المجلد الأول
فصل دور القران الكريم
دار القران الخيضرية
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فصل دور القران الكريم
١ - دار القران الخيضرية
شمالي دار الحديث السكرية بالقصاعين أنشأها في سنة ثمان وسبعين وثمانمائة قاضي القضاة قطب الدين أبو الخير محمد بن محمد بن عبد الله بن خيضر الخيضري الدمشقي الشافعي الحافظ ورتب فيها الفقراء والجوامك والخبز ووقف على تربته لصيق المنجكية بمحلة مسجد الذبان وعلى مطبخ باب الفراديس ومطبخ بني عديسة بالمدينة المنورة على الحال بها أفضل الصلاة وأتم السلام أوقافا دارة ولد سنة إحدى وعشرين وثمانمائة بدمشق ونشأ يتيما في حجر والدته وحفظ القران والتنبيه وأشتغل بتحصيل الحديث وسمع بمكة المشرفة والقدس وبعلبك ومصر وتخرج فيه بابن حجر١ وتفقه بالتقي ابن قاضي شهبة٢ وغيره أخذ النحو عن البصروي وخرج له التحرير وفهرس مشيخة وله مؤلفات منها طبقات الشافعية وشرح الألفية أي ألفية العراقي٣ وشرح التنبيه وولي تدريس دار الحديث الأشرفية ووكالة بيت المال وكتابة السر وقضاء الشافعية توفي رحمة الله تعالى سنة أربع وتسعين وثمانمائة ودفن بتربته بالقاهرة.
стр. 2
٢- دار القران الكريم الجزرية
قيل أنها بدرب١ الحجر قال الحافظ أبن حجر في سنة أربع وثلاثين وثمانمائة محمد بن محمد بن محمد بن يوسف الحافظ الإمام المقري شمس الدين أبن الجزري ٢ ولد ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بدمشق وتفقه بها ولهج بطلب الحديث والقران وبرز في علم القراءات وعمر مدرسة للقراء وسماها دار القرآن وأقرأ الناس وعين لقضاء الشام مدة وكتب توقيعه عماد الدين أبن كثير٣ ثم عرض عارض فلم يتم ذلك وقدم القاهرة مرارا وكان مثريا وشكلا حسنا وفصيحا بليغا وأطال ترجمته توفي في أوائل سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة
стр. 3
٣ - دار القران الكريم الدلامية
بالقرب من المار دانية بالجسر الأبيض بالجانب الشرقي من الشارع الآخذ إليه بالصالحية وفيها تربة الواقف أنشأها الجناب الخواجكي الرئيسي الشهابي أبو العباس أحمد بن المجلس الخواجكي زين الدين دلامة أبن عز الدين نصر الله البصري أجل أعيان الخواجكية بالشام إلى جانب داره ووقفها في سنة سبع وأربعين وثمانمائة كما رأيته في كتاب وقفها ورتب بها إماما وله من المعلوم مائة درهم وقيما وله مثل الإمام وستة أنفار من الفقراء الغرباء المهاجرين في قراءة القرآن ولكل منهم ثلاثون درهما في كل شهر ومن شرط الإمام الراتب أن يتصدى شيخا لا قراء القرآن للمذكورين وله على ذلك زيادة على معلوم الإمامة عشرون درهما وستة أيتام بالمكتب أعلى بابها ولكل منهم عشرة دراهم في كل شهر أيضا وقرز لهم شيخا وله من المعلوم
стр. 4
ستون درهما في كل شهر وقراءة البخاري في الشهور الثلاثة وله من المعلوم مائة درهم وعشرون درهما وناظرا وله من المعلوم في الشهر ستون درهما وعاملا وله من المعلوم كل سنة ستمائة درهم ورتب للزيت في كل عام مثلها وللشمع لقراءة البخاري والتراويح مائة درهم ولأرباب الوظائف خمسة عشر رطلا من الحلوى ورأسى غنم أضحية ولكل من الأيتام جبة قطنية وقميصا كذلك ومنديلا وقرر قارئ يوم الثلاثاء من كل أسبوع وله في الشهر ثلاثون درهما وشرط على أرباب الوظائف حفظ حزب الصباح والمساء لأبن داود١ يقرؤونه بعد صلاة الصبح والعصر وأن يكون الإمام هو القارئ للبخاري والقارئ علي ضريح الواقف والقيم هو البواب والمؤذن ثم توفي رحمه الله تعالى في ثامن عشر المحرم سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة وقد قارب الثمانين وأول من باشر الإمامة والمشيخة الشيخ شمس الدين البانياسي وقراءة الميعاد الشيخ شمس الدين أبن حامد٢.
стр. 5
٤ - دار القران الكريم الرشائية
بدرب الخزاعية شمالي الخانقاه السميساطية بباب الناطفانيين أنشأها رشأ بن نظيف بن ما شاء الله أبو الحسن الدمشقي في حدود سنة أربعمائة قال الصلاح الصفدي٣ في كتابة الوافي على الوفيات في حرف الراء رشأ٤ بن نظيف بن ما شاء الله أبو الحسن الدمشقي المقري قرأ بحرف أبن عامر٥ على أبي الحسن بن داود الداراني٦ وله دار موقوفة على القراء توفي رحمه الله تعالى سنة أربع وأربعين وأربعمائة انتهى ملخصا
стр. 6
وقال الأسدي في كتابه الأعلام بتاريخ الإسلام في سنة أربع وأربعين وأربعمائة: رشأ بن نظيف ولد في حدود سنة سبعين وثلاثمائة وقرأ بحرف أبن عامر علي أبي الحسن بن داود الداراني وقرأ بمصر والعراق بالروايات وسمع الحديث من عبد الوهاب الكلابي١ وأبي مسلم الكاتب٢ وأبي عمرو بن مهدي٣ وجماعة كثيرة روى عنه رفيقه أبو علي الأهوازي٤ وعبد العزيز الكناني٥ وأحمد بن عبد الملك المؤذن٦ وآخرون وقرأ عليه جماعة أخرهم موتا أبو الوحش سبيع أبن قيراط٧ قال الكناني وكان ثقة مأمونا انتهت إليه الرياسة في قراءة أبن عامر رحمه الله تعالى وقال الذهبي له دار موقوفة على القراء بباب الناطفانيين وقال الكتبي٨ هي التي جوار خانقاه السميساطية من الشمال قلت وقد زالت عينها وأدخلت في غيرها توفي رحمه الله تعالى في المحرم انتهى وأظنها الآن هي الإخنائية التي أنشأها قاضي القضاة بدمشق شمس الدين محمد أبن القاضي تاج الدين محمد أبن فخر الدين عثمان الإخنائي٩ الشافعي ودفن بها في شهر رجب سنة ست عشرة وثمانمائة وكان باب الخانقاه السميساطية قديما هنا ثم حول في أيام تاج الدولة تتش١٠ إلى دهليز الجامع الأموي حيث هو الآن بأذنه في ذلك.
стр. 7
٥ - دار القرآن الكريم السنجارية
تجاه باب الجامع الشمالي المسمى الناطفانيين قال أبن كثير في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة علاء الدين علي بن إسماعيل بن محمود السنجاري واقف دار القران عند باب الناطفانيين شمالي الأموي بدمشق كان أحد التجار الصدق الأخبار ذوي اليسار المسارعين إلى الخيرات توفي رحمه الله تعالى بالقاهرة ليلة الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة وقال الحافظ البرزالي في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وفي الخامس والعشرين من جمادى الآخرة وصل الخبر إلى دمشق بموت علاء الدين السنجاري التاجر المشهور وكانت وفاته ليلة الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة بالقاهرة وصلى عليه على باب زويلة ودفن عند قبر القاضي شمس الدين أبن الحريري١ الحنفي وكان رجلا جيدا فيه ديانة وبر وأنشأ دار القرآن السنجارية قبالة باب الناطفانيين أحد أبواب الجامع الأموي بدمشق ورتب فيها جماعة يقرؤون القرآن ويتلقونه وله مواعيد حديث وكتب إلي بموته زين الدين الرحبي وأنه مات فجأة وكانت جنازته حافلة ورؤيت له منامات صالحة انتهى.
