Полный текст (4 545 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
لا يرفعهما بعد. وهذا هو المحفوظ عن أبي بكر بن عياش، والأول خطأ فاحش لمخالفته الثقات من أصحاب ابن عمر. قال الحاكم: كان أبوبكر بن عياش من الحفاظ المتقنين، ثم اختلط حين نسي حفظه فروى ما خولف فيه، فكيف يجوز دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف؟ أو نقول: إنه ترك مرة للجواز إذ لا يقول بوجوبه، ففعله يدل على أنه سنة، وتركه يدل على أنه غير واجب- انتهى. كذا في نصب الراية (ج١: ص٤٠٩) وقد رد الشيخ عبد الحي أيضاً التمسك بأثر ابن عمر هذا على النسخ من وجوه، وأجاب في ضمنه عن كلام الطحاوي المذكور أيضاً قال في التعليق الممجد: المشهور في كتب أصول أصحابنا أن مجاهداً قال: صحبت ابن عمر عشر سنين فلم أر يرفع يديه إلا مرة. وقالوا: قد روى ابن عمر حديث الرفع عن رسول الله ﷺ وتركه، والصحابي الراوي إذا ترك مروياً ظاهراً في معناه، غير محتمل للتأويل، يسقط الاحتجاج بالمروي. وقد روى الطحاوي من حديث أبي بكرة بن عياش عن حصين، عن مجاهد قال: صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة، ثم قال: فهذا ابن عمر قد رأى النبي ﷺ يرفع، ثم ترك هو الرفع بعد النبي ﷺ ، ولا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخة. وههنا أبحاث: الأول: مطالبة ما نقلوه عن مجاهد أنه صحب ابن عمر عشر سنين ولم يره إلا في التكبيرة الأولى. والثاني: المعارضة بخبر طاووس وغيره من الثقات أنهم رأوا ابن عمر يرفع. والثالث: أن في طريق الطحاوي أبابكر بن عياش، وهو متكلم فيه لا توازي روايته رواية غيره من الثقات. ثم ذكر كلام البيهقي الذي نقلناه عن نصب الراية، ثم قال: فإن قلت آخذاً من شرح معاني الآثار. أنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاووس قبل أن يقوم الحجة بنسخه، ثم لما ثبتت الحجة بنسخة عنده تركه، وفعل ما ذكره عنه مجاهد. قلت: هذا مما لا يقوم به الحجة، فإن لقائل أن يعارض ويقول: يجوز أن يكون فعل ابن عمر ما رواه مجاهد قبل أن تقوم الحجة بلزوم الرفع، ثم لما ثبت عنده التزم الرفع، على أن احتمال النسخ احتمال من غير دليل فلا يسمع. فإن قال قائل: الدليل هو خلاف الراوي مرويه. قلنا: لا يوجب ذلك النسخ كما مر. والرابع: وهو أحسنها أنا سلمنا ثبوت الترك عن ابن عمر، لكن يجوز أن يكون تركه لبيان الجواز، أو لعدم رؤية الرفع سنة لازمة، فلا يقدح ذلك في ثبوت الرفع عنه وعن رسول الله ﷺ . والخامس: أن ترك الراوي مروية إنما يكون مسقطاً للاحتجاج عند الحنفية إذا كان خلافه بيقين كما هو مصرح في كتبهم، وههنا ليس كذلك، لجواز أن يكون الرفع الثابت عن رسول الله ﷺ حمله ابن عمر على العزيمة وتركه أحياناً لبيان الرخصة، فليس تركه خلافاً لروايته بيقين. والسادس: أنه لا شبهة في أن ابن عمر قد روى عن رسول الله ﷺ حديث الرفع، بل ورد في بعض الروايات عنه أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع، وكان لا يفعل ذلك في السجود، فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله. أخرجه البيهقي.
стр. 947
ولا شك أيضاً في أنه ثبت عن ابن عمر بروايات الثقات فعل الرفع، وورد عنه برواية مجاهد، وعبد العزيز بن حكيم الترك، فالأولى أن يحمل الترك المروي عنه على وجه يستقم ثبوت الرفع منه. ولا يخالف روايته أيضاً إلا أن يجعل تركه مضاداً لفعله، ومسقطاً للأمر الثابت عن رسول الله ﷺ بروايته ورواية غيره- انتهى كلام الشيخ عبد الحي. وممن رد من الحنفية التمسك بأثر ابن عمر هذا على النسخ: العلامة الشيخ محمد معين السندي أيضاً، وهو من تلامذة الشاه ولي الله الدهلوي فارجع إلى دراسات اللبيب (ص١٧١) . واستدلوا أيضاً بأنه قد ثبت الترك بالاتفاق في جنس ذلك الحكم، وهو الرفع بين السجدتين، وثبوت الترك في الجنس دليل على نسخ الأصل كما قرروا في حديث التسبيع في سؤر الكلب أنه كان في زمن التشديد في أمر الكلاب وكما في مسئلة الرضاعة. قالوا: قد تدرج النسخ فيها من عشر رضعات حتى نسخ رأساً. قلت: دعوى الاتفاق على ثبوت الترك في جنس ذلك الحكم ممنوعة، ولا نسلم أن الرفع بين السجدتين أو عند كل خفض ورفع كان مشروعاً ثم نسخ وترك، حتى يكون ذلك الترك دليلاً على تدرج النسخ إلى الأصل. ولو تنزلنا وسلمنا أن الرفع بين السجدتين كان ثم نسخ وترك، فلا يدل ذلك على نسخ الرفع عند الركوع، والرفع عند القيام إلى الركعة الثالثة، كما لا يدل على نسخ الرفع عند التكبيرة الأولى، وأما القول بأن حكم تثمين الغسلات والتسبيع والترتيب في سؤر الكلب كان في زمن التشديد في أمر الكلاب ثم وقع فيه النسخ تدريجاً فباطل مردود على قائله، قد رده الحافظ في الفتح، والشيخ عبد الحي في السعاية فارجع إليهما. وكذا دعوى تدرج النسخ في مسألة الرضاعة أيضاً باطلة فإنه لا دليل على نسخ حكم خمس رضعات الذي ذهب إليه الشافعي، ولا على نسخ حكم ثلاث رضعات الذي هو مذهب أحمد، لا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله، ولا يثبت النسخ بالادعاء. واستدلوا أيضاً بأنه وقع في الصلاة تغيرات في أوقات مختلفة كما يدل عليه حديث معاذ بن جبل عند أبي داود: "أحيلت الصلاة ثلاث تحويلات"، وقد كانت أقوال وأفعال من جنس هذا الرفع مباحة في الصلاة، كالكلام، والتطبيق، وعدم استواء الصفوف، والمشي ونحو ذلك، ثم نسخت لكون مبنى الصلاة على السكون والخضوع، فلا يبعد أن يكون الرفع في المواضع الثلاثة أيضاً مشمولا بالنسخ. قلت: سلمنا وقوع التغييرات في الصلاة لكن هذه التغييرات إنما وقعت في الأمور التي هي من العادات، كالكلام، واختلال الصفوف، والمشي، والتطبيق، فنهوا عن الكلام وأمروا بالسكوت قبل وقعة بدر بقوله تعالى: ﴿قوموا لله قانتين﴾ [٢٣٨: ٢] ، وأمروا بتسوية الصفوف في أوائل الهجرة، وأما الأمور التي هي من العبادة فلم يقع النسخ والتغيير فيها. والكلام ههنا فيما هو من صلب الصلاة، وأمر القبلة من شرائط الصلاة لا من صلبها. والرفع بين السجدتين أو عند كل خفض ورفع لم يثبت. وأما الرفع في المواضع الثلاثة الذي هو من أمور العبادة فقد ثبت تواتراً، ولم يثبت عن النبي ﷺ والصحابة ما يدل على نسخه، كما صرح به من الحنفية الشيخ عبد الحي، والشيخ أبوالحسن السندي،
стр. 948
والشيخ محمد بن معين السندي وغيرهم. فالقول بكونه مشمولاً بالنسخ بمجرد التخمين تقوّل على الرسول ﷺ ، وافتراء عليه. أعاذنا الله منه. وههنا أمور ينبغي أن نذكرها ليتضح لك هذا الجواب حق الاتضاح، وهي تنفعك فيما يأتي أيضاً: الأول: أن الأمور العادية هي التي منع منها في الصلاة ما منع؛ لأنها منافية للخشوع، بخلاف الأفعال التي هي من جنس العبادة، فلم يقع النهي عنها، بل أمروا بها لكونها مؤثرة في الباطن، مورثه للخشوع في القلب، والصلاة هي اسم لمجموع الأفعال الظاهرة والخشوع، لا لخشوع القلب فقط. والثاني: أن مطلق الحركة ليست بمنافية للخشوع، كحركة الانتقال من القيام إلى الركوع والسجود، ورفع الرأس منها، ورفع السبابة في التشهد، ورد السلام بالإشارة. وقال تعالى: ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ [٤٥: ٢] . والثالث: أن رفع اليدين الذي هو حركة من الحركات، وعمل من أعمال الصلاة ليس من الأمور العادية، بل هو من العبادات؛ لأن اشتغال اليدين بالعبادة مع الأعضاء الظاهرة الأخرى من كمال العبادة، كما قيل في وضع اليمنى على اليسرى في القيام، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ووضعهما حذاء الأذنين أو المنكبين في السجدة مستقبلاً بأصابعهما القبلة، ورفع المسبحة، والإشارة بها في التشهد، ونصب القدمين في السجدة. ومما يدل على كون رفع اليدين من أمور العبادة ما في شرح البخاري للعيني (ج٥: ص٢٧٢) : قال ابن بطال: رفعهما تعبد، وقيل: إشارة إلى التوحيد، وقيل: انقياد. وقيل: إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بالكلية إلى الصلاة. وقيل: استعظام ما دخل فيه. وقال الشافعي: تعظيم لله، واتباع سنة نبيه ﷺ . وقال ابن عمر: هو من زينة الصلاة، وبكل رفع عشر حسنات، بكل إصبع حسنة – انتهى ملخصاً. وقال الشاه ولي الله في حجته (ج٢: ص٦) : الهيئات المندوبة إليها في الصلاة ترجع إلى معان: منها: ... ، ومنها: محاكاة ذكر الله، وإيثاره على من سواه بأصابعه ويده حذو ما يعقله بجنانه ويقول بلسانه، كرفع اليدين والإشارة بالمسبحة ليكون بعض الأمر معاضداً لبعض ... الخ. والرابع: أن رفع اليدين في المواضع الثلاثة على الهيئة المخصوصة ليس منافياً للخشوع الذي هو للصلاة كالروح للجسد، بل نقول: إن الرفع في هذه المواضع عين الخشوع. قال الشاه ولي الله في حجته (ج٢: ص٨) : السر في ذلك أن رفع اليدين فعل تعظيمي ينبه النفس على ترك الأشغال المنافية للصلاة والدخول في حيز المناجاة، فشرع ابتداء كل فعل من التعظيمات الثلاث لتنتبه النفس لثمرة ذلك الفعل مستأنفاً – انتهى. ثم إنهم قد اتفقوا على سنية افتتاح الصلاة برفع اليدين، وهذا دليل واضح على عدم منافاة الرفع للخشوع، وإلا لما جاز اقتران الصلاة به والمواظبة على الإفتتاح به. ولا فرق بين هذه الرفع وبين الرفع في المواضع الثلاثة الباقية. ومن ادعى الفرق فعليه البيان. ومما يؤكد ما قلنا من عدم المنافاة بين الرفع المذكور والخشوع، وعدم الفرق بين الرفعين أن الحنفية قالوا بمشروعيته في وسط الصلاة أيضاً، أي عند تكبير القنوت وتكبيرات العيدين، فالقول باستنان الرفع في أول الصلاة، والذهاب إلى
стр. 949
مشروعيته في وسطها، ثم الحكم بكراهته أو عدم استحبابه في المواضع الثلاثة على توهم أنه نسخ لكونه منافياً للخشوع والسكون صريح تناقض. وقد رد هذا الاستدلال الشيخ محمد معين السندي أيضاً في دراساته (ص١٦٩) فارجع إليه. هذا، وقد ذكروا لترجيح ترك الرفع في غير التحريمة، وترجيح روايات الترك على الرفع ورواياته وجوهاً كلها مخدوشة مردودة، فمنها أن الرفع فعل ينبىء عن الترك فلا يناسب كونه في أثناء الصلاة. وفيه أن تجديد التنبه لترك ما سوى الله عند كل فعل أصل من الصلاة مطلوب، وهذا يقتضي استحباب الرفع في أثناء الصلاة لا تركه. ومنها أنه قد ثبت ترك الرفع في غير الافتتاح عن النبي ﷺ قصداً فلم يكن تركه على طريق العدم الأصلي. وقد علم أن مبنى الصلاة على سكون الأطراف، وهذا يقتضي كون ترك الرفع أرجح. وفيه أنه لم يثبت عن النبي ﷺ ترك الرفع المتنازع فيه أصلاً كما تقدم، وعلى هذا فالترك عدمي محض، فيترجح عليه الرفع، لكونه عبادة بخلاف الترك فإنه ترك عبادة. وأيضاً الرفع فعل تعظيمي، ولذلك ابتدأ به الصلاة، وهذا أيضاً يقتضي كون الرفع أرجح. ومنها ما قال بعضهم في شرحه للموطأ: أن كل ما اختلف فيه شيء من الروايات أخذت الحنفية منها الأوفق بالقرآن، فلما رأوا أحاديث ترك الرفع أوفق بقوله تعالى: ﴿قوموا لله قانتين﴾ [٢٣٨: ٢] رجحوها به، قال: وهذا أوجه وجوه الترجيح. وفيه أن هذا الوجه ليس بوجيه فضلاً أن يكون أوجه، بل هو باطل جداً لما قد عرفت أن الروايات التي استدلوا بها على ترك الرفع في غير الافتتاح كلها ضعيفة غير قابلة للاحتجاج، بل بعضها باطلة موضوعة، فالتصدي لترجيح مثل هذه الروايات على روايات الرفع الصريحة الصحيحة الثابتة المتواترة إسناداً وعملاً جهل وسفه، لا يأتي ذلك إلا من متعصب معاند للسنة. وأيضاً قد تقدم أن قوله تعالى: ﴿قوموا لله قانتين﴾ نزل قبل وقعة بدر، وقد ثبت الرفع من النبي ﷺ وأصحابه بعد نزوله كما يدل عليه حديث مالك بن الحويرث، ووائل بن حجر، وابن عمر، وغيرهم، بل قد ثبتت مواظبته ﷺ ، وإجماع الصحابة عليه بعده، فلو كان ترك الرفع أوفق للقرآن، وأقرب إليه، وأشبه به لما واظب الرسول ﷺ على خلاف مقتضى القرآن، ولا أجمع الصحابة عليه بعده؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا أحق وأكثر فهماً للقرآن. وأيضاً مبنى هذا الوجه على أن الرفع مناف للسكون والخشوع، وقد تقدم بطلانه، ولفساد هذا الوجه وجوه أخرى لا تخفى على المتأمل. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً: أن بعض أنواع الرفع الثابتة متروك عند الجميع ومجمع عليه، فهذا قرينة على أنه وقع النسخ فيه، فالأخذ بالمتفق عليه أولى، وهو الرفع عند التحريمة. وفيه نظر من وجوه: الأول أن ترك الرفع بين السجدتين أو في كل خفض ورفع ليس بمجمع عليه كما سيأتي، فدعوى كون بعض أنواع الرفع متروكاً عند الجميع باطلة؛ لكونها خلاف الواقع. الثاني أن من لم يقل بالرفع فيما عدى المواضع الأربعة إنما اختار ذلك لعدم ثبوته عنده بطريق صحيح، لا لأنه كان مشروعاً ثم ترك ونسخ، فلا يكون عدم القول به دليلاً على وقوع النسخ. والثالث أن القائلين بالرفع في المواضع الأربعة ما تركوا المتفق عليه،
стр. 950
بل قد أخذوه، ثم أخذوا أيضاً ما واظب عليه رسول الله ﷺ ، وما قد أجمع عليه الصحابة بعده، وما هو ثابت بتواتر الإسناد والعمل، بخلاف الحنفية فإنهم تركوا بل طرحوا الثابت، وتمسكوا بما لم يثبت، وليس الأخذ بالضعيف أو غير الثابت من الاحتياط في شيء، إنما الاحتياط في الأخذ بما ثبت لا بما لم يثبت. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً: أن الصلاة انتقلت عن الحركات إلى السكون، فإنه كان في أول الأمر المشي وأمثاله مباحة، فلما تعارضت الروايات أخذت الحنفية الأقرب إلى السكون. وفيه أن هذا الوجه يرجع إلى ما ذكره هو أولاً وقد بينا فساده. ثم نقول: إن تلك الحركات كانت من الأمور العادية، ومنع منها لكونها منافية للخشوع والسكون، بخلاف الرفع المتنازع فيه، فإنه من أمور العبادة وليس منافياً للخشوع، بل هو مورث للخشوع أو عينه كما بينا، ولم يثبت التغيير فيه أصلاً كما صرح به غير واحد من علماء الحنفية، وادعاء التعارض بين أحاديث الرفع والترك جهل، فإنه لا بد لتحققه من المساواة في القوة، والضعيف لا يعارض القوي والصحيح. والعجب ممن يفرق بين الرفع في القنوت والعيدين، وبين الرفع في المواضع الثلاثة، مع أن الرفعين من جنس واحد، ومع أن الترك مطلقاً أقرب إلى السكون، ومع أن الرفع في القنوت والعيدين لم يثبت مرفوعاً بسند صحيح، ومع أن الرفع في المواضع الثلاثة ثابت حقاً. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً: أن أكثر من روى أحاديث الرفع تشمل رواياتهم الزائد من المواضع الثلاثة، فهو متروك عند من استدل بها أيضاً. وأحاديث الناقلين للترك محكم في موداه ليست مما يؤخذ بعضها ويترك بعضاً. وفيه أن الأحاديث في ذلك على ثلاثة أنواع: الأول أحاديث الترك في غير التحريمة. والثاني أحاديث الرفع في المواضع الثلاثة فقط. والثالث الأحاديث التي فيها الرفع زائداً على المواضع الأربعة. وقد سبق أن أحاديث الناقلين للترك كلها ضعيفة غير صالحة للاستدلال، بل بعضها باطلة موضوعة، فليست هي مما يؤخذ أصلاً لا كلاً ولا بعضاً، بل هي مما يترك ويطرح رأساً، ومع ضعفها محتملة للتأويل بخلاف النوع الثاني، أي أحاديث الرفع في المواضع الثلاثة فقط، فإنها صحيحة ثابتة محكمة في موادها، فيجب الأخذ بها على كل مسلم. وأما الأحاديث التي فيها الرفع زائداً على المواضع الأربعة فلم تثبت ولم يصح منها شيء، ولذلك لم نقل بالرفع في غير هذه المواضع. وأصل استدلال القائلين بالرفع ليس بهذه الأحاديث بل بالنوع الثاني، وهي محكمة في موادها ليست مما يؤخذ بعضها ويترك بعضها. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً: أن روايات الفعل متعارضة، ورواية القول سالمة من المعارضة، فتبقى حجة. وفيه ما تقدم آنفاً من أن دعوى التعارض باطلة لتوقفه على المساواة في القوة والضعف، وأحاديث الخصوم كلها ضعيفة لا تصلح للمعارضة، ولو تنزلنا وسلمنا قوتها وصحتها فلا تصلح للمعارضة أيضاً، فإن أحاديث الرفع أقوى وأصح وأكثر قد بلغت التواتر، وبعضها متفق عليه، فمعارضتها بأحاديث الترك وجعلها ساقطة بادعاء التعارض بلادة ظاهرة. وأما رواية القول يعني حديث جابر بن سمرة: "مالي أرى رافعي أيديكم" فقد حققنا بما لا مزيد عليه أنه لا ذكر فيها للرفع المتنازع فيه،
