريد به الحدث على مجاز ذكر الكل وإرادة البعض، أو خبر معناه الأمر أي قل. (الله أكبر) قال ابن حجر: يسن للمؤذن الوقف على كل كلمة من هذه الأربعة، وكذا ما بعدها؛ لأنه روي موقوفاً. وإن وصل على خلاف السنة، فالذي عليه الأكثرون ضم الراء، واختار المبرد فتحها، ووجهه أن الفتح أخف، وهو مستلزم تفخيم لام الجلالة كما حقق في الم الله. كذا في المرقاة. (ترفع بها صوتك) جملة حالية أو استئنافية مبينة. (تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة) الخ. قال الزيلعي في نصب الراية (ج١: ص٢٦٣) بعد ذكره: وهو لفظ ابن حبان في صحيحه، واختصره الترمذي ولفظه: عن أبي محذورة أن رسول الله ﷺ أقعده وألقى عليه الأذان حرفاً حرفاً. قال بشر: فقلت له: أعد على، فوصف الأذان بالترجيع-انتهى. وطوله النسائي وابن ماجه وأوله: خرجت في نفر، فلما كنا ببعض الطريق أذن مؤذن رسول الله ﷺ ، إلى أن قال: ثم قال لي: ارجع فامدد من صوتك أشهد أن لا إله إلا الله، الحديث. قال صاحب الهداية اعتذار عن العمل بحديث أبي محذورة: إن ما رواه كان تعليماً، فظنه ترجيعاً. وقال الطحاوي في شرح الآثار (ص٧٩) : يحتمل أن الترجيع إنما كان لأن أبا محذورة لم يمد بذلك صوته، فقال له ﵇: ارجع فامدد من صوتك، وقال ابن الجوزي في التحقيق: إن أبا محذورة كان كافراً قبل أن يسلم، فلما أسلم ولقنه النبي ﷺ الأذان أعاد عليه الشهادة وكررها لتثبت عنده ويحفظها، ويكرر على أصحابه المشركين، فإنهم كانوا ينفرون منها خلاف نفورهم من غيرها، فلما كررها عليه ظنها من الأذان، فعده تسع عشرة كلمة-انتهى. وقد ذكر الزيلعي في نصب الراية هذه الأقوال الثلاثة، وقال: هذه الأقوال متقاربة في المعنى، ثم ردها فقال: ويردها لفظ أبي داود: قلت: يارسول الله ﷺ علمني سنة الأذان، وفيه، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك بها، فجعله من سنة الأذان، وهو كذلك في صحيح ابن حبان، ومسند أحمد (ج٣: ص٤٠٨) –انتهى. وكذلك رد هذه الأقوال الثلاثة الحافظ في الدراية، ولردها وجوه أخرى لا تخفى على المتأمل المنصف غير المتعسف. (فإن كان) أي الوقت أو
стр. 761
قلت: الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)) رواه أبوداود.
٦٥١- (٦) وعن بلال، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((لا تثوبن في شيء من الصلوات إلا في صلاة
الفجر))
ــ
ما يؤذن لها (صلاة الصبح) بالنصب أي وقته، وقيل بالرفع فكان تامة. (قلت) أي في أذانها. (الصلاة خير من النوم) أي لذتها خير من لذته عند أرباب الذوق وأصحاب الشوق، ويمكن أن يكون من باب "العسل أحلى من الخل" قاله القاري. (رواه أبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. وقال القاري: قال النووي: حسن، نقله ميرك. وقال ابن الهمام: إسناده صحيح- انتهى. قلت: في سنده الحارث بن عبيد أبوقدامة، قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ. وقال الذهبي في الميزان: قال الفلاس: رأيت ابن مهدي يحدث عن أبي قدامة، وقال: ما رأيت إلا خيراً، وفيه أيضاً محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي المكي المؤذن، وقد وثقه ابن حبان. وقال الحافظ في التقريب: مقبول. فالحديث إن لم يكن صحيحاً فلا ينحط عن درجة الحسن، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٣: ص٤٠٨) وابن حبان وغيرهما.
٦٥١- قوله: (وعن بلال) هو بل بن رباح التيمي مولاهم المؤذن أبوعبد الله، ويقال أبوعبد الرحمن، وقيل غير ذلك في كنيته، وهو ابن حمامة، وهي أمه، أسلم قديماً. وعذب في الله، وشهد بدراً والمشاهد كلها، وسكن دمشق آخراً. قال أنس: بلال سابق الحبشة، وقال عمر: أبوبكر سيدنا، وأعتق سيدنا، أذن للنبي ﷺ ولم يؤذن لأحد بعده إلا مرة في قدمة قدمها المدينة، وقيل: إنه لم يتمها من كثرة الضجيج، له أربعة وأربعون حديثاً، اتفق على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديث، مات بالشام سنة (١٧) أو (١٨) أو (٢٠) وله بضع وستون سنة، ولا عقب له. (لا تثوبن) من التثويب، وهو لغة العود إلى الإعلام بعد الإعلام، ويطلق على الإقامة كما في حديث: حتى إذا ثوب أدبر، حتى إذا فرغ أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه، وعلى قول المؤذن في أذان الفجر "الصلاة خير من النوم". وكل من هذين تثويب قديم ثابت من وقته ﷺ إلى يومنا هذا. وقد أحدث الناس تثويباً ثالثاً بين الأذان والإقامة، قاله في فتح الودود، قلت: والمراد في حديث بلال هذا هو قول المؤذن في أذان الفجر "الصلاة خير من النوم"، قال الجزري: هو قوله: الصلاة خير من النوم. قال: والأصل في التثويب أن يجيء الرجل مستصرخاً فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر فكان ذلك كالدعاء فسمى الدعاء تثويباً لذلك، وكل داع مثوب. وقيل: إنما سمى تثويباً من ثاب يثوب إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فإن المؤذن إذا قال: حي على الصلاة، فقد دعاهم إليها، وإذا قال بعدها "الصلاة خير من النوم" فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها-انتهى كلام الجزري. (في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر) الحديث يدل على مشروعية قول المؤذن في أذان الفجر "الصلاة خير من النوم"، وأنه مخصوص بالفجر، ومحل هذا القول هو بعد قوله: حي على الفلاح، كما تقدم في حديث أبي محذورة. ويدل عليه أيضاً حديث أنس عند ابن خزيمة في صحيحه.
стр. 762
رواه الترمذي. وابن ماجه. وقال الترمذي: أبوإسرائيل الراوي ليس هو بذاك القوي عند أهل الحديث.