стр. 8
٦ - دار القرآن الكريم الصابونية
خارج دمشق قبلي باب الجابية غربي الطريق العظمي ومزار أوس بن أوس الصحابي ﵁ وبها جامع حسن بمنارة تقام فيه الجمعة وتربة الواقف وأخيه وذريتهما إنشاء المقر الخواجكي أحمد الشهابي القضائي أبن علم الدين أبن سليمان بن محمد البكري الدمشقي المعروف بالصابوني ابتدأ في عمارة ذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثمانمائة وفرغ منه في سنة ثمان وستين وثمانمائة وخطب به شيخنا قاضي القضاة جمال الدين يوسف أبن قاضي
стр. 9
القضاة شهاب الدين أحمد الباعوني١ الشافعي في شعبان سنة ثمان وستين وثمانمائة وذكر في خطبته فضل بناء المساجد ثم خطب بها صاحبنا العالم علاء الدين علي بن يوسف بن علي بن أحمد البصروي٢ الشافعي إلى سنة تسعين وتولى إمامتها صاحبنا العالم عبد الصمد الجبرتي الحنفي ثم توفي فتولاها أبن معروف الجبرتي٣ وشرط الواقف النظر في ذلك لنفسه ثم لذريته ثم نصف النظر الحاجب دمشق كائنا من كان والنصف الآخر للإمام وشرط قراءة البخاري في الثلاثة أشهر وشرط في الخطيب أن يكون شافعي المذهب وفي الإمام إن يكون من الطائفة المباركة الجبرتية وأن يكون حنفيا وأن يكون معه عشرة فقراء من جنسه يقريهم القرآن الحكيم وجعل للإمام في المكان المذكور قاعة لسكنه وعياله وجعل للفقراء خلاوي عدة عشرة فإن لم يوجد الإمام من الجبرتية الحنفية فيمانيا فإن لم يوجد فحجازيا فإن لم يوجد فآفاقيا وجعل للمنارة عدة سنة مؤذنين وجعل قيما وبوابا وفراشا وجابيا للوقف وبنى أيضا تجاه المكان المذكور بشرق مكتبا لأيتام عشرة بشيخ يقريهم القرآن العظيم بمعاليم شرطها لهم معلومة تصرف عليهم من جهات عديدة منها عدة قرى غربي مدينة بيروت تحت يد أمير الغرب بالعين المعجمة تعرف هذه القرى بالصابونية ومنها جميع قرية مديرى بالغوطة من المرج الشمالي ومنها قرية ترحيم بالبقاع عدة فدان ونصف فدان ومنها بقرية الصويرة أربعة فدادين ومنها القرعون في البقاع ربعها ومنها بقرية كحيل بحوران عدد ستة فدادين ومنها بقرية الخيارة قبلي دمشق عدة فدان ونصف فدان ومنها بقرية السبينة الغربية عدة فدان ونصف ومنها بقرية بيت الأبيار مزرعة تعرف بالسياف ومنها بقرية جرمانا ربع بستان ومنها بالوادي التحتاني بستان يعرف بالوثاب ومنها بقرية عين ترما بستان واحد ومنها بقرية سقبا عدة سبع قطع أرض
стр. 10
ومنها بقرية حمورية بستان واحد ومنها بقرية برزة ومنها بقرية جوبر عدة أربعة بساتين ومنها بالنيرب الفوقاني عدة بساتين ومنها بأرض المزة عدة أربعة بساتين ومنها بقرية كفر سوسة عدة أربعة بساتين ومنها بأرض قينية عدة ثلاثه بساتين وأما المسقف الذي بباطن دمشق وخارجها فمنها خان البقسماط ومنها بعين لؤلؤة قاعة واحدة منها بالدباغة حانوت واحد ومنها بالعقيبة الكبرى عدة أربع طباق ومنها بالعقيبة أيضا خان طولون ومنها بسوق عمارة الأخنائي عدة ثلاثة حوانيت شركة الحرمين الشريفين ومنها بمحلة مسجد القصب عدة ستة حوانيت ومنها جوار الجامع الأموي عدة قاعتين ومنها جوار المارستان النوري عدة أربع طبقات ومنها جوار باب دمشق طبقة واحدة ومنها بالقضمانية عدة أربعه حوانيت ومنها بباب الجابية عدة ستة حوانيت ومنها بمحلة سوق الهواء خان واحد ومنها بمحلة قصر حجاج خان واحد.
وأما ما وقفه يوسف الرومي مملوك الواقف غربي مصلى العيدين جوار بستان الصاحب فبستان واحد وبقرية كفرسوسية معصرة الزيتون وقاعة لصيق الجامع والتربتين المذكورتين وعلوها طبقة أخرى قبلي ذلك وعلوها عدة طبقتين والله أعلم.
стр. 11
٧ - دار القرآن الكريم الوجيهية
قبلي المدرسة العصرونية والمسرورية وغربي الصمصامية التي شمال الخاتونية وإلى زقاقها يفتح بابها قال السيد شمس الدين الحسيني في ذيله على العبر في سنة إحدى وسبعمائه الشيخ وجيه الدين محمد بن عثمان بن المنجا التنوخي رئيس الدماشقه عن إحدى وسبعين سنة حدثنا عن جعفر الهمداني١ وغيره وهو واقف دار القرآن المذكور آنفا وقال الصفدي في الوافي في كلامه على
стр. 12
المحمدين ما عبارته وجيه الدين بن المنجا محمد بن عثمان الإمام الرئيس شيخ الأكابر وشيخ الحنابلة أبو المعالي التنوخي الدمشقي ولد سنة ثلاثين وتوفي سنة إحدى وسبعمائة وسمع من اللتي١ حضورا ومن جعفر الهمداني ومكرم٢ وسالم بن صصرى وحضر ابن المقير٣ وحمل عنه الجماعة ودرس بالمسمارية وكان صدرا محترما دينا محبا للأخيار صاحب أملاك ومتاجر وبر وأوقاف أنشأ دارا للقرآن الكريم بدمشق ورباطا بالقدس الشريف وعمل ناظرا لجامع الأموي تبرعا وكان مع سعة ثروته مقتصدا في ملبسة وتوفي بدار القرآن في شعبان في التاريخ المتقدم انتهى.
стр. 13
فصل دور الحديث الشريف
دار الحديث الإشرفية
...
فصل دور الحديث الشريف
٨ - دار الحديث الإشرفية
جوار باب القلعة الشرقي غربي العصرونية وشمالي القيمازية الحنفية قال ابن كثير في تاريخه وقد كانت دار الحديث الإشرفية دارا لهذا الأمير يعني صارم الدين قايماز بن عبد الله النجمي واقف القيمازية وله بها حمام فاشترى ذلك الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن العادل١ وبناها دار حديث وأخرب الحمام وبناه سكنا للشيخ المدرس بها انتهى.
وقال الذهبي في مختصر تاريخ الإسلام في سنة ثمان وعشرين وستمائة: وفيها أمر الملك الأشرف بعمل دار الأمير قايماز النجمي دار حديث فتمت في سنتين وجعل شيخها الشيخ تقي الدين بن الصلاح٢ انتهى. وذكر السبط٣ في سنة ثلاثين وستمائة في ليلة النصف من شعبان فتحت دار الحديث الأشرفية وأملى بها الشيخ تقي الدين بن الصلاح الحديث ووقف عليها الملك الأشرف الأوقاف وجعل بها نعل النبي ﷺ قال: وسمع الملك الأشرف صحيح
стр. 14
البخاري في هذه السنة على الزبيدي١ قلت وكذا سمعوا عليه بالدار وبالصالحية انتهى وقال في سنة خمس وثلاثين وستمائة: فيها كانت وفاة الملك الأشرف وبسط ذلك مطولا ومن شرطه في الشيخ أنه إذا اجتمع من فيه الرواية ومن فيه الدراية قدم من فيه الرواية والشيخ تقي الدين ابن الصلاح المذكور هو الإمام العلامة مفتي الإسلام أبو عمرو عثمان ابن الشيخ الإمام البارع الفقيه المفتي صلاح الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان بن يونس بن أبي نصر النصري بالنون الكردي الشهر زوري ولد سنة سبع وسبعين بتقديم السين فيهما وخمسمائة وتفقه على والده ثم نقله إلى الموصل فاشتغل فيهما مدة وبرع في المذهب.