стр. 951
وأن الاستدلال بها على ترك الرفع ونسخة جهل قبيح. ومنها ما قال هذا البعض: أن التعارض إذا وقع في الفعل والقول يقدم القول. وفيه أنه لم يرد في الترك حديث قولي، وأما حديث جابر فقد تقدم أنه ورد في الرفع عند السلام لا في الرفع المتنازع فيه. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً ملخصاً لكلام الإمام محمد في موطأه: أن الناقلين للترك أولو الأحلام والنهى فكان موقفهم الصف الأول، فهم أعلم بصلاة رسول الله ﷺ ، بخلاف مثل عبد الله بن عمر فإنه استصغر يوم أحد، وأول مشاهده الخندق. وفيه أنه لم ينفرد ابن عمر برواية الرفع عن رسول الله ﷺ ، بل اشترك معه جمع كثير من الصحابة كأبي بكر عند البيهقي، وعمر عند الدارقطني، وعلي عند أبي داود وغيرهم ممن ذكرهم السيوطي في رسالته. ولا شك أن هؤلاء أولو الأحلام والنهى، ومن أهل بدر، ومن الخلفاء الراشدين، ومن أهل الصف الأول، فهم أعلم بصلاة رسول الله ﷺ ، وليس في كبار الصحابة من روى عدم الرفع في غير الافتتاح إلا ابن مسعود مع أنه لم تثبت روايته عند المحدثين، فانعكس الأمر، وترجح الرفع بما لا يدفع. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً: أن الرفع في غير التحريمة يدور بين السنية ونسخها لتعارض الروايات، ومعلوم أن الشيء إذا يدور بين السنة والبدعة يرجح الثاني، ومن المعلوم أيضاً أنه يرجح المحرم على المبيح أبداً. وقال صاحب الكوكب الدري - وهو شيخ مشائخ هذا البعض-: الاحتياط فيما ذهب إليه الإمام أبوحنيفة؛ لأن رفع اليدين على تقدير نسخه يكون عملاً بالمنسوخ، وعدم الرفع على تقدير استحبابه يكون ترك أدب، وإحداث بدعة أشنع من ترك أدب. وفيه أن مقتضى هذا الوجه أن يكون الرفع في غير التحريمة مكروهاً؛ لأنه إما دائر بين أن يكون سنة على تقدير استحبابه، وبين أن يكون بدعة على تقدير نسخه، أو دائر بين أن يكون مباحاً لأحاديث الرفع، وبين أن يكون محرماً لحديث جابر بن سمرة: مالي أرى رافعي أيديكم. وهذا مخالف لما تقدم من تصريح صاحب الكوكب بأنه لا خلاف في الجواز وعدم الجواز، وإنما النزاع في أن الأولى هل هو عدم الرفع أو الرفع، فاخترنا الأول واختار الشافعية الثاني، فإن كلامه هذا يدل على أن المحقق عنده أن جواز الرفع ليس بمنسوخ،، بل هو باق إلى الآن، وإنما المنسوخ هو استحبابه، فالأولى والمستحب عنده هو ترك الرفع، وهو أيضاً مخالف لتصريحات المحققين من الحنفية كأبي بكر الجصاص الرازي، فإنه صرح بأن الاختلاف في الأفضلية لا في الجواز، وتبعه في ذلك الشيخ محمد أنور الكشميري وقال: القول بكراهة التحريم في مسألة متواترة بين الصحابة شديد عندي. وقال جامع تقاريره: من رفع فهو على حق وسنة. وكالشاه ولي الله الدهلوي فإنه صرح بكون الرفع سنة، وبأن الذي يرفع أحب إليه ممن لا يرفع. وكتلميذه الشيخ محمد معين السندي فإنه رد على الحنفية رداً مشبعاً، وحقق كون الرفع سنة متواترة واظب عليها النبي ﷺ . وكالشيخ أبي الحسن السندي صاحب
стр. 952
الحواشي على الأصول الستة. والشيخ عبد الحي اللكنوي شيخ النيموي فإنهما صرحا بأن الرفع أرجح من الترك. وقد حققنا بما لا يدفع أن أحاديث الترك ضعيفة لا تصلح لمعارضة أحاديث الرفع لضعفها. ولأنه لا تعارض بين الفعل والترك؛ لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز، ولقد صدق ابن الجوزي حيث حكم بالبلادة على من حاول معارضة أحاديث الرفعات بما روى من الأحاديث في عدم الرفع، فقال: ما أبلد من يحتج بهذه الأحاديث يعني التي تروى في عدم الرفع إلا مرة في التحريم ليعارض بها الأحاديث الثابتة. وقال البخاري: من زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة، فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركة- انتهى. وليس في كلام البخاري هذا شيء من المبالغة كما توهم بعض الحنفية. وقد قررنا أيضاً أن حديث جابر بن سمرة ليس بوارد في الرفع المتنازع فيه، فإذن لا احتمال، ولا مجال ههنا للقول بالنسخ والتحريم، فلم يبق حينئذٍ إلا جهة كون الرفع سنة ثابتة مستمرة، وكون خلافه مرجوحاً بل باطلاً، ولا شك أن الاحتياط إنما هو في العمل بالسنة الثابتة لا في ردها وتركها ومخالفتها. والعجب من هذا البعض وأمثاله إنهم يخترعون مثل هذه الوجوه الواهية المضحكة لرد الأحاديث الصحيحة الثابتة المتواترة. هداهم الله تعالى إلى الصراط المستقيم، إلى إتباع سنن نبيه الكريم. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً أن رواة المنع والترك أفقه من رواة المثبتين. وهذا مما لم يقدر على إنكاره الأوزاعي أيضاً فيقدم روايتهم. وفيه أنه ليس في كتب الحديث على اختلاف أنواعها حديث مرفوع صحيح، أو ضعيف صريح في المنع عن الرفع في المواضع الثلاثة. ولا يمكن للحنفية أن يأتوا بحديث صريح في المنع عن الرفع المتنازع فيه ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. وأما قوله: إن رواة أحاديث الترك أفقه، ثم ترجيحها بذلك على أحاديث الرفع، فهو ادعاء محض وتحكم مجرد، بل الأمر على خلاف ما قال هذا البعض كما سترى. وقد أشار بذلك على ما حكى أنه اجتمع أبوحنيفة مع الأوزاعي بمكة في دار الحناطين، فقال الأوزاعي: ما لكم لا ترفعون عند الركوع والرفع منه؟ فقال: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله ﷺ ، فقال: الأوزاعي: كيف لم يصح وقد حدثني الزهري، عن سالم، عن أبيه، ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه. فقال أبوحنيفة: حدثنا حماد، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ كان لا يرفع يديه إلا عند الافتتاح ثم لا يعود. فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وتقول: حدثني حماد عن إبراهيم؟! فقال أبوحنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر أي في الفقة، وإن كان لابن عمر صحبة، وله فضل صحبته، وللأسود فضل كثير، وعبد الله عبد الله. ذكر هذه الحكاية ابن الهمام في فتح القدير، ومنه نقلها على القاري في المرقاة، والشيخ أحمد علي السهارنفوري في حاشية البخاري. قال ابن الهمام بعد ذكرها. فرجح أبوحنيفة بفقة الرواة كما رجح الأوزاعي بعلو الإسناد وهو أي
стр. 953
الترجيح بالفقة المذهب المنصور عندنا-انتهى. والقصة مشهورة بين الحنفية، لكن لا يشك من له أدنى عقل ودراية أنها حكاية مختلقة، وأكذوبة مخترعة. كيف ولم يذكرها أحد من تلاميذه أبي حنيفة وأصحابه، ولا أحد من متقدمي الحنفية، ولو كان لها أصل لذكرها محمد في موطأه أو في غيره من تصانيفه مع أنه لم يشر إليها أدنى إشارة. نعم ذكرها السيد مرتضى الحسيني في عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة (ج١: ص٤٣) نقلاً عن مسند أبي محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي البخاري المتوفي سنة (٣٤٠) قال: روى الحارثي في مسنده قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي: ثنا سليمان بن داود الشاذكوني ... الخ. وقال: وسليمان الشاذكوني واهٍ مع حفظه، إلا أن القصة مشهورة. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي (ج٢: ص٨٢) : قال الرازي: الشاذكوني ليس بشيء، متروك الحديث. وقال البخاري: هو عندي أضعف من كل ضعيف. وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: كان يكذب ويضع الحديث-انتهى. قلت: وعبد الله الحارثي جامع مسند أبي حنيفة متهم بوضع الحديث. قال الذهبي في الميزان (ج٢: ص٧٤) : عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي البخاري الفقيه عرف بالأستاذ. قال ابن الجوزي: قال أبوسعيد الرواس: يتهم بوضع الحديث. وقال أحمد السليماني: كان يضع هذا الإسناد على هذا المتن، وهذا المتن على هذا الإسناد، وهذا ضرب من الوضع. وقال حمزة السهمي: سألت أبازرعة أحمد بن الحسن الرازي عنه، فقال: ضعيف. وقال الحاكم: هو صاحب عجائب وأفراد عن الثقات. وقال الخطيب: لا يحتج به. وقال الخليلي: يعرف بالأستاذ، له معرفة بهذا الشأن، وهو لين، ضعفوه. حدثنا عنه الملاحمي وأحمد بن محمد البصير بعجائب. قال الذهبي: وقد جمع مسنداً لأبي حنفية - انتهى. قال الحافظ في اللسان (ج٣: ص٣٤٩) : وبقية كلام الخليلي: كان يدلس، وقال الخطيب: كان صاحب عجائب، ومناكير، وغرائب، وليس بموضع الحجة، وعلى كون هذه الحكاية مختلقة أدلة عقلية أيضاً، فمنها أنه جعل فيها مبنى الترجيح على فقه الراوي، ومرجعه إلى مسألة الرواية بالمعنى؛ لأنه يتعلق بمعرفة مدلولات الألفاظ كما لا يخفى، لكن مسألة الرفع خارجة عنها، فإن الترجيح بالفقه إنما يمكن في أقواله ﷺ لا في أفعاله وأحواله وتقريراته. ومن المعلوم أن رفع اليدين في الصلاة من الأفعال لا من الأقوال، وإليه أشار الإمام الرازي حيث قال: أي مدخل للتفقه في الأمور الحسية؟ ومنها أن أبا حنيفة قال أولاً: لم يصح عن رسول الله ﷺ فيه شيء، وكان مقتضى الحال أن يذكر حديث ابن مسعود، فإن الدليل على ترك الرفع في غير الافتتاح عند أهل الكوفة إنما هو حديث ابن مسعود، لا عدم ورد حديث صحيح في الرفع. ومنها أنه عارض بعد ذلك حديث ابن عمر بحديث ابن مسعود، فكأنه سلم صحة حديث الرفع بعد ما أنكر صحته أولاً، وهذا كما ترى صريح تناقض. ومنها أن المراد بالفقة إن كان هو الفهم والذكاء، وقوة الاستنباط والاستخراج فلا شك أن الزهري أفقه من حماد، وسالماً أفقه من إبراهيم، وابن عمر
стр. 954
مع كونه صحابياً أفقه من علقمة والأسود كما يظهر من كتب أسماء الرجال. وعلى هذا فالترجيح يكون لحديث ابن عمر لعلو سنده ولصحته، ولكون رواته أفقه، ولكونه مثبتاً، لا لحديث ابن مسعود لعدم وجود هذه الأمور فيه. قال الشيخ محمد معين السندي الحنفي تلميذ الشاه ولي الله الدهلوي في دراساته (ص١٧٧-١٨٤) : ومن الإغراب البديع معارضة حديث الرفعات من أكثر الحنفية بما حكى ابن عينية أنه اجتمع أبوحنيفة مع الأوزاعي بمكة في دار الحناطين، فقال الأوزاعي - فذكر مناظرتهما بمثل ما قدمنا ثم قال -: وذلك الإغراب من وجوه، الأول: أن هذه الحكاية عن ابن عينية معلقة، ولم أر من أسندها. ومن عنده السند فليأت به حتى ننظر رجاله. والمعلقات من أمثالها ليس من الاحتجاج في شيء، ولهذا لم يتعرض لها الحافظ الزيلعي في تخريج الهداية مع استيفائه حجج المسألة من كل قوي وضعيف يعتبر به ويشهد له، وذلك لأن المعلق من غير الجامع الصحيح كما لا يحتج به لا يصلح للاعتبار والشهادة مطلقاً. وليس في ذلك كالضعاف الذي تنقسم إلى ما يعتبر بها وإلى ما لا يعتبر، ولهذا يقول الإمام الدارقطني في تفاوت مراتب الرجال: فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به. ومن هذا سقط ما أشار إليه ابن الهمام من الاعتبار والشهادة بقوله: ويؤيد صحة هذه الزيادة يعني زيادة بعض الرواة في حديث ابن مسعود: "ثم لا يعود" رواية أبي حنيفة من غير الطريق المذكور، وذلك أنه اجتمع مع الأوزاعي بمكة في دار الحناطين كما حكى ابن عينية إلى آخرها، لما عرفت من تعليقها وحكم التعاليق. الثاني: أن قول أبي حنيفة في هذه الحكاية: "لم يصح فيه عن رسول الله ﷺ شيء" مفصح من عدم علمه بحديث ابن عمر على ما هو المتبادر الظاهر من كلامه، والتقييد بأن يقال: أراد عدم صحته بشيء غير معارض، كما ارتكبه القاري في شرح الموطأ من رواية محمد، خلاف الظاهر - قلت: قال القاري في المرقاة: قوله: "لم يصح فيه شيء" أي لم يصح معنى إذ هو معارض، وإلا فإسناده صحيح - فبإخبار الأوزاعي بمجرده من غير تصحيحه على شرائط الملتزمة عنده يجوز أن لا يحصل له الثقة بذلك فجرى الكلام معه على ما جرى. الثالث: فقه الرواة لا أثر له في صحة المروي، وإنما مدارها على العدالة والضبط، وكلما اشترط في صحة الحديث، إذ قلة الفقه لا يوجب الوهن في شرائط التحمل وما يلازمه الوثوق بالرواية، وإذا انتفى ذلك بقي العلو لسند ابن عمر مع ما له من الصحة. والحنفية لا يعتقدون أيضاً أن قلة فقه الراوي مما يتطرق به الوهن إلى مرويه، بل يرون أن رواية قليل الفقه من الصحابة إذا خالفها القياس من كل وجه يقدم القياس عليها من غير أن يتطرق عندهم وهن بعدم فقه الراوي في صحة مروية, أو يحصل زيادة وثوق بفقه الراوي لصحة مروية من مروي من دونه في الفقه. وما ذهبوا إليه من تقديم القياس على رواية مثل أبي هريرة، وأنس بن مالك, وجابر بن سمرة، وهم عندهم ممن يقل فقههم من الصحابة قد وقع عليهم بذلك الطعن الشديد, لا سيما في حكمهم على أبي هريرة بقلة الفقه، حيث نسبوهم بعظم الجسارة بهذا القول، وكما وقع
стр. 955