٦٥٢- (٧) وعن جابر: ((أن رسول الله ﷺ قال لبلال: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر،
ــ
والدارقطني والبيهقي، قال البيهقي: إسناده صحيح، وصححه ابن السكن، وحديث ابن عمر عند السراج، والطبراني، والبيهقي، وسنده حسن كما صرح به الحافظ. وخص به الفجر لكونه وقت نوم وراحة وغفلة. وأما الأوقات الأخرى فهي على غير ذلك. روى أبوداود عن مجاهد، قال: كنت مع ابن عمر، فثوب رجل في الظهر والعصر، قال: أخرج بنا فإن هذه بدعة. قال ابن الهمام: وأما التثويب بين الأذان والإقامة فلم يكن على عهده ﵇. (رواه الترمذي وابن ماجه) واللفظ للترمذي، ولفظ ابن ماجه عن بلال قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أثوب في الفجر، ونهاني أن أثوب في العشاء. وأخرجه أيضاً أحمد (ج٦: ص١٤-١٥) والبيهقي (ج١: ص٤٢٤) كلهم من طريق أبي إسرائيل، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال. قال الترمذي: أبوإسرائيل لم يسمع هذا الحديث من الحكم بن عتيبة، قال: إنما رواه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم-انتهى. والحسن بن عمارة متروك الحديث. وقال البيهقي: عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق بلالاً. والحديث وإن كان ضعيف الإسناد لكنه تأيد بأحاديث أبي محذورة وأنس، وابن عمر وغيرهم. (أبو إسرائيل الراوي) اسمه إسماعيل بن أبي إسحاق خليفة الملائي. (ليس هو بذاك القوي عند أهل الحديث) الظاهر أن ضعفه أكثره من سوء حفظه، قال أبوحاتم: حسن الحديث، جيد اللقاء، وله أغاليط، لا يحتج بحديثه، ويكتب حديثه، وهو سيء الحفظ، وقال ابن المبارك: لقد من الله على المسلمين بسوء حفظ أبي إسرائيل. وقال العقيلي: في حديثه وهم واضطراب، له ومع ذلك مذهب سوء. وقال الحافظ في التقريب: إسماعيل بن خليفة العبسي أبوإسرائيل الملائي الكوفي معروف بكنيته، وقيل: اسمه عبد العزيز، صدوق، وسيء الحفظ، نسب إلى الغلو في التشيع، مات سنة (٦٩) وله أكثر من. (٨٠) سنة.
٦٥٢- قوله: (إذا أذنت فترسل) أي تأن، وترفق، وتمهل، ورتل ألفاظه، ولا تعجل، ولا تسرع في سردها، يقال: ترسل في كلامه ومشيه إذا لم يعجل. وفيه دليل على شرعية الترسل في الأذان؛ لأن المراد منه الإعلام للبعيد، وهو مع الترسل أكثر إبلاغاً. قال ابن العربي: السنة في الأذان الترسل والترفق؛ لأنه يكون لإسماع جميع المصلين وعنده يحصل الإعلام. (وإذا أقمت فاحدر) بضم الدال من باب نصر أي أسرع في التلفظ بكلمات الإقامة. وفيه دليل على شرعية الحدر والإسراع في الإقامة؛ لأن المراد منها إعلام الحاضرين، فكان الإسراع بها أنسب فيفرغ منه بسرعة،
стр. 763
واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله. والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني)) رواه الترمذي. وقال: لا نعرفه إلا من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول.
٦٥٣- (٨) وعن زياد بن الحارث الصدائي قال: ((أمرني رسول الله ﷺ :
ــ
فيأتي بالمقصود وهو الصلاة. (واجعل بين أذانك وإقامتك) أي زماناً يسيراً بحيث يكون. (قدر ما يفرغ الآكل من أكله) الخ. يعني تمهل وقتا يقدر فيه فراغ الآكل من أكله الخ، فإن الأذان نداء لغير الحاضرين ليحضروا الصلاة، فلا بد من تقدير وقت يتسع للذاهب للصلاة وحضورها وإلا لضاعت فائدة النداء، وقد ترجم البخاري: باب كم بين الأذان والإقامة، ولعله أشار بذلك إلى هذا الحديث، وسنده ضعيف كما سيأتي، فكأنه أشار إلى أن التقدير بذاك لم يثبت، وقال ابن بطال: لا حد لذلك غير تمكن دخول الوقت واجتماع المصلين. (والمعتصر) هو من يؤذيه بول أو غائط. (إذا دخل) أي الخلاء. (لقضاء الحاجة) يفرغ الذي يحتاج إلى الغائط ويعصر بطنه وفرجه. (ولا تقوموا) أي للصلاة. (حتى تروني) أي قد خرجت من الحجرة الشريفة، وسيأتي توضيح هذا في شرح أبي قتادة عند الشيخين: إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً الحاكم، والبيهقي، وابن عدي. (وقال) أي الترمذي: (لا نعرفه إلا من حديث عبد المنعم) عن يحيى بن مسلم البكاء، عن الحسن وعطاء، عن جابر، وعبد المنعم هذا هو ابن نعيم الأسواري صاحب السقا، وهو ضعيف، قال البخاري وأبوحاتم: منكر الحديث. وقال الحافظ: متروك. وليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند الترمذي وحده. وشيخه يحيى بن مسلم البكاء-بفتح الباء وتشديد الكاف-ضعيف أيضاً، ضعفه أبوداود، وابن حبان، والدارقطني. وقال أحمد والنسائي: ليس بثقة. ومدار هذا الحديث عليه. وقد رواه عنه راوٍ آخر ضعيف، فرواه الحاكم في المستدرك (ج١: ص٢٠٤) من طريق عمرو بن فائد الأسواري: ثنا يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء، عن جابر فذكره، وقال: هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فائد والباقون شيوخ البصرة، وهذه سنة غريبة، لا أعرف لها إسناداً غير هذا، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي، وقال: عمرو بن فائد قال الدارقطني: متروك. وقال الحاكم في التلخيص (ص٧٤) : لم يقع إلا في روايته هو. ولم يقع في رواية الباقين لكن عندهم فيه عبد المنعم وهو كافٍ في تضعيف الحديث-انتهى. وقال في الفتح (ج٣: ص٣٤٧) : وله شاهد من حديث أبي هريرة، ومن حديث سليمان أخرجهما أبوالشيخ، ومن حديث أبيّ بن كعب أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وكلها واهية-انتهى. (وهو) أي إسناده. (إسناد مجهول) ؛ لأن فيه يحيى بن مسلم البكاء، وهو مجهول كما في التقريب.
