← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8862

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

عبيد الله الرحماني المباركفوري

Полный текст (4 545 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

﴿الفصل الثاني﴾ ٧٨٧- (١٠) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً. فإن لم يجد؛ فلينصب عصاه. فإن لم يكن معه عصاً؛ فليخطط خطاً، ثم لا يضره ما مر أمامه)) . رواه أبو داود وابن ماجه. ــ العلم، وفي الصلاة، وفي الحج، وفي المغازي، ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضاً مالك، وأحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. ٧٨٧- قوله: (إذا صلى أحدكم) أي: أراد الصلاة (فليجعل تلقآء وجهه) أي: حذائه لكن إلى أحد حاجبيه لا بين عينيه (شيئاً) فيه أن السترة لا تختص بنوع بل كل شيء ينصبه المصلي تلقآء وجهه يحصل به الامتثال. قال سفيان بن عيينة: رأيت شريكاً صلى بنا في جنازة العصر فوضع قلنسوته بين يديه يعني في فريضة حضرت. أخرجه أبوداود (فإن لم يجد) أي: شيئاً منصوبا (فلينصب) بكسر الصاد أي: يرفع أو يقيم (عصاً) ظاهره عدم الفرق بين الرقيقة والغليظة. ويدل على ذلك قوله "ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم" وقوله "يجزىء من السترة قدر مؤخرة الرحل ولو برقة شعرة" أخرجه الحاكم. وقال على شرطهما (فإن لم يكن معه عصاً) هذا لفظ أبي داود، ولفظ ابن ماجه فإن لم يجد (فليخطط) بضم الطاء، وفي ابن ماجه فليخط (خطاً) حتى يبين فصلاً فلا يتخطى المار. واختلف في صفته فاختار أحمد أن يكون عرضاً مثل الهلال، أي: مقوسا كالمحراب فيصلي إليه كما يصلي في المحراب. وقيل يمد طولاً إلى جهة الكعبة، أي: يكون مستقيماً من بين يديه إلى القبلة. وقيل: يمد يميناً وشمالاً أي: من غير تقويس، والأول أولى (ثم لا يضره) أي: بعد استتاره. وفيه ما يدل أنه يضره إذا لم يفعل إما بنقصان من صلاته أو بإبطالها على ما ذكر أنه يقطع الصلاة، إذ في المراد بالقطع الخلاف كما تقدم. وهذا إذا كان المصلي إماماً أو منفرداً، لا إذا كان مؤتماً، فإن الإمام سترة له أو سترته سترة له كما سبق آنفاً (ما مر أمامه) أي: أمام سترته. والحديث دليل على جواز الاقتصار على الخط. وإليه ذهب أحمد وغيره، فجعلوا الخط عند العجز عن السترة سترة. واختلف فيه قول الشافعي فروى عنه استحبابه، وروى عنه عدم ذلك. وقال جمهور أصحابه: باستحبابه. وقال ابن الهمام: وأما الخط فقد اختلفوا فيه حسب اختلافهم في الوضع إذا لم يكن معه ما يغرزه أو يضعه. فالمانع يقول: لا يحصل المقصود به إذ لا يظهر من بعيد. والمجيز يقول: ورد الأثر به. واختار صاحب الهداية الأول. والسنة أولى بالإتباع من أنه يظهر في الجملة، إذ المقصود جمع الخاطر بربط الخيال به كيلا ينتشر – انتهى. (رواه أبوداود وابن ماجه) واللفظ لأبي داود. وأخرجه أيضاً أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي وصححه أحمد وابن المديني فيما نقله ابن عبد البر في الاستذكار. وأشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي

стр. 912

٧٨٨- (١١) وعن سهل بن أبي حثمة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته)) . رواه أبوداود. ــ وغيرهم. قال الحافظ: وأورده ابن الصلاح مثالاً للمضطرب، ونوزع في ذلك. قال في بلوغ المرام: ولم يصب من زعم أنه مضطرب بل هو حسن. وقال البيهقي: لا بأس به في مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى. ٧٨٨- قوله: (وعن سهل بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة ثم مثلثة، واسمه عبد الله، وقيل عامر. وقيل: هو سهل بن عبد الله بن أبي حثمة عامر بن ساعدة بن عامر الأنصاري الخزرجي المدني، صحابي صغير، ولد سنة (٣) من الهجرة. واتفق الأئمة على أنه كان ابن ثمان سنين أو نحوها عند موت النبي ﷺ ، منهم ابن مندة وابن حبان وابن السكن والحاكم أبوأحمد وأبوجعفر الطبري. قال الواقدي: قبض رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان سنين، ولكنه حفظ عنه فروى وأتقن. قال الذهبي: أظنه مات زمن معاوية وجزم الطبري أن الذي مات في خلافة معاوية هو أبوه أبوحثمة، وقال المصنف: سكن الكوفة. وعداده في أهل المدينة، وبها كانت وفاته في زمن مصعب بن الزبير. روى عنه جماعة. له خمسة وعشرون حديثاً، اتفقا على ثلاثة (إلى سترة) أي: متوجهاً إليها ومستقبلاً لها (فليدن) أمر من الدنو بمعنى القرب (منها) أي: من السترة. وفيه مشروعية الدنو من السترة حتى يكون مقدار ما بينهما ثلاثة أذرع، لأنه ﷺ لما صلي في الكعبة جعل بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع. قال البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف (لا يقطع الشيطان) بالجزم جواب الأمر، ثم حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، قاله القاري. وقال السندي: جملة مستأنفة بمنزلة التعليل، أي: لئلا يقطع الشيطان بأن يحمل على المرور من يقطع عليه صلاته حقيقة عند قوم كالمرأة والحمار والكلب الأسود، وخشوعا عند آخرين (أي بإلقاء الوساوس والخواطر) ويحتمل أن المراد بالشيطان هو الكلب الأسود، فقد جاء في الحديث أنه شيطان – انتهى. وقال ابن حجر: استفيد من الحديث أن السترة تمنع استيلاء الشيطان على المصلي وتمكنه من قلبه بالوسوسة، إما كلا أو بعضا بحسب صدق المصلي وإقباله في صلاته على الله تعالى، وأن عدمها يمكن الشيطان من إزلاله عما هو بصدده من الخشوع والخضوع، وتدبره بالقراءة والذكر- انتهى (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد (ج٤: ص٢) والنسائي، والحاكم (ج١:ص٢٥٢، ٢٥١) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، فقال: على شرطهما. وقال أبوداود: اختلف في إسناده. وقد بين الاختلاف فيه بقوله: ورواه واقد بن محمد، عن صفوان، عن محمد بن سهل، عن أبيه، أو عن محمد بن سهل، عن النبي ﷺ . وقال بعضهم: عن نافع بن جبير، عن سهل بن سعد- انتهى. ولا يضر هذا الاختلاف، لأن الطريق الأول- أي: طريق سفيان بن عيينة- أرجح وأقوى من طريق واقد بن محمد

стр. 913

٧٨٩- (١٢) وعن المقداد بن الأسود، قال: ((ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى عود، ولا عمود، ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمداً)) . رواه أبوداود. ٧٩٠- (١٣) وعن الفضل بن عباس، قال: ((أتانا رسول الله ﷺ ، ــ وهذا ظاهر. واعلم أن ما وقع في رواية أبي داود في بيان الاختلاف مخالف لما ذكره الحافظ في الإصابة (ج٣:ص٥١٤) حيث قال في القسم الرابع من حرف الميم: محمد بن سهل بن أبي حثمة الأنصاري المدني، قال أبوموسى في الذيل: ذكره بعض الحفاظ، ثم أخرج من طريق شعبة، وعن واقد بن محمد، سمعت صفوان بن سليم يحدث، عن محمد ابن سهل بن أبي حثمة، أو عن سهل بن أبي حثمة عن النبي ﷺ في سترة المصلي. قال الحافظ: هو مرسل أو منقطع، لأنه إن كان المحفوظ محمد بن سهل فهو مرسل، لأنه تابعي لم يولد إلا بعد موت النبي ﷺ بمكة، فإن النبي ﷺ لما مات كان سن سهل بن أبي حثمة ثمان سنين، وإن كان عن سهل فهو منقطع، لأن صفوان لم يسمع من سهل- انتهى. فليتأمل. وفي الباب عن أبي سعيد أخرجه أبوداود وابن ماجه، وعن جبير بن مطعم أخرجه البزار والطبراني في الكبير، وعن بريدة أخرجه البزار، وعن سهل بن سعد أخرجه الطبراني في الكبير. ٧٨٩- قوله: (إلى عود) كالعصا أو العنزة، أو الحربة أو مؤخرة الرحل، وهو واحد العيدان (ولا عمود) كالأسطوانة (ولا شجرة) أي: فيجعله سترة (إلا جعله) أي: العود، أو العمود، أو الشجرة (على حاجبه) أي: جانبه (الأيمن أو الأيسر) فيه استحباب أن تكون السترة على جهة اليمين أو اليسار. قال ابن حجر: وفي رواية للنسائي "إذا صلى أحدكم إلى عمود أو سارية، أو إلى شيء فلا يجعله بين عينيه، وليجعله على حاجبه الأيسر" وقد يؤخذ منه أن الأيسر أولى من الأيمن. ويوجه بأنه مانع للشيطان الذي هو على الأيسر، كذا في المرقاة (ولا يصمد) بضم الميم من باب نصر (له صمدا) الصمد القصد، يقال: أصمد صمد فلان، أي: أقصد قصده، يريد أنه لا يقصده قصدا مستويا يستقبله بحيث يجعله تلقاء وجهه ما بين عينيه حذرا عن التشبه بعبادة الأصنام (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد. والحديث سكت عنه أبوداود. وقال المنذري في سنده أبوعبيدة الوليد بن كامل البجلي الشامي، وفيه مقال. قلت: وثقه النسائي وقال أبوحاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري: عنده عجائب. قال الأزدي: ضعيف. وقال ابن القطان: لا تثبت عدالته. وقال الحافظ في التقريب: لين الحديث. ٧٩٠- قوله: (وعن الفضل بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي المدني ابن عم النبي ﷺ ، وأمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية. أردفه رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وحضر غسل رسول الله ﷺ ، وكان أكبر ولد العباس. وكان وسيما جميلا، وثبت مع النبي ﷺ يوم حنين فيمن ثبت، وخرج إلى الشام مجاهدا، فقيل مات بناحية الأردن بطاعون عمواس سنة (١٨) وقيل: استشهد يوم اليرموك. وقيل: بدمشق، وعليه درع النبي ﷺ ، وذلك

стр. 914

ونحن في بادية لنا، ومعه عباس، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالي بذلك)) . رواه أبوداود. وللنسائي نحوه. ٧٩١- (١٤) وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقطع الصلاة شيء، ــ في خلافة عمر. له أربعة وعشرون حديثاً، اتفقا على حديثين (ونحن) حال من المفعول (في بادية لنا) في القاموس: البدو والبادية والبداوة خلاف الحضر (ومعه عباس) بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ ، والجملة حال من الفاعل (ليس بين يديه سترة) لأنه لم يكن هنا مظنة المرور. وفيه دليل على أن اتخاذ السترة غير واجب، فيكون قرينة لصرف الأوامر إلى الندب. قال ابن العربي في عارضة الأحوذى: اختلف العلماء في وضع السترة على ثلاثة أقوال، الأول: إنه واجب، وإن لم يجد وضع خطا. قاله أحمد وغيره. والثاني: أنها متسحبة، قاله الشافعي وأبوحنيفة ومالك في العتبية. وفي المدونة قولان: تركها، هذا إذا كان في موضع يؤمن المرور فيه، فإن كان في موضع لا يؤمن ذلك تأكد عند علمائنا وضع السترة-انتهى (وحمارة) بالتاء وهي لغة قليلة، والأفصح حمار بلا تاء للذكر والأنثى. وقال في المفاتيح: التاء في حمارة وكلبة للإراد، كما في تمر وتمرة. ويجوز أن تكون للتأنيث. قال الجوهري: وربما قالوا: حمارة، والأكثر أن يقال للأنثى أتان (تعبثان) أي: تلعبان (بين يديه) أي: قدامه (فما بالي بذلك) من المبالاة أي: ما اكترث به وما اعتده قاطعا. والحديث قد استدل به على أن الكلب والحمار لا يقطعان الصلاة. وتعقب بأنه ليس فيه نعت الكلبة بكونه سوداء. قال الخطابي، والمذري، والشوكاني، والسندي: لم يذكر فيه نعت الكلب. وقد يجوز أن يكون الكلب ليس بأسود-انتهى. على أن في سنده مقالا كما ستعرف، ولو سلم صحته فهو لا يقاوم أحاديث القطع فإنها أصح وأرجح وأقوى (رواه أبوداود) أي: بهذا اللفظ وسكت عنه (وللنسائي نحوه) ولفظه عن الفضل بن عباس قال: زار رسول الله ﷺ عباس في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى النبي ﷺ العصر وهما بين يديه، فلم يزجرا ولم يؤخرا. وأخرجه أيضاً أحمد بهذا اللفظ. وأخرجه الطحاوي بمعناه. قال المنذري في مختصر السنن: ذكر بعضهم أن في إسناده مقالا. قلت في سند الحديث عباس بن عبيد الله بن عباس الهاشمي وهو مقبول، لكنه لم يدرك عمه الفضل، فالحديث منقطع. قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٥:ص١٢٣) : ذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبوداود، والنسائي حديثاً واحدا في الصلاة. قلت أعله ابن حزم بالانقطاع. قال: لأن عباسا لم يدرك عمه الفضل وهو كما قال-انتهى بلفظ. وأخرج أحمد وأبويعلى عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى في فضاء ليس بين يديه شئ. قال الهيثمي: وفيه الحجاج بن أرطاة وفيه ضعف. ٧٩١- قوله: (لا يقطع الصلاة شيء) أي: مرور شيء بين يدي المصلى ولو بلا سترة وإلا فكم من شيء يقطعها. وقيل: يحتمل أن يراد بشيء الدفع، أي: لا يبطل الصلاة شيء من الدفع، فادفعوا المار بقدر استطاعتكم. وحذف المار لدلالة السياق

стр. 915

وادرؤا ما استطعتم، فإنما هو شيطان)) رواه أبوداود. ﴿الفصل الثالث﴾ ٧٩٢- (١٥) عن عائشة، قالت: ((كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته. فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما. قال: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)) . متفق عليه. ــ عليه. وقيل: المراد لا يقطعها شيء من فعل غير المصلى، وفيه أن غير المصلى مثل المصلى إذا فعل معه ما أبطل عليه استقبال القبلة أو ما نقض عليه الوضوء كإخراج الدم عند القائل بنقض الوضوء به، أو مس المرأة عند القائل به، أو ما حصل به نجاسة ثوبه عند القائل ببطلان الصلاة به، لكان ذلك الفعل من غير المصلى قاطعا للصلاة على المصلى (وادرؤا) أي: ادفعوا المار (فإنما هو) أي: المار (شيطان) قد تقدم أن الراجح أن أحاديث القطع بالمرأة، والحمار، والكلب منسوخة بهذا الحديث وقد سبق تقرير ذلك فتذكر (رواه أبوداود) وسكت عنه، وضعفه ابن حزم في المحلي (ج٤:ص١٣) كما تقدم وتضعيفه مردود عليه. وقال المنذري: في إسناده مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني، وقد تكلم فيه غير واحد. وأخرج له مسلم حديثاً مقرونا بجماعة من أصحاب الشعبي-انتهى. قلت: قال يعقوب بن سفيان والبخاري: هو صدوق. ٧٩٣- قوله: (ورجلاي) الواو للحال (في قبلته) أي: في موضع سجوده (فإذا سجد) أي: أراد السجود (غمزني) الغمز هو العصر والكبس باليد، وغمزني جواب إذا. وفيه إشارة إلى أن مس المرأة غير ناقض الوضوء، والأفضل عدم الحائل (فقبضت) عطفا على قوله غمزني (رجلي) بفتح اللام وتشديد الياء. قال الحافظ: كذا بالتثنية للأكثر وكذا في قوله "بسطتهما" وللمستملي والحموى "رجلي" بكسر اللام بالإفراد. وكذا بسطتها (قالت) أي: عائشة معتذرة عن نومها على هذه الهيئة (والبيوت يومئذ) أي: حينئذٍ أو وقتئذ (ليس فيها مصابيح) أي: إذ لو كانت لقبضت رجليها عند إرادته السجود ولما أحوجته للغمز. والمعنى: ما كنت أدرى وقت سجوده لعدم المصابيح، وإلا لما احتاج ﷺ إلى الغمز كل مرة، بل أنا ضممت رجلي إلى وقت السجود. وفي الحديث أن العمل اليسير في الصلاة غير قادح. وفيه جواز الصلاة إلى النائم من غير كراهة. وذهب مالك وغيره إلى كراهة الصلاة إلى النائم خشية ما يبدو منه مما يلهى المصلى عن صلاته. واستدلوا بحديث ابن عباس عند أبي داود وابن ماجه بلفظ "لا تصلوا خلف النائم والمتحدث" وقد قال أبوداود: طرقه كلها واهية. وفي الباب عن أبي هريرة عند الطبراني، وعن ابن عمر عند ابن عدي، وهما واهيان. والحديث قد استدل به على أن المرأة لا تقطع الصلاة، وأنه ناسخ لأحاديث القطع، وقد قدمنا ما في هذا الاستدلال من الكلام والنظر فتذكر (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود في الصلاة، والنسائي في الطهارة.