الطعن من هذا الوجه وقع على أشد من ذلك من حيث استلزام هذا القول منهم تقديم الرأي على السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وعدم التعبد في كلام الشارع المعصوم ﷺ ، فإن السند فيه باب القياس، وتعويلهم على رأي من يجوز عليه الخطأ والرجوع عن رأية في ساعة. وقد جروا على ذلك في حديث المصراة من مسند أبي هريرة، وقد أجبنا عنه في وريقات بما يتبين به وفاق القياس بالحديث من غير خافية، - ثم ذكر ما عللوا به تقديم القياس على السنة وبسط الكلام في الرد عليه ثم قال -: وإذ تبين أنه لا أثر لفقه الراوي في صحة الحديث وقوته على حديث غير الفقية، وأن أصحاب أبي حنيفة - أي المتأخرين - إنما يرون الأثر لكثرة الفقه وقلته من جهة أخرى غير ترجيح المروى- وهي تقديم القياس على فساده- فنسبة القول بترجيح رواية الفقية على غير الفقية إلى أبي حنيفة في هذه الحكاية من أمارات الإختلاق عليها. الرابع: كما دل العقل على أن فقه الراوي لا أثر له في صحة الرواية فلا يستند قول ذلك إلى أبي حنيفة دل النقل من الثقات على أنه قول موضوع مختلق على السلف الصالح، ومستحدث من المتأخرين ممن لا يعبأ بقوله على وضوح فساده. شهد بذلك فخر الإسلام، والشيخ الأجل عبد العزيز صاحب الكشف والتحقيق، وهو شيخ الإمام ابن الهمام. وصرح بذلك في التحقيق. قال: ولم ينقل من أحد من السلف اشتراط الفقه من الراوي، فثبت أنه قول مستحدث انتهى. وإذا اجتمع العقل والنقل قويت الأمارات، وصارت دليلاً قطعياً على كذب الحكاية واختلاقها. الخامس: سلمنا أن لفقه الراوي أثراً على ترجيح مرويه على مروي غير الفقيه- كأبي هريرة وأنس وجابر عند المتجاسرين من بعض الحنفية- فلا نسلم أن رجال حديث ابن عمر غير فقهاء، ترجح على مرويهم حديث ابن مسعود لفقه رواته، وكون رجاله أفقه من رجال ابن عمر إن سلم فلا نسلم حصول الترجيح بحديث ابن مسعود بحيث يترك به رأساً حديث ابن عمر لرجوعه إلى باب خلاف الأضبط مع الضابط، والترجيح الحاصل بكثرة الضبط مع إتقان ضبط المخالف على ما يدفع مخائل الخطأ عنه لا يوجب ترك المرجوح رأساً وعدم العمل به أصلاً حتى يعد من مكروهات الصلاة، بل البدعة الحادثة. على أن حديث ابن عمر في الرفعات قد عرفت فيما سبق أنه قل حديث يوازيه في القوة وأنه من المتواترات، فهو طور موطر لا يزعزعه عاصفات الرياح فضلاً عن غيرها. ولقد صدق ابن الجوزي حيث قال: ما أبلد من يحتج بهذه الأحاديث يعني التي تروى في عدم الرفع إلا مرة في التحريم، ليعارض بها الأحاديث الثابتة، حكاه الحافظ ابن حجر في تخريج مسند الرافعي (ص٨٣) . وحاصل الكلام ههنا أن هذه الحكاية عن أبي حنيفة بعد كونها معلقة غير مقبولة قد قامت الدلائل الواضحة على عللها القادحة فيستغرب الإقدام ممن يقدم على إيرادها في محل الاحتجاج أو الاعتبار انتهى كلام الشيخ محمد معين مختصراً. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً: أن مقتضى القياس ترجيح روايات الترك؛ لأن الشرع جعل لانتقالات الصلاة علامة، وهي التكبير والذكر، وجعل لابتداء الصلاة وانتهائها علامة أخرى أيضاً
стр. 956
مع الذكر، وهي الرفع عند البداية، وتحويل الوجه عند السلام، فينبغي أن يكون حكم الانتقالات واحداً على وفق نظائرها، وحكم الطرفين واحداً. وفيه كلام من وجوه، الأول: أن المصير إلى القياس إنما يكون إذا تعارض النصان، وهو ههنا منتف لما تقدم مراراً من عدم موازاة أحاديث الترك لأحاديث الرفع، ولو سلم التعارض فالرجوع إلى القياس إنما يكون إذا لم يمكن الجمع، وأما إذا أمكن يلزم أن يجمع، وههنا العمل بكلتيهما ممكن كما حققه السندي والشيخ عبد الحي اللكنوي وغيرهم ممن لم يقل بنسخ جواز الرفع، وإذا كان الأمر كذلك فمرجع هذا الوجه ترك السنة الصحيحة الثابتة المتواترة بمجرد القياس، ولا يجتريء عليه إلا مقلد جاهل. أو عالم متعصب لرأي إمامه. والثاني: أن الشرع الذي جعل لابتداء الصلاة علامة الرفع مع الذكر قد جعل لانتقالاتها أيضاً هذه العلامة، وهذا مما لا يمكن إنكاره لأحد كائناً من كان، فالإقرار بشرعية هذه العلامة في موضع وإنكارها في موضع آخر مع أنهما ثابتان بتواتر الإسناد والعمل بعيد من العاقل. والثالث: أن القياس يقتضي ترجيح روايات الرفع في المواضع الثلاثة، أي عند الركوع، وبعد رفع الرأس منه إرادة الهوي للسجود، وعند القيام إلى الركعة الثالثة؛ ليكون حكم جميع الانتقالات واحداً. وإليه أشار الشاة ولي الله حيث قال: السر في ذلك أن رفع اليدين فعل تعظيمي، ينبه النفس على ترك الأشغال المنافية للصلاة والدخول في حيز المناجاة، فشرع ابتداء كل فعل من التعظيمات الثلاث لتنتبه النفس لثمرة ذلك الفعل مستأنفاً- انتهى. والرابع: أن قوله "فينبغي أن يكون حكم الطرفين واحداً" يقتضي أن يشرع الرفع عند السلام أيضاً ليكون الطرفان متشابهين، ولا إغراب في ذلك؛ لأن هذا من نتائج تحكيم القياس والاعتماد على الرأي مع وجود النص الصريح الصحيح. ومنها ما ذكر هذا البعض أيضاً نقلاً عن الباجي: أن كل تكبير شرع في الصلاة يكون عند عمل قرن به للانتقال من حال إلى حال، فلما لم يكن عند تكبيرة الإحرام عمل من الانتقال عن حال إلى حال قرن به رفع اليدين، كما قرن بالسلام الإشارة بالوجه والرأس لما لم يكن عنده الانتقال من حال إلى حال- انتهى. وحاصله أن مقتضى القياس أن لا يشرع الرفع مع التكبير المقرون بعمل من الانتقال من حال إلى حال لعدم الاحتياج إلى عمل الرفع مع وجود عمل الانتقال، لكون هذا العمل كافياً للدلالة على الانتقال بخلاف التكبير الغير المقرون مع عمل الانتقال، فإن عدم وجود عمل دال على الانتقال هناك يقتضي أن يشرع الرفع منه، ليكون عمل الرفع علامة الانتقال من حال إلى حال، فترك الرفع في غير الافتتاح موافق للقياس من هذه الجهة بخلاف الرفع، فيترجح الترك ورواياته على الرفع ورواياته. وفيه أن القياس الصحيح يرجح الرفع لا الترك لما تقدم أن رفع اليدين فعل تعظيمي ينبه النفس على ترك الأشغال المنافية للصلاة والدخول في حيز المناجاة، ولذلك ابتدأ به في الصلاة فينبغي أن يشرع ابتداء كل فعل من التعظيمين أيضاً به لتنتبه النفس لثمرة ذلك الفعل مستأنفاً، وليكن التعظيمات الثلاث في حكم واحد، وليتقوى العبادة بتوافق القول وعمل الجوارح. ولما تقدم أيضاً أن ترك
стр. 957
الرفع عدمي محض وترك عبادة، بخلاف الرفع فإنه وجودي وعبادة، فيترجح على الترك. وقد ظهر من هذا أن القياس الذي أبداه الباجي ثم نقله هذا البعض عنه لترجيح الترك مردود، لما فيه من إهمال أحاديث الرفع الصحيحة الثابتة المتواترة وطرحها، بخلاف ما ذكرنا من الوجهين لترجح الرفع فإنه موافق لهذه الأحاديث ومؤيد بها، فلا يشك في كونه صحيحاً ومقبولاً. ومنها ما ذكر هذا البعض أيضاً نقلاً عن الطحاوي, وذكره الزيلعي أيضاً في نصب الراية. قال الطحاوي: مذهبنا أيضاً قوي من جهة النظر، فإنهم أجمعوا على أن التكبيرة الأولى معها رفع، وأن التكبيرة بين السجدتين لا رفع بينهما، واختلفوا في تكبيرة الركوع وتكبيرة الرفع منه، فألحقهما قوم بالتكبيرة الأولى، وألحقهما قوم بتكبيرة السجدتين. ثم إنا رأينا تكبيرة الافتتاح من صلب الصلاة، لا تصح بدونها الصلاة، والتكبيرة بين السجدتين ليست بذلك، ورأينا تكبيرة الركوع والنهوض ليستا من صلب الصلاة فألحقناهما بتكبيرة السجدتين-انتهى. وفيه نظر من وجوه، أولها: أن الرفع عند التكبيرة الأولى ليس بمجمع عليه، فإن مالكاً قال في رواية عنه: أنه لا يستحب، نقله صاحب التبصرة، وحكاه الباجي عن كثير من متقدميهم، كذا في الفتح (ج٣: ص٤٠٣) . وفي المنتقى شرح الموطأ لأبي الوليد الباجي: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن رفع اليدين عندها مشروع، وروي عن بعض المتقدمين المنع عن ذلك- انتهى. واستدل لهم بحديث جابر بن سمرة: "مالي أرى رافعي أيديكم"، وبما روى الطحاوي عن الأسود قال: صليت مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته. وبما نقل بعض الحنفية عن الطحاوي أنه روى عن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه في شيء من الصلاة. ثانيا: أن ترك الرفع بين السجدتين أيضاً ليس بمجمع عليه، فقد ذهب إلى شرعيته أيوب السختياني وطاووس ونافع وعطاء وغيرهم. وقد قال به من الشافعية ابن المنذرو ابن خزيمة وأبوعلي الطبري وغيرهم. وثالثها: أن الذين قالوا بالرفع عند تكبيرة الركوع ورفع الرأس منه إنما اعتمدوا في ذلك على ما ورد فيه من الأحاديث الصحيحة، لا على قياس تكبيرة الركوع والنهوض على التكبيرة الأولى وإلحاقها بها. رابعها: أن تكبيرة الركوع والنهوض، وكذا تكبيرات السجود الظاهر أنها واجبة، ومن صلب الصلاة مثل التكبيرة الأولى، لما روى أبوداود وابن حزم في المحلى (ج٣: ص ٢٥٦) ، وابن الجارود في المنتقى (ص١٠٣، ١٠٤) وغيرهم حديث المسيء في صلاته بلفظ: "لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ... " الحديث. وفيه ذكر جميع التكبيرات بسياق واحد، ولما روى أبوداود أيضاً عن أبي موسى الأشعري: "أن رسول الله ﷺ خطبنا وعلمنا وبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا" الحديث. وفيه: "فإذا كبر - أي عند الافتتاح - فكبروا". وفيه أيضاً: "فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا". وفيه أيضاً: "وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا". فقوله ﷺ : "لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل كذا وكذا". وقوله: "كبروا". يدلان على وجوب تكبيرات الانتقالات. قال ابن قدامة في المغنى: المشهور عن أحمد أن تكبير الرفع والخفض واجب. وهو قول داود وإسحاق- انتهى. قلت: وهو قول ابن حزم، وهو أيضاً
стр. 958
مؤدى رواية ابن القاسم من المالكية، إذ قال: لو أسقط ثلاث تكبيرات سجد للسهو، وإلا بطلت الصلاة- انتهى. ومنها ما يفهم من كلام بعض الحنفية في رسالته في مسألة رفع اليدين: أن الرفع والترك كلاهما ثابتان في الخارج لاتصال العمل بهما من لدن عصر النبوة إلى يومنا هذا، لكن من استقصى صفة الصلاة من الصحابة لم يذكر كثير منهم الرفع، وسكوتهم عن ذكره في حكم ذكر الترك، وحينئذٍ يزيد عدد روايات الترك على روايات الرفع، ومن المعلوم أن الكثرة من المرجحات عند الاختلاف كما صرح به الحازمي والعيني وغيرهما. وفيه أنه لم يثبت ترك الرفع في الخارج عن أحد إلا عن جماعة من أهل الكوفة كما تقدم، وعلى هذا فالروايات التي ليس فيها ذكر الرفع مع بيان صفات الصلاة الأخرى تحمل على أن الرواة اختصروا فيها ذكر الرفع لشهرته، فربما يذكر الراوي ما يحتاج إليه السائل، ويحذف ما كان معلوماً ومشهوراً، فسكوت من سكت عن ذكر الرفع لا يكون في حكم ذكر العدم والترك، فإيراد الحنفية هذه الأحاديث المختصرة الساكتة عن ذكر الرفع لإثبات الترك إيراد في غير محلها. وأما ما قال هذا البعض: أن كثيراً ممن استقصى صفة الصلاة لم يذكروا الرفع، فهو ادعاء محض، ولو سلم ذلك كله فلا يزيد بذلك عدد روايات الترك؛ لأن رواة الرفع قد بلغوا خمسين، بل قد صح فيه أربعمائة خبر وأثر، ورواه العشرة المبشرة على ما قاله المجد الفيروز آبادي في سفر السعادة. ولا وجه لحمل قوله على المبالغة كما توهم بعض الحنفية. ومنها ما يفهم من كلام هذا البعض أيضاً أنه جاء في التحريمة وغيرها من بعض أفعال الصلاة وأحوالها وأذكارها أحاديث قولية وفعلية، وفي بعضها أحاديث قولية فقط، ولم يرو حديث قولي في الرفع في غير الافتتاح أصلاً، وكثير ممن استقصى صفة الصلاة لم يذكره، وهذا يدل على أن الرفع ليس مقصوداً أصلياً. وفيه أن بت الحكم بعدم ورود حديث قولي في الرفع في غير الافتتاح متعذر بل هو غير صحيح، كيف وقد قال رسول الله ﷺ لمالك بن الحويرث وأصحابه بعد ما صلى بهم مع عمل الرفع: صلوا كما رأيتموني أصلي. فقوله هذا متضمن للأمر بالرفع في غير الافتتاح أيضاً. ولو سلم عدم ورود حديث قولي صريح فيه فلا يدل ذلك على أن الرفع ليس بمقصود أصلي؛ لأن مواظبته ﷺ عليه ثم إجماع الصحابة عليه بعده وتواتر العمل به إلى يومنا هذا أهم وأعظم من ورود حديث قولي فيه. فهو أكبر دليل على كون الرفع مقصوداً ومطلوباً في الصلاة. وكيف لا يكون الرفع كذلك وهو فعل تعظيمي، وهو أيضاً فعل ينبىء عن ترك ما سوى الله، وتجديد التنبه لترك ما سوى الله أصل من الصلاة مطلوب. ومنها ما يفهم من كلام هذا البعض أيضاً أن استغراب الرواة الرفع وترددهم فيه وتساؤلهم عنه يرجح الترك، فعند أبي داود أن ميمون المكي رأى عبد الله بن الزبير وصلى بهم يشير بكفيه حين يقوم وحين يركع وحين يسجد وحين ينهض للقيام، فيقوم فيشير بيديه، فانطلقت إلى ابن عباس، فقلت: إني رأيت ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحداً يصليها، فوصف له هذه الإشارة، فقال: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله
стр. 959
- ﷺ فاقتد بصلاة ابن الزبير. وعند أحمد في مسنده (ج٢: ص١٤٥) : قال محارب بن دثار: رأيت ابن عمر يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع رأسه من الركوع. قال: فقلت له: ما هذا؟ قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه. وعنده أيضاً في (ج٢: ص٤٥) عن سالم بن عبد الله بن عمر، أنه رأى أباه يرفع يديه إذا كبر وإذا رفع رأسه من الركوع، فسألته عن ذلك، فزعم أنه رأى النبي ﷺ يصنعه. فتردد الرواة وتساؤلهم عنه يدل على خمول الرفع فيهم، وكونه متروكاً عندهم، وإلا لما استغربوه، وهذا يقتضي كون الترك أرجح. وفيه أن هذه الأحاديث الثلاثة تدل على أن الرفع سنة مستمرة غير منسوخة؛ لأنه لو كان جواز الرفع أو استحبابه منسوخاً لما أمر ابن عباس ميموناً المكي باقتداء صلاة ابن الزبير، ولما كان عمل ابن عباس وابن عمر بالرفع بعده ﷺ ؛ لأنه لا يجوز العمل بالمنسوخ، والاستمرار على غير المستحب والأولى. وكون الرفع سنة مستمرة غير منسوخة يقتضي أن الرفع أرجح من الترك. وأما قول ميمون: لم أر أحداً يصليها، فيمكن أن يكون المراد "لم أر أحداً أي في الكوفة"، فقد تقدم قول محمد بن نصر: أنه أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة. على أن ميموناً المكي هذا مجهول، وفيه أيضاً ابن لهيعة، وفيه مقال معروف، والسائل في الحديث الثاني محارب بن دثار، وهو كوفي، وقد علمت آنفاً أن ترك هذه السنة لم يكن إلا في الكوفة، فالظاهر أن محارباً لما رأى من ابن عمر خلاف ما عهده بالكوفة من عدم الرفع تعجب وسأل ابن عمر عن ذلك وهذا لعدم علمه بهذه السنة، وهذا لا يدل على كون الرفع مخمولاً ومتروكاً عندهم، وعلى فقدان العمل به فيهم. على أن استغراب محارب وتعجبه إنما كان من الرفع عند النهوض للركعة الثالثة، لا من الرفع عند الركوع وعند رفع الرأس منه، يدل على ذلك قول ابن عمر: كان النبي ﷺ إذا قام في الركعتين كبر ورفع يديه، ولو لم يكن تعجب محارب من هذا الرفع لما سكت بسماع جواب ابن عمر المتقدم. وعلى هذا فإيراد هذا الحديث للاستدلال به على خمول الرفع عند الركوع والرفع منه، وعلى ترجح الترك فيهما ليس بصحيح. وأيضاً غاية ما تشير إليه هذه الروايات هو أن جماعة من الناس تسامحوا في هذه السنة فتركوها، كما أن بني أمية تركوا نفس التكبيرات، والمحافظة على أوقات الصلاة، والتعديل في الأركان ولا نعلم أحداً استدل بتسامحهم في هذه الأمور، وترك اهتمامهم بها، وتكاسلهم عنها، على أن ترك التكبيرات والتعديل، وتأخير الصلاة عن أوقاتها أرجح، فكذلك ههنا أيضاً لا يصح الاستدلال بهذه الروايات على خمول الرفع فيهم، ولا على كون الترك أرجح. سلمنا دلالتها على خمول الرفع، لكنها تدل عليه بالإشارة. ومن المعلوم أن العبارة مقدمة على الإشارة. علا أنه لا يعبأ بترك من تركه كائناً من كان بعد ما ثبت كونه سنة مستمرة متواترة إسناداً وعملاً، إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. ومنها ما قال هذا البعض أيضاً: أن تخصيص ابن عمر الرفع بالذكر من بين سائر صفات الصلاة، وتنويهه به، واهتمامه بأمره يدل على خموله في زمانه، ولذا لم يتوجه إلا إلى الرفع خاصة،
стр. 960