قال ابن خلكان بلغني أنه كرر جميع كتاب المهذب ولم يطر شاربه ثم ولي الإعادة عند العناد ابن يونس٢ انتهى وسمع الكثير بالموصل وفي بغداد وديز ونيسابور ومرو وهمذان ودمشق وحران من خلائق ودرس بالقدس الشريف في الصلاحية فلما خرب الملك المعظم أسواره قدم دمشق قال الذهبي وإنما خربها لعجزه ثم لما تملك نجم الدين أيوب امر بعمارته من مغل القدس انتهى ثم درس بدمشق في الشامية الجوانية ودار الحديث المذكور قال الذهبي ولي مشيختها ثلاث عشرة سنة انتهى ثم درس بالرواحية وهو أول من درس بهما واشتغل وأفتى وكانت العمدة في زمانه على فتاويه وصنف التصانيف مع الديانة والجلالة وكان لا يمكن أحدا في دمشق من قراءة المنطق والفلسفة والملوك تطيعه في ذلك وممن أخذ عنه القاضيان ابن رزين وابن خلكان٣ والكمالان سلار٤ وإسحاق٥ وشمس الدولة عبد الرحمن بن نوح المقدسي وشهاب الدين أبو شامة وغيرهم قال ابن خلكان كان أحد
стр. 15
فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وله مشاركة في عدة فنون وكان من الدين والعلم على قدم حسن وترجمته طويلة تركناها خشية الإطالة توفي رحمه الله تعالى بدمشق في حصار الخوارزمية في السادس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة ودفن بمقابر الصوفية بطرفها بشمال قبلي الطريق.
وقال الذهبي في ذيل العبر في سنة خمس وعشرين وسبعمائة: ومات الفقيه المعمر شهاب الدين أحمد بن الفقيه العفيف محمد بن عمر الصقلي١ ثم الدمشقي الحنفي إمام مسجد الرأس في صفر وله ثمانون سنة وثلاثة أشهر وهو أخر من حدث عن ابن الصلاح انتهى ثم ولي دار الحديث بعده الشيخ الإمام العالم القاضي خطيب الشام عماد الدين أبو الفضائل عبد الكريم ابن قاضي القضاة جمال الدين عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري الخزرجي الدمشقي ابن الحرستاني ولد في شهر رجب سنة سبع وسبعين بتقديم السينين فيهما وخمسمائة بدمشق وسمع من والده ومن الخشوعي٢ ومن البهاء ابن عساكر٣ وحنبل٤ وابن طبرزد٥ وغيرهم وتهاون أبوه وفتوته السماع من يحيى الثقفي٦ وطبقته واشتغل على أبيه في المذهب وبرع فيه وتقدم وأفتى وناظر ودرس وناب عن أبيه في الحكم واشتغل بالقضاء بعد أبيه مدة قليلة ثم عزل ودرس بالغزالية مدة كما سيأتي وباشر الخطابة مدة وروى عنه الدمياطي٧ وبرهان الدين الإسكندري وابن
стр. 16
الخباز١ وابن الزراد٢ قال الذهبي وكان من كبار الأئمة وشيوخ العلم مع التواضع والديانة وحسن السمت والتجمل وولي مشيخة الأشرفية بعد أبن الصلاح فباشرها إلى أن توفي بدار الخطابة في تاسع عشرين جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وستمائة وصلي عليه بجامع دمشق ودفن عند أبيه بسفح قاسيون ثم ولي دار الحديث بعده شهاب الدين أبو شامة كما قاله الذهبي في العبر وقال تلميذه أبن كثير في سنة اثنتين وستين وستمائة: وفي جمادى الآخرة منها درس الشيخ شهاب الدين أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي بدار الحديث الأشرفية بعد وفاة القاضي عماد الدين بن الحرستاني الخزرجي وحضر عنده القاضي شمس الدين أبن خلكان وجماعة من الفضلاء والأعيان وذكر خطبة كتاب المبعث وأورد الحديث بسنده ومتنه وذكر فوائد كثيرة مستحسنة ويقال أنه لم يراجع شيئا حتى أورد درسه ومثله لايستكثر عليه ذلك انتهى.
قلت وأبو شامة هذا هو الشيخ الإمام العلامة المجتهد ذو الفنون المتنوعة شهاب الدين القاسم عبد الرحمن بن العماد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان المقدسي ثم الدمشقي الشافعي الفقيه المقريء النحوي المؤرخ صاحب التصانيف المعروف بأبي شامة لشامة كبيرة فوق حاجبه الأيسر ولد بدمشق في أحد الربيعين سنة تسع وتسعين بتقديم التاء فيهما وخمسمائة وختم القرآن وله دون عشر سنين واتقن فن القراءة على الشيخ السخاوي وله ست عشرة سنة وسمع الكثير من الشيخ الموفق٣ وعبد الجليل بن مندويه٤ وطائفة قال الذهبي وكتب الكثير من العلوم وأتقن الفقه ودرس وافتى وبرع في فن العربية وذكر أنه حصل له الشيب وهو ابن خمس وعشرين سنة وولي مشيخة القراءة بالتربة الاشرفية ومشيخة الحديث بالدار وكان مع كثرة فضائلة متواضعا مطرحا
стр. 17
للتكلف ربما ركب الحمار بين المداوير وقرأ عليه القرآن جماعة توفي رحمة الله تعالى في تاسع عشر رمضان سنة خمس وستين وستمائة ودفن بباب الفراديس على يسار المار إلى مرجة الدحداح ثم وليها بعده سنة خمس وستين المذكورة الأمام العلامة ولي الله شيخ الأسلام الفقيه الزاهد الحافظ محيي الدين أبو ذكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد ابن جمعة بن الحزامي الحزمي النواوي ١ بالألف كما رأيته وقرأته بخطه قال الذهبي بحدفها ويجوز اثباتها الدمشقي ولد في محرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة وقرأ القرآن ببلده وختم وقد ناهز الاحتلام قال أبن العطار٢ قال لي الشيخ فلما كان لي تسع عشرة سنة قدم بي والدي إلى دمشق سنة تسع وأربعين فسكنت المدرسة الرواحية وبقيت سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض وكان قوتي بها جراية المدرسة لا غير وحفظت التنبيه في نحو أربعة أشهر ونصف قال وبقيت أكثر من شهرين أو أقل يجب الغسل من إيلاج الحشفة في الفرج أعتقد أن ذلك قرقرة البطن وكنت أستحم بالماء البارد كلما قرقر بطني قال وقرأت حفظا ربع المهذب في باقي السنة وجعلت أشرح وأصحح على شيخنا كمال الدين إسحاق المغربي٣ ولازمته فأعجب بي وأحبني وجعلني أعيد لأكثر جماعته قال الأسنوي وأكثر انتفاعه عليه قال الذهبي وحج مع أبيه سنة إحدى وخمسين ولزم الاشتغال ليلا ونهارا نحو عشر سنين حتى فاق الأقران وتقدم على جميع الطلبة وحاز قصب السبق في العلم والعمل ثم أخذ في التصنيف من حدود الستين وستمائة إلى أن مات وسمع الكثير من الرضي بن البرهان٤ والزين خالد٥ وشيخ الشيوخ عبد العزيز الحموي٦ وأقرانهم وكان من متجره
стр. 18
في العلم وسعة معرفته بالحديث واللغة والفقه وغير ذلك مما قد سارت به الركبان رأسا في الزهد قدوة في الورع عديم المثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قانعا باليسير راضيا عن الله رضي الله تعالى عنه مقتصد إلى الغاية في ملبسه ومطعمه وأثاثه تعلوه سكنينة فالله يرحمه ويسكنه الجنة وولي مشيخة دار الحديث بعد الشيخ شهاب الدين أبي شامة وكان لا يتناول من معلومها شيئا بل يتقنع بما يبعث إليه أبوه توفي رحمه الله تعالى في الرابع والعشرين من رجب سنة سبع وسبعين وستمائة١ بتقديم السين فيهما ودفن بقربة نوى عند أهله.