٦٥٣- قوله: (وعن زياد) بكسر زاي وخفة مثناة تحت. (بن الحارث الصدائي) بضم صاد وخفة دال مهملة
стр. 764
أن أذن في صلاة الفجر فأذنت فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله ﷺ : إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم)) رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجه.
ــ
فألف فهمزة، نسبة إلى صداء ممدوداً، وهو حي من اليمن، وزياد هذا صحابي قدم على النبي ﷺ ، وأذن له في سفره، له حديث. (أن أذن) أن مفسرة لما في أمر من معنى القول. (أن أخا صداء) أي صاحب صداء، وهو زياد بن الحارث، قيل له ذلك؛ لأنه كان من نسل صداء وولده، كما يقال لمن كان من العرب: يا أخا العرب، ولمن كان من تميم: يا أخا تميم. (ومن أذن فهو يقيم) أي فهو أحق بالإقامة، فلا يقيم غيره إلا لداع إلى ذلك كما في إقامة عبد الله بن زيد رائي الأذان. وفيه دليل على أن الإقامة حق لمن أذن، فيكره أن يقيم غيره، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم، وعضد حديث زيادة هذا حديث ابن عمر بلفظ: "فهلا يا بلال! فإنما يقيم من أذن"، أخرجه ابن شاهين، والطبراني، والعقيلي، وأبوالشيخ، والخطيب، وإن كان قد ضعفه أبوحاتم، وابن حبان. وقال أبوحنيفة ومالك: لا يكره إقامة غير المؤذن، فلا فرق بين إقامة المؤذن وإقامة غيره، والأمر متسع. قال ابن الملك: وحديث زياد محمول على ما إذا لحقه الوحشة بإقامة غيره. واستدل لهما بحديث عبد الله بن زيد عند أبي داود أنه قال للنبي ﷺ لما أمره أن يلقي الأذان على بلال: أنا رأيته يعني الأذان في المنام، وأنا كنت أريده، قال: فأقم أنت. وفي سنده محمد بن عمرو الواقفي، وهو ضعيف، ضعفه القطان، وابن نمير، ويحيى بن معين. وذكر البيهقي: أن في إسناده ومتنه اختلافاً. وقال الحازمي: في إسناده مقال، قلت: الأخذ بحديث الصدائي أولى؛ لأنه أقوم إسناداً من حديث عبد الله بن زيد كما ستعرف، ولأن حديث عبد الله بن زيد كان في أول ما شرع الأذان، وذلك في السنة الأولى، وحديث الصدائي كان بعده بلا شك، والأخذ بآخر الأمرين أولى، ولأن لحديث الصدائي شاهداً من حديث ابن عمر وإن كان ضعيفاً، وقد تقدم ذكره، ولأن قوله ﷺ في حديث الصدائي: من أذن فهو يقيم، قانون كلي. وأما حديث عبد الله بن زيد ففيه بيان واقعة جزئية يحتمل أنه ﷺ أراد بقوله لعبد الله بن زيد "فأقم أنت" تطييب قلبه؛ لأنه رأى الأذان في المنام، ويحتمل أن يكون لبيان الجواز. (رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه) واللفظ للترمذي، وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص١٦٩) والبيهقي (ج١: ص٣٩٩) والحديث في سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي. قال السندي في حاشية ابن ماجه: والإفريقي في إسناد الحديث وإن ضعفه يحيى بن سعيد القطان وأحمد، لكن قوى أمره محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: هو مقارب الحديث. وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم، وتلقيهم الحديث بالقبول مما يقوي الحديث أيضاً فالحديث صالح، فلذلك سكت عليه أبوداود-انتهى. قلت: وسكت عليه المنذري أيضاً. وقال ميرك: ضعفه الترمذي لأجل الإفريقي، وحسنه الحازمي وقواه العقيلي وابن الجوزي-انتهى. وقال الشوكاني في السيل الجرار: حديث "من أذن فهو يقيم" لم يتكلم عليه إلا بأن في إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وقد وثقه جماعة، ولم يقدح
стр. 765
﴿الفصل الثالث﴾
٦٥٤- (٩) عن ابن عمر، قال: ((كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون للصلاة، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: قرناً مثل قرن اليهود. فقال عمر: أو لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : يا بلال! قم فناد بالصلاة))
ــ
فيه بما يوجب سقوط الاحتجاج بحديثه-انتهى. فحديث زياد بن الحارث الصدائي هذا في قصة طويلة روى أحمد، والترمذي، وأبوداود، وابن ماجه، والبيهقي مختصراً كما هنا، وقد روى البيهقي أيضاً في السنن (ج١: ص٣٨١) قطعة مطولة منه. ورواه المزي بطوله في تهذيب الكمال بسنده، وطبع متن الحديث بحاشية تهذيب التهذيب للحافظ بدون ذكر الإسناد. قال صاحب تعليق الترمذي: ورواه عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر (ص٢١٢، ٢١٣ طبعة ليدن) مطولاً أيضاً.
٦٥٤- قوله: (حين قدموا المدينة) أي من مكة في الهجرة. (يجتمعون) في المسجد. (فيتحينون) بحاء مهملة يتفعلون من التحين، والحين الوقت والزمان أي يقدرون حين الصلاة ويعينون وقتها بالتقدير والتخمين ليأتوا فيه. (للصلاة) أي لتحصيل الصلاة بالجماعة متعلق بالفعلين على طريق التنازع. (وليس ينادي بها أحد) قيل: كلمة ليس بمعنى لا النافية، وهي حرف فلا اسم لها ولا خبر، وقيل: بل فيها ضمير الشأن، وهو اسمها، والجملة بعدها خبر واسمها أحد قد أخر. (فتكلموا) أي الصحابة. (اتخذوا) بكسر الخاء على صيغة الأمر. (قرناً) أي بل اتخذوا قرنا – بفتح القاف وسكون الراء – هو البوق بضم الباء، ويسمى أيضاً الشبور. والمراد أنه ينفخ فيه فيخرج منه صوت يكون علامة للأوقات، فيجتمعون عند سماعه كما كانت اليهود يفعلونه. (أو لا تبعثون) ألهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، أي أتقولون بموافقة اليهود والنصارى ولا تبعثون. قال الطيبي: الهمزة إنكار للجملة الأولى أي المقدرة، وتقرير للجملة الثانية. (رجلاً ينادي بالصلاة) قال الحافظ: الظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك. (فناد بالصلاة) قال القاضي عياض: ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعي، بل إخبار بحضور وقتها. قال النووي: هذا الذي قاله محتمل أو متعين، فقد صح في حديث عبد الله بن زيد عند أبي داود وغيره: أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى رسول الله ﷺ يخبره به فجاء عمر، فقال: يا رسول الله ﷺ ! والذي بعثك لقدر رأيت مثل الذي رأى. وذكر الحديث، فهذا ظاهره أنه كان في مجلس آخر، فيكون الإعلام أولاً، ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان فشرعه
стр. 766
متفق عليه.