ولعله رأى فيه تركاً، فأراد إحياء الرفع، ورمى التاركين بالحصى، ولو لم يكن هناك تاركون فمن ذا الذي كان يرميهم؟ نعم: لو كان في طريق من طرق روايته ذكر صفات أخرى أيضاً لحملناه على الاختصار فقط، إلا أنه لما لم يتعرض إلا إلى هذا الجزء خاصة علمنا فيه خمولاً في زمانه بحيث احتاج إلى الاستدلال والتفصيل، ولو كان الرفع فاشياً ولم يكن هناك تارك كما زعموه فأي حاجة دعته إلى اهتمامه أي اهتمام. وقال تلميذه: إن التخصيص بالذكر مما يحتاج إلى نكتة، ألا ترى أن بعض الأمراء لما تركوا التكبيرات حالة الخفض احتاج الصحابة إلى التعرض لحالها خاصة، ففي البخاري عن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق. فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم ﷺ . وعن سعيد بن الحارث، قال: صلى لنا أبوسعيد الخدري فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود وحين سجد وحين رفع من الركعتين. وفي الموطأ عن علي بن الحسين مرسلاً، قال: كان رسول الله ﷺ يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله. فما ترى أمثال ذلك كيف خصصوا التكبيرات بالذكر من بين سائر صفات الصلاة! فكما أن اعتناءهم ببيان التكبير دل عندهم على فقدان العمل في زمنهم، كذلك اعتناء ابن عمر بالرفع يدل على فشو العمل بالترك في الموضعين، وإثباته بين السجدتين، فاحتاج إلى إثباته أو نفيه. قال: وهناك نظائر أخرى بعضها ألصق من بعض، فقد أخرج مسلم عن جابر بن سمرة، قال: كان النبي ﷺ يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب. وإنما احتاج إلى تأكيد القيام من بين سنن الجمعة؛ لأن بعضهم كعبد الرحمن بن أم الحكم كان يخطب قاعداً. وأخرج الشيخان عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ ، وأبوبكر، وعمر يصلون العيد قبل الخطبة، ومثله روي عن جابر والبراء، وغيرهم. وذلك لأن بعض الأمراء كمروان بن الحكم كان قدم الخطبة، فقد علمت بما ذكرنا أن الصحابة ماذا كانوا يريدون من التخصيص بالذكر، وعليه فليقس حديث ابن عمر في رفع اليدين-انتهى. وفيه أن حديث ابن عمر هذا ليس فيه أدنى دلالة على خمول الرفع، وفقدان عمل الناس به، وفشو تركه في زمنه، بل هو يدل على عكس ما فهم منه هذا البعض، أي على كون الرفع سنة مستمرة فاشية معمولاً بها في زمانه، وكون خلافه مخمولاً في عصره؛ لأنه لم يرو الإنكار عن أحد من الصحابة على روايته وعمله به، بل وافقه كثير من الصحابة في رواية الرفعات، واتفق جميعهم معه على العمل بالرفع، وأيضاً صدق جماعة منهم أباحميد الساعدي في رواية الرفع، وهذا كله يدل على فشو هذه السنة في زمن الصحابة لا على خموله، نعم لا ننكر أنه كان هناك من غير الصحابة من يتركه إما لجهله بهذه السنة، وإما لرؤيته هذه السنة غير مؤكدة، وإما لتكاسله عنها كما ترك بعضهم التكبيرات ونحوها، فكان ابن عمر يعلم من تركها لجهله عنها، ويخبر بكونه سنة مؤكدة من يهون أمرها، ويحث على العمل بها من يتكاسل ويتوانى عنها، فكان إذا رأى مصلياً لا يرفع حصبه. رواه أحمد بسنده عن نافع بهذا
стр. 961
اللفظ. ورواه البخاري في جزئه بلفظ: "رماه بالحصى"، وترك بعض الناس هذه السنة لا يدل على كون الترك فاشياً وذائعاً، وعلى كون العمل بالرفع مفقوداً ومجهوراً ومتروكاً، بل يدل على شذوذ الترك وندرته وقلته كما لا يخفى. على أنا لا نسلم أن ابن عمر خصص الرفع بالذكر من بين سائر صفات الصلاة، ولم يتعرض لغيره من صفاتها؛ لأنه قد روي عنه صفات أخرى أيضاً للصلاة: ففي مسند أحمد (ج٢: ص١٥٢) عن واسع، أنه سأل عبد الله بن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: كان يقول: الله أكبر كلما وضع وكلما رفع، ثم يقول: السلام عليكم ورحمة الله على يمينه، السلام عليكم على يسارة. ونحوه في (ج٢: ص٨٦) . وفيه أيضاً (ج٢: ص١٤٧) عن سالم عن ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ قال في صلاة الفجر حين رفع رأسه من الركعة، قال: ربنا ولك الحمد، في الركعة الآخرة. ثم قال: اللهم العن فلاناً- الحديث. وفيه أيضاً (ج٢: ص١٤٧) عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها. وفيه أيضاً (ج٢: ص١٤٧) عن نافع عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو يعتمد على يديه. وفيه أيضاً (ج٢: ص٧٢) أن رجلاً صلى إلى جنب ابن عمر فجعل يعبث بالحصى، فقال: لا تعبث بالحصى فإنه من الشيطان، ولكن اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع. قال هكذا..... وضع يده اليسرى وبسط على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وكأنه عقد وأشار بالسبابة. وفيه أيضاً (ج٢: ص١٤) عن ابن عمر، قال: بينا نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل في القوم: الله أكبر كبيراً، والحمدلله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. فقال رسول الله ﷺ : من القائل كذا وكذا؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله! قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء. قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. وهذه الروايات كما ترى مشتملة على صفات أخرى للصلاة غير الرفع، فروى ابن عمر لبعض أصحابه وهو ابنه سالم الرفعات، والتحميد، والقنوت في النازلة. ولمحارب بن دثار الكوفي الرفع فقط. ولبعضهم –وهو واسع- التكبير في كل خفض ورفع، والتسليم عن اليمين واليسار للانصراف من الصلاة. ولبعضهم-وهو مولاه نافع- الرفعات، ووضع اليدين على الركبتين في التشهد، ورفع المسبحة، والإشارة بها والنهي عن الاعتماد على اليدين في حالة الجلوس. ولبعضهم عقد الأصابع في التشهد، والإشارة بالسبابة. ولبعضهم شرعية قول الله أكبر كبيراً ... الخ. وعلى هذا فرواية الباب تحمل على الاختصار. ولو سلمنا عدم الاختصار في روايته، وأنه خصص الرفع بالذكر فنكتة التعرض لحالة خاصة إنما هو سؤال الجاهل عن هذه السنة، وعدم رفع بعض الناس لجهله، أو لرؤيته سنة غير مؤكدة، أو لتكاسله، وهذا لا يدل على خمول الرفع فيهم وفقدان العمل به عندهم، ولا على نسخه، ولا علىكون الترك أرجح والأولى.
стр. 962
وهذا كما تعرض الصحابة للتكبيرات خاصة لأجل ترك بعض بني أمية إباها، وتعرض جابر للقيام في خطبة الجمعة لأجل ترك معاوية أوعبد الرحمن بن أم الحكم القيام فيها. واهتم ابن عمر وغيره بأمر تقديم صلاة العيد على الخطبة لأجل تقديم مروان الخطبة على الصلاة. وتعرض جابر لكون صلاة العيد بغير أذان وإقامة. ولا شك أن تعرض هؤلاء الصحابة لهذه الأمور خاصة بسبب ترك بعض الناس لا يدل على كون التكبيرات والقيام في خطبة الجمعة وتقديم الصلاة على الخطبة، وكون صلاة العيد من غير أذان وإقامة مخمولة متروكة مهجورة، ولا على فقدان العمل بها في زمنهم، ولا على كون خلافها فاشياً ذائعاً. ولا نعلم أحد استدل بهذه الأحاديث على أن التكبيرات وغيرها مما تقدم ذكرها آنفاً منسوخة، أو على أن تركها أرجح وأولى، فكذا اعتناء ابن عمر بالرفع خاصة لا يدل على كون الرفع مخمولاً ومتروكاً ومهجوراً، وعلى كون تركه فاشياً ذائعاً شائعاً. ولذلك لم يذهب إليه ذهن أحد ممن كان قبل هذا البعض من المقلدين لكونه خلاف الظاهر والواقع حقاً. واعلم أنه قد تفوه بعض الحنفية أن حديث ابن عمر مع كونه مخرجاً في الصحيحين مضطرب من وجوه: أحدها الاختلاف في الرفع والوقف، فرفعه سالم ووقفه نافع. وثانيها الاختلاف في مواضع الرفع، فروي عنه بذكر الرفع في موضعين فقط أي عند الافتتاح وعند رفع الرأس من الركوع، وهو عند مالك في الموطأ، وبذكره عند الافتتاح والركوع، ورفع الرأس منه، وهو عن مالك خارج الموطأ، وبذكره بعد الركعتين أيضاً في رواية نافع، وعدم ذكره في رواية سالم بل بنفيه في رواية لنافع؛ فقد روى الدارقطني في الغرائب بإسناد حسن: "ولا يرفع بعد ذلك"، فإن ظاهره يشمل النفي عما عداً المواضع الثلاثة، وروي عنه بنفيه عند السجود في الصحيحين وغيرهما، وبذكره عنده في جزء رفع اليدين للبخاري، وفي المعجم الأوسط للطبراني، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناده صحيح، وروي عنه الرفع في كل خفض، ورفع، وركوع، وسجود، وقيام، وقعود، وبين السجدتين، كما في مشكل الطحاوي. وثالثها الاختلاف في عمله؛ فروي عنه الرفع عند الافتتاح فقط، وهو عن مجاهد من طريق أبي بكر بن عياش، عن حصين. وقد تابع مجاهداً عبد العزيز بن حكيم، وعطية العوفي، وروي عنه الرفع عند الركوع والرفع منه، وعند النهوض للركعة الثالثة، وروي عنه الرفع عند السجدتين وبين الركعتين أيضاً كما في المحلي لابن حزم (ج٤: ص٩٣) ورابعها الاختلاف في مقدار الرفع، فروي عنه مرفوعاً الرفع حذو المنكبين عند رفع الرأس من الركوع كما يرفع حذو منكبيه عند الافتتاح وعند الركوع، وروي من عمله عند مالك أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع رفعهما دون ذلك، ويعارضه ما في أبي داود، قال ابن جريج: قلت لنافع: أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن؟ قال: لا، سواء. قلت: أراد هذا البعض بادعاء الاضطراب في حديث ابن عمر الاعتذار عن ترك العمل به مع كونه صحيحاً مخرجا في الصحيحين. وهذا من عادة الحنفية خلفاً عن سلف أنهم إذا رأوا حديثاً يخالف قول إمامهم جعلوا يضعفونه،
стр. 963
وإن كان مخرجاً في الصحيحين، وفي أعلى مراتب الصحة، بل ولو كان متواتراً، وقد يحكمون عليه بكونه منسوخاً، وقد سلكوا في حديث ابن عمر المسلكين كما رأيت. وقد يأولون ما خالفهم بتأويلات يصير بها الحديث موافقاً لقول إمامهم، وهي في الحقيقة تكون تحريفات معنوية، وإذا وجدوا حديثاً ضعيفاً موافقاً لمذهبهم ومؤيداً لمسلكهم جعلوا يصححونه وإن كان في غاية الضعف، بل ولو كان ساقطاً أو موضوعاً باطلاً، كما صنعوا بحديث ابن عمر المروي في الخلافيات للبيهقي في رفع اليدين عند تكبير الافتتاح فقط. وقد تقدم البسط في الرد على دعوى نسخ حديث الباب وغيره من أحاديث الرفعات. وأما دعوى اضطرابه فهي أيضاً مردودة باطلة؛ لأن الوجوه التي ذكرها هذا البعض في إثبات اضطراب هذا الحديث من الاختلافات في الرفع والوقف. وفي محل الرفع، وفي مقداره ليس واحد منها موجباً لاضطراب الحديث لإمكان الجمع أو الترجيح، وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع أو الترجيح. ولذلك لم ينتقد هذا الحديث على الشيخين أحد من النقاد الذين انتقدوا عليهما. قال الحافظ: الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطرباً إلا بشرطين: أحدهما استواء وجوه الاختلاف؛ فمتى رجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح بالمرجوح. وثانيهما مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، أو يغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه؛ فحينئذٍ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف على الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك-انتهى. وههنا وجوه الاختلاف ليست بمستوية ولا تعذر الجمع بينهما كما سيأتي مفصلاً. أما الاختلاف الأول أي اختلاف سالم ونافع في الرفع والوقف فالراجح فيه الرفع وذلك من وجوه: أولها أن رواية سالم مجزومة الرفع، أي لم يختلف عليه أصحابه في الرفع والوقف، بل اتفقوا على روايته عنه مرفوعاً، بخلاف رواية نافع فإنها ليست مجزومة الوقف، أي لم يثبت نافع على الوقف، بل روى مرة مرفوعاً فوافق سالماً في الرفع وأخرى موقوفاً. واختلف عليه أصحابه فروى الليث ومالك وابن جريج عنه موقوفاً، وروى عبيد الله بن عمر في رواية عبد الأعلى عند البخاري وأبي داود عنه مرفوعاً، وكذا روى عنه مرفوعاً أيوب في رواية حماد بن سلمة، وإبراهيم بن طهمان عند البخاري في جزئه، والبيهقي في سننه. قال البخاري في صحيحه بعد إخراجه من طريق عبد الأعلى، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: ورواه حماد بن سلمة عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، ورواه ابن طهمان عن أيوب وموسى بن عقبة مختصراً. قال الحافظ: قصد البخاري الرد على من جزم بأن رواية نافع موقوفة، وأنه خالف في ذلك سالماً كما نقله ابن عبد البر وغيره، وقد تبين بهذا التعليق أنه اختلف على نافع في وقفه ورفعه، والذي يظهر أن السبب في هذا الاختلاف أن نافعاً كان يرويه موقوفاً ثم يعقبه بالرفع، فكأنه كان أحياناً يقتصر على الموقوف أو يقتصر عليه بعض الرواة عنه- انتهى. وإخراج البخاري في صحيحه حديث نافع عن ابن عمر
стр. 964
مرفوعاً من طريق عبد الأعلى عن عبيد الله بن عمر ثم استشهاده بروايتي حماد بن سلمة وابن طهمان عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر يدل على أن الصحيح عنده في رواية نافع هو الرفع. وأما أبوداود فقد صحح وقفه، ولا يخفى أن القول قول البخاري. وثانيها: ما قال ابن عبد البر في التمهيد: أن هذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي رفعها سالم عن أبيه عن النبي ﷺ ، ووقفها نافع عن ابن عمر، والقول فيها قول سالم، ولم يلتفت الناس فيها إلى نافع، ذكره الزيلعي في نصب الراية (ج١: ص٤٠٧) . وثالثها: أنه إذا وقع الاختلاف بين الرواة في الرفع والوقف فالقول قول من رفعه؛ لأن الرفع زيادة ثقة وهي مقبولة إلا إن ظهرت قرينة تدل على أنها وهم من الراوي فحينئذٍ لا تقبل، وههنا لم تقم قرينة على كون زيادة الرفع وهماً، ولذلك اتفق المحدثون على قبولها والاحتجاج بها. قال السيوطي في التدريب (ص٧٦) : إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديث مرسلاً وبعضهم متصلاً، أو بعضهم موقوفاً وبعضهم مرفوعاً، أو وصله هو أو رفعه في وقت، وأرسله ووقفه في وقت آخر، فالصحيح عند أهل الحديث والفقة والأصول أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله في الحفظ والإتقان أو أكثر منه؛ لأن ذلك أي الرفع والوصل زيادة ثقة وهي مقبولة ... الخ. وقال أبوبكر الخطيب: اختلاف الروايتين في الرفع لا يؤثر في الحديث ضعفاً، وهو مذهب أهل الأصول؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أخذ بالزيادة، وهي واجبة القبول-انتهى. وأما الجمع فهو ظاهر، فإنه يقال: إن ابن عمر رأى النبي ﷺ يرفع يديه في هذه المواضع فعمل وأفتى بما رأى؛ فروى سالم ومحارب بن دثار مشاهدته، أي المرفوع من حديثه، وروى نافع مرة المرفوع وأخرى الموقوف أي عمله وفتياه أي رميه بالحصى من لا يرفع يديه. قال الماوردي: لا تعارض بين ما ورد مرفوعاً مرة وموقوفاً على الصحابي أخرى؛ لأنه يكون قد رواه وأفتى به. وأما الاختلاف الثاني فالراجح فيه رواية من ذكر الرفع في المواضع الأربعة، وأما ما عداها من الروايات التي فيها ذكر الرفع عند السجدة، أو في كل خفض ورفع، وبين السجدتين والركعتين، فلم يصح منها شيء، ففي رواية البخاري في جزئه عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف من قبل حفظه. ورواية الطبراني وإن صحح الهيثمي إسنادها لكن لا يطمئن القلب بتصحيحه؛ لأن له أوهاماً في كتابه، على أن صحة السند لا يستلزم صحة المتن كما تقرر في موضعه، فرواية الطبراني هذه شاذة؛ لأنها مخالفة لما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر مرفوعاً: ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود. وفي رواية: ولا يفعل ذلك في السجود. قال الحافظ: أي في الهوي إليه ولا في الرفع منه-انتهى. ومن المعلوم أن الترجيح عند التعارض للبخاري، وأنه لا يعل الراجح بالمرجوح، ورواية الطحاوي في مشكله أيضاً شاذة، وقد بين الحافظ شذوذها في الفتح (ج٣: ص٤٠٦) فارجع إليه. وقال العراقي في التقريب: ذكر الطحاوي أن هذه الرواية شاذة، وصححها ابن القطان ثم قال: وصحح ابن حزم