ثم وليها بعده الشيخ زين الدين أبو محمد عبد الله بن مروان بن عبد الله بن قيراني الحسن الفارقي ٢ خطيب دمشق ومدرس الشامية واالناصرية الجوانية ولد في المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة وسمع الحديث من جماعة وأشتغل وافتى مدة طويلة ودرس في عدة مدارس قال الذهبي في معجمه كان غارفا بالمذاهب وبجملة حسنة في الحديث ذا اقتصاد في بيته وتصون في نفسه وله سطوة على الطلبة وفيه تعبد وحسن معتقد وقال ابن كثير: وكانت له همة وشهامة وصرامة ويباشر الاوقات جيدا وهو الذي عمر دار الحديث هذه بعد خرابها في فتنة قازان وقد باشرها سبعا وعشرين سنة بعد النواوي رحمهما الله تعالى إلى حين وفاته وكان معه خطابة الجامع الاموي والشامية البرانية تسعة أشهر. وقال السبكي٣: كان رجلا عالما صالحا وحكى عنه حكاية وهى تدل على كرامته توفي رحمه الله تعالى ببيت الخطابة في بالجامع المذكور بعد عصر الجمعة في
стр. 19
صفر سنة ثلاث وسبعمائة وصلى عليه ضحى يوم السبت ابن صصري١ عند باب الخطابة وبسوق الخيل قاضي الحنفية شمس الدين بن الحريري٢ وعند جامع الصالحية قاضي الحنابلة تقي الدين سليمان٣ ودفن بالصالحية بتربة اهله شمالي تربة الشيخ أبي عمر٤ ولما توفي كان نائب السلطنة نواحي البلقاء فلما قدم تكلموا معه في وظائف الفارقي فعين الخطابة لشرف الدين الفزاري٥ وعين الشامية البرانية ودار الحديث للشيخ كمال الدين ابن الشريشي٦ فأخذ منه الشامية الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني٧ ثم وصل مرسوم شريف سلطاني بجميع جهات الفارقي لصدر الدين بن الوكيل ثم جاء مرسوم بالخطابة لشرف الدين الفزاري فاستقرت دار الحديث هذه بعد الفارقي لصدر الدين ابن الوكيل وهو الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الإمام العالم مفتي المسلمين الخطيب زين الدين أبي حفص عمر بن مكي بن عبد الصمد العثماني المعروف بابن المرحل وبابن الوكيل شيخ الشافعية في زمانه وأشهرهم في وقته بالفضيلة وكثرة الاشتغال والمطالعة والتحصيل ولد بدمياط في شوال سنة خمس وستين وستمائة وسمع الحديث على جماعة من المشايخ من ذلك مسند أحمد علي بن علان٨ والكتب الستة وقرىء عليه قطع كثيرة من صحيح مسلم بدار الحديث عن الامين الاربلي٩
стр. 20
والعامري١ والمزي وكان يتكلم على الحديث بكلام مجموع من علوم شتى من الطب والفلسفة وعلم الكلام وليس ذلك بعلم وعلم الاوائل.
قال ابن كثير في هذه الترجمة في سنة ست عشرة وسبعمائة وكان يكثر من ذلك وكان يقول الشعر جيدا وله ديوان مجموع يشتمل على أشياء لطيفة وحفظ كتبا كثيرة يقال أنه إذا وضع بعضها على بعض كانت طول قامته وحفظ المفصل في مائة يوم ومقامات الحريري في خمسين يوما وديوان المتنبي في جمعة واحدة وتفقه على والده وعلى الشيخ شرف الدين المقدسي٢ والشيخ تاج الدين الفزازي٣ وغيرهم وأخذ الاصلين عن الصفي الهندي٤ والنحو عن بدر الدين بن مالك٥ وبرع وتفنن في علوم عديدة وقد أجاد معرفة المذهب والاصلين ولم يكن في النحو بذاك القوي فكان يقع منه اللحن الكثير مع أنه قرأ فيه المفصل للزمخشري وأفتى وله ثنتان وعشرون سنة واشتغل وناظر واشتهر اسمه وشاع ذكره ودرس بالشاميتين والعذراوية وكان له أصحاب يحسدونه ويحبونه وآخرون يحسدونه ويبغضونه وكانوا يتكلمون فيه بأشياء ويرمونه بالعظائم وقد كان مسرفا على نفسه وقد ألقى جلباب الحياء فيما يتعاطاه من القاذورات والفواحش وكان ينصب العداوة للشيخ تقي الدين ابن تيمية ويناظره في كثير من المحافل والمجالس وكان يعترف للشيخ تقي الدين بالعلوم الباهرة ويثني عليه ولكن كان يحاجف على مذهبه وناحيته وهواه وينافح عن طائفته وقد كان شيخ الاسلام يثني عليه وعلى علومه وفضائله ويشهد له بالاسلام وإذا قيل له في أفعاله وأعماله القبيحة فكان يقول كان مخلطا على نفسه متبعا مراد الشيطان فيه يميل الى الشهوة والمحاضرة ولم يكن كما قال فيه بعض أصحابه ممن يحسده ويتكلم فيه أو ما
стр. 21
هو في معناه وولي في وقت الخطابة بالاموي أياما يسيره ثم قام الخلق عليه وأخرجوها من يده ولم يرق منبرها ثم خالط نائب الشام أقوش الافرام فجرت له أمور لا يحسن ذكرها ولا يرشد أمرها وأخرجت جهاته ثم آل به الحال الى أن عزم على الانتقال من دمشق إلى حلب لاستحوازه على قلب نائبها الامير أستدمر١ فأقام بها ودرس ثم تردد في الرسلية بين السلطان مهنا٢ صحبة ارغون والطنبغا ثم أستقر به المنزل بمصر ودرس بها بحلقة الشافعي بجامع مصر وبالمشهد الحسيني وبالمدرسة الناصرية وهو أول من درس بها وجمع كتاب الاشباه والنظائر ومات قبل تحريره فحرره وزاد عليه ابن أخيه زين الدين٣ وشرع في شرح الاحكام لعبد الحق٤ وكتب منه ثلاثة مجلدات دالات على تبحره في الحديث والفقه والاصول.
وقال السبكي في الطبقات الكبرى: كان الوالد يعظمه ويحبه ويثني عليه بالعلم وحسن العقيدة ومعرفة الكلام على مذهب الاشعري توفي رحمه الله تعالى بكرة نهار الاربعاء رابع وعشرين من ذي الحجة سنة ست عشرة وسبعمائة بداره قريبا من جامع الحاكم بالقاهرة ودفن من يومه قريبا من الشيخ محمد بن ابي حمزة بتربة القاضي ناظر الجيش بالقرافة ولما بلغت وفاته دمشق صلى عليه بجامعها صلاة الغائب بعد الجمعة ثالث المحرم من السنة الآتية وحين بلغت وفاته ابن تيمية قال أحسن الله عزاء المسلمين فيك يا صدر الدين ورثاه جماعة منهم أبو غانم علاء الدين٥ والقحفازي والصلاح الصفدي. وقال ابن كثير في سنة ست عشرة وسبعمائة: وفي يوم الخميس سادس عشر
стр. 22
شعبان باشر الشيخ كمال بن الزملكاني مشيخة دار الحديث الاشرفية عوضا عن ابن الوكيل وأخذ في التفسير والحديث والفقه فذكر من ذلك دروسا حسنة ثم لم يستمر بها سوى خمسة عشر يوما حتى أنتزعها منه كمال الدين بن الشريشي انتهى. وكمال الدين بن الزملكاني هذا قاله ابن كثير في سنة سبع وعشرين وسبعمائة هو شيخنا الامام العلامة محمد أبو المعالي بن الشيخ علاء الدين بن عبد الواحد بن خطيب زملكا عبد الكريم بن خلف بن نبهان الانصاري الشافعي شيخ الشافعية بالشام وغيرها انتهت إليه رياسة المذهب تدريسا وافتاء ومناظرة ولد ليلة الاثنين ثامن من شوال سنة ست وستين وستمائة وسمع الكثير واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري وفي الاصول على القاضي بهاء الدين ابن الزكي١ وفي النحو على بدر الدين بن مالك وغيرهم وبرع وحصل وساد أقرانه من أهل مذهبه وحاز قصب السبق عليهم بذهنه الوقاد في تحصيل العلم الذي أسهده ومنعه الرقاد وعبارته التي هي أشهى من كل شيء معتاد وخطه الذي هو أزهر من أزاهير الوهاد وقد درس بعدة مدارس بدمشق وباشر عدة جهات كبار كنظر الخزانة ونظر المارستان النوري وديوان الملك السعيد ووكالة بيت المال وله تعاليق مفيدة واختيارات حميدة سديدة ومناظرات سعيدة ومما علقه قطعة كبيرة من شرح المنهاج للنواوي ومجلد في الرد على الشيخ العالم تقي الدين بن تيمية في مسألة الطلاق وغير ذلك انتهى.