٦٥٥- (١٠) وعن عبد الله بن زيد بن عبدربه، قال: ((لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله! أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. قال: فقال: تقول: الله أكبر، إلى آخره،
ــ
النبي ﷺ بعد ذلك إما بالوحي وإما باجتهاده ﷺ على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له ﷺ ، وليس هو عملاً بمجرد المنام، هذا ما لا شك فيه بلا خلاف-انتهى. قال الحافظ: ويؤيد الأول ما رواه عبد الرزاق وأبوداود في المراسيل من طريق عبيد بن عمير الليثي أحد كبار التابعين: أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر به النبي ﷺ ، فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي ﷺ : سبقك بذلك الوحي-انتهى. وكان اللفظ الذي ينادي به بلال للصلاة بإشارة عمر قوله: "الصلاة جامعة" أخرجه ابن سعد في الطبقات من مراسيل سعيد بن المسيب، وعلى هذا فإدراج المصنف الحديث في الباب؛ لأن هذا النداء كان من جملة بداءة الأذان ومقدماته. (متفق عليه) واللفظ لمسلم إلا قوله "للصلاة" فإنه للبخاري على ما في الكشمهيني، ووقع عند مسلم الصلوات. والحديث أخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، والنسائي.
٦٥٥- قوله: (وعن عبد الله بن زيد بن عبد ربه) بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي يكنى أبا محمد المدني، صحابي مشهور، شهد العقبة وبدراً والمشاهد، وهو الذي أرى النداء للصلاة في النوم، وكانت رؤياه في السنة الأولى من الهجرة بعد بناء المسجد. قال الترمذي عن البخاري: لا يعرف له إلا حديث الأذان. وقال ابن عدي: لا نعرف له شيئاً يصح عن النبي ﷺ إلا حديث الأذان. قال الحافظ: وأطلق غير واحد أنه ليس له غيره، وهو خطأ فقد جاءت عنه عدة أحاديث، ستة أو سبعة جمعتها في جزء مفرد، مات سنة (٣٢) ، وقيل: استشهد بأحد. (لما أمر رسول الله ﷺ ) أي أراد أن يأمر فهو بصيغة المعلوم يدل عليه سياق حديث الدارمي وابن ماجه. (بالناقوس) لعله مال إلى شعار النصارى مع كراهته لأمر اليهود والنصارى لكون النصارى أقرب إلى المسلمين من اليهود باعتبار المودة والطواعية، أو مال إليه للإضطرار بعد ذلك. (يعمل) حال وهو مجهول كقوله. (ليضرب به) أي ببعضه على بعض. (للناس) أي لحضورهم. (لجمع الصلاة) أي لأدائها جماعة. (طاف بي) جواب لما أي مر بي. (رجل) فاعل طاف. (يحمل) صفة رجل. (ندعو به) أي بسبب ضربه وحصول الصوت به. (إلى الصلاة) أي ليجتمعوا في المسجد ويصلوا بالجماعة. (خير من ذلك) أي من الناقوس وضربه. (قال) أي الراوي وهو عبد الله بن زيد. (فقال) أي الرجل الطائف. (إلى آخره) أي إلى آخر
стр. 767
وكذا الإقامة. فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته بما رأيت. فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك. فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به. قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب، وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما أرى. فقال رسول الله ﷺ : فلله الحمد)) رواه أبوداود، والدارمي، وابن ماجه، إلا أنه لم يذكر الإقامة. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح، لكنه لم يصرح قصة الناقوس.
ــ
الأذان. (وكذا الإقامة) قال القاري: أي مثل الأذان، وظاهره يؤيد مذهبنا، أي أعلمه أياها-انتهى. قلت: الحديث لا يؤيد الحنفية بل يخالفهم ويرد عليهم، فإن نص رواية أبي داود بعد ذكر الأذان: ثم استأخر عني غير بعيد، أي بعد ما علمه الأذان، ثم قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة. حي على الفلاح. قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله. قال صاحب بذل المجهود: هذا الحديث الذي أخرجه أبوداود من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق فيه ذكر الأذان مثنى مثنى والإقامة مرة مرة، ويؤيده ما قال الترمذي بعد ما أخرج هذا الحديث من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن إسحاق: وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أتم من هذا الحديث وأطول، وذكر فيه قصة الأذان مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة، وكذلك أخرج الدارمي في سننه هذا الحديث من طريق مسلمة عن محمد بن إسحاق، وفيه: ثم استأخر غير كثير، ثم قال مثل ما قال، وجعلها وتراً، إلا أنه قال: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. فهذه الأحاديث تدل على أن الإقامة مرة مرة إلا قوله: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة- انتهى كلام صاحب البذل. فالمراد بقول المصنف: وكذا الإقامة أي مثل كلمات الأذان في الكيفية لا الكمية، وظهر من هذا أن منشأ توهم القاري هو هذا الاختصار المخل. (فأخبرته بما رأيت) أي من الرؤيا. (فقال: إنها) أي رؤياك. (لرؤيا حق) أي ثابتة صحيحة صادقة مطابقة للوحي. (إن شاء الله) للتبرك لا للشك. (فألق) أمر من الإلقاء. (ما رأيت) من الأذان. (فليؤذن به) أي بأذانك الذي تلقى عليه. (فإنه) أي بلالاً. (أندى) أفعل تفضيل من النداء، أي أبعد، وأعلى، وأرفع. وقيل: أحسن وأعذب (صوتاً منك) فيه دليل على استحباب اتخاذ المؤذن رفيع الصوت حسنه. (ألقيه عليه) أي ألقن الأذان على بلال. (فسمع بذلك) أي بصوت الأذان. (وهو في بيته) جملة حالية. (مثل ما رأى) أي عبد الله بن زيد، ولعل هذا القول صدر عن عمر بعد ما حكى له بالرؤيا السابقة. (فلله الحمد) حيث أظهر الحق إظهاراً وزاد في البيان نوراً. (رواه أبوداود) وسكت عنه. (والدارمي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص٤٣)
стр. 768
٦٥٦- (١١) وعن أبي بكرة، قال: ((خرجت مع النبي ﷺ لصلاة الصبح، فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة، أو حركه برجله)) رواه أبوداود.