стр. 965
وقال: سمع الله لمن حمده
ــ
وابن القطان حديث الرفع في كل خفض ورفع، وأعله الجمهور-انتهى. ولا تعارض بين رواية الرفع في المواضع الأربعة ورواية الرفع في المواضع الثلاثة؛ لأن الأولى مشتملة على زيادة رواها الثقة العدل غير منافية للرواية الثانية، وأيضاً لها شواهد فيجب قبولها. قال الحافظ: أبعد من استدل برواية سالم على ضعف رواية نافع. والحق أنه ليس بين روايتي نافع وسالم تعارض؛ بل رواية نافع زيادة لم ينفها سالم، وستأتي الإشارة إلى أن سالماً أثبتها من وجه آخر-انتهى. وأما رواية مالك في موطأه بالاقتصار على الرفع عند رفع الرأس من الركوع فهي وهم منه. قال الزيلعي بعد ذكر رواية مالك هذه من الموطأ: هكذا - أى بعدم ذكر الرفع في الركوع - وقع في رواية يحيى بن يحيى، وتابعه على ذلك جماعة من رواة الموطأ منهم: يحيى بن بكير، والقعنبي، وأبومصعب، وابن أبي مريم، وسعيد بن عفير، ورواه ابن وهب، وابن القاسم، ومعن بن عيسى، وابن أبي أويس عن مالك؛ فذكروا فيه الرفع في الركوع، وكذلك رواه جماعة من أصحاب الزهري عن الزهري، وهو الصواب. ذكر ذلك أبوعمر بن عبد البر في كتاب التقصي، وقال في التمهيد: وذكر جماعة من أهل العلم أن الوهم في إسقاط الرفع من الركوع إنما وقع من جهة مالك: فإن جماعة حفاظاً رووا عنه الوجهين جميعاً-انتهى. وكذلك قال الدارقطني في غرائب مالك: أن مالكاً لم يذكر في الموطأ الرفع عند الركوع، وذكره في غير الموطأ، حدث به عشرون نفراً من الثقات الحفاظ منهم محمد بن الحسن الشيباني، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب وغيرهم، ثم أخرج أحاديثهم عن عشرين رجلاً ... الخ. وأما رواية الدارقطني بلفظ: "ولا يرفع بعد ذلك" فهي لا تعارض رواية البخاري وغيره ممن رواها بزيادة الرفع في الموطن الرابع؛ لأنها أصح وأقوى، ولأنها مثبتة فتقدم على النافية، ولأنها نص والنص يقدم على الظاهر عند التعارض. وأما الاختلاف الرابع فالراجح فيه رواية سالم بعدم الفرق بين مقدار الرفعات؛ لأنها صحيحة مرفوعة بخلاف رواية الفرق، فإنها موقوفة على ابن عمر من فعله، ومن المعلوم أن العبرة لما روى الراوي لا لما رأى وعمل به؛ على أنه اختلفت الرواية في بيان عمله كما تقدم، ورواية من روى موافقة عمله لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفته من حيث النظر، وأيضاً قد أشار أبوداود إلى غرابة رواية الفرق. وأما الاختلاف الثالث فالراجح فيه ما روي عنه من الرفع في المواضع الأربعة، وهي عند البخاري في صحيحه، وأما ما روي عنه من الاقتصار على الرفع في التحريمة فهو ضعيف جداً، وقد تقدم البسط فيه فتذكر. ورواية الرفع عند السجدة وبين الركعتين لا تعارض ما رواه هو مرفوعاً بلفظ: "ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولاحين يرفع رأسه من السجود"؛ لأن العبرة لما رواه لا لما رأى وعمل به. وهذا ظاهر والله أعلم. (وقال: سمع الله لمن حمده) معناه قبل حمد من حمد. واللام في "لمن" للمنفعة، والهاء في "حمده" للكناية. وقيل: للسكتة والاستراحة، ذكره ابن الملك. وقال الطيبي: أي أجاب حمده وتقبله. يقال: اسمع دعائي أي أجب؛
стр. 966
ربنا لك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود
ــ
لأن غرض السائل الإجابة والقبول-انتهى. فهو دعاء بقبول الحمد ويحتمل الإخبار (ربنا لك الحمد) هكذا هو بلا واو، وفي رواية: "ربنا ولك الحمد" أي بزيادة الواو. قال الرافعي: روينا في حديث ابن عمر بإسقاط الواو وبإثباتها، والروايتان معاً صحيحتان – انتهى. والكل جائز، وإثبات الواو أولى وأرجح وأفضل؛ لأنها زيادة مقبولة، ولأنها تدل على زيادة معنى؛ لأنه يكون التقدير "ربنا استجب لنا" أو ما قارب ذلك، "ولك الحمد"، فيشتمل الكلام على معنى الدعاء ومعنى الخبر. وإذا قيل بإسقاط الواو دل على أحد هذين، والواو هي عاطفة، وعطف الخبر على الإنشاء جوزه جمع من النحويين وغيرهم. والتقدير: "ربنا تقبل منا، ولك الحمد على هدايتك إيانا لما يرضيك عنا"، وبتقدير اعتماد ما عليه الأكثرون من امتناع عطف الخبر على الإنشاء؛ فالخبر ههنا بمعنى إنشاء الحمد لا الإخبار بأنه موجود؛ إذ ليس فيه كبير فائدة، ولا يحصل به الامتثال لما أمرنا به من الحمد. وقيل: الواو زائدة. وقيل: هي واو الحال. والحديث قد احتج به من قال: إنه يجمع بين التسميع والتحميد كل مصل من غير فرق بين الإمام والمؤتم والمنفرد، فإذا رفع رأسه من الركوع يقول في حال ارتفاعه: "سمع الله لمن حمده"، فإذا استوى قائماً يقول: "ربنا ولك الحمد"، وفيه أن الدليل أخص من الدعوى؛ لأنه حكاية لصلاة النبي ﷺ إماماً كما هو الغالب والمتبادر، إلا أن قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" يدل على عدم اختصاص ذلك بالإمام. واحتج لذلك أيضاً بما نقله الطحاوي وابن عبد البر من الإجماع على أن المنفرد يجمع بينهما. وجعله الطحاوي حجة لكون الإمام يجمع بينهما للاتفاق على اتحاد حكم الإمام والمنفرد فيلحق بهما المؤتم؛ لأن الأصل استواء الثلاثة في المشروع في الصلاة إلا ما صرح الشرع باستنثائه، ولا دليل في قوله ﷺ : إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد. على استثناء المؤتم عن حكم الجمع بينهما، كما لا دليل فيه على استثناء الإمام عن ذلك. وسنوضح ذلك مع ذكر اختلاف العلماء في هذه المسألة في باب الركوع فانتظر. (وكان لا يفعل ذلك) أي رفع اليدين (في السجود) أي لا عند الهوي والانحطاط، ولا عند رفع الرأس من السجدة؛ ففي رواية للبخاري: "ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود"، ولمسلم: "ولا يفعل حين يرفع رأسه من السجود"، وله أيضاً: "ولا يرفعهما بين السجدتين"، وفي حديث علي عند الترمذي: "ولا يرفع يديه في شيء من صلاته، وهو قاعد"، وفي حديث أبي موسى عند الدارقطني: "ولا يرفع بين السجدتين". وهذه الروايات صريحة في نفي الرفع عند الهوي للسجود، وعند الرفع منه، وبين السجدتين. وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف. وذهب بعض أهل العلم إلى الرفع للسجود أيضاً بل لكل خفض ورفع، واستدلوا بحديث ابن عمر عند الطبراني، وقد تقدم الكلام فيه. وبحديث مالك بن الحويرث عند النسائي، وبحديث أنس عند أبي يعلى، وبحديث أبي هريرة عند ابن ماجه، وهذه الأحاديث ضعفها الجمهور وعللوها، وقد ذكرها شيخنا الأجل المباكفوري في أبكار المنن (ص١٩٧-٢٠٠) مع بسط الكلام فيها
стр. 967
متفق عليه.
ــ
فارجع إليه. والحق في ذلك ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن أحاديث النفي صحيحة صريحة في النفي، بخلاف أحاديث الإثبات فإنها معلولة وبعضها غير صريحة في الإثبات، ولو سلم صحتها وكونها صريحة في الإثبات فحديث ابن عمر ومن وافقه أولى أن يعمل به؛ لكونه أصح وأقوى وأرجح وأصرح. وأما ما قيل: أن الإثبات يقدم على النفي لأن مع المثبت زيادة علم فات عن النافي وإن كان أوثق من المثبت؛ ففيه أن هذا إنما هو عند عدم تحقق التعارض لإمكان تعدد الجهة أو الوقت، وأما إذا تعارض النفي والإثبات باتحاد الجهتين والوقتين معاً فقبول زيادة الثقة يستلزم ترك قول الأوثق بقول الثقة، وذلك لا يجوز إلا أن يترجح قول الثقة بما يوجب الأخذ به، فذاك باب التعارض والترجيح دون تقديم المثبت على النافي بنفس الإثبات، وههنا روايات الباب تدل بظاهرها على اتحاد الجهة وعلى اتحاد الوقت أيضاً؛ لأن النافين والمثبتين لم يقيدوا النفي والإثبات بوقت دون وقت، وكلتا الروايتين وردت بلفظة "كان"، وهي تدل على الدوام إلا إذا قامت قرينة على انتفاء ذلك، ولا قرينة ههنا، فتعارض النفي والإثبات باتحاد الجهة والوقت معاً، فتقدم رواية النفي؛ لأنها أصح وأقوى. وأشار بعض الحنفية إلى أن قوله: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" مدرج وإلا فهو شاذ، حيث قال بعد ذكر أحاديث الرفع في السجود: فهذه الروايات كلها تخالف حديث ابن عمر؛ فلو سلم لفظ: "وكان لا يفعل" من الإدراج يكون شاذاً لمخالفة الروايات الصحيحة العديدة-انتهى. قلت: الإدراج في المتن إنما يثبت إذا ورد ذلك منفصلاً في رواية أخرى، أو نص على ذلك أحد من رواة الحديث، أو بعض الأئمة المطلعين، أو كان صدور ذلك منه ﷺ قولاً أو فعلاً مستحيلاً، والكل ههنا منتف. وأما أحاديث الإثبات فلا تكون فرينة على الإدراج؛ لأنها ضعيفة، والضعيف لا يعل به الصحيح، أو صحيحة لكنها مرجوحة، والمرجوح لا يعل به الراجح؛ فتوهم كونه مدرجاً مردود على من توهمه. وأما دعوى شذوذه فهي أيضاً باطلة لأن تعريف الشاذ المصطلح الذي عليه المحققون هو: ما رواه المقبول مخالفاً لرواية من هو أولى منه، ولا شك أن رواية النفي أصح وأقوى وأرجح لكونها مخرجة في الصحيحين، وأيضاً لها شاهدان صحيحان من حديث علي عند الترمذي، ومن حديث أبي موسى عند الدارقطني، وعلى هذا فالشاذ والمرجوح إنما هي رواية الإثبات لا رواية النفي؛ فترد الأولى لكونها شاذة مرجوحة، وتقبل الثانية لكونها محفوظة راجحة. وقد تحقق عند هذا البعض أيضاً ضعف دعوى الإدراج والشذوذ وبطلانها حيث قال بعد ذلك: اللهم إلا أن يقال: إنها أي روايات الإثبات محمولة على أول الزمان، ثم نسخ الرفع تدريجاً-انتهى. قلت: هذه الروايات مخالفة لما رواه الشيخان وغيرهما فترد لكونها مرجوحة، وأيضاً التاريخ غير معلوم، ولا يثبت النسخ بالادعاء والاحتمال، فما بنى عليه ورتب من دعوى تدرج النسخ لا يلتفت إليه. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك وأحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. وفي الباب عن جماعة كثيرة من الصحابة. قال الشافعي: روى الرفع
стр. 968
٨٠٠- (٥) وعن نافع ((أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه،
وإذا قال: سمع الله لمن حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه. ورفع ذلك ابن عمر
إلى النبي ﷺ ))
ــ
جمع من الصحابة، لعله لم يرو قط حديث بعدد أكثر منهم. وذكر البخاري: من زعم أن رفع اليدين بدعة فقد طعن في الصحابة؛ فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركه. قال: ولا أسانيد أصح من أسانيد الرفع. وذكر أيضاً: أن رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه رواه سبعة عشر رجلاً من الصحابة. وذكر الحاكم وأبوالقاسم بن مندة ممن رواه العشرة المبشرة. وقال الحافظ العراقي في تقريب الأسانيد: واعلم أنه قد روي رفع اليدين من حديث خمسين من الصحابة منهم العشرة. انظر طرح التثريب (ج٢: ص٢٥٤) . وسرد البيهقي في السنن وفي الخلافيات أسماء من روى الرفع عن نحو من ثلاثين صحابياً، وقال: سمعت الحاكم يقول: اتفق على رواية هذه السنة العشرة المشهود لهم بالجنة ومن بعدهم من أكابر الصحابة. قال البيهقي: وهو كما قال. وقال السيوطي في "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة": إن حديث الرفع متواتر عن النبي ﷺ ، أخرجه الشيخان عن ابن عمر، ومالك بن الحويرث. ومسلم عن وائل بن حجر، والأربعة عن علي. وأبوداود عن سهل بن سعد، وابن الزبير، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة، وأبي أسيد، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وابن ماجه عن أنس، وجابر، وعمير الليثي. وأحمد عن الحكم بن عمير. والبيهقي عن أبي بكر والبراء. والدارقطني عن عمر، وأبي موسى. والطبراني عن عقبة بن عامر، ومعاذ بن جبل.
٨٠٠- قوله: (وعن نافع: أن ابن عمر كان) الخ. الرواية السابقة كانت من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر، وهذه الثانية من طريق نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر. والفرق بين الروايتين أن سالماً اقتصر على رواية المرفوع، ولم يختلف عليه أصحابه في الرفع بخلاف نافع، فإنه رواه موقوفاً ثم عقبه بالمرفوع، واختلف عليه أصحابه في الرفع والوقف كما تقدم مفصلاً، ولم يكن عند البخاري هذا الاختلاف قادحاً في صحة رواية نافع المرفوعة، ولذلك أدخلها في صحيحه، وذكر لها شاهدين كما أسلفنا، وحكى الدارقطني في العلل الاختلاف في وقفه ورفعه، وقال: الأشبه بالصواب قول عبد الأعلى، وارجع إلى نصب الراية (ج١: ص٤٠٨) وذكر المصنف هذه الرواية لأن فيها زيادة الرفع في موطن رابع، وهي زيادة العدل الثقة فيجب قبولها. (إذا دخل) أي أراد الدخول (كبر) للتحريمة (ورفع يديه) حذو منكبيه. (وإذا قام من الركعتين) أي من الأوليين بعد التشهد الأول. (ورفع ذلك) أي أسند وأضاف رفع اليدين في هذه المواضع الأربعة (ابن عمر إلى النبي ﷺ ) أي قال: إنه فعل ذلك، والمرفوع عندهم ما أضيف إلى النبي ﷺ -
стр. 969
رواه البخاري.
٨٠١- (٦) وعن مالك بن الحويرث، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا كبر رفع يديه حتى يحاذى بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك.
ــ
خاصة من قول أو فعل أو تقرير سواء كان متصلاً أو منقطعاً بسقوط الصحابي منه أو غيره. والمسند على المعتمد هو ما اتصل سنده من راويه إلى منتهاه مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، والمتصل ويسمى الموصول هو ما اتصل سنده سواء كان مرفوعاً إليه ﷺ أو موقوفاً، فالمسند متصل مرفوع، والمتصل قد يكون مرفوعاً وغير مرفوع، والمرفوع قد يكون متصلاً وغير متصل. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أبوداود، كلاهما من طريق عبد الأعلى عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. وكما رفع هذا الحديث عبد الأعلى عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، كذلك رفعه عبد الوهاب الثقفي ومعتمر عن عبيد الله، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، كما أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين، وفيه هذه الزيادة أي زيادة الرفع عند القيام من الركعتين، وقد توبع نافع على ذلك عن ابن عمر، وهو فيما رواه أبوداود، وصححه البخاري في الجزء المذكور من طريق محارب بن دثار عن ابن عمر، قال: "كان النبي ﷺ إذا قام في الركعتين كبر ورفع يديه"، وله شواهد: منها حديث أبي حميد، وحديث علي بن أبي طالب، أخرجهما أبوداود، وصححهما ابن خزيمة وابن حبان. وقال البخاري في جزء الرفع: ما زاده ابن عمر وعلي وأبوحميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح؛ لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم.