стр. 916

٧٩٣- (١٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدى أخيه معترضا في الصلاة، كان لأن يقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطا)) . رواه ابن ماجه. ٧٩٤- (١٧) وعن كعب الأحبار، ــ ٧٩٣- قوله: (ماله) أي: من الإثم فحذف البيان ليدل الإبهام على ما لا يقادر قدره من الإثم، قاله الطيبي (في أن يمر) أي: بسبب مروه (بين يدى أخيه) ذكر لمزيد التلطف بالمار حتى ينكف عن مروره، إذ من شأن الأخ أن لا يؤذى أخاه بنوع من أنواع الأذى وإن قل (معترضاً) أي: حال كون المار معترضاً محل سجود (في الصلاة) حال من أخيه (كان لأن يقيم مائة عام خير له) بالرفع، قال الطيبي: اسم كان ضمير عائد إلى "أحدكم" أو ضمير الشأن، والجملة خبر كان، واللام لام الابتداء المقارنة بالمبتدأ المؤكدة لمضمون الجملة، أو التي يتلقى بها القسم وهو أقرب، وقيل: اللام هي الداخلة على جواب "لو" أخرت عن محلها-وهو كان- إلى خبرها- وهو إقامة مائة عام- ولهذا التقدير المقتضي لكونه أو غل في التعريف كان الأصل أنه الاسم و"خير" هو الخبر، لكنهما عكساً إبهاما على السامع ليظهر جودة فهمه وذكائه. وقد جرى على الأصل في الأمرين في الخبر الذي عقب هذا، فأدخل اللام على كان، وجعل المصدر المسبوك من أن والفعل هو الاسم و"خيرا" هو الخبر وتجوز زيادة كان هنا، كذا في المرقاة (من الخطوة التي خطا) وفي ابن ماجه "خطاها" بزيادة ضمير المؤنث المنصوب، والخطوة-بالضم وتفتح- ما بين القدمين وبالفتح المرة (رواه ابن ماجه) من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن موهب، عن عمه، عن أبي هريرة، قال في الزوائد: في إسناد مقال لأن عم عبيد الله بن عبد الرحمن، اسمه عبيد الله بن عبد الله بن موهب. قال أحمد ابن حنبل: أحاديثه مناكير، ولكن ابن حبان خص ضعف أحاديثه بما إذا روى عنه ابنه-انتهى. قلت: عبيد الله بن عبد الله هذا قال فيه أحمد: لا يعرف، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: روى عنه ابنه يحيى، ويحيى لا شيء، وأبوه ثقة. وإنما وقعت المناكير في حديثه من قبل ابنه. وقال الشافعي: لا نعرفه. وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال -انتهى. وقال الحافظ في التقريب: مقبول. وأما عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله فضعفه ابن عيينة وابن معين في رواية الدوري. وقال النسائي: ليس بالقوي، ووثقه العجلي وابن معين في رواية إسحاق بن منصور. وقال أبوحاتم: صالح. وقال ابن عدي: حسن الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات، كذا في تهذيب التهذيب (ج٧:ص٢٩) فالظاهر أن الحديث لا ينحط عن درجة الحسن. وأخرجه أيضاً أحمد، وابن حبان، وابن خزيمة في صحيحهما. ٧٩٤- قوله: (كعب الأحبار) بالإضافة جمع حبر-بالفتح، وبكسر- وهو العالم. قال في القاموس: كعب الحبر وبكسر، ولا تقل الأحبار-انتهى. قال الزرقاني: قول المجد "لا تقل الأحبار" فيه نظر، فقد اثبته غير واحد، ويكفي قول مثل أبي هريرة إذ قال: كعب الأحبار-انتهى. وقال الطيبي: الأحبار جمع حبر-بالفتح والكسر والإضافة-

стр. 917

قال: لو يعلم المسار بين يدي المصلى ما عليه؛ لكان أن يخسف به خيراً له من أن يمر بين يديه. وفي رواية: أهون عليه)) . رواه مالك ٧٩٥- (١٨) وعن ابن عباس، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلى أحدكم إلى غير السترة، فإنه يقطع صلاته الحمار، والخنزير، واليهودي، والمجوسي، والمرأة. وتجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفة بحجر)) رواه أبوداود. ــ كما في زيد الخيل-انتهى (قال) يحتمل أن يكون أخذه من الكتب السابقة لأنه خبرها، قاله الزرقاني (لكان أن يخسف) بصيغة المجهول (به) أي: بالمار في الأرض (خيراً له) بالنصب، قال الطيبي: المذكور في الحديثين ليس جواب "لو" بل هو دال على ما هو جوابها والتقدير"لو يعلم المار ما عليه من الإثم لأقام مائة عام، وكانت الإقامة خيراً له" وفي الثاني "لو يعلم ماذا عليه من الإثم لتمنى الخسف، وكان الخسف خيراً له" (وفي رواية) أي: لمالك هذا هو الظاهر، لكن الموجود في نسخ الموطأ الموجودة الحاضرة هو "خيرا له" لا قوله "أهون عليه" والظاهر أن المصنف نسب الرواية الثانية للمؤطا تبعا للجزري حيث قال بعد ذكر الرواية الأولى: وفي رواية "أهون عليه" أخرجه في الموطأ (أهون عليه) أي: على المصلى، لأن عذاب الآخرة أشد وأصعب وأبقى من عذاب الدنيا (رواه مالك) أي: في مؤطاه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار "أن كعب الأحبار" الخ. ٧٩٥- قوله: (إلى غير السترة) كذا في نسخ المشكاة، وفي أبي داود "إلى غير سترة" أي: بغير اللام (الحمار) وفي أبي داود "الكلب والحمار" أي: بزيادة الكلب قبل الحمار. والظاهر أن سقوط لفظ الكلب من النساخ (وتجزئ) بالهمزة من الإجزاء، وبالتأنيث في أكثر النسخ، أي: تجزئ الصلاة بلا سترة على المصلى، قاله القاري. وفي بعض النسخ "يجزئ" بالياء، وكذا وقع في أبي داود، أي: يكفي عن المصلى أي: في عدم قطع الصلاة (إذا مروا) أي: وإن لم يكن سترة (بين يديه على قذفه) بالفتح أي: رمية (بحجر) أي: لو مروا على بعد هذا المقدار بين يدي المصلى لا يقطع مرورهم صلاته. والحديث دليل على أن قطع الصلاة بالمرور بين يدي المصلي ليس بمخصوص بالكلب، والحمار، والمرأة وأن ذكر هذه الثلاثة في حديثي أي: ذر وأبي هريرة ليس لاختصاص حكم القطع بها، لكن ذكر اليهودي، والمجوسي، والخنزير في هذا الحديث منكر كما سيأتي (رواه أبوداود) عن محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة البصري، عن معاذ بن هشام، عن هشام، الخ. قال أبوداود: في نفسي من هذا الحديث شيء كنت أذاكر به إبراهيم وغيره لم أر أحداً جاء به عن هشام، ولا يعرفه، ولم أر أحداً يحدث به عن هشام، وأحسب الوهم من ابن أبي سمية، والمنكر فيه ذكر المجوسي، وفيه"على قذفة بحجر" وذكر الخنزير، وفيه نكارة. قال أبوداود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن

стр. 918

إسماعيل، وأحسبه وهم، لأنه كان يحدثنا من حفظه-انتهى. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٩:ص٦٠) في ترجمة محمد بن إسماعيل: توقف أبوداود في صحة حديث أخرجه عنه، عن معاذ بن هشام، عن ابيه عن يحيى ابن كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس: يقطع الصلاة الكلب-الحديث. قال أبوداود: لم أسمعه إلا منه. وذاكرت به فلم يعرف - انتهى. قلت: في نسبة الوهم إلى محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة نظر فإنه ثقة. وقد أخرج الطحاوي هذا الحديث فقال: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أحسبه قد أسنده إلى النبي ﷺ قال: يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب، والحمار، واليهودي، والنصراني، والخنزير. ويكفيك إذا كانوا منك قدر رمية لم يقطعوا عليك صلاتك. فهذا الحديث هو ما رواه أبودود. وليس فيه محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة البصري. بعون الله وحسن توفيقه تم الجزء الثاني من مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح، ويليه الجز الثالث إن شاء الله تعالى، وأوله "باب صفة الصلاة"

стр. 919

(١٠) باب صفة الصلاة ﴿الفصل الأول﴾ ٧٩٦- (١) عن أبي هريرة: ((أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد، فصلى، ثم جاء فسلم عليه. فقال له رسول الله ﷺ : وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل. ــ (باب صفة الصلاة) المراد بها جنس صفتها الشاملة للأركان والفرائض والواجبات والسنن والمستحبات. قال ابن الهمام: قيل الصفة والوصف في اللغة واحد، وفي عرف المتكلمين بخلافه، والتحرير أن الوصف ذكر ما في الموصوف من الصفة، والصفة هي ما فيه. ثم المراد هنا بصفة الصلاة الأوصاف النفسية لها، وهي الأجزاء الفعلية الصادقة على الخارجية التي هي أجزاء الهوية من القيام الجزئي والركوع والسجود، كذا في المرقاة. ٧٩٦- قوله: (إن رجلاً) هو خلاد بن رافع كما بينه ابن أبي شيبة، وهو المشهور بالمسيء في صلاته عند الشراح. (فصلى) أى ركعتين كما للنسائي في حديث رفاعة بن رافع في هذه القصة، وهل كانتا نفلاً أو فرضاً؟ الظاهر الأول، والأقرب أنهما ركعتا تحية المسجد. ووقع عند ابن أبي شيبة في حديث رفاعة هذا: دخل رجل فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها. (فسلم عليه) قال القاري: قدم حق الله على حق رسوله ﵇ _ كما هو أدب الزيارة، لأمره ﵇ بذلك لمن سلم عليه قبل صلاة التحية فقال له: ارجع فصل ثم ائت فسلم عليّ. (ارجع فصل) وفي حديث رفاعة الآتي: أعد صلاتك. (فإنك لم تصل) نفي لصحة الصلاة؛ لأنها أقرب لنفي الحقيقة من نفي الكمال، فهو أولى المجازين وأيضاً فلما تعذرت الحقيقة - وهي نفي الذات - وجب صرف النفي إلى سائر صفاتها. قال عياض: فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزئ. قال الحافظ: وهو مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء، وهو الظاهر. ومن حمله

стр. 920

على نفي الكمال تمسك بأنه ﷺ لم يأمره بالإعادة بعد التعليم، فدل على إجزائها وصحتها، وإلا لزم تأخير البيان، كذا قاله بعض المالكية. وفيه نظر؛ لأنه ﷺ قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة، فسأله التعليم فعلمه، فكأنه قال له: أعد صلاتك على هذه الكيفية - انتهى. وقال القاري: تقريره على صلاته كرات يؤيد كونه نفي الكمال لا الصحة، فإنه يلزم منه أيضاً الأمر بعبادة فاسدة مرات. قلت: أراد القاري أنه لو حمل على نفي الصحة يلزم أنه ﷺ قرره مراراً على أن يصلي صلاة فاسدة، ويلزم منه أيضاً أنه أمر بعبادة فاسدة مرات، بخلاف ما إذا أريد بالنفي نفي الكمال. وفيه نظر؛ لأنه لم يؤذن له في صلاة فاسدة، ولا علم من حاله أنه يأتي بها في المرة الثانية والثالثة فاسدة، بل هو محتمل أن يأتي بها صحيحة، وإنما لم يعلمه أولاً ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة الصحيحة المجزئة، وسيأتي مزيد توضيح لذلك. وقد احتج بعضهم لتوجه النفي إلى الكمال بما وقع عند الترمذي في هذه القصة من حديث رفاعة بلفظ: فعاف الناس وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل، حتى قال ﷺ : إذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئاً انتقصت من صلاتك. وكان هذا أهون عليهم من الأول أنه من انتقص من ذلك شيئاً انتقص من صلاته، ولم تذهب كلها. قالوا: والنقص لا يستلزم الفساد، وإلا لزم في ترك المندوبات؛ لأنها تنتقص بها الصلاة. وأيضاً كون هذه المقالة كانت أهون عليهم يدل على أن المراد بالنفي نفي الكمال؛ لأن قوله أولاً: "لم تصل" يوهم نفى الصلاة برأسها، وقوله ثانياً: "إن انتقصت منه شيئا" الخ. يدل على النقصان، وعدم ذهاب الصلاة كلها، ولذا كان أهون عليهم من الأول، لكنهم علموا وفهموا حينما سمعوا قوله الثاني أنه إنما أراد بنفي الصلاة في قوله الأول: "لم تصل" نفي الكمال لا نفي الذات والحقيقة أو الصحة. وأجيب بأن الانتقاص يستلزم الفساد وعدم الصحة؛ لأنا متعبدون بصلاة لا نقصان فيها، فالناقصة فاسدة غير صحيحة، ومن ادعى صحتها وعدم فسادها فعليه البيان. ولا نسلم أن ترك مندوبات الصلاة ومسنوناتها انتقاص منها؛ لأنها أمور خارجة عن ماهية الصلاة، فلا يراد الإلزام بها، وكونها تزيد في الثواب لا يستلزم أنها منها، كما أن الثياب الحسنة تزيد في جمال الذات وليست منها. والحجة في الذي جاءنا عن الشارع من قوله، وفعله، وتقريره، لا في فهم بعض الصحابة. سلمنا أن فهمهم حجة لكونهم أعرف بمقاصد الشرع، لكن لا دليل هنا على أنهم فهموا حين سمعوا قوله الثاني نفي الكمال، وإنما كان قوله الثاني أهون عليهم من جهة أن من أتى ببعض واجبات الصلاة فقد فعل خيراً من قيام وذكر وتلاوة، وإنما يؤمر بالإعادة لدفع عقوبة ما ترك، وترك الواجب سبب للعقاب، فإذا كان يعاقب بسبب ترك البعض يلزمه أن يفعله إن أمكن فعله وحده، وإلا فعله مع غيره، والصلاة لا يمكن فعل المتروك منها إلا بفعل جميعها. وقال ابن تيمية: من قال: إن هذا لنفي الكمال قيل: إن أردت الكمال المستحب، فهذا باطل لوجهين: أحدهما: أن هذا لا يوجد قط في لفظ الشارع أنه ينفي عملاً فعله العبد على الوجه الذي وجب عليه، ثم ينفيه لترك المستحبات، بل الشارع لا ينفي عملاً إلا إذا لم يفعله العبد كما وجب عليه. والثاني: لو نفى لترك مستحب لكان عامة الناس لا صلاة لهم ولا صيام، فإن الكمال المستحب متفاوت، إذ كل من لم يكملها كتكميل رسول الله ﷺ يقال: لا صلاة له- انتهى. واستدل بقوله: "صل فإنك

стр. 921

لم تصل" للشافعي وأبي يوسف والجمهور على أن تعديل الأركان والطمأنينة فيها فرض. قالوا: إن قوله هذا صريح في كون التعديل من الأركان بحيث أن فوته يفوت الصلاة، وإلا لم يقل: "لم تصل" فإن من المعلوم أن خلاد بن رافع لم يكن ترك ركناً من الأركان المشهورة، إنما ترك التعديل والاطمئنان كما يدل عليه رواية ابن أبي شيبة، فعلم أن تركه مبطل للصلاة. قلت: الحديث فيه رد صريح على أبي حنيفة ومحمد، فإن المشهور من مذهبهما أن تعديل الأركان ليس بفرض بل هو واجب، واستدل لهما بقوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [٧٧: ٢٢] بأن الركوع والسجود لفظ خاص معناه معلوم، فالركوع هو الانحناء، والسجود هو وضع الجبهة على الأرض، فمطلق الميلان عن الاستواء، ووضع الجبهة على الأرض فرض بالآية المذكورة، وفرضية التعديل الثابتة بقوله ﵇: "لم تصل" لا يجوز إلحاقها بالقرآن لا على سبيل البيان، ولا على سبيل تغيير إطلاق القرآن. أما الأول فلأن البيان لا يكون إلا للمجمل، ولا إجمال في الركوع والسجود، وأما الثاني فلأن تغير إطلاق القرآن نسخ، وهو لا يجوز بالخبر الواحد، ولما لم يجز إلحاق ما ثبت بهذا الحديث بالثابت بالقرآن في مرتبته ولم يمكن ترك خبر الواحد بالكلية أيضاً فقلنا: ما ثبت بالكتاب- وهو مطلق الركوع والسجود- يكون فرضاً؛ لأنه قطعي، وما ثبت بهذا الخبر الظني الثبوت يكون واجباً مراعاة لمنزلة كل من الكتاب والسنة. ورد هذا الاستدلال بأن النص ليس بمطلق بل مجمل، فإن المراد بالركوع والسجود في الآية المذكورة معناهما الشرعي؛ لأنه قد تقرر أن أمثال هذه الألفاظ في النصوص يجب حملها على معانيها الشرعية إلا أن يمنع مانع، ولا مانع ههنا، ولأن من وضع الجبهة إلى غير القبلة أو على غير الوضوء فهو ساجد لغة، وليست هذه السجدة معتبرة في الشرع. ومعنى الركوع والسجود الشرعي غير معلوم، فهو محتاج إلى البيان، فحديث أبي هريرة وما وافقه بيان لذلك النص المجمل، وبيان الفرض المجمل يجوز بخبر الواحد، أي يكون فرضاً في مرتبة المجمل. قال الشيخ عبد الحليم اللكنوي الحنفي في حاشية نور الأنوار بعد ذكر نحو ما قدمنا من تقرير استدلال الحنفية: ولو سلمنا أن النص مطلق فنقول إن هذا الحديث ليس بخبر الواحد، بل هو حديث مشهور، تلقاه الأمة بالقبول، ورواه أئمة الحديث بأسانيد كثيرة، والزيادة على الكتاب بالخبر المشهور جائزة- انتهى. وقال بعد ذكر حديث أبي هريرة: هذا الحديث دال على أن تعديل الركوع والسجود فرض، والقومة والجلسة ركنان، فإن رسول الله ﷺ نفى الصلاة بفواتها. وإن زللت بما قال بعض السابقين، من أن في آخر الحديث المذكور- يعني حديث رفاعة- زيادة تدل على توقف صحة الصلاة عليها، وهو قوله ﵇: فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئاً انتقصت من صلاتك، فسماها- ﵇ -صلاة، والباطلة ليست بصلاة، وأيضاً وصفها بالنقص، والباطلة إنما توصف بالانعدام، فعلم أن أمر النبي ﷺ بالإعادة إنما كان لتقع الصلاة على غير كراهة لا لفساد صلاة ذلك الرجل، ثبتك أن معنى هذه الزيادة: إن فعلت ما بينت من التعديل على الكمال فقد صليت صلاة تامة، وإن نقصت من التعديل شيئاً من النقصان مع بقاء أصل التعديل- كما يدل عليه لفظ نقصت- فقد نقصت من صلاتك بقدر نقصان التعديل. فالإخلال بالتعديل رأساً يوجب الفساد. فإن غلب عليك جنود الوهم بأن القومة والجلسة