٦٥٧- (١٢) وعن مالك، بلغه أن المؤذن جاء عمر يؤذنه لصلاة الصبح، فوجده نائماً. فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح.
ــ
وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحهما، والبيهقي كلهم من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه عبد الله بن زيد، وصرح ابن إسحاق في رواية أحمد، وأبي داود، وابن ماجه بسماعه من محمد بن إبراهيم، قال محمد بن يحيى الذهلي: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر أصح من هذا يعني حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عم محمد بن عبد الله بن زيد؛ لأن محمداً سمع من أبيه، وابن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد، وقال ابن خزيمة في صحيحه: هذا حديث صحيح ثابت من جهة النقل؛ لأن محمداً سمع من أبيه، وابن إسحاق سمع من التيمي وليس هذا مما دلسه. وقد نقله البيهقي عن كتاب العلل الكبير للترمذي قال: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو عندي حديث صحيح- انتهى. وأصل هذا الحديث مروي في سيرة ابن إسحاق التي هذبها ابن هشام، وعرفت باسمه، وصرح فيه ابن إسحاق بسماعه من محمد بن إبراهيم التيمي. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره، وحديث عبد الله بن زيد في الأذان أخرجه أيضاً محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن زيد، وهو في مسند أحمد (ج٤: ص٤٢، ٤٣) وذكره المجد بن تيمية في المنتقى في باب صفة الأذان.
٦٥٦- قوله: (إلا ناداه بالصلاة) قال ابن حجر: أي أعلمه بها لفظاً، وفيه حث على الأذان؛ لأنه ﵊ لما تعاطى النداء للصلاة بنفسه كان في ذلك أبلغ حث على الأذان- انتهى. قال القاري: ويؤخذ منه مشروعية التثويب في الجملة على ما ظهر لي، والله أعلم. وقال الطيبي: مناسبته للباب مجرد النداء. (أو حركة برجله) أي إذا كان مشغولاً بنوم ونحوه، وفيه حث على إيقاظ النائم ونحوه للصلاة بالنداء، أو بتحريك الرجل، ويؤخذ من تحريكه برجله جواز ذلك من غير كراهة. (رواه أبوداود) في باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وسكت عنه. وقال المنذري: في إسناده أبوالفضل الأنصاري وهو غير مشهور- انتهى. وقال الحافظ في التقريب، وابن القطان: مجهول. وقال الذهبي في الميزان: لا يدرى من هذا.
٦٥٧- قوله: (يؤذنه) بهمز ويبدل من الإيذان بمعنى الإعلام والإظهار. (أن يجعلها) أي هذه الجملة. (في نداء الصبح) ظاهره يدل على أن دخول "الصلاة خير من النوم" في أذان الفجر كان بأمر عمر، واستشكل هذا بأن دخول هذه الكلمة في نداء الصبح كان بأمر النبي ﷺ لبلال، وكان ذلك شائعاً في أذان بلال، وأذان أبي محذورة وغيرهما من
стр. 769
رواه في الموطأ.
٦٥٨- (١٣) وعن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله ﷺ ، قال: حدثني أبي، عن جده، ((أن رسول الله ﷺ أمر بلال أن يجعل إصبعيه في أذنيه،
ــ
المؤذنين، فما معنى جعله في نداء الصبح بأمر عمر؟ وأجيب عنه بوجوه أوجهها وأولاها أن معنى "أن يجعلها في نداء الصبح" أن يبقيها فيه، ولا يجاوزها إلى غيره بل يقصرها على أذان الصبح، فمقصوده إنكار استعمال هذه الكلمة عند باب الأمير لإيقاظ النائم في غير الأذان المشروع، وإلا فكون "الصلاة خير من النوم" في أذان الفجر أشهر عند العلماء والعامة أن يظن بعمر أنه جهل ما سن رسول الله ﷺ ، وأمر به مؤذنه بلالاً بالمدينة، وأبا محذورة بمكة، فمعنى جعله في نداء الصبح أن يستمر على جعله فيه، ولا يستعمله خارجه عند باب الأمير أو غيره لإيقاظ النائم ونحوه، واختار هذا التوجيه ابن عبد البر، والباجي، وقال الزرقاني: هو المتعين. (رواه) أي مالك في الموطأ بلاغاً. قال ابن عبد البر: لا أعلم أنه روي من وجه يحتج به وتعلم صحته، وإنما فيه حديث هشام بن عروة عن رجل يقال له إسماعيل لا أعرفه. ذكر ابن أبي شيبة: نا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن رجل يقال له إسماعيل قال: جاء المؤذن يؤذن عمر لصلاة الصبح فقال: "الصلاة خير من النوم"، فأعجب به عمر وقال للمؤذن: أقرها في أذانك- انتهى. ورده الزرقاني بأنه قد أخرجه الدارقطني في السنن من طريق وكيع في مصنفه، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وأخرج أيضاً عن وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر أنه قال لمؤذنه: إذا بلغت "حي على الفلاح" في الفجر فقل: الصلاة خير من النوم- انتهى.
٦٥٨- قوله: (عن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد) القرظ المدني، قال البخاري: فيه نظر، وقال ابن معين: ضعيف، وقال الحاكم أبوأحمد: حديثه ليس بالقائم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في التقريب: ضعيف. (مؤذن رسول الله ﷺ ) بالجر بدل من سعد، ويجوز رفعه ونصبه. (قال) أي عبد الرحمن. (حدثني أبي) أي سعد بن عمار بن سعد، قال ابن القطان: لا يعرف حاله ولا حال أبيه، وقال الحافظ مستور. (عن أبيه) أي عمار بن سعد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ مقبول. (عن جده) أي جد أبي وهو سعد بن عائذ، ويقال ابن عبد الرحمن مولى الأنصار، ويقال: مولى عمار المعروف بسعد القرظ، قيل له ذلك لتجارته في القرظ. كان يؤذن بقباء، فلما ترك بلال الأذان، نقله أبوبكر إلى مسجد النبي ﷺ ، وتوارث عنه بنوه الأذان، روى البغوي في معجم الصحابة بسنده: أن سعداً شكا إلى النبي ﷺ قلة ذات يده، فأمره بالتجارة، فخرج إلى السوق فاشترى شيئاً من قرظ فباعه فربح فيه، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فأمره بلزوم ذلك فلزمه، فسمي سعد القرظ، بقي إلى ولاية الحجاج على الحجاز، وذلك سنة (٧٤) . (أن يجعل إصبعيه) أي أنملتي مسبحتيه. (في أذنيه) أي في صماخيهما، قال الحافظ: لم يرد تعيين الإصبع التي يستحب وضعها، وجزم النووي: أنها المسبحة، وإطلاق الإصبع مجاز عن الأنملة.