قلت قيل إنه أول من شرح المنهاج المذكور وله فتاوى حسنة محررة والله أعلم ثم قال ابن كثير وأما دروسه في المحافل فلم أسمع أحدا من الناس درس أحسن منها ولا أحلى من عبارته وحسن تقريره وجودة احترازاته وصحة ذهنه وقوة قريحته وحسن نظمه وقد درس بالشامية البرانية والعذراوية والظاهرية الجوانية والرواحية والمسرورية فكان يعطي كل واحدة منهن حقها بحيث ينسخ كل واحد من تلك الدروس ما قيل من حسنة
стр. 23
وفصاحته ولا يهوله تعداد الدروس وكثرة الفقهاء والفضلاء بل كلما كان الجمع أكبر والفضلاء أكثر كان الدرس أنظر وأنضر وأحلى وأنصح وأفصح ثم لما انتقل إلى قضاء حلب وما معه من المدارس العديدة عاملها معامله مثلها وأوسع الفضيلة جميع أهلها وسمعوا من العلوم ما لم يسمعوا هم ولا آبائهم ثم طلب إلى الديار المصرية ليولى البلاد الشامية دار السنة النبوية فعاجلته المنية قبل وصوله فمرض وهو سائر على البريد تسعة أيام ثم عقب المرض بحران الحمام فقبضه هادم اللذات وحال بينه وبين سائر الشهوات ولإرادات والأعمال بالبينات ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها كذا فهجرته إلى ما هاجر إليه وكانت نيته الخبيثة إذا رجع إلى الشام متوليا أن يؤذي شيخ الإسلام أبن تيمية فدعا عليه فلم يبلغ أمله توفي في سحر يوم الأربعاء سادس عشر شهر رمضان منها بمدينة بلبيس وحمل إلى القاهرة ودفن بالقاهرة بمقبرة القرافة ليلة الخميس جوار قبة الإمام الشافعي رحمهما الله تعالى.
وقال أبن كثير في سنة ست عشرة وسبعمائة: وفي يوم الأحد ثامن شهر رمضان باشر الشيخ كمال الدين بن الشريشي مشيخة دار الحديث عوضا عن أبن الزملكاني انتهى، وكمال الدين بن الشريشي هذا قال أبن كثير في الوفيات من تاريخه في سنة ثمان عشرة وسبعمائة: هو الشيخ الإمام العلامة أبو العباس أحمد أبن الإمام العلامة كمال الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن سحبان البكري الوائلي مولده في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وستمائة، كان أبوه مالكيا فاشتغل هو بمذهب الشافعي فبرع وحصل علوما كثيرة وكان خبيرا بالكتابة مع ذلك وسمع الحديث ورحل وكتب الطباق بنفسه وحدث عن النجيب١ وغيره، وأفتى ودرس وباشر وناظر عدة مدارس ومناصب فكان أول ما باشر مشيخة دار الحديث بتربة أم الصالح بعد والده من سنة خمس وثمانين وستمائة إلى أن توفي، وناب في الحكم عن ابن
стр. 24
جماعة١ ثم تركه وولي وكالة بيت المال وقضاء العسكر ونظر الجامع مرات ودرس بالشامية البرانية عوضا عن زين الدين الفارقي لما تولى الناصرية وتركها ثم عاد إلى الشامية وتولى الشيخ كمال الدين الناصرية عوضا عنه لأن شرط الشامية أن لا يجمع بينها وبين غيرها وأستمر الشيخ كمال الدين بالناصرية يدرس بها عشرين سنة ثم أنتزعها من يده أبن جماعة وزين الدين الفارقي فاستعادها منهما وباشر مشيخة الرباط الناصري بقاسيون مدة أكثر من خمس عشرة سنة ومشيخة دار الحديث الأشرفية هذه ثمان سنين وكان مشكور السيرة في ما تولاه من هذه الجهات كلها وفي هذه السنة عزم على الحج فخرج بأهله فأدركته منيته بالحسا في سلخ شوال من هذه السنة ودفن هناك رحمه الله تعالى وتولى بعده الوكالة جمال الدين أبن القلانسي ودرس في الناصرية كمال الدين بن الشيرازي٢ وبدار الحديث الأشرفية الحافظ جمال الدين المزي وبأم الصالح الشيخ شمس الدين الذهبي وبالرباط الناصري ولده جمال الدين٣ انتهى.
وقال أبن كثير في سنة ثمان عشرة أيضا وفي يوم الخميس ثالث عشرين ذي الحجة باشر شيخنا ومفيدنا أبو الحجاج المزي مشيخة دار الحديث الأشرفية عوضا عن كمال الدين بن الشريشي ولم يحضر عنده كبير أحد لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك مع أنه لم يتولها أحد قبله أحق بها منه ولا احفظ منه وما عليه منهم إذا لم يحضروا عنده فإنه لايوحشه إلا حضورهم عنده وبعدهم عنه أنس انتهى.
وأبو الحجاج المزي هذا هو الإمام الحافظ الكبير شيخ المحدثين عمدة الحفاظ أعجوبة الزمان جمال الدين يوسف بن الزكي أبي محمد عبد
стр. 25
الرحمن بن يوسف بن عبد الملك بن يوسف بن علي بن أبي الزهر القضاعي الكلبي الحلبي الدمشقي ميلاده في شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة قرأ شيئا من الفقه على مذهب الإمام الشافعي وبرع في التصريف واللغة ثم شرع في طلب الحديث بنفسه وله عشرون سنة وجمع الكثير ورحل قال بعضهم ومشيخته نحو الألف وبرع في فنون وأقر له الحفاظ من مشايخه وغيرهم بالتقدم وحدث بالكثير نحو خمسين سنة فسمع منه الكبار والحفاظ وولي دار الحديث هذه ثلاثا وعشرين سنة وقد بالغ في الثناء عليه أبو حيان١ وابن سيد الناس٢ وغيرهما من علماء العصر توفي رحمة الله تعالى في صفر سنة ثنتين وأربعين وسبعمائة ودفن بمقابر الصوفية غربي قبر صاحبه ابن تيمية وهو صاحب تهذيب الكمال والأطراف وغيرهما ثم ولي بعده مشيخة دار الحديث الشيخ الإمام الفقيه المحدث الحافظ المفسر المقري الأصولي المتكلم النحوي اللغوي الحكيم الأديب المنطقي الجدلي الخلافي النظار شيخ الإسلام وقاضي القضاة تقي الدين ابو الحسن علي بن القاضي زين الدين أبي محمد السبكي الأنصاري الخزرجي ٣ قال ولده قال والدي أنه ما دخلها أعلم ولا أحفظ من المزي ولا أورع من النواوي وابن الصلاح وستأتي له ترجمة أن شاء الله تعالى في الأتابكية وولد في مستهل صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة وتوفي في جمادي الآخرة سنة ست وخمسين وسبعمائة.
وهذا آخر ما انتهى إلينا ممن ولي مشيخة دار الحديث هذه على الترتيب ثم وليها جماعات أخر لم أتحقق الترتيب بينهم فمنهم الحافظ العلامة عماد الدين أبو الفدا إسماعيل بن عمر بن كثير بن عنوني بن ضوء بن زرع٤ القرشي البصروي الدمشقي ميلاده سنة إحدى وسبعمائة
стр. 26
وتفقه على الشيخ برهان الدين الفزاري١ وكمال الدين ابن قاضي شهبة ثم صاهر الحافظ أبا الحجاج المزي ولازمه وأخذ عنه وأقبل على العلم أي علم الدين وأخذ الكثير عن ابن تيمية وقرأ الأصول على الشيخ الأصفهاني٢ وولي مشيخة أم الصالح بعد موت الذهبي ومشيخة دار الحديث مدة يسيرة ثم اخدت منه قال الحافظ ابن حجي٣ السعدي كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث وأعرفهم بتخريجها ورجالها وصحيحها وسقيمها وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك وكان يستحضر شيئا كثيرا من التفسير والتاريخ قليل النسيان وكان فقيها جيد الفهم صحيح الدين ويحفظ التنبيه إلى آخر وقت ويشارك في العربية مشاركة جيدة ونظم الشعر وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا وأخذت منه توفي رحمة الله تعالى في شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية ومنهم العلامة قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب ابن الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي الحسن الأنصاري الخزرجي السبكي ميلاده بالقاهرة سنة سبع بتقديم السين وقيل ثمان وعشرين وسبعمائة وحضر وسمع بمصر من جماعة ثم قدم دمشق مع والده في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسمع بها من جماعة واشتغل على والده وعلى غيره وقرأ على الحافظ المزي ولازم الذهبي وتخرج به وطلب بنفسه ودأب قال الحافظ شهاب الدين: أخبرني أن الشيخ شمس الدين ابن النقيب أجازه بالإفتاء والتدريس ولما مات ابن النقيب٤ كان عمر القاضي تاج الدين ثماني عشرة سنة وأفتى ودرس وحدث وصنف وناب عن أبيه بعد وفاة أخيه القاضي حسين٥ ثم اشتغل بالقضاء بسؤال والده في شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين ثم عزل مدة لطيفة
стр. 27
ثم أعيد ثم عزل بأخيه بهاء الدين١ وتوجه إلى مصر على وظائف أخيه ثم عاد إلى القضاء على عادته وولي الخطابة بعد وفاة ابن جملة ثم عزل وحصلت له محنة شديدة وسجن بالقلعة نحو ثمانين يوما ثم عاد إلى القضاء وقد درس بمصر والشام بمدارس كبار فبدمشق العزيزية والعادلية الكبرى والغزالية والعذرواية والشاميتين والناصرية والأمينية ومشيخة دار الحديث الأشرفية هذه وقد ذكر شيخه الذهبي في المعجم المختص وأثنى عليه وقال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله وحصل له من المناصب ما لم يحصل لأحد قبله وسيأتي ذكره في المدارس المتقدمة توفي شهيدا بالطاعون في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وسبعمائة ودفن بتربتهم بسفح قاسيون عن أربع وأربعين سنة.