стр. 922

فرجع فصلى، ثم جاء، فسلم. فقال: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل. فقال في الثالثة- أو في التي بعدها- علمني يا رسول الله! ــ ليستا بمقصودتين، وإنما شرعتا للفصل بين الركوع والسجود، وبين السجدتين، فلا يكونان ركنين، بل الركن هو المقصود وهو الركوع والسجود، فعارضها بعسكر الفكر بأن هذا رأي في مقابلة النص المذكور فلا يسمع. كذا أفاد بحر العلوم أنار الله برهانه- انتهى كلام الشيخ عبد الحليم اللكنوي. وما نقله عن بعض السابقين قد رده أيضاً العيني بأن للخصم أن يقول: إنما سماه صلاته بحسب زعم المصلي، كما تدل عليه الإضافة، على أنه ورد في بعض الروايات: "وما نقصت شيئاً من ذلك" أي مما ذكر سابقاً، ومنه الركوع والسجود أيضًا، فيلزم أن تسمى ما لا ركوع فيه أو لا سجود فيه أيضاً صلاة بعين التقرير المذكور وإذ ليس فليس- انتهى. وقال بعض الحنفية في الجواب عن حديث أبي هريرة: إن هذا الحديث لا يدل على فرضية التعديل، بل يدل على عدم فرضيته؛ لأنه- ﵇ ترك الأعرابي حتى فرغ عن صلاته، ولو كان ما تركه ركناً لفسدت صلاته، فكان المضي يعد ذلك من الأعرابي عبثاً، فلا يحل له ﷺ أن يتركه، فكان تركه دلالة منه أن صلاته جائزة إلا أنه ترك الإكمال فأمره بالإعادة زجراً عن هذه العادة. ورده العيني في البناية بأن للخصم أن يقول: كانت صلاته فاسدة ولذا أمر بالإعادة، وقال له: "لم تصل" وإنما تركه عليه لأنه ربما يهتدي إلى الصلاة الصحيحة، ولم ينكر عليه لأنه كان من أهل البادية كما شهدت به رواية الترمذي بلفظ: "إذ جاء رجل كالبدوي"، ومن المعلوم أن أهل البادية لهم جفاء وغلظ، فلو أمره ابتداء لكان يقع في خاطره شيء، وكان المقام مقام التعليم، وبالجملة لا دلالة لعدم إنكاره ﵊ على صلاته ابتداء، وأمره بالإعادة، على ما ادعوه- انتهى. فإذا عرفت هذا كله ظهر لك أن ما ذهب إليه الجمهور هو الحق. وما ذهب إليه الحنفية ليس لهم عليه دليل صحيح، بل حديث أبي هريرة حجة صريحة عليهم. (فقال في الثالثة أو في التي بعدها) أي في المرتبة الرابعة. وفي رواية فقال في الثانية أو الثالثة، وفي أخرى ثلاثاً أي ثلاث مرات. وهذه الرواية أرجح لعدم الشك فيها. (علمني يا رسول الله) وفي رواية: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني. وتوقف ﷺ في التعليم إلى أن يسأل هو ليكون أوقع عنده، بخلاف ما لو بدأ به، وقيل: أعرض عنه أولاً لأنه أعرض عن السؤال، فكأنه عد نفسه عالماً فعامله زجراً وتأديباً له، وإرشاد إلى أنه كان اللائق به الرجوع إلى السؤال واستكشاف ما استبهم عليه، ولذا لما سأل وقال: لا أحسن، علمه، وبالجملة فليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة بل تأخيره إلى وقت إظهار الحاجة ليكون أنفع. واستشكل تقريره- ﵇ على صلاته وهي فاسدة ثلاث مرات على القول بأن النفي للصحة، وأجيب بأنه أراد استدراجه بفعل ما جهله مرات لاحتمال أن يكون فعله ناسياً أو غافلاً، فيتذكر فيفعله من غير تعليم، فليس من باب التقرير على الخطأ بل من باب تحقق الخطأ، ويحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه عليه، ورأى أن الوقت لم يفته فرأى إيقاظ الفطنة للمتروك. وقال ابن دقيق العيد: التقرير

стр. 923

فقال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن ــ ليس بدليل على الجواز مطلقاً، بل لا بد من انتفاء الموانع وزيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجه سؤاله مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم لا سيما مع عدم خوف الفوت، إما بناء على ظاهر الحال أو بوحي خاص. (ثم استقبل القبلة) فيه دليل على وجوب استقبال القبلة، وهو إجماع المسلمين إلا في حالة العجز، أو في الخوف عند التحام القتال، أو في صلاة التطوع، وقد دل على وجوبه القرآن والسنة المتواترة. (فكبر) أي تكبيرة الإحرام. وفي رواية الطبراني لحديث رفاعة: ثم يقول"الله أكبر". وهي تبين أن المراد من التكبير خصوص هذا اللفظ، فلا يصح افتتاح الصلاة إلا بلفظ الله أكبر دون غيره من الأذكار، خلافاً لأبي حنيفة فإنه يقول: يجزئ بكل لفظ يدل على التعظيم، وهذا نظر منه إلى المعنى، وأن المقصود التعظيم فيحصل بكل ما دل عليه. والحق ما ذهب إليه مالك وأحمد من تعيين التكبير وتخصيص لفظ الله أكبر. قال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث يعين التكبير، ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات، ويكثر ذلك فيها، فالاحتياط فيها إتباع اللفظ. وأيضاً فالخصوص قد يكون مطلوبا أعني خصوص التعظيم بلفظ الله أكبر، وهذا لأن رتب هذه الأذكار مختلفة كما تدل عليه الأحاديث فقد لا يتأدى برتبة ما يقصد من أخرى، ونظيره الركوع، فإنا نفهم أن المقصود منه التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعاً آخر لم يكتف به، ويتأيد هذا باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بهذه اللفظة أعني الله أكبر. (ثم اقرأ بما تيسر) أي لك حال كونه (معك) وقال الأبهرى: الباء للاستعانة أي أوجد القراءة مستعيناً بما تيسر، أو زائدة، ويؤيده رواية البخاري "ما تيسر" بدون الباء (من القرآن) استدل بالحديث على عدم فرضية الفاتحة إذ لو كانت فرضاً لأمره، لأن المقام مقام التعليم فلا يجوز تأخير البيان. وأجيب عنه بأنه قد أمره ﷺ بقراءة الفاتحة، ففي حديث رفاعة عند أبي داود: ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ. وعند أحمد وابن حبان: "اقرأ بأم القران ثم اقرأ بما شئت". وقد تقرر أنه يؤخذ بالزائد إذا جمعت طرق الحديث، ويقال: إن الراوي حيث قال ما تيسر ولم يذكر الفاتحة ذهل عنها، لكنه يلزم حينئذٍ إخراج صيغة الأمر عن ظاهرها؛ لأنه لا يجب قراءة ما زاد على الفاتحة. وقيل: قوله: "ما تيسر" عام يخصص بقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، ولا يخفى بعده لأن سياق الكلام يقتضى تيسير الأمر عليه، وإنما يقرب هذا إذا جعلت ما بمعنى الذي، وأريد بها شيء معين، وهو الفاتحة لكثرة حفظ المسلمين لها فهي المتيسرة. وقيل: هو محمول على أنه عرف من حال الرجل أنه لا يحفظ الفاتحة، ومن كان كذلك كان الواجب عليه قراءة ما تيسر، ولا يخفى ضعفه لكنه محتمل، ومع الاحتمال لا يترك الصريح، وهو قوله: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب". وقيل: الحديث لا يصرف ما ورد في غيره من الأدلة المقتضية لفرضية الفاتحة؛ لأنه يؤخذ بالزائد فالزائد من أمر رسول الله ﷺ . وقال الخطابي:

стр. 924

ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً)) . ــ ظاهره الإطلاق والتخيير، والمراد منه فاتحة الكتاب لمن أحسنها لا يجزيه غيرها بدليل قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، وهذا في الإطلاق كقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [٢: ١٩٦] ثم كان أقل ما يجزئ من الهدي معيناً معلوم المقدار ببيان السنة وهو الشاة - انتهى. وقال صاحب فيض الباري (ج٢: ص٢٩٩) : تمسك الحنفية به على عدم ركنية الفاتحة ليس بصحيح، لأن الفاتحة وإن لم تكن ركناً لكنها واجبة عندنا أيضاً، والسياق سياق التعليم، فلو فرضنا أنه لم يعلمه الفاتحة يلزم درج كراهية التحريم في سياق التعليم، ولا يجوز أصلاً مع أنها مذكورة في حديث رفاعة صراحة، وإن كانت مجملة في حديث أبي هريرة. ثم أقول: إن قوله هذا كان لكون الرجل بدوياً أعرابياً لا يدري أنه كان عنده شيء من القرآن أم لا، وحينئذٍ ينبغي أن يكون التعبير هكذا، ولذا قال: وإلا فاحمد الله وكبره، فدل على أنه كان ممن لا يستبعد منه أن لا يكون عنده قرآن أصلاً. وإذا لا يلائمه أن يأمره بالفاتحة والسورة تفصيلاً، وإنما أليق بحالة الإجمال فيقرأ بما يقدر. (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً) حال مؤكدة، وقيل مقيدة. وفيه دليل على ما ذهب إليه الشافعي وأبويوسف من افتراض الطمأنينية في الركوع وهو الحق. (ثم ارفع) أي رأسك (حتى تستوي) أى تعتدل (قائماً) في رواية ابن ماجه: حتى تطمئن قائماً. وهي على شرط مسلم، وقد أخرجها السراج أيضاً بإسناد على شرط البخاري، فهي على شرط الشيخين، وهذه الروايات تدل على افتراض رفع الرأس من الركوع، وعلى افتراض الاستواء أي الاعتدال في الرفع، وعلى افتراض الاطمئنان في القومة، أي عند الاعتدال من الركوع، وإليه ذهب الشافعي وأبويوسف، وهو الصواب (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً) فيه دليل على فرضية الطمأنينة في السجود، وقد فصلتها رواية النسائي من حديث رفاعة بلفظ: ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه وجبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي. (ثم ارفع) أي رأسك من السجود (حتى تطمئن جالساً) أي بعد السجدة الأولى، وهي حال مؤسسة. وفيه دليل على افتراض القعود بين السجدتين. وفي رواية النسائي المذكورة: "ثم يكبر فيرفع رأسه حتى يستوي قاعداً على مقعدته ويقيم صلبه". (ثم اسجد) أي الثانية (حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً) أي للاستراحة. قال الطيبي: كلمة حتى في هذه القرائن لغاية ما يتم به الركن، فدلت على أن الطمأنينة داخلة فيه، والمنصوب حال مؤكدة -انتهى. والحديث يدل آخره على إيجاب جلسة الاستراحة، ولكنه لم يقل به أحد على أنه قد أشار البخاري إلى أنه – أى قوله الأخير حتى تطمئن جالساً – وهم، فإنه عقبه بأن قال: قال أبوأسامة (حماد بن أسامة مما وصله في كتاب الأيمان والنذور) في (اللفظ) الأخير (وهو حتى تطمئن جالساً) حتى تستوي قائماً. وقال القسطلاني: أراد البخاري بهذه الإشارة إلى أن راوي الأولى- وهو ابن نمير – خولف، وأن الثانية عنده أرجح. وقال الحافظ: كلام البخاري

стр. 925

وفي رواية: ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) متفق عليه. ٧٩٧- (٢) وعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين. ــ ظاهر في أن أبا أسامة خالف ابن نمير، لكن رواه إسحاق بن راهوية في مسنده عن أبي أسامة، كما قال ابن نمير. وأخرجه البيهقي من طريقه، وقال: كذا قال إسحاق بن راهوية عن أبي أسامة. والصحيح رواية عبيد الله بن سعيد بن أبي قدامة، ويوسف بن موسى عن أبي أسامة بلفظ: "حتى تستوي قائما" –انتهى. وقال بعضهم: يمكن أن يحمل إن كان محفوظاً عل الجلوس للتشهد، ويؤيده رواية رفاعة عند أبي داود: فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن جالساً، ثم افرش فخذك اليسرى ثم تشهد. قال الحافظ: المعتمد الترجيح كما أشار إليه البخاري، وصرح به البيهقي. (وفي رواية) أي للبخاري بدل قوله الأخير "ثم ارفع حتى تطمئن جالساً" (ثم ارفع حتى تستوي قائماً) قد تقدم آنفاً أن البخاري أشار إلى ترجيح هذه الرواية الثانية، والبيهقي صرح به. وسيأتي الكلام على جلسة الاستراحة. (ثم افعل ذلك) أي جميع ما ذكر من الأقوال والأفعال إلا تكبيرة الإحرام، فإنها مخصوصة بالركعة الأولى لما علم شرعاً من عدم تكرارها. وقيل: التقدير "ثم افعل ذلك" أي ما ذكر مما يمكن تكريره، فخرج نحو تكبيرة الإحرام. (في صلاتك) أي في ركعات صلاتك (كلها) فرضاً ونفلاً على اختلاف أوقاتها وأسمائها. وإنما لم يذكر له ﷺ بقية الواجبات في الصلاة كالنية والقعود في التشهد الأخير؛ لأنه كان معلوماً عنده، أو لعل الراوي اختصر ذلك. وفيه دليل على وجوب قراءة الفاتحة في الأخريين أيضاً، وإليه ذهب ابن الهمام من الحنفية. قال ابن دقيق العيد: هذا يقتضي وجوب القراءة في جميع الركعات، وإذا ثبت أن الذي أمر به الأعرابي هو قراءة الفاتحة دل على وجوب قراءتها في كل الركعات-انتهى. واعلم أن هذا الحديث جليل يعرف بحديث المسيء صلاته، يشتمل على فوائد كثيرة. قال ابن العربي في شرح الترمذي: فيه أربعون مسألة، ثم سردها. وقد أطال غيره من الشراح أيضاً الكلام في شرحه كالشوكاني في النيل (ج٢: ص١٥٧-١٦١) والحافظ في الفتح (ج٣: ص٤٣٢-٤٣٤) وابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (ج٢: ص٢-١٢) والعيني في عمدة القاري (ج٦: ص١٥-٢٠) . (متفق عليه) واللفظ للبخاري في كتاب الاستئذان. وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه بألفاظ متقاربة. ٧٩٧- قوله: (يستفتح الصلاة) أي يفتتحها (بالتكبير) أي يقول: الله أكبر، كما ورد بهذا اللفظ في الحلية لأبي نعيم. والمراد تكبيرة الإحرام. (والقراءة) بالنصب عطفاً على الصلاة (بالحمد) بالرفع على الحكاية وإظهار ألف الوصل، ويجوز حذف همزة الوصل، وكذا جر الدال على الإعراب، ذكره القاري (رب العالمين) أي يبتدئ القراءة بسورة الفاتحة

стр. 926

وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك. وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً. وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالساً. وكان يقول في كل ركعتين التحية. وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى. ــ ثم يقرأ السورة، وذلك لا يمنع تقديم دعاء الاستفتاح، فإنه لا يسمى في العرف قراءة، ولا يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأن المراد أنه يبدأ بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ ما بعدها، لا أنه يبدأ في القراءة بلفظ "الحمد لله"، وبهذا ظهر الرد على من تمسك بالحديث على مشروعية ترك الجهر بالبسملة في الصلاة، فإن المراد بذلك كما قلنا اسم السورة، لكن نوقش ذلك بأنه لو كان المراد اسم السورة لقالت عائشة: بالحمد؛ لأنه وحده هو الاسم. ورد بما ثبت عند أبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعاً: الحمد لله رب العالمين، أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني. وبما عند البخاري من حديث سعيد بن المعلى: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني. فهو ظاهر أو نص في أن الفاتحة تسمى بهذا المجموع الذي هو "الحمد لله رب العالمين"، ويمكن الجواب عن ذلك التمسك أيضاً بأنها ذكرت أول آية من الآيات التي تخص السورة وتركت البسملة؛ لأنها مشتركة بينها وبين غيرها من السور، وسيأتي مزيد الكلام في شرح حديث أنس في باب القراءة في الصلاة. (لم يشخص) من باب الإفعال أو التفعيل أي لم يرفع (ولم يصوبه) أي لم ينكسه من التصويب وهو الإنزال من أعلى إلى أسفل، ومنه الصيب المطر، صاب يصوب إذا نزل. أي لم يخفضه خفضاً بليغاً بل بين الخفض والرفع، وهو التسوية. (ولكن بين ذلك) أي بين المذكور من الإشخاص والتصويب، بحيث يستوي ظهره وعنقه كالصفحة الواحدة. (وكان إذا رفع رأسه من السجدة) أي الأولى، وفي بعض النسخ من السجود (لم يسجد) الثانية (حتى يستوي) أي يعتدل بين السجدتين (جالساً) تقدم الكلام على الجلوس بين السجدتين وكذا القومة. (وكان يقول في كل ركعتين) أي بعدهما (التحية) بالنصب. وقيل بالرفع، والمراد بها الثناء المعروف بالتحيات لله الآتي لفظه في حديث ابن مسعود، وسمى هذا الذكر تحية وتشهداً لاشتماله عليهما، أي على التحية وهو الثناء الحسن وعلى التشهد لاشتماله على الشهادتين، فهو من باب إطلاق اسم الجزء على الكل، وفيه مشروعية التشهد الأوسط والأخير، ولا يدل على الوجوب؛ لأنه فعل، إلا أن يقال: إنه بيان لإجمال الصلاة في القرآن المأمور بها وجوباً، والأفعال لبيان الواجب واجبة. أو يقال بإيجاب أفعال الصلاة لقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وفي الاستدلالين بحث بسطه ابن دقيق العيد فارجع إليه. واستدل على الوجوب أيضاً بقوله ﷺ : إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله-الحديث. والأمر للوجوب. (وكان يفرش) بكسر الراء وضمها (وينصب) بفتح الياء وكسر الصاد (رجله اليمنى) أي يضع أصابعها على الأرض ويرفع عقبها. واستدل به من قال بمشروعية النصب والفرش في التشهدين جميعاً. ووجهه الإطلاق وعدم التقييد في مقام التصدي لوصف صلاته ﷺ لا سيما بعد وصفها للذكر المشروع في كل ركعتين، وتعقيب ذلك بذكر هيئة الجلوس، لكن حديث أبي حميد التالي قد فرق بين الجلوسين فجعل هذا صفة الجلوس بعد