٨٠١- قوله: (إذا كبر) أي عند التحريمة، أي شرع في تكبيره (رفع يديه) أي شرع في رفعهما (حتى يحاذي بهما أذنيه) هذا الظاهر مخالف لما تقدم من حديث ابن عمر عند الشيخين، وحديث أبي حميد عند البخاري، فذهب بعضهم إلى ترجيح الثاني لكونه متفقاً عليه بخلاف الأول، فإنه من أفراد مسلم كما سيأتي، وذهب آخرون إلى الجمع فقالوا: يرفع يديه حذو منكبيه بحيث يحاذى أطراف أصابعه أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمة أذنيه، وظهر كفيه منكبيه، وهو جمع حسن، فمعنى قوله: "حتى يحاذي بهما" أي بطرف إبهاميه. "أذنيه" شحمة أذنيه. ومعنى قوله الآتي: "حتى يحاذي بهما" أي بأعلى أصابعه وأطراف أنامله "فروع أذنيه" أي أعليهما؛ لأن فرع كل شيء أعلاه. (وإذا رفع رأسه من الركوع فقال:) عطف على رفع (سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك) أي فعل رسول الله ﷺ مثل ما فعل عند التكبير. كذا في النسخ الموجودة للمشكاة عندنا بدون ذكر رفع اليدين عند الركوع. وفي مسلم زاد قبل هذا: "وإذا
стр. 970
ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه". وكذا وقع ذكر الرفع عند الركوع عند البخاري والنسائي وأبي داود وابن ماجه. وفي المصابيح: "فلا أدري سقوط هذا في نسخ المشكاة من المصنف أو من النساخ". واعلم أن حديث مالك هذا دليل واضح على تأخر الرفع عند الركوع والرفع منه، وبقاءه، وبطلان دعوى نسخه، وذلك من وجوه: الأول: أن مالك بن الحويرث وأصحابه قدموا المدينة قبل غزوة تبوك حينما كان رسول الله ﷺ يجهز ويتأهب لها، وكانت وقعة تبوك في رجب سنة تسع، وقد نزل قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [٢، ١: ٢٣] قبل قدوم مالك ورفقائه المدينة. والخشوع السكون، قال في فتح البيان: الخشوع في اللغة السكون والتواضع. وقال ابن عباس: "خاشعون" ساكنون. وهذا يدل على أن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه ليس منافياً للخشوع والسكون، وأن الرفع الذي هو مناف للسكون ومخالف له هو شيء آخر غير ذلك الرفع المتنازع فيه، وأن المراد بالسكون في قوله: "اسكنوا في الصلاة" في حديث جابر هو السكون عن الرفع عند السلام اعتباراً للسبب، وعن الأفعال التي ليست من أعمال الصلاة اعتباراً لعموم اللفظ، لا عن الرفع عند الركوع وعند رفع الرأس منه، فعمله ﷺ بالرفع بعد نزول قوله: ﴿خاشعون﴾ دليل على بقائه وعدم نسخه؛ لكونه غير مناف للسكون والخشوع. قال السندي في حاشية النسائي: مالك بن الحويرث ووائل بن حجر ممن صلى مع النبي ﷺ آخر عمره، فروايتهما الرفع عند الركوع والرفع منه دليل على بقائه، وبطلان دعوى نسخه. كيف وقد روى مالك هذا جلسة الاستراحة فحملوها على أنها كانت في آخر عمره في سن الكبر، فهي ليس مما فعلها النبي ﷺ قصداً فلا تكون سنة، وهذا يقتضي أن يكون الرفع الذي رواه ثابتاً لا منسوخاً لكونه في آخر عمره عندهم، فالقول بأنه منسوخ قريب من التناقض، وقد قال ﷺ لمالك هذا وأصحابه: "صلوا كما رأيتموني أصلي" –انتهى. وقال في حاشية ابن ماجه مثل ذلك، وزاد: فإن كان هناك نسخ فينبغي أن يكون المنسوخ ترك الرفع. والثاني: أن مالك بن الحويرث الذي روى هذا الحديث قد كان يرفع يديه بعده ﷺ عملاً بما رأى وشاهد منه ﷺ ، وبقوله ﷺ له ولرفقائه: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فإن الرفع داخل في هذا العموم. روى البخاري في صحيحه عن أبي قلابة: أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدث أن رسول الله ﷺ صنع هكذا، فرفع مالك يديه في صلاته بعده ﷺ عملاً بما رأى منه وبما أمره به يدل على عدم نسخه. والثالث: أن مالكاً قدم المدينة عام تبوك، وقد حكى ما رأى وشاهد من النبي ﷺ من الرفع في صلاته، وهذا صريح في عدم وقوع النسخ قبل ذلك، وقد بقي ﷺ حياً بعد تبوك قريباً من عشرين شهراً، ولم ينقل أنه ترك الرفع في هذه المدة ولو مرة لا بسند صحيح ولا ضعيف، والأصل في الأشياء بعد وجودها ثبوتها وبقاؤها لا عدمها؛ لأن عدم نقل الترك في مثل هذه المواقع بمنزلة نقل عدم
стр. 971
وفي رواية: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه)) متفق عليه.
٨٠٢- (٧) وعنه: ((أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي
قاعداً)) .
ــ
الترك كما هو مقرر في موضعه، فلا بد لمن يدعى النسخ أن يأتي بدليل صريح في ترك الرفع في هذه المدة ولو مرة، ولو بسند ضعيف ودونه خرط القتاد، وقلل الجبال. (وفي رواية: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) تقدم معناه، وهذه الرواية من أفراد مسلم، وكذا قوله: "حتى يحاذي بهما أذنيه" من أفراد مسلم، ففي قوله: (متفق عليه) نظر، وقد وهم المحب الطبري أيضاً فعزاه للمتفق، نعم أصل الحديث متفق عليه، وقد أخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
٨٠٢- قوله: (فإذا كان في وتر) أي فرد (من صلاته) المراد بالوتر الركعة الأولى، والثالثة من الرباعيات (لم ينهض) للقيام (حتى يستوي قاعداً) للاستراحة يعني يجلس للاستراحة ثم يقوم، وهذا دليل صريح على مشروعية جلسة الاستراحة وسنيتها. قال الحافظ: وأخذ بها الشافعي، وطائفة من أهل الحديث، وعن أحمد روايتان، وذكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بها، ولم يستحبها الأكثر– انتهى. وكذا صرح برجوع أحمد إلى القول بها نقلاً عن الخلال في المغني، والشرح الكبير، وزاد المعاد وغير ذلك من كتب الحنابلة وغيرهم، فلا شك في أن آخر قولي أحمد هو أن يجلس للاستراحة، وقال مالك وأبوحنيفة بتركها. والاختلاف في الأفضلية لا في الجواز. قال في رد المحتار: قال شمس الأئمة الحلوائي: الخلاف في الأفضلية حتى لو فعل كما هو مذهبنا لا بأس به عند الشافعي، ولو فعل كما هو مذهبه لا بأس به عندنا- انتهى. والحق ما ذهب إليه الشافعي وأحمد، يدل عليه حديث مالك هذا، وهو حديث صحيح، وأحاديث أخرى، منها: حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، وهو أول أحاديث الفصل الأول من هذا الباب، وقد ورد فيه الأمر بجلسة الاستراحة. ومنها حديث أبي حميد الآتي، وهو أول أحاديث الفصل الثاني. قال ابن قدامة في المغني بعد ذكر حديث مالك هذا: وذكره أيضاً أبوحميد في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، وهو حديث حسن صحيح، فيتعين العمل به والمصير إليه – انتهى. ومنها حديث ابن عباس الآتي في صلاة التسبيح، وهو حديث حسن أو صحيح لغيره. ومن لا يقول بجلسة الاستراحة اعتذار عن حديث مالك بن الحويرث بأعذار كلها واهية، فمنها: أنه محمول على حال الكبر، فعلها ﷺ في آخر عمره حين ثقل وبدن، ولم يفعل قصداً، والسنة ما فعل قصداً لا ما فعله بسبب آخر. ورده السندي بأنه أورد عليه قوله ﷺ لمالك وأصحابه: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وأقل ذلك أن يكون مستحباً، وأيضاً قد جاء الأمر بها في بعض روايات الأعرابي المسيء صلاته- انتهى. ورده صاحب البحر الرائق أيضاً حيث قال: يرد عليه بأن هذا الحمل يحتاج إلى دليل، وقد قال ﵊: "صلوا كما رأيتموني أصلي"- انتهى. وقال الحافظ في الدراية: هذا تأويل يحتاج إلى دليل، فقد قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث لما أراد أن يفارقه: "صلوا كما رأيتموني
стр. 972
أصلي"، ولم يفصل له، فالحديث حجة في الإقتداء به في ذلك- انتهى. قلت: ويرده أيضاً حديث أبي حميد الآتي فإن في آخره: "قالوا: صدقت هكذا كان يصلي"، فلم يفصل أحد أن هذه الجلسة كانت في آخر عمره حين ثقل. ومنها أن حديث أبي حميد حال عن جلسة الاستراحة، فقد رواه الطحاوي بلفظ: "فقام ولم يتورك" وأخرجه أبوداود أيضاً كذلك، فلما تخالفا احتمل أن يكون ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به، فقعد لأجلها لا أن ذلك من سنة الصلاة. والجواب عنه أن الأصل عدم العلة، وأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فحكاياته لصفات صلاة رسول الله ﷺ داخله تحت هذا الأمر، ولم تتفق الروايات عن أبي حميد على نفي هذه الجلسة؛ بل أخرجه أبوداود أيضاً من وجه آخر عنه بإثباتها. وكذا أخرجه الترمذي في جامعه بإثباتها، والمثبت مقدم على النافي. ومنها أنها لو كانت سنة لشرع لها ذكر مخصوص. والجواب عنه أنها جلسة خفيفة جداً استغنى فيها بالتكبير المشروع للقيام، فإنها من جملة النهوض إلى القيام. ومنها أنها لو كانت سنة لذكرها كل من وصف صلاته ﷺ . والجواب عنه أن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف صلاته، إنما أخذ مجموعها من مجموعهم. ومنها أن عمل أكابر الصحابة الذين كانوا أقرب إلى رسول الله ﷺ وأشد اقتفاء لأثره وألزم لصحبته من مالك بن الحويرث كعلي، وابن مسعود، وعمر، على خلاف ما قال مالك، فوجب تقديمه، وحمل ما رواه على حالة عارضة اقتضت تلك الجلسة، وليس في روايته ما يدل على مواظبته عليها لتكون قرينة على السنة. والجواب عنه أن الأصل عدم عروض تلك الحالة، والحمل عليها يحتاج إلى دليل، وقد قال ﷺ لمالك وأصحابه: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وأقل ذلك أن يكون مستحباً كما قال السندي. ولم يثبت عن أحد من الصحابة تركها بسند صحيح غير ابن مسعود، ومتابعة السنة أولى. وليس بعد الحديث قول لأحد كائناً من كان. وأيضاً ترك من ترك من الصحابة على تقدير ثبوته عنه لا يقدح في سنيتها؛ لأن ترك ما ليس بواجب جائز، وأمره النبي ﷺ مالك بن الحويرث وأصحابه بإقتداء به بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، واختيار مالك بن الحويرث بعده ﷺ جلسة استراحة عملاً بهذا الأمر قرينة واضحة على مواظبته عليها وبقائها، وعلى سنيتها، وإستحبابها. واحتج هؤلاء على ترك جلسة الاستراحة بأحاديث: منها حديث أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه، أخرجه الترمذي. والجواب عنه أنه حديث ضعيف جداً لا يقوم بمثله الحجة؛ فإن في سنده خالد بن إلياس وهو متروك. قاله أحمد والنسائي. وقال البخاري وابن معين: ليس بشيء. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات حتى يسبق إلى القلب أنه الواضع لها، لا يكتب حديثه إلا على جهة التعجب. وفيه أيضاً صالح مولى التوأمة وقد اختلط بآخره، وخالد لا يعرف متى أخذ عنه. ومنها حديث أبي مالك الأشعري أنه جمع قومه فقال: يا معشر الأشعريين! اجتمعوا وأجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي ﷺ الحديث.
стр. 973
رواه البخاري.
٨٠٣- (٨) وعن وائل بن حجر: ((أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة، كبر
ــ
وفيه: ثم كبر وخر ساجداً، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد، ثم كبر فانتهض قائماً-الحديث أخرجه أحمد. والجواب عنه أن في إسناده شهر بن حوشب، وهو كثير الإرسال والأوهام كما في التقريب، ثم هذا الحديث ليس فيه تصريح بنفي جلسة الاستراحة، ولو سلم فهو إنما يدل على نفي وجوبها لا على نفي سنيتها؛ لأن الترك في بعض الأحيان إنما ينافي وجوبها لا القول بسنيتها. ومنها حديث وائل بن حجر عند البزار بلفظ: "كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائماً"، والجواب عنه: أن حديث وائل هذا قد ذكره النووي في الخلاصة في فصل الضعيف، ثم إنه يدل على تسليم كونه صريحاً في نفي تلك الجلسة على نفي وجوبها فقط لا على نفي سنيتها. واحتجوا أيضاً بآثار بعض الصحابة، وهي على تقدير ثبوتها لا تقدح في سنيتها؛ لأن الترك ينافي الوجوب لا السنية، فإن ترك ما ليس بواجب جائز. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي، وأبوداود، والنسائي.
٨٠٣- قوله: (وعن وائل بن حجر) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء، ابن سعد بن مسروق الحضرمي، أبوهنيدة ويقال: أبوهند، صحابي جليل: وكان قيلا من أقيال حضر موت، وكان أبوه من ملوكهم، ووفد هو على رسول الله ﷺ فأسلم، ويقال إنه بشر به رسول الله ﷺ أصحابه قبل قدومه، وقال: يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضر موت طائعاً راغباً في الله ورسوله، وهو بقية أبناء الملوك، فلما دخل عليه رحب به، وأدناه من نفسه، وقرب مجلسه، وبسط له رداءه فأجلسه عليه مع نفسه على مقعده. وقيل: أصعده معه على المنبر، وقال: اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده. واستعمله النبي ﷺ على أقيال من حضر موت، وكتب معه ثلاثة كتب، منها كتاب إلى المهاجرين أبي أمية، وكتاب إلى الأقيال والعباهلة، وأقطعه أرضاً، وبعث معه معاوية بن أبي سفيان ليتسلمها، فقال له معاوية أردفني، فقال وائل: لست من أرداف الملوك. وعاش وائل حتى ولى معاوية الخليفة، فقصده وائل فتلقاه معاوية وأكرمه، فقال وائل: وددت أني حملته ذلك اليوم بين يدي. سكن وائل الكوفة وعقبه بها، ومات في ولاية معاوية. له أحد وسبعون حديثاً، انفرد له مسلم بستة، روى عنه ابناه علقمة وعبد الجبار، ومولى لهم، وأم يحيى زوجته وغيرهم، ولم يسمع عبد الجبار من أبيه. (رأى النبي ﷺ رفع يديه) حال، أي نظر إلى النبي ﷺ رافعاً يديه (حين دخل في الصلاة كبر) قال الطيبي: كبر بالواو في بعض نسخ المصابيح وبدونها في صحيح مسلم، وكتاب الحميدي، وجامع الأصول، فعلى الأول عطف على "دخل"، وعلى الثاني إما حال بتقدير "قد" أو بيان لدخل، أو بدل منه، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون حالاً و"قد" مقدرة، وأن يراد بالدخول الشروع فيها والعزم عليها بالقلب فيوافق معنى العطف،
стр. 974
ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما وكبر فركع، فلما قال: "سمع الله لمن حمده" رفع يديه، فلما سجد، سجد بين كفيه،
ــ
ويلزم منه المواطأة بين اللسان والقلب، وثانيهما: أن يكون" كبر" بياناً لقوله: "دخل في الصلاة"، ويراد بالدخول افتتاحها بالتكبير، ونحوه في البيان قوله تعالى: ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد﴾ [٢٠: ١٢٠] أو بدلاً منه كقول الشاعر:
ارحل لا تقيمن عندنا
فعلى الأول يلزم اقتران النية بالتكبير- انتهى. (ثم التحف بثوبه) أي تستر به. قال ابن حجر: يحتمل أنه بعد تكبيرة الإحرام سقط ثوبه عن كتفه فأعاده، ويحتمل أنه كان نسيه ثم تذكره بعد إحرامه فأخذه والتحف به. قلت: ويحتمل أنه كان وضع ثوبه أي رداءه على كتفه قبل الدخول في الصلاة لكن بدون التحاف وتوشح بل سدلاً وإرسالاً، ثم التحف به، وتوشح بعد الدخول في الصلاة بالتكبير، وهذا هو الأقرب. (ثم وضع يده اليمنى على اليسرى) ورواه ابن خزيمة في صحيحه بلفظ: "وضع يده اليمنى على صدره"، وسيأتي الكلام في مسألة محل وضع اليدين وكيفية الوضع مفصلاً إن شاء الله. (فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب) فيه استحباب كشف اليدين عند الرفع (فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه) أي لما شرع في قوله ذلك شرع في رفعهما كما علم من الروايات السابقة، واستفيد منه أن "سمع الله لمن حمده" ذكر الرفع والانتقال من الركوع إلى الاعتدال. (فلما سجد سجد بين كفيه) أي محاذيين لرأسه، قاله القاري. وقال ابن الملك: أي وضع كفيه بإزاء منكبيه في السجود. قال القاري: وفيه أن إزاء المنكبين لا يفهم من الحديث. قلت: في رواية عاصم بن كليب عن وائل بن حجر عند النسائي: "ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه"، وفي رواية أبي داود: "فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه"، يعني وضع يديه حذاء أذنيه. وهذه الرواية تدل على مشروعية وضع الكفين حذو الأذنين، وحديث أبي حميد الآتي بلفظ: "وضع كفيه حذو منكبيه" يدل على مشروعية وضع الكفين في السجود حذو المنكبين، فجنح بعضهم إلى ترجيح ما في رواية مسلم والنسائي، وحمل حديث أبي حميد على بيان الجواز، وعكس آخرون. وقال بعضهم: إن المصلي مخير بين أن يضع كفيه حذو منكبيه، وبين أن يضع حذاء رأسه وجبهته حملاً للأحاديث على أوقات مختلفة. واختار بعضهم الجمع بما تقدم في مقدار الرفع، والله أعلم. تنبيه: حديث وائل بن حجر هذا دليل واضح على تأخر الرفع وبقائه، وبطلان دعوى نسخه؛ لأن وائلاً متأخر الإسلام جداً. قال العيني في شرح البخاري (ج ٣: ص٩) : وائل بن حجر أسلم في المدينة سنة تسع من الهجرة- انتهى. وقال السندي: وائل بن حجر ممن صلى مع النبي ﷺ آخر عمره، فروايته الرفع عند الركوع والرفع منه دليل على بقائه وبطلان دعوى نسخه – انتهى.