ومنهم قاضي القضاة بقية الأعلام صدر مصر والشام بهاء الدين أبو البقاء محمد ابن القاضي سديد الدين عبد البر ابن الإمام صدر الدين يحيى ابن علي الأنصاري الخزرجي السبكي المصري الدمشقي الحاكم بالديار المصرية والبلاد الشامية مولده في شهر ربيع الأول سنة سبع بتقديم السين وسبعمائة وتفقه على قطب الدين السنباطي٢ ومجد الدين الزنكلوني٣ وزين الدين ابن الكتاني٤ وغيرهم وقرأ الأصول على جده صدر الدين والشيخ علاء الدين القونوي٥ ثم على ابن عم أبيه شيخ الإسلام السبكي وقرأ عليه كتاب الأربعين في أصول الدين وقرأ النحو على أبي حيان وأخذ المعاني عن القاضي جلال الدين القزويني٦ وروى عنه كتابه تلخيص المفتاح وسمع
стр. 28
الحديث بمصر والشام وخرج له الحافظ أبو العباس الدمياطي جزءا من حديثه وحدث به وشغل الناس بمصر ثم قدم مع قاضي القضاة السبكي إلى دمشق فاستنابه وتصدى لشغل الناس بالعلم وقصده الطلبة وحضر حلقته الفضلاء وعلا صيته وتقدم على شيوخ الشام وله إذ ذاك بضع وثلاثون سنة واشتهرت فضائله ودرس بالأتابكية والظاهرية البرانية والرواحية والقيمرية كما سيأتي فيهن ثم ولي القضاء بدمشق مع تدريس الغزالية والعادلية مدة يسيرة ثم طلب إلى مصر في أوائل سنة خمس وستين بعد ما نزل عن وظائفة لولديه فولي قضاء العسكر والوكالة السلطانية ونيابة الحكم الكبرى ثم ولي قضاء القضاة بالديار المصرية مع الوظائف المضافة إلى القضاء واستمر نحو سبع سنين ثم عزل ودرس بقبة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى والمنصورية ثم ولي قضاء الشام وقدمها في أوائل سنة سبع وخمسين قاضيا ومدرسا بالغزالية والعادلية والناصرية وشيخا بدار الحديث الاشرفية وأضيف إليه قبل موته بشهر الخطابة بالجامع الأموي توفي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى سنة سبع بتقديم السين وسبعين وسبعمائة فاجتمعت في ميلاده سينان وفي وفاته ثلاث ودفن بتربة السبكيين بالسفح.
ومنهم ولده قاضي القضاة ولي الدين أبو ذر عبد الله ١ ميلاده في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبعمائة بالقاهرة وسمع من جماعة بها وسمع بدمشق من الحافظ المزي وأبي العباس الجزري وغيرهما وحفظ الحاوي الصغير وأخذ عن والده وغيره وأفتى ودرس بالشامية الجوانية والرواحية والأتابكية والقيمرية وناب قي القضاء وولي وكالة المال ثم ولي القضاء والخطابة ومشيخة دار الحديث وتداريس القضاء سنة سبع وسبعين نحو ثمان سنين ونصف إلى أن توفي في شوال سنة خمس وثمانين وسبعمائة ودفن عند والده بتربة السبكيين بالسفح.
стр. 29
ومنهم الإمام العلامة الأوحد المفنن الفقيه المحدث المفسر الواعظ زين الدين أبو حفص عمر بن مسلم بن سعيد بن عمر بن بدر بن مسلم القرشي الملحي ١ "بفتح الميم واللام" الدمشقي ولد في شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة وورد دمشق بعد الأربعين واشتغل في الفقه على خطيب جامع الجراح شرف الدين قاسم وأخذ عن الشيخ علاء الدين حجي وأخذ علم الأصول عن الشيخ بهاء الدين الأخميمي واشتغل في الحديث وشرع في عمل المواعيد فكان يعمل مواعيد نافعة ويقيد الخاصة والعامة وانتفع به خلق كثير من العوام وصار لديه فضيلة وأفتى وتصدى للإفادة ودرس بالمسرورية ثم بالناصرية ووقع بينه وبين قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة بسببها وحصل له محنة ثم عوض عنها بالأتابكية ثم أخذت منه فلما ولي ولده شهاب الدين أحمد قضاء دمشق في سنة إحدى وتسعين ترك له الخطابة وتدريس الناصرية والأتابكية ثم فوض إليه دار الحديث الأشرفية هذه فلما جاءت دولة الظاهر برقوق أخذ وأعتقل مع ابنه في القلعة وجرت لهما محن وطلب منهما أموال فرهن كثيرا من كتبه على المبلغ الذي طلب منهما وولده هذا درس في الحلقة الكندية بالجامع الأموي في شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وولي مشيخة الشيوخ والأسرار والإسراء وغير ذلك قال الحافظ شهاب الدين بن حجي٢ برع الشيخ زين الدين في علم التفسير وأما علم الحديث فكان حافظا للمتون عارفا بالرجال وكان سمع الكثير من شيوخنا وله مشاركة في العربية انتهى وقال الشيخ تقي الدين الأسدي: وكان القاضي تاج الدين يعني السبكي هو الذي أدخله بين الفقهاء فلما حصل له المحنة كان ممن قام عليه وكان مشهورا بقوة الحفظ ودوامه إذا حفظ شيئا لا ينساه كثير الإنكار على أرباب الشبه شجاعا مقداما كثير المساعدة لطلبة العلم يقول الحق على من كان من غير مداراة في الحق ولا محاباة وملك من نفائس
стр. 30
الكتب شيئا كثيرا وكان كثير العمل والاشتغال لا يمل من ذلك ولم يزل حاله على أحسن نظام إلى أن قدر الله عليه ما قدر وتوفي معتقلا بقلعة دمشق في ذي الحجة سنة ثنتين وتسعين وسبعمائة ودفن بالقبيبات وشهد جنازته خلق كثير لا يحصون انتهى. قلت وقبره مشهور بآخر مقبرة المزرعة الشرقية: المزار المعروف الآن بصهيب الرومي قبلي الزوزانية وشمالي زاوية الرفاعي شرقي ميدان الحصى ويتبرك بالدعاء عنده.
ومنهم الشيخ الحافظ المصنف الخير شمس الدين أبو عبد الله محمد بم أبي بكر بن عبد الله بن محمد بن بهاء الدين أبي بكر عبد الله ابن ناصر الدين محمد بن أحمد بن مجاهد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن علي القيسي١ الدمشقي الشافعي المحدث المعروف بلقب جده ميلاده بدمشق سنة سبع وسبعين وسبعمائة وطلب الحديث وجود الخط على طريقة الذهبي بحيث أنه حاكاه سمع وأكثر عن المشايخ الدمشقيين وغيرهم فمن شيوخه أبو هريرة بن الذهبي٢ ومحمد بن محمد بن عبد الله بن عوض وارسلان بن أحمد الذهبي والشهاب أحمد بن علي بن علي الحسيني٣ وعمر البالسي٤ وأبو اليسر أبن الصائغ٥ ومحيي الدين الفرضي ومن لا يحصى كثرة وصنف تصانيف كثيرة منها المولد النبوي في مجلدات ثلاثة ومنها المولد المختصر في كراسة ومنها توضيح المشتبه في ثلاثة مجلدات ومنها الاعلام بما وقع في مشتبه الذهبي من الأوهام ومنها بديعة البيان عن موت الاعيان نضم فيها حفاظ الإسلام إلى عصره وشرحها ومنها القصيدة المسماة بواعث الفكرة في حوادث الهجرة ومنها القصيدة المضمنة أنواع الحديث وشرحها مطولا
стр. 31
ومختصرا، ومنها المسلسلات وسماها نفحات الأخيار في مسلسلات الأخبار ومنها رفع الملام عمن حقق والد محمد بن سلام ومنها معراجان مطول ومختصر، ومنها كراريس في افتتاح الصحيح، وعدة ختوم نقلت ذلك من أسند عما بخطه ورأيت بخطة وصولا صورته الحمد لله قبض كاتبه محمد ابن أبي بكر بن عبد الله بن محمد عفا الله عنهم من سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى القاضي بدر الدين أبي عبد الله محمد بن المغربي الشافعي أدام الله تأييده وبركته وحرس مجده ونعمته مبلغ خمسمائة درهم نصفها مائتا درهم وخمسون درهما بما في القبض مبلغ مائة درهم على يد القاضي تقي الدين الصغير أيده الله تعالى كتبت بها خطي والقبض المذكور عنه معلوم كاتبه عن مشيخة دار الحديث الاشرفية بدمشق تغمد الله تعالى واقفها بالرحمة والرضوان عن سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة انتهى قلت: وقد ظلمه شيخنا البرهان البقاعي١ في عنوان العنوان.