стр. 927

وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وكان يختم الصلاة بالتسليم)) رواه مسلم. ــ الركعتين الأوليين، وجعل صفة الجلوس الأخير تقديم رجله اليسرى ونصب اليمنى، والقعود على مقعدته. وللعلماء خلاف في ذلك سيأتي بيانه مع تحقيق الحق فيه. (عن عقبة الشيطان) بضم العين المهملة وسكون القاف فموحدة، فسرها أبوعبيد وغيره بالإقعاء المنهي عنه، وهو أن يلصق إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب. وتفسيرها بافتراش القدمين، والجلوس بالإليتين على العقبين غلط؛ لأنه سنة نبينا محمد ﷺ كما رواه مسلم. وقد اختاره العبادلة في القعود في غير الأخير. وسيأتي مزيد الكلام عليه إن شاء الله. (وينهى أن يفترش الرجل) أي في السجود. قال الطيبي: التقيد بالرجل يدل على أن المرأة تفترش (ذراعيه افتراش السبع) أي كافتراشه. فسر السبع بالكلب، وقد ورد في رواية بلفظه، وافتراش الكلب هو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود، ويفضي بمرفقه وكفه إلى الأرض، والسنة أن يرفع ذراعيه، ويكون الموضوع على الأرض كفيه فقط. نعم إن طول السجود فشق عليه اعتماد كفيه فله وضع ساعديه على الركبتين لخبر: شكا أصحاب رسول الله ﷺ مشقة السجود عليهم، فقال: استعينوا بالركب. (وكان يختم الصلاة بالتسليم) أي تسليم الخروج. واستدل به على تعين التسليم للخروج من الصلاة اتباعاً للفعل المواظب عليه، واستدل على ذلك أيضاً بقوله ﷺ : "تحليلها التسليم"، فإن الإضافة تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم. أي انحصرت صحة تحليلها في التسليم لا تحليل لها غيره، كقولهم: مال فلان الإبل، وعلم فلان النحو. وقال ابن العربي ما معناه: قوله: "تحليلها التسليم" يقتضي حصر الخروج عن الصلاة على التسليم دون غيره من سائر الأفعال والأقوال المناقضة للصلاة؛ لأنه ذكره بالألف واللام الذي هو باب شأنه التعريف كالإضافة، وحقيقة الألف واللام إيجاب الحكم لما ذكر، ونفيه عما لم يذكر، وسلبه عنه، وعبر عنه بعضهم بأنه الحصر، وأبوحنيفة يخالف فيه حيث يرى الخروج منها بكل فعل وقول يضاد كالحدث ونحوه حملاً على السلام وقياساً عليه، وهذا يقتضي إبطال الحصر-انتهى (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود. والحديث له علة، وهي أنه أخرج مسلم من رواية أبي الجوزاء-بالجيم والزاي- عن عائشة، قال ابن عبد البر: لم يسمع منها، وحديثه عنها مرسل- انتهى. وأبو الجوزاء هذا اسمه أوس بن عبد الله الربعي البصري، وهو قد عاصر عائشة فأخرج مسلم حديثه في صحيحه بناء على مذهبه من أن المعنعن محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت إليه العنعنة. قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج١: ص٣٨٤) : قال البخاري: في إسناده نظر، يريد أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده وأحاديثه مستقيمة، قال: حديثه عن عائشة في الافتتاح بالتكبير عند مسلم، وذكر ابن عبد البر في التمهيد أيضاً أنه لم يسمع منها. وقال جعفر الفريابي في كتاب الصلاة: ثنا مزاحم بن سعيد: ثنا ابن المبارك: ثنا إبراهيم بن طهمان: ثنا بديل العقيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولاً إلى عائشة يسألها_

стр. 928

٧٩٨- (٣) وعن أبي حميد الساعدي، قال في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ : ((أنا أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبر جعل يديه ــ فذكر الحديث. فهذا ظاهر أنه لم يشافهها، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك فشافهها على مذهب مسلم في إمكان اللقاء. والله أعلم – انتهى. وقال في جامع الأصول: أبوالجوزاء سمع من عائشة، فارتفعت العلة رأساً. ٧٩٨- قوله: (وعن أبي حميد) بضم الحاء وفتح الميم، قيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: عمرو. وقيل: المنذر بن سعد بن المنذر. وقيل: اسم جده مالك، الأنصاري الخزرجي المدني، غلبت عليه كنيته، صحابي مشهور، شهد أحداً وما بعدها، وعاش إلى خلافة يزيد سنة (٦٠) ، قال الواقدي: توفي في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد. له ستة وعشرون حديثاً، اتفقا على ثلاثة، وانفرد كل منهما بحديث، روى عنه جماعة. (الساعدي) منسوب إلى ساعدة، وهو أبوالخزرج. (قال في نفر) أي وهو في جماعة، والنفر-بفتحتين-اسم جمع يقع على الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه. وكانوا عشرة كما يدل عليه الرواية الآتية. (من أصحاب رسول الله ﷺ ) كلمة من في محل الحال من نفر، أي حال كونهم من أصحابه، منهم أبوقتادة بن ربعي، وأبو أسيد الساعدي، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبوهريرة. (أنا أحفظكم) أي أكثركم حفظاً (لصلاة رسول الله ﷺ ) كأنه أخذ ذلك من شدة رقوبه، وكثرة إتباعه، ومزيد اعتنائه، إذا المعتني قد يحفظ أكثر من غير المعتني وإن كان في الصحبة سواء. (إذا كبر) أي أراد أن يكبر، فيدل على تقديم الرفع على التكبير، أو إذا شرع في التكبير، وهو الموافق لحديث ابن عمر الآتي: كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، فإن المتبادر منه مقارنة الرفع للتكبير، ويؤيده أيضاً ما في رواية أخرى له: "يرفع يديه حين يكبر". (جعل يديه) أي رفع. كما صرحت به بقية الروايات. أي شرع في رفع يديه، فيدل على أن رفع اليدين مقارن للتكبير. وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه، أخرجهما مسلم، ففي رواية له من حديث ابن عمر الآتي بلفظ: "رفع يديه ثم كبر"، وفي حديث مالك بن الحويرث عنده: "كبر ثم رفع يديه"، وفي ترجيح المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء، والمرجح عندي المقارنة، وهو الأصح عند الشافعية والمالكية والحنابلة لحديث وائل بن حجر عند أبي داود بلفظ: "رفع يديه مع التكبير"، وقضية المعية أن ينتهي بانتهائه، ولم يقل أحد بتقديم التكبير على الرفع، والمرجح عند الحنفية تقديم الرفع لحديث ابن عمر عند مسلم، ولحديث أبي حميد الآتي، ولأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثبات ذلك، والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشهادة، وهذا مبني على أن الحكمة في الرفع ما ذكر، وقد قال فريق من العلماء: الحكمة في اقترانهما أن يراه الأصم، ويسمع التكبير الأعمى، فيعلمان دخوله في الصلاة، وقد ذكرت للرفع مناسبات أخرى: فقيل الإشارة إلى طرح الدنيا والإقبال بكليته على العبادة. وقيل: إلى الاستسلام والانقياد، وليناسب فعله قوله: "الله أكبر". وقيل:

стр. 929

حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، ــ إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود. وقيل غير ذلك. ثم إن الرفع عند تكبيرة الإحرام سنة عند الجمهور، وليس بواجب لعدم ذكره في حديث المسيء، وفرض عند ابن حزم، لا تجزئ الصلاة إلا به. وروي ذلك عن الأوزاعي. وقال الزرقاني: روي الوجوب عن الحميدى، وابن خزيمة، وداود، وبعض المالكية والشافعية. (حذاء منكبيه) بكسر الحاء، أي مقابلهما. والمنكب- بفتح الميم وكسر الكاف- مجمع رأس عظم الكتف والعضد، وبهذا أخذ الشافعي والجمهور خلافاً للحنفية حيث أخذوا بحديث مالك بن الحويرث الآتي بعد حديثين، وهو من إفراد مسلم، وبحديث وائل ابن حجر عند أبي داود بلفظ: "حتى حاذتا أذنيه". ورجح الأول لكون إسناده أصح وأثبت؛ لأنه متفق عليه. وروي عن الشافعي أنه جمع بينهما، فقال: يرفع يديه حذو منكبيه بحيث يحاذى أطراف أصابعه فروع أذنيه، وإبهاماه شحمة أذنيه، وراحتاه منكبيه. ويؤيده الرواية الآتية في الفصل الثاني عن وائل. واختاره ابن الهمام حيث قال: لا تعارض بين الروايتين، فإن محاذاة الشحمتين بالإبهامين تسوغ حكاية محاذاة اليدين بالمنكبين؛ لأن طرف الكف مع الرسغ يحاذى المنكب أو يقاربه، فالذي نص على محاذاة الإبهامين بالشحمتين وفق في التحقيق بين الروايتين فوجب اعتباره - انتهى. قلت: وقد استحب الحنفية شيئاً من المبالغة في الرفع حتى قيدوا مس الإبهامين بشحمتي الأذنين لتحقيق المحاذاة، ولا دليل عليه لا من سنة، ولا من قول صحابي، ولا من قياس. وجمع بعض العلماء بأن حديث المنكبين محمول على الشتاء، وعليهم الأكسية والبرانس كما أخرجه أبوداود من حديث وائل بن حجر قال: رأيت النبي ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه قال: ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة وعليهم برانس وأكسية. وعليه حمله الطحاوي في شرح معاني الآثار. قلت: في الاستدلال بهذا الحديث على الجمع المذكور كلام، فإن مداره على شريك القاضي وقد تغير حفظه لما ولى القضاء, وقد تفرد هو بذكر لفظ "إلى صدورهم"، وخالف الثقات الحفاظ كزائدة وسفيان، ولم يرض العيني بهذا الجمع، وعده من التكلفات كما صرح به في البناية. وقيل: لا اختلاف بينهما لأن رسول الله ﷺ فعل كلا الأمرين في أوقات مختلفة، فالرجل مخير بينهما. قال السندي: لا تناقض بين الأفعال المختلفة لجواز وقوع الكل في أوقات متعددة، فيكون الكل مستنداً إلا إذا دل الدليل على نسخ البعض، فلا منافاة بين الرفع إلى المنكبين، أو إلى شحمتي الأذنين، أو إلى فروع الأذنين أي أعاليهما. وقد ذكر بعض العلماء في التوفيق بسطاً لا حاجة إليه لكون التوفيق فرع التعارض، ولا يظهر التعارض أصلاً- انتهى. (أمكن يديه من ركبتيه) في المغرّب يقال: مكنه من الشيء وأمكنه فيه أقدره عليه، والمعنى مكنهما من أخذها والقبض عليهما (ثم هصر ظهره) بالهاء والصاد المهملتين المفتوحتين، أي أماله وثناه في استواء من رقبته ومتن ظهره من غير تقويس. وأصل الهصر أن تأخذ برأس العود فتثنيه إليك وتعطفه. قال الخطابي في المعالم (ج١:

стр. 930

فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته)) ــ ص١٩٥) : معناه ثنى ظهره وخفضه. وأصل الهصر أن يأخذ بطرف الشيء ثم يجذبه إليه كالغصن من الشجرة ونحوه فينهصر أي ينكسر من غير بينونة- انتهى. زاد في رواية أبي داود: "غير مقنع رأسه ولا صافح بخده" أي غير مبرز صفحة خده مائلاً إلى أحد الشقين. (فإذا رفع رأسه) أي من الركوع (استوى) أي قائماً معتدلاً (حتى يعود كل فقار مكانه) بفتح الفاء والقاف آخره راء جمع فقارة، واستعمل الفقار للواحد تجوزاً وهي عظام الظهر، وهي العظام المنظمة التي يقال لها خرز الظهر، قاله القزاز. وفي المحكم: هي ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب. والمراد بذلك كمال الاعتدال. (فإذا سجد وضع يديه) حذاء منكبيه أي قبل وضع ركبتيه (غير مفترش) أي ساعديه أو ذراعيه كافتراش السبع، وغير حامل بطنه على شيء من فخذيه. وهو منصوب على الحال، يعني غير واضع مرفقيه على الأرض. (ولا قابضهما) بالجر أي ولا قابض يديه. أراد أن لا يضم الذراعين والعضدين إلى الجنبين بل يجافيهما معتمداً على راحتيه. (واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة) قال النووي: ولا يحصل توجيهاً للقبلة إلا أن يكون معتمداً على بطونها، ووضعها من غير تحامل عليها مخالف للحديث. (فإذا جلس) للتشهد (في الركعتين) أي عقب الأوليين (جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى) هذا هو الافتراش. (فإذا جلس في الركعة الآخرة) للتشهد الأخير (قدم رجله اليسرى) أي أخرجها من تحت وركه إلى جانب الأيمن. (ونصب الأخرى) أي اليمنى (وقعد على مقعدته) اليسرى، وهذا هو التورك وفي ذكره كيفية الجلوسين- الجلوس الأوسط والأخير- دليل على تغايرهما، وأنه في الجلسة الأخيرة يتورك، أي يفضي بوركه اليسرى إلى الأرض، وينصب رجله اليمنى. وبهذا الحديث عمل الشافعي ومن وافقه، وألحق هو بالتشهد الأول الجلسات الفاصلة بين السجدات؛ لأنه يعقبها انتقالات، والانتقال من المفترش أيسر. وقد قيل في الحكمة في التغاير بين الجلوسين- الأوسط والأخير- أنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات، فإن المخالفة في الهيئة قد تكون سبباً للتذكر عند الشك في كونه في التشهد الأول أو في التشهد الأخير، ولأن الأول تعقبه الحركات بخلاف الثاني، يعني أن الافتراش هيئة استيفاز فناسب أن تكون في التشهد الأول؛ لأن المصلي مستوفز للقيام للركعة الثالثة، والتورك هيئة اطمينان فناسب الأخير، ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به. وعند الحنفية يفترش في الكل. وعند المالكية يتورك في الكل. والمشهور عن أحمد اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان. واستدل الحنفية بحديث عائشة السابق. والجواب أنه محمول على التشهد الأول جمعاً بين الأحاديث، وأما قول ابن التركماني: بأن إطلاقه يدل على أن ذلك كان في التشهدين بل هو في قوة قولها "وكان يفعل ذلك في التشهدين" إذ قولها أولاً: "وكان يقول في كل ركعتين التحية" يدل على هذا التقدير.

стр. 931

رواه البخاري. ٧٩٨- (٤) وعن ابن عمر: ((أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع ــ ففيه أن إطلاقه وإن كان يدل على ما قال، لكن حمله على التشهد الأول متعين جمعاً بين الأحاديث. على أن حديث أبي حميد نص صريح في ثبوت التورك في التشهد الأخير، وحديث عائشة ليست بنص في نفيه بل غاية ما يقال فيه: أنه يدل بظاهره على نفي التورك. وقد تقرر في مقره أن النص يقدم على الظاهر عند التعارض. واستدلوا أيضاً بأحاديث ذكرها الشيخ عبد الحي اللكنوي الحنفي في تعليقه على موطأ الإمام محمد. وقال بعد ذكرها: لا يخفى على الفطن أن هذه الأخبار وأمثالها لا تدل على مذهبنا صريحاً، بل تحتمله وغيره. وما كان منها دالاً صريحاً لا يدل على كونه في جميع القعدات على ما هو المدعى. والإنصاف أنه لم يوجد حديث يدل صريحاً على استنان الجلوس على الرجل اليسرى في القعدة الأخيرة. وحديث أبي حميد مفصل فليحمل لمبهم على المفصل- انتهى. واستدل لما ذهب إليه مالك بما رواه هو في موطأه عن يحيى بن سعيد، أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. والجواب أن هذا معارض بما رواه النسائي من طريق عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد، أن القاسم حدثه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: "من سنة الصلاة أن ينصب اليمنى، ويجلس على اليسرى"، فيحمل ما رواه مالك على التشهد الأخير، وما رواه النسائي على التشهد الأول دفعاً للتعارض بين قول ابن عمر وفعله. والتربع غير التورك، وكان ابن عمر يتربع في بعض الأحيان للعذر، وكان ينكر على ابنه عبد الله التربع؛ لأنه لم يكن معذوراً، ولم يثبت عن ابن عمر إنكار التورك أبداً. والحاصل أنه ليس نص صريح فيما ذهب إليه أبوحنيفة ومالك، فالقول الراجح هو ما ذهب إليه الشافعي. واعلم أنه أجاب الحنفية عن حديث أبي حميد بأنه ضعفه الطحاوي، أو يحمل على الكبر. وقد رده الحافظ في الدراية، قال: أما تضعيف الطحاوي فمذكور في شرحه بما لا يلتفت إليه، وأما الحمل فلا يصح، لأن أبا حميد وصف صلاته التي واظب عليها رسول الله ﷺ ، ووافقه عشرة من الصحابة، ولم يخصوا ذلك بحال الكبر، والعبرة بعموم اللفظ، وقد قال رسول الله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" انتهى. وقال الشيخ عبد الحي في التعليق الممجد: حمل أصحابنا هذا على العذر، وعلى بيان الجواز، وهو حمل يحتاج إلى دليل. ومال الطحاوي إلى تضعيفه، وتعقبه البيهقي وغيره في ذلك بما لا مزيد عليه- انتهى. (رواه البخاري) وأخرجه أحمد والترمذي وأبوداود وابن ماجه بلفظ أبسط من هذا كما سيأتي. ٧٩٩- قوله: (كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع

стр. 932

رفعهما كذلك، ــ رفعهما كذلك) أي حذو منكبيه. وهذا دليل صريح على أن رفع اليدين في هذه المواضع سنة، وهو الحق والصواب، ونقل البخاري في صحيحه عقب ابن عمر هذا عن شيخه على بن المديني أنه قال: حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع والرفع منه؛ لحديث ابن عمر هذا. وهذا في رواية ابن العساكر وقد ذكره البخاري في جزء رفع اليدين، وزاد: "وكان أعلم أهل زمانه"-انتهى. قلت: وإليه ذهب عامة أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وغيرهم. قال محمد بن نصر المروزي: أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة. وقال البخاري في جزء رفع اليدين: قال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم في الصلاة. وروى ابن عبد البر بسنده عن الحسن البصري، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم في الصلاة إذا ركعوا وإذا رفعوا كأنها المراوح. وروى البخاري عن حميد بن هلال، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ كأنما أيديهم المراوح، يرفعونها إذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم. قال البخاري: ولم يستثن الحسن أحداً منهم من أصحاب النبي ﷺ دون أحد، ولم يثبت عند أهل العلم عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه لم يرفع يديه. ثم ذكر البخاري عن عدة من علماء أهل مكة، وأهل الحجاز وأهل العراق والشام والبصرة واليمن وعدة من أهل الخرسان، وعامة أصحاب ابن المبارك ومحدثي أهل بخارى، وغيرهم ممن لا يحصى أنهم كانوا يرفعون أيدهم عند الركوع والرفع منه، لا اختلاف بينهم في ذلك. قلت: قول الحسن، وحميد بن هلال يدل على أن الصحابة أجمعوا على رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه، كيف لا وقد صح الرفع فيهما عن أبي بكر وعمر وعلي من الخلفاء الراشدين، ثم عن غيرهم من الصحابة، ثم عن التابعين، وهو أيضاً مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد. قال الترمذي في جامعه: وبه يقول: مالك ومعمر والأوزاعي وابن عيينة وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق- انتهى. وقال الشعراني في ميزانه (ج١: ص١٢٩) : ومن ذلك قول مالك والشافعي وأحمد باستحباب رفع اليدين في التكبيرات والرفع منه- انتهى. وقال ابن عبد البر: لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما- يعني في الركوع والرفع منه- إلا ابن القاسم، والذي نأخذ به الرفع حديث ابن عمر، وهو الذي رواه ابن وهب وغيره عن مالك، ولم يحك الترمذي عن مالك غيره، ونقل الخطابي وتبعه القرطبي في المفهم: أنه آخر قولي مالك وأصحهما. وقال العراقي في طرح التثريب (ج٢: ص٢٥٣) : وقد حكاه عن مالك أيضاً أبومصعب وأشهب والوليد بن مسلم، وسعيد بن أبي مريم، وجزم به الترمذي عن مالك- انتهى. واعلم أن البيهقي روى في سننه حديث ابن عمر هذا بزيادة في آخره بلفظ: "فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى"، ذكره الحافظ في التلخيص (ص٨١) والزيلعي في نصب الراية (ج١: ص٤٠٩) وسكتا عليه ولم يتكلما، لكن في سنده عبد الرحمن بن قريش، قال الذهبي في الميزان (ج٢: ص١١٤) : اتهمه السليماني بوضع الحديث. وقال الخطيب في تاريخه (ج١٠: ص٢٨٣) : في حديثه

стр. 933

غرائب وأفراد، ولم أسمع فيه إلا خيراً. وفيه أيضاً عصمة بن محمد الأنصاري. قال أبوالحسن الدارقطني: عصمة بن محمد بن فضالة الأنصاري متروك ذكره الخطيب في تاريخه (ج١٢: ص٢٨٦) وقال ابن عدي: كل حديثه غير محفوظ، ذكره الذهبي في ميزانه. ويظهر من صنيع النيموي في آثار السنن أن هذه الزيادة هي دليل القائلين بمواظبته ﷺ على رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه، والأمر ليس كما توهم النيموي، فإن أصل الاستدلال على هذا المطلوب ليس بهذا الحديث بل بحديث مالك بن الحويرث وحديث وائل بن حجر الآتيين، وبالأحاديث التي استدل بها الحنفية على أن رسول الله ﷺ واظب على رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح. قال شيخنا في أبكار المنن (ص١٩٥) : اعلم أن العلماء الحنفية ادعوا أن النبي ﷺ واظب على رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح ما دام حياً، واستدلوا عليه بالأحاديث التي فيها ذكر رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه، فكما ثبت مواظبته ﷺ على رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح، كذلك تثبت مواظبته ﷺ على رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه أيضاً. قال صاحب الهداية: ويرفع يديه مع التكبير، وهو سنة، لأن النبي ﷺ واظب عليه. قال الزيلعي في نصب الراية: هذا معروف في أحاديث صفة صلاته ﵇، منها حديث ابن عمر أخرجه الأئمة الستة. - ثم ذكره بنحو حديث الباب - وحديث أبي حميد الساعدي - ثم ذكره بنحو أول أحاديث الفصل الثاني - ولم يثبت عن النبي ﷺ ترك رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه بحديث صحيح البتة، وما جاء فيه فهو ضعيف، غير قابل للاحتجاج، كما يأتي بيانه- انتهى كلام الشيخ. وقد عرفت مما تقدم أنه ليس رفع يد في غير التحريمة عند جماعة من أهل الكوفة، وإليه ذهبت الحنفية. ثم إنه اختلفت أقوال الحنفية، واضطربت آراؤهم في دفع هذه السنة الصحيحة الثابتة المتواترة سنداً وعملاً - أي رفع اليدين في المواضع الثلاثة-، فذهب بعضهم إلى عدم جواز الرفع في غير التحريمة، بناء على أن رفع اليدين في غير الافتتاح كان جائزاً ومباحاً في أول الأمر، ثم ترك ونسخ جوازه، فصار الرفع منهياً عنه، وترك الرفع مأموراً به، فيكره الرفع تحريماً عندهم، كما في الكبيري شرح المنية والبدائع. وبالغ بعضهم كأمير كاتب الإتقاني صاحب غاية البيان شرح الهداية فقال بفساد الصلاة بالرفع في غير التحريمة؛ لأنه عمل كثير، واعتمد في ذلك على ما روى مكحول النسفي عن أبي حنيفة من فساد الصلاة برفع اليد في غير التحريمة. وقد رد عليه تقي الدين السبكي الشافعي في عصره أحسن رد، ورد عليه الحنفية أيضاً وصرحوا بشذوذ هذه الرواية، وذهبوا إلى عدم الفساد من رفع اليدين في غير الافتتاح. وهذا القول يدلك على أن النزاع بين التاركين للرفع وبين القائلين به في الجواز وعدمه، لا في الأفضلية والأولوية. وذهب بعضهم إلى جواز الرفع في غير التحريمة، لكن الأولى والأرجح والمستحب عندهم ترك الرفع، فالمنسوخ عندهم إنما هو استحباب الرفع لا جوازه وإباحته، والنزاع عندهم إنما هو في الاختيار لا الجواز، قال صاحب الكوكب الدري (ج١: ص١٢٩) : لا خلاف بيننا وبين الشافعي في جواز الصلاة بالرفع وعدم الرفع، إنما النزاع في أن الأولى هل هو عدم الرفع أو الرفع؟ فاخترنا الأول واختاروا الثاني، وقال صاحب فيض الباري (ج١: ص٢٥٧) :

стр. 934

قد ثبت الأمران (الرفع والترك) عندي ثبوتاً لا مرد له ولا خلاف إلا في الاختيار، وليس في الجواز، فما في الكبيري شرح المنية والبدائع "أنه مكروه تحريماً" متروك عندي، نعم إن كان عندهما نقل من صاحب المذهب فهما معذوران، وإلا فالقول بالكراهة في مسألة متواترة بين الصحابة شديد عندي. قال: وقد اشتهر في متأخري الحنفية القول بالنسخ، وإنما تعلموه من الشيخ ابن الهمام، والشيخ اختاره تبعاً للطحاوي، قال: إذا ثبت عندي القول بالجواز ممن هو أقدم في الحنفية - يعني به أبابكر الجصاص الرازي صاحب أحكام القرآن - وساعدته الأحاديث أيضاً فلا محيد إلا بالقول به، وخلافه لا يسمع، فمن شاء فليسمع. وقال صاحب البدر الساري (ج١: ص٢٥٥) : إن الرفع متواتر إسناداً وعملاً ولم ينسخ منه ولا حرف. وإنما بقي الكلام في الأفضلية كما صرح به أبوبكر الجصاص في أحكام القرآن. وقال أيضاً: دع عنك حديث النسخ إذ قد شهد العمل بالجانبين، فإنه أقوى دليل على عدم النسخ. وذهب بعضهم إلى عدم النسخ مطلقاً، وقالوا: باستنان الأمرين، لكن الرفع عندهم أكثر وأرجح وأحب من ترك الرفع. قال الشاه ولي الله الدهلوي- الذي يزعم الحنفية أنه كان مقلداً لأبي حنيفة- في حجة الله البالغة (ج٢: ص٨) : والحق عندي أن الكل سنة، والذي يرفع أحب إلي ممن لا يرفع، فإن أحاديث الرفع أكثر وأثبت- انتهى. وقال السندي في حاشية ابن ماجه (ج١: ص٢٨٢) : أما قول من قال: إن ذلك الحديث - أي حديث ابن مسعود في ترك الرفع - ناسخ رفع غير تكبيرة الافتتاح فهو قول بلا دليل، بل لو فرض الباب نسخ فيكون الأمر بعكس ما قالوا، فإن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر من رواة الرفع ممن صلى مع النبي ﷺ آخر عمره، فروايتهما الرفع عند الركوع والرفع منه دليل على تأخر الرفع، وبطلان دعوى نسخه، فإن كان هناك نسخ فينبغي أن يكون المنسوخ ترك الرفع. كيف وقد روى مالك هذا جلسة الاستراحة فحملوها على أنها كانت في آخر عمره في سن الكبر، فهي ليس مما فعلها النبي ﷺ قصداً فلا تكون سنة. وهذا يقتضى أن يكون الرفع الذي رواه ثابتاً لا منسوخاً لكونه آخر عمره عندهم، فالقول بأنه منسوخ قريب من التناقض، وقد قال ﷺ لمالك وأصحابه: صلوا كما رأيتموني أصلي. فالأقرب القول باستنان الأمرين، والرفع أقوى وأكثر انتهى. وقال في حاشيته على النسائي (ج١: ص١٤٠) : ومن لا يقول به يراه منسوخاً بما لا يدل عليه، فإن عدم الرفع إن ثبت فلا يدل على عدم سنيه الرفع، إذ شأن السنة تركها أحياناً. ويجوز استنان الأمرين جميعاً، فلا وجه لدعوى النسخ، والقول بالكراهة- انتهى. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في تعليقه (ص٨٩) على موطأ محمد: القدر المتحقق في هذا الباب هو ثبوت الرفع وتركه كليهما عن رسول الله ﷺ إلا أن رواة الرفع من الصحابة جم غفير، ورواة الترك جماعة قليلة مع عدم صحة الطرق عنهم إلا عن ابن مسعود، وكذلك ثبت الترك عن ابن مسعود وأصحابه بأسانيد محتجة بها، فإذن نختار أن الرفع ليس بسنة مؤكدة يلام تاركها إلا أن ثبوته عن النبي ﷺ أكثر وأرجح. وأما دعوى نسخه كما صدر عن الطحاوي مغتراً بحسن الظن بالصحابة

стр. 935

التاركين، وابن الهمام، والعيني وغيرهم من أصحابنا فليس بمبرهن عليها بما يشفى العليل ويروى الغليل. وقال أيضا: الانصاف في هذا المقام أنه لا سبيل إلى رد روايات الرفع برواية ابن مسعود وفعله وأصحابه ودعوى عدم ثبوت الرفع. ولا إلى رد روايات الترك بالكلية، ودعوى عدم ثبوته، بل يوفى كل من الأمرين حظه، ويقال: كل منهما ثابت، وفعل الصحابة والتابعين مختلف، وليس أحدهما بلازم يلام تاركه مع القول برجحان ثبوت الرفع عن رسول الله ﷺ انتهى. وذهب بعضهم إلى كون الأمرين ثابتين عن رسول الله ﷺ مع عدم الجزم برجحان أحد من الطرفين. قال صاحب البدر الساري (ج١: ص٢٦١) : لعلك علمت أن العمل في هذا الباب بالنحوين ونفي الترك باطل. بقي أن الرفع أكثر أو الترك؟ فلم يجزم الشيخ - يعني شيخه الشاه محمد أنور الكشميري - فيه بشيء، ولو تبين له لم يحكم به لسراية الاجتهاد في هذا الباب، الخ. وإنما أطلنا الكلام في تفصيل آرائهم، وذكر أقوالهم لتقف على تخبطهم في هذه المسألة وتباين آرائهم، وتناقض أقوالهم فيها. وهذا هو شأنهم في أكثر المسائل الشرعية كما لا يخفى على من طالع كتب الفقه للحنفية، ولم يكن حاجة إلى رد القول بالنسخ بعد هذا التناقض الذي رأيته في أقوالهم، فإنهم قد كفونا بأنفسهم رداً لهذا القول الباطل لكن لما اشتهر في متأخريهم القول بالنسخ والاستدلال عليه نذكر دلائلهم مع بيان ما فيها من الخلل والخطل، فاعلم أن الذين قالوا بكراهة الرفع، وذهبوا إلى نسخ جوازه قد استدلوا على ذلك بحديث جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن يعني رافعي أيدينا في الصلاة، فقال: ما بالهم رافعين أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة. أخرجه أحمد، ومسلم وأبوداود والنسائي من طريق تميم بن طرفة، عن جابر. وأجيب عنه بأنه لا دليل فيه على منه الرفع على الهيئة المخصوصة في المواضع المخصوصة وهو الركوع، والرفع منه؛ لأنه مختصر من حديث طويل كما سنبينه. قال النووي: المراد بالرفع المنهى ههنا رفع أيديهم عند السلام مشيرين إلى السلام من الجانبين، كما صرح به في الرواية الأخرى- انتهى. وقال الشوكاني: الحديث ورد على سبب خاص، فإن مسلماً رواه أيضاً من حديث جابر بن سمرة - من طريق عبيد الله بن القبطية - قال: إذا كنا صلينا مع رسول الله ﷺ فقلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين فقال لهم النبي ﷺ : علام تؤمون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يديه على فخذيه، ثم يسلم على أخيه من يمينه وشماله. وفي رواية: إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده. وقال ابن حبان: ذكر الخبر المتقصي للقصة المختصرة المتقدمة بأن القوم إنما أمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم دون رفع الثابت عند الركوع، ثم رواه كنحو رواية مسلم، وفي رواية النسائي: كنا نصلي خلف النبي ﷺ فنسلم بأيدينا. قال الشيخ أبوالحسن محمد بن عبد الهادي السندي الحنفي: أي في الصلاة، وبهذه الرواية تبين أن الحديث مسوق للنهي عن رفع الأيدي عند السلام إشارة إلى الجانبين، ولا دلالة فيه على النهي عن الرفع عند الركوع وعند الرفع منه، ولذا قال النووي:

стр. 936

الاستدلال به على النهي عن الرفع عند الركوع وعند الرفع منه جهل قبيح. وقد يقال: العبرة لعموم اللفظ، ولفظ: "ما بالهم رافعي أيديهم في الصلاة" إلى قوله: "اسكنوا في الصلاة" عام، فصح بناء الاستدلال عليه، وخصوص المورد لا عبرة به إلا أن يقال: ذلك إذا لم يعارضه عن العموم عارض، وإلا يحمل على خصوص المورد، وههنا قد صح وثبت الرفع عند الركوع وعند الرفع منه ثبوتاً لا مرد له، فيجب حمل هذا اللفظ على خصوص المورد توفيقاً ودفعاً للتعارض- انتهى كلام السندي. وقال الشوكاني: ورد هذا الجواب - أي بأن الحديث ورد على سبب خاص - بأنه قصر للعام على السبب، وهو مذهب مرجوح، وهذا الرد متجه لولا أن الرفع قد ثبت من فعله ﷺ ثبوتاً متواتراً - أي إسناداً وعملاً، وقد اعترف به بعض الحنفية كما سيأتي -، وأقل أحوال هذه السنة المتواترة أن تصلح لجعلها قرينة لقصر ذلك العام على السبب، أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر. قال: وأيضاً المتقرر في الأصول بأن العام والخاص إذا جهل تاريخهما وجب البناء- انتهى. وقال البخاري: أما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث جابر بن سمرة، قال: دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن رافعوا أيدينا- الحديث. فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام، كان يسلم بعضهم على بعض، فنهى النبي ﷺ عن رفع الأيدي في التشهد، ولا يحتج بهذا - أي على منع الرفع عند الركوع والرفع منه - من له حظ من العلم، هذا معروف مشهور لا اختلاف فيه- انتهى. وقال الشيخ عابد بن أحمد السندي الحنفي في المواهب اللطيفة: أما حديث "ما لي أراكم رافعي أيديكم ... الخ". فلا يليق الاستدلال بهذا الحديث في نفي الرفع فافهم- انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا أن أهل العلم اتفقوا على حمل حديث جابر المختصر على حديثه الطويل، وجعلهما قضية واحدة وقعت في وقت واحد، والقول بأن الحديث المختصر في رفع الأيدي، والإيماء والإشارة بها عند السلام بناء على أن أحدهما تفسير للآخر، وعليه يدل تبويب أبي داود والنسائي وعلى المتقي الحنفي صاحب كنز العمال، وصنيع مسلم في صحيحه. ولله در العلامة الشيخ أمير علي الحنفي فقد اعترف بوقوع إجماع المحدثين على ذلك حيث قال في حاشية صحيح مسلم (ج١: ص١٨٢) - طبعة نولكشور لكنؤ -: أجمع المحدثون على هذا التأويل، والسلام من تتمة الصلاة ونازع بعض الناس فيه فقال: بل هذا النهي عن رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه، فعلى هذا يكون تقبيحاً بعد تشريع بلا تقديم النهي- انتهى. ومما يدل على اتحاد القضية وكون أحد الحديثين تفسيراً للآخر أنه بعيد من الصحابة أن يرفعوا أيديهم عند السلام بعد ما سمعوا منه ﷺ النهي عن الرفع في الصلاة مطلقاً، فإن المنع عن الرفع في الصلاة مطلقاً يستلزم المنع عن الرفع عند السلام أيضاً، وكذا يستبعد أن يرفعوا أيديهم عند الركوع والرفع منه بعد ما سمعوا منه النهي عن رفع الأيدي، والإيماء بها عند السلام، فإنه لما نهى عن الرفع عند السلام يكون الرفع عند الركوع والرفع منه قبل السلام منهياً عنه بطريق الأولى، وهذا ظاهر- ففي ادعاء التغاير بين الحديثين نسبة سوء الفهم إلى الصحابة، وفيه من إساءة الأدب في شأن الصحابة ما لا يخفى، وفي حمل الروايتين على التغاير مفاسد أخر لا تخفى على المتأمل المنصف غير