стр. 975
واعلم أن إبراهيم النخعي لما سمع حديث وائل هذا من عمرو بن مرة الجملي المرادي وغيره قال استبعاداً: ما أرى وائلاً رأى رسول الله ﷺ إلا ذلك اليوم فحفظ عنه، وعبد الله بن مسعود لم يحفظ. إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. أخرجه الدارقطني والبيهقي والطحاوي، وأخرجه أبويعلى في مسنده بلفظ: "أحفظ وائل ونسى ابن مسعود؟ " وفي رواية للطحاوي: قال إبراهيم: فإن كان وائل رآه مرة يرفع فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يرفع- انتهى. ذكر هذا الكلام كله الشيخ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد (ص ٩١) نقلاً عن نصب الراية، ثم قال رداً على النخعي: وههنا أبحاث، الأول: ما قاله البيهقي في كتاب المعرفة عن الشافعي أنه قال: الأولى أن يؤخذ بقول وائل؛ لأنه صحابي جليل فكيف يرد حديثه بقول رجل ممن هو دونه. والثاني: ما قاله البخاري في رسالة رفع اليدين: إن كلام إبراهيم هذا ظن منه، لا يرفع به رواية وائل، بل أخبر أنه رأى النبي ﷺ يصلي فرفع يديه، وكذلك رأى أصحابه غير مرة يرفعون أيديهم، كما بينه زائدة، فقال: نا عاصم: نا أبى عن وائل بن حجر، أنه رأى النبي ﷺ يصلي فرفع يديه في الركوع، وفي الرفع منه، قال: ثم أتيتهم بعد ذلك فرأيت الناس في زمان برد، عليهم جل الثياب تتحرك أيديهم من تحت الثياب. والثالث: ما نقله الزيلعي عن الفقية أبي بكر بن إسحاق أنه قال: ما ذكره إبراهيم علة لا يساوي سماعها؛ لأن رفع اليدين قد صح عن النبي ﷺ ، ثم عن الخلفاء الراشدين، ثم عن الصحابة والتابعين، وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب، فقد نسى من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعد وهي المعوذتان، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق، ونسي كيف قيام الاثنين خلف الإمام، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه أن النبي ﷺ صلى الصبح يوم النحر في وقتها، ونسي كيفية جمع النبي ﷺ بعرفة، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود، ونسي كيف كان يقرأ النبي ﷺ ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ [٩٢: ٣] . وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين؟. والرابع: أن وائلاً ليس بمتفرد في رواية الرفع عن النبي ﷺ ، بل اشترك معه جمع كثير كما مر ذكره سابقاً، بل ليس في الصحابة من روى ترك الرفع فقط إلا ابن مسعود، وأما من عداه فمنهم من لم ترو عنه إلا رواية الرفع، ومنهم من روى عنه حديث الرفع وتركه كليهما كابن عمر، والبراء إلا أن أسانيد رواية الرفع أوثق وأثبت، فعند ذلك لو عورض كلام إبراهيم بأنه يستبعد أن يكون ترك الرفع حفظ ابن مسعود فقط، ولم يحفظ من عداه من أجلة الصحابة الذين كانوا مصاحبين لرسول الله ﷺ مثل مصاحبة ابن مسعود أو أكثر لكان له وجه. والخامس: أنه لا يلزم من ترك ابن مسعود وأصحابه عدم ثبوت رواية وائل، فيجوز أن يكون تركهم؛ لأنهم رأوا الرفع غير لازم، لا لأنه غير ثابت، أو لأنهم رجحوا أحد الفعلين الثابتين عن رسول الله ﷺ الرفع والترك فداموا عليه، وتركوا الآخر، ولا يلزم منه بطلان الآخر. والسادس: أنه قد أخذ ابن مسعود بالتطبيق في الركوع، وداوم عليه أصحابه، وكذلك أخذوا بقيام الإمام في الوسط إذا
стр. 976
رواه مسلم.
٨٠٤- (٩) وعن سهل بن سعد، قال: كان الناس يؤمرون
ــ
كان من يقتدي به اثنين مع ثبوت ترك ذلك عن النبي ﷺ ، وعن جمهور أصحابه بعده بأسانيد صحاح، فلم لا يعتبر فعل ابن مسعود في هذين الأمرين وأمثال ذلك؟. فما هو الجواب هناك هو الجواب ههنا. والإنصاف في هذا المقام أنه لا سبيل إلى رد روايات الرفع برواية ابن مسعود وفعله وأصحابه، ولا إلى دعوى نسخ الرفع ما لم يثبت ذلك بنص عن الشارع- انتهى. باختصار يسير. (رواه مسلم) من طريق عبد الجبار بن وائل عن علقمة ومولى لهم أنهما أخبراه عن أبيه وائل بن حجر، وهو إسناد صحيح متصل، ووهم من قال: إن علقمة لم يسمع من أبيه. قال الترمذي: علقمة بن وائل سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه- انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه وابن حبان وابن خزيمة.
٨٠٤- قوله: (كان الناس) أي في زمان رسول الله ﷺ (يؤمرون) قال الحافظ: هذا حكمه الرفع؛ لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي ﷺ . قال البيهقي: لا خلاف في ذلك في ذلك بين أهل النقل. وقال النووي في شرح مسلم: هذا حديث صحيح مرفوع. وقال السيوطي في التدريب (ص ٦٢) : قول الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا وما أشبهه كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور. قال ابن الصلاح: لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهر إلى من له الأمر والنهي ومن يجب اتباع سنته، وهو رسول الله ﷺ . وقال غيره: لأن مقصود الصحابي بيان الشرع لا اللغة ولا العادة، الشرع يتلقى من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا يصح أن يريد أمر الكتاب لكون ما في الكتاب مشهوراً يعرفه الناس، ولا الإجماع لأن المتكلم بهذا من أهل الإجماع، ويستحيل أمره نفسه، ولا القياس إذ لا أمر فيه، فتعين كون المراد أمر رسول الله ﷺ . وقيل: ليس بمرفوع لاحتمال أن يكون الآمر غيره كأمر القرآن أو الإجماع أو بعض الخلفاء أو الاستنباط. وأجيب ببُعد ذلك مع أن الأصل الأول- انتهى. قال الجمال القاسمي: واحتمال أن يكون الآمر غيره بعيد، وإن كنا لا ننكر أن إطلاق ذلك يصدق مع الواسطة، ولكن العادة أن من له رئيس معظم فقال: "أمرنا بكذا" فإنما يريد أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك. ورسول الله ﷺ هو عظيم الصحابة، ومرجعهم، والمشار إليه في أقوالهم وأفعالهم، فتصرف إطلاقاتهم إليه ﷺ . وما قيل: إن الفاعل إذا حذف احتمل النبي ﷺ وغيره فلا نثبت شرعاً بالشك. فجوابه أن ظاهر الحال صارف للنبي ﷺ كما تقدم تقريره. قال: ومما يؤيد أن ذلك في حكم الرفع ما رواه الشيخان عن أبي موسى في قصة إستئذانه على عمر، ولفظ البخاري عن أبي موسى قال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي، فكأنه كان مشغولاً، فرجعت، ففرغ عمر، فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ إيذنوا له. قيل: قد رجع. فدعاني، فقلت: كنا نؤمر بذلك, فقال: لتأتيني على ذلك بالبينة، فانطلقت إلى مجلس الأنصار فسألتهم
стр. 977
أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى
ــ
فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبوسعيد الخدري، فذهبت بأبي سعيد الخدري، فقال عمر: أخفى على هذا من أمر رسول الله ﷺ ، ألهاني الصفق بالأسواق، يعني الخروج إلى التجارة. زاد مالك في الموطأ، فقال عمر لأبي موسى: أما إني أتهمك، ولكن خشيت أن يتقوّل الناس على رسول الله ﷺ . قال الشراح: وحينئذٍ فلا دلالة في طلبه البينة على أنه لا يحتج بخبر الواحد، بل أراد سد الباب خوفاً من غير أبي موسى أن يخلق كذباً على رسول الله ﷺ عند الرغبة والرهبة. وقالوا: في الحديث أن قول الصحابي "كنا نؤمر بكذا" له حكم الرفع-انتهى. وأما قول بعضهم: إن كان مرفوعاً فلم لا يقولون فيه "قال رسول الله؟. فجوابه أنهم تركوا الجزم بذلك تورعاً واحتياطاً. وقيل: هو من التفنن في تبليغ الهدي النبوي، لا سيما وقد يكون الحكم الذي قيل فيه "أمرنا" أو "من السنة" من سنن الأفعال لا الأقوال. وقد يقولون ذلك إيجازًا أو لضيق المقام أو لغير ذلك. (أن) أي بأن (يضع الرجل) أي والمرأة تابعة له. وكان الأصل أن يقول "يضعون" فوضع المظهر موضع المضمر. قال الطيبي: في وضع الرجل موضع ضمير الناس تنبيه على أن القائم بين يدي الملك الجبار ينبغي أن لا يهمل شريطة الأدب، بل يضع يده على يده ويطأطأ رأسه كما يصنع بين يدي الملوك، نقله ميرك وكتب تحته: "وفيه ما فيه"، يعني وفيه أن هذه النكتة لمطلق الوضع لا لذكر الرجل موضع ضمير الناس، ولعله أراد أن لا يقوم بهذا الأدب إلا من اجتمعت فيه صفات الرجولية الكاملة لا لتخصيص الحكم به؛ لأن الناس يعمه ما لم يقم دليل خروجه، كذا في المرقاة. (اليد اليمنى على ذراعه اليسرى) الذراع-بكسر الذال- من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، والساعد مؤنثة فيهما وقد تذكر. أبهم سهل بن سعد موضعه من الذراع. قال الشوكاني: وقد بينه حديث وائل عند أحمد وأبي داود والنسائي بلفظ: "ثم وضع يد اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد"، وصححه ابن خزيمة وغيره، وأصله في مسلم بدون الزيادة. والرسغ - بضم الراء وسكون السين بعدها معجمة- هو المفصل بين الكف والساعد. والمراد أنه وضع يده اليمنى بحيث صار وسط كفه اليمنى على الرسغ، ويلزم منه أن يكون بعضها على الكف اليسرى، والبعض على الساعد. قال بعضهم: ورد في بعض الأحاديث ذكر وضع اليد على اليد كما في رواية وائل عند مسلم، وفي بعضها ذكر وضع اليد على الذراع كما في حديث سهل بن سعد، وفي البعض أخذ الشمال والقبض عليها باليمين، كما روى النسائي من حديث وائل قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله. وروى الترمذي وابن ماجه من حديث قبيصة بن هلّب عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه. وورد في رواية أحمد وأبي داود من حديث وائل: "وضع اليمنى على الكف اليسرى والرسغ والساعد". فالسنة أن يجمع بين الوضع والقبض جمعًا بين هذه الأحاديث، وكيفية الجمع أن يضع الكف اليمنى على الكف
стр. 978
اليسرى ويحلق الإبهام والخنصر على الرسغ ويبسط الأصابع الثلاث على الذراع، فيصدق أنه وضع اليد على اليد وعلى الذراع، وأنه أخذ شماله وقبض عليها بيمينه. قلت: لا حاجة إلى هذا التكلف للتوفيق والجمع لكون التوفيق فرع التعارض، ولا يظهر التعارض أصلاً؛ لأنه لا تناقض بين الأفعال المختلفة لجواز وقوع الكل في أوقات مختلفة، على أن حديث سهل بن سعد حديث قولي أخرجه مالك وأحمد والبخاري، وهو أيضاً أصح ما ورد في ذلك فهو أولى بالعمل. واعلم أنه لم يرد في رواية وضع الذراع على الذراع، فما يفعله بعض العوام من وضع الذراع على الذراع بحيث أنه يضعون الكف اليمنى على مرفق اليد اليسرى أو قريباً منه، ثم يأخذونه بأصابع اليد اليمنى هو مما لا أصل له. تنبيه: لم يذكر سهل ابن سعد في حديثه محل وضع اليدين من الجسد، وهو عندنا على الصدر لما ورد في ذلك من أحاديث صريحة قوية. فمنها حديث وائل بن حجر قال: "صليت مع النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره"، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ذكره الحافظ في بلوغ المرام والدراية والتخليص وفتح الباري. والنووي في الخلاصة وشرح المهذب وشرح مسلم للاحتجاج به على ما ذهبت إليه الشافعية من وضع اليدين على الصدر، وذكرهما هذا الحديث في معرض الاحتجاج به، وسكوتهما عن الكلام فيه يدل على أن حديث وائل هذا عندهما صحيح أو حسن قابل للاحتجاج، لا سيما من الحافظ في الدراية والفتح، فإنه قال في الفتح في شرح حديث سهل بن سعد: لم يذكر أي سهل بن سعد محلهما من الجسد، وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل "أنه وضعهما على صدره"، والبزار "عند صدره"، وعند أحمد في حديث هلّب الطائي نحوه، وفي زيادات المسند من حديث علي "أنه وضعهما تحت السرة" وإسناده ضعيف-انتهى. فالظاهر من كلام الحافظ هذا أن حديث وائل هذا عند صحيح أو حسن؛ لأنه ذكر ههنا لتعيين محل وضع اليدين ثلاثة أحاديث: حديث وائل وحديث هلب وحديث علي، وضعف حديث علي إذ قال: إسناده ضعيف، وسكت عن حديث وائل وحديث هلب، فلو كانا هما أيضاً ضعيفين لصرح بذلك وبين ضعفهما، ولأنه ذكر في أوائل مقدمة الفتح في بيان دأبة في الشرح أنه يستخرج ما يتعلق به غرض صحيح في الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية، منتزعاً كل ذلك من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصحة والحسن فيما يورده من ذلك، فقوله هذا يدل على أن حديث وائل وكذا حديث هلب عنده صحيح أو حسن. وقد اعترف الشيخ محمد قائم السندي في رسالته فوز الكرام: أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة حيث قال فيها: الذي أعتقد أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة، وهو المبتادر من صنيع الحافظ في الإتحاف، والظاهر من قول ابن سيد الناس بعد ذكر حديث وائل في شرح جامع الترمذي: وصححه ابن خزيمة-انتهى. وقال ابن أمير الحاج في شرح المنية: إن الثابت من السنة وضع اليمين على الشمال، ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن إلا حديث وائل المذكور، وهكذا قال صاحب البحر الرائق، كذا في فتح الغفور للشيخ
стр. 979
محمد حيات السندي. وقال الشوكاني في النيل: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وصححه-انتهى. ومن يدعى أن الشوكاني لم ير صحيح ابن خزيمة ولم ينقل تصحيح ابن خزيمة لهذا الحديث من أصل الكتاب بل اشتبه عليه من قول ابن سيد الناس، أو ظن أن كل حديث أورده ابن خزيمة في صحيحه فقد صححه. وكذا من يدعى أن الحديث الذي ذكر تصحيحه ابن سيد الناس هو الذي ذكره الحافظ في الفتح بلفظ: "ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ من الساعد"، لا حديث وائل بزيادة "على صدره" فعليه البيان. وأما الادعاء المحض من غير إقامة برهان ودليل وإظهار قرينة فلا يلتفت إليه. والظاهر أن ابن خزيمة صحح الروايتين جميعاً، ذكر تصحيح إحداهما الحافظ في الفتح، وذكر تصحيح الرواية الثانية أي بزيادة "على صدره" ابن سيد الناس في شرح الترمذي والشوكاني في النيل، وسكوت النووي أو الحافظ عن ذكر تصحيح ابن خزيمة للرواية الثانية لا يدل على أن ابن خزيمة لم يصححها، فإن الحافظ لم يصرح بأنه التزم في تصانيفه أن يذكر تصحيح ابن خزيمة في كل حديث صرح ابن خزيمة بتصحيحه. وعدم ذكر مسلم هذه الزيادة في صحيحه لا يدل على كونها خطأ وغلطاً من الراوي، كما أن عدم ذكر من لم يذكر من الشيخين في صحيحه حديثاً أو زيادة اشتركاً في روايته من شيخ واحد بسند واحد لا يدل على كونه وهماً أو خطأ وغلطاً من الراوي عند من لم يذكره، وكذا عدم ذكر غيره ممن لم يذكرها من الرواة لا يدل على كونها شاذة، فإنها زيادة ثقة، وهي مقبولة إلا أن تقوم قرائن قوية ودلائل واضحة على كونها وهماً، أو حكم الأئمة النقاد على كونها غير محفوظة. ومنها حديث هلب الطائي قال: رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه ويساره، ورأيته يضع يده على صدره، ووصف يحيى بن سعيد القطان الراوي، اليمنى على اليسرى فوق المفصل. أخرجه أحمد في مسنده، ورواته كلهم ثقات، وإسناده متصل كما بينه شيخنا في شرح الترمذي. ومنها حديث طاووس قال: كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم يشد بينهما على صدره وهو في الصلاة. أخرجه أبوداود في المراسيل وإسناده حسن، والمرسل حجة عند الحنفية مطلقاً، وههنا قد اعتضد هذا المرسل بحديث وائل وحديث هلب الطائي المذكورين، فالاستدال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة صحيح. قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع. ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه، وفيه حفظ نور الإيمان في الصلاة، فكان أولى من إشارته إلى العورة بالوضع تحت السرة. قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي ﷺ فيه أي في وضع اليدين خلاف، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في الموطأ، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره. وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة. ومنهم من كره الإمساك. ونقل ابن حاجب أن ذلك حيث يمسك معتمداً لقصد الراحة، كذا
стр. 980
في الفتح. والذي ذكرنا من محل الوضع على الصدر هي إحدى الروايات الثلاث عن الشافعي، والمشهور المختار عند أصحابه، المذكور في أكثر متونهم وشروحهم هو أن يضعهما تحت الصدر فوق السرة. واستدل لذلك بما رواه أبوداود عن جرير الضبي قال: رأيت علياً يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. وإسناده صحيح أو حسن، لكنه فعل علي ﵁، ليس بمرفوع، ثم الظاهر أن المراد من قوله "فوق السرة" على مكان مرتفع من السرة أي على الصدر أو عند الصدر كما تقدم في حديث وائل، وفي حديث هلب، وفي حديث طاووس. واستدل لما ذهبت إليه الحنفية من أن الرجل يضع اليدين تحت السرة بأحاديث: منها حديث وائل أخرجه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن عمير، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال رأيت النبي ﷺ يضع يمينه على شماله تحت السرة. قال الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي: هذا سند جيد. وقال الشيخ أبوالطيب المدني في شرح الترمذي: هذا حديث قوي من حيث السند. وقال الشيخ محمد عابد السندي في طوالع الأنوار: رجاله ثقات. وفيه أن هذا الحديث وإن كان قوياً من حيث السند لكن من المعلوم أن صحة السند وقوته لا تستلزم صحة المتن وقوته، وههنا في ثبوت لفظ "تحت السرة" نظر بل هو غلط، فإن النسخ الصحيحة من المصنف لابن أبي شيبة خالية من هذه الزيادة في حديث وائل هذا، كما صرح بذلك الشيخ محمد حيات السندي في رسالته "فتح الغفور" (ص٦-٨) والشيخ محمد فاخر المحدث الإله آبادي في منظومته "نور السنة" وصاحب رسالة "الدرة في إظهار غش نقد الصرة" ويؤيدهم أن أحداً من أهل العلم ممن أكثروا النقل عن المصنف كابن عبد البر، والحافظ ابن حجر والسيوطي والعيني وابن أمير الحاج وغيرهم لم يذكروا هذا الحديث بهذه الزيادة، إلا القاسم بن قطلوبغا الحنفي. قال شيخنا في شرح الترمذي (ج١: ص٢١٤) : إسناد هذا الحديث وإن كان جيداً، لكن في ثبوت لفظ تحت السرة في هذا الحديث نظراً قوياً، ثم بين ذلك مفصلاً فعليك أن ترجع إليه، وإلى أبكار المنن أيضاً. ومنها حديث علي أخرجه أحمد وأبوداود، وابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن أبي جحيفة أن علياً قال: السنة وضع الكف على الكف تحت السرة. وفيه أن في سند هذا الحديث عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وعليه مدار هذا الحديث، وهو ضعيف لا يصلح للاحتجاج. قال البخاري: فيه نظر. وقال ابن حنبل وأبوحاتم: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال البيهقي: لا يثبت إسناده، تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو متروك. وقال النووي في الخلاصة وشرح مسلم: هو حديث متفق على تضعيفه، فإن عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف بالاتفاق، ذكره الزيلعي في نصب الراية (ج١: ص٣١٤) وقال ابن الهمام في التحرير: إذا قال البخاري للرجل: فيه نظر، فحديثه لا يحتج به، ولا يستشهد به، ولا يصلح للاعتبار- انتهى. فظهر بهذا كله أن حديث علي هذا لا يصلح للاحتجاج، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار. ثم حديث علي هذا منسوخ على طريق الحنفية. قال صاحب الدرة في إظهار غش نقد الصرة - وهو من العلماء الحنفية -: روى أبوداود عن جرير
стр. 981
في الصلاة)) رواه البخاري.