قال الشيخ تقي الدين الاسدي: في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين توفي ليلة الجمعة سادس عشرية وصلي عليه من الغد قبل الصلاة بجامع التوبة ودفن بمقابر باب الفراديس بطرفها الغربي من جهة الشمال واستقر الشيخ علاء الدين بن الصيرفي عوضه في مشيخة دار الحديث الاشرفية وتفرقت بقية جهاته ولم يحصل لأحد من الطلبة منها شيء انتهى. بعد أن ترك بياضا نحو ورقة. والشيخ علاء الدين بن الصيرفي المشار إليه هو العلامة الأوحد الفقيه أبو الحسن علي بن عثمان بن عمر بن صالح الدمشقي الشافعي المحدث ميلاده سنة ثمان وسبعين وسبعمائة وسمع من ابن أبي المجد البخاري ومن البدر بن قوام٢ بعض الموطأ رواية أبي مصعب ومن أحمد بن علي بن محمد بن عبد الحق٣ وعمر البالسي وحسن بن محمد بن علي أبي الفتح البعلي والبرهان بن
стр. 32
صديق وفاطمة بنت المنجا١ وغيرهم ولزم السراج البلقيني٢ والحافظ العراقي٣ وسمع منهما وله مؤلفات منها كتاب "الوصول لما وقع في الرافعي من الاصول" و"شرح المنهاج للنواوي" وشيء في الوعظ وناب في درس الشامية البرانية وبالغزالية ودرس في دار الحديث هذه وكان صالحا متواضعا توفي بدمشق سنة أربع وأربعين وثمانمائة ودفن بمقبرة باب الصغير بطرفها القبلي اتجاه باب المصلى.
فوائد: الاولى: قال الشيخ تقي الدين السبكي في كتاب الوقف من فتاويه، من وقف دار الحديث هذه ثلث حزرما وقفا مؤبدا.
الثانية: كان ينوب عن أبن الشريشي في مشيخة دار الحديث هذه الشيخ صدر الدين سليمان بن هلال الجعفري الحوراني٤ صاحب النواوي توفي سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
الثالثة: قال الشيخ تقي الدين الاسدي في تاريخه وفي يوم الاثنين عاشر ربيع الاخر سنة ثلاث وثلاثين بعد خروج القضاة من دار السعادة حضر قاضي القضاة شهاب الدين الونائي بدار الحديث الاشرفية وحضر معه القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء وتكلم على الحديث الاول من صحيح مسلم بعد ما رواه بسنده انتهى.
وقال في تاريخه أيضا: في صفر سنة ست وأربعين في يوم السبت الحادي والعشرين منه حضر قاضي القضاة يعني شمس الدين الونائي٥ بدار الحديث الاشرفيه ثم في العادلية الكبرى وفي يوم الثلاثاء حضر الغزالية والبادرائية،
стр. 33
وسبب ذلك أنه أراد الحضور في يوم الأحد فقيل له إن الفقهاء لا يتفرغون بحضورهم معك وكذلك في يوم الأربعاء فحضر في هذين اليومين انتهى.
وفي أخر جمعة في شهر رمضان بعد صلاتها سنة أربع وتسعمائة حضر بها قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور١ ومعه القضاة الثلاثة ونوابهم ومشايخ الإسلام والمسندون بدمشق، لإسماع ولده الولوي محمد٢ عليهم فقرأ عليهم قطعا متفرقة من نحو سبعين كتابا بعد أن قرأ الولوي المذكور الحديث المسلسل بالأولية وستة أحاديث من الكتب الستة وكان المرتب لهذا المجلس الشيخ شمس الدين الخطيب المصري الحنفي.
الرابعة: قال السيد الحسيني في ذيله في سنة ثلاث وستين وسبعمائة مات الشيخ الصالح الزاهد العابد الناسك فتح الدين يحيى بن الإمام زين الدين عبد الله بن مروان الفارقي الاصل الدمشقي الشافعي خازن الاثر الشريف وإمام الدار الاشرفية ولد سنة ثنتين وسبعين وسمع الشيخ شمس الدين بن أبي عمر٣ وكان أخر أصحابه وسمع الفخر وابن شيبان٤ وخلقا وحدث باليسير من مسموعاته تورعا وكان ذا زهد وورع حسن ويقنع باليسير وقيض لي السماع منه توفي في سادس عشرين من شهر ربيع الآخر انتهى.
الخامسة: قال الذهبي في كتاب العبر: في سنة ثمان وأربعين وستمائة والمجد ابن الاسفراييني قارئ دار الحديث أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمر الصوفي روى عن المؤيد الطوسي٥ وجماعة توفي في ذي القعدة بالسميساطية وقال أيضا في سنة خمس وثمانين: وابن المهتار الكاتب المجود والمحدث الورع مجد الدين يوسف بن محمد بن عبد الله المصري ثم الدمشقي الشافعي
стр. 34
قارئ دار الحديث الاشرفية ولد في حدود سنة عشر وسمع من ابن الزبيدي وابن الصباح١ وطبقتهما وروى الكثير توفي تاسع ذي القعدة انتهى.
وولي الاقراء بها الامام العالم البارع سيف الدين أبو بكر بن عبد الله الحريري البعلبكي الدمشقي ٢ ولد سنة نيف وتسعين بتقديم التاء وستمائة واشتغل في الفقه والحديث ولازم الحافظ المزي مدة وقرأ العربية وفضل فيها وقرأ القرآن على الكفري٣ وسمع من جماعة ودرس بالظاهرية البرانية كما سيأتي فيها عوضا عن الاردبيلي كما انتقل إلى تدريس الناصرية كما سيأتي وأعاد بغيرها وولي مشيخة النحو بالناصرية والاقراء بدار الحديث الاشرفية ذكره الذهبي في المعجم المختص وقال فيه الامام المحصل ذو الفضائل سمع وكتب وتعب واشتغل وأفاد وسمع مني وتلا بالسبع وأعرض عن أشياء من فضلات العلم توفي في ربيع الأول سنة سبع بتقديم السين وأربعين وسبعمائة ودفن بالصوفية.
стр. 35
٩ - دار الحديث الأشرفية البرانية .
المقدسية بسفح جبل قاسيون على حافة نهر يزيد تجاه تربة الوزير تقي الدين توبة بن علي التكريتي وشرقي المدرسة المرشدية الحنفية وغربي الاتابكية الشافعية بناء الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن العادل باني دار الحديث الأشرفية المتقدمة قبل هذه للحافظ ابن الحافظ جمال الدين عبد الله بن تقي الدين عبد الغني المقدسي ٤ قال ابن مفلح في طبقاته: عبد الله بن عبد الغني ابن علي بن سرور المقدسي ثم الدمشقي الحافظ ابن الحافظ جمال الدين، سمع بدمشق من عبد الرحمن بن علي الخرقي والخشوعي وغيرهما، وببغداد من ابن
стр. 36
كليب١ وابن المعطوش٢، وبأصبهان من أبي المكارم ابن اللبان وخلق آخرين وبمصر من ابن أبي عبد الله الأرتاجي٣ وكتب بخطه الكثير وجمع وصنف وأفاد وقرأ القراآت على عمه العماد٤ والفقه على الشيخ موفق الدين٥ والعربية على أبي البقاء العكبري٦
قال الحافظ الضياء٧: كان علما في وقته وقال الحافظ ابن الحاجب٨: لم يكن في عصره مثله في الحفظ والمعرفة والأمانة وكان كثير الفضل وافر العقل متواضعا مهيبا جوادا سخيا له القبول التام مع العبادة والورع والمجاهدة وقال الذهبي: روي عنه الضياء وابن أبي عمر وابن البخاري٩ وآخر من روى عنه اجازة القاضي تقي الدين سليمان بن حمزة١٠ وبنى له الملك الأشرف١١ دار الحديث بالسفح وجعله شيخها وقرر له معلوما فمات قبل فراغها توفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة خامس شهر رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة ودفن بالسفح ورآه بعضهم في النوم فقال له ما فعل الله بك فقال أسكنني على بركة رضوان ورآه آخر فسأله فقال لقيت خيرا فقال له كيف الناس فقال متفاوتون على قدر أعمالهم انتهى كلام ابن مفلح وأول من درس بهذه الدار القاضي شمس الدين بن أبي عمر١٢.