стр. 937

المتعسف المتعصب. وقال بعض الحنفية: سياق الحديثين ظاهر في أن أحدهما ورد في غير ما ورد فيه الآخر، ولا يمكن أن يكون أحدهما تفسيراً للآخر، وذلك من وجوه، الأول أن الحديث الأول وهو قوله- ﵇: "اسكنوا في الصلاة" ورد في رفعهم في الصلاة. روى النسائي، عن جابر بن سمرة: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن رافعوا أيدينا في الصلاة، بخلاف الحديث الثاني: إذا سلم أحدكم فلا يلتفت إلى صاحبه، ولا يومئ بيده؛ لأن رفعهم كان عند السلام، وهي حالة الخروج من الصلاة-انتهى. قلت: حاصل كلامه أن الذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: "اسكن في الصلاة"؛ لأنه ليس في أثناء الصلاة، بل هو في حالة الخروج من الصلاة، فلا يصح إطلاق لفظ "في الصلاة" عليه، وإنما يقال: ذلك لمن يرفع يديه في أثناء الصلاة وهو حالة الركوع والسجود ونحو ذلك. وفيه أن الذي يرفع يديه قبل الفراغ والانصراف من الصلاة وإن كان حال التسليم الثاني يقال له أيضاً: اسكن في الصلاة، فإن الفراغ والانصراف منها إنما يكون بالفراغ من التسليم الثاني، فما لم يفرغ من التسليم الثاني هو في الصلاة. كيف لا! وقد أطلق النبي ﷺ على هذه الحالة لفظ "في الصلاة" وأمرهم بالسكون، ففي رواية لأحمد (ج٥: ص١٠٢) من حديث جابر الطويل، فقال رسول الله ﷺ : ما بال الذين يرمون بأيديهم في الصلاة كأنها أذناب الخيل الشمس. وفي أخرى له أيضاً (ج٥: ص٨٦) : ما بال أقوام يرمون بأيديهم كأنها أذناب الخيل الشمس، ألا يسكن أحدكم، الخ. ويؤيد ذلك أيضاً ما عند الترمذي: أن رسول الله ﷺ كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة. وما عند البزار: قال سمرة: أمرنا رسول الله ﷺ أن نسلم على أئمتنا، وأن يسلم بعضنا على بعض في الصلاة. فالذين كانوا يومئون بأيديهم، ويرفعونها عند السلام يصدق عليهم أنهم رفعوا أيديهم في الصلاة. والحاصل أن الرفع عند السلام هو الرفع في أثناء الصلاة، فصح أن يقال له "اسكن في الصلاة". قال: والثاني أن في الحديث الأول كان خروجه ﷺ من البيت، ولم يكن رسول الله ﷺ معهم في تلك الصلاة. روى أحمد في مسنده (ج٥: ص٩٣) من حديث جابر: أنه- ﵇ -دخل المسجد فأبصر قوماً قد رفعوا أيديهم-الحديث. بخلاف الحديث الثاني، فإن رفعهم فيه كان خلف النبي ﷺ لقوله: "كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا السلام عليكم". وفيه أن هذا الاختلاف من تصرف الرواة، ذكر بعضهم ما لم يذكره الآخر، وكان الأصل أنه ﷺ دخل المسجد فصلى بنا، وكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، فنظر إلينا، فقال: ما شأنكم، الخ. وكثيراً ما يقع مثل هذا التصرف بل أكثر منه من الرواة كما لا يخفى على من له أدنى خبرة على مختلف الروايات، فدعوى التعدد والتغاير بمثل هذا الاختلاف ليس مما يلتفت إليه. والحديث الأول ليس بنص في أنه ﷺ لم يكن معهم في تلك الصلاة. قال: والثالث أن الحديث الأول يدل على أن الرفع كان فعل قوم مخصوصين، وهم الذين كانوا إذ ذاك يتنفلون في المسجد سواء فعل جميع المصلين أو بعضهم، سوى الذين لم يكونوا

стр. 938

إذ ذاك في الصلاة بخلاف الحديث الثاني، فإن الرفع الذي نهي عنه في هذا الحديث كان فعل جميعهم. وفيه أنه الحديث الأول رواه النسائي بلفظ: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن يعني رافعوا أيدينا في الصلاة، فقال ما بالهم-الحديث. وفي رواية لأحمد (ج٥: ص١٠٧) : دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن رافعي أيدينا في الصلاة، فقال: ما لي أراكم ... -الحديث. وهاتان الروايتان كما ترى تدلان على أن الرفع كان فعل جميعهم لا فعل قوم مخصوصين، وليس في طريق من طرق الحديث الأول أنهم كانوا متنفلين، ولا أنه ﷺ لم يكن معهم في تلك الصلاة. وروى أحمد (ج٥: ص١٠٧) الحديث الثاني بلفظ. كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أشار أحدنا إلى أخيه من عن يمينه ومن عن شماله، فلما صلى رسول الله ﷺ قال: ما بال أحدكم يفعل هذا كأنها أذناب خيل شمس، إنما يكفي أحدكم ... الخ. وفي رواية له: كنا نقول خلف رسول الله ﷺ إذا سلمنا: السلام عليكم، السلام عليكم، يشير أحدنا بيده عن يمينه وعن شماله، فقال رسول الله ﷺ : ما بال الذين يرمون بأيديهم في الصلاة كأنها أذناب الخيل الشمس؟ ألا يكفي أحدكم ... الخ. وفي أخرى (ج٥: ص٨٦) له أيضاً: ما بال أقوام يرمون بأيديهم. وهذه الروايات تدل على أن الرفع الذي نهى عنه في هذا الحديث لم يكن فعل جميعهم خلاف ما ادعى هذا البعض. قال: والرابع أن الحديث الثاني يدل على أن رفعهم كان كرفع المصافح عند السلام، ولا يمكن أن يكون هذا هو الرفع في الحديث الأول؛ لأنهم كانوا فرادى. وفيه أنه لا دليل في الحديث الأول على أنهم كانوا فرادى، بل كانوا يصلون خلف النبي ﷺ ، كما هو مصرح في الطريق الثاني لحديث جابر، وعلى هذا فالرفع المذكور في الطريق الثاني الطويل هو الرفع في الطريق المختصر، يدل على ذلك أنه ورد التقبيح على الرفعين في الحديثين بلفظ واحد وهو قوله: "كأنه أذناب الخيل الشمس". ولا يفهم كونهم فرادى من الحديث الأول إلا من ليس له اطلاع على تصرف الرواة واختلافهم في الروايات، وعلى من رسخ في قلبه كونهما حديثين متغايرين تمشية لمذهبه وإبطالاً للسنة الصحيحة الثابتة المتواترة تواتر إسناد وعمل، وهذا من ثمرات التقليد. قال: والخامس أن الحديث الأول ورد على الرفع، ونهى عنه بلفظ عام، أي اسكنوا في الصلاة، بخلاف الثاني فإنه ورد في الإشارة والإيماء، ونهى عنه بلفظ يختص بحالة السلام- انتهى. وحاصله أن الرفع لا يطلق على الإيماء. وفيه أن الحديث الثاني وإن لم يذكر فيه لفظ الرفع نصاً لكنه ورد على ما هو في معنى الرفع، ففي رواية لأحمد (ج٥: ص٨٦) : ما بال أقوام يرمون بأيديهم، والرمي بالأيدي هو الرفع، ونهى فيه أيضاً بلفظ عام، أي السكون، وورد التقبيح بلفظ واحد، ففي الرواية المذكورة: "كأنها أذناب الخيل الشمس، ألا يسكن أحدكم". على أن الإشارة يكون فيها أيضاً الرفع وبالعكس، ولذلك أطلق أحدهما على الآخر، ففي حديث ابن عمر عند مسلم في صفة صلاته ﷺ : "رفع إصبعه اليمنى" وفي رواية: "أشار بالسبابة"، قال الطيبي: أي رفعها. وروى أبوداود عن وائل: "رفع إصبعه" وعن ابن الزبير: "كان يشير بإصبعه إذا دعا"، وهذا كما ترى قد أطلق فيهما الرفع

стр. 939

على الإشارة وبالعكس. وروى الترمذي مرفوعاً في حديث تسليم النصارى الإشارة بالأكف، والسلام بإشارة الكف أو اليد لا بد وأن يكون فيه الرفع كما هو مشاهد، ولذلك أطلق أحدهما على الآخر في روايتي حديث جابر المختصرة والطويلة، ومثل هذه الإطلاقات واختلاف ألفاظ الروايات في الأحاديث بسبب تعدد الرواة وتصرفهم كثير لا يخفى على من له وقوف بهذا الشأن. فادعاء التغاير بين الحديثين بمثل هذه الاختلافات بعيد من شأن أهل العلم. ولو سلم التغاير بينهما وكونهما قضيتين مختلفتين لم يكن في الحديث الأول أي المختصر دليل على منع الرفع عند الركوع والرفع منه على الهيئة المخصوصة، فإن النهي ورد فيه على الرفع الذي يكون كأذناب الخيل الشمس، وينافي السكون في الصلاة وهو الرفع الذي يكون بالإشارة إلى الجانبين، وأما الرفع المتنازع فيه أي الذي يكون عند الركوع والرفع منه فليس كأذناب الخيل الشمس، ولا منافياً للسكون في الصلاة، وإلا لكان رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح أيضاً منهياً عنه؛ لأنه لا فرق بين الرفعين، ولا يتصور أن يمنع رسول الله ﷺ من أمر ويقبحه ويحرمه في أثناء الصلاة ثم يأذن فيه عند افتتاحها، بل يواظب على افتتاح الصلاة به. وكيف يعقل هذا وقد نهى عن التشبيك في الذهاب إلى المسجد قبل الدخول في الصلاة، وأمر بالسكينة والوقار في الإتيان إلى المسجد. وأيضاً لو كان الأمر كما زعمت الحنفية لكان الرفع في تكبير القنوت وتكبيرات العيدين أيضاً ممنوعاً؛ لأنه لم يستثن رفعاً دون رفع، ولا صلاة دون صلاة، بل أطلق، فما هو جوابهم عن الرفع عند تكبير القنوت وتكبيرات العيد فهو جوابنا عن الرفع عند الركوع والرفع منه. قال البخاري: ولو كان كما ذهبوا إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبير، وأيضاً تكبيرات العيد منهياً عنه؛ لأنه لم يستثن رفعاً دون رفع-انتهى. والحق عندي أن القول بالمنع من أمر هو كأذناب الخيل الشمس، ومناف للخشوع والسكون في الصلاة الخمس والنوافل، ثم القول بجوازه وإباحته في صلاة الوتر وصلاتي العيد جهل قبيح، مع أنه لم يثبت بحديث مرفوع صحيح صريح التكبير في قنوت الوتر، ولا رفع اليدين فيه وفي تكبيرات العيد. ثم أبين دليل على أن الرفع عند الركوع والرفع منه ليس بمراد في حديث جابر، وعلى أنه ليس من أفراد الرفع المنهي عنه المذكور في حديثه، أنه ﷺ قد واظب عليه حتى فارق الدنيا ثم أجمع عليه الصحابة بعده والتابعون وغيرهم إلا جماعة من أهل الكوفة، فإيراد حديث جابر هذا في معرض الاستدلال به على فسخ الرفع عند الركوع والرفع منه باطل. وقد تقدم الإشارة إلى ذلك في كلام الشوكاني والسندي فتذكر. وأما الذين ذهبوا إلى جواز الأمرين، وقالوا بنسخ استحباب الرفع، واختاروا ترك الرفع، فاستدلوا على ذلك بحديث ابن مسعود الآتي في الفصل الثالث، وبحديث البراء عند أبي داود وغيره. وأجيب عن ذلك بأنهما حديثان ضعيفان غير صالحين للاستدلال كما ستعرف، ولو سلم صلوحهما للاستدلال فغاية ما فيهما أنه ترك الرفع في غير الافتتاح أحياناً، وهذا إنما يدل على أن الرفع في غير الافتتاح ليس بسنة لازمة يلام تاركها، لا على أنه منسوخ؛ لأن مجرد الترك لا يدل على

стр. 940

النسخ. قال الشوكاني: قال ابن حزم في الكلام على حديث البراء ما لفظه: إن صح دل على أنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، فلا تعارض بينه وبين حديث ابن عمر وغيره- انتهى. وقد سبق عن الشيخ عبد الحي والسندي أن الاستدلال بحديث ابن مسعود على نسخ الرفع ليس بصحيح، فلله درهما قد اعترفا بالصواب وباحا بالحق. واستدلوا أيضاً بما رواه البيهقي في الخلافيات عن عبد الله بن عون الخراز، عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود- انتهى. قال صاحب العرف الشذي: قال الحاكم: إنه حديث موضوع، ولم اطلع على أول إسناده - إلى قوله -: "فلعل إسناده قوي"-انتهى. وقال صاحب المواهب اللطيفة بعد نقله عن الحاكم والبيهقي حكم الوضع على حديث ابن عمر هذا ما لفظه: تضعيف الحديث لا يثبت بمجرد الحكم، وإنما يثبت ببيان وجوه الطعن، وحديث ابن عمر الذي رواه البيهقي في خلافياته: رجاله رجال الصحيح، فما أرى له ضعفاً بعد ذلك إلا أن يكون الراوي عن مالك مطعوناً، لكن الأصل العدم، فهذا الحديث عندي صحيح لا محالة – انتهى. قلت: الاستدلال بحديث ابن عمر هذا على نسخ الرفع في الركوع والرفع منه كتشبث الغريق بالحشيش، فإنه حديث باطل موضوع. قال الزيلعي في نصب الراية (ج١: ص٤٠٤) بعد نقل هذا الحديث من الخلافيات: قال البيهقي: قال الحاكم: هذا باطل موضوع، ولا يجوز أن يذكر إلا على سبيل القدح، فقد روينا بالأسانيد الصحيحة عن مالك. بخلاف هذا – انتهى. وقال الحافظ في الدراية: نقل البيهقي عن الحاكم أنه موضوع، وهو كما قال-انتهى. وقال في التلخيص: هو مقلوب موضوع-انتهى. فالعجب من هؤلاء المقلدين الذي يستدلون بحديث ابن عمر الذي حكم الحاكم والبيهقي والحافظ بأنه باطل موضوع على ترك الرفع في غير الافتتاح، ويجعلونه ناسخاً لحديثه الصحيح المتفق عليه، لا سيما من هذين المقلدين الذين مع عدم اطلاعهما على أول إسناد هذا الحديث - أى من دون عبد الله بن عون الراوي، عن مالك إلى البيهقي المخرج له؛ لأن بينهما مفاوز تنقطع دونهما الأعناق، ووسائط لا يدري من هم وكيف حالهم - ومع علمهما بأن الحاكم والبيهقي حكم عليه بأنه موضوع يرجو واحد منهما أن إسناده قوي، ويقول الآخر بملء شدقه: إن رجاله رجال الصحيح، ويحكم بأنه صحيح لا محالة بمجرد قوله: إن الأصل عدم الطعن. البيهقي هو مخرج هذا الحديث، والحاكم والحافظ كانا مطلعين على سنده من أوله إلى آخره، وقد اتفقوا على كونه باطلاً موضوعاً، ونقل الزيلعي كلام الحاكم، وسكت عنه وأقره، ثم أتى من المقلدين من ليس له خبرة ووقوف على أول سنده فرد أقوال هؤلاء الأئمة الحفاظ، وادعى عدم ضعفه، بل جزم بصحته. أليس هذا تحكماً محضاً ارتكبه تمشية للمذهب؟ هداهم الله تعالى إلى صراط المستقيم، وأخلصهم من ورطة التقليد الذي هذا من ثمراته. واستدلوا أيضاً بحديث رواه البيهقي في الخلافيات أيضاً عن عبادة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول الصلاة، ثم لم يرفعهما في شيء حتى يفرغ. كذا في نصب الراية

стр. 941

(ج١: ص٤٠٤) قلت: قال الزيلعي بعد ذكره: عباد هذا تابعي، فهو مرسل- انتهى. والمرسل على القول الصحيح ليس بحجة. قال ابن الصلاح في مقدمته (ص٢١) : اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر، وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث ونقاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم. وفي صدر صحيح مسلم: المرسل في أصل قولهم وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة-انتهى. وقال العراقي في ألفيته (ص. ... ... ... ورده جماهر النقاد ... للجهل بالساقط في الإسناد وقال الحافظ في الدراية بعد ذكر حديث عباد هذا: وهذا مرسل، وفي إسناده أيضاً من ينظر فيه-انتهى. وهذا يدل على أن في سنده مع كونه مرسلاً من هو منظور فيه. ولو تنزلنا وسلمنا أن سنده سالم من الكلام، وأن المرسل حجة لم يكن فيه دليل على نسخ الرفع عند الركوع والرفع منه؛ لأن أحاديث الرفع مثبتة، وهذا ناف، والمثبت مقدم على النافي، ولأنه لا تعارض بين الفعل والترك، فمجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز. ولأنه يمكن التوفيق بينه وبين أحاديث الرفع بأن المعنى لم يرفعها رفعاً بالغاً فيه، فليس المراد نفي الرفع مطلقاً، بل المراد نفي الرفع المبالغ فيه. واستدلوا أيضاً بما روي عن النبي ﷺ : لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن، تكبيرة الافتتاح- الحديث. أخرجه الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً، وابن أبي شيبة موقوفاً عليه، وذكره البخاري في جزء رفع اليدين معلقاً عنه، وأخرجه البزار والبيهقي عن ابن عباس وابن عمر مرفوعاً وموقوفاً، وأخرجه الحاكم عنهما مرفوعاً. قلت: هو حديث ضعيف غير قابل للاحتجاج، وقد بسط الزيلعي طرقه في نصب الراية (ج١: ص ٣٩٠-٣٩٢) وقال بعد نقله من رواية البيهقي والحاكم: قال الشيخ في الإمام: اعترض على هذا بوجوه: أحدها: تفرد ابن أبي ليلى، وترك الاحتجاج به - لكونه سيء الحفظ -. وثانيها: رواية وكيع عنه بالوقف على ابن عباس وابن عمر. قال الحاكم: ووكيع أثبت من كل من روى هذا الحديث عن ابن أبي ليلى. وثالثها: رواية جماعة من التابعين بالأسانيد الصحيحة المأثورة عن عبد الله بن عمرو وعبد الله ابن عباس أنهما كانا يرفعان أيديهما عند الركوع وبعد رفع الرأس من الركوع، وقد أسنداه إلى النبي ﷺ . ورابعها: أن شعبة قال: لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث، وليس هذا الحديث منها - فهو منقطع غير محفوظ -. وخامسها: عن الحكم قال: إن جميع الروايات "ترفع الأيدي في سبعة مواطن" وليس في شيء منها "لا ترفع الأيدي إلا فيها" ويستحيل أن يكون "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن" صحيحاً، وقد تواترت الأخبار بالرفع في غيرها كثيراً، منها الاستسقاء ودعاء النبي ﷺ ، ورفعه ﵊ يديه في الدعاء في الصلوات، وأمره به، ورفع اليدين، والقنوت في صلاة الصبح والوتر- انتهى. وقال البخاري في جزء رفع اليدين بعد ذكر كلام شعبة المتقدم: فهو مرسل وغير محفوظ؛ لأن