стр. 770
قال: إنه أرفع لصوتك)) رواه ابن ماجه.
(٥) باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
﴿الفصل الأول﴾
٦٥٩- (١) عن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)) رواه مسلم.
ــ
(قال إنه) أي جعلهما في الأذنين. (أرفع لصوتك) قال الطيبي: ولعل الحكمة أنه إذا سد صماخيه لا يسمع إلا الصوت الرفيع فيتحرى في استقصائه كالأطروش أي الأصم. قيل: وبه يستدل الأصم على كونه أذاناً فيكون أبلغ في الإعلام. قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان. قال الحافظ: قالوا: في ذلك فائدتان، إحداهما أنه قد يكون أرفع لصوته، وفيه حديث ضعيف. أخرجه أبوالشيخ من طريق سعد القرظ، عن بلال. وثانيتهما أنه علامة للمؤذن ليعرف من رآه على بعد، أو كان به صمم أنه يؤذن. (رواه ابن ماجه) قال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف أولاد سعد- انتهى. وأخرجه أيضاً الحاكم في كتاب الفضائل وسكت عنه، وأخرجه الطبراني في معجمه من حديث بلال، وأخرج ابن عدي في الكامل من حديث أبي أمامة، وروى الترمذي عن أبي جحيفة وصححه، قال: رأيت بلالاً يؤذن ويدور، يتبع فاه ههنا وههنا وإصبعاه في أذنيه.
(باب فضل الأذان وإجابة المؤذن) عطف على الأذان.
٦٥٩- قوله: (وأطول الناس أعناقاً) بفتح الهمزة جمع عنق، واختلفوا في معناه، فقيل: معناه أكثر الناس تشوقاً إلى رحمة الله؛ لأن المتشوق يطيل عنقه لما يتطلع إليه، فمعناه إليه، فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب. وقيل: إذا ألجم الناس العرق يوم القيامة طالت أعناقهم لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق، وقيل: هو كناية عن كونهم رؤساء، فإن العرب تصف السادة بطول العنق، وقيل: كناية عن فرحتهم وسرورهم وأنهم لا يلحقهم الخجل، وقيل معناه: أكثرهم أعمالاً، يقال: لفلان عنق من الخير أي قطعة منه. وقيل: معناه أن الناس يعطشون يوم القيامة، فإذا عطش الإنسان انطوت عنقه، والمؤذنون لا يعطشون، فأعناقهم قائمة. قال الشوكاني: وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة: يعرفون بطول أعناقهم يوم القيامة، زاد السراج: لقولهم لا إله إلا الله. وظاهره الطول الحقيقي فلا يجوز المصير إلى التفسير بغيره إلا لملجئ. والحديث يدل على فضيلة الأذان وأن صاحبه يوم القيامة يمتاز عن غيره، ولكن إذا كان فاعله غير متخذ أجراً عليه وإلا كان فعله لذلك من طلب الدنيا والسعي للمعاش، وليس من أعمال الآخرة،. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، وابن ماجه. وفي الباب عن أبي هريرة، وابن الزبير بألفاظ مختلفة.
стр. 771
٦٦٠- (٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا نودي للصلاة، أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب، أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يذكر،
ــ
٦٦٠- قوله: (للصلاة) أي لأجل الصلاة. (أدبر الشيطان) أي عن موضع الأذان، قيل: المراد بالشيطان إبليس، ويحتمل أن المراد جنس الشيطان، وهو كل متمرد من الجن والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجن خاصة. (له ضراط) بضم الضاد كغراب، وهو ريح من أسفل الإنسان وغيره، وهي جملة اسمية، وقعت حالاً بدون الواو لحصول الارتباط بالضمير، وفي بعض الروايات"وله ضراط" بالواو، وحقيقته ممكنة؛ لأن الشياطين أجسام يأكلون ويشربون كما ورد في الأخبار، فيصح منهم خروج الريح، فالظاهر حمله على الحقيقة، فقيل: يحصل له عند سماع الأذان شدة خوف وهيبة، ويحدث له ذلك الصوت بسببها من غير أن يتعمد ذلك. قال القاري: هذا لثقل الأذان عليه كما للحمار من ثقل الحمل عليه- انتهى. وقيل: يتعمد إخراج ذلك إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع الأذان، أو يصنع ذلك استخفافاً بالأذان كما يفعله السفهاء، أو ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث، وقيل الحديث محمول على التشبيه، شبه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطاً تقبيحاً له. وقيل: هو عبارة عن شدة نفاره. (حتى لا يسمع التأذين) تعليل لإدباره. واستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان؛ لأن قوله "حتى لا يسمع" ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها للصوت، وقد وقع بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر فقال: "حتى يكون مكان الروحاء" وبين الروحاء والمدينة ستة وثلاثون ميلاً. (فإذا قضى) على بناء لمفعول أو الفاعل، والضمير للمنادى، أي فرغ المؤذن منه. (أقبل) الشيطان أي فوسوس كما في رواية مسلم: (حتى إذا ثوب بالصلاة) أي أقيم لها، ففي رواية لمسلم: إذا أقيمت، وفي أخرى له: إذا سمع الإقامة. (أدبر حتى) لا يسمع الإقامة. (حتى يخطر) بفتح ياء وكسر طاء، وحتى تعليلية. (بين المرء ونفسه) أي قلبه، والمعنى: حتى يوسوس بما يكون حائلاً بين الإنسان وما يقصده، ويريد إقبال نفسه عليه مما يتعلق بالصلاة من خشوع وغيره، وأكثر الرواة على ضم الطاء أي يسلك ويمر، ويدخل بين الإنسان ونفسه، فيكون حائلاً بينهما على المعنى الذي ذكرنا أولاً، وهذا لا ينافي إسناد الحيلولة إلى الله تعالى في قوله. ﴿إن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ [٨: ٢٤] ؛ لأن إسناده إليه تعالى حقيقي، وهذا باعتبار أن الله تعالى مكنه منها حتى يتم ابتلاء العبد به. (يقول) أي للمصلي، وهو بالرفع استئناف مبين، وقيل: بالنصب على أنه يدل من يخطر. (أذكر كذا، أذكر كذا) كناية عن أشياء لم تتعلق بالصلاة. (لما لم يذكر) أي لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله
стр. 772
حتى يظل الرجل لا يدري: كم صلى؟)) متفق عليه.