ــ
الضبي أنه قال: رأيت علياً يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. وأصل علمائنا إذا خالف الصحابي مرويه فهو يدل على نسخه، وهذا الفعل وإن لم يكن أقوى من القول فلا أقل أن يكون مثله-انتهى. قلت: إسناد أثر علي هذا أعني الذي رواه أبوداود عن جرير الضبي صحيح أو حسن كما عرفت. ومنها حديث أبي هريرة رواه أبوداود عن أبي وائل، قال: قال أبوهريرة: أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة. وفيه أن في إسناد حديث أبي هريرة أيضاً عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، فهذا الحديث أيضاً لا يصلح للاحتجاج ولا للاستشهاد ولا للاعتبار. ومنها حديث أنس ذكره ابن حزم في المحلي تعليقاً بلفظ "ثلاث من أخلاق النبوة تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة". وفه أن سنده غير معلوم لينظر فيه هل رجالهم مقبولون أم لا، وما لم يعلم سنده لا يصلح للاحتجاج ولا للاستشهاد ولا للاعتبار، وإيراد ابن حزم هذا الحديث في المحلي من غير أن يذكر سنده، وكذا إيراد غيره من الحنفية في تصانيفهم بغير سند لا يدل على كونه قابلاً للاحتجاج. فهذه الأحاديث الأربعة هي كل ما احتج به الحنفية على وضع اليدين في الصلاة، وقد عرفت أنه لا يصلح واحد منها للاحتجاج، ويذكرون أثرين: أحدهما أثر أبي المجلز التابعي رواه ابن أبي شيبة عن الحجاج بن حسان، قال: سمعت أبا مجلز أو سألته قال: قلت: كيف أضع؟ قال: يضع باطن كف يمينه على ظاهر كف شماله، ويجعلهما أسفل من السرة. وفيه أن هذا قول تابعي ينفيه الحديث المرفوع فلا يلتفت إليه، وقد روي عنه وضع اليدين فوق السرة أيضاً. والثاني ما رواه ابن أبي شيبة أيضاً عن إبراهيم النخعي، قال: يضع يمينه على شماله في الصلاة تحت السرة. وفيه أن هذا قول رجل من صغار التابعين مخالف للحديث المرفوع فلا يعبأ به. واعلم أنه لم يرد ما يدل على الفرق بين الرجل والمرأة في محل الوضع، ومذهب الحنفية أن الرجل يضع اليدين تحت السرة والمرأة تضعهما على الصدر؛ لأنه أستر لها. ولا دليل على هذا الفرق من السنة ولا من قول الصحابي. (في الصلاة) ومحل الوضع منها كل قيام هو قبل الركوع لأن الأصل هو الإرسال كما هو وضع الإنسان خارج الصلاة، فلا يترك هذا الأصل إلا فيما ورد النص على خلافه، وهو القيام قبل الركوع، وأما القومة أي الاعتدال بعد رفع الرأس من الركوع فلم يرد حديث مرفوع صريح صحيح يدل على الوضع فيه، فيكون فيه العمل على الأصل، والأحاديث المطلقة تحمل على المقيدة. (رواه البخاري) وأخرجه أيضاً مالك وأحمد كلهم من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد، وزادوا في آخره "قال أبوحازم: لا أعلمه إلا ينمي أي يرفع ويسند ويضيف ذلك إلى النبي ﷺ ". واعترض الداني في أطراف الموطأ فقال: هذا معلول؛ لأنه ظن من أبي حازم. ورد بأن أبا حازم لو لم يقل: "لا أعمله" الخ. لكان في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي "كنا نؤمر بكذا" يصرف بظاهره إلى النبي ﷺ كما تقدم. قبل: لو كان مرفوعاً ما احتاج أبوحازم إلى قوله: "لا أعمله" والجواب أنه أراد الانتقال إلى التصريح، فالأول لا يقال له مرفوع، وإنما يقال "له حكم الرفع" قاله الحافظ.
стр. 982
٨٠٥- (١٠) وعن أبي هريرة، قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها،
ــ
٨٠٥- قوله: (إذا قام إلى الصلاة يكبر) أي للدوام (حين يقوم) فيه أنه لا يتوجه ولا يصنع قبل التكبير شيئاً، وأن التكبير يكون مقارناً لحال القيام، وأنه لا يجزئ من قعود. قال ابن دقيق العيد: هذا يقتضي إيقاع التكبير في حال القيام، ولا شك أن القيام واجب في الفرائض للتكبير مع القدرة، فكل انحنا يمنع اسم القيام عند التكبير يبطل التحريم، ويقتضي عدم انعقاد الصلاة فرضاً. (ثم يكبر) أي تكبيرة النقل (حتى يركع) قال الأمير اليماني: ظاهر قوله: "يكبر حين كذا وحين كذا" أن التكبير يقارن هذه الحركات، فيشرع في التكبير عند ابتداءه للركن، وأما القول بأنه يمد التكبير حتى يتم الحركة فلا وجه له، بل يأتي باللفظ من غير زيادة على أدائه ونقصان منه. (ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يرفع صلبه) أي حين يشرع في رفعه (من الركعة) أي من الركوع يعني يقول ذلك في حال أخذه في رفع صلبه من هويه للقيام. (ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد) بحذف الواو، وفي رواية بإثباتها. وقد تقدم أن الرواية بثبوت الواو أرجح، وهي عاطفة على مقدر. أي ربنا أطعناك، وحمدناك، ولك الحمد. وقيل: زائدة. قال الأصمعي: سألت أبا عمرو عنها فقال: زائدة. تقول العرب: بعني هذا، فيقول المخاطب: نعم، وهو لك بدرهم، فالواو زائدة. وقيل: هي واو الحال، قاله ابن الأثير وضعف ما عداه. وفيه أن التسميع ذكر النهوض والرفع، والتحميد ذكر الاعتدال، واستدل به على أنه يشرع الجمع بين التسميع والتحميد لكل مصل من إمام، ومنفرد، ومؤتم، إذ هو حكاية لمطلق صلاته ﷺ ، وإن كان يحتمل أنه حكاية لصلاته ﷺ إماماً لكون ذلك هو الأكثر الأغلب من أحواله إلا أنه لو فرض هذا فإن قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" أمر لكل مصل أن يصلي كصلاته ﷺ من إمام ومنفرد ومؤتم، ثم إن هذا الحديث مفسر للأحاديث التي فيها "كان يكبر في كل خفض ورفع". (ثم يكبر حين يهوي) بفتح أوله وكسر ثالثه، أي حين يسقط ساجداً. وفيه أن التكبير ذكر الهوي فيبتدئ به من حين يشرع في الهوي بعد الاعتدال. (ثم يفعل ذلك) أي جميع ما ذكر ما عدا التكبيرة الأولى التي للإحرام (في الصلاة كلها) أي جميع ركعاتها (حتى يقضيها) أي يتمها ويؤديها. والحديث يدل على إتمام التكبير بأن يوقع في كل خفض ورفع مع التسميع في الرفع من الركوع، وقد كان وقع من بعض أمراء بني أمية تركه تساهلاً، فقد روى أحمد عن مطرف، قال: قلنا: يعني لعمران
стр. 983
ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)) متفق عليه.
٨٠٦- (١١) وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الصلاة طول القنوت))
ــ
ابن حصين يا أيا نجيد! من أول من ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفان حين كبر وضعف صوته. وهذا يحتمل إرادة ترك الجهر. وروى الطبراني عن أبي هريرة أن أول من ترك التكبير معاوية. وروى أبوعبيد أن أول من تركه زياد. وهذا لا ينافي الذي قبله؛ لأن زياداً تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان. وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء، لكن حكى الطحاوي أن قوما كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع. قال: وكذلك كانت بنوأمية تفعل، ثم استقر العمل من الأمة على فعله في كل ركعة خمس تكبيرات كما عرفته من لفظ هذا الحديث، ويزيد في الرباعية والثلاثية تكبير النهوض من التشهد الأوسط، فيتحصل في المكتوبات الخمس بتكبيرة الإحرام أربع وتسعون تكبيرة، ومن دونها تسع وثمانون تكبيرة. قال البغوي في شرح السنة: اتفقت الأمة على هذه التكبيرات، فقال النووي: هذا مجمع عليه اليوم، وقد كان فيه خلاف من زمن أبي هريرة. واختلف العلماء في حكم تكبير النقل. فقيل: واجب، وهو المشهور عن أحمد، وإليه ذهب داود وإسحاق، وابن حزم؛ لأنه ﷺ داوم عليه، وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي، ولأنه ورد تعليم ذلك في حديث المسيء في صلاته عند أبي داود وغيره كما سلف منا. واستدل لمن قال بندب تكبير الانتقال- وهم الجمهور- بما رواه أحمد وأبوداود، عن ابن أبزى عن أبيه أنه صلى مع النبي ﷺ ، فكان لا يتم التكبير. وفي لفظ لأحمد: إذا خفض ورفع. وفي رواية: فكان لا يكبر إذا خفض يعني بين السجدتين. قيل: هذا يدل على عدم الوجوب؛ لأن تركه ﷺ له في بعض الحالات لبيان الجواز والإشعار بعدم الوجوب. وأجيب عنه بأن في إسناده الحسن بن عمران. قال أبوزرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات. ونقل البخاري في التاريخ عن أبي داود الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل. وقال الطبري في تهذيب الآثار، والبزار: تفرد به الحسن، وهو مجهول. وهذا لا يعارض الأحاديث فيها تكبيرات النقل لكثرتها وصحتها وكونها مثبتة ومشتملة على الزيادة، وكون بعضها دالة على الوجوب. وقيل: المراد في حديث ابن أبزى "لم يتم الجهر أو لم يمده". (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي.
٨٠٦- قوله: (أفضل الصلاة طول القنوت) أي أفضل أركان الصلاة وأفعالها طول القنوت، أو أفضل الصلاة صلاة فيه طول القنوت، أو صلاة ذات طول القنوت. والقنوت يجئ لمعان كثيرة، والمراد هنا طول القيام. قال النووي باتفاق العلماء فيما علمت. وقال ابن العربي في شرح الترمذي (ج١: ص١٧٩، ١٧٨) : تتبعت موارد القنوت فوجدتها عشرة: الطاعة، العبادة، دوام الطاعة، الصلاة، القيام، طول القيام، الدعاء، الخشوع، السكوت، ترك الالتفات.
стр. 984
رواه مسلم.
﴿الفصل الثاني﴾
٨٠٧- (١٢) عن أبي حميد الساعدي، قال في عشرة من أصحاب النبي ﷺ : ((أنا أعلمكم بصلاة
رسول الله
ــ
وكلها محتملة أولاها السكوت والخشوع والقيام، وأحدها في هذا الحديث القيام-انتهى. ويدل على ذلك تصريح أبي داود في حديث عبد الله بن حبشي: أن النبي ﷺ سئل أي الأعمال أفضل؟ قال طول القيام. والحديث فيه دليل على أن القيام أفضل من الركوع والسجود وغيرهما. واختلف العلماء في أن القيام أفضل أو السجود. فقالت طائفة ومنهم الشافعي: إن القيام أفضل، فيكون تكميله وتطويله أهم لحديث جابر هذا وما في معناه، ولأنه أدخل في الخدمة والمشقة، ولأنه ﷺ كان في صلاة الليل يطول قيامه، ولو كان السجود أفضل لكان طوله، ولأن الذكر الذي شرع في القيام أفضل الأذكار-وهو القرآن- فيكون هذا الركن أفضل الأركان. وقالت طائفة: السجود أفضل؛ لأنه أدل على الذلة والخضوع، ولأنه روى عن أبي هريرة مرفوعاً: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، أخرجه أحمد ومسلم وأبوداود والنسائي. ولقوله ﷺ لم سأل مرافقته في الجنة: أعني بكثرة السجود، ولحديث "ما تقرب العبد إلى الله بأفضل من سجود خفي". ولا يخفى أن هذه الأحاديث لا تعارض حديث جابر ومن وافقه. أما الحديث الأول فلأنه لا يلزم من كون العبد أقر إلى ربه حال سجوده أفضليته على القيام لأن تلك الأقربة في حال السجود إنما هي باعتبار استحبابه الدعاء كما يقتضيه قوله "فأكثروا الدعاء" وهو لا ينافي أفضلية القيام. وأما الحديث الثاني فلأن غاية ما فيه أنه يدل على فضل السجود، ولا يلزم من فضل السجود أفضليته على طول القيام. وأما الحديث الثالث فلأنه لا يصح لإرساله كما قال العراقي. لأن في إسناده أبا بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. وقيل: هما متساويان. وتوقف أحمد في المسألة ولم يقض فيها بشئ. وقال إسحق بن راهوية: أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل؛ لأنه يقرأ جزءه، ويربح كثرة الركوع والسجود. قال ابن عدي: إنما قال إسحق هذا؛ لأنهم وصفوا صلاة النبي ﷺ في الليل بطول القيام، ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وصف من تطويله بالليل-انتهى. قال العراقي: الظاهر أن حديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا تشرع فيها الجماعة، وعلى صلاة المنفرد، فأما الإمام في الفرائض والنوافل فهو مأمور بالتخفيف المشروع إلا إذا علم من حال المأمومين المحصورين إيثار التطويل، ولم يحدث ما يقتضي التخفيف من بكاء صبي ونحوه، فلا بأس بالتطويل، وعليه يحمل صلاته في المغرب بالأعراف-انتهى (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وابن ماجه.
٨٠٧- قوله: (في عشرة) أي في محضر عشرة، يعني بين عشرة أنفس وحضرتهم (أنا أعلمكم بصلاة رسول الله
стр. 985
- ﷺ ، قالوا: فاعرض. قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصبي رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي
ــ
ﷺ ) فيه مدح الإنسان لنفسه لمن يأخذ عنه ليكون كلامه أوقع وأثبت عند السامع. قال الحافظ: في الحديث جواز وصف الرجل نفسه بكونه أعلم من غيره إذا أمن الإعجاب، وأراد تأكيد ذلك عند من سمعه، لما في التعليم والأخذ عن الأعلم من الفضل. وزاد في رواية: قالوا: فلِم؟ فوالله ما كنت أكثرنا له تبعة ولا أقدمنا له صحبة، وللطحاوي "قالوا: من أين؟ قال: رقبت ذلك منه حتى حفظت صلاته". (فأعرض) بهمزة وصل، أي إذا كنت أعلمنا فاعرض علينا ما تعلم، لنرى هل أصبت أو لا. قال في النهاية: يقال عرضت عليه أمر كذا، أو عرضت له الشيء: أظهرته وأبرزته إليه. اعرض بالكسر لا غير، أي بين علمك بصلاته ﷺ إن كنت صادقاً لنوافقك إن حفظناه وإلا استفدناه. (قال كان النبي ﷺ ) الخ. هذا يدل على أن أباحميد حكي صلاته ﷺ بالقول، وروى عنه أنه وصف صلاته بالفعل كما في رواية الطحاوي وابن حبان. قال الحافظ: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون وصفها مرة بالقول مرة بالفعل (حتى يحاذي بهما) أي بكفيه (منكبيه) ويكون رؤس الأصابع بحذاء أذنيه (ثم يكبر) قال ابن حجر: "ثم" ههنا بمعنى الواو لرواية البخاري السابقة "حين يكبر" وقدمت؛ لأنها أصح وأشهر. وفيه دليل على وجوب وقوع جميع تكبيرة الإحرام في القيام كما مرّ. (ثم يقرأ) قال القاري: لعل القراءة ههنا تعم التسبيح ودعاء الاستفتاح، أو التقدير: ثم يأتي بدعاء الافتتاح والتعوذ كما ثبت من روايات أخر، ثم يقرأ الفاتحة، ثم السورة كما ثبت من روايات أخر أيضاً (ويضع راحتيه على ركبتيه) أي ويفرج أصابعه، ففي رواية لأبي داود: وفرج بين أصابعه (ثم يعتدل) أي في الركوع بأن يسوي رأسه وظهره حتى يصيرا كالصفحة، وتفسيره قوله: (فلا يصبى) بالتشديد، أي لا ينزل (رأسه) أي عن ظهره. يقال: صبى الرجل رأسه يصيبه إذا خفضه جداً. قال في المجمع: وفيه أنه لا يصبي رأسه أي لا يخفضه كثيراً، ولا يميله إلى الأرض، من صبا إليه يصبو، إذا مال، وصبى رأسه تصيبه، شدد للتكثير. وقيل: هو مهموز من صبأ إذا خرج من دين. ويروي لا يصب-انتهى. ويروي أيضاً لا يصوب من التصويب، وكل من التصبية والصب والتصويب بمعنى. وقال القاري: الظاهر أن التشديد في التصبية للتعدية (ولا يقنع) من أقنع رأسه إذا رفع ونصب. أى لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره. (ثم يرفع رأسه) أي بالقومة إلى الاعتدال (معتدلاً) حال من فاعل يرفع (ثم يهوي) أي
следующие страницы →