стр. 942

أصحاب نافع خالفوا. وأيضاً فهم قد خالفوا الحديث، ولم يعتمدوا عليه في تكبيرات العيدين وتكبير القنوت. وفي رواية وكيع: "ترفع الأيدي" لا يمنع رفعه فيما سوى هذه السبعة- انتهى كلامه. ولو سلم كون هذا الحديث صالحاً للاحتجاج لم يكن فيه دليل على نسخ الرفع في الركوع والرفع منه لما تقدم فتأمل. واستدلوا أيضاً بما رواه الدارقطني والبيهقي في سننهما، وابن عدي في الكامل عن عبد الله بن مسعود، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة. قلت: فيه محمد بن جابر وقد تفرد به، وهو ضعيف، ضعفه أحمد، وابن معين وعمرو بن علي وأبوزرعة والبخاري وأبوحاتم وأبوداود والنسائي ويعقوب بن سفيان والعجلى وابن حبان والدارقطني والحاكم. قال أحمد: كان محمد بن جابر ربما ألحق أو يلحق في كتابه يعني الحديث. وقال أيضاً: لا يحدث عنه إلا شر منه. وقال ابن معين: كان أعمى، واختلط عليه حديثه، وهو ضعيف. وقال: عمرو بن علي: صدوق، كثير الوهم، متروك الحديث. وقال أبوزرعة: محمد بن جابر ساقط الحديث عند أهل العلم. وقال البخاري: ليس بالقوى، يتكلمون فيه، روى مناكير. وقال أبوحاتم: ذهبت كتبه في آخر عمره، وساء حفظه، وكان يلقن، وكان ابن مهدي يحدث عنه، ثم تركه بعد، وكان يروي أحاديث مناكير، وهو معروف بالسماع، جيد اللقاء، رأوا في كتبه لحقاً. وحديثه عن حماد فيه اضطراب. وقال أبوداود: ليس بشيء. وقال النسائي وابن سفيان والعجلى: ضعيف. وقال ابن حبان: كان أعمى يلحق في كتبه ما ليس من حديثه يسرق، وما ذكر به فيحدث به. قال إسحاق بن عيسى بن الطباع: ذاكرت محمد بن جابر ذات يوم بحديث لشريك عن أبي إسحاق فرأيت في كتابه قد ألحقه بين السطرين كتاباً طرياً. وقال الدارقطني في سننه: تفرد به محمد بن جابر- وكان ضعيفاً- عن حماد، عن إبراهيم. وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلاً، عن عبد الله من فعله، وهو الصواب. وقال الحاكم: هذا - أي ما روى عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود من فعله - هو الصحيح، وإبراهيم لم ير ابن مسعود، والحديث منقطع، ومحمد بن جابر تكلم فيه أئمة الحديث. وأحسن ما قيل فيه: أنه يسرق الحديث من كل من يذاكره، حتى كثرت المناكير والموضوعات في حديثه. وقال الحافظ في التقريب: صدوق - أي حينما كتب عنه باليمامة وبمكة كما في التهذيب، لا مطلقاً - ذهبت كتبه فساء حفظه، وخلط كثيراً، وعمى فصار يلقن. وهذه كما ترى جروح مفسرة من جماعة من أئمة الحديث النقاد الحفاظ، وأئمة الجرح والتعديل الكبار، وقد حسن بعضهم أمره: ففي تهذيب التهذيب قال ابن أبي حاتم عن محمد بن يحيى: سمعت أبا الوليد يقول: نحن نظلم محمد بن جابر بامتناعنا من التحديث عنه. قال: وسئل أبي عن محمد بن جابر وابن لهيعة فقال: محلهما الصدق، ومحمد بن جابر أحب إلي من ابن لهيعة. وقال الذهلي: لا بأس به. وفي التقريب رجحه أبوحاتم على ابن لهيعة- انتهى. وقال ابن عدي: كان إسحاق بن أبي إسرائيل يفضل محمد بن جابر على جماعة الشيوخ هم أفضل منه وأوثق- انتهى. قلت: قد تقرر في موضعه أن الجرح

стр. 943

المفسر مقدم على التعديل، ولو كان عدد المعدلين أكثر، فكيف إذا كان عدد الجارحين أكثر، وههنا كذلك. قال ابن الصلاح في مقدمته: إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل فالجرح مقدم؛ لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خفي المعدل، فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل: التعديل أولى. والصحيح الذي عليه الجمهور أن الجرح أولى لما ذكرناه، والله أعلم. وقال السيوطي في التدريب: إذا اجتمع فيه جرح مفسر والتعديل، فالجرح مقدم ولو زاد عدد المعدل، هذا هو الأصح عند الفقهاء والأصوليين- انتهى. فلا يلتفت إلى قول من حسن أمر محمد بن جابر في جنب تضعيف هؤلاء الحفاظ النقاد، فما تفوه به بعض الحنفية من أن الأرجح فيه التوثيق والتعديل، بل كأنه من رجال الصحيحين أو من رجال مسلم، مردود عليه. وأما ما قال الحافظ في التقريب: أنه رجحه أبوحاتم على ابن لهيعة فالمراد رجحه في الصدق، يدل على ذلك قول أبي حاتم: "محلمها الصدق، ومحمد بن جابر أحب إليّ من ابن لهيعة"، فإن الظاهر أنه أراد به كونه أحب إليه أي أرجح في الصدق، ويدل على ذلك أيضاً قول أبي حاتم فيه: "ذهبت كتبه في آخر عمره، وساء حفظه، وكان يلقن". وقوله: "رأوا في كتبه لحقاً، وحديثه عن حماد فيه اضطراب"، وقوله: "إن في أحاديثه تخاليط، وأما أصوله فهي صحاح". ومن المعلوم أنه لا منافاة بين كون الرجل صدوقاً وبين كونه سيء الحفظ، كثير الاختلاط، مضطرب الحديث، كثير الوهم. على أنه قد تفرد أبوحاتم في قوله: "هو أحب إليّ من ابن لهيعة" ولم يوافقه أحد في ذلك. والظاهر أن ابن لهيعة أحسن حالاً من محمد بن جابر كما يظهر من تهذيب التهذيب، وميزان الاعتدال. وأما ما قال ابن عدي: إنه روى عنه أي عن محمد بن جابر الكبار: أيوب وابن عون وهشام بن حسان والثوري وشعبة وابن عيينة وغيرهم، ولولا أنه في ذلك المحل لم يرو عنه هؤلاء الذين هو دونهم- انتهى. ففيه أنه لا يلزم من ذلك كونه ثقة ضابطاً حافظاً غير مختلط وغير واهم، كما تقرر في موضعه. وارجع لذلك إلى كتاب العلل للترمذي وغيره من كتب الأصول، فالحق أن محمد بن جابر ضعيف لسوء حفظه، وكثرة اختلاطه، وقبوله التلقين، وقد تفرد هو برواية هذا الحديث فالاستدلال به على نسخ الرفع في الركوع والرفع منه باطل جداً. واستدلوا أيضاً بآثار الصحابة، منها أثر عمر بن الخطاب، روى الطحاوي والبيهقي وأبوبكر بن أبي شيبة عن الحسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم النخعي عن الأسود، قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود. قال النيموي تبعاً للطحاوي وابن التركماني، هو أثر صحيح، وقال: لا يخفي على أحد من أهل العلم أن عمر بن الخطاب كان أعلم بالسنة من ابنه عبد الله وممن كان مثله أو دونه، ولذلك جعل الطحاوي فعل عمر دليلاً على النسخ- انتهى. قلت: فيه كلام من وجوه: الأول: أن في سنده إبراهيم النخعي وهو مدلس، ورواه عن الأسود بالعنعنة فكيف يكون هذا الأثر صحيحاً؟. والثاني: أن في كون هذا الأثر بهذا اللفظ محفوظاً نظراً، روى الحاكم، وعنه البيهقي بسنده، عن سفيان الثوري، عن الزبير بن عدي بلفظ: "كان

стр. 944

يرفع يديه في التكبير"، ليس فيه: "ثم لا يعود"، والظاهر أن ما رواه الحسن بن عياش عن ابن أبجر عن ابن عدي، وما رواه الثوري عن ابن عدي كليهما في محل الرفع. وقد قال الحافظ في الدراية (ص٨٥) بعد ذكر الروايتين: وقد رواه الثوري وهو المحفوظ. والثالث: أن هذا الأثر معارض بما رواه طاووس عن ابن عمر أن عمر كان يرفع يديه في الركوع وعند الرفع منه. قال الزيلعي في نصب الراية: اعترضه الحاكم بأن هذه رواية شاذة لا يقوم بها حجة، ولا تعارض بها الأخبار الصحيحة عن طاووس بن كيسان عن ابن عمر، أن عمر كان يرفع يديه في الركوع وعند الرفع منه. والرابع: أنه لو سلم أن أثر عمر هذا صحيح فلا يدل على النسخ، بل غاية ما يدل عليه هو أن الرفع فيهما لم يكن سنة لازمة عند عمر، بل كان مستحباً عنده. قال الشاه ولي الله الدهلوي في إزالة الخفاء: أبوبكر عن الأسود: صليت مع عمر، فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة. قلت تكلم الشافعية والحنفية في ترجيح الروايات، كل على حسب مذهبه، والأوجه عندي أن عمر رأى رفع اليدين عند الركوع والقومة منه مستحباً، فكان يفعل تارة ويترك أخرى، كما بين هو بنفسه في سجود التلاوة- انتهى. ومنها أثر علي، روى الطحاوي وابن أبي شيبة والبيهقي عن عاصم بن كليب، عن أبيه: أن علياً كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يرفع بعد. قال الزيلعي: هو أثر صحيح، وقال العيني: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقال الطحاوي بعد روايته: لم يكن علي ليرى النبي ﷺ يرفع ثم يتركه إلا وقد ثبت عنده نسخه- انتهى. قلت: في كون هذا الأثر صحيحاً نظر؛ لأنه انفرد به عاصم بن كليب، وقال ابن المديني: لا يحتج بما انفرد به. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ذكرت للثوري حديث النهشلي عن عاصم بن كليب فأنكره، ذكره البخاري في جزء رفع اليدين. ولو سلم أن أثر علي هذا صحيح لم يكن فيه دليل على نسخ الرفع. قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في تعليقه على موطأ محمد بعد ذكر قول الطحاوي المتقدم: فيه نظر، فقد يجوز أن يكون ترك علي، وكذا ترك ابن مسعود، وترك غيرهما من الصحابة إن ثبت؛ لأنهم لم يروا الرفع سنة مؤكدة يلزم الأخذ بها، ولا ينحصر ذلك في النسخ، بل لا يجترئ بنسخ أمر ثابت عن رسول الله ﷺ بمجرد حسن الظن بالصحابي مع إمكان الجمع بين فعل الرسول وفعله- انتهى. ومنها أثر أبي سعيد الخدري، روى البيهقي، عن سوار بن مصعب، عن عطية العوفي، أن أباسعيد الخدري وابن عمر كانا يرفعان أيديهما أول ما يكبران ثم لا يعودان. قلت: قال البيهقي: قال الحاكم: عطية سيء الحال، وسوار أسوأ منه. وقال البخاري: سوار بن مصعب منكر الحديث. وعن ابن معين أنه غير محتج به- كذا في نصب الراية (ج١: ص٤٠٦) . ثم هذا الأثر يعارضه ما رواه البيهقي عن عطاء، قال: رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر، وأباسعيد وابن عباس وابن الزبير وأباهريرة يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا. وفيه ليث بن أبي سليم وهو مختلف فيه. ومنها أثر ابن مسعود، روى الطحاوي عن إبراهيم النخعي، قال: كان عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه في شيء من الصلوات إلا في الافتتاح. قلت: أثر ابن مسعود

стр. 945

هذا منقطع. إبراهيم لم يلق عبد الله، وكان يأخذ من الثقة وغير الثقة كما صرح به البيهقي في جزء القراءة. وقال الذهبي في ميزان الاعتدال (ج١: ص٣٥) : استقر الأمر على أن إبراهيم حجة، وأنه إذا أرسل عن ابن مسعود وغيره فليس بحسن- انتهى. وقال الشافعي في كتاب الأم (ج٧: ص٢٧٢، ٢٧١) : إن إبراهيم النخعي لو روى عن علي وعبد الله لم يقبل منه؛ لأنه لم يلق واحداً منهما- انتهى. وأما ما روي عن أحمد ويحي بن معين وغيرهما أن مراسيل إبراهيم صحيحة أو مقبولة مطلقاً، ففيه أن الجرح المفسر مقدم على التعديل مطلقاً، ولو سلم أن هذا الأثر جيد فلا يدل على النسخ. قال الشيخ عبد الحي: الانصاف في هذا المقام أنه لا سبيل إلى رد روايات الرفع برواية ابن مسعود وفعله، ولا إلى دعوى النسخ ما لم يثبت بنص عن الشارع- انتهى باختصار يسير بقدر الضرورة، وقد تقدم كلامه بتمامه. ومنها أثر ابن عمر، روى الطحاوي، وأبوبكر بن أبي شيبة، والبيهقي في المعرفة، عن مجاهد، قال: صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة. قال النيموي: سنده صحيح. قلت: بل أثر ابن عمر هذا ضعيف من وجوه، الأول: أن في سنده أبا بكر بن عياش وكان تغير حفظه بآخره، فما لم يثبت أن الراوي عنه- وهو أحمد بن يونس- أخذ منه قديماً قبل التغير لا يحكم بصحته. والثاني: أنه شاذ فإن مجاهداً خالف جميع أصحاب ابن عمر وهم ثقات حفاظ، والعدد الكثير أولى من واحد. وأما ما روي من موافقة عبد العزيز بن حكيم لمجاهد عند محمد في موطأه، ففيه أن في سنده محمد بن أبان بن صالح- وهو ضعيف- ليس ممن يعتمد عليه. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ليس بالقوى، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال البخاري في التاريخ: يتكلمون في حفظه لا يعتمد عليه- كذا ذكره صاحب التعليق الممجد نقلاً عن لسان الميزان (ج٥: ص٣١) ، فموافقة عبد العزيز لمجاهد لا تجدي شيئاً. والثالث: أن إمام هذا الشأن يحيى بن معين قال: حديث أبي بكر عن حصين إنما هو توهم لا أصل له، ذكره البخاري في جزء رفع اليدين، ولا شك أن قول يحيى بن معين في هذا الباب حجة؛ لأنه إمام الجرح والتعديل، ومن القائمين بفن معرفة علل الحديث. وقال أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث. وقد وافقه البخاري على ذلك ولم يخالفه أحد من مهرة هذا الفن. قال الطحاوي بعد رواية أثر ابن عمر هذا: فلا يكون هذا من ابن عمر إلا وقد ثبت عنده نسخ ما رأى النبي ﷺ يفعله. قال: فإن قيل: فقد روى طاووس عن ابن عمر خلاف ما رواه مجاهد. قلنا: كان هذا قبل ظهور الناسخ- انتهى. قلت: وأجاب عنه البيهقي في كتاب المعرفة فقال: حديث أبي بكر بن عياش هذا أخبرناه أبوعبد الله الحافظ، فذكره بسنده ثم أسند عن البخاري أنه قال: أبوبكر بن عياش اختلط بآخره، وقد رواه الربيع وليث وطاووس وسالم ونافع وأبوالزبير ومحارب بن دثار وغيرهم، قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر وإذا رفع، وكان يرويه أبوبكر قديماً عن حصين عن إبراهيم عن ابن مسعود مرسلاً موقوفا: أن ابن مسعود كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم

стр. 946

لا يرفعهما بعد. وهذا هو المحفوظ عن أبي بكر بن عياش، والأول خطأ فاحش لمخالفته الثقات من أصحاب ابن عمر. قال الحاكم: كان أبوبكر بن عياش من الحفاظ المتقنين، ثم اختلط حين نسي حفظه فروى ما خولف فيه، فكيف يجوز دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف؟ أو نقول: إنه ترك مرة للجواز إذ لا يقول بوجوبه، ففعله يدل على أنه سنة، وتركه يدل على أنه غير واجب- انتهى. كذا في نصب الراية (ج١: ص٤٠٩) وقد رد الشيخ عبد الحي أيضاً التمسك بأثر ابن عمر هذا على النسخ من وجوه، وأجاب في ضمنه عن كلام الطحاوي المذكور أيضاً قال في التعليق الممجد: المشهور في كتب أصول أصحابنا أن مجاهداً قال: صحبت ابن عمر عشر سنين فلم أر يرفع يديه إلا مرة. وقالوا: قد روى ابن عمر حديث الرفع عن رسول الله ﷺ وتركه، والصحابي الراوي إذا ترك مروياً ظاهراً في معناه، غير محتمل للتأويل، يسقط الاحتجاج بالمروي. وقد روى الطحاوي من حديث أبي بكرة بن عياش عن حصين، عن مجاهد قال: صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة، ثم قال: فهذا ابن عمر قد رأى النبي ﷺ يرفع، ثم ترك هو الرفع بعد النبي ﷺ ، ولا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخة. وههنا أبحاث: الأول: مطالبة ما نقلوه عن مجاهد أنه صحب ابن عمر عشر سنين ولم يره إلا في التكبيرة الأولى. والثاني: المعارضة بخبر طاووس وغيره من الثقات أنهم رأوا ابن عمر يرفع. والثالث: أن في طريق الطحاوي أبابكر بن عياش، وهو متكلم فيه لا توازي روايته رواية غيره من الثقات. ثم ذكر كلام البيهقي الذي نقلناه عن نصب الراية، ثم قال: فإن قلت آخذاً من شرح معاني الآثار. أنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاووس قبل أن يقوم الحجة بنسخه، ثم لما ثبتت الحجة بنسخة عنده تركه، وفعل ما ذكره عنه مجاهد. قلت: هذا مما لا يقوم به الحجة، فإن لقائل أن يعارض ويقول: يجوز أن يكون فعل ابن عمر ما رواه مجاهد قبل أن تقوم الحجة بلزوم الرفع، ثم لما ثبت عنده التزم الرفع، على أن احتمال النسخ احتمال من غير دليل فلا يسمع. فإن قال قائل: الدليل هو خلاف الراوي مرويه. قلنا: لا يوجب ذلك النسخ كما مر. والرابع: وهو أحسنها أنا سلمنا ثبوت الترك عن ابن عمر، لكن يجوز أن يكون تركه لبيان الجواز، أو لعدم رؤية الرفع سنة لازمة، فلا يقدح ذلك في ثبوت الرفع عنه وعن رسول الله ﷺ . والخامس: أن ترك الراوي مروية إنما يكون مسقطاً للاحتجاج عند الحنفية إذا كان خلافه بيقين كما هو مصرح في كتبهم، وههنا ليس كذلك، لجواز أن يكون الرفع الثابت عن رسول الله ﷺ حمله ابن عمر على العزيمة وتركه أحياناً لبيان الرخصة، فليس تركه خلافاً لروايته بيقين. والسادس: أنه لا شبهة في أن ابن عمر قد روى عن رسول الله ﷺ حديث الرفع، بل ورد في بعض الروايات عنه أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع، وكان لا يفعل ذلك في السجود، فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله. أخرجه البيهقي.