٦٦١- (٣) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يسمع مدى صوت المؤذن جن،
ولا إنس، ولا شيء، إلا شهد له
ــ
في الصلاة (حتى يظل الرجل) بفتح الظاء أي يصير ويبقى من الوسوسة بحيث. (لا يدري كم صلى) أي يقع في الشك. قال الطيبي: كرر "حتى" في الحديث خمس مرات، الأولى والأخيرتان بمعنى "كي"، والثانية والثالثة دخلتا على الجملتين الشرطيتين وليستا للتعليل- انتهى. وقد اختلف العلماء في الحكمة في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة، فقيل: يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة، فإنه لا يسمع مدى صوته جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة. وقيل: لأن الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السجود الذي أباه وعصى بسببه. وقيل: غير ذلك مما بسطه الحافظ في الفتح، والزرقاني في شرح الموطأ. قال ابن بطال: يشبه أن يكون الزجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن المؤذن من هذا المعنى، لئلا يكون متشبهاً بالشيطان الذي يفر عند سماع الأذان. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك، وأبوداود، والنسائي.
٦٦١- قوله: (لا يسمع مدى صوت المؤذن) بفتح الميم والقصر، أي غاية صوته، قال البيضاوي: غاية الصوت تكون أخفى، فإذ شهد له من بعد عنه ووصل إليه منتهى صوته فلأن يشهد له من دنا منه، وسمع مبادئ صوته أولى بالشهادة. (جن ولا إنس) تنكيرهما في سياق النفي لتعميم الأحياء والأموات. (ولا شيء) أي من النبات والحيوانات والجمادات، فهو من باب عطف العام على الخاص، يدل عليه ما في رواية ابن خزيمة: "لا يسمع صوته شجر ولا مدر، ولا حجر، ولا جن، ولا إنس". ولأبي داود والنسائي من حديث أبي هريرة: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس"، ونحوه لأحمد والنسائي من حديث البراء، وصححه ابن السكن، فهذه الأحاديث تبين المراد من قوله في حديث الباب: "ولا شيء"، وغير ممتنع عقلاً ولا شرعا أن يخلق الله في الجمادات الحياة والقدرة على السماع والكلام والشهادة، ومثله قوله تعالى. ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [١٧: ٤٤] وفي صحيح مسلم: إني لأعرف حجراً كان يسلّم عليّ. ومنه ما ثبت في البخاري وغيره من قول النار: أكل بعضي بعضاً. قال القاري: والصحيح أن للجمادات والحيوانات والنباتات علماً وإدراكاً وتسبيحاً كما يعلم من قوله تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ [٢: ٧٤] ، وقوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ ومن حديثه ﵇: "يقول الجبل للجبل: هل مر بك أحد ذكر الله؟ فإذا قال: نعم استبشر". قال البغوي: وهذا مذهب أهل السنة، ويدل عليه قضية كلام الذئب والبقر وغيرهما فلا يحتاج إلى ما قاله ابن حجر: بأن يخلق الله تعالى فهماً وسمعاً حيى تسمع أذانه وتعقله. (إلا شهد له) أي بلسان القال. والسر في
стр. 773
يوم القيامة)) رواه البخاري.
٦٦٢- (٤) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول
ــ
هذه الشهادة مع أنها تقع عند الغيب والشهادة أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة، قاله الزين بن المنير، وقال التوربشتي: المراد من شهادة الشاهدين له ﴿وكفى بالله شهيداً﴾ اشتهاره يوم القيامة فيما بينهم بالفضل والعلو، فإن الله تعالى يهين قوماً ويفضحهم بشهادة الشاهدين، فكذلك يكرم قوماً تكميلاً لسرورهم وتطييباً لقلوبهم. وفي الحديث استحباب رفع الصوت بالأذان ليكثر من يشهد له ما لم يجهده أو يتأذى، وفيه أن أذان الفذ مندوب إليه، ولو كان في قفر، ولو لم يترج حضور من يصلي معه؛ لأنه إن فاته دعاء المصلين فلم يفته استشهاد من سمعه من غيرهم. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً مالك، والشافعي، وأحمد والنسائي، وابن ماجه وغيرهم.
٦٦٢ – قوله: (إذا سمعتم المؤذن) أي صوته أو أذانه. وظاهره اختصاص الإجابة بمن سمع حتى لو رأى المؤذن على المنارة مثلاً في الوقت وعلم أنه يؤذن لكن لم يسمع لبعد أو صمم لا تشرع له المتابعة (فقولوا) قال ابن رسلان: الأمر للندب عند الجمهور، والصارف عن الوجوب على ما قيل اقترانه بأمر الصلاة وسؤال الوسيلة، وهما مستحبان، وفيه نظر، فإن دلالة الاقتران غير معمول عند الجمهور خلافاً للمزني- انتهى. قال الحافظ استدل الجمهور بحديث أخرجه مسلم وغيره: أن النبي ﷺ سمع مؤذناً، فلما كبر قال: على الفطرة، فلما تشهد قال: خرجت من النار، قالوا: فلما قال ﷺ غير ما قال المؤذن علمنا أن الأمر بذلك للاستحباب. ورد بأنه ليس في الرواية أنه لم يقل مثل ما قال. فيجوز أن يكون قاله، ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة ونقل القول الزائد، وباحتمال أنه وقع ذلك قبل الأمر بالإجابة. (مثل ما يقول) أي مثل قول المؤذن أي إلا في الحيعلتين، فيأتي بلا حول ولا قوة إلا بالله، لحديث عمر الآتي فهو عام مخصوص. وقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا وتارة كذا. وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول أن العام والخاص إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، قال: فلم لا يقال يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة؟ قال القسطلاني: ويقول بدل كل من كلمتي التثويب في الصبح: صدقت وبررت. (بكسر الراء الأولى، أي صرت ذابر وخير كثير) . قال في الكفاية: لخبر ورد فيه- انتهى. وقال الأمير اليماني: وقيل: يقول في جواب التثويب: صدقت وبررت، وهذا استحسان من قائله، وإلا فليس فيه سنة تعتمد- انتهى. وقيل: يقول في جوابه: صدق رسول الله ﷺ ، الصلاة خير من النوم. وهذا أيضاً استحسان من قائله لا دليل عليه من السنة، قال الكرماني: قال: مثل ما يقول، ولم يقل: "مثل ما قال" ليشعر بأنه يجيب بعد كل كلمة مثل كلمتها. قال الحافظ.