стр. 37
قال ابن كثير في سنة ثنتين وثمانين وستمائة شيخ الجبل الشيخ الامام العلامة شيخ الاسلام شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي أول من ولي قضاء الحنابلة بدمشق ثم تركه وتولاه ابنه نجم الدين١ وتدريس الاشرفية بالجبل وقد سمع الحديث الكثير وكان من علماء الناس وأكثرهم ديانة في عصره وأمانة مع هدوء وسمت حسن وخشوع ووقار توفي رحمه الله تعالى ليلة الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة ودفن في مقبرة والده ثم ولي تدريسها الامام شمس الدين بن الكمال٢.
قال الذهبي في تاريخه العبر في سنة ثمان وثمانين وستمائة الشيخ المحدث شمس الدين بن الكمال أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد ابن أحمد المقدسي الحنبلي ولد سنة سبع وستمائة وسمع الكندي٣ وابن الحرستاني حضورا ومن داود بن ملاعب٤ وطائفة وعني بالحديث وجمع وخرج مع الدين المتين والورع والعبادة وولي مشيخة الضيائية ومشيخة الأشرفية بالجبل.
وقال الصفدي في تاريخه في المحمدين: الشيخ القدوة الصالح شمس الدين ابن الكمال ابن أخي الحافظ ضياء الدين سمع من أبي الفتوح البكري وموسى ابن عبد القادر٥ والشمس أحمد العطار٦والعماد إبراهيم والشيخ الموفق وابن أبي لقمة٧ وابن صصري٨ وابن البن٩ وزين الامناء١٠ وابن راجح١١ وأحمد بن طاوس وابن الزبيدي وخلق كثير وحدث بالكثير نحو أربعين
стр. 38
سنة، وتمم تصنيف الأحكام الذي جمعه عمه الحافظ الضياء وكان فاضلا نبيها حسن التحصيل وافر الديانة كثير العبادة نزها عفيفا نظيفا روى عن القاضي تقي الدين سليمان وابن تيمية وابن العطار والمزي وابن مسلم١ وابن الخباز٢ والبرزالي٣. وولي مشيخة الأشرفية التي بالجبل وقرأ غير مرة ودرس بالضيائية وحج مرتين وحفر مكانا بالصالحية لبعض شأنه فوجد جرة مملوءة ذهبا وكانت معه زوجته تعينه فطمه وقال لزوجته: هذا فتنة وله مستحقون لا نعرفهم فوافقته وطماه وتركاه توفي رحمه الله تعالى في تاسع جمادى الآخرة وهي سنة ثمان وثمانين وستمائة ثم درس بها الشرف حسن المقدسي.
قال ابن كثير في تاريخه في سنة خمس وتسعين وستمائة هو قاضي القضاة شرف الدين أبو الفضل الحسن ابن الشيخ الامام الخطيب شرف الدين أبي بكر عبد الله ابن الشيخ أبي عمر المقدسي سمع الحديث وتفقه وبرع في الفروع والفقه واللغه وفيه أدب وحسن محاضرة مليح الشكل تولى القضاء بعد نجم الدين ابن الشيخ شمس الدين في أواخر سنة سبع وثمانين ودرس بدار الحديث الاشرفية بالجبل.
وقال الصفدي في تاريخه في حرف الحاء: الحسن بن عبد الله ابن الشيخ القدوة الزاهد أبي عمر بن أحمد بن محمد بن قدامة قاضي القضاة شرف الدين أبو الفضل ابن الخطيب شرف الدين الصالحي الحنبلي ولد سنة ثمان وثلاثين وستمائة وسمع من ابن قميرة٤ وابن مسلمة٥ والمرسي٦ واليلداني٧ وجماعة،
стр. 39
وقرأ الحديث بنفسه على الكفرطابي١ وغيره وتفقه على عمه شمس الدين وصحبه مدة وبرع في المذهب وكان مديد القامة حسن الهيأة به شيب يسير وفيه لطف كثير ومكارم وسيادة ومروءة وديانة وصيانة وأخلاق زكية وسيرة حسنة في الاحكام سمع منه البرزالي وغيره ودرس بمدرسة جدة وبدار الحديث الاشرفية وولي القضاء بعد نجم الدين ابن الشيخ توفي ليلة الخميس الثاني والعشرين من شوال ودفن من الغد بمقبرة جده بالسفح وحضر نائب السلطنة والقضاة والأعيان جنازته وعمل من الغد عزاؤه بالجامع المظفري وباشر القضاء بعده تقي الدين سليمان بن حمزة قال ابن كثير وكذا مشيخة دار الحديث الاشرفية بالسفح وقد وليها شرف الفائق الحنبلي النابلسي٢ مدة شهور ثم صرف عنها واستقرت بيد التقي سليمان المقدسي انتهى.
وتقي الدين سليمان هذا هو المقدسي، قال ابن كثير في سنة خمس عشرة وسبعمائة: القاضي السند العمدة الرحلة تقي الدين سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر ابن الشيخ ابي عمر المقدسي الحنبلي الحاكم بدمشق ولد في نصف شهر رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة وسمع الحديث الكثير وقرأ بنفسه وتفقه وبرع وولي الحكم وحدث وكان من خيار الناس وأحسنهم خلقا وأكثرهم مروءة توفي رحمه الله تعالى فجأة بعد مرجعه من البلد وحكمة بالجوزية فلما صار إلى منزله بالدير تغيرت حاله ومات عقب صلاة المغرب ليلة الاثنين حادي وعشرين ذي القعدة ودفن من الغد بتربة جدة حضر جنازته خلق كثير وجم غفير.
وقال الذهبي في مختصر تاريخه: أي تاريخ الاسلام وله ثمان وثمانون سنة وكان مسند الشام في وقته وقال في العبر أي في الذيل في سنة خمس عشره وسبعمائه ومات في ذي القعده فجأة قاضي القضاة تقي الدين أبو الفضل
стр. 40
سليمان روى الصحيح عن الزبيدي١ حضورا وسمع من ابن اللتي وجعفر وابن المقير وكريمة٢ وابن الجميزي٣ والحافظ الضياء وأجاز له عمر بن كرم٤ وأبو الوفاء محمد بن محمود بن منده٥ وشهاب الدين السهروردي٦ وله معجم في مجلدين عمله ابن الفخر وكان بصيرا بالمذهب دينا متعبدا متواضعا كثير المحاسن واسع الرواية أفتى نيفا وخمسين سنة وتخرج به الفقهاء انتهى. ثم درس بها ولده بعده عز الدين.
قال الذهبي في تاريخه في سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة ومات في صفر قاضي الحنابلة عز الدين محمد ابن قاضي القضاة تقي الدين سليمان المقدسي وله ست وثلاثون سنة روى عن الشيخ وعن أبي بكر الهروي وبالإجازة عن ابن عبد الدائم٧ ودرس بدار الحديث الاشرفية وغيرها وكان متوسطا في العلم والحكم متواضعا ثم درس بها ولده بعده بدر الدين قال الصفدي في حرف الحاء: الحسن بن محمد بن سليمان بن حمزة ابن الشيخ الإمام أقضى القضاة بدر الدين ابن قاضي القضاة سليمان المقدسي الأصل ثم الدمشقي، سمع من جده وعيسى٨ المطعم ويحيى بن سعد٩ وغيرهم وحدث ودرس بدار الحديث الأشرفية بالسفح وذكر لي جدي الشيخ شرف الدين أنه كان يحفظ شيئا من شرح المقنع للشيخ شمس الدين بن أبي عمر مقدارا ويلقيه في الدرس ويتكلم الحاضرون فيه ودرس بالجوزية وكان بيده نصف تدريسها وناب في الحكم عن ابن قاضي الجبل بعد عزله بصلاح الدين ابن المنجا وقد أعيد بعد وفاته مات ليلة الخميس خامس شهر ربيع الأول سنة سبعين وسبعمائة ودفن بالسفح ثم استمر كل من تولى قضاء الحنابلة يتولاها وإن لم يكن أهلاً