стр. 947

ولا شك أيضاً في أنه ثبت عن ابن عمر بروايات الثقات فعل الرفع، وورد عنه برواية مجاهد، وعبد العزيز بن حكيم الترك، فالأولى أن يحمل الترك المروي عنه على وجه يستقم ثبوت الرفع منه. ولا يخالف روايته أيضاً إلا أن يجعل تركه مضاداً لفعله، ومسقطاً للأمر الثابت عن رسول الله ﷺ بروايته ورواية غيره- انتهى كلام الشيخ عبد الحي. وممن رد من الحنفية التمسك بأثر ابن عمر هذا على النسخ: العلامة الشيخ محمد معين السندي أيضاً، وهو من تلامذة الشاه ولي الله الدهلوي فارجع إلى دراسات اللبيب (ص١٧١) . واستدلوا أيضاً بأنه قد ثبت الترك بالاتفاق في جنس ذلك الحكم، وهو الرفع بين السجدتين، وثبوت الترك في الجنس دليل على نسخ الأصل كما قرروا في حديث التسبيع في سؤر الكلب أنه كان في زمن التشديد في أمر الكلاب وكما في مسئلة الرضاعة. قالوا: قد تدرج النسخ فيها من عشر رضعات حتى نسخ رأساً. قلت: دعوى الاتفاق على ثبوت الترك في جنس ذلك الحكم ممنوعة، ولا نسلم أن الرفع بين السجدتين أو عند كل خفض ورفع كان مشروعاً ثم نسخ وترك، حتى يكون ذلك الترك دليلاً على تدرج النسخ إلى الأصل. ولو تنزلنا وسلمنا أن الرفع بين السجدتين كان ثم نسخ وترك، فلا يدل ذلك على نسخ الرفع عند الركوع، والرفع عند القيام إلى الركعة الثالثة، كما لا يدل على نسخ الرفع عند التكبيرة الأولى، وأما القول بأن حكم تثمين الغسلات والتسبيع والترتيب في سؤر الكلب كان في زمن التشديد في أمر الكلاب ثم وقع فيه النسخ تدريجاً فباطل مردود على قائله، قد رده الحافظ في الفتح، والشيخ عبد الحي في السعاية فارجع إليهما. وكذا دعوى تدرج النسخ في مسألة الرضاعة أيضاً باطلة فإنه لا دليل على نسخ حكم خمس رضعات الذي ذهب إليه الشافعي، ولا على نسخ حكم ثلاث رضعات الذي هو مذهب أحمد، لا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله، ولا يثبت النسخ بالادعاء. واستدلوا أيضاً بأنه وقع في الصلاة تغيرات في أوقات مختلفة كما يدل عليه حديث معاذ بن جبل عند أبي داود: "أحيلت الصلاة ثلاث تحويلات"، وقد كانت أقوال وأفعال من جنس هذا الرفع مباحة في الصلاة، كالكلام، والتطبيق، وعدم استواء الصفوف، والمشي ونحو ذلك، ثم نسخت لكون مبنى الصلاة على السكون والخضوع، فلا يبعد أن يكون الرفع في المواضع الثلاثة أيضاً مشمولا بالنسخ. قلت: سلمنا وقوع التغييرات في الصلاة لكن هذه التغييرات إنما وقعت في الأمور التي هي من العادات، كالكلام، واختلال الصفوف، والمشي، والتطبيق، فنهوا عن الكلام وأمروا بالسكوت قبل وقعة بدر بقوله تعالى: ﴿قوموا لله قانتين﴾ [٢٣٨: ٢] ، وأمروا بتسوية الصفوف في أوائل الهجرة، وأما الأمور التي هي من العبادة فلم يقع النسخ والتغيير فيها. والكلام ههنا فيما هو من صلب الصلاة، وأمر القبلة من شرائط الصلاة لا من صلبها. والرفع بين السجدتين أو عند كل خفض ورفع لم يثبت. وأما الرفع في المواضع الثلاثة الذي هو من أمور العبادة فقد ثبت تواتراً، ولم يثبت عن النبي ﷺ والصحابة ما يدل على نسخه، كما صرح به من الحنفية الشيخ عبد الحي، والشيخ أبوالحسن السندي،

стр. 948

والشيخ محمد بن معين السندي وغيرهم. فالقول بكونه مشمولاً بالنسخ بمجرد التخمين تقوّل على الرسول ﷺ ، وافتراء عليه. أعاذنا الله منه. وههنا أمور ينبغي أن نذكرها ليتضح لك هذا الجواب حق الاتضاح، وهي تنفعك فيما يأتي أيضاً: الأول: أن الأمور العادية هي التي منع منها في الصلاة ما منع؛ لأنها منافية للخشوع، بخلاف الأفعال التي هي من جنس العبادة، فلم يقع النهي عنها، بل أمروا بها لكونها مؤثرة في الباطن، مورثه للخشوع في القلب، والصلاة هي اسم لمجموع الأفعال الظاهرة والخشوع، لا لخشوع القلب فقط. والثاني: أن مطلق الحركة ليست بمنافية للخشوع، كحركة الانتقال من القيام إلى الركوع والسجود، ورفع الرأس منها، ورفع السبابة في التشهد، ورد السلام بالإشارة. وقال تعالى: ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ [٤٥: ٢] . والثالث: أن رفع اليدين الذي هو حركة من الحركات، وعمل من أعمال الصلاة ليس من الأمور العادية، بل هو من العبادات؛ لأن اشتغال اليدين بالعبادة مع الأعضاء الظاهرة الأخرى من كمال العبادة، كما قيل في وضع اليمنى على اليسرى في القيام، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ووضعهما حذاء الأذنين أو المنكبين في السجدة مستقبلاً بأصابعهما القبلة، ورفع المسبحة، والإشارة بها في التشهد، ونصب القدمين في السجدة. ومما يدل على كون رفع اليدين من أمور العبادة ما في شرح البخاري للعيني (ج٥: ص٢٧٢) : قال ابن بطال: رفعهما تعبد، وقيل: إشارة إلى التوحيد، وقيل: انقياد. وقيل: إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بالكلية إلى الصلاة. وقيل: استعظام ما دخل فيه. وقال الشافعي: تعظيم لله، واتباع سنة نبيه ﷺ . وقال ابن عمر: هو من زينة الصلاة، وبكل رفع عشر حسنات، بكل إصبع حسنة – انتهى ملخصاً. وقال الشاه ولي الله في حجته (ج٢: ص٦) : الهيئات المندوبة إليها في الصلاة ترجع إلى معان: منها: ... ، ومنها: محاكاة ذكر الله، وإيثاره على من سواه بأصابعه ويده حذو ما يعقله بجنانه ويقول بلسانه، كرفع اليدين والإشارة بالمسبحة ليكون بعض الأمر معاضداً لبعض ... الخ. والرابع: أن رفع اليدين في المواضع الثلاثة على الهيئة المخصوصة ليس منافياً للخشوع الذي هو للصلاة كالروح للجسد، بل نقول: إن الرفع في هذه المواضع عين الخشوع. قال الشاه ولي الله في حجته (ج٢: ص٨) : السر في ذلك أن رفع اليدين فعل تعظيمي ينبه النفس على ترك الأشغال المنافية للصلاة والدخول في حيز المناجاة، فشرع ابتداء كل فعل من التعظيمات الثلاث لتنتبه النفس لثمرة ذلك الفعل مستأنفاً – انتهى. ثم إنهم قد اتفقوا على سنية افتتاح الصلاة برفع اليدين، وهذا دليل واضح على عدم منافاة الرفع للخشوع، وإلا لما جاز اقتران الصلاة به والمواظبة على الإفتتاح به. ولا فرق بين هذه الرفع وبين الرفع في المواضع الثلاثة الباقية. ومن ادعى الفرق فعليه البيان. ومما يؤكد ما قلنا من عدم المنافاة بين الرفع المذكور والخشوع، وعدم الفرق بين الرفعين أن الحنفية قالوا بمشروعيته في وسط الصلاة أيضاً، أي عند تكبير القنوت وتكبيرات العيدين، فالقول باستنان الرفع في أول الصلاة، والذهاب إلى

стр. 949

مشروعيته في وسطها، ثم الحكم بكراهته أو عدم استحبابه في المواضع الثلاثة على توهم أنه نسخ لكونه منافياً للخشوع والسكون صريح تناقض. وقد رد هذا الاستدلال الشيخ محمد معين السندي أيضاً في دراساته (ص١٦٩) فارجع إليه. هذا، وقد ذكروا لترجيح ترك الرفع في غير التحريمة، وترجيح روايات الترك على الرفع ورواياته وجوهاً كلها مخدوشة مردودة، فمنها أن الرفع فعل ينبىء عن الترك فلا يناسب كونه في أثناء الصلاة. وفيه أن تجديد التنبه لترك ما سوى الله عند كل فعل أصل من الصلاة مطلوب، وهذا يقتضي استحباب الرفع في أثناء الصلاة لا تركه. ومنها أنه قد ثبت ترك الرفع في غير الافتتاح عن النبي ﷺ قصداً فلم يكن تركه على طريق العدم الأصلي. وقد علم أن مبنى الصلاة على سكون الأطراف، وهذا يقتضي كون ترك الرفع أرجح. وفيه أنه لم يثبت عن النبي ﷺ ترك الرفع المتنازع فيه أصلاً كما تقدم، وعلى هذا فالترك عدمي محض، فيترجح عليه الرفع، لكونه عبادة بخلاف الترك فإنه ترك عبادة. وأيضاً الرفع فعل تعظيمي، ولذلك ابتدأ به الصلاة، وهذا أيضاً يقتضي كون الرفع أرجح. ومنها ما قال بعضهم في شرحه للموطأ: أن كل ما اختلف فيه شيء من الروايات أخذت الحنفية منها الأوفق بالقرآن، فلما رأوا أحاديث ترك الرفع أوفق بقوله تعالى: ﴿قوموا لله قانتين﴾ [٢٣٨: ٢] رجحوها به، قال: وهذا أوجه وجوه الترجيح. وفيه أن هذا الوجه ليس بوجيه فضلاً أن يكون أوجه، بل هو باطل جداً لما قد عرفت أن الروايات التي استدلوا بها على ترك الرفع في غير الافتتاح كلها ضعيفة غير قابلة للاحتجاج، بل بعضها باطلة موضوعة، فالتصدي لترجيح مثل هذه الروايات على روايات الرفع الصريحة الصحيحة الثابتة المتواترة إسناداً وعملاً جهل وسفه، لا يأتي ذلك إلا من متعصب معاند للسنة. وأيضاً قد تقدم أن قوله تعالى: ﴿قوموا لله قانتين﴾ نزل قبل وقعة بدر، وقد ثبت الرفع من النبي ﷺ وأصحابه بعد نزوله كما يدل عليه حديث مالك بن الحويرث، ووائل بن حجر، وابن عمر، وغيرهم، بل قد ثبتت مواظبته ﷺ ، وإجماع الصحابة عليه بعده، فلو كان ترك الرفع أوفق للقرآن، وأقرب إليه، وأشبه به لما واظب الرسول ﷺ على خلاف مقتضى القرآن، ولا أجمع الصحابة عليه بعده؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا أحق وأكثر فهماً للقرآن. وأيضاً مبنى هذا الوجه على أن الرفع مناف للسكون والخشوع، وقد تقدم بطلانه، ولفساد هذا الوجه وجوه أخرى لا تخفى على المتأمل. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً: أن بعض أنواع الرفع الثابتة متروك عند الجميع ومجمع عليه، فهذا قرينة على أنه وقع النسخ فيه، فالأخذ بالمتفق عليه أولى، وهو الرفع عند التحريمة. وفيه نظر من وجوه: الأول أن ترك الرفع بين السجدتين أو في كل خفض ورفع ليس بمجمع عليه كما سيأتي، فدعوى كون بعض أنواع الرفع متروكاً عند الجميع باطلة؛ لكونها خلاف الواقع. الثاني أن من لم يقل بالرفع فيما عدى المواضع الأربعة إنما اختار ذلك لعدم ثبوته عنده بطريق صحيح، لا لأنه كان مشروعاً ثم ترك ونسخ، فلا يكون عدم القول به دليلاً على وقوع النسخ. والثالث أن القائلين بالرفع في المواضع الأربعة ما تركوا المتفق عليه،

стр. 950

بل قد أخذوه، ثم أخذوا أيضاً ما واظب عليه رسول الله ﷺ ، وما قد أجمع عليه الصحابة بعده، وما هو ثابت بتواتر الإسناد والعمل، بخلاف الحنفية فإنهم تركوا بل طرحوا الثابت، وتمسكوا بما لم يثبت، وليس الأخذ بالضعيف أو غير الثابت من الاحتياط في شيء، إنما الاحتياط في الأخذ بما ثبت لا بما لم يثبت. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً: أن الصلاة انتقلت عن الحركات إلى السكون، فإنه كان في أول الأمر المشي وأمثاله مباحة، فلما تعارضت الروايات أخذت الحنفية الأقرب إلى السكون. وفيه أن هذا الوجه يرجع إلى ما ذكره هو أولاً وقد بينا فساده. ثم نقول: إن تلك الحركات كانت من الأمور العادية، ومنع منها لكونها منافية للخشوع والسكون، بخلاف الرفع المتنازع فيه، فإنه من أمور العبادة وليس منافياً للخشوع، بل هو مورث للخشوع أو عينه كما بينا، ولم يثبت التغيير فيه أصلاً كما صرح به غير واحد من علماء الحنفية، وادعاء التعارض بين أحاديث الرفع والترك جهل، فإنه لا بد لتحققه من المساواة في القوة، والضعيف لا يعارض القوي والصحيح. والعجب ممن يفرق بين الرفع في القنوت والعيدين، وبين الرفع في المواضع الثلاثة، مع أن الرفعين من جنس واحد، ومع أن الترك مطلقاً أقرب إلى السكون، ومع أن الرفع في القنوت والعيدين لم يثبت مرفوعاً بسند صحيح، ومع أن الرفع في المواضع الثلاثة ثابت حقاً. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً: أن أكثر من روى أحاديث الرفع تشمل رواياتهم الزائد من المواضع الثلاثة، فهو متروك عند من استدل بها أيضاً. وأحاديث الناقلين للترك محكم في موداه ليست مما يؤخذ بعضها ويترك بعضاً. وفيه أن الأحاديث في ذلك على ثلاثة أنواع: الأول أحاديث الترك في غير التحريمة. والثاني أحاديث الرفع في المواضع الثلاثة فقط. والثالث الأحاديث التي فيها الرفع زائداً على المواضع الأربعة. وقد سبق أن أحاديث الناقلين للترك كلها ضعيفة غير صالحة للاستدلال، بل بعضها باطلة موضوعة، فليست هي مما يؤخذ أصلاً لا كلاً ولا بعضاً، بل هي مما يترك ويطرح رأساً، ومع ضعفها محتملة للتأويل بخلاف النوع الثاني، أي أحاديث الرفع في المواضع الثلاثة فقط، فإنها صحيحة ثابتة محكمة في موادها، فيجب الأخذ بها على كل مسلم. وأما الأحاديث التي فيها الرفع زائداً على المواضع الأربعة فلم تثبت ولم يصح منها شيء، ولذلك لم نقل بالرفع في غير هذه المواضع. وأصل استدلال القائلين بالرفع ليس بهذه الأحاديث بل بالنوع الثاني، وهي محكمة في موادها ليست مما يؤخذ بعضها ويترك بعضها. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً: أن روايات الفعل متعارضة، ورواية القول سالمة من المعارضة، فتبقى حجة. وفيه ما تقدم آنفاً من أن دعوى التعارض باطلة لتوقفه على المساواة في القوة والضعف، وأحاديث الخصوم كلها ضعيفة لا تصلح للمعارضة، ولو تنزلنا وسلمنا قوتها وصحتها فلا تصلح للمعارضة أيضاً، فإن أحاديث الرفع أقوى وأصح وأكثر قد بلغت التواتر، وبعضها متفق عليه، فمعارضتها بأحاديث الترك وجعلها ساقطة بادعاء التعارض بلادة ظاهرة. وأما رواية القول يعني حديث جابر بن سمرة: "مالي أرى رافعي أيديكم" فقد حققنا بما لا مزيد عليه أنه لا ذكر فيها للرفع المتنازع فيه،
следующие страницы →