стр. 774
ثم صلوا عليّ؛ فإنه من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة)) . رواه مسلم.
٦٦٣- (٥) وعن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر؛ فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ قال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله؛ قال: أشهد أن محمداً رسول الله. ثم قال: حي على الصلاة؛ قال: لا حول
ــ
والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة: أنه ﷺ كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت. وأصرح من ذلك حديث عمر الآتي بعد هذا. (ثم صلوا عليّ) بتشديد الياء، أي ندباً وسلموا. قال المناوي: وصرف عن الوجوب الإجماع على عدمه خارج الصلاة. (فإنه) الضمير للشأن (صلاة) أي واحدة (صلى الله بها عشراً) أي أعطاه الله بتلك الصلاة الواحدة عشراً من الرحمة (ثم سلوا) أمر من سأل (الوسيلة) هي ما يتقرب به إلى الكبير، يقال: توسلت أي تقربت، وتطلق على المنزلة العلية، قاله الحافظ. والمتعين المصير إلى ما في هذا الحديث من تفسيرها (فإنها) أي الوسيلة (منزلة في الجنة) من منازلها وهي أعلاها على الإطلاق (لا تنبغي) أي لا تليق ولا تصلح ولا تحصل ولا تتيسر تلك المنزلة (وأرجو) قال المناوي: ذكره على منهج الترجي تأدبا وتشريعا. وقال القرطبي: قال ذلك قبل أن يوحى إليه أنه صاحبها، ثم أخبر بذلك، ومع ذلك فلا بد من الدعاء بها، فإن الله يزيد بكثرة دعاء أمته رفعة كما زاده بصلاتهم، ثم يرجع ذلك إليهم بنيل الأجور ووجوب شفاعته ﷺ . (أكون أنا هو) من وضع الضمير المرفوع موضع المنصوب على أن "أنا" تأكيد أو فصل، ويحتمل أن يكون" أنا" مبتدأ خيره "هو" والجملة خبر "أكون" والله أعلم،. (حلت عليه الشفاعة) وفي حديث جابر الآتي حلت له، قال الحافظ: واللام بمعنى علي أي استحقت ووجبت، أو نزلت عليه، ولا يجوز أن تكون من الحل؛ لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة. ثم المراد شفاعة مخصوصة. (رواه مسلم) أخرجه أيضاً أحمد، والترمذي في أوائل المناقب، وأبوداود والنسائي في الصلاة.
٦٦٣- قوله: (إذا قال المؤذن) شرطية جزاؤها "دخل الجنة". (الله أكبر، الله أكبر) لم يذكر الأربع اكتفاء بذكر اثنين منها، ومن ثم ذكر واحداً من الاثنين فيما بعد، وفيه دليل أنه يستحب للمؤذن أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد. (فقال أحدكم) عطف على فعل الشرط. (ثم قال) عطف على قال الأول، قال الطيبي: المعطوفات بثم مقدرات بحرف الشرط والفاء في فقال، أي إذا قال المؤذن أشهد (أن لا إله إلا الله قال) أي فقال أحدكم فحذف اختصارا. (لا حول
стр. 775
ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر؛ قال الله أكبر؛ الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله؛ قال: لا إله إلا الله من قلبه، دخل الجنة)) رواه مسلم.
٦٦٤- (٦) وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة،
ــ
ولا قوة إلا بالله) أى لا حيلة في الخلاص عن موانع الطاعة، ولا حركة ولا قوة على الطاعة إلا بتوفيق الله، وإنما أفرد ﷺ الشهادتين والحيعلتين في هذا الحديث مع أن كل نوع منها مثنى كما هو المشروع لقصد الاختصار. قال النووي: فاختصر ﷺ من كل نوع شطراً تنبيهاً على باقيه. (من قلبه) قيد للأخير أو للكل وهو الأظهر قاله القاري. (دخل الجنة) قال عياض: إنما كان كذلك؛ لأن ذلك توحيد وثناء على الله تعالى، وانقياد لطاعته، وتفويض إليه بقوله: لا حول ولا قوة إلا بالله، فمن حصل هذا فقد حاز حقيقة الإيمان، وكمال الإسلام، واستحق الجنة بفضل الله. وقال الطيبي: وإنما وضع الماضي موضع المستقبل لتحقيق الموعود، قال ابن حجر: على حد قوله. ﴿أتى أمرالله﴾ [١٦: ١] . ﴿ونادى أصحاب الجنة﴾ [٧: ٤٤] . والمراد أنه يدخل مع الناجين، وإلا فكل مؤمن لا بد له من دخولها، وإن سبقه عذاب بحسب جرمه إذا لم يعف عنه إلا إن قال ذلك بلسانه مع اعتقاده بلقبله حقيقة ما دل عليه وإخلاصه فيه-انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود وأخرج البخاري نحوه من حديث معاوية.
٦٦٤- قوله: (حين يسمع النداء) أي تما الأذان، إذا المطلق يحمل على الكامل، ويدل عليه أيضاً حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم. (اللهم) أي الله! والميم عوض عن "يا" فلذلك لا يجتمعان. (رب) بالنصب على أنه منادي ثان، أو بدل، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي أنت رب هذه الدعوة. (هذه الدعوة) بفتح الدال، قال العيني: المراد بالدعوة ههنا ألفاظ الأذان التي يدعى بها الشخص إلى عبادة الله –انتهى. وقال الحافظ: المراد بها دعوة التوحيد كقوله تعالى. ﴿له دعوة الحق﴾ [١٣: ١٤] وقيل لدعوة التوحيد: تامة لأن الشرك نقص، أو التامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام، وما سواها فمعرض للفساد والنقص، وقال ابن التين: وصفت بالتامة؛ لأن فيها أتم القول، وهو لا إله إلا الله، ومعنى رب هذه الدعوة أنه صاحبها، أو المتمم لها، والزائد في أهلها، والمثيب عليها أحسن الثواب، والآمر بها ونحو ذلك، وقيل المراد الكاملة الفاضلة. (والصلاة القائمة) أي الدائمة التي لا تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة، أو القائمة إلى يوم القيامة، أو التي ستقوم. (آت) أي أعط أمر من الإيتاء. (الوسيلة) تقدم تفسيرها في حديث عبد الله بن عمرو. (والفضيلة) هي المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون تفسيراً للوسيلة، وأما زيادة "الدرجة الرفيعة" المشتهرة على الألسنة، فقال السخاوي: لم أرها
следующие страницы →